كتاب الشركة
1 الشركة هي: الاجتماع في استحقاق أو تصرف.
وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء: 12]، وقوله: ﴿وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض﴾ [ص: 24].
والخلطاء هم الشركاء.
وأما السنة فما روي «أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين.
فاشتريا فضة بنقد ونسيئة.
فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان بنسيئة فردوه» 2 رواه البخاري بمعناه.
وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا» 3.
وروي أنه كان يقول: «إن الله يقول: أنا ثالثُ الشريكينِ ما لم يخنْ أحدهما صاحبه، فإذا خانَ أحدهما صاحبهُ خَرجتُ من بينهما» 4 رواه أبو داود.
وأما الإجماع فأجمعت الأمة في الجملة على جواز الشركة.
الجزء: 2 - الصفحة: 695
قال المصنف رحمه الله: (وهي على 5 خمسة أضرب:
أحدها: شركة العنان.
وهي: أن يشترك اثنان بماليهما ليعملا فيه ببدنيهما وربحه لهما.
فينفذ تصرف كل واحد منهما فيهما بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه).
أما كون الشركة على خمسة أضرب؛ فلأنها شركة عنان، ومضاربة، ووجوه، وأبدان، ومفاوضة.
وتلك خمسة.
وأما كون أحدها: شركة العنان فظاهر.
وهي صحيحة بالإجماع.
وسميت بذلك لأن الشريكين فيها متساويان في المال والتصرف؛ كالفارسين إذا استويا 6 فرسيهما وتساويا في السير.
وقال الفراء: هي مشتقة من عَنّ الشيء إذا عرض.
يقال عنّت لي حاجة إذا عرضت.
فسميت الشركة بذلك لأن كل واحد منهما عَنّ له أن يشارك صاحبه.
وقيل: هي مشتقة من المعاننة وهي المعارضة يقال: عاننت فلاناً إذا عارضته بمثل ماله أو فعاله.
فكل واحد من الشريكين معارض بماله وفعاله.
وأما كون صفتها كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأنها تجمع مالاً وعملاً من كل جانب لأن المال لو كان من جانب والعمل من آخر لكانت مضاربة.
وأما كون الربح لهما؛ فلأنه نماء ملكهما وعملهما.
وليس مراد المصنف رحمه الله التسوية في الربح بل الربح هاهنا على ما شرطاه.
ويجوز متساوياً ومتفاضلاً لأن الربح يستحق بالمال تارة وبالعمل أخرى دليله المضارب فإنه يستحق جزءاً من الربح ولا مال له بل عمل، والعمل قد يتفاوت فيجوز أن يتفاوت الربح لذلك.
وأما كون تصرف كل واحد منهما ينفذ في نصيبه بالملك وفي نصيب شريكه بالوكالة أما الأول فظاهر، وأما الثاني؛ فلأنه متصرف بجهة الإذن وذلك معنى الوكالة.
الجزء: 2 - الصفحة: 696
قال: (ولا تصح إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير.
وعنه: تصح بالعروض ويجعل رأس المال قيمتها وقت العقد.
وهل تصح بالمغشوش والفلوس؟ على وجهين).
أما كون شركة العنان لا تصح إلا بشرطين فلما يأتي ذكره فيهما.
وأما كون أحد الشرطين: أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير على المذهب؛ فلأن الشركة بغير ذلك: إما أن تقع على الأعيان، أو على القيمة، أو على الثمن.
والأول باطل لأن العقد يقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال ولا مثل له فيرجع به، والثاني مثله لأن القيمة [قد تزيد بحيث يستوعب جميع الربح وقد تنقص بحيث يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح.
ولأن القيمة] 7 غير متحققة المقدار فيفضي إلى التنازع.
والثالث مثله لأن الثمن معدوم حال العقد.
وأما كونها تصح بالعروض 8 على روايةٍ؛ فلأن مقصود الشركة أن يملك كل واحد منهما نصف مال الآخر وينفذ تصرفهما فيه، وهذا موجود في العروض فوجب أن يصح فيهما كالأثمان.
فعلى هذا يُقَوَّم وقت العقد وتجعل القيمة رأس المال ليتمكن العامل من رد رأس المال عند التفاصل.
والأول المذهب.
قاله المصنف رحمه الله في المغني.
وفيما تقدم تنبيه على الفرق بين الأثمان والعروض فلا يصح قياسها عليه.
وأما كون الشركة بالمغشوش والفُلوس لا تصح على وجهٍ؛ فلأن المغشوش لا ينضبط غشه فلا يمكن رد مثله، والفلوس تزيد وتنقص قيمتها.
أشبهت العروض.
وأما كونها تصح على وجهٍ؛ فلأن المغشوش يصير غشه كالمستهلك، والفلوس تشبه الثمن.
ولهذا منع الإمام رضي الله عنه من السَّلَم فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 697
قال: (والثاني: أن يشترطا لكل واحد جزءاً 9 من الربح مشاعاً معلوماً.
فإن قالا: الربح بيننا فهو بينهما نصفين.
فإن لم يذكرا الربح، أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً أو دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين لم يصح.
وكذلك الحكم في المساقاة والمزارعة).
أما قول المصنف رحمه الله: والثاني أن يشترطا لكل واحد جزءاً من الربح فظاهره أن ذلك شرط لصحة الشركة.
وقوله بعد ذلك: فإن لم يذكرا الربح أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً أو دراهم معلومة أو ربح أحد الثوبين لم يصح صريح فيه.
ووجهه 10 أن عقد الشركة مبني على أن الربح مستحق لهما بحسب الاشتراط فلم يكن بد من ذكره؛ كالمضاربة.
فعلى هذا لو تشاركا ولم يذكرا الربح كانت الشركة باطلة لفوات شرطها.
وأما كونه يشترط كون الجزء مشاعاً؛ فلأنه لو عين له دراهم معلومة لاحتمل أن يربح غيرها فيأخذ جميع الربح، واحتمل أن لا يربحها فيأخذ من رأس المال جزءاً، وقد يربح كثيراً فيستضر من شرطت له الدراهم.
وأما كونه يشترط كون الجزء معلوماً؛ فلأن الجهل به يفضي إلى التنازع.
وأما كون الربح بين الشريكين نصفين إذا قالا: الربح بيننا؛ [فلأن لفظ بيننا] 11 لا رجحان فيه لأحد الشريكين على الآخر.
ولهذا لو كانت دار في يد شخص فقال: هي بين زيد وعمرو 12 كانت لهما نصفين.
وأما كونه لا يصح إذا لم يذكرا الربح أو شرطاه غير مشاع أو مجهولاً؛ فلما تقدم من اشتراط ذلك كله.
وأما كون الحكم في المساقاة والمزارعة كالحكم في الشركة في اشتراط ذلك كله؛ فلاشتراك الكل في المعنى الموجب للاستواء حكماً.
هذا تعليل 13 كلام المصنف.
وفيما
الجزء: 2 - الصفحة: 698
قاله نظر نقلاً ودليلاً: أما النقل فذكر المصنف في المغني كلاماً يتضمن صحة العقد إذا لم يذكرا الربح فقال جواباً عن قول الشافعي رحمه الله: الربح على قدر المال بدليل أنه يصح عقد الشركة وإطلاق الربح فلا يجوز تغييره بالشرط كالخسران: أما حالة الإطلاق فإنه لما لم يكن شرطٌ يُقَسَّم الربحُ عليه ويتقدر به قدرناه بالمال فإذا وجد الشرط فهو الأصل.
وهذا يتضمن صحة العقد مع عدم الاشتراط من وجهين:
أحدهما: أنه لم يجبه بالمنع.
والثاني: أنه قسم الربح على قدر المال ولم يذكر الرجوع بأجرة العمل على وجه.
وقال في موضع آخر: والحكم في الشركة كالحكم في المضاربة في معرفة ما لكل واحد منهما من الربح.
ثم قال: إلا أنهما إذا أطلقا الربح اقتضى أن يكون بينهما على قدر المالين وشركة الوجوه على قدر ملكيهما في المشترى لأن لهما أصلاً يرجع إليه ويقدر الربح به بخلاف المضاربة.
وأما الدليل فما ذكره المصنف من أن رأس المال في الشركة يتقدر به الربح فلا يؤدي إلى المنازعة بخلاف المضاربة فإنه إذا لم يكن يذكر نصيب العامل من الربح أدى إلى جهالة ما يستحقه العامل من الربح؛ لأنه لا مال له يرجع في نصيبه إليه.
قال: (ولا يشترط أن يخلطا المالين، ولا أن يكونا من جنس واحد).
أما كون الشركة لا يشترط فيها أن يخلط الشريكان المالين؛ فلأنه 14 عقد يقصد به الربح فلم يشترط فيه خلط المال كالمضاربة، أو يقال: عقد على 15 التصرف فلم يكن من شرطه الخلط؛ كالوكالة.
وأما كونها لا يشترط فيها أن يكونا من جنس واحد؛ فلأنهما من جنس الأثمان فصحت الشركة فيهما كالجنس الواحد.
فعلى هذا يصح أن يخرج الواحد دراهم والآخر دنانير وإذا أرادا القسمة أخذ صاحب الدراهم دراهمه وصاحب الدنانير دنانيره ثم يقتسمان ما فضل بشرطه.
الجزء: 2 - الصفحة: 699
قال: (وما يشتريه كل واحد منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما.
وإن تلف أحد المالين فهو من ضمانهما.
والوضيعة على قدر المال).
أما كون ما يشتريه كل واحد من الشريكين بعد عقد الشركة بينهما؛ فلأنهما لو اشتريا ذلك بعد الاختلاط لكان الحكم كذلك فكذا إذا لم يختلطا.
وأما كون تلف أحد المالين من ضمانهما؛ فلأنه صار في حكم مالهما بعقد الشركة فوجب أن يكون من ضمانهما كالمختلط.
وأما كون الوضيعة على قدر المال؛ فلأن الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال وهو مختص بالقدر فيكون النقص منه دون غيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 700
فصل [في أحكام شركة العنان]
قال المصنف رحمه الله: (ويجوز لكل واحد منهما أن يبيع، ويشتري، ويَقبض، ويُقبض، ويطالب بالدين، ويخاصم فيه، ويحيل، ويحتال، ويرد بالعيب، ويقر به، ويقايل، ويفعل كل ما هو من مصلحة تجارتهما).
أما كون كل واحد من الشريكين يجوز له البيع والشراء؛ فلأنه بالنسبة إلى شريكه وكيل، فَمَلكهما كالوكيل.
وأما كونه يجوز له القبض والإقباض؛ فلأنه مؤتمن في ذلك فَمَلكهما.
بخلاف الوكيل في قبض الثمن لما تقدم 16 فإنه قد لا يأتمنه.
وأما كونه يجوز له المطالبة بالدين والمخاصمة فيه؛ فلأن من ملك قبض شيء ملك المطالبة به والمخاصمة فيه.
دليله ما لو وكله في قبض دينه.
وأما كونه يجوز له الحوالة والاحتيال؛ فلأنهما عقد معاوضة وهو يملك المعاوضة.
وأما كونه يجوز له الرد بالعيب؛ فلأن الوكيل يرد به فالشريك بطريق الأولى.
وأما كونه يجوز له الإقرار بالعيب؛ فلأن الوكيل يُقبل إقراره على موكِّله بذلك.
نص عليه لأنه تولى بيع السلعة فقبل إقراره بالعيب كمالكها.
وأما كونه يجوز له المقايلة؛ فلأنها قد يكون الحظ فيها.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أنه يجوز له الإقالة مطلقاً.
وقال في المغني: إن قلنا هي بيع ملكها؛ لأنه يملك البيع وإن قلنا هي فسخ لم يملكها لأن الفسخ ليس من التجارة.
ثم قال: وقد ذكرنا أن الصحيح أنها فسخ فلا يملكها.
وأما كونه يجوز له فعل كل ما هو من مصلحة التجارة؛ فلأن ذلك عادة التجار، وقد أُذِن له في التجارة.
الجزء: 2 - الصفحة: 701
قال: (وليس له أن يكاتب الرقيق، ولا يزوجه، ولا يعتقه بمال، ولا يهب، ولا يقرض، ولا يحابي، ولا يضارب بالمال، ولا يأخذ سفتجة، ولا يعطيها إلا بإذن شريكه).
أما كون كل واحد من الشريكين ليس له فعل شيء مما ذكر إذا لم يأذن شريكه له؛ فلأن الشركة تنعقد على التجارة، وليست هذه الأشياء تجارة فلا يملكها.
وأما كونه له ذلك إذا أذن شريكه له؛ فلأنه يكون بمنزلة الوكيل.
قال: (وهل له أن يودع، أو يبيع نسأ، أو يبضع، أو يوكل فيما يتولى مثله، أو يرهن، أو يرتهن؟ على وجهين).
أما كون كل واحد من الشريكين له الإيداع والبيع نسأ والإبضاع على وجهٍ؛ فلأن ذلك عادة التجار.
وأما كونه ليس له ذلك على وجهٍ فلما في ذلك من الغرر.
وأما كونه له أن يوكل وكونه ليس له ذلك فمبني على توكيل الوكيل وقد تقدم 17.
وقيل: يجوز هنا بخلاف الوكيل لأن وكيل الوكيل يستفيد مثل عقد موكله بخلاف وكيل الشريك فإنه لا يستفيد مثل عقد موكله بل يستفيد ما هو أخص منه.
وأما كونه له الرهن على ما عليهما والارتهان على مالهما في وجه؛ فلأن الرهن يراد للإيفاء وهو يملكه، [والارتهان يراد للاستيفاء وهو يملكه] 18.
وأما كونه ليس له ذلك على وجهٍ؛ فلما فيه من الخطر.
قال: (وليس له أن يستدين على الشركة.
فإن فعل فهو عليه وربحه له إلا أن يأذن شريكه).
أما كون الشريك ليس له أن يستدين على مال الشركة إذا لم يأذن شريكه في ذلك؛ فلأنه إذا استدان أدخل في الشركة أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه.
فعلى
الجزء: 2 - الصفحة: 702
هذا ربحه له وضمانه عليه؛ لأنه لم يقع للشركة فكان ربحه له وضمانه عليه كما لو لم ينوه للشركة.
وأما كونه له أن يستدين على الشركة إذا أذن له شريكه في ذلك؛ فلأنه مأذون له في ذلك.
أشبه البيع والشراء.
فعلى هذا يكون ربحه لهما وضمانه عليهما كسائر أموال الشركة.
قال: (وإن أخر حقه من الدين جاز.
وإن تقاسما الدين في الذمة لم يصح في إحدى الروايتين.
وإن أبرأ من الدين لزم في حقه دون صاحبه.
وكذلك إن أقر بمال.
وقال القاضي: يقبل إقراره على مال الشركة).
أما كون الشريك يجوز له أن يؤخر حقه من الدين؛ فلأنه إسقاط لحقه من المطالبة فجاز أن ينفرد به كالإبراء.
وأما كون الشريكين إذا تقاسما الدين في الذمة -وهو: أن يكون على جماعة دين فيتفق الشريكان على أن يكون لأحدهما ما على فلان وللآخر ما على فلان-: لا يصح في روايةٍ؛ فلأن الذمم لا تتكافأ ولا تتعادل والقسمة تقتضي التعادل وإذا لم يحصل التعادل تكون القسمة بمنزلة البيع، وبيع الدين بالدين لا يجوز.
وأما كونه يصح في روايةٍ؛ فلأن الاختلاف لا يمنع القسمة قياساً على اختلاف الأعيان.
وقول المصنف رحمه الله: في الذمة ظاهر في الذمة الواحدة كإنسان عليه دين لهما، ويجوز أن يشمل ما فسرناه أولاً، ويجب حمله عليه؛ لأنه قال في المغني بعد ذكر قَسْم ما في الذمم: هذا إذا كان في ذمم فأما في الذمة الواحدة فلا يمكن القسمة؛ لأن معنى القسمة إفراز، ولا يتصور ذلك في ذمة واحدة.
وأما كون الشريك تلزمه البراءة في حقه دون صاحبه فيما إذا أبرأ من الدين؛ فلأن شريكه إنما أذن له في التجارة وليس الإبراء داخلاً فيها.
وأما كون حكم إقراره بمال حكم إبرائه من الدين على المذهب؛ فلما ذكر في الإبراء.
الجزء: 2 - الصفحة: 703
وأما كونه يقبل إقراره على مال الشركة على قول القاضي؛ فلأنه يجوز له الشراء نسأ وهو إقرار ببقاء الثمن.
قال: (وعلى كل واحد منهما أن يتولى ما جرت العادة أن يتولاه من نشر الثوب وطيه وختم الكيس وإحرازه.
فإن استأجر من يفعل ذلك فالأجرة عليه.
وما جرت العادة أن يستنيب فيه فله أن يستأجر من يفعله.
فإن فعله ليأخذ أجرته فهل له ذلك؟ على وجهين).
أما كون كل واحد من الشريكين عليه أن يتولى ما جرت عادة الشريك أن يتولاه؛ فلأن ذلك هو المعتاد فحمل الإطلاق عليه كالحِرْز والقبض.
وأما قول المصنف: من نشر الثوب وطيه وختم الكيس وإحرازه فبيان لصورٍ جرت العادة أن يتولاها كل واحد من الشريكين.
وأما كون الأجرة عليه إذا استأجر من يفعل ذلك؛ فلأن العمل عليه.
فكذلك بدله.
وأما كونه له أن يستأجر من يفعل ما جرت العادة أن يستنيب فيه كالنداء وحمل المتاع ونحوهما؛ فلأن العادة لم تجر بفعل الشريك ذلك بنفسه، ولا بد من فعله لأن الحاجة تدعو إليه.
فعلى هذا إن فعله متبرعاً فلا شيء له، وإن فعله ليأخذ أجرته فهل له ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا شيء له؛ كما لو فعله متبرعاً.
والثاني: له ذلك لأنه فعل ما لا بد من فعله فاستحق الأجرة عليه كما لو دفعه إلى من يفعله.
وحكى المصنف في المغني هذين الوجهين روايتين ثم قال: والصحيح أنه لا شيء له؛ لأنه عمل عملاً في مال غيره لم يجعل له في مقابلته شيء.
فلم يستحق شيئاً؛ كالأجنبي.
الجزء: 2 - الصفحة: 704
فصل [في شروط الشركة]
قال المصنف رحمه الله: (والشروط في الشركة ضربان:
صحيح؛ مثل: أن يشترط أن لا يتجر إلا في نوع من المتاع، أو بلد بعينه، أو لا يبيع إلا بنقد معلوم، أو لا يسافر بالمال، أو لا يبيع إلا من فلان.
وفاسد؛ مثل: أن يشترط ما يعود بجهالة الربح، أو ضمان المال، أو أنّ عليه من الوضيعة أكثر من قدر ماله، أو أن يوليه ما يختار من السلع، أو يرتفق بها، أو لا يفسخ الشركة مدة بعينها.
فما يعود بجهالة الربح يفسد به العقد.
ويُخَرَّج في سائرها روايتان).
أما كون شروط الشركة ضربين صحيحاً وفاسداً؛ فلأنها عقد فكان فيها شروط صحيحة وأخرى فاسدة كالبيع.
وأما كون شرط أن لا يتجر إلا في نوع من المتاع، أو بلد بعينه، أو لا يبيع إلا بنقد معلوم، أو لا يسافر بالمال، أو لا يبيع إلا من فلان من الشروط الصحيحة؛ فلأن تصرف الشريك في مال شريكه إنما هو بطريق الوكالة، وغير ما ذكر غير موكل فيه فلم يكن شرط عدم التصرف فيه فاسداً.
وأما كون باقي الشروط المذكورة فاسداً: أما ما يعود بجهالة الربح، كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلأنه يفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح، ومن شرط صحة الشركة كونه معلوماً.
وأما ضمان المال وأن 19 عليه من الوضيعة أكثر من قدر ماله؛ فلأنه ينافي مقتضى العقد لما تقدم من أن الوضيعة على قدر المال.
الجزء: 2 - الصفحة: 705
وأما توليته ما يختار من السلع وارتفاقه بها؛ فلأن ذلك لا مصلحة للعقد فيه.
أشبه ما ينافيه.
وأما كونه لا يفسخ الشركة مدةً بعينها؛ فلأن الشركة عقد جائز، واشتراط لزومها ينافي مقتضاها؛ كالوكالة.
وأما كون ما يعود بجهالة الربح يَفسد به العقد؛ فلأن الفساد لمعنى 20 في العوض المعقود عليه فأفسد العقد؛ كما لو جُعل رأس المال خمراً أو خنزيراً.
وأما كون سائرها يُخَرَّج فيه روايتان؛ فبالقياس على الروايتين في فساد البيع بذكر الشرط الفاسد فيه 21.
قال: (وإذا فسد العقد قسم الربح على قدر المالين.
وهل يرجع أحدهما بأجرة عمله؟ على وجهين).
أما كون الربح يقسم على قدر المالين إذا فسد العقد؛ فلأن الربح تابع للمال.
وأما كون كل واحد يرجع بأجرة عمله على وجهٍ؛ فلأنه إنما عمل في مقابلة ما يحصل له، فإذا فات الربح تعينت الأجرة.
وأما كونه لا يرجع على وجهٍ؛ فلأنه عمل 22 عملاً لغيره لم يجعل له في مقابلته شيء.
أشبه الأجنبي.
الجزء: 2 - الصفحة: 706
فصل [في المضاربة]
قال المصنف رحمه الله: (الثاني: المضاربة.
وهي: أن يدفع ماله إلى آخر يتجر فيه، والربح بينهما).
أما كون الثاني من أضرب الشركة المضاربة؛ فلأنها تلي الأول.
والمضاربة مشتقة من الضرب في الأرض والسفر بها للتجارة.
قال الله تعالى: ﴿وآخرُون يَضربون في الأرض يبتغون من فضلِ الله﴾ [المزمل: 20].
ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منهما في الربح ويسمى قراضاً.
واشتقاقه من القطع يقال: قرض الفأر الثوب أي قطعه.
فكأن صاحب المال قطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل واقتطع له قطعة من الربح.
وقيل: اشتقاقه من المساواة والموازنة.
يقال: تقارض الشاعران 23 إذا وازن كل واحد منهما الآخر بشعره.
وهاهنا من العامل العمل ومن الآخر المال فتوازنا.
