كتاب الأيمان
الأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان﴾ [المائدة: 89]، وقوله سبحانه: ﴿ولا تَنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ [النحل: 91].
وأما السنة؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني والله! إن شاء الله لا أحلفُ على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيتُ الذي هو خير وتحللتُها» 1 متفق عليه.
وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون في الجملة على جواز الأيمان.
قال المصنف رحمه الله: (واليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين بالله تعالى أو صفة من صفاته).
أما كون اليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين بالله تعالى أو صفة من صفاته؛ فلأن الكفارة لا تجب باليمين بغيره؛ لأن غيره لا يساويه.
فلم يجز إلحاقه به.
وأما كونها تجب باليمين فلا خلاف فيه؛ فلأن اليمين عند الإطلاق تنصرف إلى اليمين بالله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أحلفُ على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحللتُها» 2.
وأما كونها تجب باليمين بصفة من صفاته؛ فلأن في الحديث: «أن النار تقول: قَطٍ قَطٍ.
وعِزَّتِك! » 3. رواه البخاري.
الجزء: 4 - الصفحة: 421
ولأن صفات الله تعالى كلها قديمة.
فكان الحلف بها موجباً للكفارة؛ كالحلف بالله تعالى.
قال: (وأسماء الله تعالى قسمان:
أحدهما: ما لا يُسمى به غيره نحو: والله، والقديم الأزلي، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، وخالق الخلق، ورازق العالمين.
فهذا القسمُ به يمينٌ بكل حال).
أما كون أسماء الله تعالى قسمين؛ فلأن منها ما لا يُسمى به غيره، ومنها ما يُسمى به غيره.
وأما كون أحدهما ما لا يسمى به غيره نحو: والله ... إلى العالمين فظاهر؛ لأن غير الله لا يتصف بشيء مما ذكر.
فلا يسمى به؛ لانتفاء معناه فيه.
وأما كون القَسَم بهذا القِسْم يميناً بكل حال أي نوى به اليمين أو لم ينو؛ فلأن اليمين بذلك صريح في مقصوده.
فلم يفتقر إلى النية؛ كصريح الطلاق والعتاق وغير ذلك من الصريح.
قال: (والثاني: ما يُسمى به غيره.
وإطلاقه ينصرف إلى الله سبحانه: كالرحمن والرحيم والعظيم والقادر والرب والمولى والرازق ونحوه.
فهذا إن نوى بالقَسم به اسم الله تعالى أو أطلق فهو يمين.
وإن نوى غيره فليس بيمين).
أما كون الثاني من قسمي أسماء الله تعالى ما يُسمى به غيره كالرحمن ... إلى والرازق ونحوه؛ فلأن معنى ذلك كله موجود في غيره، وقد وُجد استعمال اللفظ فيه.
وأما كون إطلاقه ينصرف إلى الله سبحانه؛ فلأن استعماله فيه أكثر، والإطلاق ينصرف إلى الأكثر.
وأما كونه يميناً مع النية؛ فظاهر.
وأما كونه يميناً مع الإطلاق؛ فلما تقدم من أن استعمال ذلك في " الله " أكثر من غيره، وأن الإطلاق يحمل على الأكثر.
وأما كونه ليس بيمين إذا نوى غير الله؛ فلأن النية تصرف اللفظ عن ظاهره.
فإذا أريد به غيره لم يبق قسماً؛ لعدم تناوله لما يُوجب القسَم.
الجزء: 4 - الصفحة: 422
قال: (وأما ما لا يُعدّ من أسمائه؛ كالشيء والموجود.
فإن لم ينو به الله تعالى لم يكن يميناً.
وإن نواه كان يميناً.
وقال القاضي: لا يكون يميناً أيضاً).
أما كون الحلف بذلك لا يكون يميناً مع عدم النية؛ فلأن الذي يجب بالحلف به الكفارة لم يُقصد ولا اللفظ ظاهر في إرادته.
فوجب أن لا يترتب عليه ما يترتب على الحلف بالله.
وأما كونه يميناً إذا نوى بذلك اليمين على المذهب؛ فلأنه يصح أن يُقسم بشيء يصح أن يُراد به الله قاصداً به الحلف.
فكان يميناً مكفرة؛ كما لو قال: والملك والقادر.
وأما كونه لا يكون يميناً على قول القاضي؛ فلأن اليمين إنما تنعقد بحرمة الاسم، فمع الاشتراك لا يكون له حرمة، والنية بمجردها لا تنعقد بها اليمين.
والأول أصح؛ لما ذكر.
وقوله: مع الاشتراك لا حرمة للاسم باطلٌ بالاسم المشترك الظاهر في " الله ".
وقوله: النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين مسلم.
واليمين هاهنا ما انعقدت بمجرد النية بل بها مع اللفظ المحتمل؛ لأن النية تصرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتمليه.
قال: (وإن قال: وحقِّ الله، وعهد الله، وايم والله، وأمانة الله، وميثاقه وقدرته، وعظمته وكبريائه، وجلاله وعزته ونحو ذلك فهو يمين).
أما كون قول: وحق الله يميناً؛ فلأن عرف الاستعمال يشهد أن يستعمل في القسم.
فوجب أن يكون قسماً.
وأما كون قول: وعهد الله يميناً؛ فلما ذكر.
وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها «حلفت به لا تكلم ابن الزبير.
فلما كلمته أعتقت أربعينَ رقبةً.
فكانت إذا ذكرته تَبكي وتقول: واعهداه» 4.
الجزء: 4 - الصفحة: 423
وأما كون قول: وايم، والله ... إلى آخره يميناً؛ فلأن كل واحد منها مستعمل في القَسم، واستعمال الشيء يدل على كونه حقيقة، وقد تقدم أن النار تقول: «قَطٍ قَطٍ وعِزَّتِك! » 5. رواه البخاري.
قال: (وإن قال: والعهد والميثاق وسائر ذلك ولم يُضفه إلى الله تعالى لم يكن يميناً؛ إلا أن ينوي صفة الله تعالى.
وعنه: يكون يميناً).
أما كون ذلك لا يكون يميناً إذا لم ينو قائله صفة الله تعالى على المذهب؛ فلأنه يحتمل غير الله.
فلم يكن يميناً؛ كالشيء والموجود.
وأما كونه يميناً إذا نواها؛ فلأن النية تحتمل العهد والميثاق، وسائر ما ذكر على عهد الله وأمانة الله، وذلك يمين.
فيجب أن يكون هذا مثله.
وأما كونه يميناً إذا لم ينوها على روايةٍ؛ فلأن ذكر ذلك بالألف واللام يعود إلى المعهود وهو عهد الله وميثاقه.
قال: (وإن قال: لعمر الله كان يميناً.
وقال أبو بكر: لا يكون يميناً، إلا أن ينوي).
أما كون قول ما ذكر يميناً على المذهب؛ فلأن ذلك قسم بصفة من صفات الله تعالى.
بدليل قوله تعالى: ﴿لعمركَ إنهم لفي سكْرتهم يعمهون﴾ [الحجر: 72].
وقال النابغة:
فلا لعمر الذي قد زرته حججاً ... وما أريق على الأنصاب من جسد
وقال الآخر:
إذا رضيت كرام بني قُشير ... لعَمر الله أعجبني رضاها
وأما كونه لا يكون يميناً إذا لم ينو على قول أبي بكر؛ فلأن قول القائل: لعمر الله إنما يكون يميناً بتقدير خبر محذوف وذلك مجاز، والمجاز لا ينصرف إليه الإطلاق.
الجزء: 4 - الصفحة: 424
والأول أصح؛ لما تقدم من عُرف الاستعمال.
واحتياج الكلام إلى تقدير لا يضر؛ لأن اللفظ إذا اشتهر في العرف صار من الأسماء العُرفية.
فيجب حمله في الإطلاق على العرف دون موضوعه الأصلي.
قال: (وإن حلف بكلام الله أو بالمصحف أو بالقرآن فهي يمين فيها كفارة واحدة.
وعنه: عليه بكل آية كفارة).
أما كون الحلف بكلام الله يميناً؛ فلأن الكلام صفة من صفات ذاته لم يزل موصوفاً به.
فوجب كون الحلف به يميناً؛ كالحلف بعظمة الله وقدرته.
وأما كون الحلف بالمصحف يميناً؛ فلأن الحالف به إنما قصد الحلف بما فيه وهو كلام الله؛ لانعقاد الإجماع على أن ما بين دفّتي المصحف كلام الله.
فوجب كون الحلف به يميناً؛ كالحلف بكلام الله.
وأما كون الحلف بالقرآن يميناً؛ فلأن القرآن كلام الله وصفة من صفاته.
فالحالف به حالف بكلام الله وبصفة من صفاته.
فوجب كون الحلف به يميناً؛ لما تقدم في الحلف بالصفات.
وأما كون اليمين بذلك فيها كفارة واحدة على المذهب؛ فلأن الله عز وجل قال: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ [المائدة: 89].
وهذه يمين فتدخل في عموم الآية.
ولأن الحلف بذلك يمين.
فلم توجب كفارات؛ كسائر الأيمان.
ولأن إيجاب كفارات تفضي إلى منع الحالف من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿ولا تجعلوا الله عُرضةً لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾ [البقرة: 224].
وأما كون الحالف بذلك عليه بكل آية كفارة على روايةٍ؛ فلأن ابن مسعود قال ذلك 6.
وقال أحمد: ما أعلم شيئاً يدفعه.
الجزء: 4 - الصفحة: 425
وعن مجاهد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلفَ بالقرآن فعليهِ بكل آيةٍ كفارة يمين صَبْر.
فمن شاءَ برَّ ومن شاءَ فجَر» 7. رواه الأثرم.
قال: (وإن قال: أحلف بالله، أو أشهد بالله، أو أقسم بالله، أو أعزم بالله كان يميناً.
وإن لم يذكر اسم الله لم يكن يميناً، إلا أن ينوي.
وعنه: يكون يميناً).
[أما كون قول ما ذكر يميناً] 8؛ فلأن ذلك قد ثبت له حكم الشرع والاستعمال.
قال الله تعالى: ﴿فيقسمان بالله﴾ [المائدة: 106]، وقال تعالى: ﴿وأقسموا بالله﴾ [الأنعام: 109]، وقال تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين﴾ [النور: 6].
وقال عبدالله بن رواحة:
أقمست بالله لتنزلنه ... طائعة أو لتكرهنه
وأنشد أعرابيٌّ عمر:
أقسم بالله لتفعلنه
ولأنه لو قال: بالله ولم يقل: أقسمت كان يميناً.
فإذا ضم إليه ما يؤكده كان أولى.
وأما كونه لا يكون يميناً إذا لم يذكر اسم الله على المذهب؛ فلأنه يحتمل القسم بالله ويحتمل القسم بغيره.
فلم يكن يميناً؛ كغيره مما يحتملهما.
وأما كونه يميناً على روايةٍ؛ فلأنه ثبت له عرف الاستعمال.
بدليل أن أبا بكر قال: «أقسمتُ عليكَ يا رسول الله! لتخبرني بما أصبتُ مما أخطأتُ.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تُقسِم يا أبا بكر» 9. رواه أبو داود.
الجزء: 4 - الصفحة: 426
وقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: «أقسمتُ عليكَ يا رسول الله! لتُبايعنَّهُ.
فبايعهُ النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أبررتُ قسمَ عمي ولا هِجرَة» 10، وفي كتاب الله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ... -إلى قوله-: اتخذوا أيمانهم جنة﴾ [المنافقون: 1 - 2]. فسماها يميناً، وسماها النبي صلى الله عليه وسلم قسماً.
وأما كون ذلك يميناً مع النية؛ فلأن النية تصرف اللفظ إلى القسم بالله.
فيجب جعله يميناً؛ كما لو صرح به.
إذا تقرر هذا فظاهر كلام المصنف رحمه الله يقتضي أنه إذا قال: أعزم عليك ولم يذكر القسم ونوى يكون يميناً.
وقال في المغني: إذا قال: أعزم لم يكن يميناً نوى أو لم ينو؛ لأنه لم يثبت لهذا اللفظ عُرف في الشرع ولا استعمال.
الجزء: 4 - الصفحة: 427
فصل [في حروف القسم]
قال المصنف رحمه الله: (وحروف القسم: الباء والواو والتاء في اسم الله تعالى خاصة).
أما كون حروف القسم ما ذكر؛ فلأنها جاءت مستعملة فيه في الكتاب والسنة وكلام العرب.
وأما كون الباء أولها؛ فلأنها هي الأصل، وتدخل على المظهر والمضمر جميعاً.
وأما كون الواو بعدها؛ فلأنها بدل الباء، وتدخل على المظهر دون المضمر.
وبه جاءت أكثر الأقسام في الكتاب والسنة.
وأما كون التاء بعد الواو؛ فلأنها بدل منها.
وتختص باسم الله تعالى.
قال: (ويجوز القسم بغير حرف القسم فيقول: الله لأفعلن بالجر والنصب.
فإن قال: الله لأفعلن مرفوعاً كان يميناً؛ إلا أن يكون من أهل العربية ولا ينوي اليمين).
أما كون القسم بغير حرف القسم يجوز جراً ونصباً.
والمراد به انعقاد اليمين بذلك؛ فلأن عرف الاستعمال في الشرع واللغة قد ورد بذلك: أما الشرع؛ فما روي: «أن ابن مسعود لما أَخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل أبا جهل قال له النبي صلى الله عليه وسلم: آلله! إنكَ قتلته.
قال: آلله إني قتلته» 11.
وما روي أنه: «قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة لما طلق امرأته: آلله! ما أردتَ إلا واحدة» 12.
الجزء: 4 - الصفحة: 428
وأما في اللغة فقال امرؤ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعداً ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
وقال آخر:
فقلت يمين الله ما لك حيلة ... وأن أرى عنك الغواية تنجلي
وأما كون قول: اللهُ لأفعلن مرفوعاً يميناً إذا لم يكن قائله من أهل العربية ولا نوى اليمين؛ فلأن ذلك يمين في عرف العوام، ولم يوجد ما يصرفه عن ذلك.
فوجب كونه يميناً؛ كالقَسَم المحض.
وقال المصنف في المغني: لا يكون يميناً قياساً على ما لو كان القائل من أهل العربية.
وأما كونه لا يكون يميناً إذا كان من أهل العربية ولم ينو اليمين؛ فلأن ذلك ليس بيمين في عرف أهل اللغة، ولا نواها.
وأما كونها يميناً إذا نواها؛ فلأنه قصد القسم.
أشبه ما لو جر.
ولأن احتمال غير القسم ينفي إرادة القسم فيصير القسم متمحضاً.
أشبه ما لو حلف بلفظ يحيط به.
قال: (ويكره الحلف بغير الله تعالى.
ويحتمل أن يكون محرماً.
ولا تجب الكفارة باليمين به سواء أضافه إلى الله؛ مثل قوله: ومعلوم الله وخلقه ورزقه وبيته، أو لم يضفه؛ مثل: والكعبة وأبي.
وقال أصحابنا: تجب الكفارة بالحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة).
أما كون الحلف بغير الله تعالى يكره على المذهب؛ فلأن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: «إن الله ينهاكمْ أن تحلفوا بآبائكم.
فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمُت» 13.
الجزء: 4 - الصفحة: 429
وما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: «من حلفَ بغير اللهِ فقد أشرَك» 14 مع ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله للأعرابي السائل عن الصلاة: «أفلحَ وأبيهِ إن صَدَق» 15، ومن قوله لأبي العشراء الدارمي: «وأبيكَ لو طعنتَ في فَخِذِهَا لأجزَأك» 16 يدل عليه؛ لأن الأول يدل على طلب العدم والثاني في جواز الفعل وذلك شأن المكروه.
وأما كونه يحتمل أن يكون محرماً؛ فلما تقدم من ظاهر النهي.
وأما كون الكفارة لا تجب باليمين بما ذكر؛ فلأن الكفارة وجبت في الحلف باسم الله تعالى صيانة للاسم المعظَّمِ وغيرُ ذلك لا يساويه.
فلم تجب الكفارة بالحلف به.
وأما كون ذلك كذلك سواء أضافه إلى الله كما تقدم أو لم يضفه؛ فلاشتراكهما في الحلف بغير الله.
وأما كونها تجب بالحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم على قول بعض أصحابنا؛ فلأنه أحد شرطي الشهادة.
فالحلف به موجب للكفارة؛ كالحلف باسم الله.
والأول أولى؛ لما تقدم.
ولأن الحلف به حلف بنبي.
فلم يوجب الكفارة؛ كالحلف بغيره من الأنبياء.
الجزء: 4 - الصفحة: 430
فصل [في شروط وجوب الكفارة]
قال المصنف رحمه الله: (ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون اليمين منعقدة.
وهي: التي يمكن فيها البر والحنث.
وذلك الحلف على مستقبل ممكن).
أما كون الكفارة يشترط لوجوبها ثلاثة شروط؛ فلما يذكر بعد فيها.
وأما كون أحدها: أن تكون اليمين منعقدة؛ فلأن غير المنعقدة إما غموس أو مثلها، وإما لغو.
ولا كفارة في واحدة منهما؛ لما يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كون اليمين المنعقدة هي التي يمكن البر فيها والحنث؛ فلأن اليمين للحنث لا تقع، والتي لا يمكن فيها البر والحنث لا حنث فيها.
وأما كون التي يمكن فيها البر والحنث الحلف على مستقبل ممكن؛ فلأن الماضي لا يمكن الوفاء بالمحلوف عليه فيه، وغير الممكن لا يمكن ذلك فيه.
وفي المستقبل احتراز عن الحلف على الماضي.
وفي الممكن احتراز عن الحلف على المستحيل.
الجزء: 4 - الصفحة: 431
قال: (فأما اليمين على الماضي فليست منعقدة.
