كتاب الغصب
الغصب حرامٌ بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتُدْلُوا بها إلى الحُكّامِ لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم﴾ [البقرة: 188].
وأما السنة فما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: «إن دماءَكمْ وأموالَكُمْ حرامٌ كحرمةِ يومكمْ هذا، في شهركمْ هذا، في بلدكمْ هذا» 1 رواه مسلم 2.
وعن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «منْ أخذَ شِبراً من الأرضِ ظُلماً طُوِّقَهُ من سَبعِ أَرضين» 3 متفق عليه.
وقال عليه السلام: «لا يحل مال امرئ مسلمٍ إلا عن طيبِ نفسه» 4 رواه ابن ماجة والدارقطني والجوزجاني.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على تحريمه.
قال المصنف رحمه الله: (وهو: الاستيلاء على مال الغير قهراً بغير حق.
وتُضمن أم الولد والعقار بالغصب.
وعنه: ما يدل على أن العقار لا يضمن بالغصب).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو الاستيلاء على مال الغير قهراً بغير حق؛ فبيان لمعنى الغصب شرعاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 18
وأما كون أم الولد تضمن بالغصب؛ فلأنها تجري مجرى المال.
بدليل أنها تضمن بالقيمة في الإتلاف.
ولأنها مملوكة.
أشبهت المدبرة.
وأما كون العقار يضمن بالغصب على المذهب؛ فلقوله عليه السلام في بعض ألفاظ الحديث: «من غصبَ شبراً من أرض طُوِّقَه يوم القيامة من سبع أرضين» 5. أخبر أنه غصب.
ولأن ما يضمن في الإتلاف يجب أن يضمن في الغصب؛ كالمنقول.
وأما كونه لا يضمن بالغصب على رواية؛ فلأنه لا يوجد فيه النقل والتحويل.
فلم يضمن؛ كما لو حال بينه وبين متاعه فتلف المتاع.
ولأن الغصب إثبات اليد على المال تزول به يد المالك، ولا يمكن ذلك في العقار.
والأول أصح؛ لما ذكر.
قال: (وإن غصب كلباً فيه نفع، أو خمر ذِمِّي: لزمه رده.
وإن أتلفه لم تلزمه قيمته.
وإن غصب جلد ميتة فهل يلزمه رده؟ على وجهين.
فإن دبغه وقلنا بطهارته لزمه رده).
أما كون الغاصب يلزمه رد الكلب ذي النفع؛ فلأنه يجوز اقتناؤه والانتفاع به.
فلزم رده؛ كسائر الأموال المنتفَع بها.
وأما كونه يلزمه رد خَمْر الذمي؛ فلأنه يُقَرُّ على شربها.
ولأنها مالٌ عنده.
فلزم ردها؛ كسائر أمواله.
وأما كونه لا يلزمه قيمة الكلب إذا أتلفه؛ فلأنه ليس له عوض شرعي؛ لأنه لا يجوز بيعه.
الجزء: 3 - الصفحة: 19
وأما كونه لا يلزمه قيمةُ خمر الذمي إذا أتلفها؛ فلما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ورسولَهُ حرمَ بيعَ الخمرِ، والميتةِ، والخنزيرِ، والأصنام» 6. متفق على صحته.
وما حرُم بيعه لا لحرمته لم تجب قيمته؛ كالميتة.
ولأن ما لم يكن مضموناً في حق المسلِم لم يكن مضموناً في حق الذمي؛ كالمرتد.
وأما كونه يلزمه ردّ جلد الميتة ففيه وجهان مبنيان على الروايتين في طهارته بالدبغ: فعلى رواية الطهارة: يلزمه رده؛ لأنه يمكن إصلاحه.
أشبه الثوب النجس، وعلى الأخرى: لا يلزمه رده؛ لأنه لا سبيل إلى إصلاحه.
وأما 7 كونه يلزمه رده إذا دبغه وقلنا بطهارته؛ فلأنه طاهر له قيمة.
فلزمه رده؛ كسائر الأموال الطاهرة.
قال: (وإن استولى على حر لم يضمنه بذلك إلا أن يكون صغيراً ففيه وجهان.
فإن قلنا: لا يضمنه فهل يضمن ثيابه وحُلِيَّه؟ على وجهين).
أما كون الغاصب لا يضمن الحر الكبير بالاستيلاء؛ فلأنه ليس بمال.
وأما كونه لا يضمن الصغير في وجهٍ؛ فلما ذكر في الحر الكبير.
وأما كونه يضمنه في وجهٍ؛ فلأنه لا يقدر على الامتناع فجرى مجرى القماش.
وأما كونه يضمن ما عليه إذا قلنا [يُضمن فلا إشكال.
ولأنه حينئذ بمنزلة عبد عليه قماش.
وأما كونه لا يضمنه إذا قلنا] 8 لا يضمن على وجهٍ؛ فلأنه تبعٌ لما لا يضمن.
فلو ضمن لرجح التابع على المتبوع.
الجزء: 3 - الصفحة: 20
وأما كونه يضمنه على وجهٍ؛ فلأن عدم الضمان في الصغير لكونه ليس بمالٍ، وهذا مفقودٌ فيما عليه.
قال: (وإن استعمل الحر كرهاً فعليه أجرته.
وإن حبسه مدة فهل تلزمه أجرته؟ على وجهين).
أما كون المستعمل للحر كرهاً عليه أجرته؛ فلأن منافع الحر مالٌ.
بدليل صحة مقابلتها بالمال في باب الإجارة.
وإذا كانت مالاً وجب أن تضمن؛ كسائر الأموال.
وأما كونه تلزمه أجرته إذا حبسه مدة على وجهٍ؛ فلأنه فوّت منافعه.
أشبه ما لو استعمله.
وأما كونه لا تلزمه على وجهٍ؛ فلأنه ما استعمله.
أشبه ما لو لم يحبسه.
الجزء: 3 - الصفحة: 21
فصل [في رد المغصوب]
قال المصنف رحمه الله: (ويلزمه رد المغصوب إن قدر على ردّه وإن غرم عليه أضعاف قيمته.
وإن خلطه بما يتميز منه لزمه تخليصه وردّه.
وإن بنى عليه لزمه ردّه.
إلا أن يكون قد بلي.
وإن سمّر بالمسامير باباً لزمه قلعها وردها).
أما كون الغاصب يلزمه ردّ المغصوب مع القدرة على رده؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على اليد ما أخذت حتى ترده» 9.
ولأن حق المغصوب منه متعلق بعين ماله ولا يتحقق ذلك إلا بردّه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإن غرم عليه أضعاف قيمته؛ فتنبيهٌ على أن غرامة الغاصب على ردّه لا تُسقط الرد؛ لأنه هو المتعدي فلم يُنظر إلى مصلحته.
ولأنه هو المفرّط فكان أولى بالغرامة.
وأما كونه يلزمه تخليصه وردّه إذا خلطه بما يتميز منه؛ فلأنه أمكنه ردّ مال غيره فلزمه ذلك كما لو لم يخلطه بغيره.
وأما كونه يلزمه ردّ ما بُني عليه إذا لم يكن قد بلي؛ فلأنه مغصوبٌ يمكن ردّه.
فوجب؛ كما لو لم يبنِ عليه.
وأما كونه لا يلزمه ردّه إذا كان قد بلي؛ فلأنه هلك فلم يلزم رده؛ كما لو غصب شيئاً فتلف.
وأما كونه يلزمه قلع المسامير من الباب المسمّرة فيه؛ فلأن ردها واجب لما يأتي، ولا يمكن ذلك إلا بالقلع، ولا أثر لضرره؛ لأنه حصل بتعدّيه.
وأما كونه يلزمه ردها؛ فلأن ذلك حقٌ يمكن إيصاله إلى مستحقه فلزمه ردها؛ كما لو كانت باقية لم يسمّرها فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 22
قال: (وإن زرع الأرض وردّها بعد أخذ الزرع فعليه أجرتها.
وإن أدركها ربُّها والزرع قائم خُيّر بين تركه إلى الحصاد بأجرته وبين أخذه بعوضه.
وهل ذلك قيمته أو نفقته؟ على روايتين.
ويحتمل أن يكون الزرع للغاصب، وعليه الأجرة).
أما كون أجرة الأرض على زارعها غصباً إذا ردّ الأرض بعد أخذ الزرع؛ فلأنه استوفى نفعها.
فوجب عليه عوضه؛ كما لو استوفاه بالإجارة.
ولأن المنفعة مالٌ.
فوجب أن تُضمن؛ كالعين.
وأما كون رب الأرض يخيّر بين ترك الزرع إلى الحصاد بالأجرة، وبين أخذه بعوضه على المذهب؛ فلأن كل واحدٍ منهما يُحَصِّل غرضه.
فمَلك الخيرةَ بينهما، تحصيلاً لغرضه.
ولأن الحق له.
فإذا تركه بأجرة مثله كان رضاً منه بأخذ عوضه.
فكان له ذلك؛ كالأرض المستأجرة إذا انقضت الإجارة، وفيها زرع فرّط في إبقائه.
وإذا أخذه بعوضه كان ذلك له؛ لما روى رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منْ زرعَ في أرضِ قومٍ بغيرِ إذنهمْ فليسَ له من الزرعِ شيءٌ، وله نفقتُه» 10. رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي.
وقال: حديث حسن.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعار بأن الغاصب لا يجبر على قلع الزرع.
وصرح به في المغني وغيره؛ لأن في أخذه بعوضه أو تركه بأجرته جمعاً بين الحقين.
الجزء: 3 - الصفحة: 23
ولأنه لو حمل في سفينة غيره مالاً وأدخلها لُجّة البحر لا يجبر على إلقاء المتاع في البحر.
ولو غصب لوحاً فرقع به سفينة لم يجبر على قلعه في لُجّة البحر.
فكذلك هاهنا.
ولأنه زرعٌ حصل في ملك غيره.
فلم يجبر على قلعه على وجهٍ يضر به؛ كما لو كانت الأرض مستعارة أو مشفوعة.
وأما كون عوض الزرع قيمته وقت أخذه على روايةٍ؛ فلأنها بدل عن الزرع فتقدرت بقيمته.
ولأن الزرع للغاصب إلى حين انتزاع المالك.
فوجب أخذه بقيمته؛ كما لو أخذ الشقص المشفوع.
قال المصنف في المغني: فعلى هذا ينبغي 11 أن يجب على الغاصب أجرة الأرض إلى حين تسليم الزرع؛ لأن الزرع كان محكوماً له به، وقد شغل به أرض غيره.
وأما كونه له 12 نفقته على روايةٍ؛ فلما تقدم من الحديث.
والنفقة: هي ما أنفق من البَذر، ومؤونة الزرع في الحرث، والسقي، وغيره.
وأما كون الزرع يحتمل أن يكون للغاصب؛ فلأنه نماء البَذر، وهو ملكه.
وأما كون الأجرة عليه؛ فلأنه استوفى منفعة الأرض.
فلزمته الأجرة لما تقدم.
والأول أصح؛ لما تقدم من الحديث، والجمع بين الحقين.
قال: (وإن غرسها أو بنى فيها أُخذ بقلع غرسه، وبنائه، وتسوية الأرض، وأرش نقصها، وأجرتها).
أما كون الغاصب يؤخذ بقلع غرسه؛ فلقوله عليه السلام: «ليسَ لعرقِ ظالمٍ حقٌّ» 13 رواه أبو داود والترمذي: وقال: حديث حسن 14.
الجزء: 3 - الصفحة: 24
ولأنه شغل ملك غيره بملكه الذي لا حرمة له في نفسه بغير إذنه.
فلزمه تفريغه؛ كما لو جعل فيه قماشاً.
فإن قيل: فما الفرق بينه وبين الزرع؟
قيل: الزرع لا تطول مدته.
بخلاف الغرس.
وأما كونه يؤخذ بقلع بنائه؛ فلأنه يؤخذ بقلع الغرس لما تقدم؛ فلأن يؤخذ بقلع بنائه بطريق الأولى؛ لأن ضرر البناء أكثر وأَدْوَم.
وأما كونه يؤخذ بتسوية الأرض وأرش النقص؛ فلأنه نقص حصل بسبب تعدِّيه.
وأما كونه يؤخذ بالأجرة؛ فلما تقدم.
قال: (وإن غصب لوحاً فرقع به سفينة لم يقلع حتى ترسي).
أما كون اللوح لا يقلع قبل إرساء السفينة؛ فلأن في قلعه إفساداً لمال الغير مع إمكان ردّ الحق إلى مستحقه بعد زمنٍ يسير.
وأما كلام المصنف رحمه الله فمشعرٌ بأمرين:
أحدهما: أن اللوح يُقلع إذا أرست السفينة وهو صحيح؛ لأنه أمكن ردّ الحق إلى مستحقه من غير ضرر أحد.
وثانيهما: أنه لا فرق بين مال الغاصب وبين غيره؛ لاشتراكهما.
وقال صاحب النهاية فيها بعد ذكر مال الغاصب: ويحتمل أن يُقلع، ولا يُنظر ذلك؛ كما لا يُنظر وقوع البناء الذي بُني على دَفٍّ غُصب.
ثم قال: والأول أصح؛ لأن ضرر المالك في السفينة يزول عن قريبٍ والبناء يراد للتأبيد.
الجزء: 3 - الصفحة: 25
قال: (وإن غصب خيطاً فخاط به جرح حيوان وخيف عليه من قلعه فعليه قيمته.
إلا أن يكون الحيوان مأكولاً للغاصب فهل يلزمه رده ويذبح الحيوان؟ على وجهين.
وإن مات الحيوان لزمه ردّه إلا أن يكون آدمياً).
أما كون الغاصب عليه قيمة الخيط الذي خاط به جرح حيوان غير مأكول؛ فلأنه تعذر ردّ الخيط إلى صاحبه.
فوجب 15 أن يجب بدله وهو القيمة.
وقول المصنف: فعليه قيمته؛ مشعرٌ بأنه: لا يلزمه قلعه.
وصرح به في المغني؛ لأن الحيوان آكد حرمةً من المال.
ولهذا يجوز أخذ مال الغير لحفظ حياته.
وأما كونه لا يلزمه ردّه إذا خاط به جرحَ حيوان مأكولٍ على وجهٍ؛ فلما تقدم من أن الحيوان آكد حرمةً في نفسه، وقد «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان لغير مأكلةٍ».
وأما كونه يلزمه رده على وجهٍ؛ فلأنه يمكنه ذبح الحيوان، والانتفاع بلحمه، وذلك جائز.
وقول المصنف: للغاصب؛ مشعرٌ بأن الوجهين في ملك الغاصب، فإن كان ملكاً لغيره لم يلزمه ردّه، وصرح به في المغني؛ لأن فيه ضرراً بصاحب الحيوان، والضرر لا يزال بالضرر.
ولا يجوز إتلاف مالِ مَنْ لم يجن، صيانةً لمال آخر.
وأما كونه يلزمه الردّ بعد موت الحيوان غير الآدمي؛ فلأن الدليل يقتضي الرد، لكونه إيصالاً للمال إلى مالكه خولف فيما إذا كان الحيوان حياً لحرمته.
فبقي فيما عدا الحيوان على مقتضى الدليل.
ولأن عدم الرد في الحياة إنما كان خشية التلف فإذا مات أمكن ذلك.
وأما كونه لا يلزمه الرد في الآدمي الميت؛ فلأن حرمة الميت كحرمة الحي، وقد جاء في الحديث: «كسرُ عظمِ الميتِ كَكَسْرِ عظمِ الحي» 16.
الجزء: 3 - الصفحة: 26
فصل [إذا رد المغصوب]
قال المصنف رحمه الله: (وإن زاد لزمه ردّه بزيادته.
سواء كانت متصلة؛ كالسمنِ، وتعلم صَنعة، أو منفصلة؛ كالولد، والكسب.
ولو غصب جارحاً فصاد به، أو شبكة، أو شِرْكاً فأمسك شيئاً، أو فرساً فصاد عليه، أو غنم: فهو لمالكه).
أما كون الغاصب يلزمه ردّ المغصوب؛ فلما تقدم 17.
وأما كونه يلزمه ردّ زيادته؛ فلأنها نماء ملك المالك.
فلزم ردها؛ كالأصل.
وأما كون الزيادة المتصلة والمنفصلة سواء في لزوم الرد؛ فلاشتراكهما في كونهما نماء ملك المغصوب منه.
وأما كون الصيد والغنيمة في المسائل المذكورة لمالك الجارح والشبكة والشِّرْك والفرس؛ فلأن ذلك كله حصل بسبب ملكه.
فكان له؛ كما لو غصب دابة فحمل عليها مال غيره.
فإن الأجرة مستحقة للمالك دونه.
قال: (وإن 18 غصب ثوباً فقَصَرَه، أو غزلاً فنسجه، أو فضة أو حديداً فضربه، أو خشباً فنجره، أو شاة فذبحها وشواها: ردّ ذلك بزيادته، وأرش نقصه، ولا شيء له.
وعنه: يكون شريكاً بالزيادة.
وقال أبو بكر: يملكه وعليه قيمته).
أما كون الغاصب يلزمه ردّ ذلك كله بزيادته على المذهب؛ فلأن ذلك عين المال المغصوب منه.
فلزمه ردّه إليه؛ كما لو ذبح الشاة ولم يشوها.
الجزء: 3 - الصفحة: 27
ولأن كل ما فعله الإنسان بماله لا يزيل ملكه عنه، إذا فعله بملك غيره لا يزيل ملكه عنه؛ لأن الفعل المذكور إذا لم يكن صالحاً للإزالة.
فلأن لا يكون صالحاً للإزالة في ملك غيره بطريق الأولى.
وأما كونه يردّ أرش النقص إن نقص المغصوب بذلك؛ فلأنه حصل بفعله.
وأما كون الغاصب لا شيء له بعمله المؤدي إلى الزيادة على المذهب؛ فلأنه تبرع في ملك غيره.
وأما كونه شريكاً بالزيادة على رواية؛ فلأن الزيادة حصلت بمنافعه، والمنافع تجري مجرى الأعيان.
أشبه ما لو غصب ثوباً فصبغه.
وفرّق المصنف بينهما بأن الصبغ عين مال لا يزول ملك مالكه عنه بجعله مع ملك غيره.
بخلاف ما ذُكر.
وذكر أبو الخطاب: أنه يكون شريكاً على الصحيح.
وأما كونه يملك ذلك وعليه قيمته على قول أبي بكر؛ فلأنه يروى «أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قوماً من الأنصار في دارهم.
فقدموا إليه شاةً مشوية.
فجعل يَلُوكُها ولا يسيغها.
فقال: إن هذه الشاة لتخبرني أنها أُخذت بغير حق.
فقالوا: نعم يا رسول الله! طلبنا شاة في السوق فلم نجد.
فأخذنا شاة لبعض جيراننا ونحن نرضيهم من ثمنها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أطعموها الأسرى» 19.
وجه الدلالة: أنه لو لم ينقطع ملك المالك لأمر بردها إليه.
وذكر المصنف في المغني: أن كلام أحمد يدل على أن الغاصب ملكها بالقيمة.
ثم قال: إلا أن المذهب ما قلناه.
يعني: أن الملك باقٍ على ملك مالكه، ووجهه 20 ما تقدم.
ثم 21 قال: والحديث غير معروف كما روي.
الجزء: 3 - الصفحة: 28
قال: (وإن غصب أرضاً فحفر فيها بئراً، ووضع ترابها في أرض مالكها: لم يملك طمها إذا أبرأه المالك من ضمان ما يتلف بها في أحد الوجهين).
أما كون الغاصب لا يملك طم البئر المتقدم ذكرها إذا أبرأه المالك من الضمان في وجهٍ؛ فلأنه إتلاف لا نفع فيه فلم يكن له فعله؛ كما لو غصب نقرةً فضربها دراهم ثم أراد ردها نقرة.
وأما كونه يملك طمها في وجهٍ؛ فلأنه لا يبرأ من الضمان بإبراء المالك له؛ لأنه إبراء مما لم يجب بعد.
ولأنه إبراء من حق غيره، وهو الواقع فيها.
وكلام المصنف في المغني يشعر بترجيح الأول؛ لأنه قال بعد ذكر المسألة: ولنا: أن الضمان إنما لزمه لوجود التعدي، فإذا رضي صاحب الأرض زال التعدي فزال الضمان، وليس هذا إبراء مما لم يجب إنما هو إسقاط للتعدي لرضاه بذلك.
وفي تقييد المصنف الخلاف المذكور بوضع التراب في أرض المالك، وبإبرائه: إشعارٌ بأن الغاصب إذا وضع التراب في أرض غير المالك، أو لم يبرئه صاحب الأرض لا يجري الخلاف المذكور.
وهو صحيح: أما مع كون التراب في أرض غير المالك؛ فلأن التراب متى كان في أرض غير 22 المالك كان له في طم البئر غرض منه، أمنه من إلزامه نقل التراب إلى موضع يستضر بنقله إليه.
وأما مع عدم إبراء المالك من الضمان؛ فلما فيه من الضرر اللاحق به، المنفي شرعاً.
قال: (وإن غصب حباً فزرعه، أو بيضاً فصار فرخاً، أو نوًى فصار غرساً: ردّه، ولا شيء له.
ويتخرّج فيه مثل الذي قبله).
أما كون الغاصب يرد ما ذُكر على المذهب؛ فلأنه عينُ مال مالكه.
وأما كونه لا شيء له؛ فلأنه تبرعً بفعله.
وأما كون ما ذكر يتخرج فيه مثلُ الذي قبله.
والمراد به الغزل إذا نسج؛ فلأنه يساويه معنى.
فوجب أن يساويه حكماً.
الجزء: 3 - الصفحة: 29
فصل [إذا نقص المغصوب]
قال المصنف رحمه الله: (وإن نقص لزمه ضمان نقصه بقيمته، رقيقاً كان أو غيره.
وعنه: أن الرقيق يُضمن بما يضمن به في الإتلاف.
ويتخرج أن يضمن بأكثر الأمرين منهما.
وإن غصبه وجنى عليه ضمنه بأكثر الأمرين.
وإن جنى عليه غيرُ الغاصب فله تضمين الغاصب أكثر الأمرين، ويرجع الغاصب على الجاني بأرش الجناية.
وله تضمين الجاني أرش الجناية وتضمين الغاصب ما بقي من النقص.
وإن غصب عبداً فخصاه لزمه رده ورد قيمته.
وعنه: في عين الدابة من الخيل والبغال والحمير ربع قيمتها.
والأول أصح).
أما كون الغاصب يلزمه ضمانُ ما نقص من عين الرقيق بالقيمة؛ فلأنه يُضمن بذلك في الإتلاف فكذا هاهنا؛ لاشتراكهما في التلف تحت يد عادية.
وأما كون الرقيق يُضمن بذلك على المذهب؛ فبالقياس على غيره؛ لاشتراكهما في التلف.
وأما كونه يُضمن بما يُضمن به في الإتلاف على روايةٍ؛ فكما لو أتلفه غير الغاصب.
وأما كونه يتخرج أن يضمنه بأكثر الأمرين المتقدم ذكرهما؛ فلأن في ذلك ردعاً للغاصب، وكما لو غصبه ثم أتلفه.
وأما كونه يَضمن أكثر الأمرين إذا غصبه وجنى عليه؛ فلأنه وجد سبب ضمان كل واحدٍ منهما.
فوجب اعتبار أكثرهما ترتيباً على السبب الموجب 23 ما يقتضيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 30
وأما كون المالك له الخيرة بين تضمين الغاصب وبين تضمين الجاني إذا جنى عليه غير الغاصب؛ فلأن كل واحدٍ منهما متعدٍّ: أما الغاصب؛ فلأن النقص حصل في يده، وأما الجاني؛ فلأن النقص حصل بإتلافه.
فعلى هذا إن ضمّن الغاصب ضمّنه أكثر الأمرين لما تقدم.
ويرجع الغاصب على الجاني بأرش الجناية، لأنه هو المتلف.
وإن ضمّن الجاني ضمّنه أرش الجناية لا أكثر الأمرين؛ لأن أكثر الأمرين إنما وجب لوجود اليد العادية، ولا يد للجاني 24، وضمّن الغاصب ما بقي من أكثر الأمرين؛ لأنه كان يجب عليه أكثر الأمرين.
سقط منه قدر أرش الجناية؛ لأنه استوفي من فاعلها فبقي الباقي على ما كان عليه.
وأما كونه يلزمه ردّ العبد إذا خصاه؛ فلأنه عينُ ملك غيره.
وأما كونه يلزمه ردّ قيمته؛ فلأن الخصيتين يجب فيهما كمالُ القيمة؛ كما يجب فيهما كمال الدية من الحرّ.
وأما كون الدابة من الخيل والبغال والحمير يَضمن عينها بربع قيمتها على روايةٍ؛ فلما روى زيد بن ثابت «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في عين الدابة بربع قيمتها» 25.
وروي عن عمر رضي الله عنه «أنه كتب إلى شُريح لما كتب إليه يسأله عن عين الدابة: إنا كنا ننزلها منزلة الآدمي.
إلا أنه أجمع رأيُنا أن قيمتها ربع الثمن» 26.
وأما كون الأول أصح.
والمراد به أن المغصوب يضمن نقصه بالقيمة، رقيقاً كان أو غيره؛ فلما ذكر.
ولأن ضمان اليد ضمان المال فكان الواجب فيه ما نقص؛ كالثوب.
وحديث زيد لا يُعرف صحته ولو صح لما احتج الإمام أحمد وغيره بحديث عمر، وتركوا قول النبي صلى الله عليه وسلم.
وقول عمر محمول على أن ذلك كان قدر نقصها؛ كما روي عنه
الجزء: 3 - الصفحة: 31
«أنه قضى في العين القائمة بخمسين ديناراً» 27. ولو كان تقديراً لوجب في العين نصف الدية كعين الآدمي.
قال: (وإن نقصت العين لتغير الأسعار لم يضمن.
نص عليه.
وإن نقصت القيمة لمرض ثم عادت ببرئه لم يلزمه شيء.
وإن زاد من جهة أخرى؛ مثل: إن تعلم صنعة فعادت القيمة ضمن النقص).
أما كون الغاصب لا يضمن النقص لتغير الأسعار على المنصوص؛ فلأنه ردّ المغصوب بحاله، لم ينقص منه عين ولا أثر.
فلم يجب عليه شيء؛ كما لو لم ينقص في السوق.
وأما كونه لا يلزمه شيء إذا نقصت القيمة لمرض، ثم عادت ببرئه؛ فلأنه عاد ما ذهب.
أشبه ما لو أَبَق العبد ثم عاد.
وأما كونه يضمن بعض ما زاد من جهة أخرى؛ مثل: إن تعلم صنعة، وعادت القيمة؛ فلأن حدوث المرض أوجب الضمان، والزيادة حدثت على ملك المغصوب منه.
فلا ينجبر ملك الإنسان بملكه.
قال: (وإن زادت القيمة لسمنٍ أو نحوه.
ثم نقصت: ضمن الزيادة.
وإن عاد مثل الزيادة الأولى من جنسها لم يضمنها في أحد الوجهين.
وإن كانت من غير جنس الأولى لم يسقط ضمانها.
وإن غصب عبداً مفرطاً في السِّمَنِ، فهُزِل، فزادت قيمته: ردّه ولا شيء عليه).
أما كون الغاصب يضمن زيادة القيمة بسِمَنٍ أو نحوه إذا نقصت؛ فلأنها زيادة في عين المغصوب.
فوجب أن يضمنها؛ كما لو طالبه بردّها فلم يردّها.
وأما كونه إذا عاد مثل الزيادة الأولى من جنسها؛ كمن غصب عبداً قيمته مائة فسَمِن فصارت قيمته مثلاً مائتين.
ثم ذهب السِّمَن فصارت قيمته مائة.
ثم
الجزء: 3 - الصفحة: 32
سَمِن فصارت قيمته مائتين لا يضمن الزيادة وهي هنا مائة في وجهٍ؛ فلما ذكر في برء العبد بعد مرضه.
وأما كونه يضمنها في وجهٍ؛ فكما لو كانت الزيادة من جنس آخر.
وأما كون الضمان لا يَسقط إذا كانت الزيادة من غير جنس الأولى؛ فلما ذكر في الصحيح إذا مرض ثم تعلم صنعة.
وأما كونه يردّ العبد إذا غصبه مفرطاً في السِّمَن فهُزِل فزادت قيمته؛ فلأنه عين ملك غيره.
وأما كونه لا شيء عليه؛ فلأنه لم تنقص قيمته.
قال: (وإن نقص المغصوب نقصاً غير مستقر؛ كحنطة ابتلّت وعفنت: خُيّر بين أخذ مثلها، وبين تركها حتى يستقر فسادها.
ويأخذها وأرش نقصها).
أما كون مالك ما ذكر يخير بين ما ذُكر؛ فلأنه لا يمكن أن يجب له المثل؛ لأن عين حقه موجودة، ولا يمكن أن يجب له أخذها في الحال؛ لأنه لا يخلو: إما أن يجب مع الأرش النقص، أو لا، مع أرشه، وكلاهما باطل: أما الأول؛ فلأنه يلزم منه سقوط حقه بسبب النقص.
وأما الثاني؛ فلأن أرش العيب قبل استقرار العيب لا يمكن معرفته ولا ضبطه.
وإذا كان الأمر كذلك كان له الخيرة بين أخذ المثل؛ لأن في التأخير إلى أن يستقر الفساد ضرراً، وقد تعذر قبولها معيبة في الحال؛ لما تقدم فلم يبق سوى المثل، وبين تركه حتى يستقر الفساد؛ لأن التأخير ضرر 28 عليه.
فإذا رضي بإسقاطه سقط فإذا استقر أخذ العين؛ لأنها ملكه، وأخذ أرش النقص من الغاصب؛ لأنه حصل بجنايته.
أشبه تلف الجزء المغصوب.
الجزء: 3 - الصفحة: 33
قال: (وإن جنى المغصوب فعليه أرش جنايته.
سواء جنى على سيده أو غيره.
وجنايته على الغاصب وعلى ماله هدر).