وأجمع أهل العلم على صحتها في الجملة.
وروى حميد بن عبدالله عن أبيه عن جده «أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيمٍ مضاربة يعمل به في العراق» 24.
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه «أن عبدالله وعبيدالله ابني عمر بن الخطاب خرجا في جيشٍ إلى العراق فتسلفا من أبي موسى مالاً وابتاعَا به متاعاً وقدمَا به إلى المدينة فباعَاهُ وربحا فيه.
فأراد عمرُ أخذَ رأسِ المال والربح كله.
فقالا: لو تلف كان ضمانُه علينا فَلِمَ لا يكونُ ربحهُ لنا؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين! لو جعلتَهُ قِراضاً.
قال: قد جعلته.
وأخذ منهما نصف الربح» 25. وهذا يدل على صحة القراض.
الجزء: 2 - الصفحة: 707
وروي «عن عثمان 26، وعلي 27، وابن مسعود، وحكيم بن حزام 28 أنهم قارضوا».
ولا مخالف لهم في الصحابة فكان إجماعاً.
ولأن بالناس حاجة إلى المقارضة فإن الدراهم والدنانير لا تنمى إلا بالتقليب والتجارة، وليس كلُّ من يملكها يحسن التجارة، [ولا كل من يحسن التجارة] 29 له رأس مال 30 فاحتيج إليها من الجانبين فشرعها الله تعالى لدفع الحاجتين.
وأما قول المصنف: وهي أن يدفع ماله ... إلى آخره فبيان لمعنى المضاربة شرعاً.
قال: (فإن قال: خذه فاتجر به والربح كله لي فهو إبضاع.
وإن قال: والربح كله لك فهو قرض.
وإن قال: والربح بيننا فهو بينهما نصفين).
أما كون قول رب المال: خذه فاتجر به والربح كله لي فهو إبضاعاً؛ فلأنه قرن به حكم الإبضاع فانصرف إليه.
وأما كون قوله: فاتجر به والربح كله لك قرضاً؛ فلأن اللفظ يصلح له وقد قرن به حكمه فانصرف إليه.
وأما كون الربح بينهما نصفين فيما إذا قال: الربح بيننا؛ فلأنه أضافه إليهما إضافة واحدة لم يترجح فيها أحدهما على صاحبه فاقتضى التسوية كما تقدم في الشركة 31، وكما لو قال: هذه الدار بيني وبين عمرو.
الجزء: 2 - الصفحة: 708
قال: (وإن قال: خذه مضاربة والربح كله لك أو لي لم يصح.
وإن قال: لك ثلث الربح صح والباقي لرب المال.
وإن قال: ولي ثلث الربح فهل يصح؟ على وجهين.
وإن اختلفا لمن الجزء المشروط فهو للعامل).
أما كون قول رب المال: خذه مضاربة والربح كله لك أو لي لا يصح؛ فلأن المضاربة تقتضي كون الربح بينهما، فإذا شرط اختصاص أحدهما بالربح فقد شرط ما ينافي مقتضاها.
أشبه ما لو شرط الربح في شركة لأحدهما.
وأما كون قوله: لك ثلث الربح يصح؛ فلأن نصيب العامل معلوم.
وأما كون الباقي لرب المال؛ فلأنه لا يحتاج إلى ذكر نصيبه لأنه يستحق الربح بماله لكونه نماؤه وفرعه.
وأما كون قوله: ولي ثلث الربح يصح على وجهٍ؛ فلأن الربح لا يستحقه غيرهما فإذا شرط لأحدهما شيء علم أن الباقي للآخر كما علم كون ثلث الميراث للأب من قوله: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ [النساء: 11].
وأما كونه لا يصح على وجهٍ؛ فلأن العامل إنما يستحق بالشرط ولم يشرط له شيء.
وأما كون الجزء المشروط للعامل إذا اختلفا لمن هو؛ فلأن الشرط له لأن رب المال يستحق الربح بماله والعامل بعمله والعمل يقل ويكثر وإنما تتقدر حصته بالشرط فكان له.
قال: (وكذلك حكم المساقاة والمزارعة.
وحكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل أن يفعله أو لا يفعله وما يلزمه فعله 32 وفي الشروط.
وإن فسدت فالربح لرب المال وللعامل الأجرة.
وعنه: له الأقل من الأجرة أو ما شرط له من الربح).
أما كون حكم المساقاة والمزارعة حكم المضاربة؛ فلأن كل واحد من العامل في المساقاة والمزارعة والمضاربة إنما يستحق بفعله وفي ذلك مساواة بينهم معنى فوجب أن يحصل التساوي بينهم حكماً.
فإن قيل: ما المقصود بالتشبيه هنا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 709
قيل: هو أن صاحب الشجر والأرض إذا قال: الثمرة أو الزرع بيننا فالثمرة أو الزرع بينهما نصفين، وإذا قال: لك ثلث ذلك صح والباقي لرب الشجرة أو الأرض، وإذا قال: ولي ثلث ذلك فعلى وجهين.
وأما كون حكم المضاربة حكم الشركة فيما تقدم ذكره؛ فلاشتراكهما في التصرف بالإذن.
وأما كون الربح لرب المال إذا فسدت المضاربة؛ فلأنه نماء ملكه والعامل إنما يستحق بالشرط فإذا جهل لم يستحق المشروط.
وأما كون العامل له أجرة المثل على المذهب؛ فلأن عمل العامل إنما كان في مقابلة المسمى فإذا لم تصح التسمية وجب رد عمله عليه، وذلك متعذر فوجب له أجرة المثل كما لو اشترى شراء فاسداً فقبضه وتلف.
وأما كونه له الأقل من الأجرة أو ما شرط له من الربح؛ فلأنه إن كان الأقل الأجرة فهو لا يستحق غيرها لبطلان الشرط، وإن كان الأقل المشروط فهو قد رضي به.
قال: (وإن شرطا تأقيت المضاربة فهل تفسد؟ على روايتين).
أما كون المضاربة تفسد بشرط تأقيتها على روايةٍ؛ فلأنه شرط ينافي مقتضى العقد.
وأما كونها لا تفسد على روايةٍ؛ فلأن ذلك قد يكون فيه لرب المال غرض صحيح.
فإن قيل: الحكم المذكور داخل فيما تقدم من قوله: وحكم المضاربة حكم الشركة لأنه قال: وفي الشروط.
وقد تقدم في الشركة 33: أن من الشروط الفاسدة أن يشترط أن لا يفسخ الشركة مدة بعينها وهو المعنيّ بالتأقيت؟
قيل: ليس الأمر كذلك؛ لأن معناهما 34 مختلف، ولذلك حكى المصنف رحمه الله الخلاف المذكور في الكافي في صحة التأقيت لا في فساد الشرط المتقدم ذكره.
الجزء: 2 - الصفحة: 710
قال: (وإن قال: بع هذا العرض وضارب بثمنه، أو اقبض وديعتي وضارب بها، أو إذا قدم الحاج فضارب بهذا صح.
وإن قال: ضارب بالدَّين الذي عليك لم يصح).
أما كون المضاربة تصح فيما إذا قال: بع هذا العرض وضارب بثمنه؛ فلأنه إذا باعه صار الثمن في يده أمانة فصار كما لو كان المال عنده وديعة.
وأما كونها تصح فيما إذا قال: اقبض وديعتي وضارب بها؛ فلأن الوديعة إذا قبضها صارت أمانة في يده فوجب أن تصح المضاربة بها كما تقدم، وكما لو قال: ضارب بهذه الألف التي في زاوية البيت.
وأما كونها تصح فيما إذا قال: إذا قدم الحاج فضارب بهذا؛ فلأنها عقد يتصرف فيه بالإذن فجاز أن يقع معلقاً كالوكالة.
وأما كونها لا تصح فيما إذا قال: ضارب بالدين الذي عليك؛ فلأن المال الذي في يد الغريم له، وإنما يصير لغريمه بقبضه، وما قبضه، ولا يصح قبض الإنسان من نفسه.
قال: (وإن أخرج مالاً ليعمل هو فيه وآخر والربح بينهما صح.
ذكره الخرقي.
وقال القاضي: إذا شرط المضارب أن يعمل معه رب المال لم يصح، وإن شرط عمل غلامه فعلى وجهين).
أما كون ما ذكر يصح على قول الخرقي؛ فلأن العمل أحد ما يتم به المضاربة فصح أن ينفرد به أحدهما مع وجود الأمرين من الآخر كما لو كان من أحدهما مال ومن الآخر عمل ومال.
وأما كونه لا يصح إذا شرط المضارب عمل رب المال معه على قول القاضي؛ فلأن المضاربة تقتضي تسليم المال إلى المضارب فإذا شرط عليه العمل لم يتسلمه؛ لأن يده عليه وذلك يخالف مقتضاها.
وأما كونه يصح إذا شرط عمل غلامه على وجهٍ؛ فلأن عمل الغلام يصح أن يكون تابعاً لعمل العامل بخلاف عمل سيده.
الجزء: 2 - الصفحة: 711
ولأن 35 عمل الغلام مال لسيده فصح ضمه إليه كما يصح أن يضم إليه بهيمة يحمل عليها.
وأما كونه لا يصح على وجهٍ؛ فلأن يد الغلام كيد سيده وعمله كعمله.
الجزء: 2 - الصفحة: 712
فصل
قال المصنف رحمه الله: (وليس للعامل شراء من يعتق على رب المال.
فإن فعل صح وعتق وضمن ثمنه.
وعنه: يضمن قيمته علم أو لم يعلم.
وقال أبو بكر: إن لم يعلم لم يضمن.
ويحتمل أن لا يصح البيع).
أما كون العامل ليس له شراء من يعتق على رب المال؛ فلأن عليه في ذلك ضرراً.
ولأن المضاربة عقدت للربح حقيقة أو مظنة وذلك منتف في شراء من ذكر.
وأما كون الشراء يصح إذا فعل ذلك على المذهب؛ فلأنه مال متقوم، قابل للعقود فصح شراء العامل له كما لو اشترى من نذر رب المال حريته إذا ملكه.
وأما كون المشتري يعتق؛ فلأن رب المال ملكه وذلك موجب للعتق لما يأتي في موضعه.
وأما كون العامل يضمن ثمنه على المذهب؛ فلأن التفريط فيه حصل.
وأما كونه يضمن قيمته على روايةٍ؛ فلأنه تلف بفعله.
أشبه ما لو قتله.
وأما كونه يضمن عَلِمَ أو لم يَعْلم على المذهب؛ فلأن الإتلاف لا فرق فيه بينهما.
وأما كونه لا يضمن على قول أبي بكر إن لم يعلم؛ فلأنه معذور حيث لم يعلم.
والأول أصح.
قاله في المغني لما تقدم.
وأما كونه يحتمل أن لا يصح البيع؛ فلأن الإذن في المضاربة إنما ينصرف إلى ما يمكن بيعه والربح فيه، ومن يعتق على رب المال ليس كذلك.
والأول أصح؛ لأن ما ذكر ثانياً ينتقض 36 بشراء من نذر رب المال حريته إذا ملكه.
الجزء: 2 - الصفحة: 713
قال: (وإن اشترى امرأته صح وانفسخ نكاحها).
أما كون شراء المضارب من ذكر يصح؛ فلأنه اشترى ما يمكن طلب الربح فيه فصح كما لو اشترى أجنبية.
وأما كون النكاح ينفسخ؛ فلأن المرأة دخلت في ملك زوجها وذلك موجب للفسخ لما يأتي.
ولم يذكر المصنف رحمه الله هنا وجوب الضمان على العامل وصرح في المغني بأن ما يجب على الزوج يرجع 37 به على العامل إذا كان قبل الدخول لأنه قرره عليه فرجع به عليه كما لو أفسدت المرأة النكاح بالرضاع.
قال: (وإن اشترى من يعتق على نفسه ولم يظهر ربح لم يعتق، وإن ظهر ربح فهل يعتق؟ على وجهين).
أما كون من ذكر لا يعتق مع عدم ظهور الربح؛ فلأن العامل لا يملك العبد وإنما هو ملك رب المال.
وأما كونه يعتق مع ظهور الربح ففيه وجهان مبنيان على أن العامل هل يملك نصيبه من الربح بالظهور أو بالقسمة وفيه روايتان.
فإن قيل: إنه يملكه بالظهور عتق عليه لأنه ملكه بفعله فعتق عليه كما لو اشتراه بماله.
وأطلق المصنف رحمه الله العتق وظاهره عتق كله.
وقال في المغني: يعتق عليه بقدر حصته من الربح إن كان معسراً ويقوم عليه باقيه إن كان موسراً.
وعلى اليسار أو أن له من الربح ما يقابل قيمة العبد المعتق يجب حمل كلام المصنف رحمه الله هنا.
وإن قيل: لا يملك إلا بالقيمة لم يعتق عليه لأنه ما ملكه.
الجزء: 2 - الصفحة: 714
وحكى في المغني وجهاً ثالثاً: أنه لا يعتق وإن قيل أنه يملك بالظهور؛ لأن الربح وقاية لرأس المال فلم يعتق لأن ملكه لم يتم عليه.
قال: (وليس للمضارب أن يضارب لآخر إذا كان فيه ضرر على الأول.
فإن فعل رد نصيبه من الربح في شركة الأول).
أما كون المضارب ليس له أن يضارب لآخر مع الضرر على الأول؛ فلأن المضاربة تنعقد على الحفظ والنماء، فإذا فعل ما يمنعه من ذلك لم يكن له؛ كما لو أراد التصرف بالعين.
وأما كونه يرد نصيبه من ربح المضاربة الثانية في المضاربة الأولى؛ فلأنه استحق ذلك بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول فكان بينهما كالأول.
وفي تقييد المصنف رحمه الله قوله: وليس للمضارب أن يضارب لآخر بكونه فيه ضرر على الأول إشعار بأنه إذا لم يكن فيه ضرر على الأول له ذلك وهو صحيح؛ لأن المانع الضرر ولا ضرر هنا.
ولأن عقد المضاربة لا يقتضي ملك كل منافع العامل.
قال: (وليس لرب المال أن يشتري من مال المضاربة شيئاً لنفسه.
وعنه: يصح.
وكذلك شراء السيد من عبده المأذون).
أما كون رب المال ليس له أن يشتري من مال المضاربة شيئاً لنفسه على المذهب؛ فلأنه ملكه فلم يكن له شراءه؛ كما لو اشترى ذلك من وكيله أو عبده المأذون الذي لا دين عليه.
وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأنه قد تعلق حق المضارب به فجاز له شراءه؛ كما لو اشترى من مكاتبه.
والأول أصح؛ لما ذكر.
والفرق بين مال المضاربة وبين المكاتب أن السيد لا يملك ما في يده ولهذا لا يزكي ما في يده ويؤخذ منه بالشفعة.
وأما كون شراء السيد من عبده المأذون كشراء رب المال من مال المضاربة؛ فلأن ما ذكر جار فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 715
فإن قيل: ظاهر التشبيه جريان الخلاف في شراء السيد من عبده مطلقاً.
قيل: مُسَلَّم.
لكن يجب حمل الجواز على ما إذا كان عليه دين بقدر قيمته لأن المسألة قد تقدمت في باب المأذون مقيدة بذلك.
قال المصنف في المغني: والصحيح الأول لما تقدم من أنه ملكه.
واستحقاق أخذ ما في يده لا يوجب زوال الملك.
دليله مال المفلس.
قال: (وإن اشترى أحد الشريكين نصيب شريكه صح.
وإن اشترى الجميع بطل في نصيبه.
وفي نصيب شريكه وجهان.
ويتخرج أن يصح في الجميع).
أما كون شراء أحد الشريكين نصيب شريكه يصح؛ فلأنه ملك غيره فصح شراؤه له كالأجنبي.
وأما كونه يبطل في نصيبه إذا اشترى الجميع؛ فلأنه مِلْكُه، ولا يصح شراء الإنسان ذلك.
وأما كون نصيب شريكه فيه وجهان فمبنيان على تفريق الصفقة.
وأما كونه يتخرج أن يصح في الجميع فمبني على أن لرب المال الشراء من مال المضاربة.
ذكره المصنف في المغني.
قال: (وليس للمضارب نفقة إلا بشرط.
فإن شرطها له وأطلق فله جميع نفقته من المأكول والملبوس بالمعروف.
فإن اختلفا رجع في القوت إلى الإطعام في الكفارة، وفي الملبوس إلى أقلِّ ملبوسِ مثله).
أما كون المضارب ليس له نفقة مع عدم الشرط؛ فلأنه دخل على أنه يستحق من الربح الجزء المسمى فلم يكن له غيره.
ولأنه لو استحق النفقة لأفضى إلى أن يختص بالربح إذا لم يربح سوى ما أنفقه.
وأما كونه له النفقة مع الشرط فلقوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون على شروطهم» 38 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 716
وتصح مقدرة ولا نزاع فيه، ومطلقاً لأن له معهود يرجع فيه إليه فإذا أطلقا كان له نفقة مثله بالمعروف لأنه كذلك تجب لمن تجب عليه نفقته.
وأما كونه يرجع مع الاختلاف في القوت إلى الإطعام في الكفارة 39، وفي الملبوس إلى أقل ملبوس مثله؛ فلأن المطلق من كلام الآدميين محمول على المقيد من كلام الشرع وهو كذلك.
وفيما ذكره المصنف رحمه الله نظر؛ لأنه إن لحظت الكفارة في ذلك فليرجع في القوت والملبوس إليها، وإن لحظ حاله فليرجع فيهما إلى قوت 40 مثله وملبوس مثله؛ كالزوجة.
وهو أشبه.
وحكاه صاحب المحرر فيه ولم يحك ما تقدم ذكره.
قال: (وإن أذن له في التسري فاشترى جارية ملكها وصار ثمنها قرضاً.
نص عليه).
أما كون العامل يملك الجارية؛ فلأن رب المال أذن له في التسري، والإذن في التسري يستدعي الإذن في الوطء، والوطء لا يجوز في غير عقد نكاح أو ملك يمين لقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: 6]، ولا عقد نكاح هنا.
فيتعين الملك.
وأما كون ثمنها يصير قرضاً؛ فلأن المال لربه ولم يوجد منه ما يدل على تبرعه فوجب كونه قرضاً لأنه المتيقن.
قال: (وليس للمضارب ربح حتى يستوفي رأس المال.
وإن اشترى سلعتين فربح في إحداهما وخسر في الأخرى، أو تلفت جُبرت الوضيعة من الربح).
أما كون المضارب ليس له ربح حتى يستوفي رأس المال؛ فلأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال فإذا لم يفضل فليس بربح.
الجزء: 2 - الصفحة: 717
وأما كون الوضيعة تجبر من الربح في صورتي الخسران والتلف؛ فلأن تلك مضاربة واحدة فجبرت الوضيعة من الربح؛ كما لو اشترى شيئاً فربح فيه في وقت وخسر فيه في آخر قبل فسخ المضاربة.
قال: (وإن تلف بعض رأس المال قبل التصرف فيه انفسخت فيه المضاربة.
وإن تلف المال ثم اشترى سلعة للمضاربة فهي له وثمنها عليه إلا أن يجيزه رب المال.
وإن تلف بعد الشراء فالمضاربة بحالها والثمن على رب المال).
أما كون المضاربة تنفسخ في التالف فيما إذا تلف بعض رأس المال قبل التصرف فيه؛ فلأنه تلف قبل التصرف.
أشبه التالف قبل القبض.
وأما كون السلعة المشتراة للمضاربة بعد تلف المال للمضارب إذا لم يجز الشراء رب المال؛ فلأن المضاربة انفسخت بالتلف فالشراء بعده شراء غير مستند إلى إذن.
فعلى هذا يكون ثمنها عليه لأن الثمن على من له الملك.
وأما كونها لرب المال إذا أجاز ذلك فمبني على تصرف الفضولي إذا أجازه المالك وفيه خلاف تقدم ذكره وتعليله 41.
وأما كون المضاربة بحالها إذا كان التلف بعد الشراء؛ فلأن الموجب لفسخ المضاربة التلف ولم يوجد حين الشراء ولا قبله.
فعلى هذا يكون الثمن على رب المال لأن الشراء صادف المضاربة بحالها وذلك يوجب كون الشراء له فيكون الثمن عليه.
قال: (وإذا ظهر الربح لم يكن له أخذ شيء منه إلا بإذن رب المال.
وهل يملك العامل حصته من الربح قبل القسمة؟ على روايتين).
أما كون العامل ليس له أن يأخذ شيئاً من الربح مع عدم إذن رب المال فيه فلثلاثة أوجه:
أحدها: أن الربح وقاية لرأس المال فلا يأمن الخسران الذي ينجبر بالربح.
وثانيها: أن رب المال شريكه فلم يكن له مقاسمة نفسه بغير إذنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 718
وثالثها: أن ملكه متزلزل لأنه بعرضية أن يخرج عن يده بجبران خسارة المال.
وأما كونه له ذلك مع الإذن؛ فلأن الحق لهما غير خارج عنهما.
وأما كون العامل يملك حصته من الربح قبل القسمة على روايةٍ؛ فلأن الشرط صحيح ويقتضي أن يكون له 42 جزء من الربح فإذا وجد وجب أن يملكه بحكم الشرط؛ كما يملك المساقي حصته من الثمرة بعد ظهورها، وقياساً على كل شرط صحيح في عقد.
وأما كونه لا يملكها إلا بالقسمة على روايةٍ؛ فلأنه لو ملكها بالظهور لكان ربحها له، ولوجب أن يكون شريكاً لرب المال كشريكي العنان.
والأولى أصح.
قال صاحب المغني فيه: ظاهر المذهب أنه يملك بالظهور ودليله ما مر.
ولأنه يملك المطالبة بالقسمة فلو لم يكن له ملك لم يملك المطالبة بملك غيره.
ولا يمتنع أن يملك وتكون وقاية لرأس المال كنصيب رب المال من الربح.
قال: (وإن طلب العامل البيع فأبى رب المال أجبر إن كان فيه ربح، وإلا فلا).
أما كون رب المال يجبر على البيع إذا طلبه العامل وكان في المال ربح؛ فلأن مع الربح له فيه حق فأجبر الممتنع من أدائه؛ كسائر الحقوق.
وأما كونه لا يجبر إذا لم يكن فيه ربح؛ فلأنه لا حق له فيه.
