كتاب الحدود
الحدود جمع حد.
والحد في اللغة: المنع، ومنه قيل للبواب حداد؛ لأنه يمنع من دخول الدار.
وفي الشرع: عبارة عن عقوبة مخصوصة.
فإن قيل: لم سميت العقوبة في الشرع حداً؟
قيل: لأنها تمنع من الدخول في المعاصي المختصة بها.
قال المصنف رحمه الله: (لا يجب الحد إلا على بالغ عاقل عالم بالتحريم).
أما كون الحد لا يجب على غير بالغ عاقل؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفعَ القلمُ عن ثلاث: عن الصبيِّ حتى يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق، وعن النائمِ حتى يستيقظ» 1.
وأما كونه لا يجب على غير عالم بالتحريم؛ فلأن عمر وعلياً رضي الله عنهما قالا: «لا حَدَّ إلا على من عَلِمَه» 2.
ولأن الحد يدرأ بالشبهة، والجهل شبهة.
وأما كونه يجب على بالغ عاقل عالم بالتحريم؛ فلعموم النصوص المقتضية لوجوبه السالمة عن معارضة ما تقدم ذكره.
الجزء: 4 - الصفحة: 215
قال: (ولا يجوز أن يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه؛ إلا السيد فإن له إقامة الحد بالجلد خاصة على رقيقه القن.
وهل له القتل في الردة، والقطع في السرقة؟ على روايتين.
ولا يملك إقامته على مكاتبه، ولا على من بعضه حر، ولا على أمته المزوجة).
أما كون الحد لا يجوز أن يقيمه غير الإمام أو نائبه أو سيده فلأن 3 الإقامة تفتقر إلى ثبوت واجتهاد ونظر، وذلك مفقود فيمن ذكر.
فإن قيل: ما ذكر موجود في السيد، وهو يقيمه.
قيل 4: خرج من ذلك السيد لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كونه يجوز أن يقيمه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيمه»، وكذلك الخلفاء بعده.
وأما كونه يجوز لنائب الإمام أن يقيمه؛ فلأن أنيساً رجم امرأة بطريق النيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم 5.
ولأن نائب الإمام في غير ما ذكر كالإمام.
[فكذلك يجب أن يكون فيما ذكر.
قياساً للبعض على البعض.
ولأن نواب الإمام] 6 يقيمون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير.
وأما كون السيد له إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنتْ [أمةُ أحدكم فاجلدُوها، ثم إن زنتْ فاجلدُوها، ثم إن زنتْ] 7 فاجلدُوها، ثم بيعوها ولو بضَفِير» 8، ولعموم قوله عليه السلام: «أَقيموا الحدَّ على ما ملكتْ أيمانكم» 9.
الجزء: 4 - الصفحة: 216
وأما كونه له قتله في الردة وقطعه في السرقة على روايةٍ؛ فلعموم الحديث المذكور.
ولأنه روي عن حفصة «أنها قَتَلَتْ أمةً لها سَحَرَتْها» 10، و «عمرُ قطعَ عبداً له سَرق» 11.
وأما كونه ليس له ذلك؛ فلأن الجلد ضرب، والسيد له ضرب عبده؛ لإصلاحه.
والقتل والقطع ليس كذلك.
فوجب أن لا يقيمه إلا الإمام أو نائبه؛ كالحر.
وأما كونه لا يملك إقامته على مكاتبه؛ فلأنه معه كالأجنبي.
وأما كونه لا يملك إقامته على من بعضه حر؛ فلأنه ليس له ولاية على كله، والحد تصرّف في الكل.
وأما كونه لا يملك إقامته على أمته المزوجة؛ فلأن في الحديث المذكور: «فإن كانت مزوَّجة فليرفعه إلى الحاكم».
ولأن أحكام الملك نقصت 12 بالتزويج بها.
بل إنه يجب على الزوج نفقتها مدة إقامتها عنده وفطرتها.
قال: (وإن كان السيد فاسقاً أو امرأة فله إقامته في ظاهر كلامه.
ويحتمل أن لا يملكه).
أما كون السيد إذا كان فاسقاً له إقامة الحد على ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن إقامة السيد لذلك ولاية مستفادة بالملك.
فلا ينافيها الفسق؛ كولاية نكاحها.
وأما كونه يحتمل أن لا يملكه؛ فلأن السيد أحد من يملك الإقامة.
فاشترط فيه العدالة؛ كالإمام.
الجزء: 4 - الصفحة: 217
وأما كونه إذا كان 13 امرأة لها ذلك على ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن السيد إنما يملك ذلك بالملك، وهو موجود في المرأة.
وأما كونها يحتمل أن لا تملكه؛ فلأنها في مظنة الدين.
أشبهت الفاسق.
قال: (ولا يملكه المكاتب.
ويحتمل أن يملكه).
أما كون المكاتب 14 لا يملك إقامة الحد على رقيقه على المذهب؛ فلأنه ليس من أهل الولاية.
ولأن ملكه على عبده ناقص، ولذلك لا تجب عليه الزكاة.
وأما كونه يحتمل أن يملكه؛ فلأن إقامة الحد في حق السيد مستفادة بالملك.
فملكه المكاتِب؛ كسائر تصرفاته.
قال: (وسواء ثبت ببينة أو إقرار.
وإن ثبت بعلمه فله إقامته.
نص عليه.
ويحتمل أن لا يملكه كالإمام).
أما كون الثبوت بالبينة والإقرار في إقامة السيد الحد سواء؛ فلأن كل واحد منهما حجة في ثبوت الزنى.
فوجب أن لا يختلف حال السيد فيه.
فلهذا للسيد أن يسمع إقراره ويقيم عليه الحد، وليس له أن يسمع البينة؛ لأن البينة تحتاج إلى بحث عن العدالة والسيد ليس من أهلها.
فعلى هذا إن ثبت ذلك على الحاكم أقام الحد، وإلا توقف على ثبوت الزنى عنده.
وقيل: إن كان السيد يعرف شرط العدالة؛ لأنه يلي إقامة الحد فيلي 15 سماع البينة مع الإقامة كالحد على رقيقه إذا ثبت بعلمه على منصوص الإمام.
ولأنه قد ثبت عنده.
أشبه ما لو أقر به عنده.
وأما كونه يحتمل أن لا يملكه؛ فلأن السيد أحد من يملك إقامة الحد.
فلم يملكه بعلمه؛ كالإمام.
وسيأتي دليله بعد إن شاء الله تعالى.
الجزء: 4 - الصفحة: 218
قال: (ولا يقيم الإمام الحد بعلمه.
ولا تقام الحدود في المساجد).
أما كون الإمام لا يقيم الحد بعلمه؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: 15]، وقال: ﴿فإذ 16 لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور: 13].
ولأنه متهم في حكمه بعلمه، وذلك شبهة يدرأ بها الحد.
وأما كون الحدود لا تقام في المساجد؛ فلما روى حكيم بن حزام «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهَى أن يُستقادَ في المساجد، وأن يُنشدَ فيه الأشعار، وأن تُقامَ فيه الحدود» 17.
وروي عن عمر رضي الله عنه «أنه أُتي برجلٍ في منى فقال: أخرجاهُ من المسجدِ فاضرباه».
وعن علي رضي الله عنه «أنه أُتي بسارق فقال: يا قنبر! أخرجه من المسجد فاقطع يده».
ولأنه لا يؤمن أن يُحدث في المسجد إذا حد فيه فينجسه ويؤذيه.
قال: (ويُضرب الرجل في الحد قائماً بسوط لا جديد ولا خَلَق.
ولا يُمدّ ولا يربط ولا يجرد بل يكون عليه القميص والقميصان.
ولا يبالغ في ضربه بحيث يشق الجلد.
ويُفَرّقُ الضربُ على أعضائه؛ إلا الرأس والوجه والفرج وموضع المقتل).
أما كون الرجل يضرب في الحد قائماً؛ فـ «لأن علياً أمرَ بضربِ 18 الرجلِ قائماً» 19.
ولأن قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب، وذلك مطلوب شرعاً؛ لما يأتي في قول المصنف رحمه الله: ويفرق الضرب على أعضائه.
الجزء: 4 - الصفحة: 219
وأما كون السوط لا جديد ولا خلق؛ فلأنه يروى «أن رجلاً اعترفَ عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزنى.
فدعى له بسوطٍ.
فأُتي به مكسوراً.
فقال: فوقَ هذا.
فأتي بسوطٍ جديد لم يُكسر.
فقال: بين هذين» 20.
ولأن الغرض الإيلام دون الجرح، والجديد يجرح، والخَلَق لا يؤلم.
وأما كونه لا يمد ولا يربط ولا يجرد؛ فلأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مدّ يد أحد 21 ولا ربطها ولا جرّدها في الحد، وعن ابن مسعود: «ليس في ديننا مدٌ ولا قيدٌ ولا تجريد» 22.
وأما كونه عليه القميص والقميصان؛ فلأن ذلك صيانة له عن التجريد.
مع أن ذلك لا يرد ألم الضرب، ولا يضر بقاؤهما عليه.
وأما كونه لا يبالغ في ضربه بحيث 23 يشق الجلد؛ فلأن الغرض تأديبه وزجره عن المعصية لا قتله، والمبالغة تؤدي إليه.
وأما كونه يفرّق الضربُ على أعضائه سوى الوجه والفرج وموضع المقتل؛ فلأن توالي الضرب على عضو واحد مما يؤدي إلى القتل.
وأما كونه لا يضرب رأسه ولا وجهه؛ فلأنه 24 روي عن علي رضي الله عنه: «أنه قال للجلاّد: اضرب وأوجِع.
واتَّقِ الرأسَ والوجه» 25.
ولأنهما أجمل ما في الإنسان، وفي إصابة الضرب لهما خطر؛ لأنه 26 ربما عمي، أو ذهب عقله.
وأما كونه لا يضرب فرجه وموضع مقتله؛ فلأن الضرب في ذلك الموضع يؤدي إلى القتل وهو غير مأمور به بل مأمور بعدمه.
الجزء: 4 - الصفحة: 220
قال: (والمرأة كذلك؛ إلا أنها تضرب جالسة، وتشدُّ عليها ثيابها، وتمسك يداها لئلا تنكشف).
أما كون المرأة كالرجل فيما عدا المستثنى؛ فلأن الأصل كونها كالرجل إلا أن 27 يقوم دليل على التخصيص، ولا دليل عليه فيما عدا المواضع المستثناة.
فوجب كونها كالرجل.
عملاً بالأصل السالم عن المعارض.
وأما كونها تضرب جالسة وتشدّ ثيابها عليها وتمسك يداها؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله.
ولأن المرأة عورة.
ولأن فيما ذكر ستراً لها، وذلك مطلوب في نظر الشرع، وكذلك يشرع لها في الصلاة أن تجمع نفسها في الركوع والسجود، وفي الحديث عن علي رضي الله عنه: «تُضربُ المرأةُ جالسَة» 28.
قال: (والجلد في الزنى أشد الجلد، ثم جلد القذف، ثم الشرب، ثم التعزير.
وإن رأى الإمام الضرب في حد الخمر بالجريد والنعال فله ذلك).
أما كون جلد الزنى أشد الجلد ثم القذف ثم التعزير ... إلى آخره؛ فلأن 29 عدده أكثر.
فكذلك يجب أن تكون صفته.
وأما كون جلد القذف أشد من الشرب؛ فلأن جلد القذف متفق عليه في العدد والضرب بالسوط، وجلد الشرب مختلف فيه في ذلك.
ولأن 30 جلد القذف جلد 31 لجناية على آدمي ولحق 32 الله تعالى، وجلد الشرب جلد بجناية 33 على حق الله فقط.
الجزء: 4 - الصفحة: 221
وأما كونه أشد من التعزير؛ لأنه أشد من الشرب لما تقدم، والشرب أشد من التعزير؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأما كون 34 جلد الشرب أشد من التعزير؛ فلأن التعزير لا يزيد على عشرة أسواط على الصحيح.
بخلاف الشرب.
وأما كون الإمام له الضرب في حد الخمر بالجريد والنعال إذا رأى ذلك؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بشاربٍ.
فقال: اضربوه.
فضُرب بالأيدي والنعالِ وأطرافِ الثيابِ وحثوا عليه التراب» 35.
قال 36: (قال أصحابنا: ولا يؤخر الحد للمرض.
فإن كان جلداً وخشي عليه من السوط أقيم بأطراف الثياب والعثكول.
ويحتمل أن يؤخّر في المرض المرجو زواله).
أما كون الحد لا يؤخر لأجل المرض على قول الأصحاب؛ فلأن الله تعالى أوجب الجلد.
فلم يجب تأخير ما أوجبه الله تعالى.
ولأن عمر رضي الله عنه أقامَ الجلد على قدامة وهو مريض 37.
وأما كونه يقام بأطراف الثياب والعثكول إذا كان المريض 38 جلداً وخشي عليه من السوط؛ فلما روى أبو أمامة بن سهل عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه اشتكى رجلٌ منهم حتى أُضنيَ فعادَ جلداً على عظم.
فدخلتْ عليه جاريةٌ لبعضهم فوقعَ عليها.
فلما دخلَ عليه رجال قومه يعودونَهُ أخبرهم بذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 222
فقال 39: استفتُوا لي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما رأينا بأحدٍ من الضر مثلَ ما 40 هو به.
لو حملناهُ إليك لتفسَّخَتْ 41 عظامُهُ ما هوَ إلا جلدٌ 42 على عظمٍ.
فأمرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له [مائة] شمراخٍ 43 فيضربوهُ بها 44 ضربة» 45.
وأما كونه يحتمل أن يؤخر في المرض المرجو زواله؛ فلأن في التأخير استيفاء الحد على وجه الكمال من غير خوف فواته.
وبه فارق المريض المرض الذي لا يرجى زواله؛ لأنه يخاف فوات الحد.
قال: (وإذا مات المحدود في الجلد فالحق قتله.
فإن زاد سوطاً أو أكثر فتلف ضمنه.
وهل يضمن جميعه أو نصف الدية؟ على وجهين).
أما كون المحدود إذا مات في جلده فالحقّ قتله؛ فلأنه روي عن علي أنه قال: «ليسَ أحدٌ أقيمُ عليه حداً فأجد في نفسي شيئاً أن الحقَ قتلهُ؛ إلا حدَّ الخمرِ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَسُنَّهُ لنا» 46.
ولأنه حد وجب لله.
فلم يجب ضمان من مات به على أحد؛ لكونه غير القاتل حكماً.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله عام، وكلام عليّ غير عام؛ لأنه أخرج حد الخمر.
قيل: ما أخرجه من أن الحق قتله، وإنما أخرجه من الوجدان النفساني، وذلك لا ينفي أن الحق قتله.
الجزء: 4 - الصفحة: 223
وأما كونه يضمنه مَن حدَّهُ إذا تلف بزيادة في الحد؛ فلأنه [تلف بتعديه من حده.
أشبه ما لو قتله.
وأما كونه يضمن جميعه على وجه؛ لأنه] 47 تلف تلفاً بأمر حصل من جهة الله تعالى وعدوان آدمي.
فكان ضمان جميعه على الآدمي؛ كما لو ضرب مريضاً سوطاً فقتله.
وأما كونه يُضمن بنصف الدية على وجه؛ فلأنه مات من فعل مضمون [وغير مضمون] 48. فكان عليه نصف الدية؛ كما لو جرح نفسه وجرحه غيره فمات.
قال: (وإذا كان الحد رجماً لم يحفر له.
رجلاً كان أو امرأة في أحد الوجهين، وفي الآخر: إن ثبت على المرأة بإقرارها لم يحفر لها، وإن ثبت ببينة حُفر لها إلى الصدر).
أما كون الرجل لا يحفر له إذا كان الحد رجماً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز.
قال أبو سعيد: «لما أمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم برجمِ ماعز خرجنا به إلى البقيع.
فواللهِ! ما حفرنا لهُ ولا أوثقناهُ ولكنهُ قامَ 49 لنا» 50. رواه أبو داود.
وأما كون المرأة إذا ثبت زناها بإقرارها لا يحفر لها؛ فلأن رجوعها عن إقرارها مقبول، والحفر يمنعها من الهرب الذي هو في معنى الرجوع قولاً.
وأما كونها إذا ثبت زناها ببينة لا يحفر لها في وجهٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجُهَنِيّة لما رجمها.
وأما كونها يحفر لها إلى الصدر على وجه؛ فـ «لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم رجمَ امرأةً فحفرَ لها إلى الصدر» 51. رواه أبو داود.
ولأن الحفر أستر لها، ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب.
بخلاف من أقرّت.
الجزء: 4 - الصفحة: 224
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن أكثر الأحاديث على ترك الحفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجهنية لما رجمها، ولا لماعز، ولا لليهودي.
وأما الحديث المتقدم ذكره فلا يدل على موضع الغرض؛ لأن الحد على المرأة المذكورة ثبت عليها بإقرارها والحفر لا يشرع مع 52 الإقرار.
قال: (ويستحب أن يَبدأ الشهود بالرجم.
وإن ثبت بالإقرار استحب أن يبدأ الإمام).
أما كون الشهود يستحب لهم أن يبدؤا بالرجم إذا ثبت بهم؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: «إذا قامتِ البينةُ رجمتِ البينةُ ثم رجمَ الناس» 53.
وأما كون الإمام يستحب له أن يبدأ بالرجم إذا ثبت بالإقرار؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: «إذا ظهرَ الحبلُ من الزنى كان أولُ من يرجم الإمام ثم الناس» 54، وفي حديث أبي بكرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم رجمَ امرأةً فحفرَ لها إلى الصدر.
ثم رماها بحصاةٍ مثل الحِمِّصَةِ.
ثم قال: ارمُوا واتَّقُوا الوجْه» 55.
قال: (ومتى رجع المقر بالحد عن إقراره قُبل منه.
وإن رجع في أثناء الحد لم يُتَمّم).
أما كون المقر بالحد إذا رجع عن إقراره يقبل منه؛ فلما روي عن بريدة قال: «كنا أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نتحدثُ أن الغامديةَ وماعز بن مالكٍ لو رجعَا بعدَ اعترافهِمَا [أوْ قالَ: لو لم يرجعا بعد اعترافهمَا] 56 لم يَطلُبْهُمَا الحدّ.
وإنما رجمهُمَا عندَ الرابعة» 57. رواه أبو داود.
الجزء: 4 - الصفحة: 225
ولأن الرجوع شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
وبه فارق سائر الحقوق؛ لأنه لا يدرأ بالشبهة.
وأما كون الحد لا يُتَمّم إذا رجع المحدود في أثنائه؛ فلأن جميع الحد يسقط بالرجوع.
فلأن يسقط تمامه بطريق الأولى.
ولأن المقر لو هرب لم يتمم حده؛ لما يأتي.
فلأن لا يتم حد الراجع عن إقراره بطريق الأولى.
قال: (وإن رُجم ببينة فهرب لم يُترك، وإن كان بإقرار تُرك).
أما كون من رُجم ببينة فهرب لا يُترك؛ فلأنه ثبت عليه على وجه ليس له الرجوع فيه بالقول، وذلك يقتضي أنه لا يترك.
ضرورة استيفاء الحق الواجب عليه الذي لا يقبل الإسقاط فيه بوجه.
وأما كون من رُجم 58 بإقرار فهرب يترك؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكرت الصحابة له هرب 59 ماعز قال: هلاّ تركتُمُوه» 60.
ولأن الهرب 61 رجوع في المعنى، والرجوع شبهة يُدرأ بها الحد.
الجزء: 4 - الصفحة: 226
فصل [إذا اجتمعت حدود لله تعالى]
قال المصنف رحمه الله: (وإذا اجتمعت حدودٌ لله تعالى فيها قتل استوفي وسقط سائرها.
وإن لم يكن فيها قتل: فإن كانت من جنس؛ مثل: إن زنى، أو سرق، أو شرب مراراً أجزأ 62 حد واحد.
وإن كانت من أجناس استوفيت كلها.
ويُبدأ بالأخف فالأخف).
أما كون من اجتمعت عليه حدودٌ لله فيها قتل؛ مثل: إن شرب وسرق وزنى وهو محصن يُستوفى منه القتل ويسقط سائرها؛ فلأنه قول ابن مسعود.
ولا مخالف له في الصحابة.
ولأن أسباب الحدود إذا كان فيها موجب للقتل سقط ما دونه.
دليله المحارب إذا أخذ المال وقتَل فإنه يُقتل ولا يُقطع.
ولأن الحدود تراد للزجر، ومن يُقتل لا فائدة في زجره.
وأما كون من اجتمعت عليه حدود لله لا قتل فيها وكانت من جنس واحد؛ مثل: إن زنى ثم زنى، أو شرب ثم شرب 63 يجزئ حد واحد؛ فلأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل، وذلك حاصل بالحد الواحد.
ولأن الواجب هنا من جنس واحد.
فوجب التداخل فيه؛ كالكفارات.
وأما كون الحدود من أجناس تستوفى كلها؛ فلأن التداخل إنما 64 يمكن فيما كان من جنس واحد، وهذه من أجناس.
وأما كون الأخف فالأخف من ذلك يُبدأ به؛ فلأن في ذلك تدريجاً.
فعلى هذا يُبدأ بالجلد في الشرب ثم بالجلد في الزنى؛ لأن الأول أخف من الثاني.
الجزء: 4 - الصفحة: 227
قال: (وأما حقوق الآدميين فتستوفى كلها.
سواء كان فيها قتل أو لم يكن.
ويبدأ بغير القتل).
أما كون حقوق الآدميين تستوفى كلها سواء كان فيها قتل أو لم يكن؛ فلأنها حقوق الآدميين يمكن استيفاؤها كلها.
فوجب؛ كسائر حقوقهم.
فإن قيل: لم اكتفي بالقتل في حقوق الله تعالى؟
قيل: لأن حقوق الله مبنية على السهولة.
بخلاف حق 65 الآدمي فإنه مبني على الضيق والشح.
وأما كونها يبدأ فيها بغير القتل؛ فلأن البداءة بالقتل يفوت استيفاء باقي الحقوق.
فلم يجز؛ لما فيه من تفويت الحق الواجب.
قال: (وإن اجتمعت مع حدود الله 66 بُدئ بها؛ فإذا زنى وشرب وقذف وقطع يداً قطعت يده أولاً، ثم حد للقذف ثم للشرب ثم للزنى، ولا يستوفى حد حتى يبرأ من الذي قبله).
أما كون من اجتمعت عليه حقوق آدميين مع حدود الله يبدأ فيها بحقوق الآدميين؛ فلأن حقوق الآدميين مبنية على الشح والضيق، وحقوق الله مبنية على السهولة.
وأما كون من زنى وشرب وقذف وقطع يداً تقطع يده قصاصاً أولاً؛ فلأنه متمحض لآدمي.
[بدليل سقوطه بإسقاطه.
وأما كونه يحد للقذف ثانياً؛ فلأنه مختلف في كونه لآدمي] 67. بخلاف حد الزنى والشرب.
وأما كونه يحد للشرب ثالثاً؛ فلأنه أخف.
وأما كونه يحد للزنى رابعاً؛ فلأنه أشد الحدود.
وأما كونه لا يستوفى حد من جميع ما ذكر حتى يبرأ من الذي قبله؛ فلئلا تتوالى عليه الحدود فتؤدي إلى تلفه، وليس ذلك مطلوباً في الحد.
الجزء: 4 - الصفحة: 228
فصل [فيمن أتى حداً في الحرم]
قال المصنف رحمه الله: (ومن قتل أو أتى حداً خارج الحرم ثم لجأ إليه 68 لم يستوف منه فيه، ولكن لا يبايع ولا يشارى حتى يخرج فيقام عليه.
وإن فعل ذلك في الحرم استوفى منه فيه).
أما كون من قتل أو أتى حداً خارج الحرم ثم لجأ إليه لا يُستوفى منه في الحرم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ [آل عمران: 97].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرمَ مكةَ يوم خلقَ السمواتِ والأرض، وإنما أُحلّتْ لي ساعةً من نهار ثم عادتْ إلى حرمتِها.
فلا يُسفك فيها دم» 69، وفي لفظ: «فلا يحلُ لامرئ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن يَسْفِكَ فيها دَماً» 70 متفق عليه.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحرمُ لا يُعيذُ عَاصِياً ولا فَارًّا بدمٍ ولا بِخَرْبَة (4») 72.
وروي عنه 73 «أنه قتلَ ابن خطلٍ وهو متعلقٌ بأستارِ الكعبَة» 74 حديث حسن صحيح.71
الجزء: 4 - الصفحة: 229
قيل: ما روي من الحديث من كلام عمرو بن سعيد فإن 75 أبا شريح الخزاعي لما روى الحديث المتقدم ذكره قال له عمرو: «وأنا أعلمُ بذلكَ منكَ إن الحرمَ لا يُعيذُ ... إلى آخره» 76 فلا يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما قتل ابن خطل فقد تقدم التنبيه عليه حيث قال: «إن الله أذنَ لي ولم يأذنْ لأحد» 77.
وأما كونه لا يُبايع ولا يُشارى حتى يخرج فيقام عليه؛ فلما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: «من أصابَ حداً ثم لجأَ إلى الحرم؛ فإنه لا [يجالس ولا] 78 يبايع ولا يشارَى [ولا يُؤْوَى] 79، ويأتيه الذي يطلبهُ فيقول: يا فلان! اتقِ الله.
فإذا خرجَ من الحرمِ أُقيمَ عليهِ الحد» 80. رواه الأثرم.
ولأن الاستيفاء واجب في الجملة، وفي مبايعته ومشاراته إبقاء له في الحرم، وذلك يفضي إلى عدم استيفاء الواجب.
وأما كون من فعل ذلك في الحرم يستوفى منه فيه؛ فلأنه روي عن ابن عباس 81 أنه قال: «من أحدَثَ حدثًا في الحرمِ أُقيمَ عليه ما أحدَث» 82.
ولأن الله تعالى حرم القتال في الحرم وأباحه لمن قاتل فيه فقال تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ [البقرة: 191].
ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عند ارتكاب المعاصي؛ حفظًا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم كما يحتاج إليه غيرهم.
فلو لم يُشرع الحد على من ارتكبه في الحرم لتعطلت حدودُ الله في حقهم، وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها.
الجزء: 4 - الصفحة: 230
قال: (وإن أتى حداً في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو حتى يرجع إلى دار الإسلام فيقام عليه).
أما كون من أتى حداً في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو؛ فلأنه لا يؤمن أن يغضب فيؤديه غضبه إلى أن يرتد إلى الكفر.
وأما [كونه يقام عليه إذا رجع إلى دار الإسلام؛ فلأن ما فعله يوجب الحد.
تعذر استيفاؤه] 83 في أرض العدو؛ لما 84 تقدم.
فإذا زال ذلك وجب أن يقام عليه.
عملاً بالمقتضي له السالم عن المعارض المذكور.
الجزء: 4 - الصفحة: 231
باب حد الزنى
الزنى حرام.
وهو من الكبائر العظام بدليل قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ [الإسراء: 32].
وقال تعالى: ﴿والذين لا يَدْعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا? يضاعفْ له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾ [الفرقان: 68 - 69].
وروى عبدالله قال: «سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعلَ لله نداً وهو خلقك.
قال: ثم أيّ 85؟ قال: أن تقتلَ ولدكَ مخافةَ أن يَطعَمَ معك.
قال: ثم أيّ 86؟ قال: أن تزني بحليلةِ جارك» 87.
قال المصنف رحمه الله: (إذا زنى الحر المحصن فحدُّه الرجم حتى يموت.
وهل يجلد قبل الرجم؟ على روايتين).
أما كون الحر المحصن إذا زنى حده الرجم حتى يموت؛ فلما روي عن عمر ابن الخطاب أنه قال: «إن الله بعثَ محمدًا صلى الله عليه وسلم، فأنزلَ عليه الكتابُ.
فكان فيما أُنزل عليه آية الرجم، فقرأتُها وعقلتُها ووعيتُها.
ورجمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده.
فأخشى إن طال بالناس زمانٌ أن يقول قائل: ما نجدُ الرجمَ في كتاب الله فيضلوا بترك فريضةٍ أنزلها الله تعالى 88. فالرجم حقٌ على من زنى إذا 89 أحصنَ من
الجزء: 4 - الصفحة: 232
النساء والرجال إذا كانت قامت البينة، أو كان الحَبَل أو الاعتراف.
وقد قرأتها: الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتة» 90.
وأما كونه يُجلد قبل الرجم على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة﴾ [النور: 2] ثم جاءت السنة بالرجم.
فوجب الجمع بينهما.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والثيبُ بالثيبِ الجلدُ والرجم» 91.
وأما كونه لا يجلد على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً ولم يجلده 92. وقال: «اغدُ يا أنيسُ إلى امرأةِ هذا فإن اعترفتْ فارجمها» 93، ولم يأمره بجلدها.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم الغامدية ولم يجلدها 94، ورجم عمر وعثمان رضي الله عنهما ولم يجلدا.
ولأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سواه.