أما كون أرش جناية المغصوب على الغاصب؛ فلأنه نقص في مالية العبد لكونه يتعلق برقبته فكان مضموناً على الغاصب؛ كسائر النقص.
وأما كون جنايته 29 على سيده وجنايته على غيره سواء؛ فلحصولهما تحت يده العادِيَة.
وأما كون جنايته على الغاصب وعلى ماله هدراً؛ فلأنها إذا كانت على الغير كانت على الغاصب، وإذا كانت على نفسه أو ماله وجب أن تكون هدراً؛ كسيد غير المغصوب إذا جنى عبده عليه أو على ماله.
قال: (وتُضمن زوائد الغصب؛ كالولد، والثمرة إذا تلفت، أو نقصت؛ كالأصل).
أما كون زوائد الغصب تضمن؛ فلأنها مال غيره، حصلت في يده بالغصب.
فضمنت بالتلف؛ كما لو أتلفها 30، وقياساً على الأصل.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا تلفت أو نقصت؛ فبيان لنوعي ما يجب به الضمان.
وأما قوله: كالأصل؛ فإشارة إلى أن كل ما يضمن به الأصل يضمن به الزوائد لينبه على ذلك، ولينقل كل حكم ثابت في الأصل إلى زوائده.
الجزء: 3 - الصفحة: 34
فصل [إذا خلط المغصوب]
قال المصنف رحمه الله: (وإن خلط المغصوب بماله على وجهٍ لا يتميز؛ مثل: إن خلط حنطة، أو زيتاً بمثله: لزمه مثله منه في أحد الوجهين، وفي الآخر يلزمه مثله من حيث شاء).
أما كون الغاصب إذا خلط المغصوب بماله كما ذكر يلزمه ردّ المثل فلا خلاف فيه؛ لأنه مثلي.
وأما كون المثل من المختلط في وجهٍ؛ فلأنه يقدر على دفع بعض ماله فلم ينتقل إلى بدله.
وأما كونه من حيث شاء في وجهٍ؛ فلأنه تعذر ردّ عين ماله بالخلط.
فوجب مطلق المثل.
قال: (وإن خلطه بدونه، أو خَيْرٍ منه، أو بغير جنسه: لزمه مثله في قياس التي قبلها.
وظاهر كلامه: أنهما شريكان بقدر ملكيهما).
أما كون من خلط ما ذكر يلزمه المثل في قياس التي قبلها؛ فلأنه صار بالخلط مستهلكاً.
ولهذا لو اشترى زيتاً فخلطه بزيته ثم أفلس صار البائع كسائر الغرماء.
ولأنه تعذر عليه الوصول إلى عين ماله فكان له الانتقال إلى بدله؛ كما لو كان تالفاً.
وأما كونهما شريكين بقدر ملكيهما في ظاهر كلام أحمد؛ فلأنه إذا فعل ذلك وصل كل واحدٍ إلى عين ماله، وعند إمكان الرجوع إلى عين المال لم يُرجع إلى البدل.
الجزء: 3 - الصفحة: 35
فعلى هذا يباع، ويقسم بينهما على قدر ملكيهما.
قال: (وإن غصب ثوباً فصبغه، أو سويقاً فلتّه بزيتٍ، فنقصت قيمتهما، أو قيمة أحدهما: ضمن النقص.
وإن لم تنقص ولم تزد، أو زادت قيمتهما: فهما شريكان بقدر ماليهما.
وإن زادت قيمة أحدهما فالزيادة لصاحبه).
أما كون الغاصب يضمن النقص إذا نقصت قيمتهما أو قيمة أحدهما؛ فلأنه نقصٌ حصل بتعديه.
فضمن؛ كما لو أتلف بعضه.
ولا بد أن يلحظ أن النقص هنا بسبب العمل.
فإن كان بسبب تغير السعر لم يضمنه.
صرح به المصنف في المغني.
وأما كونهما شريكين بقدر ماليهما إذا لم ينقص ولم يزد، أو زادت قيمتهما؛ فلأن عين الصبغ ملك الغاصب، واجتماع الملكين يقتضي الاشتراك.
وأما كون الزيادة لصاحب الملك الذي زادت قيمته؛ فلأنها تبع للأصل.
قال: (فإن أراد أحدهما قلع الصبغ لم يجبر الآخر عليه.
ويحتمل أن يجبر إذا ضمن الغاصب النقص).
أما كون كل واحدٍ من الغاصب والمغصوب منه لا يجبر على قلع الصبغ على الأول؛ فلأن المزيد إما المغصوب منه وإما الغاصب: فإن كان المغصوب منه لم يجبر الغاصب عليه؛ لأن الصبغ يهلك بالإخراج وقد أمكن وصول الحق إلى صاحبه بدونه وهو البيع، وإن كان الغاصب لم يجبر المغصوب منه؛ لأن ماله ينقص بسبب أخذه.
وأما كون المغصوب منه يحتمل أن يجبر إذا ضمن الغاصب النقص؛ فلأن المانع ما يلحقه من الضرر، فإذا ضمنه الغاصب انتفى.
فوجب أن يجبر.
عملاً بالمقتضي له، السالم عن المعارض.
الجزء: 3 - الصفحة: 36
واعلم أن المذهب فيما ذكر: أن الغاصب إذا أراد قلع الصبغ أُجبر المالك، وأن المالك إذا أراد قلعه لم يجبر الغاصب؛ لأن ضرر المالك يندفع بضمان الغاصب نقص الثوب بالقلع.
بخلاف الغاصب فإن ضرره لا يندفع لفوات صبغه بالكلية.
وقال المصنف في المغني: إن لم يكن للصبغ قيمة إذا قُلع، فأراد الغاصب القلع: لم يكن له ذلك؛ لأنه سَفَهٌ.
قال: (وإن وهب الصبغ للمالك، أو وهبه تَزويق الدار، ونحوها.
فهل يلزم قبولها؟ على وجهين).
أما كون المالك يلزمه القبول على وجهٍ؛ فلأن الصبغ صار من صفات العين.
فهو كزيادة الصفة في السلم.
وأما كونه لا يلزمه على وجهٍ؛ فلأن الصبغ عينٌ يمكن إفرادها.
فلم يلزمه قبولها؛ كما لو وهبه عيناً مفردة.
قال: (وإن غصب صبغاً فصبغ به ثوباً، أو زيتاً فلتَّ به سويقاً: احتمل أن يكون كذلك، واحتمل أن تلزمه قيمته، أو مثله إن كان مثلياً).
أما كونه يحتمل أن يكون الغاصب والمغصوب منه شريكين بقدر ماليهما، وهو المعني بقول المصنف رحمه الله: احتمل أن يكون كذلك؛ فقياس على ما إذا غصب ثوباً فصبغه.
وأما كونه يحتمل أن يلزم الغاصب مثله إن كان مثلياً، وإلا فقيمته؛ فلأن الصبغ والزيت صار في الثوب والسويق مستهلكين.
أشبه ما لو أتلفهما.
قال: (وإن غصب ثوباً وصبغاً، فصبغه به: ردّه وأرش نقصه، ولا شيء له في زيادته).
أما كون الغاصب يرد الثوب؛ فلأنه عين ملكِ غيره.
وأما كونه يرد أرش النقص؛ فلأنه حصل بفعله.
وأما كونه لا شيء له في زيادته؛ فلأنه متبرع.
الجزء: 3 - الصفحة: 37
فصل [إذا وطئ الجارية المغصو بة]
قال المصنف رحمه الله: (وإن وطئ الجارية فعليه الحد والمهر وإن كانت مطاوعة، وأرش البكارة.
وعنه: لا يلزمه مهر الثيب.
وإن ولدت فالولد رقيق للسيد.
ويضمن نقص الولادة).
أما كون الواطئ عليه الحد؛ فلأنه زانٍ فيدخل تحت الأدلة الموجبة للحد.
وأما كونه عليه المهر إذا كانت الموطوءة بكراً؛ فلأن المهر يجب بالوطء في غير زوجته وأمته.
دليله وجوبه في وطء الحرة.
وأما كونه عليه ذلك إذا كانت ثيباً على المذهب؛ فلما ذكر.
وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأنه لم يُنقِص منها جزءاً ولم يُتْلِف بعضها.
أشبه ما لو لم يطأها.
والأول أصح؛ لما ذكر.
ولأنه لا فرق بين الثيب والبكر في استحقاق المهر بسبب العقد.
فكذا في استحقاقه بسبب الوطء.
وأما كون الحكم كذلك وإن كانت الجارية مطاوعة؛ فلأن المهر هنا للسيد.
فلا يسقط بمطاوعتها؛ كما لو أذنت في قطع يدها.
ولأنه حقٌّ يجب للسيد مع إكراهها.
فوجب مع مطاوعتها؛ كأجرة منافعها.
وبهذا فارقت الحرة المطاوعة إذ الحَقُّ لها فسقط بما يدل على إسقاطه؛ لأن رضاها اقترن بالسبب الموجب.
وأما كونه عليه أرش البكارة؛ فلأنه إذهاب جزء.
أشبه قطع يدها.
الجزء: 3 - الصفحة: 38
فإن قيل: لم جمعتم 31 بين المهر وأرش البكارة؟
قيل: لأن كل واحد يُضمن منفرداً.
بدليل: أنه لو وطئها ثيباً وجب مهرها، ولو افتضها بأصبعه وجب أرش بكارتها.
وإذا وجب ضمانهما منفردين وجب ضمانهما مجتمعين.
وأما كون الولد رقيقاً للسيد؛ فلأن ولد الأمة يتبع أمه في الرق في النكاح الحلال، ففي الحرام بطريق الأولى، لأن حال الجاني يقتضي التحامل عليه؛ لما فيه من الزجر.
وأما كونه يَضمن نقص الولادة؛ فلأنه نقص حصل بفعله.
أشبه ما لو نقصت بقطع يدها ونحوه.
قال: (وإن باعها أو وهبها لعالمٍ بالغصب فوطئها فللمالك تضمين أيهما شاء: نقصها، ومهرها، وأجرتها، وقيمة ولدها إن تلف.
فإن ضمَّن الغاصب رجع على الآخر، ولا يرجع الآخر عليه).
أما كون المالك له تضمين من شاء من الغاصب والمشتري أو الموهوب له؛ فلأن كل واحدٍ منهما متصرف في ماله بغير إذنه.
فوجب تضمين من شاء منهما؛ لما فيه من تحصيل حقه، وزجر من يشتريه من غاصبه أو متّهبه.
وأما كونه له تضمين نقص العين المغصوبة ومهرها وأجرتها وقيمة ولدها التالف؛ فلأن ذلك جميعه يضمنه الغاصب لو انفرد فكذا هنا.
وأما كون الغاصب يرجع على الآخر إذا ضمّنه المالك؛ فلأن النقص حصل في يده، والمنفعة التي يقابلها المهر، والأجرة حصلت له دون الغاصب، والأولاد أولاده.
فوجب أن يستقر ضمان ذلك عليه.
وأما كونه لا يرجع الآخر عليه إذا ضمنه؛ فلأن الغاصب لو ضمّنه المالك ذلك لرجع به عليه فكيف يرجع الآخر بذلك عليه؟ .
الجزء: 3 - الصفحة: 39
قال: (وإن لم يعلما بالغصب فضمّنهما رجعا على الغاصب.
وإن ولدت من أحدهما فالولد حر ويفديه بمثله في صفاته تقريباً.
ويحتمل أن يعتبر مثله في القيمة.
وعنه: يضمنه بقيمته، ويرجع به على الغاصب.
وإن تلفت فعليه قيمتها، ولا يرجع بها إن كان مشترياً، ويرجع بها المتهب.
وعنه: أن ما حصلت له به منفعة؛ كالأجرة، والمهر، وأرش البكارة: لا يرجع به).
أما كون المشتري والموهوب له يرجعان على الغاصب إذا لم يعلما بالغصب وضمنهما المالك؛ فلأنهما دخلا في العقد على أن يتلفا ذلك بغير عوض.
فوجب أن يرجعا عليه؛ لأنه غرّهما.
وأما كون الولد حراً إذا ولدت من أحدهما؛ فلأن اعتقادهما أنهما يطآن مملوكتهما منع انخلاق 32 الولد رقيقاً.
أشبه المغرور في النكاح.
وأما كون الوالد يفدي ولده؛ فلأنه فوّت رقّه باعتقاده.
أشبه المغرور.
وأما كونه يفديه بمثله في صفاته تقريباً على المذهب؛ فلأنه حر.
فلا يضمن بقيمته؛ كسائر الأحرار.
وأما كونه يحتمل أن يُعتبر مثله في القيمة؛ فلأنه أقرب من نفس القيمة.
وأما كونه يَضمنه بقيمته على روايةٍ.
وهي الصحيحة من جهة المعنى؛ فلأنه ليس بمثلي.
فضُمن بالقيمة؛ كسائر المتقومات.
وأما كونه يرجع على الغاصب؛ فلأن الواطئ دخل على أن يسلم له الأولاد.
فإذا لم يسلم له ذلك فقد غرّه الغاصب.
فوجب أن يرجع عليه؛ كالمغرور في النكاح.
وأما كون من تقدم ذكره من المشتري، والموهوب له: عليه قيمة الجارية إذا تلفت؛ فلأن التلف حصل تحت يده العادية.
فوجب عليه ضمانها؛ كالغاصب.
الجزء: 3 - الصفحة: 40
وأما كون القيمة لا يرجع بها إن كان مشترياً ويرجع بها المتّهب؛ فلأن المشتري دخل مع الغاصب على أن العين إن تلفت كان ضامنها لها بالثمن.
بخلاف المتهب فإنه لم يدخل على ذلك.
وأما كون من تقدم ذكره لا 33 يرجع بما حصلت له به منفعة؛ كالأجرة، والمهر، وأرش البكارة على روايةٍ؛ فلأنه غرم ما استوفى بدله.
فلم يرجع به.
إذ في الرجوع الجمع بين العوض والمعوض، وهو غير جائز.
قال: (وإن ضمّن الغاصب رجع على المشتري بما لا يُرجع به عليه).
أما كون الغاصب يرجع على المشتري بما ذكر؛ فلأن التلف حصل في يده وهو كالمباشر، والغاصب كالمتسبب.
وأما كونه لا يرجع عليه بما يرجع المشتري به عليه؛ فلأنه لا فائدة فيه.
فإن قيل: ما تحقيق ذلك؟
قيل: ما يجب ضمانه على ثلاثة أضرب:
أحدها: قيمة العين.
فهذا إذا ضمنه الغاصب يرجع به على المشتري؛ لأن المشتري دخل على أن العين إن هلكت هلكت 34 في ضمانه.
وثانيها: قيمة الولد.
فهذا إذا ضمنه الغاصب لا يرجع به على المشتري؛ لأن المشتري لو ضمنه رجع عليه.
فكيف يرجع هو بما يرجع به 35 عليه؟ .
وثالثها: المهر، وأرش البكارة، والأجرة، ونحو ذلك.
فهذا إذا ضمنه الغاصب فيه روايتان.
منشؤهما: أن المشتري إذا ضَمن ذلك هل يرجع به على الغاصب؟ وفيه روايتان: فعلى قولنا يرجع بذلك على الغاصب لا يرجع به الغاصب عليه إذا ضمنه؛ لما ذكر قبلُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 41
وعلى قولنا: لا يرجع به عليه إذا ضمنه الغاصب: رجع به على المشتري؛ لأنه يصير بمنزلة قيمة العين.
قال: (وإن ولدت من زوج، فمات الولد: ضمنه بقيمته، وهل يرجع بها على الغاصب؟ على روايتين).
أما كون الزوج يضمن الولد بالقيمة؛ فلأنه ينعقد رقيقاً؛ لأن الواطئ لا يعتقد أنها مملوكة.
بخلاف المشتري الجاهل بالغصب.
وأما كونه يرجع بالقيمة على الغاصب على روايةٍ؛ فلأن الغاصب غرّه.
ولأنه دخل على أن الولد إن تلف تلف على مالك الجارية؛ لأنه مملوكه.
وأما كونه لا يرجع بها على روايةٍ؛ فلأن التلف حصل في يده.
أشبه تلف الجارية.
قال: (وإن أعارها، فتلفت عند المستعير: استقر ضمان قيمتها عليه، وضمان الأجرة على الغاصب).
أما كون ضمان القيمة يستقر على المستعير؛ فلأن العارية مضمونة بالقيمة.
وأما كون ضمان الأجرة يستقر على الغاصب؛ فلأن المستعير دخل على أن يستوفي المنافع مجاناً.
ويجب أن لا يكون المستعير هاهنا عالماً بالغصب؛ لأنه إذا كان عالماً به استقر عليه قيمة العين والأجرة.
صرح به المصنف في المغني.
وفي قول المصنف رحمه الله 36: استقر: تنبيهٌ على أن للمالك مطالبة من شاء منهما.
وهو صحيح؛ لما تقدم.
فعلى هذا إن ضَمَّن المالك الغاصب قيمة العين رجع بها على المستعير، وإن ضَمَّنها المستعير لم يرجع بها على الغاصب.
ولو ضمِن الغاصبُ الأجرة لم يرجع بها على المستعير.
ولو ضمِنَها المستعير رجع بها على الغاصب.
وهذا هو المعني بالاستقرار.
وحكى المصنف في المغني في المستعير وجهاً: أنه لا يرجع إذا ضمن الأجرة؛ لأنه انتفع ببدلها، وهو نظير المهر وأرش البكارة مما تقدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 42
قال: (وإذا اشترى أرضاً فغرسها، أو بنى فيها فخرجت مستحقة، فقلع غرسه وبناءه: رجع المشتري على البائع بما غرمه.
ذكره القاضي في القسمة).
أما كون المشترى يرجع بما غرمه على البائع؛ فلأن البائع غرّه.
فوجب أن يرجع بما غرمه عليه.
أشبه ما غرمه المشتري من الغاصب من قيمة ولدٍ ونحوه 37.
وأما قول المصنف: ذكره القاضي في القسمة؛ فتنبيه على أن الحكم نقل في الباب المذكور.
قال: (وإن أطعم المغصوبَ لعالم بالغصب استقر الضمان عليه.
وإن لم يعلم وقال له الغاصب: كله، فإنه طعامي: استقر الضمان على الغاصب.
وإن لم يقل ففي أيهما يستقر الضمان عليه؟ وجهان).
أما كون الضمان يستقر على الآكل العالم بالغصب؛ فلأنه أتلف مال الغير من غير تغرير.
فوجب استقرار الضمان عليه؛ كما لو غصبه ثم أكله.
وأما كونه يستقر على الغاصب إذا قال لمن لا يعلم أنه غصب: كله، فإنه طعامي؛ فلأنه غرّه.
وأما كونه يستقر على الآكل إذا لم يقل الغاصب في وجهٍ؛ فلأنه ضمن ما أتلف.
فلم يرجع على أحد.
وأما كونه يستقر على الغاصب في وجهٍ؛ فلأنه غرّ الآكل وأطعمه على أنه لا يضمنه.
وذكر المصنف في المغني هذين الوجهين روايتين.
قال: (وإن أطعمه لمالكه، ولم يعلم: لم يبرأ.
نص عليه في رجل له عند رجل تبعة، فأوصلها إليه على أنها صلةٌ أو هديةٌ، ولم يعلم: كيف هذا.
يعني أنه لا يبرأ.
وإن رهنه عند مالكه، أو أودعه إياه، أو أجره، أو استأجره على قصارته وخياطته: لم يبرأ إلا أن يعلم.
وإن أعاره إياه برئ عَلِم أو لم يعلم).
أما كون من أطعم المغصوب لمالكه، وهو لا يعلم: لا يبرأ؛ فلأنه بالغصب أزال يد المالك وسلطته 38، وبالتقديم إليه لم تعد إليه اليد والسلطة؛ لأنه لا يتمكن
الجزء: 3 - الصفحة: 43
من التصرف فيه بكل ما يريد من الأخذ والصدقة وغير ذلك فلم يزل عنه الضمان؛ كما لو علفه لدواب المغصوب منه.
وفي قول المصنف رحمه الله: لم يعلم؛ إشعار بأنه إذا أكله عالماً بأنه طعامه برئ الغاصب.
وهو صحيح لزوال ما ذكر قبل.
وصرح به المصنف في الكافي، وعلله: بأنه أتلف ماله برضاه عالماً به.
وأما كون من رهنه عند مالكه، أو أودعه إياه، أو أجره، أو استأجره على قصارته أو خياطته: لا يبرأ إذا لم يعلم المالك أن ذلك ملكه؛ فلأن الغاصب أزال يد المالك وسلطته 39، ولم يعد ذلك بما ذكر.
وأما كونه يبرأ إذا علم؛ فلتمكنه من التصرف فيه على حسب اختياره.
وأما كونه يبرأ إذا أعاره إياه عَلِم أو لم يعلم؛ فلأنه دخل على أنه مضمون عليه.
قال: (ومن اشترى عبداً، فأعتقه، فادعى رجل أن البائع غصبه منه، فصدقه أحدهما: لم يقبل على الآخر.
وإن صدّقاه مع العبد لم يبطل العتق.
ويستقر الضمان على المشتري.
ويحتمل أن يبطل العتق إذا صدّقوه كلهم).
أما كون تصديق أحد الرجلين من البائع والمشتري المدعي لا يقبل على الآخر؛ فلأن إقرار كل واحدٍ منهما إقرار على غيره، وذلك غير مقبول.
وأما كون العتق لا يبطل مع تصديقهما إياه وتصديق العبد على المذهب؛ فلأن العتق حق لله تعالى، ولهذا لو شهد شاهدان بالعتق فقال العبد: ما أعتقني لم يُقبل منه.
وأما كونه يستقر الضمان على المشتري؛ فلأن التلف حصل في يده.
وأما كونه يحتمل أن يبطل العتق إذا صدّقوه كلهم؛ فلأن مجهول النسب يصح إقراره بالرق، وقد أقرّ به، ووافقه عليه من له به تعلقٌ.
فوجب ثبوت الرق.
عملاً بمقتضيه السالم عن معارضه.
الجزء: 3 - الصفحة: 44
فصل [إذا تلف المغصوب]
قال المصنف رحمه الله: (وإن تلف المغصوب ضمنه بمثله إن كان مكيلاً أو موزوناً.
وإن أعوز المثل فعليه قيمة مثله يوم إعوازه.
وقال القاضي: يضمنه بقيمته يوم القبض.
وعنه: تلزمه قيمته يوم تلفه).
أما كون الغاصب يضمن المغصوب المكيل أو الموزون بمثله؛ فلأن المثل أقربُ إلى الحق، ولهذا ضمن به في الإتلاف.
ولأن المثل طريقه المشاهدة، والقيمة طريقها الظن.
فكان الأول أولى؛ كالنص مع القياس.
فإن النص يدرك بالسماع، والقياس بالظن.
وأما كونه عليه قيمة مثله يوم إعوازه إذا أعوز المثل على المذهب؛ فلأنه يستحق المطالبة بقيمة المثل يوم الإعواز.
فوجب أن تعتبر القيمة حينئذ؛ لأنه يوم وجوبها.
وأما كونه يضمنه يوم القبض على قول القاضي؛ فلأن المثل لو وجد قبل القبض كان له المطالبة به.
فوجب أن تعتبر القيمة عند القبض؛ لأن القيمة إنما تثبت في الذمة يوم تلفه.
فاعتبرت تلك الحال؛ كما لو لم تختلف القيمة.
قال: (وإن لم يكن مثلياً ضمنه بقيمته يوم تلفه في بلده من نقده.
ويتخرّج أن يضمنه بقيمته يوم غصبه).
أما كون الغاصب يضمن غير المثلي بقيمته على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «منْ أعتقَ شِرْكاً له في عبدٍ، فكان له مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ قوّم وأعطي شركاؤهُ حِصصهُم» 40 متفق عليه.
أوجب القيمة؛ لأنه غير مثلي.
الجزء: 3 - الصفحة: 45
ولأن إيجاب مثله من جهة الخلقة لا يمكن؛ لاختلاف ذلك في القيمة.
فصارت القيمة أقرب إلى إيفاء 41 حقه.
وأما كون القيمة معتبرة بيوم تلفه في بلده من نقده على المذهب؛ فلأن ذلك زمنُ الضمان وموضعُه.
وأما كونه يتخرج أن يضمنه بقيمته يوم غصبه؛ فلأنه الوقت الذي أزال يده فيه.
فلزمته 42 القيمة فيه؛ كما لو أتلفه.
قال: (وإن كان مصُوغاً، أو تِبْراً تخالفُ قيمته وزنه: قوّمه بغير جنسه.
فإن كان مُحلى بالنقدين معاً قوّمه بما شاء منهما، وأعطاه بقيمته عرضاً).
أما كون المصوغ أو التِّبْر يقوّم بغير جنسه إذا كانت قيمته تخالف وزنه؛ فلئلا يؤدي إلى الربا.
وأما كونه يقوّم بما شاء المقوّم من النقدين إذا كان مُحلى بهما فلأن 43 كلاً منهما ثمنٌ في قيم المتلفات وأروش 44 الجنايات، وغيرهما ليس كذلك.
وأما كون الغاصب يعطي المغصوب منه بقيمته عرضاً؛ فلئلا يؤدي إلى الربا.
قال: (وإن تلف بعض المغصوب فنقصت قيمة باقيه؛ كزوجي خُفٍ تَلِف أحدهما: فعليه رد الباقي، وقيمة التالف، وأرش النقص.
وقيل: لا يلزمه أرش النقص).
أما كون الغاصب عليه رد الباقي مما ذكر؛ فلأنه ملك غيره.
وأما كونه عليه قيمة التالف؛ فلأن التلف حصل تحت يده العادِيَة.
الجزء: 3 - الصفحة: 46
وأما كونه عليه أرش النقص على المذهب؛ فلأنه نقصٌ حصل في يده.
أشبه قيمة التالف.
وأما كونه ليس ذلك عليه على قولٍ؛ فلأنه زائدٌ على قيمة التالف.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: مثاله: أن يكون زوجَا الخف يساويان عشرين، والباقي يساوي خمسة.
فعلى الأول عليه خمسة عشر، وعلى الثاني عليه عشرة.
قال: (وإن غصب عبداً فأَبَق، أو فرساً فشرد، أو شيئاً تعذر ردّه مع بقائه: ضمن قيمته.
فإن قدر عليه بعدُ رَدّهُ، وأخذَ القيمة).
أما كون الغاصب يضمن ما ذكر بقيمته قبل القدرة عليه؛ فلأن ذلك حق تعذر ردّه إلى مالكه.
فوجب أن ينتقل إلى القيمة 45؛ كما لو أتلفه.
وأما كونه إذا قَدَر عليه بعدُ يردُّه؛ فلأن القيمة إنما وجبت لتعذر ردّ العين، وقد زال ذلك.
فوجب ردّ العين إلى مالكها.
وأما كونه يأخذ القيمة؛ فلئلا يجتمع للمالك البدل والمبدل.
قال: (وإن غصب عصيراً فتخمّر فعليه مثله.
فإن انقلب خلاً ردّه، وما نقص من قيمة العصير).
أما كون الغاصب عليه مثل العصير إذا تخمّر؛ فلأنه تلف بصيرورته خمراً.
ولأن ماليّته زالت تحت يده العادية.
[أشبه ما لو زالت بالإتلاف.
وأما كونه يرده إلى مالكه إذا انقلب خلاً؛ فلأنه عين ملكه.
وأما كونه يرد أرش النقص إليه؛ فلأنه نَقَصَ تحت يده العادِيَة] 46. أشبه ما لو نقص منه جزء.
الجزء: 3 - الصفحة: 47
فصل [في أجرة المغصوب]
قال المصنف رحمه الله: (وإن كان للمغصوب أجرةٌ فعلى الغاصب أجرة مثله مدة مقامه في يده.
وعنه: التوقف عن ذلك.
قال أبو بكر: هذا قولٌ قديمٌ رَجعَ عنه).
أما كون الغاصب عليه أجرة المغصوب مدة مقامه في يده على المذهب؛ فلأن ما ضُمن بالإتلاف في العقد الفاسد وجب أن يضمنه الغاصب بمجرد التلف في يده؛ كالأعيان.
وأما كون ذلك يُتوقف عنه على روايةٍ؛ فلأن قوله عليه السلام: «الخراج بالضمان» 47 يقتضي كون الخراج للغاصب؛ لأن الضمان عليه، وذلك ينفي كون الأجرة عليه، وحينئذ يجب التوقف.
وأما قول المصنف رحمه الله: قال أبو بكر: هذا قولٌ قديمٌ رَجع عنه؛ فتنبيهٌ على ضعف هذه الرواية، ولذلك قال المصنف في المغني: المذهب الأول؛ لما ذكر.
ولأنه فوّت متقوّماً.
فوجب ضمانه؛ كالأعيان.
أو نقول: مال متقومٌ مغصوب.
فوجب ضمانه؛ كالعين.
وأما الخبر فوارد في البيع، ولا يدخل فيه الغاصب؛ لأنه لا يجوز له الانتفاع بالمغصوب بالإجماع.
الجزء: 3 - الصفحة: 48
قال: (وإن تلف المغصوب فعليه أجرته إلى وقت تلفه.
وإن غصب شيئاً فعجز عن ردّه فأدّى قيمته فعليه أجرته إلى وقت أداء القيمة.
وفيما بعده وجهان).
أما كون الغاصب عليه أجرة ما عجز عن رده إلى وقت أداء القيمة؛ فلأن منافعه هلكت تحت يده.
فوجب عليه ضمانها؛ لما تقدم في تضمين المنافع 48.
وأما كونه عليه الأجرة فيما بعد أداء القيمة وقبل الرد في وجهٍ؛ فلما ذكر.
وأما كونه ليست عليه في وجهٍ؛ فلأنه لما أدى القيمة لم يبق لها أجرة؛ لأنها لو بقيت لاجتمع للشخص عوض العين وعوض المنفعة الحاصلة بعده، وذلك لا يجتمع.
دليله: الإتلاف.