أشبه ما لو لم يضاربه.
قال: (وإن انفسخ القراض والمال عرض فرضي رب المال أن يأخذ بماله عرضاً أو طلب البيع فله ذلك، وإن كان ديناً لزم العامل تقاضيه).
أما كون رب المال له أن يأخذ بماله عرضاً إذا انفسخ القراض والمال عرض؛ فلأن غاية ما في ذلك أنه يحتاج إلى التقويم لأن العامل يستحق الربح إلى حين الفسخ وذلك لا يضر.
دليله المستعير إذا غرس أو بنى، والمشتري إذا فعل ذلك فإن المعير يأخذ ذلك بالقيمة إذا رجع، والشفيع يأخذه بها إذا طلب الشفعة.
أو يقال: إذا أخذ المعير والشفيع ملك غيره بالقيمة؛ فلأن يأخذ رب المال ماله بالقيمة بطريق الأولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 719
وأما كونه له طلب البيع؛ فلأن رب المال استحق على المضارب أن يرد المال ناضاً كما أخذه وفي البيع تحصيل لذلك.
وأما كون العامل يلزمه تقاضي الدين؛ فلأن المضاربة تقتضي رد المال على صفته، والديون لا تجري مجرى المال الناضّ فلزمه أن ينضه؛ كما يلزمه بيعه لو كان عرضاً.
قال: (وإن قارض في المرض فالربح من رأس المال وإن زاد على أجرة المثل، ويقدم به على سائر الغرماء).
أما كون الربح من رأس المال فيما ذكر؛ فلأنه عوض عن عمله.
وأما كون الزيادة منه أيضاً؛ فلأن ما يحدث من الربح يحدث على ملك العامل بخلاف ما لو حابى المستأجر الأجير فإنه يحتسب 43 بما حاباه من ثلثه لأن الأجرة تؤخذ من ماله.
وأما كون العامل يقدم بذلك على سائر الغرماء؛ فلأنه يملك الربح بالظهور فكان شريكاً فيه.
ولأن حقه متعلق بعين المال دون الذمة فكان مقدماً على ما تعلق بالذمة؛ كحق الجناية.
أو يقال: حقه متعلق بالمال قبل الموت فكان أسبق فقدم؛ كالرهن.
قال: (وإن مات المضارب ولم يعرف مال المضاربة فهو دين في تركته وكذلك الوديعة).
أما كون مال المضاربة يصير ديناً في تركة الميت إذا لم يعرف بعينه؛ فلأن الأصل بقاء المال في يده، ولا سبيل إلى معرفة عينه، فتعين جعله متعلقاً بالتركة.
وأما كون الوديعة كالمضاربة فلاشتراكهما في الدليل المذكور فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 720
فصل
قال المصنف رحمه الله: (والعامل أمين، والقول قوله فيما يدعيه من هلاك وخسران، وما يذكر أنه اشتراه لنفسه أو للقراض، وما يدعى عليه من خيانة).
أما كون العامل أمين؛ فلأنه متصرف في مال غيره بإذنه لا لمحض منفعته فكان أميناً؛ كالوكيل.
وفارق المستعير فإن قَبْضَه لمنفعته 44 خاصة.
وأما كون القول قوله فيما يدعيه من جميع ما ذكر؛ فلأن تأمينه يقتضي ذلك.
ولأنه يدعى عليه ذلك وهو ينكره، والقول قول المنكر مع يمينه.
قال: (والقول قول رب المال في رده إليه، والجزء المشروط للعامل، وفي الإذن في البيع نسأ أو الشراء بكذا.
وحكي عنه: أن القول قول العامل إن ادعى أجرة المثل).
أما كون القول قول رب المال في رده إليه؛ فلأن العامل قبض المال لمنفعة نفسه فلم يقبل قوله في رده؛ كالمستعير.
وفارق المودع من حيث إن قبضه لمنفعة غيره.
وأما كون القول قول رب المال في الجزء المشروط للعامل؛ مثل أن يقول العامل: شرطتَ لي النصف، فيقول رب المال: بل الثلث على المذهب؛ فلأنه ينكر الزائد والعامل يدعيه والقول قول المنكر.
وأما كون القول قول العامل إن ادعى أجرة المثل أو زيادة يتغابن الناس بمثلها على روايةٍ؛ فلأن الظاهر صحة قول من ادعى ذلك.
ولم يذكر المصنف قبول قوله في زيادة يتغابن الناس بمثلها فيحتمل أنه لم يره، ويحتمل أنه تركه ليعلم من الكتب المطولة.
وقد صرح في المغني والكافي بقبول قوله مع ذلك على الرواية المذكورة.
الجزء: 2 - الصفحة: 721
وأما الإذن في البيع نسأ فالمنقول فيه أن القول قول العامل.
كذا ذكره في المغني، ولم يحك فيه خلافاً.
وذكره بقية الأصحاب.
ووجهه: أن العامل أمين، فقبل قوله في ذلك.
ولم أجد بما قاله المصنف رواية ولا وجهاً عن أحد من المتقدمين.
غير أن صاحب المستوعب حكى بعد قوله: القولُ قول العامل أن ابن أبي موسى قال: ويتجه أن يكون القول قول رب المال.
وربما حكى بعض المتأخرين في ذلك وجهاً.
وأظنه أخذه من كلام المصنف رحمه الله هنا، أو ظن قول ابن 45 أبي موسى يقتضي ذلك.
وفي 46 الجملة لقبول قول رب المال وجه من الدليل لو وافق رواية أو وجهاً لأن رب المال يدعي عليه العامل أنه أذن له في البيع نسأ وهو ينكره والقول قول المنكر.
وأما كون القول قول رب المال في الشراء بكذا؛ مثل أن يقول العامل: أذنت لي في شراء كذا بعشرة فيقول رب المال: بل أذنت فيه بخمسة؛ فلأنه منكر للإذن فكان القول قوله.
ولأن قول العامل لو قبل لألزمنا رب المال بخمسة لم يعترف بها ولا دليل عليها لأن الإذن في النسأ كالإذن في المقدار.
فإن قيل: لم قُبِل قول رب المال في المقدار دون النسأ على المنصوص؟
قيل: لم يوجد في الإذن في المقدار قرينة تدل على صدق العامل، والأصل ينفي قوله، فوجب العمل به لأنه مقتض، سلم عن المعارض.
بخلاف الإذن في النسأ فإن فيه قرينة تدل على صدق العامل فعارضت الأصل.
بيان القرينة: أن عقد المضاربة مبني على الربح والنسأ مظنته فمن ادعى ما يقتضي حصوله يكون معه قرينة حالية دالة 47 على صدقه.
الجزء: 2 - الصفحة: 722
قال: (وإن قال العامل ربحت ألفاً ثم خسرتها أو هلكت قُبِل قوله.
وإن قال: غلطت لم يقبل قوله).
أما كون العامل يقبل قوله في دعوى الخسارة والهلاك بعد الإقرار بالربح؛ فلأنه أمين يقبل قوله في تلف المال وخسارته فقبل قوله في خسارة الربح وهلاكه لاشتراك الكل في المعنى الموجب لاشتراكه حكماً.
وأما كونه لا يقبل قوله في دعوى الغلط؛ فلأنه مقر فلا يقبل قوله في الرجوع عن إقراره كغيره من المقرين.
الجزء: 2 - الصفحة: 723
فصل [في شركة الوجوه]
قال المصنف رحمه الله: (الثالث: شركة الوجوه.
وهي: أن يشتركا على أن يشتريا بجاههما دينا فما ربحا فهو بينهما.
فكل واحد منهما وكيل صاحبه كفيل عنه بالثمن.
والملك بينهما على ما شرطاه، والوضيعة على قدر ملكيهما فيه والربح على ما شرطاه 48. ويحتمل أن يكون على قدر ملكيهما.
وهما في التصرفات كشريكي العنان).
أما كون الثالث من أضرب الشركة: شركة الوجوه؛ فلأنها تلي الثاني.
وأما كونها تصح؛ فلأن معناها وكالة كل واحد منهما صاحبه في الشراء والبيع والكفالة بالثمن وكل ذلك صحيح.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي أن يشتركا ... إلى كفيل عنه بالثمن فبيان لمعناها.
وأما كون الملك بينهما على ما شرطاه؛ فلأن العقد مبناه على الوكالة فتقيد بما أذن فيه.
وأما كون الوضيعة على قدر ملكيهما؛ فلأنها كذلك في شركة العنان فليكن هاهنا كذلك.
وأما كون الربح على ما شرطاه 49 على المذهب؛ فلأن العمل بينهما قد يتساويا فيه بحسب الشرط كالعنان.
الجزء: 2 - الصفحة: 724
وأما كونه يحتمل أن يكون على قدر ملكيهما؛ فلأن الربح هاهنا يستحق بالضمان وهو لا يضمن بطريق الأصالة إلا قدر ملكه فلا يكون له من الربح إلا قدر ملكه «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن» 50.
وأما كون تصرفهما كتصرف شريكي العنان؛ فلأن كل واحد من شريكي العنان متصرف في نصيبه بطريق الأصالة وفي نصيب شريكه بطريق الوكالة، وبعد أخذ شريكي الوجوه المال بجاههما يكون تصرف كل واحد منهما في نصيبه بطريق الأصالة وفي نصيب شريكه بطريق الوكالة، فوجب جعل تصرفهما كتصرف شريكي العنان.
ضرورة استوائهما في جهة التصرف.
الجزء: 2 - الصفحة: 725
فصل [في شركة الأبدان]
قال المصنف رحمه الله: (الرابع: شركة الأبدان.
وهي: أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما.
فهي شركة صحيحة، وما يتقبله أحدهما من العمل يصير في ضمانهما، يطالبان به ويلزمهما عمله.
وهل يصح مع اختلاف الصنائع؟ على وجهين).
أما كون الرابع من أضرب الشركة شركة الأبدان؛ فلأنه يلي الثالث.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما فبيان لمعنى شركة الأبدان.
وأما كونها صحيحة فلما روي عن عبدالله قال: «اشتركتُ أنا وسعدٌ وعمارٌ يومَ بدرٍ.
فلمْ أَجئْ أنا وعمارٌ بشيء وجاءَ سعدٌ بأسيرين» 51 رواه أبو داود والأثرم.
ومثل هذا لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: الغنائم مشتركة بين الغانمين بحكم الله فكيف يصح اختصاص هؤلاء بالشركة فيها؟ وقال بعض الشافعية: غنائم بدر كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان له أن يدفعها إلى من شاء فيحمل أن يكون إقراره لهم على ذلك لذلك.
قيل: أما الأول فلا يصح لأن غنائم بدر كانت قبل أن يشرك الله بين الغانمين فيها ولهذا نقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أخذ شيئاً فهو له» 52. فكان ذلك من قِبَل المباحات مَنْ سَبَقَ إلى أخذ شيءٍ فهو له.
وأما الثاني فهو مثل الأول؛ لأن الشركة كانت قبل نزول قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ [الأنفال: 1].
ويدل على صحة هذا أنها لو كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم تخل:
الجزء: 2 - الصفحة: 726
إما أن يكون قد أباحها لهم فتكون كالمباحات، أو لم 53 يبحها لهم فكيف يشتركون في شيء لغيرهم.
ولأن العمل أحد جهتي المضاربة فصحت الشركة عليه كالمال.
وأما كون ما يتقبله أحدهما من العمل يصير في ضمانهما يطالبان به ويلزمهما عمله؛ فلأن شركة الأبدان لا تنعقد إلى على ذلك لأنه لا شيء فيها غير ذلك تنعقد عليه.
وأما كونها تصح مع اختلاف الصنائع؛ مثل: أن يكون أحدهما خياطاً والآخر قَصّاراً وما أشبه ذلك على وجهٍ وهو للقاضي؛ فلأنهما اتفقا في مكسب مباح فصح كما لو اتفقت الصنائع.
وأما كونها لا تصح على وجهٍ وهو لأبي الخطاب؛ فلأن مقتضى الشركة لزوم كل واحد منهما ما يتقبله الآخر ولا يمكن القيام بذلك مع اختلاف الصنعة لأنه لا قدرة له عليه.
قال: (ويصح في الاحتشاش والاصطياد والتلصص على دار الحرب وسائر المباحات).
أما كون الشركة تصح في الاحتشاش؛ فلأنه اشتراك في مكسب مباح فصح كالاشتراك في القصارة والخياطة.
وأما كونها في الاصطياد والتلصص على دار الحرب وسائر المباحات؛ فلأن ذلك كما تقدم معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
قال: (وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما.
فإن طالبه الصحيح أن يقيم 54 مقامه لزمه ذلك).
أما كون الكسب بينهما مع مرض أحدهما؛ فلأنه لو لم يعمل معه وهو صحيح يكون الكسب بينهما لحديث سعد المتقدم 55. فمع العذر بطريق الأولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 727
وأما كون المريض يلزمه أن يقيم مقامه إذا طلب الصحيح ذلك؛ فلأنهما دخلا على أنهما يعملان فإذا تعذر العمل بنفسه لزمه ما يقوم مقامه توفية للعقد ما يقتضيه.
قال: (وإن اشتركا ليحملا على دابتيهما والأجرة بينهما صح.
فإن تقبلا حمل شيء فحملاه عليهما صحت الشركة، والأجرة على ما شرطاه.
وإن أجّراهما بأعيانهما فلكل واحد منهما أجرة دابته.
وإن جمعا بين شركة العنان والأبدان والوجوه والمضاربة صح).
أما كونه يصح أن يشترك الشريكان ليحملا على دابتيهما؛ فلأن الحمل قد يكون في الذمة فوجب صحة الشركة عليه؛ كشركة الوجوه.
وأما كون الأجرة على ما شرطاه إذا تقبلا حمل شيء معلوم إلى مكان معلوم في ذممهما ثم حملاه على الدابتين؛ فلأن تقبلهما الحمل أثبت الضمان عليهما فكانت الأجرة على ما شرطاه كشريكي الوجوه.
وأما كون كل واحد منهما له أجرة دابته إذا أجراهما بأعيانهما؛ فلأنه لم يجب ضمان الحمل في ذممهما وإنما استحق المستأجر منفعة البهيمة التي استأجرها فوجب أن يكون لمالكها عوض المنفعة وذلك أجرة دابته وفي كون كل واحد من الشريكين له أجرة دابته إشعار بأن الشركة على عين الدواب لا تصح وصرح به المصنف في المغني وعلله بما تقدم وبأن الشركة تتضمن الوكالة والوكالة على الوجه المذكور لا تصح ثم قال: ولهذا لو قال: أجر عبدك وتكون أجرته بيني وبينك لم يصح ولو قال: بع دارك وثمنها بيننا لم يصح.
وأما كونه يصح الجمع بين شركة العنان والأبدان والوجوه والمضاربة؛ فلأن كل واحدة تصح منفردة وضم الصحيح بعضه إلى بعض لا يوجب الفساد كما لو ضم ماء طهور إلى مثله.
الجزء: 2 - الصفحة: 728
فصل [في شركة المفاوضة]
قال المصنف رحمه الله: (الخامس: شركة المفاوضة.
وهي: أن يَدخلا في الشركة الأكساب النادرة؛ كوجدان لقطة، أو ركاز، وما يحصل لهما من ميراث، وما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو أرش جناية ونحو ذلك.
فهذه شركة فاسدة).
أما كون الخامس من أضرب الشركة شركة المفاوضة؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي أن يدخلا في الشركة الأكساب النادرة فبيان لمعنى شركة المفاوضة.
وأما قوله: كوجدان لقطة ... إلى ونحو ذلك فتعداد لصور من صور الأكساب النادرة وبيان لها.
وأما كونها فاسدة؛ فلأن ذلك عقد يكثر فيه الغرر فلم يصح كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
ودليل الغرر: أن 56 ما يلزم أحدهما من غرم يلزم الآخر وقد يفسد العقد بدون هذا.
ولأنه عقد لم يرد الشرع بمثله فلم يصح.
أو عقد لا يصح بين المسلم والكافر فلم يصح بين المسلمين كسائر العقود الفاسدة.
فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة».
ولأنها نوع شركة مختص باسم فكانت صحيحة كشركة العنان.
قيل: أما الخبر فلا يعرف، ولا رواه أصحاب السنن ثم ليس فيه ما يدل على إرادة هذه الشركة.
فتحمل على المفاوضة في الحديث، ولهذا روي فيه 57: «ولا تجادلوا فإن المجادلة من الشيطان».
الجزء: 2 - الصفحة: 729
وأما القياس فلا يصح واختصاص الشيء باسم لا يقتضي صحته.
دليله بيع المنابذة والملامسة ونحوهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 730
باب المساقاة
المساقاة: أن يُسَلِّم الرجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه، وعمل سائر ما يحتاج إليه، بجزء معلوم له من ثمره.
وسميت مساقاة لأنها مفاعلة من السقي؛ لأن أهل الحجاز أكثر حاجتهم إلى السقي لأنهم كانوا يسقون من الآبار.
والأصل فيها «أن النبي صلى الله عليه وسلم عاملَ أهلَ خيبرَ بشطرِ 58 ما يخرجُ منها من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ» 59 حديث صحيح متفق عليه.
قال المصنف رحمه الله: (تجوز المساقاة في النخل، وكل شجر له ثمر مأكول ببعض ثمرته).
أما كون المساقاة تجوز في النخل؛ فلما تقدم من معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها.
ولأن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فعلوا ذلك.
ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة؛ لأن أرباب الثمار لا يتمكنون من عملها، والأكثر يحتاجون إلى الانتفاع بما يحصل لهم من غلتها فشرعت لذلك.
وأما كونها تجوز في كل شجر له ثمر مأكول؛ فلأن ذلك مساو للنخل معنى فوجب أن يساويه حكماً.
وأما قول المصنف رحمه الله: "ببعض ثمرته" ففيه تنبيه على أنه لا بد وأن يكون نصيب العامل من المساقى عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 731
ولأنه لا بد وأن يكون مشاعاً.
وقد تقدم ذكر ذلك في الشركة 60.
فإن قيل: الحديث المتقدم ذكره منسوخ بما روى رافع بن خديج «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة» 61. وذلك معاملة أهل خيبر.
قيل: هذا حديث مضطرب جداً.
وقد فسره رافع في بعض الروايات بما لا يختلف في فساده.
فروى البخاري بإسناده عن رافع قال: «كنا نُكري الأرض بالناحيةِ.
فربما يصابُ ذلكَ وتَسْلَمُ الأرض، وربما تصابُ الأرضُ ويسلَمُ ذلك فَنُهينَا» 62.
وروى البخاري ومسلم بإسنادهما عن طاووس قال: «إنّ أعلمَكمْ -يعني ابن عباس- أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم لمْ ينهَ عنهُ.
ولكن قال: لأن يمنحَ أحدكمْ أخاهُ خيرٌ لهُ منْ أنْ يأخذَ عليهِ خراجاً معلوماً» 63.
وقد اشتهر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يرجع عن معاملة أهل خيبر حتى مات ثم عمل به أبو بكر حتى مات.
ثم عمر حتى أجلى اليهود فكيف يكون منسوخاً؟ .
قال: (وتصح بلفظ المساقاة والمعاملة وما في معناهما.
وتصح بلفظ الإجارة في أحد الوجهين.
وقد نص أحمد رحمه الله في روايةٍ جماعة فيمن قال: أجرتك هذه الأرض بثلث ما يخرج منها أنه يصح.
وهذه مزارعة بلفظ الإجارة.
ذكره أبو الخطاب.
وقال أكثر أصحابنا: هي إجارة.
والأول أقيس وأصح).
أما 64 كون المساقاة تصح بلفظ المساقاة؛ فلأن ذلك فيها صريح فصحت كصحة سائر العقود بسائر صرائحها.
وأما كونها تصح بلفظ المعاملة؛ فلما تقدم من قول الصحابي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر» 65.
الجزء: 2 - الصفحة: 732
وأما كونها تصح بما في معنى المساقاة والمعاملة؛ فلأن القصد المعنى فإذا أتى بما يدل عليه صح؛ كالبيع.
وأما كونها تصح بلفظ الإجارة مثل أن يقول: استأجرتك لتعمل لي هذا الحائط حتى تكمل ثمرته بنصف ثمرته في وجه؛ فلأنه يحصل معنى قوله: ساقيتك على ذلك بنصف ثمرته.
وأما كونها لا تصح في وجه؛ فلأنها عقد خاص فلم تصح بلفظ الإجارة كما لا تصح الإجارة بلفظ البيع.
وأما الصحة فيما إذا قال: أجرتك هذه الأرض بثلث ما يخرج منها على منصوص الإمام أحمد فقد اختلف الأصحاب في معناها فقال أبو الخطاب: هي مزارعة بلفظ الإجارة ويشترط فيها شروط المزارعة وحكمها حكمها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت له أرض فليزرعها ولا يكريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى» 66 رواه أبو داود.
ولأن هذا مجهول فلم يجز جعله عوضاً في الإجارة كثلث نماء أرض أخرى.
وقال أكثر الأصحاب: هي إجارة يشترط فيها شروط الإجارة لأنه صرح بالإجارة.
والأصل في الإطلاق الحقيقة.
والأول أقيس عند المصنف وأصح لأن الحديث المتقدم يدل عليه.
واللفظ قد يعدل عن حقيقته إلى مجازه إذا دل عليه الدليل، وقد دل.
قال: (وهل تصح على ثمرة موجودة؟ على روايتين).
أما كون المساقاة لا تصح على ما ذكر على روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» 67. وذلك مفقود هاهنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 733
ولأن الثمرة إذا ظهرت فقد حصل المقصود فصار بمثابة مضاربته على المال بعد ظهور الربح.
وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فلأنها إذا صحت على الثمرة المعدومة مع كثرة الغرر؛ فلأن تصح مع وجودها وقلة الغرر فيها بطريق الأولى.
والحديث دل بنصه على صحة المساقاة قبل الظهور وبتنبيهه على صحتها بعد الظهور وفارق المضاربة من حيث إنها بعد ظهور الربح لا تحتاج إلى عمل.
واشترط المصنف رحمه الله لهذه الرواية في المغني والكافي أن يبقى من العمل ما تستزاد به الثمرة كالتأبير وإصلاح الثمرة والسقي.
