الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3كتاب الجهاد
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجِهاد في اللغة: بذل الطاقة والوسع.
وفي الشرع: قتال الكفار.
قال المصنف رحمه الله: (وهو فرض كفاية، ولا يجب إلا على ذكرٍ حرٍّ مكلفٍّ مستطيعٍ، وهو: الصحيحُ الواجدُ لزاده، وما يحمله إذا كان بعيداً).
أما كون الجهاد فرض كفاية فلأنه واجب في الجملة، وليس واجباً على الأعيان: أما كونه واجباً في الجملة فبالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم﴾ [البقرة: 190]، وقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ [البقرة: 191]، وقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ ويكونَ الدين كلُّه لله﴾ [الأنفال: 39]، وقوله تعالى: ﴿انفروا خِفافاً وثقالاً﴾ [التوبة: 41].
وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبةٍ من النفاق» 1. أخرجه مسلم.
وقولُه عليه السلام: «الجهادُ واجب عليكم» 2. وقوله صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» 3 أخرجهما أبو داود.
وقوله: «من لقي الله بغير أثرٍ من جهاد لقي الله وفي إيمانه ثُلْمة» 4 أخرجه الترمذي.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على وجوبه.
وأما كونه ليس واجباً على الأعيان فلقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [التوبة: 122]، وقوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسِهم فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على

الجزء: 2 - الصفحة: 262

القاعدين درجةً وكلاً وعد الله الحسنى} [النساء: 95].
أثبت للمجاهد والقاعد الأجر ولا يكون القاعد مأثوماً، ولو كان فرض عين لأثم.
وإذا وجب في الجملة ولم يجب على الأعيان لزم كونه فرض كفاية.
وأما كونه لا يجب إلا على ذَكَرٍ فلما روت عائشة قالت: «قلت: يا رسول الله! هل على النساء جهاد؟ قال: جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» 5. ولأن المرأة ليست من أهل القتال لضعفها وخوفها ولذلك لا سهم لها.
وأما كونه لا يجب إلا على حرٍّ فلما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد» 6. ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة فلم يجب على العبد كالحج.
وأما كونه لا يجب إلا على مكلف فلأن الصبي والمجنون والكافر لا يجب عليهم سائر فروع الإسلام فكذلك الجهاد.
ولأن الصبي ضعيف عن القتال، والمجنون لا يتأتى منه، والكافر غير مأمون فيه.
وأما كونه لا يجب إلا على مستطيع فلأن غير المستطيع عاجز، والعجز ينفي الوجوب للمستطيع شرعاً.
فعلى هذا لا يجب على مريض، ولا أعمى، ولا أعرج، ولا غير قادر على نفقته وما يحمله وما يقاتل به؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حَرَجٌ إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: 91].
وقال تعالى: ﴿ليس على الأعمى حَرَجٌ ولا على الأعرج حَرَج ولا على المريض حرج﴾ [الفتح: 17].
ولأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد.

الجزء: 2 - الصفحة: 263

والمانع مما ذُكِر مطلق العمى، والعرجُ الفاحش الذي يمنع المشي والركوب كالزمانة ونحوها.
فأما اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي فلا يمنع وجوب الجهاد؛ لأنه متمكن منه أشبه الأعور.
وكذلك المرض المانع هو الشديد فأما وجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع لما ذكر في الأعرج.
وأما غير القادر فالمانع عدم قدرته على نفقته وآلة الجهاد وما يشتريها به؛ لأن النفقة ضرورة مقدمة على الحج ودين الغير فكذلك على الجهاد.
وآلة القتال لا يمكن الجهاد إلا بها.
وأما القدرة على المركوب فإن كانت المسافة بعيدة اشترطت؛ لقوله تعالى: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوكَ لِتَحْملهم قلتَ لا أجدُ ما أحملُكم عليه﴾ [التوبة: 92] ولذلك شرط المصنف رحمه الله في وجدان ما يحمله البعيد.
وإن كانت المسافة قريبة لم يشترط القدرة عليه؛ لأنه سفر قريب لا مشقة في تحمله.
ويشترط أن يكون جميع ما ذكر فاضلاً عن نفقة عياله وقضاء دينه وأجرة مسكنه؛ لما تقدم في الحج.
قال: (وأقلُّ ما يُفعل مرةً في كل عام إن لم تدْعُ حاجة إلى تأخيره).
أما كون الجهاد أقل ما يفعل مرة في كل عام إن لم تدع حاجة إلى تأخيره؛ فلأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام وهي بدل فكذلك مبدلُها الذي هو الجهاد.
وأما كونه لا يُفعل إذا دعت الحاجة إلى تأخيره مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة، أو يكون الإمام منتظر المدد يستعين به، أو يكون الطريق إليهم فيها مانع، أو ليس بها علف أو ماء، أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الإسلام ويطمع في إسلامهم إن أخر قتالهم، ونحو ذلك مما يرى معه المصلحة في ترك القتال؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالح قريشاً عشر سنين وأخّر قتالهم حتى نقضوا العهد» 7. قال: (ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد، أو حَصَر العدو بلدَه تعيّن عليه).
أما كون الجهاد متعينٌ على من حضر الصف فلقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتمُ الذين كفروا زحْفاً فلا تُولوهم الأدبار? ومن يولهّم يومئذٍ دبُره إلا متحرّفاً لقتالٍ

الجزء: 2 - الصفحة: 264

أو متحيزاً إلى فئةٍ فقد بَاء بغضبٍ من الله ومأواه جهنمُ وبئس المصير} [الأنفال: 15 - 16]. وأما كونه متعيٌن على من حَصَرَ العدو بلدَه فلعموم قوله تعالى: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ [التوبة: 41].
ولأن الكل استوى بالنسبة إلى القصد فوجب على الكل.
ولأن البلد إذا حُصر قرُب شَبَه من فيه بمن حضر الصف فوجب بعينه عليه كحاضر الصف.
ويتعين أيضاً على من استنفره الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض ... الآية﴾ [التوبة: 38].
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا استنفرتم فانفروا» 8 متفق عليه.
قال: (وأفضل ما يُتطوع به الجهاد.
وغزو البحر أفضل من غزو البر.
ويُغزى مع كل بر وفاجر.
ويقاتِل كلُّ قومٍ من يليهم من العدو).
أما كون الجهاد أفضل ما يُتطوع به فلما روى ابن مسعود قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لمواقيتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: بر الوالدين.
قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» 9 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وروى أبو سعيد الخدري قال: «قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» 10 متفق عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 265

وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضلُ من جهاد في سبيل الله، أو حجةٍ مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال» رواه الخلال.
ولأن الجهاد بذل المُهْجة وإنفاق المال، ونفعه يعم المسلمين كلهم.
وأما كون غزو البحر أفضل من غزو البر؛ فلما روى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «شهيدُ البحر مثلُ شهديِ البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح.
إلا شهيد البحر، فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويُغْفرُ لشهيد البرِّ الذنوب كلُّها إلا الدَّين، ويُغفر لشهيد البحر الذنوب والدَّين» 11. وفي حديث آخر: «غزوة في البحر مثلُ عشرِ غزَوات في البر» 12 رواهما ابن ماجة.
ولأن شهيد البحر أعظم خطراً ومشقة؛ لأنه بين خطر العدو وخطر الغرق، ولا يُمَكّن من الفرار إلا مع أصحابه فكان أفضلَ من غيره.
وأما كونه يغزو مع كل بر وفاجر فلما روى أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجهادُ واجبٌ عليكم مع كل أمير: براً كان أو فاجراً» 13. وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عن من قال: لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتِل آخر أمتي الدجال لا يُبْطله جَوْرُ جائر ولا عَدْلُ عادل، والإيمان بالأقدار» 14 رواهما أبو داود.
ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يُفضي إلى ظهور الكفار على المسلمين، وفيه إظهار كلمة الكفر وذلك أعظم الفساد.
وأما كون كل قوم يقاتِل من يليهم من العدو فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾ [التوبة: 123].

الجزء: 2 - الصفحة: 266

ولأن الأقربَ أكثرُ ضرراً.
قال: (وتمام الرباطِ أربعون ليلة، وهو: لزوم الثغر للجهاد، ولا يُستحب نقل أهله إليه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» (1». أما كون تمام الرباط أربعين ليلة، والمراد أربعون يوماً فلأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تمامُ الرباط أربعون يوماً» 16. وعن أبي هريرة: «من رابط أربعين يوماً فقد استكمل الرباط» 17 رواه سعيد بن منصور في سننه.
وعن ابن عمر «أنه قدم على أبيه فقال له: كم رابطت؟ قال: ثلاثين يوماً.
قال: عزمتُ إلا رجعتَ حتى تُتِمَّها أربعون يوماً» 18. وأما قول المصنف رحمه الله: وهو لزوم الثغر للجهاد فبيانٌ لمعنى الرباط.
فإن قيل: ما الثغر؟ قيل: كل مكان يُخيف أهلُه العدوَّ ويخاف منه.
وأما كون مَن فيه لا يُستحب له نقل أهله إليه فلأن الثغر مخوف ولا يُؤمن ظَفَر العدو من فيه واستيلاؤهم على الأهل.
والمراد بالأهل النساء والذرية.
وأما قول المصنف رحمه الله: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره فتنبيه على أن الرباط فيه فضيلة عظيمة؛ لما ذكر من الحديث 19. رواه أبو داود.15

الجزء: 2 - الصفحة: 267

وفي حديث آخر أنه قال صلى الله عليه وسلم: «رباطُ يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامِه.
وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأَمِنَ الفَتّان» 20 رواه مسلم.
قال: (وتجب الهجرة على من يَعجز عن إظهارِ دينه في دار الحرب، وتستحب لمن قدَر عليه).
أما كونُ الهجرةِ، وهي: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام: تجب على من يعجز عن إظهار دينه في دار الحرب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إن الذين تَوَفّاهم الملائكة ظالمِي أنفسِهم قالوا فيم كنتُم قالوا كنّا مستضعفين في الأرضِ قالوا ألم تَكن أرض الله واسعةً فتُهاجروا فيها﴾ [النساء: 97] إلى غير ذلك من الآيات.
وفي إطلاق المصنف رحمه الله وجوب الهجرة إشعارٌ ببقاء حكمها، وهو صحيح؛ لأن حكم الهجرة عندنا باقٍ إلى يوم القيامة؛ لأن الآيات والأخبارَ الدالة عليها شاملةٌ لكل زمان.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تَنقطع الهجرة ما كان الجهاد» 21 رواه سعيد وغيره.
وعن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطع التوبةُ حتى تطلع الشمس من مغربها» 22 أخرجه أبو داود.
وأما قوله عليه السلام: «لا هجرة بعد الفتح» 23، وقوله: «قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية» 24 رواهما سعيد.
فمعناهما: لا هجرة من مكة بعد فتحها، أو لا هجرة من بلدٍ بعد فتحه؛ بدليل أنه قال ذلك لمن أراد أن يهاجر من مكة بعد فتحها.
روي «أن صفوان بن أمية قيل له بعد الفتح: أنه لا دين لمن لا يهاجر.
فأتى المدينة [فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء بك أبا وهب؟ ] 25 فقال له ذلك.
فقال: ارجع أبا وهب.
فقد انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية» 26. يعني من مكة.

الجزء: 2 - الصفحة: 268

وأما كونها تستحب لمن قدَر عليها فلأن في إقامته تكثيراً لعددهم واختلاطا بهم.
وإنما لم تجب عليه لقدرته على إظهار دينه.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله: أن الهجرة على ضربين: واجبة ومستحبة.
وقال في المغني: الناس على ثلاثة أضرب: أحدها: من تُستحب له ولا تجب عليه.
والثاني: من تجب عليه.
والثالث: من تسقط عنه.
وهو: من يعجز عنها 27 لمرض، أو إكراه على إقامة، أو ضعفٍ.
فهذا لا يجب عليه ولا يوصف باستحباب؛ لقوله تعالى: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ... الآية﴾ [النساء: 98].
وفيه نظر.
قال: (ولا يجاهِد من عليه دينٌ لا وفاءَ له، ومن أحد أبويه مسلم: إلا بإذن غريمه وأبيه، إلا أن يَتعين عليه الجهادُ فإنه لا طاعةَ لهما في ترك فريضةٍ).
أما كونُ من عليه دين لا وفاء له لا يجاهد إذا لم يأذن له غريمه في الجهاد مع عدم تعيّنِ ذلك عليه؛ فلأن الجهاد يُقصد منه الشهادة وبها تفوت النفس فيفوت الحق لفواتها.
وفي تقييد المصنف رحمه الله الدين بأنه لا وفاء له إشعار بأنه إن كان له وفاءٌ فله أن يجاهد بغير إذنٍ وهو صحيح.
نص عليه أحمد رحمه الله؛ «لأن عبدالله بن حزام أبا جابر خرج إلى أُحُدٍ وعليه دين كثير.
فاستشهد وقضاه عنه ابنه بعلم النبي صلى الله عليه وسلم» 28 ولم ينكر 29 ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 269

وفي معنى الوفاء إقامة الكفيل المليء لأن الدَّين الذي له وفاء إنما لم يمنع من الجهاد لعدم ضياع حق الغريم بتقدير قتله في الجهاد وذلك حاصل في الكفيل المليء.
وأما كون من أحد أبويه مسلم لا يجاهد إذا لم يأذن له أبوه مع عدم تعيّن الجهاد عليه «فلأن رجلاً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال له: هل لك باليمن أحد؟ قال: نعم.
أبوان.
قال: ارجع فاستأذنهما: فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما» 30 رواه أبو داود.
وروى عبدالله بن عمرو بن العاص قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أجاهد.
فقال لك أبوان؟ فقال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد» 31. وروى الترمذي عن ابن عباس مثله، وقال هذا حديث حسن صحيح.
ولأن بر الوالدين فرض عين والجهاد فرض كفاية وفرض العين مقدم.
ولا فرق فيما ذُكر بين الأب والأم.
ولذلك قال المصنف رحمه الله: ومَن أحد أبويه مسلم.
وفي قول المصنف رحمه الله: مسلم تنبيه على أنه لا يعتبر إذن الكافر منهما.
وصرح به في المغني؛ لأن كثيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجاهدون وآباؤهم مشركون لا يستأذنونهم منهم: أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة.
وأما كون من ذكر يجاهد بغير إذن من ذكر إذا تعين الجهاد عليه فلأنه يصير حينئذ فرض عين وتركه معصية.
ولذلك قال المصنف: فإنه لا طاعة لهما في ترك فريضة.
ولأن الجهاد حينئذ عبادة متعينة فلم يعتبر إذن أحد فيها كالصلاة.
قال: (ولا يحل للمسلمين الفرارُ من ضعفهم إلا متحرّفين للقتال، أو متحيزين إلى فئة.
وإن زاد الكفار فلهم الفرار إلا أن يَغلب على ظنّهم الظَّفَرُ).
أما كون المسلمين لا يحل لهم الفرار من الكفرة في الجملة فلأن الله تعالى قال: ﴿إذا لقيتم الذين كفروا زَحْفاً فلا تُوَلّوهم الأدبار ... الآية﴾ [الأنفال: 15].

الجزء: 2 - الصفحة: 270

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عَدّ الفرار من الكبائر 32. وأما ما يشترط لذلك فشرطان: أحدهما: أن لا يزيد عدد الكفار على مثلي المسلمين، وهو المراد بضعفهم.
فإن زاد فلهم الفرار؛ لقوله تعالى: ﴿الآن خَفَّفَ الله عنكم وعلم أن فيكم ضَعفاً فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال: 66] لفظه خبر ومعناه أمر بدليل قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾، ولئلا يخالف خبرَه عز وجل مَخْبَرُه؛ لأن الظفر في كل مرة لا يتفق للمسلمين.
وعن ابن عباس: «من فرّ من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر» 33. الثاني: أن لا يريد بفراره التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إلا متحرّفاً لقتالٍ أو متحيزاً إلى فئة﴾ [الأنفال: 16].
ومعنى التحرف: أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن له؛ كمن في وجهه الشمس، أو الريح، أو هو في وَهْدَة 34 أو عطشان، أو في مكان منكشف فينحرف إلى ظل، أو موضع لا ريح فيه، أو مكان عال، أو موضع فيه ماء، أو هو مستترا، ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب.
والتحيز إلى فئة هو: أن يصير إلى قومٍ من المسلمين ليكون مع الجماعة ويقوَى بهم على قتال العدو.
سواء بعدت أو قربت؛ لأن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني فئة لكم» 35 وكان بالمدينة.
وقال عمر: «أنا فئة كل مسلم» 36. وكانت جيوشه بالشام والعراق وخراسان ومصر.
رواهما أبو سعيد.

الجزء: 2 - الصفحة: 271

وأما كونهم لهم الفرار إذا زاد عدد الكفار على ضعف المسلمين فلأن شرط عدم الحِلّ أن لا يزيد، وذلك مفقود هاهنا.
وأما قول المصنف رحمه الله: إلا أن يغلب على ظنهم الظفر فاستثناء من كون المسلمين لهم الفرار مع الزيادة.
فعلى هذا إن غلب على ظنهم الظَّفَر لا يحل لهم الفرار وإن كثر العدو.
وصرح في المغني: بأن ذلك أولى وليس بواجب.
وهذا هو الذي حكاه مَن علمنا من الأصحاب؛ لأن الله أباح له الفرار من الزائد على ضعفه مطلقاً من غير تفصيل فلا يقيد بغير ذلك.
فعلى هذا يحمل استثناء المصنف على الأَولى؛ لما فيه من الجمع بين نقليه وموافقة الأصحاب.
ويصححه أن قوله: فلهم الفرار إذن في الفرار.
وللإذن صور: أحدها: أن يؤذن له مع أن الفرار والثبات سواء كمن استوى عنده الظفر والهلاك.
والثانية: أن يؤذن له مع أن الثبات أولى كمن غلب على ظنه الظفر.
والثالثة: أن يؤذن له مع أن الفرار مستحب كمن غلبت على ظنه السلامة بفراره، والهلاك وكسر قلوب المسلمين بثباته.
فيكون المصنف قد استثنى من مطلق اللفظ أحد محامله وذلك جائز.
ولو قيل بوجوب ما اقتضاه ظاهر لفظ المصنف لم يكن فيه بعداً؛ لأن الجهاد إنما وجب نكاية للعدو وإظهاراً لكلمة الحق فإذا غلب على ظنه الظفر تعين وإن كثروا تخليصاً لمقصود ما وجب الجهاد لأجله.
قال: (وإن أُلقيَ في مركبهم نارٌ فعلوا ما يرون السلامة فيه، فإن شكّوا فعلوا ما شاؤا من المُقام أو إلقاءِ نفوسهم في الماء، وعنه: يلزمهم المُقام).
أما كون من أُلقي في مركبهم نار يفعلون ما يرون فيه السلامة فلأن حفظ الروح واجب، وغلبة الظن قائمة مقام اليقين في كثير من الأحكام فليكن هاهنا كذلك.
وأما كونهم إذا شكّوا يفعلون ما شاؤا من المُقام أو إلقاء نفوسهم في الماء على المذهب فلأنهم ابتلوا بشرين لا مزية لأحدهما على الآخر.
وأما كونهم يلزمهم المُقام على رواية فلأنهم إذا رموا نفوسهم كان موتهم بفعلهم بخلاف إقامتهم فإن موتهم بفعل غيرهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 272

قال صاحب النهاية فيها: الأول أصح؛ لأنهم ملجئون إلى الإلقاء، ولا ينسب إليهم الفعل بوجهٍ، ولعل الله تعالى يخلصهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 273

فصل [في أحكام القتال] (ويجوزُ تبييت الكفار، ورميُهم بالمنجنيق، وقطعُ المياه عنهم، وهدمُ حصونهم).
أما كون تبييت الكفار وهو كبْسهم ليلاً وقتلهم وهم غارّون يجوز؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم شن الغارة على بني المصطلق ليلاً» 37. ولا فرق بين أن يكون فيهم نساؤهم وذراريهم أو لم يكن «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: إنا نبيت العدو وفيهم النساء والصبيان.
فقال: هم منهم» 38 متفق عليه.
ولأن ذلك لو منع لأفضى إلى تعطيل الجهاد.
وأما كون رميهم بالمجنيق يجوز فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف» 39 أخرجه الترمذي مرسلاً.
وعن عمرو بن العاص «أنه نصب المنجنيق على الإسكندرية» 40. وسواء في ذلك الحاجة وعدمها.
قال المصنف في المغني: هو ظاهر كلام أحمد.

