الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3كتاب المناسك
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال المصنف رحمه الله: (يجب الحج والعمرة في العمر مرة واحدة بخمسة شروط: الإسلام، والعقل.
فلا يجب على كافر ولا مجنون ولا يصح منهما.
والبلوغ والحرية.
فلا يجب على صبي ولا عبد.
ويصح منهما.
ولا يجزئهما إن بلغ الصبي أو عتق العبد 1 إلا أن يبلغ أو يعتق في الحج قبل الخروج من عرفة، وفي العمرة قبل طوافها فيجزئهما).
أما وجوب الحج.
وهو في اللغة: القصد.
ويحكى عن الخليل أنه قال: الحج كثرة القصد إلى من يعظمه.
قال الشاعر: وأشهد من عوف حؤولا كثيرة ... يحجون سِبّ الزِّبرقان المزعفرا أي يقصدون.
والسِّب: العمامة.
والحج والحجة تفتح حاؤهما وتكسر.
وفي الشرع: اسم لأفعال مخصوصة.
وهو أحد أركان الإسلام بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حِجّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: 97].
وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس» 2 متفق عليه.
ذكر منها حج البيت.

الجزء: 2 - الصفحة: 65

وأما الإجماع فأجمعت الأمة على وجوب الحج في الجملة.
وأما وجوب العمرة.
وهي في اللغة: الزيارة.
وفي الشرع: عبارة عن أفعال مخصوصة فبالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: 196] ومقتضى الأمر الوجوب.
ثم عطفها على الحج.
والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إنها لقرينة الحج في كتاب الله تعالى» 3. وأما السنة فما روى الصُّبَيُّ بن معبد قال: «أتيت عمر فقلت: يا أمير المؤمنين! إني أسلمت وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ فأهللت بهما.
فقال عمر رضي الله عنه: هُديتَ لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم» 4. رواه النسائي وأبو داود.
ورويا أيضاً: «أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن.
قال: حج عن أبيك واعتمر» 5 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وروي «أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني.
قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر».
وروي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن.
وكان في الكتاب: وأن العمرةَ الحجُّ الأصغر» 6. ولأنها تشتمل على إحرام وطواف وسعي فكانت واجبة كالحج.
وأما كون الواجب من ذلك في العمر مرة واحدة فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس! إن الله قد فرض عليكم الحج

الجزء: 2 - الصفحة: 66

فحجوا.
فقال رجل: أكل عام؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ... » 7 مختصر.
رواه مسلم.
وأما ما يشترط لوجوبها فخمسة شروط: شرطان للوجوب والصحة وهما: الإسلام والعقل.
فلا يجب واحد منهما على كافر ولا مجنون ولا يصح منهما.
أما عدم الوجوب فلأن الكافر والمجنون غير مخاطبين بفروع الإسلام ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن المعتوه حتى يعقل ... » 8 مختصر.
رواه أبو داود.
وأما عدم الصحة فلأن كل واحد من الحج والعمرة عبادة من شرطها النية وهي لا تصح منهما.
وشرطان للوجوب والإجزاء وهما: البلوغ والحرية.
فلا يجب واحد منهما على صبي ولا عبد ويصح منهما ولا يجزئهما إلا أن يبلغ الصبي ويعتق العبد في الزمن المتقدم ذكره.
أما عدم الوجوب على الصبي فلأنه غير مكلف لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ ... » 9 مختصر.
رواه أبو داود.
وأما على العبد فلأن مدتهما تطول فلم يجبا على العبد لما فيهما من إبطال حق سيده أشبه الجهاد.
وأما الصحة فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «رفعت امرأة صبياً فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر» 10 رواه مسلم.
وأما في العبد فلأنه من أهل العبادات فصح حجه وعمرته كالحر.
والشرط الخامس: الاستطاعة.
وسيأتي ذكره.
وأما عدم الإجزاء إذا لم يبلغ الصبي ويعتق العبد في الزمن المتقدم ذكره فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى» 11 رواه الشافعي في مسنده.

الجزء: 2 - الصفحة: 67

ولأنهما فَعَلا العبادة وهما من غير أهل الوجوب فلم يجزئهما إذا صارا من أهل الوجوب كالصبي يصلي ثم يبلغ في الوقت.
وأما الإجزاء إذا بلغ الصبي وعتق العبد قبل الوقوف في الحج والطواف في العمرة فلأنهما أتيا بالنسك حال الكمال فأجزأهما كما لو وجد ذلك قبل الإحرام.
قال رحمه الله: (ويحرم الصبي المميز بإذن وليه وغير المميز يحرم عنه وليه ويفعل ما يعجز عنه من عمله، ونفقة الحج وكفاراته في مال وليه، وعنه: في مال الصبي).
أما إحرام الصبي المميز بإذن وليه.
ومعناه: أن إحرامه لا يصح بغير إذنه فلأنه قد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد منه بنفسه كالبيع.
وأما إحرام الولي عن غير المميز فلأنه فعل لا يمكنه فعله بنفسه فناب عنه وليه كسائر ما ينوب عنه فيه.
ومعنى إحرامه عنه عقده الإحرام له فيصير الصبي بذلك محرماً دون الولي كما يعقد له النكاح.
والولي هنا: من يلي ماله، وأمُّه في ظاهر كلامه وظاهر الحديث المتقدم.
وقال القاضي: لا يصح لعدم ولايتها على ماله.
وفي سائر العصبات وجهان بناء على الأم.
وأما فعل الولي عن الصبي ما يعجز عن فعله فلما روى جابر رضي الله عنه قال: «كنا إذا حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لبَّيْنا عن الصبيان ورمينا عنهم» 12 رواه ابن ماجة.
وروي «أن أبا بكر طاف بابن الزبير في خرقة» 13 رواه الأثرم.
فعلى هذا ما يمكن الصبي فعله من وقوف وغيره لزمه فعله لأن النيابة إنما تجوز مع العجز وذلك منتف.
وأما نفقة الحج ففيها روايتان: إحداهما: أنها في مال الولي لأنه أدخله وغرر بماله.
والثانية: أنها في مال الصبي لأن ذلك من مصلحته ليألف الحج ويتمرن عليه أشبه أجرة المعلم والطبيب وأجرة من يحمله ليشاهد الجمعة والجماعات.
والأول أصح لما ذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 68

والمراد بنفقة الحج ما يزيد على نفقة الحضر لأن نفقة الحضر في مال الصبي بغير خلاف.
وصرح المصنف رحمه الله في المغني بأن الروايتين في الزائد على نفقة الحضر.
ولم يذكر في القدْر الذي يجب له في الحضر خلافا بل أوجبها في مال الصبي.
وأما الكفارة فما اختلف عمده وسهوه كاللباس والطيب فلا فدية فيه على الصبي؛ لأن عمده خطأ، وما لا يختلف عمده وسهوه فالفدية فيه بفعل الصبي وفي محلها الروايتان المتقدمتان.
قال رحمه الله: (وليس للعبد الإحرام إلا بإذن سيده، ولا للمرأة الإحرام نفلاً إلا بإذن زوجها.
فإن فعلا فلهما تحليلهما ويكونان كالمحصر.
وإن أحرما بإذنٍ لم يجز تحليلهما.
وليس للزوج منع امرأته من حج الفرض ولا تحليلها إن أحرمت به).
أما كون العبد ليس له الإحرام بغير إذن سيده وكون المرأة ليس لها الإحرام نفلاً بغير إذن زوجها فلأن إحرامهما يتضمن إسقاط حق السيد والزوج فلم يجز لهما ذلك لئلا يؤدي إلى إسقاط حق المستحق.
وأما إطلاق المصنف رحمه الله منع العبد من الإحرام وتقييده في المرأة بكونه نفلاً فلأن العبد لا يجب عليه بحال فصح الإطلاق والمرأة يكون الحج تارة واجباً عليها وتارة تحج متطوعة فاحتاج إلى التقييد بكونه نفلاً لأنه ليس له منعها إذا كان فرضاً وسيأتي ذكره.
وأما كون السيد والزوج لهما تحليلهما إذا فعلا ذلك بغير إذنهما فلأن حقهما ثابت لازم فكان لهما إخراجهما من الإحرام المفوت له كما لو اعتكفا.
وفي تحليلهما إشعار بانعقاد إحرامهما وإن وقع بغير إذن وهو صحيح لأن الإحرام عبادة بدنية فصحت بغير إذن كالصلاة.
وأما حكمهما بعد تحليلهما فكالمحصر.
وسيأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى 14. وأما كونهما ليس لهما تحليلهما إذا أحرما بإذن فلأن الحج عبادة تلزم بالشروع فلم يملكا تحليلهما من الإحرام إذا شرعا بإذن كقضاء رمضان.

الجزء: 2 - الصفحة: 69

وأما كون الزوج ليس له منع امرأته من حج الفرض ولا تحليلها إن أحرمت به فلأنه واجب بأصل الشرع أشبه صوم رمضان.

الجزء: 2 - الصفحة: 70

فصل [في الاستطاعة] قال المصنف رحمه الله: (الشرط الخامس: الاستطاعة.
وهو: أن يملك زاداً وراحلة صالحة لمثله بآلتها الصالحة لمثله، أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلاً عما يحتاج إليه من مسكن وخادم وقضاء دينه ومؤونته ومؤونة عياله على الدوام.
ولا يصير مستطيعاً ببذل غيره بحال.
فمن كملت له هذه الشروط وجب عليه الحج على الفور).
أما اشتراط الاستطاعة لوجوب الحج فلأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: 97] قيّد الوجوب بالاستطاعة.
وقال صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس.
ذكر منها: حج البيت من استطاع إليه سبيلا» 15. ولأن الحج عبادة يتعلق بقطعها مسافة بعيدة فاعتبر لوجوبها الاستطاعة كالجهاد.
فإن قيل: هل الاستطاعة شرط في الصحة والإجزاء؟ قيل: لا؛ لأن خَلْقاً من الصحابة حجوا ولا شيء لهم ولم يؤمروا بإعادة ذلك.
ولأن الاستطاعة إنما اشترطت للوصول فإذا وصل وفعل الأفعال المعتبرة وجب أن تصح وتجزئ عنه كما لو تكلف المريض فصلى قائماً أو سعى إلى الجمعة فصلاها.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يملك إلى آخره فبيان ماهية الاستطاعة شرعاً.
وفي الحديث عن ابن عمر قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة» 16 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وأما اشتراط صلاحية ذلك لمثله 17 فلأن ذلك معنى يتعلق به أمر شرعي فاعتبر فيه الصلاحية كالنفقة والسكنى في حق الزوجة.

الجزء: 2 - الصفحة: 71

ولأن في تكليف الإنسان ما لا يصلح له ضرراً عليه.
فعلى هذا يعتبر في الزاد أن يكون من الخاص إن كان الحاج من أولاد الأمراء والتجار.
ومن الكاصة إن كان من أولاد السوقة.
وفي الراحلة وآلتها أن يكون جملاً جيداً بمحارة 18 إن كان كالأول.
وإن كان من أولاد السوقة وهو قادر على الركوب على القتب فلا تشترط له المحارة ولا كون الجمل جيداً، ولو كان ضعيفاً لا يمكنه الركوب على القتب اشترط في حقه ما يمكنه الركوب معه.
وأما اعتبار ملك ذلك أو القدرة على تحصيله بدراهم أو دنانير أو نحو ذلك فلأن المشترط الاستطاعة وهي حاصلة بكل واحد منهما.
وأما كون الزاد والراحلة المتقدم ذكرهما فاضلاً عما يحتاج إليه من مسكن وخادم فلأن المسكن والخادم من حوائجه الأصلية.
ولأن المفلس يقدم بذلك على غرمائه فلأن يقدم الإنسان بذلك على حجه بطريق الأولى.
وأما كونهما فاضلين عن قضاء دينه فلأن ذمته مشغولة به وبه حاجة إلى براءتها.
وأما كونهما فاضلين عن مؤونته ومؤونة عياله فلأن ذلك مقدم على الدين المقدم على الحج فلأن يقدم على الحج بطريق الأولى.
وفي الحديث: «كفى بالمرء إثماً أن يُضيّعَ من يقوت» 19 رواه أبو داود.
وأما قول المصنف رحمه الله: على الدوام ففيه نظر وذلك أنه ذكر في المغني والكافي نفقة العيال.
وقال فيهما: إلى أن يعود.
وكذلك قال سائر الأصحاب.
وطريق التصحيح أن يحمل قوله هنا على ذلك، ويمكن أن يحمل ذلك على ظاهره ويكون قد قصد النفقة عليه وعلى عياله في ذهابه وعوده وما بعد ذلك.
فإن أبا الخطاب وغيره ذكر نفقة العيال إلى أن يعود.
ثم قال: وأن يكون له إذا عاد ما يكفيه من صناعة أو تجارة أو عقار.
إلا أن ظاهر كلامه في المغني يقتضي عدم اشتراط ذلك لأنه ذكر نفقة العيال والمسكن والخادم وعلل ذلك.
ثم قال: وذكر أبو الخطاب أن من شرط وجوب الحج عليه أن يكون له إذا رجع ما يكفيه من تجارة أو عقار أو نحو ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 72

فإن قيل: المعتبر في المسكن والخادم ملكهما أو استئجارهما؟ قيل: ليس في كلام المصنف رحمه الله هنا ولا في بقية كتبه ما يؤذن بذلك لكن ينبغي -والله أعلم- أن ينظر إلى حاله: فإن كان ممن عادته اتخاذ ذلك ملكاً له لم يجب إلا أن يفضل ماله عن ثمن ذلك، وإن كان ممن عادته اتخاذ ذلك استئجاراً لم يقف الوجوب على كونه فاضلاً عن الثمن بل يكون حكم الأجرة حكم نفقته.
وأما عدم صيرورة الإنسان مستطيعاً ببذل غيره بحال فلأن عليه فيه منة فلم يلزمه قبوله كما لو بذلت له الرقبة في الكفارة، وإذا لم يلزمه القبول بقي على ما كان عليه من عدم القدرة على الحج فلا يصير مستطيعاً.
وأما وجوب الحج على من كملت له هذه الشروط فلما تقدم من الكتاب والسنة والإجماع أول الباب السالمة عن معارضة اشتراط الشروط المذكورة.
وأما وجوبه على الفور فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة» 20 رواه ابن ماجة.
وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ملك زاداً وراحلة

توصله إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً» 21 رواه الترمذي.
ولأنه أحد أركان الإسلام فلم يجز تأخيره إلى غير وقت كالصيام.
قال رحمه الله: (فإن عجز عن السعي إليه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه، ويعتمر من بلده، وقد أجزأ عنه وإن عوفي).
أما لزوم من عجز عن السعي إلى الحج لكِبَر أو مرض لا يرجى برؤه إقامة من يحج عنه ويعتمر فلما روى ابن رَزِين: «أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن.
قال: حج عن أبيك واعتمر» 22 وهو حديث حسن.
وأما قول المصنف رحمه الله: من بلده فتنبيه على الموضع الذي يجب الحج منه وذلك بلده أو الموضع الذي أيْسَرَ فيه.
وذلك في حق الحي العاجز عن السعي والميت

الجزء: 2 - الصفحة: 73

الذي وجب عليه قبل موته لأن الحج يجب على المنوب مِنْ ذلك فكذلك النائب لأن القضاء على وفق الأداء كقضاء الصلاة والصيام.
وأما إجزاء ذلك عنه وإن عوفي فلأنه أتى بما أُمر به فخرج عن عهدته كما لو لم يبرأ.
ولأنه أدى حجة الإسلام بأمر الشرع فلم يلزمه حج ثان كما لو حج بنفسه.
قال رحمه الله: (ومن أمكنه السعي إليه لزمه ذلك إذا كان في وقت المسير ووجد طريقاً آمنا لا خفارة فيه يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد.
وعنه: أن إمكان المسير وتخلية الطريق من شرائط الوجوب.
وقال ابن حامد: إن كانت الخفارة لا تجحف بماله لزمه بذلها).
أما اشتراط إمكان المسير وتخلية الطريق للزوم الأداء لا للوجوب على الرواية الأولى فلأنهما عذران يمنعان الأداء فقط فلم يمنعا الوجوب كالمرض.
وأما اشتراطهما للوجوب على الرواية الثانية فلأنه لا يستطاع فعله بدونهما فكانا شرطين للوجوب كالزاد والراحلة.
فإن قيل: ما فائدة اختلاف الروايتين؟ قيل: فائدته أن الشروط الخمسة لو وجدت في شخص ثم مات، فإن قلنا أنهما شرطان للزوم الأداء حُجّ عنه لأنه مات بعد أن وجب عليه الحج، وإن قلنا أنهما شرطان للوجوب لم يجب أن يستناب عنه لأنه لم يجب عليه بعد.
وأما كونها موجوداً فيها الماء والعلف فلأنه لو كلف حمل الماء وعلف دوابه من بلده إلى مكة لكان فيه مشقة عظيمة.
وأما قول المصنف رحمه الله: على المعتاد فمعناه لا يعتبر ذلك في كل منزله لأنه لو اعتبر ذلك لم يجب الحج البتة بل المعتبر ما هو عادة مثل وجود الماء في المنازل المعروفة ووجود الكلأ في مظانه.
فعلى هذا يجب عليه حمل الماء من منهل إلى منهل وحمل الكلأ ونحوه من موضع إلى موضع.
فإن قيل: هلا وجب عليه حمل الماء والعلف من بلده كزاده؟ قيل: لأنه لم تجر العادة بذلك بخلاف الزاد فوجب أن يحمل كل واحد منهما على المعتاد فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 74

وأما معنى إمكان المسير فهو أن الشروط المشترطة في الحج إذا اجتمعت في زمن ينبغي أن يكون ذلك الزمن واسعاً للسفر من موضعه إلى مكة.
مثل أن تجتمع الشروط للدمشقي في أول شوال فإن لم يكن الزمن واسعاً لم يكن المسير في تلك السنة ممكنا.
وأما معنى تخلية الطريق فأن تكون آمنة موجوداً فيها الماء والعلف على المعتاد.
وأما كونها آمنة فلأنها إذا كانت خائفة يكون معذوراً في القعود لما في المسير من احتمال الضرر.
فإن كان الأمن يحصل ببذل شيء خفارة نظرت فيه فإن كانت كثيرة لم تلزمه لأن في بذل ذلك ضرراً فلم يلزمه لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» 23. وإن كانت يسيرة فالمذهب أنه لا يلزمه بذلها لأن فيه صغاراً.
وقال ابن حامد: إن كانت الخفارة لا تجحف بماله لزمه بذلها لأنها غرامة يقف إمكان الحج على بذلها فلم يمنع الوجوب مع إمكان بذلها كثمن الماء وعلف البهائم.
قال رحمه الله: (ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله أُخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة.
فإن ضاق ماله عن ذلك أو كان عليه دين أخذ للحج بحصته وحج به من حيث يبلغ).
أما وجوب إخراج حجة وعمرة من مال من وجب عليه الحج ثم توفي قبل فعله فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عمن عليه حج.
قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم.
قال: فاقض فالله أحق بالوفاء» 24 رواه النسائي.
شبّه الحج بالدين وسوّاه به فوجب أن يخرج من ماله كالدين.
وأما كون ذلك من جميع المال فلأن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين والدين يجب من جميع المال فكذا المشبه.
وأما الأخذ بحصة الحج إذا ضاق مال الميت عن ذلك أو كان عليه دين فلأن الحج كالدَّين والدين مع الدين يقسم المال بينهما بالحصص فكذا الحج والدين.
وقال بعض أصحابنا: يقدم الدين على الحج لأنه حق آدمي مبني على الشح بخلاف الحج فإنه حق الله مبني على المسامحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 75

وأما الحج بالحصة من حيث يبلغ فلأنه لا يمكن من أكثر من ذلك.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟ قيل: أن يخلف مائة وعليه مائة والحج من بلده يجيء بمائة فيطلع للحج خمسون فأي موضع أمكنه فعل الحج منه بذلك المقدار وجب فعله لأنه أمكنه فعل بعض الواجب عليه فوجب لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 25.

الجزء: 2 - الصفحة: 76

فصل [في اشتراط المَحرم] قال المصنف رحمه الله: (ويشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرمها.
وهو: زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح إذا كان بالغاً عاقلاً.
وعنه: أن المحرم من شرائط لزوم الأداء فإن مات المحرم في الطريق مضت في حجتها ولم تصر محصرة).
أما اشتراط المَحْرَم لوجوب الحج أو للزوم الأداء على المرأة ففيه روايتان وجههما ما تقدم في المسير وتخلية الطريق 26. وأما المُراد بالمحرم فما ذكره المصنف رحمه الله لأن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها» 27 رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة.
وأما قوله: أو سبب مباح فيدخل فيه من حَرُم عليه نكاحها بالرضاع وهو محرم؛ لأنه حرم عليه نكاحها بسبب شرعي أشبه النسب.
ويخرج منه من حَرُم نكاحها بالزنا أو وطء شبهة لأنه ليس مأموناً عليها أشبه الأجنبي.
ولأن تحريمها بسبب غير مشروع فلم يثبت به حكم إباحة النظر كالتحريم الثابت باللعان.

الجزء: 2 - الصفحة: 77

وأما ما يشترط في المَحْرَم فبلوغه وعقله لأن الصبي والمجنون لا يقومان بأنفسهما فكيف يَخرجان مع غيرهما.
وأما مضيها في حجتها وعدم صيرورتها محصرة إذا مات المحرم في الطريق فلأنها لا تستفيد بالتحليل شيئاً لأن رجوعها يكون بغير محرم.
ولأن المريض لما لم يستفد بالتحلل زوال الأذى لم يبح له التحلل كالمحصر فكذلك هاهنا.
قال رحمه الله: (ولا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره ولا نذره ولا نافلة.
فإن فعل انصرف إلى حجة الإسلام.
وعنه: يقع ما نواه).
أما عدم جواز حج من لم يحج عن نفسه إذا حج عن غيره فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من شبرمة؟ قال: قريب لي.
قال: حججت قط؟ قال: لا.
قال: فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة» 28 رواه أبو داود وابن ماجة، وهذا لفظه.
ولأنه حج عن غيره قبل الحج عن نفسه فلم يجز كما لو كان صبياً.
وأما عدم جواز حج من عليه حجة الإسلام عن نذره أو نافلة فلأن حجة الإسلام واجبة عليه فلم يجز أن يصرف فعله إلى غيرها كما لو أراد أن يحج عن غيره.
وأما انصراف ذلك إلى حجة الإسلام في الصور الثلاث على المذهب فلأنه أحرم بالحج وعليه فرضه فوجب أن يقع عن فرضه كما لو أطلق.
وأما وقوعه عما نواه من نذر أو نافلة على روايةٍ فلأنه نواه فيقع لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإنما لامرئ ما نوى» 29.

الجزء: 2 - الصفحة: 78

قال رحمه الله: (وهل يجوز لمن يقدر على الحج بنفسه أن يستنيب في حج التطوع؟ على روايتين).
أما الجواز على روايةٍ فلأنها حجة لا تلزمه بنفسه فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب.
وأما عدمه على روايةٍ فلأنه قادر على الحج بنفسه فلم يجز له الاستنابة فيه كالفرض.
قال المصنف رحمه الله في المغني: حج التطوع ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: قادر لم يحج حجة الإسلام فهذا لا يصح أن يستنيب في حج التطوع؛ لأنه لا يصح أن يفعله بنفسه فنائبه أولى.
الثاني: من أدى حجة الإسلام ثم عجز فهذا يصح أن يستنيب في التطوع؛ لأنه إذا جاز في الفرض فالنفل أولى.
الثالث: من أدى حجة الإسلام وهو قادر وقت الاستنابة على الحج بنفسه فهذا هل يجوز له الاستنابة في التطوع؟ فيه روايتان.
وعلى هذا القسم يجب حمل كلام المصنف رحمه الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 79

باب المواقيت

قال المصنف رحمه الله: (وميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، وأهل اليمن يَلَمْلَم، وأهل نجد قرَن، وأهل المشرق ذات عرق.
وهذه المواقيت لأهلها ولمن مر عليها من غيرهم، ومَنْ منزله دون الميقات فميقاته من موضعه).
أما كون المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «وقّتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم.
قال: فهن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة.
فمن كان دونهن مَهِلّه من أهله وكذلك أهل مكة يهلون منها» 30 متفق عليه.
وفي لفظ لعائشة: «ولأهل العراق ذات عرق ... مختصر» 31 رواه أبو داود.
وروى البخاري «أن عمر رضي الله عنه حد -يعني لأهل العراق- ذات عرق» 32. وأما كون ميقات مَنْ منزله دون الميقات من موضعه فلما تقدم من حديث ابن عباس من قوله: «فمن كان دونهن مهله من أهله» 33.

الجزء: 2 - الصفحة: 80

قال رحمه الله: (وأهل مكة إذا أرادوا العمرة فمن الحل.
وإن أرادوا الحج فمن مكة.
ومن لم يكن طريقه على ميقات فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم).
أما كون ميقات المكي لعمرته من الحل فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبدالرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم» 34 متفق عليه.
ولأن أفعال العمرة كلها في مكة فلم يكن بد من الحل ليجمع بين الحل والحرم في إحرامه بخلاف ما إذا حج فإنه لا بد أن يخرج إلى عرفات فيحصل له الجمع بينهما.
وأما كون ميقاته بحجة من مكة فلأن في الحديث المتقدم: «وكذلك أهل مكة يهلون من مكة» 35. فإن قيل: الحديث شامل للحج والعمرة فلم اختص بالحج؟ قيل: لما فيه من الجمع بينه وبين إعمار عائشة من التنعيم.
فإن قيل: الكلام في المكي، وعائشة رضي الله عنها لم تكن مكية؟ قيل: المراد بأهل مكة من كان قاطناً بها ومن هو فيها على كل حال لاستوائهما معنى.
وأما إحرام من لم يكن طريقه على ميقاتٍ إذا حاذى أقرب المواقيت إليه فـ «لأن عمر رضي الله عنه قال لأهل العراق لما سألوه الميقات: انظروا حذوها من طريقكم» 36 رواه البخاري.
ولأن هذا مما يعرف بالاجتهاد والتقدير فإذا اشتبه دخله الاجتهاد كالقبلة.
قال رحمه الله: (ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات بغير إحرام إلا لقتال مباح أو حاجة متكررة كالحطّاب ونحوه.
ثم إن بدا له النسك أحرم من موضعه.
ومن جاوزه مريداً للنسك رجع فأحرم منه.
فإن أحرم من موضعه فعليه دم وإن رجع إلى الميقات).
أما عدم جواز تجاوز الميقات غير مُحْرِم لمن أراد دخول مكة لغير قتال وحاجة متكررة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت المواقيت المتقدمة وقال: «هن لهن ولمن أتى عليهن» 37.

الجزء: 2 - الصفحة: 81

ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه تجاوز الميقات غير محرم إلا فيما يأتي ذكره ولو كان ذلك جائزاً لفعل ولو مرة تبييناً للجواز.
ولأنه لو جاز تجاوز غير محرم لما وجب على من نذر دخول مكة الإحرام وهو واجب لما يأتي في موضعه.
وأما جواز تجاوزه غير محرم لمن أراد دخول مكة لقتال مباح فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح 38 مكة وعلى رأسه المغفر» 39 ولم ينقل أنه أحرم هو ولا أحد من أصحابه.
وأما جوازه لمن له حاجة متكررة كالحطّاب والحشّاش فلأنه لو وجب ذلك عليه مع تكرره لأدى إلى ضرره وحصول المشقة وذلك منفي شرعاً.
وأما إحرام من بدا له النسك بعد تجاوزه الميقات غير محرم من موضعه فلأنه حينئذ بدا له النسك فيحرم من موضعه كمن منزله دون مكة.
وأما رجوع من جاوزه مريداً للنسك إلى الميقات وإحرامه منه فلأن الإحرام من الميقات واجب ومن قدر على الواجب لزمه فعله.
وأما وجوب الدم عليه إذا أحرم من موضعه فلأنه ترك الواجب.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإن رجع إلى الميقات فتنبيه على أن الرجوع إلى الميقات بعد الإحرام من دونه لا يُسقط الدم لأنه استقر وجوبه بإحرامه من دون الميقات فلم يسقط كمن لم يرجع.
قال رحمه الله: (والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته، ولا يحرم بالحج قبل أشهره فإن فعل فهو محرم.
وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة).
أما كون الاختيار أن لا يحرم قبل الميقات فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من ذي الحليفة» 40 ولم يكن يترك المختار.

الجزء: 2 - الصفحة: 82

وأما كونه لا يُحْرِم بالحج قبل أشهره فلأنه إحرام بالعبادة قبل وقتها فلم يكن مختاراً كميقات المكان.
وأما صيرورته محرماً إذا أحرم قبل الميقات المكاني أو الزماني فلما روي عن الصبي بن معبد «أنه أحرم قبل الميقات قارناً فذكر ذلك لعمر رضي الله عنه فقال: هديت لسنة نبيك» 41. وأما كون أشهر الحج شوالاً وذا القعدة وعشراً من ذي الحجة فلأن ابن مسعود وجابراً وابن الزبير قالوا: «أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة» 42.

الجزء: 2 - الصفحة: 83

باب الإحرام

قال المصنف رحمه الله: (يستحب لمن أراد الإحرام أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ويلبس ثوبين أبيضين نظيفين إزاراً ورداء).
أما استحباب الاغتسال لمن أراد الإحرام فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل» 43 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن غريب.
و«لأنه صلى الله عليه وسلم أمر عائشة رضي الله عنها أن تغتسل عند الإهلال بالحج وهي حائض» 44. و«أمر أسماء أن تغتسل عند الإحرام وهي نفساء» 45 رواه مسلم.
وأما استحباب التنظف له.
وهو: إزالة الشعث، وقطع الرائحة، وحلق شعر العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، ونحو ذلك فلأنه عبادة يسن له الاغتسال والطيب فسن له التنظيف كالجمعة.
وأما استحباب الطيب له فلقول عائشة رضي الله عنها: «كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت» 46. وقالت: «كأني أنظرُ إلى وَبِيصِ الطيبِ في مفارقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم» 47 رواه البخاري.

الجزء: 2 - الصفحة: 84

وأما لبس الثوبين الإزار والرداء فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وليحرم أحدكم في إزار ورداء» 48. وأما استحباب كونهما أبيضين فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير ثيابكم البياض فالبسوها وكفنوا فيها موتاكم» 49. وأما استحباب كونهما نظيفين فلأنه يستحب له النظافة في بدنه فكذلك في لباسه.
ولبس الثوبين إن قصد مطلقه فهو واجب لأن المحرم يجب عليه التجرد من المخيط مع أنه يجب عليه ستر عورته، وإن قصد كونه إزاراً ورداء أو موصوفاً بالبياض والنظافة فهو مستحب.
وحمل كلام المصنف رحمه الله على الثاني أولى لوجهين: أحدهما: أنه ذكر ذلك في سياق المستحب.
والثاني: أنه يَذكر بعدُ التجرد عن المخيط.
قال رحمه الله: (ويتجرد عن المخيط ويصلي ركعتين ويحرم عقيبهما).
أما تجرده عن المخيط فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله» 50 رواه الترمذي.
وأما صلاته ركعتين وإحرامه عقيبهما فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في دبر الصلاة» 51 رواه البخاري.
قال: (وينوي الإحرام بنسك معين، ولا ينعقد إلا بالنية.
ويشترط فيقول: اللهم! إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني).
أما نيته الإحرام بنسك معين فلأن أحكام ذلك تختلف.
فإذا نوى معيناً أمكن أن يرتب على ذلك ما يقتضيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 85

وأما عدم انعقاد ذلك بغير النية فلأن النسك عمل فلم يكن بد فيه من النية لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» 52. و «لا عمل إلا بنية» 53. ولأنه عبادة محضة فافتقر إلى النية كالصلاة.
وأما اشتراطه «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير وهي شاكية: حجي واشترطي أن مَحِلّي حيث حبستني» 54 متفق عليه.
وأما قول المصنف رحمه الله: فيقول إلى آخره فتفسير لقوله ويشترط.
فإن قيل: ما يفيد هذا الاشتراط؟ قيل: شيئين: أحدهما: أنه إذا عاقه عائق من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة له التحلل.
والثاني: إذا حل لعذر لا دم عليه ولا صوم.
قال رحمه الله: (وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران.
وأفضلها التمتع ثم الإفراد.
وعنه: إن ساق الهدي فالقران أفضل ثم التمتع).
أما تخيير مريد الإحرام بين التمتع والإفراد والقران فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج» 55 متفق عليه.
وأما كون التمتع أفضل من الإفراد والقران الخالي عن سوق الهدي فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لما طافوا أن يحلوا ويجعلوها عمرة» 56. أمرهم بنقل الإفراد والقران إلى العمرة ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل الأكمل.

الجزء: 2 - الصفحة: 86

ولأن التمتع منصوص عليه في كتاب الله تعالى بقوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ [البقرة: 196] بخلاف الإفراد والقران.
ولأن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج كاملين غير متداخلين على وجه السهولة مع زيادة نسك هو الدم فكان ذلك أفضل من نسك لا يجتمع فيه ذلك.
وأما القران مع سوق الهدي فهل التمتع أفضل منه؟ فيه روايتان: أحدهما: التمتع أفضل لما تقدم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تأسف على فعله فقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» 57. والثانية: القران أفضل «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً» 58. والأول أصح لما تقدم.
وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد روي أنه كان متمتعاً مع أن ذلك فعله والأمر بالتمتع قوله والقول مقدم على الفعل لاحتمال اختصاصه به.

