كتاب الزكاة
الزكاة في اللغة: النماء والزيادة، يقال: زكا الزرع إذا نمى وزاد.
وفي الشرع: عبارة عن حق يجب في المال.
وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: 43].
وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فَتُرَدّ في فقرائهم» 1 متفق عليه.
وأما الإجماع؛ فلأن المسلمين أجمعوا في جميع الأعصار على وجوب الصلاة والزكاة، وأجمعت الصحابة على قتال مانعي الزكاة.
قال المصنف رحمه الله: (تجب الزكاة في أربعة أصناف من المال: السائمة من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة).
أما كون الزكاة تجب في السائمة، وهي: التي تُرعى لا التي تُعلف من بهيمة الأنعام وهي: الإبل والبقر والغنم فلأن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما صاحب إبل أو بقر أو غنم لم يؤد زكاتها إلا بُطح -وفي لفظ: إلا طُرح- يوم القيامة بقاعٍ قَرقرٍ تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها وأخفافها، كلما نَفِدَتْ أخراها عادت عليه أولاها» 2.
وأما كونها تجب في الخارج من الأرض، وهو: الزرع والثمر والمعدن والركاز: أما في الزرع والثمر فلقوله تعالى: ﴿والنخلَ والزرعَ مختلفاً أُكُلُهُ والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: 141].
وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: 267].
الجزء: 1 - الصفحة: 663
وقوله عليه السلام: «فيما سقت السماء والعيون أو كان 3 عثرياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر» 4 رواه البخاري.
وأما في المعدن والركاز فلقوله عليه السلام: «وفي المعدن الصدقة».
وقوله: «وفي الركاز الخمس» 5.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ زكاة المعادن القَبَلِيّة من بلال بن الحارث» 6 رواه الجوزجاني.
وأما كونها تجب في الأثمان، وهي: الذهب والفضة فلقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم 7﴾ [التوبة: 34].
وقوله عليه السلام: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم ... مختصر» 8 رواه مسلم.
وفي حديث أنس: «وفي الرقة ربع العشر» 9 رواه البخاري.
وأما كونها تجب في عروض التجارة فلقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: 103]، وقوله: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم﴾ [المعارج: 24]، ولما روى سمرة بن جندب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع» 10 رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 664
قال: (ولا تجب في غير ذلك.
وقال أصحابنا: تجب في المتولد بين الوحشي والأهلي، وفي بقر الوحش روايتان).
أما قول المصنف رحمه الله: ولا تجب في غير ذلك؛ فمعناه غير ما تقدم ذكره من بهيمة الأنعام والخارج من الأرض والأثمان وعروض التجارة.
وأما كون الزكاة لا تجب في ذلك؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وأما مواضعه فأشياء:
أحدها: المتولد بين الوحشي والأهلي، ولا تجب الزكاة في ذلك عند المصنف لأن الإيجاب من الشرع ولم يرد بما يدل على الوجوب، ولا يصح قياسه على شيء مما تقدم.
وقال أصحابنا: تجب في ذلك؛ لأنه اجتمع فيه سببان:
أحدهما: يوجب والآخر لا يوجب فوجبت الزكاة تغليباً.
وثانيها: بقر الوحش، وفي وجوب الزكاة فيها روايتان:
إحداهما: لا تجب؛ لما ذكر في المتولد.
والثانية: تجب؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «خذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً، ومن كل أربعين مسنة» 11. ودليل عمومه وتناوله لبقر الوحش جواز استثناء ذلك منه.
قال صاحب النهاية فيها: هي المعتمدة في المذهب والمنصورة في الخلاف.
ويؤيد الأولى: أن بقر الوحش يفارق البقر الأهلية في الصورة والمقاصد لأنها لا تعد للحرث والسقي ولا تدخل في مطلق الوكالة ولا تجزئ في الهدي والأضحية ويحرم إتلافها والتعرض لها في الحرم.
وثالثها: العبيد والخيل والحمير، ولا زكاة في شيء من ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» 12 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 665
وفي لفظ: «إلا زكاة الفطر في الرقيق» 13.
وروى أبو عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس في الجبهة ولا في النخة ولا في الكُسعة صدقة» 14.
والجبْهة: الخيل، والنخة: الرقيق 15، والكُسْعَةُ: بضم الكاف الحمير 16.
ورابعها: المعلوفة من بهيمة الأنعام، ولا زكاة فيها لما يأتي في أول باب زكاة بهيمة الأنعام 17.
وخامسها: ما عدا ذلك من عقار وثياب وما أشبه ذلك ولا زكاة في شيء من ذلك لما تقدم في المتولد.
قال: (ولا تجب إلا بشروط خمسة: الإسلام، والحرية فلا تجب على كافر ولا عبد ولا مكاتب فإن ملّك السيد عبده مالاً وقلنا أنه يملكه فلا زكاة فيه، وإن قلنا لا يملكه فزكاته على سيده).
أما كون الزكاة لا تجب إلا بالشروط المذكورة؛ فلما يأتي ذكره في مواضعها.
وأما كون الإسلام من شروط وجوب الزكاة؛ فلأن الزكاة تتصف بصفات يمتنع أن يتصف بها الكافر منها: أن الأداء قربة وطاعة والكفر يضاد ذلك.
ومنها: أنه طهرة والكافر لا يطهره إلا الإسلام.
ومنها: أنه يفتقر إلى النية ولا يصح من الكافر كالصوم.
وأما كون الحرية من شروطه فلأن العبد: إما مكاتب، وذلك لا زكاة عليه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا زكاة في مال المكاتب» 18.
وقال ابن عمر: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وليس في ماله زكاة» 19، ورواه أيضاً مرفوعاً 20.
الجزء: 1 - الصفحة: 666
وقال جابر: «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق» 21. ولا يعرف لهم مخالف فكان إجماعاً.
ولأن ملكه متزلزل لأنه بفرضية أن يعجز وهو محجور عليه لا 22 يرث ولا يورث.
وهو مشغول بوفاء نجومه.
وإما عبد قن لا مال له وذلك لا زكاة عليه؛ لأنه لا مال له فلا وجه لوجوب الزكاة عليه لأن الزكاة متعلقة بالمال وهو مفقود.
وإما عبد قن ملّكه سيده مالاً فإن قلنا أنه يملكه فلا زكاة عليه ولا على السيد: أما عليه فلأن ملكه ضعيف متزلزل متعرض للزوال بأخذ سيده له، وأما على السيد فلأنه إذا لم تجب على العبد الزكاة في ملكه لكونه متزلزلاً فلأن لا تجب على السيد بطريق الأولى.
وإن قلنا أنه لا يملكه فزكاته على السيد؛ لأنه ما انتقل عنه، وهو مالك له مستجمع فيه جميع الشرائط المعتبرة أشبه المال الذي لم يملكه العبد أصلاً.
قال: (والثالث: ملك نصاب فإن نقص عنه فلا زكاة فيه إلا أن يكون نقصاً يسيراً كالحبة والحبتين).
أما كون ملك النصاب من شروط وجوب الزكاة: أما في الإبل فلقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» 23.
الجزء: 1 - الصفحة: 667
وأما في البقر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذاً أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً» 24. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس فيما دون ثلاثين من البقر شيء» 25.
وأما في الغنم فلقوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها إلا أن يشاء ربها» 26 رواه البخاري.
وأما في الزرع والثمر فلقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة (4») 28.
وأما في المعدن فلأنه خارج من الأرض تَلحق المؤونة في إخراجه أشبه الزرع والثمر.
فإن قيل: الركاز خارج من الأرض ولا يشترط له نصاب؟
قيل: الركاز الواجب فيه ليس بزكاة على قول، ويجب فيه 29 الخمس فشبهه بالغنيمة أكثر من الزكاة، والغنيمة لا نصاب لها فكذا ما يشبهها، والمعدن الواجب فيه زكاة ومقداره مقدار زكاة الذهب والفضة فاعتبر فيه النصاب كالذهب والفضة.
وأما 30 في الذهب فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب صدقة» 31 رواه أبو عبيد.
وأما في الفضة فلقوله عليه السلام: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» 32 متفق عليه.27
الجزء: 1 - الصفحة: 668
وقوله في حديث عمرو بن شعيب المتقدم: «وليس فيما دون مائتي درهم صدقة» 33.
وأما في عروض التجارة فلأن الزكاة تجب في قيمتها وهي إما ذهب أو فضة وكل واحد منهما داخل فيما تقدم.
وأما كون النصاب إذا نقص نقصاً غير يسير كالدرهم 34 من نصاب الفضة، والدانق من نصاب الذهب لا زكاة فيه فلما تقدم من اشتراط ملك النصاب لوجوب الزكاة.
وأما كونه إذا نقص نقصاً يسيراً كالدانق من نصاب الفضة، والحبة والحبتين من نصاب الذهب فلأن الزكاة وجبت مواساة ونقصان ذلك لا يخل بالمواساة.
ولأن اليسير لا حكم له في أحكام كثيرة كالعمل اليسير في الصلاة، وانكشاف اليسير من العورة، والعفو عن اليسير من الدم في الصلاة، وفي نقض الوضوء فكذا يعفى عنه هنا.
قال: (وتجب فيما زاد على النصاب بالحساب إلا في السائمة).
أما كون الزكاة تجب فيما زاد على النصاب بالحساب -في غير السائمة- من الخارج من الأرض والأثمان وعروض التجارة فلعموم قوله: «هاتوا ربع عشور أموالكم» 35.
وقوله: «وفي الرقة ربع العشر» 36.
وفي لفظ: «فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم وما زاد فبحساب ذلك» 37 رواه أبو داود.
ولأنه لا ضرر في التشقيص في جميع ذلك بخلاف السائمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 669
وأما كونها لا تجب في السائمة فيما زاد بالحساب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب شيئاً في عدد ثم لم يوجب فيما زاد بحسابه ولو وجب في الزائد بحسابه لذكره.
ولأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس في الإبل شيء حتى تبلغ خمساً فإذا بلغت خمساً ففيها شاة ولا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشراً».
وفي آخر: «وإذا زادت الغنم على ثلاثمائة فليس فيما دون المائة شيء حتى تبلغ مائة».
وروى أبو عبيد في غريبه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس في الأوقاص صدقة» 38. وقال: الوقص: ما بين النصابين.
وفي حديث معاذ «أنه قيل له: أمرت في الأوقاص بشيء؟ فقال: لا وسأسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: لا» 39 رواه الدارقطني.
قال: (الرابع: تمام الملك فلا زكاة في دين الكتابة ولا في السائمة الموقوفة ولا في حصة المضارب من الربح قبل القسمة على أحد الوجهين فيهما).
أما كون تمام الملك من شروط وجوب الزكاة فلأن الملك الناقص ليس نعمة كاملة والزكاة إنما وجبت في مقابلة النعمة الكاملة.
وأما كون دين الكتابة لا زكاة فيه فلأن النعمة فيه ليست كاملة لكون العبد يملك تعجيز نفسه والامتناع من الأداء.
وأما كون السائمة الموقوفة لا زكاة فيها على وجه فلأن الملك لا يثبت فيها في وجهٍ ويثبت في آخر ثبوتاً ناقصاً لا يتمكن من التصرف فيه بأنواع التصرفات.
وأما كون حصة المضارب قبل القسمة لا زكاة فيها على وجه؛ فلأنها لا تملك على وجه وتملك على آخر ملكاً ضعيفاً لأنها وقاية لرأس المال.
وأما كون السائمة الموقوفة فيها زكاة على وجه؛ فلعموم قوله عليه السلام: «في أربعين شاة شاة» 40.
الجزء: 1 - الصفحة: 670
وأما كون حصة المضارب فيها زكاة على وجه؛ فلأنها مال من الأموال حال من المانع لوجوب الزكاة فيدخل في عموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في مثل ذلك.
فإن قيل: لم ثنّى المصنف رحمه الله الضمير في فيهما؟
قيل: للإشعار بأن الخلاف المذكور هنا إنما هو في السائمة الموقوفة وحصة المضارب قبل القسمة دون دين الكتابة.
قال: (ومن كان له دين على مليء من صداق أو غيره زَكّاهُ إذا قبضه لما مضى، وفي الدين على غير المليء والمؤجل والمجحود والمغصوب والضائع روايتان:
أحدهما: هو كالدين على المليء.
والثاني: لا زكاة فيه.
قال الخرقي: واللقطة إذا جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعاً منها).
أما كون من له مال على مليء من صداق وغيره يزكيه إذا قبضه لما مضى؛ فلعموم النصوص المتقدم ذكرها.
ولأنه مال تام الملك يمكن استيفاؤه فوجبت فيه الزكاة كسائر الأموال.
ولا بد أن يلحظ أن المليء بالدين مقر غير مماطل به ولا غاصب له؛ لأنه إذا لم يكن كذلك يكون ما يأتي من الخلاف.
وإنما أطلق المصنف رحمه الله ذلك وأوجب في الدين على المليء؛ اكتفاء بما يأتي.
وإنما لم يجب أداء الزكاة قبل قبض 41 الدين لأن الزكاة تجب مواساة وليس من المواساة إخراج زكاة مال لم يقبضه.
وأما كون الدين على غير المليء، والدين المؤجل، والمجحود، والمغصوب، والضائع كالدين على المليء في وجوب الزكاة وعدم وجوب أدائها قبل قبضه على روايةٍ: أما في الوجوب فلعموم الأدلة الدالة على الوجوب في مثل ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: «في أربعين شاة شاة» 42 وقوله: «وفي الرقة ربع العشر» 43 وما أشبه ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 671
ولأنه مال تام نظراً إلى الجنس والقدر والحول فوجبت فيه الزكاة كالدين على مليء.
ولأنه لم يوجد في ذلك سوى الحيلولة من التصرف وذلك لا يمنع الزكاة كما لو أُسرَ صاحب المال أو كان المال مرهوناً.
وأما في عدم وجوب أدائها قبل قبضه فلأنه إذا لم يجب في الدين الحالّ على مليء قبل قبضه فلأن لا يجب في ذلك قبل قبضه بطريق الأولى.
وأما كونه لا زكاة فيه أصلاً على روايةٍ فلأنه يروى عن عثمان وابن عمر أنهما قالا: «لا زكاة في مال الضمان»، ولا يعرف لهما مخالف وباقي الصور في معنى ذلك.
ولأن الزكاة وجبت في مقابلة الانتفاع بالنماء حقيقة أو مظنة بدليل أنها لا توجب في العقار وذلك مفقود هنا.
فإن قيل: ما مال الضمان؟
قيل: هو المال الموجود الذي لا يعرف مالكه موضعه.
وأما قول المصنف رحمه: قال الخرقي: واللقطة إذا جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعاً منها؛ فتأكيد لوجوب الزكاة فيما تقدم، ولذلك قال قال 44 الخرقي: بغير واو.
ولأن ذلك تصريح في اللقطة حال ضَياعها وتنبيه على الوجوب في بقية الصور.
قال: (ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب إلا في المواشي والحبوب في إحدى الروايتين).
أما كون مال من 45 عليه دين ينقص النصاب إذا كان غير المواشي والحبوب كالأموال الباطنة من الذهب والفضة وعروض التجارة والمستخرج من المعدن لا زكاة
الجزء: 1 - الصفحة: 672
فيه فلما روى السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: «هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه وليزك بقية ماله» 46 رواه سعيد.
قال عثمان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه فكان إجماعاً.
وروى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان لرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه».
و«لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بأخذ الصدقة من الأغنياء» 47 ومن عليه دين فقير بدليل أنه يجوز له أن يأخذ من الصدقة لوفاء دينه.
وأما كون مال من عليه دين ينقص النصاب إذا كان المواشي والحبوب والثمار -وتسمى الأموال الظاهرة- لا زكاة فيه في رواية فلما تقدم في الأموال الباطنة.
وأما كونه فيه الزكاة في رواية فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث سعاته إلى أرباب الأموال الظاهرة فيأخذون زكاتها على الكره والرضى»، وكذلك الأئمة بعده ولم يسألوا أربابها عن الدين، ولم يكن هو والخلفاء بعده يفعلون ذلك في الأموال الباطنة فوجب حمل كلام عثمان على الأموال الباطنة جمعاً بينه وبين فعل سعاته صلى الله عليه وسلم وفعل الخلفاء بعده.
ولأن الأموال الظاهرة تعلق بها أطماع الفقراء، والحاجة إلى تحصينها وحفظها أوفر بخلاف الباطنة.
وفي قول المصنف رحمه الله: دين ينقص النصاب؛ إشارة إلى أن الدين الذي يمنع وجوب الزكاة هو الذي ينقص النصاب؛ كمن عليه دين خمسة دراهم وله مائتا درهم، وتنبيه على أنه إذا كان له مثل ما عليه من الدين لا زكاة عليه؛ لأنه إذا منع ما ينقص النصاب به فلأن يمنع ما يقابله بجملته بطريق الأولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 673
قال: (والكفارة كالدين في أحد الوجهين).
أما كون الكفارة كالدين في منع وجوب الزكاة في وجهٍ فلأنها دين يجب قضاؤه أشبه دين الآدمي يؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دين الله أحق أن يقضى» 48.
وأما كونها لا تمنع وجوب الزكاة في وجهٍ فلأن الزكاة آكد لتعلقها بالعين على اختلاف.
ولأن دين الآدمي تتوجه المطالبة به بخلاف دين الله من الكفارة.
ولأن الكفارة بالمال لها بدل وهو الصوم بخلاف الزكاة.
قال: (الخامس: مضي الحول شرط إلا في الخارج من الأرض، فإذا استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يتم عليه الحول إلا نتاج السائمة وربح التجارة فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصاباً وإن لم يكن نصاباً فحوله من حين كمل النصاب).
أما كون مضي الحول من شروط وجوب الزكاة في غير الخارج من الأرض فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» 49 رواه الترمذي وابن ماجة.
ولأن الزكاة إنما تجب في مال تام فوجب أن يعتبر له الحول ليكمل النماء فيه فيواسي من نمائه.
وأما كونه غير شرط في الخارج من الأرض وهو الحبوب والثمار والركاز والمعدن: أما في الحبوب والثمار فلأن الله تعالى أمر بالإيتاء يوم الحصاد فقال: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: 141] وذلك ينفي اعتبار الحول.
الجزء: 1 - الصفحة: 674
وأما في الركاز والمعدن فلأن الحول يراد لتكامل النماء وبوجودهما يحصل النماء فلم يشترط لهما الحول كالحبوب والثمار.
وأما كون المستفاد غير النتاج وربح التجارة كالمستفاد بإرث أو عقد من هبة ونحوها لا زكاة فيه حتى يتم عليه الحول فلأن عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» 50 يدل عليه.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم: «ليس في المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول» 51 رواه الترمذي.
وقال: روي موقوفاً على ابن عمر وهو أصح.
ولأنه أصلٌ في نفسه تجب الزكاة في عينه فوجب أن لا يعتبر حوله بغيره قياساً على ما لو استفاده ولا مال له.
وأما كون نتاج سائمته حوله حول أصله إن كان 52 الأصل نصاباً فلقول عمر رضي الله عنه: «اعتد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم» 53 رواه مالك في الموطأ.
وعن علي أنه قال: «عد عليهم الصغار والكبار».
ولا يعرف لهما مخالف.
ولأن الغنم تختلف أوقات ولادتها فإفراد كل سخلة يشق فيجعل تبعاً للأمهات.
ولأنها تابعة لها حقيقة في الملك فتتبعها في الحول.
وأما كون ربح تجارته في ذلك مثل نتاج سائمته فلأنه مثله في كونه تبعاً للأصل وفي عدم ضبط حوله فوجب أن يلحق به.
وأما كون حول ذلك من حين كمل النصاب إذا لم يكن الأصل نصاباً فلأن الأصل لا تجب فيه الزكاة فيما تجب فيه الزكاة لنقصانه عن النصاب فانتفت التبعية قبل الكمال فإذا كمل النصاب اعتبر الحول حينئذ لأنه حينئذ يتحقق فيه التبعية لما وجبت فيه الزكاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 675
قال: (وإن ملك نصاباً صغاراً انعقد عليه الحول حين ملكه، وعنه: لا ينعقد حتى يبلغ سناً يجزئ مثله في الزكاة).
أما كون الحول ينعقد حين ملكه ذلك على المذهب فلأن الصغار إذا حال عليها حول من حين ملكها تدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «في أربعين شاة شاة» 54 لأن الشاة تقع على الكبير والصغير.
ولأن الصغير كالكبير في ذلك لقوله عليه السلام لساعيه: «عد عليهم صغيرها وكبيرها».
ولأن أبا بكر رضي الله عنه قال: «لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم» 55، والعَناق: لا تجب في الكبار.
وأما كونه لا ينعقد حتى يبلغ سناً يجزئ مثله في الزكاة على روايةٍ فلأن مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرني أن لا آخذ من راضع شيئاً، إنما حقنا في التبيعة والجذعة» 56.
قال: (ومتى نقص النصاب في بعض الحول أو باعه أو أبدله بغير جنسه انقطع الحول إلا أن يقصد بذلك الفرار من الزكاة عند قرب وجوبها فلا تسقط، وإن أبدله بنصاب من جنسه بنى على حوله، ويتخرج أن ينقطع).
أما كون الحول ينقطع بنقصان النصاب في بعض الحول فلأنه يصدق عليه أنه مال لم يحل عليه الحول لأن الحول على شيء يجب أن يكون حائلاً عليه بكماله.
والمراد بنقص النصاب في بعض الحول نقصان النصاب في زمن كبير من الحول فلو كان الزمن يسيراً كالساعة والساعتين لم يؤثر.
وذكر المصنف رحمه الله في المغني ذلك ونسبه إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 676
أبي بكر وعلله بأن اليسير معفو عنه فلم يؤثر كسائر ما تقدم ذكره في نقصان النصاب من الحبة والحبتين.
ولم يفرق أبو بكر بين كون النقص في وسط الحول أو طرفه.
وظاهر كلام القاضي أن اليسير في وسط الحول مؤثر.
وأما كونه ينقطع إذا باعه أو أبدله بغير جنسه كما لو باع أربعين من الغنم بعشرين ديناراً أو مائتي درهم بثلاثين من البقر ولم يقصد الفرار من الزكاة فلأن كل واحد من المالين لم يحل عليه حول فيدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» 57.
وأما كونه لا ينقطع الحول إذا قصد بالبيع أو الإبدال الفرار فلأن الله تعالى ذم من تعرض لإسقاط الزكاة فوجب أن لا تسقط.
ولأنه قصد الفرار من زكاة فعورض بنقيض قصده كالقاتل.
وأما قول المصنف رحمه الله: عند قرب وجوبها؛ فإشارة إلى أن ذلك مظنة قصد الفرار.
بخلاف ما إذا باعها في أول الحول أو نصفه فإن المظنة هناك منتفية أو بعيدة.
وأما كون من أبدل النصاب بنصاب من جنسه يبني على حوله على المذهب؛ فلأنه نصاب يُضم إليه نماؤه في الحول فبني حول بدله من جنسه على حوله كالعروض.
وأما كونه يتخرج أن ينقطع فلأن كل واحد منهما لم يحل عليه الحول.
قال: (وإذا تم الحول وجبت الزكاة في عين المال، وعنه: تجب في الذمة).
أما كون الزكاة إذا تم الحول تجب في عين المال على المذهب فلقوله عليه السلام: «في كل أربعين شاة شاة» 58، و «فيما سقت السماء العشر» 59 وغير ذلك من الألفاظ الواردة بحرف "في" المقتضي للظرفية.
وأما كونها تجب في الذمة على روايةٍ فلأنه يجوز إخراجها من غير النصاب أشبه صدقة الفطر.
الجزء: 1 - الصفحة: 677
ولأنها لو وجبت فيه لامتنع تصرف المالك فيه بدون إذن الفقير، وَلَتَمكن الفقير من إلزامه أداء الزكاة من عين المال، ولسقطت بتلف المال من غير تفريط.
قال: (ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء، ولا تسقط بتلف المال، وعنه: أنها تسقط إذا لم يفرط).
أما كون وجوب الزكاة لا يعتبر فيه 60 إمكان الأداء فلأن الزكاة حق للفقير فلم يعتبر فيه إمكان الأداء كالدين للآدمي فإنه تجب له على من هو عليه أمكنه الأداء أو لا.
ولأن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» 61 يدل بمفهومه على الوجوب بعد الحول أمكن الأداء أو لا.
وأما كونها لا تسقط بتلف المال إذا فرط مثل أن يتمكن من الإخراج ولم يفعل فلأنه مفرط متعد بفعله فوجب أن لا يسقط ما وجب عليه كما لو أتلف هذا المال، والجامع بينهما الاشتراك في التعدي.
وأما كونها لا تسقط إذا لم يفرط مثل أن لا يجد من يدفع ذلك إليه على المذهب فلأن الزكاة حق آدمي أو مشتملة عليه فلا تسقط بعد وجوبها وإن لم يفرط كدين الآدمي.
وأما كونها تسقط على روايةٍ فلأنه معذور حيث لم يجد من يدفع إليه.
ولأنه إذا لم يتمكن من الأداء تكون الزكاة في يده أمانة فلم يضمنها كالوديعة وسائر الأمانات.
الجزء: 1 - الصفحة: 678
قال: (وإذا مضى حولان على نصاب لم يؤد زكاتهما فعليه زكاة واحدة إن قلنا تجب في العين، وزكاتان إن قلنا تجب في الذمة.
إلا ما كان زكاته الغنم من الإبل فإن عليه لكل حول زكاة.
وإن كان أكثر من نصاب فعليه زكاة جميعه لكل حول إن قلنا تجب في الذمة وإن قلنا تجب في العين نقص من زكاته كل حول بقدر نقصه بها).
أما كون من مضى على نصاب له حولان لم يؤد زكاتهما عليه زكاة واحدة إذا قيل تجب في العين ولم تكن زكاته الغنم من الإبل فلأن المال حينئذ يعتبر ناقصاً عن النصاب لتعلق حق الفقراء بشاة منه فلا يجب فيه للحول الثاني زكاة لنقصانه فلم يبق إلا زكاة الحول الأول.
وأما كونه عليه زكاتان إذا قيل الزكاة تجب في الذمة فلأن المال نصاب كامل في الحولين فتجب لكل حول زكاة.
وأما كونه عليه لكل حول زكاة فيما إذا كانت زكاته الغنم من الإبل سواء قيل تجب في العين أو في الذمة فلأن الزكاة متى كانت من غير جنس المال لا تجب في العين البتة فإذاً لا ينقص النصاب في الحولين وإذا لم ينقص واحد منهما وجب لكل واحد زكاته لوجود المقتضي للوجوب السالم عن معارضة النقص 62.
وقال صاحب المستوعب فيه: الحكم في ذلك كالحكم في الأول لأن النقص 63 حكمي فلم تعتبر المماثلة فيه.
وأما كونه عليه زكاة جميع المال لكل حول إذا كان أكثر من نصاب، وقيل: الزكاة تجب في الذمة فلأن الزكاة إذا وجبت في الذمة لم تتعلق بشيء من المال فإذا حال عليه حولان وجبت زكاة جميعه لكل حول.
وأما كونه ينقص من زكاته كل حول بقدر نقصه بها إذا قيل تجب في العين فلأن الزكاة إذا وجبت في العين نقص من المال مقدار الزكاة لتعلقها بالعين فوجب أن لا
الجزء: 1 - الصفحة: 679
تجب فيه زكاة لكونه مستحقاً للفقراء وإذا لم تجب الزكاة في مقدار ذلك وجب أن ينقص من الجميع مقدار زكاة النقص الذي تعلقت به الزكاة.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: مثاله أن يكون له أربعمائة درهم.