ثم قال في المغني: فإن لم يبق من العمل شيء تزيد به الثمرة كالجذاذ لم يجز.
وهذا صحيح يجب حمل إطلاقه هنا عليه.
قال: (وإن ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يُثمر بجزء من الثمرة صح).
أما كون المساقاة على ما ذكر تصح؛ فلأن العمل وعوضه معلومان فصحت كالمساقاة على شجر موجود.
وأما قول المصنف: حتى يثمر ففيه تنبيه على أنه لو ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه مدة لا يثمر في مثلها لم يصح لأن من شرط المساقاة أن يكون للعامل نصيب من الثمرة ولم يوجد.
قال: (والمساقاة عقد جائز في ظاهر كلامه لا تفتقر إلى ذكر مدة.
ولكل واحد منهما فسخها فمتى انفسخت بعد ظهور الثمرة فهي بينهما، وإن فسخ العامل قبل ظهورها فلا شيء له، وإن فسخ رب المال فعليه للعامل أجرة عمله، وقيل هي عقد لازم تفتقر إلى ضرب مدة تكمل الثمرة فيها).
أما كون المساقاة عقداً جائزاً في ظاهر كلام الإمام أحمد فـ «لأن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بخيبر على أن يعملوها ويكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نقركم على ذلك ما شئنا» 68.
الجزء: 2 - الصفحة: 734
ولأنها لو كانت لازمة لم تجز بغير تقدير مدة.
ولأنه عقد على جزء من نماء المال فكان جائزاً كالمضاربة.
وأما كونها عقداً لازماً على قولٍ؛ فلأنها عقد معاوضة فكان لازماً كالإجارة.
ولأنه لو كان جائزاً لجاز لرب المال الفسخ إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل وذلك إضرار به.
وأما كونها لا تفتقر إلى ذكر مدة على القول بأنها عقد جائز؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر لأهل خيبر مدة حين عاملهم.
ولأنها عقد جائز فلم تفتقر إلى ذكر المدة؛ كسائر العقود الجائزة.
وأما كون كل واحد من المتعاقدين له فسخها على ذلك؛ فلأن ذلك شأن كل عقد جائز.
وأما كون الثمرة بينهما إذا حصل الفسخ بعد ظهورها؛ فلأنها ظهرت على ملكهما.
وأما كون العامل إذا فسخ قبل ظهورها لا شيء له؛ فلأنه رضي بإسقاط حقه.
أشبه المضارب إذا فسخ قبل ظهور الربح.
وأما كون رب المال عليه للعامل أجرة عمله إذا فسخ؛ فلأنه منعه من إتمام عمله الذي استحق به العوض.
أشبه الجاعل إذا فسخ الجعالة.
وأما كونه يفتقر إلى ضرب مدة تكمل الثمرة فيها على القول بأنها 69 عقد لازم؛ فلأنها مشبهة بالإجارة فلم يكن بد من ضرب مدة يكمل فيها المقصود؛ كالإجارة.
قال: (فإن جعلا مدة لا تكمل فيها لم تصح.
وهل للعامل أجرة؟ على وجهين).
أما كون المساقاة فيما ذكر لا تصح 70؛ فلأن المقصود الاشتراك في الثمرة وذلك لا يوجد في تلك المدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 735
وأما كون العامل لا أجرة له 71 على وجهٍ؛ فلأنه رضي بالعمل بغير عوض فهو كالمتطوع.
وأما كونه له الأجرة على وجهٍ؛ فلأن المساقاة تقتضي العوض فلا تسقط بالرضى بتركه كالوطء في النكاح.
قال: (وإن جعلا مدة قد تكمل فيها وقد لا تكمل فهل تصح؟ على وجهين.
فإن قلنا لا تصح فهل للعامل أجرة؟ على وجهين).
أما كون المساقاة فيما ذكر تصح على وجهٍ؛ فلأن الشجر يجوز أن يحمل وأن لا يحمل.
أشبه ما يحمل غالباً.
وأما كونها لا تصح على وجهٍ؛ فلأنه عقد على معدوم ليس الغالب وجوده فلم يصح كالسَّلَم.
وأما كون العامل له أجرة مثله إذا قيل بعدم الصحة ففيه وجهان وجههما 72 ما تقدم.
وقال المصنف رحمه الله في المغني بعد ذكر هذه المسألة: إن قلنا هو فاسد استحق أجرة المثل سواء حمل أو لم يحمل؛ لأنه لم يرض بغير عوض ولم يسلم له العوض فكان له العوض وجهاً واحداً.
بخلاف ما لو جعل الأجل إلى مدة لا يحمل في مثلها غالباً وهذا متجه؛ لأن تعليل أحد الوجهين فيما إذا كانت الشجرة لا تحمل في مدة المساقاة أنه رضي بغير عوض وهذا لا يتجه هنا.
قال: (وإن مات العامل تمم الوارث، فإن أبى استؤجر على العمل من تركته، فإن تعذر فلرب المال الفسخ).
أما كون وارث العامل يتمم عمل موروثه؛ فلأنه يقوم مقامه في ما له فكذا فيما عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 736
وأما كونه يستأجر على العمل من تركته إذا أبى الوارث ذلك؛ فلأن العمل كان عليه فوجب أن يتعلق بتركته؛ كسائر ما عليه.
وأما كون رب المال له الفسخ إذا تعذر العمل من التركة؛ فلأن تعذر المعوض في المعاملات يُثبت سَلْطَنَةَ الفسخ.
دليله البيع.
قال: (فإن فسخ بعد ظهور الثمرة فهي بينهما.
وإن فسخ قبله فهل للعامل أجرة؟ على وجهين.
وكذلك إن هرب العامل فلم يوجد له ما ينفق عليها).
أما كون الثمرة بين العامل ورب المال إذا فسخ بعد ظهور الثمرة؛ فلأن الثمرة حدثت على ملكهما.
وأما كون العامل له أجرة إذا فسخ رب المال قبل ظهور الثمرة على وجهٍ؛ فلأن مطلق العقد يقتضي العوض المسمى.
فإذا تعذر وجب الرجوع بما يقوم مقامه.
وأما كونه لا شيء له على وجهٍ؛ فلأن الفسخ بسبب من جهته.
أشبه ما لو فسخ هو.
وأما كون حكم العامل إذا هرب فلم يوجد له ما ينفق على الثمرة حكم ما إذا مات؛ فلأنهما اشتركا في تعذر العمل وتضرر رب المال بتعذر الفسخ فوجب اشتراكهما فيما ذكر؛ لأن الاشتراك معنى يوجب الاشتراك حكماً.
قال: (وإن عمل فيها رب المال بإذن حاكم أو إشهاد رجع به، وإلا فلا).
أما كون رب المال يرجع بما عمله بإذن حاكم؛ فلأن الحاكم نائب عن الغائب.
وأما كونه يرجع بما عمله بإشهادٍ فينظر فيه فإن كان ذلك عند تعذر استئذان الحاكم رجع به؛ لأنه معذور لعدم القدرة على الاستئذان، وليس بمتبرع بدليل الإشهاد، وإن كان ذلك عند القدرة على الاستئذان ففيه وجهان مبنيان على من قضى دين الغير بغير إذنه.
وأما كونه لا يرجع إذا لم يوجد إذن ولا إشهاد؛ فلأنه متبرع ظاهراً.
الجزء: 2 - الصفحة: 737
فصل [فيما يلزم العامل ورب المال]
قال المصنف رحمه الله: (ويلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة، وزيادتها من السقي، والحرث، والزبار، والتلقيح، والتشميس، وإصلاح طرق الماء، وموضع التشميس، ونحوه.
وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل: من سد الحيطان، وإجراء الأنهار، وحفر البئر، والدولاب، وما يديره.
وقيل: ما يتكرر كل عام فهو على العامل، وما لا فلا).
أما كون العامل يلزمه جميع ما ذكره المصنف مفصلاً على المذهب؛ فلأن العامل إنما يراد لأجل الثمرة فاقتضى أن يكون عليه ما يؤدي إلى صلاحها وزيادتها، وجميع ما ذكر يؤدي إلى ذلك.
وأما كون ما يتكرر كل عام عليه في قول؛ فلأنه يتعلق بعمله فكان عليه كالحرث.
وظاهر ما ذكر أن الذي يلقح به على العامل لأنه مما يتكرر.
وقال المصنف في المغني: وقيل ما يتكرر كل عام على العامل إلا ما يلقح به فإنه على المالك وإن تكرر لأنه ليس بعمل.
فيجب حمل كلامه هنا عليه لئلا يتناقض، ولما ذكر من الدليل.
وأما كون رب المال عليه ما فيه حفظ الأصل لا غير على المذهب: أما كونه عليه ذلك؛ فلأن الأصل له فكان ما يراد لحفظه عليه.
وأما كونه ليس عليه غير ذلك؛ فلعدم العلة المذكورة.
وأما كونه عليه ما لا يتكرر كل عام في قولٍ؛ فلأن ذلك لا تعلق للعمل به.
أشبه ما فيه حفظ الأصل.
وأما قول المصنف: من سد الحيطان ... إلى آخره فتعداد لصور فيها حفظ الأصل، وبيان لها.
وكل ذلك على رب المال لما تقدم ذكره.
الجزء: 2 - الصفحة: 738
فعلى هذا ما يدير الدولاب من بقر ونحوه على رب المال لأنه مما ذكر، وبذلك صرح أصحابنا.
وقال المصنف في المغني: ذلك على العامل لأنه يراد للعمل كبقر الحرث.
ولأن سقي الماء عليه إذا لم يحتج إلى دابة فكذا هاهنا.
وهذا اختياره لا نقل عن غيره.
قال: (وحكم العامل حكم المضارب فيما يقبل قوله فيه وما يرد.
وإن ثبتت خيانته ضم إليه من يشارفه.
فإن لم يمكن حفظه استؤجر من ماله من يعمل العمل).
أما كون حكم العامل حكم المضارب فيما يقبل قوله فيه وما يرد؛ فلأن العامل في المساقاة أمين رب المال فوجب أن يكون حكمه حكم المضارب فيما ذكر لاشتراكهما في كونهما أميني رب المال.
وأما كونه يضم أمين إلى العامل يشارفه إذا ثبتت خيانته؛ فلأنه أمكن دفع الضرر عن رب المال بذلك مع إمضاء العامل على عمله.
وأما كونه يستأجر من يعمل العمل من مال العامل إذا لم يمكن حفظه؛ فلأنه تعذر استيفاء العمل منه فاستوفي بغيره كما لو هرب.
قال: (وإذا شرط إن سقى سيحاً فله الربع.
وإن سقى بكلفة فله النصف.
وإن زرعها شعيراً فله الربع.
وإن زرعها حنطة فله النصف لم يصح في أحد الوجهين.
وإن قال: ما زرعت من شعير فلي ربعه، وما زرعت من حنطة فلي نصفه.
أو ساقيتك هذا البستان بالنصف على أن أساقيك الآخر بالربع لم يصح وجهاً واحداً).
أما كون المساقاة لا تصح فيما إذا شرط إن سقى سيحاً فله الربع، وإن سقى بكلفة فله النصف.
وإن زرعها شعيراً فله الربع، وإن زرعها حنطة فله النصف في وجهٍ؛ فلأن العمل مجهول.
ولأنه في معنى بيعتين في بيعه وهو قوله: بعتك بعشرة نقداً أو بعشرين نسأ.
الجزء: 2 - الصفحة: 739
وأما كونها تصح في وجه؛ فلأنه في معنى إن خطته رومياً فلك كذا، وإن خطته فارسياً فلك كذا، وقد صح هناك في روايةٍ فليكن هنا مثله 73.
وأما كونها لا تصح وجهاً واحداً فيما إذا قال: ما زرعت من شعير فلي ربعه، وما زرعت من حنطة فلي نصفه؛ فلأن ما يزرعه من كل واحد من الصنفين مجهول القدر فجرى مجرى ما لو شرط في المساقاة ثلث هذا النوع ونصف النوع الآخر وهو جاهل بما فيه منهما.
وأما كونها لا تصح وجهاً واحداً فيما إذا قال: ساقيتك هذا البستان بالنصف على أن أساقيك الآخر بالربع؛ فلأنه شرط عقداً في عقد فلم يصح؛ كما لو قال: بعتك هذا بكذا على أن أبيعك هذا بكذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 740
فصل في المزارعة
قال المصنف رحمه الله: (وتجوز المزارعة بجزء معلوم يُجعل للعامل من الزرع.
فإن كان في الأرض شجر فزارعه الأرض وساقاه على الشجر صح.
ولا يشترط كون البذر من رب الأرض، وظاهر المذهب اشتراطه).
أما كون المزارعة تجوز؛ فلما تقدم من «أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» 74 متفق عليه.
قال البخاري: قال أبو جعفر: ما بالمدينةِ أهلُ بيتٍ إلا ويزرعونَ على الثلثِ والربع 75.
وعنه قال: «عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ثم أهلوهم إلى اليوم».
وأما كون المزارعة والمساقاة تصح فيما إذا كان في الأرض شجر فزارعه الأرض، وساقاه على الشجر؛ فلأن كل واحد منهما عقد لو انفرد لصح فإذا اجتمعا وجب أن يصحا كحالة الانفراد.
وأما ما يشترط لصحة المزارعة فأمور:
منها: كون نصيب العامل مشاعاً معلوماً.
وقد تقدم ذكر دليله في الشركة ومساواة حكم المزارعة لحكم المساقاة فيما ذكر 76.
وثانيها: كون البذر من رب الأرض في ظاهر المذهب؛ لأن المزارعة عقد يشترك العامل ورب الأرض في نمائه.
فوجب أن يكون رأس المال كله من عند أحدهما
الجزء: 2 - الصفحة: 741
كالمساقاة والمضاربة.
وروي عن الإمام أحمد أنه لا يشترط ذلك.
وهو اختيار المصنف لأن ابن عمر قال: «دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها» 77.
وفي لفظ: «على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها» 78 أخرجهما البخاري.
فجعل عملها 79 من أموالهم وزرعها عليهم، ولم يذكر شيئاً آخر.
وظاهره كون البذر من أهل خيبر.
وروى البخاري «أن عمر رضي الله عنه عاملَ الناسَ على أنه إن جاءَ بالبذرِ من عندهِ فلهُ الشطرُ وإن جاؤا بالبذرِ فلهمْ كذَا» 80.
وهذه الرواية هي أصح دليلاً لأن دليل المذهب قياس في مقابلة النص.
ثم هو منتقض بما إذا اشترك مالان وبدن صاحب أحدهما.
قال: (وإن شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسما 81 الباقي، أو شرط لأحدهما قفزاناً معلومة، أو دراهم معلومة 82، أو زرع ناحية معينة من الأرض فسدت المزارعة والمساقاة.
ومتى فسدت فالزرع لصاحب البذر وعليه أجرة صاحبه.
وحكم المزارعة حكم المساقاة فيما ذكرنا).
أما كون المزارعة والمساقاة تفسد بكل واحد من الشروط المذكورة؛ فلأن كل واحد منها غير جائز.
فوجب أن يفسد عقده؛ كما لو باعه شيئاً وشرط عليه أن لا يبيعه.
بيان عدم جواز كل واحد مما ذكر.
أما شرط أخذ رب الأرض مثل بذره؛ فلأن ذلك بمنزلة ما لو شرطه له.
الجزء: 2 - الصفحة: 742
وأما شرط قفزان معلومة لأحدهما؛ فلأنه ربما لا يخرج من الأرض مثل ذلك فيؤدي إلى ضرر المعطي للزائد.
وأما شرط دراهم معلومة لأحدهما؛ فلأنه ربما لا يخرج من الأرض ما يساوي ذلك فيؤدي إلى الضرر المذكور قبل.
وأما شرط زرع ناحية معينة؛ فلأن ذلك منهي عنه في الحديث.
وأما كون الزرع لصاحب البذر مع فساد المزارعة؛ فلأنه نماء بذره.
وأما كون أجرة صاحبه عليه؛ فلأنه دخل على أنه يأخذ مما سمي له.
فإذا فات رجع إلى بدله.
ولأنه لم يرض بالعمل مجاناً.
وأما كون حكم المزارعة حكم المساقاة فيما تقدم ذكره من الجواز واللزوم وما يلزم العامل ورب الأرض وغير ذلك؛ فلأنهما سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
قال: (والحصاد على العامل.
نص عليه.
وكذلك الجذاذ.
وعنه: أن الجذاذ عليهما).
أما كون الحصاد على العامل على منصوص الإمام أحمد؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خيبر إلى يهود خيبر على أن يعملوها من أموالهم» 83. وهذا من العمل الذي لا يستغني عنه الزرع.
وأما كون الجذاذ كذلك على المذهب فلما ذكر في الحصاد.
وأما كونه عليه وعلى رب الشجر على روايةٍ؛ فلأنه يوجد بعد تكامل النماء.
والأول أولى لما ذكر.
ودليل الثانية: ينتقض بالتشميس.
الجزء: 2 - الصفحة: 743
قال: (وإذا قال: أنا أزرع الأرض ببذري وعواملي، وتسقيها بمائك، والزرع بيننا فهل يصح؟ على روايتين.
وإن زارع شريكه في نصيبه صح).
أما كون المساقاة فيما إذا قال: أنا أزرع الأرض ببذري وعواملي وتسقيها بمائك لا تصح على روايةٍ وهي اختيار القاضي؛ فلأن العوض الذي في مقابلته الماء مجهول.
وأما كونها تصح على روايةٍ وهي اختيار أبي بكر؛ فلأنه لما جاز أن يؤجر الأرض ببعض الخارج منها وهو مجهول جاز أن يجعل عوض الماء كذلك.
قال المصنف في المغني: الأولى أصح وأقيس لأنها لا تتحقق مزارعة، ولا يجوز أن يستأجر الماء ولا أن يبتاع بعوض معلوم فكيف إذا كان مجهولاً.
وأجاب عن إجارة الأرض ببعض الخارج بالمنع وبتقدير التسليم يطلب الجامع.
وأما كون مزارعة الشريك لشريكه في نصيبه تصح؛ فلأن ذلك بمنزلة شراء الشريك نصيب شريكه وذلك جائز فكذا هذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 744
باب الإجارة
الإجارة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: 6]، وقوله تعالى: ﴿قالت إحداهما يا أبتِ استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص: 26]، وقوله: ﴿إني أريد أن أُنْكِحَكَ إحدى ابنتي هاتين على أن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج﴾ [القصص: 27].
وأما السنة فثبت «أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرَا رجلاً من بني الدِّيلِ هَادِياً خِرِّيتاً» 84.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقولُ اللهُ تعالى: ثلاثةٌ أنا خصمهمْ يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطى بي ثمَّ غَدرْ، ورجلٌ باعَ حُراً وأكلَ ثمنهُ، ورجلٌ استأجرَ أجيراً فاستوفَى منهُ ولم يوفّهِ أجرَهُ» 85. والأخبار في هذا كثير.
وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على جواز الإجارة في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: عقد على المنافع.
تنعقد بلفظ الإجارة والكراء وما في معناهما.
وفي لفظ البيع وجهان).
أما قوله رحمه الله: وهي عقد على المنافع فبيان لمعنى الإجارة ليحصل به معرفة حقيقتها وتمييزها عن الأعيان.
وأما كونها تنعقد بلفظ الإجارة والكراء؛ فلأنهما موضوعان لذلك.
وأما كونها تنعقد بلفظ البيع في وجه؛ فلأنها حقيقة فانعقدت بلفظه كسائر أنواعه.
الجزء: 2 - الصفحة: 745
وأما كونها لا تنعقد به في وجه؛ فلأن فيها معنى خاصاً فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى.
ولأن الإجارة تضاف إلى العين التي يضاف البيع إليها إضافة واحدة فاحتيج لفظ يفرق بينهما كالعقود المتباينة.
ولأنها تخالف البيع في الاسم والحكم.
أشبهت النكاح.
الجزء: 2 - الصفحة: 746
[فصل في شروط الإجارة]
قال: (ولا تصح إلا بشروط ثلاثة:
أحدها: معرفة المنفعة: إما بالعرف كسكنى الدار شهراً أو خدمة العبد سنة، وإما بالوصف كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين وبناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته وإجارة أرض معينة لزرع كذا أو غرس أو بناء معلوم).
أما كون الإجارة لا تصح إلا بشروط ثلاثة؛ فلما يأتي في مواضعها.
وأما كون أحد شروط صحة الإجارة: معرفة المنفعة؛ فلأن الإجارة بيع، والبيع لا يصح إلا بمعرفة المبيع.
وأما طريق المعرفة فأمران:
أحدهما: العرف.
وثانيهما: الوصف؛ لأن كل واحد منهما تتميز به المنفعة.
وذلك هو المطلوب.
وأما قول المصنف رحمه الله: "كسكنى الدار شهراً وخدمة العبد سنة"؛ فتمثيل لحصول معرفة المنفعة.
وقوله: "كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين وبناء حائط ... إلى قوله: وآلته"؛ فتمثيل لحصول المنفعة بالوصف.
وإنما اشترط الوزن والمسافة في الزبرة، وذكر الطول والعرض والسمك والآلة في بناء الحائط لأن المعرفة لا تحصل إلا بذلك.
ولأن الغرض يختلف باختلاف ذلك فلم يكن بُدٌّ من ذكره.
وأما قوله: "وإجارة أرض معينة لزرع كذا أو غرس أو بناء معلوم" فبيان لأن إجارة الأرض تارة تكون لزرع وتارة لغرس وتارة لبناء.
وفيه تنبيه على اشتراط ما ذكر لأن الغرض يختلف باختلافه فاشترط ذكره؛ كالصفات التي يختلف الثمن بسببها في السلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 747
قال: (وإذا استأجر للركوب: ذكر المركوب فرساً أو بعيراً ونحوه 86. فإن كان للحمل لم يحتج إلى ذكره).
أما كون المستأجر يذكر المركوب إذا كانت الإجارة للركوب؛ فلأن غرض الراكب يختلف فلم يكن بد من ذكره نفياً للنزاع.
وأما كونه لا يحتاج إلى ذلك إذا كانت الإجارة للحمل؛ فلأن الغرض في ذلك لا يختلف.
الجزء: 2 - الصفحة: 748
فصل [الشرط الثاني]
قال المصنف رحمه الله: (والثاني: معرفة الأجرة بما يحصل به معرفة الثمن.