فإن قيل: لم قُيد ما ذكر بالحر والمحصن، والأدلة المذكورة عامة في الحر والعبد، وبعضها عام في المحصن وغيره؟
قيل: لأن حد العبد على النصف من الحر لما يأتي، وغير المحصن لا رجم عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرّق بين الثيب والبكر حيث قال: «البكرُ بالبكرِ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عام، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مائةٍ والرجم» 95 ولو وجب رجم البكر لذكره في الثيب.
الجزء: 4 - الصفحة: 233
قال: (والمحصن من وطئ امرأته في قُبُلِها في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، فإن اختل شرط من ذلك في أحدهما فلا إحصان لواحد منهما، ولا يثبت الإحصان بالوطء بملك اليمين، ولا في نكاح فاسد).
أما كون المحصن من وطئ امرأته؛ فلأن من وطئ امرأته وطئ في نكاح، والنكاح 96 يسمى إحصاناً بدليل قوله تعالى: ﴿والمحصناتُ من النساء﴾ [النساء: 24] أي المنكوحات.
بخلاف من وطئ أمته أو أجنبية فإن ذلك وطئ لا في نكاح فلا يطلق على فاعله أنه محصن.
وقيد 97 وطء المرأة بكونه في قُبُلها؛ لأن ذلك هو الوطء الذي يعتد 98 على فعله وتصير المرأة ثيباً لا بدونه، وقد 99 دل قوله عليه السلام: «الثيبُ بالثيبِ» على اعتبار الثيوبة.
وقيد بكونه في نكاح صحيح؛ لأن الفاسد وجوده كعدمه.
وأما كونه من وطء كما تقدم، وهو وامرأته بالغان عاقلان حران: أما كون البلوغ والعقل شرطاً؛ فلأن الإحصان يوجب الرجم، والصبي والمجنون 100 [لا حد عليهما؛ لقوله عليه السلام: «رُفعَ القلمُ عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق ... » 101] 102.
فإن قيل: ما ذكر يدل على اشتراطهما فيمن يرجم فكيف يشترطان [بالنسبة إليهما؟
قيل: لأنهما شرط بالنسبة إلى من يرجم إجماعاً.
فوجب أن يكون شرطاً] 103 بالنسبة إليهما.
قياساً لأحد الموضعين على الآخر.
الجزء: 4 - الصفحة: 234
ولأن نقص أحد الزوجين يمنع كمال الوطء.
فوجب أن لا يحصل معه الإحصان؛ كما لو كان الزوجان غير كاملين.
وأما كون الحرية شرطاً؛ فلما يأتي من أن العبد حده خمسون جلدة.
والكلام في حرية الموطوءة كالكلام 104 في بلوغها وعقلها.
وأما كونه لا إحصان لواحد منهما إذا اختل شرط [مما ذكر في أحدهما؛ فلأن ما كان معلقاً على شرط لا يوجد بدونه.
فإذا اختل شرط] 105 لم يكن موجوداً.
فلم يوجد المشروط 106؛ لانتفاء شرطه.
وأما كون الإحصان لا يثبت بالوطء بملك اليمين ولا في نكاح فاسد؛ فلما تقدم ذكره قبل.
قال: (ويثبت الإحصان للذميين.
وهل تحصن الذمية مسلماً؟ على روايتين.
ولو كان لرجل ولد من امرأته فقال: ما وطئتها لم يثبت إحصانه).
أما كون الإحصان يثبت للذميين؛ فـ «لأن اليهود جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلاً وامرأة منهم زنيا ... وذكر الحديث.
فأمر بهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فرُجما» 107 متفق عليه.
ولأن الجناية بالزنى استوت بين المسلم والذمي.
فوجب أن يستويا في الحد.
وأما كون الذمية تحصن مسلماً على روايةٍ؛ فلأن الذمية تحصن الذمي لما تقدم.
فوجب أن تحصن المسلم بالقياس عليه.
وأما كونها لا تحصنه على روايةٍ؛ فلأن الإحصان من شرطه الحرية.
فكان من شرطه الإسلام؛ كإحصان القذف.
وأما كون الرجل إذا كان له ولد من امرأته فقال: ما وطئتها لا يثبت إحصانه؛ فلأن الولد يلحق بإمكان الوطء، والإحصان لا يثبت إلا بحقيقته.
فلم يلزم من الولد ثبوت الإحصان.
الجزء: 4 - الصفحة: 235
قال: (وإن زنى الحر غير المحصن جلد مائة جلدة وغرب عاماً إلى مسافة القصر.
وعنه: أن المرأة تنفى إلى دون مسافة القصر).
أما كون من ذكر يجلد مائة ويغرب عاماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة﴾ [النور: 2].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البكرُ بالبكرِ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عام» 108. رواه مسلم.
فإن قيل: الأدلة المذكورة عامة 109 في الحر والعبد والمحصن وغير المحصن.
قيل: يخرج من ذلك العبد؛ لما يأتي، والمحصن؛ لما تقدم.
ويبقى فيما عداهما على مقتضاه.
ولأن الخلفاء الراشدين فعلوا ذلك بالحر غير 110 المحصن وانتشر، ولم يعرف لهم مخالف.
فكان إجماعاً.
وأما كون تغريب الرجل إلى مسافة القصر؛ فلأن ما دون ذلك في حكم الحضر.
وأما كون تغريب المرأة كذلك على المذهب؛ فلما ذكر في الرجل.
وأما كونها تنفى إلى دون مسافة القصر على روايةٍ؛ فلتقرب من أهلها فيحفظوها.
قال: (ويُخرج مع المرأة محرمها فإن أراد أجرة بُذلت من مالها.
فإن تعذر فمن بيت المال.
فإن أبى الخروج معها استؤجرت امرأة ثقة.
فإن تعذر نفيت بغير محرم.
ويحتمل أن يسقط النفي).
أما كون المرأة يُخرج معها محرمها؛ فلأنه سفر واجب.
فأخرج معها محرمها؛ كسفر الحج.
وأما كون أجرة محرمها تبذل من مالها إذا أرادها؛ فلأن ذلك من مؤونة سفرها.
أشبه مركوبها ونفقتها.
الجزء: 4 - الصفحة: 236
وأما كونها من بيت المال إذا تعذر من مالها؛ فلأن فيه مصلحة لها.
فوجب كونها من بيت المال عند تعذره من مالها؛ كنفقة نفسها.
وأما كون امرأة ثقة تستأجر إذا أبى المَحرم الخروج معها؛ فلأنه لا بد من شخص يكون معها من أجل حفظها، والأجنبي يخاف عليها منه.
فلم يكن بد من امرأة ثقة؛ ليحصل المقصود من الحفظ.
وأما كونها تنفى بغير محرم إذا تعذر استئجار المرأة الثقة على المذهب؛ فلأنه سفر لا سبيل إلى تأخيره.
أشبه سفر الهجرة 111 من بلد الكفر، والحج إذا مات المَحرم في الطريق.
وأما كون النفي يحتمل أن يسقط؛ فلأن المحرم إذا لم يوجد في الحج لا تسافر.
فكذلك هاهنا.
قال المصنف رحمه الله: هذا -يعني الإحتمال المتقدم ذكره- اللائق بالشريعة.
فإن نفيها بغير محرم إغراء لها بالفجور وتعريض لها للفتنة.
فإن قيل: فما تصنع بعموم حديث التغريب؟
قيل: يخص بعموم قوله عليه السلام: «لا يحلُ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليوم الآخر أن تُسافرَ مسيرةَ ليلةٍ إلا مع ذي محرم» 112.
قال: (وإن كان الزاني رقيقاً فحده خمسون جلدة بكل حال، ولا يغرب).
أما كون الزاني إذا كان رقيقاً حده خمسون جلدة؛ فلما روي عن أبي هريرة وزيد بن خالد أنهما قالا: «سُئلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمةِ إذا زنت ولم تحصن؟ قال: إذا زنتْ فاجلدوها، ثم إن زنتْ فاجلدوها، ثم إن زنتْ فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضَفِير (3») 114.113
الجزء: 4 - الصفحة: 237
وأما كونه حدّه ذلك بكل حال مزوجاً كان أو غير مزوج؛ فلعموم الحديث المذكور.
وأما كونه لا يغرّب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في الحديث المذكور بجلد الأمة الزانية ولم يذكر أنها تغرّب.
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنتْ أمةُ أحدكم فليحُدَّها ولا يعيرها ثلاث مرار 115. فإذا عادت الرابعة فليجلدها، وليبعها بضفير 116 أو بحبلٍ من شَعر» 117. ولو كانت تغرب لبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم في الأول؛ لأنه سُئل عن حكمها، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولما نفاه في الثاني.
ولأن المملوك مشغول في خدمة السيد، وفي تغريبه ضياع لحق السيد من غير جناية منه.
ولأن الشارع أسقط الجمعة عن العبد لأجل حق السيد.
فلأن يسقط التغريب عنه بطريق الأولى.
قال: (وإن كان نصفه حراً فحده خمس وسبعون جلدة وتغريب نصف عام.
ويحتمل أن لا يغرب).
أما كون من نصفه حر حده خمس وسبعون جلدة؛ فلأن أرش جراحه على النصف من الحر، والنصف من العبد.
فكذلك حده.
وحد الحر غير المحصن مائة فنصفها خمسون.
وحد العبد خمسون فنصفها خمس وعشرون فإذا ضممت نصفي الحدين كان خمساً وسبعين.
وأما كونه يغرب نصف عام على منصوص الإمام أحمد رحمه الله عليه؛ فلأن الحر 118 تغريبه عام، والعبد لا تغريب عليه فنصف الواجب من التغريب نصف عام.
الجزء: 4 - الصفحة: 238
وأما كونه يحتمل أن لا يغرّب؛ فلأن حق سيد بعضه يقتضي بقاءه في بلده ليتمكن من الانتفاع بحصته.
فغلب حقه على التغريب؛ لما في حق السيد من التأكيد.
قال: (وحد اللوطي كحد الزاني 119 سواء.
وعنه: حده الرجم بكل حال).
أما كون حد اللوطي كحد الزاني على روايةٍ؛ فلأنه زان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان» 120.
ولأنه إيلاج في فرج.
أشبه الإيلاج في فرج المرأة.
فعلى هذا إن كان محصناً رُجم، وإن كان غير محصن وهو حر جُلد مائة وغُرّب عاماً، وإن كان عبداً جُلد مائة من غير تغريب.
وأما كون حده الرجم بكل حال محصناً كان أو غير محصن على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وجدتموهُ يعملُ عملَ قومِ لوطٍ فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به» 121. رواه أبو داود.
وفي لفظ: «فارجموا 122 الأعلى والأسفل» 123.
ولأن الله تعالى عذَّبَ قوم لوط بالرجم فيجب أن يُعذبَ من فعلَ مثل فعلهم بمثل عذابهم؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يدل دليل على تغيره 124.
قال: (ومن أتى بهيمة فعليه حد اللوطي عند القاضي.
واختار الخرقي وأبو بكر أنه يعزر.
وتقتل البهيمة.
وكره أحمد أكل لحمها.
وهل يحرم؟ على وجهين).
أما كون من أتى بهيمة عليه حد اللوطي عند القاضي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى بهيمةً فاقتلوهُ واقتلُوها [معه» 125. رواه أبو داود.
الجزء: 4 - الصفحة: 239
وأما كونه يعزر على اختيار الخرقي وأبي 126 بكر؛ فلأنه وطء محرم لا حد فيه] 127. وذكر المصنف رحمه الله في المغني هذين الوجهين روايتين.
وأما كون البهيمة تقتل؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «واقتلُوها معه» 128.
وأما كون الإمام أحمد كره أكل لحمها إن كانت مأكولة؛ فلاختلاف الناس في حِلّ الأكل.
وأما كونه يحرم على وجه؛ فلأنه لحم حيوان وجب قتله لحق الله تعالى.
فحرم أكله؛ كالفواسق الخمس.
وأما كونه لا يحرم على وجه؛ فلقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ [المائدة: 1].
مع سائر العمومات.
ولأنه لحم حيوان يجوز أكله إذا ذبحه من هو من أهل الذكاة.
فحل أكله؛ كغيره.
الجزء: 4 - الصفحة: 240
فصل [في شروط حد الزنى]
قال المصنف رحمه الله: (ولا يجب الحد 129 إلا بشروط ثلاثة:
أحدها: أن يطأ في الفرج سواء كان قبلاً أو دبراً، أو أقل ذلك تغييب الحشفة في الفرج.
فإن وطئ دون الفرج أو أتت المرأةُ المرأةَ فلا حد عليهما).
أما كون الحد لا يجب إلا بشروط ثلاثة؛ فلما يأتي ذكره فيها.
وأما كون أحدها أن يطأ في الفرج؛ فلما روي «أن رجلاً جاءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني نِلْتُ من امرأةٍ حراماً ما ينالُ الرجل من امرأتهِ إلا الجماع.
فقال: استغفرِ الله وتوضأ» 130. أمره بالاستغفار ولم يوجب عليه حداً.
وأما كون الوطء في الفرج يوجب ذلك سواء كان قبلاً أو دبراً؛ فلأن الدبر إن كان من غلام فالوطء فيه موجب للحد لما مر من قوله: وحد اللوطي كحد الزاني، وإن كان من امرأة فهو أيضاً زنى وفيه حده؛ لأنه وطء في فرج امرأة لا ملك له فيها ولا شبهة.
فكان زنى؛ كالوطء في القُبُل.
ولأنه وطء في دبر.
أشبه دبر الرجل.
ولا بد أن يلحظ أن الموطوءة في دبرها ليست زوجته ولا أمته.
فإن كانت إحداهما فلا حد عليه مع كونه حراماً.
وسيأتي تعليل ذلك في قوله: أو وطئ امرأته 131 في دبرها.
الجزء: 4 - الصفحة: 241
فصل [الشرط الثاني]
قال المصنف رحمه الله: (الثاني: انتفاء الشبهة.
فإن وطئ جارية ولده أو جارية له فيها شِرْك أو لولده، أو وجد امرأة على فراشه ظنها امرأته أو جاريته، أو دعى الضرير امرأته أو جاريته فأجابه غيرها فوطئها، أو وطئ في نكاح مختلف في صحته، أو وطئ امرأته في دبرها أو حيضها أو نفاسها، أو لم يعلم بالتحريم لحداثة عهده بالإسلام، أو نشوئه ببادية بعيدة، أو أكره على الزنى: فلا حد فيه.
وقال أصحابنا: إن أكره الرجل فزنى حُدَّ).
أما كون الثاني من شروط وجوب الحد انتفاء الشبهة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادرءوا الحدودَ بالشبهات» 132.
وأما كون من وطئ جارية ولده لا حد فيه؛ فلوجود الشبهة له فيها.
بيان الشبهة قوله صلى الله عليه وسلم: «أنتَ ومالُكَ لأبيك» 133، وجارية الابن من ماله.
وأما كون من وطئ جارية له فيها شِرْك لا حد فيه؛ فلأن الوطء في ذلك وطء في فرج له فيه ملك.
أشبه وطء المكاتبة والمرهونة.
ولأن ملك بعضها شبهة.
فوجب أن يدرأ به الحد؛ لما تقدم من الحديث 134
الجزء: 4 - الصفحة: 242
وأما كون من وطئ 135 جارية لولده فيها شِرْك لا حد فيه؛ فلأن الشِّرْك في إسقاط 136 الحد كملك الكل، ولو وطئ جارية ولده لم يحد.
وأما كون من وطئ امرأة وجدها على فراشه ظنها امرأته أو جاريته لا حد فيه؛ فلأن الواطئ هنا اعتقد إباحة الوطء بما يعذر مثله فيه.
أشبه ما لو زُفَّتْ إليه غير زوجته، وقيل له: هذه زوجتك.
ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه شبهة.
وأما كون الضرير إذا دعى امرأته أو جاريته فأجابه غيرها فوطئها لا حد فيه؛ فلأنه في معنى من وجد امرأة على فراشه فظنها زوجته، والتساوي معنى يوجب التساوي حكماً.
وأما كون من وطئ في نكاح مختلف فيه؛ كنكاح المتعة والشِّغار والتحليل، والنكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها، ونكاح المجوسية والوثنية: لا حد فيه؛ فلأن الاختلاف شبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
وأما كون من وطئ امرأته في دبرها أو حيضها أو نفاسها لا حد فيه؛ فلأن له في ذلك شبهة من حيث إنه يملك وطئها في الجملة.
وأما كون من زنى ولم يعلم بالتحريم؛ لحداثة عهده بالإسلام، أو نشوئه ببادية بعيدة: لا حد فيه؛ فلأنه وطئ ظانًّا حلّ الوطء بما يعذر في مثله.
فلم يكن فيه حد؛ كما لو وجد امرأة على فراشه وظنها زوجته فوطئها.
وأما كون المرأة إذا أكرهت على الزنى لا حد فيه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه» 137.
ولأن الإكراه يمنع من نسبة الفعل إلى الفاعل.
وأما كون الرجل إذا أُكره على ذلك لا حد فيه على اختيار المصنف؛ فلما تقدم في المرأة.
الجزء: 4 - الصفحة: 243
وأما كونه يحد على قول أصحابنا؛ فلأن الإكراه في حقه غير متصور؛ لأن الوطء لا يتم إلا بانتشار إليه، وذلك لا يحصل إلا من شهوته وإرادته، وحصول الشهوة والإرادة تنفي حصول الإكراه.
قال: (وإن وطئ ميتة أو ملك أمه أو أخته من الرضاع فوطئها فهل يحد أو يعزر؟ على وجهين).
أما كون من وطئ ميتة يحد على وجه؛ فلأنه وطء حرام يوجب الغسل.
فيوجب الحد؛ كالحية 138.
وأما كونه يُعَزّر على وجه؛ فلأنه لا يجب به الحد؛ لأنه وطء لا يجب به المهر، ولا يشتهى مثله عادة.
فلا يجب به الحد؛ كوطء البهيمة، وإذا لم يجب الحد يعزر؛ لأنه وطء حرام لا حد فيه ولا كفارة.
أشبه وطء البهيمة.
وأما كون من ملك أمّهُ أو أخته من الرضاع فوطئها يُحدّ على وجه؛ فلأنه وطء في فرج لا يستباح بحال.
فأوجب الحد؛ كوطء الغلام.
وأما كونه يعزر على وجه فلأنه لا يحد؛ لأنه وطء في بضع مملوك له.
بدليل أنه يملك المعاوضة عليه بعقد النكاح.
فلم يوجب الحد؛ كوطء الجارية المشتركة.
ولأنه وطء اجتمع فيه موجب ومسقط، والحدود مبنية على الدرء والإسقاط.
فإذا لم يحد يعزر؛ لأنه وطء حرام لا حد فيه ولا كفارة.
الجزء: 4 - الصفحة: 244
قال: (وإن وطئ في نكاح مجمع على بطلانه؛ كنكاح المزوجة والمعتدة والخامسة وذوات المحارم من النسب والرضاع، أو استأجر امرأة للزنى أو لغيره وزنى 139 بها، أو زنى بامرأة له عليها القصاص، أو بصغيرة أو مجنونة أو بامرأة ثم تزوجها، أو بأمة ثم اشتراها، أو أمكنت العاقلة من نفسها مجنوناً أو صغيراً فوطئها: فعليهم الحد).
أما كون من وطئ في نكاح مجمع على بطلانه عليه الحد؛ فلأنه وطء لم يصادف ملكاً ولا شبهة ملك فأوجب الحد عملاً بالنصوص المقتضية له السالمة عن معارضة الملك والشبهة.
وفي الأثر «أن عمرَ رضي الله عنه رُفع إليه امرأة تزوجت في عدتِها.
فقال: هل علمتُما؟ فقالا: لا.
فقال: لو علمتُما لرجمتُكُما» 140، ونكاح غير المعتدة من الأنكحة المجمع على بطلانها في معنى نكاح المعتدة؛ لاشتراك الكل في الإجماع على بطلانه.
ولأنه إذا وجب الحد بوطء المعتدة في نكاح.
فلأن يجب الحد بوطء المزوجة في النكاح بطريق الأولى.
وأما قول المصنف رحمه الله: كنكاح المعتدة والمزوجة والخامسة وذوات المحارم من النسب والرضاع؛ فبيان لصور من صور النكاح المجمع على بطلانها وتعداد لها.
وأما كون من استأجر امرأة للزنى أو لغيره عليه الحد إذا زنى بها؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿الزانيةُ والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة﴾ [النور: 2].
وعموم سائر الأخبار.
ولأن المعنى الذي وجب عليه الحد موجود هاهنا.
فوجب أن يجب عملاً بالمقتضي لذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 245
وأما كون من زنى بامرأةٍ له عليها القصاص عليه الحد؛ فلأن استحقاق قتلها لا يوجب إباحة وطئها ولا يؤثر فيه شبهة.
فوجب أن يجب الحد عملاً بالنصوص الدالة على وجوبه على الزاني.
وأما كون من زنى بصغيرة أو مجنونة عليه الحد؛ فلأن الواطئ من أهل وجوب الحد وقد فعل ما يوجبه.
فوجب أن يترتب عليه موجبه عملاً لمقتضي 141 ذلك.
وأما كون من زنى بامرأة ثم تزوجها أو أمة ثم اشتراها عليه الحد؛ فلأن الملك وُجد بعد وجوب الحد.
فلم يسقط؛ كما لو سرق نصاباً ثم ملكه لم يسقط عنه القطع.
فكذا هاهنا.
وأما كون العاقلة إذا أمكنت منها مجنوناً أو صغيراً فوطئها عليها الحد؛ فلأن سقوط الحد عن أحد الواطئين لمعنى يخصه.
فلا يوجب سقوطه عن الآخر؛ كما لو زنى المستأمن بمسلمة.
الجزء: 4 - الصفحة: 246
فصل [الشرط الثالث]
قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يثبت الزنى.
ولا يثبت إلا بشيئين: أحدهما: أن يقر به أربع مرات في مجلس أو مجالس وهو بالغ عاقل، ويصرح بذكر حقيقة الوطء، ولا ينزع عن إقراره حتى يتم الحد).
أما كون الثالث من شروط وجوب الحد أن يثبت الزنى؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «واغدُ يا أنيسُ إلى امرأةِ هذا فإن اعترفتْ فارجمها» 142.
وقال عمر رضي الله عنه: «إن الرجمَ حقٌ واجبٌ على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينةُ، أو كان الحبلُ، أو الاعتراف» 143.
ولأنه حق.
فلا يترتب عليه موجبه بغير ثبوت؛ كسائر الحقوق.
وأما كون الزنى لا يثبت إلا بشيئين هما إقرار وشهادة؛ فلأنه يترتب عليه حكم شرعي.
فلا يثبت إلا بذلك؛ كسائر الأشياء.
وأما كون أحد الشيئين اللذين يثبت بهما الزنى أن يقر بالزنا؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب الرجم على الإقرار حيث قال: «فإن اعترفتْ فارجمها» 144، وفي حديث عمر: «أو كان الاعتراف» 145.
وأما كون الإقرار أربع مرات؛ فلما روى أبو هريرة قال: «أتى رجلٌ من الأسلميين 146 رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقال: يا رسول الله! إني زنيتُ.
فأعرضَ عنه فتنحّى تلقاء وجهه.
فقال: يا رسول الله! إني زنيتُ.
فأعرضَ عنه فتنحّى 147
الجزء: 4 - الصفحة: 247
تلقاء وجهه.
فقال: يا رسول الله! إني زنيتُ.
فأعرضَ عنه حتى ثنَّى ذلك عليه 148 أربع مرات.
فلما شهدَ على نفسه أربعَ شهادات دعاهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبكَ جنون؟ قال: لا.
قال: فهل أحصنتَ؟ قال: نعم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجموه» 149 متفق عليه.
ولو وجب الحد بأقل من أربع شهادات لرتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجم عليه؛ لأنه لا يجوز ترك حد لله تعالى.
وفي حديث نُعيم بن هزَّال: «أنه قالها أربع مرات.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكَ قُلتَها أربعَ مرات» 150. رواه أبو داود.
وهذا يدل على أن الإقرار الأربعة هي الموجبة.
وفي حديث أبي بردة الأسلمي أن أبا بكر الصديق قال له عند النبي صلى الله عليه وسلم: [«إن أقررتَ أربعاً رجمكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم» 151] 152. وفيه وجهان من الدلالة:
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ما ذكره ولم ينكره.
فكان بمنزلة قوله؛ لأنه لا يُقر على الخطأ.
وثانيهما: أنه إنما قال ذلك؛ لأنه علمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو لم يعلم لما تجاسر على مثل قوله بين يديه.
فإن قيل: فقد تقدم قوله عليه السلام: «فإن اعترفتْ فارجمها» 153، وفي حديث عمر: «أو الاعتراف» 154. والاعتراف 155 يحصل بالمرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 248
قيل: الاعتراف مصدر يقع على المرة والمرات.
فيجب حمله على المرات المقدم ذكرها؛ لما فيه من الجمع بين الحديثين.
وأما كون الإقرار أربع مرات يُثبت الزنى في مجلس كان أو مجالس؛ فلعموم ما تقدم.
وأما كون المُقر يُقر وهو بالغ عاقل؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفعَ القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق ... » 156، وفي قصة ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أقر: «أبكَ جنون؟ قال: لا» 157، وفي حديث ابن عباس قال: «أتي عمر رضي الله عنه بمجنونة قد زنتْ فاستشارَ فيها أناساً.
فأمر بها عمر رضي الله عنه أن ترجم.
فمرّ بها على ابن أبي طالب قال: ما شأنُ هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان أمرَ بها عمر أن تُرجم.
فقال: أرجعوها.
ثم أتاهُ فقال: يا أمير المؤمنين! أما علمتَ أن القلمَ قد رُفع عن ثلاثة؟ عن المجنون حتى يُفيق قال: بلى.
قال: فما بالُ هذه؟ [قال: لا شيء] 158 قال: فأرسِلْها.
قال: فجعل يكبِّر» 159. رواه أبو داود.
وأما كونه يصرّح في إقراره بذكر حقيقة الوطء؛ فلأن الزنى يعبر به عما ليس بموجب للحد.
فلم يكن بد من ذكر حقيقة الزنى؛ لتزول الشبهة النافية لوجوب الحد.
وفي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز: «لعلك قبّلتَ أو غمزتَ أو نظرتَ.
قال: لا.
قال: أفنِكتَها؟ لا يكْني.
قال: نعم.
قال: فعندَ ذلك أمر برجمه» 160، وفي روايةٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أفنِكتَها؟ قال: نعم.
قال: حتى غابَ ذلك منكَ في ذلك منها.
قال: نعم.
قال: كما يغيبُ المِرْودُ في المكحلة والرشاء في البئر.
قال: نعم.
قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم.
الجزء: 4 - الصفحة: 249
أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً ... وذكر الحديث» 161. رواه أبو داود.
وأما كونه لا ينزع عن إقراره حتى يتم الحد؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه لما هرب ماعز: هلاّ تركتمُوه» 162.
قال: (الثاني: أن يشهد عليه أربعة رجال أحرار عدول يصفون الزنى ويجيئون في مجلس واحد سواء جاؤوا متفرقين أو مجتمعين).
أما كون الثاني من الشيئين اللذين يثبت بهما الزنى أن يُشهد عليه؛ فلأن الشهادة مثبتة لغير الزنى.
فوجب أن تكون مثبتة له أيضاً، وفي حديث عمر: «إنّ الرجمَ حقٌ واجبٌ ما قامت البينة» 163.
وأما كون من يشهد عليه أربعة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ [النور: 13]، وقال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: 4]، وقال: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: 15].
وأما كونهم رجالاً؛ فلأن في شهادة النساء شبهة لما في قبول شهادتهن من الاختلاف، والحدود تدرأ بالشبهات.
وأما كونهم أحراراً؛ فلأن في شهادة العبيد خلافاً بين العلماء، وذلك شبهة.
فلا تقبل فيما يدرأ بالشبهات.
وأما كونهم عدولاً؛ فلأن ذلك شرط في سائر الشهادات.
فلأن يشترط ذلك فيما فيه يحتاط بطريق الأولى.
وأما كونهم يصفون الزنى فيقولون: رأينا ذكره في فرجها كالمِرْوَد في المكحلة والرشاء في البئر؛ فلأن ذلك شرط في الإقرار.
فلأن يشترط في الشهادة بطريق الأولى.
وفي حديث جابر قال: «جاءت اليهود برجل منهم وامرأة زنيا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائتوني بأعلم رجلين منكم.
فأتوا بابني صُوريا.
فَنَشَدَهما كيف تجدان أمرَ
الجزء: 4 - الصفحة: 250
هذين في التوراة؟ قالا: نجدُ أنه إذا شهد أربعة أنهم رأوْا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة رُجما.
قال: فما منعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهبَ سلطاننا فكرهنا 164 القتل.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاء أربعة.
فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما» 165.
ولأنهم إذا لم يصفوا الزنى احتمل أن يكون المشهود به لا يوجب الحد.
فاعتبر ذكر كيفيته؛ ليتميز الموجب من غيره.