الجزء: 3 - الصفحة: 49
فصل [في تصرفات الغاصب]
قال المصنف رحمه الله: (وتصرفات الغاصب الحكمية؛ كالحج، وسائر العبادات، والعقود؛ كالبيع، والنكاح، ونحوها: باطلة في إحدى الروايتين، والأخرى صحيحة).
أما كون التصرفات المذكورة باطلة على المذهب؛ فلأن ذلك التصرف تصرف الفضولي.
والصحيح من المذهب أنه باطل؛ لما تقدم 49.
وأما كونها صحيحة على رواية؛ فلأن الغاصب تطول مدة غصبه غالباً، فتكثر تصرفاته.
ففي إبطالها إضرارٌ كثير، وربما عاد بعض الضرر على المالك.
فإن الحكم بصحتها يقتضي كون الربح فيها للمالك، والحكم ببطلانها يمنع ذلك.
قال: (وإن اتّجر بالدراهم فالربح لمالكها.
وإن اشترى في ذمته ثم نقدها فكذلك.
وعنه: الربح للمشتري).
أما كون ربح الدراهم التي اتّجر الغاصب بعينها لمالكها؛ فلأنه نماء ملكه.
وأما كون ربح ما اشترى في ذمته، ثم نقد الدراهم عنه كذلك على المذهب؛ فكما لو اشترى بعينه.
وأما كونه له على روايةٍ؛ فلأنه اشترى في ذمته ولنفسه.
فكان الشراء له، والربح تبعٌ لمن الشراء له.
الجزء: 3 - الصفحة: 50
قال: (وإن اختلفا في قيمة المغصوب، أو قدره، أو صناعة فيه: فالقول قول الغاصب.
وإن اختلفا في ردّه، أو عيب فيه: فالقول قول المالك).
أما كون القول قول الغاصب في القيمة والقدر والصناعة؛ فلأن الأصل براءة ذمته مما يدعى عليه.
فلا يلزمه غير 50 ما أقرّ به؛ كما لو ادعى عليه ديناً فأقرّ ببعضه.
وأما كون القول قول المالك في الرد والعيب؛ فلأن الأصل عدم الرد وعدم العيب.
قال: (وإن بقيت في يده غُصوب، لا يعرف أربابها: تصدق بها عنهم.
بشرط الضمان؛ كاللقطة).
أما كون من في يده ما ذُكر يتصدق به بشرط الضمان؛ فلأن حبس المغصوب في يده حرام؛ كأصل الغصب.
فتخلصه منه مطلوب شرعاً، وصدقته بشرط الضمان طريقٌ له.
فتعين جواز فعله؛ لما فيه من الجمع بين مصلحته ومصلحة المالك.
وأما قول المصنف رحمه الله: بشرط الضمان؛ فتنبيهٌ على أنه لا يجوز التصدق بالمغصوب إلا بذلك؛ لأن الصدقة بدون ذلك إضاعة لمال المالك لا على وجه بدل، وذلك غير جائز.
وأما قوله: كاللقطة فتنبيهٌ على أن للصدقة بشرط الضمان أصلاً هو اللقطة 51. وسيأتي ذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى 52.
الجزء: 3 - الصفحة: 51
فصل [فيمن أتلف مالاً لغيره]
قال المصنف رحمه الله: (ومن أتلف مالاً محترماً لغيره ضمنه.
وإن فتح قفصاً عن طائره، أو حلّ قيد عبده، أو رباط فرسه، أو وِكاء زِقٍّ مائعٍ، أو جامدٍ فأذابته الشمس، أو بقي بعد حلّه قاعداً فألقته الريح فاندفق: ضمنه.
وقال القاضي: لا يضمن ما ألقته الريح).
أما كون من أتلف مالاً محترماً مملوكاً لغيره يضمنه بالإتلاف؛ فلأنه فوّته عليه.
فضمنه؛ كما لو غصبه فتلف عنده.
وفي قوله: مالاً احتراز 53 عما ليس بمالٍ؛ كالكلبِ والسِّرْجين؛ لأن ما ليس بمال لا يقابل بالمال.
وفي قوله: محترماً احتراز 54 عما ليس بمحترم.
وإن كان مالاً؛ كأموال أهل الحرب، وخمر الذمي، وآلة اللهو.
فإن جميع ذلك لا يضمن.
وتقدير ذلك يذكر في مواضعه.
وفي قوله: لغيره احتراز 55 عن مال نفسه فإنه لا يضمن ذلك؛ لأن الضمان لا يجب على من له الضمان.
وأما كون من فتح قفصاً عن طائرِ غيره، أو حلّ قيد عبده، أو رباط فرسه، أو وكاء زِقٍٍّ مائعٍ أو جامدٍ فأذابته الشمس: يضمنه؛ فلأن ذلك كله تلف بسبب فعله.
فلزمه ضمانه؛ كما لو باشره بالتلف.
الجزء: 3 - الصفحة: 52
وفي كلام المصنف رحمه الله حذف تقديره: وإن فتح قفصاً عن طائره فطار، أو حلّ قيد عبده فهرب، أو رباط فرسه فشرد؛ لأن الطائر لو بقي في القفص، أو لم يهرب العبد، أو لم يشرد الفرس فتلف ذلك بآفة سماوية لم يجب الضمان؛ لأنه لم يحصل التلف بسبب فعله.
وإنما حذف المصنف ذلك اعتماداً على ظهوره.
ولأنه نبّه على مثل ذلك فيما ساواه وهو في قوله: فاندفق.
بعد قوله: أو وكاء زِقٍّ مائعٍ أو جامد.
وأما كونه يضمن إذا بقي المائع بعد حلّ زقه قاعداً فألقته الريح فاندفق على المذهب؛ فلما تقدم ذكره في الصورة المذكورة.
وأما كونه لا يضمن ذلك على قول القاضي؛ فلأن فعله غير ملجئ.
فلم يتعلق به ضمان؛ كما لو دفعه إنسان.
والأول أصح؛ لأنه لم يتخلل بين فعله وبين التلف مباشرةٌ يمكن إحالةُ الحكم عليها.
فوجب الضمان عليه؛ كما لو جُرح فمات عقيب ذلك.
ثم ما ذكره القاضي منتقضٌ بما إذا أذابته الشمس مع أنه لا يقول فيه بعدم الضمان.
قال: (وإن ربط دابةً في طريق فأتلفت، أو اقتنى كلباً عقوراً فعقر، أو خرق ثوباً: ضمن.
إلا أن يكون دخل منزله بغير إذنه.
وقيل: في الكلب روايتان في الجملة).
أما كون من ذكر يضمن ما أتلفته الدابة إذا ربطها في طريقٍ؛ فلأنه مُتعدٍّ بربطها.
وأما ضمان ما أتلفه الكلب العقور فينظر فيه: فإن كان التلف في غير ملك مقتنيه 56 وجب عليه ضمان ما أتلفه؛ لأنه مفرّط باقتنائه.
وإن كان التلف في ملكه نظرتَ: فإن كان المعقور دخل بغير إذنٍ فلا ضمان؛ لأنه متعدٍّ في الدخول متسبب
الجزء: 3 - الصفحة: 53
إلى إتلاف نفسه بجنايته، وإن كان دخل بإذنٍ فعلى مقتنيه ضمانه؛ كما لو كان في داره بئر مغطاة فأذن لإنسان فدخل فوقع فيها.
وقال بعض الأصحاب: في الكلب روايتان في الجملة: أي روايةِ أنه يضمن سواء دخل بإذن أو بغير إذن؛ لأن مقتنيه متعدٍّ في اقتنائه، وذلك يناسب الضمان؛ لما فيه من المبالغة في الزجر.
ورواية: أنه لا يضمن بحالٍ؛ لأنه لم يحصل منه جناية.
ويمكن أن يجاب عنه بأنه متسبب.
قال: (وإن أجّج ناراً في ملكه، أو سقى أرضه فتعدى إلى ملك غيره فأتلفه: ضمن إذا كان قد أسرف فيه أو فرّط، وإلا فلا).
أما كون من ذكر يضمن إذا أسرف أو فرّط؛ فلأن التلف بذلك سرايةُ فعل محظور.
فوجب أن يضمن؛ كما لو باشر ذلك بالإتلاف.
وأما كونه لا يضمن إذا لم يوجد ذلك؛ فلأنه غير متعد.
ولأنها سرايةُ فعل مباح.
أشبه سراية القود.
وفارق ما إذا حلّ زِقاً فاندفق ما فيه فإنه من آثار فعلٍ هو متعدٍّ فيه.
قال: (وإن حفر في فنائه بئراً لنفسه ضمن ما تلف بها.
وإن حفرها في سابلةٍ لنفع المسلمين لم يضمن في أصح الروايتين).
أما كون صاحب الفناء يضمن ما أُتلف بالبئر التي حفرها لنفسه؛ فلأنه متسبب إلى إتلاف غيره.
فوجب الضمان عليه؛ كواضع السكين.
وأما كونه لا يضمن إذا حفرها في سابلةٍ لنفع المسلمين في روايةٍ؛ فلأنه غير منسوبٍ إلى عدوان.
إذْ قصده نفع المسلمين لا نفع نفسه.
وأما كونه يضمن في روايةٍ؛ فلأنه مأذون له في ذلك بشرط سلامة العاقبة، ولم توجد.
قال: (وإن بسط في مسجد حصيراً، أو علّق فيه قنديلاً: لم يضمن ما تلف به.
وإن جلس في مسجدٍ، أو طريقٍ واسعٍ فعثرَ به حيوان: لم يضمن في أحد
الجزء: 3 - الصفحة: 54
الوجهين.
وإن أخرج جناحاً، أو ميزاباً إلى الطريق فسقط على شيء فأتلفه: ضمن).
أما كون من ذُكر لا يَضمن ما تلف بالحصير أو القنديل؛ فلأنه مأذون له في ذلك شرعاً.
فلم يضمن ما تولّد منه؛ كسراية القود.
وأما كونه لا يضمن ما تلف بتعثر 57 حيوان في وجهٍ؛ فلأن له أن يجلس في المسجد، وفي طريقٍ واسعٍ فلم يضمن لعدم تعديه.
وأما كونه يضمن ذلك في وجهٍ؛ فلما ذكر فيما إذا حفر بئراً في سابلةٍ لنفع المسلمين.
وأما كونه يضمن ما تلف بسقوط الجناح والميزاب الخارجَيْن إلى الطريق؛ فلأنه متعدٍ بفعل ذلك.
فوجب عليه ضمان ما تولّد منه؛ كما لو جرح إنساناً فتعدى إلى قتله.
قال: (وإن مال حائطه فلم يهدمه حتى أتلف شيئاً لم يضمنه.
نص عليه.
وأومأ في موضع: أنه إن تُقُدِّم إليه بنقضه، وأُشْهِد عليه فلم يفعل: ضَمِن).
أما كون مالك الحائط لا يضمن على المنصوص؛ فلأن السقوط ليس من فعله.
وأما كونه يضمن على ما أومأ إليه الإمام أحمد رحمه الله؛ فلأنه إذا تُقُدِّم إليه بنقضه وأُشْهِد عليه فلم يفعل يُعدُّ مفرّطاً.
فيجب عليه الضمان؛ كما لو باشر الإتلاف.
قال: (وما أتلفت البهيمة فلا ضمان على صاحبها إلا أن تكون في يد إنسان 58؛ كالراكب، والسائق، والقائد: فيضمن ما جنت يدها أو فمها.
دون ما جنت رجلها، وما أفسدت من الزرع والشجر ليلاً.
ولا يضمن ما أفسدت من ذلك نهاراً.
ومن صال عليه آدمي أو غيره فقتله دفعاً عن نفسه لم يضمنه).
أما كون صاحب البهيمة لا يضمن ما أتلفته إذا لم تكن في يده؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ» 59. أي هدر.
الجزء: 3 - الصفحة: 55
وأما كونه يضمن ما جنت يدها أو فمها إذا كانت في يده؛ مثل: أن يكون راكباً لها، أو سائقاً، أو قائداً دون ما جنت رجلها؛ فلأنه يمكنه حفظها عن ذلك.
بخلاف الرِّجْل.
ولأنه قد روي في حديث أبي هريرة «رِجْلُ العجماء جُبَار» 60. وذلك يدل بمفهومه على الضمان بغيرها.
ولا بد أن يُلحظ في عدم الضمان برِجْل البهيمة: أن لا يكون كبحها فأتلفت؛ لأنه إذا فعل ذلك يكون التلف منسوباً إليه.
فيجب عليه الضمان؛ كسائر مواضع التسبب في الإتلاف.
فإن قيل: هلاّ حمل مُطلق قوله عليه السلام: «العجماء جُبَار» على مُقَيَّدِه من قوله: «رِجْلُ العجماء جُبَار» فيما إذا لم تكن البهيمة في يده؟
قيل: لأن في ذكر الرِّجْل إشارةٌ إلى الفرق بينها وبين غيرها من يدٍ ونحوها، وذلك لا يتحقق في بهيمة ليست 61 في يده.
بخلاف ما إذا كانت في يده، فإن الفرق بينهما ما تقدم ذكره: من إمكان الحفظ في اليد والفم.
دون الرجل.
وأما كونه يضمن ما أفسدت البهيمة من الزرع والشجر ليلاً، وكونه لا يضمن ما أفسدت من ذلك نهاراً؛ فلما روي «أن ناقةَ للبراء دخلتْ حائطَ قومٍ.
فقضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الأموالِ حِفظَهَا بالنهارِ، وما أفسدتْ بالليلِ فهوَ مضمونٌ عليهم» 62. [رواه أبو داود وابن ماجة بمعناه] 63.
قال ابن عبدالبر: إن كان هذا مرسلاً فهو مشهور.
حدّثَ به الأئمةُ الثقاتُ واستعملَه فقهاءُ الحجازِ بالقبول.
الجزء: 3 - الصفحة: 56
ولأن العادة حفظُها نهاراً.
دون أهل المواشي.
وذكر المصنف في المغني: أن القاضي قال: هذا محمول على المواضع التي فيها المزارع والمراعي، فأما القرى العامرة التي ليس فيها مرعى إلا بين قراحيْن 64؛ كساقية، وطريق، وطرف زرع: فليس لصاحبها إرسالها بغير حافظٍ عن الزرع.
فإن فعل فعليه الضمان؛ لأنه مفرّط.
ولا بد أن يُلحظ في ضمان ما أتلفت 65 البهيمة من الزرع والشجر ليلاً: أن يكون المالك قد فرّط في إرسالها، فإن لم يكن فرّط مثل: إن حفظها فانفلتت من ذلك، أو أخرجها غيره من لصٍ وغيره لم يضمن؛ لأن الموجب للضمان تفريطه في إرسالها، وذلك مفقودٌ فيما ذكر.
لكن إن كان المرسِلُ غيرَه وجب الضمان عليه؛ لأنه السبب في الإتلاف.
وقول المصنف رحمه الله: وما أفسدت من الزرع والشجر مشعرٌ بأمرين:
أحدهما: أن ضمان ما ذُكر مشروط بكون البهيمة في يد راكبٍ وسائقٍ وقائدٍ؛ لأنه عطفه على ضمان ما جنت يدها أو فمها بعد اشتراط كونها في يد إنسان موصوف بما ذكر.
وليس كذلك بل ذلك يُضمن سواء كانت في يد أحدٍ 66 أو لا.
صرح بذلك المصنف رحمه الله في المغني وغيره من الأصحاب.
وثانيهما: أن الحكم المذكور مختصٌ بالزرع والشجر؛ لأنه خصهما بالذكر.
وليس كذلك أيضاً عند الأصحاب.
صرح به صاحب المستوعب.
فقال فيه: وما أتلفت البهائم من الزرع وغيرها ليلاً فعلى صاحبها ضمانه.
ووجهه 67 عموم قوله عليه السلام: «وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم» 68.
وقال صاحب المغني فيه: وإن أتلفت غير الزرع لم يضمن مالكها، نهاراً كان أو ليلاً، وعلله بقوله عليه السلام: «العجماء جبار» 69، وبأن البهيمة لا تُتْلف ذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 57
عادة.
بخلاف الزرع.
ولم أجده لغيره.
فيحتمل أنه أراد هنا ذلك فلذلك خصص الزرع والشجر بالذكر، ويحتمل أن التخصيص وقع اتفاقاً.
وأما كون قاتل الصائل عليه لا يضمنه إذا قتله دفعاً عن نفسه؛ فلأنه قتله بدفع جائز.
فلم يضمنه؛ لما فيه من صيانة النفس عن القتل.
قال: (وإن اصطدمت سفينتان فغرقتا ضمن كل واحدٍ منهما سفينة الآخر وما فيها.
وإن كانت إحداهما مُنْحدرة فعلى صاحبها ضمان المُصْعِدة.
إلا أن يكون غلبه ريح فلم يقدر على ضبطها).
أما كون ملاحي كل سفينة يضمن السفينة الأخرى وما فيها؛ فلأن التلف حصل بسبب فعلهما.
فوجب على كل واحدٍ منهما ضمان ما تلف بسبب فعله.
وأما كون صاحب المنحدرة عليه ضمان المُصْعِدة إذا لم يكن غلبه الريح؛ فلأنها تنحط على 70 المصعدة من علوٍّ.
فيكون ذلك سبباً لغرقها، وتُنَزّل المنحدرة منزلة السائرة، والمُصْعِدة منزلة الواقفة.
وأما كونه لا يضمن إذا غلبه الريح فلم يقدر على ضبط السفينة؛ فلأنه حينئذٍ لا يُعد مفرّطاً.
ولأن التلف يمكن إسناده إلى الريح.
بخلاف ما تقدم.
قال: (ومن أتلف مزماراً، أو طنبوراً، أو صليباً، أو كسر إناء ذهب، أو فضة، أو إناء خمر: لم يضمنه.
وعنه: يضمن آنية الخمر إن كان ينتفع بها في غيره).
أما كون من أتلف مزماراً، أو طنبوراً، أو صليباً: لا يضمنه؛ فلأن بيع ذلك لا يحل.
فلم يضمنه؛ كالميتة.
ودليل تحريم بيع ذلك كله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بُعثتُ بمحقِ القَيْنَاتِ والمعَازِف».
وأما كون من كَسَر إناء فضة، أو ذهب: لا يضمنه؛ فلأن اتخاذه محرّم فلم يصادف الإتلاف شيئاً مباح البقاء.
فلم يضمن؛ كإتلاف الخنزير.
ولأنه أتلف ما ليس بمباح 71. فلم يضمنه؛ كالميتة.
الجزء: 3 - الصفحة: 58
وأما كونه لا يضمن إناء الخمر على المذهب؛ فلما روى أنس قال: «كنتُ أَسقِي أبا طلحة، وأبي بن كعب 72، وأبا عبيدة شَراباً من فَضِيخٍ.
فأتانا آتٍ.
فقال: إن الخمرةَ قد حرمتْ.
فقالَ أبو طلحة: قمْ يا أنس! إلى هذه الجِرارِ فاكسِرْهَا» 73. وهذا يدل على سقوط حرمته، وإباحة إتلافه.
فلم يضمن؛ كسائر المباحات.
وأما كونه يُضمن إن كان يُنتفع به في غيره على روايةٍ؛ فلأنه يمكنه الانتفاع به في غير الخمر.
فلم يجز إتلافه؛ كسائر الآنية.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولما روى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عمر قال: «أمرَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن آتيهِ بمُدْيَةٍ -وهيَ الشفرةُ- فأتيتهُ بها.
فأرسلَ بها.
فَأُرْهِفَتْ ثم أعطانيها.
وقال: اغدُ 74 عليّ بها 75 ففعلتُ.
فخرجَ بأصحابهِ إلى أسواقِ المدينةِ وفيها زِقَاقُ الخمرِ، فأخذَ المُدْيَةَ مني، فَشَقَّ ما كانَ من تلكَ الزِّقَاقِ بحضرتهِ كلها، وأمرَ أصحابَهُ الذينَ كانوا معهُ أن يمضوا معي وأن يعاوِنوني.
وأمرني أن آتيَ الأسواقَ كلَّها.
فلا أجدُ فيها زِقَّ خمرٍ إلا شَقَقْتُهُ.
ففعلتُ.
فلمْ أتركْ في أسواقِها زِقاً إلا شَقَقْتُه» 76.
الجزء: 3 - الصفحة: 59
باب الشفعة
الشفعة ثابتة بالسنة والإجماع: أما السنة فما 77 روى جابر قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعةِ فيما لم يُقْسَم، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفتِ الطرقُ فلا شُفعة» 78. متفق عليه.
ولمسلمٍ قال: «قضَى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعةِ في كل شِركٍ لم يُقْسَم: رَبْعَةٍ أو حائطٍ.
لا يحل له أن يبيعَ حتى يستأذنَ شريكَهُ، فإن شاءَ أخذَ وإن شاءَ تركَ.
فإن باعَ ولم يستأذنه فهوَ أحقُ به» 79.
وللبخاري: «إنما جعلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعةَ فيما لم يُقْسَم، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ الطرقُ فلا شُفعة» 80.
وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم: فيما بيع من أرضٍ أو دارٍ أو حائط.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها.
ولا يحل الاحتيال لإسقاطها).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي ... إلى مشتريها؛ فبيان لمعنى الشفعة.
ولا يخفى ما فيه من الاحتراز.
وأما كونه لا يحلّ الاحتيال لإسقاطها؛ فلأن الحيلة حرام، لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبَ اليهود فتستحلُوا محارمَ اللهِ بأدنى الحِيَل» 81.
الجزء: 3 - الصفحة: 60
وقال عليه السلام: «لعنَ اللهُ اليهودَ.
إن الله لما حرّمَ عليهم شحومَ الميتةِ جَمَلُوهُ، ثم بَاعُوهُ، وأكلُوا ثمنَه» 82.
ولأن الله حرّم الحيل في غير موضع من كتابه.
فعلى هذا لو احتال لإسقاط الشفعة لم تسقط؛ لأن الحيلة إذا كانت حراماً وجب أن يكون وجودها كعدمها.
ولأن الشفعة وُضعت لدفع الضرر، فلو سقطت بالحيل للحق الضرر.
فلم تسقط، كما لو أراد المشتري إسقاطها بالوقف ونحوه.
قال: (ولا تثبت إلا بشروط خمسة:
أحدها: أن يكون مبيعاً.
ولا شفعة فيما انتقل بغير عوض بحالٍ، ولا فيما عوضه غير المال، كالصداق، وعوض الخُلع، والصلح عن دم العمد في أحد الوجهين).
أما كون الشفعة لا تثبت إلا بالشروط الخمسة الآتي ذكرها، فلما يأتي ذكره فيها.
وأما كون أحد الشروط: أن يكون المشفوع مبيعاً؛ فلأن غير المبيع ليس منصوصاً عليه، ولا في معنى المنصوص عليه.
وأما كونه لا شفعة فيما انتقل بغير عوض، كالهبة بغير ثواب، والصدقة، والوصية، والإرث؛ فلأنه ليس بمبيع.
ولأن الأخذ يقتضي دفع العوض، ولم يقصد بما ذكر المعاوضة.
وأما كونه لا شفعة فيما عوضه غير المال كما ذكره المصنف رحمه الله في وجهٍ قاله أبو بكر؛ فلأنه ملك بغير مالٍ.
فلم تجب فيه شفعةٌ، كالهبة والإرث.
وأما كونه فيه الشفعة في وجهٍ قاله ابن حامد؛ فلأنه عقد معاوضة.
فجاز أن تثبت الشفعة في الأرض المملوكة به، كالبيع.
والأول أولى.
الجزء: 3 - الصفحة: 61
قال القاضي: هو قياس المذهب.
ووجهه ما تقدم.
ولأنه إما أن يؤخذ في الصداق بمهر المثل أو بالقيمة.
والأول باطل؛ لأنه تقويم البضع 83 على الأجانب وإضرارٌ بالشفيع؛ لأن مهر المثل يتفاوت مع المسمى إذ 84 المهر يُسامح فيه في العادة.
بخلاف البيع.
والثاني: باطل، لأن القيمة ليست بعوضٍ للمبيع.
وأما قياس الأخذ على البيع فلا يصح؛ لأنه يمكن الأخذ فيه بالعوض.
الجزء: 3 - الصفحة: 62
فصل [الشرط الثاني]
قال المصنف رحمه الله: (الثاني: أن يكون شقصاً مشاعاً من عقار ينقسم.
فأما المقسوم المحدود 85 فلا شفعة لجاره فيه).
أما كون الثاني من شروط الشفعة: أن يكون المشفوع شقصاً مشاعاً من عقار ينقسم: أما اشتراط كونه شقصاً؛ فلأنه إذا لم يكن شقصاً يكون كُلاًّ.
فيكون الأخذ به أخذاً بالجوار، والجوار لا تؤخذ به شفعة؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأما اشتراط كونه مشاعاً؛ فلأنه إذا لم يكن كذلك يكون مقسوماً.
ولا شفعة في المقسوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفعةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ الطرقُ فلا شُفعة» 86.
وفي رواية أبي داود: «وإذا قُسّمتِ الأرضُ وَحُدَّتْ فلا شُفعةَ فيها» 87.
ولأن الشفعة تثبت في موضع الوفاق على خلاف الأصل لمعنى معدوم في محل النزاع، فلا يثبت فيه.
بيان كون المعنى معدوماً أن الشريك ربما دخل عليه شريك فيتأذى به، فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته، فيدخل عليه الضرر بنقص قيمة ملكه، وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق، وهذا لا يوجد في المقسوم.
وأما اشتراط كونه من عقار؛ فلأن غير العقار لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه.
وأما اشتراط كون العقار مما ينقسم؛ فلأن ما لا يمكن قسمته كغير العقار، وذلك لا شفعة فيه.
فكذا هنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 63
وأما كونه لا شفعة لجار المقسوم المحدود 88 فيه؛ فلما تقدم في اشتراط كون المشفوع مشاعاً.
وفي كون من ذكر لا شفعة له تنبيهٌ على أن جار غير المقسوم لا شفعة له، لأنه إذا لم تثبت الشفعة لجار المقسوم فلئلا تثبت لجار غيره بطريق الأولى.
فإن قيل: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجارُ أحقُّ بِصَقَبِهِ» 89. رواه البخاري.
وفي حديث جابر: «الجارُ أحقُ بشفعتهِ يُنتظَرُ به إذا كانَ غَائباً» 90. رواه الترمذي.
وقال: هو 91 حديث حسن.
وفي حديث آخر: «جارُ الدارِ أحقُ بدارِ جارِه» 92.
قيل: أما الأول فليس بصريح؛ لأن الصَّقَب القرب.
فيحتمل أنه أحق بإحسان جاره وصلته وعيادته وغير ذلك.
وخبرنا صريح فيقدم عليه.
وخبر جابر معارَض بما ذكرنا من الحديث الصريح الراجح عليه.
وأما ما عدا ذلك ففيه مقال.
ثم يحتمل أنه أراد بالجار الشريك، ومثله تسمية أحد الزوجين جاراً.
قال الشاعر:
أجارتَنا بِيني فإنّكِ طالِقَة
الجزء: 3 - الصفحة: 64
قال: (ولا شفعة فيما لا تجب قسمته، كالحمام الصغير، والبئر، والطرق، والعراص الضيقة.
وما ليس بعقارٍ، كالشجر، والحيوان، والبناء المفرد في إحدى الروايتين.
إلا أن البناء والغراس يؤخذ تبعاً للأرض.
ولا تؤخذ الثمرة والزرع تبعاً في أحد الوجهين).
أما كون الشفعة لا تثبت فيما لا تجب قسمته كما مثّل المصنف رحمه الله في روايةٍ؛ فلأن ذلك لا يمكن قسمته شرعاً؛ لما فيها من الضرر.
وقوله: «الشفعةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ الطرقُ فلا شُفعة» 93 مشعرٌ بأن الشفعة إنما تكون فيما يمكن قسمته.
وأما كون الشفعة لا تثبت فيما ليس بعقارٍ كما مثل المصنف رحمه الله في روايةٍ؛ فلأن ذلك لا يبقى على الدوام فلم تجب الشفعة فيه، كالصبرة.
وأما كون الشفعة تثبت في ذلك كله في روايةٍ؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم 94: «الشفعة فيما لم يُقْسَم» 95.
ولأن الشفعة وضعت لإزالة الضرر، ووجود الضرر بالشركة فيما لم يُقْسَم أبلغ منه فيما يُقْسَم.
ولأن ابن أبي مليكة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشُفعةُ في كلِّ شَيء» 96.
وكلام المصنف في المغني يقتضي نصر الأول؛ لما تقدم.
ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا شُفعةَ في فِناءٍ ولا طَريقٍ ولا مَنْقَبَة» 97 رواه أبو عبيد في غريبه.
وعن عثمان: «لا شُفعةَ في بِئرٍ ولا فَحْل» 98.
ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع؛ لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري من الشراء لأجل الشفيع فيتضرر
الجزء: 3 - الصفحة: 65
البائع، وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة.
فيؤدي إثباتها إلى انتفائها.
ويجاب عن قولهم: ما لم يقسم أكثر ضرراً بأن الضرر الموجب لثبوت الشفعة هو الحاجة إلى إحداث المرافق، وذلك غير موجود فيما لا يمكن قسمته.
وأما كون البناء والغراس يؤخذ تبعاً للأرض؛ فلأن قوله عليه السلام المتقدم ذكره، وقضاءه بالشفعة في كل شِرْكٍ: ربعةٍ أو حائطٍ يدخلُ فيه البناء والغراس.
وفي قول المصنف: تبعاً؛ تنبيهٌ على أنه لا يؤخذ البناء والغراس بالأصالة، لأنهما لا تجب قسمتهما عند انفرادهما.
وأما كون الثمرة والزرع لا تؤخذ تبعاً في وجهٍ، فلأن ذلك لا يدخل في البيع.
فلا تؤخذ بالشفعة، كقُماش الدار.
وأما كونه يؤخذ تبعاً، فبالقياس على البناء والغراس.
الجزء: 3 - الصفحة: 66
فصل [الشرط الثالث]
قال المصنف رحمه الله: (الثالث: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم.
نصُّه عليه.
وقال القاضي: له طلبها في المجلس وإن طال، فإن أخّره سقطت شفعته.