إلا أنه يصح أن يستأجر الأجير بطعامه وكسوته، وكذلك الظِّئْر.
ويستحب أن تعطى عند الفطام عبداً أو وليدة إذا كان المسترضع موسراً).
أما كون الثاني من شروط صحة الإجارة 87: معرفة الأجرة بما يحصل به معرفة الثمن غير المستثناة؛ فلأن الأجرة أحد العوضين فاشترط معرفتها بما ذكر؛ كالعوض في البيع.
وأما كون إجارة الأجير بطعامه وكسوته تصح؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رحمَ اللهُ أخي موسى آجرَ نفسهُ ثمانيَ سنينَ على طعامَ بَطنْه 88 وعِفّةِ فَرْجِه» 89 رواه ابن ماجة.
ولأن العادة جارية به من غير نكير.
أشبه الإجماع.
وأما كون إجارة الظِّئْر وهي المرضعة كذلك؛ فلأنها في معنى الأجير بل أولى لأن الحاجة تدعو إلى الرضاع أكثر من غيره.
وأما كونها يستحب أن تعطى عند الفطام عبداً أو وليدة إذا كان المسترضع موسراً؛ فلما روي «أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يذهبُ عَني مَذمّةَ 90 الرضَاعِ؟ قال: الغرةُ: العبدُ أوِ الأمَة» 91 رواه أبو داود.
الجزء: 2 - الصفحة: 749
ولأن في ذلك إبقاء لحياته فاستحب جعل الجزاء رقبة للتناسب.
قال: (وإن دفع ثوبه إلى قصار أو خياط ليعملاه ولهما عادة بأجرة صح ولهما ذلك وإن لم يعقدا عقد إجارة.
وكذلك دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح).
أما كونه يصح أن يدفع الثوب إلى من ذكر كما ذكر إذا كان للمدفوع إليه عادة بأخذ الأجرة وكونه له الأجرة المعروفة؛ فلأن العرف يجري مجرى الشرط.
دليله ما لو باع شيئاً وأطلق الثمن وللبلد نقد واحد معروف.
ولأن 92 شاهد الحال يقتضي أخذ الأجرة.
أشبه ما لو عرّض له فقال: خذه وأنا أعلم أنك إنما تعمل بالأجرة.
وأما كون دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح كذلك؛ فلاشتراك الجميع في العرف الجاري مجرى الشرط.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله أن أحد هؤلاء متى لم تكن له عادة بأخذ الأجرة لا يستحق شيئاً 93 إلا أن يَشْرِط له.
وصرح المصنف بذلك في الخياط والقصار فقال في المغني بعد ذكر المسألة: فإن لم يكونا منتصبين لذلك لم يستحقا الأجرة إلا بالعقد أو شرط العوض أو تعريض به لأنه لم يجر بذلك عرف يقوم مقام العقد.
قال: (وتجوز إجارة دار بسكنى دار وخدمة عبد وتزويج امرأة) 94.
أما كون إجارة دار تجوز بسكنى دار وخدمة عبد؛ فلأن كل واحد منهما يجوز في مقابلته بالعوض فجاز أن يكون 95 عوضاً في الإجارة كالدراهم والدنانير.
ولأن ذلك يكون عوضاً في البيع، والإجارة مثله لأنها بيع المنافع.
وأما كونها تجوز بتزويج امرأة؛ فلأن ما ذكر قبل يجري فيه فوجب أن يلحق به.
الجزء: 2 - الصفحة: 750
قال: (وتجوز إجارة الحلي بأجرة من جنسه.
وقيل: لا تصح).
أما كون إجارة الحلي تجوز بأجرة من جنسه على المذهب والمراد به صحتها؛ فلأن الحلي عين ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها.
أشبهت الدور والأراضي.
وأما كونها لا تصح على وجهٍ؛ فلأنها تحتك بالاستعمال فيذهب منها أجزاء وإن كانت يسيرة، وتحصل الأجرة التي من جنسها في مقابلة ذلك الانتفاع 96 فيفضي إلى بيع ذهب بذهب وشيء آخر، أو فضة بفضة وشيء آخر.
والأول أولى؛ لما ذكر.
والأجرة في مقابلة الانتفاع لا غير فيزول الإشكال.
قال: (وإن قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم وإن خطته 97 غداً فلك نصف درهم فهل يصح؟ على روايتين).
أما كون ذلك يصح على روايةٍ؛ فلأن في ذلك غرضاً صحيحاً تدعو الحاجة إليه فوجب أن يصح تحصيلاً لتلك الحاجة.
وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأنه عقد واحد اختلف عوضه بالتقديم والتأخير فلم يصح؛ كما لو قال: بعتك بعشرة نقداً أو بعشرين نسأ.
قال: (وإن قال: إن خطته رومياً فلك درهم، وإن خطته فارسياً فلك نصف درهم فعلى وجهين).
أما الخلاف المذكور من الوجهين فمخرج على الخلاف المتقدم من الروايتين.
وأما معنى الرومي ... ، وأما معنى الفارسي ... 98.
قال: (وإن أكراه دابة وقال: إن رددتها اليوم فكراؤها خمسة، وإن رددتها غداً فكراؤها عشرة.
فقال أحمد: لا بأس به.
وقال القاضي: يصح في اليوم الأول دون الثاني).
أما كون ما ذكر لا بأس به على ما قال الإمام أحمد؛ فلأنه لا يؤدي إلى التنازع.
الجزء: 2 - الصفحة: 751
وأما كونه يصح في اليوم الأول دون الثاني على قول القاضي؛ فلأن المؤجر في اليوم الأول معلوم دون الثاني.
قال: (وإن أكراه دابة عشرة أيام بعشرة دراهم فما زاد فله بكل يوم درهم فقال أحمد: هو جائز.
وقال القاضي: يصح في العشرة وحدها).
أما كون ذلك جائزاً على قول الإمام أحمد فلما يأتي من حديث علي رضي الله عنه.
وأما كونه يصح في العشرة وحدها على قول القاضي؛ فلأن المؤجر الذي يقابله العشرة معلوم دون ما بعده.
قال: (ونص أحمد على أنه لا يجوز أن يكتري لمدة غزاته.
وإن سمى لكل يوم شيئاً معلوماً فجائز).
أما كونه لا يجوز أن يكتري لمدة غزاته على المنصوص؛ فلأن ذلك مجهول.
وأما كونه يجوز أن يسمي لكل يوم شيئاً معلوماً؛ فـ «لأن علياً آجر نفسه كل دلو بتمرة» 99. ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا في معناه.
ولأن ما يقابل كل يوم من المدة معلوم الأجرة.
أشبه ما لو قال: أجرتكها سنة كل يوم بدرهم، أو قال: استأجرتك لنقل هذه الصبرة كل قفيزٍ منها بدرهم.
قال: (وإن أَكراهُ كل شهرٍ بدرهم، أو كل دلوٍ بتمرة، فالمنصوص أنه يصح، وكلما دخل شهر 100 لزمهما حكم الإجارة.
ولكل واحدٍ الفسخ عند تَقَضِّي كل شهر.
وقال أبو بكر وابن حامد: لا يصح).
أما كون ما ذكر يصح على المنصوص؛ فلما تقدم من حديث علي 101، وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 752
وأما كونه لا يصح ويلزمهما حكم الإجارة كلما دخل شهر 102؛ فلأن دخوله بمنزلة إيقاع العقد على عينه ابتداء.
وأما كون كل واحدٍ منهما له الفسخ عند تَقَضِّي كل شهر؛ فلأن اللزوم إنما كان لأجل الدخول المنزّل منزلة إيقاع العقد ابتداء ولم يوجد بعد.
وأما كون ما تقدم ذكره لا يصح على قول أبي بكر وابن حامد؛ فلأن مدة الإجارة مجهولة.
الجزء: 2 - الصفحة: 753
فصل [الشرط الثالث]
قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن تكون المنفعة مباحة مقصودة فلا تجوز الإجارة على الزنا والزمر والغناء، ولا إجارة الدار لتجعل كنيسة أو بيت نار أو لبيع الخمر).
أما كون الثالث من شروط الإجارة: أن تكون المنفعة مباحة مقصودة؛ فلأن المنفعة المحرمة مطلوبة العدم، وصحة الإجارة تنافيها لأنها تقضي كثرة إيقاعها.
ولأن المنفعة المحرمة لا يجوز مُقابَلَتُها بالعوض في البيع فكذا في الإجارة.
ولأن ما لا يقصد لا يقابل بالعوض.
وأما كون الإجارة لا تجوز على الزنا ولا على الزمر ولا على الغناء؛ فلأن جميع ذلك محرم.
وأما كون إجارة الدار لتجعل كنيسة أو بيت نار أو لبيع الخمر لا يجوز؛ فلأن في ذلك إعانة على المعصية.
أشبه الإجارة للزنا.
قال: (ولا يصح الاستئجار على حمل الميتة والخمر.
وعنه: يصح ويكره أكل أجرته).
أما كون الاستئجار على حمل ما ذكر لا يصح على المذهب؛ فلأنه استئجار لفعل محرم فلم يصح؛ كغيره من المحرمات.
وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأن الفعل لا يتعين عليه.
ولأنه يجوز حمله 103 لإراقته فكذا حمله لغيره.
وأما كونه يكره أكل أجرته؛ فللاختلاف في حرمته.
الجزء: 2 - الصفحة: 754
فصل [في أنواع الإجارة]
قال المصنف رحمه الله: (والإجارة على ضربين:
أحدهما: إجارة عين، فيجوز إجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها، فيجوز له استئجار حائط ليضع عليه أطراف خشبه، وحيوان ليصيد به إلا الكلب، واستئجار كتاب ليقرأ فيه إلا المصحف في أحد الوجهين، واستئجار النقد للتحلي والوزن لا غير.
فإن أطلق الإجارة لم تصح في أحد الوجهين وتصح في الآخر، وينتفع بها في ذلك).
أما كون [الإجارة على ضربين؛ فلأنها تارة تكون على العين، وتارة تكون على عمل في الذمة.
وأما كون] 104 إجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها يجوز؛ فلأن الشروط المعتبرة مجتمعة فيها.
فعلى هذا يجوز استئجار حائط ليضع عليه أطراف خشبه؛ لأن الحائط عين يمكن استيفاء المنفعة منها مع بقائها، واستئجار حيوان غير كلب له ليصيد به لما ذكر.
وإنما لم يجز في الكلب لأن إجارته كبيعه وبيعه غير جائز فكذا إجارته، واستئجار كتاب غير مصحف ليقرأ فيه لما تقدم.
وأما إجارة المصحف ففيها وجهان مخرجان على بيعه.
واستئجار النقد للتحلي والوزن لما تقدم ولا يجوز لغير ذلك من إنفاق وغيره لأن فيه إذهاباً لعينه، وبقاؤها شرط.
فعلى هذا إذا أطلق الإجارة فهل تصح؟ فيه وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 755
أحدهما: لا يصح ويكون قرضاً.
ذكره القاضي لأن الإجارة تقتضي الانتفاع، والانتفاع بالدراهم والدنانير المعتاد إنما هو بأعيانهما فإذا أطلق الانتفاع حمل على العرف.
وثانيهما: يصح.
ذكره أبو الخطاب لأن المنفعة المستوفاة منهما بالإجارة المنفعة في التحلي والوزن وهما متقاربان فوجب أن يحمل الإطلاق عليهما؛ كاستئجار الدار مطلقاً فإنه يتناول السكنى ووضع المتاع فيها.
فعلى هذا ينتفع بهما في الوزن والتحلي لأنهما اللذان حمل العقد عليهما.
قال: (ويجوز استئجار ولده لخدمته وامرأته لرضاع ولده وحضانته).
أما كون استئجار الولد لخدمة والده يجوز؛ فلأنه يجوز أن يؤجره من الأجنبي فجاز من نفسه بالقياس عليه.
وأما كون استئجار امرأته لرضاع ولده يجوز؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: 6]، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ترضع لكم الحمقاء» 105 فدل بمفهومه على جواز استرضاع غيرها.
ولأن كل عقد صح مع غير الزوج صح معه؛ كالبيع.
ولأن منافعها في الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج بدليل أنه لا يملك إجبارها على ذلك.
قال صاحب النهاية فيها: النهي في الحديث نهي شفقة لأن الحمق مرض والمرض يضر بالولد.
وقال: الحضانة تربية الولد ودهنه ومعاهدته بالكحل والغسل لأقذاره وأوساخه وإصلاح طعامه.
الجزء: 2 - الصفحة: 756
قال: (ولا تصح إلا بشرط خمسة:
أحدها: أن يعقد على نفع العين دون أجزائها، فلا تصح إجارة الطعام للأكل، ولا الشمع ليشعله، ولا حيوان ليأخذ لبنه.
إلا في الظئر، ونقع البئر يدخل تبعاً).
أما كون إجارة العين لا تصح إلا بالشروط الخمسة المذكورة فلما يأتي ذكره في كل واحد منها.
وأما كون أحد الشروط المذكورة: أن يعقد على نفع العين دون أجزائها فيما عدا المستثنى؛ فلأن الإجارة عقد على المنافع فإذا وقع على الأجزاء لم تكن إجارة.
فعلى هذا لا تصح إجارة شيء مما ذكر المصنف كما ذكره لأنها إجارة على جزء لا على عين 106.
وأما كون إجارة الظئر وهي المرضعة تصح؛ فلما تقدم من قوله: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: 6].
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم استرضع ولده إبراهيم».
ولأن الحاجة تدعو إليه.
أشبه سائر المنافع.
وأما كون إجارة نقع البئر يصح؛ فلأن الحاجة تدعو إليه.
أشبه لبن الظئر.
وأما قول المصنف رحمه الله: يدخل تبعاً فيحتمل أنه عائد إلى نقع البئر لأنه أفرد الضمير، ويحتمل أنه عائد إلى الظئر ونقع البئر.
وبه صرح غيره فقال: إلا في الظئر ونقع البئر فإنهما يدخلان تبعا.
فعلى هذا يكون في الكلام إشعار بأن المعقود عليه في الظئر غير اللبن.
واختلف الأصحاب في ذلك: فمنهم من قال: هو الخدمة، واللبن تبعاً؛ كالصبغ في إجارة الصباغ لأن اللبن لو كان معقوداً عليه لاستحق بالإجارة عين من الأعيان.
ومنهم من قال: هو اللبن.
قال القاضي: هو أشبه لأنه لو كان الخدمة لما وجب على الظئر سقي الولد 107 اللبن فيكون استحقاق العين بالإجارة.
وخصه لموضع الحاجة لأن غيره لا يقوم مقامه ولهذا
الجزء: 2 - الصفحة: 757
جاز في الآدمي دون غيره من الحيوان لأن الحاجة تدعو إلى حفظه وإبقائه بخلاف غيره.
ولقائل أن يقول: استثناء لبن الظئر مما لا تجوز إجارته لكونه لا ينتفع به إلا بذهاب عينه مع القول بأنه يدخل تبعاً لا يصح؛ لأن المعقود عليه إن كان الخدمة فلا يصح استثناؤها مما ذكر لكونها ليست من جنس المستثنى منه لأن خدمة المرضعة نفع مع بقاء العين، وإن كان اللبن فلا يصح قوله: يدخل تبعاً لأنه معقود عليه فهو أصل لا تبع.
والأولى أن يحمل كلام المصنف على نقع البئر خاصة ليخلص من هذا الإشكال.
وأما نقع البئر فإنه يدخل تبعاً لأن هواء البئر وعمقه فيه نوع انتفاع بمرور الدلو فيه.
قال: (الثاني: معرفة العين برؤية أو صفة في أحد الوجهين، وتصح في الآخر بدونه.
وللمستأجر خيار الرؤية).
أما كون الثاني من شروط صحة إجارة العين: معرفة العين المستأجرة برؤية أو صفة في أحد الوجهين؛ فلأن الإجارة بيع المنافع فوجب أن لا تصح إلا بذلك كالبيع.
فعلى هذا لو استأجر ما لم يره ولم يوصف له لم تصح الإجارة لفقدان الشرط.
وأما كونها تصح بدون ذلك في وجه؛ فلأن البيع يصح بدون ذلك في رواية.
وأما كون المستأجر له خيار الرؤية على الوجه المذكور؛ فلأن من اشترى ما لم يره ولم يوصف له: له الخيار المذكور فكذا المستأجر لذلك.
قال: (الثالث: القدرة على التسليم، فلا تصح إجارة الآبق والشارد ولا المغصوب 108 ممن لا يقدر على أخذه).
أما كون الثالث من شروط صحة 109 إجارة العين: القدرة على التسليم؛ فلأنها بيع.
أشبهت بيع الأعيان.
وأما كونه لا تصح إجارة الآبق والشارد ولا المغصوب ممن لا يقدر على أخذه فلعدم القدرة المشترطة.
الجزء: 2 - الصفحة: 758
قال: (ولا تجوز إجارة المشاع مفرداً لغير شريكه.
وعنه: ما يدل على جوازه).
أما كون إجارة المشاع لا تجوز مفرداً لغير شريك المؤجر على المذهب؛ فلأنه لا يقدر على تسليمه فلم تجز إجارته.
وإنما قلنا لا يقدر على تسليمه لأنه لا يقدر على ذلك إلا بتسليم نصيب شريكه.
وأما كونها تجوز على روايةٍ؛ فلأنه يجوز بيعه فجاز إجارته كالمفرد.
وأما قول المصنف: مفرداً لغير شريكه فمشعر بأمرين:
أحدهما: جواز إجارته مع نصيب شريكه؛ مثل: أن يوكلا شخصاً في إجارة ذلك أو يوكل أحدهما صاحبه.
وثانيهما: جواز إجارته لشريكه.
وصرح به المصنف في المغني لأن المانع من الصحة تعذر التسليم وهو منتف في الموضعين المذكورين.
قال: (الرابع: اشتمال العين على المنفعة.
فلا تجوز إجارة بهيمة زَمِنَةٍ للحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع).
أما كون الرابع من شروط صحة إجارة العين: اشتمال العين المستأجرة على المنفعة؛ فلأن الإجارة عقد معاوضة فاشترط اشتماله على المنفعة؛ كالبيع.
وأما كونه لا تجوز إجارة بهيمة زمنة للحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع فلعدم اشتمالها على المنفعة المشترطة.
قال: (الخامس: كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذوناً له فيها.
فيجوز للمستأجر إجارة العين لمن يقوم مقامه، ويجوز للمؤجر وغيره بمثل الأجرة وزيادة.
وعنه: لا يجوز بزيادة.
وعنه: إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا.
وللمستعير إجارتها إذا أذن له المعير مدة بعينها).
أما كون الخامس من شروط صحة إجارة العين: كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذون له فيها؛ فلأنها بيع المنافع فاشترط فيها ذلك؛ كالبيع.
وأما كون المستأجر يجوز له إجارة العين المستأجرة لمن يقوم مقامه؛ فلأن المنفعة مملوكة له فجاز له بيعها كبيع المشتري للمبيع.
وإنما اشترط كون المستأجر ثانياً ممن يقوم
الجزء: 2 - الصفحة: 759
مقام المستأجر أوّلاً ليكون انتفاعه كانتفاعه؛ لأنه إذا زاد عليه كان فيه إضرار وذلك منتفٍ شرعاً.
وأما كون إجارة العين المستأجرة تجوز للمؤجر؛ فلأن كل عقد جاز مع غير العاقد جاز مع العاقد دليله البيع.
وأما كونها تجوز لغيره بمثل الأجرة فلا شبهة فيه.
وأما كونها تجوز بزيادة على المذهب؛ فلأنه عقد يجوز برأس المال فيجوز بالزيادة؛ كبيع المبيع.
وأما كونها لا تجوز على روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن» 110. والمنفعة في الإجارة غير مضمونة.
وأما كونه إن جدد فيها عمارة جاز على روايةٍ؛ فلأن الربح يقع في مقابلة ذلك، وإن لم يجدد لم يجز للحديث المذكور.
وذكر المصنف في المغني رواية أخرى أنه إن أذن له المالك في الزيادة جاز وإلا لم يجز.
وأما كون المستعير له إجارة المستعار إذا أذن له المعير مدة بعينها؛ فلأن شرط المنفعة كونها مملوكة للمؤجر أو مأذون له فيها وذلك موجود هاهنا.
قال: (وتجوز إجارة الوقف.
فإن مات المؤجر فانتقل إلى من بعده لم تنفسخ الإجارة في أحد الوجهين، وللثاني حصته من الأجرة).
أما كون إجارة الوقف تجوز؛ فلأن المنافع مملوكة للمؤجر.
وأما كونها لا تنفسخ بموت المؤجر الآجر في وجه؛ فلأنه آجر ملكه في زمن ولايته فلم تنفسخ كما لو أجّر ملكه الطلق.
وأما كونها تنفسخ فيما بقي في وجه؛ فلأنه تبين أنه آجر ملكه وملك غيره فصح كما في ملكه، وتبين البطلان في ملك غيره لأن المنافع بعد موته حق لغيره فلا ينفذ عقده عليه من غير ولاية.
وفارق الطلق من حيث إن الوارث يملك من جهة موروثه بخلاف البطن الثاني في الوقف فإنه يملك من جهة الواقف.
فعلى القول بأنها لا تنفسخ:
الجزء: 2 - الصفحة: 760
للثاني حصته من الأجرة من حين موت الأول.
فإن كان الأول قبضها رجع من انتقل إليه الوقف بحصته في تركة المؤجر؛ لأنه تبين عدم استحقاقه له، وعلى القول بأنها تنفسخ يرجع من انتقل إليه الوقف في عين المنفعة ويرجع المستأجر على تركة المؤجر بحصة الباقي من الأجرة.
قال: (وإن أجر الولي اليتيم أو العبد ثم بلغ الصبي وعتق العبد لم تنفسخ الإجارة، ويحتمل أن تنفسخ).
أما كون إجارة اليتيم لا تنفسخ ببلوغه، والعبد بعتقه على المذهب؛ فلأن الإجارة عقد لازم، عُقِد بحق الولاية في اليتيم والملك في العبد.
فلم تنفسخ ببلوغ اليتيم؛ كما لو 111 باع داره أو زوّجه، ولا يعتق العبد؛ كما لو زوج أمته ثم باعها.
وأما كونه يحتمل أن تنفسخ؛ فلما ذكر في إجارة الوقف.