وأما كون الشهود يجيؤون في مجلس واحد؛ فـ «لأن عمر شهد عنده أبو بكرة 166 ونافع وشبل بن معبد على المغيرة بالزنى ولم يشهد زياد فحد الثلاثة» 167. ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم؛ لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر.
ولأنه لو شهد ثلاثة فحدوا ثم جاء الرابع فشهد لم تقبل شهادته فلولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم.
وأما كون مجيئهم مجتمعين أو متفرقين سواء؛ فلأن شهود المغيرة جاؤوا واحدًا واحداً وسمعت شهادتهم.
وإنما حُدوا؛ لعدم كمالها، وفي الحديث أن أبا بكرة قال لعمر: «أرأيتَ لو جاء آخر فشهد أكنتَ ترجمه؟ قال عمر: إي والذي نفسي بيده».
ولأنهم اجتمعوا في مجلس واحد.
أشبه ما لو جاؤوا مجتمعين.
ولأن المجلس كله بمنزلة ابتدائه، ولهذا أجزأ فيه القبض فيما يشترط فيه القبض.
الجزء: 4 - الصفحة: 251
قال: (فإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم، أو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة، أو لم يكملها: فهم قذفة وعليهم الحد).
أما كون الذي جاء بعد قيام الحاكم؛ فلأن شهادته غير مقبولة ولا صحيحة.
أشبه ما لو لم يشهد أصلاً.
وأما كونه عليه الحد؛ فلأنه قاذف، ويجب عليه الحد؛ لعموم الأدلة المقتضية لوجوب ذلك.
وأما كون الشهود الثلاثة قذفة إذا امتنع الرابع من الشهادة أو لم يكملها؛ فلأن الله تعالى أوجب عليهم الحد بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: 4].
ولأن ذلك إجماع الصحابة فإن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل الرابع بمحضر من الصحابة ولم ينكروه.
قال: (وإن كانوا فُسَّاقاً أو عُمياناً أو بعضهم فعليهم الحد.
وعنه: لا حد عليهم).
أما كون من ذكر عليهم الحد على المذهب؛ فلأن شهادتهم لم تكمل.
فوجب بها الحد على الشهود؛ كما لو شهد ثلاثة فقط.
وأما كونهم لا حد عليهم على روايةٍ؛ فلأنهم أحرزوا ظهورهم بكمال عددهم.
وإنما جاء رد الشهادة لمعنى غير تفريطهم.
أشبه ما لو شهد عدول بزنى امرأة وشهد نساء ثقات أنها عذراء.
قال: (وإن كان أحدهم زوجاً حد الثلاثة ولاعن الزوج إن شاء).
أما كون الثلاثة فيما ذكر تحد؛ فلأنهم قذفة حيث لم تكمل البينة؛ لأن شهادة الزوج غير مسموعة.
وأما كون الزوج يلاعن إن شاء؛ فلأن الزوج إذا قذف زوجته له الخيرة بين اللعان وبين تركه؛ لما ذكر في باب اللعان.
الجزء: 4 - الصفحة: 252
قال: (وإن شهد اثنان أنه زنى بها في بيت أو بلد، واثنان أنه زنى بها في بيت أو بلد آخر: فهم قذفة وعليهم 168 الحد.
وعنه: يحد المشهود عليه وهو بعيد).
أما كون الشهود قذفة عليهم الحد على المذهب؛ فلأنه لم تكمل شهادة أربعة على فعل واحد.
أشبه ما لو انفرد بالشهادة اثنان.
وأما كون المشهود عليه يحد على روايةٍ؛ فلأن الشهادة كملت في الجملة.
وأما كون ذلك بعيداً؛ فلأن كمال الشهادة يعتبر كونه على فعل واحد والفعل هاهنا متعدد.
ضرورة تعداده بتعداد البيت والبلد.
قال: (وإن شهدا أنه زنى بها في زاوية بيت، وشهد الآخران أنه زنى بها في زاويته الأخرى، أو شهدا 169 أنه زنى بها في قميص أبيض وشهد الآخران أنه زنى بها في قميص أحمر: كملت شهادتهم.
ويحتمل أن 170 لا تكمل كالتي قبلها).
أما كون شهادة 171 من ذكر تكمل على المذهب؛ فلأنه أمكن صدق الشهود بأن يكون ابتداء الفعل في إحدى الزاويتين وأخذ الثوبين وتمامه في الآخر.
فإن قيل: فقد يمكن أن تكون الشهادة على فعلين.
فلم وجب الحد والحدود تدرأ بالشبهات؟
قيل: يبطل هذا بما إذا اتفقوا على موضع واحد فإنه يمكن أن تكون الشهادة على فعلين بأن يكون قد فعل ذلك في ذلك الموضع مرتين ومع هذا فلا يمنع وجوب الحد.
وأما كون شهادتهم يحتمل أن لا تكمل كالتي قبلها؛ فلأن الشهادة هنا مختلفة.
أشبهت الشهادة في المسألة المذكورة قبل.
الجزء: 4 - الصفحة: 253
قال: (وإن شهدا 172 أنه زنى بها مطاوعة وشهد آخران أنه زنى بها مكرهة: لم تكمل شهادتهم.
وهل يحد الجميع أو شاهدا المطاوعة؟ على وجهين.
وعند أبي الخطاب: يحد الزاني المشهود عليه دون المرأة والشهود).
أما كون شهادة من ذكر لا تكمل على المذهب؛ فلأن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة.
فعلى هذا لا يحد الرجل ولا المرأة المشهود عليهما؛ لأن الشهادة لم تكمل على فعل موجب للحد عليهما.
وأما كون جميع الشهود يحدون على وجه؛ فلأنهم قذفوا الرجل.
وأما كون شاهدي 173 المطاوعة يحدان على وجه؛ فلأنهما قذفا المرأة وشهدا عليها 174 بالزنا ولم تكمل شهادتهم.
وأما كون الزاني يحد على قول أبي الخطاب؛ فلأنه شهد عليه أربعة، وذلك يوجب الحد.
وأما كون المرأة لا تحد؛ فلأنه لم يشهد عليها أربعة بزنى يوجب الحد؛ لأنه لا حد مع الإكراه.
قال: (فإن شهد أربعة فرجع أحدهم فلا شيء على الراجع، ويحد الثلاثة.
وإن كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة، ويغرم الراجع ربع ما أتلفوه).
أما كون الراجع قبل الحد فيما ذكر لا شيء عليه؛ لأنه كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله.
وحكى المصنف رحمه الله رواية في المغني أنه يحد وصححها، ولم يذكر لذلك دليلاً.
وأما كون الثلاثة تحد؛ فلأن رجوع الراجع ينقص عدد الشهود.
فوجب أن يحدوا؛ كما لو كانوا كذلك في الابتداء.
وأما كون الثلاثة لا حد عليهم إذا كان رجوع الشاهد بعد الحد؛ فلأن الشهادة كملت واتصل بها الحكم.
فلم يجب عليهم شيء؛ لعدم كونهم قذفة.
الجزء: 4 - الصفحة: 254
وأما كون الراجع يغرم ربع ما أتلفوه؛ فلأنه برجوعه أقر على نفسه أن التلف المتقدم حصل بفعله وفعل بقية الشهود.
تعذر قبول ذلك بالنسبة إلى بقية الشهود وبقي قوله مقبولاً بالنسبة إليه وهم أربعة.
فوجب عليه ربع ذلك.
قال: (وإن شهد أربعة بالزنى بامرأة فشهد ثقات من النساء أنها عذراء فلا حد عليها ولا على الشهود.
نص عليه).
أما كون المرأة المذكورة لا حد عليها؛ فلأن عذرتها دليل براءتها.
وأما كون الشهود لا حد عليهم؛ فلأن صدقهم محتمل لجواز أن يكون وطئها ثم عادت عذرتها.
قال: (وإن شهد أربعة على رجل أنه زنى بامرأة فشهد أربعة آخرون على الشهود أنهم هم الزناة بها لم يحد المشهود عليه.
وهل يحد الشهود الأولون حد الزنى؟ على روايتين).
أما كون المشهود عليه لا يحد؛ فلأن شهادة الآخرين تضمنت جرح الأولين وشهادة الآخرين تتطرق إليها 175 التهمة.
وأما كون الشهود الأولين يحدون على روايةٍ؛ فلأنهم شهد عليهم أربعة بالزنى.
وأما كونهم لا يحدون حد الزنى على روايةٍ؛ فلأن الشهادة المذكورة متهم فيها من الجهة المتقدم ذكرها.
قال: (وإن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بذلك بمجرده).
أما كون المرأة المذكورة لا تحد بمجرد ما ذكر؛ فلأنه يحتمل أن يكون الحمل من وطء شبهة أو إكراه، والحد يدرأ بالشبهة.
فإن قيل: قد روي عن عمر: «إن الرجمَ حقٌ واجبٌ على من زنى وقد أحصن إذا كانت البينةُ، أو الحبلُ، أو الاعتراف» 176، وذلك يدل على وجوب الحد.
الجزء: 4 - الصفحة: 255
قيل: ظاهره ذلك.
لكنه معارض بما روي عنه «أنه أُتي بامرأةٍ حامل فادَّعت أنها أُكرهت قال: خلِّ سبيلها، وأنه كتب إلى أمرائه» 177.
الجزء: 4 - الصفحة: 256
باب القذف
قال المصنف رحمه الله: (وهو: الرمي بالزنى.
ومن قذف حراً محصناً فعليه جلد ثمانين جلدة إن كان القاذف حراً وأربعين إن كان عبداً.
وقذف غير المحصن يوجب التعزير).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو الرمي بالزنى؛ فبيان لمعنى القذف.
وأما كون من قذف حراً محصناً عليه جلد ثمانين جلدة إذا كان حراً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: 4].
وأما كونه عليه جلد أربعين إذا كان عبداً؛ فلما روى عبدالله 178 بن عامر بن ربيعة 179 أنه قال: «أدركتُ أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرَهم يضربونَ المملوك إذا قذفَ إلا أربعين» 180.
ولأن الحد إذا كان يتبعض كان العبد فيه على النصف كحد الزنى.
فإن قيل: الآية عامة فيدخل العبد فيها.
قيل: ما ذكر خاص، والخاص مقدم على العام.
وأما كون قذف غير المحصن يوجب التعزير؛ فلأن القذف معصية.
فإذا لم يجب فيه حد؛ لفوات شرطه وهو الإحصان -وسيأتي دليلهما-: وجب التعزير.
ضرورة وجوبه في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
الجزء: 4 - الصفحة: 257
قال: (والمحصن هو: الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله.
وهل يشترط البلوغ؟ على روايتين).
أما كون المحصن الذي يحد بقذفه ثمانون جلدة هو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله؛ فلأنه لو كان عبداً أو كافراً لكانت حرمتهما ناقصة.
فلم تنتهض لإيجاب الحد.
ولو كان مجنوناً لم يجب عليه حد الزنا؛ لقوله عليه السلام: «رُفعَ القلمُ عن ثلاث: عن المجنون حتى يُفيق ... » 181 فلا يجب الحد بقذفه.
ولأن غير العاقل لا يلحقه شَيْن بإضافة الزنى إليه؛ لكونه غير مكلف.
وحد القذف إنما وجب من أجل ذلك.
ولو كان غير عفيف لم يشنه القذف.
فلا يجب الحد بقذفه؛ لما تقدم من أن القذف إنما وجب من أجله.
ولو كان مثله لا يجامع لم يشنه القذف أيضاً؛ لتحقق كذب القاذف.
وأما كونه يشترط بلوغه على روايةٍ؛ فلأنه أحد شرطي التكليف.
أشبه العقل.
ولأن زنى الصبي لا يوجب حداً.
فلا يجب الحد بالقذف؛ كزنى المجنون.
وأما كونه لا يشترط على روايةٍ؛ فلأنه حر عاقل عفيف يعير بهذا القول الممكن صدقه.
أشبه الكبير.
فعلى هذه الرواية لا بد أن 182 يكون كبيراً يجامع مثله، وأدناه أن يكون للغلام عشر سنين، وللجارية سبع.
قال: (وإن قال: زنيتِ وأنت صغيرة وفسره بصغر عن تسع سنين لم يحد، وإلا خرج على الروايتين).
أما كون من قال ما ذكر وفسر الصغر عن تسع سنين لا يحد؛ فلأن حد القذف إنما وجب لما يلحق بالمقذوف من العار، وذلك منتف في الصغيرة عن تسع سنين؛ لأن مثلها لا يمكن ذلك منها.
فلا يلحقها عار القذف.
الجزء: 4 - الصفحة: 258
وأما كونه إذا فسره بتسع يتخرج على الروايتين؛ فلأنه لو قذفها في تلك الحال لوجب عليه الحد على أحد الروايتين.
فكذلك إذا فسر صغرها بذلك.
قال: (وإن قال لحرة مسلمة: زنيتِ وأنت نصرانية أو أمة ولم تكن كذلك فعليه الحد.
وإن كانت كذلك وقالت: أردتَ قذفي في الحال فأنكرها فعلى وجهين).
أما كون من قال ما ذُكر عليه الحد إذا لم تكن المقذوفة [كما قال في حال؛ فلأنه قذف محصنة.
وأما كونه عليه الحد إذا كانت المقذوفة] 183 كذلك وقالت: أردتَ قذفي في الحال وأنكرها على وجه؛ فلأن قوله: زنيتِ خطاب في الحال، والظاهر أنه أراد ذلك.
وأما كونه لا حد عليه على وجه؛ فلأن ظاهر لفظه يقتضي تعلق: وأنت نصرانية أو أمة بقوله: زنيت، فيصير كأنه قال لها: زنيت في حال النصرانية أو الرق ولا حد مع ذلك.
وهذا أصح من الأول؛ لأن ارتباط الكلام بعضه ببعض أولى من عدم ارتباطه، وإذا كان ذلك كذلك وجب ارتباط قوله: وأنت نصرانية بقوله: زنيت، وذلك ينفي كونه قاذفاً في الحال.
قال: (ومن قذف محصناً فزال إحصانه قبل إقامة الحد لم يسقط الحد عن القاذف).
أما كون من [ذكر لا يسقط الحد عنه؛ فلأن الحد] 184 قد وجب وتم بشروطه.
فلا يسقط بزوال شرط الوجوب؛ كما لو زنى بامرأة ثم اشتراها، أو سرق عيناً قيمتها نصاب فنقصت قيمتها أو ملكها، وكما لو جُن المقذوف بعد المطالبة.
وأما المعني بزوال الإحصان فأن يزول شرط من شروطه؛ مثل: أن يكون المقذوف عفيفاً فيزني قبل إقامة الحد، وما أشبه ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 259
فصل [والقذف محرم إلا في موضعين]
قال المصنف رحمه الله: (والقذف محرم إلا في موضعين:
أحدهما: أن يرى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه فيعتزلها وتأتي بولد يمكن أن يكون من الزاني فيجب عليه قذفها ونفي ولدها.
والثاني: أن لا تأتي بولد يجب نفيه أو استفاض زناها في الناس أو أخبره به ثقة أو رأى رجلاً يعرف بالفجور يدخل إليها فيباح قذفها ولا يجب).
أما كون القذف محرماً فيما عدا المستثنى؛ فبالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إن الذين يَرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ [النور: 23].
وأما السنة؛ فقوله عليه السلام: «اجتنبوا السبع الموبقات.
وذكر منهن: قذف المحصنات المؤمنات الغافلات» 185.
وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون على تحريم القذف في الجملة.
وأما كونه يجب على من رأى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه ويعتزلها وتأتي بولد يمكن أن يكون من الزاني؛ فلأن نفي الولد واجب؛ لما يأتي، ولا يمكن إلا بالقذف، وما لا يتم الواجب إلا به واجب.
وأما كونه يجب عليه نفي ولدها؛ فلئلا يلحق به ولد غيره.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأةٍ أَدخلتْ على قومٍ من ليسَ منهمْ فليستْ من اللهِ في شيء، ولن يُدخلَها اللهُ جنته» 186.
الجزء: 4 - الصفحة: 260
وأما كونه يباح لمن يراها تزني ولم تأت بولد يجب نفيه؛ فلأن بالزوج حاجة إلى فسخ النكاح ليخلص من زوجة شأنها ذلك، ولذلك قذف عويمر العجلاني زوجته بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم 187، وقذف هلال بن أمية زوجته بحضرة الرسول أيضاً 188.
وأما كونه يباح إذا استفاض زناها أو أخبره به ثقة أو رأى رجلاً يُعرف بالفجور يدخل عليها؛ فلأن الحاجة داعية إلى فسخ النكاح هنا كالحاجة الداعية إذا رآها، وذلك يوجب إباحة القذف؛ لاشتراك الكل في الحاجة الموجبة للإباحة.
قال: (وإن أتت بولد يخالف لونه لونهما لم يبح نفيه بذلك.
وقال أبو الخطاب: ظاهر كلامه إباحته).
أما كون الولد لا يباح نفيه بذلك على الأول؛ فلما روي «أن رجلاً ولدَ له ولد أسود.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لكَ من إبل؟ قال: نعم.
قال: فما ألوانُها؟ قال: حمرٌ.
قال: هل فيها من أوْرَق؟ قال: إن فيها لَورقًا.
قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: لعله نزَعهُ عرق.
قال: وهذا عسى أن يكون نزعهُ عرق» 189.
وأما كونه يباح على قول أبي الخطاب: ظاهر كلام الإمام أحمد إباحته؛ فلأن ذلك من الأسباب المغلبة على الظن أنها زنت، [ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أتتْ] 190 به على نعتِ كذا فهو لفلان 191، وإن أتت على نعت كذا فهو للزوج (6») 193.192
الجزء: 4 - الصفحة: 261
فصل [في ألفاظ القذف]
قال المصنف رحمه الله: (وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية.
فالصريح قوله: يا زاني، يا عاهر، زنى فرجك، ونحوه مما لا يحتمل غير القذف فلا يقبل قوله بما يحيله).
أما كون ألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية؛ فلأنها ألفاظ يرتب عليها حكم شرعي فانقسمت إلى ذلك كألفاظ الطلاق.
ولأن منها ما لا يحتمل غير القذف، ومنها ما يحتمل غيره، وذلك شأن الصريح والكناية.
وأما كون الصريح: يا زاني يا عاهر زنى فرجك ونحوه مما لا يحتمل غير القذف؛ فلأن الصريح ما لا يحتمل غيره، وذلك موجود هاهنا.
وأما كون القاذف لا يقبل قوله بما يحيل القذف؛ فلأن المصرح باطلاً لا يقبل قوله إذا ادعى ما يحيله.
فكذلك المصرح بالقذف.
قال: (وإن قال: يا لوطي، أو يا معفوج فهو صريح.
وقال الخرقي: إذا قال: أردت أنك من قوم لوط فلا حد عليه وهو بعيد.
وإن قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إتيان الرجال احتمل وجهين).
أما كون قول: يا لوطي صريحاً على قول غير الخرقي؛ فلأن اللوطي الزاني بالصبيان.
أشبه ما لو قال: يا زاني.
وأما كون قول: يا معفوج صريحاً على ذلك؛ فلأن معناه يا مفعولاً به فعل قوم لوط، وذلك صريح فهذا مثله.
فإن قيل: قد تقدم أن الصريح ما لا يحتمل غير القذف وهذا يحتمله.
قيل: معناه والله أعلم أنه صريح في الحكم لا في اللفظ.
فعلى هذا يجب الحد عليه كما لو قذفه بالزنى.
الجزء: 4 - الصفحة: 262
وأما كون قائل ذلك إذا قال: أردتُ أنك من قوم لوط لا حد عليه على قول الخرقي؛ فلأن كلامه يصح أن يراد به ذلك فإذا قال: أردته لم يجب الحد لشَكِّنا في المقتضي له لا سيما والحدود تدرأ بالشبهات.
وأما كون ذلك بعيداً؛ فلأن إطلاق مثل ذلك وإرادة مثل ذلك فيه بُعد.
وأما كونه إذا قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إتيان الرجال يحتمل أن لا يحد؛ فلأن ما فسر كلامه محتمل الإرادة والحد يدرأ بالشبهة.
وأما كونه يحتمل أن يحد؛ فلأنه لا يراد بمثل ذلك اللفظ في الغالب غير الزنى.
فلم يقبل تفسيره بغيره؛ كما لو قال: يا زاني وفسره بغيره.
فإن قيل: ما المراد بعمل قوم لوط الذي ينتفي معه وجوب الحد؟
قيل: هو محبة الصبيان وتقبيلهم ونحو ذلك مما لا يوجب حداً.
قال: (وإن قال: لستَ بولد فلان فقد قذف أمه.
وإن قال: لستَ بولدي فعلى وجهين).
أما كون من قال: لستَ بولد فلان قد قذف أمه؛ فلأن ذلك يقتضي أن أمه أتت به من غير أبيه، وذلك قذف لها.
وأما كون من قال: لست بولدي قد قذف أمه على وجه؛ فلأنه نفاه عن نفسه.
أشبه نفي ولد 194 غيره عن أبيه.
وأما كونه غير قاذف لأمه على وجه؛ فلأن الإنسان يغلظ لولده في القول والفعل 195 فيحتمل أنه أراد بذلك التغليظ، وذلك شبهة يدرأ بها الحد.
قال: (وإن قال: أنتِ أزنى الناس أو أزنى من فلانة، أو قال لرجل: يا زانية أو لامرأة 196: يا زاني، أو قال: زنت يداك ورجلاك: فهو صريح في القذف في قول أبي بكر، وليس بصريح عند ابن حامد).
أما كون قول: "أنت أزنى الناس أو أزنى من فلانة" صريحاً في القذف في قول أبي بكر؛ فلأن أزنى معناه المبالغة في الزنى ففيه الزنى وزيادة 197.
الجزء: 4 - الصفحة: 263
وأما كونه ليس بصريح عند ابن حامد؛ فلأن أفعل قد تجيء لغير ما ذكر.
فيحتمل أن يراد، وذلك يمنع كونه صريحاً.
وأما كون القول للرجل: يا زانية، وللمرأة: يا زاني 198 صريحاً في قول أبي بكر؛ فلأن ما كان قذفاً لأحد الجنسين كان قذفاً للآخر.
قياساً لأحدهما على الآخر.
ولأن ترك تاء التأنيث في موضعها وزيادتها في غير موضعها خطأ لا يغير معنى.
فلا يمنع وجوب الحد؛ كاللحن.
ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنى، وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها.
وأما كونه ليس بصريح عند ابن حامد؛ فلأن التكلم بمثل ذلك مجاز أو خطأ، وذلك ليس بشأن الصريح.
وأما كون قول: زنت يداك ورجلاك 199 صريحاً عند أبي بكر؛ [فلأن ذلك يطلق ويراد به زنى الفرج.
وأما كونه ليس صريحاً عند] 200 ابن حامد؛ فلأن النسبة حقيقة إلى ما ذكر فلا يصرف إلى غيره.
قال: (وإن قال: زنأت في الجبل مهموزاً فهو صريح عند أبي بكر.
وقال ابن حامد: إن كان يعرف العربية لم يكن صريحاً.
وإن لم يقل: في الجبل فهل هو صريح أو كالتي قبلها؟ على وجهين).
أما كون قوله: زنأت في الجبل مهموزاً صريحاً عند أبي بكر؛ فلأن العامة لا يفهمون من ذلك إلا القذف، ولا يفرقون بين مهموز وغيره.
أشبه ما لو قال: زنيت في الجبل.
الجزء: 4 - الصفحة: 264
وأما كون ذلك ليس صريحاً عند ابن حامد إذا كان يعرف العربية؛ فلأن الظاهر من العالم أنه يريد مدلول اللفظ، وذلك هو الصعود.
بخلاف غير العالم؛ فلأنه لا يفهم منه غير الزنى.
وأما كون قول ذلك إذا لم يقل معه في الجبل صريحاً وجهاً واحداً على وجه؛ [فلأنه مع عدم القول في الجبل يتمحض القذف.
وأما كونه كالتي قبلها على وجه] 201؛ فلأنه بمعناها؛ لاشتراكهما في الهمز.
فعلى هذا يكون في ذلك وجهان:
أحدهما: يكون صريحاً في حق العامي والعالم بالعربية.
والثاني: يفرق بين العالم والعامي على ما تقدم تفصيله.
قال: (والكناية: نحو قوله لامرأته: قد فضحته وغطيت أو نكّست رأسه وجعلت له قروناً، وعلقت عليه أولاداً من غيره وأفسدت فراشه، أو يقول لمن يخاصمه: يا حلال ابن الحلال ما يعرفك الناس بالزنى، يا عفيف، أو يا فاجرة يا قحبة يا خبيثة، أو يقول لعربي: يا نبطي يا فارسي يا رومي، أو يسمع رجلاً يقذف رجلاً فيقول: صدقت أو أخبرني فلان أنك زنيت وكذبه الآخر: فهذا كناية إن فسره بما يحتمله غير القذف قُبل قوله في أحد الوجهين، وفي الآخر جميعه صريح).
أما كون ذلك كناية في وجهٍ فلأنه يحتمل إرادة غير الزنى؛ مثل أن يريد بقوله: قد فضحته أي بشكواك، أو برداءة أصلك، وبقوله: غطيت أو نكّست رأسه أي 202 حياء من الناس من ذلك، وبقوله: جعلتِ له قروناً أي أنه مسخرٌ لك مطيعٌ منقادٌ كالثور، وبقوله: علَّقتِ عليه أولاداً من غيره أي من زوج آخر أو وطء شبهة، وبقوله: أفسدت فراشه أي بالنشوز أو 203 بالشقاق ومنع الوطء، وبقوله: يا حلال ابن الحلال أنه كذلك حقيقة، وبقوله: ما يعرفك الناس بالزنى حقيقة النفي، وبقوله: يا عفيف كونه كذلك حقيقة، وبقوله: يا فاجرة كونها مخالفة لزوجها فيما يجب طاعتها فيه، وبقوله: يا قحبة وبقوله: يا خبيثة برداءة
الجزء: 4 - الصفحة: 265
أصلها، وبقوله لعربي: يا نبطي يا فارسي يا رومي يا متخلقاً بأخلاق أحد هؤلاء، وبقوله: صدق عند سماعه رجلاً يقذف رجلاً أنه صادق في غير الأخبار المذكورة، وبقوله: أخبرني فلان أنك زنيت وكذبه آخر 204 أني موافق للكذب.
وإذا احتمل ذلك جميعه غير القذف تعين كونه كناية؛ لأن ذلك شأن كل الكنايات.
فعلى هذا إذا فسر كلامه بأحد الاحتمالات المذكورة أو ما يقوم مقامها قُبل؛ لأنه فسر كلامه بما يحتمله.
وأما كون جميع ذلك صريحاً في وجهٍ؛ فلأن الظاهر من حاله أنه لم يرد شيئاً مما ذكر، والغالب استعمال الألفاظ المذكورة في القذف.
فوجب حملها عليه بظاهرَي الحال والاستعمال.
فعلى هذا إذا قال: أردت أحد هذه الاحتمالات لم يقبل قوله؛ لأن هذا شأن الصريح.
ولهذا لو قال المطلق بصريح الطلاق: أردتُ غيره لم يقبل.
قال: (وإن قذف أهل بلد أو جماعة لا يتصور الزنى من جميعهم عُزِّر ولم يحد).
أما كون من ذكر يعزر؛ فلأنه واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وذلك موجود هاهنا.
وأما كونه لا يحد؛ فلأن الحد إنما وجب لما يلحق المقذوف من العار بالزنى، وذلك يستدعي إمكانه من فاعله، وذلك منتفٍ هاهنا.
ضرورة عدم تصوره.
قال: (وإن قال لرجل: اقذفني فقذفه فهل يحد؟ على وجهين).
أما كون القاذف المذكور يُحد على وجه؛ فلأن الموجب له القذف، وهو موجود.
وقول 205 [المقذوف: اقذفني لا أثر له؛ لأن القذف لا يباح بلا حاجة] 206.
وأما كونه لا يحد على وجه؛ فلأن المقذوف رضي بقذفه.
أشبه ما لو قذف نفسه.
الجزء: 4 - الصفحة: 266
وقال صاحب النهاية فيها: وعندي أن هذا -يعني الخلاف- ينبني على أن حد القذف هل هو حق لله أو لآدمي؟ فإن قيل: لله وجب، وإلا لم يجب.
وهو معنى صحيح يجب أن يُلحظ.
قال: (وإن قال لامرأته: يا زانية قالت: بك زنيت لم تكن قاذفة، ويسقط عنه الحد بتصديقها).
أما كون المرأة القائلة ما ذكر لا تكون قاذفة للقائل لها: يا زانية؛ فلأن ذلك لا يستعمل في القذف للقذف؛ لأنه لا يراد به حقيقة ذلك، ألا ترى أنه لو قيل لشخص: يا سارق فقال: معك سرقت لم يكن معناه الإخبار بالسرقة 207 بل معناه كما لم تسرق أنت فكذا أنا.
وأما كون الحد يسقط عن القاذف؛ فلأنه رماها بالزنا، وفي قولها: بك زنيت تصديق له، وذلك يوجب إسقاط الحد كما لو قال: زنيت فقالت: صدقت.