فإن قيل: الزكاة تجب في الذمة فالواجب في الحولين عشرون، وإن قيل: تجب في العين فالواجب تسعة عشر درهماً ونصف درهم وربع درهم؛ لأنه تعلق قدر الواجب في الحول الأول بالمال في الحول الثاني فينقص عشرة ويبقى ثلاثمائة وتسعون درهماً زكاتها ما تقدم.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله يدل على أن النقص يعم الحولين لأنه قال: كل حول؟
[قيل: مراده] 64 بعد الأول لأن الأول لما حال لم يكن قبل ذلك وجب شيء حتى ينقص بقدره على القول بالوجوب في العين.
قال: (وإذا مات من عليه الزكاة أخذت من تركته، فإن كان عليه دين اقتسموا بالحصص).
أما كون من مات وعليه الزكاة يؤخذ من تركته فلقوله صلى الله عليه وسلم: «فدين الله أحق بالقضاء» 65.
ولأنه حق واجب تصح الوصية به فلم يسقط بالموت كدين الآدمي.
وأما كون مستحق الزكاة والدين يقتسمون بالحصص فلأن كل واحد من الزكاة والدين واجب فوجب أن تقسم التركة بين مستحقيها كدين الآدميين 66.
فعلى هذا لو كانت الزكاة خمسة دراهم والدين عشرين قسمت التركة بينهما أخماساً.
فإن قيل: القول المذكور عام فيما إذا قيل الزكاة تجب في الذمة أو في العين؟
الجزء: 1 - الصفحة: 680
قيل: في المسألة غير الذي ذكره المصنف رحمه الله هنا وجهان:
أحدهما: تقدم الزكاة على الدين ومستندها تعلقها بالعين لأنها إذا تعلقت بالعين صارت بمنزلة صاحب الدين الذي له به رهن وصاحب الدين الذي لا رهن له، ومتى اجتمع شخصان أحدهما له رهن والآخر لا رهن له ولم تف التركة بدينهما فإنه يقدم دين من له رهن.
والوجه الثاني: يقدم دين الآدمي لأن حقه مبني على الشح بخلاف حق الله تعالى.
ويمكن الجواب عن هذا أيضاً بأن الزكاة حق آدمي أو مشتملة على حق آدمي.
الجزء: 1 - الصفحة: 681
باب زكاة بهيمة الأنعام
قال المصنف رحمه الله: (ولا تجب إلا في السائمة منها، وهي: التي ترعى في أكثر الحول).
أما كون الزكاة لا تجب في غير السائمة من الإبل والغنم فلأن مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: «في الإبل السائمة في كل أربعين بنت لبون، وفي سائمة الغنم في كل أربعين شاة» 67 يدل عليه لأنه عليه السلام ذكر السوم فيهما وذكره يدل على نفي الوجوب في غير السائمة منهما وإلا وقع لغواً وكلام الشرع منزه عن ذلك.
ولأن المعلوفة لا تقتنى للنماء فلم يجب فيها شيء كثياب البذلة.
وأما كونها لا تجب في غير السائمة من البقر فلأن ورود ذلك في الإبل والغنم [يدل على اعتباره في البقر لأنها في معناها] 68.
ولأن منطوق الحديثين المتقدم ذكرهما يدل عليه.
وأما كونها تجب في السائمة من البقر فلما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى 69.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي التي ترعى في أكثر الحول؛ فبيان للسائمة من غيرها.
وإنما اعتبر رعيُ أكثر الحول لأن أكثر الشيء يقوم مقام كله في كثير من الأحكام الشرعية وكذلك هاهنا.
ولأن اعتبار السوم في جميع الحول يمنع وجوب الزكاة بالكلية.
قال: (وهي ثلاثة أنواع: أحدها: الإبل؛ فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمساً فتجب فيها شاة، فإن أخرج بعيراً لم يجزئه، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة 70 ثلاث
الجزء: 1 - الصفحة: 682
شياه، وفي العشرين أربع شياه، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، وهي التي لها سنة، فإن عدمها أجزأه ابن لبون، وهو: الذي له سنتان، فإن عدمه أيضاً لزمه بنت مخاض.
وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة، وهي: التي لها ثلاث سنين، وفي إحدى وستين جذعة، وهي: التي لها أربع سنين، وفي ست وسبعين ابنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة.
فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون.
ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة).
أما كون بهيمة الأنعام ثلاثة أنواع فلأنها إبل وبقر وغنم.
وأما كون الإبل منها لا زكاة فيها حتى تبلغ خمساً فلما تقدم في اشتراط النصاب لوجوب الزكاة من قوله عليه السلام: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» 71.
ومن قوله: «ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة» 72 أخرجه البخاري.
وأما كون الخمس تجب فيها شاة فلأن تكملة الحديث المذكور قبل: «فإذا بلغت خمساً ففيها شاة» 73.
والشاة الواجبة في الإبل ما لها ستة أشهر إن كانت من الضأن فإن كانت من المعز فما لها سنة لأنها هي الشاة التي يُعلق بها حكم الشرع وتعتبر في سائر موارده المطلقة.
ويعتبر كونها في صفة الإبل ففي السمان الكرام شاة سمينة كريمة وفي اللئام الهزال لئيمة هزيلة لأن الإبل سببها فاعتبر أن تكون على صفتها، فإن كانت الإبل مراضاً لم يجز إخراج المريضة لأن المخرج من غير جنسها وليس كله مراضاً فينزل منزلة اجتماع الصحاح والمراض وذلك لا يجزئ فيه إلا الصحيحة، ولا يجزئ الذكر كالمخرجة عن الغنم، ويحتمل أن يجزئ لأنها شاة مطلقة فيدخل فيها الذكر كالأضحية، فإن عَدِمَ الشاة في ماله لزمه شراؤها.
الجزء: 1 - الصفحة: 683
وقال أبو بكر: يجزئه عشرة دراهم لأنها بدل شاة الجبران.
ولا يصح لأن هذا إخراج قيمة فلم يجزئه كما في الشاة المخرجة عن الغنم، وليست الدراهم في الجبران بدلاً بدليل إجزائها مع وجود الشاة.
وأما كون البعير لا يجزئ عن الشاة فلأن الواجب شاة والمخرج غيرها فوجب أن يبقى في عُهدة الواجب.
لا يقال ذلك أكمل من الواجب فيجب أن يجزئ كما لو أخرج بنت لبون عن بنت مخاض لأن المخرِج لبنت لبون مخرج للواجب وزيادة لأنه من جنس الواجب بخلاف البعير فإنه مخرج من غير جنسه، ولذلك من وجب عليه خمسة دراهم لو أخرج عنها عرضاً قيمته أكثر من ذلك لا يجزئه عن الواجب عليه على الصحيح.
فإن قيل: لم لا يخرج هنا خلاف؟
قيل: إذا قيل بجواز إخراج القيمة يجزئ البعير عن الشاة.
وأما كون العشر من الإبل فيها شاتان، والخمس عشر 74 فيها ثلاث شياه، والعشرين فيها أربع شياه، فلأن في حديث أبي بكر: «في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة» 75.
وأما كون الإبل إذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض إلى آخره فلأن تكملة الحديث المذكور: «فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإن لم يكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة» 76 رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 684
وأما كون بنت مخاض هي ما لها سنة وبنت لبون هي ما لها سنتان والحقة هي ما لها ثلاث سنين والجذعة هي ما لها أربع سنين فلما روى أبو داود قال: سمعته من الرياشي وأبي هاشم وغيرهما ومن كتاب النضر بن شميل ومن كتاب أبي عبيدة وربما ذكر أحدهم الكلمة قالوا: «يسمى الحُوار، ثم الفصيل إذا فصل، ثم تكون بنت مخاض لسنة إلى تمام سنتين، فإذا دخلت في الثالثة فهي بنت لبون فإذا تمت لها ثلاث سنين فهي حقة إلى تمام أربع سنين لأنها استحقت أن تركب ويحمل عليها الفحل فإذا طعنت في الخامسة فهي جذعة» 77.
وأما كون من عدم بنت مخاض وابن لبون يلزمه بنت مخاض فلأنهما لو 78 استويا في الوجود لم يجزئه إلا بنت مخاض فكذلك إذا استويا في العدم.
ولأن الشارع إنما نقل من بنت مخاض إلى ابن لبون إذا لم يكن في ماله بنت مخاض للسهولة وعدم كلفة الشراء فإذا لم يكن في ماله أيضاً ابن لبون وتعين الشراء وجب شراء بنت مخاض لأنها الأصل.
فإن قيل: لم سميت بنت مخاض وبنت لبون والحقة بذلك؟
قيل: أما بنت مخاض فسميت بذلك؛ لأن أمها ماخض أي حامل بغيرها قد حان ولادتها وليس ذلك شرطاً في الإجزاء وإنما سميت به تعريفاً لغالب حالها.
وأما بنت لبون فإنما سميت بذلك؛ لأن أمها لبون أي ذات لبن.
وأما الحقة فإنما سميت بذلك؛ لأنها استحقت أن يطرقها الفحل وقد تقدم ذكر ذلك في الحديث 79.
قال: (فإذا بلغت مائتين فقد اتفق الفرضان فإن شاء أخرج أربع حقاق وإن شاء أخرج خمس بنات لبون، والمنصوص أنه يخرج الحقاق وليس فيما بين الفريضتين شيء).
أما كون الفريضتين في المائتين اتفقا فلأنهما أربع خمسينات وخمس أربعينات.
الجزء: 1 - الصفحة: 685
وأما كون المخرِج إن شاء أخرج أربع حقاق وإن شاء أخرج خمس بنات لبون على غير المنصوص؛ فلقوله عليه السلام: «فإذا زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة» 80. وقد تقدم أن المائتين فيهما أربع خمسينات وخمس أربعينات.
وأما كونه يخرج الحقاق على منصوص الإمام أحمد رحمه الله عليه؛ فلأن الحقاق أنفع للمساكين لكثرة منافعها من الدر والنسل والحمل.
وحمل بعض الأصحاب كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه على الأولوية لا على التعيين لما ذكر من الحديث.
ولأن في كتاب الصدقات الذي عند آل عمر: «فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أيُّ السِّنَّيْنِ وُجِدَت أُخذت» 81.
وقال ابن عقيل: إن كانت كلها حقاقاً تعينت الحقاق، وإن كانت كلها بنات لبون تعينت بنات اللبون لأن الزكاة سببها النصاب فاعتبرت به.
وأما كون ما بين الفريضتين ليس فيه شيء.
ومعناه: أن الزكاة تتعلق بالنصاب لا بما زاد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في خمس من الإبل شاة» 82 أوجب الشاة في الخمس فاقتضى أن تكون غير واجبة في الزيادة عليها.
وروى أبو عبيد في كتاب الأموال في كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا زادت الغنم على ثلاثمائة فليس فيما دون المائة شيء وإن بلغت تسعاً وتسعين حتى تبلغ مائة» 83 فنفى الوجوب عن الزيادة.
وفيه أيضاً: «ليس في الإبل شيء حتى تبلغ خمساً فإذا بلغت خمساً ففيها شاة ولا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشراً» 84.
الجزء: 1 - الصفحة: 686
وروى أبو عبيد في كتاب الغريب 85: «ليس في الأوقاص زكاة» 86 قال: والوقص ما بين النصابين.
وقيل لمعاذ: «أمرت في الأوقاص بشيء؟ قال: لا.
وسأسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: لا» 87 رواه الدارقطني.
قال: (ومن وجبت عليه سن فعدمها أخرج سناً أسفل منها ومعها شاتان أو عشرون درهماً، وإن شاء أخرج أعلا منها وأخذ مثل ذلك من الساعي.
فإن عدم السن التي تليها انتقل إلى الأخرى وجبرها بأربع شياه أو أربعين درهماً.
وقال أبو الخطاب: لا ينتقل إلا إلى سن تلي الواجب).
أما كون من وجبت عليه سن فعدمها يخير بين إخراج أسفل منها ومعها الجبران المتقدم ذكره وبين إخراج أعلا منها وأخذ الجبران المذكور فلأن في كتاب أنس: «ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا ابنة لبون فإنها تقبل بنت لبون ويعطى شاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهماً» 88.
فعلى هذا من وجبت عليه بنت لبون وليست في ماله خُيّر بين إخراج بنت مخاض ومعها شاتان أو عشرون درهماً وبين إخراج حقة وأخذ مثل ذلك.
ومن وجبت عليه حقة خير بين إخراج بنت لبون ومعها ما ذكر وبين إخراج جذعة وأخذ مثل ذلك.
وليس لمن وجبت عليه جذعة أن يخرج الثنية ويأخذ من الساعي مثل الجبران لأن ذلك ليس مذكوراً في الحديث.
وأما كون من عدم السن التي تلي الواجب مع السن الواجبة كمن وجبت عليه حقة وليست في ماله هي ولا ابنة لبون يجوز له الإخراج مع الجبران بأربع شياه أو
الجزء: 1 - الصفحة: 687
أربعين درهماً على المذهب فلأن الشارع جوز له الانتقال إلى الذي يليه وجوز الانتقال من الذي يليه إلى ما يليه إذا كان هو الفرض، وهنا 89 لو 90 كان الذي يليه موجوداً أجزأ فإذا كان معدوماً جاز العدول إلى ما يليه.
وقال أبو الخطاب: لا ينتقل إلا إلى سن يلي الواجب لأنه لم يرد النص فيه.
قال صاحب النهاية فيها: هذا ظاهر المذهب.
قال: (ولا مدخل للجبران في غير الإبل).
أما عدم دخول الجبران في غير الإبل من البقر والغنم فلأن النص ورد في الإبل خاصة فيجب الاقتصار عليه.
فعلى هذا من وجب عليه تبيع وليس في ماله وعنده مسنة فله دفعها بزيادتها فإن طلب الجبران لم يكن له ذلك كما ذكرنا.
وأما دخوله في الإبل فلما تقدم في الحديث المذكور.
الجزء: 1 - الصفحة: 688
فصل [في زكاة البقر]
قال المصنف رحمه الله: (النوع الثاني: البقر.
ولا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين فيجب فيها تبيع أو تبيعة وهي التي لها سنة، وفي أربعين مسنة وهي التي لها سنتان، وفي الستين تبيعان، ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة).
أما وجوب الزكاة في البقر؛ فقد تقدم حكماً ودليلاً 91.
وأما عدم وجوب شيء فيما لم يبلغ ثلاثين؛ فلما تقدم من اشتراط النصاب لوجوب الزكاة 92.
وأما وجوب التبيع والتبيعة إلى آخره؛ فلما روى معاذ رضي الله عنه قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعاً، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين تبيعاً ومسنة، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعاً، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع، وأمرنى أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئاً إلا أن تبلغ مسنة أو جذعاً» 93. رواه الإمام أحمد.
قال: (ولا يجزئ الذكر في الزكاة في غير هذا إلا ابن لبون مكان بنت مخاض إذا عدمها، إلا أن يكون النصاب كله ذكوراً فيجزئ الذكور في الغنم وجهاً واحداً، وفي الإبل والبقر في أحد الوجهين).
أما عدم إجزاء الذكر في غير ما ذكر؛ فلأن الأنثى أفضل لما فيها من الدر والنسل.
وقد نص الشارع على اعتبار الأنثى في الإبل وفي الأربعين من البقر.
الجزء: 1 - الصفحة: 689
وأما إجزاء ابن لبون مكان بنت مخاض إذا عدمها؛ فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن لم يكن بنت مخاض فابن لبون ذكر» 94. ومن أن سنه يمتنع به من صغار السباع ويرعى الشجر ويرد الماء بنفسه.
وأما إجزاء التبيع مكان التبيعة وهو المراد بالإشارة في قول المصنف رحمه الله: في غير هذا؛ فلما تقدم من قوله في حديث معاذ: «من كل ثلاثين تبيعاً» 95.
ولأن التبيع أكثر لحماً فيعادل ذلك الأنوثة.
وأما إجزاء الذكر في الغنم الذكور كلها وجهاً واحداً؛ فلأن الزكاة وجبت مواساة، وذلك يقتضي الإخراج من الجنس.
وأما الإبل والبقر ففيها وجهان:
أحدهما: يجزئ لما ذكر.
والوجه الآخر: لا يجزئ لأن الشارع نص على الأنثى وهي أفضل ففي العدول عن الأنثى عدول عن المنصوص.
وقال المصنف في الكافي: يجزئ ذكر البقر في أصح الوجهين.
وفي الإبل وجهان:
أحدهما: يجزئ لما ذكر من المواساة.
والثاني: لا يجزئ لإفضائه إلى إخراج ابن لبون عن خمس وعشرين وست وثلاثين وفيه تسوية بين النصابين.
فعلى هذا يخرج أنثى ناقصة بقدر قيمة الذكر، وعلى الوجه الأول يخرج ابن لبون عن النصابين ويكون التعديل بالقيمة.
قال: (ويؤخذ من الصغار صغيرة ومن المراض مريضة.
وقال أبو بكر: لا يؤخذ إلا كبيرة صحيحة على قدر المال).
أما جواز أخذ الصغيرة من الصغار والمريضة من المراض على المذهب؛ فلقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول
الجزء: 1 - الصفحة: 690
الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم» 96 والعناق لا تؤخذ في الكبار بالإجماع فيتعين حمل ذلك على كون النصاب كله أعناقاً.
ولأن الزكاة وجبت مواساة وليس من المواساة أن يكلف الرجل غير ما عنده.
وأما عدم أخذ ذلك على قول أبي بكر فلقول مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرني -يعني النبي صلى الله عليه وسلم - أن لا آخذ من راضع شيئاً إنما حقنا في الثنية والجذعة» 97 أي لا آخذ راضع لبن فإنه لا فرق بينهما كقول الشاعر:
وقفت فيها أُصَيلاً لا أسائلها ... أَعْيَتْ جواباً وما بالرَّبْع من أحد
أي أحد.
ولقول عمر رضي الله عنه: «اعتد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم» 98.
فعلى هذا تؤخذ كبيرة صحيحة بقدر قيمة المال لتحصل المساواة.
والأول المذهب لما ذكر.
وحديث عمر ومصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم محمول على ما إذا كان النصاب كباراً وصغاراً.
قال: (فإن اجتمع صغار وكبار وصحاح ومراض وذكور وإناث لم يؤخذ إلا أنثى كبيرة صحيحة على قدر قيمة المالين.
وإن كانا نوعين كالبخاتي والعراب والبقر والجواميس والضأن والمعز وكان فيه كرام ولئام وسمان ومهازيل أخذت الفريضة من أحدهما على قدر قيمة المالين).
أما عدم جواز أخذ غير أنثى صحيحة كبيرة إذا كان النصاب بعضه صغار وبعضه كبار وبعضه صحاح وبعضه مراض وبعضه ذكور وبعضه إناث؛ فلما تقدم من قول عمر ومصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم 99.
وأما اعتبار قيمة ذلك بقدر قيمة النصاب؛ فلتحصل المواساة.
الجزء: 1 - الصفحة: 691
وأما جواز أخذ الفريضة من أي النوعين إذا كان النصاب أنواعاً كما ذكره المصنف رحمه الله فلأن كل واحد من المالين يصح إخراجه في الزكاة فجاز أخذه مع الاجتماع كمال كل واحد من الخليطين.
وأما اعتبار القيمة بقيمة المالين فلأن ذلك تختلف قيمته فوجبت شاة على قدر المالين كما لو كان البعضُ مراضاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 692
فصل [في زكاة الغنم]
قال المصنف رحمه الله: (النوع الثالث: الغنم.
ولا شيء فيها حتى تبلغ أربعين فتجب فيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه ثم في كل مائة شاة شاة).
أما وجوب الزكاة في الغنم فقد تقدم في قوله: السائمة من بهيمة الأنعام 100.
وأما عدم الوجوب فيها حتى تبلغ أربعين فلما تقدم في اشتراط النصاب 101.
وأما وجوب الشاة في الأربعين إلى آخره فلما روى أنس رضي الله عنه في كتاب الصدقات: «وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها ... مختصر» 102 رواه البخاري.
قال: (ويؤخذ من المعز الثني، ومن الضأن الجذع، ولا يؤخذ تيس ولا هرمة ولا ذات عوار وهي المعيبة، ولا الربى وهي التي تربي ولدها، ولا الحامل ولا كرائم المال إلا أن يشاء ربه).
أما عدم أخذ غير الثني من المعز والجذع من الضأن فلما روى سِعر بن دَيسم قال: «أتاني رجلان على بعير.
فقالا: إنا رسولا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك لتؤدي صدقة غنمك.
قلت: فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناق جذعة أو ثنية» 103 رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 693
ولأن هذا السن هو المجزئ في الأضحية دون غيره فكذلك في الزكاة.
والجذع من الضأن: ما له ستة أشهر، ومن المعز: ما له سنة.
وأما عدم جواز أخذ التيس والهرمة وذات العوار؛ فلقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: 267].
وروى أنس رضي الله عنه في كتاب الصدقات: «ولا نخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس» 104 رواه البخاري.
وأما عدم جواز أخذ الربى والحامل؛ فلأن ذلك خير المال فلم يجز أخذه بغير رضاه لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره» 105 رواه أبو داود.
وأما عدم جواز أخذ كرائم المال؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» 106 متفق عليه.
وأما جواز أخذ الجيد من ذلك إذا شاء ربه؛ فلما روى أبي بن كعب رضي الله عنه: «أن رجلاً قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي فزعم أن ما عليّ فيه بنت مخاض فعرضت عليه ناقة فتية سمينة.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك الذي وجب عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه 107 منك.
قال: فها هي ذه يا رسول الله! فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضها ودعا له بالبركة» 108. رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 694
قال: (ولا يجوز إخراج القيمة، وعنه: يجوز).
أما كون إخراج القيمة في الزكاة لا يجوز على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «خذ الحب من الحب، والإبل من الإبل، والبقر من البقر، والغنم من الغنم» 109 رواه أبو داود.
وذلك يقتضي أن لا يأخذ من غيره لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
ولأنه عليه السلام ذكر هذه الأعيان المنصوص عليها بياناً لما فرضه الله تعالى فإخراج غيرها ترك المفروض.
وأما كونه يجوز على روايةٍ؛ فلأنه يروى عن معاذ أنه قال لأهل اليمن: «ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة مكان الذرة والشعير فإنه أيسر لكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة» 110.
والظاهر أنه فعل ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم عن توقيف.
ولأن الزكاة وجبت لإغناء الفقير وذلك حاصل بالقيمة كالمنصوص عليه.
والأول المذهب لما تقدم.
وأما قول معاذ فمحمول على الجزية ولا يضر تسميتها صدقة؛ لأنها تسمى بذلك مجازاً «لأن عمر سمى الجزية صدقة لما استنكف بنو تغلب من اسم الجزية» 111.
ولأن قوله: مكان الذرة والشعير يجوز أن يكون صالَحَهم عن أراضيهم بذلك.
قال: (وإن أخرج سناً أعلى من الفرض من جنسه جاز).
أما كون إخراج سن أعلى من الفرض من جنسه يجوز؛ فلما تقدم من حديث أبي بن كعب 112.
وأما كون المصنف رحمه الله قيد ذلك بقوله: من جنسه فلأن الإخراج من غير الجنس مثل أن يخرج بعيراً عن شاة وقد تقدم دليل ذلك في موضعه 113.
الجزء: 1 - الصفحة: 695
فصل في الخلطة
الخلطة جائزة بالإجماع.
والأصل فيها ما روى سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتاب الصدقة: «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» 114 رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قال المصنف رحمه الله: (وإذا اختلط نفسان أو أكثر من أهل الزكاة في نصابٍ من الماشية حولاً لم يثبت لهما حكم الانفراد في بعض الحول فحكمهما في الزكاة حكم الواحد.
سواء كانت خلطة أعيان بأن يكون مشاعاً بينهما، أو خلطة أوصاف بأن يكون مال كل واحد متميزاً فخلطاه واشتركا في المراح والمسرح والمشرب والمحلب والراعي والفحل، فإن اختل شرط منها أو ثبت لهما حكم الانفراد في بعض الحول زكيا زكاة المنفردين فيه).
أما كون حكم الخليطين في الزكاة حكم الواحد فلأنه لو لم يكن كذلك لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجمع بين متفرق والتفريق بين مجتمع خشية الصدقة.
وأما كون خلطة الأعيان والأوصاف سواء فيما ذكر فلأن الخلطة توجد فيهما.
وأما قول المصنف رحمه الله: بأن يكون مشاعاً بينهما؛ فبيان لخلطة الأعيان، وذلك مثل أن يكون خمس من الإبل أو ثلاثون من البقر أو أربعون من الغنم مشتركاً بين اثنين على سبيل الإشاعة بأن ورثا ذلك أو وهب لهما.
وأما قوله: بأن يكون مال كل واحد متميزاً فخلطاه فبيان لخلطة الأوصاف، وذلك مثل أن يكون ذلك مشتركاً بينهما لا على سبيل الإشاعة.
وسميت خلطة أوصاف لأن مال كل واحد منهما له صفات يتميز بها.
الجزء: 1 - الصفحة: 696
وأما قوله: نفسان إلى آخره فبيان لما يشترط في جعل الخليطين في الزكاة كالواحد، وذلك أشياء:
أحدها: أن يكون نفسان أو أكثر لأن أقل من ذلك الواحد ولا خلطة معه.
وثانيها: أن يكون الشريكان من أهل الزكاة فلو كان أحدهما مكاتباً أو ذمياً فلا أثر لخلطته لأنه لا زكاة في ماله فلم يكمل النصاب به.
ولأن من أحكام الخلطة التراجع فإذا لم يكن الشريك من أهل الزكاة لم يمكن التراجع.
وثالثها: أن يكون في نصابٍ فلو كان المجموع أقل من نصاب مثل أن يشتركا في ثلاثين من الغنم لم تؤثر الخلطة سواء كان لهما مال سواه أو لم يكن لأن المجموع دون النصاب فلم تجب الزكاة.
ورابعها: أن يكون في الماشية فلا تؤثر الخلطة في غيرها لما يذكر في آخر الباب 115.
وخامسها: أن يكون في حول لم يثبت لهما حكم الانفراد فيه، فإن ثبت لهما حكم الانفراد فيه مثل أن يملك كل واحد نصاباً في أول المحرم ويختلطا بعد ذلك لم تؤثر الخلطة لأنها معنى تعلق به إيجاب الزكاة فاعتبر في جميع الحول كالنصاب.
وسادسها: أن يشتركا في خلطة الأوصاف في الأشياء التي ذكرها المصنف رحمه الله.
أما المشرب والراعي والفحل فلما روى سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، والخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل» 116 رواه الدارقطني.
وأما المراح والمسرح والمحلب فلأن في اشتراط ما تقدم تنبيهاً على اشتراط ذلك.
والمُراح بضم الميم: المكان الذي يراح إليه عند رجوعها من المرعى.
والمسرح: موضع الراعي، وقيل: الموضع الذي تجتمع فيه عند خروجها إلى المرعى.
فعلى الأول يلزم من اتحاد الراعي اتحاد المسرح.
الجزء: 1 - الصفحة: 697
والمشرب: موضع الشرب، والمحلب موضع الحلب وليس المراد إتحاد الإناء ولا اختلاط اللبن لأنه من ذوات الأمثال والشياه تتفاوت في الدر فإذا اقتسماه بالسوية مع التفاوت حصل الربا.
والفحل: المعد للضراب وليس المراد إيجاده ولا أن يكون مشتركاً بل أن لا يتميز فحول أحد المالين عن الآخر عند الضراب.
وأما كون الخليطين يزكيان زكاة المنفرد إذا اختل شرط فيما تقدم أو ثبت لهما حكم الانفراد في بعض الحول فلأنه قد تقدم ما يدل على اشتراط ما ذكر فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط، وإذا لم تحصل الخلطة لفوات شرطها بقيا على حكم الانفراد.
