الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3كتاب القضاء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأصل في القضاء ووجوبه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فآيات: إحداها: قوله تعالى: ﴿يا داودُ إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ [ص: 26].
وثانيها: قوله تعالى: ﴿وأن احكمْ بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: 49].
وثالثها: قوله تعالى: ﴿وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم﴾ [النور: 48].
ورابعها: قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يُؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت﴾ [النساء: 65].
وأما السنة؛ فما ورى عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصابَ فله أجران، وإذا اجتهدَ فأخطأَ فلهُ أجر» 1. وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون على نَصب القضاة للحكم بين الناس.
قال المصنف رحمه الله: (وهو فرض كفاية.
قال أحمد رحمه الله: لا بدّ للناس من حاكم، أتذهبُ حقوقُ الناس؟ فيجب على الإمام أن ينصبَ في كل إقليمٍ قاضياً.
ويختارُ لذلك أفضلَ من يجد وأورعهم، ويأمره بتقوى الله عز وجل، وإيثار طاعته في سره وعلانيته، وتحري العدل، والاجتهاد في إقامة الحق.
وإن يستخلف في كل صُقْعٍ أصلحَ من يقدرُ عليه لهم).
أما كون القضاء فرض كفاية؛ فلأن أمر الناس لا يستقيم بدونه.
فكان فرض كفاية؛ كالجهاد والإمامة، ولذلك قال الإمام ما تقدم ذكره.
وأما كون الإمام يجب عليه أن ينصبَ في كل إقليمٍ قاضياً؛ فلأنه هو القائم بأمر الرعية المتكفّل بمصلحتهم المسؤول عنهم.
فإذا كان القضاء فرض كفاية ولم

الجزء: 4 - الصفحة: 504

يكن بد من نصب من تقوم الكفاية به تعين على القائم بأمر الرعية نصبُه.
ضرورة دفع الحاجة، ولذلك «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضياً إلى اليمن» 2. و«ولى عمرُ شريحًا قضاء الكوفة وكعبَ بن سور 3 قضاء البصرة» 4. و«بعث إلى كل مصرٍ قاضيًا وواليًا».
وأما كونه يختار أفضل من يجد وأورعهم؛ فلأن ذلك أقرب وأكمل تولية إلى حصول المقصود من القضاء.
ولأن منصب القضاء أكمل المناصب، وذلك يناسب أن يكون متوليه أكمل من يوجد.
وأما كونه يأمر من ينصبه بتقوى الله عز وجل، وإيثار طاعته في سره وعلانيته، وتحري العدل، والاجتهاد في إقامة الحق؛ فلأن في ذلك تذكرة له بما يجب عليه فعله، وإعانةً له على عمل ذلك، وتقويةً لقلبه، وتنبيهاً على اهتمام الإمام بأمر الشرع وأهله.
وأما كونه يأمره أن يستخلف في كل صُقعٍ أصلحَ من يقدرُ عليه لهم؛ فلأن في ذلك خروجاً في جواز الاستنابة، وتنبيهاً على مصلحة رعية بلد القاضي، وحثاً له على اختيار الأصلح.
قال: (ويجب على من يصلحُ له إذا طُلب ولم يوجد غيره ممن يوثقُ به الدخول فيه.
وعنه: أنه سئل: هل يأثم القاضي بالامتناع إذا لم يوجد غيره ممن يوثقُ به؟ قال: لا يأثم.
وهذا يدل على أنه ليس بواجب).
أما كون من يصلح للقضاء إذا طُلب ولم يوجد غيره ممن يُوثق به يجب عليه الدخول فيه على المذهب؛ فلأن فرض الكفاية إذا لم يوجد من يقوم به غير واحد وجب عليه.
دليله: غسل الميت وتكفينه.
وأما كونه ليس بواجب على روايةٍ؛ فلأن في دخوله في القضاء خطراً عظيماً ومشقَّة شديدة.

الجزء: 4 - الصفحة: 505

والأول أصح؛ لما تقدم.
والرواية الثانية: محمولة على أنه كان عاجزاً عن القيام بالواجب؛ لظلم السلطان وغيره.
قال: (فإن وُجد غيره كُره له طلبه بغير خلاف في المذهب.
وإن طُلب فالأفضل أن لا يجيب إليه في ظاهر كلام أحمد، وقال ابن حامد: الأفضل الإجابة إليه إذا أمن نفسه).
أما كون من وُجد غيره يُكره له طلب القضاء بغير خلاف في المذهب؛ فلأن أنساً روى روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتغى القضاءَ وسألَ فيه شفعًا 5 وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُكرهَ عليه أنزلَ اللهُ عليه ملكًا يسددُه» 6. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وقال صلى الله عليه وسلم لعبدالرحمن بن سمرة: «يا عبدالرحمن! لا تسأل الإمارةَ.
فإنك إن أُعطيتها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها» 7. متفق عليه.
وأما كونه إذا طُلب له فالأفضل أن لا يدخل فيه في ظاهر كلام الإمام؛ فلما فيه من الخطر والغرر.
وفي تركه من السلامة والظفر، ولما وَرد فيه من التشديد.
ولذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من وُلّي قاضياً فقد ذُبحَ بغير سِكِّين» 8. ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي له، وقد «أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأباه».

الجزء: 4 - الصفحة: 506

وأما كون الأفضل الإجابة إليه إذا أمن نفسه في قول ابن حامد؛ فلأنه كما فيه خطر فكذا فيه أجر عظيم، ولذلك جعل الله للمجتهد فيه أجراً مع الخطأ، وأجرين مع الإصابة، وأسقط عنه حكم الخطأ.
ولأن فيه الأمر بالمعروف، ونصر المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، ورد الظالم عن ظُلمه، ولذلك تولاه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن مسعود أنه قال: «لأن أجلسَ قاضياً بين اثنين لحق أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة».
وحكى المصنف رحمه الله في المغني أن ابن حامد قال: إن كان -يعني المطلوب- رجلاً خاملاً لا يرجع إليه في الأحكام، ولا يُعرف فالأولى له توليه القضاء؛ ليرجع إليه في الأحكام، ويقوم به حق.
وإن كان مشهوراً في الناس بالعلم يُرجع إليه في تعليم العلم والفتوى، فالأولى له الاشتغال بذلك؛ لما فيه من تحصيل النفع مع الأمن من التغرر.
قال: (ولا تثبت ولاية القضاء إلا بتولية الإمام أو نائبه).
أما كون ولاية القضاء لا تثبت بغير ولاية الإمام أو نائبه؛ فلأن ولاية القضاء حكم على الناس بالرجوع إلى أقوال القضاة، ومن ليس بإمام أو نائبه ليس له الحكم على الناس، ولا يجب عليهم الرجوع على من ولاه عليهم.
وأما كونها تثبت بتولية الإمام؛ فلأن الإمام هو وليُّ أمر المسلمين، وصاحبُ الأمر والنهي، وهو واجب الطاعة، مسموعُ الكلمة، مالك لجميع الولايات الشرعية الحكمية والحربية.
وأما كونها تثبت بولاية نائبه؛ فلأنه مُنَزّل منزلته، وقائم مقامه، ولذلك تجب طاعته والرجوع إلى قوله.

الجزء: 4 - الصفحة: 507

قال: (ومن شرط صحتها: معرفة المولِّي كون المولَّى على صفة تصلح للقضاء، وتعيين ما يوليه الحكم فيه من الأعمال والبلدان، ومشافهته بالولاية أو مكاتبته بها، وإشهاد شاهدين على توليته.
وقال القاضي: تثبت بالاستفاضة إذا كان بلده قريباً يستفيض فيه أخبار بلد الإمام.
وهل تشترط عدالة المولّي؟ على روايتين).
أما كون تولية القضاء من شرط صحتها: معرفة المولّي كون المولّى على صفة تصلح للقضاء؛ فلأن كون المولّى على الصفة التي تصلح للقضاء شرط لصحته التولية لما يأتي في مواضعه، وما كان شرطاً للصحة كانت معرفته شرطاً.
دليله: العدالة لما كانت شرطاً لصحة الحكم بشهادة الشاهد كانت معرفتها شرطاً لصحة ذلك.
وأما كونها من شرط صحتها تعيين ما يُوليه الحكم فيه من الأعمال والبلدان؛ فلأن ولايته مستفادة من تولية الإمام.
فلم يكن بد من معرفته ما تولاه؛ ليمكن الفصل بين الخصوم بموضع التولية.
وأما كونها من شرط صحتها مشافهة الإمام المولى بالولاية أو مكاتبته بها مع الإشهاد على المذهب؛ فلأنه إذا عُدمت المشافهة والمكاتبة لم يتصل طريق الولاية ولم يعلم المولي من المولى عليه.
وأما كونها تثبت بالاستفاضة بشرط كون بلد القاضي قريباً من بلد الإمام على قول القاضي؛ فلأن العلم بالولاية يحصل بذلك.
وأما كون عدالة المولي تشترط على روايةٍ؛ فلأن الفسق مؤثر في المنع من ولاية المولى عليه.
فوجب أن يكون له أثر في المنع من تولية المولي.
وأما كونها لا تشترط على روايةٍ؛ فلأن أكثر الأمراء فسقة.
فاشتراط العدالة في المولي يؤدي إلى تعطيل الأحكام وضياع الناس.

الجزء: 4 - الصفحة: 508

قال: (وألفاظ التولية الصريحة سبعة: ولّيتُكَ الحكم، وقلّدتُكَ، واستَنبْتُكَ، واستخلفتُكَ، ورددتُ إليكَ، وفوّضتُ إليكَ، وجعلتُ إليكَ الحكم.
فإذا وجد لفظ منها والقبول من المولّى انعقدت الولاية.
والكناية نحو: اعتمدتُ عليكَ، وعوّلتُ عليكَ، ووَكلتُ إليكَ، وأسندتُ إليكَ الحكم فلا ينعقد بها حتى يقترن بها قرينة نحو: فاحكمْ، أو فَتَولّ ما عوّلتُ عليكَ فيه، وما أشبهه).
أما كون ألفاظ التولية صريحة وكناية؛ فلأنها عقد.
فكانت ألفاظها صريحة وكناية؛ كغيرها من العقود.
وأما كون الألفاظ الصريحة سبعة؛ فلأنها تدل على ولاية القضاء دلالة لا يفتقر معها إلى شيء آخر، وذلك هو شأن الصريح.
وأما كون الولاية إذا وجد لفظ من الألفاظ الصريحة والقبول من المولى تنعقد؛ فلأنه يلزم من ذلك وجود الإيجاب والقبول، وذلك يستلزم الانعقاد إذا وجدت بقية الشروط.
دليله: البيع والإجارة وغيرهما.
وأما كون بقية الألفاظ كناية؛ فلأنها تفتقر في دلالتها إلى شيء آخر، وذلك شأن الكناية.
وأما كون الولاية لا تنعقد بلفظ منها حتى تقترن بها قرينة نحو: فاحكم أو فتولّ أو ما أشبه ذلك؛ فلأن الكناية لا تستقل بنفسها.
فوجب افتقارها إلى قرينة تقوّيها وتعضُدُها.
فعلى هذا إذا وجد اللفظ المذكور مع القرينة انعقدت الولاية؛ لحصول الكناية مع ما يقوّيها ويعضُدها.

