كتاب الصداق
الصَّداق: هو العوض في النكاح.
وله أسام: الصداق، والصدقة، والمهر، والنِّحلة، والفريضة، والأجر، والعلائق، والعقر، والحباء.
وقد جاء ذلك مستعملاً: أما الصداق؛ ففيما روت عائشة: «أنها سُئلت عن صداق النبي صلى الله عليه وسلم.
فقالت: ثنتا عشرة أوقية ونش» 1 وفي حديث صفية: «جعل عتقها صداقها» 2.
وأما الصدقة؛ ففي قوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صَدُقاتهن نِحْلة﴾ [النساء: 4]؛ لأن الصَّدُقات جمع صدقة.
وأما المهر؛ ففي حديث ابن مسعود: «لها مهرُ نسائها» 3.
وأما النِّحلة؛ ففيما تقدم.
قال الجوهري: يقال أعطاها مهرها نِحْلة.
بالكسر.
وأما الفريضة والأجر؛ ففي قوله تعالى: ﴿فآتوهن أجورهن فريضة﴾ [النساء: 24].
وأما العلائق؛ ففي قوله عليه السلام: «أدوا العلائِق.
قالوا يا رسول الله! وما العلائق؟ قال: ما تراضَى به الأهلون» 4.
وأما العقر؛ ففي قول عمر رضي الله عنه: «لها عقر نِسائِها».
وأما الحباء؛ ففي قول الشاعر:
أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم
يعني: وكان الصداق من أدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 654
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهو مشروع في النكاحٍ.
ويستحب تخفيفه، وأن لا يعرى النكاح عن تسميته، وأن لا يزيد على صداق أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وبناته.
وهو: خمسمائة درهم).
أما كون الصداق مشروعاً في النكاح فالأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأُحِلّ لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم مُحْصِنِين غيرَ مسافحين﴾ [النساء: 24]، وقوله تعالى: ﴿وآتوهن أجورهن﴾ [النساء: 25]، ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نِحْلة﴾ [النساء: 4].
وأما السنة؛ فما روى أنس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على عبدالرحمن بن عوف درع زعفران.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مَهْيَم؟ قال يا رسول الله! تزوجتُ امرأة.
فقال: ما أصدقتها؟ فقال: وزن نواةٍ من ذهب» 5.
وعنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقَ صفيةَ وجعلَ عتقَها صَدَاقَهَا» 6 متفق عليهما.
وأما الإجماع فإجماع المسلمون في الجملة على مشروعية الصداق في النكاح.
وأما كون تخفيفه يستحب؛ فلما روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعظمُ النساء بركةً أيسرهن مؤونة» 7 رواه أبو حفص بإسناده.
وعن عمر رضي الله عنه قال: «لا تغالوا في صُدُقَ النساء.
فإنه لو كان مكرمة أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن الرجل ليغالي بصدقة امرأته حتى يكونَ لها عداوةٌ في قلبه.
وحتى يقول: كُلِّفْتُ لكمْ عِلْقَ 8 القِرْبة» 9 أخرجه النسائي وأبو داود مختصراً.
الجزء: 3 - الصفحة: 655
وأما كون النكاح يستحب أن لا يعرى عن تسميته؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزوج بناته وغيرهن ويتزوج.
فلم يكن يخلى ذلك من صداق.
و«قال للذي زوجه الموهوبة: هل من شيء تصدقها به؟ فالتمس.
فلم يجد شيئًا.
قال: التمس ولو خاتمًا من حديد» 10.
ولأنه أقطع للنزاع فيه.
وأما كون المتزوج يستحب له أن لا يزيد على صداق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلما فيه من التأسّي بهن، والاتباع لفعلهن.
وأما كون صداقهن خمسمائة درهم؛ فلما روي: «أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن صداق النبي صلى الله عليه وسلم.
فقالت: ثنتا عشرة أوقية ونش.
فقال: أبو سلمة: ما نَش؟ فقالت: نصف أوقية» 11 أخرجه النسائي وأبو داود.
والأوقية: أربعون درهماً.
قال: (ولا يتقدّر أقلّه ولا أكثره.
بل كل ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون صداقاً من قليل وكثير، وعين ودين، ومعجل ومؤجل، ومنفعة معلومة؛ كرعاية غنمها مدة معلومة، وخياطة ثوب، ورد عبدها من موضعٍ معين.
وإن كانت مجهولة؛ كرد عبدها أين كان، وخدمتها فيما شاءت: لم يصح.
وإن تزوجها على منافعه مدة معلومة فعلى روايتين.
وكل موضعٍ لا تصح التسمية وجب مهر المثل).
أما كون الصداق لا يتقدر أقله؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزوج الموهوبة: التمس ولو خاتمًا من حديد» 12.
الجزء: 3 - الصفحة: 656
وعن عامر بن ربيعة «أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضيتِ من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم.
فأجازه» 13. رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقًا ملء يده طعامًا كانت حلالاً له» 14. رواه الإمام أحمد.
ولأن قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: 24]: يدخل فيه القليل والكثير.
ولأنه بدل منفعتها.
فجاز ما تراضيا عليه من المال؛ كالبيع والإجارة وغيرهما من عقود المعاوضة.
وأما كونه لا يتقدّر أكثره؛ فلأنه لا توقيف فيه بإجماع أهل العلم.
قاله ابن عبدالبر.
وقال الله عز وجل: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً﴾ [النساء: 20].
وروي: «أن عمرُ أصدقَ أم كلثوم ابنة علي أربعينَ ألفاً» 15 رواه أبو حفص بإسناده.
وعن أبي سعيد: «ملء مَسْكِ ثور ذهباً».
وعن مجاهد: «سبعين ألف مثقال».
وأما كونه يجوز بكل ما يجوز أن يكون ثمناً من قليل ... إلى قوله: ومنفعة معلومة؛ فلأنه أحد العوضين.
أشبه عوض المبيع، والمبيع يجوز بذلك كله.
وقد نبه الله تعالى على جواز كون الصداق منفعة معلومة بقوله: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حِجَج﴾ [القصص: 27].
الجزء: 3 - الصفحة: 657
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: "كرعاية غنمها ... إلى قوله: من موضع معين"؛ فبيان لصور 16 من صور المنفعة المعلومة وتعداد لها.
وأما كونه لا يصح إذا كانت المنفعة مجهولة؛ كرد عبدها أين كان، أو خدمتها فيما شاءت؛ فلأنه مجهول في عقد معاوضة.
فلم يصح؛ كالعوض المجهول في البيع.
وأما كونه إذا تزوجها على منافعه مدة معلومة يصح على روايةٍ؛ فلضبط منافعه بالمدة.
وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأنها متبوعة فتفضي إلى الجهالة.
وأما كون المهر يجب في كل موضعٍ لا تصح التسمية؛ فلأن فساد العوض يقتضي رد المعوض.
وقد تعذر رده لصحة النكاح.
فوجب قيمته وهو مهر المثل؛ كمن اشترى شيئاً بثمنٍ فاسد فقبض المبيع وتلف في يده فإنه يجب عليه رد قيمته.
قال: (وإن أصدقها تعليم أبوابٍ من الفقه، أو الحديث، أو قصيدةٍ من الشعر المباح: صح.
فإن كان لا يحفظها لم يصح.
ويحتمل أن يصح، ويتَعلَّمُها ثم يُعلِّمُها.
وإن تعلَّمتها من غيره لزمه أجرة تعليمها.
وإن طلقها قبل الدخول وقبل تعليمها فعليه نصف الأجرة.
ويحتمل أن يعلمها نصفها.
وإن كان بعد تعليمها رجع عليها بنصف الأجرة).
أما كون تعليم ما ذُكر يصح أن يكون صداقاً؛ فلأنه يصح أخذ الأجرة على ذلك كله.
فصح أن يكون صداقاً؛ كمنافع الدار.
وأما كونه لا يصح ذلك على المذهب إذا كان لا يحفظ ذلك؛ فلأنه أصدقها شيئاً لا يَقدر عليه.
فلم يصح؛ كما لو استأجر من لا يحسن الخياطة لخياطة ثوبه.
وأما كونه يحتمل أن يصح ويتعلمها ثم يعلمها: أما الصحة؛ فلأنه متمكن من تعلمها.
فلم يكن عاجزاً بالكلية.
وأما تعلمها وتعليمها؛ فليخرج عن عهدة ما وجب عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 658
وأما كونه يلزمه أجرة تعليمها إذا تعلمتها من غيره؛ فلأنه لما تعذر الوفاء بالواجب وجب الرجوع إلى بدله؛ كما لو وجب لها عليه مثليٌّ فعدم.
فإنها تنتقل إلى القيمة.
والتعليم بعد التعليم متعذر وبدله أجرته.
فوجب الرجوع إليه.
وأما كونه إذا طلقها قبل الدخول وقبل تعليمها عليه نصف الأجرة على المذهب؛ فلأنه لما طلقها بانت منه.
فتعذر تعليمها؛ لكونها أجنبية لا يأمن الفتنة.
وإذا تعذر تعليمها وهي تستحق نصف الصداق لطلاقها قبل الدخول وجب الرجوع إلى نصف أجرة التعليم لما تقدم.
وأما كونه يحتمل أن يعلمها نصفها؛ فلأن ذلك موضع حاجة.
أشبه سماع كلامها في المعاملات.
واشترط المصنف في المغني: أن يكون التعليم من وراء حجاب، ولا بد منه؛ لأن النظر إلى الأجنبية حرام.
وأما كونه يرجع عليها بنصف الأجرة إذا كان الطلاق بعد التعليم؛ فلأنه بالطلاق قبل الدخول يستحق الرجوع عليها بنصف ما أصدقها.
لكن الرجوع بنصف التعليم متعذر.
فوجب الرجوع في بدله وهو نصف الأجرة لما تقدم.
قال: (وإن أصدقها تعليم شيء من القرآن معين لم يصح.
وعنه: يصح.
ولا يحتاج إلى ذكر قراءة مَنْ.
وقال أبو الخطاب: يحتاج إلى ذلك).
أما كون تعليم شيء من القرآن معين لا يصح أن يكون صداقاً على المذهب؛ فلأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: 24]، وقال: ﴿ومن لم يستطع منكم طَوْلاً أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ [النساء: 25].
والطَّوْل: المال.
وأما كون ذلك يصح أن يكون صداقاً على روايةٍ؛ فلما روي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة.
فقالت: إني وهبت نفسي لك.
فقامت طويلاً.
فقال له رجل: زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة.
فقال: هل عندك من شيء تصدقها؟ فقال: ما عندي إلا إزاري.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك.
فالتمس شيئًا.
قال: لا أجد شيئاً.
قال: التمس ولو
الجزء: 3 - الصفحة: 659
خاتمًا من حديد.
فالتمس.
فلم يجد شيئًا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: زوجتكها بما معك من القرآن» 17 متفق عليه.
ولأن تعليم القرآن منفعة معلومة مباحة.
فجاز جعلها صداقًا؛ كتعليم قصيدة من الشعر المباح.
فعلى هذه الرواية لا بد من تعيين ما يعلمها.
فيقول: آية كذا، أو سورة كذا؛ لأنه إذا لم يعين ذلك يكون مجهولاً مفضياً إلى المنازعة والمخاصمة.
وهل يحتاج إلى قراءة مَنْ؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج؛ لأن القراءات بعضها صعب كقراءة حمزة، ومنها سهل كقراءة غيره.
فافتقر ذلك إلى التعيين؛ كتعيين الآيات.
والثاني: لا يحتاج إلى التعيين؛ لأن الاختلاف في ذلك يسير.
والصحيح في المذهب: أن تعليم القرآن لا يكون صداقاً؛ لما تقدم.
وأما حديث الموهوبة فقيل معناه: زوجتكها؛ لأنك من أهل القرآن؛ كما زوج أبا 18 طلحة على إسلامه فروى ابن عبد البر بإسناده «أن أبا طلحة أتى أم سليم يخطبها قبل أن يُسلم.
فقالت: أتزوج بكَ وأنتَ تعبد خشبة؟ إن أسلمتَ تزوجتُ بك.
فأسلم أبو طلحة.
فتزوجها على إسلامه».
ثم ليس في الحديث الصحيح ذكر التعليم.
ويحتمل أنه كان خاصًا به، ويؤيده ما روي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوّج رجلاً على سورة من القرآن.
ثم قال: لا تكون لأحد بعدك مهرًا» 19. رواه النجاد.
ولأن تعليم القرآن لا يجوز أن يقع إلا قربة لفاعله.
فلم يجز أن يكون صداقًا؛ كالصلاة والصوم وتعليم الإيمان.
الجزء: 3 - الصفحة: 660
قال: (وإن تزوج نساء بمهرٍ واحدٍ، أو خالعهن بعوضٍ واحدٍ: صح، ويقسم بينهن على قدر مهورهن في أحد الوجهين، وفي الآخر: يقسم بينهن بالسوية).
أما كون ما ذكر يصح؛ فلأن الغرض في الجملة معلوم.
فلم يؤثر فيه جهالة ما لكل واحدةٍ؛ كما لو اشترى أربعة أعبد من رجل بثمن واحد.
وأما كون المهر والعوض يقسم بينهن على قدر مهورهن في وجهٍ.
وهو للقاضي وابن حامد؛ فلأن الصفقة إذا وقعت على شيئين مختلفي القيمة وجب تقسيط العوض بينهما بالقيمة؛ كما لو باع شقصاً وسيفاً، أو كما لو باع عبدين فوجد أحدهما حراً أو مغصوباً.
فكذلك هاهنا.
وأما كونه يقسم بينهن بالسوية في وجهٍ.
وهو لأبي بكر؛ فلأنه أضافه إليهن إضافة واحدة.
فكان بينهن بالسوية؛ كما لو وهبه لهن، أو أقر لهن، وكما لو اشترى جماعة ثوباً بأثمان مختلفة ثم باعوه مرابحة أو مساومة فإن الثمن بينهم بالسوية وإن اختلفت رؤوس الأموال.
ولأن القول بتقسيطه يفضي إلى جهالة العوض لكل واحدةٍ منهن وذلك يفسده.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى في المغني تصحيح الأول؛ لأنه أجاب عن مسألة 20 المتاجرة بالمنع.
وبتقدير التسليم أن القيمة فيها واحدة.
بخلاف ما ذكر.
وعن الإقرار والهبة بأنه ليس فيهما قيمة.
بدليل ما تقدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 661
فصل [في كون الصداق معلوماً]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويشترط أن يكون معلوماً؛ كالثمن.
وإن أصدقها داراً غير معينة أو دابة: لم يصح.
وإن أصدقها عبداً مطلقاً لم يصح.
وقال القاضي: يصح، ولها الوسط.
وهو: السندي).
أما كون الصداق يشترط أن يكون معلوماً كالثمن؛ فلأن الصداق عوض في عقد معاوضة.
فاشترط كونه معلوماً؛ كالعوض في البيع والإجارة.
ولأن غير المعلوم مجهول لا يصح عوضاً في البيع.
فلم يصح تسميته؛ كالمُحرّم.
وأما كون من أصدق داراً غير معينة أو دابة لا يصح؛ فلأن الصداق يشترط أن يكون معلوماً لما تقدم، وذلك مفقود فيما ذكر.
وأما كون من أصدق عبداً مطلقاً لا يصح على المذهب؛ فلأنه غير معلوم.
وأما كونه يصح على قول القاضي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العلائق: ما تراضى عليه الأهلون» 21.
ولأنه موضع ثبت فيه العوض في الذمة بدلاً عما ليس المقصود فيه المال.
فثبت مطلقاً؛ كالدية.
ولأن جهالة التسمية هنا أقل جهالة [من مهر المثل، و] 22 إن كانت مهر المثل صح.
فكذلك هنا.
فإن قيل: تصحيح القاضي ذلك مطلقاً أو بقيد؟
قيل: بل بقيد.
الجزء: 3 - الصفحة: 662
قال صاحب المغني فيه: أن القاضي يصحح المهر مجهولاً ما لم تزد جهالته على جهالة مهر المثل كعبدٍ وفرسٍ من جنس معلوم.
فلو كان دابة أو حيواناً ونحو ذلك لم يصح؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة الوسط.
وأما كون الزوجة لها الوسط على قوله؛ فلأنه أقرب إلى العدل.
وأما كون الوسط السندي؛ فلأن الأعلى التركي، والأسفل الزنجي، والسندي بينهما.
فيكون الوسط.
والأول أصح؛ لما ذكر.
وأما الخبر فالمراد ما تراضوا عليه مما يصلح عوضاً.
بدليل سائر ما لا يصلح.
وأما الدية فإنها تثبت بالشرع لا بالعقد.
وهي خارجة عن القياس في تقديرها، ومن وجبت عليه.
فلا ينبغي أن تجعل أصلاً.
ثم الحيوان الثابت فيها موصوف بسنه مقدر بقيمته.
فكيف يقاس عليه العبد المطلق؟ .
وأما كون جهالة المطلق أقل من جهالة مهر المثل فممنوع؛ لأن العادة في القبائل والقرى أن 23 يكون لنسائهم مهر لا يكاد يختلف إلا بالثيوبة والبكارة.
فيكون إذاً معلوماً.
قال: (وإن أصدقها عبداً من عبيده لم يصح.
ذكره أبو بكر.
وروي عن أحمد: أنه يصح، ولها أحدهم بالقرعة.
وكذلك يُخَرّج إذا أصدقها دابة من دوابه، أو قميصاً من قمصانه ونحوه).
أما كون الصداق لا يصح أن يكون عبداً من عبيده على ما ذكره أبو بكر؛ فلأنه مجهول.
فلم يصح؛ كما لو باعه عبداً من عبيده.
وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأن الجهالة يسيرة ويمكن التعيين بالقرعة.
وأما كون الزوجة لها أحدهم بالقرعة؛ فلأنه إذا صح أن يكون صداقاً استحقت واحداً غير معين.
فشرعت له القرعة مميزة؛ كما لو أعتق أحد العبدين.
وأما كون بقية الصور يخرج فيها كذلك؛ فلأنها في معناه.
الجزء: 3 - الصفحة: 663
قال: (وإن أصدقها عبداً موصوفاً صح.
وإن جاءها بقيمته، أو أصدقها عبداً وسطاً وجاءها بقيمته، أو خالعته على ذلك فجاءته بقيمته: لم يلزمهما قبولها.
وقال القاضي: يلزمهما ذلك).
أما كون الصداق يصح أن يكون عبداً موصوفاً؛ فلأنه يصح أن يكون عوضاً في البيع.
فصح أن يكون عوضاً في النكاح.
ولأن الصفة تنزله منزلة المرئي.
فجاز جعله صداقاً؛ كالمعين.
وأما كون الزوجين لا يلزمهما قبول القيمة على المذهب في ذلك، وفيما إذا أصدقها عبداً وسطاً وجاءها بقيمته، وفيما إذا خالعها على ذلك وجاءته بقيمته؛ فلأن المستحق عبد بعقد معاوضة.
فلم يلزم قبول القيمة عوضاً عوضاً عنه؛ كالمسلم فيه.
ولأنه عبد وجب صداقاً أو عوض خلع.
فلم يلزم قبول القيمة فيه؛ كما لو كان معيباً.
وأما كونهما يلزمهما ذلك على قول القاضي؛ فلأنه مستحق في الذمة.
فلزم قبول القيمة فيه؛ كالإبل في الدية.
والأول أصح؛ لما ذكر.
وأما الدية فلا يلزم فيها أحد قيمة الإبل وإنما الأثمان أصل في الذمة كالإبل فلزم فيه القبول؛ لأن ذلك أصل لا على طريق القيمة.
