الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3كتاب الديات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الديات جمع دية.
والهاء في دية عوض من الواو.
تقول: وَدَيْتُ القتيل أدِيهِ دية.
ونحوه العِدَة في قولك: وَعَدَهُ يَعِدُهُ عِدَةً.
والأصل في وجوب الدية في الجملة الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ومن قَتل مؤمنًا خطئا فتحريرُ رقبةٍ مؤمنة وديةٌ مسلمة إلى أهله إلا أن يصّدقوا﴾ [النساء: 92].
وأما السنة؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم: «وأن في النفسِ المؤمنة مائة من الإبل» 1. وفي الباب غير ذلك يأتي ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وأما الإجماع فأجمع أهل الإسلام على وجوب الدية في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (كل من أتلف إنساناً أو جزءاً منه بمباشرة أو سبب فعليه ديته.
فإن كان عمداً محضاً فهي في مال الجاني حالّة، وإن كان شبه عمد أو خطأ أو ما أجري مجراه فعلى عاقلته).
أما كون كل من أتلف إنساناً بمباشرة عليه ديته؛ فلما تقدم من الآية والخبر.
وأما كون من أتلف جزءاً منه بمباشرة عليه ديته؛ فلأنه أتلفه بمباشرة فوجبت فيه ديته؛ كما تجب دية النفس إذا تلفت بالمباشرة.
وأما كون من أتلف ذلك بسبب عليه ديته؛ فلأن السبب مؤد إلى تلفه.
أشبه المباشرة.
ولأن السبب لو لم يترتب عليه وجوب الدية لاتخذه الناس وسيلة إلى الإتلاف، وفيه ضرر عظيم.
فينتفي بقوله عليه السلام: «لا ضَرَرَ ولا إضرَار» 2. وأما كون الدية فيما ذكر إذا كان الإتلاف عمداً محضاً في مال الجاني؛ فلأن القياس يقتضي وجوب الضمان على المتلِف؛ لأن التلف أثر فعله.
فيجب أن

الجزء: 4 - الصفحة: 97

يختص به، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجني جان إلا على نفسه» 3. تُرك العمل به في غير العمد المحض لأمر يختص به يأتي بيانه إن شاء الله تعالى فيبقى في العمد المحض على مقتضاه.
وأما كون الدية حالّة؛ فلأنها موجب عمد محض.
فوجب كونها حالّة؛ كالقصاص.
وأما كون الدية فيما ذكر إذا كان الإتلاف شبه عمد على العاقلة؛ فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «اقتتلتِ امرأتان من هُذيل فرمتْ إحداهُما الأخرى بحجرٍ فقتلتْها وما في بطنِها.
فقضَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بديةِ المرأةِ على عاقِلَتِها» 4. متفق عليه.
ولأن شبه العمد نوعُ قتل لا يوجب قصاصاً.
فأوجب الدية على العاقلة؛ كالخطأ.
وأما كون الدية فيما ذكر إذا كان خطأً على العاقلة؛ فلأنه قد ثبت في الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة» 5. قال ابن المنذر: أجمع على هذا -يعني على تحمل العاقلة دية الخطأ- كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
ولأن في إيجاب دية شبه العمد عليها تنبيهاً على إيجاب دية الخطأ عليها 6. فإن قيل: ما المعنى في تحمل العاقلة ذلك؟ قيل: لأن جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كبيرة فإيجابها على الجاني في ماله تجحف به.
فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل والإعانة له تخفيفاً عنه.

الجزء: 4 - الصفحة: 98

وأما كونها فيما أجري مجرى الخطأ على العاقلة؛ فلأن ما أجري مجرى الشيء يعطى حكمه والخطأ على العاقلة.
فكذلك 7 ما أُجري مجراه.
قال: (ولو ألقى على إنسان أفعى، أو ألقاه عليها فقتلته، أو طلب إنساناً بسيف مجرد فهرب منه فوقع في شيء تلف به.
بصيراً كان أو ضريراً، أو حفر بئراً في فنائه، أو وضع حجراً، أو صب ماء في طريق، أو بالت فيها دابته ويده عليها، أو رمى قشر بطيخ عليها فتلف به إنسان 8: وجبت عليه ديته).
أما كون من ألقى على إنسان أفعى أو ألقاه عليها فقتلته تجب عليه ديته؛ فلأنه عمد إلى قتله بما لا يقتل غالباً.
فوجب عليه ديته؛ كما لو غرزه بإبرة فمات.
وأما كون من طلبه بسيف مجرد -أي مشهور- فهرب منه فوقع في شيء فتلف تجب عليه ديته؛ فلأنه هلك بسبب عدوانه.
فوجب أن يضمنه؛ كما لو حفر له بئراً أو نصب له سكيناً أو سم طعامه ووضعه في منزله.
وأما كون ذلك كذلك بصيراً كان المتلف أو ضريراً؛ فلاستوائهما في السبب المهلك.
وأما كون من حفر بئراً في فنائه فتلفَ به إنسان تجب عليه ديته؛ فلأن ذلك مروي عن علي.
وقضى به شريح.
ولأنه تلف بعدوانه.
أشبه ما لو تلف بجنايته.
وقول المصنف رحمه الله: [في فنائه] 9؛ مشعر بأن الضمان لا يجب إذا حفرها في ملكه.
وهو صحيح لأنه إذا حفرها في ملكه لا يعد متعدياً.
وأما كون من فعل ذلك في الصور الباقية فتلف به إنسان تجب عليه ديته؛ فلأن التلف بسبب وضع الحجر وصب الماء وبول الدابة التي عليها يده ورمي القشر وكل ذلك منسوب إلى فاعله.
فوجب الدية عليه؛ كالمتسبب إلى القتل بغير ذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 99

قال: (وإن حفر بئراً ووضع آخر حجراً فعثر به إنسان فوقع في البئر فالضمان على واضع الحجر).
أما كون الضمان على واضع الحجر؛ فلأن الحجر كالدافع، وإذا اجتمع الدافع والحافر فالضمان على الدافع وحده.
وأما كون الحافر لا ضمان عليه؛ فلأن المباشر قطع تسببه.
قال: (وإن غصب صغيراً فنهشته حية أو أصابته 10 صاعقة ففيه الدية.
وإن مات بمرض فعلى وجهين).
أما كون الدية فيما إذا غصب صغيراً فنهشته حية أو أصابته صاعقة على غاصبه؛ فلأن فعل 11 غاصبه جاز أن يكون له أثر في تلفه بذلك.
فكان ضمانه على غاصبه؛ كما لو غصب مالاً فتلف بسبب غصبه.
وأما كونها فيما إذا غصبه 12 فمات بمرض على غاصبه على وجه؛ فلأنه تلف في يده.
أشبه ما لو أصابته صاعقة عنده.
وأما كونها ليست في ذلك عليه على وجه؛ فلأنه لا أثر للغاصب في ذلك.
أشبه ما لو كان كبيراً.
قال: (وإن اصطدم نفسان 13 فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر.
وإن كانا راكبين فماتت الدابتان فعلى كل واحد منهما قيمة دابة الآخر.
وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفاً فعلى السائر ضمان الواقف ودابته؛ إلا أن يكون في طريق ضيّق قاعداً أو واقفاً فلا ضمان فيه وعليه ضمان ما تلف به).
أما كون عاقلة كل واحد من النفسين المتصادمين عليها 14 دية الآخر إذا ماتا أي بذلك؛ فلأن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه، وذلك قتل خطأ.

الجزء: 4 - الصفحة: 100

فكانت دية كل واحد منهما على عاقلة الآخر؛ لما تقدم من أن العاقلة تحمل قتل الخطأ.
وأما كون كل واحد من الراكبين السائرين عليه قيمة دابة الآخر إذا ماتتا أي بذلك؛ فلأن تلف دابة كل واحد منهما حصل بصدمة الآخر.
فوجب ضمان الدابة على متلفها؛ كما لو أتلفها بغير المصادمة.
وأما كون السائر على عاقلته ضمان الواقف وعليه ضمان دابته إذا كان أحدهما يسير والآخر واقفاً ولم يكن في طريق ضيق؛ فلأنهما تلفا بصدمة السائر من غير تعد في الوقوف، وضمان النفس على العاقلة لأنه قتل خطأ وضمان المال على المتلف لأن العاقلة لا تحمل ذلك.
فإن قيل: كلام المصنف يقتضي أن يكون ضمان الكل على السائر فإنه قال: فعلى 15 السائر ضمان الواقف ودابته.
قيل: ليس الحكم كذلك صرح به صاحب النهاية وغيره.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن دم السائر هدر لأنه لم يوجبه على أحد بل جعل ضمان الواقف عليه لتعد به.
وهو صحيح صرح به صاحب النهاية فيها وغيره.
وأما كون القاعد أو الواقف في الطريق الضيق لا ضمان فيه؛ فلأن السائر لم يتعد عليه بل القاعد أو الواقف 16 هو المتعدي عليه، ولذلك يجب عليه ضمان ما أتلف من السائر وماله.
لكن يكون ضمان النفس على عاقلة القاعد أو الواقف، وضمان المال على المتلف لما تقدم.
ولا بد أن يلحظ أن الطريق الضيق غير مملوك للواقف أو القاعد لأنه إذا كان مملوكاً له 17 لم يكن متعدياً بوقوفه بل السائر هو المتعدي لسلوكه ملك غيره بغير إذنه.

الجزء: 4 - الصفحة: 101

قال: (وإن أركب 18 صبيين لا ولاية له عليهما فاصطدما فماتا فعلى عاقلته ديتهما).
أما كون دية الصبيين المذكورين على عاقلة من أركبهما؛ فلأن من أركبهما تعدى بإركابه من لا ولاية له عليه وتصادمهما وركوبهما وهما مما لا يعتبر فعلهما.
فوجب إضافة القتل إلى من أركبهما وهو خطأ فلزم كون ديتهما على عاقلة من أركبهما؛ كما لو قتل خطأ.
وأما كون ما ذكر يشترط فيه أن يكون الراكبان صبيين، وأن يكون من 19 أركبهما لا ولاية له عليهما؛ فلأنه لو أركب صبيين له عليهما ولاية لم يضمنهما هو ولا عاقلته لأنه إركاب مأذون فيه.
فلم يترتب عليه ما يترتب على المتعدي.
قال: (وإن رمى ثلاثة بمنجنيق فقتل الحجر إنساناً فعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته.
وإن قتل أحدهم ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يُلغى فعل نفسه وعلى عاقلة صاحبيه ثلثا الدية.
والثاني: عليهما كمال الدية.
والثالث: على عاقلته ثلث الدية لورثته وثلثاها على عاقلة الآخرين.
وإن كانوا أكثر من ثلاثة فالدية حالّة في أموالهم).
أما كون ثلث دية الإنسان المقتول بالحجر على عاقلة كل واحد ممن ذكر؛ فلأن قتله حصل بفعل الثلاثة.
فوجب تثليث الدية على العاقلة.
وأما كون أحدهم إذا قتله الحجر يلغي فعل نفسه في وجهٍ فقياس على المتصادمين وقد تقدم ذكره.
فعلى هذا يجب كمال الدية على عاقلة صاحبيه.
صرح بذلك المصنف رحمه الله في المغني ولم يرتب المصنف رحمه الله على إلغاء فعل نفسه كمال الدية بل رتب عليه وجوب ثلثي الدية على عاقلة صاحبيه.
[ولا أعلم له وجهاً بل وجه إيجاب

الجزء: 4 - الصفحة: 102

ثلثي الدية على عاقلة صاحبيه] 20 أن يجعل ما قابل فعل المقتول ساقطاً لا يضمنه أحد لأنه شارك في إتلاف نفسه.
فلم يضمن ما قابل فعله؛ كما لو شارك في قتل بهيمته أو عبده.
وهذا صرح به المصنف رحمه الله في المغني ونسبه إلى القاضي.
وأما كون كمال الدية على عاقلة صاحبيه في وجهٍ؛ فلما مر.
وأما كون ثلث دية المقتول على عاقلته لورثته، وثلثيها على عاقلة الآخرين في وجهٍ: أما الأول فمبني على أن من قتل نفسه خطأ تجب الدية على عاقلته لورثته.
وأما الثاني؛ فلأن العاقلة إذا تحملت ثلث الدية بقي ثلثاها على عاقلة الآخرين.
فإن قيل: ما الصحيح من الوجوه الثلاثة؟ قيل: قال أبو الخطاب: قياس المذهب الأول.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ما ذكر القاضي أحسن وأصح وقد روي عن علي نحوه في مسألة القارصة والقامصة والواقصة.
قال الشعبي: «وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن فارين فركبت إحداهن على عنق الأخرى.
وقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت عنقها فماتت.
فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه فقضى بالدية أثلاثًا على عواقلهن» 21. وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل نفسها وهذه شبيهة بمسألتنا.
ولأن المقتول مشارك في القتل.
فلم تكمل الدية على شريكيه؛ كما لو قتلوا واحداً من غيرهم.
هذا كله نص المصنف رحمه الله في المغني.
وأما كون الدية حالّة في أموالهم إذا كانوا أكثر من ثلاثة: أما كونها حالّة؛ فلأنها متى وجبت على القاتل كانت حالّة لما تقدم في باب العفو عن القصاص 22. وأما كونها في أموالهم؛ فلأن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث لما يأتي 23 إن شاء الله تعالى 24.

الجزء: 4 - الصفحة: 103

واعلم أن الدية على الرماة صحيح على الوجه الثاني والثالث: أما على الوجه الأول الذي قررته قبل فلا؛ لأن الرمي لو كان من أربعة وجعل فعل المقتول هدراً بقيت الدية على الثلاثة الباقية وكان على عاقلة كل واحد ثلث الدية فلا يلزم أن تحمل العاقلة ما دون الثلث.
قال: (وإن جنى إنسان على نفسه أو طرفه خطأ فلا دية له.
وعنه: على عاقلته ديته لورثته ودية طرفه لنفسه).
أما كون جناية الإنسان على نفسه أو طرفه خطأ لا دية له بها على المذهب؛ فـ «لأن عامر بن الأكوع بارزَ مرحباً يوم خيبر فرجعَ سيفه على نفسه فمات» 25. ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بدية ولا غيرها، ولو وجب لبينه صلى الله عليه وسلم.
ولأنه جنى على نفسه.
فلم يضمنه لغيره؛ كالعمد.
ولأن وجوب الدية على العاقلة إنما كان مواساة للجاني وتخفيفاً عنه وليس على الجاني هنا شيء يحتاج فيه إلى الإعانة والمواساة.
فلا وجه للإيجاب.
وأما كون دية جنايته على عاقلته على روايةٍ؛ فلما روي «أن رجلاً ساقَ حماراً ضربه بعصاً كانت معه.
فطارت منها شظية فأصابت عينه ففقأتها.
فجعل عمر رضي الله عنه ديته على عاقلته.
وقال: هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء على أحد».
ولم يعرف له مخالف في عصره.
ولأنها جناية خطأ.
فكان عقلها على العاقلة؛ كما لو قتل غيره.
فعلى هذه الرواية إن كانت الجناية قتلاً نظرت فإن كانت العاقلة غير الورثة وجبت دية النفس عليهم لورثة الجاني، وإن كانوا هم الورثة فلا شيء عليهم لأنه لا يجب على الإنسان شيء لنفسه وإن كانت الجناية على غير النفس وجبت الدية على العاقلة للجاني.

الجزء: 4 - الصفحة: 104

فإن قيل: ما الصحيح من ذلك؟ قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الرواية الأولى أصح.
وصرح به في المغني لأن عدم إيجاب النبي صلى الله عليه وسلم على عاقلة ابن الأكوع شيئاً يدل عليه لا سيما وقد اعتضد بأن العلة المقتضية للإيجاب على العاقلة منتفية.
وقال القاضي: أظهرهما -يعني أظهر الروايتين- الوجوب على العاقلة لقضاء عمر لا سيما ولم يعرف له مخالف 26 فيكون إجماعاً.
قال: (وإن نزل رجل بئراً فخر عليه آخر فمات الأول من سقطته فعلى عاقلته ديته.
وإن سقط ثالث فمات الثاني به فعلى عاقلته ديته.
وإن مات الأول من سقطتهما فديته على عاقلتهما).
أما كون دية الأول على عاقلة الثاني؛ فلأن الأول مات من سقوط الثاني فيكون هو قاتله.
فوجبت الدية على عاقلته؛ كما لو باشره بالقتل خطأ.
وأما كون دية الثاني على عاقلة الثالث؛ فلأن فعل الثالث بالثاني كفعل الثاني بالأول، وقد وجبت دية الأول على عاقلة الثاني فكذا تجب دية الثاني على عاقلة الثالث.
وأما كون دية الأول على عاقلتي الثاني والثالث إذا مات من سقطتهما؛ فلأن موت الأول حصل بفعلهما القاتل خطأ.
فوجب توزيع ديته على عاقلتهما.
قال: (فإن كان الأول جذب الثاني وجذب الثاني الثالث فلا شيء على الثالث وديته على الثاني في أحد الوجهين، وفي الثاني على الأول والثاني نصفين ودية الثاني على الأول).
أما كون الثالث لا شيء عليه؛ فلأن وقوعه حصل بجذب الثاني فلا أثر له في قتل أحد.
وأما كون ديته على الثاني في وجهٍ؛ فلأنه جذبه وباشره، والمباشرة تقطع حكم السبب؛ كالحافر مع الدافع.

الجزء: 4 - الصفحة: 105

وأما كونها على الأول والثاني نصفين في وجهٍ؛ فلأن الأول جذب الثاني الجاذب للثالث فصار مشاركاً للثاني في إتلاف الثالث.
وأما كون دية الثاني على الأول؛ فلأنه جذبه من غير مشارك له في ذلك.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الدية على من ذكر لا على عاقلتهم، وصرح في المغني أن دية الثالث على عاقلة الثاني أو على عاقلته وعاقلة الأول نصفين وأن دية الثاني على عاقلة الأول.
قيل: قال صاحب النهاية فيها بعد ذكره المسألة: هذا عمد خطأ.
وهل يجب في مال الجاني أو على العاقلة؟ فيه خلاف بين الأصحاب.
فلعل المصنف رحمه الله ذكر أحد الوجهين هنا والآخر في المغني.
قال: (وإن كان الأول هلك من وقعة الثالث احتمل أن يكون ضمانه على الثاني، واحتمل أن يكون نصفها على الثاني وفي نصفها الآخر وجهان).
أما كون ضمان الأول المذكور يحتمل أن يكون على الثاني؛ فلأن هلاكه حصل بجذبه وجذب الثاني وفعله ملغى كالمتصادمين فتعين إضافة التلف إلى الثاني.
وأما كون نصف الدية يحتمل أن تكون على الثاني؛ فلأن الهلاك حصل بفعله وفعل غيره.
وأما كون نصف الدية فيه وجهان؛ فلأنه متسبب عن 27 جنايته على نفسه وقد تقدم في جناية الإنسان على نفسه الروايتان المتقدم ذكرهما في موضعه.
قال: (وإن خر رجل في زبية أسد فجذب آخر وجذب الثاني ثالثاً وجذب الثالث رابعاً فقتلهم الأسد: فالقياس أن دم الأول هدر وعلى عاقلته دية الثاني وعلى عاقلة الثاني دية الثالث وعلى عاقلة الثالث دية الرابع.
وفيه وجه آخر: أن دية الثالث على عاقلة الأول والثاني نصفين ودية الرابع على عاقلة الثلاثة أثلاثاً.
وروي عن علي أنه قضى للأول بربع الدية وللثاني بثلثها وللثالث بنصفها

الجزء: 4 - الصفحة: 106

وللرابع بكمالها على من حضرهم ثم رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجاز قضاءه فذهب الإمام أحمد إليه توقيفاً).
أما كون القياس أن دم الأول هدر وأن دية الثاني على عاقلة الأول ودية الثالث على عاقلة الثاني ودية الرابع على عاقلة الثالث؛ فلأن الأول تلف بسبب جذبه غيره.
أشبه ما لو قتل نفسه، والثالث تلف بسبب جذب الثاني فتكون ديته على عاقلته، والرابع تلف بسبب جذب الثالث فتكون ديته على عاقلته.
وأما كون دية الثالث على عاقلة الثاني والأول نصفين على الوجه الآخر؛ فلأن جذبهما سبب لهلاكه.
فوجب كون ديته على عاقلتهما نصفين؛ كما لو قتلاه خطأ.
وأما كون دية الرابع على عاقلة الثلاثة أثلاثاً؛ فلأن جذب الثلاثة سبب لتلافه، وذلك يقتضي كون الدية 28 بين العاقلة أثلاثاً.
وأما كون الإمام أحمد ذهب إلى ما روي عن علي رضي الله عنه توقيفاً؛ فلأنه صحابي لا سيما وقد اعتضد بما روي من رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإجازته قضاءه.
فإن قيل: كيف روي عن علي رضي الله عنه؟ قيل: روى حنش الصنعاني «أن قوماً من أهل اليمن حفروا زُبْية للأسد.
فاجتمعَ الناسُ على رأسها.
فهوى فيها واحدٌ، فجذبَ ثانياً، فجذبَ الثاني ثالثاً، ثم جذبَ الثالثُ رابعاً، فقتلهم الأسد.
فرُفعَ ذلك إلى علي رضي الله عنه فقال: للأول ربعُ الدية؛ لأنه هلكَ فوقه ثلاثة، وللثاني ثلثُ الدية؛ لأنه هلكَ فوقه اثنان، وللثالث نصفُ الدية؛ لأنه هلكَ فوقه واحد، وللرابع كمالُ الدية.
وقال: فإني أجعلُ الديةَ على من حضرَ رأس البئر.
فرُفعَ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هو كما قال» 29. رواه سعيد بن منصور.

الجزء: 4 - الصفحة: 107

قال: (ومن اضطر إلى طعام إنسان أو شرابه وليس به مثل ضرورته فمنعه حتى مات ضمنه نص عليه.
وخرّج عليه أبو الخطاب كل من أمكنه إنجاء إنسان من هلكة فلم يفعل.
وليس ذلك مثله).
أما كون من اضطر إلى طعام إنسان أو شرابه وليس بمالكه مثل ضرورته فمنعه منه حتى مات يضمنه على المنصوص؛ فلأن عمرَ رضي الله عنه قضى بذلك.
ولأنه إذا اضطر إليه صار المضطر أحق من مالكه وله 30 أخذه منه قهراً.
فإذا منعه منه فقد تسبب إلى هلاكه بمنعه ما يستحقه.
فلزمه ضمانه؛ كما لو أخذ طعامه وشرابه فهلك بذلك.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بأشياء: أحدها: أن الضمان يجب على المانع؛ لأنه أضاف الضمان إليه.
وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ذكره المصنف رحمه الله في المغني وعلله بأنه تعمد الفعل الذي يقتل مثله غالباً.
وقال القاضي: هو على عاقلته؛ لأنه قتلٌ لا يوجب القصاص فيكون شبهَ العمد.
وثانيها: أن يطلب المضطر ذلك من مالكه لأن قوله: فمنعه يدل عليه.
فإن لم يطلبه من مالكه فمات لم يضمنه؛ لأنه لم يمنعه ولم يوجد منه فعل تسبب به إلى هلاكه.
وثالثها: أن لا يكون بمالكه مثل ضرورته.
فإن كان به مثل ضرورته فطلبه منه فمنعه فمات لم يضمنه؛ لأنه لا يجب عليه بذل طعامه في تلك الحال.
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ابدَأ بنفسكَ ثم بمن تعُول» 31: تنبيهٌ على ذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 108

وأما كون كل من قدر على إنجاء شخص من هَلَكة فلم يفعل حتى مات يخرج على ذلك على قول أبي الخطاب؛ فلاشتراكهما في القدرة على سلامته وخلاصه من الموت.
وأما كون ذلك ليس مثله على اختيار المصنف رحمه الله؛ فلأن الهلاك هنا لم يكن بسبب منه.
فلم يضمنه؛ كما لو لم يعلم حاله.
والمعني بذلك: أن التخريج يقتضي المساواة ولا مساواة بينهما؛ لأنه في مسألة الطعام منعه منعاً كان سبباً في هلاكه.
بخلاف مسألة القدرة على إنجائه؛ لأنه لم يفعل شيئاً هو سبب لهلاكه.
قال: (ومن أفزع إنساناً فأحدث بغائط فعليه ثلث ديته.
وعنه: لا شيء عليه).
أما كون من أفزع إنساناً فأحدث بغائط عليه ثلث ديته على المذهب فلأنه يروى عن عثمان رضي الله عنه.
قال الإمام أحمد: لا أعرف شيئاً يدفعه.
وأما كونه لا شيء عليه على روايةٍ؛ فلأن الدية إنما تجب لإتلاف منفعة أو عضو أو إزالة جَمَال، وليس هاهنا شيء من ذلك.
والأول أصح لقضاء عثمان رضي الله عنه.
لا سيما وذلك في مظنة الشهرة ولم ينقل خلافه فيكون إجماعاً، وأن قضاء الصحابي بما يخالف القياس يدل على أنه توقيف.
وحكم من أفزع إنساناً فأحدث ببول أو ريح حكم من أفزع إنساناً فأحدث بغائط؛ لأنه يروى عن عثمان أيضاً ويدل عليه دليل الرواية الثانية.
وحكم من ضرب إنساناً فأحدث بغائط أو بول أو ريح حكم من أفزعه فأحدث بما ذكر؛ لأنه يساويه معنى فكذا يجب أن يكون حكماً 32.