الجزء: 4 - الصفحة: 509

فصل [فيما تفيده الولاية] قال المصنف رحمه الله: (وإذا ثبتت الولايةُ وكانت عامةً استفادَ بها النظر في عشرة أشياء: فصلُ الخصومات واستيفاءُ الحق ممن هو عليه ودفعهُ إلى ربه، والنظرُ في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء، والحجرُ على من يرى الحجر عليه لسفهٍ أو فلسٍ، والنظرُ في الوقوف في عمله بإجرائها على شرطِ الواقف، وتنفيذُ الوصايا، وتزويجُ النساء اللاتي لا ولي لهن، وإقامةُ الحدود، وإقامةُ الجمعة، والنظرُ في مصالحِ عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين وأفنيتهم، وتصفحُ حال شهوده وأمنائه، والاستبدالُ بمن ثبت جرحه منهم.
فأما جبايةُ الخراج وأخذ الصدقة فعلى وجهين).
أما كون من ثبتت ولايته وكانت عامة يستفيدُ بها النظر في الأشياء المذكورة؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وأما كونه يستفيد فصل الخصومات واستيفاء الحق ممن هو عليه ودفعه إلى ربه؛ فلأن المقصود من القضاء ذلك.
فلو لم يملكه لذهب مقصود القضاء، ولذلك وقعت الإشارة من الإمام أحمد رحمه الله بقوله: أتذهب حقوق الناس؟ . وأما كونه يستفيد النظر في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء؛ فلأن بعضهم لا ينظر في ماله إلا الحاكم هو السفيه، وبعضهم هو بين أن لا يكون له ولي فترك نظره في ماله يؤدي إلى ضياعه، وبين أن يكون له ولي فترك نظره في حال الولي يؤدي إلى طمعه في مال موليه، وفي ذلك ضرر عليه.
وأما كونه يستفيد الحجر على من يرى الحجر عليه من سفه أو فلس؛ فلأن الحجر المذكور يفتقر إلى نظر واجتهاد، وليس ذلك لغير القاضي، ولذلك جُعل الحجر المذكور مختصاً به.

الجزء: 4 - الصفحة: 510

وأما كونه يستفيد النظر في الوقوف؛ فلأن النظر ضرورة تدعو إلى إجرائها على شروطها.
فإن لم يكن لها نُظّار على وجه الخصوصية تعين نظره فيها، وتولية ذلك لمن ينظر في أحوالهم وفي فعلهم فيها.
وأما كونه يستفيد تنفيذ الوصايا؛ فلأن بالميت حاجة إلى ذلك، وليس ذلك لغيره.
وأما كونه يستفيد تزويج النساء اللاتي لا ولي لهن؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن اشتجروا فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له» 9 والحاكم نائبه.
وأما كونه يستفيد إقامة الحدود؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيمها.
فكذا الخلفاء بعده، وكان من مناصبه الإمامة.
فلم لا يجوز أن يكون ذلك مستفاداً من جهة الإمامة؟ . فإن قيل: هو نائب الإمام في الاستيفاء المذكور؛ لأنه هو الذي نصبه 10. وأما كونه يستفيد إقامة الجمعة؛ فلأن الخلفاء هم الذين كانوا يقيمونها.
وأما كونه يستفيد النظر في مصالح عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين؛ فلأنه مرصد للمصالح فإذا كان ذلك من المصالح استفاد النظر فيه.
وأما كونه يستفيد تصفح حال الشهود؛ فلأن ذلك من أكبر المهمات المتعلقة بالقضاء؛ لأنه يجب أن يعلم حال الشهود عندهم منهم.
وأما كونه يستفيد الإبدال بمن ثبت عنده جرحه؛ فلأن المجروح لا تسمع له شهادة، وأمر الشهادة مردود إلى الحاكم.
فكذلك يجب أن يُرد إليه ترتيب الشهود واستبدالهم بمن يصلح لها.
وأما كونه يستفيد جباية الخراج وأخذ الصدقة على وجه؛ فلأنه أخذ حقٍ ممن هو عليه.
أشبه أخذ الحق من الخصوم ودفعه إلى خصومهم.

الجزء: 4 - الصفحة: 511

وأما كونه لا يستفيد ذلك على روايةٍ؛ فلأن الخراج مصرفه إلى أهل الديوان.
والصدقة يصرف بعضها إلى أهل الديوان، وبعضها يصرف للناس في مصارف ذلك.
فلم يدخل ذلك في ولايته؛ كما لو جرت العادة لذلك بناظر خاص.
ولا بد أن يلحظ في الخلاف المذكور أن الخراج والصدقة ما خص الإمام بهما أحداً.
ذكره أبو الخطاب شرطاً في جريان الوجهين.
ولفظه: وأما جباية الخراج وأخذ الصدقة فهل يدخل في مطلق ولايته إذا لم يخص بناظرٍ؟ وجهان.
قال: (وله طلبُ الرزقِ لنفسه وأمنائهِ وخلفائهِ مع الحاجة.
فأما مع عدمها فعلى وجهين).
أما كون القاضي له طلب الرزق لنفسه مع الحاجة؛ فلأن أخذ الرزق مع الحاجة جائز وطلبُ ما أخذه جائز يجب أن يكون جائزاً.
بيان جواز الأخذ: «أن عمر رضي الله عنه رزق شريحاً في كل شهر مائة درهم» 11. و«رزق ابن مسعود نصف شاة كل يوم» 12. و«كتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام: أن انظروا رجالاً من صالحي مَن قبلكم فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من بيت المال».
وأما كونه له طلب الرزق لأمنائه وخلفائه مع الحاجة؛ لأن معناهم: فإذا جاز له الطلب لنفسه وجب أن يكون ذلك لمن هو في معناه.
وأما كونه له ذلك مع عدم الحاجة على وجه؛ فلما تقدم من رزق عمر لشريح وغيره.
ولأنه لو لم يجز ذلك لأفضى إلى تعطيل القضاء؛ لأن أحداً لا يسهل عليه الاشتغال عن اشتغال نفسه وتكسبه بغير عوض.

الجزء: 4 - الصفحة: 512

وأما كونه ليس له ذلك على وجه؛ فلأن القضاء قُربة وطاعة.
فلم يجز فيها طلب الرزق مع عدم الحاجة؛ كالصلاة.

الجزء: 4 - الصفحة: 513

فصل [في الولاية العامة والخاصة] قال المصنف رحمه الله: (ويجوز أن يوليه عمومَ النظرِ في عموم العمل، ويجوز أن يوليه خاصاً في أحدهما أو فيهما، فيوليه عموم النظر في بلد أو في محلة خاصة، فينفذ قضاؤه في أهله ومن طرأ إليه، أو يجعل الحكم في المداينات خاصة، أو في قدر من المال لا يتجاوزه، أو يفوّض إليه عقود الأنكحة دون غيرها).
أما كون القاضي يجوز أن يوليه الإمام عمومَ النظر في عموم العمل، وعموم النظر في خصوص العمل؛ فلأن الخيرة له في التولية فكذلك في صفتها.
ولأن الإمام قد يعلم المصلحة في بعض هذه الأشياء دون بعض وذلك يقتضي تمكينه من فعل ما رأى فيه المصلحة.
ولأن القاضي المتولي قد يكون قيّماً بعموم النظر في عموم العمل وقد يكون عاجزاً عن ذلك قيّماً بالخصوص فيهما أو في أحدهما.
فيجب أن تكون الولاية مختصة بما هو قيّم به دون ما هو عاجز عنه.
فإن قيل: ما مثال كل واحدٍ من الأمور الأربعة؟ قيل: مثال التعميم في النظر والعمل: أن يوليه الإمام القضاء في سائر الأحكام وسائر البلدان.
ومثال تعميم النظر وتخصيص العمل: أن يوليه القضاء في سائر الأحكام ولكن في بلد من البلاد ومحلة من المحال.
ومثال تخصيص النظر وتعميم العمل: أن يوليه الحكم في المداينات أو في قدر من المال لا يتجاوزه، أو يوليه عقود الأنكحة أو ما أشبه ذلك في جميع البلاد.
ومثال تخصيص النظر والعمل: أن يوليه الحكم فيما ذكر في بعض البلاد أو بعض المحال.
وأما كون المولى في بلد أو محلة ينفذُ قضاؤه في أهله؛ فظاهر.

الجزء: 4 - الصفحة: 514

وأما كونه ينفذ فيمن طرأ إليه؛ فلأن الطارئ إلى مكان يُعطى حكم أهله في كثير من الأحكام.
ألا ترى أن الدماء الواجبة لأهل مكة يجوز تفريقها في الطارئ إليها كأهلها.
قال: (ويجوز أن يولى قاضيين أو أكثر في بلد واحد يجعلُ إلى كل واحدٍ عملاً، فيجعل إلى أحدهما الحكمَ بين الناس وإلى الآخر عقود الأنكحة.
فإن جعل إليهما عملاً واحداً جاز، وعند أبي الخطاب لا يجوز).
أما كون الإمام يجوز أن يولي قاضيين أو أكثر في بلد واحدٍ يجعل لكل واحد منهما عملاً كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلأن ذلك ليس فيه ضرر، والإمام كامل الولاية.
فوجب أن يملك ذلك؛ كتولية القاضي الواحد.
وأما كونه يجوز إذا جَعل إليهما عملاً واحداً عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه يجوز أن يستخلف الإمام في البلدة التي هو فيها فيكون في البلدة قاضيان.
فجاز أن يكون فيها قاضيان أصليان.
وأما كونه لا يجوز عند أبي الخطاب؛ فلأنه يؤدي إلى إيقاف الأحكام والخصومات؛ لأن القاضيين يختلفان في الاجتهاد فيؤدي إلى ذلك.
وهذا صوابه.
والأول أصح عند المصنف رحمه الله.
قاله في المغني.
قال: (وإن مات المولي أو عزل المولى مع صلاحيته لم تبطل ولايته في أحد الوجهين، وتبطل في الآخر.
وهل ينعزل قبل العلم بالعزل؟ على وجهين بناء على الوكيل).
أما كون ولاية المولَّى لا تبطل بما ذكر في وجه؛ فلأنه عَقدٌ عُقِدَ لمصلحة المسلمين.
فلم يبطل بموته؛ كما لو عقد الولي النكاح على موليته ثم مات أو فسخه.
وأما كونها تبطل في وجه؛ فلأنه نائبه فتبطل ولايته بما ذكر؛ كوكيله.
ويؤيد بطلان الولاية بالعزل «أن عمر رضي الله عنه قال: لأعزلنّ أبا مريم وأولي رجلاً إذا رآه الفاجر فرقه.
فعزله وولى كعب بن سور».
و«ولى علي أبا الأسود ثم عزله فقال: لم عزلتني وما خنت ولا حبيت؟ قال: رأيتك يعلو كلامك على الخصمين».

الجزء: 4 - الصفحة: 515

وأما كونه إذا انعزل ينعزل بنفس العزل أو يعلم به فيه وجهان مبنيان على عزل الموكل الوكيل؛ فلأنه في معناه.
قال: (وإذا قال المولي: من نظرَ في الحكم في البلد الفلاني من فلان وفلان فهو خليفتي، أو قد ولّيته لم تنعقد الولاية لمن ينظر.
وإن قال: وليتُ فلاناً وفلاناً فمن نظرَ منهما فهو خليفتي انعقدت الولاية).
أما كون الولاية لا تنعقد لمن ينظر إذا قال: من نظرَ [في الحكم] 13 في البلد الفلاني من فلان وفلان فهو خليفتي أو قد وليته؛ فلأن المولّي لم يعين المولَّى.
أشبه ما لو قال للبائع: بعتك أحد الثوبين.
وأما كونها تنعقد إذا قال: وليتُ فلاناً وفلاناً فمن نظر منهما فهو خليفتي؛ فلأن المولي ولاّهما جميعاً ثم عين السابق منهما.
فإن قيل: لو قال البائع: بعت ثوبي من فلان وفلان فمن قبضه فهو له لم يصح.
فكذلك يجب هاهنا لم يصح.
لا سيما وعدم الصحة في المسألة الأولى عليه قياسها على قول البائع: بعتك أحد الثوبين.
قيل: الولاية قابلة للعزل ويلزم من عزل أحدهما استقلال الآخر بالولاية.
ولا كذلك مسألة البيع فإنه بعد انعقاده لا يقبل الإبطال، ولو قُبل لعاد ذلك إلى مالكه لا إلى رفيقه في الشراء.