الجزء: 2 - الصفحة: 761
فصل [في الأجير الخاص]
قال المصنف رحمه الله: (وإجارة العين تنقسم قسمين:
أحدهما: أن تكون على مدة؛ كإجارة الدار شهراً، والأرض عاماً، والعبد للخدمة، أو للرعي مدة معلومة.
ويسمى الأجير فيها: الأجير الخاص).
أما كون إجارة العين تنقسم قسمين؛ فلأنها تارة تنضبط بالمدة كما مثّل المصنف رحمه الله، وتارة بالعمل كما يأتي في القسم الثاني.
وكلاهما صحيح.
أما الأول؛ فلأن ابن المنذر قال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن 112 استئجار المنازل والدواب جائز، وقد «ثبت أن موسى عليه السلام أجر نفسه للرعي مدة معلومة» 113.
وأما الثاني فيأتي ذكره في موضعه.
وأما كون الأجير فيما ذكر يسمى الأجير الخاص؛ فلأن المستأجِر يختص بالمنفعة في تلك المدة دون سائر الناس.
قال: (ويشترط كون المدة معلومة يغلب على الظن بقاء العين فيها وإن طالت.
ولا يشترط أن تلي العقد فلو أجره سنة خمس في سنة أربع صح سواء كانت العين 114 مشغولة وقت العقد أو لم تكن).
أما كونه يشترط كون المدة معلومة كشهر وسنة؛ فلأن المدة هي الضابطة للمعقود عليه المعرفة له فوجب أن تكون معلومة؛ كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل.
الجزء: 2 - الصفحة: 762
وأما كونه يشترط كون المدة يغلب على الظن بقاء العين فيها؛ فلأن العين إذا كانت كذلك يتمكن المستأجر من استيفاء المقصود من الإجارة غالباً.
بخلاف ما إذا لم تكن كذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإن طالت ففيه تنبيه على أن الإجارة في المدة الطويلة صحيحة إذا كانت العين يغلب على الظن بقاؤها فيها كالمدة القصيرة لأن المصحح في القصيرة الغلبة المذكورة وهي موجودة في الطويلة فوجبت الصحة عملاً بالعلة.
وأما كونه لا يشترط أن تلي المدة العقد؛ فلأنها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها فجاز العقد عليها منفردة كالتي تلي العقد.
فعلى هذا يصح أن يستأجر سنة خمس في أربع لأن 115 غاية ما يقدر في ذلك أنها مدة تلي لا تلي العقد وذلك غير شرط.
وأما كونه يصح فيما ذكر سواء كانت العين مشغولة وقت العقد أو لم تكن؛ فلأن التسليم في الحال لا يجب فلا يضر الشغل.
قال: (وإذا آجره 116 في أثناء شهر سنة استوفى شهراً بالعدد وسائرها بالأهلة.
وعنه: يستوفي الجميع بالعدد.
وكذلك الحكم في كل ما يعتبر فيه الأشهر؛ كعدة الوفاة، وشهرَيْ صيام الكفارة).
أما كون المستأجر يستوفي الشهر الأول بالعدد، وسائر السنة بالأهلة على المذهب؛ فلأن الشهر الأول تعذر إتمامه بالهلال فوجب إتمامه بالعدد، وما عداه لا يتعذر فوجب اعتباره بالأهلة لأنها الأصل.
وأما كونه يستوفي الجميع بالعدد على روايةٍ؛ فلأنها مدة يستوفى بعضها بالعدد فوجب استيفاء جميعها بالعدد؛ كما لو كانت المدة شهراً واحداً.
ولأن الشهر الأول ينبغي أن يكمل من الشهر الذي يليه فيحصل ابتداء الشهر الثاني في أثنائه وكذلك كل شهر يأتي بعده.
الجزء: 2 - الصفحة: 763
وأما كون الحكم في كل ما يعتبر فيه الأشهر كما مّثل المصنف كالحكم فيما ذكر؛ فلأن الكل سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
قال: (القسم الثاني: إجارتها لعمل معلوم؛ كإجارة الدابة للركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث مكان، أو دياس زرع، أو استئجار عبد ليدله على طريق، أو رحى لطحن قفزان معلومة.
فيشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف).
أما كون الإجارة كما ذكر تصح؛ فلأن المنفعة معلومة.
أشبهت إجارة الدار.
وقد جاء «أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرا عبدالله بن أُريقِط هَادِياً خِرِّيتاً» 117. أي ماهراً بالهداية فدلهما على طريق المدينة.
وأما كونه يشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف؛ فلأن العمل إذا لم يكن معروفاً مضبوطاً بما ذكر يكون مجهولاً فلا تصح الإجارة معه.
ولأن العمل هو المعقود عليه فاشترط معرفته وضبطه بما ذكر؛ كالمبيع 118.
الجزء: 2 - الصفحة: 764
فصل [في الأجير المشترك]
قال المصنف رحمه الله: (الضرب الثاني: عقد على منفعة في الذمة، مضبوطة بصفاتٍ كالسلم؛ كخياطة ثوب، وبناء حائط، أو حمل إلى موضع معين.
ولا يكون الأجير فيها إلا آدمياًّ جائز التصرف.
ويسمى الأجير المشترك).
أما كون الإجارة على منفعة في الذمة تصح؛ فلأن الإجارة بيع فصح عقدها في الذمة كالسلم.
وأما كونها يشترط ضبطها بصفاتٍ كالسلم؛ فلأن الإجارة في الذمة منوطة بالسلم جوازاً فيجب أن تكون منوطة به اشتراطاً.
وأما كونها لا يكون الأجير فيها إلا آدمياً؛ فلأنها متعلقة بالذمة ولا ذمة لغير آدمي.
وأما كونه لا يكون إلا جائز التصرف؛ فلأن الإجارة بيع فلم تصح من غير جائز التصرف؛ كبيع الأعيان.
وأما كونه يسمى الأجير المشترك؛ فلأنه يتقبل أعمالاً كثيرة من ناس كثير في وقت واحد فيشتركون في استحقاق منفعته.
قال: (ولا يجوز الجمع بين تقدير المدة والعمل؛ كقوله: استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب في يوم.
ويحتمل أن يصح).
أما كونه لا 119 يجوز الجمع بين تقدير المدة والعمل كما مثل المصنف رحمه الله على المذهب؛ فلأنه قد يفرغ من خياطته في بعض اليوم.
فإن طولب بالعمل في بقيته كان زيادة على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تركاً للعمل في بعض المدة التي وقع العقد عليها وقد لا يفرغ من خياطته في اليوم فيفضي أيضاً إلى مثل ما ذكرناه.
وأما كونه يحتمل أن يصح؛ فلأن الإجارة معقودة على العمل، والمدة مذكورة للتعجيل فلا يُفسد ذلك العقد.
وحكى المصنف في المغني أن في كلام أحمد ما يدل على صحة ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 765
قال: (ولا تصح الإجارة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة 120؛ كالحج والأذان ونحوهما.
وعنه: تصح).
أما كون الإجارة على ما ذكر لا تصح على المذهب؛ فلأن من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى فلم يصح أخذ الأجرة عليها؛ كما لو استأجر قوماً يصلون خلفه الجمعة والتراويح.
وأما كونها تصح على روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلاً بما معه من القرآن» 121 متفق عليه.
وإذا صح كون تعليم القرآن عوضاً في باب النكاح وقام مقام المهر صح أخذ الأجرة عليه في الإجارة.
وثبت «أن أبا سعيد رقَى رجلاً بفاتحة الكتابِ على جُعل فبرَأ، وأخذَ الصحابةُ الجعلَ، وأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وسألوه.
فقال: لَعمرِي! لَمنْ أكلَ برقيةٍ باطلٍ.
لقدْ أكلتَ برقيةٍ حقٍ.
كلوا واضربوا لي معكمْ بِسهم» 122.
ولأنه يصح أخذ الرزق عليه من بيت المال فصح أخذ الأجرة عليه كبناء المساجد والقناطر.
والأول أصح؛ لما روى عثمان بن أبي العاص قال: «آخرُ ما عهدَ إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتخذْ مُؤذناً لا 123 يأخذُ على أذانِهِ أَجْراً» 124 قال الترمذي: هذا حديث حسن.
الجزء: 2 - الصفحة: 766
وروى عبادة بن الصامت قال: «علّمتُ ناساً من أهل الصُّفَّةِ القرآنَ والكتابةَ.
فأهدَى إليّ رجلٌ منهم قَوساً.
فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال 125: إن سَرَّكَ أن يُقلدَكَ اللهُ قَوساً من نارٍ فاقبلها» 126.
وعن أبي بن كعب «أنه علم رجلاً سورة من القرآن فأهدى له خميصة أو ثوباً.
فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: لو أنك لبستها أو أخذتها ألبسك الله مكانها ثوباً من نار» 127.
وعن عبدالرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرأوا القرآنَ ولا تَغْلُوا فيهِ ولا تَجْفُوا عنه ولا تَأكلُوا بهِ ولا تَسْتَكْثِرُوا بِه» 128. روى هذه الأحاديث كلها الأثرم في سننه.
وأما الأخذ على الرقية فإن الإمام أحمد اختار جوازه.
وأما جعل التعليم صداقاً فعن أحمد فيه خلاف، وذكر الخبر ليس فيه تصريح بأن التعليم صداق إنما قال: «زوجتكها على ما معك من القرآن» 129 فيحتمل أنه زوجه إياها بغير صداق إكراماً له لما معه من القرآن.
ونُقِل عنه جوازه.
والفرق بينه وبين الأجرة أن الصداق ليس عوضاً محضاً وإنما وجب وصلة ونحلة.
ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته وصح مع فساده.
بخلاف الأجرة في غيره.
قال: (وإن استأجره ليحجمه صح.
ويكره للحر أكل أجرته ويُطعمه الرقيق والبهائم.
وقال القاضي: لا يصح).
أما كون الاستئجار على الحجامة تصح على قول غير القاضي فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة وأعطاه أجرة» 130 متفق عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 767
قال ابن عباس: ولو كان حراماً ما أعطاه أجرة 131.
وأما كونه يكره للحر أكل أجرة الحجامة فللحديث الآتي ذكره.
ولأن أسوأ أحوال الأجرة في الحديث أن تكون مكروهة.
وأما كونه يطعم الأجرة رقيقه وبهائمه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أطعمهُ ناضِحكَ ورقِيقَك» 132 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وأما كونه لا يصح على قول القاضي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كسب الحجام خبيث» 133 متفق عليه.
والأول اختيار المصنف رحمه الله وأبي الخطاب.
وذكر القاضي أن الإمام أحمد نص على عدم الإجارة عليها في مواضع.
قال المصنف في المغني: تسميته خبيثاً لا يلزم منه الحرام؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الثوم والبصل خبيثين» 134. وهما مباحان.
الجزء: 2 - الصفحة: 768
فصل [في استيفاء المنفعة]
قال المصنف رحمه الله: (وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه وبمثله.
ولا يجوز بمن هو أكثر ضرراً منه، ولا بمن يخالف ضرَرُه ضرَرَه).
أما كون المستأجر له استيفاء المنفعة بنفسه؛ فلأن أصل العقد يراد للعاقد.
وأما كونه له استيفاؤها بمثله؛ فلما تقدم في قوله: وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه 135.
وأما كونه لا يجوز بمن هو أكثر ضرراً منه؛ فلأنه يضر بالمؤجر.
ولأن المستأجر الثاني ينبغي أن يكون له ما للأول فإذا كان الأول ضرره قليل وجب أن يكون الثاني مثله.
قال: (وله أن يستوفي المنفعة وما دونها في الضرر من جنسها.
فإذا اكترى لزرع الحنطة فله زرع الشعير ونحوه، وليس له زرع الدخن ونحوه.
ولا يملك الغرس ولا البناء، وإن اكتراها لأحدهما لم يملك الآخر، وإن اكتراها للغرس 136 ملك الزارع).
أما كون المستأجر له استيفاء المنفعة المعقود عليها من زرع وبناء وغير ذلك؛ فلأن ذلك هو المقصود من الإجارة والمعقود من أجله.
وأما كونه له استيفاء [ما دون] 137 المنفعة المعقود عليها في الضرر مع اتحاد الجنس؛ فلأنه إذا كان له استيفاء نفس المنفعة المعقود عليها فما دونها أولى.
فعلى هذا إذا اكترى أرضاً لزرع حنطة فله زرعها بها لأنها المعقود عليها، وله زرع الشعير لأنه دونها في الضرر، وليس له زرع الدَّخَن ونحوه.
ولا يملك الغرس ولا البناء
الجزء: 2 - الصفحة: 769
لأن كل واحد من ذلك فوق الحنطة في الضرر.
وإن اكتراها للغرس لم يملك الآخر لأن ضرر كل واحد يخالف ضرر الآخر.
وإن اكتراها للغرس ملك الزرع لأنه أقل ضرراً.
قال: (وإن اكترى دابة للركوب أو للحمل لم يملك 138 الآخر.
وإن اكتراها لحمل الحديد أو القطن لم يملك حمل الآخر.
فإن فعل فعليه أجرة المثل).
أما كون المستأجر لا يملك الحمل إذا اكترى للركوب؛ فلأن الراكب يعين الظهر بحركته.
وأما كونه لا يملك الركوب إذا اكترى للحمل؛ فلأن الراكب أشد على الظهر لأنه يقعد في موضع واحد والمتاع يتفرق على جنبيه.
وأما كونه لا يملك حمل القطن إذا اكترى الدابة لحمل الحديد؛ فلأنه أضر منه لكونه يتجافى، وتهب فيه الريح فيتعب الظهر.
وأما كونه لا يملك حمل الحديد إذا اكترى لحمل القطن؛ فلأنه أضر منه لاجتماعه وثقله.
وأما كونه عليه أجرة المثل إذا فعل غير ما استأجره؛ فلأنه عدل عن المعقود عليه إلى غيره.
أشبه ما لو استأجر أرضاً فزرع أخرى.
قال: (وإن اكتراها لحمولة شيء فزاد عليه، أو إلى موضع فجاوزه فعليه الأجرة المذكورة وأجرة المثل للزائد.
ذكره الخرقي.
وقال أبو بكر: عليه أجرة المثل للجميع.
وإن تلفت ضَمِن قيمتها إلا أن تكون في يد صاحبها فيضمن نصف قيمتها في أحد الوجهين).
أما كون المستأجر عليه الأجرة المذكورة وأجرة المثل للزائد إذا زاد على ما استأجر أو جاوز مكانه على قول الخرقي: أما الأجرة المذكورة؛ فلأنه استوفى المعقود عليه، وأما أجرة المثل للزائد؛ فلأنه حمله على ملك غيره بغير إذنه ولا تقدير عوضه فلزمه أجرة مثله.
الجزء: 2 - الصفحة: 770
وأما كونه عليه أجرة المثل للجميع على قول أبي بكر؛ فلأنه عدل عن المعقود عليه إلى غيره.
أشبه ما لو فعل ذلك من غير إجارة.
وأما كونه يضمن قيمة الدابة إن تلفت في زمان التعدي ولم يكن في يد صاحبها؛ فلأنه متعد في فعله.
أشبه ما لو غصبها فتلفت.
وأما كونه يضمنها إذا كانت في يد صاحبها في وجه؛ فلأنها تلفت بجنايته عليها، وسكوت صاحبها لا يسقط الضمان؛ كمن جلس إلى إنسان فخرق ثوبه وهو ساكت.
وأما كونه يضمن نصف قيمتها في وجه؛ فلأنها تلفت بفعل مضمون وغير مضمون.
أشبه ما إذا جرح أجنبي شخصاً جرح نفسه فمات فإن الأجنبي يلزمه نصف الدية.
وقال صاحب النهاية فيها: والمذهب الأول؛ لأن رجلاً لو ألقى حجراً في سفينة مملوءة بالأمتعة فغرقت وجب عليه ضمان السفينة وما 139 فيها، وإن كان مثل الحجر لا تغرق به السفينة تغليباً للفعل المضمون، وإضافة للحكم إلى السبب الأخير.
فكذلك هاهنا.
ومثل ذلك إذا زاد الجلاد في الحد سوطاً فمات المحدود فإنه يلزمه كمال الدية على المذهب.
الجزء: 2 - الصفحة: 771
فصل [فيما يلزم المؤجر والمستأجر]
قال المصنف رحمه الله: (ويلزم المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل، ورحله، وحزامه، والشد عليه، وشد الأحمال، والمحامل، والرفع، والحط، ولزوم البعير لينزل لصلاة الفرض، ومفاتيح الدار، وعمارتها، وما جرت عادته به.
فأما تفريغ البالوعة والكنف فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة).
أما كون المؤجر يلزمه ما ذكر ... إلى التفريغ؛ فلأن ذلك بفعل عادة فحمل مطلق العقد عليه.
ولأن 140 التمكين واجب عليه، ولا يتم بدون ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به واجب.
وأما كون المستأجر يلزمه تفريغ البالوعة والكُنُف إذا تسلمها فارغة؛ فلأن ذلك حصل بفعله فكان تنظيفه عليه؛ كما لو طرح فيها قماشاً.
وفي تقييد اللزوم بتسليمها فارغة دليل على أنه إذا تسلمها ملئى يكون تفريغها على المؤجر وصرح به في المغني لأنه لا يمكن الانتفاع إلا بذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 772
فصل [الإجارة عقد لازم]
قال المصنف رحمه الله: (والإجارة عقد لازم من الطرفين ليس لأحدهما فسخها.
وإن بدا له قبل تَقَضِّي المدة فعليه الأجرة.
وإن حوله المالك قبل تقضيها لم يكن له أجرة لما سكن.
نص عليه.
ويحتمل أنّ له من الأجرة بقسطه).
أما كون الإجارة عقد لازم من طرفي المؤجر والمستأجر؛ فلأنها عقد معاوضة.
أشبهت البيع.
ولأنها نوع من البيع.
وإنما اختصت باسم كما اختص الصرف والسلم.
وأما كون المتعاقدين ليس لأحدهما فسخها؛ فلأن هذا شأن العقود اللازمة من الطرفين.
وأما كون الأجرة على من بدا له قبل تَقَضِّي المدة؛ فلأن الإجارة عقد لازم يقتضي أن يملك المالك الأجرة، والمستأجر المنافع، وقد وجدت فوجب أن يلزم المستأجر الأجرة عملاً بمقتضاها.
وأما كون المالك لا أجرة له لما سكن المستأجر إذا حوّله قبل تَقَضِّي المدة على منصوص الإمام أحمد؛ فلأنه لم يُسَلِّم إليه ما عقد عليه في الإجارة لغير عذر فلم يستحق شيئاً؛ كما لو استأجره ليحمل له كتاباً إلى الكوفة فحمله بعض الطريق، أو كما لو استأجر حفاراً ليحفر له بئراً طولها عشرون ذراعاً فحفر له منها عشرة وامتنع من حفر الباقي.
وأما كونه يحتمل أن له من الأجرة بقسطه؛ فلأن المستأجر استوفى بعض المعقود عليه فلزمه بقدر ما استوفاه؛ كما لو اشترى مكيلاً فسلم إليه البائع بعضه ومنع باقيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 773
قال: (وإن هرب الأجير حتى انقضت المدة انفسخت الإجارة.
وإن كانت على عمل خُيِّر المستأجر بين الفسخ والصبر).
أما كون الإجارة تنفسخ إذا هرب الأجير حتى انقضت المدة؛ فلأن المعقود عليه يفوت بانقضائها.
أشبه تلف العين.
وفي قول المصنف رحمه الله: حتى انقضت المدة دليل على أنها لا تنفسخ قبل انقضائها.
وصرح به في المغني لأن المدة إذا لم تنقض لم يفت المعقود عليه.
وأما كون المستأجر يخير بين الفسخ والصبر إذا كانت الإجارة على عمل في الذمة؛ فلأن ذلك عمل 141 في الذمة ليس له مدة يفوت بفواتها.
أشبه الأجير قبل انقضاء مدة إجارته.
قال: (وإن هرب الجمّال وتَرَك الجِمال أنفق عليها الحاكم من مال الجمّال، أو أذن للمستأجر في النفقة.
فإذا انقضت الإجارة باعها الحاكم، ووفى المنفق، وحفظ باقي ثمنها لصاحبه).
أما كون الحاكم ينفق على ذلك؛ فلأن نفقة الحيوان واجبة على المالك وهو غائب، والحاكم نائب عن الغائب.
وأما كونه يأذن للمستأجر في النفقة؛ فلأن إقامة أمين غير المستأجر يشق ويتعذر مباشرته في كل لحظة.
وأما كونه يبيع ذلك إذا انقضت الإجارة ويوفي المنفق؛ فلأن في ذلك تخليصاً لذمة صاحب الجِمال، وإيفاءً لحق صاحب النفقة.
[وأما كونه] 142 يحفظ باقي الثمن لصاحبه؛ فلأن الحاكم يلزمه حفظ مال الغائب.
الجزء: 2 - الصفحة: 774
قال: (وتنفسخ الإجارة بتلف العين المعقود عليها، وموت الصبي المرتضع، وموت الراكب إذا لم يكن له من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة، وانقلاع الضرس الذي اكترى لقلعه، أو برئه، ونحو هذا).
أما كون الإجارة تنفسخ بتلف العين المعقود عليها كمن اكترى بعيراً بعينه فمات؛ فلأن المنفعة زالت بالكلية فانفسخ العقد الواقع على عينه؛ كتلف المبيع قبل قبضه.
وأما كونها تنفسخ بموت الصبي المرتضع؛ فلأن استيفاء المعقود عليه قد تعذر لأنه لا يمكن إقامة غيره مقامه لاختلاف الصبيان في الرضاع واختلاف اللبن باختلافهم لأن المرضعة قد تدور على ولد دون آخر.
وأما كونها تنفسخ بموت الراكب إذا لم يكن له من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة؛ فلأنه تعذر استيفاء المعقود عليه منه وممن يقوم مقامه.
أشبه ما لو مات المركوب.
وفي قوله: إذا لم يكن له من يقوم مقامه دليل على أنها لا تنفسخ إذا كان له من يقوم مقامه لأن الاستيفاء لا يتعذر لوجود من يقوم مقامه.