الجزء: 2 - الصفحة: 274

وأما كون قطع المياه عنهم وهدم حصونهم يجوز فلأن القصد إضعافهم وإرهابهم ليجيبوا داعي الله تعالى.
قال: (ولا يجوز إحراقُ نحل، ولا تغريقه، ولا عَقْرُ دابة ولا شاة إلا لأكلٍ يُحتاج إليه.
وفي حرق شجرهم وزرعهم وقطعِه روايتان: إحداهما: يجوز إن لم يضر بالمسلمين.
والأخرى: لا يجوز إلا أن لا يُقدر عليهم إلا به، أو يكونوا يفعلونه بنا.
وكذلك رميهم بالنار، وفتح المياه ليغرقهم).
أما كون إحراق النحل وتغريقه وعقر دابة أو شاة لغير أكل يحتاج إليه لا يجوز فـ «لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ليزيد وهو يوصيه حين بعثه أميراً: يا يزيد! لا تحرقن نحلاً ولا تغرقه، ولا تَعقرن دابة عجماء ولا شاة إلا لمأكلة» 41 أخرجه سعيد بن منصور.
ولأن في ذلك إتلاف مال الغانمين من غير حاجة.
وإنما اشترط المصنف رحمه الله الحاجة في الأكل لأن قيمة الحيوان تكثر وتسمح بها أنفس الغانمين.
وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه مثل الطعام.
أي يجوز لهم ذبح الحيوان وأكله من غير حاجة كما يجوز لهم أكل الطعام.
وأما كون حرق شجرهم وزرعهم وقطعه يجوز في رواية فلقوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لِينة أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾ [الحشر: 5].
وروى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم حرّق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة فأنزل الله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها ... الآية﴾ [الحشر: 5].
ولها يقول حسان: وهانَ على سَراةِ بني لُؤيٍ ... حريقٌ بالبويرةِ مستطيرُ» 42

الجزء: 2 - الصفحة: 275

متفق عليه.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسامة: «حَرِّق» 43 رواه أبو داود.
وأما كونه لا يجوز في روايةٍ فلأن في حديث أبي بكر المتقدم: «ولا تعقرن شجراً مثمراً» 44. ولأنه قد روي نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً.
ولأن فيه إتلافاً محضاً فلم يجز كعقر الحيوان.
واشتراط المصنف رحمه الله في الرواية الأولى أن لا يُضر بالمسلمين؛ لأن الضرر منفي شرعاً بقوله عليه السلام: «لا ضرر ولا إضرار» 45. واستثنى في الرواية الثانية أمرين: أن لا يُقدر عليهم إلا به، أو يكونوا يفعلونه بنا: أما إذا لم يُقدر عليهم إلا بذلك فلأنه لو لم يجز لأدى إلى ترك الجهاد، وأما إذا فعلوا ذلك بنا فلينزجروا عن فعل ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: وكذلك رميهم بالنار وفتح الماء ليغرقهم فمعناه أن في ذلك روايتين كحرق الشجر والزرع وقطعهما: إحداهما: يجوز لأن القصد نكايتهم وإقامة كلمة الحق فإذا كان وسيلة إليه جاز كالقتل.
والثانية: لا يجوز: أما النار فلأنها لا يعذب بها إلا الله، وأما الماء فلأن الإتلاف به يعم.
مع أن عنه مندوحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 276

فعلى هذا لو لم يقدر عليهم إلا به أو فعلوه بنا جاز لما مر في حرق الشجر.
قال: (وإذا ظفِر بهم لم يُقتل صبيٌ ولا امرأةٌ ولا راهبٌ ولا شيخٌ فانٍ ولا زمِنٌ ولا أعمى لا رأي لهم، إلا أن يُقاتلوا.
فإن تَتَرَّسوا بهم جاز رميهم، ويَقْصِد المقاتلة.
وإن تترسوا بمسلمين لم يجز رميهم إلا أن يُخاف على المسلمين فيرميهم ويقصِد الكفار).
أما كون كل واحد من الصبي والمرأة والشيخ الفاني لا يقتل إذا لم يكن ذا رأي ولم يقاتل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انطلقوا بسم الله.
لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا امرأة» 46 رواه أبو داود.
وأما كون الراهب لا يُقتل إذا كان كذلك فلأن في حديث أبي بكر الذي في وصيته لزيد: «ستمرون على قومٍ في صوامع لهم.
احتبسوا أنفسهم فيها.
فدعوهم حتى يُميتهم الله على ضلالتهم» 47. وأما كون كل واحد من الزَّمِن والأعمى لا يقتل إذا كان كذلك فبالقياس على الشيخ الفاني؛ لا شتراكهم في عدم النكاية.
وأما كون جميع من ذُكر يقتل إذا كان ذا رأي أو قاتل: أما كونه يقتل إذا كان ذا رأي فلأن الرأي من أعظم المؤنة في الحرب.
وقد جاء عن معاوية أنه قال لمروان والأسود: «أمددتما علياً بقيس بن سعد وبمائة، فوالله لو أنكما أمددتماه بثمانية آلاف مقاتل ما كان بأغيظ لي من ذلك».
وأما كونه يُقتل إن قاتل «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على امرأة مقتولة يوم الخندق فقال: من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله! فقال: ولم؟ قال: نازعتني قائمة سيفي.
فسكت» 48. وفي حديثٍ آخر: «وقف على امرأة مقتولة.
فقال: ما بالها قتلت وهي لا تقاتل» 49.

الجزء: 2 - الصفحة: 277

ولأنه لو لم يجز قتل من ذُكر لأدى إلى تلف من قاتله.
وأما كون الكفار يجوز رميهم إذا تترسوا بمن ذكر من الكفار الذين لا يجوز قتلهم فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماهم بالمجنيق» 50 وفيهم النساء والصبيان.
ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد؛ لأنهم إذا علموا ذلك تترسوا بهم.
وأما كون الرامي يقصد المقاتلة فلأن ذلك هو المقصود.
وأما كونهم لا يجوز رميهم إذا تترسوا بمسلمين ولم يخف على المسلمين فلأن ذلك يؤول إلى قتل المسلمين مع أن لهم مندوحة.
وأما كونهم يجوز رميهم إذا خيف على المسلمين مثل أن تكون الحرب قائمة أو لا يقدر عليهم إلا بذلك فلأنه حال ضرورة.
وأما كون الرامي يقصد الكفار فلأنهم هم المقصودون بالقتل.
قال: (ومن أسر أسيراً لم يجز له قتلُه حتى يأتي به الإمام إلا أن يمتنع من المسير معه ولا يمكنه إكراهه).
أما كونُ من أسر أسيراً لا يجوز له قتله حتى يأتي به الإمام إذا لم يمتنع من المسير معه أو امتنع وأمكنه 51 إكراهه على ذلك فلأنه إذا صار أسيراً كانت الخيرة فيه إلى الإمام فلم يجز قتله لما فيه من إبطال الخيرة المستحقة للإمام.
وأما كونه يجوز له قتله إذا لم يسر معه ولا يمكنه إكراهه فلأنه لو لم يجز قتله لأدى ذلك إلى إطلاقه.

الجزء: 2 - الصفحة: 278

قال: (ويخيّر الأمير في الأسرى: بين القتل، والاسترقاق، والمنِّ، والفداء بمسلم أو مال.
وعنه: لا يجوز بمال.
إلا غير الكتابي ففي استرقاقه روايتان.
ولا يجوز أن يختار إلا الأصلح للمسلمين، فإن أسلموا رَقّوا في الحال).
أما كون الأمير يخير في الأسرى من أهل الكتاب بين القتل والاسترقاق والمن والفداء: أما القتل فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قَتل رجال قريظة، وهم ما بين الستمائة والسبعمائة» 52. و«قتل يوم بدر عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث صبراً» 53. وأما الاسترقاق فلأنه يجوز إقرارهم على كفرهم بالجزية فبالرق أولى.
ولأنه أبلغ في صَغارهم.
وأما المن والفداء فلقوله تعالى: ﴿فإما مَنّا بعدُ وإما فداءً﴾ [محمد: 4].
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم منّ على أبي عَزّة الشاعر» 54. و«منّ على العاصي بن الربيع» 55.

الجزء: 2 - الصفحة: 279

و «على ثمامة بن أثال» 56. و«فادى أسيراً برجلين من أصحابه أسرتهما ثَقيف» 57. و«فادى أسارى بدر» 58. وأما كون الفداء يجوز بمسلم أو بمال على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم فادى بمسلم في أسرى ثقيف» 59 و «بمال في أسرى بدر» 60. وأما كونه لا يجوز بمالٍ على رواية فلأن الله تعالى عاتب رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على فداء الأسرى يوم بدر بالمال بقوله: ﴿تُريدون عرض الدنيا﴾ [الأنفال: 67].

الجزء: 2 - الصفحة: 280

والأول أولى؛ لأن دليل الرواية منسوخ.
وأما كون الأمير يخير في غير الكتابي، وهو: من لا يُقَر على دينه كعبدة الأوثان بين القتل والمن والفداء فلما تقدم.
وأما كونه له استرقاقه في رواية فكالكتابي.
وأما كونه ليس له ذلك في رواية فلأنه لا يقر بالجزية.
وهذه الصورة هي المراد من قول المصنف 61: إلا غير الكتابي ففي استرقاقه روايتان.
وهو استثناء من قوله: ويخير الأمير بين القتل أي يخير الأمير في الكتابي بين أمور أربعة وفاقاً.
وفي غير الكتابي يخير بين أمور ثلاثة وفي الرابع خلاف.
فإن قيل: أيدخل فيما ذُكر العبد والنساء والصبيان والرهبان ومن كان زمنا أو أعمى أو شيخاً فانياً أو نحو ذلك؟ قيل: لا؛ لأنهم لا يجوز قتلهم: أما العبد فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أدركوا خالداً فمروه أن لا يقتل عسيفاً» 62. وأما البواقي فلما مر.
فإن قيل: ما حكمهم؟ قيل: يصيرون أرقاء بنفس السبي لأنهم مال لا ضرر في اقتنائهم أشبهوا البهائم.
وصرح المصنف رحمه الله في المغني في فصل: أن الكافر إذا كان مولى مسلم: على جواز استرقاق الشيخ الزَّمِن.
ونقله غيره من الأصحاب فقال: كل من لا يقتل كالأعمى وغيره يَرِق بنفس السبي.
وقال المصنف رحمه الله في الكافي: الرجال الذين يحرم قتلهم كالشيخ الفاني ونحوه لا يجوز سبيهم؛ لأنه لا نفع فيهم.
وطريق الجمع بين نقليه ونقل غيره: أن من لا يجوز قتله إن كان فيه نفع جاز سبيه، وإلا فلا.
وتعليله في الكافي يؤيد هذا الجمع.
إلا أنه يمكن أن يقال: ما من أحد إلا وفيه نفع لأن الزمِن يمكن كونه ناطوراً، والأعمى يمكن كونه ينفخ في كور الحداد؛ كما روي عن عمر «أنه أمر من كان من الصحابة كذلك بذلك».

الجزء: 2 - الصفحة: 281

وأما كون الأمير لا يجوز له أن يختار إلا الأصلح للمسلمين من الأمور المتقدم ذكرها فلأنه نائب للمسلمين فلا يجوز له فعل ما غلب على ظنه أنه لا مصلحة فيه.
فإن قيل: فإن تردد.
قيل: القتل أولى.
وأما كون من أسلم ممن تقدم ذكره يُرق في الحال فلأنه يحرم قتله لقوله عليه السلام: «لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث» 63، وهذا مسلم، وإذا كان قتله حراماً وجب أن يصير رقيقاً كالمرأة.
وقال المصنف رحمه الله في الكافي: يخير فيهم الإمام بين المن عليهم وبين فدائهم وبين إرقاقهم؛ لأنه إذا جاز ذلك في حال كفرهم ففي حال إسلامهم بطريق الأولى.
قال: (ومن سُبي من أطفالهم منفرداً، أو مع أحد أبويه فهو مسلم.
وإن سبي مع أبويه فهو على دينهما).
أما كون من سبي من أطفال الكفار منفرداً أو مع أحد أبويه مسلماً فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مولودٍ يولد على الفطرة.
وإنما أبواه يُهوّدانه ويُنصّرانه ويُمجّسانه» 64 رواه مسلم.
جعل التبعية لأبويه فإذا سبي منفرداً أو مع أحدهما انقطعت تبعيته عنهما فوجب بقاؤه على حكم الفطرة.
وأما كونه على دين أبويه إذا سبي معهما فلأن التبعية باقية.
قال: (ولا ينفسخ النكاح باسترقاق الزوجين.
وإن سبيت المرأة وحدها انفسخ نكاحها وحلت لسابيها).
أما كون نكاح الزوجين لا ينفسخ باسترقاقهما فلأن الرق معنى لا يمنع ابتداء النكاح فلا يقطع استدامته كالعتق.

الجزء: 2 - الصفحة: 282

وأما كونه ينفسخ إذا سبيت المرأة وحدها فلأنها تحل لسابيها لما يأتي، ولو لم ينفسخ نكاحها لما كان كذلك.
وأما كونها تحل لسابيها فلقوله تعالى: ﴿والمحصناتُ -أي والمزوجات- من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: 24] أي بالسبي.
روى أبو سعيد الخدري قال: «أصبنا سبايا يومَ أوطاس ولهن أزواج في قومهن.
فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: ﴿والمحصناتُ من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ... الآية﴾ [النساء: 24]» 65 رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن.
قال: (وهل يجوز بيع من استُرق منهم للمشركين؟ على روايتين).
أما كون بيع من استرق من الكفار يجوز للمشركين على رواية فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم باع سبي بني قريظة من أهل الحرب».
ولأنهم لا يُمنعون من إثبات أيديهم عليهم فلم يمنعوا من ابتداء ذلك كالمسلم.
وأما كون ذلك لا يجوز على روايةٍ فلأنه يروى عن عمر «أنه كتب ينهى أمراء الأمصار عن ذلك».
ولأن في إبقائهم في دار الإسلام تحصيلاً لإسلامهم غالباً فلا يجوز ردهم إلى الشرك كما لو أسلموا.
قال: (ولا يفرق في البيع بين ذوي رحم محرم إلا بعد البلوغ على إحدى الروايتين).
أما كون من ذُكر لا يفرق بينهم قبل البلوغ فلما روى أبو أيوب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» 66 رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
وعن علي رضي الله عنه قال: «وهَب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين.
فبعت أحدهما.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل غلامك؟ فأخبرته.
فقال: رده رده» 67 رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.

الجزء: 2 - الصفحة: 283

ولأنه لا يفرق بين الوالد والولد الطفل وفاقاً فكذلك كل ذوي رحم محرم.
وأما كونهم لا يفرق بينهم بعد البلوغ على رواية فلما ذُكر قبل.
وأما كونهم يفرق بينهم على رواية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُفرق بين الأم وولدها.
فقيل: إلى متى؟ قال: حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية» 68. ولأن الأحرار يتفرقون بعد البلوغ فالعبيد أولى.
قال: (وإذا حصر الإمام حصناً لزمه مصابرته إذا رأى المصلحة فيه، فإن أسلموا أو من أسلم منهم أحرز دمه وماله وأولاده الصغار، وإن سألوا الموادعة بمالٍ أو غيره جاز إن كانت المصلحة فيه، وإن نزلوا على حكم حاكم جاز إذا كان بالغاً عاقلاً من أهل الاجتهاد).
أما كون الإمام إذا حصر حصناً يلزم مصابرته إذا رأى المصلحة فيها فلأن عليه فعل ما فيه مصلحة المسلمين وقد وُجدت.
وكلام المصنف رحمه الله مشعرٌ بأن الإمام إذا رأى المصلحة في الانصراف جاز.
وهو صحيح.
صرح به في المغني؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف فلم ينَل منهم شيئاً فانصرف قبل فتح الحصن» 69. وأما قول المصنف رحمه الله: فإن أسلموا ... إلى آخره فمشعر بأنه يزول اللزوم المذكور إذا وجد منهم إسلام أو سؤال موادعة أو نزول على حكم حاكم.
وهو صحيح: أما زواله بالإسلام فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» 70. فعلى هذا من أسلم منهم حَقن دمه وماله وأولاده الصغار: أما الدم والمال فلأن في تتمة الحديث المذكور: «فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم».

الجزء: 2 - الصفحة: 284

وأما الأولاد فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر بني قريظة فأسلم أبناء سَعْيَة، فأحرز إسلامهما أموالهما وأولادهما» 71. ولأن الأولاد الصغار تبع لهم في الإسلام فكذلك في العصمة.
وأما زواله بالموادعة فلأن الغرض إعلاء كلمة الإسلام وصَغار الكفرة وذلك حاصل.
فعلى هذا يجوز بالمال وبغير مال كما يجوز المن عليهم.
واشترط بعض الأصحاب في عقدها بغير مال أن يعجز المسلمون أو يستضروا بالمقام ليكون ذلك عذراً في الانصراف.
وأما زواله بالنزول على حكم حاكم فـ «لأن بني قريظة حين حصرهم النبي صلى الله عليه وسلم نزلوا على حكم سعد بن معاذ» 72. فعلى هذا يشترط في الحاكم أن يكون مسلماً حراً بالغاً عاقلاً مجتهداً؛ لأنه حكم أشبه ولاية القضاء.
ولم يذكر المصنف رحمه الله اشتراط ذكوريته واشترطه في الكافي كذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 285

قال: (ولا يحكم إلا بما فيه حَظٌّ للمسلمين من: القتل، والسبي، والفداء.
فإن حكم بالمن لزم قبوله في أحد الوجهين، وإن حكم بقتل أو سبي فأسلموا عصموا دماءهم، وفي استرقاقهم وجهان).
أما كون الحاكم المذكور لا يحكم إلا بما فيه حظٌّ للمسلمين من الأمور المذكورة فلأنه نائب الإمام فقام مقامه في اختيار الأحظ.
ولأنه يخير فلم يجز فيه إلا الأحظ كخيرة الإمام إذا أسر أسيراً.
وأما كونه إذا حكم بالمن يلزم قبول حكمه في وجهٍ وهو للقاضي فلأنه نائب الإمام فلزم قبوله منه إذا رآه كالإمام.
وأما كونه لا يلزم في وجه وهو لأبي الخطاب فلأنه إذا لم يره الإمام تبين أنه لا حظ فيه.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله مطلق وتعليل الوجه الثاني يقتضي كونه مقيداً بأن الإمام لم يره.
قيل: هكذا علله في الكافي.
وقيده صاحب الخلاصة فيها فقال: فإن حكم بالمن فأبى الإمام.
وهو حسن لما ذكر.
[إلا أن فيه نظراً من حيث إن الوجه المذكور لأبي الخطاب ولم يقيده في هدايته] 73. وأما كونهم يعصمون دمائهم إذا حَكم بقتلهم أو سبيهم فأسلموا فلأن قتل المسلم حرام.
وفي اقتصار المصنف رحمه الله على عصمة الدماء دليل على عصمة المال.
وقد صرح بذلك في الكافي، ونقله غيره.
وإنما لم يعصموا أموالهم؛ لأنها صارت للمسلمين قبل إسلامهم.
وأما كونهم لا يُسترقون في وجهٍ فلأنهم أسلموا قبل استرقاقهم أشبه ما لو أسلموا قبل القدرة عليهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 286

وأما كونهم يُسترقون في وجه فلأنهم أسلموا بعد القدرة عليهم ووجوبِ قتلهم أشبه الأسير إذا أسلم بعد اختيار الإمام قتله.

الجزء: 2 - الصفحة: 287

باب ما يلزم الإمام والجيش

قال المصنف رحمه الله: (يلزم الإمامُ عند مسيرِ الجيش تعاهدَ الخيل والرجال، فما لا يصلح للحرب يمنعه من الدخول، ويمنع المُخذّلَ والمرجِفَ والنساءَ إلا طاعنةً في السن لسقيِ الماء ومعالجةِ الجرحاء) 74. أما كون الإمام يلزمه تعاهدَ الخيل والرجال عند مسير الجيش فلأن ذلك من مصالح الجيش فلزمه فعله كبقية المصالح.
وأما كون ما لا يصلح للحرب يمنعه من الدخول فلئلا يُقطع في دار الحرب.
ولأن دخول مثل ذلك معه ربما كان سبباً للهزيمة.
والمراد بما لا يصلح من الخيل: الفرس الحطيم والكبير والضعيف والأعجف.
ومن الرجال الزمن والأشل والمفلوج والمريض وما أشبه ذلك.
وأما كونه يمنع المخذل وهو: الذي يُضَعّف قلوب الناس فيقول: إن في عدونا كثرة وقوة ونحن ضعفاء ولا طاقة لنا بهم.
والمرجف: وهو الذي يقول: هلكت سرية المسلمين التي مضت، أو يقول: للمشركين مدد وورائهم جيش وما أشبه ذلك؛ فلقوله تعالى: ﴿ولكن كَره الله انبعاثهم فَثَبَّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ [التوبة: 46].
وقوله تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خَبالاً ولأَوْضعوا خِلاَلَكم﴾ [التوبة: 47].
ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزم الإمام منعهم: إزالةً للضرر.
وأما كونه يمنع النساء غير طاعنة في السن كالشَّواب فلما في ذلك من الافتتان بهن مع أنهن لسن من أهل القتال لاستيلاء الخَوَر والجبن عليهن.