الجزء: 4 - الصفحة: 516

فصل [في شروط القاضي] قال المصنف رحمه الله: (ويشترطُ في القاضي عشرُ صفاتٍ: أن يكونَ بالغاً، عاقلاً، ذكراً، حراً، مسلماً، عدلاً، سميعاً، بصيراً، مُتكلّماً، مجتهداً.
وهل يشترط كونه كاتباً؟ على وجهين).
أما كون القاضي يشترطُ فيه عشرُ صفاتٍ؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وأما كونها أن يكون بالغاً ... إلى آخره: أما بلُوغه وعقلُه؛ فلأن الصبي والمجنون لا ينفذ قولهما في أنفسهما.
فلأن لا ينفذ قولهما في غيرهما بطريق الأولى.
ولأن الصبي والمجنون يستحقان الحجر عليهما، والقاضي يستحق الحجر على غيره؛ فبين حاليهما وبين حاله منافاة.
وأما ذكوريته؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أفلحَ قومٌ ولّوا أمرهمُ امرأة» 14. ولأن المرأة ناقصة العقل وقليلة الرأي ليست أهلاً لحضور الرجال وشهود محافل الخصوم.
وأما حريته؛ فلأن القضاء منصبٌ شريفٌ.
فلا يجوز أن يتولاه عبدٌ؛ كالإمامة العُظمى.
ولأن العبد في أعين الناس ممتهن، والقاضي موضوعٌ للفصل بين الخصوم.
فحاله يُنافي حال الولاية.
وأما إسلامه؛ فلأن الكفر يقتضي إذلال صاحبه، والقاضي يقتضي احترامه وبينهما منافاة.
ولأن الإسلام شرطٌ في الشهادة.
فلأن يكون شرطاً في القضاء بطريق الأولى.

الجزء: 4 - الصفحة: 517

وأما عدالته؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: 6].
والحاكم يجيء بقول.
فلا يجوز قبوله مع فسقه كذلك.
ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً.
فلأن لا يجوز أن يكون قاضياً بطريق الأولى.
وأما سَمعُهُ وبَصرُهُ وتكلّمُهُ؛ فلأنه لا يتمكن مع فقد هذه الحواس من الفصل بين المتخاصمين؛ لأن سماع القول لا يتمكن منه إلا بسمعه.
ومعرفة المدعِي من المدعَى عليه، والمقر من المقرِّ له، والشاهد من المشهود عليه: لا يتمكن منه إلا ببصره.
والحكمُ بين الخصومِ لا يتمكن منه إلا بالنطق.
وأما اجتهاده؛ فلأن فاقد الاجتهاد إنما يحكم بالتقليد، والقاضي مأمور بالحكم بما أنزل الله.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «القضاةُ ثلاثة: اثنان في النار وواحدٌ في الجنة: رجلٌ علمَ الحق فقضى به فهوَ في الجنة، ورجلٌ قضى للناس على جهلٍ فهو في النار، ورجلٌ جارَ في الحكمِ فهوَ في النار» 15. رواه ابن ماجة.
ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأنه فُتيا وإلزام، والمفتي لا يجوزُ أن يكون عامياً مقلداً فالحاكم أولى.
وأما كون القاضي يشترطُ فيه أن يكون كاتباً على وجه؛ فلأن القاضي من أهل الكمال، والكتابة منه.
ولأنه يحتاج إلى الكتابة على ما ثبت عنده، وعلى خطوط الشهود.
وأما كونه لا يشترطُ أن يكون كاتباً على وجه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاكم الحكام ولم يكن كاتباً.
وأجيب عنه بأن عدم الكتابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لمعنى كان مفقوداً في غيره، وذلك يقتضي قطع الإلحاق.
قال: (والمجتهدُ: من يعرفُ من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه السلام الحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والخاص

الجزء: 4 - الصفحة: 518

والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمستثنى والمستثنى منه.
ويعرفُ من السنةِ صحيحها من سقيمها، وتواترها من آحادها، ومرسلها ومتصلها، ومسندها ومنقطعها، مما له تعلقٌ بالأحكام خاصة.
ويعرف ما أُجمع عليه مما اختُلف فيه، والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه، والعربيةُ المتداولةُ بالحجازِ والشامِ والعراقِ وما يواليهم، وكل ذلك مذكورٌ في أصولِ الفقهِ وفروعهِ، فمن وقَفَ عليه ورُزق فهمُه صَلُحَ للفُتيا والقضاء وبالله التوفيق).
أما كون المجتهد من يعرفُ ما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأن العالم لا يتمكن من الاجتهاد بدون ذلك.
وأما كون ذلك مذكوراً في أصولِ الفقهِ وفروعهِ؛ فلأنهما محلُ ذلك كله.
وفيه تنبيه على المواضع لتُقصَدَ فيحصُل لطالبها ما قصَدَه.
وأما كون من وقَفَ على ذلك ورُزق فهمُه صلُح للفُتيا والقضاء؛ فلأن العالم بذلك متمكنٌ من التصرفِ في العلومِ الشرعية ووضعها في مواضعها.

الجزء: 4 - الصفحة: 519

فصل [في التحاكم] قال المصنف رحمه الله: (وإن تحاكمَ رجلان إلى رجلٍ يصلحُ للقضاء فحكَّماهُ بينَهُما فحكمَ نفذ حكمه في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان في ظاهر كلامه.
ذكره أبو الخطاب، وقال القاضي: لا ينفذُ حكمُه إلا في المال خاصة).
أما كون من تحاكم إليه رجلان فحكَّماهُ بينهما فَحَكم ينفذ حكمه؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حكمَ بين اثنين تراضيا به فلمْ يعدل بينهما فهو ملعون» 16. ولولا أنه ينفذ حكمه لما كان كذلك.
وأما كون حكمه ينفذ في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن عموم الحديث المذكور يشمل ذلك كله.
وفي نفاذ حكم من ذكر إشعار بجواز التحاكم في الجملة.
وهو صحيح؛ لما ذكر من الحديث.
و«لأن عمر وأبيًا احتكما إلى زيد بن ثابت» 17، و «حاكم عمرُ رجلاً إلى شريح قبل توليه القضاء».
و«تحاكم عثمان وعبدالرحمن إلى جبير بن مطعم» 18.

الجزء: 4 - الصفحة: 520

فإن قيل: عمر وعثمان كانا إمامين فإذا ردَّا الحكم إلى رجل صار حاكماً.
قيل: لم ينقل عنهما أكثر من الرضى بحكمه خاصة.
وذلك لا يصير به المتحاكم إليه قاضياً.
وأما كون حكم المتحاكم إليه لا ينفذُ إلا في المال خاصة على قول القاضي؛ فلأنه أسهل من غيره.
فيجب الاقتصار عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 521

باب أدب القاضي

قال المصنف رحمه الله: (ينبغي أن يكون قوياً من غير عُنفٍ، ليناً من غير ضَعفٍ، حليماً ذا أناةٍ وفطنةٍ، بصيراً بأحكام الحكام قبله، ورعاً عفيفاً).
أما كون القاضي ينبغي أن يكون قوياً؛ فلئلا يطمع المُبطل في باطله، ولذلك قال عمر: «لأعزلن أبا مريم عن القضاء ولأستعملن رجلاً إذا رآه الفاجر فرقه».
وأما كون ذلك من غير عنف؛ فلأنه إذا كان ذا عنف ربما أيسَ الضعيف من حقه.
وأما كونه ليناً؛ فلئلا يخاف منه صاحب الحق فيترك حقه.
وأما كون ذلك من غير ضعف؛ فلأن اللين إذا كان لضعفٍ طمع المبطل في القاضي فلا يُقر بالحق.
وأما كونه حليماً؛ فلأنه ربما يغضب من كلام الخصوم فيمنعه ذلك من الحكم بينهم.
وأما كونه ذا أناة؛ فلئلا يؤتى من عجلته.
وأما كونه ذا فطنة؛ فلئلا يخدع بغيره.
وأما كونه بصيراً بأحكام الحكام قبله؛ فلما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيًا حتى يكونَ فيه خمس خصال: عفيفٌ، حليمٌ، عالمٌ بما كان قبله، يستشيرُ ذوي الألباب، ولا يخافُ في اللهِ لومةَ لائم» 19. وأما كونه ورعاً؛ فليؤمن منه مع ذلك أخذ الرشا.
وأما كونه عفيفاً؛ فلما تقدم من قول علي رضي الله عنه.

الجزء: 4 - الصفحة: 522

ولأنه إذا كان كذلك كان بعيداً من الطمع قريباً من النزاهة لا يطمع أحد في ميله معه بغير حق.
قال: (وإذا وُلّي في غير بلده سأل عمن فيه من الفقهاء والفضلاء والعدول.
ويُنفذُ عند مسيره من يعلمهم يوم دخوله ليتلقَّوه، ويدخل البلد يوم الاثنين أو الخميس أو السبت لابساً أجملَ ثيابه.
فيأتي الجامع فيصلي فيه ركعتين ويستقبل القبلة.
فإذا اجتمع الناس أمرَ بعهده فقرئ عليهم، وأمر من ينادي: من له حاجةٌ فليحضر يوم كذا ثم يمضي إلى منزله.
ويُنفذُ فيتسلم ديوان الحكم من الذي كان قبله.
ثم يخرج اليوم الذي وعدَ بالجلوسِ فيه على أعدل أحواله غير غضبان، ولا جائع، ولا شبعان، ولا حاقن، ولا مهموم بأمرٍ يشغلُه عن الفهمِ، فيسلّم على من يمر به ثم على من في مجلسه، ويصلي تحية المسجد إن كان في مسجد).
أما كون القاضي إذا وُلّيَ في غير بلده يسأل عمن فيه من الفقهاء والفضلاء والعدول؛ فليعرف حالهم حتى يشاور من يصلح للمشاورة، ويقبلَ شهادةَ من هو أهل للعدالة.
وأما كونه يُنفذُ من يعلمهم يوم دخوله؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من قوله: ليتلقَّوه؛ لأن في تلقِّيه تعظيماً له، وذلك طريقٌ لقبول قوله ونفوذِ أمره.
وأما كونه يدخل البلد يوم الاثنين أو الخميس أو السبت 20. وأما كونه يأمرُ بعهده فيقرأ على من في بلد ولايته؛ فليعلموا ولايته وصفتها وعلامَ وُلِّي.
وأما كونه يأمر من ينادي: من له حاجة فليحضر يوم كذا؛ فليعلم صاحب الحاجة يوم جلوس القاضي فيقصد حضوره؛ لقضاء حاجته.
وأما كونه يمضي بعد ذلك إلى منزله؛ فليستريح حتى إذا خرج لفصل الخصومات يكون على أعدل أحواله.

الجزء: 4 - الصفحة: 523

وأما كونه ينبغي له أن ينفذَ فيتسلم ديوان الحكم من الحاكم قبله؛ فلأن ذلك كان في يد الحاكم قبله بحكم الولاية، وقد صارت إليه.
فوجب أن ينتقل ذلك إليه.
وأما كونه يخرج اليوم الذي وعدَ بالجلوس فيه؛ فليحصل الوفاء بما نادى مُناديه.
وأما كونه على أعدل أحواله؛ فلأن حال القاضي ينبغي أن يكون أكمل الأحوال.
وأما كونه غير غضبان، ولا جائع، ولا شبعان، ولا حاقن، ولا مهموم بأمرٍ يشغله عن الفهم؛ فلأن القاضي متى كان به خصلة واحدة من الخصلات المذكورة ربما شَغلت فكره فأدّت إلى خطئه.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضِي القاضي بين اثنين وهو غضبان» 21. صرَّحَ بالغضب، وقيس عليه ما في معناه من سائر ما ذكر.
وأما كونه يسلّم على من يمرُ به وعلى من في مجلسه؛ فلأن السنة سلامُ المارّ على الممرور به، وسلام الداخل على من في المجلس.
وأما كونه يصلي ركعتين تحية المسجد إن كان في مسجد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخلَ أحدكم المسجد فلا يجلسْ حتى يصلي ركعتين» 22. قال: (ويجلس على بساطٍ ويستعينُ بالله ويتوكلُ عليه، ويدعو سراً أن يعصمهُ من الزللِ ويوفقهُ للصواب، ولما يرضيه من القول والعمل.
ويجعلُ مجلسه في مكان فسيحٍ؛ كالجامعِ والفضاءِ والدارِ الواسعةِ في وسط البلد إن أمكن).
أما كون القاضي يجلس على بساطٍ؛ فلأنه أبلغُ في هيبته، وأوقع في نفس الخصوم، وأعظم لحرمة الشرع.