الجزء: 2 - الصفحة: 87

قال رحمه الله: (وصفة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج من مكة أو من قريب منها في عامه.
والإفراد: أن يحرم بالحج مفرداً.
والقران: أن يحرم بهما جميعاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج.
ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يصح إحرامه بها).
أما كون الإحرام بالعمرة في أشهر الحج فلأن ذلك قول جابر.
ولأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج فلم يكن متمتعاً كالمفرد.
ولأنه لو حل في أشهر الحج لم يكن متمتعاً فكذلك إذا أحرم فيها.
وأما اعتبار الفراغ منها.
ومعناه: أنه يَحِل من الإحرام بالعمرة قبل الإحرام بالحج فلأنه لو أحرم بالحج قبل الحل من العمرة لكان قارناً.
واجتماع النسكين ممتنع.
وأما اعتبار الإحرام بالحج من مكة أو من موضع قريب منها فلما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع.
وإن خرج ورجع فليس بمتمتع».
وعن ابن عمر نحوه 59. وأما اعتبار الإحرام بالحج من عامه فلأن الله تعالى قال: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: 196] إذ ظاهر ذلك يقتضي الموالاة بينهما.
ولأن العلماء أجمعوا على أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج من عامه لا يكون متمتعاً فإذا لم يحج من عامه بطريق الأولى.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا يشترط في المتمتع غير ذلك.
واشترط أبو الخطاب والقاضي أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو أثنائها لأنه جمع بين عبادتين فافتقر إلى النية كالجمع بين الصلاتين.
وقال المصنف رحمه الله في المغني والكافي: ظاهر الآية يدل على عدم الاشتراط.
ولأن التمتع التَّرَفّه بأحد السفرين وهو موجود بدون النية.
وأما كون الإفراد أن يحرم بالحج مفرداً فلأن من أفرد من الصحابة هكذا فعل.
ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: «ومنا من أهل بحج» 60.

الجزء: 2 - الصفحة: 88

ولأنه مفرد فوجب أن يكون فعله الإفراد.
وأما كون القران أحد الأمرين المذكورين من الإحرام بهما أو الإحرام بعمرة ثم إدخال الحج عليها: أما الأول فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرن هكذا فعل.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرن بين حج وعمرة فليهرق دماً».
والقران ظاهر في الجمع بينهما.
وأما الثاني فلأن عائشة رضي الله عنها قالت: «أهللت بالعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا» 61. وفي حديث آخر أن عائشة رضي الله عنها قالت: «أهللنا بالعمرة ثم أدخلنا عليها الحج».
وفي آخر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لما قرنت بين الحج والعمرة: يسعكِ طوافكِ لحجكِ وعمرتكِ» 62. ويشترط في إدخال الحج على العمرة في حق من لم يسق الهدي أن يكون قبل الطواف فلو طاف للعمرة ثم أدخل عليها الحج لم يصح لأنه قد أتى بمقصود العمرة وشرع في التحلل منها فإن كان ساق الهدي لم يمتنع ذلك لعموم ما تقدم.
ولأن من ساق الهدي لا يجوز له التحلل حتى ينحر لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: 196] وإذا لم يجز له التحلل لم يكن شارعاً فيه.
وأما عدم صحة الإحرام بالعمرة إذا أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة فلأنه لم يَرد بذلك أثر ولا هو في معنى ما جاء به الأثر.
وإحرامه لا يزيد عملاً على ما لزمه بإحرام الحج ولا يغير ترتيبه بخلاف إدخال الحج على العمرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 89

قال رحمه الله: (ويجب على المتمتع والقارن دم نسك إذا لم يكونا من حاضري المسجد الحرام.
وهم أهل مكة، ومن كان منها دون مسافة القصر).
أما وجوب الدم على المتمتع فلقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: 196]. وأما وجوبه على القارن فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرن بين حج وعمرة فليهرق دماً».
ولأنه تَرَفَّهَ بأحد السفرين فلزمه دم كالمتمتع.
وأما اشتراط كون المتمتع والقارن من غير حاضري المسجد الحرام لوجوب الدم عليهما: أما في المتمتع فلأن تكملة الآية ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: 196]. وأما في القارن فلأنه في معنى المتمتع.
ولأن وجوب الدم عليه لترفهه بأحد السفرين فإذا كان من حاضري المسجد الحرام لم يوجد الترفه فيجب أن ينتفي الوجوب لانتفاء مقتضيه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهم أهل مكة ... إلى آخره فتفسير لحاضري المسجد الحرام؛ لأن الحاضر القريب، وذلك المكي ومن هو منها دون مسافة القصر دون غيرهما.
قال رحمه الله: (ومن كان قارناً أو مفرداً أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى ويجعلها عمرة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، إلا أن يكون قد ساق هدياً فيكون على إحرامه).
أما استحباب فسخ القارن والمفرد نسكهما وجعله عمرة في الجملة فلأنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه أمر أصحابه الذين أفردوا بالحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي» 63 متفق عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 90

وروي عن سلمة بن شبيب أنه قال لأحمد: كل شيء منك حسن جميل إلا خلة واحدة.
فقال: وما هي؟ قال: تقول: بفسخ الحج.
قال: قد كنت أرى أن لك عقلاً.
عندي ثمانية عشر حديثاً صحاحاً جياداً كلها في فسخ الحج أتركها لقولك.
ولأنه قلب للحج إلى العمرة فجاز.
دليله من لحقه الفوات.
وأما ما يشترط للفسخ فأمران: أحدهما: أن لا يكون معه هدي؛ للحديث المتقدم.
ولقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: 196]. وثانيهما: أن لا يكون قد وقف بعرفة؛ لأن الواقف بها قد أتى بمعظم العبادة وأيِس من فواتها بخلاف غيره.
ولم يصرح المصنف رحمه الله بهذا الشرط اكتفاء بقوله: إذا طاف وسعى؛ لأن ذلك يكون قبل الوقوف.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: إذا طاف وسعى شرط في استحباب الفسخ أم لا؟ قيل: ظاهره ذلك.
وليس الأمر كذلك؛ لأن الأخبار الواردة في ذلك تقتضي الفسخ قبل الطواف والسعي.
ولأنه إذا طاف وسعى ثم فسخ يحتاج إلى طواف وسعي لأجل العمرة ولم يرد مثل ذلك فيما ذكر.
ويمكن تأويل كلام المصنف رحمه الله على أن إذا ظرف.
ويكون المراد: أحببنا له أن يفسخ وقت طوافه أي وقت جواز طوافه.
قال رحمه الله: (ولو ساق المتمتع هدياً لم يكن له أن يحل.
والمرأة إذا دخلت متمتعة فحاضت فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنة).
أما عدم حل المتمتع إذا ساق الهدي فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: «تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج.
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: من كان منكم معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليتحلل» 64 متفق عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 91

وأما إحرام المتمتعة بالحج إذا حاضت فخشيت فوات الحج فـ «لأن عائشة رضي الله عنها كانت متمتعة فحاضت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أهلي بالحج ... مختصر» 65 رواه مسلم.
ولأن إدخال الحج على العمرة يجوز من غير خشية الفوات فلأن يجوز مع الخشية أولى.
فإن قيل: ما وجه خشية فوات الحج بالحيض؟ قيل: لأن المتمتعة لا تحل من عمرتها ما لم تطف فإذا حاضت لم يمكنها الطواف لأنها ممنوعة من دخول المسجد.
وأما صيرورتها قارنة فلأن أحد نوعي القران إدخال الحج على العمرة وذلك موجود هاهنا.
قال رحمه الله: (ومن أحرم مطلقاً صح، وله صرفه إلى ما شاء.
وإن أحرم بمثل ما أحرم به فلان انعقد إحرامه بمثله).
أما صحة الإحرام مطلقاً فلأن الإحرام يصح مع الإبهام لما يأتي فلأن يصح مع الإطلاق بطريق الأولى.
وأما صرفه إلى أي الأنساك شاء فلأنه له أن يبتدئ بأيها شاء فكان له صرف المطلق إلى أيها شاء.
فعلى هذا يعينه قبل الطواف.
فإن طاف قبل التعيين لم يجزئه طوافه؛ لأنه طاف لا في حج ولا في عمرة.
وأما انعقاد إحرامه إذا أحرم بمثل ما أحرم به فلان فلما روى أبو موسى رضي الله عنه قال: «قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء.
فقال لي: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلالٍ كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: أحسنت.
وأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة.
ثم قال: أحل» 66 متفق عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 92

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه قال لعلي: ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال قلت: اللهم! إني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فإن معي الهدي فلا تَحِل» 67 رواه مسلم.
فعلى هذا يفعل مثل ما يفعل من أحرم بمثل إحرامه لما تقدم في الحديث.
ولأنه جعل نفسه تبعاً له.
فإن لم يعلم بما أحرم به فلان كان كما لو نسي ما أحرم به فلان وسيذكر، وإن علم أن فلاناً لم يحرم أو شك هل أحرم أم لا؟ كان كما لو أطلق الإحرام.
وقد تقدم.
قال رحمه الله: (وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد بأحدهما 68، وإن أحرم بنسك ونسيه جعله عمرة.
وقال القاضي: يصرفه إلى أيها 69 شاء).
أما انعقاد الإحرام بإحدى الحجتين أو العمرتين إذا أحرم بهما فلأن انعقاد الإحرام بهما لا يمكن لتعذر أداء العبادتين في حالة واحدة، وإبطالهما مفضٍ إلى إبطال العمل المنوي فلم يبق إلا انعقاد أحدهما.
وأما جعل النسك عمرة إذا أحرم بنسك ونسيه على المذهب فلأنها أفضل.
ولأنه له أن يصرف الإفراد والقران إليها مع العلم فلأن يكون له أن يصرفهما مع الإبهام بطريق الأولى.
وأما صرفه إلى أيها شاء على قول القاضي فلأنه إن صادف ما أحرم به فقد أصاب، وإن صرفه إلى عمرة وكان إحرامه بغيرها جاز؛ لأن فسخه إليها جائز مع العلم فمع الجهل أولى، وإن صرفه إلى قران وكان إحرامه بعمرة فقد أدخل عليها الحج وهو جائز، وإن كان مفرداً فقد أدخل العمرة على الحج وهو لغو لا يفيد ولا يقدح في حجه كما لو فعله مع العلم، وإن صرفه إلى الإفراد وكان معتمراً فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارناً ولا تبطل العمرة بترك نيتها لأنه ليس من شرط صحة العبادة استدامة النية فيها، وإن كان قارناً فهو على حاله كذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 93

وقال المصنف رحمه الله في المغني: إن كان شك بعد الطواف لم يجز صرفه إلا إلى العمرة خاصة لأن إدخال الحج على العمرة بعد الطواف لا يجوز.
فعلى هذا يجب حمل كلام المصنف رحمه الله هنا على ما إذا نسي قبل الطواف.
قال رحمه الله: (وإن أحرم عن رجلين وقع عن نفسه.
وإن أحرم عن أحدهما لا بعينه وقع عن نفسه.
وقال أبو الخطاب: له صرفه إلى أيهما شاء).
أما وقوع الإحرام عن نفسه إذا أحرم عن رجلين فلأنه لا سبيل إلى وقوع العبادة عن الرجلين؛ لأن العبادة الواحدة لا تجزئ عن اثنين دليله الصلاة وغير ذلك، ولا عن أحدهما لأنه ليس أولى من الآخر وإذا تعذر وقوعها عن غيره تعين وقوعها عن نفسه كما لو أحرم وأطلق.
وأما وقوعه عن نفسه إذا أحرم عن أحدهما لا بعينه على قول غير أبي الخطاب فلما تقدم.
وأما صرفه إلى أيهما شاء على قول أبي الخطاب فلأن الإحرام يصح مع الإبهام لما تقدم فكذلك يصح عن المجهول ويعينه بعد ذلك كما لو أحرم مطلقاً ثم عين النسك.
قال رحمه الله: (وإذا استوى على راحلته لبى تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).
أما تلبيته عند استوائه على راحلته فلما روى أنس وابن عمر رضي الله عنهم «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ركب راحلته واستوت به أهَلَّ» 70 رواه البخاري.
ومعنى أهَلَّ: رفع صوته.
من قولهم استهل الصبي إذا صاح.
وأما صفة التلبية فكتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى قال: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: 158]. وأما صفة تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم فكما ذكره المصنف لأن ابن عمر رضي الله عنهما روى «أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك» 71 متفق عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 94

والتلبية مأخوذة من لب بالمكان إذا لزمه.
فكأنه قال: أنا مقيم على طاعتك.
وكرر لأنهم أرادوا إقامة بعد إقامة.
وقال جماعة من أهل العلم: معناها إجابة إبراهيم عليه السلام حين نادى للحج.
قال رحمه الله: (والتلبية سنة.
ويستحب رفع الصوت بها والإكثار منها والدعاء بعدها).
أما مسنونية التلبية «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها» 72. وأما استحباب رفع الصوت بها فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل عليه السلام فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية» 73 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما استحباب الإكثار منها فلما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يضحي يلبي حتى تغرب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه» 74 رواه ابن ماجة.
وأما استحباب الدعاء بعدها فلما روى خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله عز وجل رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار» 75 رواه الشافعي.
ولأنه مظنة الإجابة أشبه الدعاء يوم الجمعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 95

قال رحمه الله: (ويلبي إذا علا نشزاً أو هبط وادياً وفي دبر الصلوات المكتوبة وإقبال الليل والنهار وإذا التقت الرفاق.
ولا ترفع المرأة صوتها إلا بقدر ما تُسمع رفيقتها).
أما استحباب التلبية في المواضع المذكورة فلما روى جابر رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي في حجه إذا لقي راكباً أو علا أكَمَة أو هبط وادياً وفي أدبار المكتوبة ومن آخر الليل» 76. وقال إبراهيم النخعي: «كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة وإذا علا نشزاً وإذا هبط وادياً وإذا لقي راكباً وإذا استوت به راحلته» 77. وأما عدم رفع المرأة صوتها بالتلبية إلا بقدر ما تُسمع رفيقتها فلأن المرأة صوتها عورة فلم يشرع لها الرفع بها بغير ما ذكر ولذلك لم يشرع لها أذان ولا إقامة.

الجزء: 2 - الصفحة: 96

باب محظورات الإحرام

قال المصنف رحمه الله: (وهي تسعة: حلق الشعر وتقليم الأظافر فمن حلق أو قلّم ثلاثة فعليه دم.
وعنه: لا يجب إلا في أربع فصاعداً.
وفيما دون ذلك في كل واحد مد من طعام.
وعنه: قبضة.
وعنه: درهم).
أما كون محظورات الإحرام تسعة فلأنها حلق شعر وتقليم أظافر وتغطية رأس ولبس مخيط وخفين وطيب وإتلاف صيد وعقد نكاح وجماع ومباشرة دون الفرج وذلك تسعة.
وأما كون حلق الشعر من محظورات الإحرام فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: 196]. نص على حلق الرأس وسائر شعر البدن في معناه.
ولأن حلق الشعر يؤذن بالرفاهية وذلك ينافي الإحرام؛ لأن المحرم يكون أشعث أغبر.
وأما كون تقليم الأظافر من محظورات الإحرام فلأنه يحصل به الرفاهية أشبه حلق الشعر.
وأما وجوب الفدية بالحلق فلأن الله تعالى قال بعد قوله: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ [البقرة: 196] ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية﴾ [البقرة: 196]. وفي حديث كعب بن عجرة: «احلق رأسك وأطعم ستة مساكين أو صم أو انسك شاة» 78.

الجزء: 2 - الصفحة: 97

فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله يشتمل على وجوب الدم.
قيل: في وجوبه عيناً مع العمد خلاف يأتي ذكره.
والصحيح أنه لا يجب عيناً بل الواجب أحد أمور: من دم وصوم ثلاثة أيام وإطعام ستة مساكين وسيأتي في باب الفدية 79. وكان الجيد أن يقول: فعليه الفدية ثم يكل التفصيل على باب الفدية.
وأما مقدار ما يجب به الفدية ففيه روايتان: أحدهما: إذا حلق ثلاث شعرات؛ لأنه شعر آدمي يقع عليه اسم الجمع المطلق فجاز أن تتعلق به الفدية كالكل وكالربع عند أبي حنيفة.
والثانية: لا يجب إلا بأربع لأن الثالث آخر أجزاء القلة وآخر الشيء منه فلم يجب بالثلاث كالشعرة والشعرتين.
وأما ما يجب فيما دون ذلك ففيه ثلاث روايات: إحداهن: يجب في كل واحدة مُدّ من طعام لأن ذلك أقل ما يجب في فدية رمضان ونحو ذلك فكان واجباً في أقل الشعر.
والثانية: قبضة من ذلك لأنه لا تقدير له في الشرع فيجب المصير إليه لأنه اليقين.
والثالثة: درهم لأنه لما لم يمكن إيجاب جزء من الحيوان وجب المصير إلى القيمة وأقل ذلك مما يشاركه الشعر في الوحدة درهم.
وأما مقدار ما تجب به الفدية من تقليم الأظافر والواجب فيه فكما ذكر في الشعر اختلافاً وتعليلاً لأن أصل وجوب الفدية في ذلك مقاس على الحلق فكذا في مقدار ما يجب به وفي الواجب فيه.
قال رحمه الله: (وإن حلق رأسه بإذنه فالفدية عليه، وإن كان مكرهاً أو نائماً فالفدية على الحالق، وإن حلق محرم رأس حلال فلا فدية عليه).
أما وجوب الفدية على من حلق رأسه بإذنه فلأن ذلك بإذنه فكان بمنزلة مباشرته له.
وأما وجوب الفدية على الحالق إذا كان مَنْ حلق رأسه مكرهاً أو نائماً فلأنه أزال ما مُنع من إزالته لأجل الإحرام فكانت عليه فديته كما لو حلق المحرم بنفسه.
وأما عدم وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأس حلال فلأنه شعر مباح الإتلاف فلم يجب بإتلافه جزاء كشعر بهيمة الأنعام.

الجزء: 2 - الصفحة: 98

قال رحمه الله: (وقطع الشعر ونتفه كحلقه، وشعر الرأس والبدن واحد، وعنه: لكل واحد حكم منفرد).
أما كون قطع الشعر ونتفه كحلقه فلاشتراك الكل في حصول الرفاهية بإزالته.
وأما شعر الرأس والبدن ففيهما روايتان: أحدهما: أنهما واحد لأنه شعر من جنس واحد لم يختلف إلا موضعه أشبه ما على اللحية والإبط ونحوهما.
والثانية: لكل واحد حكم منفرد لأن الرأس يخالف البدن بحصول التحلل بحلقه دون البدن.
فعلى الأولى لو حلق من رأسه شعرتين ومن بدنه شعرة أو شعرتين وجبت الفدية لأنه حلق ثلاثاً أو أربعاً، وعلى الثانية يجب في كل واحدة ما تقدم ذكره فيما لا تجب فيه الفدية.
قال رحمه الله: (وإن خرج في عينه شعر فقلعه أو نزل شعره فغطى عينيه فقصه أو انكسر ظفره فقصه أو قلع جلداً عليه شعر فلا فدية عليه).
أما عدم وجوب الفدية بقلع الشعر وقصه كما ذكر فلأن الشعر آذاه فكان له رفع أذاه من غير فدية كالصيد الصائل عليه.
وأما عدم وجوبها بقص ما انكسر من ظفره فلأنه يؤذيه بقاؤه بسبب منه أشبه الشعر المؤذي.
وفارق هذا ما إذا حلق الشعر لقمل أو صداع أو نحو ذلك فإنه تجب الفدية لأن الأذى من غير الشعر.
وأما عدم وجوبها بقطع جلد عليه شعر فلأن الشعر زال تابعاً لغيره والتابع لا يُضمن كما لو قلع أشفار عيني إنسان فإنه لا يجب ضمان الأهداب.

الجزء: 2 - الصفحة: 99

فصل [في تغطية الرأس] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: تغطية الرأس فمتى غطاه بعمامة أو خرقة أو قرطاس فيه دواء أو غيره أو عَصَبه أو طيّنه بطين أو حناء أو غيره فعليه الفدية.
وإن استظل بالمحمل ففيه روايتان).
أما كون تغطية الرأس من محظورات الإحرام فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرم عن لبس العمائم» 80. و«قال في المحرم الذي وقصته ناقته: لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» 81 متفق عليه.
وأما وجوب الفدية إذا غطاه بشيء مما ذكره المصنف رحمه الله فلأنه فعل محرّماً في الإحرام يقصد به الترفه أشبه حلق الشعر.
وأما الاستظلال بالمحمل ففيه روايتان: أحدهما: يحرم «لأن ابن عمر رضي الله عنهما رأى على رجل عوداً يستره من الشمس فنهاه عن ذلك» 82 رواه الأثرم.
فعلى هذا تجب به الفدية لوجود فعل محرّم في الإحرام مقصود به الرفاهية.
والرواية الثانية: لا يحرم لأن الحُجة في عدم الاستظلال قول ابن عمر وهو لا يرى ذلك حراماً.

الجزء: 2 - الصفحة: 100

ولأنه يجوز أن يستتر بثوب لما يأتي.
فعلى هذا لا فدية لانتفاء موجبها من فعل محرم موصوف بما تقدم.
قال: (وإن حمل على رأسه شيئاً أو نصب حياله ثوباً أو استظل بخيمة أو شجرة أو بيت فلا شيء عليه).
أما عدم وجوب شيء في جميع ما ذكر فلأنه يباح فعله، والفدية لا تجب بفعل المباح: أما إباحة الحمْل على رأسه فلأنه لا يقصد به الترفه فأبيح كالأكل.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
وأما إباحة نصب شيء حياله فلما روت أم الحصين قالت: «حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة» 83 رواه مسلم.
وأما إباحة الاستظلال بخيمة فلما روى جابر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربت له قبة من شعر بنَمِرَة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس» 84 مختصر.
رواه مسلم.
وأما إباحة الاستظلال بشجرة أو بيت فلأن ذلك في معنى الخيمة.
قال: (وفي تغطية الوجه روايتان).
أما جواز تغطية الوجه على روايةٍ فـ «لأن عثمان وسعداً وعبدالرحمن بن عوف وزيد بن ثابت أجازوه» 85. وأما عدم جوازها على روايةٍ فلأن في بعض ألفاظ حديث ابن عباس في الميت المحرم: «ولا تخمروا وجهه ولا رأسه» 86 متفق عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 101

فعلى الأولى: لا فدية عليه؛ لأنه مباح.
وعلى الثانية: عليه الفدية؛ لأنه فَعَل ما منع من فعله قصداً للترفه أشبه تغطية الرأس.

الجزء: 2 - الصفحة: 102

فصل [في لبس المخيط والخفين] قال المصنف رحمه الله: (الرابع: لبس المخيط والخفين إلا أن لا يجد إزاراً فليلبس سراويل، أو نعلين فليلبس خفين ولا يقطعهما ولا فدية عليه).
أما كون لبس المخيط من محظورات الإحرام فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف» 87 مختصر.
متفق عليه.
نص على هذه الأشياء وألحق العلماء بها ما في معناها من الجبة والدراعة ونحو ذلك.
وأما جواز لبس السراويل إذا لم يجد إزاراً، والخفين إذا لم يجد نعلين فلأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل للمحرم» 88 متفق عليه.
وأما عدم قطعهما فلأن عائشة رضي الله عنها روت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخّص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما» 89.

الجزء: 2 - الصفحة: 103

و «كان ابن عمر رضي الله عنهما يفتي بقطعهما حتى أُخبر بذلك فرجع» 90. وروي أن علياً رضي الله عنه قال: «قطعُ الخفين فساد.
يَلبسهما كما هما» 91. ولأنه ملبوس أبيح لعدم غيره أشبه السراويل.
ولأن قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر.
فإن لُبْس المقطوع مع القدرة على لبس النعلين كلبس الصحيح.
ولأنه إتلاف لماليته وقد «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال» 92. قال المصنف رحمه الله في المغني: وقد روي عن أحمد رحمه الله قطعهما.
وهو أولى عملاً بالحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: «وليقطعهما أسفل من الكعبين» 93 متفق عليه.
وخروجاً من الخلاف وأخذاً بالاحتياط.
وأما عدم وجوب الفدية في لبس ذلك فلأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ابن عباس رضي الله عنهما «جواز لبس السراويل والخفين إذا لم يجد إزاراً ولا نعلين» 94 ولم يذكر الفدية ولو وجبت لبينها؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

الجزء: 2 - الصفحة: 104

قال رحمه الله: (ولا يعقد عليه منطقة ولا رداء ولا غيره إلا إزاره وهميانه الذي فيه نفقته إذا لم يثبت إلا بالعقْد).
أما كون المحرم لا يعقد عليه مِنْطقة.
وهي: شيء يشد به الوسط لوجع الظهر فلأنه يترفه بذلك أشبه اللباس.
ولا بد أن يلحظ في العقد المذكور عدم الحاجة إليه فإن كان بالمحرم حاجة إلى ذلك من وجع ظهر ونحوه جاز وعليه الفدية.
نص عليه.
أما الجواز فلمكان الحاجة.
وأما وجوب الفدية فلأنه نادر أشبه حلق الرأس لوجع الرأس.
وأما كونه لا يعقد عليه رداء ولا غيره غير ما استثني فلأن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «لا تعقد عليك شيئاً» 95. ولأنه يصير بالعقد كالمخيط.
وأما جواز عقد الإزار فلأنه يحتاج إلى عقده لستر عورته.
وأما جواز عقد الهميان الذي فيه نفقته فلقول عائشة رضي الله عنها: «أوثق عليك نفقتك» 96. ولأنه مما تدعو الحاجة إلى عقده فجاز كالإزار.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا لم يثبت إلا بالعقد فاحتراز من أن يكون مما يمكن شده لا بالعقد مثل أن يُدخل بعضه في بعض فإن ذلك لا يجوز عقده حينئذ لعدم الحاجة إليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 105

قال رحمه الله: (وإن طرح على كتفيه قباء فعليه الفدية.
وقال الخرقي: لا فدية عليه إلا أن يدخل يديه في كميه).
أما وجوب الفدية على من طرح على كتفيه قباء فأدخل يديه في كميه فلأنه لبس المخيط وذلك موجب للفدية لما تقدم.
وأما وجوبها على من فعل ذلك ولم يدخل يديه في كميه على قول غير الخرقي فلأنه لَبِسه على المعتاد في مثله أشبه لبس القميص.
ولأنه منهي عن لبسه لما روى ابن المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى عن لبس الأقبية» 97 فيجب أن تجب به الفدية كلبس المخيط.
وأما عدم وجوبها على قول الخرقي فلأنه لا يحيط بالبدن فلا تلزمه الفدية كالقميص إذا اتشح به.
قال رحمه الله: (ويتقلد بالسيف عند الضرورة).
أما جواز ذلك عند الضرورة فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل الحديبية صالحهم على أن لا يدخلوها إلا بجلبان السلاح» 98 رواه أبو داود.
وقال: جلبان السلاح: القراب بما فيه.
وأما عدم جوازه عند عدم الضرورة فلأنه لبس أشبه لبس المخيط.

الجزء: 2 - الصفحة: 106

فصل [في الطيب] قال المصنف رحمه الله: (الخامس: الطيب.
فيحرم عليه تطييب بدنه وثيابه وشم الأدهان المطيبة والادهان بها وشم الكافور والزعفران 99 والورس، والتبخر بالعود ونحوه، وأكل ما فيه طيب يظهر طعمه أو ريحه.
وإن مس من الطيب ما لا يعلق بيده فلا فدية فيه).
أما كون الطيب من محظورات الإحرام «فلقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته ناقته: لا تحنطوه» 100 متفق عليه.
وفي لفظٍ لمسلم: «لا تمسوه بطيب» 101. وجه الحجة أنه منع المحرم الميت من الطيب مع أنه يستحب للميت فالمحرم الحي بطريق الأولى.
وفي حديث ابن عمر: «لا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس» 102 متفق عليه.
فعلى هذا يحرم عليه استعماله في بدنه وثيابه.
ويحرم عليه شم كل دهن مطيب والادهان به؛ لأنه يحصل به ما يحصل بشم الطيب نفسه.
ويحرم عليه شم المسك والكافور والعنبر والورس لأنه هكذا يستعمل.

الجزء: 2 - الصفحة: 107

ويحرم عليه التبخر بالعود؛ لأن استعماله على وجه التطيب كذلك.
ويحرم عليه أكل ما فيه طيب يظهر طعمه لأن الطعم يستلزم الرائحة وذلك حرام لما يأتي، وما يظهر ريحه لأن المقصود الريح وهو حاصل.
وأما عدم وجوب الفدية بمس طيب لا يعلق بيده كمن مس مسكاً غير مسحوق أو قطعاً من كافور أو عنبر ونحو ذلك فلأنه غير مستعمل للطيب.
وقوله: ما لا يعلق بيده يدل مفهومه على أن ما يعلق بيده كالغالية وماء الورد والمسك المسحوق ونحو ذلك فيه الفدية وهو صحيح لأنه مستعمل للطيب.
قال رحمه الله: (وله شم العود والفواكه والشيح والخزامى.
وفي شم الريحان والنرجس والورد والبنفسج والبرم ونحوها والادهان بدهن غير مطيب في رأسه روايتان).
أما جواز شم العود للمحرم فلأنه لا يُتطيب به هكذا.
وأما جواز شم الفواكه والشيح والخزامى فلأنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه طيب.
وأما شم الريحان وما بعده ففيه روايتان: أحدهما: يجوز؛ «لأن عثمان رضي الله عنه سئل عن المحرم يدخل البساتين ويشم الريحان فقال: نعم» 103. ولأن الاعتبار يما يقصد منه الطيب، ولا نظر إلى الرائحة المستطابة دليله شم القرنفل والدارصيني فإنهما لما كان المقصود منهما التداوي لا التطيب لم يحرم استعمالهما.
ولأنه شيء لا يعلق باليد فلم يحرم استعمالها كالقطع من العنبر.
فعلى هذا لا فدية عليه؛ لأنه مباح الشم.

الجزء: 2 - الصفحة: 108

والرواية الثانية: لا يجوز؛ لأنه شم يحصل به طيب وترفه فلم يبح كشم الغالية والمسك.
فعلى هذه عليه الفدية إذا فعل ذلك؛ لأنه فعلٌ محرم يقصد به الترفه أشبه الحلق.
وفرق المصنف رحمه الله في الكافي بين الريحان وبين الورد والبنفسج، وصحح كون الورد والبنفسج طيباً، وقاسه على الزعفران.
وأما الادهان بدهن غير مطيب كالشيرج والزيت ودهن اللبان ففيه روايتان: أحدهما: يجوز؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم ادهن في إحرامه بزيت غير مقتت» 104 أي غير مطيب رواه الإمام أحمد والأثرم في السنن.
ولأنه قول ابن عباس وابن عمر والأسود بن يزيد رضي الله عنهم.
والرواية الثانية: لا يجوز؛ لأنه يزيل الشعث ويسكن الشعر فمنع منه قياساً على المطيب.
وأما قول المصنف رحمه الله: في شعره مشعر بأنه لا يحرم عليه الادهان بذلك في بدنه وهو صحيح صرح به في المغني.
ونقل عن ابن المنذر أنه قال: أجمع عوام أهل العلم على أن للمحرم أن يدهن بدنه بالشحم والزيت والسمن.
وقال القاضي وغيره من الأصحاب: الخلاف جار في دهن البدن كدهن الرأس لأن البدن كالرأس في إزالة الشعث وتسكين الشعر.
قال رحمه الله: (وإن جلس عند العطار أو في موضع ليشم الطيب فشمه فعليه الفدية، وإلا فلا).
أما وجوب الفدية إذا جلس لقصد شم الطيب فشمه فلأنه شمه قاصداً مبتدءاً به في الإحرام فحرم عليه ووجبت الفدية كما لو باشره.
وأما عدم وجوبها إذا جلس لا لقصد ذلك فلأنه لا يمكن التحرز منه، وما هذا شأنه لا تجب به فدية.

الجزء: 2 - الصفحة: 109

فصل [في الصيد للمحرم] (السادس: قتل صيد البر واصطياده.
وهو: ما كان وحشياً مأكولاً، أو متولداً منه ومن غيره.
فمن أتلفه أو تلف في يده أو أتلف جزءاً فعليه جزاؤه).
أما كون قتل صيد البر من محظورات الإحرام؛ فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: 95].
وأما كون اصطياده من محظورات الإحرام؛ فلقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ [المائدة: 96].
وأما كون الصيد ما كان وحشياً مأكولاً ومتولداً منه ومن غيره فلأن غير ذلك إما أهلي وإما محرم الأكل.
والأهلي ليس بصيد ولذلك يذبح في الهدايا والضحايا مع تحريم الصيد على المحرم، ومحرم الأكل يباح قتله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح قتل بعض غير المأكول بقوله: «خمس فواسق يقتلن في الحرم» 105. وفي لفظ: «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهم جناح: الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور» 106 متفق عليه.
فيقاس عليه غيره مما لم يقم دليل على تحريم قتله.