الجزء: 2 - الصفحة: 288

ولأنه لا يؤمن ظَفَر العدو بهن فيستحلون منهن ما حرم الله.
وأما كونه لا يمنع طاعنة في السن لسقي الماء ومعالجة الجرحاء فلما روى أنس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوةٍ معها من الأنصار يستقين الماء ويداوين الجرحاء» 75 قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
قال: (ولا يستعين بمشركٍ إلا عند الحاجة إليه).
أما كون الإمام لا يستعين بمشرك عند عدم الحاجة إليه فلما روت عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر، فتبعه رجل من المشركين.
قال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا.
قال: فارجع فلن أستعين بمشرك» 76 متفق عليه.
وأما كونه يَستعين به عند الحاجة إليه فـ «لأن صفوان بن أمية شهد حنيناً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك» رواه سعيد.
فإن قيل: الحديثان مطلقان فينبغي أن يتعارضا.
قيل: يجب حملهما على ما ذُكر جمعاً بينهما ونفياً للتعارض.
قال: (ويَرفُق بهم في السير، ويُعد لهم الزاد، ويُقوي نفوسهم بما يخيل إليهم من أسباب النصر).
أما كون الإمام يَرفق بالجيش في السير.
والمراد به أنه في السير يسير بهم سير أضعفهم فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمير القوم أقطعهم».
أي أقلهم سيراً.
ولئلا ينقطع منهم أحد أو يشق عليه.
فإن قيل: الرفق المذكور مطلقاً أو مع عدم الحاجة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 289

قيل: بل مع عدم الحاجة إلى العجلة.
فإن دعتنا الحاجة جاز «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جَدَّ حين بلغه قولَ عبدالله بن أبي: ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: 8]» 77 لِيَشغل الناس عن الخوض فيه.
وأما كونه يُعد الزاد لهم فلأنهم ربما طال سفرهم عما عزموا عليه فيهلكون إذا لم يكن لهم زاد.
وأما كونه يقوي نفوسهم بما يخيل إليهم من أسباب النصر فلأن ذلك مما تستعين النفوس به على المصابرة ويعينها على القتال.
وقد نبه الله تعالى على ذلك في القرآن حيث قال تعالى فيه: ﴿وعدكم الله مغانمَ كثيرةً ... الآية﴾ [الفتح: 20].
قال: (ويعرّف عليهم العرفاء، ويَعقد لهم الألوية والرايات، ويجعل لكل طائفة شِعاراً يتداعون به عند الحرب).
أما كون الإمام يُعرّف العرفاء على جيشه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرف عام خيبر على كل عشرة عريفاً».
ولأنه أقرب في جمعهم.
وأما كونه يعقد لهم الألوية والرايات؛ فلما روى ابن عباس «أن أبا سفيان حين أسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: احبسه على الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها.
قال: فحبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومرت به القبائل على راياتها».
والمراد بالألوية المطارد.
قاله الجوهري.
وبالرايات الأعلام.
وأما كونه يجعل لكل طائفة شعاراً يتداعون به عند الحرب؛ فلأن الإنسان ربما احتاج إلى نصرة صاحبه فإذا كان بينهم شِعار وهو العلامة دعى أحدهم صاحبه بها.
ولأن الإنسان ربما ضل فيهتدي بالشعار.
قال: (ويَتَخير لهم المنازل، ويتبع مكامنها فيحفظها، ويبعث 78 العيون على العدو حتى لا يخفى عليه أمرهم).
أما كون الإمام يتخير لجيشه المنازل فلأن ذلك أرفق بهم، وفيه إعانة على السير.

الجزء: 2 - الصفحة: 290

وأما كونه يتبع مكامنها فيحفظها فليأمن هجوم العدو عليهم.
وأما كونه يبعث العيون على العدو فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث حُذافة بن اليمان في غزاة الخندق ودحية الكلبي في بعض غزواته» 79. ولأنه إذا فعل ذلك لا يخفى عليه أمرهم.
وقد نبه المصنف رحمه الله على ذلك بقوله: حتى لا يخفى عليه أمرهم.
قال: (ويمنع جيشه من الفساد والمعاصي، ويَعِد ذا الصبر بالأجر والنّفَل، ويشاور ذا الرأي).
أما كون الإمام يمنع جيشه مما ذُكر فلأن ذلك داع للنصر وسبب للظفر.
وأما كونه يَعِد ذا الصبر بالأجر والنفَل فلأن ذلك وسيلة إلى بذل جهده وازدياد صبره.
وأما كونه يشاور ذا الرأي فلقوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: 159]. ولقوله عليه السلام: «ما خاب من استشار» 80. ولقوله: «لن يهلك قوم عن مشورة» 81. ولأن في ذلك تطييباً لقلوبهم.
وربما ظهر له بالمشاورة ما خفي عليه.
ولذلك قال الشاعر: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني قال: (ويصُفُّ جيشه، ويجعل في كل جنبة كفؤاً.
ولا يميل مع قريبه وذي مذهبه على غيره).
أما كون الإمام يصف جيشه فلأن ذلك من مصالح الحرب.

الجزء: 2 - الصفحة: 291

وأما كونه يجعل في كل جنبة كفؤاً؛ فلما روى أبو هريرة قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فجعل خالداً على إحدى المجنبتين، وجعل الزبير على الأخرى، وجعل أبا عبيدة للساقة» 82. ولأن ذلك أحوط للحرب وأبلغ في إرهاب العدو.
وأما كونه لا يميل مع قريبه وذي مذهبه على غيره؛ فلئلا ينكسر قلب من يميل عليه فيخذله عند الحاجة.
ولأن ذلك يُفسد القلوب ويشتت الكلمة.
قال: (ويجوز له أن يَبذل جُعلاً لمن يدله على طريق أو قلعة أو ماء.
ويجب أن يكون معلوماً إلا أن يكون من مال الكفار فيجوز مجهولاً).
أما كون الإمام يجوز له أن يبذل جُعلاً فيما ذُكر فلأنه من مصالح المسلمين فجاز بذله كسائر المصالح.
وأما كون الجُعل يجب أن يكون معلوماً إذا كان من مال المسلمين؛ فلأنه جُعل فوجب أن يكون معلوماً كالجعل في المسابقة ورد الضالّة.
وأما كونه يجوز أن يكون مجهولاً إذا كان من مال الكفار فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلث والربع وسلب المقتول».
وهو مجهول.
قال: (فإن جعل له جارية منهم فماتت قبْل الفتح فلا شيء له، وإن أسلمت قبل الفتح فله قيمتها، وإن أسلمت بعده سُلمت إليه.
إلا أن يكون كافراً فله قيمتها.
وإن فتحت صلحاً ولم يشترطوا الجارية فله قيمتها.
فإن أبى إلا الجارية وامتنعوا من بذلها فُسخ الصلح.
ويحتمل أن لا يكون له إلا قيمتها).
أما كون من جُعلت له الجارية لا شيء له إذا ماتت قبل الفتح فلأن حقه متعلق بمعيّن فيسقط بتلفه من غير تفريط كالوديعة.
وأما كونه له قيمتها إذا أسلمت قبل الفتح فلأنها عَصَمت نفسها بالإسلام فوجب له قيمتها لأن الحق إذا تعذر ردُّ عينه وجب رد قيمته أشبه ما لو أتلف مال غيره الذي لا مثل له.

الجزء: 2 - الصفحة: 292

و «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاءه مسلماً رده إليهم فجاء نساء مسلمات منعه الله ردهن وأمره برد مهورهن» 83. وأما كون الجارية تُسَلّم إليه إذا أسلمت بعد الفتح وكان مسلماً فلأنه أمكن الوفاء بما شرط له فكان واجباً لقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم» 84. وأما كونها لا تُسلم إليه إذا كان كافراً فلأن الكافر لا يجوز له أن يبتدئ الملك على مسلم.
وأما كون الكافر له قيمتها فلأنه تعذر تسليمها إليه فوجب الرجوع إلى بدلها وهو القيمة لما تقدم.
وأما كونه له قيمتها إذا فُتحت القلعة صلحاً ولم يشترط المسلمون الجارية فلأن رد عينها متعذر لكونها تدخل تحت الصلح، وإذا تعذر رد عينها تعين رد قيمتها لأنها بدلها.
وفي قول المصنف رحمه الله: ولم يشترطوا الجارية إشعار بأنه لو شُرط في الصلح تسليم الجارية لزم تسليم عينها لا قيمتها.
وهو صحيح لما فيه من الوفاء بالشرط.
وأما كون الصلح ينفسخ إذا لم يرض من جُعلت له الجارية بقيمتها وامتنع أهلها من بذلها على المذهب فلأنه تعذر إمضاؤه لأن حق الدالّ سابق.
وأما كونه يحتمل أن لا يكون له إلا القيمة فلأنه تعذر تسليمها فوجب له قيمتها أشبه ما لو أسلمت.
قال: (وله أن يُنفّل في البُداءة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعده.
وذلك إذا دخل الجيش بَعَث سريةً تُغير، فإذا رجع بعث أخرى؛ فما أتت به أخرج خُمُسه وأعطى السرية ما جعل لها وقسم الباقي للجيش والسرية معاً).
أما كون الإمام له أن يُنَفّل ما ذُكر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نَفّل الربع في البَدْأَة والثلث في الرجعة» 85.

الجزء: 2 - الصفحة: 293

وفي لفظ: «كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قَفَل» 86. رواهما أبو داود.
فإن قيل: لم أزيد في الرجعة على البداءة؟ قيل: لمشقة الرجعة؛ لأن الجيش في البداءة ردء للسرية بخلاف الرجعة.
وأما قول المصنف رحمه الله: وذلك إذا دخل ... إلى آخره فبيان لما يَفعل الإمام عند الدخول والرجوع من بعث السرية.
وأما قوله: فما أتت به أَخرج خمسه فتنبيه على أن السرية يخمس ما غنمت كالجيش؛ لأنه مال مغتنم فيدخل في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خُمُسَه﴾ [الأنفال: 41].
وأما قوله: وقسم الباقي للجيش والسرية فتنبيه على أن الجيش يشارك سراياه فيما غنمت.
وسيأتي ذكره في باب قسم الغنائم 87.

الجزء: 2 - الصفحة: 294

فصل [فيما يلزم الجيش] قال المصنف رحمه الله: (ويلزم الجيشُ طاعةَ الأمير، والنصحَ له، والصبرَ معه) أما كون الجيشِ يلزمه طاعةَ الأمير فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: 59].
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني.
ومن عصاني فقد عصا الله، ومن عصى أميري فقد عصاني» 88 رواه النسائي.
وأما كونهم يلزمهم النصحَ له؛ فلأن نصحه نصح للمسلمين.
ولأنه وُضع للدفع عن المسلمين فإذا نصحوه كثر دفعه.
وفي الحديث: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» ومعناه يكف.
وأما كونهم يلزمهم الصبر معه فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا﴾ [آل عمران: 200]. ولأن الصبر من أقوى أسباب النصر والظفر.
قال: (ولا يجوز لأحد أن يتعلف، ولا يحتطب، ولا يبارز، ولا يخرج من العسكر 89، ولا يحدث حدثاً إلا بإذنه).
أما كون أحدٍ لا يجوز له أن يتعلف، وهو: تحصيل العلف للدواب.
ولا يحتطب، وهو: تحصيل الحطب بغير إذن الإمام؛ فلقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ [النور: 62].
ولأن الأمير أعرف بحال الناس والمواضع والمكامن وقربِ العدو وبعدِه فإذا خرجوا بغير إذنه لم يؤمن أن يكون في موضع ذهابِهم عدوٌ فيظفر بهم.
وربما ارتحل الأمير وبقي الخارج فيضيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 295

وأما كونه لا يجوز أن يبارز بغير إذنه فلأن الأمير أعرف بفرسانه وشأنِ عدوه فإذا برز بغير إذنه فربما برز إلى من لا يُطيقه فلا يؤمن ظفَر العدو به فينكسر قلوب المسلمين.
وأما كونه لا يجوز أن يخرج من العسكر بغير إذنه فلأنه ربما كان للعدو كمين فيأخذوه وينكسر قلوب المسلمين، وربما دخل الأمير وأدى خروجه إلى ضياعه.
وأما كونه لا يجوز أن يحدث حدثاً بغير إذنه فلما ذُكر قبلُ.
قال: (فإن دعا كافر إلى البراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير، فإن شرط الكافر أن لا يقاتله 90 غير الخارج إليه فله شرطه.
فإن انهزم المسلم أو أُثخن بالجراح جاز الدفع عنه.
وإن قتله المسلم فله سلبه).
أما كون مبارزة من يعلم من نفسه ما ذُكر يستحب بإذن الأمير فـ «لأن حمزة وعلياً وعبيدة بن الحارث بارزوا يوم بدر بإذن النبي صلى الله عليه وسلم» 91. و«بارز ابنُ الأكوع مرحباً يوم خيبر ثم بارزه علي» 92. وقيل: «بارزه محمد بن مسلمة» 93. ولم يزل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبارزون في حروبهم.
روي عن البراء بن مالك أنه قال: «قتلت تسعة وتسعين رئيساً من المشركين مبارزة» 94.

وأما كون الكافر له شرطه إذا شرط أن لا يقاتله غير الخارج إليه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم» 95. وأما كون الدفع عن المسلم يجوز إذا انهزم فلأن المسلم إذا صار إلى هذه الحالة فقد انقضى قتاله وربما أثخنه فقتله.

الجزء: 2 - الصفحة: 296

وأما كونه يجوز إذا أُثخن بالجراح فـ «لأن حمزة وعلياً أعانا عُبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة حين أُثخن عبيدة» 96. وأما كون المسلم له سلب الكافر إذا قتله فلأن القاتل يستحق سلب المقتول؛ لما سيأتي بعد.
قال: (وكل من قَتل قتيلاً فله سلبه غير مخموس إذا قتله حال الحرب منهمكاً على القتال غير مثخن، وغرر بنفسه في قتله.
وعنه: لا يستحقه إلا من شُرط له).
أما كون من قتل قتيلاً له سلبه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل كافراً فله سلبه» 97. وقال عليه السلام: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه» 98 متفق عليه.
وأما كون السلب غيرَ مخموس «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن طليعة الكفار: من قتله؟ قالوا: ابن الأكوع قال: له سلبه أجمع» 99 رواه أبو داود.
وروى عوف بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل، ولم يخمس السلب» 100. روه أبو داود.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا قتله ... إلى آخره؛ فبيان لما يشترط في كون السلب للقاتل، وهو أشياء: أحدها: أن يَقتله حال الحرب، فإن قتله بعد انقضائها فلا سلب له؛ «لأن عبدالله بن مسعود وقف على أبي جهل، وقضى النبي صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو 101 بن الجموح» 102؛ لأنه أثبته.

الجزء: 2 - الصفحة: 297

وثانيها: أن يكون مُقبلاً على القتال فإن كان مدبراً فلا سلب له؛ لأنه لم يغرر بنفسه في قتله.
وثالثها: أن يغرر بنفسه في قتله كالمبارز.
فإن قتله بسهم من صف المسلمين فلا سلب له؛ لأن الخبر إنما ورد في المبارزة ونحوها.
ورابعها: أن يكون القاتل ذا حق في المغنم حراً كان أو عبداً، رجلاً أو صبياً.
فإن لم يكن له حق كالمخذل والمرجف والكافر إذا حضر بغير إذن فلا سلب له؛ لأنه لا حق له في المغنم فغيره أولى.
ولم يذكر المصنف رحمه الله هذا الشرط هنا، ونص عليه في الكافي.
وأما كونه لا يشترط في ذلك إذن الأمير على المذهب فلعموم ما تقدم من الأحاديث.
وأما كونه يُشترط على رواية؛ فلما روى عوف بن مالك «أن مددا غزا معهم فقتل علجاً فأعطاه خالد بعض سلبه وأمسك سائره.
فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تعطه يا خالد» 103 رواه أبو داود.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «من قتل قتيلاً فله سلبه» 104 عام في غزوته وغيرها.
ولذلك احتج به عوف بن مالك على خالد حين أخذ سلب المددي.
فقال له عوف: «أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى».

الجزء: 2 - الصفحة: 298

وقول عمر: «كنا لا نخمس السلب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» 105 يدل على أن هذا من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهورة العامة.
وأما أمر خالد بعدم الإعطاء فعقوبة لعوف حين أغضبه بتقريعه خالداً بين يديه.
قال: (فإن قطع أربعته، وقتله آخر فسلبه للقاطع.
وإن قتله اثنان فسلبه غنيمة، وقال القاضي: هو لهما).
أما كون السلب لقاطع أربعته دون قاتله بعد ذلك؛ فلأن القاطع هو الذي أثبته، ولذلك «أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن عمرو 106 بن الجموح سلبَ أبي جهل» 107، و «لم يعطه ابن مسعود مع أنه تمم قتله» 108. وأما كون سلبه غنيمة إذا قتله اثنان على المذهب فلأن السلب يُستحق للتغرير ولا يحصل ذلك بالاشتراك، وإذا لم يستحقه القاتل وجب كونه غنيمة كسائر أموال الكفار.
وأما كونه لهما على قول القاضي فلأنهما قتلاه فاستحقا سلبه لدخولهما في عموم الأحاديث المتقدمة.
وكالواحد.
قال: (وإن أسره فقتله الإمام فسلبه غنيمة، وقال القاضي: هو لمن أسره).
أما كون سلب من أسره فقتله الإمام غنيمة على الأول فلأن الذي أسره لم يقتله والإمام لم يغرر بنفسه في قتله.
وأما كونه لمن أسره على قول القاضي فلأنه غرر بنفسه في أسره أشبه ما لو قتله.
فإن قيل: ظاهر هذا التعليل أنه يستحق السلب سواء قتله الإمام أو فاداه.

الجزء: 2 - الصفحة: 299

قيل: نعم.
وصرح المصنف به في الكافي.
قال: (وإن قطع يده ورجله، وقتله آخر فسلبه غنيمة.
وقيل: هو للقاتل).
أما كون السلب في ما ذكر غنيمة على الأول فلأن القاطع والقاتل اشتركا فيه ولا تغرير مع الشركة، وهو شرط في استحقاق القاتل السلب، وإذا لم يستحقه القاتل تعين كونه غنيمة لما تقدم.
وأما كونه للقاتل على قولٍ؛ فلدخوله في عموم قوله عليه السلام: «فمن قتل قتيلاً فله سلبه» 109. قال: (والسلب: ما كان عليه من ثيابٍ وحلي وسلاح والدابة بآلتها.
وعنه: أن الدابة ليست من السلب.
ونفقته ورحله وخيمته غنيمة).
أما كون ما على المقتول من الثياب من السلب فلا شبهة له فيه لدخول ذلك في مفهوم السلب.
وأما كون ما عليه من حلي وسلاح من السلب فلما روي «أن عمرو بن معد يكرب حمل على أسوار وطعنه فدق صلبه فصرعه، فنزل إليه فقطع يديه وأخذ سوارين كانا عليه ويَلْمَق من ديباج وسيفاً ومِنطقة فسلم ذلك له» 110. و«بارز البراء مُرزُبان الزأرة فقتله فبلغ سواره ومنطقته ثلاثين ألفاً» 111. وأما كون الدابة وآلتها من السلب على المذهب؛ فلأنهما يُستعان بها في الحرب أشبها السلب.
وأما كونهما ليست منه على روايةٍ؛ فلأن السلب ما كان على البدن، والدابةُ وآلتُها ليستا كذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 300

وأما كون نفقته وخيمته ورحله غنيمة فلأنه ليس من الملبوس ولا مما يُستعان به في الحرب فكان غنيمة كبقية أموال الكفار.
قال: (ولا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام 112 إلا أن يَفْجَأهم عدوٌّ يخافون كَلَبَه).
أما كون الغزو بغير إذن الأمير لا يجوز إذا لم يَفجأهم العدو الموصوف بما ذُكر فلأنه إذا لم تجز المبارزة إلا بإذنه فلأن لا يجوز الغزو إلا بإذنه بطريق الأولى.
وأما كونه يجوز بغير إذنه إذا فَجأهم عدو يخافون شره وأذاه، وهو المعني بقول المصنف رحمه الله: كَلَبه فلأن الحاجة تدعو إليه لما في التأخير من الضرر.
قال: (فإن دخل قوم لا مَنَعَة لهم دار الحرب بغير إذنه فغنموا: فغنيمتهم فيء.
وعنه: هي لهم بعد الخمس.
وعنه: هي لهم لا خُمُس فيها).
أما قول المصنف رحمه الله: لا منعة لهم فالمراد بها القوة والدفع، وهي محركة الميم والنون والعين وقد تسكن نونها.
وأما كون غنيمتهم فيئاً على المذهب فلأنها: مال وُصل إليه بقوة الإسلام فكان فيئاً كما لو هربوا وتركوه.
وأما كونها بعد الخمس على رواية فلأنها: مال أُخذ بقتال وجهاد فكان كذلك كسائر الغنائم.
فلا اعتبار بالقلة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿كم من فِئَةٍ قليلةٍ غلبت فِئَة كثيرة﴾ [البقرة: 249]. وأما كونها لهم لا خُمُس فيها فلأنهم أخذوه لا بقوة أشبه ما لو سرقوه.
قال: (ومن أَخذ من دار الحرب طعاماً أو علفاً فله أكله وعلفُ دابته بغير إذن، وليس له بيعه.
فإن باعه رد ثمنه في المغنم.
وإن فضل معه منه شيء فأدخله البلد رده في الغنيمة، إلا أن يكون أسيراً فله أكله في إحدى الروايتين).
أما كون من أخذ من دار الحرب ما ذُكر له أكله فلما روى عبدالله بن أبي أوفى قال: «أصبنا طعاماً يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف» 113 رواه أبو داود.

الجزء: 2 - الصفحة: 301

وعن عمر «أن صاحب جيش الشام كتب إليه: إنا فتحنا أرضاً كثيرة الطعام والعلف.
فكتب إليه: دع الناس يعلفون ويأكلون» 114 رواه سعيد.
وأما كونه له علف دابته فلما ذُكر في حديث عمر.
ولأن الحاجة تدعو إلى هذا، وفي المنع منه ضرر بدوابّ الجيش.
وأما كونه ليس له بيعه فلأنه إنما أبيح أكله لفعل الصحابة ولم ينقل عنهم بيعه.
ولأنه لا حاجة في بيعه بخلاف الأكل.
وأما كونه يَرُدُّ ثمن المبيع في المغنم فلأن فيما كتب عمر: «فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين» 115. وظاهر لفظ المصنف: أنه ممنوع من البيع فإذا باع صح بيعه ويرد الثمن في المغنم؛ لأن الغرض أن لا يضيع حق الغانمين وفي رد الثمن تحصيل لذلك الغرض.
وقال القاضي: إن باعه لغير غازٍ فالبيع باطل ويرد الثمن على المشتري؛ لأنه بيع من غير ولاية ولا نيابة، وإن باعه لغاز بطعام أو علف من دار الحرب فليس ببيع حقيقة بل يكون كل واحد منهما أحق بما صار إليه.
وإن باعه بذهب أو فضة أو غير الطعام والعلف فالمشتري أحق به لثبوت يده عليه ويجب على البائع رد الثمن لعدم انعقاد البيع.
وأما كون ما فضل معه إذا أدخله البلد وكان كثيراً يرده؛ فلأنه إنما أخذه للحاجة وقد زالت.
ولأنه فضل 116 لما تبين أنه أخذ أكثر من حاجته.
وأما كونه له أكل اليسير في رواية فلأنه يروى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كنا نأكل الجزر في الغزو ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأَخْرِجَتنا منه مملاة» 117 رواه أبو داود.
وأما كونه ليس له ذلك في رواية فبالقياس على الكثير.