الجزء: 4 - الصفحة: 524

وأما كونه يستعينُ بالله ويتوكلُ عليه؛ فلأن ذلك ينبغي لكل واحدٍ.
فلأن ينبغي للقاضي بطريق الأولى.
وأما كونه يدعو سراً أن يعصمه من الزللِ ويوفقه للصوابِ وما يرضيهِ من القولِ والعملِ؛ فلأن ذلك مطلوب مطلقاً لا سيما في أوقات الحاجة، والقاضي من أشد الناس حاجةً إلى ما ذكر.
وأما كونه يجعلُ مجلسهُ في مكان فسيح كالجامعِ والفضاءِ والدارِ الواسعةِ؛ فليكون ذلك واسعاً على الخصوم وأصحاب المسائل.
وأما كونه يجعلهُ في وسط البلد إن أمكن ذلك؛ فلأنه أقرب للعدل وأمكنُ للخصوم.
قال: (ولا يتخذُ حاجباً ولا بواباً إلا في غير مجلس الحكم إن شاء).
أما كون القاضي لا يتخذُ حاجباً ولا بواباً في مجلس الحكم؛ فلما روي عن أبي مريم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من وليَ من أمور الناس شيئاً وحجبَ دون حاجتهمْ وفاقتهمْ احتجبَ اللهُ عنهُ دونَ حاجتهِ وفاقتهِ وفقره» 23. رواه الترمذي.
ولأن حاجبه ربما قدّم المتأخر وأخّر المتقدم؛ لغرض له، وربما كسرهم بحجبهم والاستئذان لهم.
وأما كونه يتخذُ ذلك في غير مجلس الحكم إن شاء؛ فلأنه قد تدعو حاجته إلى ذلك، ولا مضرة على الخصوم في ذلك؛ لأنه ليس بوقتٍ للحكومة.
قال: (ويعرضُ القصَصَ فيبدأ بالأول فالأول.
ولا يقدمُ السابقَ في أكثر من حكومة واحدة.
فإن حضروا دفعة واحدة وتشاحوا قدم أحدهم بالقرعة).
أما كون القاضي يعرض القَصص؛ فليقضي حوائج أصحابها.
وأما كونه يبدأ بالأول فالأول؛ فلأن الأول سابق والسبق له أثر في التقديم.
دليله: ما لو سبق رجل إلى شيء من المباحات فإنه يكون أحق به.

الجزء: 4 - الصفحة: 525

وأما كونه لا يقدّمُ السابق في أكثر من حكومة واحدة؛ فلأنه مسبوق بالنسبة إلى الثاني؛ لأن الذي يليه سبقه بالنسبة إلى الدعوى الثانية.
وأما كونه يقدّم أحدهم بالقرعة إذا حضروا دفعة واحدة وتشاحوا؛ فلأنهم تشاحوا في السبق، والقرعة مرجحة.
دليله: ما لو أراد الرجل السفر ببعض نسائه.
ولأن القرعة مشروعة للترجيح في غير هذا الموضع فكذا في هذا.
قال: (ويعدل بين الخصمين في لَحْظِه ولَفْظه ومجلسه والدخول عليه، إلا أن يكون أحدهما كافراً فيقدم المسلم عليه في الدخول ويرفعه في الجلوس.
وقيل: يسوي بينهما).
أما كون القاضي يعدل بين الخصمين المسلمين أو الكافرين فيما ذكر؛ فلما روي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ابتُليَ بالقضاءِ بين المسلمينَ فليعدل بينهم في لفظهِ وإشارتهِ ومقعده.
ولا يرفعن صوتَه على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر» 24. وفي روايةٍ: «فليسوِّ بينهم في النظر والمجلس والإشارة».
وفي كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه: «واسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا ييأسَ الضعيفُ من عدلكَ، ولا يطمع الشريفُ في حيفِك» 25. ولأن الحاكم إذا ميّز أحد الخصمين عن الآخر انكسر الآخر وربما لم تقم حجته فيؤدي ذلك إلى ظلمه.
وأما كونه يقدم المسلم على الكافر في الدخول ويرفعه في الجلوس؛ فلما روى إبراهيم التميمي قال: «وَجَد عليٌ كرم الله وجهه درعهُ مع يهودي.
فقال: درعي سقطت وقت كذا.
فقال اليهودي: درعي في يدي وبيني وبينكَ قاضي المسلمين.
فارتفعا إلى شريح.
فلما رآه شريح قام من مجلسه وجلسَ في موضعه وجلس مع اليهودي بين يديه.
فقال علي: إن خصمي لو كان مسلماً لجلستُ معه بين يديك

الجزء: 4 - الصفحة: 526

ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تساووهم في المجالس ... وذكر بقية الحديث» 26. وأما كونه يساوي بينهما أيضاً كالمسلمين على قول؛ فلما تقدم من الحديث في المسلمين.
والأول أولى؛ لحديث علي.
وهو واجب التقديم؛ لأنه خاص والخاص يجب تقديمه.
قال: (ولا يسار أحدهما، ولا يلقّنُه حجته، ولا يضيفه، ولا يعلمه كيف يدعي في أحد الوجهين، وفي الآخر يجوز له تحرير الدعوى له إذا لم يحسن تحريرها، وله أن يشفع إلى خصمه ليُنْظِره أو يضع عنه ويزن عنه).
أما كون القاضي لا يسار أحد الخصمين؛ فلأن ذلك كسر قلب صاحبه وربما أدى إلى ضعفه عن إقامة حجته.
وأما كونه لا يلقّنه حجتَه؛ فلأن عليه العدل بينهما، وليس في تلقينه عدل؛ لما فيه من الضَّررِ على صاحبه.
وأما كونه لا يضيفه؛ فلما روي عن علي رضي الله عنه «أنه نزل به رجل.
فقال له: ألك خصم؟ قال: نعم.
قال: تحوّل عنا.
فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تضيفوا أحد الخصمين إلا ومعهُ خصمه» 27. وأما كونه لا يُعلمه كيفية الدعوى في وجه؛ فلأن فيه إعانة له على خصمه.
وأما كونه يجوز له تحرير الدعوى له إذا لم يحسن تحريرها في وجه؛ فلأن في ترك تعليمه سببًا إلى تأخير حقه وعدم الفصل بينه وبين غريمه.
وأما كونه له أن يشفع إلى خصمه ليُنظره أو يضع عنه؛ فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل غرماء معاذ فيه، ولهذا جاء في الحديث: «لو تُرك أحدٌ من أجل أحد لتُرِكَ معاذ من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم» (1).

الجزء: 4 - الصفحة: 527

وأما كونه له أن يَزن له عنه؛ فلما روى ابن عباس رضي الله عنه «أن رجلاً رَفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غريماً له فسأل الغريمُ أن يُنظره شهراً.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أنظركَ وتحمَّلَ النبي صلى الله عليه وسلم المالَ عنه».
قال: (وينبغي أن يُحضِر مجلسه الفقهاء من كل مذهب إن أمكن، ويشاورهم فيما يُشكلُ عليه.
فإن اتضح له حكم وإلا أخّره.
ولا يقلّدُ غيره وإن كان أعلم منه).
أما كون القاضي ينبغي له أن يُحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب إن أمكن؛ فلأنه قد تحدث حادثة فيحتاج القاضي إلى سؤالهم عن مذهبهم وأدلتهم ولذلك قال: ويشاورهم فيما يُشكل عليه؛ لأنه إذا شاورهم ذكروا له ما يحضرهم في ذلك فيؤدي ذلك إلى إيضاح العلم له، وحصول الاجتهاد منه.
وأما كونه يحكم إن اتضح له؛ فلأنه متى اتضح له الحكم لم يجز تأخيره؛ لما فيه من تأخير الحق عن موضعه.
وأما كونه يؤخّره إن لم يتضح له؛ فلأن الحكم مع عدم الإيضاح لا يجوز؛ لما فيه من القضاء بجهل، الداخل في الحديث المتقدم ذكره.
وأما كونه لا يقلد غيره وإن كان أعلم منه؛ فلأن المجتهد لا يجوز له تقليد غيره.
دليله: المجتهدان في القبلة.
قال: (ولا يقضي وهو غضبان، ولا حاقن، ولا في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المزعج.
فإن خالف وحكم فوافق الحق نفذ حكمه، وقال القاضي: لا ينفذ.
وقيل: إن عرض ذلك بعد فهم الحكم جاز وإلا فلا).
أما كون القاضي لا يقضي وهو غضبان؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحكمُ أحدٌ بين اثنين وهو غضبان» 28 متفق عليه.29

الجزء: 4 - الصفحة: 528

ولأن القاضي إذا غضب تغير عقله ولم يستوف رأيه.
وأما كونه لا يقضي وهو حاقن أو في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المُزعج؛ فلأن الغضب إنما مُنع من القضاء معه؛ لأن ذلك مُذهبٌ للفكر وحسن الرأي، وذلك موجود في الصور المذكورة.
فوجب أن يترتب عليها ما ترتب على الغضب؛ لأن الاستواء في العلة يدل على التساوي في المعلول.
وأما كونه إذا حكم مع شيء مما ذكر ينفذ حكمه؛ فلما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اختصم إليه الزبير ورجل من الأنصار في شَراج الحرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك.
فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك.
فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال للزبير: اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر» 30. وأما كونه لا ينفذُ على قول القاضي؛ فلأنه ارتكب النهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
وأما كونه إذا عرض الغضبُ أو ما في معناه بعد فهم الحكم معه من اشتغال الفكرة المؤدية إلى عدم الإصابة، وذلك مفقود يمتنع من الحكم فيما إذا عرض بعد فهم الحكم موجود فيما إذا عرض قبله.
قال: (ولا يحل له أن يرتشي، ولا يقبل الهدية إلا ممن كان يُهدي إليه قبل ولايته بشرط أن لا تكون له حكومة).
أما كون القاضي لا يحل له أن يرتشي؛ فلأنه جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أكَّالون للسحت﴾ [المائدة: 42] هو الرشوة.
وفي الحديث عن عبدالله بن عمر قال: «لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الراشِي والمرتَشِي» 31. رواه الترمذي.
وهذا حديث حسن صحيح.

الجزء: 4 - الصفحة: 529

ورواه أبو هريرة وزاد: «في الحكْم» 32. وأما كونه لا يحل له أن يقبل الهدية ممن لم يكن يُهدي إليه قبل ولايته؛ فلأن الهدية يُقصد بها غالباً استمالة قلب المهدي إليه؛ ليعتني في الحكم.
فهي شبيهة بالرشوة.
وفي الحديث: «بعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد على الصدقة.
فقال: هذا لكمْ وهذا أُهديَ إليّ.
فقام النبي صلى الله عليه وسلم فحمدَ الله وأثنى عليه.
ثم قال: ما بالُ العامل نبعثُه فيجيءُ فيقول: هذا لكم وهذا أُهديَ إليّ.
ألا! جلسَ في بيت أبيهِ وأمهِ فينظر أيهدى إليه؟ والذي نفسُ محمدٍ بيده! لا نبعثُ أحد منكم فيأخذَ شيئًا إلا جاءَ يومَ القيامة يحملهُ على رقبته ... مختصر» 33 متفق عليه.
وأما كونه يحل له أن يقبل الهدية ممن كان يُهدي إليه قبل ولايته بشرط أن لا تكون له حكومة؛ فلأن التهمة المذكورة قبل منتفية هاهنا.
ولأن المنع من ذلك إنما كان من أجل الاستمالة، أو من أجل الحكومة وكلاهما منتفٍ.
وأما كونه لا يحل له أن يقبل الهدية ممن كان يُهدي 34 إليه إذا كان له حكومة؛ فلأن ذلك في معنى الرشوة.