وقال أبو الخطاب في هدايته: يكون الرجل قاذفاً لها؛ لأنه نسبها إلى الزنى وتصديقها لم ترد به حقيقة الفعل بدليل أنه لو أريد ذلك لوجب كونها قاذفة له.
قال: (وإذا 208 قُذفت المرأة لم يكن لولدها المطالبة إذا كانت الأم في الحياة.
وإن قذفت وهي ميتة.
مسلمة كانت أو كافرة.
حرة أو أمة: حد القاذف إذا طالب الابن وكان حراً مسلماً.
ذكره الخرقي.
وقال أبو بكر: لا يجب الحد بقذف ميتة).
أما كون المرأة إذا قُذفت لا يكون لولدها المطالبة إذا كانت أمه في الحياة؛ فلأنه حق ثبت للتشفي.
فلا يقوم فيه غير المستحق مقام المستحق، والمستحق هنا الأم.
فلم يقم الولد مقامها.
وأما كونها إذا قُذفت ميتة يحد القاذف على ما ذكره الخرقي؛ فلأن القاذف قَدَح في نسب الحي، وذلك أنه إذا قذف أمه فقد نسبه إلى أنه ولد من زنى.
وفي قول المصنف رحمه الله: مسلمة كانت أو كافرة حرة أو أمة إشعار بأن الحد هنا لم يجب للولد بطريق الإرث؛ لأنه لو وجب على سبيل الإرث لاعتبر
الجزء: 4 - الصفحة: 267
شرائط الإحصان في المقذوف.
وقد صرح بذلك المصنف رحمه الله في المغني فقال: إنما ملك الابن مطالبة القاذف؛ لأنه قدح في نسب الحي.
وأما قوله: إذا طالب الابن وكان حراً مسلماً فشروط في حد القذف: أما الطلب؛ فلأنه حق من الحقوق فلا يستوفى بغير طلب مستحقه؛ كسائر الحقوق.
وأما حرية الابن وإسلامه؛ فلأن الحد وجب للقدح في نسبه.
فإذا لم يكن كذلك لم يجب الحد.
ولأن القدح في نسب الحي ليس أسوأ حالاً من نسبة الحي نفسه إلى الزنى، ولو قذف الحي بالزنى اعتبر حريته وإسلامه.
فكذا هاهنا.
وأما كون الحد لا يجب بقذف ميتة على قول أبي بكر؛ فلأن الميتة لا تعيَّر والحي لم يقدح فيه، وذلك شبهة يدرأ بها الحد.
ولأنه يحتمل أن الأم لو كانت حية لصدقته، وذلك شبهة توجب سقوط الحد.
قال: (وإن مات المقذوف سقط الحد، ومن قذف أمّ النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلماً كان أو كافراً).
أما كون الحد يسقط إذا مات المقذوف؛ فلأن شرطه 209 مطالبة مستحقه به، وهي لا تتصور مع موته.
وأما كون من قذفَ أمّ النبي صلى الله عليه وسلم يقتل؛ فلأنه يكفر بقذفه لها؛ لما في ذلك من التعرض للقدح في النبوة الموجب للكفر.
وأما كون من فعل ذلك يقتل مسلماً كان أو كافراً؛ فلاستوائهما في الموجب للقتل.
ولأن المسلم إذا قتل بذلك.
فلأن يقتل الكافر بطريق الأولى.
الجزء: 4 - الصفحة: 268
قال: (وإن قذف الجماعة بكلمة واحدة 210 فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم.
وعنه: إن طالبوا متفرقين حد لكل واحد حداً.
وإن قذفهم بكلمات حد لكل واحد حداً.
وإن حُدَّ القاذف فأعاده لم يعد عليه الحد).
أما كون من قذف الجماعة بكلمة واحدة يحد حداً واحداً على المذهب؛ فلأنه قذف واحد.
فلم يجب فيه إلا حد واحد.
ولأن الحد إنما وجب لإدخال المَعْيرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وترك المعيرة.
فوجب أن يكتفى به.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا طالبوا أو واحد منهم؛ فبيان لاشتراط الطلب لوجوب الحد؛ لأن الحد حق.
فلم يُستوف بغير طلب؛ كالمال.
وأما كونه يحد لكل واحد حداً إذا طالبوا متفرقين على روايةٍ؛ فلأنه إذا طلب واحد أولاً لزم إقامة الحد من أجله، وإذا طلب الآخر لزم أيضاً.
وأما كون من قذفهم بكلمات يحد لكل واحد حداً؛ فلأن حدود القذف حقوق آدميين.
فلم تتداخل؛ كالديون والقصاص.
وأما كون من حُدّ للقذف فأعاده لم يعد عليه الحد؛ فلأنه حُد به مرة.
فلم يحد به ثانياً.
الجزء: 4 - الصفحة: 269
باب حد المسكر
الأصل في تحريم ذلك الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه -إلى قوله-: فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: 90 - 91].
وأما السنة؛ فقول النبي عليه السلام: «كل مسكرٍ خمر، وكل خمرٍ حرام» 211. رواه أبو داود.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على تحريم ذلك.
فإن قيل: فقد روي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب وأبي جندل بن سهيل أنهم قالوا: هي حلال.
قيل: قد رجعوا عن ذلك.
نقله المصنف رحمه الله في المغني.
قال المصنف رحمه الله: (كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام من أيّ شيء كان، ويسمى خمراً، ولا يحل شربه للذة ولا للتداوي ولا لعطش ولا غيره؛ إلا أن يضطر إليه لدفع لقمة غصّ بها فيجوز).
أما كون قليل ما أسكر كثيره حراماً؛ فلما روى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسكرَ كثيرهُ فقليلهُ حرام» 212. رواه أبو داود.
وأما كونه يسمى خمراً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكرٍ خمر».
وهذا مسكر.
ولأن الخمر ما خامر العقل أي غطاه وستره، وهذا موجود في [كل مسكر.
الجزء: 4 - الصفحة: 270
وأما كونه لا يحل شربه للذة؛ فلعموم قوله: ] 213 «كل مسكرٍ خمرٌ، وكل مسكرٍ حرام» 214، وقوله: «ما أسكرَ كثيرهُ فقليلهُ حرام» 215. رواهما أبو داود.
وأما كونه لا يحل شربه للتداوي؛ فلما روى طارق بن شهاب: «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر وقال 216: إنما أصنعُها 217 للدواءِ.
فقال: إنه ليسَ بدواء ولكنه دَاء» 218.
وعن مخارق «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخلَ على أم سلمة ونبذت نبيذاً في جر فخرجَ النبيذ يهدر.
فقال: ما هذا؟ فقالت: فلانة اشتكتْ بطنها فنعت لها.
فدفعه برجله فكسرهُ وقال: إن الله لم يجعلْ فيما حرم عليكمْ شفاء» 219. رواهما الإمام أحمد.
ولأن الخمر محرم لعينه.
فلم يجز شربه للتداوي؛ كلحم الخنزير.
وأما كونه لا يحل شربه لعطش؛ فلأنه لا يذهبه ولا يزيله ولا يدفع 220 محذوره.
فوجب بقاؤه على تحريمه.
عملاً بالأدلة المقتضية لذلك مع سلامتها 221 عن المعارض.
وأما كونه لا يحل شربه لغير ذلك إذا لم يضطر إليه لدفع لقمة غصّ بها؛ فلما تقدم من عموم الأدلة المقتضية للتحريم.
فلأن لا تحل مع عدم الحاجة إليه بطريق الأولى.
الجزء: 4 - الصفحة: 271
وأما كونه يجوز شربه إذا اضطر إليه 222 لدفع لقمة غصّ بها؛ مثل: أن لا يجد ما يدفعها به إلا الخمر؛ فلأن الله تعالى قال في آية التحريم: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ [البقرة: 173].
ولأن حفظ النفس مطلوب ولذلك يباح أكل الميتة إذا اضطر إليها وهو موجود هنا.
فوجب جوازه تحصيلاً لحفظ النفس المطوب حفظها.
قال: (ومن شربه مختاراً عالماً أن كثيره يسكر.
قليلاً كان أو كثيراً: فعليه الحد ثمانون جلدة إن كان حراً.
وعنه: أربعون، والرقيق على النصف من ذلك، إلا الذمي فإنه لا يحد بشربه في الصحيح من المذهب).
أما كون من شرب الخمر عليه الحد في الجملة؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من شربَ الخمرَ فاجلدُوه» 223. رواه أبو داود.
وقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعلياً جلدوا شاربها.
وأما كونه عليه الحد قليلاً كان ذلك أو كثيراً؛ فلأن القليل خمر فدخل في عموم قوله عليه السلام: «من شربَ الخمرَ فاجلدُوه» 224. رواه أبو داود.
ولأنه شراب فيه شدة مُطربة.
فوجب الحد بشرب قليله؛ كالكثير.
وأما كونه يشترط لكون الحد 225 عليه أن يشربه مختاراً؛ فلأن من شربه مكرهاً لا حدَّ عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه» 226.
الجزء: 4 - الصفحة: 272
وأما كونه يشترط لذلك أن يشربه عالماً أن كثير ذلك يسكر؛ فلأن من شربه غير عالم بذلك لا حد عليه؛ لأنه غير قاصد إلى ارتكاب المعصية.
أشبه من وطئ امرأة وظنها 227 زوجته.
وعن عمر رضي الله عنه: «لا حدَّ إلا على من علِمَه» 228.
وليس المراد من علمَ التحريم؛ «لأن عمر رضي الله عنه حدّ قدامة بن مظعون» 229 وهو يعتقد حلها.
فتعين أن يراد بالعلم علم أن كثير ذلك يُسكر.
وأما كون حد الخمر ثمانين جلدة على روايةٍ إن كان الشارب حراً؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه استشارَ الناس في حد الخمر.
فقال عبدالرحمن: اجعله كأخفِّ الحدود.
فضرب عمرُ ثمانين» 230.
وروي: «أن عليًا قال في المشورة: إذا سكِرَ هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفتري» 231. وروى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما.
وأما كونه أربعين على روايةٍ إن كان كذلك؛ فـ «لأن علياً رضي الله عنه جلدَ الوليد بن عقبة أربعين، ثم قال: جلدَ النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌ سنةٌ، وهذا أحبُ إليّ» 232. رواه مسلم.
وعن أنس قال: «أُتي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم برجلٍ قد شربَ الخمر فضربه بالنعال نحوًا من أربعين، ثم أُتي به أبو بكر فصنع مثل ذلك، ثم أُتي به عمر فاستشار الناس في الحد فقال ابن عوف: أقلُّ الحدودِ ثمانونَ.
فضربه عمر» 233 متفق عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 273
فإن قيل: فعل عمر 234 كان بمحضر من الصحابة فيكون إجماعاً.
قيل: فعل النبي صلى الله عليه وسلم أولى من فعل غيره.
ويحمل فعل عمر على أنه رأى الزيادة على وجه التعزير.
ودعوى الإجماع لا تصح؛ لأنه كيف ينعقد الإجماع على شيء قد خالف فيه أبو بكر وعلي رضي الله عنهما.
وأما كون حد الرقيق على النصف من الحر؛ فلأنه على النصف في الزنى.
فلأن يكون على النصف من شرب الخمر بطريق الأولى.
وأما كون الذمي لا يحد بشربه في الصحيح من المذهب؛ فلأنه لا يعتقد تحريمه.
بخلاف الزنى وشبهه.
قال: (وهل يجب الحد بوجود الرائحة؟ على روايتين).
أما كون الحد يجب بوجود الرائحة على روايةٍ؛ فلأن ذلك نقل عن عمر وابن مسعود 235.
ولأن الرائحة تدل على الشرب [فجرى مجرى الإقرار.
وأما كونه لا يجب بذلك على روايةٍ] 236؛ فلأنه يحتمل أن يكون 237 تمضمض بالخمر أو شربه ظناًّ أنه لا يسكر، أو كان مكرهاً، أو أكل نبقاً بالغاً، أو شراب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر.
فإذا احتمل ذلك لم يجب الحد؛ لأنه يدرأ بالشبهات.
الجزء: 4 - الصفحة: 274
وهذه أصح؛ لما ذكر وفعل عمر قد روي أن من وجدت منه الرائحة أو أقر 238 بالشرب؛ لأنه روي أنه قال: «وجدتُ من عبدالله ريحاً من الشراب.
فأقرّ عنده أنه شرب فقال عمر: إنه سائلٌ عنه فإن كان يُسكرُ جلدتُه» 239.
قال: (والعصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام حَرُم؛ إلا أن يَغلي قبل ذلك فيحرم.
نص عليه، وعند أبي الخطاب: أن هذا محمول على عصير يتخمّر في ثلاث غالباً).
أما كون العصير الذي يقذف بزبده ويغلي غليان القدر يحرم بلا خلاف فيه؛ لصحة إطلاق الخمر عليه.
وأما كونه إذا أتى عليه ثلاثة أيام ولم يوجد فيه ذلك يحرم على المنصوص عن الإمام رحمة الله عليه 240؛ فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشربوا العصيرَ ثلاثاً ما لم يغل» 241. وجه الحجة: أنه قيد الشرب بالثلاث، وذلك يدل على نفي الشرب فيما زاد عليها.
وفي حديث ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُنبذُ له الزبيب ويشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة.
ثم يؤمرُ به فيُسقَى الخدم أو يُهراق» 242. رواه أبو داود.
فإن قيل: قوله: «فيسقى الخدم» دليل على إباحته 243.
ولأن الشدة تحصل في الثلاث غالباً وهي خفية تحتاج إلى ضابط والثلاث تصلح 244 ضابطاً لها.
فوجب اعتباره بها.
وقال ابن عمر: «اشربه ما لم يأخذه شيطانه.
قيل: وفي كمْ يأخذه شيطانه؟ قيل: في ثلاث».
الجزء: 4 - الصفحة: 275
وأما كونه لا يحرم عند أبي الخطاب حتى يغلي؛ فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشربوا في كل وعاءٍ، ولا تشربوا مسكراً» 245.
ولأن علة التحريم الشدة المُطربة، وذلك في المسكر لا في غيره.
وأجاب عن إطلاق الإمام القول بأن المراد عصير يتخمر في ثلاث غالباً 246.
قال: (ولا يكره أن يترك في الماء تمراً أو زبيباً ونحوه ليأخذ ملوحته ما لم يشتد أو يأتي عليه ثلاث).
أما كون ترك ما ذكر في الماء لا يكره؛ فلما تقدم في 247 حديث ابن عباس «أنه كان ينبذُ له الزبيبَ فيشربه» 248.
وأما كونه يحرم إذا اشتد؛ فلما روى أبو هريرة قال: «علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصومُ.
فتحينت فطره بنبيذٍ صنعته في دباء.
ثم أتيتهُ به فإذا هو يَنشّ.
فقال: اضرب بهذا الحائط.
فإن هذا شرابُ من لا يؤمن بالله واليوم الآخر» 249. رواه أبو داود.
ولأنه إذا بلغ ذلك صار مسكراً، وكل مسكر حرام.
وأما كونه يحرم إذا أتى عليه ثلاثة أيام؛ فلأن ذلك في مظنة الاشتداد.
أشبه العصير.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: ولا يكره أن يترك ... إلى قوله: ما لم يشتد أو يأتي عليه ثلاث لا يدل على التحريم.
يجوز أنه 250 يكره عند ذلك؛ لأن الكراهة قبل الحرمة.
قيل: أما إذا اشتد فلا خلاف فيه في المذهب، والحديث المذكور وما تقدم يدل عليه.
وأما إذا أتى عليه ثلاث ففيه الخلاف المتقدم ذكره في العصير؛ لأنه في معناه.
الجزء: 4 - الصفحة: 276
قال: (ولا يكره الانتباذ في الدُّبّاء والحَنْتَمِ والنّقيرِ والمزَفّتِ.
وعنه: يكره).
أما كون ما ذُكر لا يكره على المذهب؛ فلما روى بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نهيتكم عن ثلاث، وأنا آمركم بهن: نهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلا في ظُروف الأُدم فاشربوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا» 251. رواه مسلم.
وأما كونه يكره على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتباذ فيها» 252.
والأول أصح؛ لأن دليله يصلح ناسخاً لدليل الرواية الثانية.
قال: (ويكره الخليطان وهو: أن ينبذ شيئين كالتمر والزبيب، ولا بأس بالفقاع).
أما كون الخليطين يكره أن ينبذا؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين» 253. وأدنى أحوال النهي الكراهة.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن ينبذ شيئين؛ فبيان لمعنى الخليطين المكروه [أن ينبذا] 254.
وأما كون الفقاع لا بأس بشربه؛ فلأنه لا يسكر، وإذا 255 ترك فسد.
بخلاف الخمر.
ولأن 256 أصل الأشياء على الإباحة حتى يرد محرم، ولم يرد ذلك في الفقاع.
فوجب بقاؤه على مقتضى الأصل.
الجزء: 4 - الصفحة: 277
باب التعزير
سمي التعزير بذلك؛ لأنه يَمنع من تعاطي القبيح، والأصل في التعزير: المنع.
ومنه: التعزير بمعنى النصرة؛ لأنه منع لعدوه من أذاه.
قال المصنف رحمه الله: (وهو التأديب.
وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ كالاستمتاع الذي لا يوجب الحد، وإتيان المرأة المرأة، وسرقة ما لا يوجب القطع، والجناية على الناس بما لا قصاص فيه، والقذف بغير الزنى ونحوه).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو التأديب؛ فبيان لمعنى التعزير.
وفسره المصنف رحمه الله في المغني بالعقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها، وهو قريب مما ذكره هنا.
وأما كونه واجباً في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فلأن المعصية تفتقر إلى ما يمنع من فعلها.
فإذا لم يجب فيها حد ولا كفارة وجب أن يشرع فيها التعزير؛ لتحقق المانع من فعلها.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ينبغي أن يتقيد قول أصحابنا في 257 وجوبه -يعني في وجوب التعزير- بما نص على التعزير فيه؛ كوطء بهيمة، أو جارية امرأته، أو جارية مشتركة، أو نحو ذلك مما لا بد من التعزير فيه؛ لأنه منصوص على تأديبه.
فوجب؛ كالحدود.
وما عداه يكون على 258 ما رآه الإمام إن رأى 259 أن المصلحة فيه وجب عليه وإلا لم يجب عليه؛ لأنه يروى «أن رجلاً أتى النبي
الجزء: 4 - الصفحة: 278
صلى الله عليه وسلم فقال: إني لقيتُ امرأةً فأصبت منها ما دون أن أطأها.
فقال: أصليتَ معنا؟ قال: نعم.
فتلا عليه: ﴿إن الحسناتِ يُذْهِبْن السيئات﴾ [هود: 114]» 260.
وروي: «أنه قال في الأنصار: اقبلُوا من محسنهم، وتجاوزُوا عن مُسيئهم» 261، و «قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم في حكم حكمه 262 للزبير: أَن كان ابن عمتِكَ.
فغضبَ النبي صلى الله عليه وسلم» 263 ولم يعزّره على مقالته.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالاستمتاع إلى آخره؛ فبيان لمواضع وجوب التعزير ونظر 264 إلى عموم قوله: في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
فإن قيل: ما الدليل على كون هذه الأشياء معصية؟
قيل: أما الاستمتاع الذي لا يوجب الحد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله سيئة، ولذلك قال للرجل الذي قال: «لقيتُ امرأةً فأصبتُ منها ما دون أن أطأها: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: 114]» 265.
وأما إتيان المرأة المرأة؛ فلأن في الحديث: «إذا أتتِ المرأةُ المرأةَ فهما زانيتان».
وأما سرقة ما لا يوجب القطع؛ فلأن ذلك داخل في قوله عليه السلام: «لا يحل مالُ امرء مسلمٍ إلا عن طيبِ نفسه» 266.
وأما الجناية بما لا قصاص فيه؛ فلأنه تعدى على الغير.
أشبه الجناية التي فيها القصاص.
الجزء: 4 - الصفحة: 279
فإن قيل: القياس المذكور يقتضي مشروعية القصاص في ذلك أيضاً والتعزير خلافه.
قيل: تعذر القصاص [لمعنى يختص به: من عدم انتهائه إلى موضع يقتص منه.
وقد نبه على ذلك في مواضعه.
فانتفاء القصاص] 267 لمعنى يختص به لا يمنع من ثبوت الحرمة لوجهين:
أحدهما: أن القصاص يقتضي الإلحاق 268 مطلقاً.
ترك العمل به في القصاص؛ لما ذكر.
فبقي فيما عداه على مقتضاه.
والثاني: أن المواضع التي فيها القصاص إنما حرمت الجناية عليها؛ لما فيه من التعدي على الغير، وذلك بعينه موجود فيما لا قصاص فيه.
قال: (ومن وطئ أمة امرأته فعليه الحد، إلا أن تكون أحلتها له 269 فيجلد مائة.
وهل يلحقه نسب ولدها؟ على روايتين.
ولا يسقط بالإباحة في غير هذا الموضع).
أما كون من وطئ أمة امرأته ولم تكن أحلتها له عليه الحد؛ فلما يأتي من حديث النعمان بن بشير بعد.
ولأن وطء في فرج من غير عقد ولا ملك ولا شبهة ملك فوجب الحد؛ كوطء أمة غير زوجته.
وأما كونه يجلد مائة إذا أحلتها له؛ فلما روي «أن رجلاً يقال له عبدالرحمن بن حنين 270 وقع على جارية امرأته.
فرُفعَ إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة.
فقال: لأقضينّ فيك بقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كانت أحلَّتْها لك جَلدتُك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتُكَ بالحجارة.
فوُجدت أحلتها له.
فجُلدَ مائة» 271. رواه أبو داود.
الجزء: 4 - الصفحة: 280
[وأما كونه يلحقه نسب ولدها على روايةٍ؛ فلأنه لا يجب به الحد.
أشبه وطء الأمة المشتركة] 272.
وأما كونه لا يلحقه على روايةٍ؛ فلأنه وطء في غير ملك.
أشبه وطء أمة غير زوجته.
وأما كون الحد لا يسقط بالإباحة في غير إباحة الزوجة أمتها لزوجها؛ فلأن الوطء حرام لا يباح بالإباحة، ومقتضى ذلك وجوب الحد مطلقاً.
تُرك العمل به في إباحة الزوجة أمتها لزوجها؛ لما تقدم من الحديث.
فيبقى فيما عدا ذلك على مقتضاه.
قال: (ولا يُزاد في التعزير على عشر جلدات في غير هذا الموضع لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجلدُ أحدٌ فوقَ عشرِ جلداتٍ إلا في حد من حدودِ الله» 273. وعنه: ما كان سببه الوطء كوطء جاريته المشتركة والمزوجة ونحوه ضرب مائة ويسقط عنه النفي، وكذلك يتخرج فيمن أتى بهيمة.
وغير الوطء لا يبلغ به أدنى الحدود).
أما 274 كون التعزير لا يزاد فيه على عشر جلدات في غير هذا الموضع على المذهب؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من الحديث المتقدم ذكره عن أبي بردة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يجلد أحدٌ فوقَ عشرةِ أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدودِ الله» 275 متفق عليه.
وأما كون ما كان سببه الوطء يضرب فيه مائة على روايةٍ؛ فلأن حديث النعمان بن بشير دل على ضرب المائة فيمن وطئ جارية امرأته بإذنها.
فيتعدى إلى وطء أمته المشتركة والمزوجة ونحوه؛ لأنهم في معناها.
الجزء: 4 - الصفحة: 281
وأما كون من أتى بهيمة على القول بوجوب التعزير فيه يتخرج فيه مثل ذلك؛ فلأنه وطء.
أشبه وطء أمة امرأته.
وأما كون غير الوطء لا يبلغ به أدنى الحدود؛ فلأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من بلغَ حداً في غير حدٍ فهو من المعتدين» 276.
وعن عمر: «أنه كتب إلى أبي موسى: لا تبلغ بالتعزيرِ أدنى الحدود».
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ما كان سببه الوطء يجلد فيه مائة إلا سوطاً لينقص عن حد الزنى، وفي الحديث عن عمر: «في أمة بين رجلين وطئها أحدهما: يجلد الحدُ إلا سوطاً واحداً» 277. رواه الأثرم.
قال: (ومن استمنى بيده لغير حاجة عزر.
وإن فعله خوفاً من الزنى فلا شيء عليه).
أما كون من استمنى بيده 278 لغير حاجة يعزر؛ فلأنه فعل محرماً.
بدليل أنه وطءٌ منهي عنه من حيث إنه في غير محل الحرث، وفي الأثر: «لعنَ اللهُ ناكِحَ يده».
وأما كون من فعل ذلك خوفاً من الزنى لا شيء عليه؛ فلأن ذلك حال ضرورة وحاجة.
أشبه نكاح الأمة في حق الحر إذا خاف الزنى وعدم الطَّوْل.
وروى عبدالله بن أحمد بإسناده عن ابن زياد عن أبيه قال: «كانوا يفعلونه على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيهم».
والظاهر أنه كان يبلغه ولا ينكره.
ولأنه لا يجوز أن يقدم الصحابة على ذلك إلا بإذن.
وعن ابن عباس: «أنه سُئل عن ذلك قال: كان المهاجرونَ يفعلونه 279 في مغازيهم يستعفونَ به»، وروي عن عكرمة.
الجزء: 4 - الصفحة: 282
فإن قيل: الحديث الأول يدل على التحريم مطلقاً، [وفعل الصحابة يدل على الجواز مطلقاً] 280. فما وجه التفرقة بين 281 خوف الزنى وغيره؟
قيل: يجب حمل الحديث على من فعل ذلك لغير حاجة، وفعل الصحابة على الخوف المذكور؛ لأن فيه جمعاً بين الحديث وفعل الصحابة، وفي المنقول عن الصحابة ما يدل على لحظ ذلك من أن الفعل المنقول كان في المغازي التي هي مظنة الخوف من الزنى؛ لعدم استصحاب الرجل لزوجته في الغزو عادة، ويعضده قول الراوي: «يستعفونَ به»؛ لأن في هذا إشارة إلى ما ذكر.
فعلى هذا ظاهر كلام المصنف رحمه الله لا يشترط في الإباحة خوف العنت.
وقال أبو الخطاب في رؤوس مسائله: والاستمناء محرم إلا أن يخاف العنت ولا يجد طَوْل حرة ولا أمة.
وهو شرط حسن يجب أن يلحظ إلا أن يكون المحتاج إليه له زوجة وهو في موضع لا يتمكن من وطئها؛ كمغازي الصحابة المذكورة.
الجزء: 4 - الصفحة: 283
باب القطع في السرقة
الأصل في قطع السارق الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله﴾ [المائدة: 38].
وأما السنة؛ فما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقطعُ الأيدي في ربع دينار فصاعدًا» 282.
وقال 283 النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلكَ 284 من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرقَ فيهم الشريفَ تركوه، وإذا سرقَ فيهم الضعيفَ قطعوه» 285 متفق عليه.
قال المصنف رحمه الله: (ولا يجب إلا بسبعة أشياء:
أحدها 286: السرقة.
وهي: أخذ المال على وجه الاختفاء.
ولا قطع على منتهب، ولا مختلس، ولا غاصب، ولا خائن، ولا جاحد وديعة ولا عارية.
وعنه: يقطع جاحد العارية).
أما كون القطع لا يجب إلا بسبعة أشياء؛ فلما يأتي ذكره في مواضعها.
وأما كون أحدها السرقة؛ فلأن الله تعالى أوجب القطع على السارق.
فإذا لم توجد السرقة لم يكن الفاعل سارقاً.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي أخذ المال على وجه الاختفاء؛ فبيان لمعنى السرقة.
ومنه: استرق السمع؛ لأنه يستمعه مختفياً.
الجزء: 4 - الصفحة: 284
وأما كون المنتهب لا قطع عليه؛ فلما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليسَ على المنتَهِبِ قطع» 287. رواه أبو داود.
ولأن الواجب قطع السارق، والمنتهب ليس بسارق.
وأما كون المختلس لا قطع عليه؛ فلأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليسَ على الخائنِ قطعٌ، ولا على المختلِس قطع» 288. رواه أبو داود.
وأما كون الغاصب لا قطع عليه؛ فلأنه إذا لم يجب على المختلس والخائن.
فلأن لا يجب على الغاصب بطريق الأولى 289.
وأما كون جاحد الوديعة لا قطع عليه؛ فلأنه إذا لم يجب على الغاصب.
فلأن لا يجب على جاحد الوديعة بطريق الأولى.
وأما كون جاحد العارية لا قطع عليه على روايةٍ؛ فلأنه خائن.
فلم يجب قطعه؛ لما تقدم من الحديث.
وأما كونه يقطع على روايةٍ؛ فلما روي عن عائشة «أن امرأة كانت تستعيرُ المتاعَ وتجحده.
فأمرَ النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها.
فأتى أهلها أسامة فكلموهُ [فكلمَ النبي صلى الله عليه وسلم] 290. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هلكَ من كان قبلكم بأنهم إذا سرقَ فيهم الشريفَ تركوهُ، والضعيفَ قطعوهُ.