الجزء: 4 - الصفحة: 109

فصل [فيمن أدب ولده فتلف] قال المصنف رحمه الله: (ومن أدّب ولده، أو امرأته في النشوز، أو المعلم صبيه، أو السلطان رعيته ولم يسرف فأفضى إلى تلفه: لم يضمنه.
ويتخرج وجوب الضمان على ما قاله فيما إذا أرسل السلطان إلى امرأة ليحضرها فأجهضت جنينها أو ماتت فعلى عاقلته الدية).
أما كون من أدّب ولده، أو امرأته، أو المعلم صبيه، أو السلطان رعيته ولم يسرف فتلف: لم يضمنه على المذهب؛ فلأن كل واحد منهم فعل ما يُشرع له فعله.
فلم يضمن ما تولد منه؛ كقطع يد السارق إذا سرى إلى نفسه.
وأما كون وجوب الضمان يتخرج على 33 ما قاله الإمام أحمد فيما إذا أرسل السلطان إلى امرأة ليحضرها فأجهضت جنينها أو ماتت فعلى العاقلة الدية؛ فلأنه في معناه.
وكلام المصنف رحمه الله متضمن بيان الحكم في المخرج عليه.
والأصل في ضمان الجنين والأم: أما الجنين؛ فما روي «أن عمر رضي الله عنه بعث إلى امرأة مُغيّبةٍ كان يُدخل عليها.
فقالت: يا ويلها! ما لها ولعمر.
فبينا هي في الطريق إذ فزعت، فضربها الطلق، فألقت ولدًا، فصاح الصبي صيحتين ثم مات.
فاستشار عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت والٍ ومؤدب.
وصمتَ علي.
فأقبل عليه عمر.
وقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحُوا لك.
إن ديَتَه عليك؛ لأنك أفزعتَها فألقتْه.
فقال عمر: أقسمتُ عليكَ أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك» 34.

الجزء: 4 - الصفحة: 110

وأما الأم؛ فلأنها هلكت بإرسال السلطان إليها فضمنها كجنينها.
أو يقال: نفس هلكت بسببه.
فوجب أن يضمن؛ كما لو ضربها فماتت.
قال: (وإن سلم ولده إلى السابح ليعلمه فغرق لم يضمنه.
ويحتمل أن تضمنه العاقلة).
أما كون السابح لا يضمن الولد بما ذكر على المذهب؛ فلأنه فَعَل ما جرت العادة به لمصلحته.
فلم يَضمن ما تلف به؛ كما لو ضرب المعلم الصبي ضرباً معتاداً فتلف.
وأما كونه يحتمل أن تضمنه العاقلة؛ فلأن الوالد سلم ولده إليه ليحتاط في حفظه فإذا غرق نسب إلى التفريط.
فوجب أن تضمنه عاقلته؛ لأنه قتل خطأ.
قال: (وإن أمر عاقلاً ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك بذلك لم يضمنه؛ إلا أن يكون الآمر السلطان فهل يضمنه؟ على وجهين.
وإن وضع جرة على سطحه فرمتها الريح على إنسان فتلف لم يضمنه).
أما كون الآمر 35 لمن ذكر لا يضمنه إذا لم يكن السلطان؛ فلأن الهالك هلك بفعل نفسه.
فلم يضمنه الآمر؛ كما لو قال له: اقتل نفسك.
وأما كون الآمر 36 لا يضمنه أيضاً إذا كان السلطان على وجه؛ فلذلك.
وأما كونه يضمنه على وجه؛ فلأن من أمره السلطان لا يقدر على الامتناع فصار كالمكره على ذلك، والمكره يجب ضمان فعله على المكره.
وأما كون من وضع جرة على سطحه فرمتها الريح على إنسان فتلف لا يضمنه؛ فلأن التلف لم يكن من فعل الواضع، والوضع 37 كان في ملكه.
فلم يكن متعدياً.

الجزء: 4 - الصفحة: 111

باب مقادير ديات النفس

قال المصنف رحمه الله: (دية الحر المسلم مائةٌ من الإبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألفُ مثقال، أو اثنا عشر ألف درهم.
فهذه الخمس أصولٌ في الدية.
إذا أَحضر من عليه الدية شيئاً منها لزم قبوله.
وفي الحُلَل روايتان: إحداهما: ليست أصلاً في الدية، وفي الأخرى: أنها أصل وقدرها مائتا حلة من حلل اليمن كل حلة بردان.
وعنه: أن الإبل هي الأصل خاصة وهذه أبدال عنها فإن قدر على الإبل وإلا انتقل إليها).
أما كون الخمس المذكورة أصولاً في الدية؛ فلأن عمرو بن حزم روى في كتابه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبَ إلى أهل اليمن: وأن في النفسِ المؤمنةِ مائة من الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار» 38. رواه النسائي.
وفي حديث ابن عباس «أن رجلاً من بني عدي قُتل.
فجعلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ديتَهُ اثني عشرَ ألفاً» 39. رواه أبو داود [وابن ماجة.
وفي الحديث أن عمر قال: «على أهل الذهبِ ألفُ دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشرَ ألفاً، وعلى أهل البقرِ مائتا بقرة، وعلى أهل الشاةِ ألفَا شاة» 40. رواه أبو داود] 41. وأما كون الحلل ليست أصلاً في روايةٍ؛ فلأنها تختلف ولا تنضبط.

الجزء: 4 - الصفحة: 112

وأما كونها أصلاً في روايةٍ؛ فلأن في حديث عمر: «وعلى أهلِ الحُلَلِ مائتا حُلَّة» 42. رواه أبو داود.
فعلى هذا تكون السّتُ أصولاً.
وأما كون قدرها مائتي حلة؛ فلما ذكر في الحديث المذكور.
وأما كون الحلل من حلل اليمن؛ فلأنها تنسب إليه.
وأما كون كل حلة بردين؛ فلأن ذلك هو المتعارف.
وأما كون الإبل هي الأصل خاصة على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا! إن في قتيلِ العصَا والسوطِ مائةٌ من الإبل» 43. ولأنه 44 فرق بين دية العمد والخطأ فغلظ بعضها وخفف بعضها ولا يتحقق هذا في غير الإبل.
فعلى هذه بقية ما ذكر أبدال عنها؛ لأن ذلك أقل ما تحمل الأحاديث عليه.
وأما كون من 45 عليه الدية إذا أحضر شيئاً من الخمس المذكورة على الرواية الأولى يلزم مستحق الدية قبوله؛ فلأن من عليه الدية قد أحضر أصلاً فلزم قبوله كما لو أحضر الإبل.
وعلى هذا إذا أحضر من عليه الدية إحدى الست المذكورة على روايةِ كون الحلل أصلاً يلزم مستحقها قبوله لما ذكر في الخمس.
وأما كون من قدر على الإبل على روايةِ كونها هي الأصل خاصة تلزمه 46؛ فلأن الحق متعين.
فتعينت؛ كالمثل في المثليات.
فعلى هذا إذا أحضر غيرها لم يلزم مستحقها قبوله؛ لأنه غير ما وجب له.
وأما كون من لم يقدر على الإبل ينتقل إلى أحد الأبدال عنها؛ فلأنه بدل عنها.
أشبه التيمم إذا عدم الماء.

الجزء: 4 - الصفحة: 113

فإن قيل: ما الصحيح من هاتين الروايتين؟ قيل: هذه الرواية هي الصحيحة من حيث الدليل.
وهي التي ذكرها الخرقي وإن كانت الأولى هي الصحيحة في المذهب.
ذكره أبو الخطاب في هدايته، وذلك لأن الإبل هي المذكورة في كتاب عمرو بن حزم وهو كتاب ثابت مشهور وغيرها: منه ما لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم كالبقر والشياه والحلل، ومنه ما ذكره وهو الذهب والورق ولا يلزم من ذكره كونه أصلاً لجواز كونه بدلاً، ويعضد ذلك أن في حديث عمر أنه قام خطيباً فقال: «ألا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ فقوّم على أهل الذهبِ ... وذكره إلى آخره» 47؛ لأنه يدل على أن ذلك كله بدل على الإبل.
قال: (فإن كان القتل عمداً أو شبه عمد وجبت أرباعاً: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة.
وعنه: أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
وهل يعتبر كونها ثنايا؟ على وجهين.
وإن كان خطأ وجبت أخماساً: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
ويؤخذ في البقر النصف مسنات والنصف أتبعة، وفي الغنم النصف ثنايا والنصف أجذعة.
ولا تعتبر القيمة في شيء من ذلك بعد أن يكون سليماً من العيوب.
وقال أبو الخطاب: يعتبر أن يكون قيمة كل بعير مائة وعشرين درهماً.
فظاهر هذا أنه يعتبر في الأصول كلها أن تبلغ دية من الأثمان.
والأول أولى).
أما كون دية العمد وشبهه أرباعاً كما ذكر المصنف رحمه الله على الأول؛ فلما روي عن السائب بن يزيد 48 قال: «كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباعاً: خمساً وعشرين جذعة، وخمساً وعشرين حقة، وخمساً وعشرين بنت لبون، وخمساً وعشرين بنت مخاض».

الجزء: 4 - الصفحة: 114

ولأن الدية حق يتعلق بجنس الحيوان.
فلا يعتبر فيه الحمل؛ كالزكاة والأضحية.
وأما كونها أثلاثاً على روايةٍ؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «منْ قَتَلَ متعمداً دُفع إلى أولياءِ المقتول فإن شاؤا قتَلُوا وإن شاؤا أخذوا الدية.
وهيَ: ثلاثونَ حقةً وثلاثونَ جذعةً وأربعونَ خَلِفَةً.
وما صُولحوا عليه فهوَ لهم، وذلك لتشديدِ العَقْل» 49. رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وروى عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إنّ في قتلِ عمدِ الخطإِ قتيلَ السوطِ والعصا: مائةٌ من الإبل منها أربعون خَلِفَةً في بُطونِها أولادُها» 50. رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وأما كون الخلفات لا يعتبر كونها ثنايا وهن 51 ما لهن ست سنين على وجه؛ فلأن الشارع نص على الخلفة وهي موجودة بدون ذلك.
وأما كونها يعتبر كونها ثنايا على وجه؛ فلأن في الحديث: «ما بينَ ثنيةٍ إلى بَازِل» 52. ولأن جميع الأنواع مقدرة بالسن فكذا الخلفات.
وأما كون دية الخطأ أخماساً: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة؛ فلما روى عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في ديةِ الخطإِ عشرونَ حِقَّة، وعِشرونَ جذعَةً، وعشرونَ بنتَ مخاضٍ، وعشرونَ بنتَ لبونٍ، وعشرونَ بني مخَاض» 53. رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة.

الجزء: 4 - الصفحة: 115

وأما كون البقر يؤخذ فيها النصف مسنات والنصف أتبعة، والغنم النصف ثنايا والنصف أجذعة؛ فلأن 54 في أخذه تسوية وعدم جور لأنه لو أخذ الكل مسنات والكل ثنايا لكان ذلك تحاملاً على الجاني ولو أخذ الكل أتبعة والكل أجذعة لكان ذلك تحاملاً على المجني عليه.
وأما كون القيمة لا تعتبر في شيء من ذلك بعد أن يكون سليماً من العيوب على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب من نفس المؤمن مائة من الإبل مطلقاً من غير اعتبار القيمة.
فتقييده بالقيمة يخالف الإطلاق.
فلم يجز إلا بدليل.
وأما كون كل بعير يعتبر أن تكون قيمته 55 مائة وعشرين درهماً على قول أبي الخطاب؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه قوّم الإبل على أهل الإبل باثني عشر ألفاً» 56، وذلك يدل على أن ذلك قيمتها.
ولأن جميع أنواع الدية بدل على محل واحد.
فوجب أن تتساوى في القيمة؛ كالمثل والقيمة في بدل القرض والمتلف في المتلفات.
وأما كون ظاهر هذا -أي اعتبار كون قيمة 57 كل بعير مائة وعشرين- أنه يعتبر في الأصول كلها أن تبلغ دية من الأثمان وهو تخريجٌ من المصنف رحمه الله على ما ذكره أبو الخطاب؛ فلأنه إذا اعتبرت القيمة في الإبل وهي أصل رواية واحدة؛ فلأن تعتبر القيمة في غيرها من أنواع الدية بطريق الأولى.
وأما كون الأول أولى.
ومعناه: أن الأصح أنه لا تعتبر القيمة في الإبل ولا في غيرها؛ فلما تقدم من الدليل.
وأما تقويم عمر رضي الله عنه 58؛ فلأجل أخذ الدراهم عوضاً عن الإبل ولا نزاع 59 فيه؛ لأن الإبل كانت تؤخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيمتها ثمانية آلاف ثم قومها عمر لغلائها باثني عشر ألفاً، وذلك يدل على أنها في حال رخصها أقل

الجزء: 4 - الصفحة: 116

قيمة 60 من ذلك.
فكانت تؤخذ في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرٍ من ولاية عمر مع رخصها 61 وقلة قيمتها ونقصها عن مائة وعشرين.
وإذا لم تعتبر القيمة في الإبل لا تعتبر في البقر والشياه قياساً لهما عليها.
قال: (ويؤخذ في الحلل المتعارف فإن تنازعا فيها جعلت قيمة كل واحد ستين درهماً).
[أما كون الحلل يؤخذ فيها المتعارف؛ فلأن ما لم يرد الشرع فيه بحدّ محدود يرجع فيه إلى العرف.
دليله القبض والحِرز.
وأما كون قيمة كل حلة تجعل ستين درهماً إذا تنازعا فيها] 62؛ فلأن الأصل تساوي الأبدال والأخذ المذكور يحصل به التساوي بين الحلل وبين اثني عشر ألف درهم.

الجزء: 4 - الصفحة: 117

فصل [في دية المرأة] قال المصنف رحمه الله: (ودية المرأة نصف دية الرجل.
ويساوي جراحها جراحه إلى ثلث الدية.
فإذا زادت صارت على النصف).
أما كون دية المرأة نصف دية الرجل؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «ديةُ المرأةِ على النصفِ من ديةِ الرجل» 63. فإن قيل: قوله عليه السلام: «في النفسِ المؤمنة مائة من الإبل» 64 عام فيجب أن يشمل المرأة.
قيل: ما ذكر خاص فيجب تقديمه على العموم لا سيما وهما في كتاب واحد.
وأما كون جراحها يساوي جراحه إلى ثلث الدية؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عقلُ المرأةِ مثلُ عقلِ الرجلِ حتى يبلغَ الثلثَ [من ديّتِها» 65. رواه النسائي.
وأما كونها تصير على النصف من جراحه إذا زادت على الثلث] 66؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلث غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها.
وإذا وجبت المخالفة تعين كونها على النصف كدية نفسها.
[وعن ربيعة] 67 قال: «قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبعِ المرأةِ؟ قال: عشرٌ.
قال: قلت: ففي إصبعَين.
قال: عشرون.
قلت: ففي ثلاثِ أصابع.
قال: ثلاثون.
قلت: ففي أربع.
قال: عشرون.
قال: قلت لما عظُمَتْ

الجزء: 4 - الصفحة: 118

مُصيبَتُها قَلَّ عقلُها.
قال: هكذا السنةُ يا ابن أخي» 68. وهذا يقتضي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه سعيد بن منصور.
فإن قلت: إذا بلغت جراح المرأة الثلث ما حكمه؟ قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه مساو لجراح الرجل؛ لأنه قال: فإذا زادت صارت على النصف.
فاشترط في صيرورتها على النصف الزيادة والمتساوي ليس زائداً.
وفي ذلك روايتان: إحداهما: أنها مساوية؛ لأن الثلث لم يعتبر حد القلة ولذلك صحت الوصية به.
والرواية الثانية: أنها على النصف.
قاله المصنف رحمه الله في المغني.
وهو الصحيح؛ لقوله عليه السلام: «حتى يبلُغَ الثلث» 69 و"حتى" للغاية.
فيجب أن تكون مخالفة لما قبلها؛ لقوله تعالى 70: ﴿حتى يُعطوا الجزية﴾ [التوبة: 29].
ولأن الثلث في حد الكثرة؛ لقوله عليه السلام: «والثُّلُثُ كثير» 71. قال: (ودية الخنثى المشكل نصف دية ذكر ونصف دية أنثى.
وكذلك أرش جراحه).
أما كون دية الخنثى المشكل نصف دية ذكر ونصف دية أنثى؛ فلأن ميراثه كذلك.
فكذلك ديته.
وأما كون أرش جراحه كذلك؛ فلأن الجراح كالتابع للقتل.
فإذا وجب في القتل نصف دية ذكر ونصف دية أنثى.
فلأن تجب في أرش الجراح كذلك بطريق الأولى.

الجزء: 4 - الصفحة: 119

فصل [في دية الكتابي] قال المصنف رحمه الله: (ودية الكتابي نصف دية المسلم.
وعنه: ثلث ديته.
وكذلك جراحهم.
ونساؤهم على النصف من دياتهم).
أما كون دية الكتابي نصف دية المسلم على المذهب؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ديةُ المعاهدِ نصفُ ديةِ المسلم» 72. وفي لفظ: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن عقلَ أهل الكتابِ نصفُ عقلِ المسلمين» 73. رواه الإمام أحمد.
وأما كونها ثلث ديته على روايةٍ؛ فلما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ديةُ اليهودي والنصراني أربعةُ آلاف [أربعةُ آلاف] (3»).
وروي «أن عمر جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف» 75. والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما حديث عبادة فلم يذكره أصحاب السنن، والظاهر أنه ليس بصحيح.
وأما جعل عمر فإنما كان ذلك حين كانت الدية ثمانية ألاف 76 فأوجب نصفها أربعة آلاف، ودليل ذلك [ما روى] 77 عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده74

الجزء: 4 - الصفحة: 120

قال: «كانت قيمةُ الديةِ على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينارٍ أو ثمانيةَ 78 آلافِ درهم 79 وديةُ أهلِ الكتابِ يومئذٍ النصفُ» 80. فهذا 81 بيان وشرح يزيل الإشكال، وفيه جمع بين 82 الأحاديث، ولو لم يكن كذلك فقول النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على فعل عمر وغيره.
فإن قيل: فقد ذكر الله تعالى دية الكتابي ودية المسلم ولم يفرّق بينهما، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ديةُ اليهودي والنصراني مثلُ ديةِ المسلم».
قيل: أما عدم الفرق بين دية المسلم والكتابي في كتاب الله تعالى فتقيد بالحديث المتقدم ذكره.
وأما الحديث فالصحيح حديث عمرو بن شعيب ما ذكر دليلاً على أن دية الكتابي النصف أخرجه الأئمة في كتبهم دون ما روي 83. وأما كون جراح الكتابي كذلك أي نصف جراح المسلم على المذهب وثلثه على روايةٍ؛ فلأن الجراح يتبع النفس في دية النفس، وفي دية النفس الخلاف المتقدم ذكره.
فكذلك الجراح.
وأما كون ديات نسائهم على النصف من دياتهم؛ فلأن ديات المسلمين على النصف من دياتهم.
فكذلك نساء أهل الذمة.
قال: (ودية المجوسي والوثني ثمانمائة درهم.
ومن لم تبلغه الدعوة فلا ضمان فيه، وعند أبي الخطاب: إن كان ذا دين ففيه دية أهل دينه، وإلا فلا شيء فيه).
أما كون دية المجوسي ثمانمائة درهم؛ فلأنه قول عمر وعثمان وابن مسعود.
ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعاً.

الجزء: 4 - الصفحة: 121

فإن قيل: فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سُنُّوا بهم سنةَ أهلِ الكتاب» 84. فوجب أن تكون ديته كدية الكتابي.
قيل: المراد بالحديث أخذ الجزية وحقن الدم لا في كل شيء.
بدليل أن ذبائحهم ونساءهم لا تحل لنا.
بخلاف أهل الكتاب.
وأما كون دية الوثني ثمانمائة درهم؛ فلأنه كافر لا تحل ذبيحته.
أشبه المجوسي.
فإن قيل: الوثني دمه هدر فكيف يضمن؟ قيل: المراد بالوثني هنا من لا تجوز إراقة دمه مثل من أُعطي الأمان ولذلك يقال في علة ذلك: كافر ذو عهد.
فعلى هذا لا يختص الحكم بالوثني بل كل من لا يقر بالجزية إذا حقن دمه بأمان فقتل فديته كدية المجوسي؛ لأنها أقل الديات، وهو مشابه له من حيث اشتراكهما في العهد وعدم حل المناكحة.
وأما كون من لم تبلغه الدعوة لا ضمان فيه على المذهب؛ فلأنه لا عهد له ولا أمان.
أشبه الحربي.
ولا بد أن يُلحظ أنه لا أمان له فإن كان له أمان فديته دية أهل دينه لأنه له أمان.
أشبه أهل دينه.
فإن لم يعرف له دين ففيه دية مجوسي لأنها اليقين وما زاد مشكوك فيه.
وأما كونه إن كان ذا دين ففيه دية أهل دينه وإلا فلا شيء فيه عند أبي الخطاب؛ فلأنه إذا كان ذا دين يكون محقون الدم؛ لأنه لا يجوز قتله حتى تبلغه الدعوة، وإذا لم يكن ذا دين لم يكن محقون الدم.
فلم يضمن؛ لأن الضمان في المحقون الدم إنما كان من أجل حقن دمه، وهذا مفقود فيمن لا دين له.
فينتفي الضمان لانتفاء ذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 122

فصل [في دية العبد] قال المصنف رحمه الله: (ودية العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغت.
وعنه: لا يبلغ بها دية الحر.
وفي جراحه إن لم يكن مقدراً من الحر ما نقصه، وإن كان مقدراً في الحر فهو مقدر في العبد من قيمته: ففي يده نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته نقصته الجناية أقل من ذلك أو أكثر.
وعنه: أنه يضمن بما 85 نقص.
اختاره الخلال).
أما كون دية العبد والأمة قيمتهما بالغةً ما بلغت على المذهب؛ فلأن العبد والأمة مال متقوم.
فيُضمن كل واحد منهما بكمال قيمته؛ كالفرس.
أو يقال: كل منهما مضمون بقيمته.
فكان بجميع القيمة؛ كما لو ضمنه باليد.
وأما كون القيمة لا يبلغ بها دية الحر على روايةٍ؛ فلأنه ضمان آدمي.
فلم يزد على دية الحر؛ كضمان الحر، وذلك أن الله تعالى لما أوجب في الحر دية لا تزيد وهو أشرف من العبد لخلوه من نقيصة الرق كان تنبيهاً على أن العبد المنقوص لا يزاد عليها.
فتجعل مالية العبد معياراً للمقدار الواجب فيه ما لم تزد على الدية فإذا زاد عُلم خطأُ ذلك فيرد إلى دية الحر كأرش ما دون الموضحة يجب فيه ما تخرجه الحكومة ما لم يزد على أرش الموضحة فإذا زاد رده إليها.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والفرق بين الحر وبين العبد: أن الحر ليس مضموناً بالقيمة وإنما يضمن بما قدّره الشرع فلم يتجاوزه 86، والعبد مضمون بالقيمة فافترقا.

الجزء: 4 - الصفحة: 123

ولأن الحر ليس مضموناً؛ [لأنه ليس مال] 87، ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته.
والعبد مضمون؛ لأنه مال والمال يزيد بزيادة المالية وينقص بنقصانها فافترقا.
وأما كون جراحه فيها ما نقص إذا لم يكن مقدراً في مثله من الحر؛ مثل أن يكسر عصعصه أو خرزة صلبه وما أشبه ذلك؛ فلأن العبد مال.
فاعتبر فيه ما نقص؛ كما لو تعدى على مال غير العبد فنقص بسبب ذلك.
ولأن مقتضى الدليل ضمان العبد بما نقص لأنه مال.
تُرك العمل به فيما كان مقدراً في مثله من الحر لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وأما كون ما كان مقدراً في الحر كاليد والرجل والموضحة وما أشبه ذلك فهو مقدر في العبد من قيمته كدية الحر 88. فعلى هذا في يده نصف قيمته؛ لأن الواجب فيها من الحر نصف الدية، وفي موضحته نصف عشر قيمته؛ لأن الواجب فيها من الحر خمس من الإبل، وذلك نصف عشر ديته.
وسواء نقصت الجناية أقل من ذلك أو أكثر لأن العبرة بالمقدر من الحر من القيمة لا بالنقصان.
وأما كون ذلك يضمن بما نقص على روايةٍ؛ فلما ذكر من أن العبد مال.
فيجب أن يضمن بما نقص؛ كغيره من الأموال.
قال: (ومن نصفه حر ففيه نصف دية حر ونصف قيمته.
وهكذا في جراحه).
أما كون من نصفه حر فيه نصف دية حر ونصف قيمته؛ فلأن نصفه حر فيجب أن يكون فيه 89 نصف ديته، ونصفه عبد فيجب أن يكون فيه 90 نصف قيمته.
وأما كونه هكذا في جراحه؛ فلأن 91 جراح 92 الشخص تبع لديته.