الجزء: 4 - الصفحة: 530

قال: (ويكره أن يتولى البيع والشراء بنفسه.
ويستحب أن يوكّل في ذلك من لا يُعرف أنه وكيله).
أما كونه يكره أن يتولى البيع أو الشراء بنفسه؛ فلأنه يُعرف فيحابى.
فإذا لم يكن ذلك جائزاً فلا أقل من أن يكون مكروهاً.
ولأن ذلك يشغله عن أمور المسلمين.
وأما كونه يستحب له أن يوكل من لا يُعرف أنه وكيله؛ فلأن ذلك نفي للتهمة.
ولأنه وسيلة إلى عدم المحاباة المطلوب شرعاً.
قال: (ويستحب له عيادة المرضى وشهود الجنائز مالم يشغله عن الحكم).
أما كون القاضي يستحب له عيادة المرضى وشهود الجنائز ما لم يشغله ذلك عن الحكم؛ فلأن انشغاله بالفصل بين الخصوم ومباشرة الحكم أولى من ذلك.
قال: (وله حضور الولائم.
فإن كثرت تركها كلها.
ولم يجب بعضهم دون بعض).
أما كون القاضي له حضور الولائم؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب إلى ذلك.
وأما كونه يترك الولائم كلها إذا كثرت فتشغله عن الحكم ولايجيب البعض دون البعض؛ فلأن الاشتغال بالكل يشغله عن الحكم الذي هو فرض عين، وإجابة البعض دون البعض يؤدي إلى كسر قلب من لم يجيبه.
قال: (ويوصى الوكلاء واللأعوان على بابه بالرفق بالخصوم وقلة الطمع.
ويجتهد أن يكونوا شيوخاً أوكهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة).
أما كون القاضي يوصي الوكلاء والأعوان بما ذكر؛ فلأن في ذلك رفقاً بالخصوم، وتنبيهاً للأعوان على الفعل الجميل الائق بمجالس القضاة.
وأماكونه يجتهد أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة؛ فلأن في ذلك مصلحة للمسلمين، والحاكم مأمور بالاجتهاد فيها.
قال: (ويتخذ كاتباًمسلماً مكلفاً عدلاً حافظاً عالماً يجلسه بحيث يشاهد ما يكتبه، ويجعل القمطر مختوماً بين يديه.
ويستجيب أن لا يحكم إلا بحضرة

الجزء: 4 - الصفحة: 531

الشهود، ولا يحكم لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته، ويحكم بينهم بعض خلفائه، وقال أبو بكر: يجوز ذلك).
أما كون القاضي يتخذ كاتباً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استكتبَ زيد بن ثابتَ وغيره» 35. ولأن الحاكم يكثر نظره في أمر المسلمين ولا يمكنه أن يتولى الكتابة بنفسه.
وأما كون الكاتب مسلماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بِطانةً من دونكم﴾ [آل عمران: 118]. وأما كونه مكلفاً؛ فلأن غير المكلف لا يُوثق بقوله ولا يعوّل عليه فهو كالفاسق.
وأما كونه عدلاً؛ فلأن الكتابة موضع أمانة.
وأما كونه حافظاً عالماً؛ فلأن في ذلك إعانة على أمره.
وأما كونه يجلسه بحيث يشاهد ما يكتبه؛ فلأن في ذلك إعانة على أمره، وأبعد للتهمة، وأمكن لإملائه.
وأما كونه يجعل القمطر مختوماً بين يديه؛ فلأن ذلك أحفظُ له، وأبعد من أن يغيّره مغيّر.

الجزء: 4 - الصفحة: 532

فصل [فيما يبتدئ فيه القاضي] قال المصنف رحمه الله: (وأولُ ما ينظر في أمر المحبسين.
فيبعث ثقة إلى الحبس فيكتب اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه في رقعة منفردة، ثم ينادي في البلد أن القاضي ينظر في أمر المحبسين غداً، فمن له منهم خصم فليحضره، فإذا كان الغد وحضر القاضي أحضر رقعة فقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه؟ فإن حضر خصمه نظر بينهما، فإن كان حُبس في تهمةٍ أو افتياتٍ على القاضي قبله خلى سبيله.
وإن لم يحضر له خصم وقال: حُبستُ ظلماً ولا حق عليّ ولا خصم لي نادى بذلك ثلاثاً، فإن حضر له خصم وإلا حلفه وخلى سبيله).
أما كون القاضي أول ما ينظر في أمر المحبسين؛ فلأن الحبس عذابٌ وربما كان فيه من لا يستحق البقاء فيه.
وأما كونه يبعث ثقة إلى الحبس فيكتبُ اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه في رقعة منفردة؛ فلأن ذلك طريق إلى معرفة الحال على ما هي عليه.
وأما كون الثقة الذي يبعثه القاضي ينادي بالنداء المذكور؛ فلأن في ذلك إعلاماً بيوم جلوس القاضي.
وأما كون القاضي إذا كان الغد وحضر أحضر رقعة وقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه؟ ؛ فلأنه لا يمكنه الحكم إلا بذلك.
وأما كونه ينظر بين الخصمين إذا حضرا؛ فلأنه له ذلك.
وأما كونه يخلى سبيل من حبس في تهمةٍ أو افتياتٍ على القاضي قبله؛ فلأن بقائهما في الحبس ظلم.
وأما كونه ينادى ثلاثاً بحال من لم يحضر له خصم في اليوم الذي جلس فيه القاضي وقال: حُبستُ ظلماً ولا حق عليّ ولا خصمَ لي؛ فلأن ذلك طريق إلى استعلام حال المحبوس، وهل هو مستحِقٌ للحبس أم لا؟ .

الجزء: 4 - الصفحة: 533

وأما كونه يُحلف من لم يحضر له خصم ويخلي سبيله؛ فلأن الظاهر صدقه إذ لو كان له خصم لحضر.
قال: (ثم ينظرُ في أمر الأيتام والمجانين والوقوف.
ثم في حال القاضي قبله، فإن كان ممن يصلح للقضاء لم ينقض من أحكامه إلا ما خالف نص كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعاً.
وإن كان ممن لا يصلح نَقَضَ أحكامه وإن وافقت الصحيح.
ويحتمل أن لا ينقض الصواب منها).
أما كون القاضي ينظر في أمر الأيتام والمجانين والوقوف بعد النظر في أمر المحبسين؛ فلأن المنظور عليه لا يمكنه المطالبة؛ لأن الصبي والمجنون لا قول لهما.
وأرباب الوقوف؛ كالفقراء والمساكين لا يتعيَّنون.
وأما كونه ينظر في حال القاضي قبله فظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا على أن القاضي المتولي يتبع قضايا القاضي قبله؛ لأنه يحتمل أن يكون مصيباً، ويحتمل أن لا يكون مصيباً.
وقال في المغني: ليس عليه ذلك؛ لأن الظاهر صحة قضايا من قبله وصوابُها.
وأنه لا يُولى إلا من هو أهلُ الولاية.
وهذا صحيح لكن في غير قُضاة هذا الزمان.
فعلى هذا يترجح وجوب تتبّعها.
وأما كونه لا ينقض من أحكام من يصلح للقضاء ما لم يخالف ما ذكره؛ فلأنه يؤدي إلى أنه لا يثبت حكم أصلاً؛ لأن الحاكم الثالث يخالف الثاني، والرابع يخالف الثالث وهلم جرَّا.
ولذلك أن عمر رضي الله عنه خالف أبا بكر في مسائل، وخالف علي عمر في مسائل، ولم ينقض واحد منهما على الآخر.
وفي الحديث: «أن أهل نجران جاؤوا إلى علي.
فقالوا: يا أمير المؤمنين! كتابكَ بيدكَ وشفاعتُكَ بلسانك.
فقال: ويحكم! إن عمرَ كان رشيدَ الأمر.
ولا أردُ قضاء قضى به عمر» 36. رواه سعيد.

الجزء: 4 - الصفحة: 534

وروي «أن عمر حكم في المشرّكة بإسقاط الأخوة من الأبوين.
ثم شرّك بينهم بعد، وقال: تلك على ما قضينا وهذا على ما قضينا» 37. وقضى في الجد بقضايا مختلفة الحال 38. وأما كونه ينقض ما خالف نص كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعاً؛ فلأنه حكم لم يصادف شرطه.
فوجب نقضه.
بيان مخالفة الشرط: أن الشرط الاجتهاد وعدم مخالفة ما ذكر.
ولأنه إذا وجد ذلك فقد فرّط.
فوجب نقض حكمه؛ كما لو حكم بشهادة كافرين.
إذا ثبت هذا فظاهر إطلاق المصنف رحمه الله هنا أن القاضي المتولي ينقض حكم القاضي قبله سواء كان من حقوق الله أو حقوق الآدميين.
وفي المغني: إن كان الحق لله؛ كالعتاق والطلاق نقضه؛ لأن له النظر في حقوق الله سبحانه، وإن كان يتعلق بحقوق الآدميين لم ينقضه إلا بمطالبة صاحبه؛ لأن الحاكم لا يستوفي حقاً لمن لا ولاية له عليه من غير مطالبة.
وأما كونه ينقض أحكام من لا يصلح للقضاء إذا لم توافق الصحيح؛ فلأن حكمه غير صحيح، وقضاؤه كلا فضاء؛ لعدم شرط القضاء فيه.
ولأن المانع من نقض حكم الصالح للقضاء نقض الاجتهاد بالاجتهاد وهو مفقود هاهنا؛ لأن الأول ليس باجتهاد بحال.
وأما كونه ينقض أحكامه إذا وافقت الصحيح على المذهب؛ فلما ذكر.
وأما كونه يحتمل أن لا ينقض أحكامه الصواب منها؛ فلعدم الفائدة في ذلك.
وهذا الاحتمال أصح؛ لما ذكر.
ولأن الحق وصل إلى مستحقه.
فلم يجز نقض الحكم به؛ كحكم الصالح للقضاء.

الجزء: 4 - الصفحة: 535

قال: (وإن استعداه أحد على خصم له أحضره.
وعنه: لا يحضره حتى يعلم أن لما ادعاه أصلاً).
أما كون القاضي يحضر من استعدي عليه قبل علمه بمعاملة جرت لعين المستعدي والمستعدى عليه على المذهب؛ فلأن في تركه تضييعاً للحقوق وإقراراً للظلم؛ لأنه قد يكون للمستعدي على المستعدى عليه حق من غصبٍ أو وديعةٍ أو عاريةٍ أو غير ذلك، ولا يُعلم بينهما معاملة.
فإذا لم يُعد عليه سقط حقه.
وأما كونه لا يحضره حتى يعلم أن لما ادعاه أصلاً على روايةٍ؛ فلأنه مروي عن علي رضي الله عنه.
ولأن في إعداء كل مستعدٍ على مستعدى عليه تبذل أهل المروءات، وإهانة ذوي الهيئات.
وربما استعدى شخص على من لا حق له عليه؛ ليفتدي المدعى عليه نفسه من حضوره وشر خصمه.
والأول أصح؛ لأن ضرر فوات الحق أعظم من حضور مجلس الحكم.
قال: (وإن استعداه على القاضي قبله سأله عما يدّعيه فإن قال: لي عليه دَين من معاملةٍ أو رشوةٍ: راسله.
فإن اعترفَ بذلك أمره بالخروج منه.
وإن أنكر وقال: إنما يريد تبذيلي، فإن عرف أن لما ادعاه أصلاً أحضره وإلا فهل يحضره؟ على روايتين).
أما كون القاضي المتولي يسأل المستعدي على القاضي قبله عما يدّعيه؛ فلأن في بعض الأحوال يلزمه إحضار القاضي قبله وفي بعضها لا يلزمه.
فلم يكن بد من السؤال؛ ليتميز الحال من الحال.
وأما كونه يراسله إذا ادعى المستعدي ديناً أو رشوة؛ فلأن الطريق إلى استخلاص حق المستعدي: إما المراسلة أو الإحضار، والإحضار فيه امتهان القاضي وتبذيله، وتطرق أعدائه مع كثرتهم إلى قصد ذلك.
وإذا تعذر الإحضار تعين مراسلته؛ لتعينها إلى استخلاص الحق.
ولم يذكر المصنف رحمه الله في المغني المراسلة إليه بل قال: إن ذكر -يعني المستعدي- أنه يدعي عليه حقاً من دَين أو غصب أعداه عليه كغير القاضي.
والأول أظهر من حيث الدلائل؛ لأنه لا بد من مزية القاضي على غيره.