الجزء: 2 - الصفحة: 110

فإن قيل: لم حرم قتل المتولد وهو غير مأكول؟ قيل: لأنه اجتمع فيه مبيح ومحرم فغلب جانب التحريم.
ولأنه حرم أكله تغليباً فكذلك قتله.
وأما وجوب الجزاء على من أتلف ذلك؛ فلقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95].
وأما وجوبه على من تلف في يده فلأنه تلف تحت يد عادِيَة أشبه ما لو تلف في يده العادية مال الآدمي.
وأما وجوب جزاء الجزء فلأن ما يضمن جملته يضمن أجزاؤه دليله مال الآدمي.
قال رحمه الله: (ويضمن ما دل عليه أو أشار إليه أو أعان على ذبحه أو كان له أثر في ذبحه مثل أن يعيره سكيناً إلا أن يكون القاتل محرماً فيكون جزاؤه بينهما).
أما وجوب الضمان في ذلك كله فلأن فعل جميع ذلك حرام لأنه وسيلة إلى حرام فكان حراماً كسائر الوسائل.
ولأن فعل كل واحد من ذلك يُحرّم الأكل لما يأتي، ولو لم يحرم فعله لما حرم الأكل كصيد المحرم الذي لا أثر للحلال فيه.
وأما كون الضمان في ذلك على الدالّ والمشير والمعين ومن له أثر في الذبح وحده إذا لم يكن القاتل محرماً فلأنه يختص بالحرمة لكون الحلال لا يحرم عليه قتل الصيد.
وأما كونه بينه وبين القاتل إذا كان محرماً فلأنهما يشتركان في التحريم فكذا في الجزاء.
قال رحمه الله: (ويحرم عليه الأكل من ذلك كله وأكل ما صيد لأجله.
ولا يحرم عليه الأكل من غير ذلك).
أما تحريم الأكل مما دل عليه أو أشار فلما روى أبو قتادة رضي الله عنه «أنه كان مع أصحاب له محرمين وهو لم يحرم.
فأبصروا حماراً وحشياً وأنا مشغول أخصف نعلي.
فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أنّي أبصرته.
فركبت ونسيت السوط والرمح.
فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح.
فقالوا: والله! لا نعينك عليه.
فلما سألوا رسول الله

الجزء: 2 - الصفحة: 111

صلى الله عليه وسلم قال: هل منكم أحد أمره أن يَحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا.
قال: كلوا ما بقي من لحمها» 107 متفق عليه.
وأما تحريم أكل ما أعان عليه فلأن ذلك في معنى الإشارة فوجب أن يحرم لأن الاشتراك المعنوي يوجب الاشتراك الحكمي.
وأما تحريم أكل ما صيد لأجله وعدم تحريم غير ما صرح بتحريمه فلما روى جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصاد لكم» 108 رواه الترمذي.
وقال: هذا أحسن حديث في الباب.
قال رحمه الله: (وإن أتلف بيض صيد أو نقله إلى موضع آخر ففسد فعليه ضمانه بقيمته).
أما وجوب ضمان بيض الصيد بإتلافه فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه» 109 رواه ابن ماجة.
وأما وجوب ضمانه إذا فسد بنقله فلأنه تسبب في إتلافه، والتسبب في الإتلاف كالمباشرة.
وأما كون الضمان فيهما بالقيمة فلأنه لا مثل للبيض فتجب فيه القيمة كسائر ما لا مثل له.
فإن قيل: في الحديث المتقدم ثمنه.
قيل: المراد بالثمن ذلك، إذ غالب الأشياء يعدل ثمنها قيمتها.
قال رحمه الله: (ولا يملك الصيد بغير الإرث.
وقيل: لا يملكه به أيضاً).
أما كون الصيد لا يملكه المحرم بغير الإرث مثل أن يهدى إليه فيقبله أو يشتريه

الجزء: 2 - الصفحة: 112

أو يتهبه أو نحو ذلك فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه الصعب بن جثامة حماراً وحشياً فرده عليه.
وقال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» 110. فإن قيل: الحديث المذكور في الهدية فلم عُدّي إلى غيرها؟ قيل: لمساواته لها معنى.
وأما ملكه بالإرث ففيه وجهان: أحدهما: لا يمكله بالقياس على ما تقدم.
والثاني: يملكه.
وهو الصحيح لأنه يدخل في ملكه حكماً اختار ذلك أو كرهه ولهذا يدخل في ملك الصبي والمجنون بخلاف بقية الأسباب.
قال رحمه الله: (وإن أمسك صيداً حتى تحلل ثم تلف أو ذبحه ضمنه وكان ميتة.
وقال أبو الخطاب: له أكله).
أما وجوب الضمان في الحالتين المذكورتين فلأنه تلف بسبب كان في إحرامه فضمنه كما لو جرحه فمات بعد حله.
وأما كونه ميتة على المذهب فلأنه صيد يلزمه ضمانه فلم يبح ذبحه كحال الإحرام.
وأما كون المحرم له أكله على قول أبي الخطاب فلأنه ذبحه حال حله فأبيح له كغيره.
قال رحمه الله: (وإن أحرم وفي يده صيد أو دخل الحرم بصيد لزمه إزالة يده المشاهدة دون الحكمية عنه.
فإن لم يفعل فتلف ضمنه.
وإن أرسله إنسان من يده قهراً فلا ضمان على المرسل).
أما لزوم إزالة يده المشاهدة إذا أحرم وفي يده صيد أو دخل الحرم بصيد فلأن في عدم إزالة يده إمساكاً للصيد فلم يجز كحالة الابتداء.

الجزء: 2 - الصفحة: 113

وأما عدم لزوم إزالة يده الحكمية فلأنها 111 فلم يلزم إزالتها كما لو لم يكن محرماً.
فإن قيل: ما المشاهدة وما الحكمية؟ قيل: اليد المشاهدة أن يكون في قبضته أو رَحْله أو خيمته أو قفصٍ معه أو مربوطاً معه، واليد الحكمية أن يكون له صيد في بلده أو يد نائبه في غير مكانه.
وأما وجوب الضمان إذا لم تَزُل يده فتلف فلأنه تلف تحت اليد العادِيَة فلزمه الضمان كمال الآدمي.
وأما عدم وجوبه على من أرسله من يده قهراً فلأنه فعل ما يلزمه فعله.
ولأن اليد يد زال حكمها وحرمتها.
قال رحمه الله: (وإن قتل صيداً صائلاً عليه دفعاً عن نفسه أو بتخليصه من سبع أو شبكة ليطلقه لم يضمنه.
وقيل: يضمنه فيهما).
أما عدم وجوب الضمان على من قتل صيداً صائلاً عليه على الوجه الأول فلأنه ألجأه إلى قتله فلم يضمنه كالآدمي الصائل.
وأما عدم وجوب ضمانه إذا قتله بتخليصه فلأنه فعلٌ أبيح لحاجة الحيوان فلم يضمن ما تلف به كما لو داوى ولي الصبيِّ الصبيَّ فمات بذلك.
وأما وجوب ضمانه فيهما: أما في الأولى: فلأنه قتله لحاجة نفسه أشبه ما لو قتله للحاجة إلى أكله.
وأما في الثانية: فلعموم الآية.
ولأن غاية ما فيه أنه عدم القصد إلى قتله أشبه قتل الخطأ.
قال رحمه الله: (ولا تأثير للحرم ولا للإحرام في تحريم حيوان إنسي ولا مٌحَرّم الأكل إلا القمل في رواية.
وأي شيء تصدّق به كان خيراً منه).
أما عدم تأثير الحرم والإحرام في تحريم الحيوان الإنسي كالبقر والغنم ونحو ذلك فلأن الله تعالى إنما حرم الصيد وليس هذا بصيد.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتقرب إلى الله تعالى بذبح ذلك في إحرامه.

الجزء: 2 - الصفحة: 114

وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الحج العج والثج» 112. يعني إسالة الدم بالنحر.
وأما عدم تأثيرهما في تحريم محرم الأكل غير القمل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح قتل ذلك بقوله: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم» 113. وقال: «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور» 114 متفق عليه.
نص على الخمس الفواسق وقيس عليهن كل مؤذ.
وأما القمل ففيه روايتان: أحدهما: لا تأثير لهما في قتله لأنه يحرم أكله ويؤذي أشبه البراغيث.
والثانية: يحرم قتله في الإحرام؛ لأنه يترفه بإزالته.
فعلى هذا فيه الجزاء وأي شيء تصدق به كان خيراً منه لأنه لم يرد فيه أثر.
قال رحمه الله: (ولا يحرم صيد البحر على المحرم.
وفي إباحته في الحرم روايتان).
أما عدم حرمة صيد البحر على المحرم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أُحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحُرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ [المائدة: 96].
وصيد البحر ما يعيش في الماء كالسمك والسرطان ونحو ذلك وسواء كان في الماء الملح أو العذب كالآبار والعيون لأن لفظ البحر يطلق على الكل قال الله سبحانه: ﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج﴾ [الفرقان: 53] فسمى العذب بحراً.
ولأن الله تعالى قابله بصيد البر فدل على أن ما ليس من صيد البر من صيد البحر.
وأما صيده من آبار الحرم ففيه روايتان:

الجزء: 2 - الصفحة: 115

أحدهما: يباح؛ لأنه لا يؤثر فيه الإحرام فكذلك الحرم.
والثانية: يحرم؛ لأنه صيد حرمي أشبه صيد الحرم.
قال رحمه الله: (ويُضمن الجراد بقيمته.
فإن انفرش في طريقه فقتله بالمشي عليه ففي الجزاء وجهان.
وعنه: لا ضمان في الجراد).
أما ضمان الجراد على المذهب فلما روي «أن ابن عمر رضي الله عنه أوجب فيه الجزاء» 115. ولأنه طائر أشبه سائر الطيور.
وأما ما يُضمن به فنص الإمام أحمد رحمه الله على أنه يجب في الجرادة تمرة؛ لأنه يروى عن ابن عمر 116. وقال بعض أصحابنا: يضمن بالقيمة؛ لأنه متلف غير مثلي فضُمن بالقيمة كسائر المتلفات التي لا مثل لها.
وقال القاضي أبو يعلى: ليس هذا منه -يعني من الإمام أحمد- تقديراً بل تقويماً.
وأما إذا انفرش في طريقه فقتله بالمشي عليه ففيه وجهان: أحدهما: لا جزاء عليه؛ لأنه اضطره إلى إتلافه أشبه ما لو صال عليه.
والثاني: عليه الجزاء؛ لأنه أتلفه لمنفعته أشبه ما لو اضطر إلى أكله.
وأما عدم وجوب الضمان في الجراد على روايةٍ؛ فلأنه من صيد البحر لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجراد من صيد البحر» 117. وفي لفظ: «أنه سئل عنه فقال: إنما هو من البحر» 118 رواه أبو داود.

الجزء: 2 - الصفحة: 116

والأولى وجوب الضمان لأن أبا داود رضي الله عنه قال في الحديثين جميعاً: هما جميعاً وهم 119. قال رحمه الله: (ومن اضطر إلى أكل الصيد أو احتاج إلى شيء من هذه المحظورات فله فعله وعليه الفداء).
أما كون المضطر له أكل ما اضطر إلى أكله فلمكان الضرورة.
وأما كون المحتاج إلى شيء من المحظورات المتقدم ذكرها له فعل ما احتاج إلى فعله فلأن كعب بن عجرة احتاج إلى الحلق فأباحه النبي صلى الله عليه وسلم.
روي أنه قال: «لعلك يؤذيك هوامّ رأسك.
قال: نعم يا رسول الله! قال: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع تمراً أو انسك شاة» 120 متفق عليه.
وأما وجوب الفداء في الصورتين: أما فيما إذا اضطر فلأن أكل الصيد إتلاف فوجب ضمانه كما لو اضطر إلى طعام الغير.
وأما وجوبه فيما إذا احتاج؛ فلما ذكر في حديث كعب.

الجزء: 2 - الصفحة: 117

فصل [في عقد النكاح للمحرم] قال المصنف رحمه الله: (السابع: عقد النكاح لا يصح منه.
وفي الرجعة روايتان.
ولا فدية عليه في شيء منهما).
أما كون النكاح من محظورات الإحرام فلما روى عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب» 121 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ولأن الإحرام يُحرّم الطيب فيحرم النكاح كالعدة.
فإن قيل: فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم» 122 متفق عليه.
قيل: ذلك معارض بما روى يزيد بإسناده عن ميمونة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالاً وبنى بها حلالاً وماتت بسرف ودفناها في الظلة التي بنى بها فيها» 123 رواه أبو داود والأثرم والترمذي.

الجزء: 2 - الصفحة: 118

وبما روى أبو رافع رضي الله عنه قال: «تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول بينهما» 124 قال الترمذي: هذا حديث حسن.
بل ما ذكرنا راجح؛ لأن ميمونة رضي الله عنها أعلم بنفسها وأبا رافع أعلم من غيره؛ لأنه كان السفير بينهما.
ولأن ابن عباس رضي الله عنهما كان صغيراً وقد أُنكر هذا القول عليه.
ولأن ما ذكرنا اجتمع فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وما ذكر فيه فعله لا غير.
ثم يمكن حمل قول ابن عباس: «تزوجها محرماً» 125 على أنه تزوجها في الشهر الحرام كما قيل: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما.
وقيل: تزوجها حلالاً وظهر أمر تزويجها وهو محرم.
وأما الرجعة ففيها روايتان: أحدهما: أنها كذلك لأنها عقدٌ وُضع لإباحة البضع أشبه النكاح.
والرواية الثانية: لا تحرم.
وهي الصحيحة في المذهب؛ لأن الرجعة إمساك الزوجة بدليل قوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾ [الطلاق: 2].
ولأنها تجوز بغير ولي ولا شهود.
وأما عدم وجوب الفدية في شيء منهما فلأن ذلك عقد فسد للإحرام فلم يجب به فدية كشري الطيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 119

فصل [في الجماع للمحرم] قال المصنف رحمه الله: (الثامن: الجماع في الفرج قبلاً كان أو دبراً من آدمي أو غيره، فمتى فعل ذلك قبل التحلل الأول فسد نسكه عامداً كان أو ناسياً، وعليهما المضي في فاسده والقضاء على الفور من حيث أحرما أوّلاً).
أما كون الجماع من محظورات الإحرام فلقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: 197]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الرفث الجماع».
يدل عليه قوله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ [البقرة: 187] أي الجماع.
وأما التسوية في الوطء بين الدبر والقبل ومن الآدمي وغيره فلاشتراك ذلك كله في وجوب الغسل به.
ولأن الوطء في الدبر ولغير الآدمي حرام في غير الإحرام فلأن يحرم في الإحرام بطريق الأولى.
وأما فساد النسك بفعل ذلك قبل التحلل الأول فلما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رجلاً سأله فقال: إني وقعت بامرأتي ونحن محرمان.
فقال: أفسدت حجك» 126. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعبدالله بن عمرو 127. ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعاً.
وأما وجوب المضي في فاسده ووجوب القضاء على الفور فلأن تكملة حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال للسائل: «انطلق أنت وأهلك مع الناس فاقضوا ما يقضون

الجزء: 2 - الصفحة: 120

وحلوا إذا حلوا فإذا كان العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهديا فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم» 128 وكذلك روي عن الصحابة المتقدم ذكرهم والحجة ما مر.
وأما وجوب الإحرام من الموضع الذي أحرما منه أولاً فلأن القضاء يحكي الأداء.
وأما تسوية عمد وطء المحرم بسهوه فلأن ابن عمر وابن عباس وعبدالله بن عمرو رضي الله عنهم لما قالوا للواطئ في إحرامه: «أفسدت حجك» لم يستفصلوه عن سهوه، ولو افترق الحال لوجب الاستفصال.
قال رحمه الله: (ونفقة المرأة في القضاء عليها إن طاوعت، وإن أكرهت فعلى الزوج).
أما وجوب نفقة المرأة في القضاء عليها إذا طاوعت فلأنها أفسدت حجها بالمجامعة فكانت النفقة عليها.
ولقول ابن عمر رضي الله عنهما: «واهديا هديا» أضاف الفعل إليهما فكان على كل واحد منهما هديه.
ولفظ ابن عباس رضي الله عنهما: «اهد ناقة ولتهد ناقة» 129. ولأنها بمطاوعتها أفسدت حجها فكانت النفقة عليها كالرجل المفسد لنسكه.
وأما وجوبها على الزوج إذا أكرهها فلأنه هو المفسد لحجها فكانت عليه نفقتها كنفقة حجه.
قال رحمه الله: (ويتفرقان في القضاء من الموضع الذي أصابها فيه إلى أن يحلا.
وهل هو واجب أو مستحب؟ على وجهين).
أما تفرقهما من الموضع المذكور فلأن في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «ويتفرقان من حيث يحرمان ولا يجتمعان حتى يقضيا» 130.

الجزء: 2 - الصفحة: 121

وأما وجوب ذلك ففيه وجهان: أحدهما: أنه واجب؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما ذكره حكماً للمجامع فكان واجباً كالقضاء.
والثاني: لا يجب؛ لأنه حج فلم يجب فيه مفارقة الزوجة كغير القضاء.
ولأن مقصود الفراق التحرز من إصابتها وهذا وهم لا يقتضي الوجوب.
فعلى هذا يكون مستحباً لأنه اختلف في وجوبه فأدنى أحواله أن يكون مستحباً.
فإن قيل: ما معنى التفرق؟ قيل: اجتناب الركوب معها على بعير واحد والجلوس معها في خباء، ولا بأس أن يكون قريباً منها يراعي أحوالها؛ لأنه محرمها.
قال: (وإن جامع بعد التحلل الأول لم يفسد حجه ويمضي إلى التنعيم فيُحرم ليطوف وهو محرم.
وهل تلزمه بدنة أو شاة؟ على روايتين).
أما عدم فساد حج من جامع بعد التحلل الأول وقبل الثاني فلأن الحج عبادة لها تحللان فوجود المفسد بعد أولهما لا يفسد كالصلاة.
وأما مضيه إلى التنعيم فلأن إحرامه فسد؛ لأنه وطء صادف إحراماً فأفسده كما قبل التحلل الأول، والطواف لا يصح إلا في إحرام صحيح؛ لأنه ركن فوجب أن يأتي به في إحرام صحيح كالوقوف.
واعلم أن المراد من فساد الإحرام بقيته لا فساد كله؛ لأنه لو فسد كله كان يلزم منه وقوع الوقوف في غير إحرام.
فعلى هذا يُحرم من الحل ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله يقتضي أنه يحرم من التنعيم ولا بد؟ قيل: ليس مراده ذلك بدليل أنه قال في المغني قول الخرقي يحرم من التنعيم لم يذكر ليتعين الإحرام منه بل لأنه حِلّ فمن أي حِلٍّ أحرم جاز.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أنه إذا أحرم لا يجب عليه إلا الطواف لأنه اقتصر عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 122

وقال في المغني بعد ذكر الطواف: هذا ظاهر كلام الخرقي إلا أنه ضم إليه السعي إن لم يكن سعى.
وعلل الاقتصار على ذلك بأن الذي [بقي] 131 عليه بقية أفعال الحج.
ثم قال: والمنصوص عن أحمد ومن وافقه من الأئمة أنه يعتمر.
ثم قال: فيحتمل أنهم أرادوا الإحرام والطواف وسموه عمرة لأن ذلك جُلّ أفعال العمرة.
ويحتمل أنهم ألزموه جميع أفعال العمرة لأنه إحرام مستأنف فكان فيه سعي وتقصير كالعمرة المنفردة.
ثم قال: والأول أصح في المعنى.
وأما ما يلزمه ففيه روايتان: أحدهما: بدنة؛ لأنه قول ابن عباس 132. ولأنه وطء في الحج فوجبت به بدنة كما لو لم يتحلل.
والثانية: شاة؛ لأنه وطء لا يُفْسِد الحج أشبه الاستمتاع دون الفرج الخالي عن الإنزال.
ولأن الإحرام خَفّ بالتحلل الأول فينبغي أن يكون موجَبه دون موجَب الإحرام التام.
قال المصنف رحمه الله في المغني: هذا -يعني وجوب الشاة- ظاهر كلام الإمام أحمد والخرقي.

الجزء: 2 - الصفحة: 123

فصل [في المباشرة للمحرم] قال المصنف رحمه الله: (التاسع: المباشرة فيما دون الفرج لشهوة، فإن فعل فأنزل فعليه بدنة.
وهل يفسد نسكه؟ على روايتين، وإن لم ينزل لم يفسد).
أما كون المباشرة من محظورات الإحرام فلأن ذلك وسيلة إلى الوطء وهو محرم، والوسيلة إلى المحرم تكون محرمة.
وأما وجوب البدنة إذا فعل ذلك فأنزل فلأنه جماع اقترن به الإنزال فأوجب بدنة كالجماع في الفرج.
وأما فساد النسك بذلك ففيه روايتان: أحدهما: لا يفسد؛ لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد فلا يفسد به الحج كما لو لم ينزل.
والثانية: يفسد؛ لأنه إنزال عن مباشرة أشبه الوطء في الفرج.
وصحح هذه الرواية صاحب النهاية في مختصره.
وأما عدم فساده إذا لم ينزل فلأنها مباشرة عريت عن إنزال فلم يفسد بها الحج كاللمس، أو مباشرةٌ لا توجب الاغتسال فلا يفسد بها الحج كاللمس.

الجزء: 2 - الصفحة: 124

فصل [في إحرام المرأة] قال المصنف رحمه الله: (والمرأة إحرامها في وجهها.
ويحرم عليها ما يحرم على الرجل إلا في اللباس وتظليل المحمل).
أما كون إحرام المرأة في وجهها فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولا تتنقب المرأة الحرام» 133 رواه البخاري.
نهى المرأة عن النقاب فلو لم يحرم تغطية وجهها لما نهاها عنه.
فإن قيل: فلو احتاجت إلى ستر وجهها عند مرور الرجال قريباً منها؟ قيل: ترسل ثوباً من فوق رأسها على وجهها لما روت عائشة رضي الله عنها: «كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» 134 رواه أبو داود.
ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها فلم يحرم على الإطلاق كالعورة من الرجل.
وأما كون المرأة يحرم عليها ما يحرم على الرجل غير اللباس وتظليل المحمل فلأن ذلك كله حرام على الرجل لإحرامه، وهو موجود في المرأة فيحرم عليها ذلك لوجود سببه.
وأما كونها لا يحرم عليها اللباس والتظليل فلأن المرأة عورة يحرم النظر إليها ويستحب لها المبالغة في الستر، وحرمة اللباس والتظليل يناقض ذلك بخلاف الرجل.

الجزء: 2 - الصفحة: 125

قال: (ولا تلبس القفازين والخلخال ونحوه، ولا تكتحل بالإثمد).
أما كون المرأة لا تلبس القفازين فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتنقب المرأة الحرام ولا تلبس القفازين» 135 رواه البخاري.
وفي لفظ: «نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب» 136. فإن قيل: ما القفازان؟ قيل: شيء يعمل لليدين يدخلان فيه من الحر مثل ما يعمل للبُزاة.
وأما كونها لا تلبس الخلخال وما أشبهه كالسوار والدملج فلأن المحرمة كالمتوفى عنها زوجها في اجتناب الطيب.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن لبسه حرام لأنه عطفه على القفازين ولبسهما حرام فكذلك المعطوف عليهما.
قال المصنف رحمه الله في المغني بعد ذكر ذلك: ظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز لبسه.
وروي عن الإمام أحمد رحمه الله على أنه قال: المحرمة والمتوفى عنها زوجها يتركان الطيب والزينة.
وظاهره تحريم الحلي المذكور.
وأما الكحل بالإثمد فليس حراماً بل مكروهاً صرح به المصنف رحمه الله في المغني والكافي.
والأصل فيه «قول عائشة رضي الله عنها لامرأة قالت لها: اشتكت عيني وأنا محرمة: اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد أو الأسود.
أما إنه ليس حراماً ولكنه زينة فنحن نكرهه» 137. وفي ذكر الإثمد دليل على عدم كراهة الاكتحال بغيره.
وصرح به المصنف في المغني.
والأصل فيه حديث عائشة المتقدم فإن فيه: «اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد» 138 مع أنها نفت الحرمة عن الإثمد فدل على أن غيره ليس بمكروه.

الجزء: 2 - الصفحة: 126

قال: (ويجوز لبس المعصفر والكحلي والخضاب بالحناء والنظر في المرآة لهما جميعاً).
أما جواز لبس المعصفر والكحلي فلقوله صلى الله عليه وسلم: «ولتلبس إحداكن ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو كحلي».
وأما الخضاب بالحناء فلأن عكرمة قال: «كانت عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يختضبن بالحناء وهن حرم» 139. وأما النظر في المرآة للرجل والمرأة فإن كان القصد بذلك إزالة شعث أو تسوية شعر أو شيئاً من الزينة كره لأنه زينة وقد روي: «إن المحرم الأشعث الأغبر».
وفي الحديث: «إن الله تعالى يباهي الملائكة بأهل عرفة فيقول: يا ملائكتي! انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين» 140. وإن كان لغير ذلك جاز من غير كراهة.
أما الجواز فلأنه إذا جاز فيما تقدم فلأن يجوز في غيره بطريق الأولى.
وأما عدم الكراهية فلانتفاء موجبها المتقدم ذكره.

الجزء: 2 - الصفحة: 127

باب الفدية

قال المصنف رحمه الله: (وهي على ثلاثة أضرب: أحدها: ما هو على التخيير، وهو نوعان: أحدهما: يخير فيه بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة، وهي فدية حلق الرأس وتقليم الأظافر وتغطية الرأس واللبس والطيب.
وعنه: يجب الدم إلا أن يفعله لعذر فيخير).
أما كون فدية الحلق على التخيير مع العذر فلقوله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: 196]. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: «احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة» 141 متفق عليه.
فإن قيل: الآية ليس فيها ذكر الحلق؟ قيل: هو محذوف تقديره فحلق ففدية، ونظيره قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: 185] أي فأفطر فعدة.
وأما مع عدم العذر ففيه روايتان: أحدهما: هي على التخيير لما تقدم.
والثانية: هي على الترتيب لأن الله تعالى خيره مع العذر فإذا زال العذر زال التخيير.
فعلى هذه يجب عليه الدم أولاً فإن لم يجد أطعم ستة مساكين.

الجزء: 2 - الصفحة: 128

وأما كون الفدية صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو نسك شاة فلما تقدم في حديث كعب بن عجرة.
وأما كون الواجب لكل مسكين مداً من البر أو نصف صاع من غيره فلأن البر أنفع من غيره.
ولأن الكفارات البر فيها على النصف من غيره فكذلك هاهنا.
وفي بعض ألفاظ حديث كعب بن عجرة: «أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع تمر» 142. وفي رواية أبي داود: «أطعم ستة مساكين فرَقاً من زبيب» 143. والفرَق ستة عشر رطلاً وهو ثلاثة آصع.
وأما كون فدية تقليم الأظفار وتغطية الرأس واللبس والطيب كفدية الحلق فلأن أصل الوجوب في ذلك كله ملحق بالحلق فكذلك في صفته.
قال: (الثاني: جزاء الصيد يخير فيه بين المثل أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعاماً فيطعم كل مسكين مداً أو يصوم عن كل مد يوماً، وإن كان مما لا مِثْل له خُيّر بين الإطعام والصيام.
وعنه: أن جزاء الصيد على الترتيب، فيجب المثل فإن لم يجد 144 لزمه الإطعام فإن لم يجده صام).
أما كون جزاء الصيد على التخيير على المذهب فلأن الله عز وجل ذكر ذلك بلفظ "أو" المقتضية للتخيير فقال سبحانه وتعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما﴾ [المائدة: 95].
ولأن جزاء الصيد كفارة فكانت على التخيير كفدية الأذى.

الجزء: 2 - الصفحة: 129

وأما ما يجب فيه فيُنظر في الصيد فإن كان مما له مثل خير فيه بين ثلاثة أشياء: المثل والإطعام والصيام؛ لأن ذلك هو المذكور في الآية، وإن كان مما لا مثل له خير بين شيئين: الإطعام والصيام؛ لأن التخيير إذا وقع بين أشياء فعدم واحد بقي بين الباقي.
فعلى هذا إن اختار الإطعام فيما له مِثْل قُوّم المثل لا الصيد لأن كل متلف له مثل إذا قوم لزمت قيمة مثله دليله مال الآدمي المثلي.
وإن اختار الصيام كان اليوم في مقابلة المد لأنها كفارة دخلها الصيام والإطعام فكان اليوم في مقابلة المد ككفارة الظهار.
وإن اختار الإطعام فيما لا مثل له قُوّم الصيد لأن كل متلف غير مثلي إذا قوم لزمت قيمته دليله مال الآدمي غير المثلي.
وإن اختار الصيام فعلى ما تقدم.
وأما كون جزاء الصيد على الترتيب على روايةٍ فلأن المتعة على الترتيب وهذا آكد منها فإنه يجب بفعل محظور.
والأصح أنها على التخيير؛ لأن دليل الترتيب قياس مع وجود النص.

الجزء: 2 - الصفحة: 130

فصل [في الفدية الواجبة بالترتيب] قال المصنف رحمه الله: (الضرب الثاني: على الترتيب.
وهو ثلاثة أنواع: أحدها: دم المتعة والقران: فيجب الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله، وإن صامها قبل ذلك أجزأه).
أما كون فدية التمتع على الترتيب فلقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: 196]. ذكره بلفظ الشرط وذلك شأن المرتَّب.
وأما كون فدية القران على الترتيب فلأن وجوبها ثابت بالقياس على فدية التمتع فكذلك صفتها.
وأما زمن الصيام فيها فعلى ضربين: أحدهما: زمن فضيلة.
وثانيهما: زمن جواز.
وذلك في الثلاثة والسبعة.
أما زمن الفضيلة في الثلاثة فبعد إحرامه بالحج بحيث يكون آخرها يوم عرفة لأنه يكون آتيا بها في الحج.
وأما زمن الجواز فبعد إحرامه بالعمرة وقبل يوم عرفة لأنه أحد إحرامي التمتع فجاز الصوم بعده كإحرام الحج.
ولأن الإحرام بالعمرة سبب الوجوب فجاز الصوم بعده وإن تخلف الوجوب كتقديم الزكاة بعد النصاب وقبل الحول، وكتقديم الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ [البقرة: 196]. قيل: قد قال بعض أهل العلم معناه في أشهر الحج.

الجزء: 2 - الصفحة: 131

وأما زمن الفضيلة في السبعة فإذا رجع إلى أهله؛ لقوله: ﴿إذا رجعتم﴾ [البقرة: 196]. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» 145 متفق عليه.
ولما فيه من الخروج من الخلاف.
وأما زمن الجواز فظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله إذا رجع من الحج إلى مكة لأن كل صوم واجب جاز فعله في وطن فاعله جاز في غير وطنه كسائر الفروض.
ولأنه قيل في الآية أن المراد بقوله: ﴿إذا رجعتم﴾ [البقرة: 196] أي من الحج.
ولأن تأخير السبعة إنما كان رخصة فإذا قدم الصوم جاز كالمريض والمسافر إذا صاما رمضان.
قال: (فإن لم يصم قبل يوم النحر صام أيام منى.
وعنه: لا يصومها، ويصوم بعد ذلك عشرة أيام وعليه دم.
وعنه: إن ترك الصوم لعذر لم يلزمه إلا قضاؤه، وإن أخر الهدي 146 لغير عذر فعليه مع فعله دم.
وقال أبو الخطاب: إن أخر الهدي والصوم لعذر لم يلزمه قضاؤه، وإن أخر الهدي لغير عذر فهل يلزمه دم آخر؟ على روايتين.
قال: وعندي أنه لا يلزمه مع الصوم دم بحال).
أما جواز صوم أيام منى لمن أخر صوم الثلاثة إلى ذلك ففيه روايتان: أحدهما: يجوز لما روي عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» 147 رواه البخاري.
وإطلاق الصحابي هذا اللفظ ينصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 132

والرواية الثانية: لا يجوز؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم ستة أيام ذكر منها أيام التشريق» 148. ولأنها لا يجوز صومها نفلاً فلا يجوز فرضاً كالعيد.
والأولى أصح لأن دليلها خاص فيقدم على العام.
ولأن الله تعالى أمر بصيام الثلاثة في الحج ولم يبق من أيام الحج إلا هذه الأيام فيتعين الصوم فيها بأمر الله تعالى.
فعلى الرواية الأولى: لا شيء عليه لأنه لم يؤخر الصوم الواجب عن محله.
وعلى الثانية: ينظر فيه فإن كان التأخير لغير عذر وجب عليه مع فعله دم لأنه أخره عن وقته أشبه ما لو أخر رمي الجمار عن أيام التشريق، وإن أخّره لعذر ففيه روايتان: أحدهما: يلزمه دم أيضاً لما ذكر.
والثانية: لا يلزمه لمكان العذر.
وقال أبو الخطاب رحمه الله: لا يلزمه دم بحال سواء أخّره لعذر أو لغيره لأنه صوم واجب يجب بفواته القضاء.
وذكر المصنف رحمه الله في المغني قول أبي الخطاب رواية عن الإمام أحمد ثم قال فيها: وهو اختيار أبي الخطاب.
وأما إن أخّر الهدي وكان التأخير لعذر لم يلزمه شيء زائد على فعله لأنه تأخير لعذر فلم يلزمه غير فعله كسائر الهدايا الواجبة، وإن كان التأخير لغير عذر ففيه روايتان: أحدهما: لا يلزمه شيء زائد كسائر الهدايا الواجبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 133

والثانية: عليه دم آخر لأن الدم في المتعة نسك مؤقت فيلزم الدم بتأخيره عن وقته كرمي الجمار.
قال: (ولا يجب التتابع في الصيام، ومتى وجب عليه الصوم فشرع فيه ثم قدر على الهدي لم يلزمه الانتقال إليه إلا أن يشاء، وإن وجب ولم يشرع فيه فهل يلزمه الانتقال؟ على روايتين).
أما عدم وجوب التتابع في الصوم المتقدم ذكره فلأن الأمر ورد به مطلقاً وذلك لا يقتضي الجمع ولا التتابع.
ولأنه صوم واجب فلم يجب التتابع فيه كالقضاء.
وأما عدم لزوم الانتقال إلى الهدي إذا شرع في الصوم ثم قدر عليه فلأنه صوم دخل فيه لعدم الهدي، فإذا وجد الهدي لم يلزمه الخروج إليه كما لو وجد الرقبة بعد الشروع في صوم الكفارة.
وأما إذا وجب ولم يشرع فيه ففيه روايتان: أحدهما: لا يلزمه الانتقال إليه أيضاً لأن الصيام استقر في ذمته لوجوبه حال وجود السبب المتصل بشرطه وهو عدم الهدي.
والثانية: يلزمه لأنه وجد المبدل قبل الشروع في البدل أشبه ما لو وجده حالة الوجوب.
قال: (النوع الثاني: المحصر يلزمه الهدي، فإن لم يجده 149 صام عشرة أيام ثم حل).
أما كون فدية الإحصار على الترتيب فقياس على فدية التمتع.
وأما هيئتها فدمٌ ثم صيام عشرة أيام، أما الدم فلقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: 196]. وأما الانتقال إلى صيام عشرة أيام إذا لم يجد الهدي فلأنه دم واجب فكان له بدل ينتقل إليه كدم التمتع.