الجزء: 4 - الصفحة: 124

قال: (وإذا قطع خصيتي عبد أو أنفه أو أذنه 93 لزمته قيمته للسيد ولم يزل ملكه عنه).
أما كون من قطع ما ذكر يلزمه قيمة العبد؛ فلأن القيمة بدل عن الدية، وفي كل واحد مما ذكر دية إذا كان حراً ففي كل واحد منه القيمة إذا كان عبداً.
وأما كون القيمة للسيد؛ فلأنها بدل عن الأعضاء المملوكة للسيد.
وأما كونه لا يزول ملكه عن العبد؛ فلأنه لم يوجد سبب يقتضي الزوال.
فوجب بقاؤه على ملكه عملاً باستصحاب الحال.
ولأن قطع يد العبد مثلاً بمنزلة تلف بعض ماله، وتلفه 94 لا يوجب زوال الملك عن الباقي.
فكذلك لا يزول ملك السيد عن العبد المجني عليه.
قال: (وإن قطع ذكره ثم خصاه لزمته قيمته لقطع الذكر 95 وقيمته مقطوع الذكر، وملك سيده باق عليه).
أما كون من قطع ما ذكر تلزمه قيمة العبد لقطع الذكر؛ فلأن الواجب في ذلك من الحر دية كاملة.
وأما كونه يلزمه قيمته مقطوع الذكر؛ فلأن الواجب في قطع الخصيتين من الحر بعد الذكر دية كاملة.
فإن 96 قيل: القيمة هنا نقصت عن القيمة أولاً لأن المصنف رحمه الله قيدها 97 بقطع الذكر.
بخلاف الدية في الحر فإنهما سواء.
قيل: القيمة في مقابلة الدية لكنها تزيد وتنقص بحسب الأحوال.
بخلاف الدية في الحر فإنها مقدرة بقدر معلوم لا تزيد ولا تنقص فلذلك نقصت القيمة دون الدية.
وأما كون ملك سيده باقياً عليه؛ فلما ذكر قبل.

الجزء: 4 - الصفحة: 125

فصل [في دية الجنين] قال المصنف رحمه الله: (ودية الجنين الحر المسلم إذا سقط ميتاً غُرّة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل موروثة عنه كأنه سقط حياً.
ذكراً كان أو أنثى).
أما كون دية الجنين في الجملة غُرّة؛ فلما روي «أن عمر رضي الله عنه استشار الناس في إملاص المرأة.
فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة.
فقال: لتأتين بمن يشهد معك.
فشهد له محمد 98 بن مسلمة» 99 متفق عليه.
وعن أبي هريرة قال: «اقتتلتِ امرأتان من هُذيل.
فرمتْ إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها.
فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ديةَ جنينها غُرّة عبدٍ أو أمة.
وقضى بديةِ المرأة على عاقلتها.
وورثها ولدها ومن معهم» 100 متفق عليه.
وأما كون الغُرّة المذكورة يشترط لوجوبها حرية الجنين وإسلامه؛ فلأن الذي قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بالغرة المذكورة في حديث أبي هريرة المتقدم ذكره إنما كان في حر مسلم فلا يتعدى إلى من فقد واحداً منهما.
فإن قيل: حديث عمر رضي الله عنه مطلق.
قيل: يجب تقييده بما ذكر؛ لأنه إنما بني على قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على الصفة المذكورة.
وأما كونها يشترط سقوط الجنين ميتاً؛ فلأنه إذا سقط حياً حياة مستقرة تجب فيه الدية.
وسيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.

الجزء: 4 - الصفحة: 126

وأما كونها عبداً أو أمة؛ فلأن ذلك هو المذكور في الحديثين المتقدمين.
فإن قيل: فقد جاء في بعض الأحاديث: «بغرة عبدٍ أو أمةٍ أو فرسٍ أو بغل» 101. وروي «أنه عليه السلام [جعل في ولدها مائة شاة» 102. رواه أبو داود.
قيل: الذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم] 103 إنما هو العبد والأمة.
وأما ذكر الفرس والبغل فوهم انفرد به عيسى بن يونس عن سائر الرواة، والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه: «عبد أو أمة».
وأما كون قيمة الغرة خمساً من الإبل؛ فلأن ذلك مروي عن عمر وزيد رضي الله عنهما.
ولأن ذلك أقل ما قدره الشرع في الجنايات؛ لأنه أرش الموضحة ودية السن.
فوجب الرد إليه.
فإن قيل: فقد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث، وذلك دون ما ذكر.
قيل: الذي نص الشارع عليه أرش الموضحة، ودية السن وهو خمس من الإبل، وأما الأنملة فالواجب فيها ما ذكر بالحساب من دية الإصبع لا بالصريح.
وأما كونها موروثة عن الجنين كأنه سقط حياً؛ فلأنها دية له وبدل عنه.
فوجب أن يرثها ورَثته؛ كما لو قتل بعد الولادة.
وأما كون ذلك كذلك ذكراً كان الجنين أو أنثى؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الغُرّة من غير فرق.
قال: (ولا يقبل في الغُرّة خنثى، ولا معيب، ولا من له دون سبع سنين).
أما كون الغرة لا يقبل فيها خنثى ولا معيب؛ فلأنهما ليسا بخيار، والغُرّة هي الخيار.
بخلاف الكفارة حيث يجزئ فيها المعيب عيباً لا يمنع العمل.
ولأن الغرة بدل.
فاعتبرت فيها السلامة؛ كإبل الصدقة.

الجزء: 4 - الصفحة: 127

وأما كونها لا يقبل فيها من له دون سبع سنين؛ فلما ذكر من أن الغرة خيار ومن له دون سبع سنين ليس بخيار.
ولأن من له دون ذلك لا يستغني بنفسه ولا يستقل ويحتاج إلى من يحضنه.
فلم يؤخذ في الغرة؛ كالمعيب.
قال: (وإن كان الجنين مملوكاً ففيه عُشْر قيمة أمه ذكراً كان أو أنثى.
فإن ضرب بطن أمةٍ فعتقت ثم أسقطت الجنين ففيه غرة.
وإن كان الجنين محكوماً بكفره ففيه عشر دية أمه.
فإن كان أحد أبويه كتابياً والآخر مجوسياً اعتبر أكثرهما).
أما كون الجنين إذا كان مملوكاً فيه عُشْر قيمة أمه؛ فلأن الواجب في الجنين إذا كان حراً غرة قيمتها خمس من الإبل، وذلك عشر دية الحرة 104، والمقابل لدية الحر قيمة العبد.
فإن قيل: الواجب اعتبار القيمة من قيمة الجنين نفسه؛ لأنه متلف.
فاعتبر بدله بنفسه؛ كسائر المتلفات.
قيل: لما خولف في الجنين المذكور سائر المتلفات في عدم اعتبار قيمة جميعه وجب اعتباره بأمه.
وأما كون ذلك كذلك ذكراً كان أو أنثى؛ فلأن ذلك كذلك في الجنين إذا كان حراً.
فكذلك إذا كان مملوكاً.
وأما كون الجنين الذي ضُرب بطن أمه فعتقت ثم أسقطت فيه غرة؛ فلأنه سقط حراً.
إذ العبرة بحال السقوط؛ لأنه 105 قبل ذلك لا يحكم فيه بشيء.
وأما كون الجنين المحكوم بكفره فيه عُشر دية أمه؛ فلأنه لأمه عشر دية مقدرة.
فوجب فيه عشر دية أمه؛ كالمسلم.
وأما كون من أحد أبويه كتابياً والآخر مجوسياً يعتبر أكثر الأمرين من عشر دية الأم أو نصف عشر دية الأب؛ فلأن ذلك ضمان متلف.
فغلب فيه الأكثر تغليظاً على الجاني.

الجزء: 4 - الصفحة: 128

ولأنه لو اجتمع في المتلف ما يجب الضمان به وما لا يجب غلب جانب الوجوب.
دليله المُحْرم إذا قتل مُتولداً من وحشي وأهلي.
قال: (وإن سقط الجنين حياً ثم مات ففيه دية حر إن كان حراً، أو قيمته إن كان مملوكاً إذا كان سقوطه لوقت يعيش مثله وهو أن تضعه لستة أشهر فصاعداً، وإلا فحكمه حكم الميت.
وإن اختلفا في حياته ولا بينة ففي أيهما يقدم قوله؟ وجهان).
أما كون الجنين فيه دية حر إذا سقط حياً لوقت يعيش مثله وكان حراً؛ فلأنه حرٌّ مات بجناية.
أشبه ما لو باشره بالقتل.
وأما كونه فيه قيمته إذا كان عبداً؛ فلأن القيمة في العبد بمنزلة الدية في الحر.
وأما كون سقوطه لوقت يعيش مثله شرطاً فيما ذكر؛ فلأنه إذا لم يكن كذلك لا يعلم فيه حياة يجوز بقاؤها.
فلم تجب فيه دية ولا قيمة؛ كما لو سقط ميتاً.
وأما كون الوقت الذي يعيش مثله فيه ستة أشهر فصاعداً؛ فلأن من وُلد لأقل من ذلك [لم تجر العادة ببقائه.
وأما كون حكمه حكم الميت إذا سقط لأقل من ذلك] 106؛ فلأن الحركة التي فيه كحركة المذبوح لما ذكر من كون العادة لم تجر ببقائه.
وأما كون مستحق الدية إذا اختلف هو والجاني في حياة الجنين ولا بينة ففي أيهما يقدم قوله وجهان؛ فلأن النظر إلى أن الجنين كان حياً في بطن أمه يقتضي تقديم قول مستحق الدية لأن الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان، وذلك يقتضي كونه حياً حين السقوط.
والنظر إلى أن الأصل براءة ذمة الجاني من الدية يقتضي قبول قوله؛ لأنه يوافق ذلك الأصل.
وتقييد ما ذكر بلا بينة مشعر بأن أحدهما لو كان له بينة كان قوله مقدماً على الآخر وجهاً واحداً.
وهو صحيح؛ لأن البينة تُظهرُ الحقَّ وتبيّنه.

الجزء: 4 - الصفحة: 129

فصل [فيما تغلظ به الدية] قال المصنف رحمه الله: (وذكر أصحابنا أن القتل تغلظ ديته بالحَرَم، والإحرام، والأشهر الحرم، والرحم المحرم.
فيزاد لكل واحد ثلث الدية.
فإذا اجتمعت المحرمات الأربع وجبت ديتان وثلث.
وظاهر كلام الخرقي أنها لا تغلظ بذلك وهو ظاهر الآية والأخبار).
أما كون القتل تغلظ ديته بما ذكر عند أصحاب الإمام أحمد فيزاد لكل واحدٍ ثلث الدية؛ فلما روي «أن امرأة وُطئت في الطواف.
فقضى عثمان رضي الله عنه فيها بستة آلاف، وألفين تغليظًا للحرم» 107. وعن ابن 108 عمر أنه قال: «من قَتلَ في الحرم أو ذا رحم 109 أو في الشهر الحرام فعليه دية وثلث».
وعن ابن عباس «أن رجلاً قَتل رجلاً في الشهر الحرام في البلد الحرام.
فقال: ديته اثنا عشر ألفاً، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف».
وأما كون الحرمات الأربع إذا اجتمعت تجب ديتان وثلث؛ فلأن القتل يوجب دية، والمواضع الأربعة توجب كل واحد ثلثاً.
فلزم كون الواجب ديتين وثلثاً.
وأما كونه لا تغلظ ديته بذلك على ظاهر قول الخرقي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» 110. إلى غير ذلك من الآيات والآثار الدالة على وجوب الدية.
ولذلك قال المصنف رحمه الله: وهو ظاهر الآية والأخبار.
وأجاب عن قول الصحابة المتقدم ذكرهم بأن ذلك ليس بثابت عنهم.
وفي الجملة إن ثبت

الجزء: 4 - الصفحة: 130

ما ذكر عن الصحابة يكون قول الأصحاب راجحاً على ما ذكره المصنف؛ لأنه قول يدل على خصوص التغليظ، والعموم من الآية والأخبار لا ينفيه.
فوجب العمل به؛ لكونه دليلاً سالماً عن المعارض وإن لم يثبت ذلك فالعمل بعموم الآية.
والسنة أولى.
قال: (وإن قتل المسلم كافراً عمداً أُضعفت الدية لإزالة القود كما حَكَم عثمان بن عفان رضي الله عنه).
أما كون الدية تضاعف بقتل المسلم كافراً عمداً؛ فلما أشار إليه المصنف رحمه الله من إزالة القود وحكم عثمان رضي الله عنه.
وأما إزالة القود؛ فلأن المسلم لا يُقتل بكافر لما ذكر في موضعه 111. فإن قيل: ما وجه التغليظ من أجل إزالة القود؟ قيل: لأن القود شُرع زجراً عن تعاطيه.
فإذا لم يجب ناسب أن يشرع تغليظ الدية لأجل الزجر.
ولذلك نظائر: منها: أن الأعور إذا قلع عين صحيح تجب دية كاملة حيث لا قصاص.
ومنها: أن سارق الثمر تلزمه مثلاَ قيمته حيث لا يقطع.
وأما حكم عثمان رضي الله عنه؛ فلما روى الإمام أحمد بإسناده «أن رجلاً قَتل رجلاً من أهل الذمة.
فرُفعَ إلى عثمان رضي الله عنه فلم يقتُله، وغلَّظَ الدية ألفَ دينار» 112.

الجزء: 4 - الصفحة: 131

فصل [إذا جنى العبد خطأ] قال المصنف رحمه الله: (وإن جنى العبد خطأ فسيده بالخيار بين فدائه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته، أو تسليمه ليباع في الجناية.
وعنه: إن أبى تسليمه فعليه فداؤه بأرش الجناية كله).
أما كون العبد إذا جنى خطأ سيدُه بالخيار بين ما ذُكر؛ فلأن حق المجني عليه يحصل بذلك لأن السيد إذا فدا عبده بقيمته فقد أدى عوض المحل الذي تعلقت به الجناية، وإذا فداه بأرش الجناية فقد أدى ما استحقه المجني عليه، وإذا سلمه ليباع فقد دفع المحل الذي تعلقت به الجناية.
وفي قول المصنف رحمه الله: بين فدائه؛ إشعار بأن جناية العبد جناية على آدمي.
فوجب اعتبارها؛ كجناية الحر.
ولأن جناية الصغير والمجنون غير ملغاة مع عذرهما وعدم تكليفهما.
فلأن لا تلغى جناية العبد وهو مكلف بطريق الأولى.
وإذا لم يجز أن لا تتعلق بشيء فالذي تتعلق به: إما رقبة العبد، أو ذمته، أو ذمة سيده.
والثاني والثالث باطل فيتعين الأول: أما بطلان تعلقها بذمته؛ فلأنه يفضي إلى إلغاء الجناية وتأخير حق المجني عليه إلى غير غاية.
وأما بطلان تعلقها بذمة سيده؛ فلأنه لم يجن.
وأما تعين 113 الأول؛ فلأنه إذا تخير التعلق 114 فيما ذكر وبطل الثاني والثالث تعين الأول وهو تعلقها برقبته.
وأما كونه إذا فداه 115 يفدية بالأقل من قيمته أو أرش جنايته على المذهب؛ فلأنه إذا فداه بقيمته أدى قدر الواجب لأن حق المجني عليه لا يتعلق بغير رقبة

الجزء: 4 - الصفحة: 132

الجاني، وإذا فداه بأرش الجناية فهو الذي وجب للمجني عليه.
فلم يملك مطالبته بأكثر منه.
وأما كون سيده إذا أبى تسليمه عليه فداؤه بأرش الجناية كله على روايةٍ؛ فلأنه ربما إذا عُرض المبيع رغب فيه راغب بأكثر من قيمته فإذا أمسكه فوّت على المجني عليه تلك الزيادة.
قال: (وإن سلمه فأبى ولي الجناية قبوله وقال: بعه أنت.
فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين).
أما كون السيد يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأن حق المجني عليه متعلق بمالية العبد لا بعينه.
ولهذا لو طلب المالك فداءه قدم المالك عليه.
وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأن المالك بالخيار بين فدائه وبين تسليمه لما تقدم وقد سلمه.
فلم يلزمه شيء آخر.
قال: (وإن جنى عمداً فعفى الولي عن القصاص على رقبته فهل يملكه بغير رضى السيد؟ على روايتين).
أما كون ولي المجني عليه يملك العبد إذا عفى عن القصاص على رقبته بغير رضى سيده على روايةٍ؛ فلأنه استحق إتلافه.
فاستحق إبقاءه على ملكه؛ كعبده الجاني عليه.
وأما كونه لا يملكه على روايةٍ؛ فلأنه إذا لم يملكه بالجناية.
فلأن لا يملكه بالعفو بطريق الأولى.
ولأن العبد أحد من عليه القصاص.
فلا يملك بالعفو؛ كالحر.
ولأنه إذا عفى عن القصاص انتقل حقه إلى المال.
فصار كالجاني جناية موجبة للمال.
فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين؟ قيل: الثانية؛ لما تقدم ذكره.

الجزء: 4 - الصفحة: 133

ولأن ملكه له بغير رضى سيده ينافي كونه بالخيار.
دليلهما 116. وقياس عبد غيره على عبده لا يصح؛ لأن الملك على عبد غيره تجديد.
بخلاف عبده.
قال: (وإن جنى على اثنين خطأ اشتركا فيه بالحصص، وإن عفى أحدهما أو مات المجني عليه فعفى بعض ورثته فهل يتعلق حق الباقين بجميع العبد أو بحصتهم منه؟ 117 على وجهين).
أما كون المجني عليهما خطأ يشتركان 118 في الجاني بالحصص؛ فلأنهما اشتركا في سبب تعلق الحق به.
فوجب أن يشتركا بالحصص؛ كغرماء المفلس والميت.
ولأنه لو جنى عليهما دفعة واحدة لاشتركا بالحصص.
فكذا إذا جنى عليهما دفعة بعد أخرى.
وأما كون حق الباقين يتعلق بجميع العبد بعد عفو بعض المستحقين 119 إنما كان للمزاحمة.
فإذا وجد العفو وجب عوده إلى ذلك؛ لزوال السبب المانع من التعلق به.
وأما كونه يتعلق بحصصهم فقط على وجه؛ فلأن ذلك هو الواجب لهم عند الجناية.
فوجب بقاء الأمر على ما كان.

الجزء: 4 - الصفحة: 134

قال: (وإن جرح حراً فعفى عنه ثم مات من الجراحة ولا مال له وقيمة العبد عُشر ديته فاختار السيد فداءه وقلنا يفديه بقيمته: صح العفو في ثلثه، وإن قلنا يفديه بالدية صح العفو في خمسة أسداسه وللورثة سدسه؛ لأن العفو صح في شيء من قيمته، وله بزيادة 120 الفداء تسعة أشياء بقي للورثة ألف إلا عشرة أشياء تعدل شيئين.
اجبر وقابل يخرج الشيء نصف سدس الدية وللورثة شيئان فتعدل السدس).
أما كون العفو يصح في ثلث العبد إذا قيل السيد يفديه بقيمته؛ فلأن المجني عليه مات وهو يملكها لا غير.
فوجب انحصار العفو في ثلث العبد.
ضرورة أن الإبراء في المرض معتبر من الثلث.
وأما كونه يصح في خمسة أسداس العبد إذا قيل السيد يفديه بالدية؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله.
فإن قيل: لم نكّر الذي صح العفو فيه؟ ولمَ كان الحاصل بالزيادة تسعة أشياء؟ ولمَ 121 جبر الألف إلا عشرة أشياء؟ ولمَ كان الخارج يعدل نصف سدس الدية؟ ولمَ كان شيئا الورثة يعدل 122 السدس؟ قيل: أما تنكير ما صح العفو فيه؛ فلأن مقدار الزيادة الحاصلة من الفداء بأرش الجناية غير معلوم.
وأما كون الحاصل بالزيادة تسعة أشياء؛ فلأن قيمة العبد عشر الدية، وبين العشر والدية تسعة أعشار.
وأما جبر 123 الألف إلا عشرة أشياء بعشرة أشياء؛ فليخرج العدد بلا مجهول.
وأما كون الخارج نصف سدس؛ فلأنك إذا قسمت ألفاً على اثني عشر كان الشيء نصف سدس الدية.

الجزء: 4 - الصفحة: 135

وأما كون شيء الورثة يعدل السدس؛ فلأن الشيء إذا عدل نصف سدس كان 124 الشيئان يعدل السدس 125 ضرورة.
فعلى هذا لو كان قيمة 126 العبد ثلث الدية صح العفو على 127 القول بأن الفداء يكون بالدية في ثلاثة أخماسه، ولو كانت قيمته الربع صح في ثلثيه، ولو كانت قيمته الخمس صح في خمسة أسباعه.
وعلى هذا فقس.

الجزء: 4 - الصفحة: 136

باب ديات الأعضاء ومنافعها

قال المصنف رحمه الله: (ومن أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية.
وهو: الذكر، والأنف، واللسان الناطق، ولسان الصبي الذي يحركه بالبكاء).
أما كون من أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد عليه فيه الدية؛ فلأن إتلاف ذلك إذهاب منفعة الجنس، وإذهابها كإتلاف النفس، وإتلاف النفس فيه الدية.
فكذلك ما هو في معناه، وفي كتاب عمرو بن حزم «وفي الذَّكرِ الدية، وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدْعًا الدية، وفي اللسان الدية» 128. وأما قول المصنف رحمه الله: وهو الذكر ... إلى آخره؛ فبيان لما في الإنسان منه شيء واحد.
فإن قيل: لم يساوى لسان الصبي الذي يحركه بالبكاء لسان الناطق؟ قيل: لعموم الحديث.
ولأن لسان الصبي متأهل لأن يتكلم به صاحبه.
فوجب فيه الدية كاملة؛ كاللسان الناطق.
وتقييد المصنف رحمه الله اللسان بأحد الشيئين مشعر بأن الدية لا تجب في لسان الأخرس.
وهو صحيح صرح به في المغني.
ووجهه بأن منفعته المقصودة قد ذهبت.
أشبه اليد الشلاء.
قال 129: ([وما فيه منه شيئان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصفها؛ كالعينين، والأذنين، والشفتين] 130، واللحيين، وثديي المرأة، وثَنْدُوَتَي الرجل،

الجزء: 4 - الصفحة: 137

واليدين، والرجلين، والإليتين، والأنثيين، وأسكتي المرأة.
وعنه: في الشفة السفلى ثلثا الدية، وفي العليا ثلثها).
أما كون ما في الإنسان منه شيئان فيهما الدية؛ فلأن في إتلافهما ذهاب منفعة الجنس، وذلك كإتلاف النفس.
وأما كون أحدهما فيه نصفها؛ فلأن في إتلافه إذهاب نصف منفعة الجنس.
فعلى هذا في العينين وكل شيئين مما ذكر الدية، وفي كل واحد نصفها: أما العينان؛ فلأنهما في الإنسان منه شيئان، وفي الحديث: «وفي العينينِ الدية» 131. رواه النسائي.
وأما العين الواحدة؛ فلأنها على النصف من العينين.
فتكون على النصف من الدية، وفي الحديث: «وفي العينِ خمسُونَ من الإبل» 132. رواه مالك في الموطأ.
ولا فرق بين أن تكون العين كبيرة أو صغيرة أو مليحة أو قبيحة أو مريضة أو حولاء؛ لأن الحديث مطلق.
فلا يجوز تقييده بغير دليل.
وأما الأذنان؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان، وفي الحديث: «وفي الأُذنينِ الدية» 133. ولأن فيهما جمالاً كاملاً ومنفعة ظاهرة.
أشبها العينين.
وأما الأذن الواحدة؛ فلأنها على النصف من الأذنين فتكون على النصف من الدية.
ولأنهما مما في الإنسان منه شيئان.
فوجب في كل واحد نصف الدية؛ كالعينين.
وأما الشفتان؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان، وفي كتاب عمرو بن حزم: «وفي الشفتينِ الدية» 134.

الجزء: 4 - الصفحة: 138

ولأن فيهما جمالاً ظاهراً ومنفعة كاملة.
أشبها ما تقدم.
وأما الواحدة ففيها نصف الدية على المذهب؛ لأن ذلك يُروى عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما 135. ولأن كل شيئين وجبت الدية فيهما وجبت الدية في أحدهما نصفها.
دليله سائر الأعضاء المتقدم ذكرها.
وفي السفلى ثلثا الدية، وفي العليا ثلثها على روايةٍ؛ لأن ذلك يُروى عن زيد بن ثابت 136. ولأن نفع السفلى أكثر؛ لأنها هي التي تدور وتتحرك وتحفظ الريق والطعام.
والأولى هي ظاهر المذهب؛ لما تقدم.
وقول زيد معارض بقول أبي بكر وعلي.
وأما اللحيان؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان.
ولأن فيهما جمالاً ومنفعة.
أشبها الأذنين.
فإن قيل: ما اللحيان؟ قيل: العظمان اللذان فيهما الأسنان.
وأما ثديا المرأة وثَنْدُوَتا الرجل؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان.
[وأما اليدان؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان] 137، وفي الحديث: «وفي اليدينِ الدية» 138. وأما الواحدة؛ فلأنها 139 على النصف من اليدين فتكون على النصف من الدية، وفي كتاب عمرو بن حزم: «وفي اليدِ خمسونَ من الإبل» 140. وأما الرجلان؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان، وفي الحديث: «وفي الرجلينِ الدية» 141.