إلا أن يعلم وهو غائب فيشهد على الطلب بها، ثم إن أخّر الطلب بعد الإشهاد عند إمكانه أو لم يشهد ولكن سار في طلبها فعلى وجهين).
أما كون الثالث من شروط الشفعة: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم على منصوص الإمام أحمد؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشفعةُ لمن وَاثَبهَا» 99.
وروي عنه عليه السلام أنه قال: «الشفعةُ كنشطةِ العِقالِ إن قُيدتْ بَركتْ، وإن بركتْ 100 فاللومُ على من تَركها» 101.
وفي سنن ابن ماجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشفعةُ كَحَلِّ العِقَال» 102.
ولأنه خيار يثبت لإزالة الضرر.
فكان على الفور، كخيار العيب على رواية.
وأما كون الشفعة لمن طلبها في المجلس وإن طال على قول القاضي؛ فلأن المجلس في حكم حالة العقد، ولهذا إذا وُجد القبض فيه فيما يشترط فيه القبض صح العقد.
وأما كونها تسقط إذا أخّر المطالبة بها عن ساعة العلم أو المجلس على الاختلاف المتقدم؛ فلما تقدم من أنه يشترط المطالبة حال العلم أو حال المجلس.
الجزء: 3 - الصفحة: 67
وأما كونها لا تسقط إذا علم وهو غائب وأشهد على الطلب بها؛ فلأنه لا يمكنه الطلب وهو غائب.
وأما كونها تسقط إذا أخّر الطلب بعد الإشهاد عند إمكانه، أو لم يشهد لكن سار في طلبها على وجهٍ؛ فلأنه تارك للطلب في الأولى ولبدله في الثانية.
فسقطت شفعته، كما لو كان حاضراً ولم 103 يشهد.
وأما كونها لا تسقط على وجهٍ: أما في الأولى؛ فلأن عليه في السفر عقيب الإشهاد ضرراً لالتزامه كلفته، وقد تكون له حوائج وتجارة تنقطع وتضيع لغيبته، والتوكيل بجُعْلٍ فيه غرامة، وبغيره فيه مِنَّة.
وأما في الثانية؛ فلأن السير لأجل طلب الشفعة فلم تسقط معه.
أشبه ما لو أشهد على الطلب.
واعلم أن المصنف رحمه الله قال في المغني: وإن أخّر القدوم بعد الإشهاد.
بدل قوله: وإن أخر الطلب بعد الإشهاد.
[وهو صحيح؛ لأنه لا وجه لإسقاط الشفعة بتأخير الطلب بعد الإشهاد] 104 وهو غائب؛ لأن الطلب حينئذ لا يمكن.
بخلاف 105 القدوم فإنه ممكن.
وتأخير ما يمكن لإسقاطه الشفعة وجه.
بخلاف تأخير ما لا يمكن.
قال: (وإن ترك الطلب والإشهاد لعجزه عنهما 106 كالمريض والمحبوس.
ومَنْ لا يجد من يشهده، أو لإظهارهم زيادة في الثمن، أو نقصاً في المبيع، أو أنه موهوب له، أو أن المشتري غيره، أو أخبره من لا يُقبل خبره فلم يصدقه: فهو على شفعته).
أما كون الشفيع على شفعته مع العجز المذكور 107؛ فلأنه معذورٌ في ذلك.
أشبه ما لو لم يعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 68
وأما كونه على شفعته إذا أظهر المشتري زيادة في الثمن، أو نقصاً في المبيع، أو أن المبيع موهوب له، أو أن المشتري غيره؛ فلأنه لم يعلم الحال على وجهه.
أشبه ما لو لم يعلم بالبيع.
وأما كونه على شفعته إذا أخبره من لا يقبل خبره فلم يصدقه؛ فلأن خبر من لا يُقبل خبره مع عدم تصديق الشفيع له يكون وجوده كعدمه.
وفي قول المصنف رحمه الله: أو أخبره من لا يقبل خبره فلم يصدقه؛ إشعارٌ بأنه إذا أخبره من لا يقبل خبره فصدقه تسقط شفعته وهو صحيح؛ لأن تصديقه اعتراف بوقوع البيع، وهو غير مطالب بالشفعة.
فوجب أن تسقط، كما لو أخبره به ثقة.
قال: (وإن أخبره من يُقبل خبره فلم يصدقه، أو قال للمشتري: بعني ما اشتريت أو صالحني: سقطت شفعته).
أما كون الشفعة تسقط بإخبار من يقبل خبره، كرجلين عدلين وإن لم يصدقهما الشفيع؛ فلأن مثل ذلك يوجب ثبوت البيع صدَّق الشفيع أو لم يصدق.
وأما كونها تسقط بقول المشتري: بعني ما اشتريت أو صالحني؛ فلأنه يدل على رضاه بشرائه.
فوجب أن تسقط شفعته لذلك، ولتأخير طلبها عن ثبوت البيع.
قال: (وإن دلّ في البيع، أو تَوَكَّل لأحد المتبايعين، أو جُعِل له الخيار فاختار إمضاء البيع: فهو على شفعته.
وإن أسقط شفعته قبل البيع لم تسقط.
ويحتمل أن تسقط).
أما كون الشفيع على شفعته فيما إذا دلّ، أو تَوَكَّل، أو أمضى ما جعل له الخيار فيه؛ فلأن جميع ما ذكر سبب ثبوت الشفعة.
فلم تسقط به، كما لو أذن في البيع أو عفا عن الشفعة قبل تمام البيع.
ولأن المسقط للشفعة الرضى بتركها، وليس فيما ذكر رضى بالترك بل ربما كان ذلك وسيلة إلى الأخذ.
الجزء: 3 - الصفحة: 69
وأما كون الشفعة لا تسقط بإسقاطها قبل البيع على المذهب؛ فلأنه إسقاط حقٍّ قبل وجوبه.
فلم تسقط، كما لو أبرأه مما يجب له، أو كما لو أسقطت 108 المرأة مهرها قبل التزويج.
وأما كونه يحتمل أن تسقط؛ فلأن مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به» 109 أنه إذا باع بإذنه لا 110 حق له فيه.
وذكر المصنف في المغني هذا الاحتمال رواية.
وأجاب عن الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أنه أراد العرض عليه ليبتاع ذلك إن 111 أراد فتخف عليه المؤونة، ويكتفي أخذ المشتري للشقص.
لا أنه يسقط حقه بإذنه.
قال: (وإن ترك الولي شفعةً للصبي، فيها حظ: لم تسقط، وله الأخذ بها إذا كبر.
وإن تركها لعدم الحظ فيها سقطت.
ذكره ابن حامد.
وقال القاضي: يحتمل أن لا تسقط).
أما كون شفعة الصبي إذا تركها وليه، وله فيها حظ: لا تسقط؛ فلأن الشفعة وجبت بالبيع وإسقاط الولي لذلك لا يصح؛ لأنه إسقاط حقٍ للمولى عليه لا حظ له في إسقاطه.
فلم يصح، كالإبراء، وإسقاط خيار الرد بالعيب.
وإذا ثبت أنه ليس له الإسقاط فَتَرَكَه أولى أن لا يكون موجباً للسقوط.
فيعمل موجب البيع عمله لسلامته عن الموجب للسقوط.
وأما كون الصبي له الأخذ بها إذا كبر؛ فلأنه لم يتمكن من الأخذ إلا في ذلك الوقت.
وأما كونها تسقط إذا تركها الولي لعدم الحظ فيها على قول ابن حامد؛ فلأن الولي فعل ما له فعله.
فلم يجز للصبي نقضه، كالرد بالعيب.
ولأنه فعل ما فيه الحظ للصبي.
فصح، كالأخذ مع الحظ.
الجزء: 3 - الصفحة: 70
وأما كونها لا تسقط على قول القاضي؛ فلأن المستحق للشفعة: له أخذها.
سواء كان له فيها حظ أو لم يكن.
وإنما يعتبر الحظ في حق الولي، فإذا زال الحجر ثبت للصبي إذا كبر الأخذ على الوجه الذي يثبت للشريك من البيع 112.
الجزء: 3 - الصفحة: 71
فصل [الشرط الرابع]
قال المصنف رحمه الله: (الرابع: أن يأخذ جميع المبيع.
فإن طلب أخذ البعض سقطت شفعته).
أما كون الرابع من شروط الشفعة: أن يأخذ الشفيع جميع المبيع؛ فلأن في أخذ بعضه إضراراً بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر.
ولأن الشفعة تثبت على خلاف الأصل، دفعاً لضرر الشريك الداخل، خوفاً من سوء المشاركة ومؤونة القسمة.
فإذا أخذ بعض الشقص لم يندفع الضرر المذكور.
وأما كون الشفعة تسقط إذا طلب الشفيع 113 أخذ البعض؛ فلأنها لا تتبعض لما تقدم.
فإذا سقط بعضها 114 سقط جميعها، كالقصاص.
قال: (فإن كانا شفيعين فالشفعة بينهما على قدر مُلْكَيْهِما.
وعنه: على عدد الرؤوس.
فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر أن يأخذ إلا الكل أو يترك).
أما كون الشفعة بين الشفيعين على قدر ملكيهما على المذهب؛ فلأن ذلك حقٌّ يستفاد بسبب الملك.
فكان على قدر الأملاك، كالغلة.
وأما كونها بينهما على عدد الرؤوس على روايةٍ اختارها ابن عقيل؛ فلأن كل واحدٍ منهما لو انفرد استحق الجميع.
فإذا اجتمعا تساويا، كالبنين 115، وكسراية العتق.
قال المصنف رحمه الله: والصحيح في المذهب أنها تقسم على قدر الأملاك؛ لما ذكر.
وما ذكر دليلاً 116 للرواية الثانية ينتقضُ بالفرسانِ والرجّالة في الغنيمة فإنّ من
الجزء: 3 - الصفحة: 72
انفرد منهم أخذ الكل، فإذا اجتمعوا تفاضلوا، وكذلك أصحاب الديون والوصايا.
وأما كون أحد الشريكين إذا ترك شريكُه الأخذ لم يكن له أن يأخذ إلا الكل أو يترك؛ فلما تقدم من أن في أخذ البعض إضراراً بالمشتري.
قال: (فإن كان المشتري شريكاً فالشفعة بينه وبين الآخر.
فإن ترك شفعته ليوجب الكل على شريكه لم يكن له ذلك).
أما كون الشفعة بين المشتري الشريك وبين شريكه؛ فلأنهما تساويا في الشركة.
فوجب أن يتساويا في الشفعة، كما لو كان المشتري أجنبياً.
وأما كون المشتري ليس له أن يترك شفعته ليوجب الكل على شريكه؛ فلأن ملكه استقر على قدر حقه، وجرى مجرى الشفيعين إذا حضر أحدهما فأخذ جميع الشقص، ثم حضر الآخر فطلب حقه من الشفعة، فقال الآخذ: خذ الكل أو دعه.
قال: (وإن كانت دارٌ بين اثنين، فباع أحدهما نصيبه لأجنبي صفقتين، ثم علم شريكه: فله أن يأخذ بالبيعين، وله أن يأخذ بأحدهما.
فإن أخذ بالثاني شاركه المشتري في شفعته في أحد الوجهين، وإن أخذ بالأول لم يشاركه.
وإن أخذ بهما لم يشاركه في شفعة الأول.
وهل يشاركه في شفعة الثاني؟ على وجهين).
أما كون الشفيع له الأخذ بالبيعين؛ فلأنه شفيع فيهما.
وأما كونه له الأخذ بأحدهما؛ فلأن كل واحدٍ منهما عقدٌ مستقلٌ بنفسه.
وهو يستحقها 117. فإذا أسقط البعض كان له ذلك، كما لو أسقط حقه من الكل.
وأما كون المشتري يُشارك الشفيع في شفعته إذا أخذ بالثاني في وجهٍ، فلأن الشفيع بإسقاط 118 حقه من البيع الأول استقر ملك المشتري.
فصار شريكه.
فشاركه في البيع الثاني.
الجزء: 3 - الصفحة: 73
وأما كونه لا يُشاركه المشتري في وجهٍ، فلأن ملك المشتري لم يستقر على المبيع.
بدليل أن للشفيع أخذه 119 بعد البيع الثاني فلم يستحق به شفعة.
وأما كونه لا يُشاركه إذا أخذ بالأول؛ فلأنه لم يَسبق له شركة.
وأما كونه لا يُشاركه في شفعة الأول إذا أخذ بالبيعين؛ فلما ذكر من عدم الشركة.
وأما كونه يُشاركه في شفعة الثاني ففيه وجهان، وجههما ما تقدم قبل.
قال: (وإن اشترى اثنان حقَّ واحد فللشفيع أخذ حقِّ أحدهما.
وإن اشترى واحدٌ حقَّ اثنين، أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة: فللشفيع أخذ أحدهما على أصح الوجهين).
أما كون الشفيع له أخذ حق أحد الشريكين المشتريين حقَّ واحد؛ فلأن العقد مع الاثنين بمنزلة عقدين.
وأما كونه له أخذ أحد الحقين إذا اشترى واحد حق اثنين على وجهٍ؛ فلأن تعدد البائع كتعدد المشتري.
وأما كونه ليس له ذلك على وجهٍ؛ فلأن فيه تبعيضاً للصفقة على المشتري، وذلك ضرر 120 عليه.
والأول أصح، لما ذكر من التعدد.
وأما كونه له أخذ أحد الشقصين إذا اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة على وجهٍ؛ فلأن الضرر قد يلحقه بأرضٍ دون أرض.
وأما كونه ليس له ذلك على وجهٍ؛ فلما ذكر من التبعيض على المشتري.
والأول أصح؛ لما ذكر.
ولأن كل واحدٍ منهما يُستحق بسببٍ غير الآخر.
فجرى مجرى الشريكين.
الجزء: 3 - الصفحة: 74
قال: (وإن باع شقصاً وسيفاً فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن.
ويحتمل أن لا يجوز).
أما كون الشفيع له أخذ الشقص بحصته من الثمن على المذهب؛ فلأن الشقص تجب فيه الشفعة إذا بيع منفرداً.
فكذلك إذا بيع مع غيره.
فعلى هذا يُقَوَّم، ويؤخذ بقيمته.
وأما كونه يحتمل أن لا يجوز؛ فلأن في ذلك تبعيضاً للصفقة على المشتري، وذلك ضرر به.
قال: (وإن تلف بعض المبيع فله أخذ الباقي بحصته من الثمن.
وقال ابن حامد: إن كان تلفه بفعل الله تعالى فليس له أخذه إلا بجميع الثمن).
أما كون الشفيع له أخذ 121 الباقي من التالف بحصته من الثمن على المذهب؛ فلأنه تعذّر أخذ الكل.
فجاز أخذ الباقي، كما لو أتلفه آدمي.
وأما كونه ليس له الأخذ إلا 122 بجميع الثمن إذا كان تلفه بفعل الله على قول ابن حامد؛ فلأن في أخذه بالبعض إضراراً بالمشتري، فلم يكن له ذلك، كما لو أخذ البعض مع بقاء الجميع.
الجزء: 3 - الصفحة: 75
فصل [الشرط الخامس]
قال المصنف رحمه الله: (الخامس: أن يكون للشفيع ملك سابق.
فإن اشترى اثنان داراً صفقة واحدة فلا شفعة لأحدهما على صاحبه.
فإن ادعى كل واحد السبق، فتحالفا، أو تعارضت بينتاهما: فلا شفعة لهما).
أما كون الخامس من شروط الشفعة: أن يكون للشفيع ملك سابق؛ فلأن الشفعة ثبتت لإزالة الضرر عن شريك البائع، فإذا لم يكن له ملك سابق على الشراء لم يكن شريكاً للبائع.
وأما كونه لا شفعة لأحد المشتريين داراً صفقة واحدة على صاحبه؛ فلأن شرط استحقاق الشفعة سبقُ الملك، وهو معدوم هنا.
وأما كونه لا شفعة لهما إذا ادعى كل واحدٍ منهما السبق فتحالفا أو تعارضت بينتاهما؛ فلأن من شرطها أن يكون الملك سابقاً على الشراء ولم يتحقق ذلك.
قال: (ولا شفعة بشركة الوقف في أحد الوجهين).
أما كونه لا شفعة بشركة الوقف في وجهٍ، فلأن مستحق الوقف: إما غير مالك، والشفعة لا تثبت لغير المالك.
وإما مالك لكن ملكه غير تام لكونه لا يستفيد به تصرفاً في الرقبة.
والملك غير التام لا يستفاد به ملك تام.
ولأن الوقف لا تستحق فيه الشفعة.
فلم تجب به، كغير المنقسم.
وأما كون الشفعة تستحق بذلك في وجهٍ؛ فكالملك الطَّلْق.
وقال المصنف في المغني: قال أبو الخطاب: هذا -يعني هذين الوجهين- ينبني على الملك في الوقف، وفيه روايتان.
فإن قيل: الوقف مملوك تثبت فيه الشفعة، وإلا فلا.
الجزء: 3 - الصفحة: 76
فصل [إذا تصرف المشتري في المبيع]
قال المصنف رحمه الله: (وإن تصرّف المشتري في المبيع قبل الطلب بوقفٍ، أو هبةٍ: سقطت الشفعة.
نص عليه.
وقال أبو بكر: لا تسقط).
أما كون الشفعة تسقط بالتصرف بما ذُكر على المنصوص؛ فلأن الشفعة تثبت في المملوك للمشتري، وقد خرج هذا عن كونه مملوكاً له.
وأما كونها لا تسقط على قول أبي بكر؛ فلأن حقَّ الشفيع سابق على ما ذكر.
فلم يكن للمشتري التصرف بما يبطل حقه.
ولأن الشفيع يملك فسخ البيع مع إمكان الأخذ به، فلأن يملك فسخ عقدٍ لا يمكنه الأخذ به بطريق الأولى.
قال: (وإن باع فللشفيع الأخذ بأيّ البيعين شاء.
فإن أخذ بالأول رجع الثاني على الأول).
أما كون الشفيع له الأخذ بأيّ البيعين شاء؛ فلأن كل واحدٍ منهما له ملك سابقٌ عليه.
وأما كون الثاني يرجع على الأول إذا أخذ الشفيع بالبيع الأول؛ فلأنه لم يُسَلَّم له المعوض 123. فكان له الرجوع بالعوض.
قال: (وإن فسخ البيع بعيب، أو إقالة، أو تحالف: فللشفيع أخذه.
ويأخذه في التحالف بما حلف عليه البائع).
أما كون الشفيع له أخذ ذلك مع الفسخ بما ذُكر؛ فلأن حقه سابقٌ على ذلك كله، ولا يمكنه الأخذ بما وجد بعد البيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 77
فإن قيل: الإقالة: إن قيل 124 هي فسخ لا تُستحق بها شفعة، وإن 125 قيل: هي بيع تُستحق بها الشفعة.
وهاهنا قد حكم المصنف رحمه الله بالأخذ مطلقاً.
قيل: الأخذ هنا بالبيع لا بالإقالة.
وأما الأخذ بالإقالة فصورته: أن شخصاً حصل له نصيبٌ في عقارٍ بعد أن باع بعض الشركة نصيبه.
ثم يقايل هو والمشتري بعد أن ملك الشخص النصيب.
فهاهنا هل يملك الشخص الشفعة؟ ينبني على أن الإقالة فسخ أو بيع.
أما الشريك هنا فملكه سابقٌ على البيع، فبنفس البيع استحق الشفعة.
فإن قيل: ينبغي أن لا يستحق الشفعة؛ لأن الإقالةَ رفعت البيع، وإذا ارتفع البيع زال سبب الاستحقاق.
قيل: الإقالة إما بيعٌ وإما فسخٌ في الحال.
ولا يصح أن يكون رفعا للعقد، وإلا لوجب على المشتري ردّ الكسب والولد ونحو ذلك؛ لأن العقد لو ارتفع لكان ذلك كله نماء ملك البائع.
وأما كونه يأخذه في التحالف بما 126 حلف عليه البائع؛ فلأن الإنسان لا يجبر على نقل ملكه بغير ثمنٍ يرضيه، ولهذا ردّ المبيع في مسألة التحالف إلى البائع.
قال: (وإن أجّره أخذه الشفيع، وله الأجرة من 127 يوم أخذه.
وإن استغله فالغَلّة له.
وإن أخذه الشفيع وفيه زرع أو ثمرة ظاهرة فهو للمشتري مبقىً إلى الحصاد والجذاذ).
أما كون الشفيع له الأخذ مع إجارة المشتري للمشفوع؛ فلأن الإجارة لا تمنع ملك الملك.
بدليل أنه يصح بيع المؤجَّر.
وأما كون الأجرة له من يوم أخذه؛ فلأنها نماء ملكه بحكم الشفعة.
أشبه ما لو اشتراه.
الجزء: 3 - الصفحة: 78
وأما كون الغلّة التي استغلها المشتري له؛ فلأن الخراج بالضمان.
ولو تلف المبيع كان من ضمانه.
فكذلك تكون غلته له.
وأما كون الزرع أو الثمرة الظاهرة للمشتري مبقىً إلى الحصاد والجذاذ إذا أخذ المشفوعَ وفيه ذلك؛ فلأن المشتري فعل ذلك في ملكه.
أشبه ما لو اشترى أرضاً فيها زرع أو ثمرة ظاهرة.
ولأن جميع ما ذُكر حَدَثَ في ملك المشتري.
وأَخْذُ الشفيع له بمنزلة شراءٍ ثانٍ.
أشبه ما لو اشتراه ابتداء.
فإن قيل: إذا كان بمنزلة شراءٍ ثانٍ يجب أنه إذا أخذه وقد أجّره المشتري لا يستحق الأجرة، كما لو اشترى عيناً مؤجرة.
قيل: الشفيع يستحق الانتزاع على الوجه الذي وقع عليه العقد، والعقد وقع مشتملاً على المنفعة.
فمقتضى هذا أن يستحق نفس المنفعة.
لكن عارضه أن المشتري تصرف فيها بالإجارة، وتصرفه نافذٌ لكونه مالكاً، وإذا تعذر أخذ عين المنفعة وجب الرجوع ببدلها لكونه غير متعذر.
قال: (وإن قاسم المشتري وكيل الشفيع، أو قاسم الشفيع لكونه أَظْهَرَ له زيادة في الثمن أو نحوه، أو غرس، أو بنى: فللشفيع أن يدفع إليه قيمة الغراس والبناء ويملكه أو يقلعه، ويضمن النقص.
فإن اختار أخذه فأراد المشتري قلعه فله ذلك، إذا لم يكن فيه ضرر).
أما كون الشفيع له الخيرة بين دفع ما ذكر وملكه له وبين قلعه وضمان نقصه؛ فلأن ضررهما لا يزول إلا بذلك، وقد قال عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار» 128 رواه ابن ماجة.
وأما كون المشتري له قلع ذلك مع اختيار الشفيع الأخذ؛ فلأن ذلك ملكه.
واشترط المصنف رحمه الله في كون المشتري له القلع عدم الضرر على الشفيع؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر.
الجزء: 3 - الصفحة: 79
قال: (وإن باع الشفيع ملكه قبل العلم لم تسقط شفعته في أحد الوجهين.
وللمشتري الشفعة فيما باعه الشفيع في أصح الوجهين).
أما كون الشفيع لا تسقط شفعته إذا باع ملكه قبل علمه ببيع نصيب شريكه في وجهٍ قاله أبو الخطاب؛ فلأنها تثبت له.
فلا تسقط بالبيع بعده.
وأما كونها تسقط في وجهٍ قاله القاضي؛ فلأنها تثبت لإزالة الضرر الحاصل بالشركة، وقد زال بالبيع.
ولأنه زال السبب الذي تستحق به الشفعة، وهو الملك الذي يخاف الضرر بسببه، فصار كمن اشترى معيباً فلم يعلم بعيبه حتى زال أو حتى باعه.
وأما كون المشتري له الشفعة فيما باعه الشفيع في وجهٍ، فلأن له ملكاً سابقاً على بيع الشفيع.
فملك الأخذ به.
وأما كونه لا شفعة له في وجهٍ، فلأن ملكه ضعيف، لكونه بعَرَضِيَّة الأخذ بالشفعة.
قال: (وإن مات الشفيع بطلت الشفعة.
إلا أن يموت بعد طلبها فتكون لوارثه).
أما كون الشفعة تبطل بالموت قبل طلبها؛ فلأن الشفعة حقُّ فسخٍ، ثبت لا لفوات جزء.
فلم يورث، كالرجوع في الهبة.
ولأنه نوع خيار جعل للتمليك.
أشبه خيار القبول.
ويتخرّج أن لا يبطل 129، كخيار الرد بالعيب.
والفرق بينهما: أن خيار الرد ثبت لفوات جزء وقد نبّه على ذلك فيما تقدم من قوله: لا لفوات جزء.
وأما كونها لا تبطل إذا طلبها الشفيع ثم مات؛ فلأن الشقص يصير ملكاً له بنفس الطلب.
فعلى هذا يكون لوارثه من بعده، كسائر حقوقه.
الجزء: 3 - الصفحة: 80
فصل [في الثمن الذي يأخذ به الشفيع]
قال المصنف رحمه الله: (ويأخذ الشفيع بالثمن الذي وقع العقد عليه.
وإن عجز عنه، أو عن بعضه: سقطت شفعته).
أما كون الشفيع يأخذ المبيع بالثمن المذكور؛ فلأن في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هو أحق به بالثمن» 130. رواه أبو إسحاق الجوزجاني في المترجم.
ولأن الشفيع إنما يستحق الشقص بالبيع.
فكان مستحقاً له بالثمن، كالمشتري.
فإن قيل: ينبغي أن يأخذه بقيمته، كالمضطر إلى طعام غيره.
قيل: المضطر استحقه بسبب حاجته فكان المرجع 131 في بدله إلى قيمته، والشفيع استحقه لأجل البيع.
ولهذا لو انتقل بهبة أو ميراث لم يستحق الشفعة.
وإذا استحق ذلك بالبيع وجب أن يكون بالعوض الثابت بالبيع.
وأما كون الشفعة تسقط بالعجز عن الثمن أو عن بعضه؛ فلأن الأخذ بلا ثمن، أو ببعض الثمن: ضررٌ بالمشتري، والضرر لا يزال بالضرر.
قال: (وما يُحَطُّ من الثمن، أو يُزاد فيه في مدة الخيار: يُلحق به.
وما كان بعد ذلك لا يلحق).
أما كون ما يُحَطُّ من الثمن أو يُزاد فيه في مدة الخيار يلحق بالثمن؛ فلأن زمن الخيار بمنزلة حالة العقد، والتغيير اللاحق حالة العقد ملحقٌ.
فكذلك ما هو بمنزلته.
وأما كون ما بعد ذلك لا يُلحق به؛ فلأن الزيادة حينئذٍ هبةٌ، يشترط لها شروط الهبة، والنقصان إبراء.
فلا يثبت شيء منهما في حق الشفيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 81
ولأن 132 ذلك وجد بعد استقرار العقد.
فلم يثبت في حق الشفيع، كما لو وهب أحدهما الآخر 133 عيناً أخرى.
قال: (وإن كان مؤجلاً أخذه الشفيع بالأجل إن 134 كان ملياً، وإلا أقام كفيلاً ملياً وأخذ به).
أما كون الشفيع يأخذ المشفوع المبيع بثمنٍ مؤجلٍ بالأجل؛ فلأن الشفيع يستحق الأخذ بقدر الثمن وصفته، والتأجيل من صفته.
وأما قول المصنف رحمه الله: إن كان ملياً وإلا أقام كفيلاً ملياً؛ فتنبيهٌ على اشتراط الملاءة أو إقامة الشفيع كفيلاً ملياً في استحقاق الشفعة؛ لأنه لو أخذ بدون ذلك لتضرر المشتري، والضرر لا يزال بالضرر.
قال: (وإن كان الثمن عرضاً أعطاه مثله إن كان ذا مثل، وإلا قيمته).
أما كون الشفيع يعطي المثل إذا كان الثمن 135 مِثْلِياًّ، كالحنطة والشعير ونحو ذلك؛ فلأنه أقرب إلى مساواة ما دفعه.
ولهذا يجب المثل في الإتلاف، والقرض، ونحو ذلك.
وأما كونه يعطى القيمة إذا كان عرضاً لا مثل له، كالثياب والحيوان، فلتعذر المثل.
ولأن 136 ذلك بدله في الإتلاف.
وفي كلام المصنف رحمه الله تنبيهٌ على أن كون الثمن غير مثلي لا يمنع استحقاق الشفعة.
وصرح به في المغني؛ لأنه أحد نوعي الثمن.
فجاز أن تثبت به الشفعة، كالمثلي.
الجزء: 3 - الصفحة: 82
قال: (وإن اختلفا في قدر الثمن فالقول قول المشتري.
إلا أن يكون للشفيع بينة).
أما كون القول قول المشتري فيما ذُكر إذا لم تكن للشفيع بينة؛ فلأن الملك له، فلا ينزع من يده بقول المدعي.
ولأنه العاقد فهو أعرفُ بالثمن.
وأما كونه لا يقبل قوله إذا كان للشفيع بينة؛ فلأنها تكذّبه.
قال: (وإن قال المشتري: اشتريته بألف، وأقام البائع بينة أنه باعه بألفين: فللشفيع أخذه بألف.
فإن قال المشتري: غلطتُ.
فهل يُقبل قوله مع يمينه؟ على وجهين).
أما كون الشفيع يأخذ المشفوع بألفٍ إذا قال المشتري: اشتريته بذلك، وأقام البائع بينة بألفين؛ فلأن المشتري يقر بأن البينة كاذبة، وأنه ظلم في الألف الآخر.
فلم يستحق الرجوع به.
وأما كون المشتري إذا قال: غلطتُ لا يقبل قوله مع يمينه على وجهٍ؛ فلأنه رجع عن إقراره بعد تعلق حق غيره.
وأما كونه يُقبل على وجهٍ؛ فلأنه لو أخبر في المرابحة بثمنٍ، ثم قال: غلطتُ قُبِل.
فكذا هذا.