قال: (وإن ثبت لأحدهما حكم الانفراد وحده فعليه زكاة المنفرد، وعلى الآخر زكاة الخلطة ثم يزكيان فيما بعد ذلك الحول زكاة الخلطة كلما تم حول أحدهما فعليه بقدر ماله منهما).
أما كون من ثبت له حكم الانفراد عليه زكاة المنفرد وكون الآخر عليه زكاة الخلطة فلأن شرط الخلطة فات فيمن ثبت له حكم الانفراد دون الآخر فوجب أن لا يثبت حكم الخلطة في حقه لانتفاء شرطها وأن يثبت في حق الآخر عملاً بمقتضى الخلطة السالم عن معارضة فوات الشرط.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: أن يملك رجل أربعين شاة في أول المحرم ويملك آخر أربعين في صفر ويختلطا ثم يبيع من ملك في صفر ماله لآخر 117 في ربيع، فالمالك الأول يثبت له حكم الانفراد في بعض الحول ولم يكمل حول الخلطة ومن شرطها: كمال حول في الخلطة والمشتري لم يثبت له حكم الانفراد لأنه ملكها مختلطة فهو مستجمع 118 لشرائطها.
وأما كونهما يزكيان فيما بعد ذلك الحول زكاة الخلطة؛ فلأن الخلطة موجودة في جميع الحول بشروطها.
الجزء: 1 - الصفحة: 698
وأما قول المصنف رحمه الله: كلما تم حول أحدهما فعليه بقدر ماله منهما؛ فتنبيه على أمرين:
أحدهما: أن من ثبت له حكم الانفراد في الحول الأول يزكي ما عليه عند تمام حوله الثاني ولا ينتظر حول المشتري؛ لأن الزكاة بعد حَوَلان الحول لا يجوز تأخيرها، وأن المشتري لا يجب عليه تقديم زكاته إلى رأس حول شريكه لأن تقديم الزكاة قبل حَوَلان الحول لا يجب.
وثانيهما: أنه إذا كان لكل واحد أربعون فعلى كل واحد نصف شاة، وإن كان للأول أربعون وللثاني ثمانون فعلى الأول ثلث شاة وعلى الثاني ثلثاها.
قال: (ولو ملك رجل نصاباً شهراً ثم باع نصفه مشاعاً أو أعلم على بعضه وباعه مختلطاً فقال أبو بكر: ينقطع الحول ويستأنفانه من حين البيع.
وقال ابن حامد: لا ينقطع حول 119 البائع وعليه إذا تم حوله زكاة حصته، فإن أخرجها من المال انقطع حول المشتري لنقصان النصاب وإن أخرجها من غيره وقلنا الزكاة في العين فكذلك وإن قلنا في الذمة فعليه عند تمام حوله زكاة نصيبه).
أما كون الحول في الذي لم يُبع ينقطع على قول أبي بكر فلأنه انقطع في النصف المبيع وصار كأنه لم يجر في حول الزكاة وإذا كان كذلك لزم انقطاعه في الباقي.
وأما كون الخليطين يستأنفانه من حين البيع فلأن الحول إذا انقطع وجب استئناف حول آخر.
وأما كونه لا ينقطع على [قول] 120 ابن حامد فلأن الباقي لم يزل مخالطاً لمالٍ جارٍ في حول الزكاة.
فعلى هذا يجب على البائع زكاة حصته إذا تم حوله لأنه مال حال عليه الحول وفيه بقية شروط وجوب الزكاة ثم ينظر فيه فإن أخرجها من المال فلا زكاة على المشتري عند حوله لنقصان النصاب، وإن أخرجها من غيره فقال المصنف رحمه الله: إن قلنا الزكاة في العين فكذلك، ومعناه: أنه لا زكاة على المشتري أيضاً لأن تعلق الزكاة
الجزء: 1 - الصفحة: 699
بالعين ينقص النصاب، وإن قلنا تتعلق بالذمة فعلى المشتري زكاة حصته لأن النصاب لم ينقص لا حقيقة ولا على سبيل التعلق.
وفي كلامه نظر وذلك أنه إذا أخرج الزكاة من غير المال لا يسقط ما يخص المشتري من حيث المعنى والنقل سواء قلنا تتعلق الزكاة بالعين أو بالذمة، أما عدم السقوط من حيث المعنى فلأن الزكاة إذا أخرجت لم يبق لها تعلق بالمال البتة لأنه لا يجوز أن تكون متعلقة به بعد أدائها كما لا يجوز تعلق الدين بالرهن بعد أدائه وكما لا يجوز تعلق أرش الجناية بالجاني بعد فدائه.
ولأن المصنف رحمه الله ذكر مسألة تعلق الزكاة بالعين أو بالذمة فيما تقدم واشترط عدم الإخراج فقال في آخر كتاب الزكاة: وإذا مضى حولان على نصاب لم يؤد زكاتهما فعليه زكاة واحدة إن قلنا تجب في العين 121. فلو لم يكن عدم الأداء له أثر في المسألة لوقع قوله لم يؤد زكاتهما لغواً وإذا ثبت أن التعلق بالعين يعتمد عدم الإخراج ثبت أن التعلق بالعين لا أثر له هنا لأن عدم الإخراج مفقود بدليل قول المصنف رحمه الله: وإن أخرجها من غيره وقلنا الزكاة في العين فكذلك.
وأما عدم السقوط من حيث النقل فقال صاحب المستوعب فيه بعد أن ذكر المسألة وحررها: ولا فرق في ذلك كله بين قولنا الزكاة تتعلق بعين المال أو بالذمة.
وذكر ابن عقيل المسألة في فصوله ولم يذكر تعلق الزكاة بالعين بل قال: وإن كان البائع أخرج من غير المال فالزكاة واجبة بحالها في حق المشتري.
وقال أبو الخطاب: وإذا تم حول المشتري فإن قلنا الزكاة تتعلق بالذمة وجب عليه نصف شاة، وإن قلنا تتعلق بالعين وهو الصحيح: فإن كان البائع أخرج الزكاة من عين المال فلا شيء على المشتري لأن نصاب الخلطة نَقَص في بعض الحول، وإن كان أخرجها من غيره فعلى المشتري نصف شاة.
أوجب على المشتري نصف شاة إذا أخرجها من غير المال على تقدير [القول بتعلق الزكاة بالعين، لأنه قال: وإن قلنا تتعلق بالعين، ثم أسقط الزكاة على تقدير] 122 إخراجها من عين المال وأوجبها على تقدير الإخراج من غيره.
وصرح صاحب المحرر بعدم تأثير التعلق فيما ذكر في نهايته.
الجزء: 1 - الصفحة: 700
فإن قيل: لم لا يحمل قول المصنف رحمه الله على أن البائع أخر الزكاة زمناً ثم أخرجها من غير المال؛ لأنه حينئذ تبقى الزكاة متعلقة بالعين إلى وقت الإخراج فينقطع حول المشتري لبطلان بعض الحول فإذا بطل حوله لا زكاة عليه؟
قيل: ليس في كلام المصنف رحمه الله أنه أخر الإخراج بل فيه تصريح بأنه أخرج عقيب الوجوب لأنه قال: لا ينقطع حول البائع وعليه إذا تم حوله زكاة حصته فإن أخرجها.
ذكره بالفاء المقتضية للتعقيب، وعلى تقدير حمله على التأخير لا ينفعه نقلاً ولا دليلاً، أما النقل فلأن تعلق الزكاة بالعين يمنع وجوب الزكاة لانعقاد الحول صرح صاحب المحرر في نهايته.
وأما الدليل فلأن منع تعلق الزكاة فيها بالعين لوجوب الزكاة كمنع الدين لوجوب الزكاة، والدين لا يمنع انعقاد الحول فكذا التعلق بالعين.
فإن قيل: لم قلت أن الدين لا يمنع الانعقاد؟
قيل: لأنه لو منعه لما صح قول الفقهاء ويمنع الدين وجوب الزكاة لأن ما لا حول له لا زكاة فيه.
فإن قيل: كيف السبيل إلى تصحيح كلام المصنف رحمه الله؟
قيل: بأن يجعل بدل وإن أخرجها من غيره وإن لم يخرجها.
قال: (وإن أفرد بعضه وباعه ثم اختلطا انقطع الحول.
وقال القاضي: يحتمل أن لاينقطع إذا كان زمناً يسيراً).
أما كون الحول ينقطع بما ذكر إذا كان الزمن بين الإفراد والخلطة طويلاً فلزوال الخلطة حقيقة وحكماً.
وأما كونه ينقطع إذا [كان] 123 الزمن يسيراً وهو قول ابن حامد فلأن الإفراد ينافي الاختلاط، والإفراد موجود فوجب أن يؤثر.
وأما كونه يحتمل أن لا ينقطع على ما قاله القاضي فلأن الزمن اليسير معفو عنه فوجب أن لا ينقطع كما لو باعه مشاعاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 701
قال: (وإن ملك نصابين شهراً ثم باع أحدهما مشاعاً فعلى قياس قول أبي بكر يثبت للبائع حكم الانفراد وعليه عند تمام حوله زكاة المنفرد، وعلى قياس قول ابن حامد عليه زكاة خليط.
فإذا تم حول المشتري فعليه زكاة خليط وجهاً واحداً).
أما كون البائع يثبت له حكم الانفراد على قياس قول أبي بكر فلأن أبا بكر يرى أن البيع يقطع الحول فيصير البائع كأنه ملك أربعين شاة منفردة.
فعلى هذا إذا تم حوله عليه زكاه زكاة المنفرد لأنه منفرد.
وأما كونه عليه زكاة خليط على قياس قول ابن حامد فلأن ابن حامد لا يرى البيع قاطعاً للحول فلم تزل الأربعون التي له مختلطة في جميع الحول فيزكي زكاة خليط.
وأما كون المشتري عليه زكاة خليط وجهاً واحداً إذا تم حوله فلأن الأربعين التي له 124 لم تزل مختلطة في جميع حوله على كلا القولين.
قال: (وإذا ملك نصاباً شهراً ثم ملك آخر لا يتغير به الفرض، مثل: أن يملك أربعين شاة في المحرم وأربعين في صفر فعليه زكاة الأول عند تمام حوله ولا شيء عليه في الثاني في أحد الوجهين وفي الآخر عليه للثاني زكاة خليط كالأجنبي في التي قبلها.
وإن كان الثاني يتغير به الفرض مثل أن تكون مائة شاة فعليه زكاته إذا تم حول وجهاً واحداً).
أما كون من ملك نصاباً ثم آخر لا يتغير به الفرض كما مثّل المصنف رحمه الله عليه زكاة الأول عند تمام حوله فلأن النصاب الكامل ينعقد عليه الحول من حين ملكه فإذا تم وجبت زكاته لتمام الحول والنصاب.
وأما كونه لا شيء عليه في الثاني في وجهٍ فلأن المستفاد بعقد لا يضم إلى حول ما في ملكه لما تقدم وإنما يضم في العدد لأن ملك الإنسان يضم بعضه إلى بعض في ذلك وإذا ضممناه أشبه الوقص.
وأما كونه عليه فيه زكاة خليط وهي هنا نصف شاة فلأنه مخالط للأربعين الأولة أشبه الأجنبي.
الجزء: 1 - الصفحة: 702
وأما كونه عليه زكاة الثاني الذي يتغير به الفرض كما مثل المصنف رحمه الله إذا تم حوله وجهاً واحداً فلأنه لو ملكها ابتداء وجبت زكاة المجموع فكذلك هنا.
ولأنه لا يخلو إما أن يجعلهما كالمال الواحد لمالك واحد أو كمالين لمالكين وكيف ما قدر وجب هنا شاة أخرى بخلاف التي قبلها فإن تقدير جعلهما مالاً واحداً لمالك واحد لا يجب أكثر من شاة واحدة.
قال: (فإن كان الثاني يتغير به الفرض ولا يبلغ نصاباً مثل أن يملك ثلاثين من البقر في المحرم وعشراً في صفر فعليه في العشر إذا تم حولها ربع مسنة، وإن ملك ما لا يتغير به الفرض كخمس فلا شيء فيها في أحد الوجهين، وفي الثاني عليه سبع تبيع إذا تم حولها).
أما كون من ملك نصاباً ثم آخر يتغير به الفرض كما مثل المصنف رحمه الله عليه في العشر ربع مسنة فلأنه لو ملك الجميع ابتداء لوجب عليه مسنة والنصاب الأول تعلق به تبيع أو تبيعة دون العشرة الأخرى فوجب فيها ربع ما يجب في الأربعين وهو ربع مسنة.
ولأن تقدير جعلهما مالين لمالكين مختلطين يجب على صاحب العشرة ربع مسنة وعلى تقدير جعلهما مالاً واحداً يجب في الأربعين مسنة ففي العشر ربعها.
وأما كون ما لا يتغير به الفرض كخَمس لا شيء فيها في وجهٍ فلأن مالكها لو ملك الجميع ابتداء لم يجب في الخمس شيء.
ولأن بتقدير جعلهما مالاً واحداً لمالك واحد لم يجب فيها شيء.
وأما كونه عليه في الخمس سبع تبيع إذا تم حولها في وجهٍ فلأنه مخالط بخمس لثلاثين فوجب عليه سبع تبيع كالخليط.
قال: (وإذا كان لرجل ستون شاة كل عشرين منها مختلطة مع عشرين لرجل آخر فعلى الجميع شاة نصفها على صاحب الستين ونصفها على خلطائه على كل واحد سدس شاة).
أما كون الجميع عليهم شاة فلأنهم يملكون شيئاً تجب فيه شاة على من انفرد به وحكم الخلطاء حكم المنفرد.
الجزء: 1 - الصفحة: 703
وأما كون نصفها على صاحب الستين فلأن جميع مال الخلطة مائة وعشرون ومال صاحب الستين نصف ذلك فيجب عليه نصف ما يجب على الكل وهو نصف شاة.
وأما كون نصفها على خلطائه فلأنهم يملكون مثل صاحب الستين.
وأما كون كل واحد منهم عليه سدس شاة فلأن كل واحد من الخلطاء يملك عشرين، ونسبة ذلك من المائة والعشرين سدسها فيجب على كل واحد سدس شاة لا سدس الواجب في الجميع.
قال: (وإن كانت كل عشر منها مختلطة بعشر لآخر فعليه شاة، ولا شيء على خلطائه لأنهم لم يختلطوا في نصاب).
أما كون صاحب الستين عليه شاة فلأن الخلطة من شرطها أن يكون المجموع نصاباً وقد فات هنا فيجب عليه زكاة المنفرد، والإنسان يضم ماله إلى ماله فيكون الجميع ستين وفي ذلك شاة.
وأما كون خلطائه لا شيء عليهم؛ فلما ذكر 125 المصنف رحمه الله من أنهم لم يختلطوا في نصاب، وفارق كل واحد من الخلطاء هنا الخليط الأول في أنه لا مال له يضم إليه بخلاف الأول فإنه له مال إذا ضم بعضه إلى بعض يجب في مثله الزكاة.
قال: (وإذا كانت ماشية الرجل مفترقة في بلدين لا تقصر بينهما الصلاة فهي كالمجتمعة، [وإن كان بينهما مسافة القصر فكذلك عند أبي الخطاب.
والمنصوص أن لكل مال حكم نفسه كما لو كانا لرجلين).
أما كون ماشية الرجل المتفرقة في بلدين ليس بينهما مسافة القصر كالمجتمعة] 126 فلقوله صلى الله عليه وسلم: «في أربعين شاة شاة» 127.
قال المصنف في المغني: لا أعلم خلافاً أن ماشية الرجل يضم بعضها إلى بعض إذا كانت دون مسافة القصر.
الجزء: 1 - الصفحة: 704
وأما كونها كذلك إذا كان بينهما مسافة القصر عند أبي الخطاب فلما تقدم من الحديث.
ولأنه ملك رجل واحد أشبه ما لو كان دون مسافة القصر أو كان غير الماشية.
وأما كون كل مال له حكم نفسه كما لو كانا لرجلين على منصوص الإمام أحمد رحمه الله فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يفرق بين مجتمع ولا يجتمع بين متفرق» 128. وفيما ذكر جمع بين متفرق.
ولأنه لما أثر اجتماع مالين لرجلين في جعلهما كالمال الواحد فكذلك يجب أن يؤثر افتراق مال الرجل الواحد حتى نجعله كالمالين.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «في أربعين شاة شاة» 129 محمول على المجتمعة، وما كان دون مسافة القصر، والقياس على دون مسافة القصر لا يصح لأن البلاد المتقاربة كالبلد الواحد.
ولأن الزكاة عبادة فأثر فيها مسافة [القصر] 130 كالصوم والصلاة.
ولا يصح القياس أيضاً على غير الماشية لأن الخلطة لا أثر لها فيه.
فعلى هذا لو كان له ثمانون في كل بلد أربعون وجب عليه شاتان ولو كان له أربعون في كل بلد عشرون فلا زكاة عليه.
قال: (ولا تؤثر الخلطة في غير السائمة، وعنه: أنها تؤثر).
أما كون الخلطة لا تؤثر في غير السائمة من الزروع والثمار والذهب والفضة وعروض التجارة وسائر أموال الزكاة على الرواية الأولى فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجتمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» 131. وذلك إنما يكون في الماشية، وكذلك قوله: «والخليطان ما اشتركا في الحوض والفحل والراعي» 132.
ولأن الزكاة في الماشية تقل بجمعها تارة وتكثر تارة، وسائر الأموال تجب فيما زاد على النصاب بحسابه فلا أثر لجمعها.
الجزء: 1 - الصفحة: 705
ولأن الخلطة في الماشية تؤثر في النفع تارة وفي الضرر أخرى فلو اعتبرناها في غير الماشية أثرت ضرراً محضاً برب المال فلا يجوز اعتبارها.
وأما كونها تؤثر على الرواية الثانية فلأن الارتفاق المعتبر في السائمة موجود في غيرها من اتحاد المخزن والخازن والوزان والميزان والصعاد والناطور والفلاح وغير ذلك.
فعلى هذا إن كانت الخلطة خلطة أعيان مثل: أن يكون بين شريكين فلا إشكال، وإن كانت خلطة أوصاف مثل: أن تكون أشجاراً متميزة متجاورة، أو تكون أرض أحدهما مجاورة لأرض آخر ويتحد المشرف والفلاح، ومثل: أن يكون مال أحدهما في كيس ومال الآخر في كيس آخر لكن المخزن والحافظ واحداً فهل تؤثر الخلطة في ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: تؤثر لما ذكر من الارتفاق.
والثاني: لا تؤثر لأن الارتفاق في ذلك ليس كالارتفاق فيما نص الشرع على جواز الخلطة فيه، ولا هو في معنى خلطة الأعيان مما ذكر فوجب بقاؤها على المنع عملاً بمقتضاه السالم عن شبه ما تجوز الخلطة فيه.
قال: (ويجوز للساعي أخذ الفرض من مال أي الخليطين شاء مع الحاجة وعدمها.
ويرجع المأخوذ منه على خليطه بحصته من القيمة، فإن اختلفا في القيمة فالقول قول المرجوع عليه إذا عدمت البينة).
أما كون الساعي يجوز له أخذ الفرض من مال أي الخليطين شاء فلأن المالين قد صارا كمال واحد في وجوب الزكاة فكذلك في الإخراج.
ولأنه صلى الله عليه وسلم لما قال: «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية» 133 علم أن للساعي أن يأخذ من مال أي الخليطين شاء لأنه لو أخذ من مالهما لم يرجع أحد على أحد.
وأما كون الأخذ مع الحاجة وعدمها، والمراد بالحاجة مثل أن يكون مال أحدهما صغاراً ومال الآخر كباراً، ويكون مال كل واحد منهما أربعين أو ستين ونحو ذلك،
الجزء: 1 - الصفحة: 706
وبعدم الحاجة مثل: أن يكون مال كل واحد منهما مائتي شاة ونحو ذلك فلما تقدم من المعنى وإطلاق الحديث.
وأما كون المأخوذ منه يرجع على خليطه بحصته فلقوله صلى الله عليه وسلم: «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» 134.
وأما كون الحصة من القيمة فلأن المأخوذ ليس من ذوات الأمثال.
فعلى هذا لو كان لأحدهما عشرة وللآخر ثلاثون فأخذ الساعي الشاة من العشرة رجع صاحبها على صاحب الثلاثين بثلاثة أرباع قيمتها، وإن أخذها من الثلاثين رجع صاحبها على صاحب العشرة بربع قيمتها.
وأما كون القول قول المرجوع عليه إذا اختلفا في القيمة ولا بينة فلأنه غارم لا معارض لقوله، والقول قول الغارم الذي هذا شأنه.
وأما كونه لا يقبل قوله إذا كانت بينة فلأن الرجوع بما تقول البينة واجب لأنها ترفع التنازع، وإذا كان كذلك لم يكن القول قوله لأنه ينافيها.
قال: (وإذا أخذ الساعي أكثر من الفرض ظلماً لم يرجع بالزيادة على خليطه، وإن أخذه بقول بعض العلماء رجع عليه).
أما كون المأخوذ منه لا يرجع بالزيادة المأخوذة منه ظلماً على خليطه فلأن الساعي ظلمه وليس لمن 135 ظُلم أن يَظلم ولا أن يرجع بظلمه على غير من ظلمه.
وأما كونه يرجع عليه بالمأخوذ بقول بعض العلماء فلأن كل ما ساغ فيه الاجتهاد إذا اجتهد فيه الإمام وأداه اجتهاده إليه وجب دفعه، والساعي نائبه حكمه حكمه، وإذا وجب دفعه كان على الخليطين، فيرجع به الخليط على خليطه كالمتفق عليه.
ولأن المانع من الرجوع فيما تقدم الظلم وهو منتف هنا فوجب الرجوع عملاً بمقتضيه السالم عن معارضة الظلم.
فإن قيل: ما صورة ذلك؟
قيل: أن يأخذ عن المراض أو الصغار صحيحة كبيرة متأولاً بقول بعض العلماء.
الجزء: 1 - الصفحة: 707
باب زكاة الخارج من الأرض
يشمل الزروع والثمار والمعدن والركاز.
والأصل في وجوب ذلك كله قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: 267]، والزكاة تسمى نفقة بدليل قوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ [التوبة: 34].
وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: 141].
وقوله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» 136 رواه البخاري.
وقوله عليه السلام: «وفي المعدن الصدقة».
وروي «أنه عليه السلام أخذ زكاة المعادن القَبَلِيّة من بلال بن الحارث» 137 رواه الجوزجاني.
وقوله عليه السلام: «وفي الركاز الخمس» 138 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 708
قال المصنف رحمه الله: (تجب الزكاة في الحبوب كلها، وفي كل ثمر يكال ويدخر كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق.
ولا تجب في سائر الثمر ولا في الخضر والبقول والزهر.
وعنه: أنها تجب في الزيتون والقطن والزعفران إذا بلغا بالوزن نصاباً.
وقال ابن حامد: لا زكاة في حب البقول كحب الرشاد والأبازير كالكسفرة والكمون وبزر القثاء والخيار ونحوه).
أما كون الزكاة تجب في الحبوب كلها على قول غير ابن حامد فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: 267]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء العشر» 139.
وأما كونه لا تجب في حب البقول على قول ابن حامد فلأنه ليس بمنصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص عليه فوجب أن يبقى على النفي الأصلي.
وأما كونها تجب في كل ثمر يكال ويدخر فلما تقدم من الآية والخبر.
فإن قيل: لم قيد الوجوب بكون الثمر يكال ويُدَّخر؟
قيل: أما تقييده بكونه يكال فلقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» 140 متفق عليه.
لأن ذلك يدل [على] 141 أن ما لا يدخله التوسيق ليس مراداً من عموم الآية والخبر وإلا كان ذكر الأوسق لغواً.
وأما تقييده بكونه يُدَّخر فلأن جميع ما اتفق على وجوب الزكاة فيه مدخر.
ولأن غير المدخر لا تكمل النعمة فيه لعدم التمكن من الانتفاع في المال.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالتمر وما بعده؛ فتمثيل لصور من صور وجوب الزكاة لاجتماع الوصفين فيها.
الجزء: 1 - الصفحة: 709
وأما كون الزكاة لا تجب في سائر الثمر مثل: الجوز والخوخ والأجاص والكمثرى والمشمش والتين ونحو ذلك فلأنها ليست مكيلة.
وقد روي «أن عامل عمر كتب إليه في كروم فيها من الفرسك والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافاً.
فكتب إليه عمر أنه ليس عليها عشر هي من العضاة» 142 رواه الأثرم.
والفرسك: الخوخ.
وأما كونها تجب في الزيتون والقطن والزعفران على روايةٍ: أما في الزيتون فلقوله تعالى: ﴿والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: 141].
وأما في القطن والزعفران فلأن ذلك موزون ومدخر تام المنفعة والوزن أقيم مقام الكيل لاتفاقهما في عموم المنفعة.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا بلغا بالوزن نصاباً؛ فتنبيه على أن نصاب القطن والزعفران ألف وستمائة رطل بالعراقي.
ولأن وزنه أقيم مقام كيله فاعتبر به ذكره القاضي في المجرد.
وحكي عن الإمام أحمد أن نصاب ذلك ما يبلغ قيمته قيمة نصاب من أدنى المعشرات لأن ذلك لا توسيق فيه وقد جعل الشارع لمن صار إليه من أرضه خمسة أوسق من أدنى المعشرات نصاباً تجب فيه المواساة فوجب أن تعتبر القيمة به فيما لا توسيق فيه كما اعتبرت القيمة في العروض بنصاب الذهب والفضة.
والأصح في ذلك كله عدم الوجوب لما تقدم.
والآية التي تمسك بها على الوجوب للزكاة في الزيتون ليس المراد به الزكاة لأنها مكية نزلت قبل وجوب الزكاة ولهذا لم تجب الزكاة في الرمان.
وأما قيام الوزن مقام الكيل فلم يرد به نص، ولا يصح قياسه على الكيل لأن العلة غير معقولة فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 710
وأما كون الزكاة لا تجب في الخضر؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس في الخضروات صدقة» وفي لفظ: «زكاة» 143 رواه الدارقطني.
قال: (ويعتبر لوجوبها شرطان:
أحدهما: أن تبلغ نصاباً قدره بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار خمسة أوسق.
والوسق ستون صاعاً، والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي.
فيكون ذلك ألفاً وستمائة رطل.
إلا الأرز والعلس نوع من الحنطة يدخر في قشره فإن نصاب كل واحد منهما مع قشره عشرة أوسق.
وعنه: أنه يعتبر نصاب ثمرة النخل والكرم رطباً ثم يؤخذ عشره يابساً).
أما كون الزكاة يعتبر لوجوبها الشرطان المذكوران؛ فلما يأتي ذكره فيهما.
وأما كون أحدهما أن يبلغ نصاباً قدره في الحبوب والثمار غير الأرز والعلس خمسة أوسق؛ فلقوله عليه السلام: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» 144 متفق عليه.
وقوله عليه السلام: «ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» 145 رواه مسلم.
وأما كون الأرز والعلس نصاب كل واحد منهما عشرة أوسق؛ فلأنه يدخر في قشره ويخرج على النصف.
فإن قيل: ما ذكر عام في كل علس أم خاص؟
قيل: بل ذلك معتبر فيما يقول الثقات من أهل الخبرة أنه يخرج على النصف.
فإن لم يقولوا ذلك وجهل ما فيه خُيّر المالك بين تصفيته وإخراج الفرض منه إذا بلغ نصاباً وبين أن يستظهر ويخرج منه غير مقشور؛ لأن كل واحد منهما وسيلة إلى إسقاط الواجب.