بخلاف هذه المسألة.
ثم الدية خارجة عن القياس فلا يقاس عليها.
ثم القياس على عقود المعاوضات أولى من القياس على غير عقود المعاوضات.
قال: (وإن أصدقها طلاق امرأة له أخرى لم يصح.
وعنه: يصح.
فإن فات طلاقها بموتها فلها مهرها في قياس المذهب).
أما كون الصداق لا يصح أن يكون طلاق امرأة له أخرى على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسأل المرأةُ طلاقَ أختها لتَكْتفِئَ ما في صَحْفتَها، ولْتنكِحْ فإنما لها ما قدِّرَ لها» 24 حديث صحيح.
الجزء: 3 - الصفحة: 664
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحل لرجلٍ أن ينكحَ امرأةً بطلاقِ أخرى» 25.
ولأن ذلك ليس بمال، والمهر لا يكون إلا مالاً؛ لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: 24].
ولأن هذا لا يصح ثمناً في بيع، ولا أجراً في إجارة.
فلم يصح صداقاً؛ كالمنافع المحرمة.
فعلى هذا يكون لها مهر المثل؛ لما تقدم.
وأما كون ذلك يصح على روايةٍ؛ فلأنه فعل لها فيه فائدة ونفع لما يحصل لها من الراحة بطلاقها من مقاسمتها وضررها والغيرة منها.
فصح جعل ذلك صداقاً؛ كعتق أبيها وخياطة قميصها.
وأما كون الزوجة لها مهر ضرتها في قياس المذهب إذا بان طلاقها بموت؛ فلأنه سمى لها صداقاً لم يصل إليه فكان لها قيمته؛ كما لو أصدقها عبداً فخرج حراً.
وقول المصنف رحمه الله تعالى: في قياس المذهب مشعر بالخلاف.
وصرح به في المغني فقال: ويحتمل أن لها مهر مثلها؛ لأن الطلاق لا قيمة له.
قال: (وإن تزوجها على ألفٍ إن كان أبوها حياً، وألفين إن كان ميتاً لم يصح.
نص عليه.
وإن تزوجها على ألفٍ إن لم يكن له زوجة، وألفين إن كان له زوجة: لم يصح في قياس التي قبلها.
والمنصوص أنه يصح).
أما كون من تزوج امرأة على ألفٍ إن كان أبوها حياً، وألفين إن كان ميتاً لا يصح؛ فلأن سبيل ذلك سبيل الشرطين.
فلم يصح؛ كالبيع.
ولأنه في معنى بيعتين في بيعه.
فلم يصح؛ كما لو قال 26 بعتك بعشرة نقداً أو بعشرين نسئاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 665
وأما كونه لا يصح إذا تزوجها على ألفٍ إن لم يكن له زوجة، وألفين إن كان له زوجة في قياس التي قبلها؛ فلأنها في معناها.
وأما كونه يصح على المنصوص؛ فلأنها قد يكون لها غرض صحيح.
فإن قيل: الإمام أحمد رضي الله عنه نص على الصحة في هذه المسألة، وقد تقدم أنه نص على عدم الصحة في التي قبلها فهلا اتحدا؟
قيل: من الأصحاب من قال: يُخَرّج فيهما روايتان:
أحدهما: الصحة فيهما؛ لأن أحد الألفين معلوم، والثاني: معلق على شرط.
فإن وجد الشرط كان زيادة في الصداق، والزيادة فيه جائزة.
والثانية: الفساد فيهما؛ لما تقدم.
ومن الأصحاب من قال: بعدم الصحة في الأول، وبالصحة في الثاني لما يأتي من الفرق بينهما.
قال المصنف في المغني: والأول أولى، يعني القول بالفساد- فيهما.
وأجاب عن القول بأن هذا تعليق على شرط: فإن هذا لا يصح لوجهين:
أحدهما: أن الزيادة لا يصح تعليقها على شرط.
فلو قال: إن مات أبوك فقد زدتك في صداقك ألفاً لم يصح ولم تلزم الزيادة عند موت الأب.
والثاني: أن الشرط هاهنا لم يتجدد في قوله: إن كان لي زوجة، أو كان أبوك ميتاً.
ثم قال: ويمكن الفرق بين المسألة التي نص على إبطال التسمية فيها وبين التي نص على الصحة فيها: بأن التي نص على الصحة فيها جعل الزيادة فيها ليس للمرأة فيه غرض يصح بذل العوض فيه وهو كون أبيها ميتاً.
بخلاف التي صحت التسمية فيها فإن خلو المرأة من ضرة تضرّ بها وتقاسمها وتضيّق عليها من أكبر أغراضها.
ثم قال: فعلى هذا يمنع قياس إحدى الصورتين على الأخرى، ولا يكون في كل مسألة إلا رواية واحدة.
قال: (وإذا قال العبد لسيدته: أعتقيني على أن أتزوجك فأعتقته على ذلك: عتق ولم يلزمه شيء).
أما كون العبد يعتق؛ فلأن سيدته أعتقته.
الجزء: 3 - الصفحة: 666
وأما كونه لا يلزمه شيء؛ فلأن النكاح يحصل به الملك للزوج.
فلم يلزمه ذلك؛ كما لو اشترطت عليه أن تملكه داراً.
قال: (وإذا فرض الصداق مؤجلاً ولم يذكر مَحِل الأجل: صح في ظاهر كلامه.
ومَحِله الفرقة عند أصحابنا، وعند أبي الخطاب: لا يصح).
أما كون فرض الصداق مؤجلاً من غير ذكر محل الأجل يصح في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن لذلك عرفاً.
فوجب أن يصح ويحمل عليه.
وأما كون محله الفرقة عند الأصحاب؛ فلأن المطلق يحمل على العرف.
والعُرف تركُ المطالبة بالصداق إلى حين الفرقة.
فحمل عليه فيصير حينئذٍ معلوماً.
وأما كون ذلك لا يصح عند أبي الخطاب والمراد به الفرض؛ فلأنه عوضٌ مجهولُ المحِل.
فلم يصح الفرض معه؛ كالثمن في البيع.
فعلى هذا يجب مهر المثل لعدم صحة التسمية.
الجزء: 3 - الصفحة: 667
فصل [في الصداق الفاسد]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن أصدقها خمراً، أو خنزيراً، أو مالاً مغصوباً: صح النكاح، ووجب مهر المثل.
وعنه: أنه يعجبه استقبال النكاح.
اختاره أبو بكر.
والمذهب صحته).
أما كون النكاح يصح فيما ذكر كله على المذهب؛ فلأنه نكاح لو كان عوضه صحيحاً لكان صحيحاً.
فوجب أن يكون صحيحاً وإن كان عوضه فاسداً؛ كالخلع.
ولأنه عقد لا يفسد بجهالة العوض.
فلم يفسد بتحريمه؛ كالخلع.
وأما كون مهر المثل يجب؛ فلفساد التسمية.
وأما كون استقبال النكاح يعجب الإمام أحمد ويختاره أبو بكر؛ فلأنه معوضٌ جعل عوضه محرماً.
أشبه نكاح الشغار.
وأما كون المذهب الصحة؛ فلما تقدم.
ولأن فساد العوض لا يزيد على عدمه، ولو عدم لكان صحيحاً.
فكذا إذا فسد.
وقول الإمام أحمد رضي الله عنه: يعجبني استقبال النكاح محمول على الاستحباب.
قال: (وإن تزوجها على عبدٍ فخرج حراً، أو مغصوباً، أو عصيراً فبان خمراً: فلها قيمته.
وإن وجدت به عيباً فلها الخيار بين أخذ أرشه أو ردّه، وأخذ قيمته).
أما كون الزوجة لها قيمة ما ذُكر فيما إذا تزوجها على عبدٍ فخرج حراً أو مغصوباً، أو عصيراً فبان خمراً؛ فلأنها رضيت بما سمى لها، وتسليمه ممتنع لكونه غير قابل لجعله صداقاً.
فوجب الانتقال إلى القيمة؛ لأنها بدله.
الجزء: 3 - الصفحة: 668
وفي كون الزوجة لها القيمة: إشعارٌ بأنها لا تستحق مهر المثل.
وصرح به في المغني؛ لأنها لما رضيت بما سمي لها لم يكن لها الانتقال إلا إلى بدل ما رضيت به.
ولا بد أن يلحظ أن المغصوب لو كان مثلياً كان لها مثله لا قيمته؛ كما لو استحق عليه مثلٌ بغير الصداق.
فإن قيل: ما يصنع بالعصير وهو مثلي.
بدليل ضمانه بمثله في غصبه؟
قيل: يجب حمله على عصير عدم مثله، أو يعبّر هنا؛ كما عبر في باب الغصب: في أصله.
وأما كونها لها الخيار بين ما ذكر فيما إذا وجدت بذلك عيباً؛ فلأنه عوض في عقد معاوضة.
فثبت الخيرة فيه بين أخذ الأرش والبدل؛ كالمبيع المعيب.
الجزء: 3 - الصفحة: 669
فصل [إذا شرط الأب له شيئا]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن تزوجها على ألف لها وألف لأبيها: صح، وكانا جميعاً مهرها.
فإن طلقها قبل الدخول بعد قبضهما رجع عليها بألف، ولم يكن على الأب شيء مما أخذ.
وإن فعل ذلك غير الأب فالكل لها دونه).
أما كون الأب يصح أن يشرط له شيئاً من مهر ابنته؛ فلأنه لو شرط الكل لنفسه صح.
فلأن يصح أن يشرط البعض بطريق الأولى.
بيان صحة اشتراط الكل لنفسه: أن شعيباً زوّج موسى ابنته على رعاية غنمه.
وذلك اشتراط لنفسه.
ولأن للوالد الأخذ من مال ولده.
بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «أنتَ ومالُكَ لأبيك» 27، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن أولادكم من أطيب كسبكم.
فكلوا من أموالهم» 28. أخرجه أبو داود، ونحوه للترمذي.
وقال: حديث حسن.
فإذا اشترط لنفسه شيئاً من مهر ابنته يكون ذلك أخذًا من مال ابنته.
وأما كون الزوج يرجع عليها بألف إذا طلقها قبل الدخول بعد قبضهما؛ فلأن صداقها ألفان.
فوجب الرجوع عليها بألف؛ لأنه نصف الصداق.
وأما كون الأب لا شيء عليه مما أخذ؛ فلأنه أخذ من مال ابنته ألفاً.
فلا يجوز للزوج الرجوع عليه بشيء.
الجزء: 3 - الصفحة: 670
وفي قول المصنف: بعد قبضهما إشعار بأن الطلاق لو كان قبل القبض لم يكن الحكم كذلك.
وهو صحيح؛ لأنه إذا لم يقبض الصداق لم يرجع بل يسقط عنه نصف المسمى، وبقي عليه ألف للزوجة يأخذ الأب منه ما شاء.
قاله المصنف في المغني.
وقال القاضي: يكون بينهما نصفين.
وقال: نقله مهنا عن أحمد لأنه شرط لنفسه النصف ولم يحصل من الصداق إلا ما قال المصنف في المغني.
وليس هذا القول على سبيل الإيجاب؛ فلأن للأب أن يأخذ ما يشاء ويترك ما يشاء.
وأما كون الكل لها إذا فعل ذلك غير الأب دون ذلك الغير؛ فلأن جميع ما اشترطه عوض في تزويجها.
فيكون صداقاً لها؛ كما لو جعله لها.
وليس للغير أن يشترط من مال الغير شيئاً إذا لم يكن أباً فحينئذٍ يقع الاشتراط لغواً ويكون الكل لها.
ولا فرق بين كون الغير جَداًّ أو غيره؛ لاستوائهما في كونهما ليس لهما الأخذ من مال الزوجة.
قال: (وللأب تزويج ابنته البكر والثيب بدون صداق مثلها وإن كرهت.
وإن فعل ذلك غيره بإذنها صح، ولم يكن لغيره الاعتراض.
وإن فعله بغير إذنها وجب مهر المثل.
ويحتمل أن لا يلزم الزوج إلا المسمى، والباقي على الولي؛ كالوكيل في البيع).
أما كون الأب له تزويج ابنته بدون صداق مثلها؛ فلما روي: «أن عمر رضي الله عنه خطبَ الناس.
فقال: ألا! لا تُغالُوا في صُدُق النساء.
فما أصدقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً من نسائه ولا أحداً من بناته أكثر من ثنتي عشرةَ أوقية» 29. وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد منهم فكان ذلك اتفاقاً منهم على أن له أن يزوج بذلك وإن كان ذلك دون مهر المثل.
وعن سعيد بن المسيب: «أنه زوجَ بنته بدرهمين».
وهو من سادات قريش شرفاً وديناً وعلماً.
ومن المعلوم أنه لم يكن مهر مثلها.
الجزء: 3 - الصفحة: 671
ولأنه ليس المقصود من النكاح العوض، وإنما المقصود السكن، والازدواج، ووضع المرأة في منصب عند من يكفلها ويصونها.
والظاهر من حال الأب مع تمام شفقته وتمام نظره أنه لا ينقصها من صداقها إلا بتحصيل المعاني المقصودة من النكاح.
فلا ينبغي أن يمنع من تحصيل المقصود بتفويت غيره.
وأما كونه له ذلك بكراً كانت أو ثيباً طائعة كانت أو مكرهة؛ فلأن المصحح تحصيل المعاني المذكورة.
وهو مشترك بين البكر والثيب والمطاوعة والمكرهة.
فإن قيل: الأب لا يملك تزويج ابنته الثيب الكبيرة قولاً واحداً.
فكيف يملك تزويجها بدون مهر مثلها وهي كارهة؟
قيل: يتصور ذلك بأن تأذن له في أصل النكاح دون قدر المهر.
وظاهر كلام ابن عقيل في الفصول: أن الأب إنما يملك التزويج بدون مهر المثل لمن يملك إجبارها.
لأنه قال فيه: وإذا زوج الأب ابنته التي يملك إجبارها وهي الصغيرة رواية واحدة، والبكر البالغ في إحدى الروايتين بدون مهر مثلها: يثبت المسمى ولم يبلغ تسميته، ولا يثبت مهر المثل.
ولو لم يختص الحكم بالمجبرة لم يكن حاجة إلى ما ذكره.
وهذا أرجح من جهة النظر؛ لأن من لا يملك إجبارها على النكاح كيف يملك نقصها من مهر مثلها؟ .
ولأن الأب إذا لم يملك الإجبار ساوى بقية الأولياء.
فيجب أن يساويهم في عدم التنقيص من مهر المثل.
وأما كون ذلك يصح إذا فعله غير الأب بإذنها؛ فلأن الحق لها.
فإذا رضيت بإسقاطه سقط.
ولأنه إذا صح في بعض الصور بغير إذنها تحصيلاً للمصلحة.
فلأن يصح بإذنها بطريق الأولى.
وأما كون غير من ذكر لا يكون له الاعتراض؛ فلأن الحق في ذلك متمحض لها دون غيرها.
بخلاف تزويجها من غير كفء.
وأما كون مهر المثل يجب على المذهب إذا فعله غير الأب بغير إذنها؛ فلأنه ليس له ذلك؛ لأن مقتضى الدليل أنه ليس لأحدٍ تنقيصها من مهر المثل لما عليها في
الجزء: 3 - الصفحة: 672
ذلك من الضرر.
تُرك العمل به في الأب لما تقدم.
فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
وإذا لم يكن له ذلك لغت تسميته ووجب مهر المثل؛ كالخالي عن التسمية.
وأما كونه يحتمل أن لا يلزم الزوج إلا المسمى؛ فلأنه ما التزم غيره.
فعلى هذا تكون الزيادة على الولي؛ لأنه مفرط.
أشبه الوكيل في البيع.
وقال المصنف في المغني: قال أحمد: أخاف أن يكون ضامناً.
فعلى هذا يكون الاحتمال منقولاً عن الإمام أحمد رضي الله عنه، وتجعل رواية له؛ لأنه كثيراً ما يقول: أخاف، وتجعل مذهباً له.
قال: (وإن زوّج ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل صح ولزم ذمة الابن.
فإن كان معسراً فهل يضمنه الأب؟ يحتمل وجهين).
أما كون الأب إذا زوج ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل يصح؛ فلأن تصرف الأب ملحوظ فيه المصلحة لولده.
فكما صح أن يزوج ابنته بدون مهر المثل للمصلحة فكذا يصح أن يزوج ابنه بأكثر من مهر المثل تحصيلاً للمصلحة.
وأما كون الصداق يلزم ذمة الابن؛ فلأن العقد له.
فكان بذله عليه؛ كثمن المبيع.
وأما كون الأب يضمن ذلك إذا كان الابن معسراً على وجهٍ؛ فلأنه مباشر له غارّ للزوجة بابنه.
أشبه الغارّ في النكاح.
وأما كونه لا يضمنه على وجهٍ؛ فلأنه ناب فيه عن غيره.
فلم يضمنه؛ كثمن مبيعه أو كالوكيل.
قال القاضي: هذا أصح.
وذكر المصنف رحمه الله تعالى هذين الاحتمالين في المغني روايتين.
قال: (وللأب قبض صداق ابنته الصغيرة بغير إذنها.
ولا يقبض صداق الثيب الكبيرة إلا بإذنها.
وفي البكر البالغ روايتان).
أما كون الأب له قبض صداق ابنته الصغيرة بغير إذنها؛ فلأنه وليها ويملك إجبارها على النكاح وقبض سائر أموالها بغير إذنها.
فكذلك قبض صداقها.
الجزء: 3 - الصفحة: 673
وأما كونه لا يقبض صداق الثيب الكبيرة إلا بإذنها؛ فلأنه لا يلي مالها ولا يملك إجبارها على النكاح.
فافتقر ذلك إلى إذنها؛ كسائر حقوقها.
وأما كون البكر البالغ فيها روايتان؛ فلأنه هل يملك إجبارها على النكاح؟ فيه روايتان.
فإن قيل: يملكه: ملك قبض مهرها؛ كالبكر الصغيرة، وإن قيل: لا يملكه: لا يملك؛ كالبنت الكبيرة.
الجزء: 3 - الصفحة: 674
فصل [في صداق العبد]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن تزوج العبد بإذن سيده على صداق مسمى صح.
وهل يتعلق برقبته أو ذمة سيده؟ على روايتين.
وإن تزوج بغير إذنه لم يصح النكاح.
فإن دخل بها وجب في رقبته مهر المثل.
وعنه: يجب خمسا المسمى.
اختارها الخرقي).
أما كون تزويج العبد بإذن سيده على صداق مسمى يصح؛ فلأن الحجر عليه لحق سيده.
فإذا أسقط حقه سقط.
وأما كونه يتعلق برقبته على روايةٍ؛ فلأنه وجب بفعله.
أشبه جنايته.
وأما كونه يتعلق بذمة سيده على روايةٍ؛ فلأنه حق تعلق بالعبد برضا السيد.
فتعلق بذمة سيده؛ كدين التجارة المأذون فيها.
وأما كون تزويج العبد بغير إذن سيده لا يصح؛ فلما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر» 30. رواه أبو داود وابن ماجة.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبدٍ تزوجَ بغير إذن مَواليهِ فهو زان» 31. وفيه مقال.
وروي موقوفاً على ابن عمر.
ولأنه تزويج فقد شرطه.
فلم يصح؛ كما لو تزوجها بغير شهود.
الجزء: 3 - الصفحة: 675
وأما كون مهر المثل يجب إذا دخل بها على روايةٍ؛ فلأنه استحل فرجها وذلك موجب للمهر؛ لقوله عليه السلام: «أيما امرأةٍ نكحت نفسها بغير إذنِ وليها فنكاحها باطل فإن أصابها فلها المهرُ بما استحل من فرجها» 32.