وهي نوعان:
يمين الغموس.
وهي: التي يحلف بها كاذباً عالماً بكذبه.
وعنه: فيها الكفارة.
ومثلها الحلف على مستحيل؛ كقتل الميت وإحيائه، وشرب ماء الكوز ولا ماء فيه.
والثاني: لغو اليمين.
وهو: أن يحلف على شيء يظنه فيبين بخلافه.
فلا كفارة فيها).
أما كون اليمين على الماضي ليست منعقدة؛ فلأن شرط الانعقاد إمكان البر والحنث، وذلك في الماضي متعذر.
وأما كون اليمين على الماضي نوعين؛ فلأن الحالف تارة يعلم كذب نفسه ويسمى يمينه الغموس؛ لغمسها صاحبها في الإثم، وتارة يظن صدقها ويسمى يمينه لغو اليمين فتنوعت بحسب العلم والظن.
وأما كون اليمين الغموس لا كفارة فيها على المذهب؛ فلما روي عن ابن مسعود أنه قال: «كنا نعد اليمين 17 التي لا كفارة فيها اليمين الغموس».
ولأن اليمين الغموس من الكبائر بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «الكبائرُ: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، وقتلُ النفس، واليمينُ الغموس» 18. رواه البخاري.
والكبيرة لا تمحوها الكفارة.
وأما كونها فيها الكفارة على روايةٍ؛ فلأنها تجمع الحلف بالله تعالى والمخالفة مع القصد.
فوجبت الكفارة فيها؛ كالمستقبلة.
وأما كون الحلف على المستحيل؛ كقتل الميت وإحيائه، وشرب ماء الكوز ولا ماء فيه مثل يمين الغموس في كونها ليست منعقدة ولا كفارة فيها على ما فيها من الخلاف؛ فلاشتراكهما في عدم إمكان البر فيهما.
وقال القاضي: تنعقد موجبة للكفارة في الحال؛ لأنه حلف على فعل هو في المستقبل ولم يفعل فحنث؛ كما لو حلف ليطلقن زوجته فمات قبل طلاقها.
الجزء: 4 - الصفحة: 432
وأما كون لغو اليمين كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن الحالف معذور بظنه.
وذكر في المغني أنها على نوعين:
أحدهما: ما ذكره هنا وهو: أن يحلف على شيء يظنه فيبين بخلافه.
والثاني: أن يجري الحلف على لسانه من غير قصد، وفي الحديث عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال -يعني اللغو في اليمين- هو: كلامُ الرجل في بيتهِ: لا والله وبلى 19 والله» 20 أخرجه أبو داود.
وأما كون لغو اليمين لا كفارة فيها؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان﴾ [المائدة: 89].
ولأن ذلك يكثر.
فلو وجبت فيه الكفارة لشق وضر، وذلك منتفٍ شرعاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 433
فصل [الشرط الثاني]
قال المصنف رحمه الله: (الثاني: أن يحلف مختاراً.
فإن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه.
وإن سبقت اليمين على لسانه من غير قصد إليها؛ كقوله: لا والله وبلى 21 والله في عرض حديثه فلا كفارة عليه).
أما كون الثاني من شروط الكفارة أن يحلف الحالف مختاراً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» 22.
وأما كون من حلف مكرهاً لا ينعقد يمينه؛ فلأنه مكره عن قولها.
فلم يتعلق بها شيء؛ كالعتق، وطلاق زوجته، وبيع داره، وغير ذلك من صور الإكراه.
وأما كون من سبق اليمين على لسانه كما ذكر المصنف لا كفارة عليه على ما ذكره في المغني: فلعل كونها لغو اليمين، وعلى ظاهر كلامه هنا؛ فلأن السبق في معنى الإكراه.
فوجب أن لا يكون عليه كفارة؛ كالمكره.
ولما ذكره المصنف رحمه الله هنا أصل في الصيام وهو أن من تمضمض فسبق الماء إلى جوفه لا يفطر؛ لأن سبق الماء في منزلة الإكراه على الشرب.
وأما قول المصنف رحمه الله: كقوله: لا والله وبلى والله في عرض حديثه؛ فتفسير لسبق اليمين على لسان الحالف.
الجزء: 4 - الصفحة: 434
فصل [الشرط الثالث]
قال المصنف رحمه الله: (الثالث: الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، مختاراً ذاكراً.
وإن فعله مكرهاً أو ناسياً فلا كفارة عليه.
وعنه: على الناسي كفارة).
أما كون من شروط وجوب الكفارة الحنث في يمينه؛ فلأن من لم يحنث لا كفارة عليه؛ لكونه لم يهتك حرمة القسم.
وأما كون الحنث في اليمين أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله؛ فلأن الحنث الإثم، ولا وجود لذلك إلا بما ذكر.
وأما كون الحانث مختاراً ذاكراً؛ فلأن غير المختار المكره، وغير الذاكر الناسي.
وسيأتي ذكرهما.
وأما كون من فعل ما تقدم ذكره مكرهاً لا كفارة عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه» 23.
ولأن فعل المكره لا يُنسَبُ إليه.
فلم يكن عليه كفارة؛ كما لو لم يفعله.
وقال أبو الخطاب: الإكراه كالنسيان؛ لشمول الحديث لهما.
والأول أولى؛ لأن الحديث وإن شملهما إلا أن المكره لا ينسب إليه الفعل.
بخلاف النسيان.
وأما كون من فعل ما تقدم ذكره ناسياً لا كفارة عليه على المذهب؛ فلما تقدم.
ولأن الكفارة تجب لرفع الإثم، ولا إثم على الناسي.
وأما كونه عليه كفارة على روايةٍ؛ فلأن الفعل ينسب إليه في الجملة.
أشبه الذاكر.
الجزء: 4 - الصفحة: 435
والأول أصح.
والفرق بين الناسي والذاكر ظاهر فلا قياس مع الفرق.
قال: (وإن حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث فعل أو ترك إذا كان متصلاً باليمين).
أما كون من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث فعل أو ترك؛ فلأن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «منْ حلفَ فقال: إن شاء الله فقد استثنى» 24. رواه أبو داود.
وفي روايةٍ للترمذي: «فقال: إن شاء الله لم يحنَث» 25.
وفي روايةٍ لأبي داود: «فإن شاء رجع وإن شاء ترك» 26.
وأما كون قول: إن شاء الله متصلاً؛ فلأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «منْ حلفَ فاستثنى» 27 يقتضي كونه عقيبه.
ولأن الاستثناء من تمام الكلام.
فاعتبر اتصاله به؛ كالشرط.
فإن قيل: ما المراد باتصال ذلك؟
قيل: أن لا يكون بينه وبين الحلف كلام أجنبي ولا سكوت يمكن الكلام في مثله.
قال: (وإذا حلف ليفعلن شيئاً ونوى وقتاً بعينه تقيّد به.
وإن لم ينو لم يحنث حتى ييأس من فعله إما بتلف المحلوف عليه أو موت الحالف ونحو ذلك).
أما كون من حلف بما ذكر ونوى وقتاً بعينه يتقيّد به؛ فلأن النية تصرف ظاهر اللفظ إلى غير الظاهر.
فلأن تصرفه من وقت إلى وقت بطريق الأولى.
ولأن النية تُعيّن المراد.
فلا يحصل بفعل الشيء في غير المنوي هتك القسم؛ لعدم قصده بالقسم.
الجزء: 4 - الصفحة: 436
وأما كون من لم ينو لا يحنث حتى يُيأس من فعله؛ فلأن المحلوف على فعله لم يتوقت بوقت معين وفعله بعد ممكن.
فلم تحصل مخالفة ما حلف عليه، وذلك يوجب عدم الحنث؛ لأن شرطه المخالفة.
قال: (وإذا حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها استحب له الحنث والتكفير.
ولا يستحب تكرار الحلف).
أما كون من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها يستحب له الحنث والتكفير؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلفَ على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتِ الذي هو خيرٌ وليكفر عن يمينه» 28. أمر وأدنى أحواله الاستحباب.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني والله! إن شاء الله لا أحلفُ على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحللتُها» 29 متفق عليهما.
وعن عائشة رضي الله عنها «أن أبا بكر لم يكن يحنثُ في يمين حتى أنزلَ الله كفارةَ الأيمان فقال: لا أحلفُ على يمين فرأيتُ غيرها خيرًا منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وكفرتُ عن يميني» 30 أخرجه البخاري.
وأما كون تكرار الحلف لا يستحب؛ فلأن التكرار قد يكثر بحيث يصير مكروهاً كقوله تعالى: ﴿ولا تطع كل حلافٍ مَهين﴾ [القلم: 10].
فإن قيل: فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر اليمين.
من ذلك: ما روي «أنه قال في خطبة الكسوف: واللهِ! يا أمةَ محمدٍ ما منْ أحدٍ أغيرُ من اللهِ عز وجل أن يزني عبدهُ أو تزني أمتهُ.
والله! يا أمةَ محمد لو تعلمونَ ما أعلمُ لضحكتمْ قليلاً ولبكيتمْ كثيراً» 31.
الجزء: 4 - الصفحة: 437
ومنه: ما روي «أن امرأةً أنصاريةً أتته ومعها أولادها.
فقال: والذي نفسي بيدهِ! إنكمْ لأحَبُّ الناس إليّ.
قالها ثلاث مرات» 32 متفق عليهما.
ومنه: أنه قال: «لأغزُونَّ قُريشاً» 33.
قيل: ذلك دليل الجواز لا دليل الاستحباب؛ لأنه لو كان مستحباً لكانت الصحابة تكثر منه؛ لأنهم كانوا يكثرون من فعل المستحب.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله أن تكرار الحلف لا يكره وصرح به في المغني وشرط في ذلك أن لا يبلغ إلى حد الإفراط.
ووجهه: ما تقدم من الأحاديث.
قال: (وإن دُعي إلى الحلف عند الحاكم وهو محق استحب افتداء يمينه، فإن حلف فلا بأس).
أما كون من دُعي إلى الحلف عند الحاكم وهو محق يستحب افتداء يمينه؛ فلما روي «أن عثمان والمقداد تحاكما إلى عمر في مال استقرضه المقداد.
فجعل عمر اليمين على المقداد فردها على عثمان.
فقال عمر: لقد أنصفك.
فأخذ عثمان ما أعطاه المقداد ولم يحلف.
فقيل له في ذلك.
فقال: خفت أن يوافق قدرَ بلاء فيقال: يمين عثمان».
وأما كونه إذا حلف لا بأس؛ فـ «لأن عمر وأُبيّاً تحاكما إلى زيد في نخل ادعاه أبيّ.
فتوجهت اليمين على عمر.
فقال زيد: اعف أمير المؤمنين.
فقال عمر: ولم تُعف 34 أمير المؤمنين؟ إن عرفتُ شيئاً استحققته بيميني وإلا تركته.
والله الذي لا إله إلا هو إن النخل لنخلي وما لأبيّ فيه حق.
فلما خرجا وهبَ النخل لأبيّ.
فقيل له: هلا كان هذا قبل اليمين؟ قال: خفتُ أن لا أحلفَ فلا
الجزء: 4 - الصفحة: 438
يحلفُ الناس على حقوقهم بعدي فتكون سنة» 35. رواه عمر بن شبة 36 في كتاب قضاة البصرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 439
فصل [فيمن حرم حلالاً]
قال المصنف رحمه الله: (وإن حرّم أمته أو شيئاً من الحلال لم يحرم وعليه كفارة يمين إن فعله.
ويحتمل أن يحرم تحريماً تزيله الكفارة).
أما كون من حرم ما ذكر لا يحرم على المذهب؛ فلأن الله تعالى سمى ذلك يميناً فقال: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ... -إلى قوله-: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: 1 - 2].
وعن ابن عباس رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلَ تحريمَ الحلال يميناً».
واليمينُ على الشيء لا يحرّمُه فكذا إذا حرّمه.
وأما كونه عليه كفارة يمين إن فعله؛ فلأن الله تعالى فرض في ذلك تحلة اليمين، وهي كفارته.
وأما كون التحريم المذكور يحتمل أن يحرم تحريماً تُزيله الكفارة؛ فلأنه حرّم ما أحله الله له.
فحرم التحريم المذكور؛ كما لو ظاهر من زوجته.
قال: (وإن قال: هو يهودي أو كافر، أو بريء من الله تعالى أو من الإسلام أو القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم إن فعل ذلك فقد فعل محرّماً، وعليه كفارة إن فعل في إحدى الروايتين.
وإن قال: أنا أستحل الزنى ونحوه فعلى وجهين.
وإن قال: عصيت الله، أو أنا أعصي الله في كل ما أمرني، أو محوت المصحف إن فعلت فلا كفارة فيه).
أما كون من قال: هو يهودي أو كافر إن فعل ذلك فقد فعل محرّماً؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلفَ بملةٍ غير الإسلام مُتعمداً فهو كما قال» 37 متفق عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 440
وأما كون من قال: هو بريء من الله إن فعل ذلك فقد فعل محرّماً؛ فلأنه أبلغ من قوله: هو بريء من الإسلام، ومن قال ذلك فقد فعل محرماً.
فلأن يكون كذلك فيما هو أبلغ منه بطريق الأولى.
وأما كون من قال: هو بريء من الإسلام فقد فعل محرّماً؛ فلما روى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف أنه بريء من الإسلام فإن كان قد كذب فهو كما قال، وإن كان صادقًا فلم يرجع إلى الإسلام سالمًا» 38. رواه النسائي وابن ماجة.
وأما كون من قال: هو بريء من القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم فقد فعل محرّماً؛ فلأنه يساوي من قال: هو بريء من الإسلام معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وأما كون من قال شيئاً من ذلك عليه كفارة في روايةٍ؛ فلأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سُئلَ عن الرجل يقول: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء من الإسلام في اليمين يحلف بها فيحنث في هذه الأشياء؟ فقال: عليه كفارة يمين» 39.
ولأن قوله هذه الأشياء يوجب هتك الحرمة.
فكان يمينًا؛ كالحلف بالله.
وأما كونه لا كفارة عليه في روايةٍ؛ فلأنه لم يحلف باسم الله ولا صفته.
فلم يلزمه كفارة؛ كما لو قال: عصيت الله فيما أمرني.
وأما كون من قال: أنا أستحل الزنى ونحوه على وجهين؛ فلأنه يشارك ما تقدم من قوله: هو يهودي في كونه موجباً لهتك الحرمة.
وأما كون من قال: عصيت الله، أو أنا أعصي الله في كل ما أمرني، أو محوت المصحف إن فعلت لا كفارة فيه؛ فلأن هذه الأشياء لا نص فيها يقتضي
الجزء: 4 - الصفحة: 441
الوجوب ولا هي في معنى ما تقدم.
فوجب أن يبقى الحالف بها على البراءة الأصلية.
قال: (وإن قال: عبد فلان حر لأفعلن فليس بشيء.
وعنه: عليه كفارة إن حنث).
أما كون قول من قال ذلك ليس بشيء على المذهب؛ فلأنه لو قال: عبد فلان حر من غير تعليق لم يكن شيئاً.
فكذلك إذا علقه؛ لأن تعليق الشيء بالشرط أثره في أن يصير عند الشرط كالمطلق، وإذا لم يكن المطلق شيئاً فكذلك المعلق.
وأما كونه عليه كفارة إن حنث أي إن فعل ما حلف عليه فكما لو قال: لله عليّ أن أعتق فلاناً إن فعلت.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والفرق بين قوله: عبد فلان حر إن فعلت وبين قوله: لله عليّ أن أعتق فلاناً إن فعلت من حيث إن الأول: إيقاع للعتق في عبد فلان إن فعل وهو لا يملكه.
والثاني: التزام بإعتاقه إن فعل وهو يملكه.
قال: (وإن قال: أيمان البيعة تلزمني، فهي يمين رتبها الحجاج تشتمل على اليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق وصدقة المال، فإن كان الحالف يعرفها ونواها انعقدت يمينه بما فيها، وإلا فلا شيء عليه.
ويحتمل أن لا تنعقد بحال إلا في الطلاق والعتاق).
أما كون أيمان البيعة هي ما ذكر؛ فلأن البيعة كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصافحة.
فلما ولي الحجاج رتَّبها أيماناً تشتمل على اسم الله تعالى والطلاق والعتاق والحج وصدقة المال ذكره المصنف في المغني ولم يذكر هاهنا الحج.
وأما كون الحالف بها إذا كان يعرفها ونوى موجبها تنعقد يمينه بالطلاق والعتاق؛ فلأنهما ينعقدان بالكناية، وأسوأ ما يقدر هنا أنه كناية.
وأما كونه تنعقد يمينه بالله وصدقة المال والحج على المذهب؛ فلأنها يمين مشتملة على أشياء ينعقد بعضها فانعقدت في باقيها قياساً للبعض على البعض.
وأما كونه يحتمل أن لا تنعقد بذلك؛ فلأن ذلك إنما ينعقد بالكناية ولا تدخل لها فيما ذكر.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعار بأمرين:
الجزء: 4 - الصفحة: 442
أحدهما: أن من يعرفها ولا ينويها لا تنعقد يمينه في شيء من ذلك؛ لأن الكناية تفتقر إلى النية ولا وجود لها هاهنا.
وثانيهما: أن من لا يعرفها لا تنعقد يمينه في شيء من ذلك؛ لأنه إذا عرفها ولم ينوها لا تنعقد يمينه في ذلك.
فلأن لا تنعقد يمين من لا يعرفها بطريق الأولى.
فإن قيل: ما الحكم إذا لم يعرفها ونوى مُوجبها؟
قيل: قال المصنف رحمه الله في المغني: سئل أبو القاسم الخرقي رضي الله عنه عن أيمان البيعة فقال: ليست فيها شيء، ثم قال: إلا أن يلتزم الحالف بها جميع ما فيها من الأيمان.