قال: (وإن ادعى أنك اشتريته بألف، فقال: بل اتهبته أو ورثته: فالقول قوله مع يمينه.
فإن نكل عنها، أو قامت للشفيع بينة: فله أخذه، ويقال للمشتري: إما أن تقبل الثمن، وإما أن تبرئ منه).
أما كون القول قول مدعي الهبة والميراث مع يمينه؛ فلأن الأصل معه.
ولأن المثبت للشفعة البيع، ولم يتحقق.
وأما كونه يحلف، فلاحتمال صدق خصمه.
وأما كون الشفيع له الأخذ إذا نكل المشتري عن اليمين؛ فلأن النكول قائمٌ مقام الإقرار.
ولو أقرّ بالبيع لأخذ بالشفعة.
فكذلك 137 ما قام مقامه.
الجزء: 3 - الصفحة: 83
وأما كونه له الأخذ إذا قامت له بينة؛ فلأن البيع يثبت بحقوقه.
والأخذ بالشفعة من حقوقه.
وأما كونه يقال للمشتري بعد أخذ المشفوع منه: إما أن تقبل الثمن، وإما أن تبرئ منه؛ فلأن الثمن صار مستحقاً له.
فيقال له ذلك لتحصل براءة الشفيع.
قال: (وإن كان عوضاً في الخلع، أو النكاح، أو عن دم عمد فقال القاضي: يأخذه بقيمته.
وقال غيره: يأخذه بالدية، ومهر المثل).
أما كون الشفيع يأخذ ما ذكر بقيمته على قول القاضي؛ فلأنه مَلَك الشِّقْص القابل للشفعة ببدلٍ، ليس بمثلي.
فوجب الرجوع إلى القيمة، كما لو ملكه بسلعة لا مثل لها.
وأما كونه يأخذه بالدية ومهر المثل على قول غيره؛ فلأن ذلك بدل المشفوع.
فوجب أن يؤخذ به، كالثمن.
واعلم أن الاختلاف في صفة الأخذ يعتمد الأخذ بالشفعة في الصور 138 المذكورة.
وفيه وجهان:
أحدهما: لا شفعة فيها.
قال المصنف رحمه الله في المغني: ظاهر كلام الخرقي أنه لا شفعة فيه، وهو قول أبي بكر.
ثم قال: قال 139 القاضي: هو قياس المذهب؛ لأن ما يقابل المبيع ليس بمال.
ولأن الأخذ: إما بالقيمة وهو ممتنع؛ لأنه ليس بعوض للمبيع، وإما بالمهر وفيه تقويم البضع على الأجانب وإضرار بالشفيع؛ لأن مهر المثل يتفاوت مع المسمى؛ لأن المهر يُسامح به في العادة.
بخلاف البيع.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أن القاضي يثبت استحقاق الشفعة، وما ذكر في المغني يناقضه!
الجزء: 3 - الصفحة: 84
قيل: قول القاضي هنا في صفة الأخذ لا في أصله.
ويجب حمل كلامه هنا على ذلك دفعاً للتناقض، وقد صرح بذلك في المغني فقال: وقال ابن حامد: تجب فيه الشفعة.
ثم قال: قال القاضي: قياس قول ابن حامد يأخذ الشقص بقيمته.
والوجه الثاني: فيه الشفعة؛ لأنه عقد معاوضةٍ.
فجاز أن تثبت الشفعة في الأرض المملوكة به، كالبيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 85
فصل [مسائل من الشفعة]
قال المصنف رحمه الله: (ولا شفعة في بيع الخيار قبل انقضائه.
نص عليه.
ويحتمل أن يجب).
أما كونه لا شفعة في بيع الخيار قبل انقضائه على المنصوص؛ فلأن في الأخذ التزام المشتري بالعقد 140 قبل رضاه بالتزامه، وإيجاب العهدة عليه، وتفويت 141 حقه من الرجوع في عين الثمن.
وأما كونه يحتمل أن يجب؛ فلأن الملك انتقل إلى المشتري.
فوجب أن تجب الشفعة لشريكه؛ لإزالة ضرر الشركة.
قال: (وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري فهل تجب الشفعة؟ على وجهين).
أما كون الشفعة فيما ذُكر تجب على وجهٍ؛ فلأن البائع أقرّ بحقين: حقٌ للمشتري، وحقٌ للشفيع.
فإذا سقط حق المشتري بإنكاره لم يسقط حق الشفيع، كما لو أقرّ بدارٍ لرجلين، فأنكر أحدهما.
وأما كونها لا تجب على وجهٍ؛ فلأن الشفعة فرعُ البيع، فإذا لم يثبت البيع لم يثبت فرعُه.
قال المصنف في المغني: نصر الشريف أبو جعفر في مسائله يعني الأول.
وقال: لا نصّ فيه عن أحمد.
قال: (وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع).
الجزء: 3 - الصفحة: 86
أما كون عهدة الشفيع على المشتري.
ومعناها 142: أن الشفيع إذا أخذ الشقص فوجده مستحقاً، فعهدة الرجوع بالثمن على المشتري لا على البائع؛ فلأن الشفيع يملكه من جهة المشتري.
فوجب أن يرجع عليه؛ لكونه بائعه.
ولأن الشفعة مستحقة بعد الشراء وحصول الملك للمشتري، ثم يزول الملك من المشتري إلى الشفيع بالثمن.
فكانت العهدة عليه، كما لو أخذه منه ببيع.
وأما كون عهدة المشتري على البائع.
ومعناها: أنه إذا رجع عليه يرجع هو على البائع؛ فلأن ملكه من جهته.
فكان له الرجوع عليه؛ لما ذكر في الشفيع مع المشتري.
قال: (فإن أبى المشتري قبض المبيع أجبره الحاكم عليه.
وقال أبو الخطاب: قياس المذهب أن يأخذه الشفيع من يد البائع).
أما كون الحاكم يجبر المشتري على قبض المبيع؛ فلأن القبض واجب ليحصل حق الشفيع من تسليمه.
ومن شأن الحاكم: أن يجبر الممتنع على فعل ما يجب فعله؛ لما فيه من قطع التنازع.
وأما كون الشفيع يأخذ المشفوع من يد البائع على قول أبي الخطاب؛ فلأن البيع يلزم من غير قبض.
قال: (وإذا ورث اثنان شقصاً عن أبيهما، فباع أحدهما نصيبه: فالشفعة بين أخيه وشريك أبيه.
ولا شفعة لكافر على مسلم).
أما كون الشفعة بين الوارث 143 وشريك أبيه؛ فلأنهما شريكان حال ثبوت الشفعة.
فكان بينهما، كما لو ملكا كلاهما 144 بسببٍ واحد.
ولأن الشفعة تثبت لدفع ضرر 145 الشريك الداخل على شركائه بسبب شركته وهو موجود هاهنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 87
وأما كون الكافر لا شفعة له على مسلمٍ؛ فلما روى الدارقطني في العلل بإسناده عن أنس أن 146 النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا شُفعة لنصراني» 147.
ولأنه معنى يُملك به، يترتب وجوبه على وجود ملكٍ مخصوصٍ.
فلم تجب للذمي على المسلم، كالزكاة.
ولأنه معنى يختص العقار، فلا يثبت لذمي على مسلم؛ كالاستعلاء في البنيان.
وفي قول المصنف رحمه الله: ولا شُفعة لكافرٍ على مسلمٍ؛ إشعارٌ بأن للذمي على الذمي شُفعة.
وصرح به في المغني؛ لعموم الأدلة المقتضية لثبوت الشفعة، وزوال المعنى المذكور في المسلم.
قال: (وهل تجب الشفعة للمضارب على رب المال، أو لرب المال على المضارب فيما يشتريه للمضاربة؟ على وجهين).
أما كون الشفعة تجب للمضارب -والمراد بذلك: أن المضارب إذا كان له شقص في دارٍ، فاشترى بمال المضاربة بقيتها- على وجهٍ؛ فلأن في ذلك دفعاً لضرر الشركة.
وأما كونها لا تجب على وجهٍ؛ فلأن له في مال المضاربة تعلقٌ 148 في الجملة.
أشبه رب المال.
وقال المصنف في المغني: إن لم يكن له في مال المضاربة ربحٌ فله الشفعة.
وإن كان فيها 149 ربحٌ، وقلنا: لا يملكه بالظهور فكذلك.
وإن قلنا: يملكه بالظهور ففيه وجهان، كما في رب المال.
وقال صاحب النهاية فيها بعد أن حكى قريباً مما ذُكر: وعندي أنه لا شُفعة للعامل فيما اشتراه، كالوكيل والوصي.
الجزء: 3 - الصفحة: 88
وأما كون الشفعة تجب لرب المال على المضارب -والمراد بذلك: أن يكون له شقصٌ في دارٍ فيشتري المضارب من مال المضاربة بقيتها- على وجهٍ؛ فلأن مال المضاربة كالمنفرد بنفسه لتعلق حق الغير به.
ولأن المضارب يستحق البيع، ورب المال يثبت الملك لنفسه بالشفعة ليقطع حق العامل من ذلك، وصار ذلك بمنزلة ما إذا كان المشتري شريكاً، فإن الشفعة بينه وبين شريكه، وهذه شفعة في الحقيقة لم تجلب ملكاً وإنما أثبتته وقررته.
فكذلك هاهنا.
وأما كونها لا تجب له على وجهٍ؛ فلأن الملك وقع له.
فلا يستحق الشفعة على نفسه.
وقال المصنف في المغني: هذان الوجهان مبنيان على شراء رب المال من مال المضاربة.
وقال صاحب النهاية فيها بعد أن ذكر التعليل المذكور قبل: هذا تكلّف.
والصحيح نفي الشفعة.
والشقص كسائر أموال القراض.
والله أعلم 150.
الجزء: 3 - الصفحة: 89
باب الوديعة
والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: 58]، وقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: 283].
وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنكَ، ولا تَخُنْ منْ خَانَكْ» 151. رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث حسن.
وأما الإجماع فأجمع المسملون في الجملة على جواز الإيداع والاستيداع.
وأما المعنى؛ فلأن بالناس حاجة إليها؛ لأنهم يتعذر عليهم حفظ جميع أموالهم بأنفسهم.
قال المصنف رحمه الله: (وهي أمانة.
لا ضمان عليه فيها.
إلا أن يتعدى).
أما كون الوديعة أمانة؛ فلأن الله تعالى سماها أمانة.
وأما كون المودَع لا ضمان عليه فيها إذا لم يتعد؛ فلأن الضمان ينافي الأمانة، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «منْ أَودعَ وَديعةً فلا ضَمانَ عليه» 152 رواه ابن ماجة.
ولأنه قول جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر وعلي رضي الله عنهما.
ولأن المستودَع إنما يحفظها لصاحبها، فلو ضُمِنَت لامتنع الناس من قبول الودائع وذلك مضر؛ لما فيه من مسيس الحاجة إليها.
وأما كونه عليه الضمان إذا تعدى؛ فلأن التعدي يوجب الضمان حيث وجد، وقد وجد هنا.
قال: (وإن تلفت من بين ماله لم يضمن في أصح الروايتين).
أما كون المودَع لا يضمن ما ذُكر على الصحيح من المذهب؛ فلما ذكر قبل.
الجزء: 3 - الصفحة: 90
وأما كونه يضمن على روايةٍ، فلما روي «أن أنساً كانت عنده وديعة فذهبت.
فرفع الأمر إلى عمر.
فقال: هل ذهب معها شيء؟ قال: لا.
فقال: اغرمها» 153.
قال المصنف في المغني: قال القاضي: الأولى أصح؛ لما ذكر قبل.
وحديث عمر محمولٌ على التفريط.
قال: (ويلزم حفظها في حرز مثلها.
فإن عيّن صاحبها حرزاً، فجعلها في دونه: ضمن.
وإن أحرزها بمثله، أو فوقه: لم يضمن.
وقيل: يضمن إلا أن يفعله لحاجة).
أما كون المودَع يلزمه حفظ الوديعة في حرز مثلها؛ فلأن الله تعالى أمر بأدائها، ولا يمكن 154 ذلك إلا بالحفظ.
ولأن فائدة الوديعة الحفظ وحرز المثل معتبرٌ في مواضع.
فكذلك هاهنا.
وأما كونه يضمن إذا عيّن صاحبها حرزاً، فجعلها المودَع في دونه؛ فلأنه خالفه في حفظ ماله.
وأما كونه لا يضمن إذا أحرزها بمثل الحرز أو فوقه على المذهب؛ فلأن تنصيصه على الحرز يقتضي الحفظ فيه، وفيما يقوم مقامه، كمن اكترى أرضاً لزرع الحنطة فإن له زرعها بها وبما هو مثلها في الضرر.
وأما كونه يضمن إذا فعل ذلك لغير حاجةٍ في وجهٍ، فلأنه خالف المالك.
وأما كونه لا يضمن إذا فعل ذلك لحاجة، مثل: أن يخاف عليها سيلاً، أو حريقاً، أو نحو ذلك؛ فلأنه حينئذ لا يُعد مفرّطاً، بل يُعدُّ تَرْك ذلك تفريطاً.
قال: (وإن نهاه عن إخراجها فأخرجها لغشيانِ شيء الغالب منه التوى: لم يضمن.
وإن تركها فتلفت ضمن.
وإن أخرجها لغير خوف ضمن).
أما كون المودَع لا يضمن فيما إذا أخرج الوديعة لغشيان شيء الغالب منه التوى.
وهو التلف؛ فلما تقدم من أن المخرج لذلك لا يُعد مفرّطاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 91
وأما كونه يضمن فيما إذا تركها فتلفت؛ فلأن تارك الإخراج مع غشيان ما ذكر يُعد مفرّطاً.
ولأن 155 الحال لما تغيرت كان حفظها نقلها.
فإذا تركها فقد ضيعها.
وذكر المصنف في المغني وجهاً آخر: لا ضمان عليه؛ لأنه ممتثل لقول صاحبها.
وأما كونه يضمن فيما إذا أخرجها لغير خوف؛ فلأنه خالف المالك ونهيه لغير مصلحة.
قال: (وإن قال: لا تخرجها وإن خفت عليها.
فأخرجها عند الخوف، أو تركها: لم يضمن).
أما كون المودَع لا يضمن إذا أخرجها عند الخوف؛ فلما ذكر من أن حفظها نقلها.
وأما كونه لا يضمن إذا تركها؛ فلأنه تركها بإذنه الصريح.
بخلاف التي قبلها.
قال: (ولو أودعه بهيمةً، فلم يَعْلفها حتى ماتت: ضمن.
إلا أن ينهاه المالك عن علفها).
أما كون المودَع يضمن مع عدم النهي؛ فلأن العلف من كمال الحفظ، بل هو الحفظ بعينه؛ لأن العرف يقتضي أن من أودع بهيمة فإن الاعتماد عليه في علفها.
فصار مأموراً بالعلف من حيث العرف.
وأما كونه لا يضمن مع النهي عن العلف؛ فلأن المالك قد أذن له في السبب المهلك.
أشبه ما لو أذن له في قتل عبده.
قال: (وإن 156 قال: اترك الوديعة في جيبك.
فتركها في كُمّه: ضمن.
وإن قال: اتركها في كمّك.
فتركها في جيبه: لم يضمن.
وإن تركها في يده احتمل وجهين).
أما كون المودَع يضمن فيما إذا قال: اترك الوديعة في جيبك.
فتركها في كمّه؛ فلأن الجيب أحرز وأبعد 157 من البَطِّ.
الجزء: 3 - الصفحة: 92
وأما كونه لا يضمن إذا قال: اتركها في كمّك فتركها في جيبه؛ فلما تقدم من أن الجيب أحرز من الكُمّ.
وأما كونه يضمن إذا تركها في يده على وجهٍ؛ فلأن اليد يتطرق إليها الفتح بالنسيان والنوم.
وأما كونه لا يضمن على وجهٍ؛ فلأن اليد أحرز؛ لأن الكُمّ يتطرّق إليه البط.
قال: (وإن دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله، كزوجته، وعبده: لم يضمن.
وإن دفعها إلى أجنبي، أو حاكم: ضمن.
وليس للمالك مطالبة الأجنبي.
وقال القاضي: له ذلك).
أما كون المودَع لا يضمن فيما إذا دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله، كزوجته وعبده؛ فلأنه مستودَع.
فله أن يحفظ الوديعة بنفسه، وبمن جرت العادة أن يحفظ ماله.
وأما كونه يضمن 158 فيما إذا دفعها إلى أجنبي أو حاكم؛ فلأنه مودَع.
فليس له أن يُودع من غير عذر.
وأما كون المالك ليس له مطالبة الأجنبي -والمراد به عند التلف- على قولِ غير القاضي؛ فلأن المودَع ضمن بنفس الدفع والإعراض عن الحفظ.
فلا يجب الضمان على الثاني؛ لأن دفعاً واحداً لا يوجب ضمانين.
بخلاف غاصب الغاصب؛ لأن الغاصب يده ضامنة فرُتِّب الضمان على الضمان.
وأما كونه له ذلك على قول القاضي؛ فلأنه قَبَضَ ما ليس له قبضه.
أشبه المستودع 159 من الغاصب.
قال: (وإن أراد سفراً، أو خاف عليها عنده: ردّها إلى مالكها.
فإن لم يجده حملها معه إن كان أحفظ لها، وإلا دفعها إلى الحاكم.
فإن تعذر ذلك أودعها
الجزء: 3 - الصفحة: 93
ثقة أو دفنها وأعلم بها ثقة يسكن تلك الدار.
وإن دفنها ولم يعلم بها أحداً، أو أعلم بها من لا يسكن الدار: ضمنها).
أما كون المودَع يردّ الوديعة على مالكها إذا أراد سفراً أو خاف عليها؛ فلأن في ذلك تخليصاً له من دركها.
وأما كونه يحملها معه إذا لم يجده، وكان أحفظ لها؛ فلأن المقصود الحفظ، وهو موجود هنا وزيادة.
وأما كونه يدفعها إلى الحاكم إذا لم يكن حملها معه أحفظ لها 160؛ فلأن في السفر بها غرراً؛ لأن ذلك بعرضيّة النهب وغيره.
وأما كونه يودعها ثقة عند تعذر ما تقدم؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده ودائع فلما هاجر تركها عند أم أيمن».
وأما كونه يدفنها 161 بالشروط المتقدم ذكرها؛ فلأن الحفظ يحصل به.
وأما كونه يضمن إذا دفنها ولم يُعلم بها أحداً؛ فلأنه قد يموت في سفره، وربما نسي مكانها، أو أصابه آفة من غرقٍ أو هدمٍ أو نحوهما.
وأما كونه يضمن إذا أعلم بها من لا يَسكن الدار؛ فلأنه لم يُودعها إياه.
والحكم فيما 162 إذا أعلم بها ساكناً في تلك الدار وهو غير ثقة كالحكم فيما ذكر؛ لأن غير الثقة ربما خان فيها.
ولم يصرح به المصنف رحمه الله اكتفاء بمفهوم قوله: وأعلم بها ثقة.
قال: (وإن تعدى فيها فركب الدابة لغير نفعها، ولبس الثوب، وأخرج الدراهم لينفقها ثم ردّها، أو جحدها ثم أقر بها، أو كسر ختم كيسها، أو خلطها بما لا تتميز منه: ضمنها.
وإن خلطها بمتميز، أو ركب الدابة ليسقيها: لم يضمن).
أما كون المودع يضمن إذا تعدى؛ فلما تقدم أول الباب 163.
ولأن المتعدي شبيهٌ بالغاصب.
فوجب أن يضمن بالقياس عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 94
وأما قول المصنف رحمه الله: فركب الدابة؛ فتمثيل للتعدي، وذلك يحصل بأشياء:
- منها: ركوب الدابة، ولبس الثوب؛ لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه.
وقيَّد الركوب بعدم نفع الدابة احترازاً من ركوبها لنفعها.
وسيأتي بيانه. - ومنها: إخراج الدراهم من وعائها لينفقها؛ لأنه تصرف أيضاً في مال المالك بغير إذنه.
- ومنها: جحود الوديعة؛ لأنه خرج به عن حيز الأمانة، لأن الجحود ضدها.
- ومنها: كسر ختمها؛ لأنه يزيل عنها أحد أسباب حفظها، وهو مأمور بتحصيله 164.
- ومنها: خلطها بما لا تتميز منه؛ لأنه يتعذر بذلك ردّها بعينها إلى صاحبها، وهو مأمور به.
وأما كونه لا يضمن إذا خلطها بمتميز كسُودٍ وضعها في بِيض، ومُقَطَّعَةٍ في صحاحٍ؛ فلأن ذلك ليس بخيانةٍ 165. أشبه ما لو وضع فوق الوديعة ثوباً، أو مع الدراهم دنانير.
وأما كونه لا يضمن إذا ركب الدابة ليسقيها؛ فلأن ذلك لنفعها.
بل لو ترك سقيها حتى ماتت ضمنها.
قال: (وإن أخذ درهماً، ثم رده.
فضاع الكل: ضمنه وحده.
وعنه: يضمن الجميع.
وإن رد بدله متميزاً فكذلك.
وإن كان غير متميز ضمن الجميع.
ويحتمل أن لا يضمن غيره).
أما كون المودَع يضمن الدرهم وحده إذا أخذه ثم رده ثم ضاع الكل على المذهب؛ فلأن الضمان تعلق بالأخذ فلم يضمن غيرَ ما أخذه.
وأما كونه يضمن الجميع على روايةٍ؛ فلأنه جنى على الوديعة بأخذ بعضها.
فصارت مضمونة، كجملتها.
وشرط هذا الخلاف: أن تكون الدراهم غير
الجزء: 3 - الصفحة: 95
مصرورة ولا مختومة، فلو كانت مختومة أو مصرورة في خرقة أو شبهها فكسرَ الختم أو فتحَ الصرّة ضمن الكل بلا خلاف؛ لأنه هتك الحرز بفعل تعدَّى به.
وأما كون حكم ما ردّ بدله متميزاً كحكم الدرهم؛ فلما ذكر.
وأما كونه يضمن الجميع إذا ردّ غير متميزٍ على المذهب؛ فلأنه خلط الوديعة بماله.
أشبه ما تقدم.
وأما كونه يحتمل أن لا يضمن غيره؛ فلأن التعدي في الحقيقة إنما وقع فيه.
أشبه ما لو ردّه بعينه.
قال: (وإن أودعه صبيٌّ وديعةً ضمنها.
ولم يبرأ إلا بالتسليم إلى وليّه).
أما كون المودَع يضمن ما أودعه الصبي؛ فلأن القبض ممن لا إذن له.
أشبه القبض من المجنون.
وأما كونه لا يبرأ إلا بالتسليم إلى وليّه؛ فلأن الوديعة صارت مضمونة في يده.
فلم يبرأ إلا بما ذكر، كما لو كان له دين في ذمته.
قال: (وإن أودع الصبيَّ وديعةً.
فتلفت بتفريطه: لم يضمن.
وإن أتلفها لم يضمن.
وقال القاضي: يضمن).
أما كون الصبي لا يضمن الوديعة إذا تلفت بتفريطه؛ فلأن مالك الوديعة فرّط في تسليمها إليه.
وأما كونه لا يضمنها إذا أتلفها 166 على قولِ غير القاضي؛ فلما ذكر قبل.
وأما كونه يضمنها على قول القاضي؛ فلأن ما ضُمن بالإتلاف قبل الإيداع ضُمن به بعده.
والصبي لو أتلف شيئاً من غير الوديعة ضمن.
فكذلك يضمن الوديعة إذا أتلفها.
قال: (وإن أودع عبداً وديعة.
فأتلفها: ضمنها في رقبته).
أما كون العبد يضمن الوديعة إذا أتلفها؛ فلأن العبد مكلف يصح استحفاظه، وبهذا يحصل الفرق بينه وبين الصبي.
الجزء: 3 - الصفحة: 96
وقال صاحب النهاية فيها: قال القاضي: فيه وجهان كوديعة الصبي.
ثم قال: والصحيح الفرق، وذَكَر ما تقدم.
وأما كون الضمان في رقبته؛ فلأن إتلافه من جنايته، ولو جنى كان الضمان في رقبته.
فكذلك إذا أتلف 167.
الجزء: 3 - الصفحة: 97
فصل [المودَع أمين]
قال المصنف رحمه الله: (والمودع أمين.
والقول قوله فيما يدعيه من رَدٍّ، وتلفٍ، وإذنٍ في دفعها إلى إنسان، وما يدعى عليه من جنايةٍ وتفريط).
أما كون المودع أميناً؛ فلأن الله تعالى سمى الوديعة أمانة بقوله: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: 58]، وقوله: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: 283].
وقال عليه السلام: «أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنك» 168.
ولأنه لا منفعة له في قبضها.
وأما كون القول قوله فيما ذكر؛ فلأن ذلك شأن الأمين.
قال: (فإن قال: لم تودعني، ثم أقر بها، أو ثبتت ببينة فادعى الرد أو التلف: لم يُقبل وإن أقام به بينة.
ويحتمل أن تقبل بينته.
وإن قال: ما لك عندي شيء قبل قوله في الرد والتلف).
أما كون المودَع المذكور لا يقبل قوله إذا ادعى الرد والتلف بعد قوله: لم تودعني؛ فلأنه خرج بالإنكار عن الأمانة.
وأما كونه لا تقبل بينته بذلك على المذهب؛ فلأنه مكذبٌ لها.
وأما كونه يحتمل أن تقبل فلعدم 169 التهمة.
والكذبُ الصادر منه لا يمنع من إظهار الحق، كالمرأة إذا ادعت القذف على زوجها فأنكر.
فأقامت البينة بقذفه.
فأراد الزوج إقامة البينة على زناها.
الجزء: 3 - الصفحة: 98
وأما كونه يقبل قوله في الرد والتلف إذا قال: ما لك عندي شيء؛ فلأن قوله أولاً لا يناقض قوله ثانياً؛ لأن من أخذ وديعة فتلفت أو ردّها يصح أن يقول: ما لك عندي شيء، لأنه صادق.
قال: (وإن مات المودَع فادعى وارثُه الردَّ: لم يُقبل إلا ببينة.
وإن تلفت عنده قبل إمكان ردّها لم يضمنها، وبعده يضمنها في أحد الوجهين).
أما كون وارث المودَع لا تُقبل دعواه في الرد إذا لم تكن بينة؛ فلأن دعوى الرد من المودَع إنما تقبل لكونه أمين المودِع، وهذا مفقود في وارثه؛ لأن المالك لم يأتمنه 170.
وأما كونه تقبل دعواه إذا كان له بينة؛ فلأن البينة تُظهر صدق دعواه.
وأما كونه لا يضمنها إذا تلفت عنده قبل إمكان ردها؛ فلأنه معذورٌ.
قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: 286].
وأما كونه يضمنها بعد الإمكان في وجهٍ، فلأن مال الغير صار في يده من غير أن يودعه إياه.
فوجب ضمانه إذا لم يردّه مع إمكانه، كما لو أطارت الريح ثوب رجلٍ إلى سطحٍ آخر، وأمكنه ردّه.
فلم يفعل.
وأما كونه لا يضمنها في وجهٍ؛ فكما لو تلفت قبل 171 الإمكان.
ولأن يده نائبةٌ عن موروثه، ولو تلفت عند موروثه مع إمكان الرد لم يضمن.
فكذلك هذا.
قال: (وإن ادعى الوديعة اثنان.
فأقرّ بها لأحدهما: فهي له مع يمينه.
ويحلف المودَع أيضاً.
وإن أقر بها لهما فهي لهما، ويحلف لكل واحدٍ منهما.
فإن قال: لا أعرف صاحبها حلف أنه لا يعلم، ويقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها).
أما كون الوديعة للمُقَرِّ له وحده؛ فلأن إقراره له بيّن أن يده نائبة عن يد المدعي.
واليدُ دليل الملك.
الجزء: 3 - الصفحة: 99
وأما كون ذلك مع يمينه؛ فلاحتمال أن لا تكون له.
ولهذا لو ادعى شخص داراً في يد آخر وطلب يمينه لزمته.
فكذلك هاهنا.
وأما كون المودَع يحلف أيضاً؛ فلأن من لزمه الدفع إذا أقرّ، لزمه اليمين إذا أنكر.
وأما كونها لهما إذا أقرّ بها لهما، وكونه يحلف لكل واحدٍ منهما؛ فلما ذكر قبل.
وأما كونه يحلف أنه لا يعلم إذا قال: لا أعرف صاحبها؛ فلأنه يحتمل كذبه.
ولأن كل موضعٍ يُقضى فيه مع الإقرار تجب اليمين فيه مع الإنكار، وهاهنا لو أقرّ بها لهما أو لأحدهما قضي عليه.
وفي قول المصنف رحمه الله: حلف أنه لا يعلم؛ إشعارٌ بأن اليمين واحدة لا ثنتان نظراً إلى تعدد المدعي.
وصرح به في المغني.
ووجهه أن المدعى أمر واحد وهو العلم بعين المالك وبهذا فارق ما إذا أنكرهما من حيث إن كل واحدٍ منهما يدعي أنها له فهما دعوتان.
وأما كونه يقرع بينهما؛ فلأنهما تساويا في الحق فيما ليس بأيديهما.
فوجب أن يقرع بينهما، كالعبدين إذا أعتقهما المريض فلم يخرج من الثلث إلا أحدهما، وكما لو أراد السفر بإحدى نسائه.
وأما كون من قرع يحلف؛ فلأنه يحتمل أنها ليست له.
وأما كونه يأخذ الوديعة إذا قرع 172 وحلف؛ فلأن ذلك فائدةَ القرعة.
قال: (وإن أودعه اثنان مكيلاً أو موزوناً 173. فطلب أحدهما نصيبه: سلمه إليه).
أما كون المودَع يُسَلم نصيب الطالب إليه؛ فلأنه حق مشترك.
يمكن تمييز أحدهما من الآخر من غير حيف محقق ولا موهوم فغيبة أحد الشريكين لا يمنع تمييز نصيب الحاضر.
دليله الدين المشترك.
فإن قيل: في الدين يدفع مال نفسه، وهاهنا يأخذ عين مال غيره.