الجزء: 4 - الصفحة: 139

وأما الواحدة؛ فلأنها 142 على النصف من الرجلين فتكون على النصف من الدية، وفي الحديث: «وفي الواحدةِ -يعني الرجل- نصفُ الدية» 143. وأما الإليتان؛ فلأنهما مما في الإنسان منه شيئان.
ولأن فيهما جمالاً ظاهراً ومنفعة كاملة.
أشبها الثديين 144. وأما الواحدة؛ فلأنها 145 على النصف من الإليتين فتكون على النصف من الدية.
قال: (وفي المنخرين ثلثا الدية، وفي الحاجز ثلثها.
وعنه: في المنخرين الدية، وفي الحاجز حكومة).
أما كون المنخرين فيهما ثلثا الدية وفي الحاجز ثلثها على المذهب؛ فلأن المارن يشتمل على ثلاثة أشياء: منخرين وحاجز.
فوجب توزيع الدية على عدد ذلك؛ كسائر ما في الإنسان منه عدد من جنس.
وأما كون المنخرين فيهما الدية على روايةٍ؛ فلأنهما لا ثالث لهما.
أشبها اليدين.
ولأن بقطع المنخرين يذهب الجمال كله والمنفعة.
فوجب أن تجب فيهما الدية؛ كسائر ما تقدم ذكره.
وأما كون الحاجز فيه حكومة؛ فلأنه لا تقدير فيه.
قال: (وفي الأجفان الأربعة الدية [وفي كل واحد ربعها] (5».

أما كون الأجفان الأربعة فيها الدية؛ فلأن في إتلافها إذهاب 147 منفعة جنس.
أشبهت اليدين.146

الجزء: 4 - الصفحة: 140

وأما كون كل واحد منها 148 فيه ربعها؛ فلأن كل ذي عدد يجب في جميعه الدية يجب في الواحد منه بحصته من الدية؛ كاليدين والرجلين.
قال: (وفي أصابع اليدين الدية، وفي أصابع الرجلين الدية، وفي كل أصبع عشرها، وفي كل أنملة ثلث عقلها إلا الإبهام فإنها مفصلان ففي 149 كل مفصل نصف عقلها، وفي الظفر خمس دية الأصبع).
أما كون أصابع اليدين فيها الدية؛ فلأن في إتلاف ذلك إذهاب منفعة جنس، وفي الحديث: «في كلِّ إصْبعٍ عشرٌ من الإبل» 150 وأصابع اليدين عشر فيلزم أن يكون فيها مائة، وذلك هو الدية.
وأما كون أصابع الرجلين فيها 151 الدية؛ فلما ذكر في أصابع اليدين.
وأما كون كل أصبع فيها عشر الدية؛ فلما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ديةُ أصابعِ اليدينِ والرجلينِ عشرٌ من الإبلِ لكلِّ أُصْبُع» 152 أخرجه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وفي حديث آخر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذهِ وهذهِ سواءٌ يعني الإبهامَ والخنصَر» 153 أخرجه البخاري وأبو داود.
وأما كون كل أنملة غير الإبهام فيها ثلث عقل الإصبع؛ فلأن كل أنملة ليست إبهام ثلاث مفاصل.
وأما كون كل مفصل من الإبهام فيه نصف عقلها؛ فلأنهما مفصلان.

الجزء: 4 - الصفحة: 141

وأما كون الظفر فيه خمس دية 154 الإصبع؛ فلأن ... 155. قال: (وفي كل سن خمس من الإبل إذا قلعت ممن قد ثغر 156 والأضراس والأنياب؛ كالأسنان.
ويحتمل أن يجب في جميعها دية واحدة).
أما كون كل سن فيها خمس من الإبل على المذهب؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في السنِ خمسٌ من الإبل» 157. رواه النسائي.
وعن عمرو بن شعيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في الأسنانِ خمسٌ خمسٌ (5») 159. رواه أبو داود.
فعلى هذا يجب في جميعها مائة وستون بعيراً لأنها اثنان وثلاثون.
وأما كونه يحتمل أن يجب في جميعها دية واحدة؛ فلأنها ذو عدد تجب فيه الدية.
فلم يزد 160 على الدية؛ كالأصابع والأجفان وسائر ما في الإنسان منه شيء واحد.
ولأنها تشتمل على منفعة جنس.
فلم تزد ديتها على الدية؛ كسائر منافع الجنس.
وهذا الاحتمال ذكره المصنف رحمه الله في المغني رواية.
والأول أولى؛ لأن دليل الثانية قياس في مقابلة النص فلا يصح.
فإن قيل: ما معنى ممن ثغر ولم اشترط ذلك؟ قيل: معناه ممن أبدل أسنانه وبلغ حداً إذا قلعت سنه لم يعد بدلها.
وإنما اشترط ذلك؛ لأن من لم يبلغ ذلك العادةُ جارية بعود سنه.
فلم تجب فيها في الحال شيء؛ كنتف شعره.158

الجزء: 4 - الصفحة: 142

فعلى هذا ينتظر عودها فإن عادت تبين أنه لم يجب له دية السن، وإن لم تعد ومضت مدة يئس من عودها وجبت ديتها لأن عودها صار مأيوساً.
أشبه ما إذا قلعها ممن ثغر.
نص عليه الإمام أحمد؛ لأن 161 [الغالب أن يعود فيها.
وقال القاضي: إذا سقطت أخواتها ولم تعد هي أُخذت ديتها لأن الغالب أنها] 162 لا تعود بعد ذلك.
وأما كون الأضراس والأنياب كالأسنان؛ فلما روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الأصابعُ سواءٌ، والأسنانُ سواءٌ، السنُّ 163 والضرسُ سواءٌ هذه وهذه سواء» 164. رواه أبو داود.
وفي الحديث المتقدم: «وفي الأسنانِ خمسٌ خمسٌ» 165. ولم يفصل فيدخل الأضراس والأنياب في ذلك.
ولأن 166 كل دية وجبت في جملة كانت مقسومة على العدد دون المنافع 167 كالأصابع والأجفان.
قال: (وتجب دية اليد والرجل في قطعهما من الكوع والكعب.
فإن قطعهما من فوق ذلك لم يزد على الدية في ظاهر كلامه.
وقال القاضي: في الزائد حكومة).
أما كون الدية تجب في قطع اليد من الكوع؛ فلأن اليد المطلقة في الشرع محمولة على ذلك.
بدليل قطع السارق والمسح في التيمم.
وأما كونها تجب في قطع الرجل من الكعب؛ فلأن الكعب من الرجل بمنزلة الكوع من اليد، ولذلك إذا سرق ثانياً قطعت رجله من كعبها.

الجزء: 4 - الصفحة: 143

وأما كون من قطع [اليد من فوق] 168 الكوع، والرجل من فوق الكعب لا يزاد على الدية في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن اليد اسم للجميع إلى المنكب، والرجل اسم للجميع إلى الفخذ.
فإن قيل: فيجب أن لا يجب بقطعها من الكوع الدية.
قيل: لا يلزم من وجوب الدية في شيء عدم وجوبها فيما دونه.
بدليل أن الدية تجب في اليد من الكوع، وتجب في قطع الأصابع دون الكف.
وأما كون الزائد فيه حكومة على قول القاضي؛ فكما لو قطع يده من الكوع ثم قطع ذلك.
قال: (وفي مارن الأنف وحشفة الذكر وحلمتي الثديين وكسر ظاهر السن دية العضو كاملة.
ويحتمل أن يلزم من استوعب الأنف جدعاً دية وحكومة في القصبة).
أما كون مارن الأنف -وهو ما لان منه- 169 فيه دية الأنف كاملة؛ فلأن الجمال يذهب بذلك.
أشبه الأنف كله.
وأما كون الأنف إذا استوعب جدعاً فيه الدية فقط؛ فلأنه روي عن طاوس أنه قال 170 في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وفي 171 الأنفِ إذا أُوعِبَ مارِنُهُ جَدْعاً الدية» 172. وأما كونه يحتمل أن يجب في المارن دية 173 وحكومة في القصبة؛ فلما تقدم في قطع اليد من فوق الكوع.
وأما كون حشفة الذكر فيها دية الذكر؛ فلأن منفعته تكمل بالحشفة كما تكمل منفعة اليد بالأصابع، وفي الأصابع بلا كف دية كاملة.
فكذلك الحشفة.

الجزء: 4 - الصفحة: 144

وأما كون حلمتي الثديين فيهما دية الثديين؛ فلأنه ذهب من الثديين ما تذهب المنفعة بذهابه.
فوجب 174 ديتهما كاملة؛ كالأصابع من الكف وحشفة الذكر.
بيان ذهاب المنفعة أن بهما يشرب الصبي ويرتضع 175 فيهما؛ كالأصابع في الكف.
وأما كون كسر ظاهر السن فيه دية السن؛ فلأنه هو المسمى سناً وما خفي باللثة يسمى سنخاً.
قال: (وفي قطع بعض المارن والأذن والحلمة واللسان والشفة والحشفة والأنملة والسن وشق الحشفة طولاً بالحساب من ديته [يقدر بالأجزاء).
أما كون قطع ما ذكر فيه بالحساب من ديته] 176؛ فلأن من 177 تجب الدية في جميعه يجب أن تجب في بعضه بالحساب.
وأما كون ذلك يقدر بالأجزاء؛ فلأن ذلك طريق إلى العلم بمقدار الجناية، وهو مطلوب؛ لما فيه من تحصيل العلم بمقدار الواجب.
وأما كون شق الحشفة طولاً بالحساب؛ فلأنه نقص.
فيجب أن يجب بحسابه؛ كالقطع.
قال: (وفي شلل العضو أو إذهاب نفعه، والجناية على الشفتين بحيث لا ينطبقان على الأسنان، وتسويد السن والظفر بحيث لا يزول: ديته.
وعنه: في تسويد السن ثلث ديتها.
وقال أبو بكر: فيها حكومة).
أما كون شلل العضو فيه ديته؛ فلأنه يذهب بشلله المنفعة المقصودة منه.
فوجب أن تجب فيه الدية؛ كما لو جنى على عينه فذهب ضوؤها.
وأما كون إذهاب نفع العضو فيه ديته؛ فلأن ذلك في معنى شلله، وذلك يوجب الدية.
فكذلك ما في معناه لأن التساوي معنى يوجب التساوي حكماً.

الجزء: 4 - الصفحة: 145

وأما كون الجناية على الشفتين بحيث لا ينطبقان على الأسنان فيها دية الشفتين؛ فلأن الجاني الجناية المذكورة عطل منفعة الشفتين.
فوجب أن تجب عليه ديتهما؛ كما لو أشلهما.
وأما كون تسويد السن فيه دية السن كاملة على المذهب؛ فلأنه قول زيد بن ثابت ولم يعرف له مخالف فكان إجماعاً.
ولأنه ذهب 178 جمالها بتسويدها.
فكملت ديتها على من سودها؛ كما لو سود وجهه.
وأما كون ذلك فيه ثلث دية السن على روايةٍ؛ فلأنه منقول عن بعض الصحابة.
وأما كونه فيه حكومة على قول أبي بكر 179؛ فلأنه لم تذهب منفعتها.
أشبه ما لو تغير لون عينه وهو يبصر.
وأما كون تسويد الظفر بحيث لا يزول فيه دية الظفر؛ فلما ذكر في السن.
فإن قيل: هلا خرج فيه من الخلاف ما خرج في السن 180؟ قال: (وفي العضو الأشل من اليد والرجل والذكر والثدي، ولسان الأخرس، والعين القائمة، وشحمة الأذن، وذكر الخصي والعنين، والسن السوداء، والثدي دون حلمته، والذكر دون حشفته، وقصبة الأنف، واليد والإصبع الزائدتين 181: حكومة.
وعنه: ثلث ديته.
وعنه: في ذكر الخصي والعنين كمال ديته).
أما كون العضو الأشل من اليد فيه حكومة على الأول؛ فلأنها يد لا منفعة فيها.
أشبهت اليد الزائدة.

الجزء: 4 - الصفحة: 146

وأما كونها فيها ثلث دية اليد على روايةٍ؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في اليدِ الشلاءِ إذا قُطِعتْ بِثُلُثِ ديتِها» 182. وهذه أولى؛ لأن دليل الأول قياس في مقابلة النص.
ولأن ذلك يروى عن عمر بن الخطاب 183. ولأن اليد المذكورة كاملة الصورة.
فوجب أن يكون فيها مقدر؛ كالصحيحة.
وأما كون العضو الأشل من الرجل والذكر والثدي فيه الروايتان المذكورتان؛ فلأنه كاليد الشلاء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وأما كون لسان الأخرس فيه الروايتان المذكورتان؛ فلأن خرس اللسان كشلل الأعضاء المذكورة.
فوجب أن يخرج فيه ما خرج في العضو الأشل.
وأما كون العين القائمة فيه الروايتان المذكورتان؛ فلأنها في معنى اليد الشلاء.
ويعضده أن في حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في العينِ القائمةِ السَّادة 184 لمكانِها بُثلُثِ الدية» 185. وأما كون شحمة الأذن فيها الروايتان المذكورتان 186. وأما كون ذكر الخصي والعنين فيه حكومة على الأول؛ فلأن نفعه ذهب.
أشبه العضو الأشل.
وأما كونه فيه ثلث دية 187 الذكر على روايةٍ؛ فلأن منفعة الإنزل والإحبال معدوم فيه.
فلم تبلغ ديته الدية، ولم تنقص عن ثلثها؛ كالعين القائمة.
وأما كونه فيه كمال دية الذكر على روايةٍ؛ فلعموم قوله عليه السلام: «وفي الذَّكرِ الدية» 188.

الجزء: 4 - الصفحة: 147

وأما كون السن السوداء فيها الروايتان المذكورتان؛ فلأن سوادهما كشلل 189 اليد معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
ويعضد رواية 190 ثلث دية السن أن في حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره: «وفي السنِّ السودَاءِ إذا قُلِعَتْ ثلث ديتها» 191. رواه النسائي.
ولأنها كاملة الصورة.
فكان فيها مقدّر؛ كالصحيحة.
وأما كون الثدي دون حلمته فيه الروايتان المذكورتان في اليد الشلاء؛ فلأن ذهاب الحلمة كالشلل في اليد؛ لأن نفع الثدي يذهب بذهاب الحلمة؛ كما يذهب نفع اليد بشللها.
وأما كون الذكر دون حشفته فيه الروايتان المذكورتان 192؛ فلأن ذهاب الحشفة كالشلل؛ لاشتراكهما في ذهاب المنفعة.
وأما كون قصبة الأنف فيها الروايتان المذكورتان؛ فلأن نفع الأنف يذهب بذهاب القصبة.
أشبه ذهاب منفعة اليد لشللها.
وأما كون اليد والإصبع الزائدتين فيهما الروايتان فبالقياس على اليد الشلاء.
والأولى أن فيهما الحكومة؛ لأن التقدير لا يصار إليه إلا بتوقيف، أو مماثلة لما فيه توقيف.
وليس ما ذكر مماثلاً لليد الشلاء؛ [لأن اليد الشلاء] 193 يحصل 194 بها الجمال، واليد الزائدة والإصبع الزائدة لا جمال فيها في الغالب.

الجزء: 4 - الصفحة: 148

قال: (فلو قطع الأنثيين والذكر معاً أو الذكر ثم الأنثيين لزمه ديتان.
ولو قطع الأنثيين ثم قطع الذكر وجبت دية الأنثيين.
وفي الذكر روايتان إحداهما: دية، والأخرى: حكومة أو ثلث الدية).
أما كون قطع الأنثيين والذكر معاً أو الذكر أولاً ثم الأنثيين يلزم قاطعهما ديتان؛ فلأن كل واحد منهما إذا قطع منفرداً وجبت ديته فإذا اجتمع قطعهما وجبت ديتان.
وأما كون قطع الأنثيين أولاً ثم الذكر يجب في الأنثيين ديتهما وفي الذكر الروايتان المتقدم ذكرهما؛ فلأن قطع الأنثيين لم يصادف ما يوجب نقصهما عن ديتهما، وقطع الذكر نظراً إلى أنه ذكر فيه دية الذكر 195؛ لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «في الذكرِ الدية» 196، ونظراً إلى أنه صادف ذكر خصي فيه ما تقدم في ذكر الخصي.
قال: (وإن أشل الأنف أو الأذن أو عوجهما [ففيه حكومة.
وفي قطع الأشل منهما كمال ديته).
أما كون من ذُكر] 197 عليه في ذلك حكومة؛ فلأنه لا تقدير في ذلك، والحكومة واجبة في كل موضع لا مقدر فيه.
فإن قيل: شلل كل عضو بمنزلة قطعه.
فلم لم يكن الأمر هاهنا كذلك؟ قيل: لأن نفع الأنف والأذن باق مع الشلل.
بخلاف اليد فإن نفعها غير باق.
وإنما قلنا أن نفع الأنف كونه مجرى اجتذاب الهواء، ونفع الأذن كونها تجمع الصوت ويمنع دخول الهوام في الصماخ، وذلك كله موجود مع الشلل.
وأما كون قطع الأشل من الأنف والأذن فيه كمال ديته؛ فلأنه صادف عضواً كامل المنفعة والجمال.
أشبه الصحيح.

الجزء: 4 - الصفحة: 149

قال: (وتجب الدية في الأنف الأخشم والمخزوم وأذني الأصم.
وإن قطع أنفه فذهب شمه، أو أذنيه فذهب سمعه: وجبت ديتان.
وسائر الأعضاء إذا أذهبها بنفعها لم تجب إلا دية واحدة).
أما كون أنف الأخشم والمخزوم تجب فيه الدية؛ فلقوله عليه السلام: «وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدْعاً الدية» 198. وأما كون أذني الأصم تجب فيهما الدية؛ فلعموم قوله عليه السلام: «وفي الأذنينِ الدية» 199. ولأن الصمم نقص في غير الأذن فلا يؤثر في دية الأذن.
وأما كون من قطع أنف شخص فذهب شمه، أو أذنيه فذهب سمعه عليه في ذلك ديتان؛ فلأن الشم في غير الأنف، والسمع في غير الإذن.
فلم تدخل إحدى الديتين في الأخرى.
وأما كون سائر الأعضاء إذا أذهبها بنفعها لا تجب فيها إلا دية واحدة؛ فلأن تفويت 200 نفعه وقع ضمناً، والعضو الفائت ضمناً لا شيء فيه.
دليله القتل فإنه وجب دية واحدة وإن أتلف أشياء وتجب بكل واحدة منهما الدية.
ومما ذكر فارقت سائر الأعضاء، والأنف إذا ذهب معه الشم، والأذن إذا ذهب معها السمع لأن كل واحد من الأمرين في غير الأنف والأذن.
فذهاب أحدهما مع الآخر ذهاب لما ليس أحدهما نفعاً للآخر.
والله أعلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 150

فصل في دية المنافع قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفي كل حاسة دية كاملة.
وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق.
وكذلك تجب في الكلام، والعقل، والمشي، والأكل، والنكاح).
أما كون كل حاسة فيها دية كاملة؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وأما قول المصنف: وهي السمع والبصر والشم والذوق؛ فبيان لمعنى الحاسة وتعداد لها.
وأما كون السمع فيه دية كاملة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وفي السمعِ الدية» 201. وروي «أن عمر رضي الله قضى في رجلٍ رمى رجلاً بحجرٍ في رأسهِ فذهبَ سمعهُ وعقلهُ ولسانهُ ونكاحهُ بأربعِ دياتٍ والرجلُ حي» 202. وأما كون البصر فيه دية كاملة؛ فلأنها إذا أوجبت بإذهاب السمع والشم؛ فلأن تجب بإذهاب البصر بطريق الأولى؛ لأن انتفاع الإنسان بضوء عينيه أكثر من انتفاعه بالسمع والشم.
وأما كون الشم فيه دية كاملة؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «وفي المشامِّ الدية» 203. ولأن إذهاب ذلك ذهاب حاسة تختص بمنفعة.
فكان فيها الدية؛ كسائر الحواس.
وأما كون الذوق فيه دية كاملة؛ فلأن الذوق حاسة.
أشبه بقية الحواس.

الجزء: 4 - الصفحة: 151

قال المصنف في المغني: قياس المذهب أن لا دية فيه لأنه لا يُختلف في لسان الأخرس أنه لا تجب الدية فيه ولو وجب في الذوق الدية لوجبت في ذهابه فمع ذهاب اللسان بطريق الأولى.
قال: والصحيح إن شاء الله تعالى أنه لا دية منه لأن كل عضو لا تكمل الدية فيه بمنفعته لا تكمل في منفعته دونه.
دليله سائر الأعضاء.
وأما كون الكلام كذلك أي تجب فيه دية كاملة؛ فلأن كل ما تعلقت الدية بإتلافه تعلقت بإتلاف منفعته.
دليله اليد.
وأما كون العقل كذلك أي تجب فيه دية كاملة؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «وفي العقلِ الدية» 204. ولأن العقل أكبر المعاني قدراً وأعظم الحواس نفعاً فإن به يتميز من البهيمة ويعرف به صحة 205 حقائق المعلومات ويهتدي به إلى المصالح ويدخل به في التكليف.
وهو شرط في ثبوت الولايات وصحة التصرفات وأداء العبادات.
فكان بإيجاب الدية أحق من بقية الحواس.
وأما كون المشي كذلك أي يجب فيه دية كاملة؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «وفي الصلبِ الدية» 206. ولأن في المشي منفعة مقصودة.
أشبه الكلام.
وأما كون الأكل كذلك أي تجب فيه دية كاملة؛ فلأنه قول علي رضي الله عنه.
ولأن النكاح نفع مقصود.
أشبه ذهاب المشي 207.

الجزء: 4 - الصفحة: 152

قال: (وتجب في الحدَب والصّعَر.
وهو: أن يضربه فيصير الوجه في جانب، وفي تسويد الوجه إذا لم يزل، وإذا لم يستمسك الغائط أو البول: ففي كل واحد من ذلك دية كاملة).
أما كون الحدَب تجب فيه دية كاملة؛ فلأن بذلك تذهب المنفعة والجمال لأن انتصاب القامة من كمال الجمال ومن شرف الآدمي على سائر الحيوان.
وأما كون الصَّعَر تجب فيه دية كاملة؛ فلأن مكحولاً روى عن زيد بن ثابت أنه قال: «وفي الصَّعر الدية» 208. ولم يعرف له مخالف في الصحابة فكان إجماعاً.
ولأن الصعر يذهب معه المنفعة والجمال.
فوجب فيه دية كاملة؛ كسائر المنافع.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يضربه فيصير الوجه في جانب؛ فبيان للصعر.
وأصله داءٌ يأخذ البعيرَ يلتوي 209 له عنقه.
قال الله تعالى: ﴿ولا تُصَعِّر خدك للناس﴾ [لقمان: 18].
أي ولا تعرض عنهم بوجهك تكبراً كإمالة وجه البعير الذي به الصَّعَر.
وأما كون تسويد الوجه إذا لم يزل فيه دية كاملة؛ فلأن بذلك يذهب كمال الجمال.
فوجب أن تجب فيه كمال الدية؛ لما تقدم غير مرة.
وأما كون الغائط أو البول إذا لم يستمسك في كل واحد دية كاملة؛ فلأن كل واحد من محليهما فيه 210 منفعة ليس في البدن مثلها.
فوجب في تفويتها دية كاملة؛ كسائر الأعضاء.
قال: (وفي نقص شيء من ذلك إن علم بقَدْره؛ مثل: نقص العقل بأن يجن يوماً ويفيق يوماً، أو ذهاب بصر إحدى العينين، أو سمع إحدى الأذنين.
وفي بعض الكلام بالحساب يقسم على ثمانية وعشرين حرفاً.
ويحتمل أن يقسم على الحروف التي للّسان فيها عمل دون الشفوية كالباء والفاء والميم.
وإن لم يُعلم قدره مثل إن صار مدهوشاً أو نقص سمعه أو بصره أو شمه، أو حصل في كلامه

الجزء: 4 - الصفحة: 153

عجلة أو تمتمة، أو نقص مشيه، أو انحنى قليلاً، [أو تقلصت شفته بعض التقلص، أو تحركت سنه، أو ذهب اللبن من ثدي المرأة ونحو ذلك] 211: ففيه حكومة).
أما كون نقص شيء مما ذكر إن علم بقدره؛ فلأن ما وجب في جميع الشيء وجب في بعضه بقدره؛ كإتلاف الأموال.
وأما قول المصنف رحمه الله: مثل نقص العقل بأن يجن يوماً ويفيق يوماً ... إلى آخره؛ فبيان للنقص المعلوم قدره.
فعلى هذا يجب فيما ذُكر نصف الدية؛ لأن ذلك ذهاب نصف العقل، ويجب في ذهاب ضوء إحدى العينين نصف الدية؛ لأن ذلك نصف البصر، ويجب في ذهاب سمع إحدى الأذنين نصف الدية؛ لأن ذلك نصف السمع.
وأما كون بعض الكلام فيه بالحساب؛ فلأنه يساوي ما تقدم معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وأما كون ذلك يقسم على ثمانية وعشرين حرفاً؛ فلأن لكل حرف باللسان تعلقاً: إما لأنه فيه، وإما لأن ما ليس فيه لا ينتفع به إلا مع الحرف اللساني.
وأما كونه يحتمل أن يقسم على الحروف التي للسان فيها عمل دون الشفوية؛ فلأن الجناية صادفت اللسان.
فوجب أن يعتبر ما له عمل فيها.
فإن قيل: لم سقطت لا من الحساب [على الأول؟ وما الحروف التي للسان فيها عمل] 212؟ قيل: أما سقوط لا من الحساب؛ فلأن 213 مخرجها مخرج الألف واللام.
وأما الحروف التي للسان فيها عمل فقال المصنف رحمه الله في المغني: الحروف الشفوية أربعة: الباء والميم والفاء والواو، والحروف الحلقية: الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين.
فهذه عشرة بقي ثمانية عشر.