الجزء: 2 - الصفحة: 134

وأما قول المصنف رحمه الله: "ثم حل" فإشارة إلى أنه لا يجوز له التحلل إلا إذا فعل الواجب عليه من دم أو صيام.
وسيذكر في بابه.
قال: (النوع الثالث: فدية الوطء يجب به بدنة، فإن لم يجدها صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع كدم المتعة لقضاء الصحابة به.
وقال القاضي: إن لم يجد البدنة أخرج بقرة فإن لم يجد فسبعاً من الغنم، فإن لم يجد أخرج بقيمتها طعاماً، فإن لم يجد صام عن كل مد يوما.
وظاهر كلام الخرقي أنه مخير في هذه الخمسة فبأيّها كفّر أجزأه).
أما وجوب البدنة بالوطء فلأن ابن عباس رضي الله عنهما قال للواطئ: «اهد ناقة ولتهد ناقة» 150. وأما الانتقال إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع على المذهب إذا لم يجد الهدي فـ «لأن العبادلة أفتوا بذلك لمن لم يجد الهدي» رواه الأثرم.
وأما الانتقال إلى البقرة على قولٍ فلأنها أقرب شبهاً بها.
وأما وجوب سَبْع من الغنم إذا لم يجد البقرة فلأن ذلك يجزئ عن سبعة أشبه البدنة.
وأما إخراجه بالقيمة طعاماً.
ومعناه: أنه يشتري بها ذلك ويتصدق، وصومه عن كل مد يوماً إذا لم يجد الإطعام فلأنها بدنة وجبت عليه لم يمكن أداء الواجب فوجب أن ينتقل إلى التقويم والشراء والتصدق ثم إلى الصوم المذكور كالبدنة الواجبة في فدية النعامة.
وأما الخيرة على ظاهر كلام الخرقي بين إخراج البدنة والبقرة وسَبْع من الغنم والإطعام والصوم فلأن بعضها قريب من بعض، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما لما سئل عن البقرة: «وهل هي إلا من البدن» 151.

الجزء: 2 - الصفحة: 135

وقال صاحب النهاية فيها: منشأ الخلاف -يعني بين القاضي والخرقي- أن الوطء هل هو من قبيل الاستمتاعات أم من قبيل الاستهلاكات؟ فعلى هذا إن قيل أنه من قبيل الاستمتاع وجب أن يكون كفارته على التخيير لأن اللبس والطيب استمتاع، وهما على التخيير على الصحيح.
وإن قيل: أنه من قبيل الاستهلاكات وجب أن يكون على الترتيب على الصحيح.
فإن قيل: هي على الترتيب لم يجز أن يخرج واحد مما ذكر مع وجود الذي قبله.
وإن قيل: هي على التخيير فله التكفير بما شاء من الخمسة؛ لأن هذا شأن الواجب المخيرة.
إذا تم شرح كلام المصنف رحمه الله فاعلم أن الانتقال من البدنة إلى الصيام لم أجد به قولاً لأحمد ولا لأحد من الأصحاب وكأنه والله أعلم قد اختاره لما فيه من موافقة العبادلة إلا أن فيه نظراً نقلاً وأثراً.
أما النقل فهو أن المصنف رحمه الله قال في المغني في مسألة: وإن وطئ المحرم في الفرج فأنزل أو لم ينزل فسد حجهما وعليه بدنة ويجب على المجامع بدنة.
روي ذلك عن ابن عباس، فإن لم يجد فشاة.
وأيضاً فإنه هنا شبّه فدية الوطء بفدية المتعة، والشبه إنما يكون في ذات الواجب أو في نفس الانتقال.
ويرد على الأول أنه لا يجب فيها بدنة بل شاة وعلى الثاني أنه لا يجوز الانتقال في المتعة مع القدرة على الشاة.
وأما الأثر فإن المروي عن العبادلة أن من أفسد حجه أفتوه إذا لم يجد الهدي انتقل إلى صيام عشرة أيام ولا يلزم في حق من لم يجد بدنة أن يقال عنه لم يجد الهدي لأنه قد لا يجد بدنة ويجد بقرة أو شاة.
قال: (ويجب بالوطء في الفرج بدنة إن كان في الحج وشاة إن كان في العمرة.
ويجب على المرأة مثل ذلك إن كانت مطاوعة، وإن كانت مكرهة فلا فدية عليها.
وقيل: يلزمها كفارة يتحملها الزوج عنها).
أما وجوب البدنة بالوطء في الحج؛ فلأن ذلك يروى عن ابن عباس 152.

الجزء: 2 - الصفحة: 136

وأما وجوب شاة بالوطء في العمرة فلأن العمرة أحد النسكين فوجب أن يجب بالوطء فيه شيء كالآخر وإنما لم تجب البدنة لأن حكم العمرة أخف.
وأما وجوب مثل ذلك على المرأة إذا كانت مطاوعة فلأن الأصل مساواة الرجل المرأة ما لم يقم دليل على التخصيص.
ولأنه جاء في حديث ابن عباس: «اهد ناقة ولتهد ناقة» 153. وأما عدم وجوب الفدية عليها إذا كانت مكرهة على المذهب فلقوله صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» 154. وأما لزوم ذلك للمرأة على قولٍ فلحصول الوطء.
وأما كون الزوج يتحملها فلأنه سبب لأن لزمها ذلك فوجب أن يتحملها عنها.

الجزء: 2 - الصفحة: 137

فصل [في الدماء الواجبة للفوات] قال المصنف رحمه الله: (الضرب الثالث: الدماء الواجبة للفوات أو لترك واجب أو للمباشرة في غير الفرج، فما وجب منه بدنة فحكمها حكم البدنة الواجبة بالوطء في الفرج، وما عداه فقال القاضي: ما وجب لترك واجب ملحق بدم المتعة، وما وجب للمباشرة ملحق بفدية الأذى).
أما كون حكم البدنة الواجبة بشيء مما ذكر حكم البدنة الواجبة في الوطء فلأنها بدنة وجبت بسببٍ في إحرامه أشبهت البدنة الواجبة في الوطء.
ومعنى قوله: حكمها حكم البدنة الواجبة في الوطء أنه يجب عليه بدنة فإن لم يجد انتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع على المذهب، وعلى قول القاضي إن لم يجد البدنة ذبح بقرة، فإن لم يجد فسَبْعاً من الغنم، فإن لم يجد أخرج بقيمة البدنة طعاماً، فإن لم يجد صام عن كل مد يوماً.
وعلى ظاهر قول الخرقي أنه مخير في هذه الخمسة كما خير فيها إذا كان سبب ذلك الوطء.
وأما كون حكم ما وجب لترك واجب كترك الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي، والمبيت بمنى لياليها، وطواف الوداع حكم دم المتعة فلأن دم المتعة وجب لترفهه بأحد السفرين فيقاس عليه كل دم واجب.
وأما كون حكم ما وجب للمباشرة كالقبلة واللمس والوطء في العمرة والوطء في الحج بعد الجمرة حكم فدية الأذى كالحلق وتقليم الأظافر فلأنه في معناه فيقاس عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 138

قال: (ومتى أنزل بالمباشرة دون الفرج فعليد بدنة، وإن لم ينزل فعليه شاة.
وعنه: بدنة).
أما وجوب البدنة بالإنزال عن المباشرة دون الفرج فلأنه جماع اقترن به الإنزال فأوجب بدنة كما لو كان في الفرج.
وأما إذا لم ينزل ففيه روايتان: أحدهما: عليه شاة لأنه هتك إحرامه بذلك الفعل فوجب عليه شاة كما لو تطيب.
والثانية: عليه بدنة لأنه استمتاع فأوجب بدنة كما لو أنزل.
قال: (وإن كرر النظر فأنزل أو استمنى فعليه دم، هل هو بدنة أو شاة؟ على روايتين.
وإن مذى بذلك فعليه شاة، وإن فكر فأنزل فلا فدية عليه).
أما وجوب الدم على من كرر نظره فأنزل أو استمنى فلأنه هتك إحرامه بذلك أشبه ما لو أنزل بالمباشرة.
وأما ما هو فيه؟ روايتان: أحدهما: أنه بدنة؛ لأنه يروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما 155. والثانية: أنه شاة؛ لأنه إنزال بفعل محظور فوجبت به شاة كالإنزال باللمس.
ولأنه يروى عن ابن عباس أيضاً 156. وأما وجوب الشاة على من مذى بما تقدم ذكره فلأن للمذي جزء من المني أشبه ما لو أمنى.
فإن قيل: هل يشمل ذلك المباشرة؟ قيل: لا؛ لأن المباشرة بدون إنزال مني أو مذي موجبة لبدنة أو شاة على ما ذكر من الاختلاف فلا حاجة إلى ذكر المذي في إيجاب الشاة لأنها أقل ما تجب بدونه.

الجزء: 2 - الصفحة: 139

وأما عدم وجوب الفدية على من فكر فأنزل فلأن الفكرة تعرض للمرء من غير إرادة ولا اختيار فلا يتعلق بها حكم كما لو فكر فأنزل وهو صائم.

الجزء: 2 - الصفحة: 140

فصل [فيمن كرر محظورا] قال المصنف رحمه الله: (ومن كرر محظوراً من جنسٍ مثل: إن حلق ثم حلق، أو وطئ ثم وطئ قبل التكفير عن الأول فكفارة واحدة، وإن كفر عن الأول لزمته للثاني كفارة).
أما عدم لزوم التكفير بالثاني إذا لم يكفر عن الأول فلأنهما كفارتان فتداخلتا كالمهر والحد.
وأما لزوم كفارة ثانية إذا كفر عن الأول فلأنه حلقٌ أو وطءٌ صادف إحراماً فوجبت به كفارة ثانية كالأول.
قال رحمه الله: (وإن قتل صيداً بعد صيد فعليه جزاؤهما.
وعنه: عليه جزاء واحد).
أما تعدد الجزاء بتعدد قتل الصيد على الرواية الأولى فلأن جزاء الصيد كفارة عن قتل فاستوى فيها المبتدئ والعائد كقتل الآدمي.
وأما وجوب جزاء واحد وإن تعدد القتل على الرواية الثانية فلأن الله سبحانه قال: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ [المائدة: 95] ولم يوجب جزاء ثانياً.
ولأن جزاء الصيد كفارة فتتداخل كالحلق.
والرواية الأولى أصح لما تقدم.
وذكر العقوبة في الثاني لا يمنع الوجوب كما قال تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: 275] وقد ثبت أن العائد لو انتهى كان له ما سلف وأمره إلى الله.
ولا يصح قياس جزاء الصيد على غيره لأن جزاءه مقدر به ويختلف بصغره وكبره.
ولو أتلف صيدين معاً وجب جزاؤهما معاً بخلاف غيره من المحظورات.

الجزء: 2 - الصفحة: 141

قال: (وإن فعل محظوراً من أجناس فعليه لكل واحد فداء.
وعنه: عليه فدية واحدة).
أما تعدد الفداء بتعدد جنس المحظورات كمن حلق وقلّم ولبس فلأن الصادر منه فعل محظورات من أجناس فلم تتداخل كالحدود المختلفة.
وأما وجوب فدية واحدة على الرواية الثانية فلأن ذلك فعل محظور فلم يتعدد كالجنس الواحد.
قال: (وإن حلق أو قلم أو وطئ أو قتل صيداً عامداً أو مخطئاً فعليه الكفارة.
وعنه: في الصيد لا كفارة إلا في العمد، ويخرج في الحلق مثله.
وإن لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً فلا كفارة فيه، وعنه: عليه الكفارة).
أما عدم الفرق بين العمد والخطأ في وجوب الكفارة على الصحيح من المذهب فيما إذا حلق أو قلم أو قتل فلأن الحلق والتقليم والقتل إتلاف فاستوى عمده وسهوه كإتلاف مال الآدمي.
وأما عدم الفرق بينهما إذا وطئ فلأنه معنى يتعلق به قضاء فاستوى عمده وسهوه كالفوات.
وأما عدم وجوب الكفارة فيما إذا قتل صيداً مخطئاً على روايةٍ فلأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ومن قتله منكم متعمداً﴾ [المائدة: 95] شرط التعمد فدل على أنه لا جزاء في الخطأ.
وأما تخريج مثل ذلك في الحلق فلأنه محرم بسبب في إحرامه أشبه الصيد.
ولم يذكر المصنف رحمه الله التخريج في التقليم والوطء وهما مثله لأن التقليم تبع له والوطء في معناه.
وأما وجوب الكفارة على من لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً ففيه روايتان: أحدهما: لا تجب لما روى يعلى بن أمية رضي الله عنه «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه جبة وعليه أثر خلوق.
فقال: يا رسول الله! كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟

الجزء: 2 - الصفحة: 142

فقال: اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك أثر الخلوق» 157. أمره بالخلع والغسل ولم يأمره بفدية لجهله فيجب أن يكون الناسي كذلك لأنه في معناه.
والثانية: تجب عليه؛ لأنه فعلٌ حرمه الإحرام فاستوى عمده وسهوه كالحلق.
والأول المذهب للحديث المتقدم ذكره.
والفرق بين الحلق والتقليم والوطء والقتل وبين اللبس والطيب والتغطية أن الحالق والمقلم والواطئ والقاتل لا يمكنه تلافي ما فعل بخلاف اللابس والمتطيب والمغطي فإنه يمكنه ذلك بخلعه وإزالة الطيب.
قال: (ومن رفض إحرامه ثم فعل محظوراً فعليه فداؤه).
أما وجوب الفداء على من فعل محظوراً بعد رفضه إحرامه فلأنه فعل محظوراً في إحرامه؛ لأن الإحرام لا يفسد بالرفض؛ لأن الحج عبادة لا يخرج منها بالفساد فلا يخرج منها بالرفض بخلاف سائر العبادات.
وأما المعنيّ برفض الإحرام فقطع بقية النسك.
قال: (ومن تطيب قبل إحرامه في بدنه فله استدامة ذلك في إحرامه، وليس له لبس ثوب مطيب، وإن أحرم وعليه قميص خلعه ولم يشقه، فإن استدام لبسه فعليه الفدية).
أما إباحة استدامة الطيب في الإحرام إذا تطيب في بدنه قبل إحرامه فلما تقدم من قول عائشة رضي الله عنها: «كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يحل» 158. و «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم» 159. وفي قول المصنف رضي الله عنه: ومن تطيب قبل إحرامه في بدنه إشعار بأنه لو تطيب قبل إحرامه في ثوبه لا يباح له ذلك وسيذكر حكمه بعدُ إن شاء الله تعالى.

الجزء: 2 - الصفحة: 143

وأما كون المحرم ليس له لبس ثوب مطيب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس» 160 متفق عليه.
وأما خلعه القميص من غير شق إذا أحرم وعليه ذلك فلما روى يعلى بن أمية «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تَضَمَّخ بطيب؟ فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعةً ثم سكت فجاءه الوحي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما الطيب الذي بك فاغسله وأما الجبة التي عليك فانزعها ... مختصر» 161 رواه مسلم.
ولأن في شق الثوب إضاعة ماليته و «قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال» 162. وأما وجوب الفدية على من استدام لبس ذلك فلأن استدامة اللبس تسمى لبساً بدليل قولهم: لبست شهراً.
ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الجبة المُضَمّخَة بالطيب بنزعها.
وبوجوب الفدية يظهر أنه يحرم على من أحرم في ثوب مطيب استدامة ذلك لأن الفدية لا تجب في فعل مباح.
قال: (وإن لبس ثوباً كان مطيباً وانقطع ريح الطيب منه وكان بحيث إذا رش فيه ماء فاح ريحه فعليه الفدية).
أما وجوب الفدية على من لبس ثوباً شأنه ما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأنه لبس ثوباً مطيباً فوجب عليه الفدية كالذي يظهر ريحه من غير رش.
وأما عدم وجوبها إذا انقطع ريح الطيب بحيث إذا رش فيه ماء لا يفوح له رائحة؛ فلأنه يَصدق عليه أنه غير مطيب الآن.
فوجب أن لا يلزمه فدية كالذي ما تطيب بالأصالة.

الجزء: 2 - الصفحة: 144

فصل [في موضع إخراج الفدية] قال المصنف رحمه الله: (وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم 163 إلا فدية الأذى واللبس والطيب ونحوها إذا وجد سببها في الحل فيفرقها حيث وجد سببها.
ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر، وأما الصيام فيجزئه بكل مكان).
أما كون الهدي والإطعام غير ما استثني لمساكين الحرم فلقوله سبحانه: ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ [المائدة: 95]، وقوله: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: 33].
والمراد بمساكين الحرم أهله ومن كان وارداً إليه كالحاج: فأما أهله فلا إشكال فيهم، وأما الوارد فلأنه قد حل فيه أشبه أهله.
ويشترط فيه أن يكون المدفوع إليه ممن يجوز دفع الزكاة إليه؛ لأن ذلك حق واجب فلم يجز دفعه إلى غير من يجوز دفع الزكاة إليه كالزكاة.
وأما كون فدية الأذى واللبس ونحوها كالتقليم والطيب تخرج حيث وجد سببها حلاً كان أو حرماً فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كعب بن عجرة بالفدية في الحديبية 164 ولم يأمره ببعثها إلى الحرم.
و«لأن الحسين بن علي رضي الله عنهما حلق رأسه على الوجع ونحر عنه جزوراً بالسُّقْيَا» 165 رواه الأثرم.
ولم يعرف لهم مخالف فكان كالإجماع.

الجزء: 2 - الصفحة: 145

وأما كون دم الإحصار حيث أحصر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما أحصروا بالحديبية ذبحوا بها البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» 166. ولأنه موضع تحلله فكان موضع ذبحه كالحرم.
وأما إجزاء الصيام بكل مكان فلأن الصيام لا يتعدى نفعه إلى أحد فلا معنى لتخصيصه بمكان، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: «الدم والطعام بمكة والصوم حيث شاء» 167. قال: (وكل دم ذكرناه يجزئ فيه شاة أو سُبُع بدنة، ومن وجبت عليه بدنة أجزأته بقرة).
أما إجزاء الشاة فلأنه إذا أجزأ سبع البدنة وهو بعض دم فلأن تجزئ الشاة وهي دم كامل بطريق الأولى.
وأما إجزاء سبع البدنة فلأن جابراً رضي الله عنه قال: «كنا ننحر البدنة عن سبعة» 168. وأما إجزاء البقرة عمن وجبت عليه بدنة فلأن تكملة حديث جابر رضي الله عنه: «أنه قيل له: والبقرة فقال: وهل البقرة إلا من البدن» 169. ولأنها تقوم مقامها في الإجزاء عن سبعة في الأضحية فكذلك هاهنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 146

باب جزاء الصيد

جزاء الصيد واجب لقوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95].
قال المصنف رحمه الله: (وهو ضربان: أحدهما: له مِثْل من النَّعم فيجب فيه مثله.
وهو نوعان: أحدهما: قضت فيه الصحابة ففيه ما قضت).
أما كون جزاء الصيد ضربين فلأن منه ما هو مثلي ومن ما لا مثل له.
أما وجوب المثل فيما له مثل؛ فلقوله تعالى: ﴿فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95].
وأما تنويع ما لَه مِثْل نوعين فلأنه منه ما قضت الصحابة فيه بالمثل ومنه ما لم تقض فيه بذلك.
وأما وجوب ما قضت به الصحابة فيما قضت به فلأنهم أعرف بمواقع الخطاب وأقرب إلى الصواب.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» 170. وقال: «اقتدوا باللّذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر» 171.

الجزء: 2 - الصفحة: 147

قال: (ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش وبقرته والأيل والثيتل والوعل بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الغزال والثعلب عنز، وفي الوبر والضب جدي، وفي اليربوع جفرة لها أربعة أشهر، وفي الأرنب عناق، وفي الحمام وهو كلما عب وهدر شاة.
وقال الكسائي: كل مطوق حمام).
أما وجوب البدنة في النعامة فـ «لأن عثمان وعلياً وزيداً وابن عباس ومعاوية رضي الله عنهم قضوا فيها ببدنة» 172. وأما وجوب البقرة في حمار الوحش فـ «لأن عمر رضي الله عنه قضى فيه ببقرة» 173. ولأنه شبيهٌ بها.
وأما وجوبها في بقرة الوحش فـ «لأن ابن مسعود رضي الله عنه قضى فيها ببقرة» 174. وأما وجوبها في الإبل فـ «لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فيه بقرة» 175. وأما وجوبها في الثيتل والوعل فبالقياس على الأيل.
وأما وجوب الكبش في الضبع فـ «لأن عمر وابن عباس رضي الله عنهم قضيا فيه بذلك» 176. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بذلك 177 رواه أبو داود.

الجزء: 2 - الصفحة: 148

وأما وجوب العنز في الغزال فـ «لأن ابن عباس رضي الله عنهما قضى فيه بعنز» 178. ولأن فيه شبهاً به لأن العنز أجرد الشعر متقلص الذنب وذلك صفة الغزال.
وأما وجوبها في الثعلب فلأنه كالغزال.
وعن الإمام أحمد رحمه الله: فيه شاة لأنه أعظم من الغزال.
وعنه لا جزاء فيما لا يؤكل فيُخَرّج منه أنه لا جزاء فيه لأنه لا يؤكل على المشهور في المذهب.
وأما وجوب الجدي في الوبر 179. وأما وجوبه في الضب فـ «لأن عمر رضي الله عنه قضى في الضب بجدي» 180 رواه الشافعي.
وأما وجوب الجفرة في اليربوع فـ «لأن عمر وابن مسعود قضيا فيه بذلك» 181. وأما قول المصنف رحمه الله: لها أربعة أشهر فبيان لمقدار عمر الجفرة.
وأما وجوب العناق في الأرنب فـ «لأن عمر رضي الله عنه قضى فيه بذلك» 182.

الجزء: 2 - الصفحة: 149

وأما وجوب الشاة في الحمام فـ «لأن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم قضوا في حمام الحرم بشاة» 183 وحمام غير الحرم مثل حمام الحرم.
وأما المراد بالحمام فروي عن الإمام رحمه الله: كل طير عب الماء.
فيدخل في هذا الفواخت والوارشين والقمري والقطاة لأن كل واحد من هذه يعب الماء.
ويعضده تسمية العرب ذلك حماماً.
وروي عن الكسائي: كل مطوق حمام.
فعلى هذا يكون الحجل من الحمام لأنه مطوق.
قال: (النوع الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة، ويجوز أن يكون القاتل أحدهما).
أما الرجوع فيما لم تقض الصحابة فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة فلقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: 95]، والمراد منهما أن يحكما فيه بأشبه الأشياء به من النَّعَم من حيث الخلقة لا من حيث القيمة؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم قضوا بالمثل لا بالقيمة.
ويشترط أن يكونا من أهل الخبرة لأنهما لا يتمكنان من الحكم بالمثل إلا بالخبرة.
وأما جواز كون القاتل أحدهما فلأن الله تعالى قال: ﴿ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: 95] والقاتل من عُدولنا.
وروى الشافعي بإسناده عن طارق بن شهاب قال: «خرجنا حجاجاً فأوطأ رجل منا يقال [له] أربد ضباً ففرز ظهره، فقدمنا على عمر فسأله أربد.
فقال له: احكم يا أربد فيه، قال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين! وأعلم.
فقال عمر: إنما أمرتك أن تحكم

الجزء: 2 - الصفحة: 150

ولم آمرك أن تزكيني.
فقال أربد: أرى فيه جَدْياً.
قد جمع الماء والشجر.
قال عمر: ذلك فيه» 184 فأمره عمر أن يحكم فيه وهو القاتل.
و«أمر أيضاً كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم» 185. ولأنه مال يخرج في حق الله تعالى فجاز أن يكون من وجب عليه أميناً كالزكاة.
قال: (ويجب في كل واحد من الصغير والكبير والصحيح والمعيب مثله، إلا الماخض تفدى بقيمة مثلها.
وقال أبو الخطاب: يجب فيها مثلها).
أما وجوب الكبير في الكبير والصغير في الصغير والصحيح في الصحيح والمعيب في المعيب فلأن الله تعالى قال: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95] ومَثَل الكبير كبير، والصغير صغير، والصحيح صحيح، والمعيب معيب.
ولأن ما ضمن باليد والجناية يختلف ضمانه بالصغر والكبر والصحة والعيب دليله البهيمة.
وأما الماخض ففيها وجهان: أحدهما: تفدى بقيمة مثلها قاله القاضي لأن قيمة المثل أكثر من قيمة لحمه.
والثاني: يجب مثلها قاله أبو الخطاب لقوله: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95].
ولأن إيجاب القيمة عدول عن المثل مع إمكانه وذلك خلاف المنصوص.
قال: (ويجوز فداء أعور من عين بأعور من أخرى، وفداء الذكر بالأنثى، وفي فدائها به وجهان).
أما جواز فداء أعور من عين بأعور من أخرى فلأن ذلك اختلاف يسير.

الجزء: 2 - الصفحة: 151

وأما جواز فداء الذكر بالأنثى فلأنها أطيب لحماً منه فهي راجحة أو مساوية.
وأما فداء الأنثى بالذكر ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن لحمه أوفر ولحمها أطيب فيتساويان.
والثاني: لا يجوز قياساً على الزكاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 152

فصل [في جزاء ملا مثل له] قال المصنف رحمه الله: (الضرب الثاني: ما لا مثل له وهو سائر الطير، إلا ما كان أكبر من الحمام فهل يجب فيه قيمته أو شاة؟ على وجهين).
أما وجوب القيمة فيما لا مِثل له وليس أكبر من الحمام فلأن الأصل وجوب القيمة بدليل سائر المضمونات.
تُرك ذلك فيما له مثل لقضاء الصحابة فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وتعتبر القيمة موضع إتلافه كما لو أتلف مال آدمي.
وأما ما كان أكبر من الحمام ففيه وجهان: أحدهما: تجب قيمته لما ذكرنا من مقتضى الدليل.
والثاني: 186 شاة على الوجه 187 فلأنها تجب في الحمام فلأن تجب فيما هو أكبر منه بطريق الأولى.
والمعنى بما هو أكبر من الحمام الحباري والكركي والحجل والإوز والكبير من طير الماء وما أشبه ذلك.
وقد روي عن ابن عباس وجابر وعطاء رضي الله عنهم: «أنهم قالوا في

الجزء: 2 - الصفحة: 153

الحجلة والقطاة والحباري: شاة شاة.
وزاد عطاء: في الكركي والكروان وابن الماء ودجاجة الحبش والحرب: شاة شاة» 188. قال: (ومن أتلف جزءاً من صيد فعليه ما نقص من قيمته أو قيمة مثله إن كان مثلياً، وإن نَفّر صيداً فتلف بشيء ضمنه).
أما كون الجزء من الصيد إذا أُتْلف فيه ما نقص من قيمته إن لم يكن مثلياً فلأن الكل لو أُتْلف ولم يكن مثلياً وجبت فيه قيمته فكذلك الجزء.
وأما كونه فيه ما نقص من قيمة مثله إن كان مثلياً فلأن مقتضى الدليل إيجاب جزء من المثل كإيجاب جزء من القيمة بإتلاف جزء مما ليس بمثلي تُرك العمل به لأنه يؤدي إلى التشقيص فيجب أن يعدل إلى قيمة الجزء من المثل لأنها بدله.
فإن قيل: ما مثال نقصان القيمة ونقصان قيمة المثل؟ قيل: أما الأول فمثاله: أن يقوّم الصيد سليماً ثم يقوم مجنياً عليه فيجب ما بينهما.
فلو كانت قيمته سليماً عشرة ومجنيّا عليه ثمانية فالواجب درهمان.
وأما الثاني فمثاله: أن يقوّم المثل سليماً ثم يقوّم وبه تلك الجناية فيجب مثل ما بين ذلك.
فلو كانت قيمة مثله سليماً عشرة ومجنياً عليه ستة فالواجب عليه أربعة.
فإن قيل: أي فرق بين ما نقص من قيمته وبين ما نقص من قيمة مثله؟ قيل: الفرق بينهما أن المثل قد ينقص شيئاً لا ينقص الصيد بقدره وذلك أنه لو جنى على نعامة قيمتها صحيحة عشرون ومقطوعة يدها خمسة عشر فالنقصان هنا خمسة فإذا نظرت إلى مثلها كانت بدنة قيمتها سليمة مثلاً مائة ومقطوعة يدها خمسون فالنقصان

الجزء: 2 - الصفحة: 154

هنا خمسون فلو اعتبر نفس الصيد كان الواجب عليه خمسة وإن اعتبر المثل كان الواجب عليه خمسين.
وأما ضمان ما نفّره فتلف بشيء فـ «لأن عمر رضي الله عنه دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه حمام فخاف أن يبول عليه فأطاره فانتهزته حية.
فقال: أنا أطرته فسأل من معه فحكم عليه عثمان ونافع بن عبدالحارث بشاة» 189. قال: (وإن جرحه فغاب ولم يعلم خبره فعليه ما نقصه.
وكذلك إن وجده ميتاً ولم يعلم موته بجنايته.
وإن اندمل غير ممتنع فعليه جزاء جميعه).
أما وجوب ما نقصه الجرح إذا جرحه فغاب ولم يعلم خبره فلأنه نقص حصل بفعله فوجب أن يضمنه كسائر مواضع الضمان.
وفي اقتصار المصنف رحمه الله على وجوب ما نقصه الجرح إشعار بأنه لا يجب ضمان جميعه وهو صحيح لأنه لا يعلم حصول التلف بفعله فلم يضمنه كما لو رمى سهماً إلى الصيد ولم يعلم هل وقع فيه أم لا.
وأما كون ما وجده ميتاً ولم يعلم موته بجنايته كما لو جرحه فغاب ولم يعلم خبره فلما ذكر من التعليل قبل.
وأما وجوب ضمان جميعه إذا اندمل غير ممتنع فلأنه عطله فصار بمنزلة المتلَف.
قال: (وإن نتف ريشه فعاد فلا شيء عليه.
وقيل: عليه قيمة الريش).
أما عدم وجوب شيء بنتف الريش العائد على المذهب فلأن النقص زال أشبه ما لو اندمل الجرح.
وأما وجوب قيمة الريش على وجه فلأن الثاني غير الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 155

قال: (وكلَّ ما قتل صيداً حكم عليه.
وإن اشترك جماعة في قتل صيد فعليهم جزاء واحد.
وعنه: على كل واحد جزاء.
وعنه: إن كفروا بالمال فكفارة واحدة، وإن كفروا بالصيام فعلى كل واحد كفارة).
أما الحكم على قاتل الصيد بالجزاء كلما قتل فلما تقدم في قوله: وإن قتل صيداً بعد صيد في فصل "من كرر محظوراً" 190 لأنه قد ذكر ثَمّ فلا حاجة إلى إعادته.
وأما إذا اشترك جماعة في قتل صيد ففيه ثلاث روايات: إحداها: يجب عليهم كلهم جزاء واحد لأن الله تعالى قال: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95] فلو تعدد الجزاء لِتَعَدُّدِ القاتل لكان ذلك زائداً على المثل وهو خلاف النص.
ويلزم من كون الجزاء في المثل واحداً كون القيمة والصوم كذلك لأنهما معطوفان عليه.
والثانية: يجب على كل واحد جزاء لأن ذلك كفارة يدخلها الصوم فوجب تعدده ككفارة قتل الآدمي.
والثالثة: إن كفروا بالمال فكفارة واحدة وإن كفروا بالصيام فعلى كل واحد كفارة لأن الصوم كفارة فوجب أن يكمل في حق الفاعل ككفارة قتل الآدمي بخلاف المال فإنه ليس بكفارة وإنما هو بدل متلف فوجب أن لا يكمل كالدية.
والأولى أصح؛ لما ذكر.
ولأنه يروى عن عمر وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم 191. ولأنه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه فكان واحداً كالدية، أو كما لو كان القاتل واحداً.
وفارق هذا الكفارة في قتل الآدمي لأنها تختلف باختلاف المقتول فلا تتبعض بخلاف مسألتنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 156

باب صيد الحرم ونباته

قال المصنف رحمه الله: (وهو حرام على الحلال والمحرم، فمن أتلف من صيده شيئاً فعليه ما على المحرم في مثله).
أما حرمة صيد الحرم ونباته على الحلال والمحرم فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض.
فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة: لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها ... مختصر» 192 متفق عليه.
وأما كون المتلِف لشيء من صيده عليه ما على المحرم في مثله فلأنهما لما استويا في التحريم وجب أن يستويا في الجزاء.
فعلى هذا إن كان الصيد مثلياً ضمنه بمثله وإلا بقيمته.
وقد تقدم ذلك مفصلاً في إتلاف المحرم 193. قال: (وإن رمى الحلال من الحل صيداً في الحرم، أو أرسل كلبه عليه، أو قتل صيداً على غصن في الحرم أصله في الحل، أو أمسك طائراً في الحل فهلك فراخه في الحرم ضمن في أصح الروايتين).
أما الضمان في جميع الصور المذكورة على الصحيح من المذهب فلأن المتلِف لذلك أتلف صيداً حرمياً فوجب أن يجب ضمانه عليه كما لو كان في الحرم.
ولأن صيد الحرم معصوم بمحله كحرمة الحرم فلا يختص تحريمه بمن في الحرم.

الجزء: 2 - الصفحة: 157

وأما عدم الضمان في ذلك كله على روايةٍ فلأن الأصل براءة الذمة وقد وقع التردد في وجوب الكفارة بذلك لأنه إذا نظر إلى ما تقدم اقتضى وجوب الكفارة، وإذا نظر إلى الفاعل اقتضى عدم الوجوب فوجب أن لا تجب الكفارة؛ لأن الأصل لا يزول بمتردد.
قال: (وإن قتل من الحرم صيداً في الحل بسهمه أو كلبه أو صيداً على غصن في الحل أصله في الحرم أو أمسك حمامة في الحرم فهلك فراخها في الحل لم يضمن في أصح الروايتين).
أما عدم الضمان في جميع الصور المذكورة على الصحيح من المذهب فلأن مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ينفر صيدها» 194 يدل على إباحة الصيد في غيرها وإذا كان مباحاً فلا يجب ضمانه كسائر المباحات.
ولأن جميع ما ذكر غير حَرَمِيٍّ فلم يضمنه كصيد السمام 195. ولأنه صيد غير معصوم بالحرم والصائد له غير محرم فلم يحرم ولم يجب جزاء كما لو كانا في الحل.
ولأن الجزاء إنما يجب في صيد الحرم أو في الصيد في الإحرام وما ذُكر ليس بواحد منهما.
وأما وجوب الضمان في ذلك كله على روايةٍ فلأنه قريب من الحرم والغصن تابع للأصل فوجب الجزاء احتياطاً.
والأول أصح لما ذكر.
قال: (وإن أرسل كلبه من الحل على صيد في الحل فقتل صيداً في الحرم فعلى وجهين، وإن فعل ذلك بسهمه ضمنه).
أما الضمان إذا أرسل كلبه ففيه وجهان: أحدهما: لا يضمنه؛ لأنه أرسل كلبه على صيد يباح إرساله عليه، ودخوله الحرم لم يكن عن اختياره؛ لأن الكلب له قصد واختيار ولهذا يسترسل بنفسه.