قيل: بل هنا يأخذ عين ماله؛ لأن القسمة في المثلي إقرار لا بيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 100
وأما قول المصنف رحمه الله: مكيلاً أو موزوناً؛ فإشعارٌ بأن ذلك إنما يجوز في المثلي.
وصرح به صاحب النهاية فيها؛ لأن قسمة غير ذلك بيعٌ، وليس للمودَع أن يبيع على المودِع.
ولأن قسمة ذلك لا يؤمن فيها الحيف؛ لأنه يفتقر إلى التقويم وذلك ظنٌ وتخمين.
قال: (وإن غصبت الوديعة فهل للمودَع المطالبة بها؟ على وجهين).
أما كون المودَع ليس له مطالبة الغاصب بالوديعة على وجهٍ؛ فلأنه ليس وكيلاً للمالك.
وأما كونه له مطالبته بها على وجهٍ؛ فلأن له حق اليد والحفظ.
أشبه المستأجر والمرتهن.
وهذا قول أبي الخطاب.
الجزء: 3 - الصفحة: 101
باب إحياء المَوَات
والأصل في ذلك ما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منْ أحيَا أرضاً ميتةً فهيَ لهُ.
وليسَ لعرقِ ظالمٍ حَق» 174. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وعن عائشة مثله 175. رواه أبو داود.
قال ابن عبدالبر 176: هو مسند صحيح مُتلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: الأرض الداثِرة، التي لا يُعلم أنها ملكت.
فإن كان فيها آثار الملك 177، ولا يُعلم لها مالك: فعلى روايتين).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي الأرض الداثرة التي لا يعلم أنها ملكت؛ فبيانٌ لمعنى الموات شرعاً.
ويسمى مَواتاً ومِيتَةً ومَوَتاناً بفتح الميم والواو.
والمُوْتان بضم الميم وسكون الواو: الموت الذريع.
ولا بد أن يُلحظ في قوله: التي لا يعلم أنها ملكت: أن يكون الملك لمسلمٍ أو مقرٍّ بالجزية، ولهذا روى كثير بن عبدالله بن عوف عن أبيه عن جده قال 178: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحيَا أرضاً مَواتاً في غيرِ حقِّ مسلمٍ فهيَ له» 179. رواه ابن عبدالبر.
الجزء: 3 - الصفحة: 102
وأما كون الأرض الداثرة التي كان فيها آثار المُلك، ولا يعلم لها مالك على روايتين؛ فلأن النظر إلى كونها داثرة يقتضي أن تكون مَواتاً.
والنظر إلى كونها فيها آثار المُلك يقتضي أن لا تكون مَواتاً.
فإن قيل: ما فائدة الخلاف في ذلك؟
قيل: جواز الإحياء وعدمه.
ويعضد الجواز عموم قوله: «من أحيا أرضاً ميتةً فهيَ له» 180. ويعضد العدم أنها أرض لها مالك، فلم يجز إحياؤها، كما لو كان معلوماً.
وعموم الحديث مخصوص بذلك.
قال: (ومن أحيا أرضاً ميتة فهي له، مسلماً كان أو كافراً، بإذن الإمام أو غير إذنه، في دار الإسلام وغيرها.
إلا ما أحياه مسلم من أرض الكفار التي صولحوا عليها.
وما قَرُب من العامر وتعلق بمصالحه لم تملك بالإحياء.
وإن لم يتعلق بمصالحه فعلى روايتين).
أما كون من أحيا أرضاً ميتة هي للمحيي؛ فلما تقدم من الأحاديث.
وأما كونها له بذلك مسلماً كان أو كافراً، بإذن الإمام أو غير إذنه، في دار الإسلام وغيرها غير ما استثني؛ فلأن العموم المتقدم يشمل ذلك كله.
ولأن الموجب للملك الإحياء، وهو موجود في كل الصور.
ولأن التمليك لا يختلف فيه المسلم والذمي.
دليله: البيع وسائر العقود.
وقال ابن حامد: لا يملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مُوتان الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم» 181.
وجوابه: أن هذا لا يعرف صحته.
وإنما روى أبو عبيد: «عادِي الأرض لله ورسوله ثم هي لكم» 182 وهو مرسل رواه طاووس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم لا يمتنع أن أن يريد بقوله: «هي لكم» أي لأهل دار الإسلام، والذمي من أهل الدار.
الجزء: 3 - الصفحة: 103
وأما كون المسلم لا يملك بالإحياء ما أحياه من أرض الكفار التي صولحوا عليها؛ فلأنهم صولحوا على بلادهم فلم يُتَعَرّض لمواتهم؛ لأن الموات تابع للبلد.
وأما كونه لا يُملك بالإحياء ما قرب من العامر، وتعلق بمصالحه من طريقٍ، ومسيلِ ماءٍ، ومطرحِ عمارةٍ، وملقى ترابٍ؛ فلقوله عليه السلام: «من أحيا أرضاً ميتةً في غيرِ حق مسلمٍ فهيَ له» 183.
ولأنه تعلق به حق الأرض.
أشبه ما حصل فيه الإحياء.
وأما كونه يملك بالإحياء ما قرب من العامر ولم يتعلق بمصالحه على روايةٍ فلعموم الأدلة المقتضية لذلك.
وأما كونه لا يملك ذلك بالإحياء على روايةٍ؛ فلأنه قريبٌ من العامر، وقد يحتاج إليه في المآل.
أشبه ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه.
والأولى أولى، لما ذكر.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القَبَلِيَّة» 184. وهو يعلم أنها بين عمارة المدينة.
ولأنه موات لم يتعلق به مصلحة العامر.
فجاز إحياؤه، كالبعيد.
قال: (ولا تملك المعادن الظاهرة، كالملح، والقار، والنفط، والكحل، والجص بالإحياء.
وليس للإمام إقطاعه.
فإن كان بقرب الساحل موضعٌ إذا حصل فيه الماء صار ملحاً مُلك بالإحياء، وللإمام إقطاعه).
أما كون المعادن الظاهرة 185 لا تملك بالإحياء؛ فلأن في ذلك ضرراً على المسلمين لكونه من المصالح العامة.
وأما كون الإمام ليس له إقطاع ذلك؛ فلما ذكر قبل.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع رجلاً معدن الملح.
فلما قيل له: إنه بمنزلة الماء العدّ: ردّه» 186. كذا قال الإمام أحمد، ورواه أبو عبيد في الأموال.
الجزء: 3 - الصفحة: 104
ولأنه لا يجوز إقطاع مشارع الماءِ وطرق المسلمين.
فكذلك هذا.
وأما كون الموضع الذي إذا حصل فيه الماء صار ملحاً يملك بالإحياء، وكونه يجوز إقطاعه؛ فلأنه لم يضيق على أحدٍ.
فملك بالإحياء وجاز إقطاعه، كبقية الموات.
قال: (وإذا مَلك المحيا ملكه بما فيه من المعادن الباطنة، كمعادن الذهب والفضة.
وإن ظهر فيه عين ماء أو معدن جارٍ أو كلأ أو شجر فهو أحق به.
وهل يملكه؟ على روايتين).
أما كون المعادن الباطنة تملك بملك المحيا؛ فلأنها من جملة أجزائه.
فملكت بملكه، كغيره.
وأما كون المحيي أحق بما ظهر في المحيا من عين ماءٍ 187 أو معدِنٍ جارٍ أو كلأٍ أو شجر؛ فلأنه لو سبق إلى شيء من المباح الذي لا يَملك أرضه كان أحقَّ به، لقوله عليه السلام: «منْ سبقَ إلى ما لم يسبقْ إليه مسلمٌ فهوَ له» 188. رواه أبو داود.
وفي لفظ: «فهو أحق به» 189؛ فلأن يكون أحق بالمباح الذي في ملكه بطريق الأولى.
وأما كونه يملكه على روايةٍ؛ فلأنه متصلٌ بأرضه.
فَمَلَكه، كالمعادن الباطنة.
ولأنه نماء ملكه.
فملكه، كشعر غنمه.
وأما كونه لا يملكه على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ: الماء والكَلأ والنار» 190 رواه ابن ماجة والخلال.
وقال عليه السلام 191: «لا حمى إلا في الأراك» 192.
الجزء: 3 - الصفحة: 105
قال: (وما فضل من مائه لزمه بذله لبهائم غيره.
وهل يلزمه بذله لزرع غيره؟ على روايتين).
أما كون ما فضل من ماء الشخص 193 يلزمه بذله لبهائم غيره؛ فلما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «منْ منعَ فضلَ الماءِ وفضلَ الكلأِ منعهُ اللهُ فضلَ رحمتهِ [يومَ القيامة] (2») 195.
وأما كونه لا يلزمه بذل ذلك لزرع غيره على المذهب؛ فلأن الزرع لا حرمة له.
وأما كونه يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلما روى إياس بن عبد 196 «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهَى عن بيعِ فضلِ الماء» 197. رواه أبو داود والنسائي والترمذي.
وقال: حديث صحيح.194
الجزء: 3 - الصفحة: 106
فصل [فيما يحصل به الإحياء]
قال المصنف رحمه الله: (وإحياء الأرض أن يحوزها بحائطٍ، أو يجري لها ماء.
وإن حفر بئراً عادِيَة ملك حريمها خمسين ذراعاً.
وإن لم تكن عادية فحريمها خمسة وعشرون ذراعاً.
وعند القاضي: حريمها قدر مد رشائها من كل جانب.
وقيل: قدر ما يحتاج إليه في ترقية مائها.
وقيل: إحياء الأرض ما عُدَّ إحياء.
وهو: عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها من زرع أو بناء.
وقيل: ما يتكرر كل عام، كالسقي والحرث فليس بإحياء، وما لا يتكرر فهو إحياء).
أما كون إحياء الأرض أن يحوزها بحائطٍ، أو يجري لها ماءً على المذهب: أما الأول، فلما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «منْ حَاطَ حَائِطاً على أرضٍ فهيَ له» 198. رواه أبو داود.
ولأن الحائط حاجز منيع.
فكان إحياء، كبناء الأرض داراً.
وأما الثاني؛ فلأن نفع الأرض بالماء أكثر من إحيائها بحائط.
وأما كون حافر البئر العادِيَة يملك حريمها خمسين ذراعاً، وكون حريمها إذا لم تكن عادِيَة خمسة وعشرين ذراعاً على المذهب؛ فلما روى سعيد بن المسيب أنه قال: «السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعاً، والبدئ 199 خمسة وعشرون ذراعاً» 200. رواه أبو عبيد في الأموال.
الجزء: 3 - الصفحة: 107
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه رواه الخلال والدارقطني 201.
وأما كون حريم البئر قدر مد رشائها من كل جانب عند القاضي؛ فلأن ذلك ثبت لدفع الضرر.
فَقُدِّر بمد الرِّشاء من كل جانب؛ لأن الحاجة تندفع به دون غيره.
وأما كون إحياء الأرض ما عد إحياء على قولٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الإحياء ولم يبين صفته.
فوجب أن يحمل على العرف، كالحِرْز والقبض.
وأما قول المصنف: وهو عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها من زرعٍ أو بناءٍ؛ فبيان لما يُعد إحياء في العرف.
فعلى هذا إذا أرادها للزرع كفاه تحويطُها بترابٍ أو غيره مما تتميز به عن غيرها، وبسوق الماء إليها من نهرٍ أو بئر.
وإن أرادها لحظيرةٍ كفاه تحويطها بحائط جرت به عادة مثلها.
وإن أرادها داراً كفاه التحويط مع التسقيف بما جرت به العادة.
وأما كون ما يتكرر كل عام كالسقي والحرث ليس بإحياء، وكون ما لا يتكرر إحياءً على قولٍ؛ فلأن ما يتكرر لا إشعار فيه بالإحياء.
بخلاف ما لا يتكرر.
قال: (ومن تحجّر مَوَاتاً لم يملكه.
وهو أحق به ووارثه بعده ومن ينقله إليه.
وليس له بيعه.
وقيل: له ذلك.
فإن لم يُتم إحياءه قيل له: إما أن تحييه أو تتركه.
فإن طلب الإمهال أُمْهِل الشهرين والثلاثة.
فإن أحياه غيره فهل يملكه؟ على وجهين).
أما كون من تحجر مَوَاتاً لا يملكه؛ فلأن سبب الملك الإحياء، ولم يوجد.
وأما كونه أحق به؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سبقَ إلى ما لا يَسْبقْ إليه مسلمٌ فهوَ له» 202 رواه أبو داود.
وفي لفظ: «فهوَ أحقُّ به» 203.
الجزء: 3 - الصفحة: 108
وأما كون وارثه أحق به بعده؛ فلقوله عليه السلام: «منْ تَرَكَ حقاً فلِوَرثتِه» 204.
وأما كون من ينقله إليه أحق به؛ فلأنه بمنزلته.
وأما كونه ليس له بيعه على المذهب؛ فلأنه لم يملكه.
فلم يكن له بيعه، كحق الشفعة.
وأما كونه له ذلك على قولٍ؛ فلأنه صار أحق به.
وأما كونه يقال لمن لم يُتم الإحياء: إما أن تحييه أو تتركه؛ فلأن في تركه على حاله تضييقاً على المسلمين في حقٍّ مشترك، . فلم يمكن 205 منه، كالوقوف في طريق ضيق.
وأما كون طالب الإمهال يمهل الشهرين والثلاثة؛ فلأنه ربما أخّره لعذرٍ والظاهر زواله في مثل تلك المدة.
وأما كون غيره يملكه إذا أحياه على وجهٍ؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضاً ميتةً ملكَها» 206.
ولأن الإحياء يُملك به وفاقاً.
فقدم على التحجر المختلف في ثبوت الملك به.
وأما كونه لا يملكه على وجهٍ؛ فلأن مفهوم قوله عليه السلام: «منْ سبقَ إلى ما لم يَسبقْ إليه مسلم» 207 يدل عليه.
ولأن المتحجر أسبق.
فكان أولى، كحق الشفيع مع المشتري.
الجزء: 3 - الصفحة: 109
فصل [في الإقطاع]
قال المصنف رحمه الله: (وللإمام إقطاع مَوَات لمن يحييه.
ولا يملكه بالإقطاع بل يصير كالمتحجر الشارع في الإحياء).
أما كون الإمام له إقطاع مَوَات لمن يحييه؛ فلما روى وائل بن حجر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضاً فأرسل إلى معاوية أن أعطه إياه أو أعلمها إياه» 208. حديث صحيح.
و«أقطع بلالَ بن الحارث المزني» 209، و «أبيضَ بنَ حمّال المازني» 210، و «الزبيرَ حُضْرَ فَرَسِه» 211 رواه أبو داود.
وأقطع أبو بكر وعمر وعثمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم 212.
وأما كون من أقطع له ذلك لا يملكه بالإقطاع؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعَ بلال بن الحارثِ العقيق.
فاسترجعَ منه عمرُ ما عجزَ عن إحيائِه» 213. ولو ملكه لم يجز استرجاعه.
وأما كونه يصير كالمتحجّر الشارعِ في الإحياء؛ فلأنه ترجح بالإقطاع على غيره.
فوجب أن يصير كمن ذكر؛ لاشتراكهما في الترجح على الغير.
الجزء: 3 - الصفحة: 110
قال: (وله إقطاع الجلوس في الطرق الواسعة، ورحاب المساجد ما لم يضيّق على الناس.
ولا يُملك ذلك بالإحياء.
ويكون المُقْطَعٌ أحق بالجلوس فيها.
فإن لم يقطعها فلمن سبق الجلوس فيها.
ويكون أحق بها ما لم ينقل قُماشه 214 عنها.
فإن أطال الجلوس فيها فهل يزال؟ على وجهين).
أما كون الإمام له إقطاع ما ذُكر ما لم يضيّق على الناس؛ فلأن ذلك يباح الجلوس فيه، والانتفاع به.
فجاز للإمام إقطاعه، كالأرض الميتة.
وقول المصنف رحمه الله: ما لم يضيق على الناس؛ مشعرٌ بأنه ليس له ذلك إذا ضيّق على الناس.
وهو صحيح؛ لأن فيه مضرةٌ على الناس.
وليس للإمام أن يأذن فيما لا مصلحة فيه.
فضلاً عمّا فيه مضرة.
وأما كون المقطع لا يملك ذلك بالإحياء؛ فلما ذُكر في إقطاع الأرض.
وأما كون من سبق له 215 الجلوس إذا لم يقطعها الإمام؛ فلاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار 216 على إقرار الناس على ذلك من غير إنكار.
ولأنه ارتفاق بمباحٍ من غير إضرارٍ فلم يمنع منه كالإحياء.
وأما كونه أحق بها من غيره ما لم ينقل قُماشَه عنها؛ فلأنه سبق إلى شيء مباح.
أشبه من سبق إلى ماءٍ أو كلأٍ.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مِنَى مُناخُ منْ سَبَق» 217.
وقول المصنف رحمه الله: ما لم ينقل قُماشَه عنها؛ مشعرٌ بأنه إذا نقل قُماشه عنها كان للغير الجلوس فيها.
وصرح به في المغني؛ لأن صاحب القُماش زالت يده برفع قُماشه.
بخلاف ما لو أقام ولم يرفع قُماشه فإنه لا يكون للغير الجلوس فيها؛ لأن الأول لم تزل يده.
وأما كون قُماشه يُزال إذا أطال الجلوس فيها على وجهٍ؛ فلأنه يصير كالمتملك، وتملكه لا يجوز.
الجزء: 3 - الصفحة: 111
وأما كونه لا يزال على وجهٍ؛ فلأنه قد سبقت يده.
فلم يمنع من الاستدامة، كالابتداء.
قال: (فإن سبق اثنان أُقرع بينهما.
وقيل: يقدم الإمامُ من يرى منهما).
أما كون من ذكر يقرع بينهما على الأول؛ فلأنهما استويا في السبق، والقرعة مميزة في كثيرٍ من المواضع.
فليكن هاهنا كذلك.
وأما كونه يقدم الإمام من يرى منهما على الثاني؛ فلأنه أعلم بالمصلحة في ذلك.
قال: (ومن سبق إلى معدِنٍ فهو أحق بما ينال منه، وهل يمنع إذا طال 218 مقامه؟ على وجهين).
أما كون من سبق إلى معدنٍ أحق بما ينال منه؛ فلقوله عليه السلام: «منْ سبقَ إلى ما لم يسبقْ إليه أحد فهو أحق به» 219.
[وأما كونه يمنع إذا طال مقامه ففيه وجهان وجههما ما تقدم في الجلوس في الطريق.
قال: (ومن سبق إلى مباح، كصيدٍ، وعنبرٍ، وحطبٍ، وثمرٍ، وما ينبذه الناس رغبة عنه: فهو أحق به.
وإن سبق إليه اثنان قسم بينهما).
أما كون من سبق إلى شيء مما ذكر أحق به من غيره؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام: «من سبقَ إلى ما لم يسبقْ إليه أحد فهو أحقُ به] (3») 221.
وأما كون المسبوق إليه يقسم بين الاثنين إذا سبقا 222 إليه؛ فلأنهما استويا في السبب، والقسمة ممكنة.
بخلاف ما إذا سبقا إلى مكان ضيّق يقصدان الجلوس فيه.220
الجزء: 3 - الصفحة: 112
قال: (وإذا كان الماء في نهر غير مملوك، كمياه الأمطار: فلمن في أعلاه أن يسقي ويحبس الماء حتى يصل إلى كعبه.
ثم يرسل إلى من يليه.
فإن أراد إنسان إحياء أرض بسقيها منه جاز ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه).
أما كون الأعلى له السقي وحبس 223 الماء حتى يبلغ الكعب، فلما روى عبادة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى من شربَ من نهرٍ من مسيلٍ أن الأعلى يسقي قبل الأسفل» 224. رواه ابن ماجة بمعناه.
وعن عبدالله بن بكر بن حزم أنه بلغه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سيل مَهْزُورٍ ومُذَيْنِبٍ: يُمْسكُ حتى الكعبينِ ثم يُرسلُ الأعلى على الأسْفل» 225. رواه مالك في موطئه.
قال ابن عبد البر: هذا حديث مدني مشهور عند أهل المدينة معمولٌ به عندهم.
قال عبدالملك بن حبيب: مهزورٍ ومذينبٍ واديان من أودية المدينة يسيلان من المطر، ويتنافس أهل الحوائط في سيلهما.
وأما كون من أراد إحياء أرض بسقيها من ذلك يجوز ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه؛ فلأنه مباحٌ لا ضرر على غيره.
فجاز له ذلك، كما لو سبق.
وقول المصنف رحمه الله: ما لم يضر ... إلى آخره؛ مشعرٌ بأنه إذا كان ذلك يضر بأهل الأرض المذكورة لا يجوز وهو صحيح؛ لقوله عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار (4») 227. [رواه ابن ماجة والدارقطني] 228.226
الجزء: 3 - الصفحة: 113
قال: (وللإمام أن يحمي أرضاً من الموات ترعى فيها دواب المسلمين التي يقوم بحفظها ما لم يضيّق على الناس وليس ذلك لغيره).
أما كون الإمام له أن يحمي ما ذكر؛ فلما روي أن عمر قال: «حمى النبي صلى الله عليه وسلم النقيع لخيل المسلمين» 229. رواه أبو عبيد.
والإمام قائم مقامه.
ولأن عمر وعثمان فعلا الحمى، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر فكان كالإجماع.
ولأن في ذلك مصلحة فجاز للإمام فعلها كسائر المصالح، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أَطعمَ الله لنبي طُعمةً إلا جَعلهَا لمن بَعدَه» 230.
وقول المصنف رحمه الله: ما لم يضيّق على الناس؛ مشعرٌ بأنه إذا كان يضيق على الناس ليس للإمام ذلك.
وهو صحيح؛ لأن الجاهلية كانوا يحمون لأنفسهم، ويرعون مع العامة فيما سواه.
فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لما فيه من التضييق على الناس فقال: «لا حِمَى إلاّ للهِ ولِرَسُولِه» 231 رواه أبو داود.
وأما كون غير الإمام ليس له ذلك؛ فلأن الإمام إنما جاز له ذلك لما تقدم ذكره وذلك مفقود في غيره.
قال: (وما حماه النبي صلى الله عليه وسلم فليس لأحدٍ نقضه.
وما حماه غيره من الأئمةِ فهل يجوز نقضه؟ على وجهين).
أما كون ما حماه النبي صلى الله عليه وسلم ليس لأحدٍ نقضه؛ فلأن حماه حكمٌ منه، وحكمه نص.
فلم يجز نقضه بالاجتهاد، كسائر أحكامه صلى الله عليه وسلم 232.
الجزء: 3 - الصفحة: 114
وأما كون ما حماه غير النبي صلى الله عليه وسلم من الأئمة هل يجوز نقضه؟ فيه وجهان؛ فلأن المعنى المذكور قبل يقتضي النقض، ولأن لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد يقتضي عدمه.
قال المصنف في الكافي: والأول أولى، لأن الاجتهاد كان في تلك المدة دون غيرها، ولهذا ملك الحامي لها تغييرها.
الجزء: 3 - الصفحة: 115
باب الجُعالة
والأصل فيها قوله تعالى: ﴿ولِمَنْ جاء به حِمْلُ بعير وأنا به زَعِيم﴾ [يوسف: 72].
وروى أبو سعيد الخدري «أنّ ناساً من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا حَياًّ من أحياءِ العربِ فلم يَقرُوهم.
فبينما هم كذلك إذْ لُدغَ سيدُ أولئك.
فقال: هل فيكمْ من رَاقٍ؟ فقالوا: لم تَقرُونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جُعلاً.
فجعلوا لهم قطيع شياهٍ.
فجعل رجلٌ يقرأ بأمِ الكتابِ ويجمعُ بُزاقَهُ ويتفُل فبَرأَ الرجل فأتوا بالشاءِ، فقالوا: لا نأخذها حتى نسألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فسألوا عنها النبي 233 صلى الله عليه وسلم.
فقال: وما أدراكَ أنها رقيةٌ.
خذوها واضربوا لي معكمْ بِسهَم» 234 متفق عليه.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها فجازت كالإجارة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي أن يقول: من ردّ عبدي 235 أو لقطتي، أو بنى لي هذا الحائط فله كذا: فمن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقه.
وإن فعله جماعة فهو بينهم.
ومن فعله قبل ذلك لم يستحقه سواء ردّه قبل بلوغ الجعل أو بعده).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي أن يقول: من رد عبدي أو لقطتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا؛ فبيان لمعنى الجُعالة.
وأما كون من فعل ذلك بعد بلوغه الجعل يستحقه؛ فلأن العقد استقر بتمام العمل.
فاستحق الجعل، كالربح في المضاربة.
وأما كون الجعل بين الجماعة الفاعلين لذلك؛ فلأن ذلك مستحق بالعمل، وهو مشترك بين الجماعة.
فكذلك ما يستحق به.
الجزء: 3 - الصفحة: 116
وأما كون من فعل ذلك قبل بلوغه الجعل لا يستحقه؛ فلأن فعله وقع غير مأذون فيه.
فلم يستحق الجعل، كما لو لم يبلغه.
ولأن الجعل عوض عن مجموع فعله وردّه، وقد وجد الفعل قبل الجعل.
ولأنه بذل منافعه بغير عوضٍ جُعِلَ له.
فيكون عاملاً في مال غيره بغير إذنه.
فلم يستحق شيئاً؛ لما يذكر في موضعه.
وأما كونه لا يستحقه سواء رده قبل بلوغ الجعل أو بعده؛ فلما تقدم من أن الجعل بدل عن الفعل والرد، والفعل فائت في الرد قبل البلوغ كما هو فائت في الرد بعده.
قال: (وتصح على مدةٍ مجهولةٍ وعملٍ مجهولٍ إذا كان العوضُ معلوماً).
أما كون الجُعالة تصح على مدة مجهولة، وعملٍ مجهول إذا كان العوض معلوماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولِمَنْ جاء به حِمْلُ بعير﴾ [يوسف: 72]، ولم يذكر المدة ولا العمل.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
فجاز مع الجهالة، كالمضاربة.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا كان العوض معلوماً؛ فمشعرٌ بأنه لا تصح الجُعالة إذا كان العوض مجهولاً وهو صحيح؛ لأنه يجب تسليم العوض، وذلك متعذرٌ في المجهول.
قال: (وهي عقد جائز لكل واحدٍ منهما فسخها.
فمتى فسخها العامل لم يستحق شيئاً.
وإن فسخها الجاعل بعد الشروع فعليه للعامل أجرة عمله.
وإن اختلفا في أصل الجعل أو قدره فالقول قول الجاعل).
أما كون الجعالة عقداً جائزاً؛ فلأنها عقدٌ يجوز على مجهولٍ.
فكانت جائزةً، كالمضاربة.
وأما كون كل واحدٍ من الجاعل، والمجعول له: له فسخها؛ فلأن ذلك شأن كل عقدٍ جائز.
وأما كون العامل لا يستحق شيئاً إذا فسخ الجعالة؛ فلأنه إنما يستحق الجعل بعد الفراغ من عمله، ولم يحصل.
الجزء: 3 - الصفحة: 117
وأما كون الجاعل عليه أجرة عمل العامل إذا فسخها بعد الشروع؛ فلأنه إنما عمل بعوضٍ، ولم يسلم له بسببٍ من جهة غيره.
فوجب على الجاعل أجرة عمله، كما لو فسخ المضاربة بعد الشروع في العمل.
وأما كون القول قول الجاعل إذا اختلفا في أصل الجعل أو قدره؛ فلأنه منكرٌ والأصل يعضده.
قال: (ومن عمل لغيره عملاً بغير جُعْل فلا شيء له.
إلا في ردّ الآبق فإن له في الشرع ديناراً أو اثني عشر درهماً.
وعنه: إن ردّه من خارج المصرِ فله أربعون درهماً).
أما كون من عمل لغيره عملاً بغير جُعْل في غير ردّ الآبق لا شيء له؛ فلأنه بذل نفعه من غير جُعل.
أشبه ما لو نوى التبرع به.
وأما كونه له في ردّ الآبق شيء بالشرع، فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في الآبقِ إذا جاء به خارجاً من الحرم ديناراً» 236.
ولأنه قول علي وعمر وابن عمر وابن مسعود، ولم يعرف لهم مخالفٌ.
فكان إجماعاً.
وعن أحمد: لا شيء لمن ردّه؛ لأنه عمل في ملك غيره عملاً بغير إذنه.
فلم يستحق شيئاً، كما لو ردّ جمله.
والأول أصح، لما تقدم ذكره.
ولأن في استحقاق الجعل في ردّ الآبق من غير شرط حثاً على ردّه، وصيانة له عن الرجوع إلى دار الحرب، وارتداده عن دينه.
فيجب أن يكون مشروعاً لهذه المصلحة.
وبهذا فارق الجمل الشارد فإنه لا يفضي إلى ذلك.
فعلى هذه إن ردّه من داخل المصرِ فله دينار أو اثني عشر درهماً: أما الأول؛ فلأنه يروى عن ابن مسعود.
وأما الثاني؛ فلأن الدينار مقدر في الشرع بذلك في كثير من المواضع.
فليكن كذلك هاهنا.
وإن ردّه من خارج المصر ففيه روايتان:
الجزء: 3 - الصفحة: 118
إحداهما: أنه له ديناراً أو اثني عشر درهماً: أما الأول، فلما تقدم من الحديث.
وأما الثاني 237؛ فلأنها بدل عنه لما تقدم.
وثانيهما: أن له أربعين درهماً؛ لما روى أبو عمرو الشيباني قال: «قلت لعبدالله بن مسعود: إني أصبتُ عبيداً أباقاً فقال: لكَ أجرٌ وغنيمة.
فقلتُ: هذا الأجر فما الغنيمة؟ فقال: من كل رأسٍ أربعينَ درهماً» 238.
وقال أبو إسحاق: «أُعْطيتُ الجعل في زمن عمر أربعين درهماً».
وهذا يدل على أنه مستفيض بين أهل العصر الأول.
واختار هذه الرواية الخلال، وقال: حديث عبدالله بن مسعود أصح إسناداً.