الجزء: 4 - الصفحة: 154

فعلى هذا الباقي من الحروف هو: التاء والثاء والجيم والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والقاف والكاف واللام والنون والياء.
وأما كون ما لا يعلم قدره كما مثل المصنف رحمه الله فيه حكومة؛ فلأن ذلك كله لا يمكن تقديره لعدم العلم بمقداره.
فوجب أن تجب فيه حكومة؛ كسائر ما لا تقدير فيه.
قال: (وإن قطع بعض اللسان فذهب بعض الكلام اعتبر أكثرهما.
فلو ذهب ربع اللسان ونصف الكلام أو ربع الكلام ونصف اللسان: وجب نصف الدية).
أما كون ما ذكر يعتبر فيه الأكثر؛ فلأن كل واحد من اللسان والكلام مضمون 214 بالدية منفرداً ومجموعهما 215 مضموناً بها.
فإذا اجتمعا وجب اعتبار الأكثر.
وأما كونه يجب فيه نصف الدية؛ فلأن الأكثر من الذاهب يوجب 216 ذلك.
قال: (وإن قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام ثم قطع آخر بقيته: فعلى الأول نصف الدية، وعلى الثاني نصفها.
ويحتمل أن يجب عليه نصف الدية وحكومة لربع اللسان).
أما كون الأول عليه نصف الدية؛ فلأنه ذهب بجنايته نصف الكلام.
وأما كون الثاني عليه نصفها لا غير على المذهب؛ فلأن اللسان ذهب بجنايتهما وقد ضمن الأول نصف الدية.
فوجب أن يكون الباقي على الثاني.
وأما كونه يحتمل أن يجب عليه نصف الدية والحكومة: أما نصف الدية؛ فلأنه ذهب بجنايته نصف الكلام.
وأما الحكومة؛ فلأن الزائد على نصف اللسان أشل ولا حظ له في الدية.
فوجب أن تجب فيه حكومة.

الجزء: 4 - الصفحة: 155

قال: (وإن قطع لسانه فذهب نطقه وذوقه لم تجب إلا دية.
وإن ذهبا مع بقاء اللسان ففيه ديتان).
أما كون من قطع لسانه فذهب نطقه وذوقه لا تجب له 217 إلا دية؛ فلأن فوات النطق والذوق حصل ضمناً.
فلم يجب بهما شيء؛ كسائر الأعضاء مع النفس.
وأما كون من ذهب نطقه وذوقه مع بقاء اللسان فيه ديتان؛ فلأن كل واحد منهما ذاهب لا على سبيل التبع.
أشبه ما لو أذهب واحداً بعد واحد.
قال: (وإن كسر صلبه فذهب مشيه ونكاحه ففيه ديتان.
ويحتمل أن تجب دية واحدة).
أما كون [ما ذكر] 218 فيه ديتان على المذهب؛ فلأن المشي والنكاح متعتان تجب الدية بذهاب كل واحد منهما منفرداً.
فإذا اجتمعا وجب فيهما ديتان؛ كالسمع والبصر.
وأما كونه يحتمل أن تجب دية واحدة؛ فلأنهما نفع عضو واحد.
فلم تجب فيها أكثر من دية واحدة؛ كما لو قطع لسانه فذهب كلامه وذوقه.
قال: (وإن اختلفا في نقص بصره أو سمعه فالقول قول المجني عليه.
وإن اختلفا في ذهاب بصره أُري أهل الخبرة به 219 وقرّب الشيء إلى عينه في وقت غفلته.
وإن اختلفا في ذهاب سمعه أو شمه أو ذوقه صيح به في أوقات غفلته، وتتبع بالرائحة المنتنة، وأطعم الأشياء المرة فإن فزع مما يدنو من بصره أو انزعج للصوت أو عبس للرائحة أو الطعم المر سقطت دعواه، وإلا فالقول قوله مع يمينه).
أما كون القول قول المجني عليه إذا اختلف هو والجاني في نقص البصر والسمع؛ فلأن ذلك لا يعرف إلا من جهته.
فكان القول قوله فيه؛ كما أن القول قول المرأة في حيضها لكونه لا يعلم إلا من جهتها.

الجزء: 4 - الصفحة: 156

وأما كونه يُرى أهل الخبرة إذا اختلف هو والجاني في ذهاب بصره؛ فلأن ذلك تمكن معرفته منهم وهم فيما يخبرون به كالبيّنة.
وأما كونه يقرب الشيء إلى عينه في وقت غفلته؛ فلأن ذلك يعلم به أَذَهَبَ بصره أم لا؟ . وأما كونه يصاح به في وقت غفلته إذا ادعى ذهاب سمعه، ويتتبع بالرائحة المنتنة إذا ادعى ذهاب شمه، ويطعم الأشياء المرة إذا ادعى ذهاب ذوقه؛ فلأن كل واحد مما ذكر يمكن الاستعلام به هل صدق في دعواه [أو كذب، ولذلك لم يرجع إلى قوله فيما إذا ادعاه.
وأما 220 كونه تسقط دعواه] 221 إذا فزع عندما يدنو إلى بصره أو انزعج للصوت أو عبس للرائحة المنتنة أو الطعم المر؛ فلأن ذلك دليل على كذبه.
وأما كون القول قوله إذا لم يوجد منه ذلك؛ فلأن الظاهر صدقه.

الجزء: 4 - الصفحة: 157

فصل [لا تجب دية الجرح حتى يندمل] قال المصنف رحمه الله: (ولا تجب دية الجرح حتى يندمل، ولا دية سن ولا ظفر ولا منفعة حتى ييئس من عودها).
أما كون دية الجرح لا تجب حتى يندمل؛ فلأن الدية في الخطأ نظير القصاص في العمد، ولا يقتص من الجرح في العمد حتى يندمل.
فكذلك لا تجب الدية في الخطأ حتى تندمل.
وأما كون دية سن أو ظفر أو منفعة لا تجب حتى ييئس من عودها؛ فلأن اليأس من العود فيما ذكر كالاندمال في الجرح، ودية الجرح لا تجب حتى يندمل.
فكذلك لا تجب دية سن ولا ظفر ولا منفعة حتى ييأس 222 من العود.
قال: (ولو قلع سن كبير أو ظفره 223 ثم نبت أو رده فالتحم، أو أذهب سمعه أو بصره أو شمه أو ذوقه أو عقله ثم عاد: سقطت ديته.
وإن كان قد أخذها ردّها.
وإن عاد ناقصاً، أو عادت السن أو الظفر قصيراً أو متغيراً فعليه أرش نقصه.
وعنه: في قلع الظفر إذا نبت على صفته خمسة دنانير، وإن نبت أسود ففيه عشرة).
أما كون من قلع سن كبير أو ظفره 224 ثم نبت تسقط ديته؛ فلأن المجني عليه عاد له مثل ما جني عليه.
فلم تجب له دية؛ كما لو قلع 225 من صبي لم يثغر.

الجزء: 4 - الصفحة: 158

وأما كون من قلع ذلك ثم رده فالتحم تسقط ديته؛ فلأن ذلك في معنى نبات السن، وإذا 226 نبت تسقط.
فكذلك ما هو في معنى 227 النبات.
وأما كون من أذهب سمعه أو بصره أو شمه أو ذوقه أو عقله ثم عاد تسقط ديته؛ فلما ذكر في السنّ.
وأما كون المجني عليه يردها إن كان قد أخذها؛ فلأنه تبين أنه لا حق له فيها.
أشبه ما لو أخذ من شخص شيئاً ظناً منه أنه حقه ثم تبين أنه لا حق له في ذلك فإنه يجب عليه رد ما أخذ.
فكذلك هاهنا.
وأما كون الجاني عليه أرش النقص إذا عاد السمع أو البصر أو الشم ناقصاً؛ فلأن ذلك بمنزلة ما لو نقص ذلك ابتداء.
وأما كونه عليه أرش نقص السن إذا عادت قصيرة أو متغيراً 228؛ فلأن ذلك نقصٌ فيها وعود الشيء ناقصاً يوجب لوجوب أرش النقص؛ لما تقدم.
وأما كونه عليه أرش نقص الظفر إذا عاد قصيراً أو متغيراً على المذهب؛ فلأنه نقص.
فكان عليه أرش نقصه؛ كالسنّ.
وأما كون قلع الظفر إذا نبت على صفته فيه خمسة دنانير، وإن نبت أسود ففيه عشرة على روايةٍ.
قال: (وإن قلع 229 سن صغير ويئس من عودها وجبت ديتها.
وقال القاضي: فيها حكومة).
أما كون دية السن الموصوفة بما ذكر تجب على المذهب؛ فلأنه تيقن أنه قلع سناً مأيوساً من عودها.
فوجب أن تجب ديتها؛ كما لو قلعها من كبير.
وأما كونها فيها حكومة على قول القاضي؛ فلأن السن المذكورة لا تساوي سن الكبير.
بدليل أن الدية عند القلع.
فوجب أن لا يكون الواجبُ فيها الواجبَ فيها، وذلك يقتضي وجوب الحكومة؛ لأنها جناية لا مقدر فيها.

الجزء: 4 - الصفحة: 159

والأولى أولى؛ لعموم قوله عليه السلام: «وفي السنِ خمسٌ من الإبل» 230. ودعوى عدم المساواة بينها وبين السن الكبيرة ممنوعة وما ذكر من الفرق بعدم الوجوب عند القلع فلأمر.
وهو: أن العادة جارية بنبات سن الصغير، وشرط الوجوب اليٍأس من العود.
فإذا أيس من عود سنه صار بمنزلة سن الكبير فلا فرق.
فإن قيل: متى ييأس من عودها؟ قيل: المنقول عن الإمام أحمد بعد سنة؛ لأن ذلك هو الغالب في نباتها.
وقال القاضي: إذا سقطت أخواتها ثم نبتت ولم تنبت هي؛ لأن الحال دلّ على ذلك.
قال: (وإن مات المجني عليه فادعى الجاني عود ما أذهبه فأنكره الولي فالقول قول الولي.
وإن جنى على سنه اثنان واختلفا فالقول قول المجني عليه في قدر ما أتلف كل واحد منهما).
أما كون القول قول الولي في إنكاره لعود ما ادعى الجاني عوده؛ فلأن قوله يعضده الأصل من حيث إن الأصل عدم العود.
وأما كون القول قول المجني عليه إذا جنى عليه اثنان واختلفا في قدر ما أتلف كل واحد منهما؛ فلأنه أعلم بذلك منهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 160

فصل [في دية الشعر] قال المصنف رحمه الله: (وفي كل واحد من الشعور الأربعة الدية وهي: شعر الرأس، واللحية، والحاجبين، وأهداب العينين.
وفي كل حاجب نصفها، وفي كل هدب ربعها، وفي بعض ذلك بقسطه من الدية.
وإنما تجب ديته إذا أزاله على وجه لا يعود.
فإن عاد سقطت الدية).
أما كون كل واحد من الشعور الأربعة فيه الدية؛ فلأن في إذهاب كل واحد منها ذهاب منفعة جنس.
أشبهت اليدين والرجلين وما أشبه ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي شعر الرأس واللحية والحاجبين وأهداب العينين؛ فبيان للشعور الأربعة المتقدم ذكرها.
وأما كون كل حاجب فيه نصف الدية؛ فلأن ما وجب الدية في شيء وجب نصفها في نصفه؛ كاليدين.
وأما كون كل هدب فيه ربع الدية؛ فلأن في جميع الأهداب الدية وهي أربعة.
فيجب أن يجب في كل هدب ربعها.
وأما كون بعض ذلك بقسطه من الدية؛ فلأن ما وجب الدية في جميعه وجب في بعضه بقسطه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإنما تجب ديته إذا أزاله على وجه لا يعود؛ فبيان لاشتراط عدم عود الشعور المذكورة للوجوب المذكور.
ووجهه: أن احتمال العود في العادة يمنع من الوجوب.
دليله سن الصغير.
فعلى هذا إن أيس من عودها وجبت الدية.
فإن عادت بعد ذلك سقطت؛ كالسن سواء.

الجزء: 4 - الصفحة: 161

قال: (وإذا أبقى 231 من لحيته ما لا جمال فيه احتمل أن يلزمه بقسطه، واحتمل أن يلزمه كمال الدية.
وإن قلع الجفن بهدبه لم تجب إلا دية الجفن.
وإن قلع اللحيين بما عليهما من الأسنان فعليه ديتهما ودية الأسنان).
أما كون من أبقى من شعر لحية غيره ما لا جمال فيه يحتمل أن يلزمه بقسطه؛ فلأنه بقي 232 بعض ما كان به الجمال فوجبت بقسطه الدية على الفائت والباقي.
وأما كونه يحتمل أن يلزمه كمال الدية؛ فلأنه أذهب المقصود كله.
أشبه ما لو أذهب ضوء العين.
ولأن جنايته ربما جرت 233 إلى إذهاب الباقي لزيادته في القبح على ذهاب الكل.
فتكون جنايته سبباً لذهاب الكل.
فأوجب ديته؛ كما لو ذهب بسراية الفعل، وكما لو احتاج في دواء شجة الرأس إلى ما 234 يذهب ضوء عينه.
وأما كون من قلع الجفن بهدبه لا يجب عليه إلا دية الجفن؛ فلأن ذلك يزول تبعاً لزوال الجفن.
فلم يجب فيه شيء؛ كالأصابع إذا قطع الكف وهي عليه.
وأما كون من قلع اللحيين بما عليهما من الأسنان عليه ديتهما ودية الأسنان؛ فلأن كل واحد لو انفرد تجب ديته، وليس أحدهما تبعاً للآخر.
فإذا ذهبا وجبت ديتهما؛ كما لو جنى على أذنه فذهب سمعه وبصره.
فإن قيل: لم لا تدخل الأسنان في اللحيين لأن فواتها يقع ضمناً، ولذلك تدخل دية الأصابع في دية اليد؟ . قيل: لوجوه ثلاثة: أحدها: أن الأسنان مغروزة في اللحيين غير متصلة بها.
بخلاف الأصابع.
والثاني: أن كل واحد من اللحيين والأسنان ينفرد باسمه، ولا يدخل أحدهما في اسم الآخر.
بخلاف الكف والأصابع فإن اسم اليد يشملهما 235.

الجزء: 4 - الصفحة: 162

والثالث: أن اللحيين يوجدان قبل وجود الأسنان في الخلقة ويبقيان بعد ذهابها في حق الكبير ومن تقلعت أسنانه عادة.
بخلاف الكف والأصابع.
قال: (وإن قطع كفاً بأصابعه لم تجب إلا دية الأصابع.
وإن قطع كفاً عليه بعض الأصابع دخل ما حاذى الأصابع في ديتها وعليه أرش باقي الكف.
وإن قطع أنملة بظفرها فليس عليه إلا ديتها).
أما كون من قطع كفاً بأصابعه لا تجب عليه إلا دية الأصابع؛ فلأن تلف الأصابع وقع ضمناً لتلف اليد كما وقع تلف اليد ضمناً لتلف النفس.
وفي تلف النفس لا تجب إلا دية النفس.
فكذلك لا تجب بتلف الكف الذي عليه أصابعه إلا دية اليد.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله مشعر بأن الدية للأصابع، وذلك يقتضي سقوط ما يجب في مقابلة الكف.
قيل: ظاهره ذلك وليس بمراد له، ولكن لما كان دية الأصابع كدية اليد أطلق اللفظ المذكور نظراً إلى المعنى.
والعبارة المخلصة من الإشكال أن يقول: لم تجب إلا دية اليد كما ذكرتُ في الشرح.
وأما كون ما حاذى الأصابع يدخل في ديتها إذا قطع كفاً عليه بعض الأصابع؛ فلأن دخول الكل في الكل يقتضي دخول البعض في البعض.
وأما كون قاطع ذلك عليه أرش باقي الكف؛ فلأنه لم يوجد شيء يدخل فيه ضمان ذلك.
أشبه ما لو لم يبق من يده إلا ذلك فقطعه.
وأما كون من قطع أنملة بظفرها ليس عليه إلا ديتها؛ فلأن الظفر في الأنملة كالإصبع في اليد.

الجزء: 4 - الصفحة: 163

فصل [في دية الأعور] قال المصنف رحمه الله: (وفي عين الأعور دية كاملة.
نص عليه).
أما كون عين الأعور فيها دية كاملة؛ فلأن عمر وعثمان وعلياً وابن عمر رضي الله عنهم قضوا بذلك 236، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة فيكون إجماعاً.
ولأن قطع عين الأعور يتضمن إذهاب البصر كله.
فوجبت الدية؛ كما لو أذهبه من العينين.
ودليل ذلك أنه يحصل بها ما يحصل بالعينين فإنه يرى الأشياء البعيدة ويدرك 237 الأشياء اللطيفة ويعمل أعمال البصير ويجوز أن يكون شاهداً أو قاضياً.
فإن قيل: لو صح أنه يذهب بذهاب العين العوراء البصر كله لم يكن في إذهاب إحدى العينين نصف الدية لأنه لم ينقص ضوء عينه وإنما انتقل.
قيل: لا يلزم من وجوب دية إحدى 238 العينين نقص دية الباقي 239 بدليل ما لو جنى عليهما فأحولتا أو نقص ضوؤهما فإنه يجب أرش النقص ولا تنقص ديتهما بذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: نص عليه؛ فتنبيه 240 على أن الإمام أحمد رضي الله عنه صرح بذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 164

قال: (وإن قلع الأعورُ عين صحيح عمداً فعليه دية كاملة ولا قصاص.
ويحتمل أن تقلع عينه ويعطى نصف الدية.
وإن قلعها خطأ فعليه نصف الدية).
أما كون الأعور عليه دية كاملة إذا قلع عين صحيح عمداً.
أي 241 إذا قلع إحدى عيني صحيح عمداً؛ فلأن القصاص لما تعذر لكون عينه بمنزلة عيني 242 صحيح وجب أن تجب دية عينه بمنزلة عينين لما تقدم من أن ضوء المقلوعة تنتقل إلى الباقية.
ولأن ضوء عين الأعور يذهب بذهابه جميع منفعة الجنس.
أشبهت بمفردها عيني الصحيح.
ولأن الأعور أقيم مقام صحيح العينين في الشهادة والقضاء وغير ذلك.
فكذلك هاهنا.
ولأن عمر وعثمان رضي الله عنهما قضيا بذلك 243، ولا يعرف لهما مخالف فكان إجماعاً.
وأما كونه يحتمل أن تقلع عين الأعور؛ فلعموم الأدلة المقتضية للقصاص.
وأما كونه يعطى مع ذلك نصف الدية؛ فلأن زيادة عينه على عين الصحيح زيادة معنوية.
فوجب فيها ما ذكر؛ كما لو قتل رجل امرأة فإنه يقتل بها ويعطى ورثته نصف الدية.
وأما كونه عليه نصف الدية إذا قلعها خطأ؛ فلأن الأصل أن تجب في إحدى العينين نصف الدية.
تُرك العمل به فيما تقدم لقضاء عمر وعثمان رضي الله عنهما وسقوط القصاص في موضع يقتضيه الأصل فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
قال: (وإن قلع عيني صحيح عمداً خُيّر بين قلع عينه ولا شيء له غيرها، وبين الدية).

الجزء: 4 - الصفحة: 165

أما كون الصحيح مخير بين قلع عين الأعور وبين الدية؛ فلأن 244 ذلك حكم الجناية عمداً في سائر المواضع.
فكذلك يجب أن يكون هاهنا.
وأما كونه لا شيء له غير العين إذا قلعها؛ فلأن عين الأعور تقوم 245 مقام العينين بدليل قضاء الصحابة رضوان الله عليهم فيها بالدية كاملة.
قال: (وفي يد الأقطع نصف الدية وكذلك في رجله.
وعنه: فيها دية كاملة).
أما كون يد الأقطع فيها نصف الدية على المذهب؛ فلأن اليد الواحدة لا يجب فيها إلا نصف الدية.
وأما كون رجله كذلك؛ فلما ذكر في يده.
وأما كون يده أو رجله فيها دية كاملة في روايةٍ؛ فقياس على عين الأعور.
والأولى أصح؛ لما تقدم، ولدخولهما في النصوص المقتضية لوجوب نصف الدية.
والقياس على عين الأعور لا يصح لوجوه: أحدها: أن عين الأعور حصل بها ما يحصل بالعينين ولم يختلفا بالحقيقة إلا تفاوتاً يسيراً.
بخلاف قطع اليد والرجل.
وثانيها: أن عين الأعور لم يختلف الحكم فيها باختلاف صفة الذهاب الأول.
وهاهنا اختلف.
وثالثها: أن التقدير المذكور لا يصار إليه إلا بتوقيف ولم يوجد هاهنا.
بخلاف الأعور.

الجزء: 4 - الصفحة: 166

باب الشجاج وكسر العظام

قال المصنف رحمه الله: (الشجة: اسم لجرح الرأس والوجه خاصة.
وهي عشر: خمسٌ لا مقدّر فيها.
أولها: الحارصة التي تحرص الجلد أي تشقه قليلاً ولا تدميه، ثم البازلة: التي يسيل منها الدم، ثم الباضعة: التي تُبضع اللحم، ثم المتلاحمة: التي أخذت في اللحم، ثم السِّمْحاق التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة.
فهذه الخمس فيها حكومة في ظاهر المذهب.
وعنه: في البازلة بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السِّمْحاق أربعة).
أما قول المصنف رحمه الله: الشجة اسم لجرح الرأس والوجه خاصة؛ فبيان لمسمى الشجة واحدة الشجاج.
قاله الجوهري.
وأما كون الشجاج عشراً؛ فلما يذكر بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كون خمس منها لا مقدر فيها؛ فلأن التقدير من الشرع، ولم يقدر فيما 246 ذكر شيئاً.
وأما قوله: أولها الحارصة ... إلى قوله: قشرة رقيقة؛ فتعداد للخمس التي لا مقدر فيها، وبيان لها.
وأما كون الخمس المذكورة فيها حكومة في ظاهر المذهب؛ فلأنها جراحات [لم يرد فيها توقيت في الشرع.
فكان الواجب فيها حكومة؛ كجراحات] 247 البدن.
ويؤيده ما روى مكحول قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموضحةِ بخمسٍ من الإبلِ ولم يقضِ فيما دونها» 248.

الجزء: 4 - الصفحة: 167

ولأنه لم يثبت فيها مقدّر بتوقيف، ولا له قياس يصح.
فوجب الرجوع إلى الحكومة؛ كالحارصة.
وأما كون البازلة فيها بعير والباضعة فيها بعيران والمتلاحمة فيها ثلاثة والسمحاق فيها أربعة على روايةٍ؛ فلأن ذلك يروى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه 249، وروي عن علي عليه السلام في السمحاق مثل ذلك 250. رواه سعيد عنهما.
فإن قيل: لم سيمت الخمس المذكورة بذلك؟ قيل: أما الحارصة؛ فلأن الحرص الشق.
ومنه حرص القصار الثوب إذا شقه.
وأما البازلة؛ فإنها تبزل الدم أي تسيله.
وتسمى الدامية أيضاً.
وأما الباضعة؛ فلأنها تُبضع اللحم أي تبرزه.
وأما المتلاحمة؛ فلأخذها في اللحم.
وأما السِّمحاق؛ فلأن الجلدة التي تبقى بين الجلد والعظم تسمى سمحاقاً فسمي الجرح باسمها.

الجزء: 4 - الصفحة: 168

فصل [في الشجاج المقدرة] قال المصنف رحمه الله: (وخمس فيها مقدر.
أولها: الموضحة التي توضح العظم أي تبرزه ففيها خمسة أبعرة.
وعنه: في موضحة الوجه عشرة.
والأول المذهب).
أما كون الخمس من الشجاج فيها مقدر؛ فلأن التقدير من الشرع، وقد ورد في الخمس الآتي بيانها في مواضعها 251. وأما معنى الموضحة فكما ذكر المصنف رحمه الله.
وسميت بذلك لأنها أوضحت وَضَح العظم وهو بياضه.
وأما كون موضحة الرأس فيها خمس أبعرة؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «في الموضِحَةِ خمسٌ من الإبل» 252. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «في الموضِحَةِ 253 خمسٌ خمس» 254. رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن.
وأما كون موضحة الوجه فيها خمسة أبعرة أيضاً على المذهب؛ فلشمول ما تقدم لها 255.