الجزء: 2 - الصفحة: 302

قال: (ومن أخذ سلاحاً فله أن يقاتل به حتى 118 تنقضي الحرب، ثم يرده.
وليس له ركوب الفرس في إحدى الروايتين).
أما كون من أخذ سلاحاً له أن يقاتل به حتى تنقضي الحرب فلأن الحاجة إليه أعظم من الطعام.
ولأن شرر استعماله أقلُّ من ضرر أكل الطعام لأن عينه لا تزول بالاستعمال.
وأما كونه يرده بعد انقضاء الحرب فلزوال الحاجة.
وأما كونه ليس له ركوب الفرس في روايةٍ؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه» 119. ولأن الغالب أن الفرس تعطب في القتال.
وأما كونه له ذلك في رواية؛ فلأنه آلة يستعان به في الحرب فكان له ذلك كالسلاح.
والأول أصح؛ لما ذُكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 303

باب قسمة الغنائم

الغنائم: جمع غنيمة، وهي: مشتقة من الغنم والفضل.
والأصل فيها الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً﴾ [الأنفال: 69].
وقولُه: ﴿واعلموا أنما غنمتم ... الآية﴾ [الأنفال: 41].
وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: «أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي.
ذكر منها: وأحلت لي الغنائم» 120. قال المصنف رحمه الله: (الغنيمة: كل مال أُخذ من المشركين قهراً بالقتال.
وإن أُخذ منهم مالُ مسلمٍ فأدركه صاحبه قبل قَسمه فهو أحق به، وإن أدركه مقسوماً فهو أحق به بثمنه.
وعنه: لا حق له فيه) أما قول المصنف رحمه الله: "الغنيمة كل مال أخذ من المشركين قهراً بالقتال"؛ فبيان لمعنى الغنيمة شرعاً.
وأما كون المسلم أحق بماله المأخوذ من المشركين إذا أدركه قبل قسم المسلمين له؛ فلما روى ابن عمر «أن غلاماً له أبق إلى العدو، فظهر عليه المسلمون، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمر، ولم يقسمه» 121.

الجزء: 2 - الصفحة: 304

وعنه قال: «ذهب له فرس، فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون فرده عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم» 122 رواهما البخاري وأبو داود.
وعن عمر رضي الله عنه: «من وجد عين ماله بعينه فهو أحق به ما لم يقسم» 123. رواه الأثرم.
وأما كونه إذا أدركه بعد قسمه أحق به بقيمته على روايةٍ؛ فلما روى ابن عباس «أن رجلاً وَجد بعيراً له كان المشركون أصابوه.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن أصبته قبل القسمة فهو لك، وإن أصبته بعد ما قُسم أخذته بالقيمة» 124. ولأنه لو أخذه بغير شيء لأدى إلى حرمان الآخذ حقه من الغنيمة، ولو لم يأخذه لأدى إلى ضياع حقه فالرجوع بشرط وزن القيمة فيه جمعاً بين الحقين.
وأما كونه لا حق له فيه على روايةٍ؛ فلما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك ماله قبل أن يُقسم فهو له، وإن أدركه بعد أن قسم فليس له فيه شيء» 125. قال: (وإن أخذه منهم أحد الرعية بثمنٍ فصاحبه أحق به بثمنه، وإن أخذه 126 بغير عوض فهو أحق به بغير شيءٍ).
أما كون صاحب المأخوذ بثمن أحقَّ به بثمنه؛ فلأن آخذه حصل ذلك في يده بثمنٍ فكان صاحبه أحق به بثمنه؛ كما لو أخذه واحد من المغنم بحقه فإن صاحبه أحق به بقيمته لما تقدم.
فإن قيل: الكلام هنا في الثمن وهناك في القيمة.
قيل: الثمن هنا نظير القيمة هناك.

الجزء: 2 - الصفحة: 305

وقال المصنف رحمه الله في الكافي: حكمه حكم المقسوم على ما تقدم من الخلاف.
ويؤيد عدم الأخذ ما روى الشعبي قال: «أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا.
فكتب السائب بن الأقرع 127 إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم قد اشتراها التجار من أهل مكة.
فكتب عمر: من أصاب رقيقه ومتاعه في أيدي التجار بعد ما اقتسم فلا سبيل إليه» 128 رواه سعيد بن منصور.
وأما كونه أحق به بغير شيء ممن أخذه بغير عوض فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ناقته التي استولى عليها الكفار من التي جاءت منهزمة عليها بغير شيء» 129. وسيأتي الحديث مفصلاً إن شاء الله تعالى.
والمراد بالأخذ بغير عوض الهبة والسرقة ونحوهما.
قال: (ويملك الكفارُ أموالَ المسلمين بالقهر.
ذكره القاضي، وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنهم لا يملكونها).
أما كون الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر على قول القاضي فلأن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر فملك الكافر مال المسلم كالبيع.
وأما كونهم لا يملكونها على ما قاله أبو الخطاب فلأن ملك المسلم معصوم بخلاف الكافر.
واحتج بعض أصحابنا على ذلك بما روي «أن قوماً أغاروا على سرح النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا ناقته وجاريةً من الأنصار فأقامت عندهم أياماً.
ثم خرجت في بعض الليل.
قالت: فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها.
ثم توجهت إلى المدينة ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها.
فلما قدمت المدينة استعرفت

الجزء: 2 - الصفحة: 306

الناقة فإذا هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها.
فقلت يا رسول الله! إني نذرت أن أنحرها.
فقال: بئس ما جازيتها.
لا نذر في معصية» 130. وفي رواية: «لا نذر فيما لم يملك ابن آدم» 131. ولا دلالة فيه لأن غايته أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ناقته.
والمسلم له أخذ ذلك سواء قيل بملك الكفار أموال المسلمين أو لا.
قال: (وما أخذ من دار الحرب من رِكاز أو مباح له قيمة فهو غنيمة).
أما كون المأخوذ مما ذكر غنيمة؛ فلأنه مال حصل الاستيلاء عليه قهراً بالقتل فكان غنيمة أشبه سائر أموالهم.
وأما قول المصنف رحمه الله: من ركازٍ فلا بد أن يُلحظ فيه أن آخذه لم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين؛ لأن ما قدَر عليه بنفسه يكون له.
صرح به في المغني.
قال: (وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب، ويجوز قسمها فيها).
أما كون الغنيمة تملك بالاستيلاء عليها في دار الحرب؛ فلأنهما مال مباح فمُلكت بالاستيلاء عليها كسائر المباحات.
وأما كون قسمها يجوز فيها فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بني المصطلق على مياههم، وغنائم حنين بأوطاس وهو واد من حنين».
ولأنهم مَلكوا الغنيمة بالاستيلاء فجاز قَسمها كما لو أحازوها إلى دار الإسلام.
قال: (وهي لمن شهد الوَقْعة من أهل القتال، قاتل أو لم يقاتل من تجار العسكر وأُجَرَائِهم الذين يستعدون للقتال.
فأما المريض العاجز عن القتال، والمخذل، والمرجف، والفرس الضعيف العجيف فلا حق له).
أما كون الغنيمة لمن شهد الوَقْعة من أهل القتال؛ فلأن عمر رضي الله عنه قال: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» 132 رواه سعيد بن منصور.

الجزء: 2 - الصفحة: 307

وروى مثل ذلك عن عثمان في غزوة أرمينية.
وأما كون من لم يقاتل من تجار العسكر وأُجَرائهم الذين يستعدون للقتال كمن قاتل في الغنيمة؛ فلأن من لم يُقاتل شهد الوقعة فيدخل في قول عمر رضي الله عنه: «الغنيمة لمن شهد الوقعة».
ولأنه -إذا لم يقاتل- ردء للمقاتل.
ولأنه مستعد للقتال أشبه المقاتل.
وأما كون المريض العاجز عن القتال لا حق له في الغنيمة؛ فلأنه ليس من أهل الجهاد أشبه العبد.
وقول المصنف رحمه الله: العاجز عن القتال فيه تنبيه على أن المرض إذا لم يمنع من القتال كالصداع والحمى لا يُسقط السهم.
وصرح به في المغني؛ لأنه من أهل الجهاد فلم يسقط كالصحيح.
وأما كون المخذل والمرجف لا حق لهما في ذلك فلأن ضررهما أكثر من نفعهما.
وأما كون الفرس الضعيف العجيف لا حق له فلأنه لا نفع فيه.
ولأن الإمام يملك منعه من الدخول معه فلم يُسهم له كالمخذل والمرجف.
قال: (وإذا لحق مدد، أو هرب أسير فأدركوا الحرب قبل تَقَضّيه أُسهم لهم، وإن جاؤا بعد إحراز الغنيمة فلا شيء).
أما كون من ذكر يسهم لهم إذا أدركوا الحرب قبل تَقَضّيها؛ فلأنهم شهدوا الوقعة فدخلوا في قول عمر: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» 133. وأما كونهم لا شيء لهم إذا جاؤا بعد إحراز الغنيمة؛ فلما روى أبو هريرة «أن أبان بن سعد وأصحابه قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها.
فقال أبان: اقسم لنا

يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجلس يا أبان.
ولم يقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم» 134 رواه أبو داود.

الجزء: 2 - الصفحة: 308

ولأنهم لم يشهدوا الوقعة.
أشبهوا من جاء بعد القسمة.
قال: (وإذا أراد القسمة بدأ بالأسلاب فدفعها إلى أهلها، ثم أخرج أجرة الذين جمعوا الغنيمة وحملوها وحفظوها).
أما كون الأمير إذا أراد القسمة يبدأ بالأسلاب فيدفعها إلى أهلها فلأن القاتل يستحقها غير مخموسة لما تقدم.
وأما كونه يخرج أجرة من ذكر بعد ذلك فلأنها من مصلحة الغنيمة.
قال: (ثم يخمس الباقي فيقسم خمسه على أهل الخمس خمسة أسهم: سهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم يصرف مصرف الفيء، وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب حيث كانوا، للذكر مثل حظ الأنثيين، غنيهم وفقيرهم فيه سواء، وسهم لليتامى الفقراء، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل من المسلمين).
أما كون الأمير يُخَمّس باقي الغنيمة ويقسمه على خمسة أسهم؛ فلقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكيِن وابن السبيل﴾ [الأنفال: 41].
فإن قيل: ينبغي أن يكون مقسوماً على ستة نظراً إلى ظاهر اللفظ.
قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن يكون لله وللرسول بمعنى الرسول كقوله تعالى: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ [التوبة: 62].
والثاني: أنه إنما أضيف إلى الله والرسول ليُعلم أن جهته جهة مصلحة وأنه ليس مختصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وأما كون سهم الله ورسوله ينصرف مصرف الفيء الآتي ذكره في موضعه 135؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس لي من الفيء إلا الخمس، وهو مردود عليكم» 136. ولا يكون مردوداً علينا إلا إذا صُرف في مصالحنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 309

وأما كون سهمٍ لذوي القربى؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿ولذي القربى﴾ [الأنفال: 41].
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم» 137. وهو ثابت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم تمسكاً بظاهر لفظ الآية، وبإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يأت ناسخ ولا مغيّر.
وأما كون ذوي القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب أبناء عبد مناف دون غيرهم؛ فلما روى جبير بن مطعم قال: «لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب: أتيت أنا وعثمانُ بن عفان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقلنا: يا رسول الله! أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا.
فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد.
وشبّك بين أصابعه» 138. وفي رواية: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» 139. وأما كونهم لهم ذلك حيث كانوا؛ فلأنه مستحق بالقرابة فوجب كونه لهم حيث كانوا كالميراث.
وأما كون ذكرهم له مثل حظ الأنثيين؛ فلأنه مال مأخوذ بالقرابة فكان للذكر مثل حظ الأنثيين كالميراث.
وأما كون غنيهم وفقيرهم فيه سواء؛ فلما ذكر.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص فقراء قرابته بل أعطى الغني كالعباس وغيره.
ولأن شرط الفقر ينافي ظاهر الآية.
ولأنه يؤخذ بالقرابة فاستوى فيه الغني والفقير كالإرث.
وأما كون سهمٍ لليتامى؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿واليتامى﴾ [الأنفال: 41].

الجزء: 2 - الصفحة: 310

واليتامى هم الذين لا آباء لهم ولم يبلغوا الحلم.
أما كونهم لا آباء لهم فلأن اليتيم لغة من أب له.
وأما كونهم لم يبلغوا الحلم فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتم بعد احتلام» 140. واشترط المصنف رحمه الله فقرهم؛ لأن اسم اليتيم يطلق في العرف للرحمة، ومن أعطي لذلك اعتبرت فيه الحاجة.
فإن قيل: اسم اليتيم شامل لهما فوجب دخول كل يتيم في الآية لشمول اللفظ له كذوي القربى.
قيل: ذوي القربى استحقوا لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم تكرمة لهم بخلاف اليتامى فإنهم استحقوا للرحمة فوجب اعتبار الغنى فيهم.
ويجب تعميم سهمهم أيضاً كما ذكر في ذوي القربى.
وأما كون سهمٍ للمساكين؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿والمساكين﴾ [الأنفال: 41].
ويدخل فيهم الفقراء؛ لأنهما صنف واحد في غير باب الزكاة.
ويجب تعميمهم أيضاً.
وأما كون سهمٍ لابن السبيل؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ [الأنفال: 41].
وابن السبيل هو: المسافر المنقطع به.
وقد ذكر في الزكاة.
ويعطى بقدر حاجته؛ لأن دفعه إليه لأجل الحاجة فأعطي بقدرها.
واشترط المصنف رحمه الله: أن يكون من المسلمين لأن الكافر لا مدخل له في الجهاد فكذا في الغنيمة.
قال: (ثم يعطى النفل بعد ذلك، ويُرضخ لمن لا سهم له وهم العبيد، والنساء والصبيان.
وفي الكافر روايتان: إحداهما: يرضخ له، والأخرى: يُسهم له).
أما كون الأمير يعطي النفل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 311

وأما كون النفل بعد الخمس وهو المعني بقول المصنف رحمه الله: بعد ذلك.
فلما روى معن بن يزيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نفل إلا بعد الخمس» 141 رواه أبو داود.
ولأنه مال يُستحق بالتحريض على القتال فكان من أربعة أخماس الغنيمة كسهم الفارس والراجل.
وأما كونه يُرضخ لمن لا سهم له؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرضخ.
وأما كون الرضخ بعد الخمس فلأنه استُحق بحضور الوَقْعة فكان بعد الخمس كسهام الغانمين.
وفيه وجه: أنه من أصل الغنيمة.
ولأنه استحق للمعاونة في تحصيل الغنيمة أشبه أجرة الجمل.
وأما كون من يُرضخ لهم، هم: العبيد والنساء والصبيان: أما العبيد فلما روى عمير مولى آبي اللحم قال: «شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُخبر أني مملوك.
فأمر لي بشيء مِن خُرْثِيِّ المتاع» 142 رواه أبو داود.
واحتج به أحمد.
و«لأن نجدة سأل ابن عباس عن المرأة والمملوك.
فقال: يُحذيان وليس لهما شيء» 143 رواه سعيد.
وأما كون النساء فلأن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويُحْذَيْنَ من الغنيمة وأما سهم فلم يضرب لهن» 144 رواه مسلم.
وأما الصبيان فلما روي عن سعيد بن المسيب قال: «كان الصبيان يُحْذَوْن من الغنيمة إذا حضروا الغزو».
وأما كون الكافر يُرضخ له في رواية؛ فلأنه من غير أهل الجهاد فرضخ له كالعبيد.
وأما كونه يُسهم له في روايةٍ؛ فلأنه حر أشبه المسلم.
وهذه أصح؛ لما ذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 312

ولما روى الزهري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم» 145 رواه سعيد في سننه.
وروي «أن صفوان بن أمية خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، وهو على شركه، فأسهم له».
ولأن الكفر نقصٌ في الدين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق.
وبهذا فارق الرقيق فإن نقصانه في دنياه وأحكامه.
قال: (ولا يبلغ بالرضخ للراجل سهم راجل، ولا للفارس سهم فارس.
فإن تغيّر حالهم قبل تَقَضّي الحرب أسهم لهم.
وإن غزا العبد على فرس لسيده قسم للفرس ورضخ للعبد).
أما كون الرضخ لا يبلغ به ما ذكر فلأن السهم أكملُ من الرضخ فلم يبلغ بالرضخ ذلك؛ كما لا يبلغ التعزير الحد.
وأما كون من تغيّر حاله قبل تَقَضّي الحرب يُسهم له فلأنه إنما لم يُسهم لمن لم يتغير حالهم لما فيهم من الموانع فإذا زالت وجب زوال المنع من الإعطاء.
وأما كون الفرس يسهم له فلما سيأتي.
وأما كون العبد يرضخ له فلما تقدم.
قال: (ثم يقسم باقي الغنيمة: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه، إلا أن يكون فرسه هجيناً أو برذوناً فيكون له سهم، وعنه: له سهمان كالعربي).
أما كون باقي الغنيمة يقسم لمن ذكر فلما يأتي.
وفيه إشعار بأن باقي الغنيمة لمن ذكر ممن شهد الوقعة.
وهو صحيح؛ لأن الله تعالى لما قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: 41] فُهم منه أن أربعة الأخماس لهم لأنه أضافها إليهم ثم أخذ منها سهماً لغيرهم بقي باقيها لهم؛ كقوله سبحانه: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ [النساء: 11].

الجزء: 2 - الصفحة: 313

وقال عمر: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» 146. فإذا أخرج الأمير السلب والأجرة والنفل والرضخ لما تقدم من الدليل وجب بقاء الباقي لمن شهد لما ذكر قبل.
وأما كون الراجل له سهم، والفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه فلأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له» 147 متفق عليه.
وعن خالد الحذاء قال: «لا يُختلف فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسهم هكذا: للفرس سهمين ولصاحبه سهما، وللراجل سهماً» 148. وأما كون الهجين وهو الذي أبوه عربي وأمه غير عربية، والبِرْذَوْن وهو الذي أبواه غير عربيين له سهم على رواية فلما روى أبو الأقمر قال: «أغارت الخيل على الشام فأدركت العراب من يومها وأدركت الكوادن 149 ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان يقال له المنذر بن أبي حميصة.
فقال: لا أجعل الذي أدركت من يومها مثل التي لم تدرك.
فقال عمر: هبلت الوادعيَّ أمه أمضوها على ما قال» 150 أخرجه سعيد.
وروي أنه كتب إلى عمر: «إنا وجدنا بالعراق خيلاً عراضاً فما ترى في سهمانها؟ فكتب عمر: تلك البراذين فما قارب العناق فاجعل له سهماً واحداً وألق ما سوى ذلك».
وعن مكحول «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الفرس العربي سهمين، والهجين سهماً» 151 رواه الجوزجاني.

الجزء: 2 - الصفحة: 314

وأما كون ذلك له سهمان كالعربي على رواية فلشمول اسم الفرس له.
ولأنه حيوان ذو سهم فاستوى العربي وغيره كالرجال.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
ولم يبين المصنف المقرف، وهو: الذي أبوه غير عربي وأمه عربية.
وحكمه حكم الهجين؛ لمساواته له.
قال: (ولا يسهم لأكثر من فرسين، ولا يسهم لغير الخيل.
وقال الخرقي: من غزا على بعير لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان).
أما كونه لا يسهم لأكثر من فرسين فلأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسهم لذلك.
وأما كونه لا يسهم لغير الخيل على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسهم لغير الخيل».
ولأن غير الخيل لا يُلحق بالخيل في التأثير في الحرب والكر والفر فلم يلحق بها في السهم.
وأما كونه يسهم على قول الخرقي فلأن الله تعالى قال: ﴿فما أَوْجَفْتُم عليه من خيلٍ ولا رِكاب﴾ [الحشر: 6] والركاب الإبل.
ولأنه حيوان تجوز المسابقة عليه فيسهم له كالفرس.
وأما كونه لا يزاد على سهم فلأنه دون البرذون.
قال: (ومن دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرساً أو استعاره أو استأجره وشهد به الوقعة فله سهم فارس.
فإن دخل فارساً فنفق فرسه أو شرد حتى تَقَضّي الحرب فله سهم راجل.
ومن غصب فرساً فقاتل عليه فسهم الفرس لمالكه).
أما كون من دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرساً وشهد به الوقعة له سهم فارس، ومن دخل فارساً فنفق فرسه أو شرد حتى تَقَضّي الحرب له سهم راجل فلأن العبرة باستحقاق سهم الفرس أن يشهد به الوقعة لا أن يدخل دار الحرب فارساً؛ لأن الفرس حيوان يسهم له فاعتبر وجوده حالة القتال كالآدمي.
ويعضده قول عمر: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» 152.