ومعنى الاستظهار: أن يخرج من غير المقشور ما يغلب على ظنه أن فيه قدر الواجب؛ لأن ذلك يسقط الفرض بيقين فلو احتمل واحتمل لم يخرج عن العهدة؛
الجزء: 1 - الصفحة: 711
لأن الأصل عدم براءة ذمته بعد تعلق الزكاة بماله ولم توجد براءتها فوجب بقاء الأصل على ما كان عليه.
وأما كون قدر النصاب فيما ذكر يعتبر بعد التصفية في الحبوب، والجفاف في الثمار غير النخل والكرم؛ فلأن التصفية والجفاف حالة الكمال والادخار.
ولأن العشر إنما يجب في الحب فكان الاعتبار به، والتوسيق لا يمكن إلا بعد التجفيف فوجب اعتباره عنده.
وأما كون قدر نصاب ثمر النخل والكرم يعتبر بعد الجفاف على المذهب؛ فلما ذكر في سائر الثمر.
وأما كونه يعتبر نصابهما 146 رطباً على روايةٍ؛ فلأن قوله عليه السلام: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» 147 يدل بمفهومه على وجوبها فيما بلغ خمساً في حال رطوبته وجفافه.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بخرصهما» 148 وما وجب خرصه اعتبر بحال رطوبته كما لو كانت الثمرة لا تجفف.
وأما كون زكاتهما تؤخذ يابساً؛ فلما روى عتاب بن أسيد قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرص العنب كما نخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ صدقة النخل تمراً» 149 رواه أبو داود والترمذي.
والأول أصح لأن في بعض ألفاظ الحديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر صدقة (5») 151 والخمسة أوسق من الرطب دون التمر، وحديث عتاب بن أسيد روي من طريق آخر: «أمر أن نخرص العنب زبيباً» 152 رواه الدارقطني.
فيحمل المطلق على150
الجزء: 1 - الصفحة: 712
المقيد.
والقياس على ما لا يمكن تجفيفه غير مُسَلَّم الحكم فيه بل لا يؤخذ عنه إلا يابساً باعتبار ما يؤول إليه لو كان مما يجفف.
وأما كون الوسق ستين صاعاً فلا خلاف فيه.
قال ابن المنذر: هو قول كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
وقد روى الأثرم وأبو داود عن سلمة بن صخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الوسق ستون صاعاً» 153.
وروى أبو سعيد وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك 154 رواه ابن ماجة.
وأما كون الصاع خمسة أرطال وثلثاً فلقوله عليه السلام لكعب بن عجرة: «أطعم ستة مساكين فرقاً من طعام» 155 متفق عليه.
قال أبو عبيد: ولا خلاف بين الناس أعلمه في أن الفرق ثلاثة آصع، والفرق ستة عشر رطلاً.
ولما تقدم من قول المصنف رحمه الله في صفة الغسل: ويغتسل بالصاع من رجوع أبي يوسف لما دخل المدينة وسأل عن الصاع فجاءه سبعون شيخاً كل واحد صاعه تحت ردائه 156.
فعلى هذا يلزم أن يكون نصاب المعشرات ألفاً وستمائة رطل بالعراقي، ويكون بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم ثلثمائة رطلٍ واحداً وأربعين رطلاً وثلث رطل لأن أبا عبيد ذكر في كتاب الأموال أن الرطل العراقي مائة وثمانية وعشرون درهماً.
وقد تقدم ذكر ذلك في تقدير القلتين 157.
الجزء: 1 - الصفحة: 713
ونقل المصنف رحمه الله في المغني الجديد: أن الرطل العراقي مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم.
فعلى هذا يكون النصاب ثلثمائة رطل واثنين وأربعين رطلاً وستة أسباع رطل.
قال: (وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فإن كان له نخل يحمل في السنة حملين ضم أحدهما إلى الآخر.
وقال القاضي: لا يضم.
ولا يضم جنس إلى آخر في تكميل النصاب.
وعنه: أن الحبوب يضم بعضها إلى بعض.
وعنه: تضم الحنطة إلى الشعير والقطنيات بعضها إلى بعض).
أما كون ثمرة العام الواحد يضم بعض أنواعها إلى بعض مثل: أن يكون في ملكه ثمر مختلف الأنواع كالبرني والمعقلي وما أشبه ذلك فلأن ذلك جنس واحد فضم إلى نوعه كالبخاتي والعراب والمعز والضأن.
فإن قيل: كلام المصنف عام في ثمرة العام فلم حمل على النوع؟
قيل: لأن فيه جمعاً بينه وبين قوله بعدُ: ولا يضم جنس إلى آخر.
وأما كون النخل الذي يحمل في السنة حملين يضم أحدهما إلى الآخر على غير قول القاضي ولأنهما ثمرة عام واحد أشبهتا ثمرة الشجرتين.
وأما كونه لا يضم على قوله فلأنهما حملان أشبها حمل العامين.
وأما الجنس الواحد فإن كان من الثمر لم يضم جنس إلى غيره كما لا يضم الإبل إلى البقر، فإن كان من الحبوب ففيه ثلاث روايات:
إحداهن: لا يضم جنس إلى غيره لما تقدم في الثمر.
والثانية: يضم لأن ذلك يتفق في قدر النصاب والمخرج والمنبت والحصاد أشبه أنواع الجنس.
والرواية الثالثة: تضم الحنطة إلى الشعير، والقطنيات بعضها إلى بعض لأن ذلك تتقارب منفعته.
أشبه نوعي الجنس.
والأول أصح عند المصنف لأن دليل الروايتين الأخيرتين ينتقض بالتمر والزبيب فإنه لا يضم أحدهما إلى الآخر مع أن فيهما جميع ما ذكر.
وقال القاضي: الصحيح أن الحنطة تضم إلى الشعير، والقطنيات بعضها إلى بعض.
وهي التي ذكرها الخرقي.
الجزء: 1 - الصفحة: 714
قال: (الثاني: أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة، ولا تجب فيما يكتسبه اللقاط أو يأخذه بحصاده، ولا فيما يجتنيه من المباح كالبطم والزعبل وبزر قطونا ونحوه.
وقال القاضي: فيه الزكاة إذا ثبت في أرضه).
أما كون الشرط الثاني: أن يكون النصاب مملوكاً لمن تجب عليه الزكاة وقت الوجوب فلأن ذلك شرط في كل مال تجب الزكاة فيه.
وأما كون الزكاة لا تجب فيما ذكر من الصور على قول غير القاضي فلأن ذلك إنما يملك بحيازته وأخذه، والزكاة إنما تجب في الحبوب والثمار إذا بدا صلاحها وفي تلك الحال لم يكن ملكاً له فلم تجب فيه زكاة كما لو اتهبه.
وأما كونها تجب على قول القاضي فلاجتماع الأوصاف من كونه حباً مكيلاً مدخراً.
وأما قوله: "إذا ثبت في أرضه" فشرط لوجوب الزكاة فيما ذكر على قول القاضي لأن ذلك حينئذ يساوي الحبوب التي تجب فيها الزكاة بخلاف ما لم يثبت في أرضه.
الجزء: 1 - الصفحة: 715
فصل [في الخارج من الأرض]
قال المصنف رحمه الله: (ويجب العشر فيما سقي بغير [مؤونة] 158 كالغيث والسيوح وما يشرب بعروقه، ونصف العشر فيما سقي بكلفة كالدوالي والنواضح.
فإن سقي نصف السنة بهذا ونصفها بهذا ففيه ثلاثة أرباع العشر، وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما.
نص عليه.
وقال ابن حامد: يؤخذ بالقسط فإن جهل المقدار وجب العشر).
أما كون العشر يجب فيما سقي بغير مؤونة، ونصفه فيما سقي بكلفة فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» 159 رواه البخاري.
وروي عن معاذ قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ مما سقت السماء أو سقي بعلاً العشر، وما سقي بدالية نصف العشر» 160.
وأما قول المصنف رحمه الله: أولاً بغير مؤونة وآخراً بكلفة؛ فتنبيه على علة اختلاف الواجب.
وأما قوله: كالغيث والسيوح فتمثيل لمياه يسقى بها لا مؤونة فيها، وتصريح بأن ذلك كله مما يجب العشر فيما سقي به.
والمراد بالغيث الماء النازل من السماء، وبالسيوح: الذي يجري على الأرض والعيون، وبما يشرب بعروقه ما على الجداول والماذينات وما أشبه ذلك.
وذلك كله داخل فيما تقدم من الحديث لأن قوله عليه السلام: «فيما سقت السماء» 161 يشمل الغيث، وقوله: «والعيون» يشمل السيوح،
الجزء: 1 - الصفحة: 716
وقوله: «عثرياً» يشمل السيوح أيضاً على قول ابن قتيبة لأنه قال: العثري هو الذي يأتي بماء السماء إليه وسمي عثرياً لأنهم يجعلون في مجرى الماء عاثوراً فإذا صدمه الماء تراد فدخل تلك المجاري فتسقيه.
والغيث على قول أبي عبيد لأنه قال: هو ما سقته السماء، وقوله: أو سقي بعلاً ما يشرب بعروقه لأن أبا عبيد قال: البعل ما يشرب بعروقه من غير سقي.
وأما الكلفة فالمراد بها المؤونة التي يحتاج إليها من دالية أو دولاب أو ناعورة أو سانية وهي الإبل أو نحو ذلك.
وأما كون ما سقي نصف السنة بغير مؤونة ونصفها بكلفة فيه ثلاثة أرباع العشر فلأنه لو سقي كل السنة سيحاً وجب العشر، ولو سقي كلها بمؤونة وجب نصف العشر فيجب إذا سقي النصف والنصف نصف العشر ونصف نصفه وذلك ثلاثة أرباع.
وأما كون ما سقي بأحدهما أكثر من الآخر يعتبر على المنصوص فلأن العبرة بالأكثر في كثير من الأحكام فكذلك هنا.
ولأن اعتبار عدد مرات السقي وقدر ما يشرب في كل سقية يشق فاعتبر الأكثر دفعاً للمشقة.
وأما كونه يؤخذ بالقسط على قول ابن حامد فلأنه قد اعتبر ذلك فيما إذا كان نصفين فليكن هاهنا كذلك.
وأما كون ما جهل المقدار فيه يجب فيه العشر فلأنه يحتمل أنه سقي أكثر السنة بغير كلفة فيجب العشر، ويحتمل أنه سقي أقل فيجب نصفه فوجب العشر لأنه خروج من عهدة الواجب بيقين.
قال: (وإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمرة وجبت الزكاة، فإن قطعها قبله فلا زكاة فيها إلا أن يقطعها فراراً من الزكاة فتجب فتلزمه.
ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في الجرين فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت الزكاة سواء كانت قد خرصت أو لم تخرص.
وإذا ادعى تلفها قُبِل قوله بغير يمين).
أما كون الزكاة تجب إذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمرة فلأنه حينئذ يقصد للأكل والاقتيات به أشبه اليابس.
الجزء: 1 - الصفحة: 717
وأما كون الثمرة إذا قطعت قبل صلاحها لا على وجه الفرار لا زكاة فيها فلأنه تصرف فيها قبل تعلق الوجوب بها أشبه ما لو تلفت الماشية قبل تمام الحول.
وأما كونها إذا قطعت فراراً من الزكاة تلزم قاطعها فلما فيه من معارضته بنقيض قصده أشبه القاتل والمطلق ثلاثاً في مرض موته.
وأما كون وجوب الزكاة لا يستقر إلا بجعل الثمرة في الجرين فلأنها قبل ذلك في حكم ما لم تثبت اليد عليه، بدليل ما لو كانت مبيعة فتلفت بجائحة فإن للمشتري أن يرجع على البائع.
وأما كون الزكاة تسقط بالتلف قبل جعل الثمرة في الجرين فلأن الزكاة لم تستقر أشبه ما لو لم تتعلق به الزكاة البتة.
وأما كون قول المصنف رحمه الله: بغير تعد؛ فمشعر بأنه لو تعدى فيها ضمن نصيب الفقراء.
وصرح به في الكافي لأن المتعدي يعد مفرطاً فوجب عليه الضمان كالمتعدي في الوديعة.
وأما كون ما ذكر كذلك سواء أخرصت الثمرة أو لم تخرص فلأن الخرص لا يوجب وإنما فعل للتمكين من التصرف فوجب سقوط الزكاة مع وجوده كعدمه.
وأما كون من ادعى تلفها يقبل قوله بغير يمين فلأن الزكاة خالص حق لله تعالى فلا يستحلف فيه كالحد.
قال: (ويجب إخراج زكاة الحب مصفى والثمر يابساً، فإن احتيج إلى قطعه قبل كماله لضعف الأصل ونحوه أو كان رطباً لا يجيء منه تمر، أو عنباً لا يجيء منه زبيب أخرج منه عنباً ورطباً.
وقال القاضي: يخير الساعي بين قسمه مع رب المال قبل الجذاذ وبعده وبين بيعه منه أو من غيره.
والمنصوص أنه لا يخرج إلا يابساً وأنه لا يجوز له شراء زكاته).
أما كون إخراج زكاة الحب مصفى والثمر يابساً إذا لم يحتج إلى قطعه وكان يجيء من رطبه تمر ومن عنبه زبيب يجب فلما روى عتاب قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص
الجزء: 1 - الصفحة: 718
العنب فتؤخذ زكاته زبيباً كما يخرص النخل فتؤخذ زكاته تمراً» 162 رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
ولا يسمى زبيباً وتمراً حقيقة إلا اليابس وإذا ثبت هذا في التمر والزبيب ثبت في غيرهما لاشتراك الكل في المعنى.
ولأن حالة اليباس حالة الكمال.
وأما كون ما يحتاج إلى قطع ثمره قبل كماله لكون الأصل ضعيفاً أو لكونه لا يصلح للتجفيف كالتمر الجاستوي والبرنتا والعنب الحمري يخرج منه رطباً وعنباً فلأن العشر وجب مواساة ولا مواساة في إلزامه شراء ما ليس في ملكه.
وفي جواز إخراج ذلك رطباً وعنباً إشعار بجواز قطعه لذلك لأنه لا يتمكن من الإخراج إلا به.
ولأن عليه ضرراً في إبقائه فلا يكلف ما يهلك أصل المال.
ولأن حفظ الأصل أحظ للفقراء من حفظ الثمرة لتكرر حقهم فيها.
وأما كون الساعي يخير بين قسمه مع رب المال قبل الجذاذ وبعده على قول القاضي فلأن الثمرة عين حقهم فجاز لمن يليه قسمه كولي اليتيم فإنه يجوز له قسمه ثمار موليه مع شريكه.
وأما كونه يخير بين بيعه من رب المال أو من غيره: أما من رب المال فلأنه يبذل فيها عوض مثلها أشبه الأجنبي.
وأما من غيره فلا إشكال فيه لأن التقدير أنها لا تجفف فلو لم يجز بيعها لأدى إلى تلفها إذا لم يجد من يدفعها إليه في الحال.
وأما كون من عليه ذلك لا يخرج إلا يابساً على المنصوص فلما تقدم في الذي يمكن تجفيفه.
وأما كونه لا يجوز له شراء زكاته على ذلك فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «لا تَعُدْ في صدقتك ولو أعطاكه بدرهم» 163.
الجزء: 1 - الصفحة: 719
قال: (وينبغي أن يبعث الإمام ساعياً إذا بدا صلاح الثمر فيخرصه عليهم ليتصرفوا فيه.
فإن كان أنواعاً خرص كل نوع وحده وإن كان نوعاً واحداً فله خرص كل شجرة وحدها، وله خرص الجميع دفعة واحدة).
أما كون الإمام 164 ينبغي أن يبعث ساعياً إذا بدا صلاح الثمر فيخرصه؛ فلما روت عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبدالله بن رواحة إلى يهود فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه» 165.
ولما تقدم من حديث عتاب «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل ... الحديث» 166 رواهما أبو داود.
ويجزئ خارص واحد لحديث عائشة.
ولأنه يفعل ما يؤدي اجتهاده إليه فجاز أن يكون واحداً كالحاكم.
ويشترط أن يكون مسلماً لأن الكافر لا يؤمن على أمر ديني، أميناً لأنه يقبل قوله فيما يخبر فاعتبرت أمانته كالشهادة، ذا خبرة لئلا يجور على المالك والفقراء.
وهذا الخرص مختص بالعنب والرطب لدلالة حديثي عائشة وعتاب على خرصهما ودعوى لحاجة إلى أكلهما رطبين مع أن خرصهما ممكن لظهور ثمرتهما واجتماعها في أفنانهما وعناقيدهما بخلاف غيرهما فإنه لم يسمع بالخرص فيه ولا هو في معناه لأن الزيتون ونحوه حبه متفرق في شجره مستور بورقه.
وأما كونه يخرص كل نوع وحده إن كان أنواعاً فلأنه أقرب إلى العدل وعدم الجور لأن الأنواع تختلف في الكثرة والقلة.
وأما كونه يخير في النوع الواحد بين خرصه دفعة أو دفعات فلأن النوع الواحد لا يختلف غالباً، ولما يلحقه من المشقة لو تعين عليه خرص كل شجرة وحدها.
الجزء: 1 - الصفحة: 720
قال: (ويجب أن يترك في الخرص لرب المال الثلث أو الربع، فإن لم يفعل فلرب المال الأكل بقدر ذلك ولا يحسب عليه).
أما كون الخارص يجب عليه أن يترك لرب المال الثلث أو الربع فلما روى سهل بن أبي حثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع» 167 رواه أبو داود.
وعن مكحول قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث الخراص قال: خففوا عن الناس فإن في المال العرية والواطئة والأكلة» 168 رواه أبو عبيد.
فإن قيل: ما معنى العرية إلى آخره؟
قيل: العرية النخلات يهب رب المال ثمرتها لإنسان، والواطئة السائلة، والأكلة أرباب الأموال ومن يعلق بهم.
وأما كون رب المال له الأكل من الثمر بقدر ذلك وكونه لا يحسب به عليه فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بترك ذلك له» 169 ولو لم يجز له أكله لما أذن في تركه وإذا جاز أكله لم يحسب عليه كما لو أذن له في أكل طعام فأكله.
قال: (ويؤخذ العشر من كل نوع على حدته، فإن شق ذلك أخذ من الوسط).
أما كون العشر يؤخذ من كل نوع على حدته إذا كان ما يؤخذ منه العشر جيداً ورديئاً فلأن أخذ الرديء عن الجيد لا يجوز لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: 267]، وأخذ الجيد عن الرديء لا يجب لما فيه من الإضرار بالمال وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» 170 رواه أبو داود.
وإذا لم يجز أخذ الرديء ولم يجب أخذ الجيد كان الواجب من كل نوع بعضه.
الجزء: 1 - الصفحة: 721
وأما كونه يؤخذ من الوسط إذا شق ذلك فلأن المشقة منتفية شرعاً، وأخذ الرديء إضرار بالفقراء، وأخذ الجيد إضرار بالمال فتعين الوسط لما فيه من التسوية وعدم الجور.
قال: (ويجب العشر على المستأجر دون المالك.
ويجتمع العشر والخراج في كل أرض فتحت عنوة).
أما كون العشر يجب على المستأجر دون المالك فلأن الزرع والثمر له، والعشر يجب على من له ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: 267]، وقوله تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: 141] فأوجب العشر على من الخارج له وعلى من أبيح له أكله وليس شيء من ذلك للمالك.
ولأنه يجب في المال فيجب على مالكه كسائر الأموال.
وأما كون العشر والخراج يجتمعان في كل أرض فتحت عنوة فلأن الخراج مؤونة فهو كالأجرة في الإجارة، والمستأجر يجتمع عليه الأجرة والعشر، وكذا الخراج والعشر، وإذا اجتمع ذلك على المستأجر وجب أن يجتمع على المالك لاجتماع النفع بالأرض والثمرة له.
ولأنهما حقان يجبان لمستحقين فيجتمعان كالكفارة والقيمة في الصيد المملوك.
وأما قول المصنف رحمه الله: في كل أرض فتحت عنوة؛ فيحترز به عما إذا فتحت صلحاً فإن الأرض المفتوحة صلحاً لا خراج فيها فلا يحصل اجتماع الخراج والعشر.
قال: (ويجوز لأهل الذمة شراء الأرض العشرية ولا عشر عليهم.
وعنه: عليهم عشران يسقط أحدهما بالإسلام).
أما كون أهل الذمة يجوز لهم شراء الأرض العشرية وإن أدى إلى إسقاط الزكاة فبالقياس على شرائهم نصاباً من السائمة.
وعن الإمام أحمد: لا يجوز لهم ذلك لما فيه من إسقاط العشر.
والفرق بين الأرض والسائمة ظاهر لأن الأرض تراد للدوام غالباً بخلاف السائمة فإنها لا تراد لذلك فلا يلزم من الجواز المؤدي إلى الإسقاط في بعض الزمان الجواز المؤدي إلى الإسقاط في غالب الزمان.
فعلى الأول لا عشر عليهم إذا اشتروا لأنهم لم يشتروا ما منعوا منه وهم
الجزء: 1 - الصفحة: 722
ليسوا من أهل العشر فلم يجب عليهم العشر عملاً بالنافي له السالم عن المعارض، وعلى الثاني يؤخذ منهم عشران لأنهم تعرضوا لإسقاط العشر فضوعف عليهم كما لو اتجروا بأموالهم إلى غير بلدهم فإنه يضاعف عليهم الزكاة ويؤخذ منهم نصف العشر.
فإن قيل: ما الأرض العشرية؟
قيل: هي التي للمسلم ولا خراج عليها.
قاله صاحب المغني فيه.
وقال غيره: هي الأرض التي يجب فيها العشر خراجية كانت أو غير خراجية وهو أظهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 723
فصل [في زكاة العسل]
قال المصنف رحمه الله: (وفي العسل العُشر سواء أخذه من موات أو من ملكه.
ونصابه عشرة أفراق كل فرق ستون رطلاً).
أما كون العسل فيه العشر فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذ من العسل العشر» 171. أمر والأمر للوجوب.
وفي لفظ: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها» 172 رواه أبو عبيد.
وروى ابن ماجة عن أبي سيارة المتعي قال: «قلت: يا رسول الله! إن لي نحلاً.
قال: أد العشر.
قال: قلت: فاحم إذاً جبلها.
فحماه له» 173.
وروي: «أن عمر أمر في العسل بالعُشر» 174 رواه الأثرم.
وأما كون نصابه عشرة أفراق فـ «لأن عمر رضي الله عنه قدره بذلك» 175 رواه الجوزجاني.
الجزء: 1 - الصفحة: 724
فتعين المصير إليه لأنه قول صحابي لا يعرف له مخالف.
وأما كون الفرق ستين رطلاً وهو قول ابن حامد فلأن ذلك يروى عن الخليل.
وقال القاضي: هو ستة وثلاثون رطلاً لأن ذلك عادة جارية بينهم يتبايعون به كالرطل والأوقية.
ونص الإمام أحمد رحمة الله عليه على أنه ستة عشر رطلاً لأن أبا عبيد قال: لا خلاف بين الناس أعلمه أن الفرق ثلاثة آصع.
وقد ثبت أن الصاع خمسة أرطال وثلث.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: يحتمل أن يكون نصابه ألف رطل لحديث عمرو بن شعيب «أنه كان يؤخذ في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها» 176 والقربة عند الإطلاق مائة رطل بدليل أن القلتين خمس قرب وهما خمسمائة رطل.
فإن قيل: الفرق راؤه محركة أو ساكنة؟
قيل: الذي هو ستة عشر رطلاً راؤه محركة.
ولذلك قال ثعلب: قل فرق بتحريك الراء ولا تقل فرق بإسكانها، والذي هو ستون رطلاً وهو مكيال ضخم من مكاييل العراق راؤه ساكنة قاله الخليل.
وقيل: هما لغتان.
فإن قيل: ما الظاهر من الأقوال المتقدم ذكرها؟
قيل: ما نص عليه الإمام من أنه ستة عشر رطلاً لأنه المشهور فينصرف الإطلاق إليه.
والمكيال الضخم لا يصح حمله لوجوه:
أحدها: أنه غير مشهور في كلامهم.
وثانيها: أن نصاب العسل عشرة أفراق وهي جمع فَرَق بالتحريك، وجمع الفرْق بالتسكين فروق.
وثالثها: أن حمل قول عمر على الفَرَق بتحريك الراء أولى من حمله على المكيال الذي راؤه ساكنة لأن الظاهر من حاله أنه إنما يريد مكاييل الحجاز لا مكاييل العراق.
الجزء: 1 - الصفحة: 725
فصل [في زكاة المعدن]
قال المصنف رحمه الله: (ومن استخرج من معدن نصاباً من الأثمان أو ما قيمته نصاب من الجواهر والصفر والزئبق والقار والنفط والكحل والزرنيخ وسائر ما يسمى معدناً ففيه الزكاة في الحال ربع العشر من قيمته سواء استخرجه في دفعة أو دفعات لم يترك العمل بينها ترك إهمال).
أما كون المستخرج من المعدن فيه الزكاة فلما روى أبو عبيد بإسناده عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن غير واحد من علمائهم «أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القَبَلِيّة قال: فتلك لا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم» 177.
وروى الجوزجاني بإسناده «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القبلية الصدقة» 178.
ولأنه حق يَحْرم على أغنياء ذوي القربى فكانت فيه الزكاة لا الخمس كسائر الزكوات.
وأما كونه يشترط أن يكون نصاباً فلأنه مال تجب فيه الزكاة فاشترط فيه النصاب كسائر ما يجب فيه.
وأما كون النصاب عشرين مثقالاً من الذهب أو مائتي درهم من الفضة أو قيمة أحدهما من غيرهما فلقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس عليكم في الذهب شيء حتى يبلغ عشرين مثقالاً» 179.
وقوله عليه السلام: «ليس فيما دون خمسة أواق صدقة» 180 وغيرهما تبع لهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 726
وإنما اعتبر النصاب في الأثمان بأعيانهما وفي غيرهما بقيمة أحدهما لأنهما في الناضّ والعروض كذلك فكذلك هاهنا.
ولأنهما قيم الأشياء فوجب أن يعتبرا في أنفسهما بهما وفي غيرهما بأحدهما.
وأما كون الزكاة في الحال، والمراد به في حال ما يُتناول المستخرج من غير اعتبار حول فلأنه مال يستفاد من الأرض فلم يعتبر له حول كالزروع والثمار.
وأما كون المستخرج في دفعة أو دفعات لم يترك العمل بينهما ترك إهمال سواء فلأنه لو اعتبر دفعة واحدة لأدى إلى عدم الوجوب في المعدن لأنه يبعد استخراج نصاب دفعة.
وحدّ الإهمال ثلاثة أيام إن لم يكن عذر، وإلا فمقدر بالعذر.
فإن قيل: ما المراد بالمعدن؟
قيل: كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة.
وقد مثله المصنف رحمه الله بما ذكره.
وأما كون قدرها ربع العشر فلأن الواجب فيه زكاة لما تقدم، والواجب في الزكاة ربع العشر.
وكان الواجب أن يقول المصنف رحمه الله: ربع العشر من عينه إن كان ذهباً أو فضة أو ربع العشر من قيمته إن كان من غيرهما؛ لأن الواجب في الأثمان من جنسها بخلاف غيرها فإنه لا يجب من جنسها بل يجب في قيمتها كالمملوك من ذلك للتجارة.
وإنما اقتصر المصنف رحمه الله على قوله: ربع العشر من قيمته إما لأن كون الواجب في الأثمان من جنسه ظاهر، وإما على سبيل التغليب لأنه ذكر الأثمان وأجناساً كثيرة من غيرها فغلب الأكثر.
وقد زاد بعض من أجاز المصنف رحمه الله له الإصلاح معنى ما تقدم ذكره.