ولأنه استوفى منافع البضع.
فكان المهر المتقدم ذكره واجباً؛ كسائر الأنكحة الفاسدة.
وأما كونه في رقبته؛ فلأنه من جنايته.
وأما كون خمسي المسمى يجب على روايةٍ؛ فلأن عثمان بن عفان قال ذلك.
قال: (وإن زوج السيد عبده أمته لم يجب مهر.
ذكره أبو بكر.
وقيل: يجب ويسقط).
أما كون ما ذكر لا يجب به مهر على المذهب؛ فلأنه لو وجب لوجب لسيدها، والسيد لا يجب له على عبده مال.
وأما كونه يجب على قول؛ فلئلا يخلو العقد من مهر.
وأما كونه يسقط حينئذ؛ فلتعذر إتيانه.
قال: (وإن زوج عبده حرة ثم باعها العبدَ بثمن في الذمة تحول صداقها أو نصفه إن كان قبل الدخول إلى ثمنه.
وإن باعها إياه بالصداق صح قبل الدخول وبعده.
ويحتمل أن لا يصح قبل الدخول).
أما كون الصداق المذكور أو نصفه يتحول إلى ثمن العبد إذا باعه سيده لزوجته قبل الدخول بثمن في الذمة؛ فلأن ذلك متعلق برقبة العبد.
فوجب أن ينتقل إلى بدله وهو الثمن.
وأما كون السيد إذا باعها إياه بالصداق يصح قبل الدخول وبعده على المذهب؛ فلأن الصداق يصلح أن يكون ثمناً لغير العبد.
فكذا للعبد.
الجزء: 3 - الصفحة: 676
وأما كونه يحتمل أن لا يصح قبل الدخول؛ فلأن شراء الزوجة زوجها يوجب فسخ نكاحها على وجهٍ، وذلك يوجب سقوط صداقها.
فيبطل كونه ثمناً.
الجزء: 3 - الصفحة: 677
فصل [في ملك المرأة الصداق]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وتملك المرأة الصداق المسمى بالعقد.
فإن كان معيناً؛ كالعبد والدار فلها التصرف فيه.
ونماؤه لها وزكاته.
ونقصانه وضمانه عليها.
إلا أن يمنعها قبضه فيكون ضمانه عليه.
وعنه: فيمن تزوج على عبدٍ ففقئت عينه إن كانت قد قبضته فهو لها، وإلا فهو على الزوج.
فعلى هذا: لا يدخل في ضمانها إلا بقبضه.
وإن كان غير معينٍ؛ كقفيز من صبرة لم يدخل في ضمانها، ولم تملك التصرف فيه إلا بقبضه كالمبيع).
أما كون المرأة تملك الصداق المسمى بالعقد؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للزوج الذي قال: لا أجد إلا إزاري: إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك» 33. ولو لم تملكه المرأة بالعقد لكان الإزار له.
ولأن النكاح عقد يملك به المعوض.
فملك به العوض كاملاً؛ كالبيع.
وأما كونها تملك التصرف فيه إذا كان معيناً كالعبد والدار؛ فلأنه ملكها.
فكان لها التصرف فيه؛ كسائر أملاكها.
وأما كون نمائه لها وزكاته عليها ونقصانه عليها إذا لم يمنعها قبضه؛ فلأن ذلك كله من توابع الملك، وهو موجود هاهنا.
وأما كون ضمانه عليها على المذهب إذا لم يمنعها قبضه؛ فلأن ذلك من توابع الملك الخالي عن الغصب، وهو موجود هنا.
وأما كون ضمانه عليه إذا منعها قبضه؛ فلأنه غاصب أو بمنزلته.
وأما كونه لا يدخل في ضمانها إلا بقبضه على روايةٍ؛ فلأنه غير مقبوضٍ.
فلم يضمنه قياساً على المبيع في روايةٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 678
وأما كون غير المعين كقفيز من صَبُرة لا يدخل في ضمانها ولا تملك التصرف فيه إلا بقبضه كالمبيع.
فقد نبه المصنف رحمه الله تعالى على تعليل ذلك بقوله: كالمبيع؛ لأن الحكم في المبيع غير المعين كذلك.
والجامع بين الصداق والمبيع كون كل واحدٍ منهما عوضاً في عقد معاوضة.
وذكر في المغني: أن الصداق إن كان مكيلاً أو موزوناً فهو من ضمان الزوج قبل القبض، وإن كان غيرهما ففيه وجهان بناء على المبيع.
وفي هذا تنبيه على إلحاق الصداق بالمبيع.
فعلى هذا يُخَرّج فيه أربع روايات؛ لأن في المبيع قبل القبض أربع روايات:
إحداهن: الفرق بين المعين وغيره.
والثانية: الفرق بين المكيل والموزون وغيرهما.
والثالثة: الفرق بين المطعوم وغيره.
والرابعة: كل مبيعٍ لا يضمنه المشتري قبل قبضه.
فيُخَرّج جميع ذلك في الصداق؛ لتحقق المشابهة بينهما.
قال: (وإن قبضت صداقها ثم طلقها قبل الدخول رجع بنصفه إن كان باقياً ويدخل في ملكه حكماً كالميراث.
ويحتمل أن لا يدخل حتى يطالب به ويختار.
فما ينمى قبل ذلك فهو لها).
أما كون الزوج يرجع بنصف الصداق إن كان باقياً إذا طلق قبل الدخول؛ فلأن الطلاق قبل الدخول يوجب تنصيف الصداق.
بدليل قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: 237].
وأما كونه يدخل ذلك في ملكه حكماً كالميراث على المذهب؛ فلأن قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: 237]: يدل عليه؛ لأن التقدير: "فنصف ما فرضتم لكم أو لهن" وذلك يقتضي كينونة النصف له أو لها بمجرد الطلاق.
ولأن الطلاق سبب يملك به بغير عوض.
فلم يفتقر إلى اختياره؛ كالإرث.
ولأنه سبب لنقل الملك.
فنقل الملك بمجرده؛ كالبيع وسائر الأسباب.
وأما كونه يحتمل أن لا يدخل حتى يطالب به ويختار فقياس على الشفيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 679
وأما كون النماء الحادث قبل الاختيار لها على ذلك؛ فلأنه نماء ملكها لأن التقدير أنه لا يملك إلا باختياره.
فهو قبل الاختيار على ملك الزوجة.
قال: (فإن كان الصداق زائداً زيادة منفصلة رجع في نصف الأصل، والزيادة لها.
وإن كانت متصلة فهي مخيرة بين دفع نصفه زائداً وبين دفع نصف قيمته يوم العقد.
وإن كان ناقصاً خيّر الزوج بين أخذه ناقصاً وبين أخذ نصف قيمته وقت العقد).
أما كون الزوج يرجع في نصف الأصل فيما إذا زاد زيادة منفصلة؛ كالولد والثمرة والكسب؛ فلأن الظاهر قبل الدخول يقتضي الرجوع في نصف الصداق، وقد أمكن الرجوع فيه من غير ضرر على أحد.
فوجب أن يثبت حكم الرجوع عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض.
وأما كون الزيادة المنفصلة للزوجة؛ فلأنها نماء ملكها.
وأما كون الزوجة فيما إذا زاد زيادة متصلة مخيرة بين دفع نصف الأصل زائداً وبين دفع نصف قيمته يوم العقد؛ فلأنها إن اختارت دفع نصف الأصل زائداً كان ذلك إسقاطاً لحقها من الزيادة وذلك لها.
وإن اختارت دفع نصف قيمته كان ذلك لها؛ لأنه لا يلزمها دفع نصف الأصل زائداً لاشتماله على الزيادة التي لا يمكن فصلها عنه.
وإذا كان كذلك كان رد نصف الأصل متعذراً وتعينت القيمة؛ كالإتلاف وغيره.
وأما كون الزوج مخيراً بين أخذ النصف ناقصاً وبين أخذ نصف القيمة وقت العقد؛ فلأنه إن اختار أخذ النصف ناقصاً كان ذلك إسقاطاً لحقه، وذلك له.
وإن اختار أخذ نصف القيمة وقت العقد كان ذلك له؛ لأنه لا يلزمه قبوله ناقصاً لما فيه من الضرر عليه.
وإذا لم يلزمه أخذ عينه تعينت القيمة.
الجزء: 3 - الصفحة: 680
قال: (وإن كان تالفاً أو مستحقاً بدين أو شفعة فله نصف قيمته يوم العقد؛ إلا أن يكون مثلياً فيرجع بنصف مثله.
وقال القاضي: له القيمة أقل ما كانت من يوم العقد إلى يوم القبض).
أما كون الزوج له نصف قيمة 34 الصداق غير المثليّ كالعبد والدار وما أشبه ذلك إذا تلف أو استحق كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى؛ فلأن تعذر الرجوع في عينه يوجب الرجوع في نصف القيمة لأنها بدل نصفه.
دليله الإتلاف.
وأما كون القيمة معتبرة بيوم العقد على المذهب؛ فلأن الزيادة بعد ذلك تكون ملكاً 35 للزوجة لكونها نماء لملكها.
فلا يجوز تقويمها بعد العقد؛ لكونه تقويماً بملك غيره.
وإذا لم يعتبر بعد العقد وجب اعتبارها يوم العقد لأن ذلك مما يصح الاستناد إليه.
وأما كون الزوج له القيمة أقل ما كانت من يوم العقد إلى يوم القبض على قول القاضي؛ فلأنه لو نقص في يده كان ضمانه عليه.
قال صاحب النهاية فيها: الأول أصح؛ لأن المعين لا يفتقر الملك فيه إلى قبض.
فلا يضمن باليد.
وأما كونه يرجع بنصف المثلي كالدراهم والدنانير والحبوب وما أشبه ذلك؛ فلأنه أقرب مماثلة ومشابهة لحقه.
ولهذا ضمن المثلي في الإتلاف بالمثل لا بالقيمة.
قال: (وإن نقص الصداق في يدها بعد الطلاق فهل تضمن نصفه؟ يحتمل وجهين.
وإن قال الزوج: نقص قبل الطلاق، وقالت: بعده فالقول قولها مع يمينها).
أما كون ما ذُكر يحتمل وجهين؛ فلأن لحظ ما تقدم من الخلاف فيما إذا نقص الصداق المتعين في يد الزوج يوجب ذلك.
ولأن كل واحدة من المسألتين تشبه الأخرى معنى فلتساويها حكماً.
فعلى هذا إذا قيل: يضمن هناك تضمن هي هنا، وإذا قيل: لا يضمن هناك لم تضمن هاهنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 681
وأما كون القول قولها إذا قال الزوج: نقص قبل الطلاق، وقالت: بعده؛ فلأن الأصل براءة ذمتها.
ولا بد أن يلحظ في هذا أنه إذا نقص الصداق في يد الزوجة بعد الطلاق لا يضمنه؛ لأنه إذا كان مضموناً بعده كما يضمن قبله فلا فائدة في الاختلاف.
قال: (والزوج هو الذي بيده عقدة النكاح.
فإذا طلق قبل الدخول فأيهما عفى لصاحبه عما وجب له من المهر وهو جائز الأمر في ماله برئ منه صاحبه.
وعنه: أنه الأب.
فله أن يعفو عن نصف مهر ابنته الصغيرة إذا طلقت قبل الدخول).
أما كون الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح في ظاهر المذهب؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ولي العقدة: الزوج» 36. رواه الدارقطني.
وأما كونه الأب على روايةٍ؛ فلأن الذي بيده عقدة النكاح بعد الطلاق هو الولي.
ولأن الله تعالى خاطب الأزواج بخطاب المواجهة ثم قال: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: 237]. وهذا خطاب غائب.
فعلى هذه الرواية للولي أن يعفو عن نصف مهر موليته.
لكن بشروط:
أحدها: أن يكون أباً؛ لأنه هو الذي يلي مالها، ولا يتهم في حقها بوجه.
وثانيها: أن تكون الزوجة صغيرة؛ لأنها هي التي يلي الأب مالها.
دون الكبيرة.
وثالثها: أن تكون بكراً؛ لأن الثيب لا يملك الأب تزويجها.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن الله تعالى قال 37: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: 237]. وليس عفو الولي عن مهر موليته أقرب للتقوى.
ولأن مهر المرأة حق لها.
فلا يملك الولي إسقاطه؛ كسائر حقوقها.
الجزء: 3 - الصفحة: 682
ولأن الصغير لو رجع إليه مهر زوجته أو نصفه لانفساخ النكاح برضاع أو شبهة لم يكن لوليه العفو رواية واحدة.
فكذلك ولي الصغيرة.
وأما خطاب الغيبة بعد المواجهة فتابع في الكلام.
ومنه قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها﴾ [يونس: 22]، ومنه قول النابغة:
يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت ... وطال عليها سالف الأبد
فعلى هذه أي الزوجين أبرأ الآخر مما وجب له عليه برئ منه؛ لأنه أبرأه من حقه الواجب له.
فبرئ منه؛ كالبراءة من دينه.
واشترط المصنف كون المبرئ جائز التصرف؛ لأن إبراء غير جائز التصرف؛ كالصبي والسفيه ونحو ذلك: لا يصح.
الجزء: 3 - الصفحة: 683
فصل [في الإبراء من الصداق]
قال المصنف رحمه الله: (إذا أبرأت المرأة زوجها من صداقها أو وهبته له ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصفه.
وعنه: لا يرجع بشيء.
وإن ارتدت قبل الدخول فهل يرجع عليها بجميعه؟ على روايتين).
أما كون الزوج يرجع على زوجته فيما إذا ما أبرأته من صداقها أو وهبته له ثم طلقها قبل الدخول بنصفه على المذهب؛ فلأن الطلاق قبل الدخول يقتضي الرجوع في نصف الصداق.
وقد وجد ولا أثر لكونها أبرأته أو وهبته له؛ لأن ذلك حصل بعقد مستأنف.
فلم يمنع استحقاق الرجوع في النصف؛ كما لو وهبته لأجنبي فوهبه الأجنبي للزوج.
وأما كونه لا يرجع على روايةٍ؛ فلأن نصف الصداق يتعجل له.
وقال المصنف في الكافي: إن كان الصداق عيناً فوهبتها لزوجها ثم طلقها قبل الدخول ففيه روايتان، وإن كان ديناً أبرأته منه وقلنا: لا يرجع ثَمَّ فهاهنا أولى، وإن قلنا: يرجع ثَمَّ خُرّج هاهنا وجهان:
أحدهما: يرجع؛ لأنه عاد إليه بغير الطلاق.
أشبه العين.
والثاني: لا يرجع؛ لأن الإبراء إسقاط وليس بتمليك.
وأما كونه يرجع عليها بجميعه إذا ارتدت بعد الإبراء والهبة ففيه روايتان إحداهما: ما تقدم.
قال: (وكلُّ فرقة جاءت من الزوج كطلاقه وخلعه وإسلامه وردته، أو من جهة أجنبي كالرضاع ونحوه قبل الدخول: يتنصف بها المهر بينهما).
أما كون المهر يتنصف بالطلاق؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تَمَسُّوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصفُ ما فرضتم﴾ [البقرة: 237].
الجزء: 3 - الصفحة: 684
وأما كونه يتنصف ببقية ما ذكره المصنف؛ فلأنها فرقة لا من جهتها.
فاقتضت التنصيف المذكور؛ كما لو طلقها.
قال: (وكلُّ فرقة جاءت من قِبَلها؛ كإسلامها وردتها وإرضاعها مَن ينفسخ به نكاحها، وفسخها لعيبه أو إعساره، وفسخه لعيبها: يسقط به مهرها ومتعتها).
أما كون ما ذُكر يُسقط المهر والمتعة ما خلا فسخ الزوج لعيبها؛ فلأنها أتلفت المعوض قبل التسليم.
فسقط العوض؛ كما لو أتلفت المبيع قبل تسليمه.
وأما كون فسخ الزوج لعيبها يسقط به ذلك؛ فلأنه بسببٍ من جهتها.
وقد تقدم بيانه في موضعه 38، وتقدم أيضاً أنها إذا أسلمت لا يسقط مهرها على روايةٍ 39؛ لأنها فعلت ما وجب عليها.
والانفساخ لأنه لم يوافقها على فعل الواجب.
قال: (وفرقة اللعان تُخَرّج على روايتين.
وفي فرقة بيع الزوجة من الزوج وشرائها له وجهان.
وفرقة الموت يستقر بها المهر كله كالدخول.
ولو قتلت نفسها لاستقر مهرها كاملاً).
أما كون فرقة اللعان تخرج على روايتين؛ فلأن النظر إلى كون الفسخ عقيب لعانها يقتضي أن يكون كفسخها لعيبه، والنظر إلى أن سبب اللعان القذف الصادر من الزوج يقتضي أن يكون كفسخه.
وأما كون فرقة بيع الزوجة من الزوج وشرائها له فيها وجهان؛ فلأن النظر إلى أن الزوجة شاركت في الفسخ يقتضي أن يكون كفسخها، والنظر إلى أن الزوج شارك فيه يقتضي أن يكون كفسخه.
وذكر المصنف رحمه الله تعالى في المغني في شرائها له روايتين في النكاح عند قوله وفي شرائه لها وجهين مخرجين على الروايتين في شرائها له.
الجزء: 3 - الصفحة: 685
وأما كون فرقة الموت يستقر بها المهر كله؛ فلما روى معقل بن سنان «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بِرْوع بنت واشق، وكان زوجها مات ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقًا.
فجعل لها مهر نسائها لا وَكْس ولا شطط» 40.
ولأنه عقد ينتهي بموت أحدهما.
فاستقر به العوض؛ كانتهاء الإجارة.
وأما كونها يستقر مهرها كاملاً إذا قتلت نفسها؛ فلأنها فرقة حصلت بالموت وانتهاء النكاح.
فاستقر بها المهر؛ كما لو ماتت حتف أنفها.
فإن قيل: إذا قتلت نفسها فقد أتلفت المعوض قبل تسليمه.
فيجب أن يسقط العوض؛ كالردة.
قيل: الردة لم ينته معها العقد فالتلف حاصل مع عدم انتهائه.
فكأنها قطعته.
بخلاف القتل فإنه انتهى به.
الجزء: 3 - الصفحة: 686
فصل [في اختلاف الزوجين في الصداق]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (إذا اختلف الزوجان في قدر الصداق فالقول قول الزوج مع يمينه.
وعنه: القول قول من يدعي مهر المثل منهما.
فإن ادعى أقل منه وادعت أكثر منه ردا إليه بلا يمين عند القاضي في الأحوال كلها.
وعند أبي الخطاب: تجب اليمين.
فإن قال: تزوجتك على هذا العبد قالت: بل على هذه الأمة خرج على الروايتين).
أما كون القول قول الزوج مع يمينه في قدر الصداق على روايةٍ؛ فلأنه منكر للزيادة ومدعى عليه.
فيدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «اليمين على المدعَى عليه» 41.
وأما كون القول قول من يدعي مهر المثل منهما على روايةٍ؛ فلأن الظاهر صدق من يدعيه.
فكان القول قوله.
قياساً على المنكر في سائر الدعاوي وعلى المودع إذا ادعى التلف أو الرد.
فإن قيل: لم لا يتحالفان كالبيع؟
قيل: لأنه عقد لا ينفسخ بالتحالف.
فلم يشرع فيه؛ كالعفو عن دم العمد.
ولأن القول بالتحالف يفضي إلى إيجاب أكثر مما يدعيه أو أقل مما يقر لها به؛ لأنه إذا شُرع التحالف والعقد غير قابل للفسخ يجب مهر المثل.