فقال السائل: عرفها أم لم يعرفها؟ فقال: نعم.
وظاهر كلام المصنف هنا: لا بد من معرفتها ونيتها؛ لما تقدم.
قال: (وإن قال: عليّ نذر أو يمين إن فعلت كذا وفعله فقال أصحابنا: عليه كفارة يمين).
أما كون من قال: عليّ نذر إن فعلت كذا وفعله عليه كفارة يمين؛ فلأن موجب النذر موجب اليمين وقد أخبر أنه عليه نذر.
فوجب أن تجب عليه الكفارة؛ كما لو قال: لله عليّ كفارة.
وأما كون من قال: عليّ يمين إن فعلت كذا وفعله 40 عليه كفارة يمين؛ فلأن فعل الشيء المحلوف على تركه يوجب الكفارة وقد أخبر أنه فعل المحلوف عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 443
فصل في كفارة اليمين
قال: (وهي تجمع تخييراً وترتيباً.
فيخير فيها بين ثلاثة أشياء: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.
والكسوة للرجل: ثوب يجزئه أن يصلي فيه.
وللمرأة: درع وخمار.
فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة إن شاء قبل الحنث وإن شاء بعده.
ولا يجوز تقديمها على اليمين).
أما كون كفارة اليمين تجمع تخييراً وترتيباً؛ فلأنها يخير فيها بين الإطعام والكسوة والعتق.
والترتيب فيها بين ذلك وبين الصيام.
وأما كونه يخير فيها بين الثلاثة الأشياء المذكورة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ [المائدة: 89].
ذكر ذلك بلفظ: "أو" وهي للتخيير.
وأما كونها يرتب فيها بين ذلك وبين الصيام؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ [المائدة: 89].
ذكره بلفظ: ﴿فمن لم يجد﴾ وذلك يقتضي الترتيب.
وأما كون الكسوة للرجل ثوباً يجزئه أن يصلي فيه، وللمرأة درعاً وخماراً؛ فلأن ما دون ذلك لا يجزئ لابسه في الصلاة، ويسمى عرياناً شرعاً.
فوجب أن لا يجزئ.
فإن قيل: لم ذكر المصنف رحمه الله مقدار الكسوة دون الإطعام؟
قيل: لأن مقدار الإطعام قد سبق في كفارة الظهار.
بخلاف الكسوة فإنها لا مدخل لها فيه.
وأما كون من لم يجد الإطعام والكسوة والعتق يصوم ثلاثة أيام؛ فلأن الله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة: 89].
الجزء: 4 - الصفحة: 444
وأما كون الأيام متتابعة؛ فلأن في قراءة ابن مسعود: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " وذلك إن لم يكن قرآناً فهو خبر؛ لأنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم خبراً ظنه قرآناً.
ولأن الصوم في الكفارة صوم في كفارة.
فوجب التتابع فيه؛ كصوم الظهار والقتل.
وأما كون من وجب عليه التكفير بشيء مما ذكر إن شاء فعله قبل الحنث وإن شاء بعده؛ فلأن كلاً منهما قد ورد.
فروي عنه أنه قال: «لا أحلفُ على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خير» 41.
وفي لفظ: «إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحللتُها» 42 متفق عليهما.
وعن عبدالرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبدالرحمن! إذا حلفتَ على يمين فرأيتَ غيرها خيرًا منها فكفرْ عن يمينكَ ثم ائت الذي هوَ خير» 43. رواه أبو داود.
وفي رواية: «فكفرْ عن يمينكَ.
وائتِ الذي هو خير» 44.
وفي رواية: «فائتِ الذي هو خيرٌ.
وكفرْ عن يمينك» 45. متفق عليهما.
وأما كونه لا يجوز تقديم الكفارة على اليمين؛ فلأنه تقديم للحكم قبل سببه.
فلم يجز؛ كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب، أو كفارة القتل قبل الجرح.
الجزء: 4 - الصفحة: 445
قال: (ومن كرَّرَ أيماناً قبل التكفير فعليه كفارة واحدة.
وعنه: لكل يمين كفارة.
والظاهر أنها إن كانت على فعل واحد فكفارة واحدة.
وإن كانت على أفعال فعليه لكل يمين كفارة.
وإن كانت الأيمان مختلفة الكفارة؛ كالظهار واليمين بالله تعالى فلكل يمين كفارتها).
أما كون من كرر أيماناً قبل التكفير عليه كفارة واحدة على الأول؛ فلأن الكفارة حدود بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «الحدودُ كفاراتٌ لأهلِها» 46. فوجب أن تتداخل؛ كالحدود.
وأما كونه عليه لكل يمين كفارة على روايةٍ؛ فلأن كل واحدةٍ منهن مثل الأولى.
وأما كون الظاهر أن الأيمان إن كانت على فعل واحد فكفارة واحدة، وإن كانت على أفعال فلكل يمين كفارة؛ فلأنها إذا كانت على فعل واحد متى حنث في إحداها حنث في غيرها فتكون بمنزلة يمين واحدة وعليه فيها كفارة واحدة فكذلك فيما هو بمنزلتها.
بخلاف الأيمان على أفعال فإنه لا يكون كذلك فيكون ذلك بمنزلة أيمان مختلفة وعليه فيها كفارات فكذلك فيما هو بمنزلتها.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعار بأن الخلاف المذكور لا يجري في تكرير الأيمان بعد التكفير.
وهو صحيح؛ لأن اليمين الأولى كفرتها ثم حصلت اليمين بعدها.
فوجب أن يرتب عليها كفارتها؛ كالأولى.
ولأن الحدود تتعدد بتعدد موجبها إذا استوفي الأول قبل فعل الثاني فكذلك هاهنا.
وأما كون الأيمان إذا كانت مختلفة وجب لكل فعل حده.
فكذلك الأيمان.
الجزء: 4 - الصفحة: 446
قال: (وكفارة العبد الصيام، وليس لسيده منعه منه.
ومن نصفه حر فحكمه في الكفارة حكم الأحرار).
أما كون كفارة العبد الصيام؛ فلأن ذلك كفارة الحر المعسر، وهو أحسن حالاً من العبد.
وأما كون السيد ليس له منع عبده من التكفير بالصيام؛ فلأنه صيام واجب عليه.
فلم يكن لسيده منعه منه؛ كصوم رمضان وقضائه.
وأما كون من نصفه حر حكمه في الكفارة حكم الأحرار؛ فلأنه إذا كان قادراً على الإطعام أو الكسوة أو العتق لا يكون داخلاً في قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ [المائدة: 89].
فلا يجزئه الصيام؛ لأنه واجد.
ولأن من نصفه حر يملك ملكاً تاماً.
أشبه الحر الكامل.
الجزء: 4 - الصفحة: 447
باب جامع الأيمان
قال المصنف رحمه الله: (ويرجع في الأيمان إلى النية.
فإن لم يكن له نية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها.
فإذا حلف ليقضينّه حقه غداً فقضاه قبله لم يحنث إذا قصد أن لا يتجاوزه، أو كان السبب يقتضيه).
أما كون الأيمان يرجع فيها إلى النية؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى» 47.
ولأن إطلاق العام وإرادة الخاص شائع في القرآن والشعر وكلام العرب فكذلك يجب أن يكون في كلام الحالف.
ولا فرق بين أن تكون ظاهر اللفظ أو غير ظاهره؛ لأن المصحح النية وهو موجود فيهما.
وأما كونها يرجع فيها إلى سبب اليمين وما هيجها؛ فلأن السبب قرينة دالة على قصر اليمين عليه.
أشبه النية.
فإن قيل: لو اجتمعت النية والسبب وتعارضا؛ مثل: إن تمنّن على رجل زوجته بغزلها فيحلف لا يلبس ثوباً من غزلها وينوي اللبس خاصة: فلأيهما الحكم؟
قيل: فيه وجهان:
أحدهما: تُقدَّمُ النية؛ لأنها الأصل.
والثاني قاله القاضي: يقدم السبب؛ لأن اللفظ ظاهر في العموم والسبب مقوٍّ له.
ولأن السبب هو الامتنان، وظاهر حاله قصد قطع المنة ولا يلتفت إلى نيته المخالفة لهذين الظاهرين.
الجزء: 4 - الصفحة: 448
والأول أولى؛ لما تقدم.
وأما تقوية السبب الظاهر فلا يسلم أنها تبلغ بلوغاً تصير النية مرجوحاً معها.
وأما كون السبب يدل على قصد قطع المنة فالدلالة على القصد لا تعتبر مع العلم بانتفاء المدلول؛ كشهادة العدلين بموت من يعلم حياته.
وأما كون من حلف لغريمه ليقضينّه حقه غداً فقضاه قبله لا يحنث إذا كان قصده أن لا يتجاوزه أو كان السبب يقتضيه؛ فلأنه متى كان كذلك لم يخالف ما حلف عليه نظراً إلى نيته أو سببه، والعبرة بهما؛ لما تقدم.
قال: (وإن حلف لا يبيع ثوبه إلا بمائة فباعه بأكثر لم يحنث.
وإن باعه بأقل حنث).
أما كون من حلف لا يبيع ثوبه إلا بمائة فباعه بأكثر لم يحنث؛ فلأنه ما خالف ما حلف عليه معنى.
وأما كونه يحنث إذا باعه بأقل؛ فلأن العرف يقتضي من تقييده نفسه من البيع بمائة يكون مانعاً لها من بيعها بأقل من ذلك.
فيكون حلفه تنبيهاً على امتناعه من بيعه بما دون المائة وذلك يوجب الحنث؛ كما لو حلف ما له عليّ حبة وله عليّ شيء كثير.
قال: (وإن حلف لا يدخل داراً ونوى اليوم لم يحنث بالدخول في غيره.
وإن دُعي إلى غداء فحلف لا يتغدى اختصت يمينه به إذا قصده).
أما كون من حلف لا يدخل داراً ونوى اليوم لا يحنث بالدخول في غيره؛ فلأن النية خصصت الدخول باليوم فاختص الحنث بالدخول فيه؛ لما تقدم من أن العبرة في الأيمان بالنية.
ولأن اللفظ العام يصير بالإرادة خاصاً، ولو كانت يمينه خاصة؛ كقوله: لا دخلت داراً اليوم لم يحنث بالدخول في غيره فكذلك إذا نواه.
وأما كون من دُعي إلى غداء فحلف لا يتغدى يختص يمينه بالغداء عند الداعي إذا قصده؛ فلأن اللفظ وإن كان عاماً لكن القصد خصصه.
فصار كما لو دُعي إلى غداء فحلف لا يتغدى عند الداعي.
الجزء: 4 - الصفحة: 449
قال: (وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش يقصد قطع المنَّةِ حنثَ بأكل خبزهِ واستعارةِ دابتهِ وكل ما فيه المنَّة).
أما كون من حلف بما ذكر وقد قصد قطع المنَّة يحنث بما ذكر في الجملة؛ فلأن تعميم اللفظ بتعميم القصد شائع في الشرع، منه قوله تعالى: ﴿ولا تُظلمون فَتيلا﴾ [النساء: 77]، وقوله تعالى: ﴿فإذًا لا يُؤتون الناس نقيرًا﴾ [النساء: 53].
ومنه قول الحطيئة يهجو قوماً:
ولا يَظلمون الناس حبة خردل
وإذا كان تعميم اللفظ بتعميم القصد شائعاً صار قول من حلف: لا يشرب له الماء من العطش مع قصد قطع المنَّة بمنزلة حلفه: لا فعلت فعلاً فيه منة ثم فعل شيئاً مما ذكر.
وأما كونه يحنث بكل واحد من أكل خبزه، واستعارة دابته، وكل ما فيه منَّة؛ فلأن العبرة بالقصد كما تقدم، والمنَّة موجودة في كل واحد مما 48 ذكر.
قال: (وإن حلف لا يلبس ثوباً من غزلها يقصد قطع منّتِها فباعه واشترى بثمنه ثوباً فلبسه: حنث.
وكذلك إن انتفع بثمنه).
أما كون من حلف لا يلبس ثوباً من غزل المحلوف على غزلها يقصد قطع منَّتها فباعه واشترى بثمنه ثوباً فلبسه: حنث؛ فلأنه قصد بيمينه قطع المنّة، والمنّة حاصلة بما ذكر.
فوجب أن يحنث؛ كما لو حلف لا ينتفع بغزلها فباعه واشترى بثمنه ثوباً ولبسه.
وأما كونه يحنث إذا انتفع بثمنه؛ فلأن القصد قطع المنَّة، وفي الانتفاع بغير اللبس منَّة.
فيجب أن يحنث به؛ كاللبس.
قال: (وإن حلف لا يأوي معها في دار يريد جفاءها ولم يكن للدار سبب هيج يمينه فأوى معها في غيرها حنث).
أما كون من حلف بما ذكر يريد جفاء المحلوف عليها يحنث إذا أوى معها في غير دار في الجملة؛ فلأن القصد جفاؤها، ولم يحصل في غير دار.
الجزء: 4 - الصفحة: 450
وأما كون ذلك يشترط فيه أن لا يكون للدار سبب هيج يمينه؛ فلأن الدار إذا كان لها سبب هيج يمينه فأوى معها في غيرها لا يحنث.
وصرح به في المغني وعلله بأنه قَصَد جفاء زوجته في مكان مخصوص ولم يخالف ما حلف عليه.
قال: (وإن حلف لعامل لا يخرج إلا بإذنه فعُزِلَ، أو على زوجته فطلقها، أو على عبده فأعتقه ونحوه، يريد ما دام كذلك انحلت يمينه.
وإن لم تكن له نية انحلت يمينه أيضاً ذكره القاضي؛ لأن الحال تصرف اليمين إليه.
وذكر في موضع آخر أن السبب إذا كان يقتضي التعميم عممناها به.
وإن اقتضى الخصوص مثل: من نذرَ لا يدخلُ بلداً لظُلمٍ رآهُ فيه فزال الظلم فقال أحمد: النذر يُوفى به.
والأول أولى؛ لأن السبب يدل على النية فصار كالمنوي سواء).
أما كون من حلف بما ذكر لعامل فعُزِلَ، أو على زوجته فطلقها، أو على عبده فأعتقه ونحو ذلك يريد ما دام كذلك تنحل يمينه؛ فلأن الخروج بعد عزل العامل وطلاق الزوجة وعتق العبد بغير إذن خروج لم يتناوله اليمين؛ لتخصيص لفظها بإرادة زمن العمالة والزوجية والعبودية.
وأما كونه إذا لم تكن له نية تنحل يمينه أيضاً على ما ذكره القاضي؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله من أن الحال تصرف إلى حال كون المحلوف عليه على الصفة الموجودة فيه؛ لأن العرف يقضي بأن المنع من الخروج إلا بإذن العامل إنما كان لأجل كونه عاملاً، ومن خروج الزوجة والعبد إنما كان لأجل الولاية عليهما.
وأما كون النذر يُوفى به على المنصوص عن أحمد في مسألة الظلم فنظر إلى عموم اللفظ واللفظ في بقية المسائل عام.
فيجب أن يعم.
وأما كون الأول أولى؛ فلما علل المصنف رحمه الله من أن السبب يدل على النية فصار كالمنوي سواء.
ولأن أصول الإمام تقتضي تقديم النية والسبب على عموم اللفظ، وذلك يوجب تخصيص اللفظ العام وقصره على الحاجة.
فكذلك يجب في هذه المسألة؛ لكونها داخلة في القواعد الكلية.
الجزء: 4 - الصفحة: 451
قال: (وإن حلف لا رأيت منكراً إلا رفعته إلى فلان القاضي فعُزلَ انحلت يمينه إن نوى ما دام قاضياً.
وإن لم ينو احتمل وجهين).
أما كون يمين من ذكر تنحل إن نوى ما دام قاضياً؛ فلأن الرفع بمنزلة الخروج فيما إذا حلف لعامل لا يخرج إلا بإذنه ونوى ما دام عاملاً، وهناك تنحل يمينه.
فكذلك هاهنا.
وأما كونه إن لم ينو ذلك يحتمل وجهين؛ فلأن ذلك في معنى ما لو حلف لعامل اليمين المذكورة ولم ينو حال كونه عاملاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 452
فصل [إذا عدمت النية والسبب]
قال المصنف رحمه الله: (فإن عدم ذلك رجع إلى التعيين.
فإذا حلف لا يدخل دار فلان هذه فدخلها وقد صارت فضاء أو حماماً أو مسجداً أو باعها فلان، أو لا لبستُ هذا القميص فجعله سراويل أو رداء أو عمامة ولبسه، أو لا كلمتُ هذا الصبي فصار شيخاً، أو امرأة فلان، أو صديقه فلاناً، أو غلامه سعداً، فطلقت الزوجة وزالت الصداقة وعتق العبد وكلمهم، أو لا أكلتُ لحم هذا الحَمَل فصار كبشاً، أو لا أكلتُ هذا الرطب فصار تمراً أو دبساً أو خلاً، أو لا أكلتُ هذا اللبن فتغيّر أو عُمل معه شيء فأكله: حنثَ في ذلك كله.
ويحتمل أن لا يحنث).
أما كون الأيمان يرجع فيها إلى التعيين إذا عدمت النية والسبب المتقدم ذكرهما المشار إليهما بذلك في قول المصنف رحمه الله: فإن عدم ذلك؛ فلأن التعيين أبلغُ من دلالة الاسم على المسمّى؛ لأنه ينفي الإيهام بالكلية.
بخلاف الاسم، ولهذا لو شهد عدلان على عين شخص بحق وجب على الحاكم الحكم عليه، ولو شهد عدلان على المسمى باسم بحق لم يحكم عليه حتى يثبت أنه المسمى بذلك لا مشارك له فيه، وإذا كان التعيين أبلغ من دلالة الاسم على المسمى كان راجحاً عليه وتعين الرجوع إليه.