قال: (ولا يجوز إخراجها إذا كانت أثماناً إلا بعد السبك والتصفية.
ولا زكاة فيما يخرج من البحر من اللؤلؤ والمرجان والعنبر ونحوه.
وعنه: فيه الزكاة).
أما كون إخراج زكاة الأثمان قبل السبك والتصفية لا يجوز فلأنه قبل ذلك لا يتحقق أنه أخرج قدر الزكاة فلم يجز إخراجه كعَشْر الحب قبل التصفية.
الجزء: 1 - الصفحة: 727
وأما كون ما يخرج من البحر من اللؤلؤ والمرجان والعنبر ونحوه لا زكاة فيه على المذهب فلأنه يروى عن ابن عباس: «ليس في العنبر شيء إنما هو شيء دسره البحر» 181، وعن 182 جابر مثله 183 رواهما أبو عبيد.
وروى أبو عبيد أيضاً «أنه كان يخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» فلم تأتنا سنة علمناها عنه ولا عن أحد من الخلفاء بعده من وجه يصح، ونراه مما عفي عنه كما عفي عن صدقة الخيل وإذا ثبت هذا في العنبر فليكن جميع ما يستخرج من البحر مثله لأنه في معناه.
وأما كونه فيه الزكاة على روايةٍ فلأنه مستخرج فوجب ذلك كالمستخرج من البَرّ.
والأول أصح لما تقدم.
والقياس لا يصح لأنه في مقابلة النص.
الجزء: 1 - الصفحة: 728
فصل [في زكاة الركاز]
قال المصنف رحمه الله: (وفي الركاز الخمس، أيّ نوع كان من المال قل أو كثر لأهل الفيء.
وعنه: أنه زكاة وباقيه لواجده إن وجده في موات أو أرض لا يعلم مالكها).
أما كون الركاز فيه الخمس فلقوله عليه السلام: «وفي الركاز الخمس» 184.
فإن قيل: ما الركاز؟
قيل: هو في اللغة المال المدفون في الأرض فاشتقاقه من ركَز يركُز مثل: غرز يغرز إذا خفي.
ومنه: ركزت الرمح إذا أخفيت أسفله.
وفي الشرع: هو المال الجاهلي المدفون.
وأما كون ذلك في أي نوع كان من الركاز قل أو كثر فلعموم الحديث المذكور.
ولأنه مال مخموس فلا يعتبر فيه نصاب كالغنيمة والزرع.
والفرق بينه وبين المعدن أن المعدن يحتاج إلى عمل ونوائب فاعتبر فيه النصاب تخفيفاً.
وأما كون الخمس لأهل الفيء على المذهب فـ «لأن رجلاً وجد ألف دينار مدفونة خارجاً من المدينة.
فأتى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخذ منها الخمس ودفع إلى الرجل بقيتها.
وجعل عمر رضي الله عنه 185 يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين إلى أن فضل منها فضلة فقال عمر: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه فقال: خذ هذه فهي لك» 186 رواه أبو عبيد.
ولو كانت زكاة 187 لخص بها أهلها ولما جاز ردها على الواحد المذكور.
الجزء: 1 - الصفحة: 729
ولأنه مال مخموس زالت عنه يد الكفار أشبه الغنيمة.
وأما كونه لأهل الزكاة على روايةٍ فـ «لأن علياً أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على المساكين».
ولأنه مال مستفاد من الأرض أشبه الزرع والمعدن.
وأما كون باقيه لواجده فلما تقدم من فعل عمر 188.
وأما قول المصنف رحمه الله: إن وجده في مَوات أو أرض لا يعلم مالكها؛ فتنبيه على اشتراط أحد الأمرين في ملك الواجد بقية الركاز؛ لأن الأرض إذا لم تكن كذلك تكون مملوكة لمالك معروف فيكون الركاز له إن وجده قولاً واحداً؛ لأن سبب استحقاقه إما الملك وإما الظهور وكلاهما موجود فيه.
وإن وجده غيره كان فيه خلاف يذكر بعد إن شاء الله تعالى.
وفي اشتراط كونه في ذلك دليل على أنه إن وجده في ذلك كان ملكاً له وهو الصحيح: أما في الأرض الموات فلأنه مباح لا حق لغيره فيه سبق إليه فملكه كما لو صاد منها صيداً أو نحو ذلك، وأما في الأرض التي لا يعلم مالكها فلأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وما لم يكن في طريق مَأْتِيّ ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس» 189 رواه النسائي.
وفي لفظ: «فإن وجده في خربة جاهلية أو قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس» 190.
قال: (وإن علم مالكها أو كانت منتقلة إليه فهو له أيضاً.
وعنه: أنه لمالكها أو لمن انتقلت عنه إن اعترف به وإلا فهو لأول مالك).
أما كون ما وجد في أرض يعلم مالكها لمن وجده على الرواية الأولى فلأن ذلك لا يملك بملك الأرض إذ ليس هو من أجزائها وإنما هو مودع فيها بل بالظهور لأنه يجري مجرى الصيد والكلأ يملكه من ظفر به كالمباحات كلها.
الجزء: 1 - الصفحة: 730
وأما كونه لمالك الأرض على الرواية الثانية فلأن يده عليها فكان ما فيها له كالقماش الذي فيها.
والأولى أصح قاله القاضي.
وأما كون ما وجده في ملك انتقل إليه كذلك فلما تقدم من العلة.
فعلى الأولى لا إشكال، وعلى الثانية يكون لمن انتقلت عنه إن اعترف به لأن الظاهر أنه له وإلا فهو لأول مالك لأنه في ملكه فكان له كحيطانه.
قال: (وإن وجده في أرض حربي ملكه، إلا أن لا يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين فيكون غنيمة).
أما كون من وجد الركاز فيما ذكر يملكه إذا قدر عليه بنفسه فلأن المالك لا حرمة له فكان لواجده كما لو وجده في الموات.
وأما كون ما لم يقدر عليه إلا بجماعة غنيمة فلأن قوتهم أوصلته فكان غنيمة كالمأخوذ بالحرب.
قال: (والركاز: ما وجد من دفن الجاهلية، عليه علامتهم فإن كان عليه علامة المسلمين أو لم تكن عليه علامة فهو لقطة).
أما قول المصنف رحمه الله: والركاز ما وجد من دفن الجاهلية؛ فبيان لمعنى الركاز شرعاً، وقد تقدم ذكره.
وإنما اختص بدفن الجاهلية لأن دفنهم تَقَادم عهده وخفي مكانه فهو أشبه بالركاز اللغوي.
والمراد بعلامتهم: أن يكون عليه أسماء ملوكهم وصورهم وصلبانهم ونحو ذلك.
وأما كون ما عليه علامة المسلمين لقطة فلأن ذلك ملك مسلم لم يعلم زواله عنه.
وأما كون ما لم يكن عليه علامة لقطة فلأن الظاهر أنه دفن مسلم.
ولأن الدار دار إسلام فوجب الحكم بكونه لقطة تغليباً لحكم الإسلام.
الجزء: 1 - الصفحة: 731
باب زكاة الأثمان
قال المصنف رحمه الله: (وهي الذهب والفضة.
ولا زكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً فيجب فيه نصف مثقال، ولا في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم فيجب فيها خمسة دراهم).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي الذهب والفضة؛ فبيان للمراد بالأثمان من قوله: باب زكاة الأثمان.
وأما كون الذهب لا زكاة فيه حتى يبلغ عشرين مثقالاً فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب صدقة وليس فيما دون مائتي درهم صدقة» 191 رواه أبو عبيد.
وأما كون الفضة لا زكاة فيها حتى تبلغ مائتي درهم فلما تقدم في حديث عمرو بن شعيب، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» 192. والأوقية أربعون درهماً.
وأما كون الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً يجب فيه نصف مثقال فلما روى ابن عمر وعائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين مثقالاً نصف مثقال» 193 رواه ابن ماجة.
وعن علي: «على كل أربعين ديناراً دينار وفي كل عشرين ديناراً نصف دينار» 194 رواه الأثرم.
ورواه غيره مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم 195.
الجزء: 1 - الصفحة: 732
أما كون الفضة إذا بلغت مائتي درهم يجب فيها خمسة دراهم فلما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وفي الرقة ربع العشر» 196 متفق عليه.
وروى علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم» 197.
قال: (ولا زكاة في مغشوشهما حتى يبلغ قدر ما فيه نصاباً، فإن شك فيه خير بين سبكه وبين الإخراج).
أما كون مغشوش الذهب وهو: ما خلط فيه فضة، ومغشوش الفضة وهو: ما خلط فيه نحاس لا زكاة فيهما حتى يبلغ الذهب الذي في مغشوشه عشرين مثقالاً، والفضة التي في مغشوشها مائتي درهم فلما تقدم من النصوص الدالة على اعتبار النصاب.
وأما كون من شك في ذلك يخير بين السبك والإخراج فلأن كل واحد منهما محصل للغرض لخروجه به عن العهدة.
فعلى هذا إن سبكه فظهر نصاباً فما زاد أخرج ربع عشره لأن ذلك هو الواجب لما تقدم، وإن ظهر أقل من نصاب لم يجب عليه شيء لأن شرط الوجوب ملك نصاب ولم يوجد.
وإن لم يسبكه نظرت فإن شك في بلوغه نصاباً أخرج الزكاة لأن فيه خروجاً عن العهدة بيقين، وإن تيقن عدم بلوغه ذلك فلا شيء عليه لأن الأصل براءة الذمة وهي مستمرة بيقين.
وإن تيقن بلوغه النصاب وشك في الزيادة استظهر في الإخراج فإذا احتمل كون الخالص فيه خمسة وعشرين ديناراً [أو عشرين ديناراً كانت خمسة وعشرون ديناراً] 198 لما في ذلك من حصول البراءة بيقين.
الجزء: 1 - الصفحة: 733
قال: (ويخرج عن الجيد الصحيح من جنسه، فإن أخرج مكسراً أو بهرجاً زاد قدر ما بينهما من الفضل.
نص عليه).
أما كون الجيد الصحيح يخرج عنه الجيد الصحيح فلأن إخراج ما دون ذلك خبيث فلم يجز لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: 267].
ولأن الزكاة سبب وجوبها هنا جيد صحيح فوجب أن يكون الواجب هنا 199 كذلك كسائر ما تجب فيه الزكاة.
وأما كون من أخرج مكسراً أو بهرجاً وهو المختلط بغيره يزيد قدر الفضل بين المكسر وبين الصحيح وبين البهرج وبين الخالص فلئلا يؤدي إلى إخراج الرديء عن الجيد، وفي إخراج الفضل تنبيه على جواز إخراج الرديء مع وجوب الفضل وهو صحيح صرح به المصنف في المغني وقال: لأنه أخرج من جنس الأصل وإن خالف في الصفة.
وقال أبو الخطاب في الانتصار: قياس المذهب أنه لا يجزئه ذلك.
وقول أحمد محمول على روايةِ جواز إخراج القيمة.
ووجه ما ذهب إليه أبو الخطاب أنه حق الفقراء فلم يجز فيه ذلك كالمراض من السائمة لا يجزئ عن الصحاح منها.
قال: (وهل يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب أو يخرج أحدهما عن الآخر؟ على روايتين).
أما كون الذهب يضم إلى الفضة على روايةٍ فلأنهما يجريان مجرى الجنس الواحد ومنفعتهما واحدة فإنهما قيم المتلفات وأروش الجنايات، فهما كأنواع الفضة.
وقد خص الحديث الآتي في عروض التجارة فكذا محل النزاع.
وأما كونه لا يضم على روايةٍ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» 200 متفق عليه.
ولأنهما مالان يختلف نصابهما فلم يضم أحدهما إلى الآخر كأجناس الماشية.
الجزء: 1 - الصفحة: 734
وهذه أصح لأنها أقوى دليلاً وأصح تعليلاً لما فيها من موافقة الخبر الصحيح.
وقياس الجنسين على النوعين لا يصح لافتراقهما في قدر النصاب، والتخصيص على خلاف الأصل.
وأما كون أحدهما يخرج عن الآخر على روايةٍ فلما ذكر في الضم.
وأما كونه لا يخرج على روايةٍ فلأن جنسهما مختلف فلم يخرج أحدهما عن الآخر كالحب عن التمر والإبل عن البقر.
وهذه أصح لأن إخراج أحدهما عن الآخر من باب إخراج القيمة.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: وهو -يعني الإخراج- أصح إن شاء الله تعالى لأن المقصود من أحدهما يحصل، وكما لو أخرج المكسر عن الصحاح.
وقيل: اختلاف الروايتين مبني على الضم.
فإن قلنا: يضم أجزأ إخراج أحدهما عن الآخر، وإلا فلا.
قال: (ويكون الضم بالأجزاء.
وقيل بالقيمة فيما فيه الحظ للمساكين، وتضم قيمة العروض إلى كل واحد منهما).
أما كون ضم الذهب إلى الفضة بالأجزاء على المنصوص عن الإمام أحمد فلأنه لو انفرد لاعتبر بنفسه لا بقيمته فكذلك إذا ضم إلى غيره كالمواشي.
ولأن الضم بالأجزاء متيقن بخلاف الضم بالقيمة فإنه ظنّ وتخمين والمتيقن أولى.
وأما كونه بالأحظ من الأجزاء والقيمة على قول فلأن كل نصاب وجب فيه ضم الذهب إلى الفضة ضم بالقيمة كنصاب السرقة.
ولأن الأصل الضم لأجل الحظ فكذلك صفته.
فإن قيل: من القائل بذلك؟
قيل: أبو الخطاب، وجعله ظاهر كلام الإمام أحمد.
فإن قيل: ما مثال الضم بالأجزاء والضم بالقيمة؟
قيل: مثال الضم بالأجزاء أن يكون له عشرة دنانير ومائة درهم فكل واحد نصف نصاب فمجموعهما نصاب، وكذلك لو كان الربع من أحدهما والباقي من الآخر، ونحو ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 735
ومثال الضم بالقيمة التي فيها حظ للمساكين: أن يكون له تسعة دنانير قيمتها مائة درهم وله مائة أخرى فإذا اعتبرت القيمة بلغ ذلك نصاباً وإن اعتبرت الأجزاء لم يبلغ نصاباً.
فعلى نص الإمام أحمد: لا زكاة، وعلى قول أبي الخطاب فيه الزكاة.
فإن قيل: لو كان له عشرة دنانير قيمتها تسعون درهماً ومائة درهم فهل يخرج في المسألة خلاف نظراً إلى القيمة تارة وإلى الجزء أخرى؟
قيل: لا.
بل تجب الزكاة هنا على القول بالضم وجهاً واحداً لأن الخلاف المذكور ليس مبنياً على القيمة مطلقاً بل على القيمة بشرط كونها أحظ.
ولهذا قال المصنف رحمه الله: وقيل بالقيمة فيما فيه الحظ للمساكين.
والأجود أنه كان قال: ويكون الضم بالأجزاء، وقيل بالأحظ منها أو من القيمة لأن في ذلك شمولاً لهما.
وإذا ثبت أن العبرة إما بالجزء أو بالأحظ ظهر أن الزكاة واجبة في هذه الصورة قولاً واحداً لأن من اعتبر الجزء أوجبها هنا لوجوده، ومن اعتبر الأحظ أوجبها هنا أيضاً ليكون الضم بالجزء أحظ.
وأما كون قيمة العروض تضم إلى كل واحد من الذهب والفضة كمن له عشرة دنانير ومتاع قيمته عشرة أخرى، أو له مائة درهم ومتاع قيمته مائة أخرى فلأن الواجب في العروض القيمة، والذهب والفضة قيم الأشياء فكانا مع [القيمة] 201 جنساً واحداً، فإذا اجتمع منهما نصاب زكاة قال الخطابي: لا أعلم عامتهم اختلفوا في ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 736
فصل [في زكاة الحلي]
قال المصنف رحمه الله: (ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال في ظاهر المذهب.
فأما الحلي المحرم والآنية وما أعد للكراء أو النفقة ففيه الزكاة إذا بلغ نصاباً).
أما كون الحلي المباح المعد للاستعمال لا زكاة فيه في ظاهر المذهب فلما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس في الحلي زكاة» 202.
ولأنه مرصد للاستعمال المباح فلم تجب فيه زكاة كالعوامل وثياب القنية.
وأما كونه فيه زكاة في رواية فلعموم قوله: «وفي الرقة ربع العشر» 203.
ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «أتت امرأة من أهل اليمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابن لها وفي يديها مسكتان من ذهب.
فقال لها: هل تعطين زكاة هذا؟ قالت: لا.
قال: أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار» 204 رواه النسائي والترمذي وأبو داود.
ولأنه من جنس الأثمان أشبه التبر.
وأما كون الأولى ظاهر المذهب فلما تقدم.
وحديث عمرو بن شعيب الدال على الوجوب لا يصح.
قال أبو عبيد: لا نعلمه يروى إلا من وجه قد تكلم الناس فيه قديماً وحديثاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 737
وقال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب شيء.
ويحتمل أنه أراد بالزكاة العارية كما فسره بعض العلماء الحسن وقتادة وغيرهما 205.
وقوله: «وفي الرقة ربع العشر» 206 قد قيل الرقة: هي الدراهم المضروبة.
وقال أبو عبيد: لا نعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلا على الدراهم المنقوشة ذات السكة.
وعلى تقدير التناول يكون مخصوصاً لما ذكرنا من الدليل لأنه خاص.
وأما كون الحلي المحرم فيه الزكاة؛ فلأن اتخاذ الذهب والفضة حلياً محرماً فعل محرم فلم يخرج به عن أصله، وأصله فيه الزكاة فكذلك هذا.
وأما كون المعد للكراء فيه الزكاة؛ فلأن الكراء إنما حصل في مقابلة الانتفاع فكان فيه الزكاة كمال التجارة بخلاف الإعارة واللبس فإنه لا يحصل منه نماء البتة.
وأما كون المعد للنفقة فيه الزكاة؛ فلأن الأصل وجوب الزكاة وهو متمكن من صرفه إلى جهة النماء على وجه مشروع فوجبت فيه الزكاة كمال التجارة.
قال: (والاعتبار بوزنه إلا ما كان مباح الصناعة فإن الاعتبار في النصاب بوزنه وفي الإخراج بقيمته).
أما كون الاعتبار في المحرم بوزنه نصاباً وإخراجاً فلعموم قوله عليه السلام: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» 207.
فإن قيل: القيمة زائدة على الوزن؟
قيل: القيمة عن صنعه محرمة يجب إتلافها فلم يلتفت إليها.
وأما كون الاعتبار في نصاب مباح الصناعة بوزنه؛ فلما تقدم.
وقال ابن عقيل: يعتبر بالقيمة لأن الصناعة صفة للمال ولها قيمة مقصودة فوجب اعتبارها كالجودة، ولذلك لو أتلفها متلف وجبت القيمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 738
وأما كون الاعتبار في إخراجه بقيمته فلأنه لو أخرج قدر ربع عشره لوقعت القيمة المتقومة شرعاً لا حظ فيها للفقراء وهو ممتنع.
فعلى هذا هو مخير بين أن يخرج ربع عشره مشاعاً ثم يبيعه الفقير بمفرده أو مع المالك بغير جنسه، وبين أن يخرج قيمة ربع عشره من جنسه.
فإن قيل: هذا فيه زيادة عن الذات.
قيل: لا يضر ذلك كما تقدم في إخراج المكسر عن الصحيح.
ولأنه لا ربا بين الرب وعبده.
قال: (ويباح للرجال من الفضة الخاتم وقبيعة السيف، وفي حلية المنطقة روايتان، وعلى قياسها الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل، ومن الذهب قبيعة السيف وما دعت إليه الضرورة كالأنف وما ربط به أسنانه.
وقال أبو بكر: يباح يسير الذهب).
أما كون الرجال يباح لهم من الفضة الخاتم فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من وَرِق» 208 متفق عليه.
وأما كونهم يباح لهم منها قبيعة السيف فلأن أنساً قال: «كانت قبيعة سيف النبي صلى الله عليه وسلم فضة» 209.
وقال هشام بن عروة: «كان سيف الزبير محلى بالفضة» 210 رواه الأثرم.
ولأن ذلك حلية معتادة للرجل أشبهت الخاتم.
وأما كونهم يباح لهم منها حلية المنطقة في رواية فـ «لأن الصحابة رضوان الله عليهم اتخذوا المناطق محلاة بالفضة».
الجزء: 1 - الصفحة: 739
وأما كونهم لا يباح لهم في رواية فلما فيه من الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
ولأن لبس المنطقة يشعر بالتخنث والانحلال أشبه الطوق والدملج.
وأما كون الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل على قياس المنطقة في الإباحة وعدمها فلأن ذلك كله يساوي المنطقة معنى فوجب أن يساويها حكماً.
وأما كونهم يباح لهم من الذهب قبيعة السيف فـ «لأن عمر رضي الله عنه كان له سيف فيه سبائك من ذهب» 211.
وروى الأثرم عن أحمد أنه قال: «كان في سيف عثمان بن حُنيف مسمار من ذهب» 212 قال 213 فذلك الآن في السيف.
وأما كونهم يباح لهم منه ما دعت إليه الضرورة كالأنف وما يربط به أسنانه فلأنه روي «أن عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من وَرِق فأنتن عليه.
فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفاً من ذهب» 214 رواه أبو داود.
وروى الأثرم عن موسى بن طلحة وأبي جَمْرة الضُّبَعي وأبي رافع وثابت البناني وإسماعيل بن زيد بن ثابت والمغيرة بن عبدالله «أنهم شدوا أسنانهم بالذهب» 215.
الجزء: 1 - الصفحة: 740
وأما كونهم يباح لهم اليسير من الذهب على قول أبي بكر؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى عن لبس الذهب إلا مقطعاً» 216.
والصحيح أنه لا يباح يسير الذهب كما لايباح كثيره لعموم الأدلة المقتضية للتحريم.
ولأنه يروى أيضاً «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحلي بقدر الخُرَيْصيصة».
وهي القطعة من الحلي بقدر عين الجرادة.
ولأن في الذهب سرفاً ومباهاة وإن قل.
قال: (ويباح للنساء من الذهب والفضة كل ما جرت عادتهن بلبسه قل أو كثر.
وقال ابن حامد: إن بلغ ألف مثقال حرم وفيه الزكاة).
أما كون النساء يباح لهن ما جرت عادتهن بلبسه من الذهب والفضة كالخلخال في الرجل، والسوارين في اليدين، والدملج في العضد، والطوق في الحلق، والقُرط -بضم القاف- في الأذن فلأن المرأة محتاجة إلى التجمل لزوجها والتزين له ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم» 217.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله أن ما لم تجر عادتهن بلبسه كالثياب المثقلة المنسوجة بالذهب ونعال الذهب لا يباح لهن لبسه وهو صحيح نقلاً لانتفاء التجمل بلبسه عادة.
والحديث المتقدم ذكره يرده.
الجزء: 1 - الصفحة: 741
وأما كون ما يباح لهن لا فرق فيه بين القليل والكثير على المذهب فلأن المبيح للتحلي في حقهن بتجملهن لأزواجهن وتزينهن لهم وذلك موجود في القليل والكثير.
وأما كونه إن بلغ ألف مثقال حرم وفيه الزكاة على قول ابن حامد.
أما كونه يحرم فلأن ذلك يخرج عن الحد المعتاد في التزين إلى الإسراف المنهي عنه.
وأما كونه فيه الزكاة فلأنه محرم وقد روى جابر أنه قال: «لا زكاة في الحليّ.
قيل له: فإن كان قيمته ألف مثقال قال: كثير» 218.
فإن قيل: الألف معتبر في مجموعه أو مفرداته.
قيل: في مجموعه لظاهر الحديث.
وقال ابن عقيل في مفرداته: لأن الخلخال أو شبهه إذا كان ألف مثقال تحقق السرف المذكور فيه ولم يبح من أجله.
الجزء: 1 - الصفحة: 742
باب زكاة العروض
قال المصنف رحمه الله: (تجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصاباً، ويؤخذ منها لا من العروض).
أما كون الزكاة تجب في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصاباً فبالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم﴾ [المعارج: 24]، وقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: 103] وأموال التجارة أعم الأموال فكانت أولى بالدخول في ذلك.
وأما السنة فما روى سمرة بن جندب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعد للبيع» 219 رواه أبو داود.
فإن قيل: ما العروض؟
قيل: جمع عرض بسكون الراء، وهو: كل ما كان من المال غير الذهب والفضة على اختلاف أنواعه من الثياب والحيوان وسائر المال.
وأما كونها تؤخذ من القيمة لا من العروض فلأن النصاب معتبر بالقيمة وما اعتبر النصاب فيه وجب إخراج الزكاة منه كسائر الأموال.
الجزء: 1 - الصفحة: 743
قال: (ولا تصير للتجارة إلا أن يملكها بفعله بنية التجارة بها، فإن ملكها بإرث أو ملكها بفعله بغير نية ثم نوى التجارة بها لم تصر للتجارة، وإن كان عنده عرض للتجارة فنواه للقنية ثم نواه للتجارة لم يصر للتجارة.
وعنه: أن العروض تصير للتجارة بمجرد النية).
أما كون العروض لا تصير للتجارة إلا أن يملكها صاحبها بفعله كالشراء ونحوه بنية التجارة بها على المذهب فلأن ما لا يتعلق الزكاة به من أصله لا يصير محلاً لها بمجرد النية كالمعلوفة إذا نوى فيها السوم.
ولا فرق فيما ملكه بفعله بين أن يقابل ذلك بعوض كالبيع أو لا كالهبة لأن الكل حاصل بفعله.
وقال القاضي: يشترط أن يملكه بعوض كالبيع والخلع والنكاح فلو ملكه بهبة أو احتشاش أو غنيمة لم يصر للتجارة لأنه ملكه بغير عوض أشبه الموروث.
وأما كونها تصير بمجرد النية على روايةٍ فلأن التربص بالسلع لارتفاع الأسواق من صور التجارة ولا فعل فيه.
وإنما اشترطت النية لما تقدم من حديث سمرة، وإنما اعتبرت حين الملك على الأول لأن في بعض ألفاظ الحديث: «مما يعد للبيع حال الشراء».
ولأن الأعمال بالنية والتجارة عمل فوجب اقتران النية به كسائر الأعمال.
وأما كون من ملك العروض بإرث أو ملكها بفعله بغير نية ثم نوى التجارة بها لم تصر للتجارة على الأول 220 فلأن الأول لم يملكها بفعله وفي الثاني لم تقترن النية بالفعل والتقدير اشتراطهما.
وأما كون من كان عنده عرض للتجارة فنواه للقنية ثم نواه للتجارة لم يصر للتجارة على ذلك فلأنه بنيته القنية صار للقنية فإذا نواه للتجارة لم يصر للتجارة لعدم الفعل المشترط.
فإن قيل: لم يصير للقنية بمجرد النية 221 ولا يصير للتجارة يمجرد نيتها؟
قيل: لأن القنية هي الأصل فيكفي في الرد إليه مجرد النية كالمسافر ينوي الإقامة.
الجزء: 1 - الصفحة: 744
ولأن نية التجارة شرط في وجوب الزكاة في العروض وإذا نوى القنية زالت نية التجارة ففات شرط الوجوب.
فإن قيل: على القول باشتراط النية دون الفعل ما الحكم؟
قيل: إذا ملك العروض بإرث ونوى التجارة صارت للتجارة لوجود الشرط، وإذا كان عنده عرض للتجارة فنواه للقنية ثم نواه للتجارة صار للتجارة.
قال المصنف رحمه الله في المغني: والأول المشهور في المذهب.
قال: (وتقوم العروض عند الحول بما هو أحظ للمساكين من عين أو ورق.