الجزء: 4 - الصفحة: 536

وأما كونه يأمره بالخروج مما ادعى عليه إذا اعترف به؛ فلأن الحق توجه عليه باعترافه.
وأما كونه يحضره إذا أنكر وعَرفَ المتولي أن لما ادعاه المستعدي أصلاً؛ فلأن ذلك تعين طريقاً إلى استخلاص حق المستعدي.
وأما كونه إذا لم يعرف لما ادعاه على القاضي قبله أصلاً هل يحضره؟ على روايتين كغير القاضي؛ فلما تقدم من ذكر ذلك وتعليله فيه.
قال: (وإن قال: حكم عليّ بشهادة فاسقين فأنكر فالقول قوله بغير يمين.
وإن قال الحاكم المعزول: كنتُ حكمت في ولايتي لفلان على فلان بحقٍ قبل قوله.
ويحتمل أن لا يقبل).
أما كون القول قول القاضي إذا ادُعي عليه أنه حكم بشهادة فاسقين فأنكر فإنه لو لم يقبل قوله في ذلك؛ لتطرق المدعى عليهم إلى إبطال ما عليهم من الحقوق بالقول المذكور، وفي ذلك ضرر عظيم.
وأما كون ذلك بغير يمين؛ فلأن اليمين للتهمة، والقاضي ليس من أهلها.
وأما كون القول قوله إذا قال بعد عزله: كنتُ حكمتُ لفلان على فلان بحقٍّ على المذهب؛ فلأن عزله لا يمنع من قبول قوله.
بدليل ما لو كتب كتاباً إلى قاضٍ آخر ثم عزل فإنه يلزم الواصل إليه قبوله بعد عزل صاحبه.
ولأنه أخبر بما حكم به وهو غير متهم.
فوجب قبول قوله؛ كحال الولاية.
وأما كونه يحتمل أن لا يقبل؛ فلأنه في حال ولايته لا يحكم بعلمه فبعد عزله بطريق الأولى.
والأول أولى؛ لما تقدم.
وإخباره عن حكمه ليس حكماً بعلمه.
بدليل ما لو قال شخص: حكمتَ أن لي حداً على فلان.
فذَكَر الحاكم.
فإن له أن يحكم به.
قال: (وإن ادُعي على امرأة غير برزة لم يحضرها وأمرها بالتوكيل.
وإن وجبت عليها اليمين أرسل إليها من يحلفها).
أما كون القاضي إذا ادعي على امرأةٍ غير بَرْزَة.
وهي: التي لا تبرز لقضاء حوائجها: لا يحضرها؛ فلأن في إحضارها مشقة عليها، وحرجاً وضرراً شديداً.

الجزء: 4 - الصفحة: 537

وقد نبَّهَ الشرع على ذلك حيث قال: «واغدُ يا أنيس إلى امرأةِ هذا فإن اعترفتْ فارجمها» 39. وأما كونه يأمرها بالتوكيل؛ فلأجل فصل الخصومة بينها وبين خصمها.
وأما كونه يرسل إليها من يُحلّفها إذا وجب عليها اليمين؛ فلأن إحضارها غير مشروع، واليمين لا بد منها فتعين ذلك طريقاً لذلك.
قال: (وإن ادعى على غائبٍ عن البلد في موضعٍ لا حاكم فيه كتب إلى ثقاتٍ من أهل ذلك الموضع ليتوسطوا بينهما.
فإن لم يقبلوا قيل للخصم: حقق ما تدعيه.
ثم يحضره وإن بعُدت المسافة).
أما كون القاضي يكتب لمن ادعى على غائب عن البلد في موضع لا حاكم فيه إلى ثقاتٍ من أهل ذلك الموضع ليتوسطوا بينهما؛ فلأن ذلك طريق إلى قطع الخصومة مع عدم المشقة الحاصلة بالإحضار.
وأما كونه إذا لم يقبلوا يقول للخصم المدعي: حقق ما تدعيه ثم يحضر خصمه قربت المسافة أو بعُدت؛ فلأنه لا بد من فصل الخصومة.
فإذا لم يمكن إلا بذلك تعين فعله وإن تضمّن مشقة؛ كما لو امتنع الخصم الحاضر في البلد من الخصومة فإنه يؤدب ويعزر.
فإن قيل: يمكن أن يرسل من يقضي بينهما.
قيل: المشقة الحاصلة بالإرسال أكثر من المشقة الحاصلة بإحضار الخصم.
وعلى تقدير التساوي فالخصم أولى بحمل المشقة؛ لأنه المستعدى عليه.
وفي تقييد الموضع بأنه لا حاكم فيه إشعار بأنه إذا كان فيه حاكم لا يفعل ذلك.
وهو صحيح؛ لأن فصل الخصومة في بلد الخصم يمكنه.
فلم يجز تكلف المشقة مع إمكان الفصل بدونها.
فإن قيل: قد يكون شهوده ببلد القاضي إليه دون بلد الخصم.
قيل: يثبت حقه في موضع شهوده ثم يكتب القاضي كتاباً إلى بلد الخصم.

الجزء: 4 - الصفحة: 538

باب طريق الحكم وصفته

قال المصنف رحمه الله: (إذا جلس إليه خصمان فله أن يقول: من المدعي منكما؟ وله أن يسكت حتى يبتدئا.
فإن سبق أحدهما بالدعوى قدمه.
وإن ادعيا معاً قدم أحدهما بالقرعة.
فإذا انقضت حكومته سمع دعوى الآخر ثم يقول للخصم: ما تقول فيما ادعاه؟ . ويحتمل أن لا يملك سؤاله حتى يقول المدعي: اسأل سؤاله عن ذلك).
أما كون المتحاكم إليه له أن يقول للخصمين: من المدعي منكما؟ ؛ فلأن ذلك طريق إلى معرفة المدعي من المدعى عليه.
وأما كونه له أن يسكت حتى يبتدئَ المبتدئُ منهما؛ فلأن كلامه يستدعي طالباً له ولم يوجد.
وأما كونه يقدّم السابق بالدعوى؛ فلأنه ترجح جانبه بسبقه.
وأما كونه يقدّم أحدهما بالقرعة إذا تداعيا معاً؛ فلأنها مرجحة عند الازدحام.
بدليل: الإمامة والأذان.
وأما كونه يسمع دعوى الآخر إذا انقضت حكومة السابق؛ فلأن التزاحم قد زال.
وأما كونه يقول للخصم المدعى عليه: ما تقول فيما ادعاه؟ على المذهب؛ فلأن شاهد الحال يدل عليه؛ لأن إحضار الخصم والدعوى عليه إنما يُرادان ليقول الحاكم للمدعى عليه ذلك.
وأما كونه يحتمل أنه لا يملك سؤاله حتى يقول المدعي: اسأل سؤاله عن ذلك؛ فلأن الخصم لو أقر لم يملك الحاكم الحكم قبل المطالبة به فكذا السؤال.

الجزء: 4 - الصفحة: 539

قال: (فإن أقرّ له لم يحكم له حتى يُطالبه المدعي بالحكم.
وإن أنكر مثل أن يقول المدعي: أقرضته ألفاً أو بعته فيقول: ما أقرضني ولا باعني، أو ما يستحقُ عليّ ما ادعاه ولا شيئاً منه، أو لا حق له عليّ: صح الجواب).
أما كون الحاكم لا يحكم على المدعى عليه إذا أقر حتى يُطالبه المدعي بالحكم؛ فلأن الحكم على المدعى عليه حق للمدعي.
فلم يجز استيفاؤه إلا بمسألة مستحقه.
وأما كون جواب المدعى عليه صحيحاً إذا أنكر بنفي عين ما ادعاه المدعي، مثل أن يقول المدعي: أقرضته ألفاً فيقول المدعى عليه: ما أقرضني ذلك ولا شيئاً منه.
أو يقول: بعته فيقول: ما باعني.
أو ما أشبه ذلك فلا شبهة فيه؛ لنفيه عين ما ادعي عليه.
وأما كونه صحيحاً إذا أنكر بنفي معنى ما ادعاه؛ مثل أن يقول: أقرضته أو بعته فيقول المدعى عليه: ما يستحق عليّ ما ادعاه ولا شيئاً منه؛ فلأنه يفيد نفي ما ادعى عليه.
أشبه ما تقدم.
فإن قيل: لو قال: لا حق له عليّ.
قيل: يكون جوابه أيضاً صحيحاً؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم.
فتصير بمنزلة قوله: ما يستحق عليّ ما ادعاه ولا شيئاً منه.
قال: (وللمدعي أن يقول: لي بينة.
وإن لم يقل قال الحاكم: ألك بينة؟ . فإن قال: لي بينة أمره بإحضارها، فإذا أحضرها سمعها الحاكم وحكم بها إذا سأله المدعي).
أما كون المدعي له أن يقول: لي بينة؛ فلأن الحق له، والبينة طريق إلى تخليص حقه.
وأما كونه إذا لم يقل ذلك يقول الحاكم له: ألك بينة؟ ؛ فلما روي «أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم حضرمي وكندي.
فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا غلبَني على أرضٍ لي.
فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي وليسَ له فيها

الجزء: 4 - الصفحة: 540

حق.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا.
قال: فلك يمينه» 40. رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كونه إذا قال: لي بينة يأمره بإحضارها؛ فلأن إحضارها طريق إلى تخليص الحق.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: إذا ذكر -يعني المدعي- أن له بينة حاضرة لم يقل له الحاكم: أحضرها؛ لأن ذلك حق له فله أن يفعل ما يرى.
وطريق الجمع بين نقله هنا وبين نقله في المغني: أن يحمل أمره بالإحضار على الإذن له فيه؛ لأن حمل الأمر على حقيقته ينافيه.
ذكره المصنف رحمه الله في المغني، وينافي الدليل أيضاً.
وأما كونه إذا أحضر بينة يسمعها الحاكم؛ فلأن الإحضار من أجل السماع.
فإن قيل: كيف صفة ما يفعل الحاكم حتى يحصل له السماع؟ قيل: إذا حضرت البينة لا يقول الحاكم لها: قولي ما عندك بل يقول: من كانت عنده شهادة فليذكره إن شاء ما عنده.
وأما كون الحاكم يحكم بالبينة إذا سأله المدعي الحكم ببينته؛ فلأن الغرض من الدعوى وحضور البينة وسماعها: الحكم.
قال: (ولا خلاف في أنه يجوز له الحكم بالإقرار والبينة في مجلسه إذا سمعه معه شاهدان.
فإن لم يسمعه معه أحد أو سمعه معه 41 شاهد واحد فله الحكم به.
نص عليه، وقال القاضي: لا يحكم به).
أما كون الحاكم لا خلاف في أنه يجوز له الحكم بالإقرار والبينة في مجلس حكمه إذا سمعه معه شاهدان؛ فلأن التهمة الموجودة في الحكم بالعلم منتفية هاهنا.