الجزء: 2 - الصفحة: 158

والثاني: عليه الجزاء وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه قتل صيداً حَرَمياً فوجب جزاؤه كالمجمع على وجوب الجزاء فيه.
وذكر المصنف رحمه الله في المغني أن عدم الضمان منصوص الإمام أحمد.
وأما الضمان إذا فعل ذلك بسهمه فلأنه قتل صيداً حرمياً فلزمه ضمانه كما لو رمى حجراً فقتل صيداً.
يحققه أن الخطأ والعمد واحد في وجوب الجزاء وهذا لا يخرج عن أن يكون واحداً منهما بخلاف مسألة الكلب على الصحيح لأن للكلب قصداً واختياراً بخلاف السهم فإنه لا قصد له ولا اختيار فانتسب الفعل إلى فاعله.

الجزء: 2 - الصفحة: 159

فصل [في شجر الحرم] قال المصنف رحمه الله: (ويحرم قلع شجر الحرم وحشيشه، إلا اليابس والإذخر وما زرعه الآدمي، وفي جواز الرعي وجهان).
أما تحريم قلع شجر الحرم وحشيشه فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها» 196. وأما عدم تحريم قلع الإذخر فلأن العباس رضي الله عنه قال: «يا رسول الله! إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر» 197 متفق عليه.
وأما عدم تحريم قلع اليابس فلأنه بمنزلة الميت.
وأما ما زرعه الآدمي فيحتمل أن المصنف رحمه الله أراد به مثل البقول والزروع والرياحين وما أشبه ذلك وهو ظاهر كلامه لأن المفهوم من إطلاق الزرع ذلك دون ما غرس من الشجر وهذا مما لا خلاف في إباحته؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك فلو حرم لأدى إلى ضرر عظيم.
ويحتمل أنه أراد جميع ما ينبته الآدمي مما ذكر ومن الأشجار المغروسة بفعله وفي تحريم ذلك وجهان: أحدهما: يحرم وفيه الجزاء.
قاله القاضي؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يعضد شجرها» 198. والثاني: لا يحرم.
اختاره أبو الخطاب وابن عقيل؛ لأن الزرع خص من عموم الحديث لمعنى موجود في الشجر المغروس بفعل الآدمي فيلحق به ويقاس عليه.
ويعضد

الجزء: 2 - الصفحة: 160

هذا تخصيص التحريم بالوحشي من الحيوان دون الإنسي فكذلك يختص التحريم بغير ما ينبته الآدمي من الشجر.
وأما جواز الرعي ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن ما حرم إتلافه لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد.
والثاني: يجوز؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم ولم ينقل أنه كان تسد أفواهها.
ولأن بهم حاجة إلى ذلك أشبه قطع الإذخر.
قال: (ومن قلعه ضَمِن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما نقص، فإن استخلف سقط الضمان في أحد الوجهين).
أما ضمان الشجرة الكبيرة والصغيرة بما ذكر فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة» 199. ولأنه أحد نوعي ما يحرم إتلافه لحرمة الحرم فكان منه ما يضمن بمقدّر كالصيد.
وأما ضمان الحشيش بقيمته فلأن الأصل وجوب القيمة لما تقدم في الصيد تُرك ذلك في الشجرة الكبيرة والصغيرة لقضاء الصحابة رضوان الله عليهم فيبقى فيما عداهما على مقتضى الدليل.
وأما ضمان الغصن بما نقص فلأنه نقص بفعله فكان الواجب فيه ما نقصه كما لو جنى على مال آدمي فنقص.
وأما سقوط الضمان بالاستخلاف ففيه وجهان: أحدهما: يسقط كما إذا جرح صيداً فاندمل وبرئ.
والثاني: لا يسقط؛ لأن الثاني غير الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 161

قال: (ومن قطع غصناً في الحل أصله في الحرم ضمنه وإن قطعه في الحرم أصله في الحل لم يضمنه في أحد الوجهين).
أما ضمان ما أصله في الحرم وغصنه في الحل فلأن الغصن تابع للأصل والأصل يجب ضمانه لو قطعه فكذلك ما يتبعه.
وأما ضمان ما أصله في الحل وغصنه في الحرم ففيه وجهان: أحدهما: لا يضمن لما ذكر قبل.
والثاني: يضمن؛ لأنه غصن في الحرم أشبه ما أصله فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 162

فصل [في صيد المدينة] قال المصنف رحمه الله: (ويحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها إلا ما تدعو الحاجة إليه من شجرها للرحل والعارضة والقائمة ونحوها ومن حشيشها للعلف).
أما تحريم صيد المدينة وشجرها وحشيشها غير ما استثني فلما روى أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرفَ على المدينة.
فقال: اللهم! إني أحرمُ ما بَينَ جَبَلَيْهَا مثلَ ما حرَّم إبراهيمُ مكة» 200. وفي لفظ: «لا يقطع شجرها» 201 متفق عليه.
وروى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور» 202 متفق عليه.
وأما عدم تحريم الرحل والعارضة والقائمة فلما روى جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله! إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح وإنا لا نستطيع أرضاً غير أرضنا فرخص لنا.
فقال: القائمتان والوسادة والعارضة والمسند فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء» رواه الإمام أحمد رحمه الله.
وأما عدم تحريم الحشيش للعلف؛ فلأن في حديث علي رضي الله عنه عن

الجزء: 2 - الصفحة: 163

النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا يصلح أن يقطع منها شجر إلا أن يعلف رجل بعيره» 203. ولأن المدينة يقرب منها شجر وزرع فلو منع من الاحتشاش مع الحاجة أفضى إلى الضرر بخلاف مكة.
قال: (ومن أدخل إليها صيداً فله إمساكه وذبحه، ولا جزاء في صيد المدينة، وعنه: جزاؤه سلب القاتل لمن أخذه).
أما كون من أدخل إلى المدينة صيداً له إمساكه فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «يا أبا عمير! ما فعل النغير» 204. وهو طائر صغير حديث صحيح.
ولم ينكر عليه إمساكه فدل على جوازه.
وأما كونه له ذبحه فلأن كل موضع جاز فيه إمساك الصيد جاز ذبحه دليله الحل.
وأما صيد المدينة ففيه روايتان: أحدهما: لا جزاء فيه؛ لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فلم يجب فيه جزاء كصيد وُجّ.
والثانية: جزاؤه سلب القاتل لمن أخذه لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم المدينة كتحريم مكة فوجب الجزاء في صيدها على الجملة كمكة.
ولما روى عامر بن سعد «أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبداً يقطع الشجر أو يخبطه فسلبه.
فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم [ما أخذ من غلامهم] فقال: معاذ الله أن أرد عليهم شيئاً نفّلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يرد عليهم» 205 رواه مسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 164

وفي لفظ لأبي داود: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا الحرم وقال: من وجد أحداً يصيد فيه فله سلبه» 206. قال: (وحد حرمها ما بين ثور إلى عير وجعل النبي صلى الله عليه وسلم حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى).
أما كون حد حرم المدينة ما بين ثور إلى عير؛ فلما تقدم من حديث علي رضي الله عنه المتفق عليه 207. وأما جعل النبي صلى الله عليه وسلم حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى» 208 رواه مسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 165

باب ذكر دخول مكة

قال المصنف رحمه الله: (يستحب أن يدخل مكة من أعلاها من ثنية كداء، ثم يدخل المسجد من باب بني شيبة).
أما استحباب دخول مكة من أعلاها من ثنية كداء فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء وخرج من الثنية السفلى» 209. وروت عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها» 210 متفق عليهما.
وأما استحباب دخول المسجد من باب بني شيبة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذ فعل 211 رواه مسلم.
قال: (فإذا رأى البيت رفع وكبر وقال: اللهم! أنت السلام ومنك السلام حَيِّنا ربنا بالسلام.
اللهم! زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً.
الحمد لله رب

الجزء: 2 - الصفحة: 166

العالمين كثيراً كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلاً، والحمد لله على كل حال.
اللهم! إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك.
اللهم! تقبل مني واعف عني وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت.
يرفع بذلك صوته).
أما استحباب رفع اليدين عند رؤية البيت فلما روى أبو بكر ابن المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، وعلى الصفا والمروة، وعلى الموقفين، والجمرتين» 212. ولأن الدعاء مستحب عند رؤية البيت وقد أُمر برفع اليدين عند الدعاء 213. وأما استحباب التكبير عند رؤية البيت 214. وأما استحباب قول: اللهم! أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام فلما روى سعيد بن المسيب قال: «سمعت من عمر كلمة يقولها لما رأى البيت لم يسمعها غيري وهي: اللهم! أنت السلام ... » 215. وعن سعيد بن المسيب «أنه كان حين ينظر إلى البيت يقول: اللهم! أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام» 216. وأما استحباب قول: اللهم! زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً إلى آخره فلما روى الشافعي في مسنده عن ابن جريج «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه

الجزء: 2 - الصفحة: 167

وقال: اللهم! زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً ومهابة وبراً، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وبراً» 217. وذكر الأثرم ذلك وزاد فيه: «الحمد لله رب العالمين -إلى قوله-: لا إله إلا أنت».
وأما استحباب رفع الصوت بذلك فلأنه ذكر مشروع في الحج فاستحب رفع الصوت به كالتلبية.
قال: (ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمراً أو طواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً، ويضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر).
أما استحباب الابتداء بالطواف فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت» 218 متفق عليه.
ولأن الطواف تحية المسجد فاستحب البداءة به كالركعتين في غيره من المساجد.
وأما كون المعتمر يطوف لعمرته فلأن الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بفسخ نسكهم إلى العمرة أمرهم أن يطوفوا للعمرة بدليل أنه أمرهم بالحل 219. وأما كون غيره يطوف للقدوم فلأن الصحابة الذين كانوا مفردين وقارنين فعلوا ذلك.
ولأن وقت غير طواف العمرة لم يدخل بعدُ بخلاف طواف العمرة.
وأما استحباب الاضطباع بالرداء وجعل وسطه تحت العاتق الأيمن وطرفيه على العاتق الأيسر فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من

الجزء: 2 - الصفحة: 168

الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى» 220 رواه أبو داود.
وروى أسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أنه اضطبع ورمل وقال: ففيم الرمل ولِمَ نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ بل لن ندع شيئاً فعلناه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» 221. قال: (ثم يبتدئ من الحجر الأسود فيحاذيه بجميع بدنه ثم يستلمه ويقبله، وإن شاء استلمه وقبل يده، وإن شاء أشار إليه ويقول: بسم الله والله أكبر إيماناً وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم كلما استلمه).
أما استحباب الابتداء في الطواف من الحجر الأسود فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به 222. وأما محاذاته بجميع بدنه فليستوعب جميع البيت بالطواف.
وأما الخيرة بين استلامه وتقبيله وبين استلامه وتقبيل يده وبين الإشارة إليه فلأن الكل مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما الاستلام والتقبيل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلمه ويقبله لما روى ابن عمر قال: «استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلاً فإذا هو بعمر بن الخطاب فقال: يا عمر! هاهنا تُسكب العبرات» 223 رواه ابن ماجة.
وفي رواية: «بدأ بالحجر فاستلمه وقبله ثم التفت فإذا هو بعمر».
وأما استلامه وتقبيل يده فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استلمه وقبل يده» 224 رواه مسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 169

وأما الإشارة إليه فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير كلما أتى الركن أشار إليه وكبر» 225. وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الأقوال 226 الثلاثة متساوية لأن الخيرة هنا ليست خيرة في واجب.
وليس كذلك بل المستحب تقبيله فإن لم يمكنه فالمستحب استلامه وتقبيل يد نفسه فإن لم يمكنه فالمستحب الإشارة إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبله حين أمكنه في حديث عمر، واستلمه وقبل يد نفسه حيث لم يمكنه تقبيله ولا استلامه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «أنت رجل قوي فلا تزاحم الناس فتؤذي الضعيف ولكن إن وجدت مسلكاً فاستلمه وإلا فاستقبل وهلل وكبر» 227. وأما استحباب قول: بسم الله إلى آخره كلما استلم الحجر فلأن عبدالله بن السائب روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك عند استلام الحجر 228. قال: (ثم يأخذ على يمينه ويجعل البيت على يساره فإذا أتى على الركن اليماني استلمه وقبل يده).
أما الأخذ على يمينه ويجعل البيت على يساره فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك 229 وقال: «خذوا عني مناسككم» 230.

الجزء: 2 - الصفحة: 170

وأما استحباب استلام الركن اليماني فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني» 231. وعن ابن عمر: «ما تركت استلام هذين الركنين اليماني والحجر منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما، في شدة ولا رخاء» 232 رواهما مسلم.
ولأن الركن اليماني مبني على قواعد إبراهيم عليه السلام قاله ابن عمر فسن استلامه كالذي فيه الحجر.
وأما استحباب تقبيل يده بعد استلام الحجر فكما يفعل ذلك في الحجر الأسود.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقبل كالحجر الأسود؟ قيل: إنه لم ينقل ذلك من طريق صحيح.
قال: (ويطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأُوَل منها.
وهو: إسراع المشي مع تقارب الخطى، ولا يَثِب وثباً، ويمشي أربعاً).
أما كون الطواف سبعاً يرمل في ثلاثة ويمشي أربعاً فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعاً رمل ثلاثاً ومشى أربعاً» 233 متفق عليه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى فبيان لماهية الرمل.
وأما كونه لا يَثِب وثباً فلأن ذلك ليس بمشي فإذا فعله لم يكن إتياناً بالرمل المشروع.

الجزء: 2 - الصفحة: 171

قال: (وكلما حاذى الحجر والركن اليماني استلمهما أو أشار إليهما ويقول كلما حاذى الحجر: الله أكبر ولا إله إلا الله، وبين الركنين: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وفي سائر الطواف: اللهم! اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً.
رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأعز الأكرم.
ويدعو بما أحب).
أما استحباب استلام الحجر والركن اليماني أو الإشارة إليهما كلما حاذاهما: أما الاستلام فلأن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة» 234 رواه أبو داود.
وعن نافع: كان ابن عمر يفعله 235. وأما الإشارة فلأنها بدل عن الاستلام.
وأما استصحاب التكبير والتهليل كلما حاذى الحجر فلما تقدم من حديث ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم كلما أتى الحجر أشار إليه وكبر» 236. وفي حديث عمر المتقدم: «وإلا فاستقبلْ وهلل وكبر» 237. وأما استحباب قول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة ... الآية﴾ [البقرة: 201] بين الركنين فلما روى عبدالله بن السائب رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك بين ركن بني جُمَح والركن الأسود» 238 رواه الإمام أحمد.
وروى ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم قال: «وُكِّل به -يعني الركن اليماني- سبعون ألف ملك.
فمن قال: اللهم! إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة ... الآية﴾ [البقرة: 201] قالوا: آمين» 239.

الجزء: 2 - الصفحة: 172

وأما استحباب قول: اللهم! اجعله حجاً مبروراً ... إلى الأكرم في بقية طوافه فلأن ذلك قولٌ لائقٌ بالمحل فاستحب ذكره كسائر الأدعية اللائقة بمحالها المنصوص على مشروعيتها فيها.
وأما دعاؤه بما أحب بعد ذلك فلأن ذلك موضع يستجاب فيه الدعاء غالباً والشخص قد تكون له حاجة أخروية أو دنيوية فإذا دعا بما أحب كان ذلك وسيلة إلى قضاء حاجته وبلوغ أمله.
قال: (وليس على النساء ولا أهل مكة رمل ولا اضطباع، وليس في غير هذا الطواف رمل ولا اضطباع).
أما عدم استحباب الرمل والاضطباع في حق النساء فلأن ذلك شرع لإظهار الجلَد وليس مطلوباً من النساء.
ولأن النساء يقصد منهن الستر، وفي الرمل تعرض للانكشاف وفي الاضطباع تعرض للانكشاف.
وأما عدم استحباب ذلك في حق أهل مكة فلأن ذلك شرع لما ذكر، وليس مطلوباً من أهل مكة لأنهم مقيمون.
و«لأن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا أحرم من مكة لم يرمل».
والمراد بأهل مكة: المقيم بها ومن أحرم بها حتى لو كان متمتعاً فأحرم بالحج منها ثم عاد وقلنا يُشرع له طواف القدوم لم يرمل كما ذكر في المغني.
وأما عدم استحبابهما في غير الطواف الأول فلأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يرملوا ولم يضطبعوا إلا في الطواف الأول فلم يسن الإتيان بغير ما فعلوه.
ولأن الطواف الأول إنما سن فيه ذلك لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو منتف هنا فينتفي الاستحباب لانتفاء المقتضي.

الجزء: 2 - الصفحة: 173

قال: (ومن طاف راكباً أو محمولاً أجزأه.
وعنه: لا يجزئه إلا لعذر، ولا يجزئ عن الحامل).
أما إجزاء طواف الراكب لعذر فلا خلاف فيه، وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن» 240. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي.
فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» 241 متفق عليهما.
ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقاً والراكب طائف.
وأما إجزاء طواف المحمول لعذر فلأنه كالراكب معنى فكذا حكماً.
وأما طواف من ذكر لغير عذر ففيه روايتان: أحدهما: يجزئ؛ لما تقدم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكون الأمر بالطواف مطلقاً.
والثانية: لا يجزئ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطواف بالبيت صلاة» 242 والصلاة حاملا ومحمولاً لا تصح.
ولأن الطواف بالبيت عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكباً ولا محمولاً لغير [عذر] 243 كالصلاة.
وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فلا دليل فيه لأنه كان لعذر «لأنه روي أنه كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد.
حتى خرج العواتق من البيوت.
وكان صلى الله عليه وسلم لا يُضْرَبُ الناسُ بين يَديه فلما كَثُروا عليه ركب» 244 رواه مسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 174

وأما عدم إجزاء ذلك عن الحامل فلأن الطواف عبادة أُدِّيَ بها فرض الله فلم [تكن] 245 فرضاً عن آخر كالصلاة.
ولأن الحامل له كالمحمول فلم يقع الطواف عن غيره كالراكب.
قال: (وإن طاف منكساً أو على جدار الحجر أو شاذروان الكعبة أو ترك شيئاً من الطواف وإن قلّ أو لم ينوه لم يجزئه، وإن طاف محدثاً أو نجساً أو عرياناً لم يجزئه.
وعنه: يجزئه ويجبره بدم).
أما عدم إجزاء الطواف المنكس وهو جعل الطائف البيت عن يمينه عكس ما تقدم من قوله: ويجعل البيت على يساره فـ «لأن جعل النبي صلى الله عليه وسلم البيت عن يساره» 246 على ما تقدم بيان لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: 29]، وفعله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مخرج البيان تعين فلا يجوز خلافه.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عني مناسككم» 247. ولأنها عبادة متعلقة بالبيت فكان الترتيب فيها واجباً كالصلاة.
وأما عدم إجزائه على جدار الحِجْر وهو حائطه أو شاذروان الكعبة وهو: ما فضل من حائطه فلأن ذلك من البيت فإذا لم يطف بكل البيت لم يجزءه؛ لأن الطواف بجميعه واجب بدليل «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بجميعه» 248 وقال: «خذوا عني مناسككم» 249. وأما عدم إجزائه إذا ترك شيئاً منه وإن قلّ مثل إن طاف خمساً أو ستاً أو نحو ذلك فلأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعاً والقول فيه كما تقدم في جعل البيت عن يمينه.

الجزء: 2 - الصفحة: 175

وأما عدم إجزائه إذا لم ينو فلقوله: «إنما الأعمال بالنيات» 250 ولقوله: «لا عمل إلا بنية» 251. ولأنها عبادة محضة فافتقرت إلى النية كالصلاة.
وأما من طاف محدثاً أو نجساً أو عرياناً ففيه روايتان: أحدهما: لا يجزئه؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» 252 رواه الترمذي ورواه الأثرم بمعناه.
وروى أبو هريرة «أن أبا بكر الصديق رضي الله عنهما بعثه في الحجة التي أمّره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر يؤذن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» 253 متفق عليه.
ولأنه عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة والستارة فيها شرطاً كالصلاة.
والرواية الثانية: يجزئه ويجبره بدم؛ أما الإجزاء فلأن الطواف عبادة لا يشترط فيها الاستقبال فلم يشترط فيها ذلك كالسعي والوقوف.
وأما جبر ذلك بدم فلأن ذلك إذا لم يكن شرطاً فلا أقل من أن يكون واجباً، وترك الواجب يجبر بدم.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الإجزاء مع جبر الدم عامّ سواء أمكنه الطواف بعد طوافه على الصفة المتقدمة أو لا.
وقال في المغني: وعن أحمد رواية أن الطهارة ليست شرطاً فمتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان يمكنه وإن رجع جبره بدم.

الجزء: 2 - الصفحة: 176

وظاهره أن الطواف غير متطهر لا يجبره الدم مع إمكان إعادته.
قال: (وإن أحدث في بعض طوافه أو قطعه بفصل طويل ابتدأه، وإن كان يسيراً أو أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة صلى وبنى.
ويتخرج أن الموالاة سنة).
أما ابتداء الطواف إذا أحدث الطائف في أثنائه فلأنه عبادة شرطها الطهارة على الصحيح فأبطلها الحدث كالصلاة.
وحكم تعمد الحدث وسبقه في ذلك حكم الصلاة من بطلان وبناء.
وأما ابتداؤه إذا قطعه بفصل طويل فلأن الموالاة بين أجزائه شرط للصحة على المذهب «لأن النبي صلى الله عليه وسلم والى بين طوافه» 254 وقال: «خذوا عني مناسككم» 255. ولأنه صلاة فيشترط لها الموالاة كسائر الصلوات، أو نقول عبادة متعلقة بالبيت فاشترط لها الموالاة كالصلاة.
وأما بناؤه إذا قطعه بفعل يسير فلأن اليسير يسامح به في غير هذا الموضع فكذلك هاهنا.
ولأن في الاتصال مع ذلك مشقة عظيمة وضرراً عظيماً فوجب أن لا يشترط نفياً لذلك.
فإن قيل: بم يعرف الطويل من اليسير؟ قيل: يرجع في ذلك إلى العرف من غير تحديد بمدة كما رجع إلى العرف في الحِرْز والقبض.
وأما قطع الطواف وصلاة الصلاة التي أقيمت فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» 256.

الجزء: 2 - الصفحة: 177

وفي لفظ: «فلا صلاة إلا التي أقيمت» 257 والطواف صلاة فيدخل تحت عموم الخبر.
ولأنه قول ابن عمر وسالم ابنه وعطاء ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم.
وأما قطعه وصلاته على الجنازة فلأن الجنازة صلاة تفوت بالتشاغل بالطواف وإذا قطع الطواف من أجل الصلاة التي أقيمت وهي لا تفوت بالتشاغل بالطواف فلأن يقطع بصلاة الجنازة وهي تفوت بالتشاغل بطريق الأولى.
وأما بناؤه في الموضعين على ما طاف فلأنه فعل فعلاً مشروعاً في أثناء الطواف فلم يقطعه كاليسير.
وأما تخريج مسنونية الموالاة فـ «لأن الحسن رضي الله عنه غشي عليه فلما أفاق أتمه».
ونقل المصنف رحمه الله في المغني والكافي عن أحمد رواية: أن الموالاة ليست بشرط مع العذر واستدل عليه بما ذكر عن الحسن.
قال: (ثم يصلي ركعتين.
والأفضل أن يكون خلف المقام يقرأ فيهما: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: 1] و ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: 1] بعد الفاتحة).
أما استحباب صلاة ركعتين بعد فراغه من الطواف فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما 258. وأما أفضلية كونهما خلف المقام، والقراءة فيهما بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ بعد الفاتحة فلما روى جابر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعاً

الجزء: 2 - الصفحة: 178

وصلى خلف المقام ركعتين قرأ فيهما: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾» 259 رواه مسلم.
وفي الأفضلية المذكورة تنبيه على جواز فعلهما في غير ذلك الموضع وبغير تلك القراءة وهو صحيح: أما الأول فـ «لأن عمر رضي الله عنه ركعهما بذي طوى» 260 رواه البخاري.
وأما الثاني؛ فلأن تعيين الفاتحة في الفريضة لا تجب.
فلأن لا تجب في ركعتي الطواف بطريق الأولى.
قال: (ثم يعود إلى الركن فيستلمه، ثم يخرج إلى الصفا من بابه.
ويسعى سبعاً يبدأ بالصفا فيرقى عليه حتى يرى البيت فيستقبله ويكبر ثلاثاً ويقول: الحمد لله على ما هدانا.
لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
ثم يلبي ويدعو بما أحب).
أما عود من فرغ من الطواف إلى الركن والمراد به الحَجَر الأسود -قاله المصنف في المغني- واستلامه وخروجه إلى الصفا من بابه وسعيه سبعاً وبداؤه بالصفا ورقيه عليه واستقباله القبلة وتكبيره وقول: الحمد لله ... إلى وهزم الأحزاب وحده فلأن جابراً رضي الله عنه قال في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم بعد ركعتي الطواف: «ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: 158] نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت واستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» 261.

الجزء: 2 - الصفحة: 179

وأما قوله: لا إله إلا الله ... إلى ولو كره الكافرون فلما روي عن ابن عمر رضي الله عنه «أنه كان يدعو ويزيد: لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
ويدعو دعاء كثيراً حتى أنه ليملنا وإنا لشباب».
وأما تلبيته بعد ذلك ... 262. قال: (ثم ينزل من الصفا ويمشي حتى يأتي العلم فيسعى سعياً شديداً إلى العلم، ثم يمشي حتى يأتي المروة فيفعل عليها مثل ما فعل على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه يفعل ذلك سبعاً يحتسب بالذهاب سعية وبالرجوع سعية يفتتح بالصفا ويختم بالمروة، فإن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط).
أما نزوله إلى الصفا ومشيه إلى العلم وسعيه سعياً شديداً منه إلى العلم الآخر ومشيه من الثاني إلى المروة وفعله عليها مثل فعله على الصفا فلأن جابراً رضي الله عنه قال: «ثم نزل -يعني النبي صلى الله عليه وسلم - إلى المروة حتى إذا انصَبَّتْ قَدماه رملَ في بطن الوادي حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا» 263. فإن قيل: ما العلمان؟ قيل: هما ميلان أخضران أحدهما: معلق في ركن المسجد، والآخر: بفناء المسجد وحذاء دار العباس.
وأما نزوله من المروة ومشيه في موضع مشيه وسعيه في موضع سعيه وفعله ذلك سبع مرات فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك كذلك.
وقال: «خذوا عني مناسككم» 264. وأما احتسابه بالذهاب سعية وبالرجوع سعية فلأنه لو كان الذهاب والرجوع سعية لتعين أن يكون آخر الطواف عند الصفا وقد جاء في الحديث: «فلما كان آخر طوافه على المروة» 265.

الجزء: 2 - الصفحة: 180

ولأنه كل مرة طائف بهما فينبغي أن يحسب ذلك مرة كما إذا طاف بجميع البيت فإنه يحتسب به مرة.
وأما افتتاحه بالصفا؛ فلما تقدم من «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دنى من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: 158] بدأ بالصفا وقال: ابدأوا بما بدأ الله به» 266. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «قال الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: 158] فبدأ بالصفا وقال: اتبعوا القرآن فما بدأ به القرآن فابدأوا به».
وأما اختتامه بالمروة فلما تقدم من قوله: «فلما كان آخر طوافه على المروة» 267. ولأنه يلزمه بالبداءة بالصفا والاعتداد بالذهاب مرة والرجوع مرة الاختتام بالمروة.
وأما عدم الاحتساب بالشوط إذا بدأ من المروة فلأن الشوط مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره فلم يحتسب به كالصلاة في الدار المغصوبة.
قال: (ويستحب أن يسعى طاهراً مستتراً متوالياً.
وعنه: أن ذلك من شرائطه).
أما استحباب سعيه مستتراً متوالياً فلأن ذلك مختلف في وجوبه فاستحب فعله لما فيه من الخروج من العهدة.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سعى كذلك وأدنى أحواله حمله على الاستحباب.
وأما اشتراط ذلك ففيه روايتان: أحدهما: يشترط؛ لأنه أحد الطوافين فاشترط فيه ذلك كالطواف بالبيت.
والرواية الثانية: لا يشترط شيء من ذلك وهي المذهب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة حين حاضت: «اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» 268. ولأن السعي عبادة لا تتعلق بالبيت فلم يشترط فيها شيء من ذلك كالوقوف بعرفة.

الجزء: 2 - الصفحة: 181

قال: (والمرأة لا ترقى ولا ترمل).
أما عدم استحباب الرقي للمرأة فلئلا تزاحم الرجال.
ولأن ترك ذلك أستر لها.
وأما عدم استحباب الرمل في السعي فلما تقدم من عدم استحبابه لها في الطواف.
قال: (وإذا فرغ من السعي فإن كان معتمراً قصّر من شعره وتحلل، إلا أن يكون المتمتع قد ساق هدياً فلا يُحل حتى يحج.
ومن كان متمتعاً قطع التلبية إذا وصل البيت).
أما جواز تقصير المعتمر غير سائق الهدي من شعره وتحلله بعد سعيه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر 269 سوى عمرته التي مع حجه وكان يحل إذا سعى.
وأما المتمتع فإن كان معه هدي لم يحل وإلا حل لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: «تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليحلل» 270 متفق عليه.
فإن قيل: لم قال المصنف رحمه الله قصر ولم يقل حلق؟ قيل: للتنبيه على أن المسنون التقصير لا الحلق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في حديث جابر فقال: «وليقصر» 271 والحكمة في ذلك توفير الحلق على الحج.
فإن قيل: لم قال: والمعتمر ثم استثنى المتمتع؟ قيل: لأن المعتمر أعم من المتمتع لأن المعتمر من أحرم بعمرة من الميقات ثم إن وجد فيه الشروط المتقدمة ذكرها في صفة التمتع فهو متمتع.

الجزء: 2 - الصفحة: 182

وأما قطع المتمتع التلبية إذا وصل البيت والمراد به إذا استلم الحجر الأسود فلأن ابن عباس رضي الله عنهما روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر» 272. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر ولم يزل يلبي حتى استلم» 273. ولأن التلبية إجابة إلى العبادة وشعار للإقامة عليها والأخذ بالتحلل ينافيها والتحلل يحصل بالطواف والسعي فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل فيجب أن يقطع التلبية كما يقطع الحاج التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة؛ لأن التحلل يحصل بها.
وفي كلام المصنف رحمه الله نظر من وجهين: أحدهما: أنه قال: ومن كان متمتعاً وكان الجيد أن يقول: ومن كان معتمراً لأن الحكم المذكور يستوي فيه المتمتع وغيره.
والثاني: أنه قال: قطَعَ التلبية إذا وصل البيت وكان الجيد أن يقول: قطع التلبية إذا استلم الركن كما قال الإمام أحمد رحمه الله.
وكأنه لما كان الوصول إلى البيت يتعقبه الطواف لأنه تحيته وكان استلام الركن أول ما يبدأ به في الطواف عبر بذلك عنه إلا أن فيه لبساً مع عدم الحاجة لا سيما على المتعلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 183

باب صفة الحج

قال المصنف رحمه الله: (يستحب للمتمتع الذي حل وغيره من المحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة من مكة.
ومن حيث أحرم من الحرم جاز).
أما استحباب الإحرام لمن ذكر في يوم التروية فلأن جابراً رضي الله عنه قال: «فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج» 274. وأما استحبابه من نفس مكة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حتى أَهْل مكة يهلون منها» 275. و«كان عطاء يستلم الركن ثم ينطلق منه مهلاً بالحج».
وأما جوازه من أي موضع كان من الحرم فلأن في حديث جابر رضي الله عنه: «فأهللنا من الأبطح» 276. وهو موضع خارج نفس البلد داخل في الحرم.
قال: (ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر ويبيت بها، فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة فأقام بنمرة حتى تزول الشمس، ثم يخطب الإمام خطبة يعلمهم فيها الوقوف

الجزء: 2 - الصفحة: 184

ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة، ثم ينزل فيصلي بهم الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين).
أما خروجه إلى منى إلى آخره فلأن في حديث جابر رضي الله عنه: «فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ومكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شَعر تُضرب له بنمرة.
فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة.
فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرُحِّلَتْ له.
فأتى بطن الوادي فخطب الناس.
ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم لم يصل بينهما شيئاً» 277. وأما تعليم الناس في الخطبة الوقوف ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة فليذكر العالم ويتعلم الجاهل.
وأما الجمع فظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أنه يجوز لكل من حضر عرفة من مكة وغيرها وصرح به في المغني، وعلله بأن النبي صلى الله عليه وسلم جَمَع وجَمَع الناس معه ولم يأمر المكيين بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال: «أتموا فإنا سفر» 278. ولو حرم الجمع لبينه لهم؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وبـ «أن عثمان كان يتم الصلاة» لأنه اتخذ بمكة أهلاً ولم يبلغنا أنه ترك الجمع ولو تركه لنقل كما نقل الإتمام.
وقال أصاحبنا القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل: يختص بمن بينه وبين وطنه مسافة القصر؛ لأن سبب الجمع السفر الطويل فلا يجوز إلا حيث وجد سببه.
ولأن الجمع كالقصر والقصر يختص بمن ذكر فكذا الجمع.
قال: (ثم يروح إلى الموقف.
وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة.
وهي من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر).
أما رواحه إلى عرفة إذا رحل من نمرة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل 279.