الجزء: 2 - الصفحة: 315

ولأنها الحال التي يحصل فيها الاستيلاء الذي هو سبب الملك بخلاف ما قبل ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: واستعاره أو استأجره فتنبيه على أن العبرة بملك منفعة الفرس سواء كان مملوك الرقبة أو لا؛ لأن السهم لنفع الفرس لا لذاته بدليل أنه لا يسهم للضعيف والزمن ونحوه والرقبة موجودة فيهما.
ومعنى نفق فرسه مات.
وأما كون سهم الفرس المغصوب لمالكه فلأن استحقاق سهم الفرس مرتب على نفعه وهو لمالكه.
قال: (وإذا قال الإمام: من أخذ شيئاً فهو له، أو فَضّل بعض الغانمين على بعض لم يجز في إحدى الروايتين، ويجوز في الأخرى).
أما كون الإمام إذا قال: من أخذ شيئاً فهو له ونحو ذلك لا يجوز في روايةٍ فلما فيه من المحذور الآتي ذكره.
وأما كونه يجوز في رواية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «من أخذ شيئاً فهو له» 153. ولأنهم غزوا على ذلك ورضوا به.
والرواية الأولى أصح؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم والخلفاء بعده».
ولأن ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال، وظفرِ العدو بهم فلا يجوز.
وقضية بدر منسوخة بقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ [الأنفال: 1].
وأما كونه إذا فضّل بعض الغانمين على بعض لا يجوز في روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً» 154. ولأنهم اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية فتجب التسوية بينهم كسائر الشركاء.
وأما كونه يجوز في روايةٍ فلأن الإمام يجوز له أن ينفل ويعطي السلب فجاز أن يفضل بعضهم على بعض قياساً عليهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 316

قال: (ومن استؤجر للجهاد ممن لا يلزمه من العبيد والكفار فليس له إلا الأجرة.
ومن مات بعد انقضاء الحرب فسهمه لوارثه.
ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت، ويشاركونه فيما غنم).
أما كون من استؤجر للجهاد ممن ذكر ليس له إلا الأجرة فلأن غزوه بعوض فكأنه واقع من غيره فلا يستحق شيئاً.
وروى يعلى بن أمية قال: «أذّن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شيخ كبير ليس لي خادم فالتمست أجيراً يكفيني وأُجْري له سهمَه فوجدت رجلاً، فلما دنا الرحيل قال: ما أدري ما السهمان وما يبلغ سهمي فسمّ لي شيئاً كان السهم أو لم يكن.
فسميت له ثلاثة دنانير فلما حضرت غنيمته أردت أن أجري له سهمه فذكرت الدنانير فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أمره.
فقال: ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى» 155 رواه أبو داود.
وقول المصنف رحمه: ممن لا يلزمه يحترز به عمن يلزمه كالأحرار المسلمين فإن في صحة استئجارهم خلافاً.
قال القاضي في قول أحمد رحمه الله: إذا استأجر الأمير قوماً يغزون هذا محمول على من لا تجب عليه لأن الغزو يتعين عليه بحضوره ومن تعين عليه أمرٌ لم يجز أن يفعله عن غيره كالحج.
وقال المصنف في المغني: يحتمل أن يحمل كلام أحمد على ظاهره في صحة الاستئجار على الغزو ولمن تتعين عليه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي» 156 رواه أبو داود.
وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل الذين يَغزون من أمتي ويأخذون الجُعْلَ يتقوَّوْن به على عدوهم مثلُ أمّ موسى ترضع ولدها وتأخذُ أجرها» 157 رواه سعيد بن منصور.

الجزء: 2 - الصفحة: 317

ولأنه أمر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة.
فعلى القول بصحة الإجارة لا سهم له على ظاهر كلام الإمام أحمد؛ لما ذكر فيمن لا يلزمه.
ويحتمل أن يسهم له.
اختاره الخلال لما تقدم من الحديثين قبل.
وعلى القول بالفساد يرد الأجرة إن كان أخذها وله سهمه لأن غزوه بغير عوض.
وأما كون وارث من مات بعد انقضاء الحرب يستحق سهمه فلأنه مات بعد أن ملكت الغنيمة فكان سهمه لوارثه؛ لقوله عليه السلام: «من ترك حقاً فلورثته» 158. وأما كون الجيش يشارك سراياه فيما غنمت وكونها تشاركه فيما غنم فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين هزم هوازن أَسْرَى قِبل أَوْطاس سرية فقسم الغنائم بين الجميع».
ولأن الجيش جيش واحد فلم يختص بعضهم بالغنيمة كأحد جانبي الجيش.
وشرط هذه المشاركة أن يكون الجيش قاصداً للعدو فإن كان مقيماً في البلد ومضت السرايا فلكل سرية غنيمتها «لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث السرايا من المدينة ولم يشاركها أهل المدينة فيما غنمت».
قال: (وإذا قسمت الغنيمة في أرض الحرب فتبايعوها ثم غلب عليها العدو فهي من مال المشتري في إحدى الروايتين.
اختارها الخلاّل وصاحبه.
والأخرى من مال البائع.
اختارها الخرقي).
أما كون ما بيع من ذلك من مال المشتري في الصحيح من المذهب فلأنه مال مقبوض أبيح لمشتريه التصرف فيه فكان من ضمانه كما لو اشتراه في دار الإسلام.
وأما كونه من مال البائع في روايةٍ فلأنه لم يكمُل قبضه لكونه في خطر قهر العدو فلم يضمنه المشتري كالثمر في الشجر.
وشرط كونه من مال البائع أن يكون الأخذ بغير تفريط من المشتري.
فإن أخذه بتفريطه كخروجه من العسكر فهو من ضمان المشتري لأنه ذهب بتفريطه؛ أشبه ما لو أتلفه.

الجزء: 2 - الصفحة: 318

قال: (ومن وطئ جاريةً من المغنم أو ممن له فيها حق: أُدِّب ولم يبلغ به الحد.
إلا أن تلد منه فيكون عليه قيمتها، وتصير أم ولد له، والولد حر ثابت النسب).
أما كون الواطئ المذكور يؤدب فلأن وطئه حرام لأنه في ملكٍ مشترك.
وأما كون التأديب لا يُبلغ به الحد فلأن له فيه ملكاً أو شبه ملك وذلك يدرأ الحد.
وأما كون الواطئ عليه مهر الجارية فلأنها ليست مملوكة أشبه ما لو وطئ أمة الغير.
فإن قيل: هي مشتركة بينه وبين بقية الغانمين فيجب أن لا يكون عليه جميع المهر كما لو وطئ أمة مشتركة.
قيل: هو كذلك لكن لما كان مقدار حقه يعسر العلم به مع أنه لا ضرر عليه لكون المهر يوضع في الغنيمة فيعود حقه إليه لم يعتبر ذلك.
وأما كونه عليه قيمة الجارية إذا ولدت منه فلأنها تصير أم ولد له كما سيأتي فتجب عليه قيمتها لأنه فوّتها على الغانمين.
وأما كونها تصير أم ولد له فلأنه وطء يلحق به النسب لشبهة الملك فصارت أم ولد له أشبه وطء جارية ابنه.
وأما كون الولد حراً فلأنه من وطءٍ في ملك أو شبه ملك.
وأما كونه ثابت النسب فلأنه وطءٌ سقط فيه الحد لشبهة الملك؛ أشبه ما لو كانت ملكه.
ولأنه وطءٌ له فيه شبهة أشبه ما لو وطئ امرأة ظنها زوجته.
قال: (ومن أعتق منهم عبداً عتق عليه قدر حقه، وقُوّم عليه باقيه إن كان موسراً.
وكذلك إن كان فيهم من يعتق عليه).
أما كون من ذكر يعتق عليه قدر حقه فلأنه عتقٌ من مالك، وذلك يوجب العتق.
وأما كونه يقوم باقيه عليه إن كان موسراً فلأن العتق من الموسر موجب لذلك لما سيأتي في باب العتق.
وأما قول المصنف رحمه الله: وكذلك إن كان فيهم من يعتق عليه فتسوية لهذه الصورة بما ذكر قبل فيما ذكر.
وهو صحيح لأن ملك من يعتق عليه بمنزلة إعتاقه له.

الجزء: 2 - الصفحة: 319

وظاهر كلام المصنف رحمه الله: أنه إذا أعتق بعض الغانمين أحداً من المغنم أو كان فيهم [من يعتق عليه] 159 عتق قدر نصيبه سواء كان المعتق رجلاً أو امرأة أو صبياً.
وقد صرح في المغني بأن الغانم إذا أعتق رجلاً من المغنم لم يعتق لأن الأسير لا يصير رقيقاً إلا باسترقاق الإمام واختاره.
فعلى هذا يحمل كلام المصنف رحمه الله على من يصير رقيقاً بنفس السبي كالنساء والصبيان.
قال: (والغالّ من الغنيمة يحرق رَحْلُه كلُّه إلا المصحف والسلاح والحيوان).
أما كون الغالّ من الغنيمة.
وهو: الذي يكتم ما أخذه من الغنيمة ولا يطلع الإمام عليه ولا يضعه مع الغنيمة.
يحرق رحله كله غير 160 سلاحه ومصحفه وحيوانه فلما روى صالح بن محمد قال: دخلت مع سلمة أرض الروم فأُتي برجل قد غلّ فسأل سالماً عنه.
فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وجدتم الرجل قد غلّ فاحرقوا متاعه واضربوه.
قال: فوجدنا في متاعه مصحفاً.
فسأل سالماً عنه.
فقال: بعه وتصدق بثمنه» 161 رواه أبو داود والأثرم.
وأما كونه لا يحرق سلاحه فلأن الحاجة تدعو إليه.
وأما كونه لا يحرق مصحفه فلأنه مذكور في حديث صالح.
ولأن له حرمة.
وأما كونه لا يحرق حيوانه فلأن له حرمة في نفسه.
ولأنه لا يدخل في اسم المتاع.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعذب بالنار» 162. قال: (وما أُخذ من الفدية، أو أهداه الكفار لأمير الجيش، أو بعض قواده: فهو غنيمة).
أما كون ما أُخذ من الفدية غنيمة فلأنه عوض عما هو غنيمة فكان غنيمة لأن حكم العوَض حكم المعوّض.

الجزء: 2 - الصفحة: 320

وأما كون ما أهداه الكفار لأمير الجيش أو بعض قواده غنيمة فلأنه يغلب على الظن إنما فعلوا ذلك خوفاً من المسلمين؛ أشبه ما أُخذ بالقتل.
وشرط المصنف رحمه الله في الكافي أن يكون الهدية في دار الحرب.
فإن كانت في دار الإسلام فهي لمن أهديت له؛ لأنه مال تبرع له به من غير خوف أشبه هدية المسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 321

باب حكم الأرضين المغنومة

قال المصنف رحمه الله: (وهي على ثلاثة أضرب: أحدها: ما فتح عنوة، وهي ما أجلي عنها أهلها بالسيف، فيخير الإمام بين قسمها ووقَفَها على المسلمين، ويضرب عليها خراجاً مستمراً يؤخذ ممن هي في يده يكون أجرة لها.
وعنه: تصير وقفاً بنفس الاستيلاء.
وعنه: تقسم بين الغانمين).
أما كون الإمام يخير بين قَسم ما فتح عنوة وبين وقفه على الرواية الأولى فلأن كلا الأمرين ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فروي «أنه قسم نصف خيبر ووقف نصفها» 163. و«وقف مكة» 164، و «وقف الشام والعراق عمر» 165 وأقره على ذلك علماء عصره.
وقد تقدم ذكره في موضعه.
ولأن عمر قال: «لولا آخر الناس لقسمت الأرض كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر» 166. فوقف مع علمه بقسم النبي صلى الله عليه وسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 322

فعلى هذا إن قسمها لم يضرب عليها خراجاً؛ لأنها ملك أربابها فلم يكن عليهم فيها شيء كالغنائم المنقولة، وإن وقفها ضرب عليها خراجاً يؤخذ ممن هي في يده؛ لأن عمر فعل ذلك وقد تقدم ذكره في موضعه.
وأما كون ما ذكر يصير وقفاً بنفس الاستيلاء على الرواية الثانية فلأن ذلك أنفع للمسلمين ولذلك قيل لعمر في أرض الشام: «إن قسمتها ربما صار ريع الكل للبيت الواحدة» 167. وأما كونها تقسم بين الغانمين على الرواية الثالثة فلأن الله تعالى قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء ... الآية﴾ [الأنفال: 41] ولم يفرق بين المنقول وغيره.
ولأن كل سبب يملك به ما ينقل يملك به ما لا ينقل.
دليله البيع.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي ما أجلي عنها أهلها بالسيف؛ فبيان لمعنى ما فتح عنوة شرعاً.
قال: (الثاني: ما جلا عنها أهلها خوفاً فتصير وقفاً بنفس الظهور عليها.
وعنه: حكمها حكم العُنوة).
أما كون الأرض التي خلى عنها أهلها خوفاً تصير وقفاً بنفس الظهور على الرواية الأولى فلأنها ليست غنيمة فتقسم.
وإذا كان كذلك تعين صيرورتها وقفاً بنفس الظهور لأنه إذا امتنعت القسمة امتنعت الخيرة لأن القسمة أحد شطريها وهي ممتنعة وإذا امتنعت الخيرة تعين صيرورتها وقفاً.
وأما كون حكمها حكم ما فتح عنوة على الرواية الثانية فلأنها مال ظهر عليه المسلمون بقوتهم فوجب أن يكون حكمه حكم ما فتح عنوة قياساً لأحد الحكمين على الآخر.
فعلى هذه الرواية يكون فيما جلى أهلها عنها خوفاً روايات ثلاث كما فيما فتح عنوة ودليلها ما مر.

الجزء: 2 - الصفحة: 323

قال: (الثالث: ما صولحوا عليه، وهو ضربان: أحدهما أن نصالحهم على أن الأرض لنا ونقرها معهم بالخراج.
فهذه تصير وقفاً أيضاً.
الثاني: أن نصالحهم على أنها لهم ولنا الخراج عنها.
فهذه ملك لهم خراجها كالجزية إن أسلموا سقط عنهم، وإن انتقلت إلى مسلم فلا خراج عليه.
ويقرون فيها بغير جزية لأنهم في غير دار الإسلام بخلاف التي قبلها).
أما كون ما صولح الكفار عليه على ضربين فلأنه تارة يكون لنا وتارة يكون لهم.
وأما كون الأرض التي صولحوا عليها على أنها لنا تصير وقفاً وتقر معهم بالخراج فلأن ذلك شبيه بفعل عمر في أرض السواد فوجب كونها وقفاً مقراً في يد من هي في يده بالخراج كأرض السواد.
وأما كونها ملكاً لهم إذا صولحوا على ذلك فلأن الصلح يجب الوفاء به.
وأما كون خراج ذلك يسقط عنهم إذا أسلموا فلأن الخراج هنا بمعنى الجزية.
وأما كونه لا خراج على المسلم إذا انتقلت الأرض المذكورة إليه فلأنه خراج قصد بوضعه الصَّغار فوجب سقوطه بالإسلام كالجزية.
وأما كون من صولح على أن الأرض لهم يقر فيها بغير جزية فلما ذَكر المصنف رحمه الله من أنهم في غير دار الإسلام.
وقوله: بخلاف التي قبلها إشارة إلى الفرق بين هذه وبين التي قبلها وهي ما إذا صالحناهم على أن الأرض لنا.
وفُهم من قوله: بخلاف التي قبلها أنهم لا يقرون في الأرض التي صولحوا على أنها لنا إلا بجزية وهو صحيح لأن الدار دار إسلام فلا بد فيها من التزام الجزية.

الجزء: 2 - الصفحة: 324

قال: (والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان على قدر الطاقة.
وعنه: يرجع إلى ما ضربه عمر رضي الله عنه لا يزاد ولا ينقص.
وعنه: تجوز الزيادة دون النقص.
قال أحمد وأبو عبيد: أعلى وأصح حديث في أرض السواد حديث عمرو بن ميمون يعني: «أن عمر وضع على كل جريب درهماً وقفيزاً» 168. وقدر القفيز ثمانية أرطال بالمكي فيكون ستة عشر رطلاً بالعراقي، والجريب عشر قصبات في عشر قصبات والقصبة ستة أذرع وهو ذراع وسط وقبضة وإبهام قائمة).
أما كون المرجع في تقدير الخراج في الجزية إلى اجتهاد الإمام على المذهب فلأن ذلك مصروف في المصالح وذلك مفوض إلى اجتهاد الإمام صرفاً فكذا قبضاً.
وأما كونه يرجع إلى ما ضربه عمر رضي الله عنه لا يزاد عليه ولا ينقص عنه على روايةٍ فلأن عمر رضي الله عنه ضربه بمحضر من الصحابة فكان إجماعاً.
ولأن عمر لما ضربه لم يغيره أحد من الخلفاء الراشدين بعده.
وأما كون الزيادة تجوز دون النقص على رواية فلأن الإمام ناظر في مصلحة كافة الناس وذلك يقتضي الزيادة دون النقص.
وأما قول المصنف رحمه الله: قال أحمد ... إلى آخره؛ فتنبيه على أن أصح ما روي عن عمر في أرض السواد حديث عمرو بن ميمون، وإشعار بأنه قد روي عنه في ذلك غيره وهو صحيح؛ لأن عمر روى عنه عمرو بن ميمون «أنه وضع على كل جريب درهماً وقفيزاً» 169. وروى عنه أبو عبيد «أنه بعث عثمان بن حنيف لمساحة أرض السواد فضرب على جريب الزيتون اثني عشر درهماً، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الرطبة ستة دراهم، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين» 170. وأما كون حديث عمرو أصح؛ فلما ذكر الإمام أحمد وأبو عبيد.

الجزء: 2 - الصفحة: 325

ولأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنعت العراق قفيزها ودرهمها» 171. على معنى ستمنع.
وهو من الأمور التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعها.
وأما قول المصنف رحمه الله: وقدر القفيز ثمانية أرطال يعني بالمكي فيكون ستة عشر رطلاً بالعراقي فبيانٌ لمعنى قدر القفيز.
والمنقول في ذلك عن الإمام أحمد أنه ثمانية أرطال.
وقال القاضي: يعني بالمكي فيكون ستة عشر رطلاً بالعراقي.
وقال بعض أصحابنا: ثلاثون رطلاً.
وأما قوله: والجريب عشر قصبات في عشر قصبات والقصبة ستة أذرع وهو ذراع وسط وقبضة وإبهام قائمة: فبيان لمعنى الجريب والقصبة والذراع.
قال: (وما لا يناله الماء مما لا يمكن زرعه لا خراج عليه، فإن أمكن زرعه عاماً بعد عام وجب نصف خراجه في كل عام).
أما كون ما لا يناله الماء مما لا يمكن زرعه لا خراج عليه فلأن الخراج في مقابلة الانتفاع حقيقة أو مظنة وكلاهما مفقود هاهنا.
وأما كون ما يمكن زرعه عاماً بعد عام يجب نصف خراجه في كل عام فلأن نفعه على النصف فيكون خراجه كذلك ضرورةَ كونه في مقابلته.
قال: (والخراج على المالك دون المستأجر، وهو كالدين يحبس به الموسر وينظر المعسر).
أما كون الخراج على المالك دون المستأجر فلأنه على الرقبة وهي للمالك دون المستأجر.
وأما كونه كالدين يحبس به الموسر وينظر المعسر فلأنه حق عليه أشبه الدين.
ولأنه مساو له معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
قال: (ومن عجز عن عمارة أرضه أُجبر على إجارتها أو رفع يده عنها).
أما كون من عجز عن عمارة أرضه يجبر في الجملة فلأنه لو لم يجبر لأدى ذلك إلى ضياع حق أرباب الخراج وفي ذلك ضرر عليهم وتفويت لحقهم وذلك لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 326

وأما كونه يجبر على الإجارة أو رفع يده فلأن الغرض تحصيل أحدهما فلا معنى للتعيين.
قال: (ويجوز له أن يرشو العامل ويهدي له ليدفع عنه الظلم في خراجه، ولا يجوز له ذلك ليدع له منه شيئاً، وإن رأى 172 المصلحة في إسقاط الخراج عن إنسان جاز).
أما كون مَن عليه خراج يجوز له أن يرشو العامل ويهدي له ليدفع عنه الظلم في خراجه فلأن به حاجة إلى دفع الظلم عنه فإذا لم يندفع إلا بالرشوة أو الهدية جاز ذلك دفعاً للضرر.
وأما كونه لا يجوز له ذلك ليدع له من خراجه شيئاً فلأنه رشوة لإبطال حَقٍّ أشبه رشوة الحاكم ليحكم له بغير الحق.
وأما كون الإمام يجوز له إسقاط الخراج عن إنسان إذا رأى المصلحة في ذلك فلأن الإمام يجوز له فعل ما فيه المصلحة فإذا تضمن ذلك مصلحة جاز كما لو رأى المصلحة في المنّ على العدو.

الجزء: 2 - الصفحة: 327

باب الفيء

الفيء في اللغة: الراجع.
يقال: فاء الفيء إذا رجع نحو المشرق.
وفي الشرع: عبارة عما يذكره المصنف رحمه الله بعد إن شاء الله تعالى.
وفي الحقيقة يطلق على الغنيمة وبالعكس.
وإنما خص كل واحد منهما باسم ليتميز به عن صاحبه.
والأصل في الفيء قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أَوْجَفْتم عليه من خيل ولا رِكابٍ ... الآية﴾ [الحشر: 6].
قال المصنف رحمه الله: (وهو: ما أخذ من مال مشرك بغير قتال كالجزية والخراج والعشر، وما تركوه فزعاً.
وخمس خمس الغنيمة ومال من مات لا وارث له فيصرف في المصالح.
ويبدأ بالأهم فالأهم من سد الثغور وكفاية أهلها وما يحتاج إليه من يدفع عن المسلمين.
ثم الأهم فالأهم من سد البثوق وكري الأنهار وعمل القناطر وأرزاق القضاة وغير ذلك).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو ما أخذ من مال مشرك بغير قتال فبيان لمعنى الفيء شرعاً ليتميز عن غيره.
وأما قوله: كالجزية ... إلى لا وارث له؛ فتمثيل وتعداد لصور أموال الفيء ولأماكنه.
وأما كونه يصرف في المصالح فلأن نفعها عام والحاجة داعية إلى ذلك، ودفع الكفار هو المقصود الأعظم فيبدأ به، وقد يقدم على غيره.
وأما كونه يبدأ بعد ذلك بالأهم فالأهم من سد البثوق وهي ما انخرق مما تدعو الحاجة إلى سده، وكري الأنهار وعمل القناطر والمساجد والطرقات وأرزاق القضاة والعلماء والأئمة والمؤذنين ونحو ذلك مما للمسلمين فيه نفع فلأن ذلك من المصالح العامة فقدمت على سائر الناس الآتي ذكرهم بعد.