وأما كون من حلف بما تقدم ذكره يحنث بما ذكر على المذهب في مسألة الدار والقميص والصبي؛ فلأن التعيين يقتضي الحنث، وزوال الاسم ينفيه، والتعيين راجح على الاسم؛ لما تقدم.
وأما في مسألة المرأة والصديق والغلام؛ فلأن الإضافة فيها تقتضي وصف المحلوف على عدم كلامه بالزوجية والصداقة وكونه غلاماً، والصفة كالاسم بل أضعف فإذا غلب التعيين على الاسم.
فلأن يغلب على الصفة أولى.
الجزء: 4 - الصفحة: 453
وأما في مسألة الحمل والرطب؛ فلأنهما كسكنى الدار والقميص من غير فرق.
فالحنث في بعض يقتضي الحنث في البعض الآخر.
وأما في مسألة اللبن؛ فلأن تغيره وخلط شيء آخر معه بمنزلة زوال الاسم وذلك لا يضر؛ لما تقدم.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث في ذلك كله؛ فلأنه لو حلف على ذلك كله ناوياً الصفة التي حلف عليها لم يحنث إذا زالت، وقرينة الحال تدل على إرادة ذلك.
فصار كالمنوي.
والأول أصح؛ لأن مقتضى التعيين الحنث وهو راجح؛ لما تقدم.
تُرك العمل به في مسألة النية والسبب؛ لما تقدم.
فوجب أن يعمل عند عدمهما عمله.
الجزء: 4 - الصفحة: 454
فصل [إذا عدمت النية والسبب والتعيين]
قال المصنف رحمه الله: (فإن عدم ذلك رجعنا إلى ما يتناوله الاسم.
والأسماء تنقسم ثلاثة أقسام: شرعية وحقيقية وعُرفية.
فأما الشرعية فهي أسماء لها موضوع في الشرع وموضوع في اللغة؛ كالصلاة والصوم والزكاة والحج ونحوه فاليمين المطلقة تنصرف إلى الموضوع الشرعي وتتناول الصحيح منه.
فإذا حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً، أو لا ينكح فنكح نكاحاً فاسداً لم يحنث؛ إلا أن يضيف اليمين إلى شيء لا يتصور فيه الصحة مثل: أن يحلف لا يبيع الخمر أو الحر فيحنث بصورة البيع.
وذكر القاضي فيمن قال لامرأته: إن سرقتِ مني شيئاً وبعتنيه فأنت طالق ففعلت لم تطلق.
والأولى أولى).
أما كوننا نرجع إلى ما يتناوله الاسم إذا عدمت النية والسبب؛ فلأن الاسم دليل على إرادة المسمى ولا مُعارض له هنا.
فوجب أن يرجع إليه عملاً به؛ لسلامته عن معارضة غيره له.
وأما كون الأسماء تنقسم ثلاثة أقسام؛ فلأنها تارة تكون شرعية، وتارة حقيقية، وتارة عُرفية.
وأما كون الأسماء الشرعية هي أسماء لها موضوع في الشرع وموضوع في اللغة؛ كالصلاة والصوم والزكاة والحج ونحوه؛ فلأن موضوع الصلاة في اللغة الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ [الأحزاب: 56].
وموضوعها في الشرع: الأفعال المشتملة على الركوع والسجود وبقية أفعالها المذكورة في كتب الفقه.
وموضوع الصوم في اللغة: الإمساك.
ومنه قول الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
الجزء: 4 - الصفحة: 455
أي ممسكات.
وموضوعه في الشرع: الإمساك عن المفطرات في زمن مخصوص ونية مخصوصة.
وموضوع الزكاة في اللغة: النماء ومنه زكا الزرع إذا نمى.
وفي الشرع: إخراج طائفة من المال على وجه مخصوص.
وموضوع الحج في اللغة: القصد.
وفي الشرع: هو الأفعال المشتملة على الطواف والوقوف وغير ذلك من أفعاله المذكورة في كتب الفقه.
ونحو ذلك الدابة فإن موضوعها في اللغة: كل ما دب ودرج، وفي العرف: ذوات الأربع من الخيل والبغال والحمير بدليل لو أوصى لرجل بدابة فإنه ينصرف إلى ذلك.
وأما كون اليمين المطلقة الصالحة لإرادة الموضوع الشرعي واللغوي تنصرف إلى الموضوع الشرعي؛ فلأن ذلك هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق.
ولأن الشارع لو قال لرجل: صل لوجبت عليه الصلاة المشتملة على الأفعال؛ إلا أن يقترن بكلامه ما يدل على إرادة الموضوع اللغوي فكذلك يمين الحالف؛ لأن كلام المكلف مبني على كلام الشارع.
وتقييد اليمين بكونها مطلقة احتراز مما إذا نوى الحالف بيمينه الموضوع اللغوي فإن يمينه حينئذ إنما تنصرف إلى المنوي؛ لأن النية تعين المحلوف عليه؛ لما تقدم في باب الأيمان.
وتُقَدّم على غيرها.
وأما كون ذلك يتناول الصحيح منه دون الفاسد؛ لأن الفاسد ممنوع منه بأصل الشرع فلا حاجة إلى المنع من فعله باليمين، واليمين إنما يقصد بها المنع.
فوجب أن يحمل على ما لا منع فيه؛ لتكون هي المانعة.
وأما كون من حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً، أو لا ينكح فنكح نكاحاً فاسداً: لا يحنث؛ فلما تقدم من أن اليمين على ذلك تتناول الصحيح منه.
وأما كون من أضاف اليمين إلى شيء لا يتصور فيه الصحة كما ذكر المصنف رحمه الله يحنث بصورة البيع على قول غير القاضي؛ فلأن يمينه نصٌّ في المنع من
الجزء: 4 - الصفحة: 456
ذلك بدليل أنه لا يمكن صرفها إلى غيره.
فوجب أن يحنث به.
ضرورة مخالفة ما حلف عليه.
وأما كونه لا يحنث على قوله؛ فبالقياس على الضرب الأول.
والأول أولى؛ لأن الضرب الأول أمكن صرف يمينه إلى أحد محمليه.
بخلاف الضرب الثاني فإنه لا محمل له سوى الفاسد.
فصرفه إليه يتعين؛ لعدم التردد فيه.
قال: (وإن حلف لا يصوم لم يحنث حتى يصوم يوماً.
وإن حلف لا يُصلي لم يحنث حتى يُصلي ركعة.
وقال القاضي: إن حلف لا صليتُ صلاة لم يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة.
وإن حلف لا يُصلي حنث بالتكبير).
أما كون من حلف لا يصوم لا يحنث حتى يصوم يوماً؛ فإن إمساك بعض يوم ليس بصوم شرعي.
ضرورة أنه لا يصح صوم بعض يوم.
وأما كون من حلف لا يصلي لا يحنث حتى يُصلي ركعة على قول غير القاضي؛ فلأن أقل ما ينطلق عليه اسم الصلاة ركعة.
وأما كونه يحنث بالتكبير على قول القاضي؛ فلأنه يدخل في الصلاة بذلك ويُطلق عليه أنه مصلٍ.
فيجب أن يكون ما هو فيه صلاة.
والأول أصح؛ لأن ما ذكر ثانياً موجود فيمن شرع.
وأما كون من حلف لا صليتُ صلاةً لا يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة؛ فلأنه لم يصل صلاة.
فلم يكن فاعلاً لما حلف على تركه.
قال: (وإن حلف لا يهبُ زيداً شيئاً ولا يُوصي له ولا يتصدق عليه ففعل ولم يقبل زيد حنث.
وإن حلف لا يتصدقُ عليه فوهبه لم يحنث.
وإن حلف لا يهبهُ فتصدق عليه حنث.
وإن أعارَه لم يحنث إلا عند أبي الخطاب فيهما.
وإن وقفَ عليه حنث.
وإن وصّى له لم يحنث.
وإن باعه وحاباه حنث.
ويحتمل أن لا يحنث).
أما كون من حلف لا يهبُ زيداً شيئاً ولا يُوصي له ولا يتصدق عليه ففعل ولم يقبل زيد حنث؛ فلأنه حلف على فعل نفسه، وقد فعل ما حلف على
الجزء: 4 - الصفحة: 457
تركه.
بدليل أنه يقال: وهبه ولم يقبل هبته، ووصى له ولم يقبل وصيته، وتصدَّق عليه ولم يقبل صدقته.
وأما كون من حلف لا يتصدق عليه فوهبه لا يحنث؛ فلأنه لا يلزم من المنع من الصدقة المنع من الهبة.
بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ممنوع من الصدقة غير ممنوع من الهبة له.
وأما كون من حلف لا يهبه فتصدَّق عليه يحنث عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه يلزمه من المنع من الهبة المنع من الصدقة.
ولأن المتصدق بشيء يقال: وهب ذلك الشيء.
وأما كونه لا يحنث عند أبي الخطاب فكما لو حلف لا يتصدق عليه فوهبه.
فإن قيل: في أي موضع قال أبو الخطاب ذلك؟
قيل: هنا في قوله بعد: إلا عند أبي الخطاب فيهما أي في العارية والهبة.
وأما كون من حلف لا يهبه فأعاره لا يحنث؛ فلأن الهبة تمليك والعارية إباحة.
وأما كونه يحنث عنده؛ فلأن العارية هبة المنفعة، وهي قائمة مقام هبة العين.
بدليل صحة مقابلة المنفعة بالعوض؛ كالعين.
وأما كون من حلف لا يهبه فوقف عليه يحنث؛ فلأن الوقف على المعين في العُرف هبة.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ويحتمل أن يخرّج ذلك على ملك الوقف: فإن قيل: يملكه حنث لمساواته الهبة، وإلا فلا؛ لعدم مساواته لها.
ولقائل أن يقول: لا يحنث وإن قيل يملكه؛ لأن الإنسان ممنوع من هبة أولاده الذكور والإناث بالسّوية وليس بممنوع من الوقف عليهم بالسوية على المنصوص.
فلم يلزم من المنع من الهبة المنع من الوقف.
وأما كون من حلف لا يهبه فوصّى له لا يحنث؛ فلأن الموصُى له لا يملك إلا بالقبول بعد الموت، وبالموت تنحل اليمين.
الجزء: 4 - الصفحة: 458
وأما كون من حلف لا يهبه فباعه وحاباه يحنث على الأول وهو قول أبي الخطاب؛ فلأن المحاباة حكمها حكم الهبة.
بدليل اعتبارها من الثلث إذا وقعت في مرض الموت.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنها وقعت في ضمن العقد بعوض ومثل ذلك لا يعد هبة عُرفاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 459
فصل [الأسماء الحقيقية]
قال المصنف رحمه الله: (القسم الثاني: الأسماء الحقيقية.
إذا حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم أو المخ أو الكبد أو الطحال أو القلب أو الكرش أو المصران أو الإلية أو الدماغ أو القانصة: لم يحنث.
وإن أكل المرق لم يحنث، وقد قال أحمد: لا يعجبني.
قال أبو الخطاب: هذا على سبيل الورع.
وإن حلف لا يأكل الشحم فأكل شحم الظهر حنث).
أما كون القسم الثاني الأسماء الحقيقية؛ فلأنها تلي الأسماء الشرعية وهي القسم الأول.
وأما كون من حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم ... إلى القانصة؛ فلأن ذلك جميعه لا يُسمى لحماً.
فلم يحنث بأكله؛ كما لو أكل الخبز.
وأما كونه إذا أكل المرق لا يحنث وهو قول أبي الخطاب؛ فلأن المرق لا يُسمى لحماً.
وأما كونه يحنث على قول الإمام أحمد: لا يعجبني وهو قول القاضي؛ فلأنه لا يخلو من قِطَع اللحم.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وعدم خلوِّ المرق من اللحم ممنوع؛ لأن الكلام مفروض حيث لا لحم.
وقول أحمد محمول على الورع.
وأما كون من حلف لا يأكل الشحم فأكل شحم الظهر يحنث؛ فلأن ذلك يُسمى شحماً ويشارك شحم البطن في اللون والذّوب.
وزاد المصنف رحمه الله في المغني الحنث بأكل شحم الجنْبِ والإلية.
ثم قال: وعلى قول القاضي لا يحنث بأكل الإلية ولا شحم الظهر والجنْب؛ لأن ذلك لا يتبادر إلى الذهن عند إطلاق الشحم.
الجزء: 4 - الصفحة: 460
قال: (وإن حلف لا يأكل لبناً فأكل زبداً أو سمناً أو كشكاً أو مصلاً أو جبناً: لم يحنث.
وإن حلف على الزبد أو السمن فأكل لبناً لم يحنث).
أما كون من حلف لا يأكل لبناً فأكل زبداً ... إلى جبناً لا يحنث؛ لأن ذلك كله لا يسمى لبناً.
فوجب أن لا يحنث؛ لعدم المخالفة.
وأما كون من حلف على الزبد والسمن فأكل لبناً لا يحنث؛ فلأن ذلك لا يسمى زبداً ولا سمناً.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: إن لم يظهر فيه الزبد لم يحنث، وإن ظهر حنث؛ لأن ظهور الشيء كوجوده.
قال: (وإن حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر؛ كالجوز واللوز والتمر والرمان حنث.
وإن أكل البطيخ حنث.
ويحتمل أن لا يحنث.
ولا يحنث بأكل القثاء والخيار).
أما كون من حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر كما مثل المصنف رحمه الله يحنث؛ فلأن ذلك يسمى فاكهة عُرفاً وشرعاً.
فإن قيل: ينبغي أن لا يحنث بأكل النخل والرمان؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: 68] والمعطوف يغاير المعطوف عليه.
قيل: عطفهما؛ لزيادة فضلهما لا لخروجهما من المعطوف عليه.
ونظيره قوله تعالى: ﴿من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: 98] وهما من الملائكة.
وأما كونه إذا أكل البطيخ يحنث وإن كان ليس له ساق؛ فلأنه ينضج ويحلو.
فوجب كونه كثمر الشجر.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه ثمرة بقلة.
أشبه القثاء والخيار.
وأما كونه لا يحنث بأكل القثاء والخيار؛ فلأنه لا يسمى فاكهة ولا هو في معنى الفاكهة.
فوجب أن لا يحنث بأكله؛ لعدم المخالفة لفظاً ومعنى.
الجزء: 4 - الصفحة: 461
قال: (وإن حلف لا يأكل رطباً فأكل مذنباً حنث.
وإن أكل تمراً أو بسراً، أو حلف لا يأكل تمراً فأكل رُطباً أو دِبْساً أو ناطِفاً لم يحنث).
أما كون من حلف لا يأكل رطباً فأكل مذنباً يحنث؛ فلأن المذنب ما أُرطب بعضه فيكون آكله آكلاً رطباً وتمراً.
فوجب أن يحنث؛ كما لو أكل نصف رطبة ونصف تمرة منفردتين.
وأما كونه إذا أكل تمراً أو بسراً لا يحنث؛ فلأن ذلك لا يسمى رطباً.
وأما كون من حلف لا يأكل تمراً فأكل رطباً أو دبساً أو ناطفاً لا يحنث؛ فلأن ذلك كله لا يسمى تمراً.
قال: (وإن حلف لا يأكل أُدماً حنث بأكل البيض والشواء والجبن والملح والزيتون واللبن وسائر ما يُصطبَغُ به.
وفي التمر وجهان).
أما كون من حلف لا يأكل أدماً يحنث بأكل البيض ... إلى قوله: وسائر ما يصطبغ به؛ فلأن العادة جارية بالتأدُّم بذلك كله.
وأما كونه يحنث بأكل التمر في وجه؛ فلأنه أُدم لما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم وضعَ تمرة على كسرة وقال: هذهِ أُدم» 49. رواه أبو داود.
وأما كونه لا يحنث به في وجه؛ فلأنه لا يُؤدَمُ به عادة إنما يؤكل قُوتاً أو حلاوة.
قال: (وإن حلف لا يلبس شيئاً فلبس ثوباً أو درعاً أو جوشناً أو خفاً أو نعلاً: حنث).
أما كون من حلف لا يلبس شيئاً فلبس ثوباً أو درعاً أو جوشناً يحنث؛ فلأنه ليس شيئاً حقيقة وعُرفاً.
وأما كونه يحنث إذا لبس خفاً؛ فلأن الخف مما يلبَسُ عادة، وفي الحديث: «أن النجاشي أهدَى إلى النبي صلى الله عليه وسلم خُفين فلبسهُما» 50.
الجزء: 4 - الصفحة: 462
وأما كونه يحنث إذا لبس نعلاً؛ فلأنه مما يلبس عادة.
وقيل لابن عمر: «إنكَ تلبسُ هذه النعال.
قال: إني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها» 51.
قال: (وإن حلف لا يلبس حُلياً فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر حنث.
وإن لبس عقيقاً أو سَبَجاً لم يحنث.
وإن لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين).
أما كون من حلف لا يلبس حُلياً فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر يحنث؛ فلأن ذلك كله حلي.
قال الله تعالى: ﴿يُحلّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا﴾ [فاطر: 33]، وقال: ﴿وتستخرجوا منه حلية﴾ [النحل: 14]، وفي الحديث أن ابن عمر قال: «قال الله تعالى للبحر الشرقي: إني عاجل فيك الحلية والصيد والطيب».
وأما كونه لا يحنث إذا لبس عقيقاً أو سبجاً؛ فلأن ذلك ليس بحلي عُرفاً فكذا يجب أن يكون شرعاً.
وأما كونه لا يحنث إذا لبس الدراهم والدنانير في مرسلة على وجه؛ فلأن العادة أنه لا يحلى بذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 463
قال: (وإن حلف لا يركب دابة فلان، ولا يلبس ثوبه، ولا يدخل داره، فركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره، أو فعل ذلك فيما استأجره فلان: حنث.