فلو كان مائة وادعت ثمانين فقال: بل هو خمسون وقيل بالتحالف والرجوع إلى مهر المثل وجب لها عشرون يتفقان على أنها غير واجبة.
ولو ادعت مائتين فقال: بل هو مائة وخمسون سقط خمسون يتفقان على وجوبها.
الجزء: 3 - الصفحة: 687
وأما كونهما يُردّان إلى مهر المثل إذا ادعى الزوج أقل منه وادعت الزوجة أكثر منه؛ فلأن ذلك فائدة قبول قول من يدعيه.
وأما كون ذلك بلا يمين عند القاضي؛ فلأنها دعوى في نكاح.
أشبهت الدعوى في أصل النكاح.
وأما كون اليمين تجب عند أبي الخطاب؛ فلأنه اختلاف فيما يجوز بدله فوجب أن تجب فيه اليمين؛ كالدعاوي في سائر الأموال.
فإن قيل: ما معنى قول المصنف رحمه الله: في الأحوال كلها؟
قيل: الدعوى توافق تارة قول المرأة، وتارة قول الزوج، وتارة تدعي المرأة أكثر والرجل أقل وغير ذلك من صور الاختلاف.
وقد صرح المصنف بنفي اليمين هنا عند القاضي وإثباتها عند أبي الخطاب.
وقال في المغني: إذا ادعى أقل من مهر المثل وادعت أكثر منه رد إلى مهر المثل.
ولم يذكر أصحابنا يميناً، والأولى أن يتحالفا.
فإن ما يقوله كل واحدٍ منهما محتمل للصحة.
فلا يعدل عنه إلا بيمين من صاحبه؛ كالمنكر في سائر الدعاوي.
ولأنهما تساويا في عدم الظهور.
فشرع التحالف؛ كما لو اختلف المتبايعان.
وفيما قاله في المغني نظر من وجهين أحدهما 42 أنه قال: ولم يذكر أصحابنا يميناً مع أنه قد صرح هنا بقول القاضي نفياً وأبي الخطاب إثباتاً.
وثانيهما: أنه قال: فشرع التحالف، ومفهومه أن كل واحدٍ منهما تجب عليه اليمين نفياً وإثباتاً فيقول هو: ما أصدقتها كذا ولقد أصدقتها كذا.
وتقول هي: ما أصدقني كذا وإنما أصدقني كذا، ويحققه قياس ذلك على المتبايعين، ويمكن الجواب عن الثاني بأن المعوض حلف الزوج أنه ما أصدقها الذي ادعته وحلفت الزوجة أنه ما أصدقها الذي ادعاه.
الجزء: 3 - الصفحة: 688
وأما كون الزوج إذا قال: تزوجتك على هذا العبد فقالت: بل على هذه الأمة تخرج على روايتي القول قول الزوج أو قول من يدعي مهر المثل؛ فلأنه اختلاف في مهر.
أشبه ما تقدم.
فعلى هذا إذا قيل: القول قول من يدعي مهر المثل فوافق قيمة الأمة مثلاً مهر المثل هل تجب لها عينها أو قيمتها فيه وجهان:
أحدهما: تجب عين الأمة؛ لأنه قبل قولها في القدر فكذلك في العين.
والثاني: تجب لها قيمتها؛ لأن قولها إنما وافق الظاهر في القدر لا في العين.
قال: (وإن اختلفا في قبض المهر فالقول قولها.
وإن اختلفا فيما يستقر به المهر فالقول قوله).
أما كون القول قول المرأة في قبض المهر؛ فلأنها منكرة لشيء الأصل عدم وجوده.
ولأنها تنكر قبض حقها.
فكان القول قولها؛ كما لو أنكرت قبض دين لها عليه.
وأما كون القول قول الزوج فيما يستقر به المهر؛ فلأن الأصل عدمه.
والمراد بما يستقر به المهر: المسيس والخلوة والوطء ونحو ذلك.
قال: (وإن تزوجها على صداقين سرٍّ وعلانية: أُخذ بالعلانية، وإن كان قد انعقد بالسر.
ذكره الخرقي.
وقال القاضي: إن تصادقا على السر لم يكن لها غيره.
وإن قال: هو عقد واحد أسررته ثم أظهرته وقالت: بل هو عقدان فالقول قولها مع يمينها).
أما كون الزوج يؤخذ بالعلانية إذا تزوجها على صداقين سر وعلانية وإن كان قد انعقد بالسر على ما ذكره الخرقي وهو ظاهر كلام الإمام أحمد في روايةِ الأثرم؛ فلأنه وجد منه بذل الزائد على مهر السر.
فوجب ذلك عليه؛ كما لو زادها على صداقها.
وأما كونه يلزم السر إن تصادقا عليه على قول القاضي؛ فلأنه هو الذي يثبت به النكاح.
ولأن العلانية ليست بعقد ولا تتعلق بشيء.
فلم يجب به مهر.
الجزء: 3 - الصفحة: 689
وقول القاضي أظهر؛ لأن المهر من توابع العقد، وما ذكر من أنه بذل الزائد فيه نظر من حيث إنه لم يقصد حقيقة البذل، وإنما وقع لعارض.
فإن قيل: العلانية مع السر تارة تكون أكثر مع تأخره، وتارة تكون أكثر مع تقدمه، وتارة تكون أقل مع تأخره، وتارة تكون أقل مع تقدمه.
وقد ذكر الأول فما حكم ما عداه؟
قيل: إذا كان أكثر مع تقدمه لزم الزوج مهر العلانية؛ لأنه الذي انعقد به النكاح ووقوع السر بعده لا يسقط العلانية فوجب الحكم به، وإذا كان أقل مع تأخره لزمه مهر السر؛ لأنه وجب عليه بعقده ولم تسقطه العلانية فوجب الحكم ببقاء وجوبه.
وإذا كان أقل مع تقدمه لم أعلم فيه نقلاً.
لكن ينبغي أن يكون حكمه حكم الحالة الأولة؛ لأن دليل الوجهين متجه فيها.
وأما كون القول قول المرأة مع يمينها إذا قال الزوج: هو عقد واحد أسررته ثم أظهرته.
فقالت المرأة: بل هو عقدان؛ فلأن الظاهر أن الثاني عقد صحيح يفيد حكماً كالأول.
فوجبا عليه لاعترافه بتعدده صُورة، وظهور كون الثاني غير الأول.
الجزء: 3 - الصفحة: 690
فصل في المفوضة
يقال: المفوّضة بكسر الواو وفتحها.
فالكسر على أن الفعل مضاف إليها على أنها فاعلة؛ مثل: مُقَوِّمة، والفتح على أنه مضاف إلى وليها.
ومعنى التفويض لغة: الإهمال.
ومنه قول الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جُهّالهم سادوا
يعني مهملين.
فكأن المرأة أهملت أمر المهر حيث لم يسمه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (والتفويض على ضربين: تفويض البضع.
وهو: أن يزوج الأب ابنته البكر، أو تأذن المرأة لوليها في تزويجها بغير مهر.
وتفويض المهر.
وهو: أن يتزوجها على ما شاءت أو شاء، أو شاء أجنبي ونحو ذلك: فالنكاح صحيح، ويجب مهر المثل بالعقد).
أما قول المصنف رحمه الله تعالى: والتفويض على ضربين فبيان لمعنى التفويض شرعاً.
وقد تقدم وجه اشتقاقه لغة وتعداد تصريفه، وأنه يكون تارة تفويض البضع، وتارة تفويض المهر.
وأما كون النكاح صحيحاً مع ذلك؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لا جُناح عليكم إن طلقتمُ النساء ما لم تَمَسُّوهن أو تَفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة: 236].
وروي عن ابن مسعود «أنه سئل عن رجلٍ تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات.
فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها لا وَكْس ولا شَطط، وعليها العدة، ولها الميراث.
فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بِرْوع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت» 43 أخرجه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
الجزء: 3 - الصفحة: 691
ولأن القصد من النكاح الوصلة والاستمتاع دون الصداق.
فصح من غير ذكره؛ كالنفقة.
وأما كون مهر المثل يجب؛ فلما تقدم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
وأما كونه يجب بالعقد؛ فلأنها تملك المطالبة.
فكان واجباً بالعقد؛ كالمسمى.
ولأنه لو لم يجب بالعقد ما استقر بالموت؛ كما في العقد الفاسد.
ولأن النكاح لا يخلو عن المهر.
والقول بعدم وجوبه بالعقد يفضي إلى خلوه منه.
مع أنه يقع صحيحاً.
قال: (ولها المطالبة بفرضه.
فإن فرضه الحاكم لم يجز إلا بمقداره.
وإن تراضيا على فرضه جاز ما اتفقا عليه من قليل وكثير).
أما كون المفوضة لها المطالبة بفرض المهر؛ فلأن عقد النكاح يقتضي استحقاق المعوض.
فكان لها المطالبة بتبيان قدره.
وأما كونه لا يجوز فرضه إلا بقدره إذا فرضه الحاكم؛ فلأن الزيادة ميل عليه والنقصان ميل عليها والعدل تجنب 44 الميل.
ولأنه إنما يفرض بدل البضع.
فوجب أن يتقدر به؛ كالسلعة إذا تلفت.
وأما كونه يجوز ما اتفقا عليه من قليل وكثير؛ فلأن الحق لهما لا يعدوهما.
ولأنه إذا فرض لها كثيراً فقد بذل لها من ماله فوق ما يلزمه، وإن رضيت باليسير فقد رضيت بدون ما يجب لها.
قال: (وإن مات أحدهما قبل الإصابة ورثه صاحبه، ولها مهر نسائها.
وعنه: يتنصف بالموت؛ إلا أن يكون قد فرضه لها).
أما كون من مات من الزوجين قبل الإصابة يرثه صاحبه؛ فلأن في حديث ابن مسعود المتقدم ذكره: «ولها الميراث» 45.
الجزء: 3 - الصفحة: 692
وأما كون المرأة لها مهر نسائها على المذهب؛ فلأن في حديث ابن مسعود المذكور: «لها مهرُ نسائها لا وَكْسَ ولا شَطَط» 46.
وأما كونه يتنصف بالموت على روايةٍ إلا أن يكون قد فرضه الحاكم؛ فلأن الموت فرقة وردت على تفويض صحيح قبل فرض ومسيس.
فلم يجب لها مهر المثل؛ كفرقة الطلاق.
وأما كونه لا يتنصف إذا كان الحاكم قد فرضه؛ فلأن الفرض يجعله كالتسمية، ولو سمي ثم مات لوجب كله.
فكذا إذا فرضه.
والأول أصح؛ لحديث ابن مسعود.
ولأن الموت معنى يكمل به المسمى.
فكمل به مهر المثل للمفوضة؛ كالدخول.
وقياس الموت على الطلاق غير صحيح؛ لأن الموت يتم به النكاح فيكمل به الصداق، والطلاق يقطعه ويزيله قبل إتمامه، ولذلك وجبت العدة بالموت قبل الدخول ولم تجب بالطلاق قبل 47 الدخول.
قال: (وإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها عليه إلا المتعة على الموسِع قدره، وعلى المُقْتِر قدره.
فأعلاها خادم، وأدناها كسوة تجزئها في صلاتها.
وعنه: يرجع في تقديرها إلى الحاكم.
وعنه: يجب لها نصف مهر المثل).
أما كون المفوضة لا يكون لها على الزوج إلا المتعة إذا طلقها قبل الدخول بها على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ [البقرة: 236]. أمر بالمتعة لا بغيرها، والأمر للوجوب، والأصل براءة ذمته من غيرها.
الجزء: 3 - الصفحة: 693
وقال تعالى: ﴿وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقًا على المتقين﴾ [البقرة: 241]، وقال تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدةٍ تَعْتَدُّونها فمتعوهن﴾ [الأحزاب: 49].
وأما كونها يجب لها نصف مهر المثل على روايةٍ؛ فلأنه نكاح صحيح يوجب مهر المثل بعد الدخول.
فيوجب نصفه بالطلاق قبله؛ كما لو سمى محرما.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن الله تعالى قسّم المطلقات قسمين أوجب المتعة لمن لم يسم لها إذا طلقت قبل الدخول، ونصف المسمى لمن سمي لها.
وذلك يدل على اختصاص كل قسم بحكمه.
بيان قسمته قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسِع قدره وعلى المُقْتِر قَدَرُه متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين? وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصفُ ما فرضتم﴾ [البقرة: 236 - 237].
فعلى هذه المتعة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره؛ كقوله تعالى: ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ [البقرة: 236]. وأعلاها خادم وأدناها كسوة؛ لأن ابن عباس قال: «أعلا المتعة خادم ثم دون ذلك النفقة ثم دون ذلك الكسوة».
وقُيّدت الكسوة بما تجزئها في صلاتها؛ لأن ذلك أقلَّ الكسوة.
وعن الإمام أحمد: يرجع في تقديرها إلى الحاكم؛ لأنه أمرٌ لم يرد الشرع بتقديره.
وهو يحتاج إلى الاجتهاد.
فيجب الرجوع فيه إلى الحاكم؛ كسائر المجتهدات.
قال: (وإن دخل بها استقر مهر المثل.
وإن طلقها بعد ذلك فهل تجب المتعة؟ على روايتين.
أصحهما: لا تجب).
أما كون مهر المثل يجب إذا دخل بالمفوضة؛ فلأن الدخول يوجب استقرار المسمى.
فكذا مهر المثل؛ لاشتراكهما في المعنى الموجب للاستقرار.
وأما كون المتعة لا تجب إذا طلقها بعد ذلك على روايةٍ؛ فلأنه وجب لها مهر المثل.
فلم تجب لها المتعة؛ لأن المتعة كالبدل مع مهر المثل.
الجزء: 3 - الصفحة: 694
وأما كونها تجب على روايةٍ؛ فلما تقدم من قوله: ﴿وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقًا على المتقين﴾ [البقرة: 241].
والأول أصح؛ لأنه قد تقدم أن الله تعالى قسّم المطلقات قسمين، وأوجب المتعة لغير المفروض لهن، ونصف المسمى للمفروض لهن.
وذلك يدل على اختصاص كل قسم بحكمه.
الجزء: 3 - الصفحة: 695
فصل [في مهر المثل]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومهر المثل معتبر بمن يساويها من نساء عصباتها؛ كأختها وعمتها وبنت أخيها وعمها.
وعنه: يعتبر جميع أقاربها؛ كأمها وخالتها).
أما كون مهر المثل معتبراً بمن يساويها من نساء عصباتها؛ كما مثل المصنف رحمه الله تعالى على المذهب؛ فلأنه قد روي في قصة بِرْوع «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق بمثل مهر نساء قومها» 48.
ولأن شرف المرأة معتبر في مهرها، وشرفها بعصباتها؛ لأنهم نساؤها.
وأما كونه يعتبر جميع أقاربها كأمها وخالتها على روايةٍ؛ فلأن مطلق القرابة له أثر في الجملة.
ولأن أمها وخالتها يشملهم قول ابن مسعود: «لها مهرُ نسائها» 49.
والأول أولى؛ لما تقدم.
ولأن الأم قد تكون مولاة، وبنتها شريفة، وبالعكس.
وقول ابن مسعود مطلق فيقيد بقوله عليه السلام: «بمثل مهر نساء قومها» 50.
الجزء: 3 - الصفحة: 696
قال: (وتعتبر المساواة في المال والجمال والعقل والأدب والسن والبكارة والثيوبة والبلد.
فإن لم يكن من نسائها إلا دونها زيدت بقدر فضيلتها.
وإن لم يوجد إلا فوقها نقصت بقدر نقصها.
وإن كان عادتهم التخفيف على عشيرتهم دون غيرهم اعتبر ذلك.
وإن كان عادتهم التأجيل فُرض مؤجلاً في أحد الوجهين.
وإن لم يكن لها أقارب اعتبر بنساء بلدها ثم بأقرب النساء شبها بها).
أما كون المساواة تعتبر بما ذكر؛ فلأن مهر المثل بدل متلف فاعتبرت الصفات المقصودة فيه.
وكل صفة مما ذكر مقصودة.
فوجب اعتبارها.
وأما كون المفوضة إذا لم يكن من نسائها إلا دونها [زيدت بقدر فضيلتها؛ فلأن زيادة فضيلتها تقتضي زيادة في المهر] 51. فوجب أن يترتب عليها الزيادة بحسبها.
وأما كونها إذا لم يوجد من نسائها إلا فوقها تنقص بقدر نقصها؛ فلأن النقص له أثر في تنقيص المهر.
فوجب أن يترتب عليه النقص بحسبه.
وأما كون التخفيف المذكور يعتبر؛ فلأن العادة لها أثر في المقدار.
فكذا في التخفيف على العشيرة.
فإن قيل: مهر المثل بدل متلف.
فوجب أن يختلف باختلاف المتلف؛ كسائر المتلفات.
قيل: النكاح يخالف سائر المتلفات من حيث إن المقصود بها المالية خاصة.
فلم تختلف باختلاف المتلف.
والنكاح المقصود به أعيان الزوجين فاختلف باختلافهما.
ولأن سائر المتلفات لا تختلف باختلاف الفوائد والمهر يختلف باختلاف الفوائد.
وأما كون المهر يفرض مؤجلاً إذا كانت عادتهم التأجيل في وجهٍ؛ فلأن مهر مثلها مؤجل.
وأما كونه يفرض حالاًّ في وجهٍ؛ فلأنه بدل مثله.
فوجب أن يكون حالاًّ؛ كقِيَم سائر المتلفات.
الجزء: 3 - الصفحة: 697
وأما كون بنساء بلدها يعتبر إذا لم يكن لها أقارب؛ فلأن شبهها بهن أقرب من نساء سائر البلاد.
فوجب اعتباره؛ لأن له أثراً في الجملة.
وأما كون أقرب النساء شبهاً بها يعتبر بعد ذلك؛ فلأن القرب المذكور له أثر.
فوجب اعتباره عملاً بذلك الأثر.
الجزء: 3 - الصفحة: 698
فصل [في المهر في النكاح الفاسد]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأما النكاح الفاسد فإذا افترقا قبل الدخول بطلاق أو غيره: فلا مهر فيه.
وإن دخل بها استقر عليه المسمى.
وعنه: يجب مهر 52 المثل.
وهي أصح.
فلا يستقر بالخلوة.
وقال أصحابنا: يستقر).
أما كون النكاح الفاسد لا مهر فيه إذا افترق الزوجان قبل الدخول بطلاق أو غيره؛ فلأن المهر استدعى عقداً صحيحاً أو وطءاً، ولم يوجد واحد منهما.
وأما كون المسمى يستقر على الزوج إذا دخل بالزوجة في النكاح الفاسد على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأةٍ نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل.
فإن دخل بها فلها المهرُ بما استحل من فرجها» 53. والألف واللام للعهد، والمعهود المسمى.
ولأن المهر يجب في مقابلة الوطء، وقد وجد.
وأما كون مهر المثل يجب على روايةٍ وهي أصح؛ فلأن العقد الفاسد وجوده كعدمه.
أشبه ما لو وطئها لا في عقد.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «فلها المهر» لا يستلزم المسمى؛ لاحتمال إرادة مهر المثل.
وأما كون المهر لا يستقر بالخلوة عند المصنف؛ فلأن المهر في النكاح الفاسد إنما يوجبه الوطء لا العقد.
بدليل أنه لا يتنصف بالطلاق.
ولأن الخلوة هنا لا في نكاح صحيح.
أشبه الخلوة بالأجنبية.
وأما كونه يستقر على قول أصحابنا؛ فلأن الابتذال بالخلوة فيه كالابتذال بذلك في النكاح الصحيح.
فوجب أن يستقر به؛ كالصحيح.