قال: (ويأخذ منه 239 ما أنفق عليه في قوته وإن هرب منه في طريقه، فإن مات السيد استحق ذلك في تركته).
أما كون الرّاد يأخذ ما أنفقه على الآبق في قوته؛ فلأنه مأذون له في الإنفاق من جهة الشرع لحرمة النفس.
وبهذا فارق من قضى دين غيره بغير إذنه حيث وقع فيه خلاف.
بخلاف الآبق.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإن هرب منه 240 في طريقه؛ ففيه تنبيهٌ على أن الهرب لا يسقط النفقة؛ لأنها وقعت مأذوناً فيها شرعاً وقد وُجدت فاستحق الرجوع بها، كما لو أذن مالكه في الإنفاق عليه ثم هرب.
وفيه إشعارٌ بأن الجعل لا يُستحق إلا 241 بالرد سواء كان ذلك متاعاً وجده ثم ضاع، أو عبداً وجده ثم هرب لكونه ذكر ذلك في النفقة دون الجعل.
وصرح بذلك في المغني.
وعلل عدم الاستحقاق في العبد: بأن الجعل مرتبٌ على الرد؛ لأن القائل يقول: من ردّ عبدي.
ثم قال: فإن قيل: أليس الجعل في اللقطة معلقاً على مجرد الوجدان، كقوله: من وجد لقطتي فله دينار؟
الجزء: 3 - الصفحة: 119
[قيل: قرينة الحال تدل على اشتراط الرّد، إذ المقصود الرّد لا نفس الوجدان] 242. وإنما اكتفى بذكر الوجدان؛ لأنه سبب الرّد.
وأما كون الرّاد يستحق ما تقدم ذكره في تركة السيد إذا مات؛ فلأن ذلك وجب له.
فكان له في تركة السيد، كسائر الحقوق الثابتة عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 120
باب اللقطة
قال الخليل: اللُّقطة بفتح القاف: اسم للملتقِط، كالضُّحَكةِ، والهُزَأَةِ، والهُمَزةِ، واللمزةِ، وبالسكون: اسم للمال الملقوط كالضُّحْكةِ الذي يُضحك منه، والهُزْأة الذي يُهزَأ به.
وقال 243 الأصمعي وابن الأعرابي والفراء: هي بفتح القاف اسم للمال أيضاً.
والأصل فيها ما روى زيد بن خالد الجهني قال: «سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق.
فقال: اعرف وِكَاءَهَا وعِفَاصَهَا ثم عَرِّفْهَا سنة.
فإن لم تعرف فاسْتَنْفِقْهَا.
ولتكن وَدِيعةً عندك.
فإذا جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه.
وسُئل عن ضالة الإبل فقال: مالكَ ولها دعها فإن معها حِذاءَهَا وسِقَاءَهَا تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشجرَ حتى يجدها ربُّها.
وسُئل عن الشاة فقال: خذها.
فإنما هيَ لكَ أو لأخيكَ أو للذئب» 244. متفق عليه.
الوكاء: الخيط الذي يشد به المال.
والعفاص: الوعاء الذي فيه المال.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: المال الضائع من ربه.
وتنقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا تتبعه الهمّة، كالسَّوط، والشِّسْع، والرغيف: فيملك بأخذه بلا تعريف).
أما قوله رحمه الله: وهي المال الضائع من ربه؛ فبيان لمعنى اللقطة شرعاً.
وأما كونها تنقسم ثلاثة أقسام؛ فلأن منها: ما يملك بلا تعريف، ومنها: ما لا يملك البتة، ومنها: ما يملك بالتعريف.
وسيأتي بيان ذلك مفصلاً في مواضعه 245.
الجزء: 3 - الصفحة: 121
وأما كون ما لا تتبعه الهمة كالذي مثله المصنف رحمه الله يُملك بأخذه بلا تعريف، فلما روى جابر قال: «رخصَ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في العصا، والسوطِ، والحبلِ، وأشباههِ يلتقطُه الرجلَ ينتفعُ به» 246. رواه أبو داود.
وروي عنه عليه السلام: «أنهُ أصابَ تمرةٍ.
فقال: لولا أني أخشَى أن تكونَ صدقةً لأكلتُها» 247 متفق عليه 248.
و«أصاب رجل تمرة.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لو لمْ تأتِها لأتتْك».
ولم ينكر عليه أكلها.
وأما قوله رحمه الله: كالسَّوْط والشِّسْع والرغيف؛ فبيان لصور من صور ما لا تتبعه الهمّة، وتُملك بغير تعريف.
قال: (الثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السباع، كالإبل، والبقر، والخيل، والبغال، والظباء، والطير، والفهود، ونحوها: فلا يجوز التقاطها.
ومن أخذها ضمنها.
فإن دفعها إلى نائب الإمام زال عنه الضمان).
أما كون الإبل لا يجوز التقاطها؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام: «دعها فإن معها حذاءها وسقاءها» 249.
وعن عمر رضي الله عنه: «من أخذَ ضالةً فهوَ ضالّ» 250.
وأما كون البقر لا يجوز التقاطها، فـ «لأن جرير بن عبدالله طردَ بقرةً لحقتْ بالبقرِ حتى توارتْ.
وقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يُؤْوِي الضالّةَ إلا ضَالّ» 251. والحجة فيه: أنه فَهِم من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم شموله للبقر.
الجزء: 3 - الصفحة: 122
ولأن البقر لها قوة تمتنع بها عن صغار السباع.
فهي كالإبل.
وأما كون باقي الصور لا يجوز التقاطها؛ فلأن فيها قوة تمتنع بها عن صغار السباع.
أشبهت الإبل.
ولم يذكر المصنف رحمه الله الحمير وهي ملحقة بذلك عند الأصحاب؛ لأن لها قوة.
أشبهت البقر.
وصرح في المغني بأنها ملحقة عنده بالشاة.
وعلل ذلك: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «معها حذاءها وسقاءها» 252. وعلل في الغنم بأنها معرضة لأخذ الذئب إياها، والحمير مساوية للغنم في علتها مفارقة للإبل في علتها؛ لأنها لا صبر لها عن الماء، وبِقِلَّةِ صبرها يضرب المثل فيقال: ما بقي من مدته إلا ظِمء حمار.
وأما كون من أخذها يضمنها؛ فلأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا إذن الشرع له.
فضمنه، كالغاصب.
وأما كونه يزول الضمان عنه إذا دفعها إلى نائب الإمام؛ فلأن للإمام نظراً في ضوال الناس.
بدليل أن له أخذها.
قال: (الثالث: سائر الأموال، كالأثمان، والمتاع، والغنم، والفصلان، والعجاجيل، والأفلاء: فمن لا يأمن نفسه عليها ليس له أخذها.
فإن فعل ضمنها ولم يملكها وإن عرّفها.
ومن أمن نفسه عليها وقوي على تعريفها فله أخذها.
والأفضل تركها.
وعند أبي الخطاب: إن وجدها بمَضْيَعَة فالأفضل أخذها).
أما كون من لا يأمن نفسه على الأشياء المذكورة ليس له أخذها؛ فلأن في أخذه لها تضييعاً لمال الغير.
فحرم، كإتلافه.
وأما كونه يضمنها إذا فعل ذلك؛ فلأنه متعدٍّ بأخذها 253. فضمنها، كالغاصب.
الجزء: 3 - الصفحة: 123
وأما كونه لا يملكها وإن عرّفها؛ فلأن السبب المحرم لا يفيد الملك.
دليله: السرقة.
والتقاط هذه محرم؛ لما تقدم.
فلا يستفاد به الملك.
وأما كون من يأمن نفسه عليها ويقوى على تعريفها له أخذها؛ فلأن الشرع أذن له في ذلك؛ لأنه قال عليه السلام مرة: «اعرف عفاصها ووكاءها» 254 وقال في الشاة: «خذها» 255.
ولأن في ذلك حفظاً لمال غيره، فإن لم يكن واجباً فلا أقل من أن يكون جائزاً.
وأما كون الأفضل ترك الالتقاط على المذهب؛ فلأن ذلك قول ابن عباس وابن عمر، ولم يعرف لهما مخالف.
فكان إجماعاً.
ولأنه يعرض نفسه لأكل الحرام، وتضييع الواجب من التعريف، وأداء الأمانة فيها.
فكان تركه أولى، كولاية مال اليتيم.
وأما كون الأفضل أخذها عند أبي الخطاب إذا وجدها بمَضْيَعَة؛ فلما فيه من الحفظ المطلوب شرعاً.
قال: (ومتى أخذها.
ثم ردّها إلى موضعها، أو فرّط فيها: ضمنها).
أما كون الآخذ يضمن إذا ردّ بعد الأخذ؛ فلأنها أمانة حصلت في يده.
فلزمه حفظها، كالوديعة، وإذا ردّها فقد ضيّعها.
وأما كونه يضمن إذا فرّط فيها؛ فلأن كل أمانةٍ تُضمن بالتفريط.
فكذلك هذه.
قال: (وهي على ثلاثة أضرب:
حيوان، فيتخيّر بين أكله وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين حفظه والإنفاق عليه من ماله.
وهل يرجع بذلك؟ على وجهين).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي على؛ فراجع إلى ما تقدم من قوله: الثالث سائر الأموال.
الجزء: 3 - الصفحة: 124
وأما كونها على ثلاثة أضرب؛ فلأن منها: حيواناً، كالشاة، ومنها: ما يخشى فساده، كالطبيخ، ومنها: ما سوى ذلك.
وأما كون الملتقط يتخيّر في الحيوان بين أكله في الحال وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين حفظه والإنفاق عليه من ماله: أما الأكل؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» 256. جعلها له في الحال ثم سوّى بينه وبين الذئب، والذئب يأكلها، فإذا أكله كان عليه قيمته؛ لأنه إذا كان عليه قيمة ما يضطر إليه إذا أكله.
فلأن يكون عليه قيمة 257 ما ذُكر بطريق الأولى.
فعلى هذا يحفظ صفته ويعرّفه عاماً فإذا جاء صاحبه غرمه له.
وأما بيعه وحفظ ثمنه؛ فلأنه إذا كان له أكله فلأن يكون له بيعه بطريق الأولى.
وأما حفظه والإنفاق عليه من ماله؛ فلأن في ذلك حفظه على صاحبه عيناً ومالاً.
وأما كونه يرجع بما أنفقه على الحيوان ناوياً للرجوع بما أنفقه على وجهٍ؛ فلأنه أنفق على اللقطة لحفظها.
فكان من مال صاحبها، كمؤونة تجفيف الرطب والعنب.
وقد روي عن عمر بن عبدالعزيز «أنه قضى فيمن وجدَ ضالةً فأنفقَ عليها وجاءَ ربُها بأنه يغرمُ له ما أنفق» 258.
وأما كونه لا يرجع على وجهٍ؛ فلأنه أنفق على مال غيره بغير إذنه فلم يرجع، كما لو بنى داره.
وفارق ذلك التجفيف من حيث: إن ذلك أحفظ.
بخلاف إبقاء الحيوان.
ولأن نفقة التجفيف لا تتكرر، ونفقة الحيوان تتكرر حتى ربما استغرقت ثمنه.
الجزء: 3 - الصفحة: 125
قال: (الثاني: ما يُخشى فساده.
فيتخيّر بين بيعه وأكله.
إلا أن يمكن تجفيفه كالعنب فيفعل ما يرى الحظ فيه لمالكه، وغرامة التجفيف منه.
وعنه: يبيع اليسير، ويرفع الكثير إلى الحاكم).
أما كون الملتقط يتخير فيما يُخشى فساده، كالطبيخ والبطيخ 259 والتمر الرطب 260 إذا كان لا يمكن تجفيفه.
بين بيعه وبين أكله على المذهب: أما البيع؛ فلأن فيه إبقاء لمالية ذلك.
وأما الأكل؛ فلأنه إذا كان له أكل ما لا يتلف بتقدير البقاء فلأن يكون له أكل ما لا يبقى بطريق الأولى.
فعلى هذا إن باعه حفظ ثمنه، وإن أكله غرم قيمته.
ولم يصرح المصنف رحمه الله بذلك؛ اكتفاء بما تقدم.
إذ هما سواء في المعنى.
وأما كونه يبيع اليسير، ويرفع الكثير إلى الحاكم على رواية؛ فلأن اليسير يتسامح به.
بخلاف الكثير.
والأول أولى، لأنه مالٌ أبيحَ له التصرف فيه بالأكل والصدقة.
فأبيح له أن يتولى بيع الكثير منه واليسير، كمال نفسه.
أو مال أبيح له بيعه عند عدم الحاكم.
فجاز عند وجوده، كمال مَوْلِيِّه.
وأما كونه يفعل ما يرى فيه الحظ لمالكه فيما يُخشى فساده ويمكن تجفيفه كالعنب والرطب ونحوهما؛ فلأن ذلك أمانة في يده، وفعل الحظ في الأمانة مُتعين.
فإن قيل: كيف جاز بيع الحيوان دون هذا؟
قيل: لأن في ترك الحيوان ضرراً وهو النفقة عليه، وخيفة موته.
بخلاف هذا.
وأما كون غرامة التجفيف منه؛ فلأنه من مصلحته.
فكان منه، كما لو كان ذلك ليتيم.
قال: (الثالث: سائر المال فيلزمه حفظه).
أما قول المصنف رحمه الله: سائر المال؛ فيشمل ما عدا ما تقدم ذكره، كالأثمان، والمتاع، وغيرهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 126
وأما كون الملتقط يلزمه حفظ ذلك؛ فلأنه أمانةٌ في يده.
فلزمه حفظه، كالوديعة.
قال: (ويعرِّف الجميع بالنداء عليه في مجامع الناس، كالأسواق، وأبواب المساجد في أوقات الصلوات حولاً كاملاً: من ضاع منه شيء أو نفقة).
أما كون الملتقِط يُعَرِّف جميع ما تقدم ذكره بالنداء عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به زيد بن خالد 261 وأبي بن كعب 262.
ولأن إيصال اللقطة إلى صاحبها مع القدرة عليه واجبٌ، ولا يتم ذلك إلا بالتعريف، وما لا يتم الواجبُ إلا به واجب.
وأما كون التعريف كما ذكره المصنف 263؛ فلأنه طريقٌ إلى إيصال الحق إلى مستحقه.
وفيه تنبيهٌ على أنه يشتمل على أربعة أضرب: مكانه، وزمانه، ومدته، وكيفيته: أما مكانه فكما ذكر المصنف من الأسواق وأبواب المساجد؛ لأن المقصود إشاعة ذكرها، وذلك طريق إليه.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه «أنهُ أمرَ واجدَ اللقطةِ بتعريفها على بابِ المسجد» 264.
وفي قوله رحمه الله: وأبواب المساجد إشعارٌ بأن التعريف لا يفعل في المسجد، وإن كان مجمَع الناس؛ لأن المسجد لم يُبْن 265 لذلك.
وقد روى أبو هريرة عن النبي
الجزء: 3 - الصفحة: 127
صلى الله عليه وسلم: «من سمعَ رجلاً ينشدُ ضالةً في المسجد فليقل: لا أدّاها الله إليكَ.
فإن المساجدَ لم تُبْنَ لهذا» 266 [رواه مسلم] 267.
وأما زمانه فكما ذكره المصنف رحمه الله من أوقات الصلوات.
والمعتبر فيه النهار دون الليل؛ لأن النهار مَجْمع الناس وتيقظهم فيه.
دون الليل.
وأما مدته فحول كامل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزيد بن خالد الجهني: «عرفها سنة» 268.
ولأن السَّنَة لا تتأخر عنها القوافل غالباً، وتمضي فيها الأوقات المشتملة على الحر والبرد والاعتدال.
فصلحت مدةً، كمدة أجل العنِّين.
وأما كيفيته، فكما ذكره المصنف قبلُ.
وقال في المغني: يَذكر جنسها.
فيقول: من ضاع منه ذهب أو فضة أو دراهم أو دنانير.
ولا يذكر الوصف، فإنه لا يؤمن أن يسمعه أحد فيعرف.
ثم يذكره.
فيأخذها.
قال: (وأجرة المنادي عليه.
وقال أبو الخطاب: ما لا يُملك بالتعريف، وما يُقصد حفظه لمالكه: يرجع بالأجرة عليه).
أما كون أجرة المنادي على المعرّف على المذهب؛ فلأنه سببٌ لتملكها.
فكانت الأجرة عليه، كما لو اكترى شخصاً يقطع له مباحاً.
وأما كون أجرة ما لا يملك بالتعريف، وما يُقصد حفظه لمالكه يرجع بها على المالك على قول أبي الخطاب؛ فلأنه من مؤونة إيصالها إليه.
فكان على مالكها، كأجرة مخزنها ورعيها 269 وتجفيفها.
ونسب المصنف رحمه الله في المغني ما لا يُملك بالتعريف إلى ابن عقيل، وما يُقصد تعريفه إلى أبي الخطاب.
الجزء: 3 - الصفحة: 128
قال: (فإن لم يُعرف دخل في ملكه بعد الحول حكماً، كالميراث.
وعند أبي الخطاب: لا يملكه حتى يختار ذلك.
وعن أحمد: لا يَملك إلا 270 الأثمان.
وهي ظاهر المذهب.
وهل له الصدقة بغيرها؟ على روايتين.
وعنه: لا تملك لقطة الحرم بحال).
أما كون ما لم يُعرف يدخل في ملك الملتقط بعد الحول حكماً، كالميراث على الأول؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بكونها له فقال في حديث زيد بن خالد: «فإن لم تعرفْ فاستنفقْها» 271.
وفي لفظ: «فهي كسبيلِ مالِك» 272.
وفي لفظ: «فانتفِعْ بها».
وفي لفظ: «فشأنكَ بها» 273.
وأما كونه لا يملك ذلك عند أبي الخطاب حتى يختار ذلك 274؛ فلأنه يملك بعوض.
فلم يحصل إلا باختيار المتملك، كالبيع.
وأما كونه لا يَملك إلا الأثمان في ظاهر المذهب؛ فلأنه يروى عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود.
ولأنها لقطة لا تُملك في الحرم.
فلا تملك في غيره، كالإبل.
ولأن الخبر ورد في الأثمان، وغيرها لا يساويها، لعدم الغرض المتعلق بعينها.
فمثلها يقوم مقامها من كل وجهٍ.
بخلاف غيرها.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله في قوله: فإن لم يعرف دخل في ملكه أن العروض تُملك كالأثمان؛ لأنه عمّم.
ثم ذكر عن أحمد رواية: أنها لا تملك.
وقد رجح الأول في المغني؛ لأنه ذكر نحواً مما تقدم.
ثم قال: ولنا عموم الأحاديث في
الجزء: 3 - الصفحة: 129
اللقطة جميعها «فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال: عرِّفهَا سنةً -ثم قال في آخره: - فانتفعْ بها أو فشأنكَ بها» 275.
وفي حديث عياض: «منْ وَجَدَ لُقطَةً» 276. وهو عام 277.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «أتى رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله! كيف ترى في متاعٍ يوجد في الطريق الميتاء، أو قرية مسكونة؟ فقال: عرّفه سنةً.
فإن جاء صاحبه، وإلا فشأنكَ به» 278 رواه الأثرم والجوزجاني.
ورويا «أن سفيانَ بن عبدالله وجد عَيْبَةً فأتى بها عمر بن الخطاب.
فقال: عرِّفهَا سنة.
فإن عُرِفَتْ وإلا فهيَ لك.
زاد الجوزجاني: فلم تُعرفْ.
فلقيَهُ بها في العام 279 المقبل فذكرها له.
فقال عمر: هيَ لكَ.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَنا بذلك» 280.
ولأن ما جاز التقاطه يمُلك 281 بالتعريف، كالأثمان.
وأما كون الملتقِط له الصدقة بالملتقَط الذي لا يُملك على روايةٍ؛ فلما روي عن ابن مسعود «أنه اشترى جاريةً.
فذهبَ صاحبها.
فجعلَ يتصدقُ بالثمنِ ويقولُ: لصاحبها.
فإن أبى قبلنَا، وعلينا الثمن.
ثم قال: هكذَا يُصنعُ باللقطة» 282.
ولأن الإنسان ينتفع بماله تارة لمعاشه، وتارة لمعاده.
فإذا تعذّر المعاشُ انصرف إلى المعاد.
الجزء: 3 - الصفحة: 130
ولا بد أن يُلحظ في هذه: الضمان إذا جاء طالبها، كالأموال التي في يده لا يعلم مالكها، وحديث ابن مسعود يدل عليه.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأنه تصرّف في مال الغير بغير إذنه.
قال المصنف في المغني: هذا قولٌ قديمٌ رَجع عنه.
وأما كون لقطة الحرم لا تملك على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مكة: لا تَحِلُ ساقطتُها إلا لمُنشد» 283 متفق عليه.
قال أبو عبيدة: المُنشِد: المعرّف، والناشد: الطالبُ.
فيكون معناه: لا تحل لقطة مكة إلا لمن يعرّفها؛ لأنها خُصّت بهذا من بين سائر البلدان.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهَى عن لُقطةِ الحاجّ» 284 رواه مسلم.
قال ابن وهب: يعني يتركها حتى يجدها صاحبها.
والأول أصح، لما تقدم من عموم الأحاديث.
ولأنه أحد الحرمين.
أشبه حرم المدينة.
ولأنها أمانة.
فلا يختلف حكمها بالحل والحرم، كالوديعة.
وقوله عليه السلام: «إلا لمنشد» 285 يحتمل أنه يريد إلا لمن عرّفها عاماً.
وتخصيصها بذلك لتأكيدها لا لتخصيصها، كقوله عليه السلام: «ضالةُ المسلمِ حَرقُ النَارِ» 286، وضالة الذمي تُقاس عليها.
ولأن في ذكر ذلك فائدة هي مفقودة في غير مكة وذلك أنه ربما تُوُهّم أنه لا فائدة في تعريف لقطةِ مكة من حيث إن الناس يتفرّقون شرقاً وغرباً.
فنص على التعريف قطعاً لذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 131
والقول بأن التعريف مطلقاً مرجوحٌ بالنسبة إلى تعريف السنة، لأن اللفظ وإن كان مطلقاً هنا فهو مقيدٌ في بقية الأحاديث.
والقول بأن المنشد: الطالب إن 287 لم يُمنع فهو مرجوحٌ بالنسبة إلى استعماله بمعنى المعرف 288.
الجزء: 3 - الصفحة: 132
فصل [في التصرف باللقطة]
قال المصنف رحمه الله: (ولا يجوز له التصرّف في اللقطة حتى يَعْرف وِعاءها، ووكاءها، وقَدْرها، وجنسها، وصفتها).
أما كون الملتقط لا يجوز له التصرف في اللقطة حتى يعرف وعاءها، ووكاءها، وقدرها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك كله فقال لزيد بن خالد: «اعرف وكاءَهَا وعِفَاصَهَا» 289، وفي حديث أبي بن كعب: «اعرف وعاءَهَا ووكاءَهَا وعدَدَهَا» 290.
وأما كونه لا يجوز له التصرف حتى يعرف جنسها وصفتها؛ فلأنه إذا تصرّف فيها انعدمت عينها.
فإذا لم يعرف جنسها وصفتها لم يبق سبيلٌ إلى معرفتها.
قال: (ويستحب ذلك عند وجدانها، والإشهاد عليها).
أما كونه يستحب معرفة ذلك عند وجدان اللقطة؛ فلأن فيه تحصيلاً للعلم بذلك.
فإذا جاء صاحبها فوصفها غلب على ظنه صدقه.
فيجوز دفعها إليه.
وأما كونه يستحب الإشهاد عليها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «منْ وجدَ لقطةً فليشهدْ ذَوَيْ عَدل» 291 رواه أبو داود [والنسائي وابن ماجة] 292.
فإن قيل: هذا أمرٌ، وظاهر الأمرِ الوجوب.
قيل: مُسَلَّم.
إلا أنه يُحمل على الاستحباب إذا دلّ عليه الدليل، وقد وُجد
الجزء: 3 - الصفحة: 133
هنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن خالد 293 وأبي بن كعب 294 بالتعريف دون الإشهاد.
فلو وجب الإشهاد لذكره 295. لا سيما وقد سُئل عن حكم اللقطة.
ولأنه أخذ على وجهِ الأمانة.
فلا يفتقرُ إلى الإشهاد، كالوديعة.
قال: (فمتى جاء طالبها.
فوصفها: لزمه دفعها إليه بنمائها المتصل.
وزيادتها المنفصلة لمالكها قبل الحول، ولواجدها بعده في أصح الوجهين).
أما كون الملتقط يلزمه دفع اللقطة إلى صاحبها الواصف لها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن جاءكَ أحد يخبرك بعددها ووعاءها ووكاءها فادفعها إليه» 296.
قال ابن المنذر: هذا الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي حديث زيد: «اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه» 297 يعني إذا ذكر صفاتها؛ لأن ذلك هو المذكور في صدر الحديث.
وأما كونه يلزمه دفع نمائها المتصل؛ فلأنه نماء ملكه.
ولأنه لا يمكن انفصاله.
ولأن ذلك يتبع في الفسوخ والعقود.
وأما كون زيادتها المنفصلة لمالكها قبل الحول؛ فلأنها نماء ملكه.
وأما كونها لواجدها بعد الحول في وجهٍ، فلأنه ملكها بانقضاء الحول.
فيكون النماء المنفصل نماء ملكه.
وأما كونها لصاحب اللُّقطة في وجهٍ؛ فبالقياس على المفلس إذا استُرجعت منه العين بعد أن زادت زيادة متميزة، وعلى الابن إذا استرجَع أبوه ما وهبه له بعد زيادته.
الجزء: 3 - الصفحة: 134
وصحح المصنف رحمه الله الأول.
ثم قال: وكذا نقول: الصحيح في الموضعين المذكورين: أن الزيادة المذكورة لا تتبع الأصل.
ثم الفرق بينهما وبين اللقطة أن الملتقط يضمن النقص.
فتكون الزيادة له ثم ليس على من ذُكر ضمان النقص.
فأمكن أن لا تضمن 298 الزيادة.
قال: (وإن تلفت، أو نقصت قبل الحول: لم يضمنها.
وإن كان بعده ضمنها).
أما كون الملتقط لا يضمن اللقطة إذا تلفت أو نقصت قبل الحول؛ فلأنها أمانة في يده.
فلم يضمن إذا لم يفرط 299 فيها، كالوديعة.
وأما كونه يضمن ذلك بعده؛ فلأنها دخلت في ملكه بانفصاله وتلفت من ماله، ولا فرق حينئذٍ بين التفريط وعدم التفريط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فاستنفقها فإذا طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه» 300، وليس المراد العين؛ لأنه أمره بإنفاقها فعلم أن المراد الضمان، وقد أوجبه 301 عليه من غير تفصيل.
قال: (وإن وصفها اثنان قسمت بينهما في أحد الوجهين، وفي الآخر: يقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها.
وإن أقام آخر بينة أنها له أخذها من الواصف.
فإن تلفت ضمنها من شاء من الواصف والدافع إليه.
إلا أن يدفعها بحكم حاكم فلا ضمان عليه.
ومتى ضمن الدافع رجع على الواصف).
أما كون اللقطة تقسم 302 بين الواصفين في وجهٍ، فلأنهما استويا في السبب الموجب للدفع.
أشبه ما لو استويا في السبب 303 الموجب للنَّقل.
وأما كونه يقرع بينهما في وجهٍ، فلأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
قال المصنف في المغني: والذي قلناه أصح -يعني القرعة-؛ لأنها أشبه بالأصول.
فيما إذا تداعيا شيئاً في يد غيرهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 135
فعلى هذا 304 من قرع صاحبه أخذها؛ لأن ذلك فائدة القرعة، ويحلف لاحتمال أنها ليست له.
وأما كون من أقام بينة أنها له يأخذها من الواصف؛ فلأن البينة أقوى من الوصف.
وأما كونه يُضَمِّنها من شاء من الواصف والدافع إليه إذا تلفت وكان الدفع بغير حكم حاكم: أما تضمين الواصف؛ فلأنه أخذ مال غيره بغير إذنه.
فتلف عنده.
وأما تضمين الدافع؛ فلأنه دفع المال إلى غير صاحبه.
أشبه ما لو دفع الوديعة إلى غير مُودعها إذا غلب على ظنه أنه مالكها.
وأما كونه لا يضمن الدافع إذا كان بحكم الحاكم؛ فلأنها أُخذت منه كرهاً.
فلا ينسب إلى تفريط.
وأما كون الدافع إذا ضَمن يرجع على الواصف؛ فلأن التلف حصل في يده.
واشترط المصنف في المغني في الرجوع على الواصف: أن لا يكون الدافع أقر له 305 بالملك بلفظه؛ لأنه إذا اعترف بذلك فقد اعترف أن الواصف هو المحق وأن صاحب البينة ظلمه.
وفي كلام المصنف هنا إشعارٌ بأن صاحب البينة إذا ضَمَّن الواصف لا يرجع الواصف على الدافع.
وصرح به في المغني؛ لأن التلف حصل في يده.
ولأن الدافع لو ضَمِن لرجع على الواصف.
فكيف يرجع الواصف عليه؟ .
الجزء: 3 - الصفحة: 136
فصل [في الملتقط]
قال المصنف رحمه الله: (ولا فرق بين كون الملتقط غنياً أو فقيراً، مسلماً أو كافراً، عدلاً أو فاسقاً يأمن نفسه عليها.
وقيل: يُضم إلى الفاسق أمينٌ في تعريفها وحفظها).
أما كونه لا فرق بين كون الملتقط غنياً أو فقيراً، مسلماً أو كافراً؛ فلعموم ما تقدم من الأدلة.
وأما كونه لا فرق بين كونه عدلاً أو فاسقاً يأمن نفسه عليها على المذهب؛ فلما ذكر.
وأما كونه يُضم إلى الفاسق أمينٌ فيما ذُكر على قولٍ؛ فلأن الفاسق لا يؤمن على مال غيره، ولا يمكن انتزاعها من يده؛ لأن له فيها حق التملك 306. ونصّ المصنف رحمه الله على التعريف؛ لأن الفاسق قد ينقص شيئاً من صفاتها أو يغيّره.