وإن ركب دابة استعارها لم يحنث.
وإن حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جعلت برسمه حنث).
أما كون من حلف لا يركب دابة فلان، ولا يلبس ثوبه، ولا يدخل داره يحنث إذا ركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره؛ فلأن ذلك كله ملك لسيده فالفاعل لذلك بمنزلة من فعل ذلك في ملك فلان نفسه.
وأما كونه يحنث إذا فعل ذلك فيما استأجره؛ فلأن الدار تضاف إلى ساكنها إذا أضافها إلى مالكها.
قال الله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ [الطلاق: 1].
والمراد بيوت أزواجهن.
ولأن الإضافة هنا للاختصاص، ولذلك يُضاف الرجل إلى أخيه بالأخوَّة، وإلى ابنه بالبنوَّة، وإلى أبيه بالأبوَّة، وإلى زوجته بالزوجيَّة.
وأما كونه لا يحنث إذا ركب دابة استعارها؛ فلأن فلاناً لا يملك منافع الدابة المستعارة.
قال المصنف رحمه الله في المغني: إذا قال: لا دخلت مسكن زيد تعلقت يمينه بالدار التي سكنها سواء كانت مملوكة أو مستأجرة.
وأما كون من حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جُعلت برسمه يحنث؛ فلأنه مختص بها حينئذ.
أشبه الدار المستأجرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 464
قال: (وإن حلف لا يدخل داراً فدخل سطحها حنث.
وإن دخل طاقَ الباب احتمل وجهين).
أما كون من حلف لا يدخل داراً فدخل سطحها يحنث؛ فلأنه من الدار وحكمُه حكمُها.
بدليل صحة 52 الاعتكاف فيه ومنع الجنب من اللبث فيه.
فوجب أن يحنث إذا دخله؛ كما لو دخل الدار نفسها.
وأما كونه إذا دخل طاقَ الباب لا يحنث في وجه؛ فلأنه إذا أغلق الباب حصل خارجاً منها ولا يُسمى داخلاً فيها، وهذا أصح؛ لما ذكر.
قاله المصنف في المغني.
قال: (وإن حلف لا يكلم إنساناً حنث بكلام كل إنسان.
وإن زجره فقال: تنح أو اسكت حنث.
وإن حلف لا يبتدئه بكلام فتكلما معاً حنث).
أما كون من حلف لا يكلم إنساناً يحنث بكلام كل إنسان؛ فلأن النكرة في سياق النفي تعم، وإذا كان اللفظ عاماً دخل تحته كل إنسان، وذلك يوجب الحنث؛ لأنه خالف ما عليه.
وأما كونه يحنث إذا زجره فقال: تنح أو اسكت؛ فلأن ذلك كلام فيدخل تحت ما حلف على عدمه.
وأما كونه يحنث إذا حلف لا يبتدئه بكلام فتكلما معاً؛ فلأنه قصد البداءة بكلامهِ، وكلامُ صاحبه وقعَ معه اتفاقاً، وإذا كان كذلك وجب الحنث.
الجزء: 4 - الصفحة: 465
قال: (وإن حلف لا يكلمه حيناً فذلك ستة أشهر نص عليه.
وإن قال: زمناً أو دهراً أو بعيداً أو ملياً رجع إلى أقل ما يتناوله اللفظ.
وإن قال: عمُراً احتمل ذلك، واحتمل أن يكون أربعين عاماً، وقال القاضي: هذه الألفاظ كلها مثل: الحين إلا بعيداً أو ملياً فإنه على أكثر من شهر.
وإن قال: الأبد والدهر فذلك على الزمان كله).
أما كون حين ستة أشهر؛ فلأن الحين المطلق من كلام الحالف يحمل على الحين المطلق من كلام الله، والحين المطلق من كلام الله يراد به ذلك.
فيجب أن يحمل كلام الحالف عليه.
فإن قيل: حين يطلق ويراد به السنة؛ كقوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ [إبراهيم: 25]، ويطلق ويراد به يوم القيامة؛ كقوله تعالى: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ [ص: 88]، ويطلق ويراد به ساعة ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ [الروم: 17].
ويقال في العرف: أتيتك مذ حين وإن كنت قد أتيته من ساعة، ويطلق ويراد به مدة طويلة؛ كقوله تعالى: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾ [المؤمنون: 54].
قيل: لا نزاع في صحة الإطلاق وإرادة جميع ما ذكر لكن الكلام في الإطلاق الخالي عن الإرادة، وغالب ما يُستعمل في ستة أشهر.
فوجب حمل الكلام عليه؛ لغلبته.
وأما قوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كلَّ حين﴾ [إبراهيم: 25] فقال عكرمة وسعيد ابن جبير وأبو عبيدة: هو ستة أشهر.
وأما كون زمناً ودهراً يرجع فيهما إلى أقل ما يتناوله اللفظ على قول غير القاضي؛ فلأن ما زاد عليه مشكوك في إرادته والأصل عدمه.
وأما كونهما مثل الحين على قول القاضي؛ فلمشاركتهما له في المعنى.
وأما كون بعيداً أو ملياً يرجع فيهما إلى أقل ما يتناوله اللفظ على قول غير القاضي؛ فلما ذكر في " حين ".
وأما كونهما أكثر من شهر على قوله 53.
الجزء: 4 - الصفحة: 466
وأما كون عُمُر يحتمل فيه ذلك أي أنه يرجع فيه إلى أقل ما يتناوله اللفظ على قول غير القاضي؛ فلما ذكر في " حين ".
وأما كونه يحتمل أن يكون أربعين عاماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لبثت فيكم عُمُراً﴾ [يونس: 16].
وفسر بأربعين عاماً.
وأما كونه مثل الحين على قوله؛ فلما ذكر فيه.
وأما كون الأبد والدهر على الزمان كله؛ فلأن الألف واللام للاستغراق وذلك يوجب دخول الزمان كله.
قال: (والحُقب ثمانون سنة، والشهور اثنا عشر عند القاضي، وعند أبي الخطاب: ثلاثة؛ كالأشهر والأيام ثلاثة.
وإن حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث).
أما كون الحُقب بضم الحاء ثمانين سنة؛ فلأن ذلك يروى عن ابن عباس.
وقال الجوهري في كتابه المسمى بالصحاح: الحُقْب بالضم ثمانون سنة.
وأما كون الشهور اثنا عشر شهراً عند القاضي؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا﴾ [التوبة: 36].
وأما كونها ثلاثة كالأشهر عند أبي الخطاب؛ فلأن فعولاً تستعمل ويراد به أفعل، ومنه قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: 228] وإذا استعمل في كل واحد منهما كان الأقل متيقناً والأكثر مشكوكاً فيه، ومتى دار الأمر بين متيقن ومشكوك فيه كان حمل اللفظ على المتيقن متعيناً.
ولأن الأصل براءة ذمته.
تُرك العمل به في الأقل؛ لتيقنه.
فيبقى فيما عداه على مقتضى البراءة.
وأما كون الأيام ثلاثة؛ فلأنها أقل الجمع.
وأما كون من حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث؛ فلأنه فعل ما حلف على تركه.
الجزء: 4 - الصفحة: 467
قال: (وإن حلف لا يكلمه إلى حين الحصاد انتهت يمينه بأوله.
ويحتمل أن يتناول جميع مدته).
[أما كون من حلف لا يكلمه إلى حين الحصاد انتهت يمينه بأوله] 54 على المذهب؛ فلأن ما بعد إلى لا يدخل فيما قبلها إلا بقرينة، وهي منتفية هنا.
وأما كونه يحتمل أن يتناول جميع مدته؛ فلأن الظاهر أنه قصد هجرانه، واللفظ صالح لتناول الجميع بدليل صحة تفسير كلامه به.
قال: (وإن حلف لا مال له، وله مال غير زكوي، أو دين على الناس: حنث).
أما كون من ذكر يحنث إذا كان له دين؛ فلأن الدين مال ينعقد عليه الحول ويصح تصرفه فيه بالإبراء والحوالة.
أشبه المودع.
قال: (وإذا حلف لا يفعل شيئاً فوكّل من فعله حنث إلا أن ينوي).
أما كون من حلف لا يفعل شيئاً فوكّل في فعله يحنث إذا لم ينو؛ فلأن قصده ظاهراً أن لا يفعل، وذلك لا يحصل مع فعل وكيله له.
وأما كونه لا يحنث إذا حلف لا يفعل بنفسه؛ فلأن الموجب للحنث المخالفة ولم يوجد.
الجزء: 4 - الصفحة: 468
فصل [الأسماء العرفية]
قال المصنف رحمه الله: (فأما الأسماء العُرفية فهي أسماء اشتهر مجازها حتى غلب على الحقيقة؛ كالرّاوية والظَّعينة والدابة والغائط والعَذِرة ونحوها، فتتعلق اليمين بالعرف دون الحقيقة).
أما كون الأسماء العرفية هي أسماء اشتهر مجازها حتى غلب على الحقيقة؛ فلأنها إذا لم تشتهر تكون مجازاً له.
فإن قيل: لم سميت عُرفية؟
قيل: لاستعمال أهل العُرف لها في غير المعنى اللغوي.
وذلك أن الألفاظ قد تكون حقيقة لغوية في معنى ثم تصير مدلولاً بها على معنى آخر عُرفي.
ولا شُبهة في وقوع ذلك؛ لما ذكر المصنف رحمه الله من الرّاوية والظعينة والدابة والغائط والعَذِرة ونحو ذلك.
فإن قيل: فما معاني الألفاظ المذكورة لغة وعُرفاً؟
قيل: الرّاوية في اللغة: اسم للجمل الذي يظعن عليه، وفي العرف: اسم للمرأة.
والدابة في اللغة: اسم لما دبّ ودرج، وفي العرف: اسم لذوات الأربع من الخيل والبغال والحمير.
والغائط في اللغة: اسم للمكان المطمئن، وفي العرف: اسم للفضلة المستقذرة.
وأما كون يمين الحالف بذلك تتعلق بالعُرف دون الحقيقة؛ فلأن العُرف هو السابق إلى الفهم.
فوجب تعلق اليمين به دون غيره.
الجزء: 4 - الصفحة: 469
قال: (وإن حلف على وطء امرأة: تعلقت يمينه بجماعها.
وإن حلف على وطء دار: تعلقت يمينه بدخولها راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منتعلاً).
أما كون من حلف على وطء امرأة تعلقت يمينه بجماعها؛ فلأنه المتبادر إلى الفهم، ولذلك لما قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: 23] تعلق التحريم بالجماع.
وأما كون من حلف على وطء دار تعلقت يمينه بدخولها؛ فلأنها غير قابلة للجماع.
فوجب تعلق يمينه بدخولها.
وأما كونه تتعلق يمينه بدخولها راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منتعلاً؛ فلأن اليمين محمولة على الدخول، والفاعل لحالةٍ مما ذكر يسمى داخلاً.
فإن قيل: لم لا تتعلق بوطء القدم فيما 55 إذا دخلها راكباً؟
قيل 56: لأن إرادة الدخول أظهر من إرادة ما ذكر، واللفظ يحمل على الظاهر لا على غيره.
قال: (وإن حلف لا يشم الريحان فشم الورد والبنفسج والياسمين، أو لا يشم الورد والبنفسج فشم دهنهما أو ماء الورد فالقياس أنه لا يحنث، وقال بعض أصحابنا: يحنث).
أما كون من حلف لا يشم الريحان فشم الورد والبنفسج والياسمين لا يحنث على القياس؛ فلأن الريحان في العُرف هو اسم للفارسي.
فلم تنصرف اليمين إلى ما ذكر.
وأما كونه يحنث على قول بعض أصحابنا وهو أبو الخطاب؛ فلأن الريحان في اللغة: اسم لكل نبت أو زهر طيب الريح وهو موجود في الورد والبنفسج والياسمين.
وأما كون من حلف لا يشم الورد والبنفسج فشم دُهنهما أو ماء الورد ولم يحلف على ذلك 57.
الجزء: 4 - الصفحة: 470
وأما كونه يحنث على الثاني وهو قول أبي الخطاب؛ فلأن معنى كلامه: لا أشم رائحة ذلك؛ لأن الشم إنما يكون للرائحة، ورائحة الورد والبنفسج في دهنهما، وقد شم ذلك.
قال: (وإن حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً حنث عند الخرقي، ولم يحنث عند ابن أبي موسى).
أما كون من حلف بما ذكر يحنث بما ذكر عند الخرقي؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وهو الذي سخّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً﴾ [النحل: 14]، وقال عز وجل: ﴿ومِن كُلٍّ تأكلونَ لحمًا طريًا﴾ [فاطر: 12].
ولأن السمك لحم حيوان.
وأما كونه لا يحنث عند ابن أبي موسى؛ فلأن السمك لا ينصرف إليه إطلاق اسم اللحم بدليل: ما لو وكل رجلاً في شراء لحم فاشترى له سمكاً لم يلزمه.
ولأنه يصح أن يُنفى عنه فيقال: ما أكل لحماً وإنما أكل سمكاً.
وتسمية ذلك باللحم لا يوجب الحنث.
بدليل: أن الله عز وجل سمى السماء سقفاً محفوظاً 58. ولو حلف حالف: لا قعدت تحت سقف ففعل تحت السماء لم يحنث.
والأول ظاهر المذهب.
قاله المصنف رحمه الله في المغني.
والفرق بين مسألة اللحم وبين مسألة السقف: أن الظاهر أن من حلف لا يقعد تحت سقف قصد بيمينه تحت سقف يمكنه التحرز منه، والسماء ليست كذلك فلا تدخل في يمينه.
بخلاف الحالف بأنه لا يأكل لحماً؛ لعدم المعنى المذكور في يمينه.
قال: (وإن حلف لا يأكل رأساً ولا بيضاً حنث بأكل رؤوس الطيور والسمك وبيض السمك والجراد عند القاضي، وعند أبي الخطاب لا يحنث إلا بأكل رأس جرت العادة بأكله منفرداً، أو بيض يزايل بائضه حال الحياة).
أما كون من حلف بما ذكر يحنث بما ذكر عند القاضي؛ فلأن رؤوس الطيور والسمك وبيض السمك والجراد رؤوس وبيض حقيقة وعُرفاً.
فوجب أن يحنث؛
الجزء: 4 - الصفحة: 471
كما لو حلف لا يأكل لحماً فأكل من لحم الأنعام والزرافة.
والجامع بينهما أن غاية ما يقدر أن أكل رؤوس الطيور والسمك وبيض السمك والجراد نادر بالنسبة إلى رؤوس النعم وإلى بيض الدجاج، وأكل لحم الأنعام نادر بالنسبة إلى أكل لحوم النعم، والحنث في مسألة اللحم محقق فكذا في مسألة الرؤوس والبيض.
وأما كونه لا يحنث عند أبي الخطاب إلا بأكل رأسٍ جرت العادةُ بأكله منفرداً؛ كالغنم والبقر، أو بيض يزايل بائضه حال الحياة؛ كبيض الدجاج؛ فلأن المتبادر إلى الذهن ما جرت العادة بأكله منفرداً.
ولأن الظاهر إرادة ذلك.
فوجب أن لا يتعداه اليمين.
فلم يحنث بأكل غيره؛ لعدم دخوله في يمينه.
وحنث بأكله؛ لدخوله في يمينه.
قال: (وإن حلف لا يدخل بيتاً فدخل مسجداً أو حماماً أو بيت شعر أو أدم.
أو لا يركب فركب سفينة حنث عند أصحابنا.
ويحتمل أن لا يحنث).
أما كون من حلف لا يدخل بيتاً يحنث إذا دخل مسجداً عند أصحابنا؛ فلأن الله تعالى سماه بيتاً فقال: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة﴾ [آل عمران: 96]، وقال: ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ [النور: 36].
وأما كونه يحنث إذا دخل حماماً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه بيتاً قال: «بئسَ البيتُ الحمام» 59.
وأما كونه يحنث إذا دخل بيت شعر أو أدم؛ فلأن البدوي يسميه بيتاً.
ولأن البدوي لو حلف لا يدخل بيتاً فدخل بيت الحضري حنث فكذلك إذا حلف الحضري لا يدخل بيتاً فدخل بيت البدوي.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث في ذلك كله؛ فلأن الظاهر أن الحالف لم يُرد ذلك بيمينه فلم يحنث بالدخول فيه.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله في المغني أن الاحتمال إنما هو في المسجد والحمام؛ لأن أهل العُرف لا تسمي ذلك بيتاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 472
قال: (وإن حلف لا يتكلم فقرأ أو سبّح أو ذكر الله عز وجل لم يحنث.
وإن دقَّ عليه إنسان فقال: ادخلوها بسلام آمنين يقصد تنبيهه لم يحنث).
أما كون من حلف لا يتكلم فقرأ أو سبح أو ذكر اسم الله لا يحنث؛ فلأن الكلام في العُرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين، ولهذا قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنا نتكلمُ في الصلاةِ حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: 238]. فأُمرنا بالسكوتِ ونُهينا عن الكلام» 60.
وقال الله: ﴿أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا وسبّح بالعشي والإبكار﴾ [آل عمران: 41].
نهاه عن الكلام وأمره بالتسبيح، ولو كان التسبيح كلاماً لدخل في المنهي عنه.
وأما كونه لا يحنث إذا دقَّ عليه إنسان فقال: ادخلوها بسلام آمنين يقصد تنبيهه؛ فلأن ذلك كلام الله عز وجل ويمينه إنما تنصرف إلى كلام الآدميين.
فلم يحنث؛ لعدم شمول يمينه لذلك.
فإن قيل: لو قال ذلك في الصلاة لبطلت صلاته، ولو لم يكن من كلام الآدميين لما كان كذلك؟
قيل: في ذلك منعٌ.