الجزء: 3 - الصفحة: 699
قال: (ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهةٍ والمكرهة على الزنا، ولا يجب معه أرش البكارة.
ويحتمل أن يجب للمكرهة).
أما كون المهر يجب للموطوءة بشبهةٍ والمكرهة على الزنا؛ فلأن الواطئ مستحل لفرج كل واحدٍ منهما.
فيجب لها المهر عليه؛ لقوله عليه السلام: «فلها المهرُ بما استحلَّ من فرجها» 54.
فإن قيل: ما معنى قوله عليه السلام: «بما استحَلَّ من فَرجها»؟
فيل: الاستحلال الفعل في غير موضع الحِلّ.
ومنه قوله عليه السلام: «ما آمنَ بالقرآنِ من استحلَّ محارمُه» 55.
ولأن الموجب للمهر في النكاح الفاسد الوطء، وقد وجد هنا.
وفي قول المصنف رحمه الله: والمكرهة تنبيه على أن المطاوعة لا مهر لها.
وصرح به في الكافي؛ لأنها باذلة لما يوجب البدل لها 56. فلم يجب لها شيء؛ كما لو أذنت في قطع يدها.
فإن قيل: المطاوعة إذا كانت أمة كالحرة؟ .
قيل: لا؛ لأن المهر للسيد لا لها.
فلم يسقط بذلها؛ كما لو أذنت في قطع يدها.
وأما كونه لا يجب مع المهر في الصورتين المذكورتين أرش البكارة؛ فلأنه وطء ضُمِن بالمهر.
فلم يجب معه أرش؛ كالوطء في النكاح الصحيح.
وأما كونه يحتمل أن يجب للمكرهة مع المهر الأرش المتقدم ذكره؛ فلأنه إتلاف جزء.
فوجب عوضه؛ كما لو جرحها ثم وطئها.
والأول أولى؛ لما ذكر.
ولأن المهر بدل المنفعة المستوفاة بالوطء، وبدل المتلف لا يختلف بكونه في عقد فاسد وكونه تمحض عدواناً.
الجزء: 3 - الصفحة: 700
ولأن الأرش يدخل في المهر لكون الواجب لها مهر المثل، ومهر البكر يزيد على مهر الثيب ببكارتها.
فكانت الزيادة في المهر مقابلة لما أتلف من البكارة فلا يجب عوضها مرة ثانية.
قال: (وإذا دفع أجنبية فأذهب عذرتها فعليه أرش بكارتها.
وقال القاضي: يجب مهر المثل.
وإن فعل ذلك الزوج ثم طلق قبل الدخول لم يكن عليه إلا نصف المسمى).
أما كون من دفع أجنبية فأذهب بكارتها عليه أرش بكارتها على قول غير القاضي؛ فلأنه أتلف البكارة.
فلزمه أرشها؛ كما لو أتلف منها جزءاً لم يرد الشرع فيه بتقدير.
وأما كون مهر المثل يجب على قول القاضي؛ فلما روي «أن رجلاً كانت عنده يتيمة.
فخافت امرأته أن يتزوج بها.
فاستعانت بنسوة ضبطنها لها فأفسدت عذرتها وقالت لزوجها: فَجَرَت.
فأخبر علياً رضي الله عنه بذلك.
فأرسل إلى امرأته والنسوة.
فلما أتينه لم يلبثن أن اعترفن بما صنعن.
فقال للحسن بن علي: اقض فيها.
فقال: الحد على من قذفها، والمهر عليها وعلى الممسكات» 57.
ولأنه إتلاف يُستحق به مهر المثل في العقد.
فإذا أتلفه أجنبي وجب مهر المثل؛ كمنفعة البضع.
ونسب المصنف في المغني قول القاضي إلى الإمام أحمد فقال فيه: قال أحمد: لها صداق نسائها.
وكلامه فيه مشعر بترجيحه.
وأما كون الزوج إذا فعل ذلك ثم طلق قبل الدخول لا يكون عليه إلا نصف المسمى؛ فلأنها مطلقة قبل الدخول.
فلم يستحق أكثر من نصف المسمى؛ كسائر المطلقات قبل الدخول.
ولأنه أتلف ما استحق إتلافه بالعقد.
فلم يضمنه؛ كما لو أتلف عذرة أمته.
وقال في المغني: يتخرج أن يجب الصداق كاملاً؛ لأن أحمد رضي الله عنه قال: إن فعل ذلك أجنبي عليه الصداق.
ففيما يفعله الزوج أولى.
الجزء: 3 - الصفحة: 701
وتقريره: أن ما يجب الصداق به ابتداء أحق بتقديره.
ويتخرج من كلام أحمد وجوب أرش البكارة مع نصف المسمى إن قيل الواجب على الأجنبي أرشها لا مهر المثل؛ لأنه قاسه على الأجنبي فينبغي أن يعطى حكمه من حيث الإتلاف ويعاد عليه بنصف المسمى لكونه مُطَلِّقاً قبل الدخول.
قال: (وللمرأة منع نفسها حتى تقبض مهرها.
فإن تبرعت بتسليم نفسها ثم أرادت المنع فهل لها ذلك؟ على وجهين).
أما كون المرأة لها منع نفسها حتى تقبض مهرها؛ فلأن في إجبارها على تسليم نفسها أولاً خطر إتلاف البضع والامتناع من بذل الصداق.
فلا يمكن الرجوع في البضع.
وبه يظهر الفرق بين النكاح وبين البيع؛ لأن البائع إذا سلم المبيع أولاً فبتقدير تعذر الثمن يمكنه فسخ البيع والرجوع في عين المبيع.
ويشترط في المنع المذكور: أن يكون الصداق حالاًّ فإن كان مؤجلاً لم يملك المنع؛ لأن رضاها بتأجيله رضًى منها بتسليم نفسها قبل قبضه.
دليله تأجيل الثمن.
ولا فرق بين حلوله بعد تأجيله وبين عدم حلوله.
صرح به في المغني؛ لأن التسليم قد وجب عليها فاستقر قبل قبضه.
فلم يكن لها أن تمتنع منه.
وأما كونها إذا تبرعت بتسليم نفسها ثم أرادت المنع لها ذلك على وجهٍ وهو لابن حامد؛ فلأنه تسليم يوجبه عليها العقد.
فكان لها أن تمتنع منه قبل قبض صداقها؛ كما لو لم تتبرع بتسليم نفسها.
وأما كونها ليس لها ذلك على وجهٍ وهو لابن بطة وابن شاقلا؛ فلأن التسليم استقر به العوض برضى المُسَلِّم.
فلم يكن لها أن تمتنع منه بعد ذلك؛ كما لو سلم البائع المبيع.
وفي هذا تنبيه على الفرق بين المتبرع بالتسليم وعدمه.
وهو قادح في صحة القياس المذكور قبل.
وفي قول المصنف رحمه الله تعالى: تبرعت بتسليم نفسها: إشعارٌ بأنها لو أكرهت على التسليم كان لها الامتناع بعد ذلك.
وصرح به الشيخ في المغني.
وقاسه على المبيع المكره بائعه على تسليمه.
الجزء: 3 - الصفحة: 702
قال: (وإن أعسر بالمهر قبل الدخول فلها الفسخ.
وإن أعسر بعده فعلى وجهين.
ولا يجوز الفسخ 58 إلا بحكم حاكم).
أما كون المرأة لها الفسخ بإعسار الزوج بالمهر قبل الدخول؛ فلأنه تعذر وصولها إلى عوض العقد قبل تسليم المعوض.
فكان لها الفسخ؛ كما لو أعسر المشتري بالثمن قبل تسليم المبيع.
وأما كونها إذا أعسر بعده ففيه وجهان؛ فلأن ما تقدم من الخلاف في أنها هل لها منع نفسها بعد تسليمها حتى تقبض مهرها؟ يقتضي ذلك: فإن قيل: لها منع نفسها كان لها هنا الفسخ؛ لأنه حينئذ في معنى الفسخ قبل الدخول.
وإن قيل: ليس لها المنع لم يكن لها هنا الفسخ؛ كما لو أفلس بدين آخر لها.
وأما كون الفسخ لا يجوز إلا بحكم حاكمٍ؛ فلأنه فسخ مجتهد فيه.
أشبه الفسخ للاعسار بالنفقة ونحوه.
الجزء: 3 - الصفحة: 703
باب الوليمة
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهي: اسم لدعوة العرس خاصة.
وهي مستحبة).
أما قول المصنف رحمه الله تعالى: وهي اسم لدعوة العرس خاصة: فبيانٌ لمعنى الوليمة لغة.
قال ثعلب وغيره من أهل اللغة: الوليمة اسم للطعام في العرس خاصة.
لا تقع على غيره.
وقال بعض الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: الوليمة تقع على كل طعام لسرورٍ حادث؛ إلا أن استعمالها في العرس أكثر.
قال المصنف في المغني: وقول أهل اللغة أقوى؛ لأنهم أهل اللسان وهم أعرف بموضوعات اللغة.
فإن قيل: أسماء بقية الدعوات ما هي؟
قيل: دعوة الختان تسمى العذيرة والأعذار، ودعوة الولادة تسمى الخرس والخرسة، ودعوة البناء تسمى الوكِيرة، ودعوة القدوم من الغيبة تسمى النقيعة.
قال الشاعر:
كل الطعام تشتهى ربيعة ... الخرس والأعذار والنقيعة
ودعوة الصبي إذا حذق تسمى الحذاق.
ويعم الكل المأدبة؛ لأنها اسم لكل دعوة لها سبب أو لا سبب لها.
وصاحبها يسمى الآدب.
قال الشاعر:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
الجفلى: الدعوة العامة.
والنقرى: الدعوة الخاصة.
الجزء: 3 - الصفحة: 704
وأما كون الوليمة مستحبة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها عبدالرحمن بن عوف فقال: «أوْلم ولو بشاة» 59.
ولأنه عليه السلام فعلها.
قال أنس: «ما أولمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما أولمَ على زينب.
جعل يبعثني فأدعو له الناس.
فأطعَمَهم خبزًا ولحمًا حتى شبعوا» 60.
فإن قيل: قوله: «أولم»: أمر، والأمر للوجوب.
فيجب أن تكون واجبة.
ولأن الإجابة إليها واجبة.
فيجب أن تكون واجبة؟
قيل: أما الأمر فيجوز أن يراد به الاستحباب.
وقد قام دليلٌ على إرادته لأنه أمر في حديث عبدالرحمن بشاة.
ولو كان الأمر للوجوب لوجبت الشاة.
وذلك منتفٍ لوجهين:
أحدهما: الإجماع.
وثانيهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بحيْس» 61 متفق عليه.
و«أولم على بعض نسائهِ بمدَّين من شَعير» 62 رواه البخاري.
ولأن دعوة العرس طعام لسرور.
فلم تكن واجبة؛ كسائر الأطعمة.
ووجوب الإجابة لا يستلزم وجوب الفعل.
دليله السلام فإنه ليس بواجب وإجابته واجبة.
الجزء: 3 - الصفحة: 705
قال: (والإجابة إليها واجبة إذا عيّنه الداعي المسلم في اليوم الأول.
فإن دعاه الجفلى؛ كقوله: يا أيها الناس! تعالوا إلى الطعام، أو دعاه فيما بعد اليوم الأول، أو دعاه ذمّي: لم تجب الإجابة).
أما كون الإجابة إلى وليمة العرس واجبة في الجملة؛ فلأن ابن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دُعيَ أحدكم إلى وليمةً فليأتها» 63. وفي لفظ: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دُعيتم إليها» 64.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «شرُ الطعام طعامُ الوليمة يُدعى إليها الأغنياء ويُتركُ الفقراء.
ومن لم يجب فقد عصَى الله ورسوله» 65.
[قال: (وسائر الدعوات والإجابة إليها مستحبة غير واجبة.
وإذا حضر وهو صائم صوماً واجباً لم يفطر، وإن كان نفلاً أو كان مفطراً استحب الأكل.
وإن أحب دعا وانصرف).
أما كون سائر الدعوات والإجابة إليها غير واجبة؛ فلما روي عن عثمان بن أبي العاص: «أنه دعي إلى ختان فأبى أن يجيب.
وقال: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» 66. رواه الإمام أحمد.
وما كونها تستحب فلقوله عليه السلام: «إذا دعي أحدكم فليجب عُرسا كان أو غير عرس» 67. رواه أبو داود.
ولأن فيه جبر قلب الداعي وتطييبه.
وأما كونه إذا حضر وهو صائم صوماً واجباً لا يفطر؛ فلأن] 68 الأكل غير واجب لما يأتي.
فلا يترك واجباً لأجل مستحب.
الجزء: 3 - الصفحة: 706
وأما كونه يستحب له الأكل إذا كان صائماً نفلاً؛ فلأن فيه إجابةً لأخيه المسلم، وإدخالَ السرور على قلبه.
وقد روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في دعوة ومعه جماعة.
فاعتزل رجل من القوم ناحية.
فقال: إني صائم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعاكم أخوكم وتكلّف لكم.
كُلْ.
ثم صم يومًا مكانه إن شئت» 69.
وأما كونه إن أحب دعا وانصرف؛ فلأنه داخل في قوله عليه السلام: «فإن كان صائماً فليدْعُ» 70.
ولأن الأكل غير واجب لما يأتي.
فلم يجب أن يترك صومه وإن كان نفلاً.
فعلى هذا يستحب له أن يُعلم صاحب الدعوة بأنه صائم ليعلم عذره وتزول عنه التهمة في ترك الأكل.
وعن عبدالله: «إذا عُرضَ على أحدكم الطعامَ وهو صائم فليقل: إني صائم» 71.
وعن عثمان بن عفان: «أنه أجاب عبد المغيرة وهو صائم.
فقال: إني صائم ولكني أحببت أن أجيب الداعي فأدعو له بالبركة».
رواه أبو حفص.
وأما كونه استحب له الأكل إذا كان مفطراً؛ فلما تقدم في الصائم نفلاً.
ولأنه إذا استحب للصائم أن يفطر من أجل الأكل؛ فلأن يستحب للمفطر الأكل بطريق الأولى.
وإنما لم يَجب الأكل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دُعي أحدكم فليُجِب.
فإن شاءَ أكلَ وإن شاءَ ترك» 72. حديث صحيح.
الجزء: 3 - الصفحة: 707
فإن قيل: قوله عليه السلام: «فإن كان مفطرًا فليطعَم» 73 يقتضي وجوب الأكل.
ولأن المقصود الأكل.
فيجب أن يكون واجباً.
قيل: أما الخبر فمحمول على الاستحباب لما ذكرنا من الحديث لما فيه من الجمع الذي لا يمكن عكسه.
وأما كون المقصود الأكل فيبطل بالصائم فرضاً.
فإنه يجب عليه الإجابة مع أنه ممنوع من الأكل.
فعلى هذا المقصود الإجابة وقد وجدت من المفطر إن لم يأكل.
قال: (فإن دعاه اثنان أجاب أولهما.
فإن استويا أجاب أدينهما، ثم أقربهما جواراً).
أما كون من دعاه اثنان يجيب أولهما؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن سبقَ أحدهما فأجبِ الذي سبق ... مختصر» 74 رواه أبو داود.
ولأن إجابته وجبت بدعوته.
فلم تزل بدعوة الثاني.
وكلام المصنف رحمه الله مشعرٌ بأنه لا يجيب دعوة الثاني.
وهو صحيح.
لكن بشرط أن لا يتسع الوقت لإجابتهما؛ لأنه لو وجبت عليه إجابة الثاني مع عدم اتساع الزمن لأوجبنا عليه ما لا يمكنه فعله إلا يترك واجب مثله بل أرجح منه؛ لأن حق الأول سابق.
فإن اتسع الوقت لهما وجبت إجابتهما للنصوص المتقدمة السالمة عما ذكر قبل.
وأما كونه يجيب أدينهما مع تساويهما في الدعوة؛ مثل أن تتفق دعوتهما في وقت واحد؛ فلأن كثرة الدِّين لها أثر في التقديم.
دليله الإمامة.
الجزء: 3 - الصفحة: 708
وأما كونه يجيب أقربهما جواراً مع تساويهما في الدعوة والدِّين؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اجتمعَ داعيان فأجبْ أقربَهما بابًا فإنَّ أقربَهما بابًا أقربَهما جوارًا» 75 رواه أبو داود.
وعن عائشة قالت: «قلت: يا رسول الله! إن لي جارين.
فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منكِ بابًا» 76 رواه البخاري.
فإن قيل: فإن كان أحدهما أقرب والآخر أدين.
قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا أنه يجيب الأدين؛ لأن الدين درجة رفيعة فكيف بالأدين.
وقال في المغني: يقدم أقربهما منه باباً فإن استويا فأدينهما.
وظاهره أنه يجيب الجار الأقرب دون غيره وإن كان أدين منه؛ لأن القرب في الجوار مأخوذ من الحديث، والكثرة في الدين مأخوذة من الأصول.
قال: (وإن علم أن في الدعوة منكراً كالزمر والخمر وأمكنه الإنكار حضر وأنكر، وإلا لم يحضر).
أما كون من ذكر يحضر وينكر إذا أمكنه الإنكار؛ فلأن فيه تحصيل فرضين فرض الإجابة وفرض إزالة المنكر.
وأما كونه لا يحضر إذا لم يمكنه الإنكار؛ فلأن عليه ضرراً في الحضور.
ولأنه يحرم عليه مشاهدة المنكر مع إمكان عدم مشاهدته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدةٍ يُدارُ عليها الخمر» 77. رواه أبو حفص.
ولأنه يشاهد المنكر من غير حاجة إليه.
فمنع منه؛ كما لو شاهده مع القدرة على إزالته.
الجزء: 3 - الصفحة: 709
فإن قيل: الحديث يدل على المنع من الحضور في موضع فيه محرم من غير تقييد بإمكان الإنكار.
قيل: ذلك مستثنى لدلالة الدليل عليه.
قال: (وإن حضر فشاهد المنكر أزاله وجلس.
فإن لم يقدر انصرف.
فإن علم به ولم يره ولم يسمعه فله الجلوس).
أما كون من حضر فشاهد المنكر يزيله ويجلس؛ فلأن فيه جمعاً بين مصلحتي الإنكار، ومقصود الإجابة الشرعية.
وأما كونه ينصرف إذا لم يقدر على الإزالة؛ فلأن القعود مع مشاهدة المحرم حرام لما تقدم.
وأما الجلوس إذا علم به ولم يره ولم يسمعه؛ فلأن المحرم رؤية المنكر وسماعه ولم يوجد واحد منهما.
قال: (وإن شاهد ستوراً معلقة فيها صور الحيوان [لم يجلس إلا أن تزال.
وإن كانت مبسوطة أو على وسادة فلا بأس بها).
أما كون من شاهد ستوراً معلقة فيها صور الحيوان] 78 لم يجلس إذا لم تزل؛ فلأن ستر الجدران بذلك حرام؛ لما روت عائشة قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت سهوة بنمط فيه تصاوير.
فلما رآه قال: أتسترين بستر فيه تصاوير؟ فهتكه.
فجعلتُ منه منتبذتين.
فكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم متكئا على أحدهما» 79 رواه ابن عبدالبر.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام فقال: أتيتُكَ البارحةَ.
فلم يمنعني أن أكونَ دخلتُ إلا أنه كان على البابِ سترٌ فيه تماثيل.
وكان في البيتِ كلب» 80.
الجزء: 3 - الصفحة: 710
وقول المصنف رحمه الله: لم يجلس: ظاهرُه أنه ممنوع من الجلوس.
ودليله ظاهر؛ لأن الستر المتقدم منكر لما تقدم.
فيحرم على المشاهد له الجلوس؛ لما تقدم.