الجزء: 2 - الصفحة: 328

قال: (ولا يخمس.
وقال الخرقي: يخمس فيصرف خمسه إلى أهل الخمس وباقيه للمصالح).
أما كون الفيء لا يخمس وهو المنقول عن الإمام أحمد فلأن الله تعالى قال: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركاب ... الآيات﴾ [الحشر: 6] جعله كله لجميع المسلمين.
ولذلك لما قرأها عمر قال: «هذه استوعبت المسلمين.
ولئن عشت ليأتين الراعي بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيه جبينه» 173. وأما كونه يخمس على قول الخرقي فلأن الله تعالى لما قال: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم﴾ [الحشر: 7] اقتضى أن يكون جميعها لهؤلاء الأصناف وهم أهل الخمس والآية المتقدمة وما جاء عن عمر وغيره يدل على اشتراك جميع المسلمين فيه فوجب الجمع بينهما كي لا تتناقض الآية والأخبار وتتعارض.
وفي إيجاب الخمس جمعاً بينهما وتوفيق فإن خمسه لمن ذكر في الآية وسائره مصروف إلى من في الخبر.
ولأنه مال مشرك مظهور عليه فوجب أن يخمس كالغنيمة والركاز.
وروى البراء بن عازب قال: «لقيت خالي ومعه الراية.
فقلت: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل عرس بامرأة أبيه أضرب عنقه وأخمس ماله» 174. فعلى هذا يصرف إلى أهل الخمس لأن المسمى في الآيتين واحد وباقيه للمصالح لما ذكر من الجمع.
والأول المذهب حملاً للفظ الآية الأولى على عمومه؛ وعملاً بقول عمر رضي الله عنه.
والآية الأخرى تحمل على خمس الغنيمة.
قال القاضي: لم أجد بما قال الخرقي عن أحمد نصاً فأحكيه.
وإنما نص على أنه غير مخموس.

الجزء: 2 - الصفحة: 329

قال: (وإن فضل منه فضلٌ قُسم بين المسلمين.
ويبدأ بالمهاجرين، ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الأنصار، ثم سائر المسلمين.
وهل يفاضل بينهم؟ على روايتين).
أما كون ما فضل من الفيء بعد ما تقدم ذكره من سد الثغور وما يتعلق بها وسد البثوق وما ذكر معها يقسم بين المسلمين فلما تقدم من الآية وقول عمر رضي الله عنه.
وأما كونه يبدأ بالمهاجرين ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فـ «لأن عمر لما قدِم عليه أبو هريرة بثمانمائة ألف درهم أرسل إلى نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: قد جاء الناس مال لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام، أشيروا عليّ بمن أبدأ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! بك.
إنك ولي ذلك.
قال: لا.
ولكن أبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم الأقرب فالأقرب» 175. وأما كونه يقدم الأنصار بعدهم فلسابقتهم وآثارهم الجميلة.
وأما كون ما بقي لسائر المسلمين فليحصل التعميم بالدفع.
وأما كون من تقدم ذكرهم لا يفاضل بينهم على روايةٍ فلأن أبا بكر الصديق سوى بينهم 176. ولأن الغنائم تقسم بين من حضر بالسوية فكذا الفيء.
وأما كونهم يفاضل بينهم على روايةٍ «فلأن عمر رضي الله عنه قسم بينهم على السوابق، وقال: لا أجعل من قاتل على الإسلام كمن قوتل عليه».
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم النفل بين أهله متفاضلاً».
وهذا في معناه.

الجزء: 2 - الصفحة: 330

قال: (ومن مات بعد حلول وقت العطاء دُفع إلى ورثته حقه.
ومن مات من أجناد المسلمين دفع إلى امرأته وأولاده 177 الصغار كفايتهم، فإذا بلغ ذكورهم فاختاروا أن يكونوا في المقاتلة فرض لهم، وإن لم يختاروا تركوا).
أما كون من مات بعد حلول وقت العطاء يدفع إلى ورثته حقه فلأن صاحب الحق مات بعد استحقاقه ذلك فانتقل إلى ورثته كسائر الموروثات.
وأما كون من مات من أجناد المسلمين يدفع إلى امرأته وأولاده الصغار كفايتهم فلما فيه من تطييب قلوب المجاهدين؛ لأنهم متى علموا أن عيالهم يُكفون المؤنة بعد موتهم توفروا على الجهاد.
وأما كونه يفرض لمن بلغ من ذكورهم إذا اختاروا أن يكونوا في المقاتلة فلأنهم أهل لذلك ففرض لهم كآبائهم.
وأما كونهم يتركون إذا لم يختاروا ذلك فلأن الإنسان البالغ لا يجبر على خلاف مراده إلا لواجب عليه، ودخولهم في ديوان المقاتلة غير واجب.

الجزء: 2 - الصفحة: 331

باب الأمان

الأمان جائز بالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْه حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: 6].
وأما السنة فما روى علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» 178 رواه البخاري.
قال المصنف رحمه الله: (يصح أمان المسلم المكلف ذكراً كان أو أنثى، حراً أو عبداً، مطلقاً أو أسيراً.
وفي أمان الصبي المميز روايتان).
أما كون أمان المسلم المكلف الذكر يصح فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «ذمة المسلمين واحدة ... الحديث».
وأما كونه يصح من الأنثى فلدخولها في ذلك.
ولما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إن كانت المرأة لَتُجِير على المسلمين فيجوز» 179. وأما كونه يصح من العبد فلقوله صلى الله عليه وسلم: «يسعى بها أدناهم» 180. ولما روى فضيل بن يزيد الرقاشي قال: «جهّز عمر رضي الله عنه جيشاً فحصرنا موضعاً فرأينا أنا سنفتحها اليوم وجعلنا نقبل ونروح فبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه.
فكتب لهم الأمان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم فأخذوها وخرجوا.
فكتب بذلك إلى عمر رضي الله عنه فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين يجوز أمانه» 181 رواه سعيد.

الجزء: 2 - الصفحة: 332

ولأنه مسلم مكلف فصح أمانه كالحر.
وأما كونه يصح من الأسير فلأن لفظ الحديث يشمله.
ولأنه مسلم عاقل أشبه البالغ.
وأما كونه لا يصح منه في رواية فلأن القلم رفع عنه.
ولأنه لا يلزمه بقوله حكم فلأن لا يلزم غيره بطريق الأولى.
وفي قول المصنف رحمه الله: يصح أمان المسلم المكلف إشعار بأنه لا يصح أمان كافر ولا مجنون ولا صبي.
وصرح في الكافي بذلك.
أما كونه لا يصح أمان كافر فلأنه ليس منا فلا يدخل في الحديث المتقدم.
ولأنه متهم في الدين فلم يقبل أمانه لمكان التهمة.
وأما كونه لا يصح أمان مجنون فلأنه لا قول له.
وأما الصبي فإن كان طفلاً فلا يصح أمانه لعدم اعتبار قوله، وإن كان مميزاً ففيه روايتان تقدم ذكرهما.
ويشترط أن لا يكون معطي الأمان مكرهاً؛ لأن قول المكرَه لا يترتب عليه حكم شرعي.
ولم يذكره المصنف رحمه الله للعلم به وعادة الأصحاب يشترطونه في الأسير 182. ولم يشترطه المصنف رحمه الله فيه لأن الحر المطلق لو أكره على الأمان لم يصح فلا حاجة إلى اختصاص الأسير به وإنما ذكره الأصحاب نظراً إلى المظنة بخلاف المطلق.
قال: (ويصح أمان الإمام لجميع المشركين، وأمان الأمير لمن جعل بإزائه، وأمان أحد الرعية للواحد والعشرة والقافلة).
أما كون أمان الإمام يصح لجميع المشركين فلأن له الولاية على جميع المسلمين.
وأما كون أمان الأمير يصح لمن جعل بإزائه فإن له الولاية على من بإزائه دون غيره فاختص به.

الجزء: 2 - الصفحة: 333

وأما كون أمان أحد الرعية يصح كما ذكره المصنف رحمه الله فلعموم الحديث.
فعلى هذا لا يصح أمانه لأهل بلدة كبيرة ولا رستاق وجمع كبير ونحو ذلك لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام.
قال: (ومن قال لكافر: أنت آمن، أو لا بأس عليك، أو أجرتك، أو وقف، أو ألق سلاحك، أو مَتَرْس فقد أمّنه).
أما كون من قال لكافر: أنت آمن فقد أمنه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» 183. وأما كون من قال له: لا بأس عليك فقد أمّنه؛ «فلأن عمر رضي الله عنه لما قال للهرمزان: لا بأس عليك.
قالت الصحابة رضوان الله عليهم: قد أمنته فلا سبيل لك عليه» 184 رواه سعيد.
وأما كون من قال له: أجرتك فقد أمنه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم هانئ رضي الله عنها: «قد أجرنا من أجرت» 185. وأما كون من قال له: قف أو ألق سلاحك فقد أمنه فلأن الكافر يعتقده أماناً أشبه قوله: لا بأس عليك.
وأما كون من قال له مترس فقد أمنه فلأن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إن الله يعلم كل إنسان، فمن أتى منكم أعجمياً، فقال: مَتَرْس فقد أمنه» 186.

الجزء: 2 - الصفحة: 334

وليس الأمان مقيداً بما ذكره المصنف رحمه الله بل يحصل بكل ما يدل عليه من قول وغيره.
وأما كونه يحصل بالقول فظاهر.
وأما كونه يحصل بغيره كالإشارة ونحوها فلأن عمر رضي الله عنه قال: «لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء إلى مشرك، فنزل إليه فقتله لقتلته به» 187. قال: (ومن جاء بمشرك فادعى أنه أمنه فأنكره فالقول قوله.
وعنه: قول الأسير.
وعنه: قول من يدل الحال على صدقه).
أما كون القول قول المسلم في هذه الصورة على الرواية الأولى فلأن الأصل معه؛ لأن الأصل إباحة دم الحربي وعدم الأمان.
وأما كون القول قول الأسير على الرواية الثانية فلأن صدقه محتمل فيكون قوله شبهة في حقن دمه.
وأما كون القول قول من يدل الحال على صدقه على الرواية الثالثة فلأنها قرينة دالة على الصدق فعلى هذا إن كان الأسير ذا قوة ومعه سلاحه فالظاهر صدقه وإن كان ضعيفاً مسلوباً سلاحه فالظاهر كذبه.
قال: (ومن أُعطي أماناً ليفتح حصناً ففتحه واشتبه علينا فيهم حرم قتلهم واسترقاقهم، وقال أبو بكر: يخرج واحد بالقرعة ويسترق الباقون).
كما لو أعتق عبداً من عنده ثم أشكل.

الجزء: 2 - الصفحة: 335

قال: (ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمَن ويقيمون مدة الهدنة بغير جزية، وقال أبو الخطاب: لا يقيمون سنة واحدة إلا بجزية).
أما كون الأمان يجوز للرسول والمستأمن فلأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك.
وأما كونهم يقيمون مدة الهدنة بغير جزية على الأول وهو ظاهر كلام أحمد وقول القاضي فلأنهم لما جاز أمانهم دون السنة بغير جزية جاز فيما زاد عليها بخلاف أهل الذمة.
وأما كونه لا يجوز على قول أبي الخطاب فلعموم قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يَدٍ وهم صاغرون﴾ [التوبة: 29].
قال: (ومن دخل دار الإسلام بغير أمان فادعى أنه رسول أو تاجر ومعه متاع يبيعه قُبل منه.
وإن كان جاسوساً خُير الإمام فيه كالأسير.
وإن كان ممن ضل عن الطريق أو حملته الريح في مركب إلينا فهو لمن أخذه.
وعنه: يكون فيئاً للمسلمين).
أما كون قول من دخل دار الإسلام فادعى أنه رسول أو تاجر ومعه متاع يُقبل فلأن ما ادعاه ممكن فيكون شبهة في درء القتل فلأنه يتعذر عليه إقامة البينة على ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: ومعه متاع فشرط في قبول قوله أنه تاجر لأنه إذا لم يكن معه ذلك لم يحتمل صدقه.
وقوله: قُبل منه فيه إشعار بأنه لا يتعرض إليه.
صرح بذلك هو وغيره من الأصحاب.
أما الرسول «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرسولي مُسَيْلمة: لولا أن الرسول لا يقتل لقتلتكما» 188 رواه أبو داود.
وأما التاجر فلأنه إذا جاء بماله ولا سلاح معه دل على قصد الأمان.
ولم يشترط المصنف رحمه الله هنا أن تكون العادة جارية بذلك لما ذكر من قصده الأمان.
واشترطه في الكافي وصرح به غيره من الأصحاب لأن العادة جارية مجرى الشرط.
فإذا لم تكن عادة ولم يدخل بأمان وجب بقاؤه على ما كان عليه من عدم العصمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 336

وأما كون الإمام يخير في الجاسوس كالأسير فلأنه كافر قصد نكاية المسلمين فخير الإمام فيه بعد القدرة عليه كالأسير.
وأما كون المأخوذ ممن ذكر لمن أخذه على المذهب فلأنه مباح ظهر عليه بغير جهاد فكان لآخذه كمباحات دار الإسلام.
وأما كونه يكون فيئاً على روايةٍ فلأنه مال مشترك ظهر عليه بغير قتال أشبه ما تركوه فزعاً وهربوا.
قال: (وإذا أودع المستأمن ماله مسلماً أو أقرضه إياه ثم عاد إلى دار الحرب بقي الأمان في ماله ويُبعث إليه إن طلبه، وإن مات فهو لوارثه.
فإن لم يكن له وارث فهو فيء).
أما كون الأمان يبقى في مال المستأمن إذا تركه عندنا وعاد هو إلى دار الحرب فلأن الموجِب للنقض دخول دار الحرب فانتقض فيما دخل دون غيره.
فإن قيل: الأمان ثبت في المال تبعاً فإذا بطل في المتبوع بطل في التابع.
قيل: لا نسلم أن الأمان ثبت في المال تبعاً بل ثبت فيهما جميعاً فإذا بطل في أحدهما بقي في الآخر.
وعلى تقدير التسليم يجوز حكم التبع وإن زال في المتبوع لأن أم الولد يثبت لولدها حكم الاستيلاد تبعاً لها ويبقى حكمه له بعد موتها.
وأما كونه يُبعث إليه إن طلبه فلأنه ملكه.
وأما كونه لوارثه إذا مات فلأن من ثبت له حق على وجه مخصوص انتقل إلى وارثه على صفته من تأجيل ورهن وضمين فكذا هذا.
وأما كونه فيئاً إذا لم يكن له وارث فلأن أهل الذمة إذا ماتوا ولا وارث لهم يكون مالهم فيئاً فكذلك هذا.
قال: (وإن أسر الكفار مسلماً فأطلقوه بشرط أن يقيم عندهم لزمه الوفاء لهم، وإن لم يشترطوا شيئاً، أو شرطوا كونه رقيقاً فله أن يقتل ويسرق ويهرب).
أما كون المسلم يلزمه الوفاء لهم إذا شرط ما ذكر؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم» 189.

الجزء: 2 - الصفحة: 337

ولأنهم أطلقوه على ذلك فلزمه الوفاء به وفاءً بشرطه.
وأما كونه له أن يقتل ويسرق ويهرب إذا لم يشترطوا شيئاً أو شرطوا كون المسلم رقيقاً فلأنه لم يصدر منه ما يثبت به الأمان.
قال: (وإن أطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالاً، فإن عجز عنه عاد إليهم لزمه الوفاء إلا أن يكون امرأة فلا ترجع إليهم.
وقال الخرقي: لا يرجع الرجل أيضاً).
أما كون الرجل المسلم إذا شرط ما ذكر يلزمه الوفاء على المذهب فلما تقدم ذكره.
وأما كونه لا يرجع على قول الخرقي فبالقياس على المرأة.
وأما كون المرأة لا ترجع قولا واحداً فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل الحديبية على رد من جاءه منعه الله رد النساء» 190. ولأن في رجوعها تسليطاً على وطئها حراماً فلم يجز.

الجزء: 2 - الصفحة: 338

باب الهدنة

مشتقة من قولهم تهادن الأمر إذا استقام، وهدنت المرأة صبيها بالكلام إذا أرادت أن ينام.
والأصل فيها الكتاب والسنة والمعنى.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ [التوبة: 4].
وأما السنة ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم روي «أنه صالح قريشاً عشر سنين» 191. وأما المعنى فلأنه قد يكون بالمسلمين ضعف فيهادن 192 حتى يقووا.
قال: (ولا يصح عقد الهدنة والذمة إلا من الإمام أو نائبه.
فمتى رأى المصلحة في عقد الهدنة جاز له عقدها مدة معلومة وإن طالت.
وعنه: لا يجوز في أكثر من عشر سنين.
فإن زاد على عشر بطل في الزيادة.
وفي العشر وجهان).
أما كون عقد الهدنة والذمة لا يصح من غير الإمام أو نائبه فلأن ذلك يتعلق بنظر واجتهاد ومصلحة للمسلمين وليس غير الإمام ونائبه محلاً لذلك لعدم ولايته عليهم.
ولأن عقد الهدنة قد يكون مع جملة الكفار وليس لأحد من المسلمين إعطاء الأمان لأكثر من القافلة والحصن الصغير لأن في تجويزه افتياتاً على الإمام وتعطيل الجهاد 193. وأما كون عقدها يصح منهما: أما من الإمام فلما تقدم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما من نائبه فلأنه نائب عنه ومُنَزّل منزلته.
وأما ما يشترط لذلك فأمور:

الجزء: 2 - الصفحة: 339

أحدها: أن يكون في العقد مصلحة للمسلمين لأن ما لا مصلحة للمسلمين فيه لا يجوز للإمام فعله كسائر الأمور التي لا مصلحة فيها.
وثانيها: كون المدة مقدرة لما يأتي.
وثالثها: كون التقدير معلوماً لأن ما وجب أن يكون مقدراً وجب أن يكون معلوماً كخيار الشرط.
ورابعها: هل يتقدر بالعَشر؟ فيه روايتان: إحداهما: لا يتقدر لأنها تجوز في أقل من عشر فجازت في أكثره كمدة الإجارة.
ولأن أصل الهدنة إنما جازت للمصلحة فإذا تضمنت الزيادة على العشر المصلحة جازت تحصيلاً للمصلحة.
والثانية: يتقدر بالعشر؛ لأن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: 5] عام خص منه مدة العشر لصلح النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً 194 فيبقى ما زاد على ذلك على مقتضى الدليل.
فعلى قولنا لا يصح إذا عقدها على أكثر من عشر سنين بطل فيما زاد عليها.
وفي العشر وجهان مبنيان على تفريق الصفقة.
قال: (وإن هادنهم مطلقاً لم يصح.
وإن شرط شرطاً فاسداً كنقضها متى شاء، ورد النساء إليهم أو صداقهن أو سلاحهم، وإدخالهم الحرم بطل الشرط.
وفي العقد وجهان).
أما كون الهدنة لا تصح مطلقاً فلأن إطلاق ذلك يقتضي التأبيد وذلك يفضي إلى ترك الجهاد.
وأما كون شرط النقض متى شاء يبطل فلأنه ينافي مقتضى العقد.
ولأنه عقد مؤقت فكان تعليقه على المشيئة باطلاً كالإجارة.
وأما كون شرط رد النساء المسلمات يبطل فلقوله: ﴿فلا تَرجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: 10].
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد منع الصلح في النساء».

الجزء: 2 - الصفحة: 340

ولأنه لا يؤمن أن تزوج بمشرك فيصيبها أو تفتتن في دينها.
وأما كون شرط رد صداقهن يبطل فلأن بضع المرأة لا يدخل في الأمان.
فإن قيل: فقد رد النبي صلى الله عليه وسلم المهر.
قيل: لأنه شرط رد النساء وكان شرطاً صحيحاً ثم نسخ فوجب رد البدل لصحة الشرط بخلاف حكم من بعده فإن رد النساء نسخ فلم يبق صحيحاً.
وأما كون شرط رد السلاح يبطل فلأنه يصير لهم به قوة.
وأما كون شرط إدخالهم الحرم يبطل فلقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: 28].
وأما كون العقد إذا شرط فيه شيء من ذلك أو شبهه يبطل ففيه وجهان مبنيان على الشروط الفاسدة في البيع.
وسيأتي دليل ذلك في موضعه.
قال: (وإن شرط رد من جاء من الرجال مسلماً جاز، ولا يمنعهم أخذه، ولا يجبره على ذلك.
وله أن يأمره بقتالهم، والفرار منهم).
أما كون شرط رد من جاء من الرجال مسلماً يجوز فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك 195. وأما كون الإمام لا يمنعهم أخذه «فلأن أبا بصير جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية فجاء الكفار في طلبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا يصلح في ديننا الغدر، وقد علمت ما عاهدنا عليه، ولعل الله أن يجعل لك فرجاً ومخرجاً.
فرجع معهم.
فقتل أحدَهم ورجع النبي صلى الله عليه وسلم» 196. فلم يلمه.
وأما كونه لا يجبره على ذلك فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجبر أبا بصير.
وأما كونه له أن يأمره بقتالهم والفرار منهم فلأنه رجوع إلى باطل فكان له الأمر بعدمه كالزوجة التي سمعت طلاقها بأذنها.