وعلى تقدير التسليم الفرق بينهما 61 أن الصلاة لا تصح بغير قرآن وقد وقع التردد في كون ذلك قرآناً.
فلا تصح مع الشك في شرطها.
بخلاف الحنث فإن شرط الحنث فيه: كون المتكلم به كلام الآدميين وقد وقع التردد فيه فلا يحنث بالشك في شرطه.
الجزء: 4 - الصفحة: 473
قال: (وإن حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو نتف شعرها أو عضّها حنث.
وإن حلف ليضربنّهُ مائة سوطٍ فجمعها فضربهُ بها ضربة واحدة لم يبرّ في يمينه).
أما كون من حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو نتفَ شعرها أو عضّها يحنث؛ فلأن ذلك اللفظ يطلق ويراد به عدم إيلام المرأة، وفي جميع ما ذكر يحصل إيلام المرأة.
وأما كون من حلف ليضربنّ شخصاً مائة سوطٍ فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لا يبرّ في يمينه؛ فلأنه لا يفهم في العُرف من ضرب مائة سوط إلا مائة ضربة متفرقة.
فيجب أن يحمل اليمين عليه.
ولأن السوط آلة أقيمت مقام المصدر وانتصبت انتصابه فمعنى كلامه: لأضربنّه مائة ضربة بسوط فلا يبرّ بضربه بمائة سوط مجموعة؛ لأن ذلك ليس بمائة ضربة بسوط.
الجزء: 4 - الصفحة: 474
فصل [إذا حلف لا يأكل شيئا فأكله مستهلكاً]
قال المصنف رحمه الله: (وإن حلف لا يأكل شيئاً فأكله مُستهلكاً في غيره؛ مثل: أن لا يأكل لبناً فأكل زبداً، أو لا يأكل سمناً فأكل خَبيصاً فيه سمن لا يظهرُ فيه طعمُه، أو لا يأكل بيضاً فأكل ناطفاً، أو لا يأكل شحماً فأكل اللحم الأحمر، أو لا يأكل شعيراً فأكل حنطة فيها حبات شعير: لم يحنث.
وإن ظهرَ طعمُ السمنِ أو طعمُ شيء من المحلوف عليه حنث.
وقال الخرقي: يحنث بأكل اللحم الأحمر وحده، وقال غيره: يحنث بأكل حنطة فيها حبات شعير).
أما كون من حلف بما ذكر لا يحنث إذا أكل المحلوف عليه مُستهلكاً في غيره؛ فلأن المستهلك لا يقع عليه اسم الذي حلف عليه.
فلم يحنث بأكل المستهلك فيه؛ كما لو حلف لا يأكل رُطباً فأكل تمراً.
ولأن المستهلَك في الشيء يصير وجوده كعدمه.
والظاهر من الحالف على شيء من ذلك أنه إنما حلف لمعنى في المحلوف عليه، وإذا كان كذلك تعين عدم الحنث؛ لانتفاء المعنى المحلوف من أجله.
فعلى هذا لا يحنث بأكل الزُبد إذا حلف لا يأكل لبناً؛ لأن اللبن الذي في الزبد مستهلك فيه، ولا يحنث بأكل الخبيص الذي فيه سمن لا يظهر طعمه فيه إذا حلف لا يأكل سمناً؛ لأن السمن إذا لم يظهر طعمه مستهلك في الخبيص، ولا يحنث بأكل الناطف إذا حلف لا يأكل بيضاً؛ لأن بياض البيض يصير مستهلكاً في الناطف.
وأما كون من حلف لا يأكل شحماً فأكل اللحم الأحمر لا يحنث على المذهب؛ فلأن اللحم الأحمر إن كان فيه شحم فهو مستهلك فيه.
الجزء: 4 - الصفحة: 475
وأما كونه يحنث على قول الخرقي؛ فلأنه لا يخلو من شحم.
ودعوى الاستهلاك ممنوعة.
وأما كون من حلف لا يأكل شعيراً فأكل حنطة فيها حبات شعير لا يحنث على المذهب؛ فلأن الشعير مستهلك في الحنطة.
وأما كونه يحنث على قول بعض الأصحاب؛ فلأن الشعير يمكن تمييزه فتركه فيه وأكله له أكل لما منع نفسه من أكله مع القدرة عليه.
وأما كون ما تقدم ذكره يحنث إذا ظهر طعمُ السمنِ أو طعمُ شيء من المحلوف عليه؛ فلأن عدم الحنث إنما انتفى من أجل انتفاء المعنى الذي قصده الحالف، وذلك منتفٍ فيما إذا ظهر الطعم.
فوجب الحنث؛ لوجود المقتضي للحنث وانتفاء المعني عدمه.
الجزء: 4 - الصفحة: 476
فصل [إذا حلف لا يأكل شيئاً فشربه]
قال المصنف رحمه الله: (وإن حلف لا يأكلُ سَويقاً فشربه، أو لا يشربه فأكله فقال الخرقي: يحنث.
وقال أحمد فيمن حلف لا يشرب نبيذاً فثَرد فيه وأكله: لا يحنث.
فيُخَرّج في كل ما حلف لا يأكله فشربه، أو لا يشربه فأكله وجهان.
وقال القاضي: إن عيّن المحلوف عليه حنث.
وإن لم يعيّنه لم يحنث).
أما كون من حلف لا يأكل سَويقاً فشربه أو بالعكس يحنث على قول الخرقي؛ فلأن الحلف على ترك شيء يقصد به في العُرف اجتناب ذلك بالكلية فحملت اليمين عليه.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم﴾ [النساء: 2] فإنه يتناول تحريم شربها.
ولو قال طبيب لمريض: لا تأكل العسل لكان ناهياً له عن شربه وبالعكس.
وأما كونه لا يحنث على ما قاله الإمام في مسألة النبيذ؛ فلأن الأفعال كالأعيان، ولو حلف على عين لم يحنث بالأخرى فكذلك إذا حلف على فعل لم يحنث بالآخر.
وأما كونه إذا عين المحلوف عليه؛ مثل: إن حلف لا يأكل هذا السمن فشربه أو بالعكس يحنث على قول القاضي؛ فلأن تغير صفة المحلوف عليه لا تنفي الحنث فكذلك تغير صفة الفعل، وإذا لم يعينه لا يحنث؛ لأنه لا تحصل المخالفة من جهة الاسم ولا من جهة التعيين.
الجزء: 4 - الصفحة: 477
قال: (وإن حلف لا يطعمه حنث بأكله وشربه.
وإن ذاقه ولم يبلعه لم يحنث.
وإن حلف لا يأكل مائعاً فأكله بالخبز حنث).
أما كون من حلف لا يطعَمُ شيئاً يحنث بأكله وشربه؛ فلأنه طعمه.
ضرورة وجود ذلك في الأكل والشرب.
وأما كونه إذا ذاقه ولم يبلعه لا يحنث؛ فلأنه ما طعمه.
وأما كون من حلف لا يأكل مائعاً فأكله بالخبز حنث؛ فلأن المائع هكذا يُؤكل في العادة.
الجزء: 4 - الصفحة: 478
فصل [إذا حلف فاستدام ذلك]
قال المصنف رحمه الله 62: (وإن حلف لا يتزوج ولا يتطهر ولا يتطيب فاستدام ذلك لم يحنث.
وإن حلف لا يركب ولا يلبس فاستدام ذلك حنث).
أما كون من حلف لا يتزوج ولا يتطهر ولا يتطيب فاستدام ذلك لا يحنث؛ فلأن المستديم لا يُطلق عليه ذلك.
بدليل أنه لا يقال: تزوج شهراً، ولا تطهر شهراً، ولا تطيب شهراً.
وأما كون من حلف لا يركب ولا يلبس فاستدام ذلك يحنث؛ فلأن المستديم يُطلق عليه ذلك.
بدليل أنه يقال: ركب شهراً ولبس شهراً.
قال 63: (وإن حلف لا يدخل داراً هو داخلها فأقام فيها حنث عند القاضي، ولم يحنث عند أبي الخطاب.
وإن حلف لا يدخل على فلان بيتاً فدخل فلانٌ عليه فأقام معه فعلى الوجهين).
أما كون من حلف لا يدخل داراً هو داخلها فأقام فيها يحنث على قول القاضي؛ فلأن استدامة الإقامة في الدار حرام كابتداء الدخول.
وأما كونه لا يحنث على قول أبي الخطاب؛ فلأن الدخول لا يُستعمل في الاستدامة، ولهذا يقال: دخلتها منذ شهر، ولا يقال: دخلتها شهراً فجرى مجرى التزويج.
ولأن الانفصال من خارج إلى داخل لا يوجد في الإقامة.
وأما كون من حلف لا يدخل على فلان بيتاً فدخل فلانٌ عليه فأقام معه على الوجهين؛ فلأن الإقامة هنا كالإقامة في المسألة التي قبلها.
فوجب أن يخرّج فيها ما خرّج فيها نقلاً ودليلاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 479
قال: (وإن حلف لا يسكن داراً، أو لا يُساكن فُلاناً وهو مساكنه.
فلم يخرج في الحال: حنث؛ إلا أن يقيم لنقل متاعه أو يخشَى على نفسه الخروج فيقيم إلى أن يمكنه، فإن خرج دون متاعه وأهله حنث، إلا أن يودع متاعه أو يعيره وتأبى امرأته الخروج معه، ولا يمكنه إكراهها فيخرج وحده فلا يحنث).
أما كون من حلف بما ذكر فلم يخرج في الحال من الدار المحلوف عليها وهو قادر على نقل متاعه غير خائفٍ على نفسه الخروج يحنث؛ فلأن استدامة السُكنى سُكنى.
بدليل أنه يصح أن يقال: سكن الدار شهراً.
وأما كون من يقيم لنقل متاعه لا يحنث؛ فلأن النقل لا يكون إلا بالمتاع، والإقامة من أجله إقامة لا يمكن التحرز عنها.
فلا يقع اليمين عليها.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا: أن الإقامة مختصة بالمتاع.
وقال في المغني: وإن أقام لنقل متاعه وأهله لم يحنث.
والواجب حمل كلامه هنا على ما في المغني؛ لأن نقل الأهل مثل المتاع بدليل: أنه لو خرج دون أهله حنث كما يحنث إذا خرج دون متاعه.
وأما كون من يخشى على نفسه من الخروج فيقيم حتى يزول الخوف لا يحنث؛ فلأنه أقام لدفع الضرر، وإزالته عند ذلك مطلوبة شرعاً.
فلم تدخل تحته اليمين؛ لأنها تقتضي المنع.
وأما كون من خرج في الحال دون أهله ومتاعه ويمكنه إخراج ذلك ولم يُودع متاعه ولا يُعيره يحنث؛ فلأن السُكنى تكون بالأهل والمال، ولهذا يقال: فلان ساكن في البلد الفلاني وهو غائب عن بيته، وإذا نزل بلداً بأهله وماله يقال: سكنه وإن نزله بنفسه.
وأما كون من خرج وحده وأودع متاعه أو أعاره متاعه وأبتِ امرأته الخروج معه ولم يمكنه إكراهها لا يحنث؛ فلأن يده زالت عن متاعه، وامرأته هو عاجز عن إخراجها، وزوال اليد والعجز لا يتصور معهما حنث البتة.
الجزء: 4 - الصفحة: 480
قال: (وإن حلف لا يُسَاكن فُلاناً فبنيا بينهما حائطاً وهما متساكنان حنث.
وإن كان في الدار حُجرتان كل حجرة تختص ببنائها ومرافقها فسكن كل واحد في حجرة لم يحنث).
أما كون من حلف لا يُسَاكن فُلاناً يحنث إذا بنيا بينهما حائطاً وهما متساكنان؛ فلأن إقامتهما إلى بناء الحائط يقع عليها اسم المساكنة المحلوف على تركها، وذلك يوجب ضرورة تحقق المخالفة ليمينه.
وأما كونه لا يحنث إذا كان في الدار حجرتان ... إلى آخره؛ فلأن كل واحد ساكن في حجرته فلا يكون مُساكناً لغيره.
فلم يحنث؛ لعدم فعل المحلوف على تركه.
قال: (وإن حلف ليخرجنّ من هذه البلدة فخرج وحده دون أهله برّ.
وإن حلف ليخرجن من هذه الدار فخرج دون أهله لم يبرّ).
أما كون من حلف ليخرجن من هذه البلدة فخرج وحده دون أهله يبرّ؛ فلأن حقيقة الخروج لم يعارضها في الخروج من البلدة معارض.
فوجب حصول البر؛ لحصول الحقيقة، وذلك موجود في خروجه بنفسه دون أهله.
وأما كون من حلف ليخرجن من هذه الدار لا يبرّ إذا خرج دون أهله؛ فلأن الدار يخرج منها ساكناً في اليوم مراراً.
فظاهر حاله أنه لم يُرد حقيقة الخروج.
فوجب حمله على مجازه وذلك هو النقلة.
وقد تقدم أن النقلة تقتضي إخراج الأهل فإذا خرج دونهم لم يحصل البر ضرورة عدم الوفاء باليمين.
قال: (وإن حلف ليخرجنّ من هذه البلدة، أو ليرحلنّ عن هذه الدار ففعل فهل له العود إليها؟ على روايتين).
أما كون من حلف بما ذكر ففعل له العود إلى البلدة والدار على روايةٍ؛ فلأن يمينه على الرحيل، وقد وجد، وذلك يوجب انحلال اليمين وإذا انحلت يمينه صار بمنزلة من لم يحلف.
وأما كونه ليس له العود إليهما على روايةٍ؛ فلأن الظاهر أنه قصد هجران ما حلف على الرحيل منه، والعود إليه ينافي مقصود يمينه.
الجزء: 4 - الصفحة: 481
فصل [في مسائل من الحلف]
قال المصنف رحمه الله: (إذا حلفَ لا يدخلُ داراً فحُملَ فأُدخِلها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع، أو حلفَ لا يستخدمُ رجلاً فخدمه وهو ساكت فقال القاضي: يحنث.
ويحتمل أن لا يحنث).
أما كون من حلف لا يدخل داراً فحُملَ فأُدخِلها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع يحنث عند القاضي؛ فلأن عدم الامتناع مع القدرة يُذهب معنى الإكراه النافي للحنث.
فإن قيل: فحُملَ فأُدخلَها مشعر بالإكراه فيكون الكلام مفروضاً في الإكراه.
فإذا خرج عن أن يكون مكرهاً خرجت المسألة عن أصلها.
قيل: لما كان الحملُ إكراهاً في الصورة أُطلق عليه مُكرهاً فإذا أمكنه الامتناع لم يكن مكرهاً حقيقة.
وتقييد المصنف رحمه الله الحنث بأن يمكنه الامتناع إشعار بأنه إذا لم يمكنه لا يحنث.
وهو صحيح نص عليه الإمام أحمد.
قال المصنف في المغني: والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه» 64.
ولأن الفعل غير موجود عنه ولا منسوب إليه.
وأما كون من يمكنه الامتناع فلم يفعل يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه مكره صورة.
أشبه المكره معنى.
وأما كون من حلف لا يستخدم رجلاً فخدمه وهو ساكت يحنث على قول القاضي؛ فلأن الظاهر أنه قصد اجتناب خدمته ولم يحصل.
الجزء: 4 - الصفحة: 482
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه ما استخدمه.
والسكوت لا يدل على الرضى بدليل: ما لو شقّ رجل ثوب رجل وهو ساكت فإن سكوته لا يدل على رضاه، ولهذا يملك الذي شقّ ثوبه مطالبة الذي شقه بقيمة شقه.
قال: (وإن حلف ليشربنّ الماء أو ليضربنّ غلامه غداً فتلف المحلوف عليه قبل الغد حنث عند الخرقي.
ويحتمل أن لا يحنث.
وإن مات الحالف لم يحنث).
أما كون من حلف بما ذكر يحنث إذا تلف المحلوف عليه قبل الغد عند الخرقي؛ فلأن الحالف لم يفعل المحلوف عليه في وقته وعدم إكراهه ونسيانه.
أشبه ما لو حلف ليحجّن هذا العام فلم يقدر على الحج لمرض أو عدم نفقة.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه تعذر فعل المحلوف عليه لا من جهته.
أشبه المكره والناسي.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والفرق بين ما ذكر وبين المكره والناسي: أن الامتناع في الإكراه والنسيان لمعنى فيه، وهاهنا الامتناع في المحل.
وأما كونه لا يحنث إذا مات الحالف؛ فلأن الحنث إنما يحصل بفوات المحلوف عليه في وقته وهو الغد، والحالف قد خرج عن أن يكون من أهل التكليف قبل ذلك فلا يمكن حنثه.
وبأهلية الحالف ظهر الفرق بين موت الحالف وبين موت المحلوف عليه؛ لأن في تلف المحلوف عليه أهليّة الحالف باقية فصادف الحنث محله، وفي موت الحالف أهليّته تبطل بموته.
فلم يُصادف بالحنث محله.
قال: (وإن حلف ليقضينّه حقه فأبرأه فهل يحنث؟ على وجهين.
وإن مات المستحقّ فقضى ورثته لم يحنث، وقال القاضي: يحنث.
وإن باعه بحقه عرْضاً لم يحنث عند ابن حامد، وحنث عند القاضي.
وإن حلف ليقضينّه حقه عند رأس الهلال فقضاه عند غروب الشمس في أول الشهر برّ).
أما كون من حلف ليقضينّ غريمه حقه فأبرأه يحنث على وجه؛ فلأن الحلف على القضاء، والإبراء ليس بقضاء.
بدليل أنه يصح أن يقال: ما قضاني حقي وإنما أبرأته منه.
الجزء: 4 - الصفحة: 483
وأما كونه لا يحنث على وجه؛ فلأن الغرض من القضاء حصول البراءة فإذا أبرأه فقد حصل مقصود يمينه.