فإن قيل: كيف الجمع بين قول المصنف: تنفسخ بموت الراكب، وبين قوله بعدُ: لا تنفسخ بموت المكتري؟
قيل: يجب حمل قوله: لا تنفسخ بموت المكتري على أنه مات وله وارث.
وقد ذكر المصنف رحمه الله في المغني قول الخرقي: وإذا مات المكري والمكتري أو أحدهما فالإجارة بحالها وعلّله.
ثم قال: ونقل عن الإمام أحمد في رجل اكترى بعيراً فمات في بعض الطريق فإن رجع البعير خالياً فعليه بقدر ما وجب له.
ثم قال: وظاهر هذه الرواية أنه حكم بفسخ العقد فيما بقي من المدة إذا مات المستأجر.
ثم قال: ويجب أن يقدر أنه لم يكن ثَم من ورثته من يقوم مقامه في الانتفاع لأن الوارث يقوم مقام الموروث فإذا لم يكن فقد جاء أمر يحجز المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد.
أشبه ما لو مات.
ثم قال: وتأولها القاضي بأن المكري منع الورثة من الانتفاع.
ولا يصح؛ لأنه لو كان كذلك لما استحق شيئاً من الكري.
الجزء: 2 - الصفحة: 775
وأما كونها تنفسخ بانقلاع الضرس أو برئه الذي اكترى لقلعه فلتعذر استيفاء المعقود عليه: أما تعذره بالانقلاع فأمر محس، وأما تعذره بالبرء فأمر شرعي لأنه لا يجوز قلع الضرس إلا لعارض الألم فإذا زال العارض تعذر قلعه شرعاً.
وأما قوله: ونحو هذا فيدخل فيه ما إذا اكترى كحالاً ليكحل عينه فبرئت أو طبيباً ليداويه فبرأ فإن ذلك كله تنفسخ به الإجارة لتعذر استيفاء المعقود عليه.
قال: (وإن اكترى داراً فانهدمت أو أرضاً للزرع 143 فانقطع ماؤها انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة في أحد الوجهين، وفي الآخر يثبت للمستأجر خيار الفسخ).
أما كون الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة في وجه؛ فلأن المقصود السكنى والزرع ولا يمكن استيفاء ذلك بعد الانهدام وانقطاع الماء.
وأما كونها لا تنفسخ في وجه؛ فلأن المنفعة لم تنعدم بالكلية لإمكان الانتفاع بها في الجملة.
فعلى هذا يثبت للمستأجر خيار الفسخ لنقصان المنفعة المستأجرة.
قال: (ولا تنفسخ بموت المكري والمكتري، ولا بعذر لأحدهما؛ مثل: أن يكتري للحج فتضيع نفقته، أو دكاناً فيحترق متاعه).
أما كون الإجارة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين؛ فلأنها عقد لازم فلا تنفسخ بموت من ذكر؛ كالبيع، وكما لو زوج أمته ثم مات.
وأما كونها لا تنفسخ بعذر لأحدهما؛ فلأنها إذا لم تنفسخ بالموت فلأن لا تنفسخ بالعذر بطريق الأولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 776
قال: (وإن غصبت العين المستأجرة خُيّر المستأجر بين الفسخ ومطالبة الغاصب بأجرة المثل فإن فسخ فعليه أجرة ما مضى.
قال الخرقي: وإن جاء أمر غالب يحجز المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد فعليه من الأجرة بقدر مدة انتفاعه).
أما كون المستأجر يخير بين الفسخ ومطالبة الغاصب بأجرة المثل؛ فلأن في عدم ثبوت الخيار تأخيراً لحقه.
ولأن تعذر الانتفاع بذلك من غير جهته عيب في المعقود عليه فملك الخيرة به؛ كالعيب في المبيع.
وإنما لم ينفسخ العقد بمجرد الغصب؛ لأن المعقود عليه لم يفت مطلقاً بل فات إلى بدل.
أشبه ما لو أتلف الثمرة المعيبة آدمي قبل قبضها.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: يتخرج انفساخها بناء على أن منافع الغصب لا تضمن على رواية.
وأما كونه عليه أجرة ما مضى إذا فسخ؛ فلأنه استوفى ما يقابل بالعوض فلزمه أجرته.
وأما قول المصنف: قال الخرقي ... إلى آخره ففيه 144 تأكيد لوجوب الأجرة فيما مضى، وبيان أن الخرقي قال ذلك.
وفسر في المغني قول الخرقي هذا، ولم يجعله من صورة 145 ما إذا غصبت العين المستأجرة.
والصحيح اشتماله عليه؛ لأن الغصب أمر غالب يحجز المستأجر عن 146 منفعة ما وقع عليه العقد.
ولهذا ذكره المصنف رحمه الله هنا.
قال: (ومن استؤجر لعمل شيء فمرض أقيم مقامه من يعمله والأجرة عليه).
أما كون المريض يقيم مقامه من يعمل ما استؤجر عليه؛ فلأنه حق وجب في ذمته فوجب عليه إيفاؤه ولو بغيره كالمسلَم فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 777
ولأنه لا يجب على المستأجر إنظاره لأن العقد بإطلاقه يقتضي التعجيل.
ولأن في التأخير إضراراً به.
وأما كون الأجرة عليه؛ فلأن العمل عليه فكان عوضه عليه.
قال: (وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ وعليه أجرة ما مضى).
أما كون المستأجر له الفسخ بما ذكر؛ فلأنه عيب في المستأجر فأثبت الخيار كالعيب في بيوع الأعيان.
وأما كون أجرة ما مضى عليه؛ فلأنها تلزمه إذا فسخ لما تقدم في فسخ المغصوب وقد وجد.
قال: (ويجوز بيع العين المستأجرة ولا تنفسخ الإجارة إلا أن يشتريها المستأجر فتنفسخ على إحدى الروايتين).
أما كون بيع العين المستأجرة يجوز؛ فلأن الإجارة عقد على المنافع فلم يمنع جواز البيع؛ كما لو زوج أمته ثم باعها.
وأما كون الإجارة لا تنفسخ إذا اشترى العين المستأجرة غير المستأجر؛ فلأن عقد الإجارة سابقٌ على عقد البيع، واللاحق لا يوجب فسخ السابق؛ كما لو زوج أمته ثم باعها.
وأما كونها لا تنفسخ إذا اشتراها المستأجر على روايةٍ؛ فلأنه ملك المنفعة بعقد ثم ملك الرقبة المسلوبة المنفعة [بعقد آخر] 147 فلم يتنافيا؛ كما لو ملك الثمرة بعقد ثم ملك الأصل بعقد آخر.
وأما كونه ينفسخ فيما بقي من المدة على روايةٍ؛ فلأن ملك الرقبة لما منع ابتداء الإجارة منع استدامتها كالنكاح لما منع ابتداء ملك اليمين منع استدامته.
وذكر المصنف هاتين الروايتين في المغني وجهين.
الجزء: 2 - الصفحة: 778
فصل [في ضمان الأجير]
قال المصنف رحمه الله: (ولا ضمان على الأجير الخاص -وهو: الذي يسلم نفسه إلى المستأجر- فيما يتلف في يده إلا أن يتعدى.
ويضمن الأجير المشترك ما جنت يده من تخريق الثوب وغلطه في تفصيله.
ولا ضمان عليه فيما تلف من حرزه أو بغير فعله، ولا أجرة له فيما عمل فيه.
وعنه: يضمن).
أما كون الأجير الخاص لا ضمان عليه فيما يَتلف في يده مع عدم التعدي منه فيما عمله؛ كرجل اكترى آخر ليسقي له ماء فانكسرت الجرة، أو ليكيل له فسقط من يده الكيل فانكسر، ونحو ذلك؛ فلأنه غير متعد.
أشبه تلف الوديعة.
وأما كون الضمان عليه مع التعدي؛ مثل: أن يتعمد كسر الجرة، أو يكون خبازاً فيسرف في الوقود، أو يلزقه قبل وقته، أو يتركه أكثر من وقته حتى يحترق؛ فلأنه متعد.
أشبه الغاصب.
وأما كون الأجير المشترك يضمن ما جنت يده من تخريق الثوب، وغلطه في تفصيله؛ فلما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي «أنه كان يُضَمِّنُ الصباغ 148 والصواغ.
وقال: لا يُصلح الناسَ إلا ذلك» 149.
ولأن الأجير المشترك عمله مضمون عليه دليله أنه لا يستحق الأجرة إلا بعمله فما تولد منه يجب أن يكون مضموناً؛ كالجناية على عضوٍ ظلماً.
ولأنه قبض العين لمنفعته فكان ضامناً لها؛ كالمستعير.
وأما كونه لا ضمان عليه فيما تلف من حرزه أو بغير فعله على المذهب؛ فلأن العين في يده أمانة.
أشبه المودع.
الجزء: 2 - الصفحة: 779
وأما كونه يضمن ذلك على روايةٍ؛ فلما تقدم من حديث علي.
وأما كونه لا أجرة له فيما عمله؛ فلأن الأجرة لما يعمله الأجير المشترك لا يستحق إلا بالتسليم، وقد فات هنا فيفوت ما هو مرتب عليه.
قال: (ولا ضمان على حجام، ولا ختان، ولا بزاغ، ولا طبيب: إذا عرف منهم حذق، ولم تجن أيديهم.
ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد) 150.
أما كون الحجام والختان والبزاغ وهو البيطار والطبيب لا ضمان عليهم مع معرفة الحذق منهم وعدم جناية أيديهم؛ فلأنهم فعلوا فعلاً مأذوناً لهم فيه فلم يضمنوا سراية ذلك؛ كقطع الإمام يد السارق.
وأما كونهم عليهم الضمان مع عدم معرفة الحذق منهم؛ فلأنهم إذا لم يكن فيهم حذق لم يحل لهم مباشرة القطع ولا التداوي لما فيه من الخطر المؤدي إلى التلف وذلك لا يقتضي نفي الضمان بل وجوبه.
وأما كونهم عليهم الضمان إذا جنت أيديهم؛ كخَتّان تجاوز القطع من الختان إلى الحشفة، وطبيب قطع سَلَعَةً فتجاوزها، أو قطع بآلة كالّة يكثر ألمها، ونحو ذلك؛ فلأن الإتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد 151 والخطأ.
ولأن هذا فعل محرم فيضمن كالقطع ابتداء.
وأما كون الراعي لا ضمان عليه إذا لم يتعد؛ فلأنه أجير خاص وقد تقدم أن الأجير الخاص لا ضمان عليه.
قال: (وإذا حبس الصانع الثوب على أجرته فتلف ضمنه.
وإن أتلف الثوب بعد عمله خُيِّر مالكه بين تضمينه إياه غير معمول ولا أجرة له وبين تضمينه إياه معمولاً ويدفع إليه أجرته).
أما كون الصانع يضمن الثوب إذا حبسه على أجرته فتلف؛ فلأنه ليس له حق حبسه لأنه لم يرهنه عنده فوجب عليه ضمانه كالغاصب.
الجزء: 2 - الصفحة: 780
وأما كون مالك الثوب يخيّر بين ما ذكر؛ فلأن الجناية على ماله فكانت الخيرة له لا لغيره.
وأما كونه لا أجرة له إذا ضمّنه إياه غير معمول؛ فلأن الأجرة إنما تجب بالتسليم ولم يوجد.
وأما كونه يدفع الأجرة إليه إذا ضمّنه معمولاً؛ فلأنه لو لم يدفع إليه الأجرة لاجتمع على الأجير فوات الأجرة وضمان ما يقابلها.
ولأن المالك إذا ضمّنه ذلك معمولاً يكون في معنى تسليم ذلك معمولاً فيجب أن يدفع إليه الأجرة لحصول التسليم الحكمي.
قال: (وإذا ضرب المستأجر الدابة بقدر العادة، أو كبحها، أو الرائض الدابة لم يضمن ما تلف به.
وإن قال: أذنت لي في تفصيله قباء قال: بل قميصاً فالقول قول الخياط.
نص عليه).
أما كون المستأجر والرائض لا يضمنا ما ذكر؛ فلأن ذلك تلف من فعل مستحق فلم يضمناه؛ كما لو تلف تحت الحمل.
ودليل استحقاق الضرب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب جمل جابر حين ساقه» 152.
ولأنه لا يمكنه استيفاء المنفعة إلا به.
وأما تقييد المصنف رحمه الله عدم الضمان بقدر العادة فدليل على أنه يجب عليه الضمان عند عدم ذلك.
وصرح به في الكافي فقال: وإن تلفت بعدوان كضربها من غير حاجة أو لإسرافه فيه ضمن لأنه جناية على ملك الغير فوجب الضمان كالغاصب.
وأما كون القول قول الخياط فيما إذا قال: أذنتَ لي في تفصيله قباء قال: بل قميصاً على المنصوص؛ فلأنهما اتفقا على الإذن واختلفا في صفته فكان القول قول الخياط كالمضارب إذا ادعى الإذن في النسأ.
ولأنهما اتفقا على ملك الخياط القطع، والظاهر أنه فعل ما ملكه، واختلفا في لزوم الغرم له، والأصل عدمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 781
فصل
قال المصنف رحمه الله: (وتجب الأجرة بنفس العقد إلا أن يتفقا على تأخيرها.
ولا يجب تسليم أجرة العمل في الذمة حتى يتسلمه).
أما كون الأجرة تجب بنفس العقد إذا كانت الإجارة على عين كذا أو أرض ونحوهما ولم يتفقا على تأخيرها؛ فلأن الأجرة عوض أطلق ذكره في عقد معاوضة فيجب بمطلق العقد كالثمن، أو يقال: عوض في عقد يتعجل بالشرط فوجب أن يتعجل بمطلق العقد كالثمن.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن﴾ [الطلاق: 6] أمر بالإيتاء بعد الرضاع.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: ثلاثةٌ أنا خَصمهمْ يومَ القيامة: رجلٌ استأجرَ أَجيراً فاستوفَى منهُ ولم يوفّه أجرَه» 153. تَوَعّده على الامتناع من دفع الأجرة بعد العمل فدل على تعقب الوجوب له.
وروي عنه عليه السلام: «أعطوا الأجيرَ أجرَهُ قبلَ أن يجِفَّ عَرَقُه» 154 رواه ابن ماجة.
قيل: الآية يحتمل أنه أراد الإيتاء عند الشروع في الإرضاع أو تسليم نفسها له؛ كما قال: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ﴾ [النحل: 98] أي إذا أردت القراءة.
ولو قدر أنه أراد بعد الفراغ فالأمر بالإيتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله.
دليله ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾ [النساء: 24] والصداق يجب قبل الاستمتاع.
وهذا هو الجواب عن
الجزء: 2 - الصفحة: 782
الحديث.
ثم يحتمل أنه توعده على ترك الإيفاء في الوقت الذي يتوجه المطالبة فيه عادة.
ويمكن أن يحمل على الإجارة في الذمة.
وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما كون الأجرة لا تجب بنفس العقد إذا اتفقا على تأخيرها فكما لو اتفقا على تأخير الثمن في البيع.
وأما كون تسليم أجرة العمل في الذمة لا يجب قبل تسليمه؛ فلما تقدم من الآية والخبر.
ولأنه عقد على ما في الذمة فلم يستقر عوضه قبل فعله.
قال: (وإذا انقضت الإجارة وفي الأرض غراس أو بناء لم يشترط قلعه عند انقضائها خُيِّر المالك بين أخذه بالقيمة أو تركه بالأجرة أو قلعه وضمان نقصه.
وإن شرط قلعه لزم ذلك ولم يجب تسوية الأرض إلا بشرط).
أما كون المالك يخير بين الأخذ بالقيمة وبين الترك بالأجرة وبين القلع وضمان النقص مع عدم اشتراط القلع عند انقضاء الإجارة؛ فلأنه لو لم يجز لأدى إلى ضرره.
ولأنه في الأخذ بأحد الأمور جمعاً بين حقي الآجر والمستأجر.
فإن قيل: هلا ملك القلع من غير ضمان النقص؟
قيل: لأن مفهوم قوله عليه السلام: «ليس لعرق ظالم حق» 155 يدل على أن ما ليس بظالم له حق، وهذا ليس بظالم.
ولأنه غرس بإذن المالك فلم يجبر على القلع من غير ضمان النقص كما لو استعار منه أرضاً للغراس مدة فرجع قبل انقضائها.
وأما كونه يلزمه القلع مع الشرط فلما فيه من الوفاء بموجب الشرط.
الجزء: 2 - الصفحة: 783
وأما كون تسوية الأرض تجب مع عدم الشرط؛ فلأنهما دخلا على ذلك لرضاهما بالقلع.
وأما كونها تجب مع الشرط؛ فلما تقدم من الوفاء بموجب الشرط.
قال: (وإن كان فيها زرع، بقاؤه بتفريط المستأجر فللمالك أخذه بالقيمة وتركه بالأجرة.
وإن كان بغير تفريط لزم تركه بالأجرة).
أما كون المالك له أخذ ذلك بالقيمة وتركه بالأجرة مع تفريط المستأجر في بقائه؛ فلأن المستأجر حينئذ بمنزلة الغاصب لإبقائه زرعه في أرض غيره بغير حق.
والمعني بالتفريط أن يزرع زرعاً لم تجر العادة بكماله قبل انقضاء المدة.
وأما كونه يلزمه تركه بالأجرة مع عدم تفريط المستأجر في بقائه؛ فلأن الزرع حصل في أرض المالك بإذنه فلزمه تركه بأجرة مثله؛ كما لو أعاره إياها وأذن له في الزرع ثم رجع المالك قبل كمال الزرع.
والمعني بعدم التفريط أن يزرع زرعاً ينتهي مدته عند آخر المدة ثم يتأخر ذلك بسبب برد أو غيره.
فإن قيل: فما الفرق بين الزرع والغرس؟
قيل: سيذكر في باب الغصب إن شاء الله تعالى.
قال: (وإذا تسلم العين في الإجارة الفاسدة حتى انقضت المدة فعليه أجرة المثل سكن أو لم يسكن.
وإذا اكترى بدراهم وأعطاه عنها دنانير ثم انفسخ العقد رجع المستأجر بالدراهم).
أما كون من تسلم ما ذكر حتى انقضت المدة عليه الأجرة إذا سكن؛ فلأن المعوض قد استوفاه فوجب أن يجب عليه عوضه.
وأما كونه عليه ذلك إذا لم يسكن؛ فلأن الإجارة كالبيع والمنفعة كالعين والبيع الفاسد كالصحيح في استقرار البدل.
فكذلك الإجارة.
وعن الإمام أحمد لا شيء عليه إذا لم يسكن.
ذكره المصنف في المغني لأن الإجارة هنا عقد فاسد على منفعة لم يستوفها فلم يلزمه عوضها كالنكاح الفاسد.
وأما كون الواجب أجرة المثل حيث تجب الأجرة؛ فلأن ما ضُمن بالمسمى 156 في العقد الصحيح ضمن بالقيمة في الفاسد كالأعيان.
الجزء: 2 - الصفحة: 784
وأما كون المستأجر يرجع بالدراهم 157 إذا اكترى بدراهم وأعطى المؤجر عنها دنانير ثم انفسخ العقد؛ فلأن الدراهم التي وقع عليها العقد، والمستحق عند الفسخ مثل الأجرة، وأما الدنانير فإنما أخذت بعقد صرف مستأنف.
الجزء: 2 - الصفحة: 785
باب السبق
قال المصنف رحمه الله: (تجوز المسابقة على الدوابّ، والأقدام، وسائر الحيوانات، والسفن، والمزاريق، وغيرها).
أما كون المسابقة على الدواب تجوز؛ فبالسنة والإجماع: أما السنة؛ فما روى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم سابقَ بين الخيلِ المضمرةِ من الحفياءِ إلى ثَنيةِ الوداعِ، وبين التي لم تُضمّر من ثنيةِ الوداعِ إلى مسجدِ بني زريق» 158. متفق عليه.
قال موسى بن عقبة: من الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة.
وقال سفيان: من الثنية إلى مسجد بني زريق ميل.
وأما الإجماع فأجمعت الأمة في الجملة على جواز المسابقة.
وأما كونها على الأقدام تجوز؛ فلما روي عنه عليه السلام «أنه كانَ في سفرٍ معه عائشة فسابقَها على رجلها فَسبقتهُ.
قالت: فلما حملتُ اللحمَ سابقْتُهُ فسبقني.
فقال: هذه بِتلك» 159. رواه أبو داود.
وأما كونها في باقي الصور تجوز؛ فبالقياس على المنصوص.
الجزء: 2 - الصفحة: 786
قال: (ولا تجوز بعوض إلا في الخيل والإبل والسهام بشروط خمسة:
أحدها: تعيين المركوب والرماة.
سواء كانا اثنين أو جماعتين.
ولا يشترط تعيين الراكبين ولا القوسين).
أما كون المسابقة بعوض لا تجوز إلا فيما ذكر؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا سَبَقَ إلا في نصْلٍ أو خُفٍ أو حَافِرٍ» 160. رواه أبو داود.
ولأن المعنى يقتضي اختصاص ذلك بالعوض لأنه من آلات الحرب 161 المأمور بتعلمها وإحكامها قال الله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ [الأنفال: 60].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا! إن القوة الرمي، ألا! إن القوة الرمي» 162.
وأما كون ما ذكر لا يجوز إلا بشروط خمسة؛ فلما يأتي ذكره في مواضعها.
وأما كون تعيين المركوب والرماة أحد الشروط المذكورة؛ فلأن الغرض معرفة الحذق في ذلك، ولا يحصل ذلك مع الإبهام.
وأما كون ذلك كذا سواء كانا اثنين أو جماعتين فلاشتراك الصورتين في المعنى.
الجزء: 2 - الصفحة: 787
وأما كونه لا يشترط تعيين الراكبين والقوسين؛ فلأن الغرض معرفة حذق الفرس والرامي، لا معرفة الراكب والقوس لأنهما آلة المقصود، فلم يعتبر معرفتها؛ كسرج الدابة.
قال: (الثاني: أن يكون المركوبان والقوسان من نوع واحد.
فلا يجوز بين عربي وهجين، ولا قوس عربي وفارسي.
ويحتمل الجواز).
أما كون الثاني من الشروط المذكورة: أن يكون المركوبان والقوسان من نوع واحد؛ فلأن النوعين يتفاوتان عادة فلم تصح المسابقة عليهما؛ كالمسابقة على بعير وفرس.