الجزء: 2 - الصفحة: 185

وأما كون عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة» 280 رواه ابن ماجة.
ولأن عرنة ليست من عرفة فلم يجزؤه الوقوف فيها كما لو وقف بمزدلفة.
فإن قيل: لم سميت عرفة بذلك؟ قيل: لأن الله تعالى يعرف الخلائق بالمغفرة أي يطيبهم ومنه قوله تعالى: ﴿عرفها لهم﴾ [محمد: 6] أي طيبها لهم.
وقيل: لأنه يوم اصطناع المعروف إلى أهل مكة.
وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام عرّفه جبريل المناسك فقال له: عرفت.
وقيل: لأن آدم اجتمع مع حواء فتعارفا.
وأما قول المصنف رحمه الله: "وهي من الجبل ... إلى آخره"؛ فبيان لحد عرفة وتمييز لها مما ليس منها.
قال: (ويستحب أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة راكباً، وقيل: الراجل أفضل، ويكثر من الدعاء ومن قوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
اللهم! اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، ويسر لي أمري).
أما استحباب الوقوف بالصخرات وجبل الرحمة فلأن في حديث جابر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه» 281. وأما أفضلية الوقوف راكباً على المذهب فلأنه فِعْل النبي صلى الله عليه وسلم.
ولأن الوقوف راكباً أعون له على الدعاء.
وأما أفضلية الراجل على قولٍ فلأنه أكثر مشقة.
والأول أولى لما ذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 186

وأما إكثار الدعاء فلأنه يوم ترجى فيه الإجابة ولذلك استحب له الفطر يومئذ ليتقوى على الدعاء.
وأما استحباب قول: لا إله إلا الله ... إلى آخره فلما روي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثر دعاء الأنبياء قبلي ودعائي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
اللهم! اجعل في قلبي نوراً ... إلى آخره» 282. قال: (ووقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، فمن حصل بعرفة في شيء من هذا الوقت وهو عاقل تم حجه، ومن فاته ذلك فاته الحج).
أما كون وقت الوقوف كما ذكره المصنف رحمه الله فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من شَهد صلاتَنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حَجُّهُ وقَضَى تَفَثَه» 283 قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وحكي عن أبي حفص العكبري أنه لا يجزئ الوقوف إلا بعد الزوال، وحمل كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف إلا بعد

الجزء: 2 - الصفحة: 187

الزوال وكذلك أهل الأعصار من لدنه إلى الآن فلو كان قبل الزوال وقتاً ما اتفقوا على تركه.
والأول أولى لما ذكر.
ولأن ما بعد الزوال يجزئ الوقوف فيه فكذا قبله.
وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فمحمول على الأولى.
وأما تمام حج من وقف في شيء من الوقت المذكور وهو عاقل فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «فقد تم حجه وقضى تفثه» 284. وأما فوات الحج لمن فاته ذلك؛ فلما يأتي في باب الفوات 285. قال: (ومن وقف بها نهاراً أو دفع قبل غروب الشمس فعليه دم، وإن وافاها ليلاً فوقف بها فلا دم عليه).
أما وجوب الدم علىمن يقف بعرفة نهاراً ودفع منها قبل الغروب فلأن الوقوف إلى بعد الغروب على من ذكر واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف حتى غربت الشمس كذا في حديث جابر 286. وقال: «خذوا عني مناسككم» 287، وإذا تركه فقد ترك واجباً في الحج وذلك موجب للدم لما يأتي فيمن ترك واجباً.
وأما عدم وجوب الدم على من وافاها ليلاً فوقف بها فلأنه لم يدرك جزءاً من النهار فلم يلزمه شيء كما لو أدرك من منزله دون الميقات من موضعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 188

قال: (ثم يدفع بعد غروب الشمس إلى مزدلفة وعليه السكينة، فإذا وجد فجوة أسرع، فإذا وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء قبل حط الرحال، فإن صلى المغرب في الطريق ترك السنة وأجزأه، ومن فاتته الصلاة مع الإمام بمزدلفة أو بعرفة جمع وحده).
أما دفعه من عرفة بعد غروب الشمس إلى مزدلفة على الصفة المذكورة فلأن في حديث جابر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع من عرفة وقد شنق القصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رجله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس! السكينة السكينة» 288. وقد روي «أنه صلى الله عليه وسلم كان يَسير العَنَقَ فإذا وجد فَجْوَةً نَصَّ.
قال هشام بن عروة: النَّصُّ فَوق العَنَق» 289 متفق عليه.
وأما صلاته المغرب والعشاء إذا وصل إلى مزدلفة قبل حط الرحال فلأن في حديث أسامة بن زيد: «فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما» 290 متفق عليه.
وأما ترك السنة إذا صلى المغرب في طريقه فلأنه خلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما إجزاء ذلك فلأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز فعل كل واحدة في وقتها كالظهر والعصر بعرفة وحكم الجمع بعرفة من أنه هل هو مختص بمن بينه وبين وطنه مسافة القصر أو لا؟ وأما جمع من فاتته الصلاة مع الإمام بمزدلفة أو بعرفة وحده فلأن ابن عمر رضي الله عنهما «كان إذا فاته الجمع بين الظهر والعصر مع الإمام جمع منفرداً».
ولأن كل جمع جاز مع الإمام جاز منفرداً كالجمع في السفر.

الجزء: 2 - الصفحة: 189

قال: (ثم يبيت بها فإن دفع قبل نصف الليل فعليه دم، وإن دفع بعده فلا شيء عليه، وإن وافاها بعد نصف الليل فلا شيء عليه، وإن جاء بعد الفجر فعليه دم).
أما بيتوتته بمزدلفة فلأن المبيت بها واجب «لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها» 291 وقال: «خذوا عني مناسككم» 292. ولأنه صلى الله عليه وسلم سماها موقفاً بقوله في حديث جابر: «المزدلفة كلها موقف» 293. وأما وجوب الدم على من دفع قبل نصف الليل فلأن مبيت كل الليل أو أكثر واجب، وكلاهما مفقود فيمن ذكر فيكون تاركاً للمبيت بها فيجب عليه دم لتركه الواجب في الحج.
وأما عدم وجوب شيء على من دفع بعد نصف الليل فلأنه بات معظم الليل وحكم المعظم حكم الكل فلم يكن تاركاً للواجب.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر ثم أفاضت» 294 رواه أبو داود.
وعن أسماء رضي الله عنها «أنها نزلت ليلة جمع عند دار المزدلفة فقامت تصلي فصلت.
ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم.
قالت: فارتحلوا فارتحلنا ومضت حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها: يا هَنْتَاهُ! ما أُرانا إلا قد غَلَّسْنَا.
قالت: كلا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظُّعن» 295 متفق عليه.
وإذا لم يكن واجباً لم يجب عليه الدم؛ لأنه فعل فعلاً جائزاً وذلك لا يوجب دماً كسائر الأفعال الجائزة.

الجزء: 2 - الصفحة: 190

وأما عدم وجوب شيء على من وافاها بعد نصف الليل فلأنه لم يدرك جزءاً من النصف الأول فلم يتعلق به حكمه كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار.
وأما وجوب الدم على من جاء بعد الفجر فلأنه لم يبت بمزدلفة.
ولأنه إذا وافى مزدلفة ودفع قبل نصف الليل يجب عليه دم فلأن يجب إذا لم يوافها ليلاً أصلاً بطريق الأولى.
قال: (وحد المزدلفة ما بين المأزمين ووادي محسر، فإذا أصبح بها صلى الصبح، ثم يأتي المشعر الحرام فيرقى عليه ويقف عنده ويحمد الله ويكبره فيدعو فيقول: اللهم! كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق ﴿فإذا أفضتم من عرفات -إلى- غفور رحيم﴾ [البقرة: 198 - 199] إلى أن يسفر).
أما قول المصنف رحمه الله: وحد المزدلفة ما بين المأزمين ووادي محسر فبيان لمواضع مزدلفة ليعلم ذلك لينزل بها الطائف عند وصوله وفي أي موضع منها نزل أجزأه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مزدلفة موقف» 296 رواه أبو داود.
وأما صلاته بها الصبح إذا أصبح وفعله ما ذكره المصنف رحمه الله إلى قوله: إلى أن يسفر فلأن في حديث جابر رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بها حين تبين له الصبح بأذان وإقامة.
ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله تعالى وكبر وهلله ووحده ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً» 297. قال: (ثم يدفع قبل طلوع الشمس، فإذا بلغ محسراً أسرع قدر رمية حجر).
أما دفعه من مزدلفة قبل طلوع الشمس فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، قال عمر رضي الله عنه: «إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أَشْرِق

الجزء: 2 - الصفحة: 191

ثَبِير كيما نُغِير.
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفهم وأفاض قبل أن تطلع الشمس» 298 رواه البخاري.
وأما الإسراع قدر رمية حجر بوادي محسر وهو ما بين جمع ومنى فلأن جابراً رضي الله عنه قال في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم «أنه لما أتى بطن محسر حرك قليلاً» 299. وروي عن عمر رضي الله عنه «أنه لما أتى محسراً أسرع وقال: إليك تعدو قلقاً وضينها ... معترضاً في بطنها جنينها مخالفاً دين النصارى دينها» 300. قال: (ويأخذ حصى الجمار من طريقه أو من مزدلفة، ومن حيث أخذه جاز، ويكون أكبر من الحمص ودون البندق وعدده سبعون حصاة).
أما استحباب أخذ حصى الجمار من طريقه أو مزدلفة فلئلا يشتغل عند قدومه إلى منى فإن الرمي تحية كما أن الطواف تحية المسجد فلا يبدأ بشيء قبله.
ولأنه إذا أخذه من غير منى كان أبعد من أن يكون قد رمي به.
و«كان ابن عمر رضي الله عنهما يأخذ الحصى من جمع» 301. وأما جوازه أخذه من أي موضع شاء فلا خلاف فيه، وفي الحديث أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: القط لي حصى.
فلقطت له سبع حصيات من حصى الخَذْف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا ... مختصر» 302 رواه ابن ماجة.

الجزء: 2 - الصفحة: 192

وابن عباس إنما لقط من منى؛ لأنه كان فيمن قدم النبي 303 صلى الله عليه وسلم من جمع في ضعفة الناس.
وأما كونه أكبر من الحمص ودون البندق فلما تقدم في حديث ابن عباس «أنه التقط من حصى الخَذْف فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمثال هذا فارموا» 304. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا أيها الناس! إذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخَذْف» 305 رواه أبو داود وابن ماجة.
وأما كون عدده سبعين فلأنه يرمي جمرة العقبة يوم النحر بسبع ويرمي الجمرات الثلاث كل يوم من أيام التشريق كل جمرة بسبع حصيات فيكون مجموع ذلك سبعين حصاة.
قال: (فإذا وصل منى وحدها من وادي محسر إلى العقبة بدأ بجمرة العقبة فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة.
ويرفع يده حتى يرى بياض إبطه ولا يقف عندها).
أما كون حد منى من وادي محسر إلى العقبة فلأن عطاء قال ذلك.
فعلى هذا ليس محسر والعقبة من منى؛ لأن الحد غير المحدود.
فإن قيل: لم سميت منى بذلك؟ قيل: لأنها قدر فيها موت الضحايا والهدايا يقال منى بمنى أي قدر.
قال الشاعر: ولا تقولن لشيء سوف أفعله ... حتى تلاقي ما يمني لك الماني أي يقدر لك المقدر.
وأما بُدائته بجمرة العقبة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل 306.

الجزء: 2 - الصفحة: 193

وجمرة العقبة هي آخر الجمرات مما يلي منى وأولها مما يلي مكة وهي عند العقبة ولذلك سميت جمرة العقبة.
وأما رميها بسبع حصيات يكبر مع كل واحدة فلما روى الفضل بن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة» 307. رواه حنبل.
وأما قول المصنف رحمه الله: واحدة بعد واحدة ففيه تنبيه على أنه لو رماها مرة واحدة لم تجزئه وهو صحيح؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى سبع رميات» 308 وقال: «خذوا عني مناسككم» 309. فعلى هذا يجزئه ولكن عن واحدة ويلزمه رمي تكملة سبع.
وأما رفع يده حتى يرى بياض إبطه فلأنه أعون على الرمي وأمكن.
وأما عدم وقوفه عند جمرة العقبة فلما روى ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف» 310 رواه ابن ماجة.
قال: (ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي.
فإن رمى بذهب أو فضة أو غير الحصى أو حجر رُمي به مرة لم يجزئه).
أما قطع التلبية مع ابتداء الرمي فلما روى الفضل بن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» 311. وفي لفظة: «قطع عند أول حصاة» رواه حنبل في المناسك.
وأما عدم إجزائه رمي الذهب والفضة فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بالحصى» 312 وقال: «خذوا عني مناسككم» 313.

الجزء: 2 - الصفحة: 194

ولأن قياس الذهب والفضة على الحصى يقتضي علة جامعة والرمي بالحصى تعبدي.
وأما قوله أو غير الحصى فيحتمل أنه أراد به الكحل والبرام والرخام وما أشبه ذلك.
فإن أبا الخطاب قال: فإن رمى بغير الحصى مثل الكحل والرخام والبرام.
ثم صرح بأنه لا يجزئ وعليه ما ذكر في الذهب والفضة، ويحتمل أنه أراد الحجر الكبير، وفي ذلك روايتان: أحدهما: لا يجزئ؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه ابن عباس رضي الله عنهما بحصى الخَذْف قال: أمثال هذا فارموا» 314. والثانية: يجزئ؛ لأن الغرض الرمي وهو حاصل بالكبير، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره محمول على الأَوْلى.
وأما عدم إجزاء الرمي بحجر رُمي به مرة فلأنه استُعمل في عبادة فلم يجزئ استعماله في غيرها كماء الوضوء.
قال: (ويرمي بعد طلوع الشمس فإن رمى بعد نصف الليل أجزأه).
أما استحباب رميه بعد طلوع الشمس فلما روى جابر رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر ... مختصر» 315 رواه مسلم.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قال لأغيلمة بني عبدالمطلب: أَبَنِيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» 316 رواه ابن ماجة.

الجزء: 2 - الصفحة: 195

وأما إجزاؤه الرمي بعد نصف الليل فلما روت عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل النحر ثم مضت فأفاضت» 317 رواه أبو داود.
وفي لفظ قال لأم سلمة: «وافي الفجر بمكة» 318 رواه حنبل.
قال: (ثم ينحر هدياً إن كان معه.
ويحلق أو يقصر من جميع شعره.
وعنه: يجزؤه بعضه كالمسح.
والمرأة تقصر من شعرها قدر الأنملة.
ثم قد حل له كل شيء إلا النساء.
وعنه: إلا الوطء في الفرج).
أما نحره الهدي إن كان معه بعد رميه فلما روى جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم «أنه رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة ثم أعطى علياً فنحر ما غَبَرَ» 319. وأما تخييره بين الحلق والتقصير؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم دعى لهما.
ولأن بعض الصحابة رضي الله عنهم قصر ولم ينكر عليه.
ولكن الحلق أفضل ولذلك قدمه المصنف رحمه الله.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعى للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة» 320. وأما مقدار ما يقصر ففيه روايتان: أحدهما: يجب التقصير من جميعه لقوله سبحانه: ﴿محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: 27].
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق جميع رأسه» 321، والتقصير بدل منه وقد أمرنا بالتَّأَسِّي.
والثانية: يجزئ بعضه قياساً على المسح.
وأما تقصير المرأة من شعرها قدر الأنملة فمشعر بأمرين:

الجزء: 2 - الصفحة: 196

أحدهما: أنه لا يشرع في حقها حلق بل تقصير وهو صحيح لما روى ابن عباس رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير» 322 رواه أبو داود.
وعن علي رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها» 323 رواه الترمذي.
وثانيهما: تقدير التقصير بالأنملة لأنه يروى عن ابن عمر.
وأما حل كل شيء له إلا النساء إذا فعل ما تقدم ذكره من رمي ونحر وحلق فلما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رمى جمرة العقبة وحلق رأسه فقد حل له كل شيء إلا النساء» 324 رواه الأثرم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت ... مختصر» 325 متفق عليه.
وأما حل النساء ففيه روايتان: أحدهما: لا يحل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استثناهن في الحديث المتقدم.
فعلى هذا لا يباح له وطء ولا تزويج ولا تقبيل لأن ذلك كان حراماً، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إلا النساء» 326 يحتمل شموله له فلم يصلح ما قبله للإباحة فوجب بقاؤه على ما كان.
والثانية: يحل له كل ذلك إلا الوطء في الفرج؛ لأن تحريم المرأة ظاهر في وطئها فيكون معنى الحديث: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة وحلق حل له كل شيء إلا وطء النساء.
والأول أولى لما تقدم.

الجزء: 2 - الصفحة: 197

والجواب عن ظهور التحريم في الوطء أن تحريم المرأة في الحج ليس مختصاً وفاقاً فوجب أن يحمل على المعهود فيه وذلك ما ذكر.
قال: (والحلق والتقصير نسك إن أخره عن أيام منى فهل يلزمه دم؟ على روايتين.
وعنه: أنه إطلاق من محظور لا شيء في تركه.
ويحصل التحلل بالرمي وحده).
أما كون الحلق والتقصير نسكاً على الصحيح في المذهب فلقوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: 27].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به بقوله: «وليقصر وليحلل» 327.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما على النساء التقصير» 328. وأما كونه إطلاقاً من محظور على روايةٍ «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى رضي الله عنه لما قال: أهللتُ بإهلالٍ كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طف بالبيت وبالصفا وبالمروة ثم حل» 329 متفق عليه.
وقال في حديث جابر: «من كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة» 330 رواه مسلم.
وقال في حديث سراقة: «إذا قدمتم فمن تَطَوّف بالبيت فقد حل إلا من كان معه هدي» 331 رواه مسلم.
أمر بالحل من غير حلق ولا تقصير ولو كان ذلك نسكاً لما أمر به إلا بعده.
ولأن كل واحد من الحلق والتقصير محرّم في الإحرام فلم يكن نسكاً كالطيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 198

فعلى قولنا هو نسك هل يجب عليه دم إذا أخره عن أيام منى؟ فيه روايتان: أحدهما: لا دم عليه لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: 196] فبين أول وقته ولم يخصه فيما بعد ذلك بوقت.
ولأنه نسك فلم يكن عليه دم بتأخيره كالسعي.
والثانية: عليه دم؛ لأنه ترك النسك في وقته أشبه تأخير الرمي.
والأول أولى لما ذكر.
وعلى قولنا هو إطلاق من محظور هو مخير بين فعله في أيام منى وبين تأخيره وبين تركه والأخذ من بعضه دون بعض؛ لأنه ليس بواجب أشبه سائر ما ليس بواجب.
وأما قول المصنف رحمه الله: ويحصل التحلل بالرمي وحده فيحتمل أنه معطوف على قوله: لا شيء في تركه فيكون من تكملة قوله: وعنه أنه إطلاق من محظور.
فعلى هذا يكون حصول التحلل بالرمي وحده على قولنا: الحلق إطلاق من محظور لا على قولنا: هو نسك، ويعضده قوله فيما تقدم: ثم قد حل له كل شيء إلا النساء؛ لأن ظاهره أن التحلل إنما يحصل بالرمي والحلق معاً؛ لأنه ذكر التحلل بلفظ ثم بعد ذكر الرمي والحلق، ويحتمل أنه مستقل وأن التحلل يحصل بالرمي وحده وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله.
وفي الجملة فيما يحصل به التحلل روايتان: أحدهما: لا يحصل إلا بهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عائشة رضي الله عنها: «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة وحلق رأسه فقد حل له كل شيء إلا النساء» 332 رواه الأثرم.
رتب الحِل عليهما فلا يحصل إلا بهما.
ولأنهما نسكان يعقبهما الحل فكان حاصلاً بهما كالطواف والسعي في العمرة.
والرواية الثانية: أنه يحصل بالرمي وحده.
قال المصنف رحمه الله في المغني: هذا هو الصحيح.
ولأن في حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا يوم رخص لكم فيه إذا رميتم الجمرة أن تحلوا من كل شيء حرم فيه إلا النساء» 333.

الجزء: 2 - الصفحة: 199

وحديث عائشة رضي الله عنها رواه أبو داود، ولم يذكر: وحلق رأسه.
وفيه نظر؛ لأنه إذا لم يذكر ذلك فيما ذكر فقد ذكره في غيره.
وتحقيق الكلام في التحلل هل الأنساك ثلاثة أم اثنتان؟ فيه روايتان: أحدهما: ثلاثة: رمي وحلق وطواف.
والثانية: هما نسكان رمي وطواف.
فعلى الأول يحصل التحلل الأول بفعل اثنين من الثلاثة ويحصل التحلل الثاني بفعل الثالث.
وعلى الثانية: يحصل الأول بفعل واحد من اثنين والثاني بالثاني.
وإنما نص المصنف رحمه الله على الرمي وغيره على الرمي والحلق؛ لأنهما يفعلان قبل الطواف إما استحباباً وإما وجوباً وعلى كل تقدير لو قدم المؤخر حصل التحلل على ما ذكر قبل.
قال: (وإن قدم الحلق على الرمي أو النحر ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عالماً فهل عليه دم؟ على روايتين).
أما عدم وجوب شيء على من قدم الحلق على الرمي أو النحر جاهلاً فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: «قال رجل: يا رسول الله! حلقت قبل أن أذبح.
قال: اذبح ولا حرج ... مختصر» 334. وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قيل له يوم النحر وهو بمنى: في النحر والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: لا حرج» 335 متفق عليهما.
وأما عدم وجوب شيء على من قدم ذلك ناسياً فلأن الناسي كالجاهل.

الجزء: 2 - الصفحة: 200

وأما من قدم ذلك عالماً ففيه روايتان: أحدهما: لا دم عليه لما ذكر قبل.
والرواية الثانية: عليه دم لأن ما تقدم المراد به الجاهل والناسي؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: «أن رجلاً سأله فقال: لم أشعر» 336. وفي رواية مسلم من حديث عبدالله بن عمرو قال: «فجاء رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح ... وذكر الحديث قال: فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال: افعلوا ذلك ولا حرج» 337. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب وأمر باتباعه استثني منه حالة الجهل والنسيان فيبقى ما عداه على الأصل.
ويمكن الجواب عن كون السائل جاهلاً بأن إباحة ذلك للجاهل لا تنفي جوازه للعالم، وعن فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأنه فعله لكونه أولى لا لوجوبه.
قال: (ثم يخطب الإمام خطبة يعلمهم فيها النحر والإفاضة والرمي).
أما استحباب الخطبة بمنى فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر» 338 رواه البخاري.
وأما استحباب تعليمهم ما ذكر فلدعوى الحاجة إليه قال عبدالرحمن بن معاذ: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في منى فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار» 339 رواه أبو داود.

الجزء: 2 - الصفحة: 201

قال: (ثم يفيض إلى مكة ويطوف للزيارة، ويُعَيِّنه بالنية، وهو: الطواف الواجب الذي به تمام الحج، وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر، والأفضل فعله يوم النحر، فإن أخره عنه وعن أيام منى جاز).
أما إفاضته إلى مكة بعد خطبته بمنى وطوافه للزيارة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل.
قالت عائشة رضي الله عنها: «حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر» 340 متفق عليه.
وأما تعيينه بالنية فلأن الطواف بالبيت صلاة والصلاة لا تصح إلا بنية معينة.
وأما كون الطواف المذكور هو الواجب فلأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلْيَطّوَفُوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: 29].
وعن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من صفية ما يريد الرجل من أهله.
فقلت: يا رسول الله! إنها حائض.
قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! أفاضت يوم النحر.
قال: اخرجوا» 341 رواه البخاري.
وأما كونه هو الذي به تمام الحج فلأنه لم يبق من أركان الحج سواه فإذا أتى به حصل تمام الحج.
فإن قيل: في لفظ الحديث المتقدم: «من صلى صلاتنا وإلى قوله: وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه» 342 ولم يذكر الطواف.
قيل: المراد بذلك أن من وقف بعرفة لم يبق حجه متعرضاً للفوات؛ لأن الطواف وإن كان ركناً لكنه ليس له وقت معين يفوت بفواته لا أنه لم يبق له شيء من أركانه.
وأما كون أول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر فـ «لأن أم سلمة رضي الله عنها رمت ثم طافت ثم رجعت فوافت النبي صلى الله عليه وسلم عند جمرة العقبة وبينها وبين مكة فرسخان».

الجزء: 2 - الصفحة: 202

وأما كون الأفضل فعله يوم النحر فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله.
كذلك ذكرته عائشة رضي الله عنها 343. وأما جواز تأخيره عن يوم النحر وعن أيام التشريق فلأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقاً.
ولأنه لم يدل دليل على عدم جوازه فيما بعد أيام التشريق فوجب أن يجزئ في غيرها بالقياس عليها.
ويمكن أن يقال في قوله: ﴿وليطوفوا﴾ [الحج: 29] دليل على إرادة أيام التشريق وذلك أن الله تعالى عطفه على قوله: ﴿ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: 34] وذلك عطف للطواف على النحر فوجب أن يتوقت بوقته وهذا متجه وبه قال أبو جنيفة.
وأجاب صاحب النهاية عن ذلك بأن الطواف ينجبر بالقضاء فوجب أن يجزئ من غير دم كالصلاة.
وفي قوله: ينجبر بالقضاء نظر من حيث إنه إذا قال: ليس لآخره وقت يكون فعله بعد أيام التشريق أداء لا قضاء.
قال: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أو لم يكن سعى مع طواف القدوم، وإن كان قد سعى لم يسع، ثم قد حل له كل شيء).
أما سعي المتمتع بعد إفاضته من مكة وطوافه بالبيت وإن كان قد سعى فلأن السعي المتقدم لعمرته وحينئذ لحجه بخلاف المفرد والقارن.
وأما غيره من مفرد وقارن فينظر فيهما فإن كانا قد سعيا لم يسعيا بعد طوافهما للزيارة؛ لأن جابراً قال: «لم يطف النبي ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً طوافه الأول» 344 رواه مسلم.
وإن لم يكونا سعيا عقيب طواف القدوم أو لم يطوفا طواف القدوم سَعَيا حينئذ لأنه إما ركن أو سنة على ما يبين بعد إن شاء الله تعالى والكل مطلوب الوجود.

الجزء: 2 - الصفحة: 203

وأما حل كل شيء لمن فعل جميع ما تقدم ذكره من طواف الزيارة والرمي والنحر والحلق فلقول ابن عمر رضي الله عنهما: «لم يحل النبي صلى الله عليه وسلم من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر فأفاض بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه» 345. وعن عائشة رضي الله عنها مثله 346 متفق عليهما.
وقول المصنف رحمه الله: ثم حل بعد قوله سعى يدل على توقف الحل على السعي وهو كذلك إن قلنا هو ركن أو واجب، وإن قلنا هو سنة فقال المصنف رحمه الله في المغني: احتمل أن يحل عقيب الطواف قبل السعي لأنه لم يبق عليه واجب من الحج، واحتمل أن لا يحل حتى يسعى لأنه من أفعال الحج فيأتي به في إحرام الحج.
قال: (ثم يأتي زمزم فيشرب منها لما أحب ويتضلع منه ويقول: بسم الله، اللهم! اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورياً وشبعاً وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك) 347. أما إتيانه زمزم بعد سعيه وشربه منه فلما روى جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم أتى بني عبدالمطلب وهم يسقون فناولوه فشرب منه» 348. وأما قصده بشربه ما أحب فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ماء زمزم لما شرب له» 349 رواه ابن ماجة.
وأما تضلعه منه فـ «لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال لرجل تضلع منها: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلعون من زمزم» 350 رواه ابن ماجة.

الجزء: 2 - الصفحة: 204

وأما الدعاء عند الشرب بما ذكر فلأنه لائق به وهو متضمن لمصلحتي الدنيا والآخرة.
ولأنه قد تقدم أن «ماء زمزم لما شرب له» 351 فإذا دعى رجي حصوله.

الجزء: 2 - الصفحة: 205

فصل [في بقية أعمال الحج] قال المصنف رحمه الله: (ثم يرجع إلى منى ولا يبيت بمكة ليالي منى، ويرمي الجمرات بها 352 بعد الزوال كل جمرة بسبع حصيات، فيبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعدهن من مكة وتلي مسجد الخيف فيجعلها عن يساره ويرميها بسبع، ثم يتقدم قليلاً يدعو الله تعالى ويطيل، ثم يأتي الوسطى فيجعلها عن يمينه ويرميها بسبع ويقف عندها فيدعو، ثم يرمي جمرة العقبة بسبع ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي ولا يقف عندها، ويستقبل القبلة في الجمرات كلها).
أما رجوعه إلى منى وعدم مبيته بمكة ليالي منى ورميه الجمرات الثلاث بها في أيام التشريق بعد الزوال كل جمرة بسبع حصيات ووقوفه عند الأولى ودعاؤه وإطالته ذلك عند الجمرة الأولى والثانية وعدم وقوفه عند الثالثة فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية ويطيل المقام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها» 353 رواه أبو داود.

الجزء: 2 - الصفحة: 206

وأما بداءته بالجمرة الأولى وجعلها عن يساره وجعل الثانية عن يمينه واستبطانه الوادي بالثالثة واستقباله القبلة في الجمرات كلها فلما روى البخاري رضي الله عنه عن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه كان يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة.
ثم يتقدم فيقوم قياماً طويلاً ويرفع يديه.
ثم يرمي الوسطى.
ثم يأخذ بذات الشمال فيهل ويقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً.
ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها.
ثم ينصرف ثم قال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل» 354. وأما قوله: وهي أبعدهن من مكة وتلي مسجد الخيف فبيان للجمرة الأولى وتمييز لها.
قال: (والترتيب شرط في الرمي، وفي عدد الحصى روايتان: أحدهما: سبع.
والأخرى: يجزؤه خمس، فإن أخل بحصاة واجبة من الأولى لم يصح رمي الثانية، فإن لم يعلم من أيّ الجمار تركها بنى على اليقين).
أما كون الترتيب في الرمي شرطاً ومعناه: أن يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد الخيف ثم بالتي تليها ثم بالتي تليها كما ذكر المصنف رحمه الله قبل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل 355، وقال: «خذوا عني مناسككم» 356. ولأن الرمي نسك متكرر فكان الترتيب فيه شرطاً كالسعي.
وأما عدد الحصى ففيه روايتان:

الجزء: 2 - الصفحة: 207

أحدهما: يجب أن يرمي بسع «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع» 357، وقال: «خذوا عني مناسككم» 358. والرواية الثانية: يجزؤه خمس وست لما روى سعد قال: «رجعنا من الحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضنا يقول: رميت بست وبعضنا يقول: رميت بسبع فلم يعب ذلك بعضنا على بعض» 359 رواه الأثرم في سننه وأبو إسحاق الجوزجاني.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: «ما أبالي رميت بست أو بسبع» 360. وأما عدم صحة رمي الثانية إذا أخل بحصاة واجبة من الأولى فلأن الترتيب شرط لما تقدم وفي ترك حصاة واجبة إخلال به.
ولأنه إذا أخل بواحدة من الأولى فكأنه ابتدأ الثانية فيفوت الترتيب المشترط.
وأما بناؤه على اليقين إذا لم يعلم من أي الجمار تركها فلأنه تررد في ذلك فيبني على اليقين كما لو شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً.
قال: (وإن أخّر الرمي كله فرماه في آخر أيام التشريق أجزأه، ويرتبه بنيّته، وإن أخره عن أيام التشريق أو ترك المبيت بمنى في لياليها فعليه دم، وفي حصاة أو ليلة واحدة ما في حلق شعرة).
أما إجزاء الرمي في آخر أيام التشريق لمن أخره فرماه فيه فلأن أيام التشريق وقت الرمي فإذا أخره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شيء كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته.

الجزء: 2 - الصفحة: 208

وأما ترتيبه بنيته، ومعناه: أن ينوي رمي اليوم الأول والثاني مع الثالث فلأن الرمي في أيام التشريق عبادة يجب الترتيب فيها مع فعلها في أيامها فوجب مع فعلها مجموعة كالصلاتين المجموعتين والفوائت.
وأما وجوب الدم على من أخر الرمي عن أيام التشريق فلأن الرمي نسك واجب، أخّره عن وقته المعين فوجب عليه دم كما لو أخر الإحرام عن الميقات.
وأما وجوبه على من ترك المبيت بمنى فلأن المبيت بها واجب لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لأحد يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته» 361 رواه ابن ماجة.
وروى ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال: «لا يبيتن أحد من الحاج إلا بمنى.
وكان يبعث رجالاً لا يَدَعُون أحداً يبيت وراء العقبة» 362. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله نسكاً، وقال: «خذوا عني مناسككم» 363. وإذا كان واجباً وجب بتركه دم لتركه الواجب في الحج.
وأما كون الواحدة من الحصاة والليلة في تركها ما في حلق شعرة.
والمراد به مد من طعام أو قبضة أو درهم على الخلاف المتقدم فيه فلأنه بعض ما يجب فيه دم فوجب فيه ما يجب في الشعرة كالشعرة.
قال: (وليس على أهل [سقاية الحاج] 364 والرعاء مبيت بمنى، فإن غربت الشمس وهم بمنى لزم الرعاء المبيت دون أهل السقاية).
أما عدم وجوب المبيت بمنى على أهل السقاية فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن العباس رضي الله عنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ليبيت بمكة ليالي منى لأجل سقايته فأذن له» 365.