فيجب أن لا يحنث.
وأما كونه إذا مات المستحقّ فقضى ورثته لا يحنث وهو قول أبي الخطاب؛ فلأن قضاء الورثة قائم مقام قضائه في إبراء ذمته.
فكذلك يجب أن يقوم مقامه في البرّ في يمينه.
وأما كونه يحنث على قول القاضي فكما لو حلف ليضربنّ عبده في غد فمات العبد قبل الغد.
وأما كونه إذا باعه بحقه عرْضاً لا يحنث عند ابن حامد؛ فلأن الغرض البراءة وهي حاصلة بذلك.
وأما كونه يحنث عند القاضي؛ فلأن الحلف على قضاء الحق ولم يوجد.
وأما كون من حلف ليقضينّ غريمه حقه عند رأس الهلال فقضاه عند غروب الشمس في أول الشهر يبرّ؛ فلأن ذلك هو الوقت المحلوف فيه.
فإذا قضاه فيه وجب حصول البر.
قال: (وإن حلف لا فارقتك حتى أستوفي حقي فهرب منه حنث.
نصّ عليه، وقال الخرقي: لا يحنث.
وإن فلسه الحاكم وحكم عليه بفراقه خُرِّج على الروايتين.
وإن حلف: لا افترقنا فهرب منه حنث.
وقدْر الفراق ما عده الناس فراقاً؛ كفُرقَة البيع).
أما كون من حلف لا فارقتك حتى أستوفي حقي فهرب يحنث على المنصوص؛ فلأن معنى يمينه: لا حصل منا فرقة وقد حصل.
وأما كونه لا يحنث على قول الخرقي؛ فلأنه حلف على فعل نفسه في الفُرقة وما فعلها ولا فعل باختيار.
فلم يحنث؛ كما لو قال: لا قمت فأقامه غيره.
وأما كونه إذا فلسه الحاكم وحكم عليه بفراقه يخرج على روايتين؛ فلأن ذلك في معنى الروايتين في الإكراه، وقد تقدم ذكر دليلهما.
وأما كونه يحنث إذا قال: لا افترقنا على قوليهما جميعاً؛ فلأن يمينه يقتضي لا حصل بيننا فرقة بوجه من جهة اللفظ والمعنى.
وبذلك يظهر الفرق بين المسألة الأولى والثانية على قول الخرقي؛ لأن لفظ الأولى لا يقتضي ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 484
وأما كون قدر الفراق الذي يحصل به الحنث في موضع الحكم بالحنث فيه ما عده الناس فراقاً في العُرف؛ فلأن الشرع رتب على ذلك أحكاماً ولم يبين مقداره.
فوجب الرجوع فيه إلى العادة؛ كالحِرْز والقبض.
ولأن الفرقة في البيع تثبت الخيار وهي مقدرة بذلك.
فكذلك يجب تقديرها في الحلف قياساً له عليها.
الجزء: 4 - الصفحة: 485
باب النذر
الأصل في النذر الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: 29].
وأما السنة؛ فما روت عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نذرَ أن يطيعَ الله فليطعهُ، ومن نذرَ أن يعصيهِ فلا يعصِه» 65.
وعن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خيركمْ قرني، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم ينذرونَ ولا يهبون، ويخونونَ ولا يُؤتمنون، ويشهدونَ ولا يُسْتشهدون، ويظهرُ فيهم السِّمَن» 66. رواهما البخاري.
وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (وهو: أن يُلزم نفسه لله تعالى شيئاً.
ولا يصح إلا من مكلّف مسلماً كان أو كافراً).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يُلزم نفسه لله تعالى شيئاً؛ فبيان لمعنى النذر.
وفي إضافة الإلزام إلى نفسه احتراز عن الواجب بأصل الشرع.
وأما كون النذر لا يصح من غير مكلف؛ فلأن غير المكلف كالصبي والمجنون لا اعتبار بقوله.
والنذر قول يترتب عليه حكم شرعي.
فلم يصح من واحدٍ منهما؛ كسائر أقوالهما.
وأما كونه يصح من المكلف؛ فلدخوله فيما تقدم مع سلامته عما ذكر.
الجزء: 4 - الصفحة: 486
وأما كونه يصح من المكلف مسلماً كان أو كافراً: أما المسلم فظاهر.
وأما الكافر؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني نذرتُ في الجاهليةِ أن أعتكفَ يوماً، قال: أوْفِ» 67 متفق عليه.
قال: (ولا يصحُ إلا بالقول.
فإن نواه من غير قول لم يصح).
أما كون النذر لا يصح بغير القول؛ فلأنه التزام.
فلم يصح بغير القول؛ كالطلاق والنكاح.
وأما كونه يصح بالقول؛ فلأنه التزام يصح بالقول؛ كسائر الالتزامات.
وأما كون الناذر إذا نواه من غير قول لا يصح؛ فلأن من شرطه القول ولم يوجد.
قال: (ولا يصح في محال ولا واجب.
فلو قال: لله عليَّ صوم أمس أو صوم رمضان لم ينعقد).
أما كون النذر لا يصح في المحال؛ فلأنه لا يتصور انعقاده فيه.
فلم يصح فيه؛ كاليمين التي لا يمكن انعقادها.
وأما كونه لا يصح في واجب؛ فلأن النذر التزام، والتزام اللازم لا يصح.
وأما كون من قال: لله عليَّ صوم أمس أو صوم رمضان لا ينعقد؛ فلما تقدم من أن النذر لا يصح في محال ولا واجب، وصوم أمس محال، وصوم رمضان واجب.
الجزء: 4 - الصفحة: 487
قال: (والنذر المنعقد على خمسة أقسام:
أحدها: النذر المطلق.
وهو أن يقول: لله عليَّ نذر.
فيجب به كفارة يمين.
الثاني: نذر اللجاج والغضب.
وهو: ما يقصد به المنع من شيء غيره أو الحمل عليه؛ كقوله: إن كلمتكَ فلله عليَّ الحج، أو صوم سنة، أو عتق عبدي، أو الصدقة بمالي.
فهذا يمين يتخير بين فعله والتكفير).
أما كون النذر المنعقد على خمسة أقسام؛ فلأنه تارة يكون مطلقاً، وتارة نذر لجاج وغضب، وتارة مباحاً، وتارة معصية، وتارة تبرراً.
وأما كون أحد أقسام النذر المنعقد: النذر المطلق كما مثل المصنف رحمه الله من قوله: لله عليَّ نذر؛ فلأنه نذر فيدخل في قوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: 29]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «النذرُ حلفَة (1») 69.
وأما كونه تجب به كفارة يمين؛ [فلقوله صلى الله عليه وسلم «كفارةُ النذر إذا لم يُسمِّ كفارةُ يمين» 70. رواه الترمذي] 71 وقال: حديث حسن صحيح غريب.
ولأنه قول ابن عباس وابن مسعود وجابر وعائشة ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم.
وأما كون الثاني من أقسام النذر المنعقد: نذر اللجاج والغضب كما مثل المصنف رحمه الله؛ فلما ذكر قبل.
وأما كونه يميناً يتخير بين فعله والتكفير؛ فلأن ذلك خرج مخرج اليمين.
فوجب أن يعطى حكمها.68
الجزء: 4 - الصفحة: 488
قال: (الثالث: نذر المباح؛ كقوله: لله عليَّ أن ألبس ثوبي، أو أركب دابتي.
فهذا كاليمين يتخير بين فعله وكفارة يمين.
فإن نذر مكروهاً؛ كالطلاق استحب أن يكفّر ولا يفعله).
أما كون الثالث من أقسام النذر المنعقد: نذر المباح.
والمراد بالمباح هنا ما استوى طرفاه وما ترجح تركه على فعله.
فالأول: كلبس الثوب، وركوب الدابة.
والثاني: كالطلاق؛ فلما ذكر قبل.
وأما كون الأول؛ كاليمين يتخير بين فعله وكفارة يمين: أما الفعل؛ فلما روي: «أن امرأت أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني نذرتُ أن أضربَ على رأسكَ بالدُّفِ.
فقال لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أوفِ بنذرك» 72. رواه أبو داود.
وأما الكفارة ومفهوم كلام المصنف رحمه الله أنه يجوز تركه.
وهو صحيح؛ لأن النذر أُجري مجراه في الكفارة.
فكذلك يجب أن يجري مجراه في جواز الترك.
وأما الثاني وهو ما ترجح تركه على فعله؛ كالطلاق وسائر ما يكره فعله يستحب أن يكفّر ولا يفعله: أما التكفير؛ فليخرج من عهدة نذره.
وأما عدم الفعل؛ فلأن فعله مكروه، وهو مطلوب العدم.
قال: (الرابع: نذر المعصية؛ كشربِ الخمر، وصوم يوم الحيض ويوم النحر، فلا يجوز الوفاءُ به ويكفر؛ إلا أن ينذر نحرَ ولده ففيه روايتان:
إحداهما: أنه كذلك.
والثانية: يلزمه ذبح كبش.
ويحتمل أن لا ينعقد نذر المباح ولا المعصية، ولا يجب به كفارة، ولهذا قال أصحابنا: لو نذر الصلاة أو الاعتكاف في مكان مُعيّن فله فعله في غيره، ولا كفارة).
أما كون الرابع من أقسام النذر المنعقد: نذر المعصية كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلما ذكر قبل.
الجزء: 4 - الصفحة: 489
وأما كونه لا يجوز الوفاء به؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذرَ أن يعصي الله فلا يعصِه» 73.
وأما كون ناذره يكفر نحر ولده كان أو لد غيره؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نذرَ في معصيةٍ وكفارتهُ كفارةُ يمين» 74. رواه أبو داود.
وقال الترمذي: هو حديث غريب.
وأما كونه يلزمه ذبح كبش إذا كان نذر نحر ولده في روايةٍ؛ فلأن الله عز وجل جعل الكبش عوضاً عن ذبح ولد إبراهيم بعد أن ذبحه، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع إبراهيم حيث قال: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ [النحل: 123].
وأما كون نذر المباح والمعصية يحتمل أن لا ينعقد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نذرَ إلا فيما ابتغُي به وجهُ الله» 75.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطبُ إذا برجل قائم فسألَ عنه.
فقالوا: أبو إسرائيلَ نذرَ أن يقومَ في الشمس ولا يستظلَ ولا يتكلمَ ويصوم.
قال: ليستظلَ وليتكلمَ وليتمَ صومَه» 76. رواه البخاري.
وعن أنس قال: «نذرت امرأة أن تمشي إلى بيتِ الله.
فسُئلَ نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
فقال: إن الله لغنيٌ عن مشيهَا.
مُروها فلتركَب» 77. قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
الجزء: 4 - الصفحة: 490
والأول أصح؛ لما تقدم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نذرَ» 78 معناه والله أعلم لا نذر يجب وفاؤه ولا خلاف فيه، وإنما الخلاف في انعقاده موجباً للكفارة ودعوى عدم إيجاب الكفارة في حديث ابن عباس ممنوعة.
ولأن في بعض ألفاظه: «وليصُم ثلاثةَ أيام».
قال: (ولو نذر الصدقة بكل ماله فله الصدقة بثلثه ولا كفارة عليه.
وإن نذر الصدقة بألفٍ لزمه جميعها.
وعنه: يجزؤه ثلثها).
أما كون من نذر الصدقة بكل ماله له الصدقة بثلثه؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قال لأبي لبابة حين قال: إنَّ منْ توبَتي أن أنخلِعَ من مالي قال: يجزئك الثلث» 79.
وفي رواية: «أمسِكْ عليكَ بعضَ مالِكَ» 80 متفق عليه.
ولأبي داود: «يجزئُ عنكَ الثلث» 81.
وأما كونه لا كفارة عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب على أبي لبابة سوى ثلث ماله.
وأما كون من نذر الصدقة بألفٍ يلزمه الصدقة بجميعها على المذهب؛ فلأن الأصل لزوم الوفاء بالنذر خولف في جميع المال للأثر فيبقى في غيره على الأصل.
وأما كونه يجزئه ثلثها على روايةٍ؛ فلأنه مال نذر للصدقة.
فأجزأه ثلثه؛ كما لو نذر جميع المال.
والأول أصح قاله المصنف رحمه الله في المغني؛ لما تقدم.
الجزء: 4 - الصفحة: 491
وقياس الألف على جميع المال لا يصح؛ لما في الصدقة بجميع المال من الإضرار بنفسه وورثته، ولهذا منع الشخص من الوصية بجميع ماله.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله في الألف غير مقيدٍ بكونها بعض ماله أو كله.
قيل: قال في المغني: إذا نذر الصدقة بقدرٍ يستغرق ماله كله صح إلحاقه بالصورة الأولى.
يعني بنذر صدقة ماله كله.
ووجهه: أن المعنى المانع من صدقة جميع المال موجودة في الصدقة بالعدد الذي مقداره جميع ماله.
الجزء: 4 - الصفحة: 492
فصل [في نذر التبرر]
قال المصنف رحمه الله: (الخامس: نذر التبرر؛ كنذر الصلاة والصيام والصدقة والاعتكاف والحج والعمرة ونحوها من القرب على وجه التقرب سواء نذره مطلقاً أو علّقه بشرط يرجوه فقال: إن شفى الله مريضي، أو سلم الله مالي فلله 82 عليّ كذا فمتى وجد شرطه انعقد نذره ولزمه فعله).
أما كون الخامس من أقسام النذر المنعقد: نذر التبرر كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلما تقدم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذرَ أن يطيعَ الله فليُطِعْه» 83.
وأما كون النذر المذكور كما ذكر سواء نذره كما تقدم، أو علقه بشرط يرجوه كما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأن ما ذكر يشملهما.
وأما كون المعلق متى وجد شرطه ينعقد نذره؛ فلأنه يصير عند وجود شرطه بمنزلة المطلق، ولذلك لو أطلق الطلاق من غير تعليق طلقت امرأته ولو علقه على شرط فوجد طلقت.
وأما كونه يلزمه فعله عند ذلك؛ فلأن الناذر حينئذ يصير كالمطلق، والمطلقُ يلزم الوفاء به.
فكذلك من هو بمنزلته.
قال: (وإن نذر صوم سنة لم يدخل في نذره رمضان ويوما العيدين، وفي أيام التشريق روايتان.
وعنه: ما يدل على أنه يقضى يومي العيدين وأيام التشريق).
أما كون رمضان لا يدخل في نذر صوم السنة؛ فلأن رمضان لا يقبل غير صومه.
فلم يدخل في صوم نذر؛ كالليل.
الجزء: 4 - الصفحة: 493
وأما كون يومي العيدين لا يدخلان في ذلك على المذهب؛ فلأنهما يومان لا يصح صومهما عن نذره.
فلم يدخلا في صوم السنة؛ كأيام رمضان.
وأما كون ناذر ذلك يقضيه على روايةٍ؛ فلأن الصوم لما كان حراماً وجب أن ينعقد نذره موجباً للقضاء.
وأما كون أيام التشريق فيها روايتان فمبني على أن صومها عن الفرض هل هو جائز أم لا؟
فإن قيل: هو جائز دخلت في نذره، وإن قيل: هو غير جائز لم تدخل.
وأما كونها تقضى على روايةٍ؛ فبالقياس على العيدين.
ولا بد أن يلحظ في هذه الرواية أنها مبنية على القول بتحريم صيامها عن الفرض؛ لأنها حينئذ تشبه العيدين.
قال: (وإذا نذر صوم يوم الخميس فوافق يوم عيد أو حيض أفطر وقضى وكفّر.
وعنه: يكفّر من غير قضاء، ونقل عنه ما يدل على أنه إن صام يوم العيد صحّ صومه.
وإن وافق أيام التشريق فهل يصومه؟ على روايتين).
أما كون من نذر ما ذكر فوافق يوم عيد يفطر؛ فلأن الشرع حرم صومه.
وأما كونه يقضي؛ فلأنه فاته ما نذر صومه.
وأما كونه يكفّر؛ فلعدم الوفاء بنذره.
وأما كونه يكفّر من غير قضاء على روايةٍ؛ فكما لو نذرت المرأة صوم يوم حيضها.
وأما كون الناذر إن صام يوم العيد صح صومه على روايةٍ؛ فلأنه وفاء بما نذر.
وذكر المصنف في المغني رواية رابعة: أنه يقضي ولا كفارة عليه: أما كونه يقضي؛ فلأن النذر الواجب فاته.
فلزمه قضاؤه؛ كما لو تركه ناسياً.
وأما كونه لا كفارة عليه؛ فلأن الشرع منع القادر صومه.
فلم تلزمه الكفارة؛ كالمكره.
وأما كون من نذر ما ذكر فوافق يوم حيض يفطر فلا خلاف فيه؛ لقيام المنافي للصوم.
الجزء: 4 - الصفحة: 494
وأما كونه يقضي ويكفر، أو يكفر من غير قضاء، أو يقضي ولا يكفر؛ فلما تقدم فيمن نذر صوم يوم الخميس فوافق يوم عيد.
وأما كونه إذا وافق أيام التشريق هل يصومه فيه روايتان؛ فمبني على جواز صومها فرضاً.
فإن قيل: يجوز صومها عن الفرض جاز له صوم يوم النذر، وإن قيل: لا يجوز صومها عن الفرض كان حكمها حكم يومي العيد.
قال: (وإن نذر صوم يوم يقدُم فلان فقدم ليلاً فلا شيء عليه.
وإن قدم نهاراً فعنه ما يدل على أنه لا ينعقد نذره، ولا يلزمه إلا إتمامُ صيام ذلك اليوم إن لم يكن أفطر.
وعنه: أنه يقضي ويكفر سواء قدم وهو مفطر أو صائم).