ولا يعتبر ما اشتريت به).
أما كون العروض تقوم بما هو أحظ للمساكين من عين أو ورق فليحصل للمساكين ما هو الأحظ.
ولأن تقويمه لحظ المساكين فيعتبر ما لهم الأحظ فيه كما لو اشتراه بعروض وللبلد نقدان مستعملان تبلغ قيمة العروض بأحدهما نصاباً دون الآخر.
وأما كون ما 222 اشتريت به لا يعتبر فلأن ذلك يروى عن عمر.
ولأن في تقويمها بما اشتريت به إبطالاً للتقويم بالأحظ.
وقد تقدم دليل اعتباره فعلى هذا لو كانت العروض تساوي عند رأس الحول نصاباً بالذهب دون الفضة قومت بالذهب وإن اشتريت بالفضة للأحظ ولو كان بالعكس قومت بالفضة.
قال: (وإن اشترى عرضاً بنصاب من الأثمان أو من العروض بنى على حوله.
وإن اشتراه بنصاب من السائمة لم يبن على حوله).
أما كون من اشترى عرضاً بنصاب من الأثمان يبني على حول نصاب الأثمان فلأن مال التجارة إنما تتعلق الزكاة بقيمته وقيمته هي الأثمان نفسها.
وأما كون من اشترى ذلك بعروض يبني على حول العروض فلأن الزكاة تتعلق في الموضعين بالقيمة وهي الأثمان، والأثمان يُبنى حول بعضها على بعض.
الجزء: 1 - الصفحة: 745
وأما كون من اشترى ذلك بنصاب من السائمة لا يبني على حول السائمة فلأن العرض تجب الزكاة في قيمته والسائمة إذا لم تكن للتجارة تجب في عينها فهما جنسان مختلفان، وإذا كان كذلك لم يُبْن حول أحدهما على الآخر.
قال: (وإن ملك نصاباً من السائمة للتجارة فعليه زكاة التجارة دون السوم، فإن لم تبلغ قيمتها نصاب التجارة فعليه زكاة السوم).
أما كون من ملك ما ذكر عليه زكاة التجارة إذا بلغت قيمة السائمة نصاب التجارة فلأنها أحظ لأنها تجب فيما زاد بالحساب، والتجارة يلحظ فيها الأحظ للفقراء بدليل التقويم بالأحظ.
وأما كونه عليه زكاة السوم إذا لم تبلغ القيمة نصاب التجارة فلأن السوم سبب يوجب الزكاة ولا معارض له فعمل عمله.
قال: (وإن اشترى أرضاً أو نخلاً للتجارة فأثمرت النخل وزرعت الأرض فعليه فيهما العشر ويزكى الأصل للتجارة.
وقال القاضي: يزكي الجميع زكاة القيمة ولا عشر عليه إلا أن يسبق وجوب العشر حول التجارة فيخرجه).
أما كون من اشترى ما ذكر عليه العشر في الزرع والثمر، وزكاة التجارة في الأصل فلأنهما عينان تجب في إحداهما زكاة العين وفي الأخرى زكاة القيمة حال الانفراد فكذلك حال الاجتماع.
وأما كونه يزكي الجميع زكاة القيمة فلما ذكرنا من أنها أحظ للفقراء.
ولأنها إذا اجتمعت مع السوم كان الحكم لها فكذلك هنا.
ولأن الزرع والثمر كالولد لكون كل واحد منهما جزء الخارج منه فوجب أن يقوم مع الأصل كالسخال، والأرباح المتجددة إذا كانت الأصول للتجارة.
وأما كونه لا عشر عليه إذاً فلأنه لو وجب للزم الجمع بين زكاتين في مال واحد وفيه ضرر بالمالك.
واعلم أن في كلام المصنف رحمه الله نظراً من وجهين:
الجزء: 1 - الصفحة: 746
أحدهما: أن النقل في هذه المسألة أنه يزكي الجميع زكاة القيمة على المذهب، والأصل زكاة القيمة، والزرع والثمار زكاة العشر على قول القاضي لأن المصنف في المغني الأول وأبا الخطاب ذكرا هذه المسألة فقالا: زكا الجميع زكاة القيمة.
وقيل: يزكي الأصل زكاة القيمة، والثمرة والزرع زكاة العشر.
ثم إن شارح الهداية صاحب الخلاصة عزا القول في شرحه إلى القاضي وابن عقيل.
وثانيهما: أن قوله: إلا أن يسبق إلى آخره ظاهره أنه استثناء من قوله: ولا عشر عليه ولا يصح ذلك نقلاً ولا معنى 223.
أما عدم صحته من حيث النقل فلأن المصنف نسب زكاة الجميع زكاة القيمة إلى القاضي.
وقال في المغني: قال القاضي: ولا فرق بين أن يتفقا في الحول أو يختلفا مثل أن يثمر نخل التجارة وتنبت أرضها ويبدو الصلاح قبل مضي حول التجارة.
وأما عدم الصحة من حيث المعنى فلأن معنى قوله: ولا عشر عليه أن من وجبت عليه زكاة القيمة في الأصل والثمار لا يجب عليه عشر.
ومن هذا شأنه لا يجب عليه عشر بحال بل ينبغي أن يعود الاستثناء إلى الخلاف المذكور في المسألة أي الخلاف في اعتبار القيمة في الكل أو في الأصل دون الثمار إذا اتفق وقت وجوب العشر وزكاة التجارة فلو سبق نصاب العشر وجب العشر وجهاً واحداً.
وكان الجيد في ذلك أن يقال: إلا أن يسبق وجوب أحدهما الآخر ليعم ما ذكر وما إذا سبق وجوب التجارة وجوب العشر وأن الحكم فيهما واحد.
وقد صرح المصنف رحمه الله في المغني وصاحب النهاية فيها بأن قالا في المسألتين واتفق حولاهما.
ولو قدم المصنف رحمه الله تعالى زكاة القيمة في هذه المسألة فقال: زكى الجميع زكاة القيمة ولا عشر عليه إلا أن يسبق حول أحدهما الآخر، وقال القاضي: يزكى الأصل زكاة القيمة والثمرة والزرع زكاة العشر لكان صحيحاً جيداً سالماً من أمور:
أحدها: مخالفة نقله في المغني الأول ومخالفة نقل الأصحاب.
الجزء: 1 - الصفحة: 747
وثانيها: أن يكون قد قدم ما أومأ إليه الإمام أحمد فإنه في المغني ذكر زكاة القيمة للجميع ثم قال: أومأ إليه الإمام أحمد.
وثالثها: أن الاستثناء يعود إلى قوله: ولا عشر لأن كل من اعتبر القيمة شرط الاتفاق في كمال الحول، وقال: متى سبق أحدهما الآخر كان الحكم له لأنه لو لم يكن الحكم له للزم تأخير أداء الزكاة عن كمال الحول.
ورابعها: أنه يكون قول القاضي في المغني ولا فرق بين أن يتفقا في الحول أو يختلفا لأن الاستثناء المذكور بناء على قول من يعتبر القيمة وليس ذلك قول القاضي على ما تقدم.
وقوله: فيخرجه مرفوع وليس معطوفاً على قوله: يسبق لأنه لو كان كذلك لكان السبق والإخراج شرطين لتعين العشر وليس الشرط كذلك بل الشرط سبق أحدهما الآخر في الوجوب.
قال: (وإذا أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في إخراج زكاته فأخرجاها معاً ضمن كل واحد نصيب صاحبه، ، وإن أخرجها أحدهما قبل الآخر ضمن الثاني نصيب الأول عَلِم أو لم يعلم، ويتخرج أنه لا ضمان عليه إذا لم يعلم).
أما كون كل واحد من المخرجين يضمن نصيب صاحبه في المسألة الأولى فلأنه انعزل حكماً بإخراج المالك.
وأما كون الثاني يضمن نصيب الأول فلما ذكر قبل.
وأما كونه يضمن مع العلم وعدمه فلأن العزل الحكمي لا يختلف بذلك بدليل ما لو مات المالك، وما لو وكله في بيع عبده ثم أعتقه.
وأما كونه يتخرج أنه لا ضمان عليه إذا لم يعلم في المسألة الثانية فلأنه وكيل في الدفع فلم يضمن إذا لم يعلم كما لو وكله في قضاء دينه فقضاه المالك ثم الوكيل.
وقد قيل: الفرق بينهما أنه في قضاء الدين يتمكن من الرجوع على رب الدين بخلاف مسألة الزكاة فإنه لا يتمكن من الرجوع على الفقير لأنها تنقلب تطوعاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 748
باب زكاة الفطر
قال المصنف رحمه الله: (وهي واجبة على كل مسلم تلزمه مؤونة نفسه إذا فضل عنده عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته صاع، وإن كان مكاتباً، وإن فضل بعض صاع فهل يلزمه إخراجه؟ على روايتين).
أما كون زكاة الفطر واجبة في الجملة فالأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: 14 - 15] وعموم قوله: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: 43].
وأما السنة فما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الذكر والأنثى والحر والمملوك من المسلمين صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» 224 متفق عليه.
وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض.
وأما كونها واجبة على كل مسلم إلى آخره فلأنه داخل فيما تقدم، وتقييد كونها واجبة بما ذكر مشعر بأنه يشترط لوجوبها شروط:
أحدها: الإسلام لأن من شرطها النية ولا تصح من كافر.
ولأنها زكاة فكان من شرطها ذلك كزكاة المال.
الثاني: أن يكون ممن تلزمه مؤونة نفسه لأن قوله عليه السلام: «أدوا الفطرة عمن تمونون» 225 يدل على عدم وجوب الفطرة على من لا يمون نفسه لأنه خاطب بالوجوب غيره، ولو وجبت عليه لخاطبه به كسائر من تجب عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 749
فإن قيل: الكلام في لزوم الفطرة لا في نفسها؟
قيل: المراد بالحديث لزوم المؤونة لما يأتي إن شاء الله تعالى.
الثالث: أن يفضل عنده عن قوته [وقوت] 226 عياله يوم العيد وليلته صاع لأن قوته وقوت عياله أهم فيجب تقديمه لقوله صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بنفسك» 227 رواه مسلم.
وفي لفظ: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» 228.
وأما قول المصنف رحمه الله: على كل مسلم؛ فيعم الغني والفقير القادر على الصاع بعد ما ذكر، وهو صحيح؛ لعموم حديث ابن عمر: «على كل صغير وكبير حر وعبد» 229.
ولما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر» 230 رواه أبو داود.
وأما قوله رحمه الله: وإن كان مكاتباً فمعناه أن المكاتب تجب عليه زكاة الفطر إذا اجتمع فيه ما ذكر لدخوله في الخبر.
ولأنه مسلم تلزمه نفقته فلزمته فطرته كالحر.
وأما كون من فضل عنده بعض صاع يلزمه إخراجه على روايةٍ فلأن الفطرة طهرة فوجب منها ما قدر عليه كالطهارة بالماء.
الجزء: 1 - الصفحة: 750
ولأن البعض من الصاع يخرج عن العبد المشترك فجاز أن يخرج عن الحر كالصاع.
وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ فلأن الفطرة طهرة فلا تجب على من لا يملك جميعها كالكفارة.
قال ابن عقيل: هذا هو الصحيح.
قال: (ويلزمه فطرة من يمونه من المسلمين فإن لم يجد ما يؤدي عن جميعهم بدأ بنفسه ثم بامرأته ثم برقيقه ثم بولده ثم بأمه ثم بأبيه ثم بالأقرب فالأقرب في الميراث).
أما كون من يمون 231 أحداً من المسلمين يلزمه فطرته فلأن في بعض روايات ابن عمر «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن 232 تمونون» 233.
وفي تقييد المصنف رحمه الله لزوم الفطرة بكون المخرج عنه من المسلمين مشعر بأنه لا يلزمه فطرة من يمونه من الكفار وهو صحيح لأن الفطرة طهرة للمفعول عنه والكافر لا يقبل الطهرة لأنه لا يطهره إلا الإسلام.
وأما كونه يبدأ بنفسه إذا لم يجد ما يؤدي عن جميع من يلزمه مؤنته فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بنفسك» 234.
ولأن الفطرة تبنى على النفقة، ونفقة نفسه مقدمة على كل أحد فكذلك فطرته.
وأما كونه يبدأ بعد نفسه بفطرة امرأته فلأن نفقتها آكد لأنها تجب مع اليسار والإعسار وتجب على سبيل المعاوضة.
وأما كونه يبدأ بعد امرأته بفطرة رقيقه فلأن نفقته تجب أيضاً مع اليسار والإعسار بخلاف الأقارب.
فإن قيل: فلم قدمت فطرة المرأة عليه؟
قيل: لأن نفقتها آكد لأنها معاوضة.
الجزء: 1 - الصفحة: 751
وأما كونه 235 يبدأ بعد رقيقه بفطرة ولده فلأن نفقة الولد الصغير متفق عليها بخلاف الوالد.
وأما كونه يبدأ بأمه بعده فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدمها في البر حين سأله الأعرابي من أبر؟ قال: أمك.
قال: ثم من؟ قال: أمك.
وقال في الثالثة أو الرابعة ثم أباك» 236.
ولأنها ضعيفة عن الكسب والعمل.
وأما كونه يبدأ بأبيه بعد ذلك فلما ذكر من الحديث.
وأما كونه يبدأ بالأقرب فالأقرب في الميراث فلأن الأقرب أولى من غيره كالميراث.
قال: (ويستحب أن يخرج عن الجنين ولا يجب).
أما كون الجنين يستحب أن يخرج عنه فـ «لأن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يخرج عن الجنين» 237.
ولأنه يشبه من تجب عليه الفطرة في الآدمية والميراث والوصية له وبه.
وأما كون ذلك لا يجب فلأن الفطرة لو تعلقت بالجنين قبل ظهوره لتعلقت الزكاة بأجنة البهائم قبل ظهورها وليس كذلك.
وذكر أبو الخطاب رواية أنها واجبة لما ذكرنا من الشبه في الميراث والوصية.
قال المصنف في المغني: والأول أصح.
قال: (ومن تكفل بمؤونة شخص في شهر رمضان لم تلزمه فطرته عند أبي الخطاب.
والمنصوص أنها تلزمه).
أما كون من تكفل بمؤونة شخص في شهر رمضان، ومعناه: أنه مانه على وجه التبرع شهر رمضان كله لا تلزمه فطرته عند أبي الخطاب؛ فلأن الفطرة تتبع النفقة ونفقة من ذكر غير واجبة فكذلك فطرته.
الجزء: 1 - الصفحة: 752
وأما كونها تلزمه على منصوص الإمام أحمد رحمه الله عليه؛ فلعموم قوله: «ممن تمونون» 238.
ولأنه شخص منفق عليه فتجب عليه فطرته كالعبد.
والمعتبر مؤونة جميع الشهر.
وقال ابن عقيل: قياس المذهب أنها على من مانه قبل غروب الشمس بليلة.
فإن مانه جماعة فقال المصنف رحمه الله في المغني: لا أعلم فيها قولاً للأصحاب، ويحتمل أن لا يجب شيء؛ لأن السبب مؤونة الشهر ولم يوجد، واحتمل أن يجب بالحصص كالعبد المشترك.
وقول أبي الخطاب أصح عند المصنف رحمه الله.
ذكره في المغني لأن الحديث المذكور محمول على من تلزمه مؤونته لا على حقيقة المؤونة بدليل وجوبها على الآبق والمملوك عند الغروب ولم يمنهما وسقوطها عمن مات أو عتق قبل الغروب وقد مانهما 239.
قال: (وإذا كان العبد بين شركاء فعليهم صاع.
وعنه: على كل واحد صاع، وكذلك الحكم فيمن بعضه حر).
أما كون العبد إذا كان بين شركاء عليهم صاع واحد على المذهب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب على العبد صاعاً واحداً» 240 وهذا عام في المشترك وغيره.
ولأن نفقته تقسم عليهم فكذلك فطرته.
ولأنه شخص واحد فلا يجب بسببه أكثر من صاع واحد كما لو كان لواحد.
وأما كون كل واحد عليه صاع على روايةٍ فلأن الفطرة طهرة فتعددت على من هي عليه بحسب عدده ككفارة القتل، أو فلا تتبعض ككفارة القتل.
والأولى أصح لما تقدم.
وقياس الفطرة على كفارة القتل لا يصح لأن الكفارة آكد، ودعوى عدم التبعيض غير مسلمة فإنها متبعضة حقيقة.
الجزء: 1 - الصفحة: 753
وأما كون حكم من بعضه حر كحكم العبد المشترك فلأنه يساويه معنى فوجب أن يساويه حكماً.
قال: (وإن عجز زوج المرأة عن فطرتها فعليها، أو على سيدها إن كانت أمة فطرتها، ويحتمل أن لا تجب).
أما كون الفطرة على الزوجة الحرة أو على سيد الأمة المزوجة إذا كان الزوج عاجزاً عنها على المذهب فلأن العاجز كالمعدوم ولو لم يكن للزوجة المذكورة زوج كان على الحرة أو على سيد الأمة الفطرة فكذا هاهنا.
وأما كونه يحتمل أن لا يجب فلأن من تجب عليه الفطرة عاجز فلم تجب كما لو كانت الزوجة والسيد عاجزين.
قال: (ومن كان 241 له غائب أو آبق فعليه فطرته إلا أن يشك في حياته فتسقط، وإن علم حياته بعد ذلك أخرج لما مضى).
أما كون من له غائب عليه فطرته إذا لم يشك في حياته فلأن فطرة الغائب المذكور لا تسقط بغيبته لأنها تبع لنفقته ونفقته لا تسقط بغيبته فكذا فطرته.
وأما كون من له آبق عليه فطرته إذا لم يشك في حياته فلأن نفقته تجب عليه بدليل أن من أنفق عليه رجع بالنفقة على السيد.
وأما كون فطرتهما تسقط إذا شك في حياتهما فلأن الذي لا يعلم بقاؤه لا ينزل منزلة الذي يعلم بقاؤه بدليل لو أعتق السيد العبد الذي لا يعلم خبره عن كفارته فإنه لا يجزئ.
وأما كون من علم حياة الغائب والآبق بعد ذلك يخرج لما مضى فلأنه بان له سبب الوجوب في الزمن الماضي فوجب الإخراج كما لو سمع بهلاك ماله الغائب ثم بان سالماً.
الجزء: 1 - الصفحة: 754
قال: (ولا يلزم 242 الزوج فطرة الناشز.
وقال أبو الخطاب: تلزمه.
ومن لزم غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه فهل يجزئه؟ على وجهين).
أما كون الزوج لا يلزمه فطرة زوجته الناشز.
وهو قول القاضي فلأن نفقتها غير واجبة والفطرة تابعة لها.
وأما كونه تلزمه وهو قول أبو الخطاب فلبقاء النكاح وسقوط النفقة لعارض لا يؤثر في سقوط الفطرة.
ولأن الفطرة تجب على الآبق فكذلك الناشز.
وأما كون من لزم غيره فطرته فأخرجها عن نفسه بغير إذنه هل يجزئه؟ ففيه وجهان أصلهما أن الفطرة التي تجب على غيره بسببه هل وجبت عليه ابتداء ثم تحملها عنه ذلك الغير أو وجبت على ذلك الغير ابتداء؟ ظاهر المذهب أنها تجب عليه ابتداء ثم تحملها الغير تحملاً شرعياً.
أما كونها تجب عليه ابتداء فلأنها زكاة فوجب أن تجب على المخرج عنه كسائر الزكوات.
أما كون الغير يتحملها فلأنها تابعة للنفقة والنفقة يتحملها من تقدم ذكره فكذلك ما يتبعها فعلى هذا إذا أخرج بغير إذن الغير يجزئه لأنه أدى ما وجب عليه ابتداء فسقط عن الغير كالنفقة.
وقيل: تجب على الغير ابتداء لأن ظاهر قوله عليه السلام: «أدوا الفطرة عمن تمونون» يدل عليه.
فعلى هذا إذا أخرج من وجبت بسببه الفطرة بغير إذن من وجبت عليه لا تجزئه لأنه أدى ما وجب على غيره بغير إذنه فلم يجزئه كما لو أدى عن شخص آخر بغير إذنه.
قال: (ولا يمنع الدين وجوب الفطرة إلا أن يكون مطالباً به).
أما كون الدين لا يمنع وجوب الفطرة إذا لم يكن مطالباً به كما يمنع زكاة المال؛ فلأنها آكد بدليل وجوبها على الفقير وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها.
الجزء: 1 - الصفحة: 755
ولأن زكاة المال تجب بالملك والدين يؤثر فيه فأثر فيها.
بخلاف الفطرة فإنها تجب على البدن والدين لا يؤثر فيه.
وأما كونه يمنع إذا كان مطالباً به؛ فلوجوب أدائه عند المطالبة وتأكده من حيث أنه حق آدمي لا يسقط بالإعسار بخلاف حق الله.
قال: (وتجب بغروب الشمس من ليلة الفطر فمن أسلم بعد ذلك أو ملك عبداً أو زوجة أو وُلِد له وَلَدٌ لم تلزمه فطرته، وإن وجد ذلك قبل الغروب وجبت).
أما كون الفطرة تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر؛ فلما روى ابن عباس «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر أو قال: رمضان طُهْرَةً للصائم من الرفث وطُعْمَةً للمساكين» 243. أضاف الصدقة إلى الفطر فكانت واجبة لأن الإضافة دليل الاختصاص والسببية وأول فطر يقع من جميع رمضان مغيب الشمس من ليلة الفطر.
وقوله: «طُهْرَةً للصائم» يدل على ذلك أيضاً؛ لأن من لم يدرك شيئاً من رمضان وأدرك طلوع فجر يوم الفطر لم يدرك شيئاً من زمن الصوم الذي الفطرة طهرة له.
وأما كون من أسلم بعد ذلك أو ملك عبداً أو تزوج زوجة أو وُلد له وَلَد لا تلزمه فطرته؛ فلأنه لم يوجد سبب الوجوب.
وأما كون من أسلم أو ملك عبداً أو تزوج زوجة أو وُلد له ولد قبل الغروب تجب عليه فطرته؛ فلوجود السبب المذكور.
الجزء: 1 - الصفحة: 756
قال: (ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة وتجوز في سائر اليوم فإن أخرها عنه أثم وعليه القضاء).
أما كون إخراج الفطرة قبل العيد بيومين يجوز؛ فلما روى ابن عمر قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر وقال في آخره: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» 244 رواه البخاري.
وهذا إشارة إلى جميعهم فكان إجماعاً.
وأما كون إخراجها يوم العيد قبل الصلاة أفضل؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» 245 فأدنى أحوال الأمر الاستحباب.
وفي حديث ابن عباس: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» 246.
وأما كون إخراجها يجوز في سائر اليوم؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم» 247.
وأما كون من أخر الفطرة عن يوم العيد يأثم؛ فلفوات المقصود من قوله: «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم».
ولأنه أخر الواجب عن وقته فأثم به كما لو أخر حق الآدمي مع طلبه والقدرة على أدائه.
وأما كونه عليه القضاء؛ فلأن الفطرة عبادة فلم تسقط بخروج الوقت كالصلاة.
ولأنها يجب إخراجها في زمن مخصوص.
فإذا فات زمن الوجوب بقي نفس الفطرة فيجب فعلها، كما لو وجب على شخص شيئان فتعذر أحدهما وبقي الآخر.
الجزء: 1 - الصفحة: 757
فصل [في الواجب في الفطرة]
قال المصنف رحمه الله: (والواجب في الفطرة صاع من البر والشعير ودقيقهما وسويقهما والتمر والزبيب ومن الأقط في إحدى الروايتين، ولا يجزئ غير ذلك إلا أن يعدمه فيخرج مما يقتات عند ابن حامد، وعند أبي بكر يخرج ما يقوم مقام المنصوص).
أما كون الواجب في الفطرة صاعاً من بر أو شعير أو تمر أو زبيب أو أقط عند وجوده فلما روى أبو سعيد الخدري قال: «كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية المدينة فتكلم فكان فيما كلم الناس: إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر فأخذ الناس بذلك.
قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه» 248 متفق عليه.
وأما كون دقيق البر والشعير وسويقهما كحبهما فيما ذكر فلأن في بعض حديث أبي سعيد: «صاعاً من دقيق» 249 رواه النسائي.
ولأن الدقيق أجزاء الحب متفرقاً وقد كفي الفقير مؤونة طحنه فهو كما لو نزع نوى التمر ثم أخرجه.
وأما كون الأقط لا يجزئ في رواية فلأنه جنس لا تجب فيه الزكاة فلا يجزئ إخراجه كاللحم.
والأول أصح للخبر.
الجزء: 1 - الصفحة: 758
وأما كون غير أحد الأشياء المتقدم ذكرها لا يجزئ مع وجوده فلأنه إخراج لغير الواجب مع القدرة عليه فلم يجز كإخراج البقر عن الإبل.
وأما كون من عدم ذلك يخرج مما يقتات وإن لم يكن من جنس المنصوص عليه كلحوم الحيتان والأنعام عند ابن حامد فلأن المقصود من الأشياء المنصوص عليها الاقتيات وحصول الغنى عن الطلب وهو حاصل بذلك.
وأما كونه يخرج ما يقوم مقام المنصوص عليه وهو ما كان مطعوماً مكيلاً عند أبي بكر وهو أقيس فلأن المنصوص عليه يشتمل على الكيل والطعم فإذا تعذر عينه وجب ما يكون أقرب شبهاً به.
قال: (ولا يخرج حباً معيباً ولا خبزاً.
ويجزئ إخراج صاع من أجناس).
أما كون من وجبت عليه الفطرة لا يخرج حباً معيباً كالمسوس والمبلول فلأن السوس يأكل جوف الحب والبلل ينفخه والمخرج لصاع من ذلك ليس مخرجاً صاعاً حقيقة.
وأما كونه لا يخرج خبزاً فلأنه لا يدخله الكيل مع نقصان المنفعة به عن الأصناف المنصوصة، واعتباره بالوزن لا يصح لما خالطه من الماء أشبه الحنطة المبلولة، وفيه شبه بإخراج القيمة وهو غير جائز.
وأما كون إخراج صاع من أجناس تجزئ فلأنه مخير بين أي الجنسين شاء فكذلك في البعض.
ولأنه لو كان عليه فطرة عامين فأخرجهما من جنسين جاز فكذلك العام الواحد.
الجزء: 1 - الصفحة: 759
قال: (وأفضل المخرج التمر ثم ما هو أنفع للفقراء بعده، ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد والواحد ما يلزم الجماعة).
أما كون أفضل المخرج التمر فلما روى مجاهد قال: «قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبُرّ أفضل.
قال: إن أصحابي قد سلكوا طريقاً وإني أحب أن أسلكه» 250.
وأما كون الأفضل بعد ذلك ما هو أنفع للفقراء والمراد به البر.
صرح به المصنف في المغني والكافي فلأن الاعتماد في تفضيل التمر اتباع الصحابة والاقتداء بهم وهو غير موجود في غير البر وهذا هو اختيار المصنف.
والأفضل عند الأصحاب بعد التمر الزبيب لمشاركته له في القوت والحلاوة.
وأما كون الجماعة يجوز أن تعطى ما يلزم الواحد والواحد ما يلزم الجماعة فلأن الفطرة زكاة فجاز ذلك فيها كزكاة المال.
الجزء: 1 - الصفحة: 760
باب إخراج الزكاة
قال المصنف رحمه الله: (لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إمكانه إلا لضرر مثل أن يخشى رجوع الساعي عليه ونحو ذلك).
أما كون الزكاة لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إمكان إخراجها وعدم الضرر المتقدم ذكره فلأن النصوص الدالة على وجوب الزكاة مطلقة والأمر المطلق للفور.