فافتقر ذلك إلى مشاركة الأمين، كالحفظ.
قال: (وإن وجدها صبي أو سفيه قام وليه بتعريفها.
فإذا عرّفها فهي لواجدها).
أما كون ولي الصبي والسفيه يقوم بتعريف اللقطة؛ فلأن واجدها ليس من أهل التعريف، وهو يقوم في ماله.
فكذلك يقوم في لقطته.
وأما كونها لواجدها إذا عرّفها وليه؛ فلأن سبب الملك الوجدان.
فاختص بمن وجد منه.
وفي قيام الولي 307 بما ذكر إشعارٌ بأنه 308 يصح التقاط الصبي والسفيه، وهو صحيح؛ لدخولهما في عموم الأخبار.
ولأن ذلك نوع كسب.
فصح منهما، كالاصطياد.
الجزء: 3 - الصفحة: 137
قال: (وإن وجدها عبد فلسيده أخذها منه وتركها معه يتولى تعريفها إذا كان عدلاً.
وإن لم يأمن العبد سيده عليها لزمه سترها عنه.
فإن أتلفها قبل الحول فهي في رقبته.
وإن أتلفها بعده فهي في ذمته).
أما كون السيد له أخذ اللقطة من عبده؛ فلأنها من كسب العبد، وأكسابُه لسيده، وللسيد انتزاع كسبه من يده.
وأما كونه له تركها في يده مع عدالته؛ فلأنها من كسبه، وله ترك كسبه في يده.
وفي كلام المصنف رحمه الله ما يُشعر بصحة التقاط العبد بغير إذن سيده.
وقد صرح به في المغني، لعموم الأخبار.
ولأن الالتقاط سببٌ يَملك به الصبي، ويصح منه.
فصح من العبد، كالاحتطاب.
ولأن من جاز له قبول الوديعة بغير إذن سيده جاز له أن يأخذ اللقطة، كالحر.
فإن قيل: اللقطة قبل الحول أمانة وولاية 309، وبعده تملكٌ، والعبد ليس من 310 أهل ذلك.
قيل: أما كونها ولاية؛ فباطل بالصبي والمجنون.
وأما كونها تملكاً؛ فصحيح.
والعبد أهلٌ له.
بدليل أنه يصح منه الاصطياد والاحتشاش وغير ذلك.
وأما كون العبد يلزمه سترها عن سيده إذا لم يأمنه عليها؛ فلأنه يلزمه حفظها، وذلك وسيلةٌ إليه.
وأما كونها في رقبته إذا أتلفها قبل الحول؛ فلأن ذلك من جنايته.
فتعلق برقبته، كسائر جناياته.
وفي كلامه إشعارٌ بأنها إذا تلفت بغير تفريطٍ لا ضمان عليه.
وصرح به في المغني؛ لأنه يصح التقاطه.
فلم يضمن إذا لم يفرّط، كالحر.
الجزء: 3 - الصفحة: 138
وأما كونها في ذمته إذا أتلفها بعده؛ فلأنه غير متعدٍ في إتلافها بعد الحول بالنسبة إلى صاحبها.
فوجب تعلقها بذمته لا برقبته.
بخلاف إتلافها قبل الحول فإنه متعدٍّ 311.
قال: (والمكاتب كالحر.
ومن بعضه حرٌّ فهي بينه وبين سيده.
إلا أن يكون بينهما مهايأة فهل تدخل في المهايأة؟ على وجهين).
أما كون المكاتب هنا كالحر؛ فلأن حكمه كالحر في سائر أكسابه.
فكذلك في هذا 312.
وأما كون اللقطة بين من بعضه حر وبين سيده إذا لم يكن بينهما مهايأة؛ فلأنها من كسبه، وكسبه بينهما فكذا هذا.
وأما كونها تدخل في المهايأة إذا كانت بينهما مهايأة.
وهي: أن يتفق السيد ومن بعضه حر على أن تكون المنافع يوماً لهذا ويوماً لهذا، أو يومين ويومين، أو يوماً ويومين 313 على الاتفاق في الملك والاختلاف على وجهٍ؛ فلأنها من كسبه.
دخلت، كسائر الأكساب.
وأما كونها لا تدخل على وجهٍ؛ فلأنها من الأكساب النادرة.
والنادر لا يُعلم وجوده.
فلا يدخل في المهايأة.
قال المصنف في المغني: وحكم سائر الأكساب النادرة من الوصية والركاز 314 والهدية ونحو ذلك حكم اللقطة.
والله أعلم بالصواب.
الجزء: 3 - الصفحة: 139
باب اللقيط
اللَّقيط: فعيل بمعنى مفعول، كقولهم: قتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح.
والالتقاط واجب، لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: 2].
ولأن فيه إحياءَ النفس.
فكان واجباً، كما لو اضطر إلى طعامه.
وهذا الوجوب على الكفاية إذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين؛ لأن الغرض يحصل بذلك.
قال المصنف رحمه الله: (وهو الطفل المنبوذ.
وهو حرٌ يُنفق عليه من بيت المال إن لم يكن معه ما يُنفق عليه).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو الطفل المنبوذ؛ فبيان لمعنى اللقيط.
والمنبوذ: الذي نُبذ.
أي: طُرح.
وأما كون اللقيط حراً.
فقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حرٌّ.
ولأن الأصل في الآدمي الحرية؛ لأن الله خلق آدم وبنيه أحراراً.
وإنما يحصل الرق بعارضٍ.
فإذا لم يُعلم ذلك العارض بقي على حكم الأصل.
وأما كونه يُنفق عليه من بيت المال إن لم يكن معه ما يُنفق عليه؛ فلأن ميراثه مصروف إليه.
فكانت نفقته فيه، كالوارث.
وروي عن عمر رضي الله عنه: «أنه قال في اللقيط: علينا نفقته» 315 وفي رواية: «من بيت المال» 316.
الجزء: 3 - الصفحة: 140
قال: (ويُحكم بإسلامه.
إلا أن يوجد في بلد الكفار ولا مسلم فيه فيكون كافراً.
فإن كان فيه مسلم فعلى وجهين).
أما كون اللقيط يحكم بإسلامه إذا وجد في بلاد الإسلام، كالبصرة، والكوفة، ودمشق، ومصر، وما أشبه ذلك.
وإن كان فيها أهل الذمة؛ فلظاهر الدار.
ولأن الإسلام يَعلو ولا يُعلى.
وأما كونه كافراً إذا وجد في بلاد الكفار، كبلاد الهند، والروم، وما أشبهها إذا لم يكن فيها مسلم كتاجرٍ ونحوه؛ فلأنه لم يوجد فيها مسلمٌ يمكن إلصاق اللقيط إليه.
ولأن الحكم للدار وهي دار كُفر.
وأما كونه يحكم بإسلامه إذا كان فيها مسلم على وجهٍ؛ فتغليب للإسلام.
وأما كونه يحكم بكفره على وجهٍ؛ فتغليب للدار.
وكل موضع حكم بإسلام اللقيط فهو بطريق الظهور لا بطريق اليقين.
بدليل أنه لو أقام كافرٌ بينة أنه ابنه وُلد على فراشه حُكم له به.
قال: (وما وجد معه من فراش تحته، أو ثياب، أو مال في جيبه، أو تحت فراشه، أو حيوان مشدود بثيابه: فهو له.
وإن كان مدفوناً تحته، أو مطروحاً قريباً منه: فعلى وجهين).
أما كون ما وجد مع اللقيط من فراش تحته، أو ثياب عليه، أو مال في جيبه، أو تحت فراشه، أو حيوان مشدود بثيابه: له؛ فلأن الطفل يملك، وله يد صحيحة.
بدليل أنه يرث، ويصح أن يشتري له وليه ويبيع له.
ومن له ملك صحيح فله يدٌ صحيحة، كالبالغ.
وأما كون المدفون تحته، والمطروح قريباً منه: له على وجهٍ؛ فبالقياس على المتصل به.
ولأن ذلك يُحكم به للبائع.
فكذلك الطفل.
ألا! ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه حوله، ويحكم له باليد، وكذلك الجمّال يَترك جمله قريباً منه.
الجزء: 3 - الصفحة: 141
وأما كونه لا يكون له على وجهٍ؛ فلأنه منفصلٌ عنه.
فلا يكون له، كما لو كان بعيداً.
وقال المصنف في المغني: قال ابن عقيل يعني في المدفون: إن كان الحفر 317 طرياً فهو له، وإلا فليس له.
وهو صحيح؛ لأنه إذا كان طرياً غلب على الظن أن الذي ألقاه دفنه لكونه ملك المنبوذ.
بخلاف العكس.
قال: (وأولى الناس بحضانته واجده إن كان أميناً.
وله الإنفاق عليه مما وجد معه بغير إذن حاكم.
وعنه: ما يدل على أنه لا ينفق عليه إلا بإذنه).
أما كون أولى الناس بحضانة اللقيط واجده إن كان أميناً؛ فلأن عمر رضي الله عنه أقرّ اللقيط في يد واجده 318.
ولأنه سبق إليه فكان أولى به؛ لقوله عليه السلام: «من سبق إلى ما لم يسبقْ إليه أحدٌ فهو أحق به» 319.
واشترط المصنف الأمانة في الواجد؛ لأن عمر أقرّ اللقيط في يد واجده بعد أن علم أنه رجلٌ صالح.
ولأن ذلك ولاية.
فلا يجوز أن يليها غير عدلٍ، كسائر الولايات.
وأما كونه له الإنفاق عليه مما وجد معه بغير إذن حاكمٍ على المذهب؛ فلأنه جُعل أميناً على اللقيط.
فكان له الإنفاق عليه من ماله بغير إذن الحاكم، كالوصي 320.
وأما كونه لا يُنفق عليه إلا بإذنه على روايةٍ؛ فلأنه إنفاقٌ على صبي.
فلم يجز بغير إذن الحاكم، كما لو أنفق على صغيرٍ مودَعٍ 321 عندَه.
الجزء: 3 - الصفحة: 142
قال صاحب النهاية فيها: والصحيح قولنا يعني الأول؛ لأن الظاهر أن اللقيط لا ولي له.
فجاز أن يُجعل الملتقط ولياً له.
وبهذا فارق الصبيُّ المودَعَ.
فإن الولاية عليه لغير المستودَع ثابتة.
قال: (وإن كان فاسقاً، أو رقيقاً، أو كافراً، واللقيط مسلم أو بدوياً ينتقل في المواضع، أو وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية: لم يقرّ في يده).
أما كون اللقيط لا يقرّ في يد الفاسق؛ فلأنه ليس في حفظ اللقيط إلا الولاية، ولا ولاية لفاسق.
وفارق اللقطة من وجهين:
أحدهما: أن في اللقطة معنى التكسب، وليس هنا إلا الولاية.
الثاني: أن اللقطة إذا انتزعت منه رُدّت إليه بعد الحول.
بخلاف اللقيط فإنه لا يردّ إليه.
وأما كونه لا يقرّ في يد الرقيق؛ فلأنه مستحق الخدمة والمنفعة لسيده.
ولأنه لا يثبت على اللقيط إلا الولاية، وليس العبدُ من أهلها.
وأما كونه لا يُقرّ في يد الكافر إذا كان اللقيط مسلماً؛ فلأن الكافر لا ولاية له على مسلم.
ولأنه لا يؤمن أن يفتن المسلم عن دينه.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعارٌ بأن اللقيط إذا كان كافراً يقرّ في يده.
وصرح به في المغني؛ لأن الولاية تثبت لبعض الكفار على بعض.
وأما كونه لا يقرّ في يد بدويٍ ينتقل في المواضع؛ فلأن فيه إتعاباً للصبي بتنقله.
وأما كونه لا يقرّ في يد من وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية؛ فلأنه ينقل اللقيط إلى شدة العيش وجفائه، وفي الأثر: «من بَدَا فقد جَفَا» 322.
ولأن فيه تعسراً لمداواته، ومراجعة الطبيب، وانقطاع النسب، وتفويت التأديب والعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 143
قال: (وإن التقطه في البادية مقيم في حلّهٍ، أو من يريد نقله إلى الحضر: أقرّ معه).
أما كون اللقيط يقرّ مع المقيم في حلّه بحيث لا يرحل لطلب الماء والكلأ؛ فلأنه كالمقيم في قرية.
وأما كونه يقرّ مع من يريد نقله إلى الحضر؛ فلأنه أنفع له، ويحصل له من الفوائد ما تقدم ذكره.
قال: (وإن التقطه في الحضر من يريد النقلة إلى بلد آخر فهل يقر في يده؟ على وجهين).
أما كون اللقيط يُقرّ 323 في يد من ذكر على وجهٍ؛ فلأن البلد كالبلد.
وأما كونه لا يقرّ على وجهٍ؛ فلأن بلده أقرب إلى ظهور نسبه.
قال: (وإن التقطه اثنان قُدم الموسر منهما على المعسر، والمقيم على المسافر.
فإن تساويا وتشاحّا أُقْرِع بينهما).
أما كون الموسر من الملتقطين يقدم على المعسر، والمقيم على المسافر؛ فلأن ذلك أحظ للقيط، وأَعْوَد لمصلحته.
وأما كونهما يقرع بينهما إذا تساويا وتشاحّا؛ فلأنه لا يمكن تسليمه إليهما؛ لما فيه من الضرر اللاحق بالطفل؛ لأنه إذا كان عند أحدهما يوماً وعند الآخر يوماً اختلفت عليه الأغذية والأُنْس والأُلْف.
فإذاً يتعين دفعه إلى أحدهما، ولا يمكن ذلك إلا 324 بقرعة؛ لأن حقَّهما متساوٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 144
قال: (فإن اختلفا 325 في الملتقط منهما قُدم من له بينة، فإن لم يكن لهما بينة قُدّم صاحب اليد، فإن كان في أيديهما أقرع بينهما، فإن لم يكن لهما يد فوصفه أحدهما قُدّم، وإلا سلمه الحاكم إلى من يرى منهما أو من غيرهما).
أما كونه يقدم من له بينة على من لا بينة له؛ فلأن البينة تقطع الخصومة، وتُظهر صاحب الحق من غيره.
وأما كونه يُقدم صاحب اليد إذا لم تكن بينة؛ فلأن اليد دليلٌ على استحقاق الإمساك ز دليله: الأموال.
ولأنه يغلب على الظن أنه هو الملتقط.
بخلاف من لا يد له.
وأما كونه يقرع بينهما إذا كان في أيديهما؛ فلأنهما تساويا في السبب، ولم يمكن تسليمه إليهما لما تقدم.
فتعينت القرعة، كما تقدم.
وأما كون الواصف يقدم بالوصف إذا لم تكن يدٌ؛ فلأن اللقيط نوع من اللقطة.
فيقدم فيه بالوصف، كلقطة المال.
ولأن الوصف دليل على قوة اليد.
فكان مُقدماً به.
وأما كون الحاكم يسلم اللقيط إلى من يرى [منهما أو من غيرهما إذا لم يكن وصف؛ فلأنه لم يوجد لأحدهما شيء يقتضي ترجيحه.
فكانت الخيرة للحاكم] 326 في دفعه إلى من يحضنه، كغير اللقيط إذا لم يكن له قريبٌ، أو كان له جماعة لا مزيّة لأحدهم على الآخر.
الجزء: 3 - الصفحة: 145
فصل [في أحكام اللقيط]
قال المصنف رحمه الله: (وميراث اللقيط وديته إن قُتل لبيت المال.
وإن قُتل عمداً فوليه الإمام: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية).
أما كون ميراث اللقيط وديته إن قُتل لبيت المال؛ فلأنه مسلم لا عَصَبة له 327 ولا ذا فرضٍ.
فكان ماله وديته لبيت المال، كغير اللقيط.
وأما كون وليه الإمام؛ فلأن الإمام ولي من لا ولي له، وهذا لا وليَّ له.
وأما كونه إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية إذا قُتل عمداً، فكسائر الأولياء.
ولا بد أن يُلحظ هنا أن ذلك خِيَرَة مصلحة لا خيرة تَشَهِّي؛ لأن الإمام يتعين عليه فعل الأصلح.
بخلاف بقية الأولياء.
قال: (وإن قُطع طرفُه عمداً انتُظر بلوغه.
إلا أن يكون فقيراً، أو مجنوناً: فللإمام العفو على مالٍ ينفق عليه).
أما كون اللقيط يُنتظر بلوغه إذا قُطع طرفه ولم يكن فقيراً ولا مجنوناً؛ فلأن مستحق الاستيفاء المجني عليه، وهو حينئذٍ لا يصلح له.
فانتظر بلوغه ليستوفي حقه عند أهليته للاستيفاء.
وأما كون الإمام له العفو على مالٍ ينفق عليه منه إذا كان فقيراً أو مجنوناً؛ فلأن الانتظار هنا لا ينتهي إلى حدٍ معلوم؛ لأن الجنون قد لا يفارقه.
وفارق هذا ما إذا كان الصغير فقيراً عاقلاً من حيث إن الصغر له حدٌ معلوم ينتهي إليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 146
قال: (وإذا ادعى الجاني عليه، أو قاذفُه: رقَّه.
وكذبه اللقيط بعد بلوغه: فالقول قول اللقيط.
وإن ادعى إنسان أنه مملوكه لم يقبل إلا ببينة تشهد أن أمته ولدته في ملكه.
ويحتمل أن لا يعتبر قولها في ملكه).
أما كون القول قول اللقيط في نفي رقه؛ فلأنه محكومٌ بحريته.
ولأن قوله يعضده الأصل.
إذ الأصل عدم رقه.
وأما كون من ادعى أنه مملوكه لا يقبل إلا ببينة؛ فلأن مجرد الدعوى لا تكفي في انتزاع المدعي.
والأصل فيه قوله عليه السلام: «لو يُعطَى الناسُ بِدعواهُم لادعَى أُناسٌ دِماءَ رجالٍ وأموالهم.
ولكن البينةَ على المدعي واليمينَ على من أنكر» 328.
وأما كونه يقبل قوله مع البينة؛ فلأن البينة تُظهر الحق.
وأما كون البينة تشهد أن أمته ولدته في ملكه على المذهب؛ فلأنها إذا ولدت قبل ملكه لها يَصْدُق أنها ولدته.
فلا بدّ من قولها في ملكه ليخرج ذلك.
وليس مراد المصنف رحمه الله أنه لا بدّ من بينة تشهد على الصفة المذكورة بل لو أقام بينة بأن اللقيط مملوكه كانت كافية، ولم يحتج إلى أن أمته ولدته في ملكه؛ لأنه يجوز أنه اشتراه أو اتهبه أو نحو ذلك.
وصرح بذلك في المغني، وقال: إن شهدت بينة أنه عبده أو ملكه حكم بها وإن لم يذكر سبب الملك، كما لو شهدت بملك دارٍ أو عبد.
وأما كونه يحتمل أن لا يعتبر قول البينة في ملكه؛ فلأن قوله 329 أن أمته ولدته بمنزلة قولها في ملكه.
والأول أصح، لما تقدم ذكره.
الجزء: 3 - الصفحة: 147
قال: (وإن أقرّ بالرق بعد بلوغه لم يقبل.
وعنه: يقبل.
وقال القاضي: يقبل فيما عليه روايةً واحدةً، وهل يقبل في غيره؟ على روايتين).
أما كون اللقيط لا يقبل إقراره بالرق بعد بلوغه من غير تفصيلٍ على المذهب؛ فلأنه يُبطل حق الله تعالى من الحرية المحكوم بها.
وأما كونه يقبل على روايةٍ؛ فلأنه مجهول الحال.
أقرّ بالرق.
فقبل، كما لو أقر غير اللقيط بالرق.
واشترط المصنف رحمه الله في المغني في هذا: أن لا يكون أقرّ بالحرية قبل ذلك؛ لأنه إذا أقرّ بذلك اعترف بالحرية، وهي حقٌ لله تعالى.
ولأنه يكون مكذباً لقوله بقوله.
فلم يقبل إقراره، كما لو أقرّ بمالٍ ثم جحده.
وأما كونه يقبل فيما عليه رواية واحدة على قول القاضي؛ فلأن الضرر يعود على نفسه.
فلا تلحقه التهمة.
وأما كونه هل يقبل في غيره؟ على روايتين؛ فوجههما ما تقدم.
قال: (وإن قال: إني كافر لم يُقبل قوله، وحكمه حكم المرتد.
وقيل: يُقْبل قوله.
إلا أن يكون قد نطق بالإسلام وهو يعقله).
أما كونه لا يُقبل قوله في ذلك على المذهب؛ فلأنه محكوم بإسلامه.
وأما كون حكمه على ذلك حكم المرتد؛ فلأنه أقرّ بالكفر.
فعلى هذا إن تاب وإلا قُتل؛ لأن المرتد هكذا يُفعل به.
وأما كونه يقبل قوله إذا لم يكن نطق بالإسلام وهو يعقله على قولٍ؛ فلأن إسلامه لم يثبت يقيناً.
وأما كونه لا يقبل قوله إذا كان نطق بالإسلام؛ فلأن إسلامه ثبت يقيناً فلم يقبل إقراره بالكفر، كالمسلم إذا أقرّ بكفر نفسه.
والأصح أنه لا يقبل مطلقاً؛ لأن الحكم بالإسلام ملحقٌ بالإسلام اليقيني، واللقيط محكومٌ بإسلامه.
الجزء: 3 - الصفحة: 148
فصل [إذا ادعى اللقيط إنسان]
قال المصنف رحمه الله: (وإن أقرّ إنسانٌ أنه ولده أُلحق به مسلماً كان أو كافراً، رجلاً أو امرأة، حياً كان اللقيط أو ميتاً.
ولا يتبع الكافر في دينه إلا أن يقيم بينة أنه ولد على فراشه.
وعنه: لا يلحق بامرأة ذات زوج 330. وعنه: إن كان لها إخوة أو نسب معروف لم يلحق بها، وإلا لحق).
أما كون الولد المقرّ به يلحق بالمقِرّ؛ فلأن الإقرار به محضُ مصلحةٍ للطفل لاتصالِ نسبه، ولا مضرة على غيره فيه.
فقبل، كما لو أقر له 331 بمال.
وأما كونه يُلحق به مسلماً كان أو كافراً؛ فلأن الكافر يثبت له النكاح والفراش.
فيلحق به، كالمسلم.
وأما كونه يلحق به رجلاً كان أو امرأة على المذهب؛ فلأن المرأة أحد الأبوين.
فيثبت النسب بدعواها، كالأب.
وأما كونه يُلحق به حياً كان اللقيط أو ميتاً؛ فلأنهما سواء معنى.
فوجب استواءهما حكماً.
وأما كون اللقيط لا يتبع الكافر في دينه إذا لم يُقم بينة أنه ولد على فراشه؛ فلأن اللقيط محكومٌ بإسلامه بظاهر الدار.
فلا يقبل قول الكافر في كفره بغير بينة، كما لو كان معروف النسب.
ولأنها دعوى تخالف الظاهر.
فلم تقبل بمجردها، كدعوى رقه.
وإنما قبل في النسب؛ لعدم الضرر، والكفر بخلافه فإن فيه ضرراً عظيماً؛ لأنه سبب الخزي في الدنيا والآخرة.
الجزء: 3 - الصفحة: 149
وأما كونه يَتبع الكافر في دينه إذا أقام بينة بأن اللقيط ولد على فراشه؛ فلأنه حينئذ تحققت الولادة، والولد المحقق يتبع والده في دينه.
وأما كونه لا يُلحق بامرأة ذات زوج على روايةٍ؛ فلأن في لحوق النسب بها وهي ذات زوج إلحاقاً للنسب بزوجها، وذلك غير جائز.
وأما كونه لا يلحق بها إذا كان لها إخوة أو نسب معروف وكونه يلحق بها إذا لم يكن كذلك على روايةٍ؛ فلأنه يلزم من لحوق النسب بها في الأول لحوق النسب بالإخوة والنسب المعروف، وهو غير جائز.
بخلاف الثاني.
قال: (وإن ادّعاه اثنان أو أكثر لأحدهما بينة قدم بها.
وإن تساووا في بينة أو عدمها عُرض معهما على القافة، أو مع أقاربهما إن ماتا: فإن ألحقته بأحدهما لحق به، وإن ألحقته بهما لحق بهما.
ولا يُلحق بأكثر من أمٍ واحدة.
وإن ادّعاه أكثر من اثنين فأُلحق بهم لحق بهم وإن كثروا.
وقال ابن حامد: لا يُلحق بأكثر من اثنين.
وإن نفته القافة عنهم، أو أشكل عليهم، أو لم يوجد قافةٌ ضاع نسبه في أحد الوجهين، وفي الآخر: يترك حتى يبلغ فينسب إلى من شاء منهم.
أومأ إليه أحمد).
أما 332 كونه يقدم من له بينة من المدعين؛ فلأن البينة تُظهر أنه صاحب الحق.
وأما كونه يُعرض على القافة معهما أو مع أقاربهما إن ماتا إذا تساووا في البينة أو عدمها؛ فلأن ذلك طريقٌ إلى ترجيح أحدهما على الآخر.
فشرع، كقيام البينة.
فإن قيل: القافة ما هي؟
قيل: قومٌ من العرب عُرف منهم الإصابة في معرفة الأنسابِ، واشتهر ذلك في بني مدلج رهط مجزز، وسراقة بن مالك بن جعشم.
والأصل فيها ما روي عن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم دَخلَ عليها مسروراً تَبْرُقُ أساريرُ وجههِ.
فقال: ألم تَرَيْ أن مُجَزِّزَاً المدلجي نظرَ آنفاً إلى زيد
الجزء: 3 - الصفحة: 150
وأسامة وقد غَطيَا رؤوسَهمَا وبدتْ أقدامُهمَا.
فقال: إن هذه الأقدامَ بعضها من بعض» 333. متفق عليه.
وجه الحجة: أنه لو لم يجز الاعتماد على القافة لما سُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم ولا اعتمد عليه.
ولأن عمر رضي الله عنه قضى به بحضرة الصحابة فلم يدفعه أحد ولم ينكره.
فكان إجماعاً.
ولأنه حكم بظن غالبٍ ورأي راجحٍ ممن هو من أهل الخبرة.
فجاز قبوله، كقول 334 المقومين.
وأما كونه يلحق بأحدهما إذا ألحقته القافة به؛ فلأنه تَرَجّح بقولها.
أشبه من قامت له بينة.
وأما كونه يلحق بهما إذا ألحقته بهما؛ فـ «لأنه يروى عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهرٍ.
فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعاً.
فجعله بينهما» 335. رواه سعيد بن منصور في سننه.
وروى بإسناده عن الشعبي قال: «وعليّ يقول: هو ابنهما 336 وهما أبواه يرثهما ويرثانه».
رواه الزبير بن بكار بإسناده عن عمر.
ولا يعرف لهما في الصحابة مخالف.
وأما كونه لا يُلحق بأكثر من أمٍّ واحدة؛ فلأن كونه ابناً لهما محال يقيناً فلم يجز أن يحكم به، كما لو كان أكبر منهما.
وفارق الرجلين من حيث إن انخلاق الولد منهما ليس بمعلوم الاستحالة.
وأما كونه يُلحق بأكثر من اثنين على المذهب؛ فلأنه إذا جاز إلحاقه باثنين جاز بأكثر من ذلك؛ لأن المعنى في الموضعين واحد.
وأما كونه لا يلحق بأكثر من اثنين على قول ابن حامد؛ فلأن إلحاقه باثنين ثبت بالأثر.
فيجب أن يقتصر عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 151
قال المصنف في المغني: المعنى في الاثنين موجود فيما زاد.
فيجب أن يُقاس عليهما.
وأما كون من نفته القافة عنهم، أو أشكل عليهم، أو لم توجد قافةٌ: يضيع نسبه في وجهٍ قاله أبو بكر؛ فلأنه لا دليلَ عليه.
أشبه من لم يدّعِ نسبه أحد.
وأما كونه يُترك حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء في وجهٍ قاله ابن حامد؛ فلأن الإنسان يميل طبعه إلى قريبه دون غيره.
ولأن ذلك يُروى عن عمر رضي الله عنه.
وقول المصنف رحمه الله: أومأ إليه أحمد.
يعني الإمام أحمد.
قال: (وكذلك الحكم إن وطئ اثنان امرأة بشبهةٍ، أو جاريةٍ مشتركة بينهما في طهر واحد، أو وطئت 337 زوجة رجل، أو أم ولد له بشبهة وأتت بولد يمكن أن يكون منه فادعى الزوج أنه من الواطئ: أُري القافة معهما.
ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون ذكراً عدلاً مجرباً في الإصابة).
أما كون الحكم فيما إذا وطئ اثنان امرأة بشبهة، أو جارية مشتركة بينهما في طهرٍ واحدٍ فأتت بولد كالحكم فيما تقدم في أنها ترى معهما القافة؛ فلأن عمر فعل ذلك وجعل الولد بين الواطئين لمّا قال القائف: «قد اشتركا فيه» 338، ولو لم 339 يكن له أثرٌ في ذلك لم يحتج إلى ذكره.
ولأن ذلك يحتمل كونه من هذا، وكونه من هذا.
فأري القافة، كاللقيط إذا ادعى نسبه اثنان.
وأما كون الحكم في بقية الصور المذكورة كذلك؛ فلأنها تساويه معنى.
فوجب أن تساويه حكماً.
وأما كون القائف لا يُقبل قوله إلا أن يكون ذكراً عدلاً مجرباً في الإصابة؛ فلأن ذلك يجري مجرى الحكم.
فاعتبر فيه ذلك، كالحاكم.
الجزء: 3 - الصفحة: 152
ولأن ذلك يفتقر إلى نظرٍ واجتهاد، والمرأة قاصرةٌ عنهما، والفاسقُ لا يُقبل خبره.
ومن لم يكن مجرباً في الإصابة لم يغلب على الظن صدقه.
فلم تطمئن النفس إلى قوله.
الجزء: 3 - الصفحة: 153