وقال في المغني: أما دخول منزل فيه صورة فليس بمحرم.
وإنما أبيح ترك الدعوة من أجله عقوبة للداعي بإسقاط حرمته لاتخاذه المنكر في داره.
فلا يجب على من رآه في منزل الداعي الخروج في ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه فإنه قال في روايةِ الفضل بن زياد: إذا رأى صوراً على الستر لم يكن رآها حين دخل قال: هو أسهل من أن يكون على الجدار.
قيل له: فإن لم يره إلا عند وضع الخوان أيخرج؟ قال: لا تضيق علينا.
ولكن إذا رأى هذا وبخهم ونهاهم.
يعني لا يخرج.
هذا لفظه.
واحتج على ذلك بـ «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخلَ الكعبة فرأى فيها صورةَ إبراهيم وإسماعيل» 81.
وبأن علياً دخل ومعه جماعة من المسلمين الكنيسة لما عمل النصارى طعاماً لعمر حين قدم الشام فجعل علي ينظر إلى الصور.
وبأن دخول البيَع والكنائس غير حرام وفيها الصور.
فكذلك المنازل.
فإن قيل: فقد جاء في الحديث: «أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة» 82. وذلك مشعر بالتحريم.
ولأنه لو لم يكن محرمًا لما جاز ترك الإجابة الواجبة من أجله.
الجزء: 3 - الصفحة: 711
قيل: أما عدم دخول الملائكة فلا يوجب تحريم الدخول عليها.
بدليل أنها لا تدخل بيتاً فيه كلب.
ولا يحرم علينا دخوله، وأنها لا تصحب رفقة فيها جرس.
ولا يحرم علينا صحبتهم.
وأما ترك الإجابة الواجبة من أجله فقد تقدم أن ذلك إنما كان عقوبة للداعي لاتخاذه المنكر في داره.
ولأن فيه زجراً له عن فعله.
وفيما ذكره المصنف رحمه الله تعالى في المغني نظر؛ لأن التصوير في الحائط أو الستر إذا كان محرماً فأيُّ فرق بين مشاهدة ذلك وبين مشاهدة الخمر ونحوه؟ . وما ذكر من جواز دخول النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة وفيها صورة إبراهيم وإسماعيل، ودخول علي والمسلمين بيعة النصارى.
فيمكن الفرق بينه وبين الدار المصورة والستر المعلق المصور من حيث إن صاحب الدار معتقد حرمة ذلك ملتزم بحكم شرعنا المحرم له.
بخلاف الكنائس والبيع فإن أصحابها معتقدون حل ذلك غير ملتزمين بحكم شرعنا.
وهم مقرون على ذلك؛ لأنهم مقرون على كفرهم؛ فلأن يقروا على ذلك بطريق الأولى.
وأما كونه يجلس إذا أزيلت الستور المتقدم ذكرها؛ فلأن المحرم للجلوس مشاهدة ذلك.
فوجب أن ينتفي عند انتفائه.
وأما كونه لا بأس بالستور المتقدم ذكرها إذا كانت مبسوطة؛ فلأن فيه إهانة لها وابتذالاً.
ولأن تحريم تعليقها إنما كان لما فيه من التعظيم والإعزاز والتشبه بالأصنام التي تعبد وتتخذ آلهة.
وكل ذلك مفقود في البسط.
وأما كونه لا بأس بها إذا كانت على وسادة؛ فلأن عائشة قالت: «فجعلتُ منه -يعني من النمط الذي فيه تصاوير- منتبذتين.
كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً على أحدهما» 83. رواه ابن عبدالبر.
وفي حديث أبي هريرة المتقدم ذكره: «أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: مُر بالستر فلتقطع منه وسادتان منبوذتان يوطآن.
ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم» 84.
الجزء: 3 - الصفحة: 712
ولأن في ذلك إهانة.
أشبه البسط.
فإن قيل: الكلام في الجلوس لدعوة العرس فما بال المصنف لم يتعرض له في بسط ما فيه صورة حيوان وجعله على وسادة؟
قيل: قد تقدم أن المبيح لعدم الجلوس فعل صاحب الدعوة المحرم في داره فإذا تبين أن فعل ذلك ليس بمحرم علم انتفاء المبيح.
فيفهم منه الجلوس؛ لانتفاء المبيح لعدمه.
قال: (وإن ستر الحيطان بستورٍ لا صور فيها أو فيها صور غير الحيوان فهل تباح؟ على روايتين).
أما كون ما ذكر لا يباح على روايةٍ؛ فلأن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى أن تستر الجدر» 85 رواه الخلال.
وعن عبدالله: «أن أبا أيوب قال له: يا عبدالله! تسترون الجدر؟ لا أطعم لكم طعامًا ولا أدخل لكم بيتًا» 86. رواه الأثرم.
وعن عبدالله بن يزيد الخطمي «أنه دعي إلى طعام.
فرأى البيتَ منجداً.
فقعد خارجاً وبكى.
فقيل: ما يبكيك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد رقعَ بردةً له بقطعة أدم.
فقال: تطالعت عليكم الدنيا -ثلاثاً-.
فقال: أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى، ويغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، وتسترون بيوتكم؛ كما تستر الكعبة.
قال عبدالله: أفلا أبكي وقد بقيت حتى رأيتكم تسترون بيوتكم؛ كما تستر الكعبة».
وأما كون ذلك يباح على روايةٍ؛ فلأن ابن عمر فعله، وفُعل في زمن الصحابة رضوان الله عليهم، وقد رجّح المصنف في المغني هذه الرواية.
فإن قيل: الحرمة المذكورة مطلقة في كل حال أو يشترط في ذلك عدم الحاجة.
الجزء: 3 - الصفحة: 713
قيل: بل يشترط في ذلك عدم الحاجة.
فإن دعت الحاجة إليه من حرٍّ أو بردٍ فلا بأس به.
ذكره المصنف رحمه الله تعالى في المغني.
وعلل بأنه استعمال في حاجة.
أشبه ستر الباب وما يلبسه على بدنه.
فعلى هذا يحمل كلام المصنف هنا على عدم الحاجة جمعاً بين نقليه في كتابيه.
وينبغي أن يلحظ إباحة عدم الإجابة والجلوس في الدعوة الواجبة إجابتها على الروايتين جميعاً؛ لأن المصنف قال في المغني: وإن كان لغير حاجة فهو مكروه وعذر في الرجوع وترك الإجابة.
وإذا كانت الكراهة عذراً فالحرمة بطريق الأولى.
قال: (ولا يباح الأكل بغير إذن.
والدعاء إلى الوليمة إذن فيه).
أما كون الأكل لا يباح بغير إذن؛ فلأن المأكول من مال الغير.
فلا يباح بغير إذنه؛ كلبس ثوبه وركوب دابته.
وأما كون الدعاء إلى الوليمة إذناً في الأكل؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دُعيَ أحدكم [إلى طعامٍ] فجاءَ مع الرسولِ فذلكَ إذنٌ له» 87 رواه أبو داود.
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا دُعيتَ فقد أُذن لك».
رواه الإمام أحمد.
قال: (والنِّثار والتقاطه مكروه.
وعنه: لا يكره.
ومن حصل في حجره شيء منه فهو له).
أما كون النِّثار والتقاطه مكروهاً على المذهب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهَى عن النُّهبَى والمثلَة» 88.
الجزء: 3 - الصفحة: 714
ولأن فيه تزاحماً وقتالاً.
وربما أخذه من يكره صاحب النثار أخذه 89 لحرصه وشرهه ودناءة نفسه.
فإن قيل: ظاهر النهي التحريم.
فيجب أن يكون حراماً.
لا سيما وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحلُّ النهبَى ولا المثلة» 90 رواه البخاري.
قيل: ذلك الإجماع فإنه لا خلاف في الإباحة ذكره المصنف في المغني.
ولأنه نوع إباحة لمال.
فلم يكن محرماً؛ كسائر الإباحات.
وأما كون ذلك لا يكره على روايةٍ؛ فلما روى عبدالله بن قرط قال: «قُرِّبَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسُ بدناتٍ أو ست فطفِقْنَ يزدلِفْنَ إليه بأيتِهن يبدأُ.
فنحرَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال كلمة لم أسمعها.
فسألتُ من قَرُبَ منه فقال: قال: من شاءَ اقتطَع» 91 رواه أبو داود.
وهذا جار مجرى النثار والتقاطه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه دُعيَ إلى وليمة رجل من الأنصار.
ثم أتوا بنهب فأنهبَ عليه.
قال الراوي: ونظرتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يزاحمُ الناسَ أو نحو ذلك.
قال: قلت: يا رسول الله! أوما نهيتنا عن النهبى؟ قال: نهيتكم عن نهبة العساكر».
ولأنه نوع إباحة.
أشبه إباحة الطعام.
وأما كون من حصل في حجره شيء منه فهو له؛ فلأنه مباح حصل في حجره.
فكان له؛ كما لو وثبت سمكة من البحر فوقعت في حجره.
الجزء: 3 - الصفحة: 715
قال: (ويستحب إعلان النكاح والضرب عليه بالدف).
أما كون ما ذكر يستحب؛ فلما روى محمد بن حاطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فصلُ ما بين الحلال والحرام الصوتُ والدفُ في النكاح» 92 رواه النسائي.
وقال عليه السلام: «أعلنُوا النكاح، واضربوا عليه بالغِربَال» 93 رواه ابن ماجة.
وأما كونه لا يجب؛ فلأن كثيراً من الصحابة تزوج وما فعله.
وعن عائشة «أنها زوجت يتيمة رجلاً من الأنصار.
فكانت عائشة رضي الله عنها فيمن أهداها إلى زوجها.
قالت: فلما رجعنا.
قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قُلتم يا عائشة؟ قالت: سلّمنا ودعونا بالبركة ثم انصرفنا.
فقال: إن الأنصارَ قوم فيهم غزَل.
ألا قلتم: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم» 94 رواه ابن ماجة.
الجزء: 3 - الصفحة: 716
باب عشرة النساء
قال المصنف رحمه الله تعالى: (يلزم كل واحدٍ من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف.
وأن لا يمطله بحقه، ولا يظهر الكراهة لبذله).
أما كون كل واحدٍ من الزوجين يلزمه معاشرة الآخر بالمعروف؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: 19]، وقال: ﴿ولهن مِثْلُ الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: 228].
قال أبو زيد: تتقون الله فيهن؛ كما عليهن أن يتقين الله فيكم.
وأما كون كل واحدٍ منهما يلزمه أن لا يمطل الآخر بحقه؛ فلأن المطل بالحق مع القدرة عليه حرام.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَطْلُ الغني ظُلم» 95.
وأما كون كل واحدٍ منهما يلزمه أن لا يظهر الكراهة لبذله؛ فلأن ذلك من المعاشرة بالمعروف.
قال: (وإذا تم العقد وجب تسليم المرأة في بيت الزوج إذا طلبها وكانت حرة يمكن الاستمتاع بها ولم تشترط دارها.
وإن سألت الإنظار أنظرت مدة جرت العادة بإصلاح أمرها فيها.
وإن كانت أمة لم يجب تسليمها إلا بالليل).
أما كون تسليم المرأة يجب إذا تم العقد؛ فلأن بالعقد استحق الاستمتاع بها.
وذلك لا يحصل إلا بالتسليم.
وأما كونه في بيت الزوج؛ فلأن الحق له.
فملك تعيين موضعه.
وأما كونه يشترط لهذا الوجوب طلب الزوج لها؛ فلأن الحق له.
فلا يجب بدون الطلب.
الجزء: 3 - الصفحة: 717
وأما كونه يشترط له أن تكون حرة؛ فلأن الأمة لا يجب تسليمها مطلقاً بل ليلاً لأن النهار تكون في خدمة سيدها.
وأما كونه يشترط له أن تكون يمكن الاستمتاع بها؛ فلأن التسليم إنما وجب ضرورة استيفاء الاستمتاع الواجب.
فإذا لم يمكن الاستمتاع بها لم يكن واجباً.
والإمكان معتبر بتسع سنين نص عليه الإمام أحمد وذلك «لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلَ بعائشة وهي ابنة تسع» 96.
وقال القاضي: هو معتبر بحالها واحتمالها؛ لأنها قد تكون كبيرة لا يمكنها وصغيرة يمكنها.
وحمل كلام الإمام على الغالب؛ لا أنه قصد التحديد لأن الإمكان قد يتخلف عن ذلك.
فكيف يجب التسليم؟ وحقيقة الإمكان منتفية.
وأما كونه يشترط له أن لا تشترط دارها؛ فلأن ذلك شرط لازم عندنا.
وأما كون المرأة تنظر مدة جرت العادة بإصلاح أمرها فيها إذا سألت الإنظار؛ فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
ولأن في قوله عليه السلام: «لا تطرقُوا النساءَ ليلاً حتى تَمْتشِطَ الشَّعِثَةُ وتستحِدَّ المغِيبَة» 97 تنبيهاً على الإمهال المذكور؛ لأنه إذا منع من الطروق وأمر بإمهالها لتصلح أمرها مع تقدم صحبته لها.
فلأن تمهل هذه بطريق الأولى.
فإن قيل: كم مقدار ذلك؟
قيل: قدره المصنف في المغني باليومين والثلاثة؛ لأن ما تحتاج إليه يمكن فعله في ذلك.
وأما كون الأمة لا يجب تسليمها إلا بالليل؛ فلأنها مملوكة.
عُقد على إحدى منفعتيها.
فلم يجب تسليمها في غير وقتها؛ كما لو أجرها لخدمة النهار.
فإنه لا يجب تسليمها بالليل.
الجزء: 3 - الصفحة: 718
قال: (وله الاستمتاع بها ما لم يشغلها عن الفرائض من غير إضرار بها.
وله السفر بها إلا أن تشترط بلدها).
أما كون الزوج له الاستمتاع بالزوجة ما لم يشغلها عن الفرائض ولم يضر بها؛ فلأن المقصود من النكاح الاستمتاع.
فإذا لم يشغلها عن الفرائض ولم يضر بها وجب عليها التمكين منه.
وقد نبه على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث حث على طاعة الزوج، وقد روي عنه أنه قال: «من باتتْ مهاجرةً فراشَ زوجها لعنتْها الملائكةُ حتى ترجع» 98 متفق عليه.
وأما كونه ليس له الاستمتاع بها إذا شغلها عن الفرائض؛ فلأن وقت ذلك مستثنى بأصل الشرع.
وأما كونه له السفر بها إذا لم تشترط بلدها؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر بنسائه» 99.
ولأن حاجته تدعو إلى الاستمتاع في السفر.
وهو حق عليها.
ولا يمكن إلا بالسفر معه.
فكان له عليها ذلك.
ضرورة تحصيل الاستمتاع الواجب.
فإن قيل: له السفر بها مطلقاً أم بشرط الأمن؟
قيل: بل بشرط الأمن؛ لأن في سفرها مع الخوف ضرراً عليها.
والضرر لا يزال بالضرر.
وأما كونه ليس له السفر بها إذا اشترطت بلدها؛ فلأن اشتراط ذلك يلزم الوفاء؛ لما تقدم في الشروط اللازمة 100.
الجزء: 3 - الصفحة: 719
قال: (ولا يجوز وطؤها في الحيض ولا في الدبر).
أما كون وطء المرأة في الحيض لا يجوز؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يَطْهُرن﴾ [البقرة: 222].
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفرَ بما أُنزلَ على محمد» 101 رواه الأثرم.
وأما كون وطئها في الدبر لا يجوز؛ فلما تقدم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يستحيي من الحق.
لا تأتوا النساء في أعجازهن» 102.
وعن أبي هريرة وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله إلى رجلٍ جامع امرأةً في دبرها» 103. رواهما ابن ماجة.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: 223] يقتضي الخيرة في إتيانها في أي موضع شاء.
قيل: هو كذلك إلا الدبر؛ لما روى جابر قال: «كان اليهود يقولون: إذا جامعَ الرجلُ امرأته في فرجها من ورائها جاء الولدُ أحوَل.
فأنزل الله تعالى: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [النساء: 223] أي: من بين يديها ومن خلفها.
غير أن لا يأتيها إلا في المأْتِي» 104.
الجزء: 3 - الصفحة: 720
وفي روايةٍ: «يأيتها مقبلةً ومدبرةً إذا كان ذلك في الفرج» 105.
فإن قيل: إذا كان الوطء فيه حراماً.
فهل يجب به الحد؛ كاللواط؟
قيل: لا؛ لأن الحد يُدرأ بالشبهة.
وهي موجودة هنا.
بخلاف وطء الأجنبية في دبرها فإنه يجب به حد اللواط؛ لأنه لا شبهة فيه.
قال: (ولا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، ولا عن الأمة إلا بإذن سيدها).
أما كون الزوج لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها؛ فلما روى ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعزلَ عن الحرة إلا بإذنها» 106. رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
ولأن لها في الولد حقاً وعليها في العزل ضرراً.
وقال المصنف في المغني: يحتمل أن يكون استئذانها مستحباً؛ لأن حقها في الوطء دون الإنزال.
بدليل أنه يَخْرج به من الفيئة والعنة.
ثم قال: والأول أولى.
وأما كونه لا يعزل عن الأمة إلا بإذن سيدها؛ فلأن الولد حق له.
فاشترط إذنه.
ولم يذكر المصنف في المغني إذن السيد بحال.
قال: فأما زوجته الأمة فيحتمل جواز العزل عنها بغير إذنها استدلالاً بمفهوم هذا الحديث.
يعني حديث الحرة.
وقال ابن عباس: «تُستأذنُ الحرةُ ولا تُستأذنُ الأمة».
ولأن عليه ضرراً في استرقاق ولده.
بخلاف الحرة.
ويحتمل أن لا يجوز إلا بإذنها؛ لأنها زوجة تملك المطالبة بالوطء في الفيئة والفسخ عند تعذره بالعنة وترك العزل من تمامه.
فلم يجز إلا بإذنها؛ كالحرة.
والمراد بقول المصنف هنا: ولا عن الأمة: الأمة المعقود عليها لا الأمة المملوكة للواطئ؛ لأنه قال في المغني: ويجوز العزل عن أمته بغير إذنها.
نص
الجزء: 3 - الصفحة: 721
عليه؛ لأنها لا حق لها في الوطء ولا في الولد ولذلك لم تملك المطالبة بالقسم ولا الفيئة.
فلأن لا تملك المنع من العزل بطريق الأولى.
قال: (وله إجبارها على الغسل من الحيض والجنابة والنجاسة واجتناب المحرمات، وأخذ الشعر الذي تعافه النفس؛ إلا الذمية فله إجبارها على غسل الحيض، وفي سائر الأشياء روايتان).
أما كون الزوج له إجبار زوجته المسلمة على جميع ما تقدم ذكره؛ فلأنه دائر بين واجب عليها وبين شيء يقف كمال الاستمتاع عليه.
وأما كونه له إجبار زوجته الذمية على غسل الحيض؛ فلأن حل الوطء موقوف عليه.
وأما كونه له إجبارها على سائر الأشياء في روايةٍ؛ فلأن كمال الاستمتاع يقف عليه.
إذ النفس تعاف وطء من عليها غسل، أو شربت مسكراً، أو لها شعر.
وأما كونه ليس له إجبارها على ذلك في روايةٍ؛ فلأن غسل الجنابة والنجاسة واجتناب المحارم عندنا غير واجب عليها وإزالة الشعر غير مشروع عندها.
وقال المصنف في المغني: شعر العانة إذا خرج عن العادة فله إجبارها على إزالته رواية واحدة.
الجزء: 3 - الصفحة: 722
فصل [في حقوق الزوجة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولها عليه: أن يبيت عندها ليلة من كل أربع ليال.