ولأن ما وجب أداؤه وأمكن إخراجه لم يجز تأخيره.
دليله الوديعة.
ولأن الزكاة عبادة متكررة فلم يجز تأخيرها إلى وقت دخول مثلها من غير عذر كالصلاة.
وكلام المصنف مشعر بأنه يجوز تأخيرها عن غير وقت وجوبها مثل أن يكون الحول لم يحل أو ما أشبه ذلك وهو صحيح لأنه تأخير لا عن وقت الوجوب.
وأما كونها يجوز تأخيرها مع عدم إمكان إخراجها مثل أن لا يوجد أحد من مستحقيها فلأنه لو لم يجز والحالة هذه لكان تكليفاً بما لا يطاق.
وأما كونها يجوز تأخيرها مع الضرر كما مثل المصنف من أن يخشى رجوع الساعي عليه ونحو ذلك فلأن في إلزامه الإخراج مع الخشية المذكورة ضرراً وذلك منفي شرعاً.
قال: (فإن جحد وجوبها جهلاً به عرف ذلك، فإن أصر كفر [وأخذت منه] 251 واستتيب فإن لم يتب قتل).
أما كون من جحد وجوب الزكاة جهلاً به مثل أن يكون قريب عهد ببادية يُعَرّف وجوبها فليرجع عن الخطأ.
الجزء: 1 - الصفحة: 761
وأما كون من أصر على الجحد بعد التعريف يكفر فلأنه مكذب لله ولرسوله.
وأما كونه يؤخذ منه مع الحكم بكفره فلأنها وجبت قبل كفره فلم تسقط به كالدين.
وأما كونه يستتاب ثلاثاً فقياس على المرتد.
وأما كونه يقتل إن لم يتب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» 252.
وعن أبي بكر رضي الله عنه: «لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة» 253 متفق عليهما.
قال: (ومن منعها بخلاً بها أخذت منه وعزر، فإن غَيّب ماله أو كتمه أو قاتل دونها وأمكن أخذها أخذت منه من غير زيادة.
وقال أبو بكر: يأخذها وشطر ماله وإن لم يمكن أخذها استتيب ثلاثاً فإن تاب وأخرج وإلا قتل وأخذت من تركته.
وقال بعض أصحابنا: إن قاتل عليها كفر).
أما كون من منع الزكاة بخلاً بها تؤخذ منه فلأنها حق واجب عليه فإذا امتنع من أدائه أُخذ منه قهراً كدين الآدمي.
وأما كونه يعزر فلتركه الواجب عليه.
وأما كون من غَيّب ماله أو كتمه أو قاتل دون الزكاة وأمكن أخذها تؤخذ من غير زيادة على المذهب فلأن أبا بكر لما منعته العرب الزكاة لم ينقل أنه أخذ منهم زيادة عليها.
الجزء: 1 - الصفحة: 762
وأما كونه يؤخذ منه وشطر ماله على قول أبي بكر فلما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن أبى فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا» 254. رواه أبو داود.
قال أحمد: وهو عندي صالح.
وأما كونه يستتاب ثلاثاً إذا لم يمكن أخذها منه فلأن الزكاة أحد مباني الإسلام فاستتيب تاركها ثلاثاً كتارك الصلاة.
وأما كونه يقتل إذا لم يتب ويُخْرِج فلعموم ما تقدم من الحديث وقول أبي بكر الصديق.
وأما كون الزكاة تؤخذ من تركته بعد قتله فلأن القتل لا يسقط ما عليه من دين الآدمي فكذا الزكاة.
وأما كون من قاتل عليها لا يكفر وهو ظاهر كلام المصنف هنا ورواية عن الإمام أحمد فلأن الصحابة رضي الله عنهم لما امتنعوا من قتال مانعي الزكاة لم يعتقدوا كفرهم واتفاقهم بعد على قتالهم لا يستلزم الكفر فبقي على ما كان عليه.
وأما كونه يكفر على قول بعض أصحابنا وهو رواية عن الإمام أحمد فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: 11] جعلهم إخواننا في الدين إذا آتوا الزكاة فدل على أنهم إذا لم يؤتوها لا يكونون كذلك.
ولأن أبا بكر الصديق قال لمانعي الزكاة: «لا حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» 255.
قال القاضي: الصحيح من المذهب أنه لا يكفر بشيء من العبادات سوى الصلاة لأن النيابة فيها متعذرة بخلاف غيرها.
ولأن الزكاة المقصود الكلي منها دفع حاجة الفقير وهو حاصل بأدائها مع القتال.
الجزء: 1 - الصفحة: 763
قال: (وإن ادعى ما يمنع الزكاة من نقصان الحول أو النصاب أو انتقاله عنه في بعض الحول ونحوه قبل قوله من غير يمين.
نص عليه).
أما كون مدعي ذلك يقبل قوله فلأنه ادعى دعوى يعضدها الأصل لأن الأصل براءة ذمته من الزكاة.
وأما كون ذلك من غير يمين فلأن الزكاة عبادة وحق لله فلم يستحلف عليها كالصلاة.
قال: (والصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما).
أما كون ولي الصبي يخرج عنه الزكاة من ماله فلأن الزكاة تجب في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتجروا في أموال اليتامى كيلا تأكلها الصدقة» 256 أخرجه الترمذي.
وفي إسناده مقال.
وروي موقوفاً على عمر 257.
ولأن الزكاة وجبت مواساة والصبي من أهل المواساة ولهذا تجب عليه نفقة قريبه، ويعتق عليه ذو رحمه ليخرج عنه زكاة الفطر والعشر، وإذا كانت الزكاة تجب في ماله تعين الإخراج على الولي لأن الصبي غير مكلف والولي ينوب عنه في قضاء دين الآدمي فكذلك في زكاته.
وأما كون ولي المجنون يخرج عنه الزكاة من ماله فلأنه كالصبي معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
قال: (ويستحب للإنسان تفرقة زكاته بنفسه، وله دفعها إلى الساعي، وعنه: يستحب أن يدفع إليه العشر ويتولى هو تفريق الباقي، وعند أبي الخطاب دَفْعُها إلى الإمام العادل أفضل).
أما كون الإنسان يستحب له تفرقة زكاته بنفسه على المذهب فلأنه إذا دفعها بنفسه كان على ثقة من دفعها إلى مستحقها.
الجزء: 1 - الصفحة: 764
وأما كونه له دفعها إلى الساعي فلما روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: «أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال وأريد إخراج زكاته وهؤلاء اليوم على ما ترى فما تأمرني؟ فقال: ادفعها إليهم.
فأتيت ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد فقالوا مثل ذلك» 258 رواه سعيد.
ولأنه نائب عن مستحقها فجاز الدفع إليه كولي اليتيم.
وأما كونه يستحب أن يدفع العشر إلى الساعي ويفرق الباقي بنفسه على روايةٍ فلأن العلماء اختلفوا في العشر هل هو زكاة أو غيرها وغير الزكاة لا يتولاه الإمام أو نائبه ففي دفع العشر إلى الساعي خروج من الخلاف المذكور بخلاف غيره.
وأما كون دفعها إلى الإمام العادل أفضل على قول أبي الخطاب فلأنه أعلم بالمصارف، والدفع إليه أبعد من التهمة، ويبرأ به ظاهراً وباطناً.
قال: (ولا يجوز إخراجها إلا بنية، إلا أن يأخذها الإمام منه قهراً.
وقال أبو الخطاب: لا تجزئه أيضاً من غير نية؛ وإن دفعها إلى وكيله اعتبرت النية من الموكِّل دون الوكيل).
أما كون إخراج الزكاة من غير نية إذا لم يأخذها الإمام منه قهراً لا يجوز والمراد به لا يجزئ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات» 259.
وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس للمرء من عمله إلا ما نواه» 260.
ولأن الزكاة أحد مباني الإسلام فافتقر إلى النية كالصلاة.
ولأنها عبادة محضة أشبهت الصوم.
الجزء: 1 - الصفحة: 765
والأولى أن تقارن الدفع فإن تقدمت بزمن يسير فلا بأس قياساً على الصلاة.
وأما كونها تجزئ من غير نية إذا أخذها الإمام منه قهراً على المذهب فلأنها تؤخذ من الممتنع فلو لم تُجز عنه لما أخذت منه.
وأما كونها لا تجزئه أيضاً من غير نية فلأن الساعي إن كان نائبه فلا بد من نية رب المال لأنه الموكل، وإن كان نائب الفقراء لم تبرأ ذمة رب المال لأنه 261 [لو أخذها الفقير منه بغير نية لم تبرأ، فكذلك إذا أخذها وكيله.
وأما] 262 كون النية تفتقر في الموكل دون الوكيل إذا دفع الزكاة إلى وكيله فلأن الموكل هو الذي وجبت عليه الزكاة فاعتبرت نيته دون غيره.
وقال القاضي وابن عقيل: هذا مع قرب الزمن فإن بعد فلا بد من نية الوكيل أيضاً لأن الوكيل إذا لم ينو يحصل الأداء من غير نية قريبة ولا مقارنة.
وهذا بخلاف الساعي فإنه لو نوى رب المال دون الساعي أجزأ بَعُدَ الزمان أو قَرُب والفرق بينهما أن الساعي وكيل الفقراء بخلاف الوكيل بدليل أن الساعي لا يلزم رب المال بدلها إذا تلفت في يده وأن الوكيل يلزم رب المال بدلها إذا تلفت في يده.
قال: (ويستحب أن يقول عند دفعها: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً، ويقول الآخذ: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً).
أما كون الدافع يستحب أن يقول عند دفع الزكاة: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً» 263 أخرجه ابن ماجة.
ولأن ذلك دليل على الإخلاص وطيب النفس بأدائها.
وأما كون الآخذ يستحب أن يقول: آجرك الله إلى آخره فلأنه دعاء للدافع وذلك مأمور به لأن الله تعالى قال: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ [التوبة: 103] أي ادع لهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 766
وعن عبدالله بن أبي أوفى قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى» 264 رواه النسائي وأبو داود.
قال: (ولا يجوز نقلها إلى بلد تقصر إليه الصلاة، فإن فعل فهل تجزئه؟ على روايتين.
إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيفرقها في أقرب البلاد إليه).
أما كون نقل الصدقة إلى بلد تقصر إليه الصلاة لا يجوز فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» 265.
وجه الحجة: أن الضمير في أغنيائهم عائد إلى أهل اليمن فكذلك الضمير في فقرائهم وذلك يقتضي أن لا ينقل إلى غيرهم.
فإن قيل: الحديث لا يقتضي منع النقل إلى بعض بلاد اليمن فلا يتم المقصود؟
قيل: إذا ثبت أنه لا يجوز النقل إلى غير اليمن ثبت أنه لا يجوز النقل إلى بلد بعيد من موضع وجوب الزكاة من بلد اليمن لعدم القائل بالفرق.
وأما كون من فعل ذلك وفي بلد الزكاة فقراء يجزئه على روايةٍ وهي اختيار أبي الخطاب فلقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: 60] والمدفوع إليهم فقراء.
وأما كونه لا يجزئه على روايةٍ فلأنه حق واجب لأصناف بلد فلم يجز إعطاؤه لغيرهم كالوصية لأصناف بلد.
وأما كون من فعل ذلك ولا فقراء في بلد الزكاة يجزئه فلما روي «أن معاذاً بعث إلى عمر صدقة من اليمن فأنكر عمر ذلك وقال: لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزية ولكن
الجزء: 1 - الصفحة: 767
بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد في فقرائهم فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحداً يأخذه مني» 266 رواه أبو عبيد في الأموال.
وأما كون الزكاة فيما ذكر يفرق في فقراء أقرب البلاد إليه فلأنهم أولى وأقرب.
قال: (وإن كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده، وفطرته في البلد الذي هو فيه).
أما كون من ذكر يخرج زكاة المال [في بلد المال] 267 فلئلا تنقل الصدقة عنه.
ولأن المال سبب الزكاة فوجب إخراجها حيث وجد السبب.
وأما كونه يخرج فطرته في البلد الذي هو فيه فلأن بدنه سببها فوجب إخراجها حيث وجد سببها.
قال: (وإذا حصل عند الإمام ماشية استحب له وسم الإبل في أفخاذها والغنم في آذانها، فإن كانت زكاة كتب: "لله" أو "زكاة" وإن كانت جزية كتبت: "صغار" أو "جزية").
أما كون الإمام يستحب له وسم الإبل والغنم؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمها» 268.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لتميز عن الضوال، ولترد إلى مواضعها إذا شردت.
وأما كون وسم الإبل في أفخاذها فلأنه موضع صلب يقل ألم الوسم فيه وهو قليل الشعر فتظهر السمة.
وأما كون وسم الغنم في آذنها فلضعفها عن الوسم في الفخذ.
وأما كون الزكاة يكتب فيها: "لله" أو "زكاة" والجزية "صغار" أو "جزية" فلتحصل التفرقة.
الجزء: 1 - الصفحة: 768
فصل [في تعجيل الزكاة]
قال المصنف رحمه الله: (ويجوز تعجيل الزكاة عن الحول إذا كمل النصاب، ولا يجوز قبل ذلك.
وفي تعجيلها لأكثر من حول روايتان).
أما كون تعجيل الزكاة عن حول بعد كمال النصاب يجوز فلما روي «أن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له في تعجيل الصدقة قبل أن تحل فرخص له» 269 رواه أبو داود.
ولأنه حق مالي أجل للرفق فجاز تعجيله قبل أجله كالدين.
وأما كون تعجيلها قبل كمال النصاب لا يجوز فلأنه سببها فلم يجز تقديمها عليه كالتكفير قبل الحلف.
وأما كون تعجيلها لأكثر من حول فيه روايتان فلأن كون النص لم يرد بالتعجيل لأكثر من حول واحد يقتضي المنع لأنها عجلها قبل انعقاد حولها أشبه لو عجلها قبل نصابها، وكون ملك النصاب قد وجد يقتضي الجواز لأنه عجلها بعد سببها.
وظاهر كلام المصنف أن الروايتين جاريتان في العام الثالث والرابع وهلم جرا.
وليس كذلك لأن أبا الخطاب وصاحب المحرر صرحا بأن الروايتين في الحول الثاني وأنه لا يجوز لأكثر من ذلك لأن العام الثاني قريب الشبه بالأول فيصح إلحاقه به بخلاف ما عداه فيمتنع إلحاقه به.
وكذلك أصلح بعض من أذن له المصنف في الإصلاح لأكثر من حول بعامين.
قال: (وإن عجلها عن النصاب وما يستفيده أجزأه عن النصاب دون الزيادة، وإن عجل عشر الثمرة قبل طلوع الطلع والحصرم لم يجزئه).
أما كون من عجل الزكاة عن النصاب يجزئه عنه فلما تقدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 769
وأما كونه لا يجزئه عن الزيادة فلأنه عجل زكاة ما ليس في ملكه فلم يجزئه كما لو عجل قبل ملك النصاب.
وأما كون من عجل عشر الثمرة قبل طلوع الطلع والحصرم لا يجزئه فلأن الثمرة إن كان لها سبب واحد فالتعجيل إنما يكون فيما له سببان وإن كان لها سببان فالتعجيل هنا يكون قبل السببين وذلك غير جائز.
وفي تقييد المصنف رحمه الله عدم الإجزاء قبل طلوع الطلع دليل على أنه يجزئ التعجيل بعده وهو صحيح نقله في الكافي عن أبي الخطاب لأن ظهور الثمرة كملك النصاب، وبدء الصلاح كتمام الحول فجاز تعجيل زكاة ذلك كالتعجيل بعد ملك النصاب وقبل الحول.
وظاهر كلام القاضي أنه لا يجوز تعجيل ذلك لأنه يجب بسبب واحد وهو بدء الصلاح فلم يجز تعجيل زكاته لأنه بمنزلة التعجيل على سببيه.
قال: (فإن عجل زكاة النصاب فتم الحول وهو ناقص قدر ما عجله جاز، وإذا عجل زكاة المائتين فنتجت عند الحول سخلة لزمه شاة ثالثة).
أما كون من عجل زكاة نصاب فتم حوله وهو ناقص قدر ما عجل يجوز فلأن ما عجله حكمه حكم الموجود حقيقة أو تقديراً.
وأما كون من عجل زكاة المائتين فنتجت عند الحول يلزمه شاة ثالثة فلما ذكر من أن المعجل حكمه حكم الموجود فيكون ملكه مائتين وواحدة وفرض ذلك ثلاث شياه فإذا أدى اثنتين بقي عليه واحدة.
قال: (فإن عجلها فدفعها إلى مستحقها فمات أو ارتد أو استغنى أجزأت عنه، وإن دفعها إلى غني فافتقر عند الوجوب لم تجزئه).
أما كون من عجل زكاته فدفعها إلى مستحقها ثم خرج عن الاستحقاق بموت أو ارتداد أو استغناء يجزئ عنه فلأن المعتبر حالة الأداء والمدفوع إليه حينئذ أهل للدفع إليه.
ولأن الفقير لو اتجر بما أخذه فاستغنى لم يرجع عليه وفاقاً فكذلك إذا استغنى بغير الصدقة.
الجزء: 1 - الصفحة: 770
وأما كون من دفعها إلى غني فافتقر عند الوجوب لا يجزئه فلأنه لم يدفعها لمستحقها 270 لما تقدم من أن المعتبر حالة الدفع.
قال: (وإن عجلها ثم هلك المال قبل الحول لم يرجع على المسكين.
وقال ابن حامد: إن كان الدافع الساعي أو أعلمه أنها زكاة معجلة رجع عليه).
أما كون من ذكر لا يرجع على المسكين إذا هلك المال قبل الحول على المذهب فلأن المعجل صدقة وصلت إلى المسكين بإذن ربها فوجب أن ينقطع حقه عنها كغير المعجلة وكما لو ظن أن عليه زكاة واجبة فبان بخلافه.
وأما كون من أعلم المسكين بذلك كمن أطلق على المذهب فلما ذكر من أن الموجب لانقطاع حقه وصول ذلك إلى المسكين بإذنه.
وأما كونه يرجع بذلك عليه على قول ابن حامد فلأنه دفعها عما يستحقه القابض في الحال الثاني فإذا طرأ ما يمنع الاستحقاق وجب رده كالأجرة إذا انهدمت الدار قبل السكنى، وكما لو قال: أعتقت هذا العبد عن كفارة يميني التي لم أحنث فيها بعد فيئس من الحنث فيها، أو عن كفارة القتل بعد الجرح فاندمل الجرح ولم يمت المجروح.
وأما كون الرجوع مختصاً بكون الدافع الساعي، أو بكون الدافع أعلم المسكين أنها زكاة معجلة فلأنه إذا انتفى كل واحد منهما يتهم رب المال في دعواه ذلك لمخالفته الظاهر، والمتهم لا يرجع بما يتهم فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 771
باب ذكر أهل الزكاة
أهل الزكاة: هم الذين جعلهم الشرع محلاً لدفع الزكاة إليهم.
قال المصنف رحمه الله: (وهم ثمانية أصناف: الفقراء وهم: الذين لا يجدون ما يقع موقعاً من كفايتهم.
الثاني: المساكين وهم: الذين يجدون معظم الكفاية).
أما كون الأصناف وهم جمع صنف ثمانية لا غير فلقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾ [التوبة: 60] ذكر ذلك بلفظ: ﴿إنما﴾ وهي للحصر.
وفي الحديث: «أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعطني هذه الصدقة فقال: إن الله لم يرض في قسمتها بنبي مرسل ولا ملك مقرب حتى قسمها بنفسه فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» 271 رواه أبو داود.
وأجمع أهل العلم على أنه لا يجوز دفعها إلى غير الأصناف الثمانية التي نص الله تعالى عليها.
وأما كون الفقراء منها فلأن الله تعالى ذكرهم في الآية وبدأ بهم.
وأما كونهم هنا غير المساكين فلأن الله تعالى عطف أحدهما على الآخر، والعطف دليل على التغاير.
وأما كونهم هم الذين لا يجدون ما يقع موقعاً من كفايتهم فلأنهم أسوأ حالاً من المساكين لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من الفقر وسأل المسكنة فقال: «اللهم أحْيِنِي مِسكيناً وأمِتْنِي مِسكيناً واحْشُرني في زُمْرةِ المساكين» 272 رواه الترمذي.
الجزء: 1 - الصفحة: 772
ولولا أن الفقر أشد لما استعاذ منه.
ولأن الله تعالى قال: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ [الكهف: 79] فسماهم مساكين ولهم سفينة.
فعلى هذا يجب أن يكون الفقير مَن لا شيء له أصلاً ولا صنعة له، أو أن صنعته لا تقع موقعاً من كفايته.
ومثّله القاضي بأن يكون حاجته في كل يوم إلى عشرة دراهم وله درهمان، ومثّله الخرقي بالمكفوف والزَّمِن، ويجب أن يكون المسكين هو الذي يجد ما يقع موقعاً من كفايته لأنه أحسن حالاً منه.
قال: (ومن ملك من غير الأثمان ما لا يقوم بكفايته فليس بغني وإن كثرت قيمته، وإن كان من الأثمان فكذلك في إحدى الروايتين، والأخرى إذا ملك خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب فهو غني).
أما كون من ملك من غير الأثمان ما لا يقوم بكفايته ليس بغني فلأنه لا كفاية له فيدخل في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث قبيصة: «فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، أو سداداً من عيش» 273 والسداد الكفاية.
وأما كون من ملك من الأثمان ما لا يقوم بكفايته كذلك في رواية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الكفاية غاية لحل المسألة ولم توجد الكفاية فيما ذكر.
وأما كون من ملك خمسين درهماً وقيمتها من الذهب عيناً في رواية فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح قيل: يا رسول الله! وما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب» 274 رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 773
وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لرجل له خمسون درهماً» 275 رواه الدارقطني.
فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين؟
قيل: الأولى عند المصنف وأبي الخطاب لما تقدم من الحديث الأول، والثانية هي المذهب لما تقدم من الحديث الثاني.
قال: (الثالث: العاملون عليها وهم الجباة لها والحافظون لها.
ويشترط أن يكون العامل مسلماً أميناً من غير ذوي القربى، ولا يشترط حريته ولا فقره.
وقال القاضي: لا يشترط إسلامه ولا كونه من غير ذوي القربى.
وإن تلفت الزكاة في يده من غير تفريط أعطي أجرته من بيت المال).
أما كون العاملين من الأصناف الثمانية فلأن الله تعالى ذكرهم منها.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهم الجباة لها؛ فبيان للمراد بهم، ويدخل فيهم الحفظة لها والحساب وما أشبه ذلك؛ لأنهم داخلون في مسمى العامل وقد «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي من الزكاة من هذا شأنه».
وأما كون العامل يشترط أن يكون مسلماً على المذهب فلقوله تعالى: ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ [آل عمران: 118]، وقوله تعالى: ﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ [الممتحنة: 1]، وقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ [النساء: 141].
ولأنه يفتقر إلى العلم بالنصب ومقادير الزكاة وقبول قولهم في المأخوذ منه، والكافر ليس من أهل ذلك، وقد روي «أن أبا موسى اتخذ عاملاً نصرانياً.
فقال عمر: لا تؤمنوهم حيث خونهم الله، ولا تقربوهم وقد أبعدهم الله» 276.
ولأنه منصب شريف لأحد أركان الإسلام فلم يناله الكافر كالمناصب الشرعية.
وأما كونه يشترط أن يكون أميناً؛ فلئلا يخون في مال المسلمين.
الجزء: 1 - الصفحة: 774
وأما كونه يشترط أن يكون من غير ذوي القربى على المذهب فـ «لأن
الفضل بن عباس والمطلب بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه العمالة على الصدقات، فقال: إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» 277.
وأما كونه لا يشترط حريته ولا فقره فلأن ما يأخذه أجرة والعبد والغني يجوز استئجارهما.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر عاملاً» وكان غنياً.
وأما كونه لا يشترط إسلامه ولا كونه من غير ذوي القربى على قول القاضي فلما ذكر من أن ما يأخذه أجرة فجاز أن يتولاها الكافر وذوو القربى كجباية الخراج.
والحديث في ذوي القربى محمول على التنزيه.
وأما كونه يعطى أجرته من بيت المال إذا تلفت الزكاة في يده من غير تفريط فلأنه استحق بعمله ما شرط له فإذا تعذر دفعه من مال الزكاة وجب من بيت المال.
قال: (الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إسلامه، أو يخشى شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه 278، أو إسلام نظيره، أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها، أو الدفع عن المسلمين، وعنه: أن حكمهم انقطع).
أما كون المؤلفة قلوبهم من الأصناف الثمانية فلأن الله تعالى ذكرهم في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم﴾ [التوبة: 60].
وأما كون حكم المسلمين منهم باقياً فلأن الآية تشملهم ولا معارض له فوجب كونه باقياً عملاً بمقتضيه السالم عن المعارض.
الجزء: 1 - الصفحة: 775
وأما كونه انقطع على روايةٍ فلما روي «أن مشركاً جاء يلتمس من عمر مالاً فلم يعطه وقال: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».
ولم ينقل عن عمر ولا عثمان ولا علي أنهم أعطوا شيئاً من ذلك.
ولأن الله تعالى أظهر الإسلام وقمع الشرك فلا حاجة إلى التأليف.
والأول هو المشهور في المذهب؛ لما تقدم من قوله تعالى: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ [التوبة: 60] وسورة براءة آخر ما نزل، وروى قتادة في تفسيره «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي المؤلفة من الكفار من الزكاة لأنه كان يرجو إسلامهم منهم العباس بن مرداس والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن» 279.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهم السادة ... إلى آخره؛ فبيان لأصناف المؤلفة قلوبهم وهم ضربان:
كفار ومسلمون، والكفار ضربان:
من يرجى إسلامه فيعطى لتقوى نيته في الإسلام وتميل نفسه إليه فيسلم «لأن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة أعطى صفوان بن أمية الأمان واستنظره صفوان أربعة أشهر لينظر في أمره وخرج معه إلى حنين فلما أعطى العطايا قال صفوان: ما لي؟ فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى واد فيه إبل محملة.
فقال: هذا لك.
فقال صفوان: هذا عطاء من لا يخشى الفقر».
الضرب الثاني: من يخشى شره ويرجى بعطيته كف شره فيعطى لما روي عن ابن عباس «أن قوماً كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فإن أعطاهم مدحوا الإسلام وإن منعهم ذموا».
والمسلمون أربعة أضرب:
- قوم يرجى بعطيتهم قوة إيمانهم ومناصحتهم في الجهاد فيعطون كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عطاء سفيان والأقرع وعيينة 280.
الجزء: 1 - الصفحة: 776
و «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً فيقول سعد بن أبي وقاص: أعط فلاناً فإنه مؤمن.
فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: أوْ مُسلم ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحبُّ إليَّ مَخافةَ أن يَكُبَّهُ الله في النار» 281.
- الثاني: قوم سادات من المسلمين لهم نظراء من المشركين إذا أعطوا [رغب نظرائهم في الإسلام فهؤلاء يعطون «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى] 282 عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر» مع ثباتهما في الإسلام وحسن نيتهما فيه.
- الثالث: قوم إذا أعطوا أجبوا الزكاة ممن لا يعطيها إلا أن يخاف.
- الرابع: قوم في طريق بلاد الإسلام إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين فيعطون لدخولهم في اسم المؤلفة.
قال: (الخامس: الرقاب.
وهم المكاتبون.
ويجوز أن يفدى بها أسيراً مسلماً.
نص عليه.
وهل يجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها؟ على روايتين).
أما كون الرقاب من الأصناف الثمانية؛ فلأن الله تعالى ذكرهم في الآية المتقدمة فقال: ﴿وفي الرقاب﴾ [التوبة: 60].