والذي نفسي بيده لو كانتْ فاطمةُ بنت محمد سرقت 291 لقطعتُ يدها.
قالت: فقُطعت يدها» 292 متفق عليه.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
الجزء: 4 - الصفحة: 285
والمرأة المذكورة في حديث عائشة: المخزومية وهي سارقة؛ لما روي عن عائشة «أن قريشاً أهمهم شأن المخزومية التي سرقت ... وذكرت القصة» 293. رواه البخاري.
فإن قيل: يحتمل أن تكون القصة مختلفة.
قيل: يجب أن تكون هي هي؛ لأن في ذلك جمعاً بين الأحاديث، وموافقة لظاهر الكتاب.
قال: (ويقطع الطرَّار.
وهو: الذي يبط الجيب وغيره ويأخذ منه.
وعنه: لا يقطع).
أما كون الطرّار يقطع على المذهب؛ فلأنه أخذ مال غيره على وجه الاختفاء.
أشبه السارق.
وأما كونه لا يقطع على روايةٍ؛ فلأنه لا يسمى سارقاً ولا هو في معنى السارق من حيث إنه يأخذه من غير حرز، وإذا كان كذلك وجب إلحاقه بالخائن.
الجزء: 4 - الصفحة: 286
فصل [الشرط الثاني]
قال المصنف رحمه الله: (الثاني: أن يكون المسروق مالاً محترماً.
سواء كان مما يسرع إليه الفساد كالفاكهة والبطيخ أو لا.
وسواء كان ثميناً كالمتاع والذهب، أو غير ثمين كالخشب والقصب).
أما كون الثاني من شروط القطع في السرقة: أن يكون المسروق مالاً محترماً: أما اشتراط كونه مالاً؛ فلأن ما ليس بمال لا حرمة له.
فلم يجب به قطع.
ولأن الأحاديث الدالة على وجوبه من قوله صلى الله عليه وسلم: «تقطعُ اليدُ في ربع دينار فصاعداً» 294 وغير ذلك مشتملة على أخذ المال.
فإذا لم يكن المسروق مالاً لم يكن ذلك دالاً على القطع بطريق اللفظ ولا بطريق المعنى.
أما عدم دلالته بطريق اللفظ؛ فلأن اللفظ لا يشمل ذلك.
وأما عدم دلالته بطريق المعنى؛ فلأن غير المال لا يساوي المال.
فلا يصح إلحاقه به.
فإن قيل: الأحاديث إذا كانت مشتملة على المال فالآية المذكورة ليست مشتملة على ذلك؛ لأنه قال سبحانه: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: 38] من غير تعرض لكون المسروق مالاً أو غير مال.
قيل: الآية مطلقة والأحاديث مقيدة، والمطلق يجب حمله على المقيد.
فعلى هذا لا يقطع بسرقة الكلب وإن كان معلماً؛ لأنه ليس بمال، ولا بسرقة الحر؛ لأنه ليس بمال.
وعلى هذا فقس.
وأما اشتراط كون المسروق محترماً؛ فلأن المال إذا لم يكن محترماً كمال الحربي تجوز سرقته وأخذه بكل وجه، وجواز الأخذ ينفي وجوب القطع.
الجزء: 4 - الصفحة: 287
وأما كون ما يسرع إليه الفساد وما لا يسرع إليه سواء في وجوب القطع؛ فلأن قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38]: يشملهما.
وفي الحديث «أن عثمان 295 رضي الله عنه أُتي برجل قد سرقَ أُترُجّة فأمرَ بها عثمان 296 فقوّمت فبلغت قيمتُها ربعَ دينار فأمرَ به فقُطع» 297.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «سُئلَ عن الثمر المعلَّق.
فقال: لا قطعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ.
ثم قال: ومن سرقَ منه شيئاً بعد أن يُؤويهُ الجرينُ فبلغَ ثمنَ المِجَنّ فعليهِ القطع» 298. رواه أبو داود.
ولأن ما يسرع إليه الفساد نوع مال.
فجاز أن يتعلق به القطع؛ كالذي يمكن تجفيفه.
وأما كون ما كان ثميناً أو غير ثمين 299 سواء في وجوب القطع؛ فلأن الآية المتقدم ذكرها تشملهما.
ولأن المعتبر قيمة ثلاثة دراهم أو ربع دينار، وذلك موجود في الثمين وغيره.
قال: (ويقطع بسرقة العبد الصغير.
ولا يقطع بسرقة حر وإن كان صغيراً.
وعنه: يقطع بسرقة الصغير، فإن قلنا لا يقطع فسرقه وعليه حلي فهل يقطع؟ على وجهين).
أما كون سرقة العبد الصغير يقطع فيها؛ فلأنه مملوك.
فوجب القطع بسرقته؛ كسائر الحيوانات المملوكة.
الجزء: 4 - الصفحة: 288
والمراد بالصغير هنا غير المميز؛ لأن مثل هذا 300 لا يفهم ولا يميز بين سيده وغيره.
وفي تقييد القطع بكون العبد صغيراً إشعار بأن سرقة العبد الكبير لا يقطع بها وهو صحيح؛ لأن العبد إذا كان كبيراً لا يمكن سرقته؛ لأنه له اختيار وإرادة.
فإذا طلب غير سيده أخذه لا يمكنه ذلك إلا باختياره.
فلم يكن الأخذ المذكور سرقة؛ كما لو هرب بنفسه من غير أن يأخذه أحد 301 معه.
وأما كون سرقة الحر الكبير لا يقطع بها؛ فلأنه ليس بمال، ومن شرطه كون المسروق مالاً.
ولأن الكبير لا يمكن سرقته.
ولأنه لم يجب القطع بسرقة العبد الكبير.
فلأن لا تجب بسرقة الحر الكبير بطريق الأولى.
وأما كون سرقة الحر الصغير لا يقطع بها على المذهب؛ فلما تقدم من أنه ليس بمال.
أشبه الحر الكبير.
وأما كونه 302 يقطع بها على روايةٍ؛ فلأنه مسروق يتبع آخذه.
أشبه المال والبهيمة.
وبهذا فارق الحر الكبير فإنه لا يتبع أحداً إلا باختياره وإرادته.
وأما كون من سرق الحر الصغير وعليه الحلي يقطع على وجه إذا قيل لا يقطع؛ فلأنه سرق نصاباً من الحلي.
فوجب القطع؛ كما لو سرقه منفرداً.
ولأن سارق ذلك سارق.
فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا﴾ [المائدة: 38].
وأما كونه لا يقطع على وجه؛ فلأنه تابع لما لا يجب القطع بسرقته.
أشبه ثيابه.
ولأن يد الصبي على ما عليه.
بدليل أن ما يوجد مع اللقيط يكون له، وإذا كانت يد الصبي على حليه وجب كونه تبعاً، وإذا كان تبعاً لم يقطع؛ كالمتبوع.
الجزء: 4 - الصفحة: 289
قال: (ولا يقطع بسرقة مصحف.
وعند أبي الخطاب يقطع، ويقطع بسرقة سائر كتب العلم) 303.
أما كون سرقة المصحف لا يقطع بها وهو قول أبي بكر والقاضي؛ فلأن المقصود منه كلام الله، وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه.
وأما كونها يقطع بها عند أبي الخطاب؛ فلظاهر قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38].
وأما كون سرقة سائر كتب العلم يقطع بها؛ فلأن ذلك مال حقيقة وشرعاً.
قال: (ولا يقطع بسرقة آلة لهو ولا محرم؛ كالخمر.
وإن سرق آنية فيها الخمر، أو صليباً، أو صنم ذهب لم يقطع، وعند أبي الخطاب يقطع).
أما كون سرقة آلة اللهو والمحرم؛ كالخمر لا يقطع بها؛ فلأنه له سلطان على ذلك لإباحة الشرع كسر آلة اللهو وإزالة المحرم.
فكان ذلك شبهة مانعة من القطع.
وأما كون من سرق آنية فيها الخمر لا يقطع عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه اتصل بما لا قطع فيه.
أشبه ما لو سرق مشتركاً بينه وبين غيره بحيث تبلغ قيمة نصيب شريكه نصاباً.
وأما كونه يقطع عند أبي الخطاب؛ فلأنه نصاب سُرق من حرزه لا شبهة فيه 304. فوجب القطع فيه؛ كما لو سرقه فارغاً.
وأما كون من سرق صليباً أو صنماً من ذهب لا يقطع وهو قول القاضي، ويقطع عند أبي الخطاب؛ فلما تقدم في سرقة آلة اللهو.
الجزء: 4 - الصفحة: 290
فصل [الشرط الثالث]
قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يسرق نصاباً وهو ثلاثة دراهم، أو قيمة ذلك من الذهب والعروض.
وعنه: أنها ثلاثة دراهم 305 أو ربع دينار أو ما يبلغ قيمة أحدهما من غيرهما.
وعنه: لا تقوّم العروض إلا بالدراهم).
أما كون الثالث من شروط القطع في السرقة [أن يسرق] 306 نصاباً؛ فلأنه إجماع الصحابة.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا قطعَ إلا في ربع دينار فصاعدا» 307.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38]، وقوله عليه السلام: «لعنَ اللهُ السارقَ يسرقُ الحبلَ فتقطعُ يده، ويسرقُ البيضةَ فتقطعُ يده» 308 يدلان على 309 وجوب القطع في القليل والكثير.
قيل: ما تقدم من الإجماع والأحاديث يخص عموم الآية.
وأما الحديث المذكور فيجب حمله على حبل أو بيضة تبلغ قيمة كل واحد منهما نصاباً؛ لأنه مطلق.
وحديث النصاب مقيد والمطلق يحمل على المقيد.
فإن قيل: حمل الحبل على حبل قيمته نصاب ليس ببعيد، أما حمل البيضة على ذلك ففي غاية البُعد.
الجزء: 4 - الصفحة: 291
قيل: لا يبعد ذلك كثيراً؛ لأن كثيراً من بيض النعام يساوي ذلك.
فيجب أن يحمل الحديث عليه؛ لما فيه من الجمع الذي هو أولى من ترك أحد الحديثين.
وأما كون النصاب 310 ثلاثة دراهم؛ فلأن غيرها يقوم بها؛ لما يأتي.
فلأن يقطع بها نفسها بطريق الأولى.
وأما كونه قيمة ذلك من الذهب والعروض؛ فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعَ في مِجَنّ قيمة ثمنه ثلاثة دراهم» 311 متفق عليه.
وأما كونه ثلاثة دراهم أو ربع دينار، أو قيمة أحدهما من غيرهما على روايةٍ: أما كونه ثلاثة دراهم؛ فلما تقدم.
وأما كونه ربع دينار؛ [فلما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقطعُ اليدُ في ربعِ دينار] 312 فصاعدًا» 313.
وأما كونه قيمة أحدهما من غيرهما: أما كونه يقوّم بثلاثة دراهم؛ فلما تقدم في حديث ابن عمر.
وأما كونه يقوّم بالذهب؛ فلأن ما كان الورق فيه أصلاً كان الذهب فيه أصلاً كنصُبِ الزكوات والديات وقيم المتلفات، و «أُتي عثمان رضي الله عنه برجلٍ قد سرق أُترُجّة فأمرَ بها فقوّمت فبلغتْ قيمتُها ربع دينار.
فأمر به فقُطع» 314.
وأما كونه ثلاثة دراهم أو ربع دينار، أو قيمة ثلاثة دراهم على روايةٍ: أما كونه ثلاثة دراهم أو ربع دينار؛ فلما تقدم.
وأما كونه قيمته ثلاثة دراهم فقط؛ فلأن المجنّ قوّم بها لا بالذهب.
الجزء: 4 - الصفحة: 292
قال: (وإذا سرق نصاباً ثم نقصت قيمته، أو مَلَكه ببيع أو هبة أو غيرها: لم يسقط القطع).
أما كون القطع إذا نقصت قيمة المسروق بعد إخراجه من الحرز لا يسقط؛ فلأن النقصان المذكور حدث في العين بعد استحقاق القطع.
أشبه ما لو نقص باستعماله.
ولأن النصاب شرط للوجوب.
فلم يشترط استدامته؛ كالحرز.
وأما كونه إذا ملك السارق ذلك ببيع أو هبة أو غير ذلك لا يسقط؛ فلما روي «أن صفوان بن أمية نام في المسجد فتوسد ردائه فأُخذ من تحت رأسه.
فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فأمر به أن يقطع.
فقال صفوان: يا رسول الله! لم أُرد هذا.
ردائي عليه صدقة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا كانَ هذا قبلَ أن تأتيني به» 315. رواه ابن ماجة.
وفي لفظ: «فأتيتُه.
فقال: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا.
أنا أبيعُه وأنسئه ثمنه.
فقال: هلا كان قبلَ أن تأتيني به» 316. رواه الأثرم وأبو داود 317.
فإن قيل: الحديث المذكور يدل على أن السقوط بعد الرفع، وكلام المصنف رحمه الله مطلق.
قيل: في كلامه ما يشعر بالرفع؛ لأنه قال: لم يسقط، والسقوط يستدعي وجوب القطع.
ومن شرط وجوب القطع: مطالبة المالك، وذلك يعتمد الرفع إلى الحاكم.
الجزء: 4 - الصفحة: 293
قال: (وإن دخل الحرز فذبح شاة قيمتها نصاب فنقصت عن النصاب ثم أخرجها لم يقطع.
وإن سرق فَرْدَ 318 خف قيمته منفرداً درهمان 319 وقيمته 320 مع الآخر أربعة لم يقطع).
أما كون من دخل الحرز فذبح شاة قيمتها نصاب فنقصت عنه ثم أخرجها لا يقطع؛ فلأن قيمتها حين الإخراج لم تبلغ نصاباً.
وأما كون من سرق فَرْدَ خف موصوف بما ذكر لا يقطع؛ فلأن العبرة بالمسروق حال السرقة وقيمته حينئذ أقل من النصاب.
فلم يقطع سارقه؛ لانتفاء شرط وجوب القطع.
قال: (وإن اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا سواء أخرجوه جملة أو أخرج كل واحد جزءاً).
أما كون الجماعة إذا اشتركوا في سرقة نصاب يقطعون؛ فلأن سرقة النصاب فعل يوجب قطع اليد.
فاستوى الواحد والجماعة في ذلك؛ كالقصاص.
ولأن النصاب أحد شرطي القطع.
فإذا اشترك الجماعة كانوا كالواحد؛ كهتك الحرز.
وأما كونهم يقطعون سواء أخرجوه جملة أو أخرج كل واحد جزءاً؛ فلأن الاشتراك كالانفراد.
ولو أخرج شخص نصاباً دفعة واحدة أو في دفعتين في حالة واحدة يقطع.
فكذلك هاهنا.
الجزء: 4 - الصفحة: 294
قال: (وإن هتك اثنان حرزاً ودخلاه فأخرج أحدهما نصاباً وحده، أو دخل أحدهما فقدمه إلى باب النقب وأدخل الآخر يده فأخرجه: قطعا.
وإن رماه الداخل إلى خارج فأخذه الآخر فالقطع على الداخل وحده.
وإن نقب أحدهما ودخل الآخر فأخرجه: فلا قطع عليهما.
ويحتمل أن يقطعا إلا أن ينقب أحدهما ويذهب فيأتي الآخر من غير علم فيسرق فلا قطع).
أما كون الاثنين إذا اشتركا في الهتك والدخول وانفرد أحدهما بإخراج النصاب يُقطعان؛ فلأن المخرج إنما أخذ بقوة رقيقه.
أشبه ما لو اشتركا في الإخراج.
وأما كونهما إذا هتكا الحرز ودخل أحدهما فقدم المسروقَ من النقب وأدخل الآخر يده فأخذه يقطعان؛ فلأنهما اشتركا في الهتك والإخراج.
أشبه ما لو أخرجاه معاً.
وأما كون الداخل يقطع وحده إذا رماه إلى خارج فأخذه؛ فلأنه هو المُخرج للمتاع وحده فاختص القطع به.
فإن قيل: فقد اشتركا في الهتك.
قيل: شرط القطع الاشتراك في الهتك والإخراج، ولم يوجد الاشتراك في الإخراج فانتفى القطع؛ لانتفاء شرطه.
وأما كونهما إذا نقب أحدهما ودخل الآخر فأخرجه لا قطع عليهما على المذهب: أما 321 على الذي نقب؛ فلأنه لم يسرق.
وأما على الذي أخرج؛ فلأنه لم يسرق من حرز هتكه.
وأما كونهما يحتمل أن يقطعا إذا لم ينقب أحدهما ويذهب فيأتي الآخر من غير علم فيسرق؛ فلأن فعل كل واحدٍ منهما إنما وقع بقوة الآخر.
أشبه ما لو اشتركا في النقب والإخراج.
وأما كونهما إذا نقب أحدهما وذهب وأتى الآخر فسرق من غير علم لا قطع عليهما من غير احتمال: أما كونه لا قطع؛ فلما تقدم.
الجزء: 4 - الصفحة: 295
وأما كونه من غير احتمال؛ فلأن احتمال القطع إنما كان لكون فعليهما ينزلا منزلة الفعل المشترك، ولا يمكن ذلك في هذه الصورة.
وإذا كان كذلك لزم انتفاء الاحتمال؛ لانتفاء علته.
الجزء: 4 - الصفحة: 296
فصل [الشرط الرابع]
قال المصنف رحمه الله: (الرابع: أن يُخرجه من الحرز.
فإن سرق من غير حرز، أو دخل الحرز فأتلفه فيه: فلا قطع عليه).
أما كون الرابع من شروط القطع أن يُخرج المسروق من الحرز؛ فلأنه إجماع أهل العلم إلا من شذ، وروي عن عمرو بن شعيب [عن أبيه] 322 عن جده «أن رجلاً من 323 مُزينةَ سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الثمار.
فقال: ما أُخذ في أكمامِه فاحتُمل ففيه 324 قيمته ومثله معه، وما 325 كان في الجران ففيه القطع إذا بلغَ ثمنَ المجن» 326. رواه أبو داود وابن ماجة.
وأما كون من سرق من غير حرز، أو دخل الحرز فأتلف المسروق فيه لا قطع عليه؛ فلأن الإخراج من الحرز شرط لوجوب القطع، وهو منتفٍ هاهنا.
قال: (وإن ابتلع جوهراً أو ذهباً وخرج به، أو نقب ودخل فترك المتاع على بهيمة فخرجت به، أو في ماء جار فأخرجه، أو قال لصغير أو معتوه: ادخل فأخرجه ففعل: فعليه القطع).
أما كون من ابتلع جوهراً أو ذهباً في الحرز وخرج به عليه القطع؛ فلأن آخذه أخرجه في معدته.
أشبه ما لو أخرجه في كمه.
وكلام المصنف رحمه الله شامل ما إذا خرج الجوهر والذهب منه أو لم يخرج.
وقال في المغني: إن لم يخرج فلا قطع وإن خرج ففيه وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 297
أحدهما: يجب؛ لأنه أخرجه في وعاء.
أشبه ما لو أخرجه في كمه.
والثاني: لا يجب؛ لأنه ضمنه بالبلع.
فكان إتلافاً لا سرقه 327.
ولأنه مكره على إخراجه لا يمكنه أن يخرج 328 دونه.
وأما كون من نقب ودخل فترك المسروق على بهيمة فخرجت به أو في ماء جار فأخرجه عليه القطع؛ فلأن العادة مشي البهيمة بما وضع عليها والماء الجاري بما وضع فيه.
فكان السارق هو المخرج.
وأما كون من قال لصغير أو معتوه: ادخل فأخرجه ففعل عليه القطع؛ فلأن الصغير والمعتوه لا اختيار لهما.
فهما كالآلة له.
ولو أمرهما شخص بالقتل يُقتل الآمر.
قال: (وحرز المال ما جرت العادة بحفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه).
أما كون حرز المال ما جرت العادة بحفظه فيه؛ فلأن الشرع ورد بالحرز ولم يضبطه ضابط.
فوجب الرجوع فيه إلى العادة؛ كالقبض.
وأما كون ذلك يختلف باختلاف ما ذكر؛ لأنه العادة.
قال: (فحرز الأثمان والجواهر والقُماش في الدور والدكاكين في العمران وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة، وحرز البقل والباقلاء ونحوه وقدوره وراء الشرائج 329 إذا كان في السوق حارسٌ، وحرز الخشب والحطب الحظائر، وحرز المواشي الصير وحرزها في المرعى بالراعي ونظره إليها، وحرز حمولة الإبل بتقطيرها وقائدها وسائقها إذا كان يراها، وحرز الثياب في الحمام بالحافظ، وحرز الكفن في القبر على الميت فلو نبش قبراً وأخذ الكفن قطع، وحرز الباب تركيبه في موضعه فلو سرق رتاج الكعبة أو باب مسجد أو تأزيزه قطع).
أما كون حرز الأموال؛ فلأن العادة في حرز ذلك بذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 298
وأما كون من نبش قبراً وأخذ الكفن الذي فيه يقطع؛ فلأنه سرق مالاً محترماً في حرز.
فوجب القطع به؛ كسرقة الذهب من الدكاكين الذي وراء الأغلاق.
وأما كون من سرق رتاج الكعبة يقطع؛ فلأن تركيبه في موضعه حرز له.
أشبه سرقة الكفن من القبر.
وأما كون من سرق باب مسجد أو تأزيزه يقطع؛ فلأنه سرق مالاً محترماً من 330 حرز.
أشبه غيره من المحرزات.
قال: (ولا يقطع بسرقة ستائرها.
وقال القاضي: يقطع بسرقة المخيطة 331 عليها).
أما كون سرقة ستارة الكعبة غير المخيطة لا يقطع بها؛ فلأنها غير محرزة.
وأما كون سرقة ستارتها المخيطة عليها لا يقطع بها على قول القاضي؛ [فبالقياس على غير المخيطة.
وأما كونها يقطع بها على قول القاضي] 332؛ فلأن خياطتها حرز مثلها في العادة.
قال: (وإن سرق قناديل المسجد أو حُصْرَهُ فعلى وجهين).
أما كون من سرق ما ذكر يقطع على وجه؛ فلأنه محرز بحرز مثله.
وأما كونه لا يقطع على وجه؛ فلأن له فيه حقاً وشبهة.
أشبهت السرقة من بيت المال.
قال: (وإن نام إنسان على ردائه في المسجد فسرقه سارق قطع.
وإن مال رأسه عنه لم يقطع بسرقته).
أما كون من سرق رداء إنسان نام عليه في المسجد يقطع؛ فـ «لأن صفوان بن أمية نامَ في المسجد وتوسَّدَ رداءهُ فأُخذ من تحت رأسه.
فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فأمر به أن يقطع ... مختصر» 333. رواه أبو داود.
الجزء: 4 - الصفحة: 299
وأما كونه لا يقطع إذا سرقه وقد مال رأسه عنه؛ فلأن حرزه كون رأس النائم عليه، وهو مفقود هاهنا.
قال: (وإن سرق من السوق غزلاً وثم حافظ قطع، وإلا فلا).
أما كون من سرق ما ذكر يقطع إذا كان حافظ؛ فلأنه في حرز مثله.
فوجب القطع؛ كسارق ما يسرق من حرز.
وأما كونه لا يقطع إذا لم يكن ثمَّ حافظ؛ فلأنه مال غير محرز.
فلم يجب القطع؛ كسائر ما سرق من غير حرز.
قال: (ومن سرق من النخل والشجر من غير حرز فلا قطع عليه، ويضمن عوضها مرتين.
وقال أبو بكر: ما كان حرزاً لمال فهو حرز لمال آخر).
أما كون من سرق ما ذكر لا قطع عليه؛ فلما روى رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا قطعَ في ثمرٍ ولا كَثَر» 334 أخرجه أبو داود وابن ماجة.
وأما كونه يضمن عوض ذلك مرتين؛ فلأن في حديث عمرو بن شعيب: «ومن خرجَ بشيء منه -يعني من الثمرِ المعلق- فعليه غرامةُ مثليه» 335. رواه الأثرم.
وأما كون 336 ما كان حرزاً لمال فهو حرز لمال آخر على قول أبي بكر؛ فلأن الشرع ورد من غير تفصيل.
الجزء: 4 - الصفحة: 300
والأُولى -أي أن الأحراز تختلف 337 بما تقدم ذكره- أولى؛ لما تقدم.
وعدم ورود الشرع فيه بتفصيل لا يلزم عدم الرجوع إلى العرف فيه.
دليله القبض.
الجزء: 4 - الصفحة: 301
فصل [الشرط الخامس]
قال المصنف رحمه الله: (الخامس: انتفاء الشبهة.
فلا يُقطع بالسرقة من مال ابنه وإن سفل، ولا الولد من مال أبيه وإن علا.
والأب والأم في هذا سواء، ولا العبد بالسرقة من سيده، ولا مسلم بالسرقة من بيت المال، ولا من مال له فيه شركة، أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه).
أما كون الخامس من شروط القطع انتفاء الشبهة؛ فلأن القطع حد.
فيدرأ بالشبهة.
وأما كون الأب لا يقطع بالسرقة من مال ابنه وإن سفل؛ فلأن له فيه شبهة لقوله عليه السلام: «أنتَ ومالكَ لأبيك» 338.
ولأنه أخذ ما له أخذه؛ لأن في الحديث: «كلُوا من كسبِ أولادِكم» 339.
ولأن الحد يدرأ بالشبهات، وأعظم الشبهات أخذُ ما أمر الشرع بأخذه.
وأما كون الولد لا يقطع بالسرقة من مال أبيه وإن علا؛ فلأن بينهما قرابة تمنع شهادة أحدهما للآخر 340. فلم يقطع بالسرقة من ماله؛ كالأب.
ولأن النفقة تجب للابن في مال أبيه حفظاً له.
فلا يجوز إتلافه حفظاً للمال.
وأما كون الأب والأم سواء؛ فلأنها أولى من الأب بالبر، وإذا لم تكن أولى منه في عدم القطع فلا أقل من المساواة.
وأما كون العبد لا يقطع بالسرقة من مال سيده؛ فلما روى السائب بن يزيد قال: «شهدتُ عمر بن الخطاب وقد جاءه عبدالله بن عمرو الحضرمي 341 بغلامٍ له.
فقال: إن غلامي هذا قد سرقَ فاقطع يده.
فقال عمر: ما سرقَ؟ فقال: مرآة امرأتي ثمنها ستون درهماً.
فقال: أرسله.
لا قطعَ عليه.
خادمكمْ أخذَ
الجزء: 4 - الصفحة: 302
مالكم، ولكنه لو سرقَ من غيرها قُطع» 342. وكان ذلك 343 بمحضر من الصحابة فيكون إجماعاً.
وعن ابن مسعود «أن رجلاً جاءه فقال: عبدي قد سرق قَباء لعبدٍ لي آخر.
فقال: لا قطع.
مالك سرقَ مالك» 344.
وأما كون المسلم لا يقطع بالسرقة من بيت المال؛ فـ «لأن عمر قال لابن مسعود لما سأله عمن سرقَ من بيت المال: أرسله فما من أحدٍ إلا وله في هذا المال حق» 345.
ولأن له فيه حقاً.
فيكون ذلك شبهة يدرأ بها الحد.
وأما كونه لا يقطع بالسرقة من مال له فيه شركة كالمال المشترك بينه وبين شريكه؛ فلأنه إذا لم يقطع الأب بسرقة مال ابنه لكونه له فيه شبهة.
فلأن لا يقطع الشخص بسرقة مال له فيه شركة بطريق الأولى.
وأما كونه لا يقطع بالسرقة من مال لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه فيه شركة كأبيه وابنه ونحو ذلك 346؛ فلأن له 347 فيه شبهة لكون أبيه أو ابنه أو من جرى مجراه له فيه شركة.
الجزء: 4 - الصفحة: 303
قال: (ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق أو لولده أو لسيده لم يقطع.
وهل يقطع أحد الزوجين بالسرقة من مال الآخر المحرز عنه؟ على روايتين).
أما كون من سرق من الغنيمة ممن له حق أو 348 لولده أو لسيده؛ فلأن له في المال المسروق حقاً أو شبهة حق، وكلاهما يمنع الحد؛ لما تقدم.
وأما كون أحد الزوجين لا يقطع بسرقة مال الآخر المحرز عنه على روايةٍ؛ فلأن كل واحد [من الزوجين يرث صاحبه بغير حجب.
أشبه الولد والوالد.
ولأن كل واحد] 349 منهما ينبسط في مال صاحبه عادة.
أشبه الشريكين.
وأما كونه يقطع على روايةٍ؛ فلعموم الآية.
ولأنه سرق مالاً محرزاً لا شبهة له فيه.
أشبه الأجنبي.
وفي تقييد المال المسروق بكونه محرزاً عنه: احتراز من سرقة ما ليس محرزاً عن أحدهما فإن ذلك لا يقطع به أحد الزوجين رواية واحدة؛ لأن وجوب القطع شرطه: كون المسروق في حرز ولم يوجد.
قال: (ويقطع سائر الأقارب بالسرقة من مال أقاربهم، ويقطع المسلم بالسرقة من مال الذمي والمستأمن، ويقطعان بسرقة ماله).