الجزء: 4 - الصفحة: 541

وأما كونه له الحكم به إذا لم يسمعه معه أحد أو سمعه معه شاهد واحد على المنصوص عن الإمام أحمد؛ فلأن الحكم إذاً ليس محض حكمٍ بعلم.
وأما كونه لا يحكم به على قول القاضي؛ فلأنه حكم بعلمه، وذلك لا يجوز؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى.
قال: (وليس له الحكم بعلمه مما رآه أو سمعه.
نص عليه وهو اختيار الأصحاب.
وعنه: ما يدل على جواز ذلك سواء كان في حدٍ أو غيره).
أما كون الحاكم ليس له الحكم بعلمه على المذهب واختيار الأصحاب؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشر، ولعل بعضكمْ أن يكونَ ألحنَ بحجتهِ من بعض فأقضي له على نحوِ ما أسمعُ منه» 42. فدل على أنه يقضي بما يسمع لا بما يعلم.
وفي حديث الحضرمي والكندي: «شاهداكَ أو يمينه.
ليس لكَ منه إلا ذاك» 43. وأما كونه يجوز له ذلك على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له هند: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي.
قال: خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف» 44. فحكم لها من غير بينة ولا إقرار؛ لعلمه بصدقها.
وروى ابن عبدالبر في كتابه: أن عروة ومجاهداً رويا «أن رجلاً من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حداً في موضع كذا وكذا.
فقال عمر: إني لأعلمُ الناس بذلك وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان فأتني بأبي سفيان.
فأتاه به.
فقال له عمر: يا أبا سفيان انهض بنا إلى موضع كذا وكذا فنهضوا ونظر عمر فقال: يا أبا سفيان! خذْ هذا الحجر من هاهنا فضعه هاهنا.
فقال: والله لا أفعل.
فقال: والله! لتفعلن.
فقال: والله لا أفعل.
فعلاه

الجزء: 4 - الصفحة: 542

بالدرّة وقال: خذه لا أمَّ لك وضعه هاهنا ما علمت قد تم.
فأخذ أبو سفيان الحجر فوضعه حيث قال عمر.
ثم إن عمر استقبل القبلة وقال: الحمدُ لله.
اللهم! لكَ الحمدُ حيث لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام.
فاستقبل القبلة أبو سفيان وقال: اللهم! لك الحمد إذ لم تمتني حتى جعلتَ في قلبي من الإسلام ما أذل به لعمر».
فحكم بعلمه.
ولأن الحاكم يحكم بالشاهدين؛ لأنهما يغلبان على الظن.
فلأن يحكم بما تيقنه وتحققه أولى.
وأما كون الحاكم يجوز له الحكم بعلمه سواء كان في حدٍ أو غيره؛ فلأن المصحح للحكم المذكور العلم وهو موجود فيهما.
والرواية الأولى أصح؛ لما تقدم.
وأما حديث هند فلم يحكم لها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وإنما أفتاها به بدليل أنه قال ذلك بغير حضور أبي سفيان إذ الحكم على الحاضر في غيبته غير جائز.
وأما حديث عمر فمعارض بما روي عن عمر «أنه تداعى عنده رجلان.
فقال أحدهما: أنت شاهدي.
فقال: إن شئتما شهدت ولم أحكم، أو أحكم ولا أشهد» 45. وأما قياس اليقين على الظن فلا يصح؛ لقيام الفرق بينهما.
وهو: أن الحكم بعلمه فيه تهمة.
بخلاف الحكم بالشهادة.
قال: (وإن قال المدعي: ما لي بينة فالقول قول المنكر مع يمينه.
فيعلمه أن له اليمين على خصمه.
فإن سأل إحلافه أحلفه وخلى سبيله.
وإن أحلفه أو حلف هو من غير سؤال المدعي لم يُعتد بيمينه).
أما كون القول فيما ذكر قول المنكر؛ فلأن الأصل براءة ذمته.
وأما كون ذلك مع يمينه؛ فلاحتمال كون المدعي مُحقاً.
وأما كون الحاكم يُعلم المدعي أن له على خصمه اليمين؛ فلأنه موضع حاجة.

الجزء: 4 - الصفحة: 543

وأما كونه يحلف المدعى عليه إذا سأله المدعي ذلك؛ فلأن اليمين طريق إلى تخليص حقه.
فلزم الحاكم إجابة المدعي إليه؛ كسماع البينة.
وأما كونه يخلي سبيله إذا أحلفه؛ فلأنه لم يتوجه عليه حق.
وأما كونه إذا أحلفه أو حلف هو من غير سؤال المدعي لا يُعتد بيمينه؛ فلأنه أتى باليمين في غير موضعها.
قال: (وإن نكل قضى عليه بالنكول.
نص عليه واختاره عامة شيوخنا فيقول له: إن حلفتَ وإلا قضيتُ عليك ثلاثاً، فإن لم يحلف قضى عليه إذا سأله المدعي ذلك، وعند أبي الخطاب ترد اليمين على المدعي وقال: قد صوّبه أحمد وقال: ما هو ببعيد يحلف ويأخذ فيقال للناكل: لك رد اليمين على المدعي، فإن ردها حلف المدعي وحكم له.
وإن نكل أيضاً صرفهما).
أما كون الحاكم يقضي على المدعي بالنكول؛ فلأن اليمين لا ترد على المدعي؛ لما يأتي.
فيتعين القضاء بالنكول؛ لتعينه طريقاً إلى تخليص الحق، ودفعه إلى مستحقه.
ولأن النكول عن اليمين يدل على صدق المدعي؛ لأنه لو كان كاذباً لحلف المدعى عليه على نفي دعواه.
وأما كونه يقول للمدعى عليه: إن حلفتَ وإلا قضيتُ عليك ثلاثاً؛ فلأن النكول ضعيف.
فوجب اعتضاده بالتكرار.
وأما كونه يقضي على الناكل بشرط سؤال المدعي القضاء على المدعى عليه؛ فلأن القضاء حق للمدعي لا يفعل إلا بسؤاله.
فإن قيل: يشترط في القضاء بالنكول شيء آخر.
قيل: نعم.
وذلك أن لا يقال برد اليمين على المدعي وذلك هو المنصوص عن الإمام أحمد.
والأصل فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولكن اليمينَ على المدعَى عليه» 46. حصر اليمين في جانب المدعى عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 544

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البينةُ على المدعِي.
واليمين على المدعَى عليه» 47 جعل جنس اليمين في جنبة المدعى عليه كما جعل جنس البينة في جنبة المدعي.
وقال أبو الخطاب: ترد اليمين عليه؛ لما روى نافع عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ اليمينَ على طالبِ الحق» 48. فعلى هذا يقال للناكل: لك رد اليمين؛ لأنه موضع حاجة.
أشبه قوله: لك يمينه.
فإن ردها حلف المدعي وحكم له بالحق المدعى به؛ لأنه قد استكمل الشروط المعتبرة.
وإن نكل أيضاً صرفهما؛ لأنه لم يترجح أحدهما على صاحبه.
فوجب بقاؤهما على ما كانا عليه.
قال: (فإن عاد أحدهما فبذل اليمين لم يسمعها في ذلك المجلس حتى يحتكما في مجلسٍ آخر.
وإن قال المدعي: لي بينة بعد قوله: ما لي بينة لم تسمع.
ذكره الخرقي.
ويحتمل أن تسمع).
أما كون الحاكم لا يسمع اليمين إذا بُذلت بعد النكول في المجلس المذكور؛ فلأن اليمين فعله وهو قادر عليها فامتناعه منها يجب أن يكون مسقطاً لها.
وأما كونه يسمعها في مجلسٍ آخر؛ فلأن الدعوى فيه تصير محاكمة أخرى.
وأما كونه لا يسمع البينة بعد قوله: ما لي بينة على ما ذكره الخرقي؛ فلأن سماع البينة يحقق كذبه.
فيعود الأمر على خلاف المقصود.
وأما كونه يحتمل أن يسمعها؛ فلأنه يحتمل أنه نفى أن تكون له البينة بناء على أنه ما علم ذلك، ولو صرح بذلك سُمعت؛ لما يأتي فكذلك هاهنا.

الجزء: 4 - الصفحة: 545

قال: (وإن قال: ما أعلم لي بينة.
ثم قال: قد علمت لي بينة سُمعت.
وإن قال شاهدان: نحن نشهد لك فقال: هذان بينتي سُمعت.
وإن قال: ما أريد أن تشهدا لي لم يُكلّف إقامة البينة).
أما كون بينة المدعي تُسمع إذا قال: ما أعلم لي بينة ثم قال: قد علمت لي بينة؛ فلأن إقامته البينة لا يلزم منها كذبه؛ لأن علمه بها مع عدم علمه يتصور صدقه فيهما.
بخلاف ما تقدم.
وأما كونها تُسمع إذا قال: ما أعلم لي بينة فقال شاهدان: نحن نشهد بحقك؛ فلأن قول الشاهدين يجعل المدعي عالماً بأن له بينة فيصير بمنزلة ما لو قال: لا أعلم ثم قال: علمت بل أولى؛ لأنه هاهنا لا يُتهم.
بخلاف ما إذا قال: ما أعلم ثم قال: علمت.
وأما كون صاحب البينة لا يُكلَّف إقامة بينته إذا قال للشاهدين: ما أريد أن تشهدا لي؛ فلأن إقامتها حقٌ له، والإنسان لا يكلف أن يفعل حقه.
قال: (وإن قال: لي بينة وأريد يمينه: فإن كانت غائبة فله إحلافه.
وإن كانت حاضرة فهل له ذلك؟ على وجهين).
أما كون من ذكر له إحلافه مع غيبة البينة؛ فلأن ذلك تعين طريقاً إلى استخلاص حقٍّ ودفعه إلى مستحقه.
وأما كونه له ذلك مع حضور البينة على وجه؛ فلأنه أقرب لفصل الخصومة؛ لأن المدعى عليه ربما نكل.
فعجّل فصل الخصومة.
وأما كونه ليس له ذلك على وجه؛ فلأن فصل الخصومة لإحضار البينة فلا حاجة إلى اليمين.
قال: (وإن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بينته حُكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق).
أما كون الحاكم يحكم بالبينة فيما ذكر؛ فلأن حق المدعي ظهر بها.
وأما كون اليمين لا تكون مزيلة للحق؛ فلأن عمر رضي الله عنه قال: «البينةُ الصادقةُ أحبُ إليّ من اليمين الفاجرة».
وظاهر البينة المذكورة الصدق فيلزم فجور اليمين المتقدمة فتكون البينة أولى منها.

الجزء: 4 - الصفحة: 546

ولأن اليمين لو أزالت الحق لاجترأ الفسقة على أخذ أموال الناس.
قال: (وإن سكت المدعى عليه فلم يُقر ولم يُنكر قال له القاضي: إن أجبتَ وإلا جعلتُكَ ناكلاً وقضيتُ عليك.
وقيل: يحبسه حتى يجيب).
أما كون القاضي يقول للمدعى عليه: إن أجبتَ وإلا جعلتكَ ناكلاً وقضيتُ عليك على المذهب؛ فلأنه لو نكل لقال له: إن حلفتَ وإلا قضيتُ عليك فكذا إذا سكت يقول له: إن أجبتَ وإلا جعلتك ناكلاً وقضيتُ عليك.
والجامع بينهما: أن كل واحد من القولين طريق إلى ظهور الحق وقد وجب أحدهما في موضعه فليجب الآخر في موضعه.
وأما كونه يحبسه حتى يجيب على قول؛ فلأن اليمين حقٌ عليه.
فإذا امتنع من فعلها وجب حبسه؛ كما لو أقر بمالٍ وامتنع من أدائه.
قال: (فإن قال: لي مخرجٌ مما ادعاه لم يكن مجيباً.
وإن قال: لي حسابٌ أريد أن أنظرَ فيه لم يلزم المدعي إنظاره).
أما كون المدعى عليه لا يكون مجيباً إذا قال: لي مخرجٌ مما ادعاه؛ فلأن الإجابة إما بالإقرار أو بالإنكار، ولم يوجد واحد منهما.
ولأنه لو جُعل ما ذكر إجابة لاتخذ المبطلة ذلك القول ذريعة إلى إسقاط اليمين عنهم، وأكل أموال الناس بالباطل.
وأما كون المدعي لا يلزمه إنظار المدعى عليه إذا قال: لي حسابٌ أريد أن أنظرَ فيه؛ فلأن في ذلك تأخيراً لحق الطالب له.
فلم يلزم به؛ لما فيه من تأخير حقه.
ولأنه لو لزم الإنظار بذلك لاتخذه الناس وسيلةً إلى تأخير الحق والمدافعة عنه.
وفي ذلك ضررٌ شديد.
قال: (وإن قال: قد قضيته أو أبرأني ولي بينة بالقضاء أو بالإبراء وسأل الإنظار أُنظر ثلاثاً، وللمدعي ملازمته.
فإن عجز حلف المدعي على نفي ما ادعاه واستحق).
أما كون مدعي القضاء أو الإبراء يُنظر ثلاثاً؛ فلأن بينته لا تتكامل في أقل من ذلك ظاهراً.