أما كون من نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم ليلاً لا شيء عليه؛ فلأن شرط لزوم النذر قدومه نهاراً ولم يوجد.
وأما كونه إذا قدم نهاراً لا ينعقد نذره على روايةٍ؛ فلأنه لا يمكنه صومه بعد وجود شرطه.
فلم ينعقد؛ كما لو قال: لله عليَّ أن أصوم أمس اليوم الذي يقدم فيه فلان.
وأما كونه لا يلزمه إلا إتمام صيام ذلك اليوم إن لم يكن أفطر فكما لو قال: لله عليَّ أن أصوم بقية يومي.
وأما كونه يقضي ويكفر سواء قدم وهو مفطر أو صائم على روايةٍ: أما فيما إذا قدم وهو صائم؛ فلأنه لم ينو صوم النذر من الليل.
فإن قيل: لو علم بقدوم فلان من الليل فنوى الصوم.
قيل: يصح صومه ويجزئه عن نذره؛ لوفائه بما نذره.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن إتمام صيام ذلك اليوم مرتب على عدم الانعقاد؛ لأنه قال: وإن قدم نهاراً فعنه ما يدل على أنه لا ينعقد نذره ولا يلزمه إلا إتمام صيام ذلك اليوم، وعنه أنه يقضي ويكفر.
قيل: ليس لذلك وجه.
وقد حكى في المغني بانعقاد النذر المذكور ثم علله ثم قال: فإذا ثبتت صحته فعلم ... وذكر بقية الأحكام.
الجزء: 4 - الصفحة: 495
قال: (وإن وافق قدومه يوماً من رمضان فقال الخرقي: يجزئه صيامه لرمضان ونذره، وقال غيره: عليه القضاء.
وفي الكفارة روايتان.
وإن وافق يوم نذره وهو مجنون فلا قضاء عليه ولا كفارة).
أما كونه إن وافق قدومه يوماً من رمضان يجزئه صيامه لرمضان ونذره أي عنهما على قول الخرقي؛ فلأن الناذر نذر صيام ذلك الزمن وقد صامه.
وكونه يجزئه صيام ذلك اليوم فيه إشعار بأن النذر صحيح.
صرح به في المغني.
وقال القاضي: ظاهر كلام الإمام أحمد أن النذر لا ينعقد؛ لأن النذر وافق زمناً يستحق صيامه.
فلم ينعقد؛ كما لو نذر صيام رمضان.
والأول عند المصنف رحمه الله أصح.
ذكره في المغني وعلله بأنه نذر طاعة يمكن الوفاء به غالباً.
فانعقد؛ كما لو قدم في غير رمضان.
وأما كونه عليه القضاء على قول غير الخرقي؛ فلأن زمن النذر يستحق الصيام لغيره.
فلم يمكن صيامه عنه.
فوجب أن يجب عليه القضاء؛ استدراكاً لما فاته من نذره.
وأما كونه عليه الكفارة في روايةٍ؛ [فلتأخر النذر] 84.
[وأما كونه لا كفارة عليه في روايةٍ] 85؛ فلأنه ممنوع من صيام غير رمضان فيه فيصير كالمكره على عدم صيامه عن النذر، ومع الإكراه المذكور لا كفارة فكذلك ما هو بمنزلته.
وأما كونه لا قضاء عليه ولا كفارة إذا وافق يوم نذره وهو مجنون؛ فلأن وجود الشرط يصير الناذر كالمطلق للنذر.
ولو أطلق النذر وهو مجنون لم يكن عليه قضاء ولا كفارة فكذلك هاهنا.
ولأن وجوبه ينفي وجوب الأداء عليه، والقضاء والكفارة يعتمدان وجوب الأداء.
قال: (وإن نذر صوم شهر معين فلم يصمه لغير عذر فعليه القضاء وكفارة يمين.
وإن لم يصمه لعذر فعليه القضاء، وفي الكفارة روايتان.
وإن صام قبله لم يجزئه.
الجزء: 4 - الصفحة: 496
وإن أفطر في بعضه لغير عذر لزمه استئنافه ويكفر.
ويحتمل أن يُتم باقيه ويقضي ويكفر).
أما كون من ذكر عليه القضاء إذا لم يصم المنذور لغير عذر أو لعذر؛ فلأنه أفطر ما نذر صومه.
فلزمه قضاؤه؛ استدراكاً لما فاته من نذره.
وأما كونه عليه كفارة يمين إذا لم يصم لغير عذر؛ فلأنه أفطر من غير عذر عرض له.
فكان عليه الكفارة؛ استدراكاً لما فاته من التعيين.
وكانت كفارة يمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «النذر حلفةٌ وكفارتهُ كفارةُ يمين» 86.
وأما كونه عليه الكفارة إذا لم يصم لعذر في روايةٍ؛ فلأنه أخلّ بنذره.
فلزمته الكفارة؛ كما لو نذر الحج ماشياً فركب.
ولأن النذر كاليمين.
ولو حلف ليصومن يوم كذا فأفطره لعذر لزمته الكفارة فكذا هاهنا.
وأما كونه لا كفارة عليه في روايةٍ؛ فلأنه أتى بصيام أجزأ عن نذره من غير تفريط.
فلم يكن عليه كفارة؛ كما لو صام ما عيّنه.
والأولى أولى.
قاله المصنف في المغني وعلله بما تقدم ذكره.
وأما كونه لا يجزئه إذا صامه قبله؛ فلأنه يجب عليه صوم ذلك الشهر بعينه، ولم يوجد ذلك مع تقديم الصوم، وذلك يقتضي عدم الإجزاء لبقائه في عهدة ما وجب عليه.
ولأن العبادات إذا كانت مؤقتة لم يجز تقديمها على وقتها.
دليله الصلاة.
وأما كونه يلزمه الاستئناف إذا أفطر في بعضه لغير عذر؛ كمن نذر صوم المحرم فأفطر منه يوماً؛ فلأن ما نذره صوم يجب تتابعه.
فأبطله الفطر فيه لغير عذر؛ كما لو أفطر في نذرٍ نَذَرَ التتابُع فيه.
وأما كونه يكفر؛ فلفوات زمن النذر.
وأما كونه يحتمل أن يُتمّ باقيه ويقضي ويكفر: أما الإتمام؛ فلأن التتابع فيما نذره وجب من حيث الوقت لا من حيث الشرط.
فلم يبطله الفطر؛ كصوم رمضان.
الجزء: 4 - الصفحة: 497
وأما القضاء؛ فكما لو أفطر يوماً من رمضان.
وأما الكفارة؛ فلفوات زمن النذر.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والفرق بين رمضان وبين النذر: أن تتابُع رمضان بالشرع لا بالنذر، وتتابُع النذر أوجبه الناذر على نفسه على صفة ثم فوّتها فهو شبيه بما شرط التتابُع فيه.
فإن قيل: هذا حكم ما إذا أفطر بعض المنذور لغير عذر، فما حكمه إذا أفطره لعذر فإنه لم يذكر المصنف رحمه الله حكمه؟
قيل: قد ذكره في المغني فقال: قياس المذهب أنه يبني على ما مضى ويقضي ما أفطر ويكفر: أما البناء؛ فلأنه معذور في القطع.
وأما القضاء؛ فلاستدراك ما فات من النذر الواجب صومه.
وأما الكفارة؛ فلفوات زمن المنذور.
وقال أبو الخطاب: فيه رواية أنه لا كفارة عليه؛ لأن المنذور محمول على المشروع.
ولو أفطر في رمضان لعذر لم يلزمه شيء.
والأولى أولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخت عقبة بن عامر: «لتركب ولتكفِّر عن يمينِها» 87. وفارق رمضان من حيث إنه لو أفطر لغير عذر لم يكن عليه كفارة إلا في الجماع.
وإنما لم يذكره المصنف رحمه الله بالتصريح؛ لأنه يصح أن يدخل في قوله: وإن لم يصمه لعذر فعليه القضاء وفي الكفارة روايتان.
فإن قيل: لمَ لمْ يقتصر فيما إذا أفطر بعضه لغير عذر على قوله قبل ذلك: فلم يصمه لغير عذر؟
قيل: لأن حكم ما إذا أفطر الناذر بعضه الاستئناف على روايةٍ ولا دلالة لقوله فعليه القضاء وكفارة يمين على ذلك.
بخلاف قوله: وإن لم يصمه لعذر فعليه القضاء وفي الكفارة روايتان فإن ذلك له دلالة على حكم ما أفطر الناذر بعضه؛ لاستوائهما في وجوب القضاء وجريان الخلاف في الكفارة لم يبق بينهما إلا
الجزء: 4 - الصفحة: 498
وجوب الإتمام وذلك يصلح أن يترك استناداً إلى أصل وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الإتمام بعض ما نذره.
قال: (وإذا نذر صوم شهر لزمه التتابع.
وإن نذر صيام أيام معدودة لم يلزمه التتابع إلا أن يشترطه).
أما كون من ذكر يلزمه التتابع في نذر الشهر؛ فلأن إطلاق الشهر يقتضي ذلك.
وحكى المصنف رحمه الله في المغني رواية أخرى أنه لا يلزمه التتابع؛ لأن الشهر يقع على ما بين الهلالين وعلى ثلاثين يوماً إجماعاً.
فلم يلزمه التتابع؛ كما لو نذر صوم ثلاثين يوماً.
وأما كونه لا يلزمه ذلك في نذر صيام الأيام المعدودة إذا لم يشترطه؛ فلأن الأيام لا دلالة لها على التتابع، ولذلك لما قال الله تعالى: ﴿فعدةٌ من أيامٍ أُخَر﴾ [البقرة: 184]: لم يلزم التتابع فيها.
وأما كونه يلزمه إذا شرطه؛ فللوفاء بنذره.
ولم يفرق المصنف رحمه الله في الأيام بين الثلاثين وبين غيرها؛ كعشرة ونحوها.
ومنصوص الإمام أحمد في الثلاثين لا يلزمه التتابع وأنه في العشرة يلزمه.
وفرق بينهما من حيث إن الثلاثين تطلق ويراد بها الشهر فعدوله عن الشهر دليل على إرادة العدد دون التتابع فيها.
قاله المصنف في المغني؛ لأن عدم ما يدل على التفريق ليس بدليل على التتابع، ولذلك أن الله تعالى لما قال في قضاء رمضان: ﴿فعدةٌ من أيامٍ أخَر﴾ [البقرة: 184] ولم يذكر تفريقها ولا تتابعها لم يجب التتابع فيها.
قال: (وإن نذر صياماً متتابعاً فأفطر لمرض أو حيض قضى لا غير.
وإن أفطر لغير عذر لزمه الاستئناف.
وإن أفطر لسفر أو ما أبيح الفطر فعلى وجهين).
أما كون من ذُكر إذا أفطر لمرض أو حيض يقضي؛ فلأنه صوم وجب عليه.
فيجب قضاؤه؛ كما لو أفطر في رمضان.
الجزء: 4 - الصفحة: 499
وأما كونه لا شيء عليه غيره؛ فلأن المرض والحيض عذر لا يقطع التتابُع.
ويخير بين الاستئناف وبين البناء وقضاء ما ترك وكفارة يمين: أما الاستئناف؛ فلأن به يحصل التتابع صورة وحكماً.
وأما البناء؛ فلأن ذلك بقية زمن نذر جميعه.
وأما القضاء؛ فبدل عما أفطره.
وأما الكفارة؛ فلأن العجز لا ينفيها.
بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أخت عقبة بن عامر بالكفارة مع عجزها عن المشي.
ولأن النذر كاليمين.
ولو حلف ليصومنّ متتابعاً فأخلّ به لزمته الكفارة.
وأما كونه يلزمه الاستئناف إذا أفطر لغير عذر؛ فلأن التتابُع ينقطع بالفطر لغير عذر، وذلك يوجب الاستئناف ضرورة الوفاء بالتتابع.
وأما كونه إذا أفطر لسفر أو ما يبيح الفطر يلزمه الاستئناف على وجه؛ فلأنه أفطر باختياره.
أشبه ما لو أفطر لغير عذر.
وأما كونه لا يلزمه ذلك على وجه؛ فلأن فطره لعذر.
أشبه ما لو أفطر لمرض أو حيض.
ويجيء على قول الخرقي أنه يخير بين الاستئناف وبين البناء والقضاء والكفارة؛ لما تقدم.
فإن قيل: قد ذكر المصنف رحمه الله المرض فيما يوجب القضاء لا غير، من غير فرق بين الموجب للفطر منه وبين المبيح.
ثم حكى فيما يبيح الفطر وجهين فهل يجب تأويل المرض بالمخوف ليكون موجبا للفطر كالمعطوف عليه وهو الحيض، أم يحمل على إطلاقه؟ وعلى تأويله لا إشكال وعلى حمله على إطلاقه ما الفرق بين المرض المبيح وبين السفر المبيح؟
قيل: هو محمول على التأويل المذكور.
ويؤيده ما حكاه أبو الخطاب في هدايته.
وعلى ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن المرض يبيح الفطر مطلقاً سواء كان مخوفاً أو لا، ويؤيده أنه ذكر في المغني عن أبي الخطاب أن المرض غير المخوف؛ كالسفر فيه وجهان، وأنه فرق بين الموجب للفطر وبين المبيح له ثم قال: ولم أرَ هذا عن غيره.
الجزء: 4 - الصفحة: 500
فعلى الفرق بين المرض المبيح وبين السفر المبيح على القول بأن السفر يقطع التتابع أن المرض ليس باختياره والسفر يحصل باختياره فناسب أن يقطع السفر التتابع ضرورة أنه من فعله بخلاف المرض.
قال: (وإن نذر صياماً فعجز عنه لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه أطعم عنه لكل يومٍ مسكين.
ويحتمل أن يكفّر ولا شيء عليه).
أما كون من ذكر يُطعم عنه لكل يوم مسكين على المذهب؛ فلأنه لو عجز عن صوم رمضان كما ذكر لوجب عليه أن يُطعم لكل يوم مسكيناً.
فكذلك الصوم المنذور.
وأما كونه يحتمل أن يكفر ولا شيء عليه؛ فلأن موجب النذر عند 88 الإمام أحمد موجب اليمين إلا مع القدرة على الوفاء بنذر الطاعة.
ولو حلف ليصومنّ يوماً بعينه فعجز عنه لم يلزمه غير الكفارة فكذلك هاهنا.
قال: (وإن نذر المشي إلى بيت الله أو موضع من الحرم لم يجزئه إلا أن يمشي في حج أو عمرة.
فإن ترك المشي لعجز أو غيره فعليه كفارة يمين.
وعنه: عليه دم.
وإن نذر الركوب فمشى ففيه الروايتان).
أما كون من نذر المشي إلى بيت الله الحرام لا يجزئه إلا أن يمشي في حج أو عمرة؛ فلأن المشي المعهود الشرعي.
فإن قيل: يجب المشي عليه.
قيل: يُنظر فيه فإن كان قادراً عليه وجب الوفاء به؛ لأن المشي إلى العبادة أفضل.
ولهذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يركب في عيد ولا جنازة.
وإن كان عاجزاً جاز له الركوب؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئلَ عن أخت عقبة وقد نذرت المشي إلى بيت الله الحرام قال: لتركب ولتمش» 89.
فإن قيل: ليس في الحديث أن أخت عقبة بن عامر كانت عاجزة.
الجزء: 4 - الصفحة: 501
قيل: يجوز أنه كان عالماً بحالها، أو ذُكر له ذلك ولم ينقله الراوي، أو علم أن الظاهر من حال المرأة أنها لا تقدر على المشي.
وأما كونه إذا ترك المشي لعجز أو غيره عليه الكفارة؛ فلحديث أخت عقبة: «وتكفرْ يمينها» 90 وفي رواية: «ولتصُمْ ثلاثةَ أيام» 91.
وأما كونها دماً على روايةٍ؛ فلأن ابن عباس روى في حديث أخت عقبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتركبْ وتهدِ هَدياً» 92.
والأول أصح؛ لأن الرواية الصحيحة: «لتكفرْ يمينها» 93، وفي رواية: «ولتصُمْ ثلاثةَ أيام».
وما روى ابن عباس ضعيف.
وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كفارةُ النذر [إذا لم يُسمِّ] كفارة يمين» 94.
ولأن المشي مما لا يوجبه الإحرام.
فلم يجب الدم بتركه؛ كما لو نذر صلاة ركعتين فلم يصلهما.
وأما كون من نذر المشي إلى موضع من الحرم كمن نذر المشي إلى البيت؛ فلأنه موضع من الحرم.
أشبه البيت.
وأما كون من نذر الركوب فمشى فيه الروايتان المتقدم ذكرهما؛ فلأنه تارك لما نذر.
أشبه ما لو نذر المشي فركب.
الجزء: 4 - الصفحة: 502
قال: (وإن نذر رقبة فهي التي تجزئ عن الواجب؛ إلا أن ينوي رقبة بعينها).
أما كون من نذر رقبة لا تجزئ عنها إلا الرقبة التي تجزئ عن الواجب إذا لم ينو رقبة بعينها؛ فلأن النذر المطلق يحمل على المعهود، والرقبة التي تجزئ عن الواجب معهودة شرعاً.
فوجب حمل المطلق عليها.
وأما كونه إذا نوى رقبة بعينها تجزئ عما نوى؛ فلأنه نوى ما لفظه يحتمل.
قال: (وإن نذر الطواف على أربعٍ طاف طوافين.
نص عليه).
أما كون من نذر الطواف على أربع يطوف طوافين؛ فلأن ابن عباس قال ذلك.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: الأولى أن يلزمه طواف واحد على رجليه، ولا يلزمه ذلك على يديه؛ لأنه ليس بمشروع.
فأما قول المصنف رحمه الله: نص عليه؛ فتأكيد، ورفع لوهمِ كون ذلك قولاً لبعض الأصحاب.
الجزء: 4 - الصفحة: 503