وأما كونه يحتمل الجواز؛ فلأنه قد يسبق كل واحد منهما الآخر، والتفاوت بينهما قريب لاتفاق الجنس.
وذكر المصنف هذا الاحتمال للقاضي.
قال: (الثالث: تحديد المسافة والغاية ومدى الرمي بما جرت به العادة).
أما كون الثالث من الشروط: تحديد المسافة والغاية ومدى الرمي؛ فلأن الغرض معرفة الأسبق، ولا يحصل إلا بذلك.
ولأن أحدهما قد يكون مقصراً في أول عدوه سريعاً في انتهائه وبعكس ذلك، فلا بد من ضبط ذلك بما ذكر ليحصل العلم بالمقصود.
وأما كون التحديد المذكور بما جرت به العادة؛ فلأن الزائد على ذلك قد يؤدي إلى عدم العلم بالسابق لبعد المسافة.
قال: (الرابع: كون العوض معلوماً).
أما كون الرابع من الشروط المذكورة: أن يكون العوض معلوماً؛ فلأنه مال في عقد فاشترط العلم به؛ كسائر العقود.
وأما ما يحصل العلم به: فبالمشاهدة، وبالقدر، وبالصفة لأن ذلك محصل للعلم بثمن المبيع فكذا هاهنا.
قال: (الخامس: الخروج عن شبه القمار؛ بأن لا يخرج جميعهم.
فإن كان الجُعل من الإمام، أو أحدٍ غيرهما، أو من أحدهما على أن من سبق أخذه جاز.
فإن جاءا معاً
الجزء: 2 - الصفحة: 788
فلا شيء لهما.
وإن سبق المخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من الآخر شيئاً.
وإن سبق الآخر أحرز سبق صاحبه).
أما كون الخامس من الشروط المذكورة: الخروج عن شبه القمار؛ فلأن القمار محرم وشبه القمار مثله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «منْ أدخلَ فَرساً بين فَرسينِ وقدَ أمنَ أن يَسبقَ فهوَ قِمَار» 163.
وأما كون الخروج عن شبه القمار بأن لا يخرج جميعهم؛ فلأن الجميع إذا لم يخرجوا بقي من لم يخرج سالماً من الغرم، والمقامر لا يخلو منه أو من الغنم.
وأما كون الجعل يجوز من الإمام؛ فلأن في ذلك حثاً على إحكام الرمي، وفي ذلك مصلحة للمسلمين.
وأما كونه يجوز من أحدٍ غيرهما؛ فلأنه بدل مال في مصلحة المسلمين، وفيه تحصيل مقصود الرمي لما ذكر قبل فصح كونه من غيرهما كما لو كان من أحدهما.
وأما كونه يجوز من أحدهما؛ فلأنه إذا جاز كونه من غيرهما؛ فلأن يجوز من أحدهما بطريق الأولى.
وأما قول المصنف رحمه الله: على أن من سبق أخذه فمتعلق بالجعل من الإمام، أو أحد غيرهما، أو من أحدهما، وبيان لصفة الجُعْل، وتنبيه على أن الجُعل لو جعل منهما جميعاً لم يجز.
وأما كونه لا شيء لهما إذا جاءا معاً؛ فلأنه لا سابق فيهما.
وأما كون المخرج يحرز سبق نفسه إذا سبق؛ فلأن صاحبه لم يسبق فلم يستحق شيئاً.
وأما كونه لا يأخذ من الآخر شيئاً؛ فلأنه لم يشترط للسابق عليه شيئاً.
وأما كون الآخر يحرز سبق 164 صاحبه إذا سبقه؛ فلأنه سبقه فملك المال الذي جعل عوضاً في العقد الصحيح كالعوض المجعول في رد الضالة والآبق.
الجزء: 2 - الصفحة: 789
قال: (فإن أخرجا معاً لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللاً يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما 165 أو رميه رمييهما، فإن سبقهما أحرز سبقهما وإن سبقاه أحرزا سبقيهما ولم يأخذا منه شيئاً، وإن سبق أحدهما أحرز السبقين فإن سبق معه المحلل فسبق الآخر بينهما).
أما كون المسابقة لا تجوز إذا أخرج المتسابقان ولم يدخلا بينهما محللاً؛ فلما تقدم من أنه لا يجوز كون الجعل من جميع المتسابقين.
وأما كونها تجوز إذا أدخلا بينهما محللاً؛ فلأنه إدخاله يخرج الرمي عن شبه القمار لأنه لا يخرج مع المتسابقين فلم يوجد الإخراج من الجميع.
وأما قول المصنف رحمه الله: يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما أو رميه رمييهما فبيان لاشتراط المكافأ في المركوب والرمي والأصل فيها ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدخل فَرساً بين فَرسين وهو لا يؤمن أن يَسبقَ فليسَ بقمارٍ، ومن أدخلَ فرساً بين فرسينِ وقدْ أمنَ أن يَسبقَ فهوَ قَمَار» 166 رواه أبو داود.
وأما كون المحلل إذا سبق يحرز سبقيهما؛ فلأنه جعل لمن سبق وقد سبق.
وأما كون المخرجين إذا سبقاه يحرزان سبقيهما؛ فلأن المحلل لم يسبقهما حتى يستحق سبقيهما.
وأما كونهما لا يأخذان منه شيئاً؛ فلأنه لم يشرط عليه لمن سبقه شيئاً.
وأما كون إذا سبق يحرز السبقين؛ فلأنهما قد جعلا لمن سبق وقد سبق.
وأما كون المحلل إذا سبق معه سبق الآخر بينهما؛ فلأن ذلك مستحق بالسبق وقد اشتركا فيه فوجب أن يشتركا في عوضه.
الجزء: 2 - الصفحة: 790
قال: (وإن قال المخرج: من سبق فله عشرة، ومن صلى فله كذا: لم يصح.
وإن قال: ومن صلى فله خمسة صح).
أما كون المسابقة لا تصح إذا استوى بين السابق والمصلى وهو الثاني؛ فلأنه ليس فيه تحريض على السبق، فيفوت المقصود من العقد.
وأما كونها تصح إذا قال: ومن صلى فله خمسة؛ فلأن كل واحد منهما يقصد أن يكون سابقاً ليحصل له أكثر العوضين.
ولا بد أن يُلحظ كونه لا ثالث معهما لأنهم إذا كانوا ثلاثة يجتهد كل واحد منهم أن لا يكون أخيراً فيفوت المقصود من العقد.
ولذلك قيد كلام المصنف رحمه الله من أذن له في إصلاحه فقال: إذا كانا اثنين.
قال: (وإن شرطا أن السابق يطعم السبق أصحابه أو غيرهم لم يصح الشرط.
وفي صحة المسابقة وجهان).
أما كون الشرط المذكور لا يصح؛ فلأنه عوض عن عمل فلا يستحقه غير العامل؛ كالعوض في رد الآبق.
وأما كون المسابقة تصح في وجه؛ فلأن عقد المسابقة لا تقف صحته على تسمية بدل، فلم يفسد بالشرط الفاسد؛ كالنكاح.
وأما كونها لا تصح في وجه؛ فلأنه بذل العوض لهذا الغرض فإذا لم يحصل له غرضه لم يلزمه العوض.
فعلى هذا إن كان المخرج السابق أحرز سبقه، وإن كان الآخر فله أجرة عمله؛ لأنه عمل عملاً بعوض لم يُسَلَّم له فاستحق أجرة المثل؛ كالإجارة الفاسدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 791
فصل [في أحكام المسابقة]
قال المصنف رحمه الله: (والمسابقةُ جُعالة لكل واحد منهما فسخها.
إلا أن يظهر الفضل لأحدهما فيكون له الفسخ دون صاحبه.
وتنفسخ بموت أحد المتعاقدين.
وقيل: هي عقد لازم ليس لأحدهما فسخها.
لكنها تنفسخ بموت أحد المركوبين، وأحد الراميين.
ولا تبطل بموت أحد الراكبين، ولا تلف أحد القوسين).
أما كون المسابقة جُعالة.
والمراد به: أنها من العقود الجائزة؛ فلأنها عقد على ما لا يقدر على تسليمه فكان جائزاً؛ كرد الآبق.
بيان أنه لا يقدر على تسليمه أنه عقد على الإصابة وهي لا تدخل تحت قدرته.
وأما كونها عقدا لازماً على قولٍ؛ فلأنها عقد من شرطه أن يكون العوض والمعوض معلومين، فكان لازماً؛ كالإجارة.
فعلى القول بالجواز لكل واحد منهما الفسخ إذا لم يظهر فضل؛ لأن ذلك شأن كل عقد جائز، وإن ظهر لأحدهما فضل؛ مثل: أن يسبقه بفرسه في بعض المسافة، أو يصيب بسهامه أكثر منه: كان لمن ظهر له الفضل الفسخ؛ لأن الحق له ولم يكن للآخر الفسخ لأنه لو جاز ذلك لفات 167 غرض المسابقة؛ لأنه متى بان له سبق صاحبه له فسخها وترك المسابقة فلا يحصل المقصود، وتنفسخ بموت أحد المتعاقدين كالوكالة والمضاربة وسائر العقود الجائزة.
وعلى القول باللزوم ليس لأحدهما الفسخ لأن هذا شأن كل عقد لازم، ولا تنفسخ بموت أحد الراكبين، ولا تلف أحد القوسين لأنه لم يتلف المعقود عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 792
قال: (ويقوم وارث الميت مقامه.
فإن لم يكن له وارث أقام الحاكم مقامه من تركته).
أما كون وارث الميت يقوم مقام الموروث هنا؛ فلأنه يقوم مقامه فيما له فكذا فيما عليه.
وأما كون الحاكم يقيم مقامه إذا لم يكن له وارث؛ فلأن الموروث لزمه فعل ذلك فوجب أن يقيم الحاكم مقامه بعد موته؛ كالإجارة.
قال: (والسبق في الخيل بالرؤوس 168 إذا تماثلت الأعناق، وفي مختلفي العنق والإبل بالكتف).
أما كون السبق بالرؤوس في الخيل المتساوية الأعناق؛ فلأن السبق يعلم به.
وأما كون السبق بالكتف في مختلفي العنق؛ فلأن العلم بالسبق في المختلف لا يحصل إلا بمساحة قدر الزائد، وفي ذلك حرج ومشقة.
وأما كونه في الإبل بذلك؛ فلأن منها ما يرفع عنقه ومنها ما يمده فربما كان الرافع لرأسه سابقاً ويسبقه الآخر برأسه لمده إياه.
قال: (ولا يجوز أن يجنب أحدهما مع فرسه فرساً يحرضه على العدو.
ولا يصيح به في وقت سباقه؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا جَلَبَ ولا جَنَبَ» (2».
أما كون أحد المتسابقين لا يجوز أن يجنب فرساً يحرض فرسه على العدو ولا أن يصيح به في وقت سباقه؛ فلما ذكر المصنف من الحديث.
وأما معنى: لا جَلَبَ ولا جَنَبَ فما ذكره.
وقد فسره قوم بغير ذلك وليس بصحيح؛ لأنه جاء مفسراً بحديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا جَلَبَ ولا جَنَبَ في الرهانِ» 170.169
الجزء: 2 - الصفحة: 793
ويروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه 171 قال: «من أجلبَ على الخيلِ يومَ الرهانِ فليسَ منَا» 172.
الجزء: 2 - الصفحة: 794
فصل في المناضلة
المناضلة: المسابقة بالسهام.
ويقال: نضال وكلاهما مصدر ناضل.
يقال: ناضله نضالاً ومناضلة؛ مثل: قاتله قتالاً ومقاتلة.
والأصل في ذلك الكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا﴾ [يوسف: 17] قيل معناه: يسابق بعضنا بعضاً في الرمي، ويعضده قراءة من قرأ: ننتضل.
وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه خرجَ على أصحابٍ له يَنتضِلونَ.
فقال: ارمُوا وأنا مع ابن الأدرع.
فأمسكَ الآخرون وقالوا: يا رسولَ الله! كيفَ نرمِي وأنتَ معَ ابنِ الأدرع؟ فقال: ارمُوا وأنا مَعكمْ كلكُم» 173 متفق عليه.
وعنه عليه السلام أنه قال: «إن الملائكةَ لا تحضرُ من لَهوِكمْ إلا الرهان والنضال» 174.
قال الأزهري: الرهان في الخيل، والنضال في الرمي، والسباق فيهما.
قال المصنف رحمه الله: (ويشترط لها شروط أربعة:
أحدها: أن تكون على من يحسن الرمي.
فإن كان في أحد الحزبين من لا يحسنه بطل العقد فيه، وأخرج من الحزب الآخر مثله.
ولهم الفسخ إن أحبوا).
أما كون المناضلة يشترط لها شروط أربعة؛ فلما يأتي ذكره فيها.
وأما كون أحد الشروط المذكورة: أن تكون على من يحسن الرمي؛ فلأن من لا يحسن الرمي وجوده كعدمه.
ولأن الغرض معرفة الحذق، ومن لا يحسن الرمي لا حذق له، ولا يحصل لمن غلبه ميزة.
الجزء: 2 - الصفحة: 795
وأما كون العقد يبطل فيمن لا يحسن الرمي؛ فلما تقدم من اشتراط كونه ممن يحسن.
وقوله: فيه مشعر بأن البطلان مختص بمن لا يحسن، فأما من يحسن فالعقد باق 175 في حقه؛ لأن المفسد موجود فيمن لا يحسن دون غيره فوجب أن يختص البطلان به وذكر المصنف في المغني في بطلان العقد في حق من يحسن وجهين بناء على تفريق الصفقة.
وأما كونه يخرج مثل من لا يحسن من الحزب الآخر مع القول ببقاء الصحة فيمن يحسن؛ فلأن البيع إذا بطل في البعض بطل فيما يقابله من الثمن فكذا هاهنا.
وأما كون الحزبين لهم الفسخ إن أحبوا؛ فلأن الصفقة تفرقت عليهم.
قال: (الثاني: معرفة عدد الرشق وعدد الإصابة).
أما كون الثاني من الشروط المذكورة: معرفة عدد الرشق وعدد الإصابة؛ فلأن الغرض معرفة الحذق، ولا يحصل إلا بذلك.
وأما معنى معرفة عدد الرشق فأن تكون عشرين رمية أو ما أشبه ذلك.
وأما معنى معرفة الإصابة فأن تكون الإصابات خمساً من العشرين أو أربعاً أو ما أشبه ذلك.
قال: (الثالث: معرفة الرمي هل هو مفاضلة أو مبادرة؟ فالمبادرة أن يقولا: من سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية فقد سبق فأيهما سبق إليها مع تساويهما في الرمي فهو السابق.
ولا يلزم إتمام الرمي.
والمفاضلة أن يقولا: أيُّنا فضل صاحبه بخمس إصابات من عشرين رمية سبق.
فأيهما فضل بذلك فهو السابق).
أما كون الثالث من الشروط المذكورة معرفة الرمي هل هو مفاضلة أو مبادرة؛ فلأن غرض الرماة يختلف: فمنهم من إصابته في الابتداء أكثر منها 176 في الانتهاء، ومنهم
من هو بالعكس.
فوجب اشتراط ذلك لِيَعْلَم ما دخل فيه.
وذكر المصنف في المغني عن القاضي أنه لا يشترط ذلك لأن مقتضى النضال أن من بادر إلى الإصابة فقد سبق.
الجزء: 2 - الصفحة: 796
وأما معنى المفاضلة والمبادرة فكما ذكر المصنف.
وللمناضلة صورة ثالثة ذكرها أبو الخطاب والمصنف في المغني واسمها محاطة.
ومعناها: أن يشترطا حطّ ما يتساويان فيه من الإصابة في رشق معلوم فإذا فضل أحدهما بإصابة معلومة فقد سبق صاحبه.
وصورتها مثلاً: أن يجعلا الرشق عشرين ويشترط حط ما يتساويان فيه فإذا فضل أحدهما بثلاثة أو أربعة أو ما أشبه ذلك فقد نضل صاحبه.
قال: (وإذا أطلقا الإصابة تناولها على أي صفة كانت.
وإن قالا: خواصل كان تأكيداً لأنه اسم لها كيف ما كانت.
وإن قالا: خواسق وهو ما خرق الغرض وثبت فيه، أو خوارق وهو: ما خرقه ولم يثبت فيه، أو خواصر وهو: ما وقع في أحد جانبي الغرض تقيدت بذلك.
وإن شرطا إصابة موضع من الغرض كالدائرة فيه تقيد به).
أما كون إطلاق الإصابة يتناولها على أي صفة كانت؛ فلأن أي صفة كانت تدخل تحت مسمى الإصابة.
وأما كون قولهما: خواصل تأكيداً فلما ذكر المصنف من أنها اسم للإصابة كيف ما كانت.
وأما كون الإصابة تتقيد بقولهما: خواسق أو خوارق أو خواصر، أو شرطهما إصابة موضع من الغرض كالدائرة؛ فلأن الغرض يختلف باختلاف ذلك فوجب أن تتقيد المناضلة به تحصيلاً للغرض.
ولأنه وصف وقع العقد عليه فوجب أن يتقيد به ضرورة الوفاء بموجبه.
وأما معنى كل واحد من الألفاظ المذكورة فكما ذكر المصنف رحمه الله.
قال: (الرابع: معرفة قدر الغرض: طوله، وعرضه، وسمكه، وارتفاعه من الأرض).
أما كون الرابع من الشروط المذكورة: معرفة قدر الغرض طوله وعرضه وسمكه وارتفاعه من الأرض؛ فلأن الإصابة تختلف باختلاف ذلك، فوجب العلم به.
أشبه تعيين النوع.
الجزء: 2 - الصفحة: 797
وأما قول المصنف رحمه الله: طوله وعرضه وسمكه وارتفاعه من الأرض فبيان لقدر الغرض.
وأما معنى ذلك كله فمعلوم لأهله.
قال: (وإن تشاحّا في المبتدأ بالرمي أقرع بينهما.
وقيل: يُقدم من له مزية بإخراج السبق.
وإذا بدأ أحدهما في وجه بدأ الآخر في الثاني).
أما كونه يقرع بينهما مع التشاح على المذهب؛ فلأنه يميز ما أشكل.
ولأن مقتضى العقد التساوي والقرعة مشروعة 177 عند ذلك لأن تقديم أحدهما من غير قرعة ترجيح من غير مرجح.
وأما كونه يقدم من له مزية بإخراج السبق على وجهٍ؛ فلأن له نوعاً من الترجيح فيجب أن يقدم به.
فعلى هذا إن كان العوض من أحدهما قدم صاحبه، وإن كان العوض من أجنبي قَدَّم صاحبُ العوض من شاء منهما.
قال صاحب النهاية فيها: الصحيح أنه لا يبدأ أحدهما إلا بالقرعة لأن العقد موضوع على أن لا يفضل صاحب السبق على صاحبه.
وأما كون أحدهما يبدأ في الوجه الثاني إذا بدأ صاحبه في الأول فلتحصل المساواة بينهما.
قال: (والسنة أن يكون لهما غرضان إذا بدأ أحدهما بغرض بدأ الآخر بالثاني).
أما كون السنة أن يكون للمتناضلين غرضان يرميان إلى أحدهما ثم يمضيان فيأخذان السهام ثم يرميان إلى الغرض الآخر؛ فلأن ذلك فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة» 178.
وقال إبراهيم التيمي: «رأيتُ حذيفةَ يشتدّ بين الغرضينِ يقولُ: أنا بها» 179.
وعن ابن عمر مثله 180.
الجزء: 2 - الصفحة: 798
ويروى «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشتدون بين الأغراض.
يضحك بعضهم إلى بعض».
وعن عمر: «علموا أولادكم الرمي والمشي بين الغرضين» 181.
وأما كون أحد المتناضلين يبدأ بالغرض الثاني إذا بدأ صاحبه بالغرض الآخر فلتحصل المساواة بينهما.
وفي قول المصنف رحمه الله: والسنة أن يكون لهما غرضان تنبيه على أن الغرض لو كان واحداً جاز.
وهو صحيح؛ لأن الغرض معرفة حذق الرماة، وذلك حاصل بالغرض الواحد.
قال: (وإذا أطارت الريح الغرض فوقع السهم موضعه فإن كان شرطهم خواصل احتسب به، وإن كان خواسق لم يحتسب له به ولا عليه).
أما كونه يحتسب بالسهم الواقع موضع الغرض مع كون الشرط خواصل؛ فلأن الشرط الإصابة ولو كان الغرض في موضعه لأصابه.
وأما كونه لا يحتسب له به ولا عليه مع كون الشرط خواسق؛ فلأن الشرط أن يثبت فيه، ولو كان الغرض في موضعه لاحتمل أن يثبت فيه وأن لا يثبت.
قال: (وإن عرض عارض من كسر قوس، أو قطع وتر، أو ريح شديدة لم يحتسب عليه بالسهم.
وإن عرض مطر، أو ظلمة جاز تأخير الرمي.
ويكره للأمين والشهود مدح أحدهما؛ لما فيه من كسر قلب صاحبه).
أما كونه لا يحتسب على الرامي بالسهم مع عارض كسر قوس، أو قطع وتر، أو اشتداد 182 ريح؛ فلأن الخطأ للعارض لا لسوء رميه.
ومفهوم قوله: لم يحتسب عليه أنه لو أصاب مع العارض حسب له لتحقق الشرط.
وقال في المغني: لا يحتسب له كما لا يحتسب عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 799
ولأن الريح الشديدة كما يجوز أن تصرف السهم الشديد فيخطئ يجوز أن تصرف السهم المخطئ عن خطئه فيقع مصيباً فتكون إصابته بالريح لا بالحذق.
ولم يحك غيره.
وأما كونه يجوز تأخير الرمي إذا عرض مطر أو ظلمة؛ فلأن ذلك عذر لا يمكن معه فعل المعقود عليه.
وأما كونه يكره مدح الأمين والشهود لأحد المتناضلين؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من كسر قلب صاحبه.
الجزء: 2 - الصفحة: 800
الممتع في شرح المقنع
تصنيف زين الدين المنجى بن عثمان بن أسعد ابن المنجى التنوخي الحنبلي 631 - 695 هـ
الجزء الثالث
دراسة وتحقيق د. عبدالملك بن عبدالله بن دهيش
الجزء: 3 - الصفحة: 1