الجزء: 2 - الصفحة: 341

قال: (وعلى الإمام حماية من هادنهم من المسلمين دون غيرهم.
وإن سباهم كفار آخرون لم يجز لنا شراءهم.
وإن خاف نقض العهد منهم نبذ إليهم عهدهم).
أما كون الإمام عليه حماية من هادنه من المسلمين فلأنه أمّنهم ممن هو في قبضته وتحت يده.
وأما كونه ليس عليه حمايتهم من غير المسلمين فلأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط.
وقول المصنف رحمه الله: دون غيرهم يوهم دخول أهل الذمة فيمن لا يجب حمايتهم منه لأنهم دون المسلمين وليس مراده ذلك.
وإنما ترك ذكر أهل الذمة لظهوره لأنه إذا وجب حمايتهم فلأن يجب من أهل الذمة بطريق الأولى.
وأما كون شرائهم لنا لا يجوز إذا سباهم كفار آخرون فلأنهم في عهدنا فلم يجز أن يتملك ما سبي منهم؛ كأهل الذمة.
وأما كون الإمام ينبذ إليهم عهدهم إذا خاف نقض العهد منهم فلقوله تعالى: ﴿وإما تَخافنّ من قومٍ خيانةً فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ [الأنفال: 58].
يعني أعلمهم حيث تصير أنت وهم سواء في العلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 342

باب عقد الذمة

عقدُ الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم إذا بذلوا الجزية بشرطه.
وسيبين مفصلاً إن شاء الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله: (لا يجوز عقدها إلا لأهل الكتاب، وهم: اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التدين بالتوراة والإنجيل كالسامرة، والفرنج، ومن له شبهة كتاب وهم المجوس.
وعنه: يجوز عقدها لجميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب).
أما كون عقد الذمة لا يجوز لغير أهل الكتاب ومن له شبهة كتاب على المذهب فلأن الله تعالى قيد قتال الذين كفروا مُغيّىً إلى إعطاء الجزية بأهل الكتاب فلو لم يكن ذلك مختصاً بأهل الكتاب لم يكن في التقييد فائدة.
ولأن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: 5] عام في كل مشرك خرج منه أهل الكتاب لقوله من أهل الكتاب 197، والمجوس للخبر فيبقى فيما عداهما على مقتضى الدليل.
وأما كونه يجوز لجميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب على روايةٍ؛ فلما روى الزهري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من كان من العرب» 198. والأول أولى؛ لما ذكر.
ولأن غير الكتابي والمجوس لا يدل عليه القرآن ولا هو في معنى ما دل عليه لأن كفرهم أغلظ من كفر أهل الكتاب.
وأما ما روى الزهري 199.

الجزء: 2 - الصفحة: 343

وأما كون عقدها يجوز لأهل الكتاب فبالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون -إلى قوله: - من الذين أوتوا الكتاب﴾ [التوبة: 29].
وأما السنة «فقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: فادعهم إلى الإسلام، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم» 200. وأما الإجماع فأجمع المسلمون على جواز عقدها لأهل الكتاب.
وأما قول المصنف: وهم اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التديّن بالتوراة والإنجيل كالسامرة والفرنج فبيانٌ للمراد من أهل الكتاب.
قال الله تعالى: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾ [الأنعام: 156] والمراد ما ذكر.
وأما كون عقدها يجوز لمن له شبهة كتاب وهم المجوس؛ فلما روى عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سُنوا بهم سُنة أهل الكتاب» 201. وعنه أنه قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر» 202. قال: (فأما الصابئي فينظر فيه فإن انتسب إلى أحد الكتابين فهو من أهله، وإلا فلا).
أما كون الصابئي الذي انتسب إلى أحد الكتابين من أهل ذلك الكتاب فلأنه إذا انتسب إلى أحد الكتابين شارك أهله في ذلك الكتاب فيدخل فيما تقدم.
وأما كون الذي لم ينتسب إلى ذلك كمن يقول أن الفلك حي ناطق، وأن الكواكب السبعة آلهة ليس من أهل الكتاب فلأنه مساوٍ لعبدة الأوثان في عدم انتسابه إلى كتاب فوجب أن لا يكون من أهله كعبدة الأوثان.

الجزء: 2 - الصفحة: 344

قال: (ومن تهوّد، أو تنصّر بعد بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو ولد بين أبوين لا تقبل الجزية من أحدهما فعلى وجهين).
أما كون من تهوّد أو تنصّر بعد بعث نبينا صلى الله عليه وسلم تقبل منه الجزية على وجهٍ فلعموم النصوص المتقدم ذكرها.
وأما كونه لا يقبل منه على وجهٍ فلأنه انتقل إلى دين باطل.
وأما كون من ولد بين أبوين لا تقبل الجزية من أحدهما تقبل على وجهٍ فلما ذكر قبل.
وأما كونه لا تقبل منه على وجه فلأنه تعارض فيه القبول وعدم القبول فرجع إلى الأصل.
قال: (ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب، وتؤخذ الزكاة من أموالهم مثلَيْ ما يؤخذ من المسلمين، ويؤخذ ذلك من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم.
ومصرفه مصرف الجزية.
وقال الخرقي: مصرف الزكاة.
ولا يؤخذ ذلك من كتابي غيرهم.
وقال القاضي: تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم).
أما كون الجزية لا تؤخذ من نصارى بني تغلب فلما روي «أن عمر دعاهم إلى بذل الجزية فأبو وأنفوا، وقالوا: نحن عرب.
خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة.
فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة.
فلحق بعضهم بالروم.
فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين! إن القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تُعِنْ عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة.
فبعث عمر في طلبهم وردهم» 203. وأما كون الزكاة تؤخذ من أموالهم مثلَيْ ما يؤخذ من المسلمين فلأن تكملة حديث عمر المتقدم ذكره: «وضعّف عليهم من الإبل من كل خمس شاتين، ومن ثلاثين بقرة تبيعين، ومن كل عشرين ديناراً دينارا، ومن كل مائتي درهم عشر دراهم، ومما سقت السماء الخمس، وفيما سقي بنضح أو عرب أو دولاب العشر».

الجزء: 2 - الصفحة: 345

واستقر ذلك من قول عمر ولم يخالف غيره من الصحابة فكان إجماعاً.
وأما كون ذلك يؤخذ من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم فلأن حكم المأخوذ منهم حكم الزكاة، والزكاة تؤخذ في جميع هذه الصور فكذا يؤخذ منهم فيما هو ملحق بها.
وأما كون مصرف المأخوذ منهم مصرف الجزية على قول غير الخرقي فلأنه مأخوذ من مشرك.
ولأنه جزية مسماة بالصدقة، ولذلك قال عمر: «هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى وأبوا الاسم».
وأما كون مصرفه مصرف الزكاة على قول الخرقي فلأنه مسمى باسم الصدقة مسلوك به فيمن يؤخذ منه مسالك الصدقة فيكون مصرفه مصرفها.
قال المصنف رحمه الله في المغني: الأول أقيس لأن المعنى أخص من الاسم.
ولأنه لو كان صدقة على الحقيقة لجاز دفعه إلى فقراء من أخذت منهم كصدقات المسلمين.
وأما كون ذلك لا يؤخذ من كتابي غيرهم على المذهب فلأن قوله تعالى: ﴿مِن الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: 29]، وقوله عليه السلام لمعاذ: «خذ من كل حالم ديناراً» 204 عامٌّ في كل كتاب خرج منها نصارى بني تغلب لفعل عمر وإجماع الصحابة عليه فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الجزية من أهل نجران» 205 وكانوا نصارى.
و«أخذها من أكيدر دومة» 206 وهو عربي.

الجزء: 2 - الصفحة: 346

وأما كونها تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم على قول القاضي فلأنهم من العرب أشبهوا بني تغلب.
قال: (ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا زمِنٍ ولا أعمى ولا عبدٍ ولا فقير يعجز عنها).
أما كون الصبي لا جزية عليه فلأن قوله عليه السلام: «خذ من كل حالم» 207 يدل بمفهومه على أنه لا يؤخذ من صبي.
ولأن عمر كتب إلى أمراء الأجناد «أن اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان» 208 رواه سعيد وأبو عبيد والأثرم.
وأما كون المرأة لا جزية عليها فلما تقدم من قول عمر.
وأما كون الزمِنِ والأعمى لا جزية عليهما فلأنهما محقونان الدم أشبها الصبي والمرأة.
وفي معناه من راهبٍ وشيخ فانٍ وشبههما.
وأما كون العبد لا جزية عليه فلقوله عليه السلام: «لا جزية على العبد» 209. وعن ابن عمر مثله.
ولأنه مال فلم تجب عليه الجزية كسائر الحيوانات.
ولأنه محقون الدم أشبه الصبي.
وأما كون الفقير لا جزية عليه فلقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: 286]. ولأنه مال يجب بحول الحول فلم يلزم الفقير كالزكاة والعقل.

الجزء: 2 - الصفحة: 347

واشترط المصنف رحمه الله في الفقير العجز عن الأداء لأنه هو الذي يتعذر عليه وتشمله الآية فلو كان لا يعجز عنها ولو بصنعة وجبت عليه لأنه في حكم الأغنياء.
قال: (ومن بلغ أو أفاق أو استغنى فهو من أهلها بالعقد الأول، ويؤخذ منه آخر الحول بقدر ما أدرك).
أما كون من بلغ أو أفاق أو استغنى من أهل الجزية بالعقد الأول فلأنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه تجديد عقد لصبي بلغ ولا مجنون أفاق ولا فقير استغنى.
ولأن العقد يكون مع سادة أهل البلدة فيدخل فيه سائرهم فكذا هؤلاء.
وأما كون من ذكر يؤخذ منه في آخر الحول بقدر ما أدرك فلأن الجزية للسنة.
فعلى هذا من وجد منه ما ذكر في أول السنة أخذ في آخرها كل الجزية، ولو وجد في نصفها أخذ نصفها، وعلى هذا بالحساب، ولا يترك حتى يتم حولاً من حين وجد سببه لأنه يحتاج إلى إفراده بحول، وضبط حول كل إنسان يؤخذ منه يشق ويتعذر.
قال: (ومن كان يجن ويفيق لفقت إفاقته فإذا بلغت حولاً أخذت منه، ويحتمل أن يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر إفاقته منه).
أما كون من ذكر تلفق إفاقته فلأنه أمكن من غير مشقة.
وأما كون من بلغت إفاقته حولاً تؤخذ منه الجزية حينئذ على المذهب فلأن حوله لا يكْمل إلا حينئذ.
وأما كونه يحتمل أن يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر إفاقته منه فلأن الجزية تؤخذ في كل حول فوجب الأخذ منه بحسابه.

الجزء: 2 - الصفحة: 348

قال: (وتقسم الجزية فيجعل على الغني ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرون، وعلى الفقير اثنا عشر.
والغني منهم من عدّه الناس غنياً في ظاهر المذهب).
أما كون الجزية تقسم بين أهل الكتاب فيجعل ثمانية وأربعون درهماً على الغني، وأربعة وعشرون على المتوسط، واثنا عشر على الفقير فلأن عمر رضي الله عنه هكذا فعل 210 بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه فكان إجماعاً.
فإن قيل: فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ لما وجهه إلى اليمن: «خذ من كل حالم ديناراً» 211. قيل: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الفقر كان فيهم أغلب.
ولذلك يروى عن مجاهد أنه قيل له: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: ذلك من أجل اليسار.
وثانيهما: أن الجزية يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام وكان الدينار في ذلك الزمان اجتهاد إمامه والأربعة اجتهاد إمام زمنها.
وأما كون الغني من عدّه الناس غنياً في ظاهر المذهب فلأن المقادير توقيفية ولا توقيف في ذلك فوجب رده إلى العرف كالحِرز والقبض.
وفي قول المصنف رحمه الله: في ظاهر المذهب إشعار بأن فيه خلافاً وهو صحيح لأن فيه ثلاث روايات: إحداها: ما تقدم.
وثانيها: أن من ملك نصاباً فهو غني قياساً على المسلم.
وثالثها: أن ملك عشرة آلاف ديناراً فهو غني لأن من ملك دون ذلك لا يعد في بعض البلاد غنياً.
والأول أصح؛ لما ذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 349

ولأن العرف يختلف بالنسبة إلى البلدان فوجب اعتباره لئلا يحكم بغنى شخص وهو فقير عند أهل بلده.
قال: (ومتى بذلوا الواجب عليهم لزم قبوله، وحرم قتالهم.
ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه الجزية.
وإن مات أخذت من تركته.
وقال القاضي: تسقط).
أما كون من بذل الواجب يلزم قبوله فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «ادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم» 212. وأما كونه يحرم قتالهم فلقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله -إلى قوله: - حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: 29] جعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم.
فمتى بذلوا الجزية حرم قتالهم لذلك، ولما تقدم من الحديث.
وأما كون من أسلم بعد الحول سقط عنه الجزية فلأن الله تعالى قال: ﴿قُل للذين كفروا إن ينتهوا يًغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: 38].
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس على المسلم جزية» 213 رواه الخلال.
وروي عن عمر أنه قال: «إن أخذها في كفه ثم أسلم يردها عليه».
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج» يعني الجزية.
ولأن الجزية صَغار ولا تجب عليه كالمسلم.
ولأنها وجبت بسبب الكفر فوجب أن يُسقطها الإسلام كالقتل.
وأما كون من مات تؤخذ الجزية من تركته على المذهب فلأن الجزية دَين وجب عليه في حياته فلم تسقط بموته كدين الآدمي.
وأما كونها تسقط على قول القاضي فلأن الجزية عقوبة فسقطت بالموت كالحد.
والأول أولى؛ لما ذكر.
والحد إنما يسقط لفوات محله وتعذر استيفائه بخلاف هذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 350

قال: (وإن اجتمعت عليه جزية سنين استوفيت كلها.
وتؤخذ الجزية في آخر الحول.
ويمتهنون عند أخذها، ويطال قيامهم وتجر أيديهم).
أما كون الجزية إذا اجتمعت تستوفى كلها فلأنها دَين فإذا اجتمعت استوفيت كلها كديون الآدمي.
ولأنها حق مال يجب في آخر كل حول فلم تتداخل كالدية.
وأما كون الجزية تؤخذ في آخر الحول فلأنها مال يتكرر بتكرار الحول فوجب أخذها في آخر الحول لا في أوله كالدية.
فإن قيل: فالله تعالى قال: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: 29] أمر بالقتال إلى أن يعطوا الجزية فينبغي أن يجب بأول الحول.
قيل: المراد الالتزام.
بدليل أنه يحرم قتلهم بمجرد البذل قبل الأخذ.
وأما كونهم يمتهنون عند أخذ الجزية ويطال قيامهم وتجر أيديهم فلأن الله تعالى قال: ﴿حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: 29].
فإن قيل: الامتهان المذكور هل هو مستحق أو مستحب؟ قيل: فيه خلاف.
ويتفرع عليه عدم جواز التوكيل إن قيل هو مستحق لأن العقوبة لا يدخلها النيابة.
وكذا عدم صحة ضمان الجزية لأن البراءة تحصل بأداء الضامن فتفوت الإهانة.
وإن قيل هو مستحب انعكست الأحكام المذكورة.
قال: (ويجوز أن يُشترط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وتبين أيام الضيافة وقدر الطعام والإدام والعلف وعدد من يضاف، ولا تجب عليهم من غير شرط.
وقيل: تجب).
أما كون اشتراط الضيافة المذكورة على أهل الكتاب تجوز فلأن النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه «أنه ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار وكانوا ثلاثمائة نفس وأن يضيفوا من يمر بهم من المسلمين» 214.

الجزء: 2 - الصفحة: 351

وروى الأحنف بن قيس «أن عمر شرط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة» 215 رواه أحمد.
وروي عن عمر «أنه قضى على أهل الذمة ضيافة ثلاثة أيام وعلف دوابهم وما يصلحهم» 216. ولأن الاشتراط ضرب من المصلحة لأنهم ربما امتنعوا من مبايعة المسلمين إضراراً بهم فإذا اشترطت عليهم الضيافة أُمن ذلك.
وأما كون أيام الضيافة وقدر الطعام والإدام والعلف وعدد من يضاف يبين فلأن الضيافة حق وجب فعله فوجب بيانه كالجزية.
وقال المصنف في الكافي ما معناه: أنه إن شرط عليهم الضيافة وأطلق جاز؛ لأن عمر لم يقدر ذلك.
ولما شكي إليه اعتداء الأضياف قال: «أطعموهم مما تأكلون» 217. فعلى هذا لا يجب عليهم ضيافة أكثر من يوم وليلة لأن ذلك الواجب على المسلم، ولا يكلفون إلا من طعامهم وإدامهم؛ لقول عمر.
وأما كون الضيافة المذكورة لا تجب من غير شرط على الأول ذكره القاضي فلأنها أداء مال فلا تجب عليهم بغير رضاهم كالجزية.
وأما كونها تجب على قولٍ فلأنها تجب على المسلم فالكافر أولى.
قال: (وإذا تولى إمام فعرف قدر جزيتهم وما شرط عليهم أقرهم عليه، وإن لم يعرف رجع إلى قولهم فإن بان له كذبهم رجع عليهم.
وعند أبي الخطاب أنه يستأنف العقد معهم).

الجزء: 2 - الصفحة: 352

أما كون الإمام المتولي يُقر أهل الذمة على عقدهم الأول على المذهب فلأن الخلفاء أقروهم على ذلك لم يجددوا لمن كان في زمنهم عقد.
ولأنه عقد لازم أشبه الإجارة.
وأما كونه يقرهم على ما كانوا عليه إذا عرف قدر جزيتهم وما شُرط عليهم فلأن ذلك هو موجَب العقد الأول وقد تقدم أنهم يقرون عليه.
وأما كونه يُرجع إلى قولهم إذا لم يعرف قدر جزيتهم وما شرط عليهم فلأنه لا يمكن معرفته إلا من جهتهم.
وأما كونه يرجع عليهم بالنقص إذا بان لهم كذبهم بإقرار أو بينة فلأنه واجب عليهم بالعقد الأول فكان للإمام المتجدد أخذه كالأول.
وأما كونه يستأنف العقد معهم على قول أبي الخطاب فلأن المتولي إمام أشبه الأول.
قال: (وإذا عقد الذمة كتب أسمائهم وأسماء آبائهم وحلاهم ودينهم، وجعل لكل طائفة عريفاً يكشف حال من بلغ وأسلم واستغنى وسافر ونقض العهد وخرق شيئاً من أحكام الذمة).
أما كون الإمام يكتب أسماء أهل الذمة وأسماء آبائهم وحلاهم ودينهم إذا عقد الذمة فلأنه يعرفهم بذلك.
والمراد بكتب أسمائهم وأسماء آبائهم أن يكتب فلان بن فلان، ويكتب حلاهم أن يكتب صفاتهم لأن الحلا جمع حلية والمراد بها الحلية التي لا تختلف من طول وقصر وسمرة وبياض ومن كونه أدعج العينين مقرون الحاجبين أقنى الأنف أبلج أكحل.
ويكتب دينهم أن يكتب يهودي نصراني مجوسي.
وأما كونه يجعل لكل طائفة عريفاً فليعرفه بما ذكره المصنف رحمه الله؛ لأن الجزية تتجدد بالبلوغ وتكثر بالاستغناء وتسقط بالإسلام ويتعذر الأخذ مع السفر ويمنع حقن الدم بها عند النقض والحاجة داعية إلى معرفة ذلك كله.

الجزء: 2 - الصفحة: 353

باب أحكام الذمة

قال المصنف رحمه الله: (يلزم الإمام أن يأخذهم بأحكام المسلمين في ضمان النفس والمال والعِرض، وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حِله).
أما كون الإمام يلزمه أن يأخذ أهل الذمة بأحكام المسلمين في ضمان ما ذَكر فلأن الإسلام نسخ كل حكم يخالفه.
وأما كونه يلزمه إقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريم 218 ما يحد 219 لأجله كالقتل والزنا ونحوهما فلما روى أنس «أن يهودياً قتل جارية على أَوْضاح لها فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم» 220 متفق عليه.
وروى ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما فرجمهما» 221. ولأنه محرم في دينهم وقد التزموا حكم الإسلام فثبت في حقهم حكمه كالمسلم.
وأما كونه لا يلزمه ذلك فيما يعتقدون حله كشرب الخمر وأكل الخنزير ونكاح ذوات المحارم للمجوس فلأنهم يقرون عليه لقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا

الجزء: 2 - الصفحة: 354

باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يَدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} [التوبة: 29] أمر بإقرارهم على ذلك بإعطاء الجزية.
ولأنهم يقرون على كفرهم وهو أكبر من ذلك فلأن يُقروا على ذلك بطريق الأولى.
قال: (ويلزمهم التميّز عن المسلمين في شعورهم بحذف مقادم رؤوسهم وترك الفرق، وكناهم فلا يتكنوا بكنى المسلمين كأبي القاسم وأبي عبدالله، وركوبهم بترك الركوب على السروج وركوبهم عرضاً على الأكف، ولباسهم فيلبسون ثوباً يخالف لباسهم كالعسلي والأدكن، وشد الخرق في قلانسهم وعمائمهم، ويؤمر النصارى بشد الزنار فوق ثيابهم، ويجعل في رقابهم خواتيم الرصاص أو جلجل يدخل معهم الحمام).
أما كون الإمام يُلزم أهل الذمة التميّز عن المسلمين في الشعور والكنى والركوب واللبس فلما روى إسماعيل بن عياش عن غير واحد من أهل العلم قال: «كتب أهل الجزيرة إلى عبدالرحمن بن غنم إنا شرطنا على أنفسنا أن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعل ولا فرق شعر ولا في مراكبهم ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنّى بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنار في أوساطنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئاً من السلاح ولا نحمله ولا نتقلد السيوف ... وذكر سائره» 222 رواه الخلال.
وذكر في آخره: «فكتب بذلك عبدالرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر أن امض لهم ما سألوا».
وعن ابن عمر «أن عمر أمر بجز نواصي أهل الذمة وأن يركبوا الأكف عرضاً» 223 رواه الخلال.