الجزء: 4 - الصفحة: 169

وأما كونها فيها عشرة على روايةٍ؛ فلأن شينها أكثر؛ لأن موضحة الرأس يسترها الشعر والعمامة.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
ولأن ذلك قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
ولأن موضحة الوجه موضحة.
فكان أرشها خمسة أبعرة؛ كغيرها.
وأما كثرة الشين لا عبرة به بدليل التسوية بين الصغيرة والكبيرة.
قال: (فإن عمت الرأس ونزلت إلى الوجه فهل هي موضحة أو موضحتان؟ على وجهين).
أما كون ما ذكر موضحة واحدة على وجه؛ فلأن الوجه والرأس سواء في الموضحة.
فصارا كالعضو الواحد.
وأما كونه موضحتين على وجهٍ؛ فلأنه أوضحه في عضوين.
فكان لكل واحد حكم نفسه؛ كما لو أوضحه في رأسه فنزلت إلى قفاه.
قال: (وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز فعليه عشرة.
فإن خرق ما بينهما أو ذهب بالسراية صارا موضحة واحدة).
أما كون من أوضح كما ذكر عليه عشرة؛ فلأن ذلك موضحتان.
وأما كونه إذا خرق 256 ما بينهما يصيران موضحة واحدة؛ فلأن الجميع صار موضحة بفعله.
فصار كما لو أوضح الكل من غير حاجز يبقى بينهما.
وأما كونهما يصيران موضحة واحدة إذا ذهب ما بينهما بالسراية؛ فلأن سراية الجناية لها حكم أصل الجناية، ولو أتلف ما بينهما بنفسه صارا موضحة واحدة.
فكذا إذا ذهب ما بينهما بالسراية.
قال: (وإن خرقه المجني عليه أو أجنبي فهي ثلاث مواضح.
وإن اختلفا فيمن خرقه فالقول قول المجني عليه).
أما كون الموضحتين ثلاثاً إذا خرق ما بينهما المجني عليه أو أجنبي؛ فلأن ذلك من فعل رجلين والرجلان لا يُبنى فعل أحدهما على فعل الآخر.
بدليل ما لو قطع

الجزء: 4 - الصفحة: 170

رجلٌ يد رجل من الكوع، وقطع آخر من الكوع إلى المرفق: فإن الثاني يجب عليه أرش ما قطع وجهاً واحداً، ولا يُبنى فعله على فعل القاطع إلى الكوع.
حتى يخرج في أرش ما زاد على الكوع الخلاف الخارج فيما إذا قطع رجل اليد من المرفق.
وأما كون القول قول المجني عليه إذا اختلف هو والجاني فيمن خرقه؛ فلأن سبب أرش موضحتين قد وجد، والجاني يدعي زواله، والمجني عليه ينكره، والقول قول المنكر؛ لأن الأصل معه.
قال: (ومثله لو قطع ثلاث أصابع امرأة فعليه ثلاثون من الإبل، فإن قطع الرابعة عاد إلى عشرين.
فإن اختلفا في قاطعها فالقول قول المجني عليه).
أما كون مثل من أوضح موضحتين بينهما حاجز ثم خرق ما بينهما من قطع ثلاث أصابع امرأة ثم قطع الرابعة؛ فلأن الجناية لما زادت قلّ الواجب 257؛ لأن من أوضح كما ذُكر كان عليه قبل الخرق عشرة أبعرة؛ لأنهما موضحتان فلما خرق الحاجز صار عليه خمسة؛ لأنها صارت موضحة واحدة، ومن قطع ثلاث أصابع امرأة عليه ثلاثون من الإبل فإن قطع الرابعة عاد إلى عشرين؛ فلأن جراح المرأة يساوي جراح الرجل ما لم يزد على الثلث فإذا زاد فعلى النصف.
وقد تقدم دليل ذلك في موضعه 258. وأما كون القول قول المجني عليه إذا اختلف 259 هو وقاطع الثلاث في قاطع الرابعة؛ فلما تقدم فيما إذا اختلف المجني عليه والموضح فيمن خرق الحاجز الذي بين الموضحتين.
فإن قيل: إنما ذكر المصنف رحمه الله ذلك تقوية لما تقدم ولا ينبغي أن يثبت بالقياس [عليه.
قيل: لم يُرد القياس] 260، وإنما أراد بذلك التنبيه على أن العلة واحدة.

الجزء: 4 - الصفحة: 171

قال: (وإن خرق ما بين الموضحتين في الباطن فهل هي موضحة أو موضحتان؟ على وجهين.
وإن شجّ جميع رأسه سِمْحاقاً إلا موضعاً منه أوضحه فعليه أرش موضحة).
أما كون الموضحتين إذا خرق ما بينهما في الباطن موضحة واحدة على وجه.
[أشبه ما لو خرق الظاهر.
وأما كونه موضحتين على وجه] 261؛ فلأن ذلك منفصلٌ في الظاهر.
وأما كون من شَج جميع رأس غيره سِمْحاقاً إلا موضعاً منه أوضحه: عليه أرش موضحة؛ فلأنه لو أوضح جميع رأسه لم يكن عليه أكثر من أرش موضحة.
فلئلا يكون عليه في إيضاح البعض وشج الباقي غيره 262 موضحة أكثر من أرش موضحة بطريق الأولى.
قال: (ثم الهاشمة.
وهي: التي توضح العظم وتهشمه.
ففيها عشر من الإبل.
فإن ضربه بمثقّل فهشمه من غير أن يوضحه ففيه حكومة.
وقيل: يلزمه خمس من الإبل).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي التي توضح العظم وتهشمه؛ فبيان لمعنى الهاشمة.
وسميت بذلك لهشمها العظم.
وأما كونها فيها عشر من الإبل؛ فلأن ذلك مروي عن زيد بن ثابت.
ولم يعرف له مخالف في عصره فكان إجماعاً.
ولأن الهاشمة شجة فوق الموضحة تختص باسم.
فكان فيها أكثر منها؛ كالمأمومة بالنسبة إلى ما دونها.
وأما كون من ضرب بمثقّل فهشم العظم من غير أن يوضحه عليه فيه حكومة على وجه؛ فلأنه لا مقدر فيه، ولا هو نظير ما قدر فيه.
أشبه سائر ما لا مقدر فيه.

الجزء: 4 - الصفحة: 172

وأما كونه عليه فيه خمس من الإبل على وجه؛ فلأن الهاشمة تشتمل على هشم وإيضاح.
فوجب أن يوزع العشر من الإبل عليها نصفين ونصفها خمس من الإبل.
قال: (ثم المنقِّلة.
وهي: التي توضح وتهشم وتنقل عظامها ففيها خمس عشرة من الإبل).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي ... إلى عظامها؛ فبيان لمعنى المنقّلة.
سميت بذلك؛ لأنها تنقل العظام.
وأما كون فيها خمس عشرة من الإبل؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «وفي المنقِّلَةِ خمسَ عشرةَ 263 من الإبل» 264. قال: (ثم المأمومة وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ، وتسمى أم الدماغ، وتسمى المأمومة آمّة ففيها ثلث الدية).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ؛ فبيان لمعنى المأمومة.
وسميت بذلك؛ لأنها تصل إلى أم الدماغ.
وأما كون جلدة الدماغ تسمى أم الدماغ؛ فلأنها تحوط بالدماغ وتجمعه.
وأما كون المأمومة تسمى آمة؛ فلأن الجوهري ذكره في صحاحه.
وفي حديث ابن عمر «أن منقذاً سفع في رأسه مأمومة فحبست لسانه.
فكان يُخدَعُ في بيعهِ.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بايعْ وقل: لا خِلابَة» 265. رواه الحميدي في مسنده.
قال محمد بن يحيى الحباني: جدّي منقذ وكان قد أصابَتْهُ آمَّةٌ فَكَسَرَتْ لسانَهُ وذكر الحديث 266. رواه البخاري في تاريخه.

الجزء: 4 - الصفحة: 173

وأما كونها فيها ثلث الدية؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «وفي المأمومةِ ثلثُ الدية» 267. وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.
قال: (ثم الدامغة.
وهي: التي تخرق الجلدة ففيها ما في المأمومة).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي التي تخرق الجلدة؛ فبيان لمعنى الدامغة.
وسميت بذلك؛ لأنها تخرق جلدة الدماغ.
وأما كونها فيها ما في المأمومة؛ فلأن فيها ما في المأمومة وزيادة.
وقيل: فيها مع ما ذكر حكومة؛ لخرق جلدة الدماغ.

الجزء: 4 - الصفحة: 174

فصل [في الجائفة] قال المصنف رحمه الله: (وفي الجائفة ثلث الدية.
وهي: التي تصل إلى باطن الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو نحر.
فإن خرقه من جانب فخرج من جانب آخر فهي جائفتان).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي التي إلى 268 نحر؛ فبيان لمعنى الجائفة.
وأما كونها فيها ثلث الدية؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «وفي الجائِفَةِ ثُلُثُ الدية» 269، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.
وأما كون من خرقَ من جانب فخرج من جانب آخر تكون جنايته جائفتين؛ فلما روى سعيد بن المسيب: «أن رجلاً رمى رجلاً بسهمٍ فأنفذَه.
فقضَى أبو بكر رضي الله عنه بثُلُثي الدية» 270. أخرجه سعيد بن منصور في سننه.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن عمرُ قضى في الجائفةِ إذا نفذَتْ بأرشِ الجائفتين».
ولأنه أنفذه من موضعين.
فكانت جائفتين؛ كما لو أنفذه بضربتين.
قال: (وإن طعنه في خده فوصل إلى فمه ففيه حكومة.
ويحتمل أن تكون جائفة).
أما كون ما ذكر فيه حكومة على المذهب؛ فلأن ذلك ليس بجائفة لأن الفم له حكم الظاهر لا حكم 271 الباطن.
والجائفة ما نفذت من ظاهر إلى باطن.
فإذا لم تكن جائفة وجب فيه حكومة؛ لأن ذلك جناية ليس فيها مقدر.

الجزء: 4 - الصفحة: 175

وأما كونه يحتمل أن تكون جائفة؛ فلأنه قد وصل إلى جوف.
أشبه الواصل إلى جوفه.
قال: (فإن جرحه في وركه فوصل الجرح إلى جوفه، أو أوضحه فوصل الجرح إلى قفاه: فعليه دية جائفة وموضحة وحكومة لجرح القفا والورك).
أما كون الجارح المذكور عليه دية الجائفة والموضحة؛ فلأنه أجافه وأوضحه.
وأما كونه عليه حكومة؛ [فلأنه جرح قفاه ووركه، وذلك لا توقيت فيه.
فوجب فيه حكومة] 272. ضرورة كون الجناية غير مؤقتة.
قال: (وإن أجافه ووسع آخر الجرح فهي جائفتان.
وإن وسع ظاهره دون باطنه، أو باطنه دون ظاهره فعليه حكومة.
وإن التحمت الجائفة ففتحها آخر فهي جائفة أخرى).
أما كون ما ذكر أولاً جائفتين؛ فلأن كل واحد من الجانيين فعل فعلاً لو انفرد لكان جائفة.
فإذا اجتمعا وجب كونهما جائفتين.
ضرورة أن فعل الغير لا يسقط حكم 273 ما انضم إليه.
وأما كون من وسع ظاهر الجرح دون باطنه، أو باطنه دون ظاهره عليه حكومة؛ فلأن جنايته لم تبلغ الجائفة فتكون جناية لا توقيت فيها، وذلك فيه حكومة.
وأما كون الجائفة إذا التحمت ففتحها آخر جائفة أخرى؛ فلأن الجائفة بالالتحام عادت إلى الصحة.
فصار موضعها كالذي لم يجرح، وجرح ذلك يوجب 274 كونه جائفة.
فكذا هذا.

الجزء: 4 - الصفحة: 176

فصل [في كسر العظام] قال المصنف رحمه الله: (وفي الضلع بعير، وفي الترقوتين بعيران، وفي كل واحد من الذراع والزند والعضد والفخذ والساق بعيران، وما عدا ما ذكرنا من الجروح وكسر العظام مثل خرزة الصلب والعصعص ففيه حكومة).
أما كون كسر الضلع فيه بعير؛ فلأن عمر رضي الله عنه حكم للضلع بجمل 275. ولأن الضلع عضو واحدٌ.
فوجب فيه بعيرٌ واحد؛ كالترقوة.
وأما كون كسر الترقوتين فيه بعيران؛ فلأن ذلك روي عن 276 عمر وزيد بن ثابت.
والترقوة: العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف.
وأما كون كل واحدٍ من الذراع والزند والعضد والفخذ والساق فيه بعيران؛ فلما روى عمرو بن العاص «أنه كتب إلى عمرَ من أجلِ الزندِ إذا كُسر.
فكتب إليه أن فيه بعيرين» 277. إذا ثبت ذلك في الزند ثبت في بقية ما ذكر بالقياس عليه.
وأما كون ما عدا ما ذكر المصنف رحمه الله من الجروح وكسر العظام؛ مثل خرزة الصلب والعصعص: فيه حكومة؛ فلأن الجناية على ذلك لا توقيت فيها.
أشبهت الجراحات التي لا توقيت فيها.

الجزء: 4 - الصفحة: 177

قال: (والحكومة: أن يُقَوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به.
ثم يقوم وهي به قد برأت فما نقص من القيمة فله 278 مثله من الدية.
فإن 279 كان قيمته وهو صحيح عشرين 280 وقيمته وبه الجناية تسعة عشر ففيه نصف عشر ديته؛ إلا أن تكون الحكومة في شيء فيه مقدر فلا يبلغ به أرش المقدر.
فإذا كانت في الشجاج التي دون الموضحة لم يبلغ بها أرش الموضحة، وإن كانت في إصبع لم يبلغ بها دية الإصبع، وإن كانت في أنملة لم يبلغ بها ديتها).
أما قول المصنف رحمه الله: والحكومة أن يُقَوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برأت؛ فبيان لمعنى الحكومة.
وأما كون ما نقص 281 المجني عليه مثله من الدية؛ فلأن الحر قيمته ديته.
وأما قول المصنف رحمه الله: فإن 282 كان قيمته ... إلى قوله: تسعة عشر؛ فتمثيل للمسألة لتصح صورتها ويعرف معناها.
وأما كون ذلك هنا فيه نصف عشر دية المجني عليه؛ فلأن الناقص بالتقويم درهم من عشرين، وهو نصف عشرها.
فيكون في ذلك هنا نصف عشر الدية.
ضرورة أن الواجب مثل ذلك من الدية.
وأما قول المصنف رحمه الله: إلا أن تكون الحكومة؛ فاستثناء من عموم ما تقدم، وذلك أن ما تجب فيه الحكومة على ضربين: أحدهما: أن يكون في شيء لا مقدر فيه، ولا هو بعض المقدر فيه.
وحكمه ما ذكر.
وثانيهما: أن يكون في شيء هو بعض المقدر فيه.
فهذا لا بد أن يُلحظ فيه عدم تجاوزه أرش المؤقت؛ مثل أن يشجه سمحاقاً، وذلك دون الموضحة.
فإن بلغ أرشها بالتقويم أكثر من موضحة؛ مثل: أن تنقص الجناية أكثر من نصف عشر قيمته لم يجب الزائد لأنه لو وجب ذلك لكان قد وجب في شيء لا يبلغ موضحة

الجزء: 4 - الصفحة: 178

أكثر من أرش الموضحة، وذلك غير جائز؛ لأن الموضحة [أكبر من ذلك، والشَّيْن بها أعظم، والمحل واحد.
ومثل: أن يجرح إصبعاً فيبلغ] 283 أرشه أكثر من عشر الدية فلا يجب أكثر من عشرها؛ لأن دية الإصبع عشر من الإبل، وذلك عشرها.
ومثل: أن يجرح أنملة فيبلغ أرشه أكثر من ثلاثة [وثلث من الإبل؛ لأن ذلك هو دية لأنملته.
إذا تقرر هذا فظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا يبلغ] 284 به أرش المقدر أيضاً والذي تقدم هو قول الخرقي ولفظه: فلا يجاوز به أرش المؤقت وصرح به المصنف رحمه الله في المغني فقال: إذا شجه دون الموضحة فبلغ أرش الجراح بالحكومة أكثر من أرش الموضحة لم يجب الزائد.
قال: (وإن كانت مما لا تنقص شيئاً بعد الاندمال قُوّمت حال جريان الدم فإن لم تنقص شيئاً بحال أو زادته حسناً فلا شيء فيها).
أما كون المجني عليه يُقَوّم حال جريان الدم إذا كانت الجناية لا تنقص شيئاً حال الاندمال؛ فلأنه لا بد من نقص لأجل الجناية.
فإذا كان التقويم بعد الاندمال ينفي ذلك وجب أن يُقَوّم في حال جريان الدم ليحصل النقص.
وأما كون الجناية لا شيء فيها إذا لم تنقص شيئاً بحال أو زادته 285 حسناً؛ فلأن الوجوب من أجل النقص ولم يوجد.
فعلى هذا لو حلق لحية امرأة لم يجب فيه شيء.
وقال أبو الخطاب: تُقَوّم كأنها رجل له لحية ثم تُقَوّم كأنها رجل ذهبت لحيته.
فما نقص وجب قسط ذلك من ديتها؛ لأن الجناية عليها جناية لا تنقص شيئاً.
فوجب اعتبارها بذلك؛ كتقويم الجرح حال جريان الدم إذا لم تنقص شيئاً بعد الاندمال.

الجزء: 4 - الصفحة: 179

قال المصنف رحمه الله في المغني: والأول أصح؛ لأن الجناية المذكورة لا مقدر فيها ولم تنقص شيئاً.
أشبهت الضرب.
ولأن لحية الرجل زَيْن له، وعيب في المرأة وتقدير 286 العيب بالزين لا يصح.

الجزء: 4 - الصفحة: 180

باب العاقلة وما تحمله

العاقلة من يحمل العقل.
والعَقْل الدية.
وسميت عقلاً؛ لأنها تعقل لسان ولي المقتول.
وقيل: لأنها تمنع من الإقدام على الفعل.
وقيل: إنما سميت العاقلة بذلك؛ لأنهم يمنعون عن القاتل.
والعقل: المنع، ولهذا سمي بعض العلوم عقلاً؛ لأنه يمنع من الإقدام على المضار.
قال المصنف رحمه الله: (عاقلة الإنسان عصباته كلهم قريبهم وبعيدهم من النسب والولاء؛ إلا عمودي نسبه آباؤه وأبناؤه.
وعنه: أنهم من العاقلة أيضاً).
أما كون عصبة الإنسان كلهم غير عمودي النسب من العاقلة؛ فلا خلاف فيه.
فإن قيل: ظاهر كلام الخرقي أن في الأعمام روايتين؛ كالولد 287. قيل: قد صرح غيره من الأصحاب بأن العمومة من العصبة بكل حال.
وقال صاحب المغني فيه: لا أعلم غيره خلافاً.
وأما كون عمودي النسب وهم الآباء والأبناء ليسا من العاقلة على المذهب؛ فلما روى أبو هريرة قال: «اقتتلتِ امرأتان من هذيل فرمتْ إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها.
فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتِها وورثها ولدها ومن معهم» 288 متفق عليه.
وفي روايةٍ: «فجعلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ميراثها لبنتها، والعقلُ على العصبة» 289. رواه أبو داود والنسائي.

الجزء: 4 - الصفحة: 181

وإذا ثبت هذا في الولد وجب أن يثبت في الوالد؛ لأنه في معناه.
وأما كونهما من العاقلة على روايةٍ؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن عقلَ المرأةِ بين عصبتها من كانوا لا يَرِثُونَ منها إلا ما فضل عن ورثتِها، وإن قُتلتْ فعقلُها بين ورَثتِها» 290. رواه أبو داود.
ولأنهم عصبة.
أشبهوا الإخوة.
يحققه أن العقل موضوع على التناصر.
وهم من أهله.
ولأن العصبة في تحمل العقل لهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب، وآباؤه وأبناؤه أحق العصبات بميراثه.
فكانوا أولى بحمل عقله.
وأما كون قريب العصبات وبعيدهم من العاقلة؛ فلعموم ما تقدم.
ولأن العبد عصبة يرث المال إذا لم يكن وارث أقرب منه.
فوجب أن يدخل في العاقلة؛ كالقريب.
وأما كون عصبات الإنسان من الولاء من العاقلة؛ فلأن الولاء لحمة كلحمة النسب.
قال: (وليس على فقير ولا صبي ولا زائل العقل ولا امرأة ولا خنثى مشكل ولا رقيق ولا مخالف لدين الجاني حمل شيء.
وعنه: أن الفقير يحمل من العقل، ويحمل الغائب كما يحمل الحاضر).
أما كون الفقير ليس عليه حمل شيء مما يجب على العاقلة على المذهب؛ فلأن حمل العقل مواساة.
فلا يلزم الفقير؛ كالزكاة.
ولأنه وجب على العاقلة تخفيفاً عن القاتل.
فلا يجوز التثقيل به على من لا جناية منه، وفي إيجابه على الفقير تثقيل وتكليف لما لا يقدر عليه.
وأما كونه يحمل من العقل على روايةٍ؛ فلأنه من أهل النصرة.
أشبه الغني.

الجزء: 4 - الصفحة: 182

وأما كون الصبي وزائل العقل ليس عليه شيء من العَقْل؛ فلأن الحمل للتناصر، ومن ذكر ليس من أهله.
وأما كون المرأة ليس عليها حمل شيء من ذلك؛ فلما ذكر في الصبي.
وأما كون الخنثى المشكل ليس عليه حمل شيء من ذلك؛ فلاحتمال كونه امرأة.
وأما كون الرقيق ليس عليه حمل شيء من ذلك؛ فلأنه أسوأ حالاً من الفقير.
فإذا لم يحمل الفقير عقلاً فلئلا يحمل الرقيق ذلك بطريق الأولى.
وأما كون المخالف لدين الجاني ليس عليه حمل شيء من ذلك؛ فلما تقدم من أن حملها للنصرة، ولا نصرة لمخالف له في دينه.
وأما كون الغائب يحمل كما يحمل الحاضر؛ فلأنهما سواء في التعصيب والإرث.
فوجب استواؤهما في حمل العقل؛ لأن الاستواء في العلة يوجب الاستواء في الحكم.
قال: (وخطأ الإمام والحاكم في أحكامه في بيت المال.
وعنه: على عاقلته).
أما كون الخطأ المذكور في بيت المال على المذهب؛ فلأن الخطأ ممن ذكر يكُن في أحكامه واجتهاده.
فإيجاب العقل على عاقلته تجحف بهم.
ولأنه نائب عن الله تعالى في أحكامه وأفعاله.
فكان أرش جنايته في مال الله.
وأما كونه على عاقلته على روايةٍ؛ فلما روي عن عمر رضي الله عنه «أنه بعثَ إلى امرأة ذُكرت بسوءٍ.
فأجهضتْ جنينَها.
فقال عمر لعلي رضي الله عنهما: عزمتُ عليكَ أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك» 291. ولأنه جان.
فكان خطؤه على عاقلته؛ كغيره.
قال: (وهل يتعاقل أهل الذمة على روايتين).
أما كون أهل الذمة يتعاقلون على روايةٍ؛ فلأنهم أهل النصرة لبعضهم بعضاً.
أشبهوا المسلمين.

الجزء: 4 - الصفحة: 183

وأما كونهم لا يتعاقلون على روايةٍ؛ فلأن مقتضى الدليل أن الدية تجب على الجاني 292، وإنما أوجبها الشرع على العاقلة تخفيفاً، والذمي ليس كالمسلم في مشروعية التخفيف.
فوجب أن لا ينتقل الحمل عنه إلى العاقلة.
عملاً بمقتضى الدليل السالم عن المعارض الحاصل من مشروعية التخفيف عن المسلم.
قال: (ولا يعقل ذمي عن حربي، ولا حربي عن ذمي).
أما كون الذمي لا يعقل عن حربي؛ فلأنه لا تناصر بينهما.
وأما كون الحربي لا يعقل عن ذمي؛ فلما ذكر.
ولأن الحربي لا حكم لنا 293 عليه.
فلا معنى للحكم بالعقل عليه.
قال: (ومن لا عاقلة له أو لم تكن له عاقلة تحمّل الجميع.
فالدية أو باقيها عليه إن كان ذمياً، وإن كان مسلماً أخذ من بيت المال.
فإن لم يكن فلا شيء على القاتل.
ويحتمل أن تجب في مال القاتل وهو أولى كما قالوا في المرتد يجب أرش خطئه في ماله.
ولو رمى وهو مسلم فلم يصب السهم حتى ارتد كان عليه في ماله.
ولو رمى الكافر سهماً ثم أسلم ثم قتل السهم إنساناً فديته في ماله.
ولو جنى ابن المعتقة ثم انجر ولاؤه ثم سرت جنايته فأرش الجناية في ماله لتعذر حمل العاقلة فكذا هذا).
أما كون من لا عاقلة له أو لم تكن له عاقلة تحمّل الجميع.
تكون 294 الدية أو باقيها عليه إذا كان ذمياً؛ فلأنه ليس له أحد يحمل عنه؛ لأنه لا عاقلة له.
وبيت المال لا يحمل عنه؛ لأن المسلمين لا يرثونه.
وأما كون ذلك يؤخذ من بيت المال إذا كان مسلماً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودى الأنصاري المقتول في خيبر من إبل الصدقة» 295.