الجزء: 2 - الصفحة: 209

وأما عدم وجوبه على الرعاء وهم الذين يرعون المواشي فلما روى عاصم عن أبيه قال: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة في أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما» 366 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
ولأن أهل السقاية والرعاء يشتغلون بالرعاية واستقاء الماء فرخص لهم لذلك.
وأما لزوم الرعاء المبيت إذا غربت الشمس وهم بمنى دون أهل السقاية فلأن ترك المبيت إنما كان للحاجة فإذا غربت الشمس زالت حاجة الرعاء.
ولأن الرعي وقته النهار لا الليل بخلاف أهل السقاية فإنهم يسقون ليلاً ونهاراً.
قال: (ويخطب الإمام في اليوم الثاني من أيام التشريق خطبة يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم).
أما مسنونية الخطبة في اليوم الثاني من أيام التشريق فلما روي عن رجلين من بني بكر قالا: «رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته» 367 أخرجه أبو داود.
وأما تعليمهم ما ذكر فلدعوى الحاجة إليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 210

قال: (فمن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل غروب الشمس، فإن غربت وهو بها لزمه المبيت والرمي من الغد).
أما جواز التعجيل في يومين فلقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ [البقرة: 203]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه» 368. وأما لزوم البيتوتة والرمي من الغد لمن غربت الشمس وهو بمنى فلأن الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم جوزا التعجيل في اليوم الثاني وهو اسم لبياض النهار.
ولأنه يروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس» 369. قال: (فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره فإن ودع ثم اشتغل في تجارة أو أقام أعاد الوداع).
أما عدم خروجه من مكة حتى يودع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت إلا أنه قد خفف عن المرأة الحائض» 370 متفق عليه.
ولمسلم: «كان الناس ينصرفون كل وجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» 371. وأما إعادة الوداع إذا ودع ثم اشتغل التجارة أو أقام فلأنه إذا لم يطف بعد اشتغاله أو أقام لم يكن آخر عهده بالبيت وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 211

ولأن هذا الطواف هو طواف الوداع فإذا لم يطف بعد ما ذكر لم يكن وداعاً في العادة فلم يجزؤه كما لو طافه عند قدومه إلى مكة.
قال: (ومن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع، فإن خرج قبل الوداع رجع إليه، فإن لم يمكنه فعليه دم، إلا الحائض والنفساء لا وداع عليهما).
أما إجزاء طواف الزيارة عن طواف الوداع إذا طافه عند الخروج فلأنه أُمِرَ أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل ذلك.
ولأن ما شرع للمسجد يجزئ عنه الواجب من جنسه كتحية المسجد وركعتي الإحرام وركعتي الطواف يجزئ عنهما المكتوبة.
وأما رجوعه إلى الوداع إذا خرج قبله مع الإمكان وهو المسافة القريبة مع عدم خوف على نفس أو مال أو فوات رفقة فلأنه أمكنه الإتيان بالواجب من غير مشقة فلزمه كما لو كان بمكة.
وأما عدم رجوعه مع عدم إمكانه فلما يلحقه من المشقة أشبه ما لو رجع إلى بلده.
وأما وجوب الدم عليه فلأنه ترك واجباً في الحج أشبه ترك الرمي.
وأما عدم الوداع على الحائض والنفساء فلأنه لا يجب عليهما وداع لما تقدم من قوله: «إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» 372 والنفساء مثلها.
قال: (وإذا فرغ من الوداع وقف في الملتزم بين الركن والباب فقال: اللهم! هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فمُنّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا بيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك.
اللهم! فاصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خير الدنيا والآخرة إنك

الجزء: 2 - الصفحة: 212

على كل شيء قدير.
ويدعو بما أحب ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن المرأة إذا كانت حائضاً لم تدخل المسجد ووقفت على بابه ودعت بذلك).
أما مسنونية الوقوف في الملتزم وهو موضعٌ بين الباب والحجر والأسود وهو المراد بقول المصنف رحمه الله الركن فلما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه أنه قال: «طفت مع عبدالله فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار.
ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطها بسطاً وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل» 373 رواه أبو داود.
وعن صفوان قال: «لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة انطلقت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من الكعبة هو وأصحابه قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم ووضعوا خدودهم على البيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم» 374 رواه أبو داود.
وأما صفة الدعاء فكما ذكره المصنف رحمه الله لأنه يليق بالمكان وإن زاد على ذلك أو دعا بغيره فلا بأس؛ لأن الغرض الدعاء لا دعاء بعينه.
وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فليكون جامعاً بين فضيلتي الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما عدم دخول المرأة المسجد إذا كانت حائضاً فلأن الحائض ممنوعة من دخول المسجد لما تقدم في موضعه.
وأما وقوفها على بابه ودعاؤها بذلك فلأن المرأة ينبغي أن [تدعو بما] 375 تحب ويسن في حقها ما يكون كذلك في حق الرجل ترك ذلك في دخول المسجد لأنها ممنوعة منه لحيضها فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.

الجزء: 2 - الصفحة: 213

قال: (فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما).
أما استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من زارني أو زار قبري كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة» 376 رواه أبو داود الطيالسي.
ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد يسلم عليّ عند قبري إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام» 377. ويروى عن العتبي قال: «كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله! سمعت الله يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ [النساء: 64]، وقد جئتك مستغفراً مستشفعاً بك إلى ربي.
ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم انصرف الأعرابي، فحملتني عينيّ فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: يا عتبي! الحق الأعرابي فبشره أن الله تعالى قد غفر له» 378. وأما استحباب زيارة قبري صاحبيه فلأن زيارة قبر غيرهما مستحبة فلأن يستحب زيارة قبرهما مع فضيلتهما على غيرهما بطريق الأولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 214

فصل في صفة العمرة قال المصنف رحمه الله: (من كان في الحرم خرج إلى الحل فأحرم منه، فإن أحرم من الحرم لم يجز وينعقد وعليه دم).
أما خروج من هو في الحرم إلى الحل ليحرم منه بالعمرة فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبدالرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم» 379 رواه مسلم.
وكانت عائشة رضي الله عنها بمكة والتنعيم أدنى الحل.
ولأنه يجب الجمع في النسك بين الحل والحرم، وأفعال العمرة كلها في الحرم فلم يكن بد من الإحرام من الحل ليحصل الجمع 380 من الحل.
وأما عدم تجويز إحرامه من الحرم فلما 381 عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث عائشة رضي الله عنها.
وحكمه على الواحد حكمه على الكل.
وأما انعقاد إحرامه فكما لو أحرم بعد أن جاوز الميقات وأما وجوب الدم عليه فلتركه الواجب.
قال: (ثم يطوف ويسعى، ثم يحلق أو يقصر، ثم قد حلّ.
وهل يحل قبل الحلق أو التقصير؟ على روايتين).
أما طواف المعتمر وسعيه وحلقه أو تقصيره بعد إحرامه فلأن العمرة أحد النسكين فوجب أن يفعل بها ما ذكر كالحج.
وأما حله بعد ذلك فلأنه لم يبق من أفعال العمرة شيء أشبه الحاج إذا لم يبق له من أفعال حجه شيء.

الجزء: 2 - الصفحة: 215

وأما حله قبل حلقه أو تقصيره ففيه روايتان أصلهما هل الحلق والتقصير في العمرة نسك؟ وفيه روايتان مضى توجيههما في الحج 382. فإن قيل: ذلك نسك لم يحل قبل فعله كالطواف، وإن قيل: ليس بنسك جاز له الحل قبله؛ لأن الحل لا يتوقف على فعل ما ليس بنسك.
قال: (وتجزئ عمرة القارن، والعمرة من التنعيم عن عمرة الإسلام في أصح الروايتين).
أما إجزاء عمرة القارن وهو الذي أحرم بحج وعمرة جميعاً عن عمرة الإسلام ففيه روايتان: أحدهما: تجزئ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها لما قرنت وطافت: قد حللت من حجك وعمرتك» 383. وفي لفظ: «يسعُكِ طوافك لحجك وعمرتك» 384 رواه مسلم.
والثانية: لا تجزئ لأن الله تعالى قال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: 196] فوجب الإتيان بالعمرة 385 على وجه الكمال ولم توجد فيما ذكر.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لما اعتمرها أخوها: «هذه مكان عمرتك» 386 متفق عليه.
والأولى أصح لما تقدم.
ولما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحرم بالحج والعمرة طاف لهما طوافاً واحداً ولا يحل حتى يقضي حجه ويحل منهما جميعاً» 387.

الجزء: 2 - الصفحة: 216

ولأن الصبي بن معبد قال لعمر رضي الله عنه: «إني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين عليّ فأهللت بهما -أي أهللت بالمكتوبتين- فقال عمر رضي الله عنه: هديت لسنة نبيك» 388. ولأنه يروى عن ابن عمر وجابر وابن عباس رضي الله عنهم: «من قرن كفاه طواف واحد وسعي واحد» 389. ولأن الواجب عمرة واحدة وقد أتى بها.
ولأن عمرة القارن أحد نسكي القران فأجزأ كالحج.
وأما عمرة عائشة من التنعيم فإنما كانت تطييباً لقلبها وإجابة لمسألتها ولو كانت واجبة عليها لأمرها هو بها قبل أن تسأله.
وأما إجزاء عمرة المفرد من التنعيم ففيه أيضاً روايتان: أحدهما: يجزئ لما تقدم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالرحمن أن يعمر عائشة من التنعيم 390. والثانية: لا تجزئ؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في عمرة القضاء من ذي الحليفة»، وروي «من الجعرانة».
وقال صاحب النهاية: الصحيح أنه أحرم من الجعرانة في غير سنة القضاء.
روي أنه برز لها من الحرم.
والأولى أصح لما تقدم.
ولأن الحج يجزئ من مكة فالعمرة من أدنى الحل في حق المفرد أولى.
وأما إحرام النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء من ذي الحليفة فلأنه مر بها أولاً لأن القضاء يحكي الأداء.

الجزء: 2 - الصفحة: 217

فصل [في أركان الحج] (أركان الحج الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة.
وعنه: أنها أربعة: الطواف والوقوف والإحرام والسعي.
وعنه: أنها ثلاثة وأن السعي سنة، واختار القاضي أنه واجب وليس بركن).
أما كون الوقوف بعرفة ركناً فلما روي أن رجلاً قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فجاءه نفر من أهل نجد.
فقالوا: يا رسول الله! كيف الحج؟ قال: الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر فقد تم حجه» 391 أخرجه أبو داود وابن ماجة.
وأما كون الطواف ركناً فلقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: 29].
ولما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله.
فقلت: يا رسول الله! إنها

الجزء: 2 - الصفحة: 218

حائض.
قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! أفاضت يوم النحر.
قال: اخرجوا» 392 رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه.
فدل هذا على أن الطواف لا بد منه وأنه حابس لمن لم يأت به.
ولأن الحج أحد النسكين فكان الطواف ركناً له كالعمرة.
وأما الإحرام ففيه روايتان: أحدهما: أنه ركن؛ لأن الحج عبادة فلم تصح بدون الإحرام كنية الصلاة.
والثانية: أنه ليس بركن لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعروة بن مُضَرِّس: «من وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً وأدرك معنا صلاتنا هذه -يعني الصبح- من يوم النحر فقد تم حجه وقضى تفثه» 393 ولم يذكر الإحرام ولو كان ركناً لذكره.
فإن قيل: لم يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف وهو ركن وفاقاً؟ قيل: إنما ترك ذكره لأن القرآن دل عليه بخلاف الإحرام.
والرواية الأولى أصح في ظاهر قول الأصحاب، وظاهر قول المصنف رحمه الله عكس ذلك؛ لأنه أخرها، ولم أعلم أحداً من الأصحاب ذكر أن الإحرام شرط والأشبه به كذلك.
وبه قال أبو حنيفة وذلك أن من قال بالرواية الأولى قاس الإحرام على نية الصلاة، ونية الصلاة شرط وكذا يجب أن يكون الإحرام.
ولأن الإحرام يجوز فعله قبل دخول وقت الحج فوجب أن يكون شرطاً كالطهارة مع الصلاة.
وأما السعي فعن الإمام أحمد رحمه الله أنه ركن؛ لأن حبيبة بنت أبي تَجْراة قالت: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو يسعى: اسعوا فان الله كتب عليكم السعي» 394 رواه الإمام أحمد في المسند.

الجزء: 2 - الصفحة: 219

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم فطاف المسلمون -تعني بين الصفا والمروة- ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة» 395. وعن أحمد رحمه الله: هو سنة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فلا جناح عليه أن يَطَّوف بهما﴾ [البقرة: 158]. وروي أن في مصحف أُبَيّ وابن مسعود: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما.
وقراءة من ذكر إن لم تكن قرآناً فلا تنحط عن درجة الخبر.
ولأنه نسك ذو عدد لا يتعلق بالبيت فلم يكن ركناً كالرمي.
واختار القاضي أنه واجب؛ لأنه فعل من أفعال الحج فكان واجباً لا ركناً كطواف الوداع.
قال المصنف رحمه الله في المغني: الذي قال القاضي أقرب إلى الحق إن شاء الله تعالى؛ لأن ما روت عائشة رضي الله عنها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه دليل وجوبه ولا يلزم كونه ركناً كالرمي والحلق وغيرهما.
وقولها: «ما أتم الله حج من لم يطف» 396 معارَض بقول غيرها، وحديث حبيبة فيه كلام.
ثم هو يدل على أنه مكتوب والواجب مكتوب والآية نزلت؛ «لأن ناساً تحرجوا من السعي لأجل صنمين كانا بين الصفا والمروة» 397 كذلك قالت عائشة رضي الله عنها.

الجزء: 2 - الصفحة: 220

قال: (وواجباته سبعة: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل، والمبيت بمنى، والرمي، والحلق، وطواف الوداع.
وما عدا هذا سنن).
أما وجوب الإحرام من الميقات؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر المواقيت الخمسة وقال: «هن لهن ولمن مر عليهن» 398.

ولأنه أحرم من الميقات وكذلك أصحابه 399، وقال: «خذوا عني مناسككم» 400. وأما وجوب الوقوف بعرفة إلى الليل فلأن من أدرك عرفة نهاراً يجب عليه أن يجمع بين جزء من النهار وبين جزء من الليل لما تقدم 401. وأما وجوب المبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل فلما تقدم في موضعه قبل 402. وأما وجوب المبيت بمنى والرمي والحلق فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك 403 وقال: «خذوا عني مناسككم» 404.

الجزء: 2 - الصفحة: 221

وأما وجوب طواف الوداع فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت» 405 رواه مسلم.
وفي حديث ابن عباس: «أن يكون آخر عهده بالبيت» 406 متفق عليه.
وذُكر كل واحد من الواجبات مستقصى في بابه وموضعه وإنما الغرض هنا بيان التعداد ذلك، وكذلك لم أستقص هنا في الدلالة.
ولا بد أن يلحظ أن الوقوف بعرفة إلى الليل إنما يجب في حق من أدرك عرفة نهاراً وأن المبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل إنما يجب في حق من أدرك مزدلفة أول الليل.
وقد تقدم ذكر ذلك كله والدليل عليه فيما تقدم ومن 407 أراد الوقوف فليعرج إليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 222

باب الفوات والإحصار

قال المصنف رحمه الله: (ومن طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج.
ويتحلل بطواف وسعي.
وعنه: أنه ينقلب إحرامه لعمرة ولا قضاء عليه إلا أن يكون فرضاً.
وعنه: عليه القضاء.
وهل يلزمه هدي؟ على روايتين: أحدهما: عليه هدي يذبحه في حجة القضاء إن قلنا عليه قضاء، وإلا ذبحه في عامه).
أما فوات الحج لمن طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فلقول جابر رضي الله عنه: «لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جَمْع.
قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؟ قال: نعم» 408 رواه الأثرم بإسناده.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى صلاتنا هذه وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه» 409 وكانت الصلاة صلاة الفجر من يوم النحر.
وأما تحلل من فاته ذلك وهو قول ابن حامد -لا منقول عن الإمام أحمد- فلأن الإحرام انعقد بأحد النسكين فلم ينقلب إلى الآخر كما لو أحرم بالعمرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 223

ولأنه إذا أحرم بالحج من مكة لم يلزمه الخروج إلى الحل ولو صار معتمراً للزمه ذلك كالمعتمر، وإذا لم ينقلب إحرامه عمرة تعين التحلل بطواف وسعي ليخرج من إحرامه.
وأما انقلاب إحرامه عمرة وهو المنصوص عن الإمام أحمد وظاهر كلام

الخرقي؛ فلما روى النجاد بإسناده عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فاته الحج فعليه دم وليجعلها عمرة» 410. ولما روى الشافعي في مسنده «أن عمر رضي الله عنه قال لأبي أيوب حين فاته الحج: اصنع ما يصنع المعتمر ثم قد حللت» 411. ولأنه قول عمر وابنه وابن عباس وزيد بن ثابت ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعاً.
ولأنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات فمع الفوات أولى.
ولأنه لو بقي في إحرام الحج لزمته أفعاله كالمفسد حجه.
ولأنه يفعل أفعال المعتمر خاصة فكان معتمراً كالمحرم بالعمرة.
قال أبو الخطاب: فائدة الخلاف أنها إذا صارت عمرة جاز إدخال الحج عليها فيصير قارناً ومن لم يجعله عمرة لم يجز ذلك.
وأما وجوب القضاء على من فاته الحج فينظر فيه فإن كان الذي فاته حجة الإسلام لزمه قضاؤها بلا خلاف على معنى أنه يلزمه أن يحج من قابل؛ لأن الحج كان واجباً عليه ولم يأت به على وجهه فلزمه الإتيان به ليخرج عن عهدة الواجب، وإن كان نفلاً ففيه روايتان: أحدهما: يقضيه لما يأتي.

الجزء: 2 - الصفحة: 224

والثانية: لا يقضيه «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الحج أكثر من مرة قال: بل مرة واحدة» 412 ولو وجب قضاء النافلة كان الحج أكثر من مرة.
ولأنها عبادة تطوّع بها فإذا فاتت لم يلزمه قضاؤها كسائر التطوعات.
والرواية الأولى أولى.
نص عليه ابن عقيل؛ لأن في حديث عطاء المذكور قبل: «الحج من قابل» 413. وفي حديث عمر لأبي أيوب: «فإن أدركت الحج قابلاً حج» 414. ولأن الحج يلزم بالشروع فيصير كالمنذور بخلاف سائر التطوعات.
وأما لزوم الهدي ففيه روايتان: أحدهما: لا يلزم؛ لأنه لو كان الفوات سبباً لوجوب الهدي للزم المحصر هديان للفوات والإحصار.
والرواية الثانية: يلزمه هدي؛ لأن في حديث عطاء: «من فاته الحج فعليه دم» 415. ولأنه قول من تقدم ذكره من الصحابة.
قال المصنف رحمه الله في المغني: وهي الصحيحة.
فعلى هذا إن قلنا يقضي ذبحه في سنة القضاء نص عليه لما روى سليمان بن يسار 416 «أن هبار بن الأسود حج من الشام فقدم يوم النحر.
فقال له عمر: انطلق إلى البيت فطف به سبعاً وإن كانت معك هدية فانحرها ثم إذا كان عام قابل فاحجج وإن وجدت سعة فاهد وإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت» 417. وإن قلنا لا قضاء عليه ذبحه في عامه؛ لأنه لا معنى لتأخيره.
قال: (وإن أخطا الناس فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم، وإن أخطأ بعضهم فقد فاته الحج).
أما الإجزاء إذا أخطأ الناس؛ فلأنه لا يؤمن مثله في القضاء فيشق.

الجزء: 2 - الصفحة: 225

وأما فوات الحج إذا أخطأ البعض فلأن الخطأ من تفريطهم ولهذا قال عمر رضي الله عنه لهبار: «وما حبسك؟ قال: كنت أحسب أن اليوم يوم عرفة» 418 فلم يعذره بذلك.
قال: (ومن أحرم فحصره عدو ولم يكن له طريق إلى الحج ذبح هدياً في موضعه وحل، فإن لم يجد هدياً صام عشرة أيام ثم حل، ولو نوى التحلل قبل ذلك لم يحلّ، وفي وجوب القضاء على المحصر روايتان).
أما ذبح المحرم هدياً إذا حصره عدو في الجملة فلقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: 196]. و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لما حصروا بالحديبية أن ينحروا ويحلقوا ويحلوا» 419. وأما حله بعد ذلك فلما تقدم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بذلك.
ولأن الحاجة داعية إلى الحل لما في تركه من المشقة العظيمة المنفية شرعاً.
ولا فرق في الإحصار بين الحج والعمرة لعموم الآية.
ولأن الصحابة رضي الله عنهم حلوا في الحديبية 420 وكانت عمرة.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه خرج في الفتنة معتمراً وقال: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم» 421 متفق عليه.
وأما ما يشترط للحل فشروط: أحدها: أن لا يجد طريقاً أخرى فلو أمكنه الوصول من طريق أخرى لزمه سلوكها ولم يجز له التحلل سواء كان أبعد من طريق الحصر أو مثله؛ لأنه أمكنه الوصول أشبه ما لم يحصره أحد.

الجزء: 2 - الصفحة: 226

الثاني: أن ينحر هديه إن كان معه وإلا اشتراه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل وهكذا أمر الصحابة 422. الثالث: أن يحصر ظلماً كحصر الكفار وقطاع الطريق ومانعي الوصول إلى المناهل ونحو ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حصروا ظلماً فلو منعه من له عليه دين وهو قادر على أدائه لم يكن له التحلل؛ لأنه لا عذر له في الحبس فكان الحصر من نفسه.
الرابع: الحلق إن قلنا هو نسك ولم يذكره المصنف رحمه الله وظاهره عدم اشتراطه.
فعلى هذا يحصل التحلل للمحصر بالنية والنحر أو بدله وبالنية والنحر أو بدله والحلق على الخلاف المتقدم في كونه نسكاً.
فإن قيل: لم اشترطت النية هنا دون ما تقدم؟ قيل: لأن من أتى بأفعال الحج فقد أتى بما عليه فيتحلل منها بإكمالها فلم يحتج إلى نية بخلاف المحصر فإنه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها فافتقرت إلى قصده.
ولأن الذبح يكون لغير التحلل فلم يتخصص إلا بالقصد بخلاف الرمي فإنه لا يكون إلا للنسك فلم يحتج إلى القصد.
وأما صيام عشرة أيام إذا لم يجد الهدي فلما تقدم في باب الفدية 423، وفي حديث عمر لهبار.
وأما عدم حله إذا نوى التحلل قبل الذبح أو الصوم فلأن الهدي أو الصوم أقيم مقام أفعال الحج فلم يحل قبله كما لا يتحلل القادر على أفعال الحج قبلها ولا يلزمه بهذه النية فدية؛ لأنها لا تؤثر في العبادة.
وإن فعل شيئاً من المحظورات قبل النحر فعليه فدية؛ لأنه باق على إحرامه.
وأما وجوب القضاء على المحصر ففيه روايتان: أحدهما: يجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل 424 وسميت عمرة القضية.

الجزء: 2 - الصفحة: 227

ولأنه تحلَّلَ من إحرمه قبل إتمامه فلزمه القضاء كما لو فاته الحج.
والثانية: لا يجب؛ لأن الذين صدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ألفاً وأربعمائة والذين اعتمروا معه من قابل كانوا يسيراً ولم ينقل أنه أمر الباقين بالقضاء.
ولأنه تطوع جاز التحلل منه مع صلاح الوقت فلم يجب عليه القضاء كما لو دخل في الصوم يعتقد أنه واجب فلم يكن.
وتفارق هذه المسألة مسألة من فاته الحج بأن من فاته مقصّر بخلاف المحصر.
قال: (فإن صد عن عرفة دون البيت تحلل بعمرة ولا شيء عليه).
أما تحلل من صد عن عرفة دون البيت بعمرة فلأنه يمكنه 425 أن يأتي بعمل العمرة.
فعلى هذا يتحلل بطواف وسعي وحلق.
وأما كونه لا شيء عليه 426. قال: (ومن أحصر بمرض أو ذهاب نفقة لم يكن له التحلل، وإن فاته الحج تحلل بعمرة.
ويحتمل أن يجوز له التحلل كمن حصره العدو).
أما كون المحصر بما ذكر ليس له التحلل على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير فقالت: إني أريد الحج وأنا شَاكِيةٌ فقال: حُجي واشترطي أن محلي حيث حَبستني» 427 فلو كان المرض يبيح الإحلال ما احتاجت إلى شرط.
ولأن ذلك قول ابن عباس وابن عمر.
ولأنه لا يستفيد بإحلاله الانتقال من حاله ولا التخلص من الداء الذي به بخلاف المحصر بالعدو.

الجزء: 2 - الصفحة: 228

وأما احتمال جواز ذلك لمن حصره عدو؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى» 428 رواه مسلم.
ولأنه محصور فيدخل في عموم الآية.
ولأنه مصدود عن البيت أشبه من صده العدو.
والأول أولى لما تقدم.
وقوله: «من كسر أو عرج» 429 متروك الظاهر؛ لأن مجرد الكسر لا يصير به حلالاً وإن حمل على أنه يبيح حملناه على ما إذا اشترط التحلل بذلك، والعموم مخصوص بحديث ضباعة، والقياس على من حصره عدو لا يصح لما ذكرنا من الفرق.
فعلى هذا يبعث ما معه من الهدي ليذبح بمكة وليس له ذبحه في مكانه؛ لأنه لم يبح له التحلل بخلاف المحصر.
وإن فاته الحج تحلل بعمرة كسائر من فاته الحج.
وعلى قولنا: له التحلل حكمه حكم المحصر؛ لأنه في معناه.
قال: (ومن شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني فله التحلل بجميع ذلك ولا شيء عليه).
أما جواز التحلل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير: «حجي واشترطي» 430 فلو لم يجز التحلل مع الاشتراط لم يكن فيه فائدة.
ولأن الشرط له تأثير في العبادات بدليل أنه لو قال: إن شفى الله مريضي صمت شهراً فإنه يلزم بوجود الشرط ويعدم بعدمه.
وأما كونه لا شيء عليه فلأنه صار بمنزلة من أكمل أفعال الحج.

الجزء: 2 - الصفحة: 229

وقوله: لا شيء عليه يشمل القضاء والهدي.
والله تعالى أعلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 230

باب الهدي والأضاحي

الهدي: ما يذبح بمنى.
سمي بذلك لأنه يهدى إلى الله تعالى.
وهو مشروع؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة» 431. والأضاحي: جمع أضحية.
وهي: ما يذبح يوم النحر وأيام التشريق على وجه التقرب إلى الله تعالى.
وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: 2].
وأما السنة فلما روى أنس رضي الله عنه قال: «ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين.
ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما» 432. والأملح: الذي فيه بياض وسواد وبياضه أغلب.
قاله الكسائي وأبو زيد.
وقال ابن الأعرابي: هو النقي البياض.

الجزء: 2 - الصفحة: 231

قال الشاعر: حتى اكتسى الرأس قناعاً أشيبا ... أملح لا لداً ولا محببا وأما الإجماع فأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (والأفضل فيها الإبل ثم البقر ثم الغنم والذكر والأنثى سواء).
أما كون الأفضل في الهدايا والضحايا الإبل ثم البقر ثم الغنم فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من راح في الساعة الأولة فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشاً ... مختصر» 433. متفق عليه.
ولأنه يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنه قال لامرأة: عليك فدية من صيام أو صدقة أو نسك.
قالت: أي النسك أفضل؟ قال: إن شئت فناقة وإن شئت فبقرة.
قالت: أي ذلك أفضل؟ قال: انحري ناقة» 434. ولأن ما كان أكبر كان أوفر لحماً وأنفع للفقراء فكان أفضل لازدياد نفعه.
وأما كون الذكر والأنثى سواء والمراد به في الإجزاء والفضيلة: أما في الإجزاء فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى جملاً لأبي جهل في أنفه برة من فضة» 435. رواه ابن ماجة.
وأما في الفضيلة فلأن المقصود هنا اللحم ولحم الذكر أطيب والأنثى أرطب فيتساويان.
بخلاف الزكاة فإن المقصود فيها الدر والنسل فلذلك كانت الأنثى فيها أفضل.

الجزء: 2 - الصفحة: 232

قال: (ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن وهو ما له ستة أشهر والثني مما سواه.
وثني الإبل ما كمل له خمس سنين ومن البقر ما له سنتان ومن المعز ما له سنة).
أما عدم إجزاء غير الجذع من الضأن فلأنه لو أجزأ لما كان لتخصيص الجذع بالذكر فيما يأتي من الحديث فائدة.
وأما عدم إجزاء غير الثني من المعز «فلأن أبا بُردة بن نِيَارٍ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: عندي جَذعة من المعز هي أحَبُّ إليَّ من شاتين فهل تجزئ عني؟ قال: نعم ولا تجزئ عن أحد بعدك» 436 متفق عليه.
وأما إجزاء الجذع من الضأن فلما روت أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يجوز الجذع من الضأن أضحية» 437 رواه ابن ماجة.
والهدي مثله.
وعن مجاشع بن سليم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني» 438 رواه أبو داود.
فإن قيل: هذا يدل على إجزاء الجذع من كل جنس.
قيل: الإطلاق هنا يجب حمله على المقيد في حديث أم بلال؛ لأن المطلق يجب حمله على المقيد لما في الجمع بينهما من العمل بهما.
وأما إجزاء الثني من غيرهما فلأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يذبحونه.
وأما كون الجذع من الضأن ما له ستة أشهر والثني من الإبل ما كمل له خمس سنين ودخل في السادسة فلأن الأصمعي وغيره قالوا ذلك.
وسمي بذلك؛ لأنه حينئذ يلقي ثنيته.
وأما كون الثني من البقر ما له سنتان فلأن المسنة تجزئ لما تقدم في الحديث وهي ما لها سنتان.

الجزء: 2 - الصفحة: 233

قال: (وتجزئ الشاة عن واحد والبدنة والبقرة عن سبعة سواء أراد جميعهم القربة أو بعضهم والباقون اللحم).
أما إجزاء الشاة عن واحد فلا شبهة فيه لحصول الوفاء بذلك والخروج به عن عهدة الأمر المطلق الوارد في الكتاب والسنة، وتطابَق الخَلْق على الاكتفاء بها.
وأما إجزاء البدنة والبقرة عن سبعة فلما روى جابر رضي الله عنه قال: «كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها» 439. وفي لفظ: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة» 440 رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن» 441 رواه ابن ماجة.
وأما التسوية في الإجزاء بين قصد الجميع القربة وبين قصد بعضهم القربة والباقين اللحم فلأن الجزء المجزئ لا ينتقص بإرادة الشريك غير القربة فوجب أن يجزئ كما لو اختلفت جهات القرب فأراد بعضهم المتعة والآخر قران.
قال: (ولا يجزئ فيهما العوراء البين عورها وهي: التي انخسفت عينها، ولا العجفاء التي لا تنقى وهي: الهزيلة التي لا مخ فيها، والعرجاء: البين طلعها فلا تقدر على المشي مع الغنم، والمريضة البين مرضها، والعضباء وهي: التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها.
وتكره المعيبة الأذن بخرق أو شق أو قطع لأقل من النصف).
أما عدم إجزاء العوراء والعجفاء والعرجاء والمريضة الموصوفات بما ذكره المصنف رحمه الله فلما روى البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم

الجزء: 2 - الصفحة: 234

فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا تُنْقي ... مختصر» 442. رواه أبو داود والنسائي.
وفي تقييد المصنف رحمه الله العوراء: بكونها بيناً عورها، والعجفاء: بكونها لا تنقي، والعرجاء: بكونها بيناً ضلعها، والمريضة: بكونها بيناً مرضها إشعار بأنها إذا لم تكن كذلك تجزئ.
أما العوراء فلأنها إذا لم يكن عورها بيناً مثل إن كانت عينها قائمة لم يذهب منها عضو مستطاب بخلاف البينة العور فإنه يذهب منه عضو مستطاب وهو شحمة العين.
وأما العجفاء فلأنها إذا كان فيها نُقي وهو المخ تكون قريبة من غيرها بخلاف التي لا مخ فيها.
وأما العرجاء التي لا يكون ضلعها بيناً فلأنها تقدر على المشي بخلاف التي ضلعها بين.
وأما المريضة التي لا يكون مرضها بيناً فلأنها قريبة من الصحيحة، وكذلك المرض اليسير لا يجوز معه الترخص بخلاف المرض الكثير.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي التي انخسفت عينها فتفسير للعوراء البين عورها.
وأما قوله: وهي الهزيلة التي لا مخ فيها فتفسير للعجفاء.
وأما قوله: فلا تقدر على المشي مع الغنم فتفسير للعرجاء البين ضلعها.
وأما عدم جواز العضباء فلما روي عن علي رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحى بأعضب الأذن والقرن» 443. رواه النسائي.

الجزء: 2 - الصفحة: 235

وأما قول المصنف رحمه الله: وهي التي ذهب أكثر أذنها فتفسير للعضب، وفي تكملة الحديث المتقدم: «قال قتادة: سألت سعيد بن المسيب فقال: نعم العضب: النصف فأكثر من ذلك» 444. وأما كراهة المعيبة الأذن بخرق أو شق أو قطع لأقل من النصف فلقول علي: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نَستشرِفَ العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابَلةٍ ولا مُدابَرة ولا خَرقاء ولا شَرقَاء.
قال أبو إسحاق السبيعي: المقابلة تقطع طرف الأذن.
والمدابرة تقطع من مؤخر الأذن.
والخرقاء تشق الأذن.
والشرقاء تشق أذنها للسمة» 445. رواه أبو داود.
فإن قيل: لم حمل هذا النهي على الكراهة؟ قيل: لأن ما ذكر لا ينقص اللحم ويمكن التحرز منه.
قال: (وتجزئ الجماء والبتراء والخصي.
وقال ابن حامد: لا تجزئ الجماء).
أما إجزاء الجماء -وهي: التي لم يخلق لها قرن- على قول غير ابن حامد فلأن عدم ذلك لا ينقص اللحم ولا يخل بالمقصود ولم يرد فيه نهي.
وأما عدم إجزائها على قول ابن حامد فلأن ما ذهب نصف قرنها لا تجزئ فالتي لا قرن لها بالكلية أولى أن لا تجزئ.
والأول أولى لما ذكر.
والفرق بين التي كسر قرنها وبين التي لم ينبت لها قرن أن التي كسر قرنها يكون كسره سبباً لنقصان لحمها ظاهراً بخلاف التي لم ينبت لها قرن.
وأما إجزاء البتراء وهي: التي لا ذنب لها فلما ذكر في التي لا قرن لها.
وأما إجزاء الخصي فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوئين» 446.

الجزء: 2 - الصفحة: 236

والموجوء: المرضوض الخصيتين.
وسواء في ذلك ما قطعت خصيتاه أو رضت بيضتاه أو سُلّتا؛ لأنه عضو غير مستطاب وبذهابه يطيب اللحم ويسمن.
قال: (والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر.
ويذبج البقر والغنم.
ويقول عند ذلك: بسم الله والله أكبر.
اللهم! هذا منك ولك).
أما مسنونية نحر الإبل وذبح البقر والغنم فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينحر الإبل ويذبح غيرها».
ولذلك لما كانت أكثر أموال العرب الإبل قال الله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: 2]، ولما كانت غالب أموال بني إسرائيل البقر قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: 67].
وأما مسنونية نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فـ «لأن ابن عمر رضي الله عنهما مر على رجل قد أناخ بدنة لينحرها فقال: ابعثها قائمة مقيدة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم» 447 متفق عليه.
وأما قول المصنف رحمه الله: فيطعنها بالحربة فصفة للنحر.
وأما كون ذلك في الوهدة المذكورة فلأن عنق البعير طويلة فلو طعن بالقرب من رأسه لحصل له تعذيب عند خروج روحه.
وفي مسنونية نحر الإبل وذبح غيرها إشعار بجواز ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح وهو صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمْرِر الدم بما شئت» 448. وعن أسماء رضي الله عنها قالت: «نحرنا فرساً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه» 449.