أما كون سائر الأقارب يقطع بالسرقة من مال أقاربهم؛ فلأن القرابة هنا لا تمنع قبول الشهادة.
فلا تمنع القطع.
ولأن الآية والأخبار تعُم كل سارق.
خرج منه ما تقدم ذكره؛ للأدلة المذكورة.
فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون المسلم يقطع بالسرقة من مال الذمي؛ فلأن ماله صار معصوماً بالجزية.
فوجب القطع بسرقته؛ كمال المسلم.
وأما كونه يقطع بالسرقة من مال المستأمن؛ فلأن ماله مثل مال 350 الذمي.
دليله وجوب الضمان بإتلافهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 304
وأما كون الذمي والمستأمن يقطعان بسرقة مال المسلم؛ فلأنه إذا قطع المسلم بسرقة مالهم.
فلأن يقطعوا بسرقة ماله بطريق الأولى.
قال: (ومن سرق عيناً وادعى أنها ملكه لم يقطع.
وعنه: يقطع.
وعنه: لا يقطع إلا أن يكون معروفاً بالسرقة).
أما كون من ذكر لا يقطع على روايةٍ؛ فلأن ما ادعاه محتمل.
فيكون شبهة في درء الحد.
وأما كونه يقطع على روايةٍ؛ فلأن سقوط القطع بدعواه يقتضي 351 أن لا يجب قطع سارق.
فتفوت مصلحة الزجر.
وأما كونه لا يقطع إلا أن يكون معروفاً بالسرقة على روايةٍ؛ فلأن غير المعروف بذلك لا يعلم كذبه.
بخلاف المعروف به.
قال المصنف في المغني: والأولى 352 أولى؛ لأن الحد يدرأ بالشبهات، وإفضاؤه 353 إلى سقوط الحد لا يمنع اعتبارها.
قال: (وإذا سرق المسروق منه مال السارق أو المغصوب منه مال الغاصب من الحرز الذي فيه العين المسروقة أو المغصوبة: لم يقطع.
وإن سرق من غير ذلك الحرز أو سرق من مال من له عليه دين قطع؛ إلا أن يعجز عن أخذه فيسرق قدر حقه فلا يقطع.
وقال القاضي: يقطع).
أما كون المسروق منه أو المغصوب منه 354 إذا سرق مال السارق أو الغاصب من الحرز الذي فيه العين المسروقة أو المغصوبة لا يقطع؛ فلأن لكل واحد منهما شبهة في هتك الحرز من أجل أخذ ماله فإذا هتك الحرز صار كأنّ المال المسروق منه أُخذ من غير حرز.
الجزء: 4 - الصفحة: 305
وأما كون من سرق من غير ذلك الحرز الذي فيه المال المسروق أو المغصوب يقطع؛ فلأنه لا شبهة له في هتك الحرز المذكور.
فوجب القطع؛ لأن المسروق مال لا شبهة له فيه.
وأما كون من سرق من مال من له عليه دين وهو قادر على أخذ حقه يقطع؛ فلأنه مال لا شبهة له فيه.
وأما كونه إذا فعل وهو يعجز عن أخذ حقه لا يقطع على قول غير القاضي؛ فلأن بعض أهل العلم يبيح له ذلك.
فيكون الاختلاف في إباحة الأخذ شبهة دارئة للحد؛ كالوطء في نكاح مختلف في صحته.
وأما كونه يقطع على قول القاضي؛ فلأن مِن أَصْله أنه ليس له أخذه.
قال المصنف رحمه الله في المغني: وهذا يعني تعليل القاضي لا يمنع الشبهة الناشئة عن الاختلاف.
فإن قيل: من يعجز عن أخذ حقه إذا سرق أكثر منه.
قيل: إن قيل لا يقطع بسرقة قدر حقه هل يقطع هنا؟ فيه وجهان.
توجيههما ما ذكر في سرقة المغصوب منه مال الغاصب من الحرز الذي فيه العين المغصوبة، وإن قيل: يقطع فيقطع هنا؛ لأن 355 الزائد لا شبهة له فيه.
قال: (ومن قطع بسرقة عين ثم عاد فسرقها قطع.
ومن أجّرَ داره، أو أعارها ثم سرق منها مال المستعير أو المستأجر قُطع).
أما كون القطع يتكرر بسرقة العين الواحدة؛ فلأنه فعل ثانياً مثل ما فعل أولاً.
فوجب أن يجب عليه ثانياً مثل ما وجب عليه أولاً؛ كما لو زنى فحد ثم زنى.
فإن قيل: لو تكرر القذف لم يتكرر الحد.
قيل: حد القذف شرع؛ لتكذيب القاذف، وذلك يحصل بالمرة الواحدة.
بخلاف القطع فإنه شرع للزجر فإذا سرق العين ثانياً علم أنه لم ينزجر.
فوجب أن يتكرر الحد 356؛ لتحصل الحكمة التي شرع القطع من أجلها.
الجزء: 4 - الصفحة: 306
وأما كون من سرق مال من أجّره داره أو أعارها إياها من الدار المذكورة؛ فلأنه سرق نصاباً لا شبهة له فيه.
فوجب القطع؛ كما لو كانت الدار ملكاً للمسروق منه.
الجزء: 4 - الصفحة: 307
فصل [الشرط السادس]
قال المصنف رحمه الله: (السادس: ثبوت السرقة بشهادة عدلين أو إقرار مرتين، ولا ينزع عن إقراره حتى يُقطع).
أما كون السادس من شروط القطع ثبوت السرقة بما ذُكر ولا ينزع عن إقراره حتى يُقطع: أما ثبوت السرقة؛ فلأن الله تعالى إنما أوجب القطع على السارق ولا يتحقق ذلك إلا بعد ثبوتها.
وأما ثبوتها بشهادة عدلين أو إقرار مرتين: أما شهادة عدلين؛ فلأن ذلك طريق إلى ثبوت أكثر الحقوق.
فليكن الأمر كذلك هنا.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن قطع يد السارق يجب إذا شهد بالسرقة شاهدان حران مسلمان، ووصفا ما يوجب القطع.
وأما الإقرار مرتين؛ فلما روي عن أبي أمية المخزومي «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترفَ.
فقال: ما إِخَالُكَ سرقت.
قال: بلى.
فأعاد عليه مرتين أو ثلاثاً.
قال: بلى.
فأمرَ به فقُطع» 357. رواه أبو داود.
وروي «أن علياً أتاه سارق.
فقال: إني سرقتُ.
فأعرضَ عنه، ثم أعاده 358 مرة أخرى.
فقال: إني سرقتُ.
فأمر به على أن يُقطعَ.
وقال: شهدتَ على نفسكَ مرتين» 359. رواه الجوزجاني وقال مكان: «فأعرض عنه»: «فطرده».
ورواه سعيد فقال: «فردّه».
الجزء: 4 - الصفحة: 308
ولأنه 360 يتضمن إتلافاً.
فكان من شرطه التكرار؛ كحد الزنى.
أو يقال: أحد حجتي القطع.
فيعتبر فيها التكرار؛ كالشهادة.
وأما كونه لا ينزع عن إقراره حتى يقطع؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للسارق: «ما إخالُكَ سرقت» 361. عرّض له ليرجع، ولو لم يسقط الحد برجوعه لم يكن في ذلك فائدة.
ولأن قطع السارق حد يثبت بالاعتراف.
فسقط بالرجوع؛ كحد الزنى.
ولأن حجة القطع زالت قبل استيفائه.
فسقط؛ كما لو رجع الشهود.
قال: (السابع: مطالبة المسروق منه بماله.
وقال أبو بكر: ليس ذلك بشرط).
أما كون السابع من شروط القطع مطالبة المسروق منه بماله على المذهب؛ فلأن المال مباح بالبذل والإباحة.
فيحتمل أن يكون مالكه أباحه إياه، أو وقفه 362 على طائفة المسلمين، أو على طائفةٍ السارق منهم، وأذن له في دخول حرزه.
فاعتبرت المطالبة؛ لتزول الشبهة.
وأما كون ذلك لا يشترط على قول أبي بكر؛ فلأن موجب القطع السرقة وقد وجدت.
فوجب أن يجب القطع من غير مطالبة؛ كالزنى.
والأول أولى؛ لما تقدم.
والفرق بين القطع والزنى أن الزنى لا يستباح بالإباحة.
بخلاف السرقة.
ولأن القطع أوسع في الإسقاط.
ألا ترى أنه لو سرق من مال أبيه لم يقطع، ولو زنى بجاريته حد.
ولأن القطع شرع لصيانة مال الآدمي فلهم به تعلق.
فلم يستوف من غير مطالبة 363 به.
الجزء: 4 - الصفحة: 309
والزنى حق لله تعالى 364 محض.
فلم يفتقر إلى المطالب به.
ودعوى وجود الموجب للقطع ممنوعة 365، وعلى تقدير التسليم فله شرط ولم يوجد تعد.
الجزء: 4 - الصفحة: 310
فصل [في كيفية القطع]
قال المصنف رحمه الله: (وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف، وحسمت.
وهو: أن تغمس في زيت مغلي.
فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت.
فإن عاد حبس ولم يقطع.
وعنه: أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة والرجل اليمنى في الرابعة).
أما كون القطع إذا وجب تقطع يده اليمنى أولاً؛ فـ «لأن قراءة ابن مسعود: فاقطعوا أيمانهما» 366.
وعن أبي بكر وعمر أنهما قالا: «إذا سرقَ السارقُ فاقطعوا يمينهُ من الكوع» 367، ولا مخالف لهما في الصحابة.
ولأن البطش بها أقوى.
فكانت البداءة بها أردع.
وأما كون القطع من مفصل الكف 368؛ فلأن القصاص لا يجب إلا من مفصل.
[فلأن لا يجب القطع في السرقة إلا من مفصل بطريق الأولى.
وأما كون المفصل مفصل] 369 الكف؛ فلأن اليد تطلق على اليد إلى الكوع، وعليها إلى المرفق، وعليها إلى المنكب، وإرادة الأول متيقنة، وإرادة ما عداه مشكوك فيها فلا يجب القطع مع الشك.
وفي الأثر عن أبي بكر وعمر: «إذا سرقَ السارقُ فاقطعوا يده من الكوع» 370.
الجزء: 4 - الصفحة: 311
وأما كون السارق إذا عاد تقطع رجله؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق: «إن سرقَ فاقطعوا يدَه، ثم إن سرقَ فاقطعوا رجلَه (1») 372.
وأما كون الرجل اليسرى؛ فلأن في المحاربة تقطع الرجل اليسرى بعد اليد اليمنى.
فكذلك هاهنا.
ولأن في قطع اليسرى رفقاً به؛ لأنه يمكنه المشي على خشبة.
بخلاف 373 قطع الرجل اليمنى؛ فلأنها إذا قطعت لا يمكنه ذلك.
وأما كون القطع من مفصل الكعب؛ فلأن الرِّجْل أحد العضوين المقطوعين.
فوجب كون القطع من المفصل المذكور؛ كاليد.
وأما كون من قطعت يده أو رجله أو هما يحسم؛ فلأن في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه أُتي بسارق فقال: «اقطعوهُ واحسِمُوه» 374.
قال ابن المنذر: في إسناده مقال.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن تُغمسَ في زيتٍ مغلي؛ فبيان لمعنى الحسم.
والحكمة في ذلك أن العضو إذا قُطع فغُمس في ذلك الزيت استدّت أفواهُ العروق فينقطع الدم.
وأما كون السارق إذا عاد بعد قطع يده ورجله فسرق ثالثاً يحبس ولا يقطع على المذهب؛ فلأن في قطع اليدين تعطيلاً لمنفعة الجنس.
فلم يشرع في حد؛ كالقتل.
ولأن قطع اليدين بمنزلة الإهلاك؛ لأنه لا يمكنه أن يتوضأ، ولا يستنجي، ولا يحترز 375 من النجاسة ولا يزيلها، ولا يأكل ولا يشرب ولا يبطش، ولذلك371
الجزء: 4 - الصفحة: 312
أوجب الله تعالى في يديه دية جميعه، وفي الحديث عن علي: «إني لأستحيي 376 من اللهِ أن لا أدعَ له يداً يبطشُ بها ولا رجلاً يمشي عليها» 377.
وأما كونه تقطع يده اليسرى في الثالثة ورجله اليمنى في الرابعة على روايةٍ؛ فلأن في حديث أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق: إن سرقَ فاقطعوا يدَه، ثم إن سرق فاقطعوا رجلَه، [ثم إن سرقَ فاقطعوا يدَه، ثم إن سرقَ فاقطعوا رجلَه] (3») 379.
وعن جابر قال: «جيءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسارقٍ فقال: اقتلوه.
فقالوا: يا رسول الله! إنما سرقَ.
فقال: اقطعوه.
قال: فقُطع، ثم جيء به الثانية.
فقال كذلك، [ثم جيء به الثالثة] 380، ثم جيء به الرابعة فقال كذلك ... مختصر» 381. رواه أبو داود.
و«لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قطعا اليد في الثالثة».
قال المصنف رحمه الله في المغني: حديث جابر يتعين حمله على تخصيص ذلك الشخص لعلم النبي صلى الله عليه وسلم منه ما يوجب قتله.
ألا تراه أمر بقتله في كل مرة، وقول أبي وعمر معارض بقول علي.
على 382 أنه روي أن عمر أخذ بقول علي، ويؤيده أن الأصول تشهد بنفي القتل؛ لأن كل معصية لا توجب القتل في الابتداء لا توجبه بعد ذلك؛ كسائر المعاصي.378
الجزء: 4 - الصفحة: 313
قال: (ومن سرق وليس له يد يمنى قطعت رجله اليسرى.
وإن سرق وله يمنى فذهبت سقط القطع).
أما كون من سرق وليس له يد يمنى تقطع رجله اليسرى؛ فلأن اليمنى لمّا خرجت عن كونها محلاً للقطع انتقل القطع إلى ما يلي تلك.
ولأن الرجل تقطع في السرقة الثانية.
فلأن تقطع في السرقة الأولة؛ لتعذر استيفاء اليد اليمنى بطريق الأولى.
وأما كون القطع يسقط إذا سرق وله يمنى فذهبت؛ فلأن القطع تعلق بها.
فإذا ذهبت فات قطعها فسقط.
قال: (وإن ذهبت يده اليسرى لم تقطع اليمنى على الرواية الأولى، وتقطع على الأخرى).
أما كون يمنى من ذكر لا تقطع على الرواية الأولى وهي: أن السارق يحبس في الثالثة ولا يقطع؛ فلأن قطعها يتضمن تفويت منفعة الجنس وبقاءه بلا يد يبطش بها، وذلك غير جائز؛ لما ذكر في الرواية التي بني عليها الحكم.
وأما كونها تقطع على الرواية الأخرى وهي: أن السارق يقطع في الثالثة والرابعة؛ فلأن غاية ما فيه تعطيل منفعة الجنس وبقاؤه بلا يد يبطش بها، وذلك واقع في الرواية المذكورة.
فكذلك هاهنا بل أولى؛ لأن اليمنى تعلق بها القطع وفاقاً.
وإنما الخلاف في سقوطه بذهاب اليسرى.
بخلاف القطع في الثالثة والرابعة؛ فلأن الخلاف في نفس وجوب القطع فيهما 383.
قال: (وإن وجب قطع يمناه فقطع القاطع يسراه عمداً فعليه القود.
وإن قطعها خطأ فعليه ديتها، وفي قطع يمين السارق وجهان).
أما كون من وجب قطع يمناه فقطع القاطع يسراه عمداً على القاطع القود؛ فلأنه قطع ما لا يستحق قطعه عمداً.
وأما كونه إذا قطعها خطأ عليه ديتها؛ فلأن ما أوجب عمده القود أوجب خطؤه الدية.
دليله القتل.
الجزء: 4 - الصفحة: 314
وأما كون يمين السارق لا تقطع في وجهٍ؛ فلأن قطعها يفضي إلى قطع يدَيْ السارق وتفويت منفعة الجنس منه.
فلم يشرع؛ كقتله.
وأما كونه تقطع في وجهٍ؛ فلأن قطعها وجب بالسرقة، وقطع اليسار له مقابل وهو القود في العمد والدية في الخطأ.
قال: (ويجتمع القطع والضمان فترد العين المسروقة إلى مالكها.
وإن كانت تالفة غرم قيمتها وقطع).
أما كون القطع والضمان يجتمعان؛ فلأنهما حقان يجبان لمستحقين.
فجاز اجتماعهما؛ كالجزاء والقيمة في الصيد الحَرَمِي المملوك.
وأما كون العين المسروقة ترد إلى مالكها؛ فلأنها ملكه قُبضت بطريق التعدي.
فوجب ردها إلى مالكها؛ كالعين المغصوبة.
وأما كون التالفة يغرم سارقها قيمتها ويقطع: أما كونه يغرم؛ فلأن ما وجب رده إذا كان باقياً وجب غرامته 384 إذا كان تالفاً.
دليله: العين المغصوبة.
وأما كونه يقطع مع الغرامة المذكورة؛ فلما تقدم من اجتماع الضمان والقطع.
قال: (وهل يجب الزيت الذي يحسم به من بيت المال أو من مال السارق؟ على وجهين).
أما كون الزيت من بيت المال على وجه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقطعوهُ واحسِمُوه» 385. أمر بالحسم، وذلك يقتضي كون الزيت من بيت المال.
وأما كونه من مال السارق على وجه؛ فلأنه لحفظ نفسه.
أشبه الدواء الذي يتداوى به في مرضه.
الجزء: 4 - الصفحة: 315
باب حد المحاربين
والأصل 386 في حد المحاربين قول الله تعالى: ﴿إنما جزاءُ الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يُقتّلوا أو يُصلّبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو يُنفَوْا من الأرض﴾ [المائدة: 33].
قال ابن عباس وكثير من العلماء: نزلت في قطاع الطريق من المسلمين.
قال المصنف رحمه الله: (وهم: قطاع الطريق.
وهم: الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال مجاهرة.
فأما من يأخذه سرقة فليس بمحارب.
وإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونوا محاربين في قول الخرقي.
وقال أبو بكر: حكمهم في المصر والصحراء واحد).
أما قول المصنف رحمه الله: وهم قطاع الطريق؛ فبيان لمعنى المحاربين.
وأما قوله: وهم الذين يعرضون 387 إلى آخره؛ فيقتضي أنه يشترط في المحاربين أمور:
أحدها: أن يعرضوا للناس بالسلاح، فإن عرضوا بغير سلاح فليسوا بمحاربين؛ لأنهم لا يمنعون من يقصدهم.
وثانيها: أن يكونوا في الصحراء؛ لأن ذلك عادة المحاربين.
فإن كانوا في البنيان فسيأتي الكلام عليه بعد 388 إن شاء الله تعالى.
وثالثها: أن يأخذوا المال مجاهرة فإن أخذوه سرقة فليسوا بمحاربين؛ لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة.
وأما كونهم إذا فعلوا ذلك في البنيان لا يكونوا محاربين في قول الخرقي؛ فلأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء.
الجزء: 4 - الصفحة: 316
ولأنه في المصر يلحق به الغوث غالباً وتذهب شوكتهم ويكونون مختلسين، والمختلس 389 ليس بقاطع طريق.
وأما كونهم يكون حكمهم في المصر والصحراء واحد في قول أبي بكر؛ فلأن الفعل المذكور إذا وجد في المصر كان أعظم ضرراً.
فكان أعظم جرماً وفساداً، فكان بما ذكر أولى.
قال: (وإذا قُدر عليهم فمن كان منهم قد قتل من يكافئه وأخذ المال قتل حتماً وصلب حتى يشتهر.
وقال أبو بكر: يصلبُ قدر ما يقع عليه اسم الصلب، وعن أحمد: أنه يُقطع مع ذلك).
أما كون من قدر عليه من 390 المحاربين المذكورين يُقتل إذا كان قد قتل من يكافئه وأخذ المال؛ فلأنه مذكور في الآية.
ولأنه قَتَل من يكافئه عمداً.
وأما كونه يقتل حتماً ويصلب حتى يشتهر؛ فلأنه مذكور في الآية.
وفي حديث ابن عباس «وادع رسول الله أبا بردة فجاء ناسٌ يريدون الإسلام.
فقطع.
فنزل جبريل بالحد فيهم أن من قتلَ وأخذَ المالَ قُتلَ وصُلب، ومن قَتل ولم يأخذ المال قُتل، وإن 391 أخذَ المال ولم يَقتل قُطعت يدهُ ورجلهُ من خلاف» 392.
وأما كونه يصلب حتى يشتهر وهو قول الخرقي؛ فلأن المقصود منه زجر غيره ولا يحصل إلا بذلك.
وأما كونه يصلب قدر ما يقع عليه اسم الصلب على قول أبي بكر؛ فلأن ذلك يصدق عليه اسم الصلب، والآية ما تدل إلا على ذلك.
ومحل الصلب بعد القتل؛ لأن المقصود زجر غيره لا عذاب المحارب نفسه؛ لأن القتل كافٍ في عذابه، ولذلك إذا اجتمع حدود في بعضها قتل اكتفي به.
الجزء: 4 - الصفحة: 317
وأما كونه يقطع مع ذلك على روايةٍ؛ فلأنه وجد منه ما يوجب القطع والقتل.
فوجب عليهما 393 جميعاً؛ كما لو زنى وسرق.
قال: (وإن قتل من لا يكافئه فهل يقتل؟ على روايتين).
أما كون من ذكر لا يقتل على روايةٍ؛ فلعموم قوله عليه السلام: «لا يُقتلُ حرٌ بعبد» 394.
ولأن القتل وجب قصاصاً.
بدليل أنه لو وجب حداً لسقط بالتوبة، وإذا كان قصاصاً وجب اعتبار المكافأة فيه؛ كغير المحارب.
وأما كونه يقتل على روايةٍ؛ فلأنه حد طُلِبَ به الزّجرُ.
فلم تعتبر فيه المكافأة؛ كالزنى.
والأولى أصح؛ لأنه ليس بحد.
بدليل ما تقدم وبه فارق الزنى.
ويؤيد عدم صحة قياسه على الزنى أن حد الزنى يسقط بالتوبة.
بخلاف حد المحاربة.
قال: (وإن جنى جناية توجب القصاص فيما دون النفس فهل يتحتّم استيفاؤها 395؟ على روايتين).
أما كون استيفاء ما ذكر يتحتم على روايةٍ؛ فلأن الجناية على ما دون النفس جناية يجب فيها القصاص في غير المحاربة.
فإذا وجب فيها كان متحتماً؛ كالقتل.
وأما كونه لا يتحتم على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى ذكر حدود المحاربين وهي: القتل، والقطع، والصلب.
فلم يتعلق بالمحاربة سوى تلك.
ولأن النفس أكبر من الطرف.
بدليل وجوب الكفارة في النفس دونه.
قال: (وحكم الرِّدْء حكم المباشر).
أما كون حكم الردء حكم المباشر؛ فلأن حد المباشر حكم يتعلق بهما 396. فاستوى فيها الردء والمباشر؛ كالغنيمة.
يحققه: أن المحاربة مبنية على حصول المنعة والمعاضدة والمناصرة والجهاد كذلك، والمباشر فيهما لا يتمكن إلا بالردء.
فوجب
الجزء: 4 - الصفحة: 318
أن يستويا في الحكم؛ لاستوائهما في المعنى.
فالردء هو العون للمباشر، ومنه قوله تعالى: ﴿فأرسله معي ردْءاً يصدقني﴾ [القصص: 34].
قال: (ومن قَتل ولم يأخذ المال قُتل.
وهل يُصلب؟ على روايتين).
أما كون من ذكر يقتل؛ فلأنه قاتل.
فيدخل في الآية والخبر المتقدم ذكرهما.
وأما كونه لا يصلب على روايةٍ؛ فلأن جناية المحارب بالقتل وأخذ المال أعظم من جنايته بالقتل فقط.
فلو شرع الصلب في حق من قتل ولم يأخذ المال لاستويا.
وأما كونه يصلب على روايةٍ؛ فلأنه محارب.
أشبه آخذ المال.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
والقياس على آخذ المال لا يصح؛ لما بينهما من الفرق.
قال: (ومن أخذ المال ولم يَقتل قُطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا وخلي.
ولا يُقطع منهم إلا من أخذ ما يُقطع السارق في مثله).
أما كون من أخذ المال ولم يَقتل تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو تُقَطّع أيديهم وأرجلُهم من خِلاف﴾ [المائدة: 33].
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿من خلاف﴾ يقتضي قطع يد من جانب ورجل من آخر 397. فلم كانت اليمنى يداً؟
قيل: لأن 398 السارق تقطع أولاً يده اليمنى [فكذا المحارب يجب أن تقطع يده اليمنى] 399؛ لأنه سارق وزيادة ويلزم من قطع اليد اليمنى قطع الرجل اليسرى لتحقق المخالفة.
وأما كون قطعهما في مقام واحد.
[ومعناه: أنه لا يهمل بقطع الرجل حتى تندمل اليد بل تقطعان في مجلس واحد] 400؛ فلأن الله تعالى أمر بقطعهما من غير تعرض لتأخير شيء منهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 319
وأما كونهما يحسمان؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك في حق السارق فقال: «اقطعوهُ واحسِمُوه» 401.
ولأن الحسم يَسُدّ أفواه العروق، ويمنع الدم من النزف.
ومعنى الحسم: أن يُغلى زيت ثم يوضع ما قطع فيه.
وأما كونه يخلى بعد ذلك؛ فلأن الحق الذي عليه استُوفي.
أشبه المدين إذا وفى دَينه.
وأما كون المحاربين لا يقطع منهم إلا من أخذ ما يُقطع السارق في مثله؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القطعُ في ربع دينار» 402. ولم يفصل بين المحارب وغيره.
ولأن الجناية المذكورة جناية يتعلق بها عقوبة في حق غير المحارب فلا تتغلظ في المحارب بأكثر من وجه واحد؛ كالقتل لا يغلظ بغير الانحتام.
فكذلك هاهنا لا يتغلظ القطع بغير قطع الرجل مع اليد.
فلو تغلظ بما دون النصاب لتغلظ بأكثر من ذلك.
قال: (وإن كانت يمينه مقطوعة أو مستحقة في قصاص أو شلاء قطعت رجله اليسرى.
وهل تقطع يسرى يديه؟ ينبني على الروايتين في قطع يسرى السارق في المرة الثالثة).
أما كون من كانت يمينه كما ذكر تقطع رجله اليسرى؛ فلأن ذلك واجب أمكن استيفاؤه.
وأما كون قطع يسرى يديه ينبني 403 على قطع أطراف السارق الأربعة على الروايتين المتقدم ذكرهما وتعليلهما في آخر باب السرقة 404؛ فلأنه في معناه.
فعلى هذا إن قلنا يقطع السارق مرة ثالثة قطعت يُسرى المحارب هنا؛ لأنها مستحقة القطع في الجملة.
فإذا تعذر استيفاء اليمنى تعين استيفاء اليسرى؛ كما لو سرق السارق ولا يد يمنى له ولا رجل.
وإن قلنا: لا يقطع السارق في الثالثة لم
الجزء: 4 - الصفحة: 320
تقطع يسرى المحارب هنا؛ لأن قطعها بطريق الإلحاق بالسارق 405. فإذا انتفى الحكم فيه انتفى فيما يجب إلحاقه به.
قال: (ومن لم يَقتل ولا أخذ المال نفي وشرد، فلا يُترك يأوي إلى بلد.
وعنه: أن نفيه تعزيره بما يردعه).
أما كون من لم يقتل ولم يأخذ المال ينفى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو يُنفوا من الأرض﴾ [المائدة: 33].
وأما كونه يُشرّد فلا يترك يأوي إلى بلد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: 33].
فإن قيل: التشريد ظاهر الإرادة من الآية.
فما وجه أن لا يترك يأوي إلى بلد؟
قيل: لأن الله تعالى قال: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: 33]، وذلك يقتضي النفي من جميعها.
وأما كون نفيه تعزيره بما يردعه على روايةٍ؛ فلأن الغرض الردع، وذلك حاصل بالتعزير المذكور.
والأول أصح؛ لأن النفي الطرد والإبعاد، والإقامة تبقيه.
قال: (ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقط عنه حدود الله تعالى من الصلب والقطع والنفي وانحتام القتل، وأخذ بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال، إلا أن يعفى له عنها).
أما كون من تاب قبل القدرة عليه يسقط عنه حدود الله؛ فلأن الله تعالى قال 406: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: 34].
فعلى هذا يسقط عنهم جميع ما ذكر المصنف رحمه الله؛ لأنه لله تعالى.
وأما كونه يؤخذ بحقوق الآدميين مما ذكر إذا لم يُعْفَ له عنها؛ فلأنها حقوق عليهم لم يعفَ عنها.
فلم تسقط؛ كغير المحارب.
فإن قيل: الآية عامة في السقوط فما وجه التخصيص؟
قيل: الأدلة الدالة على أن حقوق الآدمي لا تسقط بغير رضاه.