الجزء: 4 - الصفحة: 184

و «لأن رجلاً قُتلَ في زحامٍ في زمنِ عمرَ رضي الله عنه فلم يُعرف قاتله.
فقال علي رضي الله عنه لعمر: يا أميرَ المؤمنين! لا تطل دم امرئٍ مسلم.
فأدّى ديته من بيت المال» 296. ولأن المسلمين يرثون من لا وارث له.
فَيَعْقِلُون عنه عند عدم عاقلته؛ كعصبته ومواليه.
وعن الإمام أحمد: لا يؤخذ من بيت المال شيء؛ لأن بيت المال فيه حق للنساء والصبيان والمجانين ومن لا عقل عليه.
فلم يجز صرفه فيما لا يجب عليهم.
ولأن العقل على العصبات وليس بيت المال عصبة ولا هو كعصبة.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله في المغني تصحيح هذه الرواية؛ لأنه ذكر أدلة الأولى وأجاب عن إرث المسلمين بالمنع.
وأن صرف المال إلى بيت المال إنما هو على أنه فيء، ولهذا يؤخذ من مال من لا وارث له من 297 أهل الذمة.
وأما كون القاتل لا شيء عليه على المذهب إذا لم يمكن الأخذ من بيت المال؛ فلأن الدية لزمت العاقلة ابتداء.
بدليل أنه لا يطالب بها غيرهم ولا يعتبر رضاهم.
فلم يجب على القاتل؛ لأنه غير من وجبت عليه.
وأما كونه يحتمل أن تجب في مال القاتل؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿وديةٌ مسلمةٌ إلى أهله﴾ [النساء: 92].
ولأن قضية الدليل وجوبها على الجاني جبراً للمحل الذي فوّته، وإنما سقط عنه لقيام العاقلة أو بيت المال مقامه في الجبر.
فإذا لم يوجد ذلك بقي واجباً عليه بمقتضى الدليل.
ولأن الأمر دائر بين أن يبطل 298 دم المقتول وبين إيجاب ديته على المتلف.
والأول لا يجوز لأن فيه مخالفة الكتاب والسنة وقياس أصول الشريعة فتعين الثاني.
ولأن إهدار الدم المضمون لا نظير له، وإيجاب الدية على القاتل خطأ له نظائر، وذلك في الصور التي ذكرها المصنف رحمه الله:

الجزء: 4 - الصفحة: 185

أولها: المرتد لما لم تكن له عاقلة وجبت دية خطئه في ماله.
وثانيها: المسلم إذا رمى سهماً ثم ارتد ثم وقع السهم في المجني عليه تجب الدية في مال الرامي.
وثالثها: الكافر إذا رمى سهماً ثم أسلم ثم وقع السهم في المجني عليه.
ورابعها: إذا رمى من عليه ولاء لموالي أمه فانجر ولاؤه إلى موالي أبيه ثم وقع سهمه في شخص فالدية في ماله.
وأما كون ذلك أولى؛ فلأن اعتبار ما له نظير أولى من اعتبار ما لا نظير له، ولا يلزم من عدم وجوب الدية [على العاقلة إهدار دماء الأحرار في الغالب؛ لأنه لا يكاد توجد عاقلة تحمل الدية] 299 كلها ولا سبيل إلى الأخذ من بيت المال فتضيع الدماء، وتفوت الحكمة في إيجاب الدية.
فعلى هذا تجب الدية على القاتل 300 بكمالها إن لم تكن عاقلة، وباقيها إن حملت العاقلة بعضها.

الجزء: 4 - الصفحة: 186

فصل [فيما لا تحمله العاقلة] قال المصنف رحمه الله: (ولا تحمل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ولا ما دون ثلث الدية.
ويكون ذلك في مال الجاني حالاًّ؛ إلا غرة الجنين إذا مات مع أمه فإن العاقلة تحملها مع دية أمه.
وإن ماتا منفردين لا تحملها العاقلة لنقصها عن الثلث).
أما كون العاقلة لا تحمل العمد؛ فلما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تحملُ العاقلةُ عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا» 301. وروي عن ابن عباس موقوفًا عليه 302. ولم يعرف له مخالف فكان إجماعاً.
ولأن ذلك يتحمله القاتل وقد تقدم دليله في قول المصنف رحمه الله: فإن 303 كان عمداً محضاً ففي مال الجاني 304. فلم تتحملها العاقلة؛ لأن ذلك المتلف لا يتكرر تحمله.
وأما كونها لا تحمل العبد؛ فلما تقدم من حديث ابن عباس.
ولأن الواجب فيه قيمة تختلف باختلاف صفاته.
فلم تحمله العاقلة؛ كسائر القيم.
ولأنه حيوان لا تحمل العاقلة قيمة أطرافه.
فلم تحمل الواجب عنه؛ كالفرس.
وأما كونها لا تحمل الصلح.
وهو: أن يدعى عليه القتل فينكره ويصالح المدعي على مال؛ فلما تقدم من حديث ابن عباس.
ولأن ذلك مال ثبت بمصالحته واعترافه.

الجزء: 4 - الصفحة: 187

ولأن ذلك لو حملته العاقلة لأدى إلى أن يصالح بمال غيره ويوجب عليه حقاً بقوله.
وأما كونها لا تحمل الاعتراف.
وهو: أن يقر الإنسان على نفسه بجناية خطأ أو شبه عمد؛ فلما تقدم من حديث ابن عباس.
ولأن ذلك لو وجب عليهم لوجب بإقرار غيرهم، ولا يقبل إقرار شخص على غيره.
ولأنه متهم في أن يواطِئ من يقر له بذلك ليأخذ الدية من العاقلة ثم يقاسمهم فيها.
وأما كونها لا تحمل ما دون الثلث؛ فلما روى عمر رضي الله عنه «أنه قضى في الديةِ أن لا يحملَ منها شيء حتى تبلغَ عقل المأمومة».
ولأن مقتضى الأصل وجوب الضمان على الجاني؛ لأنه موجب جنايته وبدل متلفه.
فكان عليه؛ كسائر المتلفات والجنايات.
تُرك العمل به في الثلث فصاعداً تخفيفاً عن الجاني لكونه كثيراً يجحف به بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والثلثُ كثير» 305. فيبقى فيما عداه على قضية الأصل.
وأما كون دية العمد، والجناية على عبد، وما ثبت بالصلح والاعتراف وما هو دون الثلث غير غرة الجنين إذا مات مع أمه: في مال الجاني؛ فلما تقدم غير مرة من أن مقتضى الأصل وجوب الجناية على الجاني.
تُرك العمل به فيما عدا ذلك لمعنى يختص به.
فيبقى فيما ذكر على مقتضى الأصل.
ولأن العمد والثابت بالاعتراف يلزم الجاني لما تقدم في موضعه 306. فكذا بقية الصور قياساً للبعض على البعض.
وأما كون ذلك حالاً؛ فلأنه بدل متلف.
فكان حالاًّ؛ كقيمة المتلف من المتاع.

الجزء: 4 - الصفحة: 188

وأما كون العاقلة تحمل غرة الجنين؛ فلما روى المغيرة بن شعبة؛ «أن 307 رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنينِ بغرة عبدٍ أو أمةٍ على عصبةِ العاقلة» 308. وأما كونها تحمل مع ذلك دية أمه؛ فلأن القتل خطأ والعاقلة تحمله.
وأما كونها لا تحمل غرة الجنين إذا ماتت الأم 309 منفردة ومات الجنين منفرداً؛ فلأن الواجب في ذلك غرة قيمتها خمس من الإبل، وذلك دون ثلث الدية، والعاقلة لا تحمل ما دون الثلث؛ لما تقدم.
ولذلك قال المصنف رحمه الله: لنقصها عن الثلث.
قال: (وتحمل جناية الخطإ على الحر إذا بلغت الثلث.
قال أبو بكر: ولا تحمل شبه العمد ويكون ذلك 310 في مال القاتل في ثلاث سنين.
وقال الخرقي: تحمله العاقلة).
أما كون العاقلة تحمل جناية الخطإ على الحر إذا بلغت الثلث؛ فلما تقدم من حديث أبي هريرة المذكور أول الباب في حمل العاقلة الدية 311. وفي تقييده بالخطأ والحر وبلوغ الثلث احتراز عن العمد والعبد وما دون الثلث.
وقد تقدم أن ذلك كله لا تحمله العاقلة 312. وأما كونها لا تحمل شبه العمد على قول أبي بكر؛ فلأنه فيه العمد من وجه.
فوجب إلحاقه به.
فإن قيل: وفيه الخطأ من وجه.
فلم لا يلحق به؟ قيل: لما كان فيه شبه من الخطأ والعمد ألحق بالعمد في كون الدية على القاتل وبالخطأ في كون ذلك مقسطاً في ثلاث سنين.
وأما كون ذلك يكون على القاتل في ثلاث سنين؛ فلما ذكر.

الجزء: 4 - الصفحة: 189

وأما كونها تحمله على قول الخرقي؛ فلما تقدم أول الباب في قوله: وإن كان شبه عمد.
قال: (وما يحمله كل واحد من العاقلة غير مقدر لكن يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم.
فيحمل كل إنسان منهم ما يسهل ولا يشق.
وقال أبو بكر: يجعل على الموسر نصف دينار وعلى المتوسط ربع دينار 313. وهل يتكرر ذلك في الأحوال الثلاثة أوْ لا؟ على وجهين).
أما كون ما يحمله كل واحد من العاقلة غير مقدر؛ فلأن التقدير من الشرع ولم يرد منه فيه شيء.
وأما كونه يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم؛ فلأنه لا نص فيه.
فوجب الرجوع في تقديره إلى اجتهاد الحاكم؛ كتقدير النفقات.
وأما كون الحاكم يحمل كل إنسان من العاقلة ما يسهلُ ولا يشق على المذهب؛ فلأن التحمل المذكور على سبيل المواساة للقاتل والتخفيف عنه.
فلا يخفف عن الجاني بما يثقل على غيره ويجحف به؛ كالزكاة.
ولأن الإجحاف لو كان مشروعاً كان الجاني أحق به؛ لأنه موجب جنايته وجزاء فعله.
فإذا لم يشرع في حقه ففي حق غيره أولى.
وأما كونه يجعل على الموسر نصف دينار على قول أبي بكر؛ فلأنه أقل شيء يجب في زكاة الذهب.
فكان معتبراً به في حقه.
وأما كونه يجعل على المتوسط ربع دينار على قوله أيضاً؛ فلأن 314 ما دونه تافه لكون اليد لا تقطع فيه.
وذكر المصنف رحمه الله في المغني قول أبي بكر روايةً عن الإمام أحمد.
وأما كون ذلك يتكرر في الأحوال الثلاثة على وجه؛ فلأنه حق يتعلق بالحول على سبيل المواساة.
فوجب تكريره بتكرر الحول؛ كالزكاة.
وأما كونه لا يتكرر على وجه؛ فلأن في إيجاب ذلك زيادة على نصف دينار، وذلك إيجاب لزيادة على أقل الزكاة.
فيكون مضراً.

الجزء: 4 - الصفحة: 190

فعلى الأول يجب على الموسر من العاقلة دينار ونصف؛ لأن المقدر يتكرر في الأحوال الثلاثة، وعلى المتوسط ربع دينار لا غير كذلك.
قال: (ويبدأ بالأقرب فالأقرب.
فمتى اتسعت أموال الأقربين لها لم يتجاوزهم، وإلا انتقل إلى من يليهم.
فإن تساوى جماعة في القرب وُزّع القدر الذي يلزمهم بينهم).
أما كون الحاكم يبدأ بالأقرب فالأقرب مما ذكر؛ فلأنه يُبدأ به في الإرث.
فكذلك في العَقْل.
وأما كونه لا يتجاوز الأقربين إذا اتسعت أموالهم للدية؛ فلأنه حق يستحق بالتعصيب.
فلم يتجاوز الأقرب؛ كالإرث.
وأما كونه ينتقل إلى من يلي الأقربين [إذا لم تتسع أموالهم؛ فلأن الأقربين] 315 لو لم يكونوا موجودين لتعلقت الدية بمن يليهم.
فكذا إذا تحمل الأقربون ما وجب عليهم وبقيت بقية.
وأما كون القدر الذي يلزم الجماعة يوزع بينهم إذا تساووا في القرب؛ فلأنه لا مرجح لبعضهم على بعض.
فوجب التوزيع؛ كما لو كان الحق لهم.

الجزء: 4 - الصفحة: 191

فصل [في تأجيل الدية] قال المصنف رحمه الله: (وما تحمله 316 العاقلة يجب مؤجلاً في ثلاث سنين في كل سنة ثلثه إن كان دية كاملة.
وإن كان الواجب ثلث الدية كأرش الجائفة وجب في رأس الحول.
وإن كان نصفها كدية اليد وجب في رأس الحول الأول الثلث وباقيه في رأس الحول الثاني.
وإن كان دية امرأة أو كتابي فكذلك.
ويحتمل أن يقسم في ثلاث سنين.
وإن كان أكثر من دية كما لو جنى عليه فأذهب سمعه وبصره لم يزد في كل حول على الثلث).
أما كون ما تحمله العاقلة يجب مؤجلاً في ثلاث سنين في كل سنة ثلثه إن كان دية كاملة؛ فلما روي «أن عمرَ وعلياً جعلا ديةَ الخطأ على العاقلةِ في ثلاثِ سنين» 317. ولا يعرف لهما مخالف فكان إجماعًا.
ولأنه مال يجب على سبيل المواساة.
فلم يجب حالاًّ؛ كالزكاة.
وأما كونه يجب 318 في كل سنة ثلثه؛ فلأنه لا مرجح 319 لبعض السنين على بعض.
وأما كون ثلث الدية تجب في رأس الحول إذا كان الواجب كذلك كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلأن ذلك قدر ما يجب عليه من الدية الكاملة في رأس الحول الأول.
فوجب أن يجب فيه القدر المذكور بالقياس عليه.
وأما كون الثلث من النصف المذكور يجب في رأس الحول؛ فلأنه قدر ما يجب من الدية الكاملة.
فوجب؛ لتساويهما في وقت الوجوب.

الجزء: 4 - الصفحة: 192

وأما كون الباقي يجب في رأس الحول الثاني؛ فلأن ذلك محِل القسط الثاني من الدية الكاملة.
فوجب أن يكون محِلاً لما ذكر.
وأما كون دية امرأة والكتابي كذلك.
أي يجب ثلثاها في رأس الحول الأول، وباقيها في رأس الحول الثاني على المذهب؛ فلأن الواجب فيهما نصف الدية.
أشبه دية اليد.
وأما كونه يحتمل أن يقسم ذلك في ثلاث سنين؛ فلأن ذلك دية نفس كاملة.
أشبه دية المسلم.
وأما كونه لا يزاد على الثلث في كل حول إذا [كان الواجب أكثر من دية كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلأنه وجب مواساة.
فلم يجب في كل حول] 320 أكثر من ثلث الدية؛ كالدية الواحدة.
قال: (وابتداء الحول في الجرح من حين الاندمال، وفي القتل من حين الموت.
وقال القاضي: إن لم يسر الجرح إلى شيء فحوله من حين القطع).
أما كون ابتداء الحول في الجرح الذي لا يسري من حين الاندمال على المذهب؛ فلأن الدية بدل عن 321 القصاص، والقصاص إنما يكون بعد الاندمال.
فكذلك بدله.
وأما كونه من حين القطع على قول القاضي؛ فلأنه لو عفى عند القطع على الدية وجبت.
فالقطع إذاً مآله إلى الوجوب.
فوجب أن يكون ابتداء الحول منه؛ كحالة الوجوب في القتل.
وأما كونه في الجرح الذي يسري من حين الاندمال؛ فلأنه قتل.
وأما كونه في القتل من حين الموت؛ فلأنه حالة الوجوب.

الجزء: 4 - الصفحة: 193

قال: (ومن مات من العاقلة قبل الحول أو افتقر سقط ما عليه.
وإن مات بعد الحول لم يسقط ما عليه).
أما كون من مات من العاقلة قبل الحول أو افتقر سقط ما عليه؛ فلأنه مال يجب في آخر الحول على سبيل المواساة.
أشبه الزكاة.
وأما كون من مات بعد الحول لا يسقط ما عليه؛ فلأنه حق تدخله النيابة لا يملك إسقاطه في حياته.
أشبه الدين.
ولأنه وجب عليه لحولان الحول.
فلم يسقط؛ كالزكاة.
قال: (وعمد الصبي والمجنون خطأ تحمله العاقلة.
وعنه: في الصبي العاقل أن عمده في ماله).
أما كون عمد الصبي والمجنون خطأ؛ فلأنهما لا يتحقق منهما كمال القصد.
فوجب أن يكون خطأ؛ كخطأ البالغ.
وأما كون ذلك تحمله العاقلة؛ فلأنه خطأ، والعاقلة تحمل الخطأ.
وأما كون عمد الصبي العاقل في ماله في روايةٍ؛ فلأن عقله يصحح عمده، والعاقلة لا تحمل العمد.
ولأنه 322 عاقل.
أشبه البالغ العاقل.

الجزء: 4 - الصفحة: 194

باب كفارة القتل

الأصل في كفارة 323 القتل الكتاب والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ومن قَتَل مؤمنًا خطئًا فتحريرُ رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92]، وقوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاقٌ فَدِيةٌ مسلمةٌ إلى أهله وتحريرُ رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92].
وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على أن على القاتل خطأ كفارة.
قال المصنف رحمه الله: (ومن قتل نفساً محرمة خطأ، أو ما أجري مجراه، أو شارك فيها، أو ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً أو حياً ثم مات: فعليه الكفارة.
مسلماً كان المقتول أو كافراً، حراً أو عبداً.
وسواء كان القاتل كبيراً عاقلاً أو صبياً أو مجنوناً.
حراً أو عبداً.
ويكفر العبد بالصيام.
وعنه: أن على المشتركين كفارة واحدة).
أما كون من قتل نفساً محرمة خطأ عليه الكفارة؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿ومن قَتَل مؤمنًا خطئًا فتحريرُ رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92].
وأما كون من قتلها قتلاً أجري مجرى الخطأ عليه الكفارة؛ فلأن ما أجري مجرى الشيء يثبت فيه حكمه.
[ولأنه أجري مجراه في عدم القصاص.
فكذلك يجب أن يجرى مجراه في الكفارة] 324. وأما كون من شارك في قتلها عليه كفارة كاملة على المذهب؛ فلأن الكفارة موجَب قتل الآدمي.
فوجب تكميلها على كل واحد من الشركاء؛ كالقصاص.

الجزء: 4 - الصفحة: 195

وأما كون المشتركين عليهم كفارة واحدة على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحريرُ رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92].
ومَنْ تتناول الواحد والجماعة.
ولأن الدية لا تتعدد.
فكذلك الكفارة.
ولأنها كفارة قتل.
فلم تتعدد بتعدد القاتلين مع اتحاد المقتول؛ ككفارة الصيد الحرَمِيّ.
وأما كون من ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً أو حياً ثم مات عليه الكفارة؛ فلأنه قتل نفساً محرمة.
أشبه قتل الآدمي بالمباشرة.
وأما كون من عليه الكفارة بما ذكر تكون عليه مسلماً كان المقتول أو كافراً محرم القتل؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحريرُ رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92].
ولأن الكافر آدمي مقتول ظلماً.
فوجبت الكفارة بقتله؛ كالمسلم.
فإن قيل: ليس في كلام المصنف رحمه الله هنا أن الكافر محرم القتل.
قيل: صدر المسألة فيه: ومن قتل نفساً محرمة فليلحظ ذلك في الكافر.
وأما كونه عليه الكفارة حراً كان المقتول أو عبداً؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92].
ولأن العبد يجب بقتله القصاص في الجملة.
فوجب أن يجب بقتله الكفارة؛ كالحر.
ولأنه 325 مؤمن.
أشبه الحر.
وأما كونه عليه الكفارة كبيراً كان أو صغيراً 326 عاقلاً كان أو مجنوناً؛ فلأن الكفارة حقٌّ مالي يتعلق بالقتل.
فتعلقت بالكبير العاقل وبالصبي والمجنون؛ كالدية.
فإن قيل: كفارة اليمين لا تجب في أموالهما.
[فكذا كفارة القتل لا تجب في أموالهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 196

قيل: كفارة اليمين تتعلق بالقول ولا قول لهما] 327، وكفارة القتل تتعلق بالفعل.
وفعلهما متحقق.
ولأن الفعل قد يتعلق به ما لا يتعلق بالقول.
بدليل أن العتق بإحبالهما دون إعتاقهما بقولهما.
وأما كونه عليه الكفارة حراً كان أو عبداً؛ فلدخولهما في الآية.
ولأن العبد تجب عليه كفارة اليمين.
فكذا تجب عليه كفارة القتل.
فعلى هذا يكفر بالصيام؛ لأنه لا مال له.
قال: (وأما القتل المباح كالقصاص والحد وقتل الباغي والصائل فلا كفارة فيه).
أما كون القتل المذكور لا كفارة فيه؛ فلأنه قتل مأذون فيه، والكفارة لا تجب لمحو المأذون فيه.
فإن قيل: لو وجبت الكفارة للمحو لما وجبت في الخطأ.
قيل: الخطأ لا يوصف بتحريم ولا إباحة؛ لأنه كفعل المجنون والبهيمة.
لكن النفس الذاهبة به معصومة محرمة فلذلك وجبت الكفارة فيها.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالقصاص ... إلى آخره؛ فبيان لمواضع لا كفارة فيها.
قال: (وفي قتل العمد وشبه العمد روايتان: إحداهما: لا كفارة فيه.
اختارها أبو بكر والقاضي، والأخرى: فيه الكفارة).
أما كون قتل العمد لا كفارة فيه على روايةٍ اختارها أبو بكر والقاضي؛ فلأنه فعل يوجب القتل.
فلا يوجب الكفارة؛ كزنا المحصن.
وأما كونه فيه الكفارة على روايةٍ؛ فلما روى واثلة بن الأسقع قال: «أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم بصاحبٍ لنا قد أوجبَ بالقتل.
فقال: أعتقوا عنهُ رقبةً يُعتقِ اللهُ بكلِ عضوٍ منها عضواً من النار» 328.

الجزء: 4 - الصفحة: 197

ولأن الكفارة إذا وجبت في قتل الخطأ فلأن تجب في قتل العمد بطريق الأولى.
والأولى هي المشهورة في المذهب لأن الله تعالى ذكر القتل خطأ وأوجب فيه الكفارة.
ثم ذكر قتل العمد ولم يوجب فيه كفارة، وذلك يدل على عدم الوجوب.
وروي «أن سويدَ بن الصامت قتلَ رجلاً.
فأوجبَ النبي صلى الله عليه وسلم القودَ ولم يوجب كفارة».
وروي «أن عمرو بن أمية الضمري قتلَ رجلين كانا في عهدِ النبي صلى الله عليه وسلم فوداهُما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بكفارة».
وأما حديث واثلة فيحتمل أنه كان خطأ وسماه موجباً؛ لأنه فوّت النفس بالقتل، ويحتمل أنه كان شبه العمد، ويحتمل أنه أمرهم بالإعتاق تبرعاً.
وأما شبه العمد فذكر المصنف رحمه الله فيه هنا روايتين.
وقال 329 في المغني: تجب فيه الكفارة ثم قال: ولا أعلم لأصحابنا فيه قولاً.
لكن مقتضى الدليل ما ذكرنا؛ لأنه أجري مجرى الخطإ في نفس القصاص، وحمل العاقلة ديته، وتأجيلها في ثلاث سنين فجرى مجراه في وجوب الكفارة.
ولأن القاتل إنما لم يحمل شيئاً من الدية لتحمله الكفارة فلو لم تجب عليه الكفارة تحمل من الدية لئلا يخلو القاتل عن وجوب شيء أصلاً ولم يرد الشرع بهذا.
إذا علم مجموع كلام المصنف رحمه الله هنا وفي المغني اقتضى أمرين: أحدهما: أن حكاية الروايتين في شبه العمد وقعت هنا سهواً.
وثانيهما 330: أن القول بالوجوب فيه مأخوذ من الدلالة لا من النقل.
وفيه نظر لأن المسألة منقولة في المستوعب وفي غيره من كتب الأصحاب.
لكن المصنف رحمه الله احترز عن ذلك حيث قال: لا أعلم فإن ذلك نفي لعلمه لا لوجود

الجزء: 4 - الصفحة: 198

المسألة.
على أن نفي علمه يدل على نفي الوجود؛ لأنه إمام حبر ربما خفي ذلك عليه وقت ذكر ذلك، وقال 331: لا أعلم عجلة لا نكرا.