الجزء: 2 - الصفحة: 237

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بقرة واحدة» 450. وأما مسنونية قوله عند النحر والذبح: بسم الله والله أكبر اللهم! هذا منك ولك فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح قال: بسم الله والله أكبر» 451. وفي لفظ: «اللهم! منك ولك عن محمد وأمته.
بسم الله والله أكبر ثم ذبح» 452 رواه أبو داود.
قال: (ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم.
وإن ذبحها بيده كان أفضل فإن لم يفعل استحب أن يَشْهدها).
أما عدم استحباب أن يذبحها غير مسلم فلأن الذبح قربة فلا ينبغي أن يليه غير أهل القربة.
وفي قول المصنف رحمه الله: ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم إشعار بأنه لو ذبحها غير مسلم ممن تباح ذبيحته أجزأ.
وصرح غيره من الأصحاب بأن الكتابي إذا ذبحها فيه روايتان: أحدهما: لا يجزئ لأن في حديث ابن عباس: «ولا يذبح ضحاياكم إلا طاهر».
ولأنه قربة فلا يليها غير أهلها.
ولأن الشحوم مما يذبحونه تحرم علينا في رواية.
والثانية: تجزئ وهي الصحيحة؛ لأن من جاز له ذبح غير الأضحية جاز له ذبح الأضحية كالمسلم.
ولأن الكافر يجوز أن يتولى ما هو قربة كبناء المساجد والقناطر.
والحديث محمول على الأولى ونحن نقول به، وتحريم الشحوم ممنوع.

الجزء: 2 - الصفحة: 238

وأما كون ذبحها بيده أفضل فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر من هديه ثلاثاً وستين بدنة بيده» 453. و«ذبح كبشين في الأضحية بيده» 454. ولأن فعل القربة أولى من الاستنابة.
وأما استحباب حضورها إذا لم يذبحها بنفسه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: «احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها» 455. وفي حديث ابن عباس الطويل عن النبي صلى الله عليه وسلم: «واحضروها إذا ذبحتم فإنه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها».
قال: (ووقت الذبح يوم العيد بعد الصلاة أو قدرها إلى آخر يومين من أيام التشريق ولا يجزئ في ليلتهما في قول الخرقي.
وقال غيره: يجزئ.
فإن فات الوقت ذبح الواجب قضاء وسقط التطوع).
أما أول وقت الذبح فظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا إذا مضى أحد أمرين من صلاة العيد وقدرها لأنه ذكر ذلك بلفظ أو وهي للتخيير، ولم يفرق بين من تقام صلاة العيد في موضع ذبحه أو لم تقم لأن الذبح عبادة يتعلق آخرها بالوقت فتعلق أولها بالوقت كالصوم.
فعلى هذا إذا ذبح بعد الصلاة وقبل الخطبة أو بعد قدر الصلاة وقبل قدر الخطبة يجزئ؛ لأنه لم يشترط مضيّ الخطبة أو قدرها؛ لأن خطبة العيد سنة وليست واجبة فلم يشترط مضيها ولا مضي قدرها بخلاف الصلاة فإنها فرض كفاية.
وقال الخرقي: يشترط مضي قدر الخطبة قياساً على مضي قدر الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 239

وقد تقدم التنبيه على الفرق.
وظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله: أن من كان في مصر لا يذبح حتى

يصلي وهو الصحيح؛ لما روى جندب بن عبدالله البجلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى» 456. وعن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن ذبح قبل الصلاة فلا نسك له» 457 متفق عليهما.
وفي لفظ: «إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح فمن ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم» 458. فعلى هذا إنما تعتبر الصلاة في حق أهل المصر والقرية التي يصلى فيها.
فأما الموضع الذي لا يصلى فيه عيد فيعتبر مضي قدر الصلاة أو قدر الصلاة والخطبة على ما تقدم لأنه لا صلاة لهم فاعتبارها مع عدمها متعذر.
وهذا في اليوم الأول فأما الثاني والثالث فيجوز من أول النهار لعدم الصلاة فيه.
وأما آخره فآخر اليوم الثاني من أيام التشريق فتكون أيام النحر ثلاثة.
قال الإمام أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
و«لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث» 459 ويستحيل أن يباح ذبح الأضحية في وقت يحرم أكلها فيه.
ثم رخص في الأكل ولم ينقل تغيير وقت الذبح.

الجزء: 2 - الصفحة: 240

وأما عدم إجزاء الذبح في ليلتي يومي الذبح المتقدم ذكرهما عند الخرقي فلأن الله تعالى قال: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: 28] واليوم اسم لبياض النهار.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى عن الذبح بالليل» 460. ولأن الليل يتعذر فيه تفريق اللحم في الغالب فلا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود.
وذكر المصنف رحمه الله في المغني: أن قول الخرقي منصوص أحمد.
رواه الأثرم عنه.
وأما الإجزاء على قول غير الخرقي فلأن الليل زمن يصح فيه الرمي فصح فيه الذبح كالنهار.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: أكثر من علمته من أصحابنا يذكرون رواية أنه يجوز الذبح بالليل ويختارونها.
وأما ذبح الواجب قضاء إذا فات الوقت فلأن الذبح أحد مقصودي الأضحية فلا يسقط بفوات وقته كما لو ذبحها ولم يفرق لحمها حتى يخرج الوقت.
وأما سقوط التطوع فلأن المحصل لتلك الفضيلة ذلك الزمان بدليل ما لو ذبحها قبل العيد فإذا فات سقط لفوات شرطه.
قال: (ويتعين الهدي بقوله: هذا هدي أو تقليده وإشعاره مع النية.
والأضحية بقوله: هذه أضحية.
ولو نوى حال الشراء لم يتعين بذلك).
أما تعين الهدي بقوله: هذا هدي فلأنه لفظ يقتضي الإيجاب فوجب أن يترتب عليه مقتضاه كلفظ الوقف.

الجزء: 2 - الصفحة: 241

وأما تعينه بتقليده وإشعاره مع النية فلأن ذلك بمنزلة ما لو بنى مسجداً وأذن للناس في الصلاة فيه.
وأما تعين الأضحية بقوله: هذه أضحية فلما تقدم في الهدي.
وأما عدم تعين الهدي والأضحية بنية ذلك حال الشراء فلأن جعلها المشتري هدياً أو أضحية إزالة ملك على وجه القربة فلم تؤثر النية المقارنة للشراء فيه كالعتق والوقف.
قال: (وإذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها إلا أن يبدلها بخير منها.
وقال أبو الخطاب: لا يجوز أيضاً).
أما عدم جواز بيع ما تعين وهبته فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقسم جلودها وجلالها ونهى أن يعطى الجازر منها شيئاً» 461 فلأن لا يجوز بيعها وهبتها المزيلان للملك بالكلية بطريق الأولى.
ولأنه جعل ذلك لله فلم يجز بيعه ولا هبته كالوقف.
وأما الإبدال فالمنصوص عن الإمام أحمد أنه يجوز بخير منها؛ لأنه عدل عن المعين إلى خير منه من جنسه فأجزأ عنه كما لو وجب عليه بنت لبون في الزكاة فأخرج حقة.
وقال أبو الخطاب: لا يجوز؛ لأنه نوع تصرف فلم يجز كالبيع.
وقول المصنف رحمه الله: بخير منها يدل بمفهومه على أنه لا يجزئ بمثلها ولا دونها وهو صحيح؛ لأنه لا فائدة في الإبدال.
وذكر القاضي في إبدالها بمثلها احتمالين: أحدهما: يجوز؛ لأنه لا ينقص مما وجب عليه شيء.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يغير ما عينه لغير فائدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 242

قال: (وله ركوبها عند الحاجة ما لم يضر بها).
أما جواز ركوبها عند الحاجة في الجملة؛ فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه

«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة.
فقال: اركبها.
فقال: إنها بدنة.
فقال: اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة» 462 متفق عليه.
وأما ما يشترط لجواز ذلك فأمران: أحدهما: دعوة الحاجة لأن في حديث آخر قال: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً» 463 رواه أبو داود.
وثانيهما: عدم الإضرار بها؛ لأن ركوبها إذا كان يضر بها يؤدي إلى ضرر الفقراء وذلك غير جائز.
قال: (وإن ولدت ذبح ولدها معها، ولا يشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها.
ويجز صوفها ووبرها ويتصدق به إن كان أنفع لها.
ولا يعطى الجازر بأجرته شيئاً منها).
أما ذبح ولدها معه وعدم الشرب من لبنها إلا الفاضل عن ولدها فلما روي «أن علياً رضي الله عنه جاءه رجل يسوق بقرة معها عجل لها.
فقال: يا أمير المؤمنين! إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها وإنها وضعت هذا العجل.
فقال علي رضي الله عنه: لا تحلبها إلا فضلاً عن ولدها فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها عن سبعة» 464 رواه سعيد بن منصور.
ولأن شرب اللبن الفاضل انتفاع لا يضر بها ولا بولدها أشبه الركوب.

الجزء: 2 - الصفحة: 243

وأما جواز جز صوفها ووبرها إن كان أنفع لها مثل أن يكون زمن الربيع فتخف بجزه وتسمن فلأن ذلك لمصلحتها.
فعلى هذا يتصدق به كما لو أخذه بعد الذبح.
وفي تقييد جواز ذلك بكونه أنفع لها إشعار بأنه إذا كان الجز يضر بها لكون الصوف والوبر يقيها الحر والبرد لم يجز وهو صحيح؛ لأنه حينئذ قطع شيء يضر بها فلم يجز كما لا يجوز قطع بعض أعضائها.
وأما عدم إعطاء الجازر بأجرته شيئاً منها فلأن علياً رضي الله عنه قال: «أمرني يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أعطي الجازر منها شيئاً.
وقال: نحن نعطيه من عندنا» 465. ولأنه إذا أعطاه ذلك أجرة كان بمنزلة المعاوضة، والمعاوضة في ذلك غير جائزة لما تقدم.
وقول المصنف رحمه الله: بأجرته فيه تنبيه على جواز إعطائه لغير ذلك مثلاً: أن يكون فقيراً أو ممن يهدى إليه؛ لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره بل أولى؛ لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها.
فإن قيل: الحديث شامل للأجرة وغيرها.
قيل: المراد الأجرة لأن في قوله: «نحن نعطيه من عندنا» دليلاً على إرادتها.
قال: (وله أن ينتفع بجلدها وجلها ولا يبيعه ولا شيئاً منها).
أما جواز الانتفاع بجلد الأضحية فلأنه جزء منها فجاز للمضحي فعله كاللحم، وقد روي عن عكرمة ومسروق رضي الله عنهما «أنهما كانا يدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه».
وأما جواز الانتفاع بجلها فلأنه إذا جاز الانتفاع بجلدها فلأن يجوز الانتفاع بالجل بطريق الأولى.
وأما عدم جواز بيع جلد الأضحية أو شيء منها فلما تقدم في بيع الأضحية وهبتها.

الجزء: 2 - الصفحة: 244

وإنما نص المصنف رحمه الله على عدم جواز بيعه وهبته مع أن ما تقدم يدل عليه؛ رفعاً لتوهم الفرق بن حياة الأضحية وذبحها.
وذهب إليه الحسن البصري والنخعي فإنهما قالا: يباع الجلد ويشترى به الغربال والمنخل وآلة البيت.
والأولى عدم جواز البيع لما ذكر قبل؛ لأنه شيء ينتفع به هو وغيره ويجري مجرى لحمها.
وأما الجل فما تجلل به.
قال: (وإن ذبحها فسرقت فلا شيء عليه فيها، وإن ذبحها ذابح في وقتها بغير إذن أجزأت ولا ضمان على ذابحها).
أما عدم وجوب شيء على من سرقت أضحيته بعد ذبحها فلأنها أمانة في يده فلم تضمن بالسرقة كالوديعة.
وأما إجزاء ذبحها إذا ذبحها ذابح في وقتها بغير إذن فلأن الذبح لا يفتقر إلى نية فإذا فعلها الغير أجزأت كإزالة النجاسة.
وأما عدم الضمان على الذابح فلأنها وقعت موقعها فلم يضمن ذابحها كما لو كان بإذن.
ولأنه إراقة دم متعين لحق الله تعالى فلم يضمن ذابحها كقاتل المرتد بغير إذن الإمام.
قال: (وإن أتلفها أجنبي فعليه قيمتها، وإن أتلفها صاحبها ضمنها بأكثر الأمرين من مثلها أو قيمتها، فإن ضمنها بمثلها وأخرج فضل القيمة جاز ويشتري به شاة أو سبع بدنة، فإن لم يبلغ اشترى به لحماً فتصدق به أو يتصدق بالفضل.
وإن تلفت بغير تفريطه لم يضمنها).
أما ضمان الأجنبي الأضحية التي أتلفها بقيمتها فلأنها من المتقومات.
وتعتبر القيمة يوم التلف لأنه لو أتلف غير الأضحية لاعتبر ذلك فكذلك الأضحية.
وأما صاحبها فقال أبو الخطاب: يلزمه أكثر الأمرين مما ذكر لأنه تعلق به حق الله تعالى في ذبحها فوجب عليه أكثر الأمرين ليوفي بحق الله تعالى فيها.

الجزء: 2 - الصفحة: 245

وقال القاضي: لا يلزمه إلا القيمة كالأجنبي.
والأول أولى؛ لما ذكر قبل بخلاف الأجنبي.
وأما جواز إخراج فضل القيمة إذا ضمنها بمثلها فلأن ذلك بمنزلة ما لو أخرج في الزكاة عن الجياد مكسرة وأخرج الفضل.
فإن قيل: ما مثال فضل القيمة عن المثل؟ قيل: أن تكون الأضحية يوم الإتلاف تساوي عشرة فصار مثلها يساوي خمسة فإذا اشترى مثلها بخمسة بقي عليه خمسة.
فإن قيل: بقاء الخمسة المذكورة عليه على قولنا يلزمه أكثر الأمرين أو على قولنا يلزمه قيمتها؟ قيل: بل ذلك عليه على القولين جميعاً.
ولذلك قال المصنف رحمه الله في المغني في هذه الصورة: تلزمه عشرة وجهاً واحداً.
وهو صحيح لأن من قال تلزمه القيمة فالقيمة عشرة، ومن قال يلزمه أكثر الأمرين فالقيمة هنا أكثر الأمرين.
وأما ما يصنع بالفضل فنقول: إن أمكنه أن يشتري شاة أو سبع بدنة كما في هذه الصورة لزمه؛ لأن الذبح مقصود في الأضحية فإذا أمكنه الإتيان به لزمه وإن لم يتسع الفضل لشاة أو سبع بدنة فظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا: أنه يتخير بين شراء لحم وبين التصدق بالفضل لأنه ذكره بلفظ أو المقتضية للتخيير وفي المسألة وجهان: أحدهما: كما ذكر المصنف رحمه الله؛ لأنه إذا لم يحصل له التقرب بإراقة الدم كان اللحم وثمنه سواء.
الثاني: يتعين عليه شراء اللحم مع القدرة عليه؛ لأن الذبح وتفرقة اللحم مقصودان فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر وهكذا حكم الأجنبي إذا لم تبلغ القيمة ثمن أضحية.
وأما عدم الضمان إذا تلفت بغير تفريط فلما تقدم من أنها أمانة فلم يضمنها بغير تفريط كالوديعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 246

قال: (وإن عطب الهدي في الطريق نحره موضعه وصبغ نعله التي في عنقه في دمه وضرب بها صفحته ليعرفه الفقراء فيأخذوه، ولا يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته).
أما نحره الهدي المذكور وفعله ما ذكر وعدم جواز الأكل له ولأحد من رفقته فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن ذؤيباً أبا قبيصة حدثه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتاً فانحرها.
ثم اغمس نعلها في دمها.
ثم اضرب به صفحتها.
ولا تَطْعَمْها أنت ولا أحد من أهل رفقتك» 466 أخرجه مسلم.
فإن قيل: فقد روى صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه قال: يا رسول الله! كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ قال: انحره ثم اغمس قلائده في دمه ثم اضرب بها صفحة عنقه ثم خل بينه وبين الناس» 467. فقوله: خل بينه وبين الناس يدل على تسوية الرفقة بالأجانب وهذا الحديث راجح على غيره.
قال ابن عبدالبر: هذا الحديث أصح من حديث ابن عباس وعليه العمل عند الفقهاء.
قيل: حديث ابن عباس صحيح أخرجه مسلم وهو متضمن لمعنى خاص يجب تقديمه على عموم ما يخالفه.
والتسوية بين الرفقة والأجانب لا يصح لأن الرجل يشفق على رفيقه وربما أوسع عليه من ماله فيتهم في حقه دون الأجنبي.
وأما النعل فهي التي يقلد بها الهدي لما روي في حديث صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما قول المصنف رحمه الله: ليعرفه الفقراء فتنبيه على أن صبغ النعل إنما كان من أجل معرفة الفقراء كون المذبوح هدياً.

الجزء: 2 - الصفحة: 247

وأما الحكمة في منع السائق ورفقته من أكلها فلئلا يُقَصّر في حفظها فيعطبها ليأكل هو ورفقته منها.
(وإن تعينت ذَبَحَها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين كالفدية والمنذور في الذمة فإن عليه بدلها.
وهل له استرجاع هذا العاطب والمعيب؟ على روايتين.
وكذلك إن ضلت فذبح بدلها ثم وجدها).
أما ذبح المتعينة إذا تعينت عنده ولم يكن عن واجب في الذمة وإجزاؤه ذبحها من غير بدل فلما روى أبو سعيد رضي الله عنه قال: «ابتعنا كبشاً نضحي به فأصاب الذئب من إليته.
فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نضحي به» 468. رواه ابن ماجة.
ولأنه عيب حدث في الأضحية الواجبة فلم يمنع الإجزاء كما لو حدث بها عيب لمعالجة الذبح.
وأما لزوم البدل إذا كانت عن واجب في ذمته مثل إن نذره، أو كان قد لزمه ذلك من تمتع أو قران أو حلق أو نحو ذلك ثم عين ذلك في شيء بعينه فتعيب فكما لو كان لرجل عليه دين فاشترى به منه مكيلاً فتلف قبل قبضه انفسخ البيع وعاد الدين إلى ذمته.
وأما جواز استرجاع هذا العاطب والمعيب ففيه روايتان: أحدهما: له استرجاعه وتصرفه فيه بما شاء؛ لأنه إنما عيّنه عن ما في ذمته فإذا لم يقع عنه عاد إلى صاحبه على ما كان كمن أخرج زكاته فبان أنها غير واجبة عليه.
والأخرى: ليس له ذلك؛ لأنه صار للمساكين أشبه الذي عيّنه ابتداء.
وأما كون حكم الضال حكم المتعين إذا تعيب في ذبح بدله وفي استرجاعه وعدمه؛ فلأنه يساويه معنى فوجب أن يساويه حكماً.
ويقوّي لزوم ذبحه مع ذبح الواجب ما روي عن عائشة رضي الله عنها «أنها أهدت هديين فأضلتهما.
فبعث إليها ابن الزبير

الجزء: 2 - الصفحة: 248

هديين فنحرتهما.
ثم عاد الضالان فنحرتهما.
وقالت: هذه سنة الهدي» 469 وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 249

فصل [في سَوْق الهدي] قال المصنف رحمه الله: (سَوْق الهدي مسنون لا يجب إلا بالنذر.
ويستحب أن يقفه بعرفة ويجمع فيه بين الحل والحرم ولا يجب ذلك).
أما مسنونية سوق الهدي فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله.
روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فساق الهدي من ذي الحليفة» 470 متفق عليه.
وأما عدم وجوبه مع عدم النذر فلأن الغرض إراقة الدم وتفريق اللحم وهو حاصل بدون السوق.
وأما وجوبه مع النذر فلأنه سنة وطاعة فوجب الوفاء به لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» 471 وقياساً على نذر سائر القرب.
وأما استحباب وقفه بعرفة وجمعه فيه بين الحل والحرم 472. قال: (ويسن إشعار البدنة فيشق صفحة سنامها حتى يسيل الدم ويقلدها ويقلد الغنم النعل وآذن القرب والعري).
أما مسنونية إشعار البدنة وتقليدها فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «فتلت قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم ثم أشعرها وقلدها» 473 متفق عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 250

وروى ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة ثم دعى ببدنة وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها بيده» 474 رواه مسلم.
ومراد المصنف رحمه الله بالبدنة الإبل والبقر؛ أما الإبل فلحديث ابن عباس؛ وأما البقر فلأنها من البدن فسن إشعارها وتقليدها كالإبل.
وأما قول المصنف رحمه الله فيشق صفحة سنامها فبيان لصفة الإشعار.
وأما مسنونية تقليد الغنم فلأن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أفتل قلائد الغنم للنبي صلى الله عليه وسلم» 475 رواه البخاري.
ولأنه هدي فاستحب تقليده كالإبل.
ولأنه إذا سن تقليد الإبل مع إمكان معرفتها بالإشعار فالغنم أولى.
وفي ذكر المصنف رحمه الله الإشعار والتقليد في البدنة والتقليد فقط في الغنم إشعار بأنه لا يسن إشعار الغنم وهو صحيح؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من السلف.
قال: (وإذا نذر هدياً مطلقاً فأقل ما يجزئه شاة أو سُبُع بدنة.
وإن نذر بدنة أجزأته بقرة).
أما كون الشاة أو سُبُع البدنة أقل ما يجزئ إذا نذر هدياً مطلقاً فلأن المطلق في النذر يجب حمله على معهود الشرع، والهدي الواجب في الشرع إنما هو من النعم، وأقله ما ذكرناه فحمل عليه، ولهذا قال الله تعالى ﴿فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: 196] في المتعة فحمل على ما ذكر.
وأما إذا ... 476:

الجزء: 2 - الصفحة: 251

أحدها: أن ينوي الإبل خاصة فلا يجزئه غير ذلك الجنس؛ لأن منه بعض فيتعين بها.
الثانية: أن ينوي الإبل والبقر فيجزئه كل واحد منهما؛ لما ذكر.
الثالثة: أن يطلق النذر فتجزئ البقرة عن البدنة لأنها تجزئ عن سبعة كالواحدة من الإبل.
ولأنه يصح إطلاق لفظ البدنة على البقرة اشتقاقا ونقلاً: أما الاشتقاق فإن لفظ البدنة مشتق من البدانة وهي الضخامة والكبر.
يقال: بدن إذا كبر وسمن وكثر لحمه وهذا المعنى موجود في البقر.
وأما النقل فما روى جابر رضي الله عنه قال: «كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له: والبقرة فقال: وهل هي إلا من البدن» 477. ولقائل أن يقول: لا يلزم من إجزاء البقرة في باب الهدايا والضحايا عن سبعة كالبدنة إجزاؤها عن نذر البدنة لأن اللفظ وإن أطلق عليها لكنه غالب في الإبل والظاهر من حال الناذر استعمال اللفظ فيما هو غالب فيحمل عليه، وحديث جابر في الهدايا في الحج ونحن نقول به.
قال: (فإن عين الهدي بنذره أجزأه ما عينه: صغيراً كان أو كبيراً من الحيوان وغيره، وعليه إيصاله إلى فقراء الحرم إلا أن يعينه موضع سواه).
أما إجزاء ما عينه بنذره من صغير وكبير ومريض فلأن لفظه لم يتناول غيره فإذا صرف المعين إلى مستحقه فقد خرج عن عهدة نذره.
وأما إجزاء الهدي من الحيوان وغيره فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» 478.

الجزء: 2 - الصفحة: 252

وأما وجوب إيصاله إلى فقراء الحرم إذا لم يعينه موضع سواه فلأن إطلاق الهدي يقتضي ذلك.
قال الله تعالى: ﴿بالغ الكعبة﴾ [المائدة: 95].
ثم ينظر فإن كان الهدي مما ينقل نقل، وإن كان مما لا ينقل كالدور بيع وصرف ثمنه إليهم؛ لأنه لا يمكنه إهداؤه بعينه فانصرف إلى بدله، وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أن رجلا سأله عن امرأة نذرت أن تهدي داراً قال: تبيعها وتصدق بثمنها على فقراء الحرم».
وأما إيصاله إلى فقراء الموضع الذي عيّنه مثل: أن يعيّنه للمدينة أو للثغور وما أشبه ذلك فلأنه قصد نفع أهله فلزمه إيصاله إليهم كأهل مكة، وروي «أن رجلاً نذر أن ينحر بالأبواء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بوفاء نذره» 479 رواه أبو داود.
قال: (ويستحب أن يأكل من هديه.
ولا يأكل من واجب إلا من دم المتعة والقران).
أما استحباب أكله من الهدي المتطوع به فلأن الله تعالى قال: ﴿فكلوا منها﴾ [الحج: 28].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من بدنه التي أهداها تطوعاً 480. ولا فرق في الهدي المذكور بين أن يكون ذُبح من غير إيجاب وبين ما أوجبه ابتداء من غير أن يكون في ذمته شيء لاشتراكهما في أصل التطوع.
وأما مقدار ما يستحب أكله فقال ابن عقيل: يأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث كالأضحية.
والأولى أن يتصدق بجميعها إلا اليسير كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين نحر بدنه.
وأما عدم جواز أكله من هديٍ واجب غير المتعة والقران فلأنه وجب للفقراء فلم يجز الأكل منه كسائر الواجبات.

الجزء: 2 - الصفحة: 253

وأما جواز الأكل من دم المتعة والقران فلما روي «أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم تمتعن معه في حجة الوداع وأدخلت عائشة رضي الله عنها الحج على المتعة حين حاضت فصارت قارنة فذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن البقر وأكلوا من لحومها» 481.

الجزء: 2 - الصفحة: 254

فصل [في الأضحية] قال المصنف رحمه الله: (والأضحية سنة مؤكدة.
ولا تجب إلا بالنذر.
وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها).
أما مسنونية الأضحية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى وحث على فعلها.
وقد تقدم ذلك في أول الباب مستقصى فلا حاجة إلى إعادته 482. وأما عدم وجوبها مع عدم النذر فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث كتبت عليّ وهن لكم تطوع: الوتر والنحر وركعتا الفجر» 483 رواه الدارقطني.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً حتى يضحي» 484 علقه على الإرادة والواجب لا يعلق على الإرادة.
ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها فلم تكن واجبة كالعقيقة.
ولا فرق في ذلك بين الغني والفقير لعموم ما تقدم.
وعن أحمد رحمه الله: هي واجبة على الغني لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» 485. ولما روي أنه قال: «يا أيها الناس! إن على أهل كل بيت في كل عام أضحية أو عتيرة» 486 أخرجهما ابن ماجة.

الجزء: 2 - الصفحة: 255

والأول أصح لما ذكر.
وأما قوله: «فلا يقربن مصلانا» فضعيف عند أهل الحديث وعلى تقدير صحته يحمل على تأكيد الاستحباب كما حمل قوله صلى الله عليه وسلم «من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا» 487. وأما قوله: «على أهل كل بيت ... الحديث» فمنسوخ بما يذكر في آخر فصل العقيقة 488. وعلى تقدير عدم نسخه يحمل على تأكيد الاستحباب كقوله صلى الله عليه وسلم: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» 489. وأما كون ذبحه أفضل من الصدقة بثمنها فلأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده عدلوا عن الصدقة بثمن الأضحية إلى ذبحها وواظبوا على ذلك وهم لا يواظبون إلا على الأفضل.
ولأن إيثار الصدقة بثمنها على ذبحها يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: (والسنة أن يأكل من أضحيته ثلثها ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها.
فإن أكل أكثر جاز وإن أكلها [كلها] 490 ضمن أقل ما يجزئ في الصدقة منها).
أما مسنونية أكل ثلثها وإهداء ثلثها والتصدق بثلثها فلأن ابن عباس روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأضحية: «ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السُؤّال بالثلث» أخرجه الحافظ أبو موسى في الوظائف وقال: هذا حديث حسن.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «الضحايا والهدايا ثلث لك وثلث لأهلك وثلث للمساكين».
وأما جواز أكل أكثرها فلأن الأمر بالأكل مطلق فإذا أكل الأكثر وتصدق بالباقي خرج عن العهدة وأن القصد لا يخلو من قربة وذلك يحصل بصدقة الأقل.

الجزء: 2 - الصفحة: 256

وأما ضمان أقل ما يجزئ في الصدقة منها إذا أكلها كلها فلأن الله تعالى قال: ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾ [الحج: 36] أمر والأمر للوجوب فإذا وجب التصدق بشيء منها وجب أن يضمنه إذا أكله كسائر الواجبات المتلفة.
ولم يذكر المصنف رحمه الله مقدار ما يجب.
وصرح في الكافي بأن صدقة الأوقية تجزئ لأنه يحصل به الوفاء بالأمر.
فعلى هذا يضمن هذا القدر.
وقال أبو الخطاب: يضمن القدر المشروع للصدقة.
وهو منصوص الإمام أحمد.
وفيه نظر.
قال: (ومن أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره وبشرته شيئاً.
وهل ذلك حرام؟ على وجهين).
أما عدم أخذ من أراد أن يضحي فدخل العشر شيئاً من شعره وبشرته حتى يضحي فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً حتى يضحي» 491. وأما حرمة ذلك ففيه وجهان: أحدهما: لا يحرم ويكره: أما عدم الحرمة فلقول عائشة رضي الله عنها: «كنت أفتل قلائد الهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي» 492. وأما الكراهة فلأن أدنى أحوال النهي الكراهة.

الجزء: 2 - الصفحة: 257

والثاني: يحرم وحكاه ابن المنذر عن أحمد رحمه الله عليه لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً حتى يضحي» 493. ومقتضى النهي التحريم.

الجزء: 2 - الصفحة: 258

فصل [في العقيقة] قال المصنف رحمه الله: (والعقيقة سنة مؤكدة).
أما ماهية العقيقة ففي الشرع: الذبيحة عن المولود.
والأصل فيها الشعر على المولود وجمعها عقائق ثم سميت الذبيحة عند حلق شعر المولود عقيقة تسمية للشيء باسم ما جاوره.
قال ابن عبدالبر: أنكر أحمد رحمه الله هذا التفسير فقال: إنما العقيقة الذبح نفسه لأنه يقال: عق إذا قطع ومنه عق والديه إذا قطعهما.
وأما كونها سنة مؤكدة فلما روى سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته» 494 رواه أبو داود والترمذي وصححه.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم عقّ عن الحسن والحسين» 495. قال: (والمشروع أن يذبح عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة يوم سابعه، ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه ورقاً، فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين).
أما مشروعية ذبح شاتين عن الغلام وشاة عن الجارية فلما روت عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يعقوا عن الغلام شاتين مكافئتين وعن الجارية شاة» 496 رواه أحمد وابن ماجة.

الجزء: 2 - الصفحة: 259

فإن قيل: الأمر للوجوب فلم حمل هنا على الاستحباب؟ قيل: لأنه صلى الله عليه وسلم قال في حديث آخر: «من وُلد له مولود وأحب أن ينسك عنه فليفعل» 497 رواه مالك في الموطأ.
علقه على محبته والواجب لا يُعَلّق على المحبة فوجب حمل الأمر في الأول على تأكد الاستحباب جمعاً بينهما.
وأما مشروعية الذبح يوم السابع وحلق رأس المولود فلأن في حديث سمرة بن جندب: «يذبح يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه» 498 رواه أبو داود.
وأما الصدقة بزنة شعره ورقاً؛ «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها لما ولدت الحسن: احلقي رأسه وتصدقي بزنته فضة» 499 رواه أحمد.
وأما الذبح في أربعة عشرة إذا فات في السابع وفي إحدى وعشرين إذا فات في أربع عشرة فلأن ذلك يروى عن عائشة رضي الله عنها.
قال: (وينزعها أعضاءً، ولا يكسر عظمها.
وحكمها حكم الأضحية).
أما نزع العقيقة أعضاء وعدم كسر عظمها فلأنه يروى عن عائشة رضي الله عنها 500. ولأنه أول ذبيحة ذبحت عن الولد فلا يكسر عظمها تفاؤلاً بالسلامة.
ومعنى ينزعها أعضاء أي: يفصل أعضاءها بعضاً من بعض من غير كسر.
قال أبو عبيد الهروي في حديث العقيقة: «تقطع جدولاً» 501 أي عضواً عضواً.

الجزء: 2 - الصفحة: 260

وأما كون حكم العقيقة حكم الأضحية ومعناه أن يجتنب فيها ما يجتنب في الأضحية، ويأكل منها كما يأكل، ويستحب فيها ما يستحب وهلم جرا؛ فلأنها شبيهة بها فألحقت بها لذلك.
ولا بد أن يلحظ أنه يجوز بيع جلدها ورأسها وسواقطها ويتصدق به بخلاف الأضحية؛ لأن ذلك منقول عن الإمام أحمد.
والأصل فيه أن الأضحية ذبيحة لله تعالى فلا يباع شيء منها كالهدي بخلاف العقيقة.
فعلى هذا يحمل كلام المصنف رحمه الله في كون حكم العقيقة كحكم الأضحية فيما سوى ذلك لئلا يناقض النقل.
وقال أبو الخطاب رحمه الله: يحتمل أن ينقل حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى فتخرج في كل واحدة روايتان.
قال: (ولا تسن الفرعة وهي ذبح أول ولد الناقة، ولا العتيرة وهي ذبيحة رجب).
أما عدم مسنونية الفرعة والعتيرة فلما روى أبو هريرة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا فرع ولا عتيرة» 502 متفق عليه.
فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على أهل كل بيت عتيرة» 503، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرعة» 504. قيل: ما تقدم ناسخ؛ لأنه متأخر عنها ظاهراً؛ لأن إسلام أبي هريرة متأخر.
وأما قول المصنف رحمه الله: بعد الفرعة وهي ذبح أول ولد الناقة، وبعد العتيرة وهي ذبيحة رجب؛ فبيان لماهية الفرعة والعتيرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 261

فصول الكتاب · 35 فصل
جارٍ التحميل