وإن كانت أمة فمن كل ثمان ليال.
وقال أصحابنا: من كل سبع.
وله الانفراد بنفسه فيما بقي).
أما كون الزوجة الحرة لها على زوجها أن يبيت عندها ليلة من كل أربع؛ «فلأن كعب بن سور كان جالسًا عند عمر بن الخطاب فجاءت امرأة.
فقالت: يا أمير المؤمنين! ما رأيتُ رجلاً قط أفضل من زوجي.
والله! إنه ليبيتُ ليله قائمًا ويظلُ نهارهُ صائمًا.
فاستغفرَ لها وأثنى عليها واستحيت المرأةُ وقامت راجعة.
فقال كعب: يا أمير المؤمنين! هلا أعديتَ المرأة على زوجها.
فقال: وما ذاك؟ فقال: إنها جاءت تشكوه.
إذا كانت هذه حاله في العبادة متى يتفرغ لها.
فبعث عمر إلى زوجها.
وقال لكعب: اقض بينهما.
فإنك فهمتَ من أمرهما ما لم أفهم.
قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن.
فأقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة.
فقال عمر: والله! ما رأيك الأول بأعجب إليَّ من الآخر.
اذهب فأنت قاضٍ على البصرة».
وفي روايةٍ: فقال عمر: «نعم القاضي أنت».
وهذه قضية اشتهرت ولم تنكر.
فكانت إجماعًا.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن عمرو 107 بن العاص: «إن لزوجك عليك حقًا» 108.
الجزء: 3 - الصفحة: 723
ولأنه لو لم يكن لها عليه حق لكان له تخصيص إحدى زوجتيه؛ كالزيادة في النفقة على قدر الواجب.
وإذا ثبت وجوب الحق في الجملة وجب تقديره بما ذكر؛ لحكم كعب بن سور وتصويب عمر له.
وأما كون الزوجة الأمة لها على زوجها أن يبيت عندها ليلة من كل ثمان عند المصنف؛ فلأن الأمة على النصف من الحرة.
وأما كون ذلك من كل سبع عند أصحابنا؛ فلأن أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاث حرائر فتبقى السابعة لها.
فإن قيل: من أين لك أن الليلة من الثمان اختيار المصنف؟
قيل: لأن في قوله: وقال أصحابنا إشعاراً بذلك.
وصرح به في المغني فقال بعد أن حكى أن لها ليلة من سبع: والذي يقوى عندي أن لها ليلة من ثمان لتكون على النصف مما للحرة.
فإن حق الحرة من كل ثمان ليلتان ليس لها أكثر من ذلك.
فلو كان للأمة ليلة من سبع لزاد على النصف ولم يكن للحرة ليلتان وللأمة ليلة.
ولأنه إذا كان تحته ثلاث حرائر وأمة.
فلم يرد أن يزيد لهن على الواجب فقسم بينهن سبعاً فماذا يصنع في الليلة الثامنة؟ إن أوجبنا عليه مبيتها عند الحرة فقد أوجبنا عليه زيادة على الواجب، وإن باتها عند الأمة جعلها كالحرة ولا سبيل إليه.
وعلى ما اخترته تكون هذه الليلة الثامنة له، إن أحب انفرد بها فيها وإن أحب بات عند الأولى مستأنفاً للقسم.
وأما كونه له الانفراد بنفسه فيما بقي؛ فلما تقدم من حديث كعب بن سور.
قال: (وعليه وطؤها في كل أربعة أشهر مرة إن لم يكن عذر.
وإن سافر عنها أكثر من ستة أشهر فطلبت قدومه لزمه ذلك إن لم يكن عذر.
فإن أبى شيئاً من ذلك ولم يكن عذر فطلبت الفرقة فرّق بينهما.
وعنه: ما يدل أن الوطء غير واجب فيكون هذا كله غير واجب).
أما كون الزوج عليه وطء زوجته في كل أربعة أشهر مرة إن لم يكن عذر على المذهب؛ فلأنه لو لم يكن واجباً لم يصر باليمين على تركه واجباً؛ كسائر ما لا يجب.
الجزء: 3 - الصفحة: 724
ولأن النكاح شرع لمصلحة الزوجين ودفع الضرر عنهما، وهو مفضٍ إلى دفع ضرر الشهوة عن المرأة كإفضائه إلى دفع ذلك عن الرجل.
فيجب تعليله بذلك ويكون النكاح حقاً لهما.
ولأنه لو لم يكن لها فيه حق لما وجب استئذانها في العزل؛ كالأمة المملوكة له.
وإنما اشترط عليه كون المدة أربعة أشهر؛ لأن الله تعالى قدر في حق المولي ذلك.
ولو وجب الوطء في أقل من ذلك لوجب على المولي في تلك المدة.
وإنما اشترط أن لا يكون عذر كمرض ونحوه لأن صاحب العذر معذور.
فلم يجب عليه من أجل عذره.
وأما كونه يلزمه القدوم إذا سافر عنها أكثر من ستة أشهر فطلبت ذلك ولم يكن عذر؛ فلما روى زيد بن أسلم قال: «بينما عمر بن الخطاب يحرس المدينة فمر بامرأة في بيتها وهي تقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وطال عليّ أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا خشية الله وحده ... لحرك من هذا السرير جوانبه
فسأل عنها عمر.
فقيل له: فلانة.
زوجها غائب في سبيل الله.
فأرسل إليها امرأة تكون معها وبعث إلى زوجها فأقفله.
ثم دخل على حفصة فقال: يا بنية! كم تصبر المرأة على زوجها؟ فقالت: سبحان الله! مثلك يسأل مثلي عن هذا.
فقال: لولا أني أريد النظر للمسلمين ما سألتك.
فقالت: خمسة أشهر أو 109 ستة أشهر.
فوقّت للناس في مغازيهم ستة أشهر: يسيرون شهراً، ويقيمون أربعة أشهر، ويسيرون شهراً راجعين».
وفي قول المصنف: إن لم يكن عذر تنبيه على أن السفر إذا زاد على ستة أشهر وكان لعذرٍ لم يلزمه القدوم؛ لأن صاحب العذر يعذر من أجل عذره.
الجزء: 3 - الصفحة: 725
وأما كونه يفرّق بينهما إذا أبى الزوج شيئاً ولم يكن عذر فطلبت الفرقة؛ فلأنها تعذر عليها ما وجب لها مولياً.
فملك الفرقة به؛ كما لو كان زوجها مولياً فطلبت منه الوطء فأبى.
وأما كون الوطء غير واجب عليه على روايةٍ؛ فلأنه حق له فلا يكون واجباً عليه كسائر حقوقه.
وأما قول المصنف: فيكون هذا كله غير واجب: فالمراد به أنه إذا قيل الوطء لا لا يجب: لا يجب عليه القدوم من السفر وإن طال، ولا يفسخ النكاح بعدم قدومه؛ لأن جميع ذلك من موانع وجوب الوطء وقد انتفى.
قال: (ويستحب أن يقول عند الجماع: "بسم الله.
اللهم! جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني".
ولا يكثر الكلام حال الوطء.
ولا ينزع إذا فرغ قبلها حتى تفرغ).
أما كون الزوج يستحب له أن يقول عند الجماع: بسم الله.
اللهم! جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني؛ فلما روى ابن عباس قال: «لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: [بسم الله].
اللهم! جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فولد بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا» 110 متفق عليه.
وقال عطاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ [النساء: 223]: هي التسمية عند الجماع.
وأما كون المجامع لا يكثر الكلام حال الوطء؛ فلما روى قبيصة بن ذؤيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء فإن منه يكون الخرس والفأفاء» 111. رواه أبو حفص العكبري.
والمراد بقوله: ولا يكثر: الكراهة.
صرح به في المغني، وعلله بما تقدم، وبأنه يكره الكلام حالة البول، وحالةُ الجماع في معناه وأولى بذلك منه.
الجزء: 3 - الصفحة: 726
وأما كونه لا ينزع إذا فرغ قبلها حتى تفرغ؛ فلما روى أنس بن مالك قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جامع الرجل أهله فليقصدها.
فإذا قضى حاجته فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها» 112 رواه أبو حفص العكبري.
ولأن في ذلك ضررًا ومنعًا لها من قضاء شهوتها.
والمراد أيضاً بقوله: ولا ينزع ... إلى آخره: أنه يكره له النزع قبل فراغها.
ذكره المصنف رحمه الله تعالى في المغني.
قال: (وله الجمع بين وطء نسائه وإمائه بغسلٍ واحد.
ويستحب الوضوء عند معاودة الوطء).
أما كون الزوج له الجمع بين وطء نسائه وإمائه بغسلٍ واحدٍ؛ فلما روى أنس قال: «سكبتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم غُسلاً واحدًا في ليلةٍ واحدة» 113 رواه أبو حفص العكبري.
ولأن حدث الجنابة لا يمنع الوطء.
بدليل إتمام الجماع.
وأما كون الوضوء عند معاودة الوطء يستحب؛ فلما روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جامعَ الرجلُ أول الليل ثم أرادَ أن يعودَ فليتوضأ» 114 رواه مسلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 727
قال: (ولا يجوز له الجمع بين زوجتيه 115 في مسكنٍ واحدٍ إلا برضاهما.
ولا يجامع إحداهما بحيث تراه الأخرى أو غيرها.
ولا يحدّثها بما جرى بينهما).
أما كون الزوج لا يجوز له الجمع بين زوجتيه في مسكنٍ واحدٍ بغير رضاهما؛ فلأن في الجمع ضرراً بهما لما بينهما من العداوة والغَيْرة، والجمع يثير المخاصمة والمقاتلة.
وأما كونه له ذلك برضاهما؛ فلأن الحق لهما فإذا رضيتا بإسقاطه سقط.
وأما كونه لا يجوز له أن يجامع إحداهما بحيث تراه الأخرى؛ فلما ذكر قبل.
فإن قيل: هل يجوز ذلك مع الإذن كالجمع في المسكن الواحد؟
قيل: لا.
وكلام المصنف هنا مشعر به؛ لأنه استثنى ذلك في السكنى دون المجامعة.
وصرح به في المغني فقال: إن رضيتا بأن يجامع واحدة واحدة بحيث تراه الأخرى لم يجز؛ لأن فيه دناءة وسخفاً وسقوط مروءة.
وأما كونه لا يجوز له ذلك بحيث تراه غير الضرة؛ فلأن فيه ما ذكر من الدناءة والسخف وسقوط المروءة، وربما كان وسيلة إلى وقوع الرائية في الفاحشة؛ لأنها قد تثور شهوتها بذلك فيؤدي إلى المحذور المذكور.
وأما كونه لا يحدّث الضرة بما جرى بينهما؛ فلأن ذلك سبب لإثارة الغيرة وبغض إحداهما الأخرى.
قال: (وله منعها من الخروج عن منزله.
فإن مرض بعض محارمها أو مات استحب له أن يأذن لها في الخروج إليه).
أما كون الزوج له منع زوجته من الخروج عن منزله؛ فلما روى أنس «أن رجلاً سافرَ ومنع زوجته من الخروج عن منزله.
فمرضَ أبوها.
فاستأذنتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادةِ أبيها.
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقي الله ولا تخالفي زوجك.
فأوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم: قد غفرتُ لها بطاعةِ زوجها».
رواه ابن بطة.
ولأن طاعة الزوج واجبة والعيادة وشبهها غير واجبة.
فلم يجز ترك الواجب لغير الواجب.
الجزء: 3 - الصفحة: 728
وأما كونه يستحب له أن يأذن لها في ذلك إذا مرض بعض محارمها أو مات؛ فلأن ذلك وسيلة إلى صلة الرحم.
ولأن في منعها القطيعة والحمل على مخالفة والديها إن كانا هما الممنوع من الخروج إليهما.
قال: (ولا تملك المرأة إجارة نفسها للرضاع والخدمة بغير إذن زوجها.
وله أن يمنعها من رضاع ولدها إلا أن يضطر إليها ويخشى عليه).
أما كون المرأة لا تملك إجارة نفسها لما تقدم ذكره بغير إذن زوجها؛ فلأن الزوج يملك الاستمتاع بها، وكونها تملك ذلك يؤدي إلى فوات حقه.
فلم تملكه؛ كما لا تملك منعه من الوطء.
وأما كون الزوج له أن يمنعها من رضاع ولدها إذا لم يضطر إليها ويخشى على الولد؛ فلأن إرضاع ولدها ليس بواجب عليها، وحق الزوج واجب عليها.
فجاز أن يمنع الواجب ما ليس بواجب.
وأما كونه ليس له ذلك إذا اضطر إليها وخشي على الولد؛ فلأنه حينئذ يتعين عليها إرضاعه ويترجح على حق الزوج.
فإنه إحياء نفس وذلك راجح للمصلحة في نظر الشارع.
وليس الاضطرار المذكور مختصاً بالولد بل لو فرض في غير الولد أنه لم توجد مرضعة سواها تعين عليها إرضاعه تقدماً على حق الزوج لما فيه من الإحياء المذكور.
الجزء: 3 - الصفحة: 729
فصل في القسم
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعلى الرجل أن يساويَ بين نسائه في القَسْم.
وعماد القسم الليل؛ إلا لمن معيشته بالليل كالحارس).
أما كون الرجل عليه أن يساوي بين نسائه في القَسْم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: 19].
وليس مع الميل معروف.
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» 116.
وعن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل.
ثم يقول: اللهم! هذا قسَمي فيما أملك فلا تلُمني فيما لا أملك» 117 رواهما أبو داود.
وأما كون عماد القسم الليل لغير من معيشته بالليل كالحارس؛ فلأن الليل للسكن والإيواء يأوي فيه الآدمي إلى منزله وينام في فراشه مع زوجته عادة.
والنهار للمعاش والكسب والاشتغال.
قال الله تعالى: ﴿وجعل الليل سكنا﴾ [الأنعام: 96]، وقال تعالى: ﴿وجعلنا الليل لباسًا? وجعلنا النهار معاشًا﴾ [النبأ: 10 - 11]، وقال: ﴿ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله﴾ [القصص: 73].
أي لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار.
الجزء: 3 - الصفحة: 730
وأما كون عماد قَسْم من معيشته بالليل كالحارس ونحوه النهار؛ فلأن الليل في حقهم كالنهار في حق غيرهم.
قال: (وليس له البداءة بإحداهن ولا السفر بها إلا بقرعة.
فإذا بات عندها بقرعة أو غيرها لزمه المبيت عند الثانية).
أما كون الزوج ليس له البداءة بإحدى زوجاته ولا السفر بها بغير قرعة؛ فلأن فعل ذلك تفضيل لها والتسوية واجبة.
ولأنهن متساويات في الحق فوجب المصير إلى القرعة؛ لأنها المرجحة.
وفي الحديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد السفرَ ببعض نسائه أقرعَ بينهن» 118. ولو جاز ذلك بغير قرعة لفعله ولو مرة تبييناً للجواز.
وأما كونه يلزمه المبيت عند الثانية إذا بات عند غيرها بقرعة أو غيرها؛ فلأنه يجب عليه التسوية في القَسْم لما تقدم.
وقد حصل لغيرها مبيت ليلة فوجب المبيت عند الثانية لتحصل التسوية الواجبة.
قال: (وليس عليه التسوية بينهن في الوطء بل يستحب).
أما كون الزوج ليس عليه التسوية بين الزوجات في الوطء؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ [النساء: 129]. قال أبو عبيدة السلماني: في الحب والجماع.
ولأن الجماع طريقه الشهوة والميل ولا سبيل إلى التسوية في ذلك.
وأما كونه يستحب له التسوية إن أمكن؛ فلأنه أبلغ في العدل.
ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يسوي بين نسائه حتى في القُبَلْ».
وحكم الاستمتاع دون الفرج حكم الوطء؛ لأنه إذا لم يجب التسوية في الجماع ففي دواعيه أولى.
الجزء: 3 - الصفحة: 731
قال: (ويَقسم لزوجته الأمة ليلة والحرة ليلتين وإن كانت كتابية.
ويَقسم للحائض والنفساء والمريضة والمعيبة).
أما كون الرجل يقسم لزوجته الأمة ليلة والحرة ليلتين؛ فلما روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: «إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين» 119. رواه الدارقطني.
ولأن الحرة يجب تسليمها ليلاً ونهارًا.
فكان حظها أكثر في الإيواء.
وأما قول المصنف: وإن كانت كتابية فتنبيه على أن الحرة الكتابية في القسم كالحرة المسلمة.
وصرح به في المغني فقال: والمسلمة والكتابية سواء في القسم.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء.
ولأن القسم من حقوق الزوجية.
فاستوت فيه المسلمة والكتابية؛ كالنفقة والسكنى.
فإن قيل: فما الفرق بين الحرة والأمة؟
قيل: الأمة لا يتم تسليمها ولا يحصل لها الإيواء التام.
بخلاف الحرة.
وأما كونه يقسم للحائض والنفساء والمريضة والمعيبة؛ فلأن القصد الإيواء والسكن والأنس وحاجتهن داعية إلى ذلك.
قال: (فإن دخل في ليلتها إلى غيرها لم يجز إلا لحاجة داعية.
فإن لم يلبث عندها لم يقض.
وإن لبث أو جامع لزمه أن يقضي لها 120 مثل ذلك من حق الأخرى).
أما كون الزوج لا يجوز له الدخول إلى غير من الليلة لها إذا لم تكن حاجة داعية؛ فلأنه ترك الواجب عليه لا لحاجة.
وأما كونه يجوز له لحاجة داعية مثل: أن تكون ضرتها منزولاً بها فيريد أن يحضرها أو توصي إليه أو نحو ذلك مما لا بد منه عرفاً؛ فلأن ذلك حالة ضرورة وحاجة فأبيح به ترك الواجب إلى قضائه في وقت آخر.
الجزء: 3 - الصفحة: 732
وقول المصنف رحمه الله تعالى: في ليلتها: مشعرٌ بأنه له فعل ذلك في نهارها الذي هو تبع لليلة وإن لم تكن الحاجة داعية.
وصرح به في المغني فقال: يجوز الدخول في النهار إلى المرأة في يوم غيرها لحاجة من دفع نفقة أو عيادة أو سؤال عن أمر يحتاج إلى معرفته أو زيارتها لبعد عهدهما ونحو ذلك؛ لما روت عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليَّ في يوم غيري فينال مني كل شيء إلا الجماع» 121.
وأما كونه لا يقضي إذا لم يلبث عندها؛ فلأنه لا فائدة فيه لقلته.
وأما كونه يلزمه أن يقضي لها مثل ذلك من حق الأخرى إذا لبث أو جامع؛ فلأن التسوية واجبة ولا يحصل إلا بذلك.
ولا فرق في القضاء المذكور وعدمه بين ما إذا كان ممنوعاً من الدخول؛ مثل: أن يدخل لغير حاجة، أو غير ممنوع؛ مثل: أن يدخل لحاجة؛ لأنه زمن مستحق للغير أو زمن لا يقضى لقلته.
فاستوى فيه صاحب الحاجة وغيره.
قال: (وإن أراد النقلة من بلدٍ إلى بلدٍ وأخذ إحداهن معه والأخرى مع غيره لم يجز إلا بقرعة.
ومتى سافر بها بقرعة لم يقض.
وإن كان بغير قرعة لزمه القضاء للأخرى).
أما كون الرجل لا يجوز له أخذ إحدى نسائه معه والأخرى مع غيره إذا أراد النقلة من بلدٍ إلى بلدٍ بغير قرعة؛ فلأن فعل ذلك ميل.
فلم يجز لما تقدم.