الجزء: 2 - الصفحة: 355

والأكف: جمع إكاف وهو البَردعة.
ومعنى قوله: عرضاً أن يكون رجلاه إلى جانب وظهره إلى آخر.
والأدكن الفاختي.
فإن قيل: ما صفة التميز؟ قيل: كما ذكره المصنف رحمه الله لما ورد في الحديث المذكور.
وأما كون النصارى يؤمرون بشد الزنار فوق ثيابهم فلما تقدم في حديث عبدالرحمن.
ولما روي عن عمر «أنه كتب إلى أهل الآفاق: مروا نساء أهل الأديان أن يعقدن زنانيرهن».
وأما كونهم يجعل في رقابهم الخواتيم والجلجل يدخل معهم الحمام فليحصل به التميز في الحمام.
قال: (ولا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا بدائتهم بالسلام.
فإن سلم أحدهم قيل له: وعليكم.
وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان).
أما كون تصدير أهل الذمة في المجالس لا يجوز فلأن في كتابهم لعبدالرحمن بن غنم: «وأن نوقر المسلمين في المجالس، ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا الجلوس» 224. وأما كون بدائتهم بالسلام لا يجوز فلما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدؤا النصارى واليهود بالسلام.
وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه» 225 رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كون أحدهم إذا سلم يقال له: وعليكم؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم» 226 رواه الإمام أحمد.
وأما كون تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم لا يجوز في رواية؛ فلأن بذلك يحصل الموالاة وتثبت المودة وقد نهى الله عن ذلك قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ [الممتحنة: 1]، وقال تعالى: {يا أيها الذين

الجزء: 2 - الصفحة: 356

آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51].
وأما كونه يجوز في روايةٍ فلأنه من مكارم الأخلاق وقد روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد يهودياً فأسلم» 227. وربما كان ذلك سبباً لإيمانه.
قال: (ويمنعون تعلية البنيان على المسلمين، وفي مساواتهم وجهان.
وإن ملكوا داراً عالية من مسلم لم يجب نقضها).
أما كون أهل الذمة يُمنعون تعلية بنيانهم على المسلمين فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام يَعلو ولا يُعلى» 228. ولأن في ذلك 229 رتبة على المسلمين وأهل الذمة ممنوعون من ذلك.
وأما كونهم لا تجوز مساواتهم للمسلمين في وجه فلما تقدم من قوله عليه السلام: «يعلو» 230. ولأنهم لا يجوز مساواتهم للمسلمين في اللباس فكذلك في البنيان.
وأما كونهم يجوز مساواتهم فلأنه ليس ليستطيل على المسلمين.
وأما كونهم إذا ملكوا داراً عالية من مسلم لا يجب نقضها فلأنه لم يعل على المسلمين شيئاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 357

وقول المصنف: من مسلم فيه إشعار بأنه إذا ملكها من ذمي يجب نقضها وهو صحيح لأن نقضها وجب قبل البيع.
قال: (ويمنعون من إحداث الكنائس والبِيَع، ولا يمنعون رمّ شعثها، وفي بناء ما استهدم منها روايتان).
أما كون أهل الذمة يمنعون من إحداث الكنائس والبِيَع فلما روي عن ابن عباس: «أيما مصر مصّرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة» 231 رواه الإمام أحمد واحتج به.
وفي حديث عبدالرحمن بن غنم: «إنا شرطنا على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديراً ولا ولاية ولا صومعة راهب» 232. وأما كونهم لا يمنعون رم شعثها فلأنه كتطيين سطوحها والتطيين لا يمنع منه فكذلك الرم.
وأما كونهم يمنعون بناء ما استهدم منها في رواية فلأن في حديث عبدالرحمن بن غنم: «ولا نجدد ما خرب من كنائسنا» 233. ولأنه بناء كنيسة في دار الإسلام فمنعوا منه كبداء بنيانها.
وأما كونهم لا يمنعون في رواية فلأنه كَرَمِّ الشعث.
قال: (ويمنعون إظهار المنكر، وضرب الناقوس، والجهر بكتابهم.
وإن صولحوا في بلادهم على إعطاء الجزية لم يمنعوا شيئاً من ذلك).
أما كون أهل الذمة يمنعون إظهار المنكر وضرب الناقوس والجهر بكتابهم فلأن في شروطهم: «أن لا نضرب نواقيسنا إلا ضرباً خفياً في جوف كنائسنا، ولا نظهر علينا صليباً، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا كتاباً في سوق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر النيران في أسواق المسلمين» 234.

الجزء: 2 - الصفحة: 358

وأما كونهم لا يمنعون شيئاً من ذلك إذا صولحوا في بلادهم على إعطاء الجزية فلأن الدار دارهم لا دار الإسلام بخلاف أهل الذمة فإنهم في دار الإسلام فمُنعوا من ذلك.
قال: (ويمنعون دخول الحرم.
فإن قدم رسول لا بد له من لقاء الإمام خرج إليه ولم يأذن له.
فإن دخل عزر وهدد.
فإن مرض بالحرم أو مات أخرج، وإن دُفن نبش إلا أن يكون قد بَلِي).
أما كون الكفار يمنعون دخول الحرم فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: 28].
والمراد الحرم بدليل قوله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ [التوبة: 28] يريد ضرراً بتأخر الجلَب عن الحرم دون المسجد.
وبدليل قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام﴾ [الإسراء: 1] أي من الحرم لأنه أسري به من بيت أم هانئ.
وأما كون الإمام يَخرج إلى الرسول الذي لا بد من لقاء الإمام فلأن المشرك ممنوع من دخول الحرم فإذا لم يكن بُدٌّ من الاجتماع بالإمام تعين خروجه إليه.
وأما كونه لا يأذن للرسول فلأن الدخول ممنوع منه وليس للإمام إذن في الممنوع منه.
وأما كون الرسول إذا دخل يعزر ويهدد فلهتكه الحرم بدخوله الممنوع منه.
ولا بد أن يُلحظ في ذلك علمه بمنعه لأنه إذا لم يعلم ذلك يكون له عذر.
وأما كون من مرض بالحرم أو مات يُخرج فلأنه إذا لم يجز بقاؤه فيه في حياته فلأن لا يجوز بقاؤه في مرضه ومماته بطريق الأولى.
وأما كونه ينبش إذا دفن ولم يبل فلأن في ذلك وسيلة إلى إخراج الميت من الحرم أشبه ما لو لم يدفن.
وأما كونه لا ينبش إذا بلي فلأنه مع ذلك يتعذر نقله.

الجزء: 2 - الصفحة: 359

قال: (ويمنعون من الإقامة بالحجاز كالمدينة واليمامة وخيبر.
فإن دخلوا لتجارة لم يقيموا في موضع واحد أكثر من أربعة أيام.
فإن مرض لم يخرج حتى يبرأ، وإن مات دفن به.
ولا يمنعون من تيماء وفيد ونحوهما.
وهل لهم دخول المساجد بإذن مسلم؟ على روايتين).
أما كون أهل الذمة يمنعون من الإقامة بالحجاز فلما روى أبو عبيدة بن الجراح أن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز» 235 رواه أحمد وأبو داود.
وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلماً» 236 رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
والمراد الحجاز بدليل أن أحداً من الخلفاء لم يُخرج أحداً من أهل اليمن ولا أهل تيماء.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالمدينة إلى آخره فتنبيه على أن المواضع المذكورة من الحجاز؛ لأن الحجاز سمي بذلك لأنه حجز بين تهامة ونجد وذلك موجود فيما ذكر.
وأما كونهم إذا دخلوا لتجارةٍ لم يقيموا في موضع واحد أكثر من أربعة أيام فلأن الزائد على الأربعة حدٌّ يُتم به المسافر.
وقال المصنف في المغني والكافي وصاحب النهاية فيها: لا يقيم أكثر من ثلاثة؛ لأن إذن عمر رضي الله عنه لمن دخل منهم تاجراً في إقامة ثلاثة أيام يدل على أنه لا يجوز أكثر من ذلك.
وأما كون من مرض لا يخرج حتى يبرأ فلأنه موضع ضرورة.
وأما كون من مات يدفن به فلأنه موضع حاجة.
وأما كونهم لا يمنعون من تيماء وفيد ونحوهما فلما تقدم من أن أحداً من الخلفاء لم يُخرج أحداً من ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 360

وأما كونهم لهم دخول المساجد بإذن مسلم على روايةٍ وهي الصحيحة في المذهب ذكره المصنف في الكافي فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم عليه وفد الطائف فأنزلهم بالمسجد قبل إسلامهم» 237. وأما كونهم ليس لهم ذلك على رواية فلما روي «أن أبا موسى قدم على عمر ومعه نصراني، فأعجب عمر خطه، وقال: قل لكاتبك هذا يقرأ لنا كتابه.
قال: إنه لا يدخل المسجد.
قال: لِمَ.
أجنب هو؟ قال: هو نصراني.
فانتهره عمر» 238. ولأن الجنب يمنع المسجد فالمشرك أولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 361

فصل [في العشور] قال المصنف رحمه الله: (وإن اتجر ذمي إلى غير بلده ثم عاد فعليه نصف العشر.
فإن اتجر حربي إلينا أُخذ منه العشر.
ولا يؤخذ من أقل من عشرة دنانير.
ويؤخذ كل عام مرة.
وقال ابن حامد 239: يؤخذ من الحربي كلما دخل إلينا).
أما كون من اتجر من أهل الذمة إلى غير بلده ثم عاد يؤخذ منه نصف العشر فلما روى أنس بن مالك قال: «أمرني عمر أن آخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر» 240 رواه الإمام أحمد.
وروي «أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها في كل عشرين درهمٍ درهماً» 241 رواه أبو عبيد في كتاب الأموال.
وأما كون من اتجر من أهل الحرب إلينا يؤخذ منه العشر فـ «لأن عمر رضي الله عنه أخذ من أهل الحرب العشر» 242 واشتهر ذلك فيما بين الصحابة وعمل به الخلفاء بعده فكان إجماعاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 362

وأما كونه لا يؤخذ من أقل من عشرة دنانير فيشمل أمرين: أحدهما: أن النصاب معتبر فيما يُعَشّر وهو صحيح لأنه مال يجب فيه العشر أو نصف العشر فاعتبر له النصاب كزرع المسلمين.
وثانيهما: أن نصابه عشرة دنانير.
وفي ذلك روايتان: إحداهما: أن نصابه ذلك لأن ذلك مال يبلغ واجبه نصف دينار فوجب فيه كالعشرين في حق المسلم.
والرواية الثانية: نصابه عشرون ديناراً لأن الزكاة لا تجب في أقل منها 243 فلم يجب فيها على الذمي شيء كاليسير.
ولا فرق بين الذمي والحربي فيما ذكر بخلاف القدر المأخوذ لأن النصاب تقديري فلا يختلف إلا بنقل ولم يوجد.
وأما كون ذلك يؤخذ في كل عام مرة وهو منصوص الإمام أحمد فلما روي «أن نصرانياً جاء إلى عمر فقال: إن عاملك عشرني السنة مرتين.
قال: ومن أنت؟ قال: أنا الشيخ النصراني.
قال عمر: وأنا الشيخ الحنيف.
ثم كتب إلى عامله أن لا يعشر في السنة إلا مرة» 244 رواه الإمام أحمد.
ولأن الجزية والزكاة إنما تؤخذ في السنة مرة واحدة فكذلك هذا.
وأما كون ذلك يؤخذ من الحربي كلما دخل إلينا على قول ابن حامد فلأنا لو أخذنا منهم مرة واحدة لا يؤمن أن يدخلوا فإذا جاء وقت السنة ولم يدخلوا فيتعذر الأخذ منهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 363

والأول أصح؛ لما ذكر.
وتعذر الأخذ غير صحيح لأنه يؤخذ أول مرة يدخل ثم يكتب له بما أخذ منه فلا يؤخذ منه شيء حتى تمضي تلك السنة فإذا جاء في العام الثاني أخذ منه في أول ما يدخل وإن لم يدخل فما فات في العام الثاني شيء.
قال: (وعلى الإمام حفظهم، والمنع من أذاهم، واستنقاذ من أسر منهم).
أما كون الإمام عليه حفظ أهل الذمة والمنع من أذاهم فلأنهم بذلوا الجزية على ذلك.
وأما كونه عليه استنقاذ من أسر منهم فلأنهم جرت عليهم أحكام الإسلام وتأبد عهدهم 245 فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين.
ولم يشترط المصنف رحمه الله في استنقاذ من أسر منهم كون ذلك بعد استنقاذ المسلمين وهو شرط.
وإنما تركه لظهوره ولذلك اشترطه في باقي كتبه؛ لأن استنقاذ المسلم أولى من غيره.
ولأن عصمة الذمي ملحقة بعصمة المسلم فلا يستنقذ الفرع قبل الأصل.
قال: (وإن تحاكموا إلى الحاكم مع مسلم لزمه الحكم بينهم.
وإن تحاكم بعضهم مع بعض، أو استعدى بعضهم على بعض خُيّر بين الحكم بينهم وبين تركهم.
ولا يحكم إلا بحكم الإسلام).
أما كون أهل الذمة إذا تحاكموا مع مسلم إلى الحاكم يلزمه الحكم بينهم فلما فيه من إنصاف المسلم من غيره، أو رده عن الظلم وذلك واجب.
وأما كونهم إذا تحاكم بعضهم مع بعض، أو استعدى بعضهم على بعض يخير بين الحكم بينهم وبين تركهم فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: 42].

الجزء: 2 - الصفحة: 364

ولأنهما كافران فلم يجب الحكم بينهما كالمستأمن.
وأما كون الحاكم بينهم لا يحكم إلا بحكم الإسلام فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: 42].
قال: (وإن تبايعوا بيوعاً فاسدة وتقابضوا لم ينقض فعلهم، وإن لم يتقابضوا فسخه سواء كان قد حكم بين حاكمهم أو لا).
أما كون ما فعل أهل الذمة مع التقابض لا ينقض فلأن فيه مشقة وتنفيراً عن الإسلام بتقدير إرادته.
وأما كونه يفسخ مع عدم التقابض فلأن مقتضى الدليل أن يحكم بينهم بحكم الإسلام لما تقدم.
خص منه حالة التقابض للمشقة والتنفير فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وأما قول المصنف رحمه الله: سواء كان قد حكم بينهم حاكمهم أو لا فمعناه أنهم لو ترافعوا إلى حاكمهم فألزمهم بالتقابض لا يلزم إمضاء حكمه لأن حكمه باطل ولا يجب إمضاء الباطل.
قال: (وإن تهود نصراني، أو تنصر يهودي لم يقر ولم يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه.
ويحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام.
فإن أبى هدد وحبس.
ويحتمل أن يقتل.
وعنه: أنه يقر).
أما كون النصراني إذا تهود وبالعكس لا يقر على المذهب فلأنه لا يقبل منه ذلك؛ لما يأتي بعد.
وأما كونه لا يقبل منه غير الإسلام أو الدين الذي كان عليه على المذهب أيضاً فلأن الإسلام دين حق والذي كان عليه دين صولح عليه فلم يقبل منه غيرهما لاعترافه ببطلانه لأنه انتقل إلى دين باطل فلم يقر عليه أشبه ما لو انتقل إلى المجوسية.
وأما كونه يحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام فلأن الدين الذي كان عليه قد اعترف ببطلانه والذي انتقل إليه كان معترفاً ببطلانه فلم يبق غير الإسلام.
وأما كون من أبى من فعل الواجب عليه يهدد ويحبس على المذهب فليأتي بذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 365

وأما كونه يحتمل أن يقتل فلأنه انتقل إلى دين لا يقر عليه أشبه المسلم إذا ارتد.
والأول أولى؛ لما تقدم.
وأما كون من تقدم ذكره يقر على الدين الذي انتقل إليه على رواية فلأنه دين يقر عليه في الجملة أشبه الذي كان عليه والذي هو عليه بالأصالة.
قال: (وإن انتقل إلى غير دين أهل الكتاب، أو انتقل المجوسي إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر وأمر أن يسلم، فإن أبى قتل.
وإن انتقل غير الكتابي إلى دين أهل الكتاب أقر.
ويحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام.
وإن تمجس الوثني فهل يقر؟ على روايتين).
أما كون الكتابي أو المجوسي إذا انتقل إلى غير دين أهل الكتاب لا يقر عليه؛ فلأنه انتقل من دين يُقر أهله عليه إلى دين لا يقر أهله عليه فلم يقر عليه أشبه المرتد عن الإسلام.
وأما كونه يؤمر بالإسلام فلأن كل أحد مأمور بذلك لا سيما من لا كتاب له ولا شبه كتاب.
وأما كونه يقتل إذا أبى الإسلام فكالمسلم إذا ارتد.
وأما كون غير الكتابي إذا انتقل إلى دين أهل الكتاب يقر على المذهب فلأنه انتقل إلى دين هو أكمل من دينه الذي كان عليه أشبه ما لو انتقل من اليهودية إلى الإسلام.
ومعنى الكمال أنه يقر أهله عليه وتؤكل ذبائحهم وتحل مناكحتهم.
وأما كونه يحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام فلأنه أقر ببطلان دينه بعد أن كان مقراً ببطلان ما سواه.
وأما كون الوثني إذا تمجس يقر على رواية فلأنه انتقل إلى 246 دين أكمل من دينه أشبه الوثني إذا تهود أو تنصر.

الجزء: 2 - الصفحة: 366

وأما كونه لا يقر على رواية فلأنه انتقل إلى غير كتاب أشبه ما لو انتقل إلى عبادة الشمس.
ويمكن الفرق بما تقدم من كون المنتقل إليه أكمل من دينه.

الجزء: 2 - الصفحة: 367

فصل في نقض العهد قال المصنف رحمه الله: (وإذا امتنع الذمي من بذل الجزية، أو التزام أحكام الملة انتقض عهده).
أما كون الذمي ينتقض عهده إذا امتنع من بذل الجزية فلأن الله تعالى قال: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: 29] أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية.
وأما كونه ينتقض عهده إذا امتنع من التزام ملة الإسلام فلأن الإسلام نسخ كل حكم يخالفه فلا يجوز بقاء العهد مع عدم التزامه.
وقتال المسلمين ينتقض به العهد كالأمرين المذكورين؛ لأن عقد الذمة يقتضي الأمان من الجانبين والقتال ينافيه فانتقض.
قال: (وإن تعدى على مسلم بقتل أو قذف أو زنا أو قطعِ طريق أو تجسسٍ أو إيواء جاسوس أو ذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله بسوء فعلى روايتين).
أما كون الذي ينتقض عهده بما ذكر على المذهب فلما روي عن عمر رضي الله عنه «أنه رُفع إليه رجل أراد استكراه مسلمة على الزنا.
فقال: ما على هذا صالحناكم.
وأمر به فصلب في بيت المقدس» 247.

الجزء: 2 - الصفحة: 368

وقيل لابن عمر: «إن راهباً يشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: لو سمعته لقتلته.
إنا لم نعط الأمان على هذا».
وعن عمر «أنه أمر عبدالرحمن بن غنم أن يلُحق في صلح أهل الجزية: ومن ضرب مسلماً فقد خلع عهده» 248. ولأن في ذلك ضرراً على المسلمين أشبه الامتناع من بذل الجزية.
وأما كونه لا ينتقض على رواية فلأن هذه الأشياء لا يجب تركها عليهم فلا ينتقض عهدهم بفعلها.
والأول أولى؛ لما تقدم.
قال: (وإن أظهر منكراً، أو رفع صوته بكتابه ونحوه لم ينتقض عهده.
وظاهر كلام الخرقي أنه ينتقض عهده إن كان مشروطاً عليهم).
أما كون الذمي لا ينتقض عهده بما ذكر مع عدم شرطه فلأن ذلك لا ينافي عقد الذمة.
ولأن غاية ما يقدر أنه شيء لا يجوز فعله وذلك لا يوجب نقض العهد دليله ما لو زنا معاهد بمشركة.

الجزء: 2 - الصفحة: 369

وأما كونه لا ينتقض مع شرط ترك ذلك على الأول فكما لو لم يشترط.
وأما كونه ينتقض على ظاهر كلام الخرقي؛ فلأن في كتاب صلح الجزيرة بعد استيفاء الشرط: «وإن نحن غيّرنا أو خالفنا ما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد حل لكل منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق» 249. ولأنه عقد بشرط فزال بزوال شرطه كما لو امتنعوا من بذل الجزية.
قال: (ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقض عهده.
وإذا انتقض عهده خُير الإمام فيه كالأسير الحربي.
وماله فيء عند الخرقي، وقال أبو بكر: يكون لورثته).
أما كون عهد نساء من نقض عهده وعهد أولاده لا ينتقض بنقض عهده فلأن النقض وُجد منه دونهم فاختص حكمه به.
وأما كون الإمام يخير فيمن نقض عهده كالأسير الحربي؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه صلب الذي أراد استكراه المرأة» 250. ولأنه كافر لا أمان له أشبه الحربي الأسير.
وأما كون ماله فيئاً عند الخرقي فلأنه قتل لنقضه العهد أشبه ما لو تركه وهرب.
وأما كونه لورثته على قول أبي بكر؛ فلأن الأمان في المال لا ينتقض بنقض العهد فيجب أن ينتقل إلى الورثة لأنه حقهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 370

وقيل: الخلاف المذكور مبني على انتقاض العهد في المال بنقضه في صاحبه: فإن قيل: ينتقض كان فيئاً، وإن قيل: لا ينتقض انتقل إلى الورثة.
والله أعلم بالصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 371

فصول الكتاب · 35 فصل
جارٍ التحميل