الجزء: 4 - الصفحة: 321
ولأن حق الآدمي مبني على الضيق والشح.
بخلاف حق الله تعالى، وذلك يقتضي عدم التسوية بينهما، وسقوط ذلك 407 بالتوبة يقتضي التسوية بينهما.
قال: (ومن وجب عليه حد لله 408 سوى ذلك فتاب قبل إقامته لم يسقط.
وعنه: أنه يسقط بمجرد التوبة قبل إصلاح العمل.
ومن مات وعليه حد سقط عنه).
أما كون من وجب عليه حد لله 409 سوى حد المحاربين لا يسقط بتوبته على المذهب؛ فلأن الله عز وجل قال: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما﴾ [النور: 2]، ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38] من غير فرق بين التائب وغيره.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً وقطع السارق بإقراره من غير سؤال عن توبة.
ولأن الحد كفارة.
فلم تسقط بالتوبة؛ ككفارة اليمين.
وأما كونه يسقط على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ [النساء: 16]، وقال: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه﴾ [المائدة: 39]، وفي الحديث: «التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له» 410. ومن لا ذنبَ له لا حدَّ عليه.
ولأن الحد خالص حق الله.
فسقط بالتوبة؛ كحد المحارب.
إذا تقرر السقوط فقد صرح المصنف رحمه الله هنا أنه يسقط بمجرد التوبة من غير إصلاح العمل.
وقال في المغني: ظاهر الآيات تدل على اعتباره في غير المحارب.
فيكون إصلاح العمل في حق غير 411 المحارب بمنزلة توبة المحارب قبل القدرة هذا لفظه.
وأما كون من مات وعليه حد يسقط عنه؛ فلأن استيفاءه بعد موته متعذر.
الجزء: 4 - الصفحة: 322
فصل [في دفع الصائل]
قال المصنف رحمه الله: (ومن أُريدت نفسه أو حرمته أو ماله فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يعلم دفعه به، فإن لم يحصل إلا بالقتل فله ذلك ولا شيء عليه.
وإن قُتل كان شهيداً.
وهل يجب عليه الدفع عن نفسه؟ على روايتين.
وسواء كان الصائل آدمياً أو بهيمة).
أما كون من أريدت نفسه أو حرمته أو ماله 412. أي قُصدت: له الدفع عن ذلك؛ فلأنه لو مُنع من ذلك لأدى إلى تلفه وأذاه في نفسه وحرمته وماله.
ولأنه لو لم يجز ذلك لتسلط الناس بعضهم على بعض، وأدى إلى الهرج والمرج.
وأما كون الدفع بأسهل ما يعلم دفعه به؛ فلأن الزائد عليه لا حاجة له به؛ لحصول الدفع بدونه.
فعلى هذا متى علم الدافع أن الصائل عليه يندفع بالقول لم يجز ضربه بشيء، وإن علم أنه يندفع بعصاً لم يجز ضربه بحديد.
وأما كون الدفع إذا لم يحصل إلا بالقتل له ذلك؛ فلأن ضرره إذا لم يندفع إلا به يتعين طريقاً إلى الدفع المحتاج إليه.
وأما كونه لا شيء عليه بالقتل المذكور؛ فلأنه قتلٌ لدفع شر الصائل.
فلم يجب به شيء؛ كقتل الباغي.
وروي عن عبيد بن عمير «أن رجلاً ضافَ ناساً من هذيل.
فأراد امرأة على نفسها فرمته بحجر.
فقال عمر: والله! لا يودى أبدًا» 413.
الجزء: 4 - الصفحة: 323
وأما كونه شهيداً إذا قُتل؛ فلما روى عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَن أريد ماله بغير حق فقاتلَ فقُتل فهو شهيد» 414. رواه الخلال بإسناده.
ولأنه قُتل لدفع ظالم.
فكان شهيداً؛ كالعادل يقتله الباغي.
وأما كون الدفع عن نفسه لا يجب على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفتنة: «اجلس في بيتكَ.
فإن خفتَ أن يَبهَركَ شُعَاعُ السيفِ فغطِّ وجهك» 415. وفي لفظ: «فكن عبداللهِ المقتول ولا تكن عبداللهِ القاتل» 416.
ولأن عثمان رضي الله عنه ترك القتال مع إمكانه.
وأما كونه يجب على روايةٍ؛ فلأنه قدر على إحياء نفسه.
فوجب عليه فعلُ ما يبقى به؛ كالمضطر إذا وجد الميتة.
والأولى أصح؛ لأن المضطر لا غرض له في ترك الأكل.
بخلاف الدافع؛ لأن له في ترك الدفع غرضاً وهو إبقاء نفس 417 أخيه المسلم، وحصول الشهادة له.
وأما كون الصائل الآدمي والبهيمة سواء؛ فلاشتراكهما في المجوز للدفع، وهو الصول.
قال: (وإذا دخل رجل منزله متلصصاً أو صائلاً فحكمه حكم من ذكرنا).
أما كون حكم من دخل منزل غيره متلصصاً أو صائلاً حكم من تقدم ذكره؛ فلأن حاجة صاحب المنزل إلى إخراجه كحاجة من تقدم ذكره.
فوجب تساويهما في الحكم؛ لتساويهما في المعنى الموجب له.
وأما المعنيّ بذلك فهو أن صاحب المنزل إن علم أن المتلصص أو الصائل يخرج بالقول لم يجز له أن يخرجه بالعصا، وإن علم أنه يخرج بالعصا لم يجز له أن يخرجه
الجزء: 4 - الصفحة: 324
بالحديد، وإن علم أنه لا يخرج إلا بالحديد فله إخراجه به، وإن أدى إلى قتله فلا شيء عليه.
قال: (وإن عضَّ إنسان يد إنسان فانتزع يده من فيه فسقطت ثناياه ذهبت هدراً.
وإن نظر في بيته من خَصاص البيت أو نحوه فخذف عينه ففقأها فلا شيء عليه).
أما كون من عضَّ إنسان يده فانتزعها من فيه فسقطت ثنايا العاضّ تذهب هدراً؛ فلما روى يعلى بن أمية قال: «كان لي أجيرٌ.
فقاتلَ إنساناً فعضَّ أحدهما يدَ الآخر قال: فانتزعَ المعضوضُ يده من في العاضّ فانتزعَ إحدى ثنيتيه.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأهدر ثنيته.
فحسبت أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفيدعُ يده في فيكَ تعضها كأنها في في 418 فحل يقضمها» 419 متفق عليه.
[ولأنه عضو تلف ضرورة دفع شر صاحبه.
فلم يضمن؛ كما لو صال عليه] 420. فلم يمكن الدفع إلا بقلع يده.
وأما كون من فقأ عين من نظر في بيته من خَصاص الباب أو نحوه لا شيء عليه؛ فلما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن امرءاً اطّلع عليك بغير إذن فخذَفتهُ بحصاةٍ ففقأت 421 عينهُ لم يكن عليك جناح» 422 متفق عليه.
وعن سهل بن سعد: «أن رجلاً اطَّلعَ في جحر من بابِ النبي صلى الله عليه وسلم ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يحكُّ رأسه بمدرَى في يده.
فقال عليه السلام: لو علمتُ أنك تنظرني 423 لطمستُ أو لطعنتُ بها في عينك» 424.
الجزء: 4 - الصفحة: 325
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا يعتبر في الرمي الدفع بالأسهل.
قيل: نعم.
وهو ظاهر كلام الإمام أحمد.
[ذكره المصنف رحمه الله] 425 في المغني.
ووجهه: التمسك بظاهر الحديث.
وقال ابن حامد 426: يدفعه بالأسهل.
فإن لم يندفع حلّ حذفه كما تقدم في الصائل.
الجزء: 4 - الصفحة: 326
باب قتال أهل البغي
الأصل في هذا الباب قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت -إلى قوله-: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: 9 - 10].
إذا علم ذلك ففي الآية فوائد:
إحداها: أن الباغي لا يخرج عن الإيمان؛ لأن الله تعالى سمى البغاة مؤمنين.
وثانيتها 427: أن الله تعالى أوجب قتاله.
وثالثها: أن الله تعالى أسقط قتاله إذا فاء إلى أمر الله.
ورابعها: أنه 428 نفى عن التبعة فيما أتلفه.
وخامستها 429: أن الآية أشعرت بقتال كل من منع حقًا عليه.
قال المصنف رحمه الله: (وهم: القوم الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ، ولهم منعة وشوكة).
أما كون [أهل البغي هم الذين يخرجون على الإمام؛ فلأن من لم يخرج عليه طائع له.
فلا يكون من] 430 أهل البغي عليه.
وأما كون خروجهم عليه بتأويل سائغ؛ فلأن من خرج عليه لا بتأويل [أو بتأويل] 431 غير سائغ من قطاع الطريق، وحكمه حكمهم على ما مر.
وأما كونهم لهم 432 منعة وشوكة؛ فلأن من ليس له ذلك؛ كالواحد والاثنين وما أشبههما حكمه حكم قطاع الطريق عند أكثر أصحابنا؛ لأن حكم البغاة لو
الجزء: 4 - الصفحة: 327
ثبت في الواحد والاثنين في سقوط ضمان ما أتلفوه لأفضى إلى إتلاف أموال الناس.
وقال أبو بكر: لا فرق بين القليل والكثير وحكمهم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام.
فعلى هذا لا حاجة إلى قوله: ولهم منعة وشوكة.
قال: (وعلى الإمام أن يراسلهم ويسألهم ما ينقمون منه، ويزيل ما يذكرونه من مظلمة، ويكشف ما يدعونه من شبهة.
فإن فاؤوا وإلا قاتلهم).
أما كون الإمام عليه أن يراسل أهل البغي ويسألهم ما ينقمون منه؛ فلأن الله تعالى بدأ بالصلح فقال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات: 9].
والمراسلة والسؤال طريق إلى الصلح؛ لأنهما وسيلة إلى رجوعهم إلى الحق.
ويروى: «أن علياً رضي الله عنه راسلَ أهل البصرة قبل وقعةِ الجمل».
وروي «أنه لما اعتزلته الحرورية بعث إليهم عبدالله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف» 433.
وأما كونه يزيل ما يذكرونه من مظلمة؛ فلأن ذلك وجب 434 مع إفضاء الأمر إلى القتل والهرج والمرج.
فلأن يجب في حالة تؤدي إلى ذلك بطريق الأولى.
وأما كونه يكشف ما يدعونه من شبهة؛ فلأن كشفها طريق إلى رجوعهم إلى الحق، وذلك مطلوب.
وأما كونهم إن فاؤوا وإلا قاتلهم؛ فلأن الصحابة أجمعت على قتال مانعي الزكاة، وقاتل عليّ أهل البصرة يوم الجمل، وأهل الشام يوم صفين، وأهل النهروان 435.
الجزء: 4 - الصفحة: 328
قال: (وعلى رعيته معونته على حربهم.
فإن استنظروه مدة رجاء رجوعهم فيها أنظرهم.
وإن ظن أنها مكيدة لم ينظرهم وقاتلهم).
أما كون [رعية الإمام عليهم معونته على حرب أهل البغي؛ فلأن الله تعالى] 436 قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: 59].
وروى عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة» 437. والإمام قائم مقامه.
فوجب أن يعطى حكمه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من خرجَ من الطاعةِ وفارقَ الجماعةَ ماتَ ميتةً جاهلية» 438. رواه ابن عبدالبر.
وذلك يقتضي وجوب طاعة الإمام، ومعاونته طاعة له.
وأما كونه ينظرهم إذا استنظروه مدة يرجوا رجوعهم فيها؛ فلأن الانتظار المرجوّ به رجوعهم أولى من معاجلتهم بالقتال المؤدي إلى الهرج والمرج.
وأما كونه لا ينظرهم ويقاتلهم إن 439 ظن أن طلبهم 440 الإنظار مكيدة؛ فلأن الإنظار لا يؤمن منه أن يصير طريقاً إلى قهر أهل العدل.
قال: (ولا يقاتلهم بما يعم إتلافه كالمنجنيق والنار إلا لضرورة).
أما كون الإمام لا يقاتل أهل البغي بما يعم إتلافه لغير ضرورة؛ فلأنه لا يجوز قتل من لا يقاتل، والقتل بما يعم إتلافه يلزم منه قتله، وذلك غير جائز.
وأما كونهم يقاتلهم بذلك لضرورة مثل: أن يختلط أهل البغي بمن لا يقاتل؛ فلأن ذلك حالة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات.
الجزء: 4 - الصفحة: 329
قال: (ولا يستعين في حربهم بكافر.
وهل يجوز أن يستعين عليهم بسلاحهم وكراعهم؟ على وجهين).
أما كون الإمام لا يستعين في حرب أهل البغي بكافر؛ فلأن الكافر لا يستعان به في قتال الكافر.
فلأن لا يستعان به في قتال المسلم بطريق الأولى.
وأما كونه لا يجوز أن يستعين عليهم بسلاحهم وكراعهم وهي الخيل التي لهم على وجه؛ فلأن أموال أهل البغي لا تستباح.
وأما كونه يجوز أن يستعين عليهم بذلك على وجه؛ فلأن الحاجة داعية إليه.
أشبه قتلهم.
قال: (ولا يتبع لهم مُدْبر، ولا يجاز على جريح، ولا يغنم لهم مال، ولا تسبى لهم ذرية).
أما كون أهل البغي لا يتبع لهم مُدْبر ولا يجاز على جريحهم؛ فلما روى عبدالله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا ابنَ أم 441 عبد! ما حكمُ من بغَى على أمتي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: لا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يُقتل أسيرهم» 442. رواه القاضي في شرحه.
وروي: «أن علياً رضي الله عنه قال يوم الجمل: لا يُذَففُ على جريح، ولا يُهتكُ ستر، ولا يفتحُ باب.
ومن أغلقَ باباً أو بابهُ فهو آمن، ولا يتبعُ مُدْبِر» 443. ونحو ذلك روي 444 عن عمار.
وعن علي «أنه ودَى قوماً من بيتِ مالِ المسلمين قتلوا مُدْبرين».
وعن أبي أمامة قال: «شهدتُ صفين.
فكانوا لا يجيزونَ على جريحٍ، ولا يطلبونَ مولياً، ولا يسلبون قتيلاً» 445.
الجزء: 4 - الصفحة: 330
وأما كونهم لا يغنم لهم مال؛ فلأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، وعصمة الأموال تابعة لدينهم.
بدليل قوله عليه السلام: «لا يحلُ مال امرئ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث ... الحديث» 446 وليس القتال والبغي واحداً منها.
وأما كونهم لا يسبى لهم ذرية فلأن الذراري [تبع لهم، وهم لا يجوز سبيهم لبقائهم على الإسلام.
فالذين هم تبع لهم بطريق الأولى.
ولأن الذراري] 447 لم يحصل منهم شيء أصلاً.
بخلاف أهل البغي فإنهم وجد منهم البغي والقتال.
قال: (ومن أُسر من رجالهم حُبس حتى تنقضي الحرب ثم يرسل.
وإن أُسر صبي أو امرأة فهل يفعل به ذلك أو يخلى في الحال؟ يحتمل وجهين).
أما كون من أُسر من رجالهم يحبس حتى تنقضي الحرب؛ فلأن في إطلاقهم ضرراً على المسلمين.
وأما كونه يرسل بعد ذلك؛ فلأن المانع من إرسالهم خوف مساعدة أصحابهم، وقد زال ذلك.
وأما كون من أسر من صبي أو امرأة يحتمل أن يفعل به ذلك على وجه؛ فلأن وقوع القتال منه يمكن وإن لم يكن من أهله.
أشبه الرجل.
وأما كونه يحتمل أن يخلى في الحال؛ فلأنه ليس من أهل القتال فينتفي المحذور المتقدم ذكره في الرجل.
الجزء: 4 - الصفحة: 331
قال: (وإذا انقضى الحرب فمن وجد منهم ماله في يد إنسان أخذه، ولا يضمن أهل العدل ما أتلفوه عليهم حال الحرب من نفس أو مال.
وهل يضمن البغاة ما أتلفوه على أهل العدل في الحرب؟ على روايتين.
ومن أتلف في غير حال الحرب شيئاً ضمنه).
أما كون من وجد من أهل العدل والبغي ماله في يد إنسان يأخذه: أما أهل العدل؛ فظاهر.
وأما أهل البغي؛ فلأن مالهم كان معصوماً وبغيهم لم يحله.
فوجب بقاؤه على ما كان.
وأما كون أهل العدل لا يضمنون ما أتلفوه على أهل البغي؛ فلأنه إذا جاز قتلهم 448. فلأن يجوز إتلاف مالهم بطريق الأولى.
ولأن جواز قتلهم يستلزم عقر دوابهم، وكسر قسيهم وما أشبه 449 ذلك.
وإذا جاز فعل ذلك لم يجب ضمانه؛ لحصوله ضرورة.
وأما كون البغاة يضمنون ما أتلفوه على أهل العدل في حال الحرب على روايةٍ؛ فلأنهم بغاة ظلمة بقتالهم، وفي الأثر أن أبا بكر قال لأهل الردة: «تدونَ قتلانا ولا ندي قتلاكم» 450.
وأما كونهم لا يضمنون ذلك على روايةٍ؛ فلما روى الزهري قال: «كانت الفتنة العظماء بين الناس وفيهم البدريون فأجمعوا على أن لا يقامَ حد على رجل ارتكب فرجاً حراماً بتأويلِ القرآن، ولا يغرم مالاً أتلفه بتأويلِ القرآن» 451.
ولأن البغاة طائفة ممتنعة بالحرب.
فلم يضمن ما أتلفت على الأخرى بحكم الحرب؛ كأهل العدل.
الجزء: 4 - الصفحة: 332
ولأن تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة.
فلم يشرع؛ كتضمين أهل الحرب.
وهذه الرواية هي الأصح؛ لما ذكر.
وأجاب المصنف رحمه الله في المغني عن الأثر المذكور عن أبي بكر: أنه رجع عنه.
فإنه روي: «أن عمر قال له: إن تدون قتلانا فلا فإن قتلانا قتلوا في سبيل الله».
فوافقه أبو بكر.
ولذلك لم ينقل أنه غرم أحداً شيئاً.
وقد قتل طلحة 452 عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ثم أسلم وتاب.
فلم يغرم شيئاً.
وأما كون من أتلف من أهل العدل والبغي ما أتلفوه في غير حال الحرب يضمنه؛ فلأن الأصل وجوب الضمان.
تُرك العمل به في حال الحرب؛ للضرورة فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وفي الأثر: «أن الخوارج لما قتلوا عبدالله بن خباب في غير الحرب أرسلَ إليهم علي افتدونا من عبدالله» 453 و «قتل ابن ملجم علياً في غير المعركة فأقيدَ به» 454.
قال: (وما أَخذوا في حال امتناعهم من زكاة أو خراج أو جزية لم يعد عليهم [ولا على صاحبه.
ومن ادعى دفع زكاته إليهم قُبل بغير يمين.
وإن ادعى ذمي دفع جزيته إليهم لم يقبل إلا ببينة.
وإن ادعى إنسان دفع خراجه إليهم فهل يقبل بغير بينة؟ على وجهين] 455. وتجوز شهادتهم.
ولا ينقض مِن حكم حاكمهم إلا ما ينقض من حكم غيره).
أما كون البغاة تجوز شهادتهم؛ فلأنهم إذا صلحوا للقضاء.
فلأن يصلحوا لقبول الشهادة بطريق الأولى.
الجزء: 4 - الصفحة: 333
وأما كونهم لا ينقض من حكم حاكمهم إلا ما ينقض من حكم حاكم المسلمين من أهل العدل؛ فلأن بغيهم في أمر يسوغ فيه التأويل.
أشبه الاختلاف في الفروع.
فعلى هذا إن خالف حكم حاكمهم نصاً أو إجماعاً نقض؛ كحكم حاكم المسلمين من أهل العدل وإلا فلا.
قال: (وإن استعانوا بأهل الذمة فأعانوهم انتقض عهدهم إلا أن يدعوا أنهم ظنوا أنه يجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك فلا ينتقض عهدهم، ويغرمون ما أتلفوه من نفس ومال).
أما كون عهد أهل الذمة ينتقض إذا أعانوا أهل البغي إذا لم يدعوا أنهم ظنوا أنهم يجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك؛ فلأن أهل الذمة لو قاتلوا منفردين انتقض عهدهم.
فكذلك إذا قاتلوا مع أهل البغي.
وأما كونه لا ينتقض إذا ظنوا أنهم يجب عليهم معونة من ذكر؛ فلأن ذلك شبهة فيدرأ به قتلهم المستحق بالانتقاض.
وأما كون أهل الذمة يغرمون ما أتلفوه لأهل العدل فيما ذكر؛ فلأن مقتضى الدليل وجوب الضمان.
ترك العمل به في حق أهل البغي خوفاً من تنفيرهم، وتنفير أهل الذمة لا أثر له؛ لأن أهل البغي لهم قوة.
بخلاف أهل الذمة فلا يصح إلحاقهم بهم.
قال: (وإن استعانوا بأهل الحرب وأمنوهم لم يصح أمانهم، وأبيح قتلهم).
أما كون أمان البغاة لأهل الحرب لا يصح؛ فلأن من صحة الأمان الكف عن قتال المسلمين، والباغي لا يشترطه 456 بل يشترط عليهم عدمه.
وأما كونهم يباح قتلهم؛ فلأن أمان البغاة لم يصح.
فبقوا على ما كانوا عليه قبل الأمان.
فإن قيل: إباحة قتلهم عامة أم لأهل العدل فقط؟
الجزء: 4 - الصفحة: 334
قيل: ظاهر إطلاق المصنف رحمه الله الإباحة، وهي تقتضي العموم 457 إلا أن الكلام مسوق مع أهل العدل فيحتمل أن يختص بهم.
ويؤيده تصريح المصنف رحمه الله بذلك في المغني فقال 458: فأما أهل البغي فلا يجوز لهم قتلهم؛ لأنهم قد بذلوا لهم الكف عنهم.
فلم يجز لهم الغدر.
قال: (وإن أظهر قوم رأي الخوارج ولم يجتمعوا لحرب لم يتعرض لهم، فإن سَبُّوا الإمام عزرهم.
وإن جنوا جناية أو أتوا حداً أقامه عليهم).
أما كون من أظهر رأي الخوارج ولم يجتمعوا لحرب لا يتعرض لهم؛ فـ «لأن علياً رضي الله عنه كان يوماً يخطب.
فقال رجل بباب المسجد: لا حُكمَ إلا لله.
فقال علي: كلمةُ حق أُريدَ بها باطل.
ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجدَ الله أن تذكروا فيها اسمَ الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامتْ أيديكم معنا، ولا نبدأكمْ بقتال» 459.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما تعرض للمنافقين الذين كانوا معه في المدينة.
فلأن لا يتعرض إلى من ذكر بطريق الأولى.
وأما كونهم إذا سَبُّوا الإمام يعزرهم؛ فلأنهم ارتكبوا محرماً لا حد فيه ولا كفارة، وليس التعزير المذكور مختصاً بسب الإمام بل لو سبوا أحداً من أهل العدل كان الأمر كذلك، لما تقدم من العلة.
وأما كونهم إذا جنوا جناية أو أتوا حداً أقامه عليهم؛ فلأنهم ليسوا ببغاة فهم كآحاد الناس.
ولأن في إسقاط 460 ذلك وسيلة إلى تجرئهم 461 على فعله، وذلك مطلوب العدم.
الجزء: 4 - الصفحة: 335
قال: (وإن اقتتلت 462 طائفتان لعصبية أو طلب رياسة فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى).
أما كون الطائفتين إذا اقتتلتا لما ذكر ظالمتين؛ فلأن كل واحدة باغية على صاحبتها.
وأما كون كل واحدة تضمن ما أتلفت على الأخرى؛ فلأن الإتلاف موجب للضمان.
ترك العمل به في أهل البغي.
الجزء: 4 - الصفحة: 336
باب حكم المرتد
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: 217].
وأما السنة؛ فقوله عليه السلام: «من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» 463.
وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون في الجملة على وجوب قتل المرتد.
قال المصنف رحمه الله: (وهو الذي يكفر بعد إسلامه.
فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته، أو صفة من صفاته، أو اتخذ لله صاحبة أو ولداً، أو جحد نبياً أو كتاباً من كتب الله أو شيئاً منه، أو سبّ الله تعالى أو رسوله كفر).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو الذي يكفر بعد إسلامه؛ فبيان لما يصير به الإنسان مرتداً.
وأما كون من أشرك بالله يكفر؛ فلأن الله تعالى وصفه بالكفر في غير موضع من كتابه العزيز.
من ذلك قوله تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: 73]، ومنه قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين -إلى قوله-: وبشر الذين كفروا بعذاب أليم -إلى قوله تعالى-: فقاتلوا أئمة الكفر﴾ [التوبة: 1 - 12]، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن يَدْعُ مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون﴾ [المؤمنون: 117].
ولأن الله تعالى أخبر في كتابه العزيز أنه لا شريك له، فمن أشرك به فقد كذبه، ومن كذبه يكفر.
الجزء: 4 - الصفحة: 337
وأما كون من جحد ربوبية الله يكفر؛ فلأنه مكذب لله، ومن كذبه يكفر.
وأما كون من جحد وحدانيته يكفر؛ فلأن جاحد ذلك مشرك بالله، وقد تقدم دليل كفره.
وأما كون من جحد صفة من صفاته يكفر؛ فلأن جاحد ذلك كجاحد وحدانيته وقد تقدم دليل كفره.
وأما كون من اتخذ لله صاحبة أو ولداً يكفر؛ فلأن الله تعالى نزّه نفسه عن ذلك ونفاه عنه.
فمتخذه مخالف له غير منزه له عن ذلك.
ولأنه مكذب له فيما أخبر به عن ذلك.
فيكون كافراً.
[وأما كون من جحد نبياً يكفر؛ فلأنه مكذب لله جاحد لنبوة نبيه] 464.
وأما كون من جحد كتاباً من كتب الله يكفر؛ فلأنه مكذب لله جاحد لكتابه 465.
وأما كون من جحد شيئاً من كتب الله 466 يكفر؛ فلأن جحد الشيء منه كجحد الكل؛ لاشتراكهما في كون الكل من عند الله.
وأما كون من سبّ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم يكفر؛ فلأنه لا يسب واحداً منهما إلا وهو مكذب له جاحد به، وقد تقدم دليل كفره.
قال: (ومن جحد وجوب العبادات الخمس أو شيئاً منها، أو أحل الزنى أو الخمر أو شيئاً من المحرمات الظاهرة المجمع عليها لجهل: عُرِّف ذلك.
وإن كان ممن لا يجهل ذلك كفر).
أما كون من جحد شيئاً من ذلك أو أحله لجهل يعرفه 467؛ فليصير عالماً به.
وأما كونه إذا كان ممن لا يجهل ذلك يكفر؛ فلأنه مكذب لله تعالى ورسوله وسائر الأمة.
الجزء: 4 - الصفحة: 338
قال: (وإن ترك شيئاً من العبادات الخمس تهاوناً لم يكفر.
وعنه: يكفر.
إلا الحج لا يكفر بتأخيره بحال).
أما كون من ترك شيئاً من الصلاة تهاوناً لا يكفر على روايةٍ وهي اختيار المصنف رحمه الله، وكونه يكفر على روايةٍ وهي ظاهر المذهب؛ فلما تقدم في كتاب الصلاة 468.
وأما كون من ترك الزكاة تهاوناً لا يكفر على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن منعها فإنا آخذوها» 469، ولم يحكم بكفره.
وأما كونه يكفر على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة [فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: 11] شرط في الإخوة في الدين أداء الزكاة.
ولأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: «لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة» 470. و «قال لمانع الزكاة] 471: لا.
حتى تشهد أن قتلانا في الجنةِ وقتلاكمْ في النار» 472.
وأما كون من ترك الصوم لا يكفر على روايةٍ؛ فبالقياس على الزكاة.
بجامع ما يشتركان فيه من كونهما عبادة تجب على الفور 473.
وأما كون من أخّر متهاوناً لا يكفر بحال على ما ذكره المصنف رحمه الله هنا؛ فلأنه مختلف في وجوبه على الفور.
فلا وجه لكفره مع جواز تأخيره على بعض المذاهب.
وكلام أبي الخطاب في هدايته يقتضي مساواة الحج للصلاة والزكاة؛ لأنه أحد مباني الإسلام.
أشبه بَواقيها.
الجزء: 4 - الصفحة: 339
إذا تقرر هذا فاعلم أن العبادات الخمس تطلق تارة ويراد بها الصلوات الخمس، وتطلق تارة ويراد بها مباني الإسلام الخمس.
وفي حمل كلام المصنف رحمه الله على كل واحد منهما إشكال.
أما إذا حمل على الصلوات فالإشكال عليه من وجهين:
أحدهما: أنه تبقى الزكاة والصوم غير مذكورين.
وثانيهما: أن الاستثناء في قوله: وعنه يكفر إلا الحج لا يقع صحيحاً؛ لعدم شمول الكلام الأول له.