وأما كون الرقاب هم المكاتبون؛ فلأن لفظ الرقاب يشملهم بدليل ما لو قال: أعتقت رقابي فإنه يعتق مكاتبوه، وقد قال الله تعالى: ﴿فكاتبوهم -إلى قوله تعالى-: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: 33].
ولأنه ممن يملك المال على سيده ويصرف إليه أرش جنايته فكان له أخذ الزكاة كالغريم.
ولأنه مدين أشبه الغارم.
وأما كون المزكي يجوز أن يفدي بالزكاة أسيراً مسلماً على المنصوص؛ فلأنه فك رقبة من الأسر أشبه فك رقبة المكاتب نفسه.
الجزء: 1 - الصفحة: 777
ولأن الحاجة داعية إلى ذلك [فإنه] 283 لا يؤمن عليه القتل أو الردة وهو محبوس في أيديهم أشد من حبس القن في الرق.
ولأن فيه إعزاز الدين فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم.
وأما كونه يجوز أن يشتري من الزكاة رقبة يعتقها على روايةٍ فلدخوله في قوله عز وجل: ﴿وفي الرقاب﴾ [التوبة: 60] بل هو ظاهر فيه لأن الرقبة إذا أطلقت انصرفت إليه كقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: 92] وتقدير الآية وفي إعتاق الرقاب.
ولأنه إعتاقٌ للرقبة فجاز صرف الزكاة فيه كدفعه في الكتابة.
وأما كونه لا يجوز على روايةٍ فلأن الآية تقتضي الدفع إلى الرقاب كقوله: ﴿وفي سبيل الله﴾ [التوبة: 60] المراد به الدفع إلى المجاهدين والدفع إلى العبد لا يمكن لأنه لا يلزم منه فك الرقبة.
قال: (السادس: الغارمون وهم المدينون، وهم ضربان: ضرب غَرِم لإصلاح ذات البين، وضرب غَرِم لإصلاح نفسه في مباح).
أما كون الغارمين من الأصناف الثمانية؛ [فلأن الله تعالى ذكره في الآية المتقدم ذكرها فقال: ﴿والغارمين﴾ [التوبة: 60].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقبيصة: «أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» 284 رواه مسلم.
وكان غارماً.
وأما كون الغارمين هم المدينين فلأن الغارم في اللغة: المدين.
ذكره الجوهري.
وأما انقسام الغارم إلى ضربين فلأن ضرباً غَرِم لإصلاح ذات البين وهو من تحمّل دية قتيل لإطفاء الفتنة وتسكين ثائرة القتال بين طائفتين.
وفي الحديث عن قبيصة: «قال: تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة فيسأل حتى يؤديها ثم يمسك ... مختصر» 285.
الجزء: 1 - الصفحة: 778
وضرباً غرم لإصلاح نفسه في مباح وهو من استدان في نفقة نفسه أو عياله أو كسوتهم أو نحو ذلك وكلاهما داخل في عموم قوله: ﴿والغارمين﴾ [التوبة: 60].
وقول المصنف رحمه الله: في مباح؛ تنبيه على أن من استدان وصرفه في معصية؛ كشرب الخمر والزنا ونحوهما لا يدفع إليه.
وسيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى 286.
قال: (السابع: في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم.
ولا يعطى منها في الحج.
وعنه: يعطى الفقير ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه).
أما كون سبيل الله من الأصناف الثمانية؛ فلأن الله تعالى ذكره في الآية المتقدمة فقال: ﴿وفي سبيل الله﴾ [التوبة: 60].
وأما كون السبيل هم الغزاة فلأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو، قال الله تعالى: ﴿قاتلوا في سبيل الله﴾ [آل عمران: 167]، وقال تعالى: ﴿يجاهدون في سبيل الله﴾ [المائدة: 54] وذكر ذلك في غير موضع من كتابه.
فعلى هذا يعطون ما يشترون به السلاح والدواب وما يحتاجون إليه من نفقة ونحو ذلك.
وأما كون الغزاة من لا ديوان لهم؛ فلأن من له ديوان يستغني بديوانه عن أخذ الزكاة.
وأما الإعطاء منها في الحج ففيه روايتان:
أحدهما: لا يعطى منها فيه لأن السبيل عند الإطلاق ينصرف إلى الجهاد.
ولأن كلما في القرآن ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد فوجب حمل هذه الآية على ذلك.
والرواية الثانية: يعطى فيه لأنه من السبيل؛ لما روي «أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته الحج.
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اركبيها فإن الحج من سبيل الله» 287.
وعن ابن عمر قال: «الحج من سبيل الله».
الجزء: 1 - الصفحة: 779
وهذه الرواية هي أصح الروايتين.
قاله القاضي.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله: أن الصحيح أنه ليس من السبيل ولذلك قدم أنه لا يعطى فيه.
وقال في المغني: الرواية الثانية أحسن يعني كونه ليس من السبيل لأن سبيل الله عند الإطلاق لا يتناول إلا الغزو.
ولأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: إما محتاج كفقير ومسكين ومكاتب وغارم، وإما من يحتاج إليه المسلمون كعامل وغاز وغارم لإصلاح ذات البين، والحاج لا نفع للمسلمين فيه ولا يحتاج صاحبه إليه لأنه إنما يدفع إليه مع الفقر، والفقير لا فرض في ذمته فيسقط، وإن أراد التطوع به فتوفير ما يحج به على ذوي الحاجات من سائر الأصناف أولى.
قال: (الثامن: ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به دون المنشئ للسفر من بلده، فيعطى قدر ما يصل به إلى بلده).
أما كون ابن السبيل من الأصناف الثمانية] 288؛ فلأن الله تعالى ذكره في الآية المتقدم ذكرها فقال: ﴿وابن السبيل﴾ [التوبة: 60].
وأما كون ابن السبيل هو المسافر المنقطع به دون المنشئ للسفر من بلده فلأن السبيل الطريق وإنما سمي ابن السبيل بذلك لملازمته الطريق، كما يقال للطائر: ابن الماء لملازمته له، وإذا كان كذلك وجب أن يكون ابن السبيل مسافراً لا منشئاً لأن المنشئ للسفر يصير ابن سبيل في ثاني الحال بخلاف الأول فإنه ابن سبيل في الحال، فالاسم لا يتناول المنشئ حقيقة فلا يكون مراداً لأن الأصل إرادة الحقيقة.
ولأنه لا يفهم من ابن السبيل إلا الغريم دون من هو في وطنه وإن انتهت به الحاجة غايتها فوجب أن يحمل الاسم عليه.
وأما كون ما يعطى قدر ما يصل به إلى بلده فلأنه إنما جاز له الأخذ من الزكاة ليتوصل إلى بلده فلا يجوز أن يأخذ أكثر مما يدفع به ذلك، كما لا 289 يجوز أن يأخذ الفقير أكثر مما يدفع به فقره.
الجزء: 1 - الصفحة: 780
قال: (ويعطى الفقير والمسكين ما يغنيه، والعامل قدر أجرته، والمكاتب والغارم ما يقضيان به دينهما، والمؤلف ما يحصل به التأليف، والغازي ما يحتاج إليه لغزوه وإن كثر، ولا يزاد أحد منهم عن ذلك.
ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم).
أما كون الأصناف المذكورة يعطون ما ذكر فلأن من جاز دفع الزكاة إليه لمعنى جاز أن يعطى ما دام ذلك المعنى موجوداً فيه لأن السبب المجوز للأخذ باق فيترتب عليه ما يقتضيه.
وأما كونهم لا يزاد أحد منهم عن ذلك فلأن الإعطاء هنا لمعنى فمتى زال ذلك المعنى لم يجز إعطاؤه بذلك السبب لأن الحكم ينتفي لانتفاء سببه.
فعلى هذا الفقير والمسكين يعطيان قدر كفايتهما لأن عدم الكفاية هو المجوز فقدر بقدره.
وقول المصنف رحمه الله: ما يغنيه؛ يحتمل أن مراده ما يكفيه، ويحتمل أن يكون نبه على جواز الدفع ولو صار به غنياً، كمن يدفع له خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب أو قدر الكفاية على اختلاف الروايتين فيما يحصل به الغنى؛ لأن المانع من أخذ الزكاة الغنى وحين الدفع لم يكن غنياً.
وشرط الخرقي: أن يكون المدفوع لا يخرج المدفوع إليه إلى الغنى.
فعلى هذا لا يجوز أن يدفع إليه خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب أو قدر الكفاية جملة واحدة لأن الغنى لو سبق الدفع لم يجز فكذلك إذا قارن كالجمع بين الأختين.
والعامل أجرة عمله لأن السبب المجوز لأخذه عمله فوجب أن يتقدر بمقدار أجرته.
والمكاتب والغارم ما يقضيان به دينهما لأن السبب المجوز فيهما الدين فوجب أن يتقدر بالوفاء.
والمؤلف: ما يحصل به التأليف لأن سببه التأليف فيقدر به.
والغازي: ما تندفع به حاجته من مركوب وسلاح ونحو ذلك لأن سببه ذلك فيقدر به.
الجزء: 1 - الصفحة: 781
وصرح المصنف رحمه الله بقوله: وإن كثر لئلا يتوهم أنه لا يجوز أن يكون قدر نصاب لأن سبب الدفع في ذلك الحاجة إلى ما ذكر فوجب أن يعطى ما بقي السبب عملاً بمقتضاه.
وأما كون من له عيال يأخذ ما يكفيهم فلأن الحاجة داعية إلى إزالة حاجتهم كلهم فجاز الأخذ لهم كلهم كالأخذ لنفسه.
قال: (ولا يعطى أحد منهم مع الغنى إلا أربعة: العامل، والمؤلف، والغارم لإصلاح ذات البين، والغازي).
أما كونه لا يعطى أحد ممن ذكر مع الغنى غير الأربعة المذكورة فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» 290، وقوله: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» 291 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وأما كون العامل والغارم والغازي يجوز أن يعطوا مع الغنى فلما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله ولعامل عليها أو لغارم ... مختصر» 292 رواه أبو داود.
وأما كون المؤلفة قلوبهم يجوز أن يعطوا مع الغنى فلأن إعطائهم لمعنى يعم منفعة المسلمين أشبه الغازي.
قال: (فإن فَضَل مع الغارم والمكاتب والغازي وابن السبيل شيء بعد حاجتهم لزمهم رده.
والباقون يأخذون أخذاً مستقراً فلا يردون شيئاً.
وظاهر كلام الخرقي في المكاتب: أنه يأخذ أيضاً أخذاً مستقراً).
أما كون الغارم والغازي وابن السبيل يردون ما فضل عن حاجتهم فلأن السبب زال فيجب رد الفاضل لزوال السبب.
الجزء: 1 - الصفحة: 782
فعلى هذا لو أخذ الغارم شيئاً فوفى غرمه وبقي معه فضلة ردها، [ولو أخذ الغازي ففضلت فضلة بعد غزوه ردها، ولو أخذ ابن السبيل] 293 ففضلت فضلة بعد بلوغه بلده ردها؛ لأن ذلك كله فاضل عن حاجتهم.
وأما كون المكاتب يلزمه رد ما فضل بعد كتابته على المذهب فلزوال السبب الذي أخذ من أجله.
وأما كونه لا يرد على قول الخرقي فلأنه عند أخذه فقير أشبه الفقير.
قال: (وإن ادعى الفقر من عرف بالغنى، أو ادعى إنسان أنه مكاتب أو غارم أو ابن سبيل لم يقبل إلا ببينة.
وإن صدق المكاتب سيده والغارم 294 غريمه فعلى وجهين).
أما كون من عرف بالغنى إذا ادعى الفقر، وكون الإنسان إذا ادعى أنه مكاتب أو غارم أو ابن سبيل لا يقبل قوله مع عدم البينة فلأنه قول يخالف الظاهر.
وأما كون المكاتب إذا صدقه سيده [والغارم إذا صدقه غريمه لا يقبل لأن السيد] 295 والغريم متهمان في ذلك.
وأما كونه يقبل على وجهٍ فلأن الحق في العبد للسيد فإذا أقر بالكتابة قبل والغريم في معنى السيد فيقاس عليه.
قال: أما كون من لم يعرف بالغنى إذا ادعى الفقر يقبل قوله فلأن الظاهر صدقه.
ولأن الأصل استصحاب حال الإنسان فإذا لم يكن معروفاً بالغنى اقتضى الاستصحاب عدم الحكم عليه بالغنى.
وأما كون من رآه جلداً وذكر أنه لا كسب له يعطيه من غير يمين بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب فلما روى عبيدالله بن عدي بن الخيار «أن رجلين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الصدقة فسألاه شيئاً فصَعّد فيهما البصر فرآهما جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» 296 رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 783
قال: (وإن ادعى أن 297 له عيالاً قلد وأعطي، ويحتمل أن لا يقبل ذلك إلا ببينة).
أما كون من ذكر يقلد ويعطى على المذهب فلأنه يقلد ويعطى في حاجة نفسه فكذلك في وجود عياله.
وأما كونه يحتمل أن لا يقبل ذلك إلا ببينة فلأن الأصل عدم العيال ولا يتعذر عليه إقامة البينة عليهم.
قال: (ومن غَرِم أو سافر في معصية لم يدفع إليه فإن تاب فعلى وجهين).
أما كون من غَرِم في معصية ولم يتب كمن استدان شيئاً فصرفه في شراء خمر أو زنا ونحو ذلك، وكون من سافر في معصية كالمسافر إلى بلده قاصداً قطع الطريق أو لشرب الخمر أو للزنا ونحو ذلك لا يدفع إليه شيء من الزكاة فلأن الدفع إليهما إعانة لهما على المعصية وذلك غير جائز.
وأما كونهما يدفع إليهما مع التوبة على وجه قاله القاضي فلأن إيفاء الدين واجب وليس بمعصية والإعانة على الواجب قربة لا معصية.
أشبه من صرف ماله في المعاصي حتى افتقر ثم تاب فإنه يصرف إليه لفقره، والغارم في معصية وابن السبيل المسافر في المعصية مثله فيلحق له.
وأما كونهما لا يدفع إليهما على وجه؛ فلأنهما متهمان في إظهار التوبة.
ولأنه لا يؤمن أن يعودا إلى ما كانا عليه.
بخلاف من أتلف ماله فيها فإنه يعطى للحاجة في الحال.
قال: (ويستحب صرفها في الأصناف كلها، فإن اقتصر على إنسان واحد أجزأه.
وعنه: لا يجزئه إلا ثلاثة من كل صنف إلا العامل فإنه يجوز أن يكون واحداً).
وأما كون صرف الزكاة في الأصناف كلها يستحب؛ فلأن في ذلك خروجاً من الخلاف وتعداداً للأشخاص المختلفين من الجنس وتعميماً للأصناف اللاتي ذكرها الله تعالى.
وأما كون الاقتصار على إنسان واحد من الأصناف الثمانية يجزئ فاعله فهو متضمن أمرين:
الجزء: 1 - الصفحة: 784
أحدهما: أن الصنف الواحد يجزئه، وفيه روايتان:
أحدهما: أنه يجزئه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على ذلك فروي أنه قال لقبيصة: «أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» 298.
والثانية: لا يجزئه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء ... الآية﴾ [التوبة: 60] أضاف من يملك إلى من يملك بلام التمليك وعطف بواو العطف فوجب استيعاب الأصناف الثمانية كما لو وصى لهم.
ولأن الإضافة بالتعيين يقتضي التمليك كقولك: هذه الدار لزيد وعمرو فكذلك بالصفة كالوصية للفقراء وابن السبيل.
وثانيهما: أن الواحد من الصنف يجزئه: أما في العامل فلا خلاف فيه؛ لأن الحاجة تندفع به.
وأما في بقية الأصناف؛ ففيه روايتان:
إحداهما: يجزئ واحد قياساً على العامل «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بني بياضة بإعطاء صدقاتهم سلمة بن صخر» 299 وهو واحد.
والثانية: لا بد من الصرف إلى ثلاثة من كل صنف لأن الله تعالى قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: 60] وذلك جمع وأقل الجمع ثلاثة.
والصحيح في المذهب أنه لا يجب تعميم الأصناف لما تقدم.
ولأنه لا يجب تعميم كل صنف بالاتفاق.
وقد ذكر الله صرفها إلى صنف واحد في آية أخرى فقال تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: 271].
و«قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» 300 فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفاً واحداً.
ولأن إيجاب تعميم الأصناف يعسر وذلك منتف شرعاً قال الله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: 185].
الجزء: 1 - الصفحة: 785
قال: (ويستحب صرفها إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم، ويفرقها فيهم على قدر حاجتهم).
أما كون صرف الزكاة إلى أقاربه الذين لا يلزمه مؤونتهم يستحب فلأن الصدقة على القريب صدقة وصلة لما يأتي بعد.
وأما كون تفريقها فيهم على قدر حاجتهم يستحب فلأن اعتبار الحاجة أبلغ وأحسن في غير القرابة ففي القرابة أولى.
قال: (ويجوز للسيد دفع زكاته إلى مكاتبه وإلى غريمه).
أما كون دفع السيد زكاته إلى مكاتبه يجوز فلقوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: 33].
ولأنه قد صار كالأجنبي في باب المعاملة بدليل أنه يجزئ بينهما حكم الربا.
ولأن الدفع تمليك وهو أهل لذلك.
وأما كون دفع زكاته إلى غريمه يجوز فلأنه شخص يجوز للغير دفع الزكاة إليه فجاز لمن ذكر دفعها إليه بالقياس على الغير.
فإن قيل: الفرق بينه وبين الغير ظاهر؟
قيل: لا فرق بينهما إلا أنه يحتمل أن يعيدها إليه من دينه فينتفع بزكاته وذلك لا أثر له؛ لأن ذلك المعنى موجود في المكاتب ولم يؤثر في منع الدفع.
الجزء: 1 - الصفحة: 786
فصل [فيمن لا تدفع الزكاة إليه]
قال المصنف رحمه الله: (ولا يجوز دفعها إلى كافر ولا عبد ولا فقيرة لها زوج غني ولا الوالدين وإن علوا ولا الولد وإن سفل ولا إلى الزوجة ولا لبني هاشم ولا مواليهم).
أما كون الكافر لا يجوز دفع الزكاة إليه «فلقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» 301.
ولأنها مواساة تجب على المسلم فلم تجب للكافر كالنفقة.
وأما كون العبد لا يجوز دفع الزكاة إليه فلأنه لا يملك بالدفع إليه، وما يعطاه فهو لسيده فكأنه دفعه إلى سيده.
ولأن العبد تجب نفقته على سيده فهو غني بغناه.
وأما كون الفقيرة التي لها زوج غني لا يجوز دفع الزكاة إليها فلأنها غنية بغناء زوجها ووجوب نفقتها عليه فهي كالولد يكون غنياً بغناء والده لوجوب نفقته عليه، والجامع بينهما حصول الغنى بوجوب نفقتهما على غني.
وأما كون الوالدين وإن علوا والولد وإن سفل والزوجة لا يجوز دفع الزكاة إليهم فلأنهم من عياله تجب نفقتهم عليه ففي دفعها إليهم غنى لهم عن نفقته وترفيه لماله لأنه يعود نفعها 302 إليه وبقاء ماله بزكاته فلم يجز كما لو أخذها لنفسه.
وأما كون بني هاشم لا يجوز دفع الزكاة إليهم فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس» 303 أخرجه مسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 787
وعن أبي هريرة قال: «أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كخ كخ ليطرحها وقال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة» 304 متفق عليه.
وأما كون مواليهم وهم من أعتقه هاشمي لا يجوز دفع الزكاة إليهم فلما روى أبو رافع «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: اصحبني كَيْمَا تُصيب منها فقال: لا.
حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله.
فسأله فقال: لا.
إنا لا تحل لنا، وإن موالي القوم منهم» 305 أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
ولأنهم ممن يرثه بنو هاشم بالتعصيب فلم يجز دفع الزكاة إليهم كبني هاشم.
قال: (ويجوز لبني هاشم الأخذ من صدقة التطوع ووصايا الفقراء والنذر.
وفي الكفارة وجهان).
أما كون بني هاشم يجوز لهم الأخذ من صدقة التطوع فـ «لأن محمد بن علي رضي الله عنهما كان يشرب من سقاياتٍ بين مكة والمدينة، وقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة».
ولأنه يجوز اصطناع المعروف إليهم وهو صدقة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة» 306 حديث صحيح.
وأما كونهم يجوز لهم الأخذ من وصايا الفقراء والنذر فلأنهما لا يقع عليهما اسم الزكاة والطهرة، ووجوبهما بإيجاب الآدمي أشبها الهبات.
الجزء: 1 - الصفحة: 788
وأما كونهم يجوز لهم الأخذ من الكفارة في وجهٍ فلأنها لا تسمى صدقة وسببها حنث الآدمي أشبهت صدقة التطوع.
وأما كونهم لا يجوز لهم أخذها في وجهٍ؛ فلأنها طهرة لها مصارف أشبهت الزكاة.
قال: (وهل يجوز دفعها إلى سائرمن تلزمه مؤونته من أقاربه أو إلى الزوج أو بني المطلب؟ على روايتين).
أما كون غير الوالد وإن علا والولد وإن سفل من سائر أقاربه الذين تلزمه مؤونتهم كأخيه وأخته ونحوهما يجوز دفع الزكاة إليهم على روايةٍ؛ فلأنه تقبل شهادتهم له فجاز الدفع إليهم كالأجانب.
وأما كونهم لا يجوز دفع الزكاة إليهم على روايةٍ؛ فلما ذكر في الوالد والولد.
وأما كون الزوج يجوز أن تدفع زوجته زكاتها إليه على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزينب امرأة ابن مسعود: زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم» 307.
ولأنه لا يلزمها نفقته فلم يحرم عليه زكاتها كالأجنبي.
وأما كونها لا يجوز لها ذلك على روايةٍ؛ فلأنه أحد الزوجين فلم يجز الدفع إليه كالآخر.
وهذه هي الصحيحة لما ذكر.
ولأن الظاهر أن ما يأخذه يعود نفعه عليها فتكون قد قصدت التوسعة عليها بزكاتها وعود النفع إليها وذلك غير جائز.
والحديث المراد به صدقة التطوع بدليل أنه ذكر الولد فيه ولا يجوز دفع الزكاة إليه قولاً واحداً.
وأما كون بني المطلب يجوز دفع الزكاة إليهم على روايةٍ؛ فلدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء ... الآية﴾ [التوبة: 60] خرج من ذلك بنو هاشم لمعنى يختص بهم فوجب أن يبقى فيمن عداهم على مقتضاه.
الجزء: 1 - الصفحة: 789
وأما كونهم لا يجوز دفعها إليهم على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شيء واحد» 308، وبنو هاشم لا يجوز لهم الأخذ فكذا من ساواهم.
ولأن حرمان الصدقة حكم يتعلق بقرابة الرسول صلى الله عليه وسلم فاستوى فيه بنو هاشم وبنو المطلب الذين هم وهم شيء واحد قياساً على سهم ذوي القربى من الخمس.
ثم هو بدل الصدقة لقوله صلى الله عليه وسلم: «أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس» وبنو المطلب يأخذون من خمس الخمس فلا يجمع لهم بين البدل والمبدل.
وهذه هي الصحيحة؛ لأن دليلها يخص بمثله العموم ويوجب إلحاق بني المطلب ببني هاشم، وبنو هاشم لا يجوز لهم الأخذ من الزكاة فكذا بنو المطلب.
قال: (وإن دفعها إلى من لا يستحقها وهو لا يعلم ثم علم لم يجزئه، إلا الغني إن ظنه فقيراً في إحدى الروايتين).
أما كون من دفع الزكاة إلى من لا يستحقها غير الغني وهو لا يعلم ذلك مثل أن يدفعها إلى كافر لا يعلم كفره أو إلى ذوي القربى ولا يعلم أنهم كذلك أو نحو ذلك لا يجزئه فلأنه دفعها إلى من لا يستحقها مما لا يخفى حاله غالباً فلم يعذر بخطئه كديون الآدميين.
وأما كون من دفع الزكاة إلى غني ظنه فقيراً لا يجزئه على روايةٍ فلأن الفقر يعسر الوقوف عليه فاكتفي فيه بالظهور، كما اكتفي في جواز الدفع إليه، وكذلك لما سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة قال: «إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» 309 فاكتفى بإخباره عن نفسه فدل على أنه يجزئ وإن كان غنياً في الباطن.
الجزء: 1 - الصفحة: 790
فصل [في صدقة التطوع]
قال المصنف رحمه الله: (وصدقة التطوع مستحبة، وهي أفضل في شهر رمضان وأوقات الحاجات.
والصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة).
أما كون صدقة التطوع مستحبة فلأن الله تعالى مدح فاعلها وحثه على إخراجها فقال سبحانه وتعالى: ﴿إن المصدقين والمصدقات ... الآية﴾ [الحديد: 18].
وقال عليه السلام: «ليتصدق الرجل من ديناره، وليتصدق من درهمه، وليتصدق من صاع بره، وليتصدق من صاع تمره» 310.
وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أطعم مؤمناً جائعاً أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة» 311.
وأما كونها أفضل في شهر رمضان وأوقات الحاجات فلأن الحسنات تضاعف فيهما، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائماً فله مثل أجره» 312 رواه الترمذي وصححه.
وفي الحديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الجود كالريح المرسلة، وأجود ما يكون في شهر رمضان» 313.
الجزء: 1 - الصفحة: 791
وأما كون الصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة فلما روت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صدقة الرجل على المسلم صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة» 314.
قال: (وتستحب الصدقة بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه.
وإن تصدق بما ينقص مؤونة من تلزمه مؤونته أثم).
أما كون الصدقة بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه تستحب فلأن الفاضل تطيب النفس بإخراجه من غير كلفة ومشقة قال الله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ [البقرة: 215]. قال أهل التفسير: هو الفاضل عن حاجته وحاجة عياله.
وأما كون من تصدق بما ينقص مؤونة من تلزمه مؤونته يأثم فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» 315 رواه أبو داود.
ولأن نفقة من تلزمه مؤونته واجبة فإذا تركها أو بعضها أثم كسائر الواجبات.
قال: (ومن أراد الصدقة بماله كله وهو يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة فله ذلك، وإن لم يثق من نفسه لم يجز له.
ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة).
أما كون من علم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة له الصدقة بماله كله فـ «لأن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بجميع ماله، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لعيالك؟ فقال: الله ورسوله» 316.
الجزء: 1 - الصفحة: 792
وحقيقة التوكل عدم الطمع في شيء يأتيه ويكون واثقاً بضمان الله في رزقه.
وأما كون من لم يثق من نفسه لا يجوز له ذلك فلما روى جابر بن عبدالله قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله! أصبت هذه من معدن فخذها لا أملك غيرها.
فأعرض عنه.
ثم جاءه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه.
ثم جاءه من قبل ركنه الأيسر فقال مثل ذلك فأعرض عنه.
فجاءه من خلفه فأخذها منه فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو عقرته.
ثم قال: يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس.
خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وليبدأ أحدكم بمن يعول» 317 رواه أبو داود.
وأما كون من لا صبر له على الضيق يكره له أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة فلأن التقتير والتضييق مع القدرة شح وبخل نهى الله عنه وتعوذ النبي صلى الله عليه وسلم منه 318. وفيه سوء الظن بالله تعالى.
الجزء: 1 - الصفحة: 793
الممتع في شرح المقنع
تصنيف زين الدين المنجى بن عثمان بن أسعد ابن المنجى التنوخي الحنبلي 631 - 695 هـ
الجزء الثاني
دراسة وتحقيق د. عبدالملك بن عبدالله بن دهيش
الجزء: 2 - الصفحة: 1