بخلاف فعله بقرعة.
وأما كونه لا يقضي إذا سافر بها بقرعة؛ فلأن عائشة ذكرت السفر بالقرعة ولم تذكر القضاء.
الجزء: 3 - الصفحة: 733
ولأن التي تسافر معه يلحقها من مشقة السفر بإزاء ما يحصل لها من السكن، ولا يحصل لها من السكن مثل ما يحصل في الحضر.
فلو قضى للحاضرات لكان قد مال على المسافرة.
وأما كونه يلزمه القضاء للأخرى إذا كان بغير قرعة؛ فلأنه خص بعضهن بمدة على وجهٍ تلحقه التهمة فيه.
فيلزمه القضاء؛ كما لو كان حاضراً.
فإن قيل: قد تقدم أنه لو قضى للحاضرة لأدى إلى الميل؛ لأن المسافرة لا يحصل لها من السكن مثل ما يحصل للحاضرة.
قيل: هو كذلك؛ إلا أنه لا يمكن إسقاط القضاء بالكلية لما فيه أيضاً من الميل.
ومن أن ذلك يصير وسيلة إلى المسافرة بمن يريد.
وإذا تعارض القضاء وعدمه وجب القضاء لكن على مثل ما أقام مع المسافرة؛ لأنه أقرب القولين إلى عدم الميل.
فعلى هذا لا يلزمه قضاء مدة السير لأنها لم يحصل لها من ذلك إلا التعب والمشقة.
ولأنه لو جعل للحاضرة في مقابلته مبيتاً عندها واستمتاعاً بها لمال كل الميل.
قال: (وإن امتنعت من السفر معه، أو من المبيت عنده، أو سافرت بغير إذنه: سقط حقها من القسم.
وإن أشخصها هو فهي على حقها من ذلك.
وإن سافرت لحاجتها بإذنه فعلى وجهين).
أما كون حق الزوجة من القسم يسقط إذا امتنعت مما ذكر أو سافرت بغير إذنه؛ فلأن القسم للأُنس وقد تعذر بسببٍ من جهتها.
فيسقط؛ كما لو تعذر ذلك قبل دخوله بها.
وأما كونها على حقها من ذلك إذا أشخصها هو؛ فلأنه ما فات بسبب من جهتها وإنما فات بتفويته.
فلم يسقط حقها؛ كما لو أتلف المشتري المبيع فإنه لا يسقط حق البائع بتسليم ثمنه إليه.
فإن قيل: ما معنى أشخصها؟
قيل: أن يبعثها لحاجة أو يأمرها بالنقلة من بلدها.
ذكره المصنف رحمه الله تعالى في المغني.
الجزء: 3 - الصفحة: 734
وأما كون حقها يسقط إذا سافرت لحاجتها بإذن الزوج على وجهٍ؛ فلأن الاستيفاء تعذر بسبب من جهتها.
أشبه ما لو سافرت بغير إذنه.
وأما كونه لا يسقط على وجهٍ؛ فلأن سفرها بإذنه.
أشبه ما لو سافرت معه.
فإن قيل: ما المراد بسفرها لحاجتها؟
قيل: أن تسافر لتجارة لها أو زيارة أو حج تطوع أو عمرة أو نحو ذلك.
فإن قيل: ما الصحيح من الوجهين المذكورين؟
قيل: ظاهر كلام صاحب المغني فيه ترجيح السقوط؛ لأنه علله بنحو ما تقدم.
وفرّق بين سفرها لحاجته بإذنه وبين سفرها معه بأن القسم لم يتعذر بسفرها معه.
بخلاف سفرها بإذنه.
قال: (وللمرأة أن تهب حقها من القَسْم لبعض ضرائرها بإذنه وله فيجعله لمن شاء منهن.
فمتى رجعت في الهبة عاد حقها).
أما كون المرأة لها أن تهب حقها لبعض ضرائرها بإذن الزوج؛ فـ «لأن سَوْدة وهبت يومها لعائشة.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة» 122.
وعن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على صفية في شيء.
فقالت صفية لعائشة: هل لك أن تُرضي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولك يومي؟ قالت: فقعدت إلى جنب رسول الله.
قال: إليك يا عائشة! إنه ليس يومك.
قلت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأخبرته بالأمر.
فرضي عنها» 123 رواه ابن ماجة.
واشترط المصنف رحمه الله تعالى في الهبة المذكورة إذن الزوج؛ لأن حقه على الواهبة فلا ينتقل إلى غيرها إلا برضاه.
وأما كونها لها أن تهب ذلك للزوج؛ فلأن الحق لها فلمن نقلته انتقل إليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 735
وأما كون الزوج له الخيرة في جعله لمن شاء؛ فلأنه قام مقام الواهبة.
فكما كان لها الخيرة في جعله فيمن تشاء.
فكذلك القائم مقامها.
وأما كون حق الواهبة يعود إذا رجعت في الهبة؛ فلأنها هبة لم تقبض.
والمراد بالعود المذكور: العود في المستقبل؛ لأن ذلك الذي لم يقبض: أما الماضي فليس لها الرجوع فيه؛ لأنها هبة اتصل بها القبض.
فعلى هذا إذا رجعت في أثناء ليلتها لزم الزوج الانتقال.
وإن لم يعلم حتى أتم الليلة لم يقض لها شيئاً؛ لأن التفريط منها.
قال: (ولا قَسْم عليه في ملك يمينه.
وله الاستمتاع بهن كيف شاء.
ويستحب التسوية بينهن، وأن لا يعضلهن إن لم يرد الاستمتاع بهن).
أما كون السيد لا قَسْم عليه في ملك يمينه؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: 3].
وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية وريحانة.
فلم يكن يقسم لهما.
ولأن الأمة لا حق لها في الاستمتاع.
ولذلك لا يثبت لها الخيار بكون السيد مجبوباً أو عنيناً، ولا يضرب لها مدة الإيلاء.
وأما كون التسوية بينهن تستحب؛ فلأنه أطيب لقلوبهن وأبعد من النفرة والبغضة.
وأما كون أن لا يعضلهن إن لم يرد الاستمتاع بهن يستحب؛ فلأن إعفافهن وصونهن عن احتمال الوقوع في المحظور مطلوب 124.
الجزء: 3 - الصفحة: 736
فصل [إذا تزوج بكرا]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا تزوج بكراً أقام عندها سبعاً ثم دار.
وإن كانت ثيباً أقام عندها ثلاثاً.
فإن أحبّت أن يقيم عندها سبعاً فعل وقضاهن للبواقي).
أما كون الزوج إذا تزوج بكراً يقيم عندها سبعاً ثم يدور على نسائه، وإذا تزوج ثيباً يقيم عندها ثلاثاً ثم يدور؛ فلما روى أبو قلابة عن أنس قال: «من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج ثيباً أقام عندها ثلاثًا ثم قسم» 125.
قال أبو قلابة: لو شئت لقلت أن أنسًا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
متفق عليه.
وأما كونه إذا أحبت الثيب أن يقيم عندها سبعاً فعل وقضاهن للبواقي؛ فلما روي عن أم سلمة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها أقام عندها ثلاثاً.
وقال: إنه ليس بكِ هوانٌ على أهلك.
إن شئتِ سبّعتُ لك، وإن سبّعتُ لكِ سبّعتُ لنسائي» 126. رواه مسلم.
وفي لفظ: «إن شئتِ ثلَّثتُ ثم دُرْتُ» 127.
الجزء: 3 - الصفحة: 737
قال: (وإن زُفّت إليه امرأتان قدم السابقة منهما، ثم أقام عند الأخرى، ثم دار.
فإن زُفّتا معاً قدم إحداهما بالقرعة، ثم أقام عند الأخرى).
أما كون الزوج يقدم السابقة فيما إذا زفّت إليه امرأتان إحداهما قبل الأخرى؛ فلأن حقها سبق.
وأما كونه يقيم بعد فعل الواجب عليه للأولى عند الأخرى؛ فلأن حقها واجب عليه لما تقدم.
تُرك العمل به في مدة الأولى؛ لأنه عارضه ورجح عليه.
فإذا زال المعارض وجب العمل بالمقتضي لحق الأخرى السالم عن المعارض.
وأما كونه يدور بعد ذلك؛ فليأتي بالواجب عليه من حق الدَّوْر.
وأما كون تقديم إحداهما بالقرعة إذا زُفّتا معاً؛ فلأنهما استويا في سبب الاستحقاق، والقرعة مرجحة عند التساوي.
وأما كونه يقيم عند الأخرى بعد فعل ما عليه للأخرى؛ فلما تقدم.
قال: (وإن أراد السفر فخرجت القرعة لإحداهما سافر بها ودخل حق العقد في قسم السفر، وإذا قدم بدأ بالأخرى فوفاها حق العقد).
أما كون الزوج يسافر بمن خرجت لها القرعة؛ فلأن حقها ترجح بالقرعة.
وأما كون حق العقد يدخل في قسم السفر؛ فلأنه نوع قسم يختص بها.
وأما كونه يبدأ بالأخرى فيوفيها حق العقد؛ فلأنه حق وجب لها قبل سفره لم يؤده إليها.
فلزمه قضاؤه؛ كما لو لم يسافر بالأخرى معه.
وقال المصنف في المغني: فيه وجهان:
أحدهما: يقضي لها ذلك؛ لما ذكر.
والثاني: لا يقضيه لها؛ لئلا يكون تفضيلاً لها على التي سافر بها.
ثم قال: ويحتمل أن يستأنف قضاء العقد لكل واحدةٍ منهما ولا يحتسب على المسافرة بمدة سفرها؛ كما لا يحتسب به عليها فيما عدا حق العقد.
ثم قال: وهذا أقرب إلى الصواب من إسقاط حق العقد الواجب بالشرع بغير مسقط.
الجزء: 3 - الصفحة: 738
قال: (وإذا طلق إحدى نسائه في ليلتها أثم فإن تزوجها بعد ذلك قضى لها ليلتها).
أما كون الزوج يأثم إذا طلق إحدى نسائه في ليلتها؛ فلأنه يوصل إلى منعها حقها.
وأما كونه إذا تزوجها بعد ذلك يقضي لها ليلتها؛ فلأنه أمكنه أداء ما عليه من الحق بعد العجز.
فلزمه ذلك؛ كما لو كان عليه دَيْن فأعسر ثم قدر عليه.
قال: (وله أن يخرج في نهار ليل القسم لمعاشه وقضاء حقوق الناس).
أما كون الزوج له الخروج في نهار ليل القسم لمعاشه وقضاء حقوق الناس؛ فلأنه لا قسم عليه في النهار.
وقد تقدم ذلك في قول المصنف رحمه الله تعالى: وعماد القسم الليل 128.
وأما كون المصنف قيد ذلك بالنهار فليشعر بأن الزوج ليس له ذلك في الليل.
وقال رحمه الله تعالى في المغني: فإن خرج في النهار أو أول الليل أو آخره الذي جرت العادة بالانتشار فيه والخروج إلى الصلوات جاز؛ لأن المسلمين يخرجون لصلاة العشاء وصلاة الفجر قبل طلوعه.
فعلى هذا يحمل التقييد المذكور على نفي ما عداه بما ذكره في المغني؛ لأنه صريح.
وذلك راجح على المفهوم.
الجزء: 3 - الصفحة: 739
فصل في النشوز
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهو معصيتها إياه فيما يجب عليها.
وإذا ظهر منها أمارات النشوز بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع أو تجيبه متبرمة متكرهة: وَعَظَهَا.
فإن أصرّت هَجَرَها في المضجع ما شاء.
وفي الكلام فيما دون ثلاثة أيام.
فإن أصرّت فله أن يضربها ضرباً غير مُبَرِّح).
أما قول المصنف: وهو معصيتها إياه فيما يجب عليها فبيان لمعنى نشوز المرأة.
وهو: مأخوذ من النَّشَز.
وهو الارتفاع.
فكأنه لما عصته فيما يجب عليها قد ارتفعت عما فرض الله عليها من طاعته.
وأما كون الزوج يَعِظُها إذا ظهر منها أمارات النشوز؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعِظُوُهن﴾ [النساء: 34].
وأما كونه يهجرها في المضجع قبل الضرب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ [النساء: 34].
وعن ابن عباس: «لا تُضاجعها في فراشك».
وأما كون الهجر المذكور ما شاء؛ فلأن القرآن مطلق.
فلا يقيد بغير دليل.
وأما كونه يهجرها في الكلام فيما دون ثلاثة أيام؛ فلأنه ليس بمنهي عنه.
ولأن فيه زجراً لها عن العصيان.
وتقييد المصنف الكلام بما دون ثلاثة أيام: مشعرٌ بأنه لا يجوز فيما زاد على ذلك.
وهو صحيح فيما فوق الثلاثة؛ لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» 129.
وأما كونه إذا أصرّت له أن يضربها ضرباً غير مبرح؛ فلأن الله قال: ﴿واضربوهن﴾ [النساء: 34].
الجزء: 3 - الصفحة: 740
فإن قيل: الآية دلت على الضرب عند خوف النشوز ولم يشترط الإصرار على النشوز وعلى الضرب من غير تقييد.
فلم قيد بغير المبرح؟
قيل: الجواب عن الأول أن الآية فيها إضمار تقديره: "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع فإن أصررن فاضربوهن"؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: 33].
والذي يدل على هذا أنه رتب هذه العقوبات على خوف النشوز ولا خلاف في أنه لا يضربها لخوف النشوز قبل إظهاره.
والجواب عن الثاني: أن إصرارها على منع حق زوجها ليس أبلغ من فعلها الفاحشة.
وقد اشترط في ضربها على ذلك أن لا يكون مبرحاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكم عليهن أن لا يُوطئنَ فرشكُم أحداً تكرهونه.
فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح» 130 رواه مسلم.
ومعنى غير مبرح: غير شديد.
الجزء: 3 - الصفحة: 741
قال: (فإن ادعى كل واحد ظلم صاحبه له 131 أسكنهما الحاكم إلى جانب ثقة يشرف عليهما، ويلزمهما الإنصاف.
فإن خرجا إلى الشقاق والعداوة بعث الحاكم حكمين حرين مسلمين عدلين، والأولى أن يكونا من أهلهما برضاهما وتوكيلهما فيكشفان عن حالهما ويفعلان ما يريانه من جَمْع بينهما، أو تفريقٍ بطلاق، أو خلع.
فإن امتنعا من التوكيل لم يجبرا.
وعنه: أن الزوج إن وكل في الطلاق بعوض أو غيره، ووكلت المرأة في بذل العوض برضاهما، وإلا جعل الحاكم إليهما ذلك.
وإن غاب الزوجان أو أحدهما لم ينقطع نظرهما على الأولى ولم ينقطع على الثانية).
أما كون الحاكم يسكن الزوجين إلى جانب ثقة يشرف عليهما ويلزمهما الإنصاف إذا ادعى كل واحدٍ ظلم صاحبه له؛ فلأن ذلك وسيلة إلى كفهما عن التعدي، وذلك مطلوب شرعاً.
وأما كونه يبعث حكمين إذا خرجا إلى الشقاق؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها﴾ [النساء: 35].
وأما كون الحكمين حرين؛ فلأن العبودية نقص.
وقال صاحب المغني فيه: الأولى أن يقال: إن كانا وكيلين لم تعتبر الحرية؛ لأن توكيل العبد جائز، وإن كانا حكمين اعتبرت؛ لأن الحاكم لا يجوز أن يكون عبداً.
وأما كونهما مسلمين عدلين؛ فلأنهما إن كانا حكمين كان اشتراط ذلك ظاهراً؛ لكون الحاكم لا يجوز أن يكون إلا مسلماً عدلاً.
وإن كانا وكيلين؛ فلأن الوكالة إذا تعلقت بنظر الحاكم لم يجز أن يكون الوكيل إلا مسلماً عدلاً؛ كما لو نصب وكيلاً لصبي أو سفيه.
وأما قول المصنف: والأولى أن يكونا من أهلهما برضاهما وتوكيلهما: فمشعرٌ بأمور:
أحدها: أن كون الحكمين من أهلهما راجح في نظر الشرع ولا شبهة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها﴾ [النساء: 35].
الجزء: 3 - الصفحة: 742
ولأنهما إذا كانا من أهلهما كانا أعلم بحالهما وأشفق عليهما.
وثانيهما: أنه يجوز أن يكونا من غير أهلهما؛ لأن الأهلية ليست شرطاً في الحكم.
ولأن في الوكالة وهماً لا يخرجان عنهما.
وذلك يوجب حمل الأمر في الآية على الرجحان لا على الراجح المانع من النقص.
وثالثها: أن كون الحكمين برضا الزوجين وتوكيلهما راجح في نظر الشرع أيضاً.
ولا شبهة فيه؛ لما فيه من الخروج من الخلاف الآتي ذكره.
ورابعها: أنه يجوز أن يكونا بغير رضا الزوجين ولا توكيلهما.
وأما كونهما يكشفان عن حالهما ويفعلان ما يريانه من جمع بينهما أو تفريق بطلاق أو خلع؛ فلأن الغرض من بعثهما إزالة ما بينهما من الشقاق والعداوة.
وما ذكر طريق إليه.
وفي حديث علي رضي الله عنه الآتي ذكره: «إن رأيتُما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما».
وأما كون الزوجين إذا امتنعا من التوكيل لم يجبرا؛ فلأنهما رشيدان والبضع حق للزوج والمال حق للزوجة.
فلم يجبرا على التوكيل فيهما كغيرهما من الحقوق.
وعدم إجبارهما مشعر بأن الحاكم ليس له أن يبعث حكمين بغير رضاهما.
وهو صحيح على المذهب؛ لأنه حق لهما.
فلم يجز لغيرهما التصرف إلا بالوكالة.
وأما كون الزوج إن وكل في الطلاق والمرأة في بذل العوض وإلا جعل الحاكم إليهما ذلك؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿فابعثوا﴾ [النساء: 35].
ولأن الله تعالى سماهما حكمين ثم قال: ﴿إن يريدا إصلاحاً﴾ [النساء: 35] خاطب الحكمين بذلك ولم يعتبر رضا الزوجين.
وعن أبي عبيدة السلماني «أن رجلاً وامرأة أتيا علياً رضي الله عنه مع كل واحدٍ منهما فئام من الناس.
فقال علي: ابعثوا حكمين حكماً من أهله، وحكماً من أهلها.
فبعثوا حكمين.
ثم قال علي للحكمين: هل تدريان ما عليكما من الحق؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما.
فقالت المرأة:
الجزء: 3 - الصفحة: 743
رضيت بكتاب الله عليّ ولي.
وقال الرجل: أما الفرقة فلا.
فقال علي: كذبت حتى ترضى بما رضيت به» 132. رواه أبو بكر بإسناده.
ويشترط في كونهما حكمين شرطان آخران لم يذكرهما هنا:
أحدهما: كونهما عالمين بالجمع والتفريق؛ لأنهما يتصرفان في ذلك.
فيعتبر علمهما به.
وثانيهما: كونهما ذكرين؛ لأن الحاكم لا يجوز إلا أن يكون ذكراً.
وأما كون الحكمين ينقطع نظرهما إذا غاب الزوجان أو أحدهما على الرواية الأولى ولا ينقطع على الثانية؛ فلأن الوكيل ينعزل بجنون موكله.
بخلاف الحاكم فإنه لا يمنع أن يحكم مع جنون المحكوم عليه.
وقال المصنف في المغني بعد ذكر الغيبة: وإن كان حاكماً لم يجز له الحكم؛ لأن من شرط ذلك بقاء الشقاق وحضور المتداعيين ولا يتحقق ذلك مع الجنون.
الجزء: 3 - الصفحة: 744