وأما إذا حمل على مباني الإسلام؛ فلأن من مباني الإسلام الشهادتين وتاركهما متهاوناً كافر بغير خلاف في المذهب.
قال: (فمن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقل دُعي إليه ثلاثة أيام وضيّق عليه فإن لم يتب قتل.
وعنه: لا تجب استتابته بل تستحب، ويجوز قتله في الحال).
أما كون من ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقل يُدعى إليه؛ فليرجع عن ارتداده.
وأما قول المصنف رحمه الله: والنساء؛ ففيه تصريح بأن المرأة في الردة كالرجل.
وهو صحيح؛ لدخولهما في قوله صلى الله عليه وسلم: «من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» 474، وفي الحديث «أن امرأة يُقال لها: أم رومان ارتدت عن الإسلام.
فبلغَ أمرُها النبي صلى الله عليه وسلم.
فأمر أن تُستتاب فإن تابت وإلا قتلت» 475. رواه الدارقطني.
ولأن المرأة شخص بدّل دينه الحق بالباطل.
فوجب أن تكون كالرجل.
فإن قيل: فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المرأة.
قيل: المراد به 476 غير المرتدة؛ لأن المرتد يخالف الأصلي.
بدليل أن الرجل يقر عليه، ولا يقتل أهل الصوامع والشيوخ والمكافيف 477. بخلاف الكفر الطارئ.
الجزء: 4 - الصفحة: 340
وأما قوله: "وهو بالغ عاقل" ففيه إشعار بأن الردة لا تصح من صبي ولا مجنون.
وهو صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفعَ القلمُ عن ثلاث: عن الصبي [حتى يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» 478] 479.
ولا بد أن يلحظ [في الصبي] 480 أنه غير مميز؛ لأن المميز يأتي ذكره بعد.
وأما كون الدعوة إلى الإسلام ثلاثة أيام على المذهب؛ فلما روى مالك في الموطأ بإسناده «أنه وَفَدَ على عمر رجل من قبل أبي موسى.
فقال له عمر: هل من مُغَرِّبَةِ خبَر؟ قال: رجلٌ كفرَ بعد إسلامه.
قال: ما فعلتم به؟ قال: قَرَّبْناهُ، فضربنا 481 عنُقَه.
قال عمر: فهلا حبستموهُ ثلاثًا.
فأطعمتموهُ كل يوم رغيفًا.
فاستتبتموهُ لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ اللهم 482! إني لم أحضر.
ولم آمر.
ولم أرض إذْ بلغني» 483.
وأما كونه يضيّق عليه؛ فليرجع إلى الحق.
وفي حديث عمر المذكور: «فهلاّ حبستُموه».
وأما كونه يقتل إن لم يتب؛ فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «من بدَّلَ دينهُ فاقتلوهُ» 484، ومن قوله في حديث أم رومان: «فإن تابتْ وإلا قُتلت» 485.
وأما كونه لا تجب استتابته على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بدّل دينه فاقتلوه» 486 ولم يذكر الاستتابة.
الجزء: 4 - الصفحة: 341
وفي الأثر «أن معاذاً قال لأبي موسى فوجد عنده رجلاً موثقاً.
فقال: ما هذا؟ قال: رجلٌ كان يهودياً فأسلم 487 ثم راجع دينهُ دينَ السوء فتهوّد.
قال: لا أجلسُ حتى يُقتلَ.
قضاءُ الله ورسوله.
قال: اجلس [قال: لا أجلس] 488 حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمرَ به فقُتل» 489 متفق عليه.
ولأن المرتد يقتل لكفره.
فلم تجب استتابته؛ كالأصلي 490.
وأما كونها تستحب؛ فلأنه مختلف في وجوبها.
فأدنى الأحوال أن يكون مستحباً.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما قوله: «من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» 491 فمحمول على القتل بعد الاستتابة.
وأما الحديث الآخر فيروى فيه: «أن المرتد استُتيب قبل قدوم معاذ» 492. رواه أبو داود.
فعلى هذا يضيق عليه ويحبس لينزجر عن ذلك ويرجع عن دينه الذي صار إليه، وفي حديث عمر: «فهلا حبستمُوه» (4)، وعلى الثانية يجوز قتله في الحال؛ لما ذكر في حديث معاذ.
وأما كونه يقتل إذا لم يتب؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام: «من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» 494.493
الجزء: 4 - الصفحة: 342
قال: (ويقتل بالسيف.
ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه، فإن قتله غيره بغير إذنه أساء وعزر.
ولا ضمان عليه سواء قتله قبل الاستتابة أو بعدها).
أما كون المرتد يقتل بالسيف؛ فلأن في حديث القادم من قِبَل أبي موسى: «قدمناهُ فضربنا عنُقه» 495.
وأما كونه لا يقتله إلا الإمام أو نائبه؛ فلأنه قتل لحق الله سبحانه وتعالى.
فلم 496 يله إلا الإمام أو نائبه؛ كالحد.
وأما كونه إذا قتله غير من ذكر بغير إذن الإمام أساء؛ فلأن في ذلك حطاً لمنزلة الإمام، وإساءة أدبٍ عليه.
وأما كونه يعزر؛ فلأنه فعل ما منع من فعله ولا حد فيه ولا كفارة، وذلك يوجب التعزير.
دليله: فعل سائر ما منع من فعله مما لا حد فيه ولا كفارة.
وأما كون قتله قبل الاستتابة وبعدها سواء؛ فلأنه في الجملة مهدر الدم وردته مبيحة لدمه، وهي موجودة قبل الاستتابة كما هي موجودة بعدها.
قال: (وإن عقل الصبي الإسلام صح إسلامه وردته.
وعنه: يصح إسلامه دون ردته.
وعنه: لا يصح شيء منهما حتى يبلغ.
والمذهب الأول.
وإن أسلم ثم قال: لم أدر ما قلت لم يلتفت إلى قوله، وأجبر على الإسلام، ولا يقتل حتى يبلغ ويجاوز ثلاثة أيام من وقت بلوغه، فإن ثبت على كفره قتل).
أما كون الصبي إذا عقل الإسلام يصح إسلامه وردته على المذهب: أما الإسلام؛ فلأن علياً أسلم صبياً فصح إسلامه وعد من مناقبه وسبقه وينشد له:
سبقتكمُ إلى الإسلام طُرًّا ... صبيًا ما بلغت أوان حلمي
ويقال: أول من أسلم من الصبيان علي، ومن الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن العبيد بلال.
وفي الحديث: «من قال: لا إلهَ إلا الله دخلَ الجنة» 497.
الجزء: 4 - الصفحة: 343
وأما الردة؛ فلأن من صح إسلامه صحت ردته.
دليله البالغ.
وأما كونه يصح إسلامه دون ردته [على روايةٍ؛ فلأن مقتضى حال الصبي أن لا يصح منه إسلام ولا ردة] 498؛ لكونه 499 غير بالغ.
وقد رَفَعَ الشرع عنه القلم وجعله ملحقاً بالبهائم.
ثم تُرك العمل به في الإسلام؛ لما تقدم.
فيبقى في الردة على مقتضى الدليل.
وأما كونه لا يصح شيء منهما على روايةٍ؛ فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رُفعَ القلمُ [عن ثلاث] 500: عن الصبي حتى يبلُغ ... » 501.
ولأن الإسلام والردة قول تثبت به الأحكام.
فلم يصح من الصبي؛ كالهبة.
وأما كون المذهب الأول؛ فلما تقدم من الأدلة.
ويعضد ذلك قوله عليه السلام: «أُمرتُ أن أقاتلَ الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله.
فإذا قالوها عصَمُوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابُهم على الله» 502.
وقوله عليه السلام: «كل مولودٍ يولدُ على الفطرة.
فأبواه يُهوِّدانِه، وينصِّرانِه، ويمجِّسانِه» 503.
ولأن الصبي يدخل في عموم ذلك كله.
والتفرقة بين الإسلام والردة لا يصح؛ لأن المصحح للإسلام موجود في الردة فوروده في الإسلام يكون وروداً له
الجزء: 4 - الصفحة: 344
في الردة.
وقوله عليه السلام: «رُفعَ القلمُ» 504 يقتضي أن لا يكتب عليه شيء، وإذا صح إسلامه يكتب له لا عليه ويحصل له سعادة الدنيا والآخرة.
فإن قيل: الإسلام سبب لوجوب الزكاة وحرمان ميراث قريبه الكافر وفسخ نكاحه ووجوب نفقة أقاربه المسلمين.
قيل: الزكاة نفع محض؛ لأنها سبب النماء والزيادة محصنة للمال، والميراث والنفقة أمر متوهم، وذلك مجبور بحصول الميراث من أقاربه المسلمين وسقوط نفقة أقاربه الكفار ثم هو ضرر مغمور بالنسبة إلى ما يحصل له من سعادة الآخرة والخلاص من الشقاء والخلود في الجحيم.
وأما كون الصبي إذا أسلم وقيل يصح إسلامه ثم قال: لم أدر ما قلت لم يلتفت إلى قوله؛ لأنه عاقل صح إسلامه.
فلم يلتفت إلى قوله؛ كالبالغ إذا أسلم ثم قال: لم أدر ما قلت.
وأما كونه يجبر على الإسلام؛ فلأنه كفر بعد إسلامه.
وأما كونه لا يقتل حتى يبلغ؛ فلأن من لم يبلغ [لا يتعلق به عقوبة من حد زنى ولا سرقة ولا قصاص.
فكذلك يجب أن] 505 لا يتعلق به حق ردة.
وأما كونه لا يقتل حتى يجاوز ثلاثة أيام من وقت بلوغه؛ فلأجل وجوب استتابة المرتد ثلاثاً.
وأما كونه يقتل إذا ثبت على كفره؛ فلأنه مرتد مصرٌ على ردته.
فوجب قتله؛ لعموم الأدلة المقتضية لقتل المرتد المتقدم ذكرها.
قال: (ومن ارتد وهو سكران لم يقتل حتى يصحو وتتم له ثلاثة أيام من وقت ردته.
فإن مات في سكره مات كافراً.
وعنه: لا تصح ردته).
أما كون من ارتد وهو سكران لا يقتل حتى يصحو؛ فلأن القتل عقوبة.
فلا تفعل بزائل العقل.
وأما كونه لا يقتل حتى تتم له ثلاثة أيام؛ فلما تقدم من أن المرتد لا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام.
الجزء: 4 - الصفحة: 345
وأما كون أول الأيام من وقت ردته؛ فلأنه كذلك في غيره.
وأما كونه إذا مات في سكره مات كافراً؛ فلأنه مات بعد ارتداده.
وفيما ذكر إشعار بصحة ردة السكران.
وهو صحيح صرح به المصنف رحمه الله في غير مقنعه وغيره من الأصحاب؛ لأن علياً قال بمحضر من الصحابة رضوان الله عليهم في السكران: «إذا سَكر هذَى، وإذا هذَى افترى فحدوه حد المفتري» 506 فأوجبوا عليه حد المفتري التي يأتي بها في سكره واعتبروا مظنتها.
ولأنه يصح طلاقه.
فصحت ردته؛ كالصاحي.
وأما كونه لا تصح ردته على روايةٍ؛ فلأن الردة أمر يتعلق بالاعتقاد، والسكران لا يصح قصده.
أشبه المجنون.
ولأن الردة إنما تصح من مكلف، والعقل شرط في التكليف، ولهذا لا تصح استتابته.
والأول هو الصحيح في المذهب؛ لما تقدم من قول علي بمحضر من 507 الصحابة وحدهم له.
والقول بأنه لا يصح قصده [لا يصح؛ لأنه يجري مجرى الصاحي في الحكم.
بدليل صحة طلاقه.
وبه فارق المجنون؛ لأن] 508 المجنون لا يصح طلاقه.
وعدم صحة استتابته لعدم صحة 509 عقله وتمييزه.
ولأن الحد وضع للزجر، ولا يحصل الزجر في حال سكره.
فإن قيل: لم كان ابتداء الثلاثة في الصبي من حين البلوغ، وفي السكران من حين الردة؟
قيل: لأن زوال العقل في السكران بتعديه.
بخلاف الصبي.
الجزء: 4 - الصفحة: 346
قال: (وهل تقبل توبة الزنديق، ومن تكررت ردته، أو من سبّ الله تعالى أو رسوله، والساحر؟ على روايتين:
إحداهما 510: لا تقبل توبته، ويقتل بكل حال.
والأخرى: تقبل توبته كغيره).
أما كون توبة الزنديق لا تقبل على روايةٍ؛ فلأنه لا يؤمن أن يظهر التوبة ويبطن غيرها كما كان يظهر الإسلام ويبطن الكفر.
ولأن في قبول توبته خطراً؛ لأنه لا سبيل إلى الثقة بقوله.
ولأن إبقاءه يؤدي إلى تسلطه في الباطن على إفساد عقائد المسلمين، وفي ذلك ضرر عظيم.
وأما كون [توبة من] 511 تكررت ردته لا تقبل على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديم سبيلا﴾ [النساء: 137].
وروى الأثرم بإسناده عن ظيبان بن عمارة «أن رجلاً من بني سعيد 512 مرّ على مسجدٍ لبني حنيفة.
فإذا هم يقرؤون برجز مسيلمة، فرجعَ إلى ابن مسعود فذكر له ذلك.
فبعث إليهم فأُتي بهم فاستتابهم فتابوا فخلى سبيلهم؛ إلا رجلاً منهم يقال له: ابن النوَّاحةِ 513 قال: قد أتيتُ بكَ مرة فزعمتَ أنك قد تبتَ وأراكَ قد عدتَ فقتلَه» 514.
وأما كون توبة من سبّ الله أو رسوله 515 لا تقبل على روايةٍ؛ فلأن ذنبه عظيم جداً.
أشبه الزنديق.
وأما كون توبة الساحر لا تقبل؛ فلأن الصحابة رضوان الله عليهم ما نقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحراً.
الجزء: 4 - الصفحة: 347
ولأن السحر معنى في القلب لا يزول بالتوبة.
أشبه الزنديق المستتر بكفره.
وفي الحديث عن عائشة: «أن امرأةً جاءتها.
فجعلت تبكي بكاءً شديداً وقالت: يا أم المؤمنين! إن عجوزاً ذهبتْ إلى هاروت وماروت فقلت: علِّماني السحر.
فقالا: اتق الله ولا تكفري 516 فإنك على رأس أمركِ.
فقلت: علِّماني السحر.
فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه ففعلت.
فرأيت كأن فارساً مقنعاً في الحديد خرجَ مني حتى طارَ فغابَ في السماء.
فرجعت إليهما فقالا: ذلك الإيمان ... وذكرت باقي القصة.
قالت: والله ما صنعتُ شيئاً غيرَ هذا فهل لي من توبة؟ قالت عائشة ورأتها تبكي بكاء شديداً فطافت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسألهم: هل لها من توبة؟ فما أفتاها أحدٌ إلا ابن عباس قال لها: إن كان أحدٌ من أبويكِ حياً فبرّيه وأكثري من عمل البِّر ما استطعت» 517.
وأما كون توبة كل من ذكر تقبل على روايةٍ؛ فإن ذنوبهم إما شرك أو ما دونه، والشرك تقبل التوبة فيه بدليل قوله تعالى: ﴿قُل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: 38].
وإذا قبل في الشرك فلأن يقبل فيما دونه بطريق الأولى.
والصحيح في المذهب الرواية الأولى؛ لأن أدلتها خاصة، وأدلة الثانية عامة، والخاص مقدم على العام.
ولأن ذنوبهم زيادة على الشرك المطلق.
فلا يلزم من الغفران فيه (3) الغفران فيها لزيادتها عليه.
فعلى هذا يقتل من اتصف بأحد ما ذكر في الحال؛ لأن التأخير لأجل الاستتابة، ومن لا تقبل توبته لا حاجة إلى استتابته.
قال: (وتوبة المرتد إسلامه.
وهو: أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله؛ إلا أن تكون ردته بإنكار فرض، أو إحلال محرم، أو جحد نبي أو كتاب، أو إلى دين من يعتقد أن محمداً بعث إلى العرب خاصة فلا يصح إسلامه
الجزء: 4 - الصفحة: 348
حتى يقر بما جحده 518 ويشهد أن محمداً بعث إلى العالمين، أو يقول: أنا بريء من كل دين يخالف الإسلام).
أما كون توبة المرتد إسلامه؛ فلأنه ينافي ما صدر منه وهو متأخر عنه والحكم للمتأخر.
وأما كون إسلامه هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إذا لم تكن ردته بإنكار ما ذكر؛ [فلأن من قال ذلك حكم بإسلامه ما لم يوجد منه ما يناقضه.
فكذلك المرتد.
وأما كون من تكون ردته بإنكار ما ذكر] 519 لا يصح إسلامه حتى يقر بما جحده؛ فلأن ردته لجحده.
فإذا لم يقر بما جحده بقي الأمر على ما كان عليه من الردة الموجبة لتكفيره.
وأما كون من تكون ردته إلى دين من يعتقد أن محمداً بعث إلى العرب خاصة لا يصح إسلامه حتى يشهد أن محمداً بعث إلى العالمين، أو يقول: أنا بريء من كل دين يخالف الإسلام؛ فلأن الرجوع عما ذهب إليه لا يحصل إلا بأحدهما.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: وتوبة المرتد إسلامه وهو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله يدل على أن الإسلام لا يحصل إلا بهما، وقوله: إلا أن تكون ردته بإنكار فرض ... إلى قوله: ولا يصح إسلامه حتى يقر بما يجحده ويشهد أن محمداً بعث إلى العالمين يدل على أن من ردته بإنكار ما ذكر يصح إسلامه بمجرد إقراره بما جحد وشهادته بأن محمداً بعث إلى العالمين من غير أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويدل على أنه لا بد للمنكر لما ذكر من مجموع الأمرين من الإقرار والشهادة المذكورة آخراً.
قيل: أما الأول: فلا يكفي فيه مجرد إقراره بما جحده بل لا بد فيه من الشهادتين المذكورتين أولاً.
وقول المصنف رحمه الله: فلا يصح إسلامه؛ مشعر
الجزء: 4 - الصفحة: 349
بذلك 520؛ لأن المراد بإسلامه ما تقدم من الشهادة لتفسيره الإسلام بهما، والمعنى فلا تصح الشهادتان المتقدم ذكرهما حتى يقر بما جحده.
وأما الثاني: فهو من باب التوزيع كقولك: ركب الرجال الدواب على معنى ركب كل واحد دابة.
فكذا قول المصنف رحمه الله: فلا يصح إسلامه حتى يقر ويشهد معناه حتى يشهد من أنكر فرضاً أو جحد نبياً أو كتاباً بما تقدم ذكره ويقر بما جحده، وحتى 521 يشهد [من ارتد إلى دين من يعتقد أن محمداً بعث إلى العرب خاصة بما تقدم ذكره] 522 وأن محمداً بعث إلى العالمين أو يقول: أنا بريء من كل دين يخالف الإسلام.
قال: (وإذا مات المرتد فأقام وارثه بينة أنه صلى بعد الردة حكم بإسلامه.
ولا يبطل إحصان المسلم بردته ولا عباداته التي فعلها في إسلامه إذا عاد إلى الإسلام).
أما كون المرتد يحكم بإسلامه إذا قامت البينة بأنه صلى بعد الردة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «منْ صلَى صلاتنَا واستقبلَ قبلتنَا فلهُ ما لنا وعليهِ ما علينا» 523.
ولأن الصلاة أحد مباني الإسلام.
فحكم بالإسلام بها؛ كالشهادتين.
وأما كون المسلم لا يبطل إحصانه بردته إذا عاد إلى الإسلام؛ فلأن العدالة تعود بالإسلام بعد الردة.
فلأن يعود الإحصان [بعد الإسلام] 524 بطريق أولى 525.
[ولأن إحصان القذف لا يبطل بالردة فكذا الإحصان] 526 المذكور.
وأما كونه لا تبطل عباداته التي فعلها في إسلامه إذا عاد إليه؛ فلأن الله تعالى شرط في بطلان العبادة موت المرتد على كفره بدليل قوله: {ومن يرتدد منكم عن
الجزء: 4 - الصفحة: 350
دينه فيمت وهو كافر} [البقرة: 217]، ومن عاد إلى الإسلام لم يوجد فيه الشرط فيجب أن لا يبطل عمله الحاصل في حال إسلامه؛ لانتفاء شرط الإبطال.
فإن قيل: قوله: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: 65] يدل على حبوط 527 العمل مطلقاً.
قيل: يجب حمله على الآية المذكورة؛ لأن ما ذكر مطلق والآية المذكورة مقيدة، والمطلق يجب حمله على المقيد.
الجزء: 4 - الصفحة: 351
فصل [في أحكام المرتد]
قال المصنف رحمه الله: (ومن ارتد لم يزل ملكه بل يكون موقوفاً وتصرفاته موقوفة، فإن أسلم ثبت ملكه وتصرفاته، وإلا بطلت.
وتقضى ديونه وأروش جناياته، وينفق على من تلزمه مؤونته، وما أتلف من شيء ضمنه.
ويتخرج في الجماعة الممتنعة أن لا تضمن ما أتلفته.
وقال أبو بكر: يزول ملكه بردته، ولا يصح تصرفه.
وإن أسلم رد إليه تمليكاً مستأنفاً).
أما كون من ارتد لا يزول ملكه على المذهب؛ فلأن الذي وجد منه سبب يبيح الدم، وذلك لا يوجب زوال الملك.
دليله الزاني المحصن والقاتل.
وأما كونه يزول ملكه على قول أبي بكر؛ فلأن عصمة نفسه وماله بالإسلام فإذا ارتد زال العاصم لهما.
فوجب أن تزول عصمتهما.
ولهذا لو لحق بدار الحرب أبيح دمه وماله.
ولأن المسلمين ملكوا إراقة دمه.
فوجب أن يملكوا أخذ ماله.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وزوال العصمة لا ينفي بقاء الملك.
بدليل الحربي فإنه لا عصمة له وملكه ثابت.
وزوال ملك المرتد بلحوقه بدار الحرب ممنوع بل تزول عصمته، ويباح لكلٍّ أخذه؛ كمال الحربي سواء.
فعلى هذا يكون ملكه موقوفاً فإن أسلم تبين استمرار ثبوته وإن مات أو قتل زال ملكه من حيث موته أو قتله، وعلى قول أبي بكر إذا أسلم يرد إليه ما كان له على وجه الاستئناف.
وأما كون تصرفاته من 528 البيع والهبة والعتق والتدبير والوصية ونحو ذلك موقوفة على المذهب؛ فلأنه مال تعلق به حق الغير.
فكان التصرف فيه موقوفاً؛ كتبرع المريض.
الجزء: 4 - الصفحة: 352
وأما كونها غير صحيحة على قول أبي بكر؛ [فلأنه تصرف في غير ملك.
فعلى المذهب إن أسلم نفذ تصرفه؛ كما لو صح المريض من مرضه، وإن قتل أو مات بطل؛ لأنه تصرف في مال تعلق به حق جماعة المسلمين.
وعلى قول أبي بكر] 529 فلا 530 إشكال فيه.
وأما كونه تُقضى ديونه وأروش جناياته؛ فلأن ذلك حق واجب عليه.
وأما كونه ينفق على من تلزمه مؤونته؛ فلأن ذلك واجب بإيجاب الشرع.
أشبه الدَّين.
وأما كون ما أتلفه من شيء في ردته يضمنه على المذهب؛ فلأن الإتلاف يوجب الضمان على المسلم.
فلأن يوجبه على المرتد بطريق الأولى.
وأما كونه يتخرج في الجماعة إذا ارتدوا ولهم منعة أنها لا تضمن ما أتلفته؛ فلأنها في معنى البغاية.
وتحقيقه أن الباغي إنما لم يضمن ما أتلفه؛ لأن في تضمينه ذلك تنفيراً له عن الرجوع إلى قبضة الإمام، وهذا المعنى موجود في الجماعة المرتدة الممتنعة.
قال: (وإذا أسلم فهل يلزمه قضاء ما ترك من العبادات [في حال ردته] 531؟ على روايتين).
أما كون المرتد إذا أسلم لا يلزمه قضاء ما ترك من العبادات في حال كفره على روايةٍ؛ فلأنه كافر.
فلم يلزمه قضاء ما ترك في حال كفره؛ كالكافر الأصلي 532 إذا أسلم.
وأما كونه يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأن رجوعه إلى الإسلام واجب على وجه لا يقر على كفره بحال.
بخلاف الأصلي 533.
ولأن المرتد معترف بوجوب الصلاة عليه قبل ردته.
بخلاف الكافر الأصلي.
الجزء: 4 - الصفحة: 353
قال: (وإذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب ثم قُدرَ عليهما لم يجز استرقاقهما ولا استرقاق أولادهما الذين ولدوا في الإسلام، ومن لم يُسلم منهم قُتل، ويجوز استرقاق من ولد بعد الردة.
وهل يقرون على كفرهم؟ على روايتين).
أما كون الزوجين المذكورين لا يجوز استرقاقهما؛ فلأن لحاقهما بدار الحرب لا يخرجهما عن كونهما مرتدَين، والمرتد لا يجوز استرقاقه بل يجب قتلُه؛ لقوله عليه السلام: «من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» 534.
ولأن المرتد لا يجوز إقراره على كفره فلا يجوز استرقاقه.
وأما كون أولادهما الذين وُلدوا في الإسلام لا يجوز استرقاقهم؛ فلأنهم إن كانوا قد كبروا وهم مسلمون فالمسلم لا يسترَقُ، وإن وصفوا الكفر فقد كفروا بعد الحكم بإسلامهم، وإن كانوا صغاراً فلا يجوز استرقاقهم؛ لأنهم يحكم 535 بإسلامهم تبعاً لآبائهم.
وأما كون من لم يسلم منهم يُقتل؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام: «من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» 536.
ولا بد أن يلحظ في القتل المذكور بلوغ الأولاد؛ لأن من لم يبلغ لم يقتل بردته؛ لما تقدم في موضعه.
وأما كون من ولد بعد الردة يجوز استرقاقهم؛ فلأنهم محكوم بكفرهم من غير سبق إسلام.
فوجب جواز استرقاقهم؛ كولد الحربي.
وأما كونهم يقرون على كفرهم على روايةٍ؛ فبالقياس على الكافر الأصلي 537. والجامع بينهما اشتراكهما في جواز الاسترقاق.
وأما كونهم لا يقرون على روايةٍ؛ فلأن آبائهم لا يقرون.
فوجب أن لا يقروا بالقياس عليهم وعلى أولادهم 538 الذين وجدوا في حال الإسلام.
الجزء: 4 - الصفحة: 354
فصل [في حكم الساحر]
قال المصنف رحمه الله: (والساحر الذي يَرْكب المكنسة فتسير به في الهواء ونحوه يكفر ويقتل).
أما كون من ذكر يكفر؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحدٍ حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ [البقرة: 102].
وأما كونه يقتل؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه كتب إلى الأحنف بن قيس: اقتلوا السواحر» 539. رواه أبو داود.
ورُوي «أن حفصة قتلت جاريةً لها سحرتها» 540. رواه الأثرم.
وعن جندب 541 بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حَدُّ الساحرِ ضربةٌ بالسيف» 542.
ولأن الساحر كافرٌ، والكافرُ بعدَ إسلامه يُقتل.
قال: (فأما الذي يسحر بالأدوية والتدخين وسقي شيء يضر فلا يَكفر، ولا يُقتل، ولكن يُعَزّر.
ويقتص منه إن فعل ما يوجب القصاص).
أما كون الذي يسحر بشيء مما ذكر لا يكفر؛ فلأنه دون ما تقدم ذكره.
وعلله بعضهم بأنه ليس بسحر.
وقول المصنف رحمه الله: فأما الذي يسحر لا يمكن معه التعليل بذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 355
وأما كونه لا يقتل؛ فلأن الموجب للقتل الكفر وهو منتف فيه.
وأما كونه يعزر؛ فلأن فعله المذكور معصية، والتعزير يجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
وأما كونه يقتص منه [إذا فعل ما يوجب القصاص؛ فلأنه فعلٌ يقتل مثله غالباً.
فوجب أن يقتص منه] 543؛ كما 544 لو قتله بمحدد.
قال: (وأما الذي يعزم على الجن ويزعم أنه يجمعها فتطيعه: فلا يكفر، ولا يقتل.
وذكره أبو الخطاب في السحرة الذي يُقتلون).
أما كون من ذكر لا يكفر ولا يقتل على قول غير أبي الخطاب؛ فلأنه إذا لم يكفر ولم يقتل بما تقدم ذكره.
فلأن لا يكفر ولا يقتل بما ذكر بطريق الأولى.
وأما كونه يقتل على ما ذكره أبو الخطاب؛ فبالقياس على السحرة الذين يُقتلون.
ونسَب المصنف رحمه الله في الكافي: الأول: إلى توقف الإمام.
وقوله لمّا ذُكر ذلك له: قد رخص فيه بعض الناس.
والثاني: إلى قول أصحابنا.
الجزء: 4 - الصفحة: 356