الجزء: 4 - الصفحة: 199

باب القسامة

والأصل في القسامة ما روي عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج «أن مُحيّصة بن مسعود وعبدالله بن سهل انطلقا إلى خيبر.
فتفرقا في النخيل.
فقُتل عبدالله بن سهل.
فاتهموا اليهود.
فجاءَ أخوه عبدالرحمن وابنا عمه حويصةَ ومحيصةَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فتكلم عبدالرحمن في أمر أخيه وهو أصغرُهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كبّر كبّر.
فتكلما في أمر صاحبهما.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُقسم خمسونَ منكم على رجلٍ منهم فيدفع إليكم برمّته.
فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهودُ بأيمان خمسين منهم.
قالوا: يا رسول الله! قومٌ كفارٌ ضلال.
قال: فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قِبَلِه» 332 متفق عليه.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: الأيمان المكررة في دعوى القتل.
ولا تثبت إلا بشروط أربعة: أحدها: دعوى القتل.
ذكراً كان المقتول أو أنثى، حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً.
فأما الجراح فلا قسامة فيه).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي الأيمان المكررة 333 في دعوى 334 القتل؛ فبيان لمعنى القسامة شرعاً.
قال القاضي: الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة هي القسامة.
وفي اللغة: هي القوم الذين يحلفون.
سُموا باسم المصدر، وذلك أن القسامة مصدر أقسم قسامة وقسماً.
والمصدر قد يسمى به ومنه رجل عدل ورضي.

الجزء: 4 - الصفحة: 200

وأما كون القسامة لا تثبت إلا بشروط أربعة؛ فلما يأتي ذكره في كل واحد منها.
وأما كون أحد الشروط دعوى القتل؛ فلأن الأصل فيها حديث محيصة وحويصة، وذلك فيه دعوى القتل.
ولأن كل حق لآدمي لا يثبت لشخص إلا بعد دعواه أنه له، والقتل من الحقوق.
فوجب أن يندرج تحت ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: ذكراً كان المقتول أو أنثى، حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً فراجع إلى أصل القسامة ليعلم أن القسامة تجري في ذلك كله: أما كونها تجري في الذكر؛ فلما تقدم من الحديث.
وأما كونها تجري في الأنثى؛ فلأن القصاص يجري فيها.
فشرعت القسامة فيها؛ كالذكر.
وأما كونها تجري في الحر والمسلم؛ فلما تقدم من الحديث.
وأما كونها تجري في العبد والذمي؛ فلأن قتل العبد والذمي يوجب القصاص في المماثل له.
فأوجب القسامة في ذلك؛ كالحر والمسلم.
فإن قيل: ظاهر إطلاق المصنف رحمه الله القسامة في قتل العبد والذمي من غير تقييد بكون المدعى عليه القتل مماثلاً أو غير مماثل يدل على القسامة مطلقاً.
قيل: قال في المغني: إن كان مماثلاً له شرعت القسامة وقد تقدم دليله، وإن كان غير مماثل 335 له فلا قسامة [فيه في ظاهر كلام الخرقي؛ لأن القسامة تكون فيما يوجب القود.
وقال القاضي: تشرع القسامة] 336؛ لأنه قتل آدمي يوجب الكفارة.
فشرعت القسامة فيه؛ كقتل الحر المسلم.
ولأن ما كان حجة في قتل [الحر المسلم كان حجة في قتل] 337 العبد والذمي؛ كالبينة.
ثم قال: على الوجه الصحيح الأول.

الجزء: 4 - الصفحة: 201

ولنا أنه قتل لا يوجب القصاص.
[أشبه البهيمة.
ولا يلزم من شرعها فيما يوجب القصاص] 338 شرعها مع عدمه.
بدليل أن العبد لو اتهم بقتل سيده شرعت القسامة إذا كان 339 القتل موجباً للقصاص، ولم يشرع إذا لم يكن كذلك.
وأما كون الجراح لا قسامة فيها 340؛ فلأن القسامة تثبت في النفس لحرمتها.
فاختصت؛ كالكفارة.
ولأنها تثبت حيث كان المجني عليه لا يمكنه 341 التعبير عن نفسه ولا عن قاتله، وهذا مفقود في الجراح.
قال: (الثاني: اللَّوْث.
وهو: العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضاً بثأر في ظاهر المذهب.
وعنه: ما يدل على أنه ما يغلب على الظن صحة الدعوى كتفرق 342 جماعة عن قتيل، ووجود قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم وشهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان ونحو ذلك.
فأما 343 قول القتيل: فلان قتلني فليس بلوث).
أما كون الثاني من شروط القسامة: اللَّوْث؛ فلأن الحديث الدال على مشروعية القسامة حديث حويصة ومحيصة، واللوث فيه موجود.
فوجب أن لا يتعدى إلى من لا لوث فيه.
وأما كون اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه القتل؛ كما بيْن الأنصار ويهود خيبر، وبين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، وما بين أهل البغي والعدل، وما بين الشرطة واللصوص؛ فلأن مقتضى الدليل أن لا تشرع القسامة.
تُرك العمل به في العداوة الظاهرة لقصة

الجزء: 4 - الصفحة: 202

حويصة ومحيصة.
إذ العداوة [بين الأنصار وأهل خيبر ظاهرة.
فوجب أن يبقى عدم مشروعيتها في غير العداوة] 344 الظاهرة على مقتضى الدليل.
وأما كون اللوث ما يغلب على الظن صحة الدعوى على روايةٍ؛ فلأن غلبة الظن مُنزّلة مَنزلة العلم في كثير من المواضع.
فلأن تنزل منزلة العداوة الظاهرة بطريق الأولى.
وأما قول المصنف رحمه الله: كتفرق 345 جماعة عن قتيل منها؛ فلأن ذلك مما يغلب على الظن كون القاتل أحدهم أو كلهم.
وأما كون وجود قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم منها؛ فلأن ذلك مما يغلب على الظن كون من معه السيف المذكور هو القاتل.
وأما كون شهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان وما أشبه ذلك منها؛ فلأن ذلك مما يغلب على الظن صدق المدعي.
وأما كون 346 قول القتيل: فلان قتلني ليس بلوث؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يُعطى الناسُ بدعواهُم 347 لادّعى رجالٌ دماءَ قومٍ وأموالهم» 348. ولأنه ادعى حقاً لنفسه.
فلم يقبل قوله فيه؛ كسائر الحقوق.
ولأن اللوث: إما العداوة الظاهرة، أو غلبة الظن بصحة الدعوى.
ولم يوجد واحد منهما في قول القتيل: فلان قتلني.
بل الحاصل من قوله غلبة الظن بعدم صحة الدعوى؛ لما في قوله من التهمة.

الجزء: 4 - الصفحة: 203

قال: (ومتى ادعى القتل مع عدم اللوث عمداً فقال الخرقي: لا يحكم له بيمين ولا غيرها، وعن أحمد: أنه يحلف يميناً واحدة.
وهي الأولى.
وإن كان خطأ حلف يميناً واحدة).
أما كون المدعي لما ذُكر مع ما ذكر لا يحكم له بيمين على قول الخرقي؛ فلأن المدعى به مما لا يجوز بذله.
فلم يجب فيه يمين؛ كالحدود.
[ولأنه لا يقضى في هذه الدعوى بالنكول.
فلم يستحلف فيها؛ كالحدود] 349. وأما كونه لا يحكم له بغير اليمين؛ فلأن من شروط القسامة المرتب عليها القتل أو الدية وجود اللوث، وهو منتف هاهنا.
وذكر المصنف رحمه الله في المغني ما ذكره الخرقي رواية.
وأما كون المدعى عليه يحلف على ما روي عن الإمام أحمد؛ فلعموم قوله عليه السلام: «ولكن اليمينَ على المدَّعَى عليه» 350. [وأما كون اليمين واحدة؛ فلأن قوله عليه السلام: «ولكن اليمينَ على المدَّعَى عليه»] 351: ظاهر في أنها يمين واحدة.
وذلك من وجهين: أحدهما: أنه وحد اليمين.
فتنصرف إلى واحدة.
وثانيهما: أنه لم يفرق في اليمين المشروعة.
فيدل على التسوية بين المشروعة في الدم والمال.
ولأنها يمين يعضدها الظاهر والأصل.
فلم تغلظ؛ كسائر الأيمان.
وأما كون الأولى ذلك؛ فلأن قوله عليه السلام: «لو يُعطى الناسُ بدعواهم 352 لادّعَى قومٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم»، و «لكن اليمينَ على المدَّعَى عليه»: ظاهر في إيجاب اليمين لوجهين: أحدهما: عموم اللفظ فيه.

الجزء: 4 - الصفحة: 204

والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في صدر الخبر بقوله: «لادّعى قومٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم».
ثم عقبه بقوله: «ولكن اليمينَ على المدَّعَى عليه» فيعود إلى المذكور في الحديث ولا يجوز إخراجه منه إلا بدليل أقوى منه.
ولأنها دعوى في حق الآدمي.
فيستحلف فيها؛ كدعوى المال.
ولأنها 353 لو أقر بها لم يقبل رجوعه عنها.
فيجب اليمين فيها؛ كالأصل.
وأما كونه يحلف يميناً واحدة 354 إذا كان خطأ؛ فلأن النكول هنا يُقضى به؛ لأن موجبه مال.
بخلاف القصاص.
قال: (الثالث: اتفاق الأولياء في الدعوى.
فإن ادعى بعضهم وأنكر بعض لم تثبت القسامة).
أما كون الثالث من شروط القسامة اتفاق جميع الأولياء على 355 الدعوى؛ فلأنه دعوى قتل.
فاشترط اتفاق جميع الأولياء في الدعوى فيها 356؛ كالقصاص في غير القسامة.
وأما كونها لا تثبت إذا ادعى بعض الأولياء وأنكر بعض؛ فلأن شرطها اتفاق جميع الأولياء لما تقدم، ولم يوجد.
ولأن الإنكار أبلغ من عدم الدعوى.
فإذا لم تثبت إلا مع اتفاق الجميع فيها.
فلئلا تثبت مع إنكار البعض بطريق الأولى.
قال: (الرابع: أن يكون في المدعين رجال عقلاء.
ولا مدخل للنساء والصبيان والمجانين في القسامة عمداً كان القتل أو خطأ).
أما كون الرابع من شروط القسامة أن يكون في المدعين رجال؛ فلأن الدال عليها حديث خيبر، [وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقسمُ خمسون رجلاً منكم» 357] 358.

الجزء: 4 - الصفحة: 205

ولأن أيمان 359 القسامة حجة يثبت بها قتل العمد.
فاعتبر كونها من رجال؛ كالشهادة.
وأما كون النساء لا مدخل لهم في القسامة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر النساء في الحديث المتقدم.
ولأن القسامة حجة موجبها القتل.
فلم تسمع من النساء؛ كالشهادة.
ولأن الجناية المدّعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل، ولا مدخل للنساء في إثباته.
وأما كون الصبيان والمجانين لا مدخل لهم فيها؛ فلأن الأيمان في القسامة حجة للحالف، والصبي والمجنون لا يثبت بقولهما حجة، ولو أقرا على أنفسهما لم يقبل.
فلئلا يقبل قولهما في حق غيرهما بطريق الأولى.
وأما كونهم لا مدخل لهم فيها عمداً كان القتل أو خطأ؛ فلأن الخطأ أحد القتلين.
أشبه الآخر.
فإن قيل: الخطأ يثبت المال، وللنساء في ثبوت المال مدخل.
قيل: المال يثبت ضمناً لثبوت القتل، ومثل ذلك لا يثبت بالنساء.
دليله ما لو ادعى رجل زوجية امرأة بعد موتها ليرثها فأقام رجلاً وامرأتين فإنه لا يقبل لكون المال إنما يثبت ضمناً لثبوت النكاح.
فكذا هاهنا يجب أن لا يكون للنساء مدخل في القسامة في الخطأ؛ لأن المال إنما يثبت ضمناً لثبوت القتل.
قال: (فإن كانا اثنين أحدهما غائب أو غير مكلف فللحاضر المكلف أن يحلف ويستحق نصيبه من الدية.
وهل يحلف خمسين يميناً أو خمساً وعشرين؟ على وجهين.
وإذا قدم الغائب أو بلغ الصبي حلف خمساً وعشرين وله بقيتها).
أما كون الحاضر له أن يحلف ويستحق نصيبه من الدية؛ فلأن القسامة حق له ولغيره.
فغيبة صاحبه لا تمنعه من حلفه واستحقاق نصيبه؛ كالمال المشترك بين الاثنين.

الجزء: 4 - الصفحة: 206

وأما كونه يحلف خمسين يميناً على وجهٍ؛ فلأن الحكم لا يثبت إلا بالبينة الكاملة، ولذلك لو ادعى أحدهما دَيناً لأبيهما لم يستحق نصيبه منه إلا بالبينة المثبتة لجميعه.
ولأن الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في سائر الحقوق، ولو ادعى مالاً له شركة له به شاهد يحلف يميناً كاملة.
كذلك هذا.
وأما كونه يحلف خمساً وعشرين على وجه؛ فلأن الجميع لو كانوا حضوراً لم يلزمه أكثر من قسطه من الأيمان.
[فكذا إذا غاب بعضهم؛ كما في سائر الحقوق.
ولأنه لا يستحق أكثر من قسطه من الدية.
فلا يلزمه أكثر من قسطه من الأيمان] 360. وأما كون الغائب إذا حضر والصبي إذا بلغ يحلف خمساً وعشرين يميناً؛ فلأنه يبني على أيمان أخيه المتقدمة.
وأما كون من حلف منهما له بقية الدية؛ فلأن ذلك موجَب أيمانه.
قال: (وذكر الخرقي من شروط القسامة: أن تكون الدعوى عمداً توجب القصاص إذا ثبت القتل، وأن تكون الدعوى على واحد.
وقال غيره: ليس بشرط، لكن إن كانت الدعوى عمداً محضاً لم يقسموا إلا على واحد معين ويستحقون دمه، وإن كانت خطأ أو شبه عمد فلهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية).
أما كون القسامة من شروطها: أن تكون الدعوى عمداً توجب القصاص إذا ثبت القتل، وأن تكون الدعوى على ما ذكر الخرقي: أما كون الدعوى عمداً؛ فلأن اللوث من شروط القسامة وفاقاً على ما مر من الخلاف، ولا يتحقق إلا في العمد؛ لأن الخطأ يصدر من غير قصد.
فيستوي فيه العدو وغيره، وإذا كان كذلك صار الخطأ في المعنى كالعمد الذي لا لوث فيه ولا قسامة فيه.
فكذا ما هو في معناه.

الجزء: 4 - الصفحة: 207

وأما كون العمد يوجب القصاص إذا ثبت القتل؛ فلأن الغرض من القسامة في العمد القصاص.
فإذا لم تكن موجبة له كدعوى قتل المسلم الكافر لم يوجد الغرض المذكور.
وأما كون الدعوى على واحد؛ فلأن المثبت للقسامة الحديث المتقدم وفيه: «يحلفُ خمسونَ منكم على رجلٍ منهم فيدفعُ برمّتِه» 361. وأما كون العمد ليس من شروط القسامة على قول غيره؛ فلأن القسامة حجة.
فوجب أن يثبت بها الخطأ كالعمد قياساً على البينة.
والجامع بينهما كون كل واحدة منهما مثبتة للحق.
فعلى هذا إن كانت الدعوى عمداً محضاً لم يقسموا إلا على واحد معيّن ويستحقون دمه؛ لأن في حديث سهل: «يحلفُ خمسونَ منكم على رجلٍ منهم فيدفعُ برمَّتِه».
وإن كانت خطأ أو شبه عمد فلهم القسامة على جماعة معينين؛ لأن موجبها المال.
فصحت على الجماعة؛ كاليمين على المال.
ويستحقون الدية على المدعى عليهم؛ لأن ذلك موجب القسامة من قتل الخطأ وشبه العمد.

الجزء: 4 - الصفحة: 208

فصل [في كيفية القسامة] قال المصنف رحمه الله: (ويُبدأ في القسامة بأيمان المدعين.
فيحلفون خمسين يميناً.
ويختص ذلك بالوارث.
فتقسم الأيمان بين الرجال منهم على قدر ميراثهم.
فإن كان الوارث واحداً حلفها، وإن كانوا جماعة قسمت عليهم على قدر ميراثهم.
فإن كان فيها كسر جبر عليهم؛ مثل: زوج وابن يحلف الزوج ثلاث عشرة يميناً والابن ثمانية 362 وثلاثين.
وإن خلف ثلاثة بنين حلف كل واحد منهم سبع عشرة يميناً.
وعنه: يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث خمسون رجلاً على كل واحد منهم يميناً).
أما كون القسامة يُبدأ فيها بأيمان المدعين؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بأيمانهم في حديث سهل بن أبي حثمة فقال لحويصة ومحيصة وعبدالرحمن: «يحلفُ خمسونَ منكم فقالوا: أمرٌ لم نشهده كيفَ نحلف؟ قال: فتبرئكمْ يهودُ بأيمان خمسينَ منهم» 363. فإن قيل: يرد على ذلك أمران: أحدهما: الكلام في حديث سهل بما روى أبو داود بإسناده أن محمد بن إبراهيم قال: «وايمُ الله! ما قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم احلفوا على ما لا علمَ لكم به ولكنه كتبَ إلى يهودَ حين كلمه الأنصار فكتبوا يحلفونَ بالله ما قتلوهُ ولا يعلمونَ له قاتلاً» 364. وثانيهما: أنه ينبغي أن يبدأ بأيمان المدعى عليهم لأمور:

الجزء: 4 - الصفحة: 209

أحدها: قوله عليه السلام: «ولكن اليمين على المدعى عليه» 365. رواه مسلم.
وثانيها 366: ما روي عن سليمان بن يسار عن رجالٍ من الأنصار «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليهودَ وبدأَ بهم: يحلفُ منكم خمسونَ رجلاً فأبَوْا.
فقال للأنصار: احلفُوا واستحقُّوا.
قالوا: نحلفُ على الغيبِ يا رسول الله! [فجعلَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم] 367 على اليهود؛ لأنه وُجدَ بين أظهُرهم (4») 369. رواه أبو داود.
وثالثها: أن اليمين في القسامة يمين في دعوى.
فكانت كسائر الدعاوي.
قيل: أما الكلام في حديث سهل فلا يصح لوجوه: أحدها: أنه نفي فلا يرد به قول المثبت 370. وثانيها: أن سهلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهَدَ القصة وعرفها حتى أنه قال: «ركضتني 371 ناقةٌ من تلكَ الإبل» 372. وغيره لم يره، وما ذكر عن أحد ولا حضر القصة، وإنما يقول برأيه 373 وظنه.
وثالثها: أن حديث سهل مخرج في الصحيحين متفق عليه، وحديث محمد بن إبراهيم ليس كذلك.368

الجزء: 4 - الصفحة: 210

وأما قوله عليه السلام: «ولكن اليمينَ على المدَّعَى عليه» 374: فالمراد به غير هذه القصة لأن أوله يدل على أن الناس لا يعطون بدعواهم.
ثم لو قدر دلالته على هذه القضية 375 فهي دلالة من جهة العموم، وحديث سهل يدل بجهة الخصوص، والخاص يقدم على العام.
على أنه قد روي: «البينةُ على المدعي واليمينُ على من أنكرَ إلا في القسامة» 376، وذلك زيادة من عدل.
فوجب قبولها.
وأما حديث سليمان بن يسار فلا يصلح معارضاً لحديث سهل؛ لأنه عزاه إلى رجال من الأنصار ولم يذكر لهم صحبة ثم هو مخالف لحديث سهل من وجه آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الدية على اليهود.
وأما قياس يمين القسامة على سائر الدعاوي فلا يصح؛ لأنها خالفت ذلك في أشياء.
على أن من الدعاوي ما يبدأ فيه بيمين المدعي كأيمان اللعان.
فوجب إلحاق أيمان القسامة به؛ لأن بينهما اشتراكاً خاصاً هو تكرر الأيمان فيهما 377. وأما كون المدعين يحلفون خمسين يميناً؛ فلما تقدم من الأحاديث الصحيحة؛ كحديث سهل وغيره.
ولأن الإجماع منعقد على ذلك.
وأما كون ذلك يختص بالوارث على المذهب؛ فلأن أيمان القسامة أيمان في دعوى.
فلم تشرع في حق غير الوارث؛ كسائر الأيمان.
وأما كون الأيمان تقسم بين الرجال منهم؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خاطب بذلك الرجال.
وأما كونه 378 يقسم بينهم على قدر ميراثهم؛ فلأن موجَبها إذا كان الدية يُقَسّم كذلك.
فكذلك يجب أن 379 تقسم هي.

الجزء: 4 - الصفحة: 211

وأما كون الوارث إذا كان واحداً يحلفها كلها؛ فلأنه قائم مقام الجماعة في استحقاق الدية.
فكذلك يجب أن يقوم مقامهم في الأيمان.
وأما كونهم إذا كانوا جماعة تقسم بينهم على قدر ميراثهم؛ فلما تقدم.
وأما كون الأيمان تجبر إذا كان فيها كسر كما مثّل المصنف رحمه الله من الزوج والابن؛ فلأن تكميل الخمسين واجب، ولا يمكن تبعيض اليمين ولا حلف بعض دون بعض.
فوجب تكميل اليمين المكسورة؛ لتحصل الخمسون الواجبة.
وأما كون الجبر في حق 380 كل واحد؛ فلأنه لا مزية لأحد على أحد.
وأما كون الزوج يحلف من الخمسين ثلاثة عشر يميناً؛ لأن له الربع فيكون عليه ربع الأيمان وهو اثني عشر ونصف.
ثم يكمل ذلك بنصف لما تقدم.
فيصير ثلاثة عشرة.
وأما كون الابن يحلف ثمانية 381 وثلاثين؛ فلأن عليه سبعاً وثلاثين يميناً ونصف.
ثم يكمل ذلك بنصف فيصير ثمانياً وثلاثين.
وأما كون من خلّف ثلاثة بنين يحلف كل واحد منهم سبع عشرة يميناً؛ فلأن [على كل ابن ثلث الأيمان ستة عشر يميناً وثلثين ثم يكمل ذلك بثلث يمين فيصير] 382 على كل واحد سبع عشرة 383. وأما كون غير الوارث من العصبة يحلف كل واحدٍ منهم خمسون رجلاً على رواية؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «يحلفُ خمسونَ منكم» 384 مع علمه أنه لم يكن لعبدالله بن سهل منهم خمسون رجلاً وارثاً؛ لأنه لا يرثه إلا أخوه أو من هو في درجته أو أقرب منه نسباً.
ولأنه خاطب بذلك ابني عمه وهما غير وارثين.

الجزء: 4 - الصفحة: 212

قال: (فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ.
وإن لم يحلف المدعون ولم 385 يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال).
أما كون المدعى عليه يحلف خمسين يميناً ويبرأ إذا لم يحلف المدعون؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث سهل: «فتبرئكم يهودُ بأيمان خمسينَ منهم» 386. أي 387 يبرؤون منكم بذلك.
وفي لفظ قال: «فيحلفونَ خمسينَ يميناً ويبرؤونَ من دمه» 388. وعن الإمام أحمد: يحلفون ويغرمون الدية «لأن عمر رضي الله عنه قضى بالديةِ مع اليمين».
والأول أولى؛ لما ذكر.
ولأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغرم اليهود الدية.
ولأن أيمان القسامة أيمان مشروعة في حق المدعى عليه.
فوجب أن يبرأ بها 389 المدعى عليه؛ كسائر الأيمان.
وأما قضاء عمر رضي الله عنه فإنما قضى به على أهل المحلة، وليس ذلك مذهباً لأحمد.
وأما كون الإمام يفديه من بيت المال إذا لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه؛ فـ «لأن أولياءَ عبدالله بن سهل لم يحلفوا ولم يرضوا بأيمانَ اليهود.
فوداهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمائةٍ من إبلِ الصدقة» 390 متفق عليه.
فإن قيل: فقد جاء أنه وداه من عنده.
قيل: يحمل ذلك على ما تقدم؛ لأن إبل الصدقة عنده.
بخلاف العكس.

الجزء: 4 - الصفحة: 213

قال: (فإن طلبوا أيمانهم فنكلوا لم يحبسوا.
وهل تلزمهم الدية، أو تكون في بيت المال؟ على روايتين).
أما كون المدعى عليهم لا يحبسون إذا نكلوا عن اليمين؛ فلأنها يمين مشروعة في حق المدعى عليه 391. فلم يحبس عليها؛ كسائر الأيمان.
وعن الإمام أحمد: يحبسون حتى يحلفون 392؛ لأنها دعوى فحبس فيها بالنكول؛ كالمال.
وأما كون الدية 393 تلزمهم على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها على اليهود في حديث سليمان بن يسار لما أبو أن يحلفوا 394. ولأنه حكم يثبت بالنكول.
فثبت في حق الناكل؛ كسائر الدعاوي.
وأما كونها تكون في بيت المال على روايةٍ؛ فلأنهم امتنعوا عن اليمين.
أشبه المدعين 395 إذا لم يرضوا بيمين المدعى عليه.
إذا علم الاختلاف في الدية والاقتصار على لزومها مشعر بأن القصاص لا يلزم بالنكول وصرح به في المغني وعلله بأنه حجة ضعيفة.
فلم يستحق به الدم؛ كالشاهد واليمين.

الجزء: 4 - الصفحة: 214

فصول الكتاب · 35 فصل
جارٍ التحميل