الجزء: 4 - الصفحة: 547

وأما كون مدعي الحق له ملازمته؛ فلأن جنبته أقوى منه.
ولأن حقه قد ثبت في الظاهر.
ودعوى الإبراء الأصل عدمها 49. وأما كون المدعي يحلف على نفي ما ادعى عليه من القضاء أو الإبراء إذا عجز المدعى عليه عن إقامة بينته؛ فلأنه مدعىً عليه بذلك، ومن ادُعي عليه بشيء ولا بينة عليه حلف على نفي ما ادعي عليه.
وأما كونه يستحق ما ادعى به بعد ذلك؛ فلأن المدعى عليه أقر بالمدعى به وادعى إسقاطه بالقضاء أو بالإبراء، ولم يظهر واحد منهما.
فوجب أن يستحق ما ادعاه عملاً بالمقتضي له السالم عن معارضة القضاء والإبراء.
قال: (فإن ادعى عليه عيناً في يده فأقر بها لغيره جُعل الخصم فيها.
وهل يحلف المدعى عليه؟ على وجهين).
أما كون المقر له يُجعل الخصم في العين المدعى بها؛ فلأنه بإقرار صاحب اليد أن العين له وهي محل الخصومة.
فتعين أن يكون المقر له الخصم فيها.
وأما كون المدعى عليه يحلف على وجه؛ فلأنه لو أقر لزمه غرامة بدل العين؛ كما لو قال من في يده شيء: هذا لزيد.
ثم قال: لعمرو.
ومن لزمته الغرامة عند الإقرار لزمته اليمين عند الإنكار.
وأما كونه لا يحلف على وجه؛ فلأن الخصومة انتقلت إلى غيره.
فوجب أن ينتقل اليمينُ إلى ذلك الغير.
قال: (فإن كان المقرُ له حاضراً مكلفاً سُئل.
فإن ادعاها لنفسه ولم تكن له بينة حلف وأخذها.
وإن أقر بها للمدعي سُلمت إليه.
وإن قال: ليست لي ولا أعلم لمن هي سُلمت إلى المدعي في أحد الوجهين، وفي الآخر: لا تُسلم إليه إلا ببينة، ويجعلها الحاكم عند أمين).
أما كون المقر له يُسأل إذا كان حاضراً مكلفاً؛ فلأن الحال تختلف فإذا سُئل تبين المدعي من غيره.

الجزء: 4 - الصفحة: 548

وأما كونه يحلف إذا ادعى العين لنفسه ولم تكن له بينة؛ فلأنه كالمدعى عليه وقد أنكر فيجب أن يحلف؛ لقوله عليه السلام: «واليمينُ على من أنكر» 50. وأما كونه يأخذ العين المقر بها إذا حلف؛ فلأنه ظهر كونها له بإقرار مَن العين في يده واندفعت خصومة المدعي.
فوجب الأخذ عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض.
وأما كون العين تسلم إلى المدعي إذا أقر له بها المقر له؛ فلأن اليد صارت للمقر له بإقرار صاحب اليد فإذا أقر بها المقر له للمدعي وجب تسليمها إليه؛ كما لو ادعى شخصٌ عيناً في يد شخصٍ فأقر بها له.
وأما كونها تسلم إليه إذا قال المقر له: ليست لي ولا أعلم لمن هي في وجه؛ فلأنه يدعيها وغيره لا يدعيها فالظاهر أنها له لسلامتها عن مدع.
ولأن من هي في يده لو ادعاها ثم نكل قُضي بها للمدعي؛ فلأن يقضى بها له مع عدم ادعائه لها أولى.
وأما كونها لا تُسلم إليه إلا ببينة في وجه؛ فلأنه لم يثبت كونه مستحقها.
فعلى هذا يجعلها الحاكم عند أمين؛ لأن ذلك مال ضائع، والأموال الضائعة يحفظها الحاكم عند أمنائه.
قال: (وإن أقر بها لغائب أو صبي أو مجنون سقطت عنه الدعوى.
ثم إن كان للمدعي بينة سُلمت إليه.
وهل يحلف؟ على وجهين.
وإن لم تكن له بينة حلف المدعى عليه أنه لا يلزمه تسليمها إليه وأقرت في يده؛ إلا أن يقيم بينة أنها لمن سمى فلا يحلف.
وإن أقر بها لمجهول قيل له: إما أن تعرّفه أو نجعلك ناكلاً).
أما كون الدعوى تسقط عن المقر المذكور؛ فلأن الدعوى صارت على غيره.
وأما كون العين تسلم إلى المدعي إذا كانت له بينة؛ فلأن جانبه ترجح بالبينة.
وأما كون المدعي يحلف على وجه؛ فلأن الغائب والصبي والمجنون لا يقوم واحد منهم بالحجة فاحتاج إلى اليمين لتتأكد البينة.

الجزء: 4 - الصفحة: 549

وأما كونه لا يحلف على وجه؛ فلأن البينة وحدها كافية.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البينةُ على المدعِي واليمينُ على من أنكر» 51. فجعل البينة في جانب واليمين في الآخر.
وأما كون المدعى عليه يحلف أن العين لا يلزمه تسليمها إلى المدعي إذا لم يكن للمدعي بينة ولم يقم المدعى عليه بينة أن المدعى به لمن سمى؛ فلأنه لو أقر له لزمه الدفع، ومن لزمه الدفع مع الإقرار لزمته اليمين مع الإنكار.
وأما كونه تقر العين في يده؛ فلأن المدعي اندفعت دعواه إما باليمين فيما إذا حلف، أو بالبينة فيما إذا كانت بينة وغيره لا يدعيها.
فوجب بقاؤها على ما كان.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف أن إقرار العين في يد المدعى عليه فيما إذا لم يقم بينة أن المدعى به لمن سمى؛ لأنه قال: حلف المدعى عليه أنه لا يلزمه تسليمها إليه وأقرت في يده إلا أن يقيم بينه أنها لمن سمى.
جعل الاستثناء بعد ذكر اليمين وإقرار العين، ومع البينة لا يمين فكذا الإقرار.
قيل: ليس مراده ذلك وفي كلامه ما يدل عليه وهو قوله: فلا يحلف؛ لأنه لو أراد ما ذكر لم يكن له حاجة إلى قوله: فلا يحلف.
وأما كونه لا يحلف إذا أقام بينة بما ذكر؛ فلأن البينة أظهرت المستحق فتعين توجه عدم الحلف إليه.
وأما كونه إذا أقر بها لمجهول يقال له: إما أن تعرّفه أو نجعلك ناكلاً؛ فلأن الإقرار بالمجهول لا يصح.
فيقال له ذلك ليعرّفه فتعلم صفة الحكم المعتبر شرعاً.
فإن قيل: فما حكمه؟

الجزء: 4 - الصفحة: 550

قيل: إن أصرّ على قوله قضي عليه بما ادعي عليه؛ لأنه في معنى من ادعي عليه فسكت؛ لأن الجواب إذا لم يكن صحيحاً كان وجوده بمنزلة عدمه.

الجزء: 4 - الصفحة: 551

فصل [في شروط صحة الدعوى] قال المصنف رحمه الله: (ولا تصح الدعوى إلا محرّرة تحريراً يُعلم به المدعي؛ إلا في الوصية والإقرار فإنها تجوز بالمجهول.
فإن كان المدعَى عيناً حاضرة عيّنها.
وإن كانت غائبة ذكر صفاتها إن كانت تنضبط بها، والأولى ذكر قيمتها.
وإن كانت تالفةً من ذواتِ الأمثال ذكر قدرها وجنسها وصفتها.
وإن ذكر قيمتها كان أولى.
وإن لم تنضبط بالصفات فلا بد من ذكر قيمتها).
أما كون الدعوى لا تصح إلا محرّرة تحريراً يُعلم به المدعَى إذا كانت في غير الوصية والإقرار؛ فلأن الحاكم يسأل المدعى عليه عما ادعي عليه.
فإذا اعترف به ألزمه فإذا لم تكن الدعوى كذلك لم يكن إلزامه.
وأما كونها تجوز بالمجهول في الوصية والإقرار؛ فلأنهما يصحان بالمجهول، ولذلك لو وصى بشيء أو أقر بشيء صح.
وأما كون المدعي يُعيّن المدعى إذا كان عيناً حاضرة؛ فلأنه تتعين الدعوى فيه وينتفي فيه اللبس.
وأما كونه يذكر صفاتها إذا كانت غائبة وكانت مما تنضبط بها؛ فلأن التعيين لا يمكن والصفات المذكورة تقوم مقامه.
فوجب ذكرها؛ ليتميز المدعى به من غيره.
وأما كون الأولى ذكر قيمة العين؛ فلأن ذلك أضبط وأبلغ في تحرير الدعوى.
وأما كونه يذكر قدرها وجنسها وصفتها إذا كانت تالفةً وكانت من ذوات الأمثال كالمكيل والموزون؛ فلأن التالف يجب مثله إن كان مثلياً.
فافتقر إلى ذكر قدره وجنسه وصفته؛ كما يفتقر إلى ذكر ذلك إذا أسلم فيه.

الجزء: 4 - الصفحة: 552

وأما كونه يذكر 52 قيمتها إذا كانت تالفةً وكانت لا تنضبط بالصفات؛ فلأن الدعوى لا يُعلم بها المدعى إلا بذلك.
قال: (وإن ادعى نكاحاً فلا بد من ذكر المرأة بعينها إن حضرت وإلا ذكر اسمها ونسبها، وذكر شروط النكاح، وأنه تزوجها بولي مُرشدٍ وشاهدَيْ عدل ورضاها في الصحيح من المذهب.
وإن ادعى بيعاً أو عقداً سواه فهل يُشترط ذكر شروطه؟ يحتمل وجهين).
أما كون من ادعى نكاحاً لا بد له من ذكر المرأة بعينها إن كانت حاضرة؛ فلما تقدم فيما إذا ادعى عيناً حاضرة.
وأما كونه يذكر اسمها ونسبها إن لم تكن حاضرة؛ فلأنها لا تتميز إلا بذلك، ولا طريق إلى معرفتها إلا به.
وأما كونه يذكر شرائط النكاح في الحضور والغيبة في الصحيح من المذهب؛ فلأن الناس اختلفوا فيه فمنهم من اشترط الولي والشهود، ومنهم من لم يشترط.
فلم يكن بد من ذكر ذلك حتى يعلم القاضي الحال على ما هي عليه.
وأما كونه لا يذكر ذلك في روايةٍ؛ فلأنه نوع ملك.
فلم يُشترط ذكر شرائطه؛ كما لو ادعى بيعاً أو عقداً غيره.
والأول أولى؛ لما ذكر.
والفرق بين النكاح وبين البيع وغيره من العقود: أن الفروج يحتاط لها.
بخلاف غيرها.
وأما كون ذكر شروط البيع أو عقد غيره يُشترط في وجه؛ فلما ذكر في النكاح.
وأما كونه لا يُشترط في وجه؛ فلما بين النكاح وبين ما ذكر من الفرق المتقدم ذكره.

الجزء: 4 - الصفحة: 553

قال: (وإن ادعت المرأة نكاحاً على رجلٍ وادعت معه نفقةً أو مهراً سُمعت دعواها.
وإن لم تدع سوى النكاح فهل تسمع دعواها؟ على وجهين).
أما كون المرأة تُسمع دعواها إذا ادعت مع النكاح نفقةً أو مهراً؛ فلأنها دعوى مشتملة على استحقاق مالٍ.
فوجب أن تُسمع؛ كسائر الدعاوي المالية.
وأما كونها تُسمع إذا لم تدع سوى النكاح في وجه هو للقاضي؛ فلأن النكاح يتضمن حقوقاً لها.
أشبه ما إذا ادّعت مع النكاح مهراً.
وأما كونها لا تُسمع في وجه؛ فلأن النكاح لا يجوز بذله ولا يستحلف عليه.
فلم تسمع الدعوى له بمجرده.
قال: (وإن ادعى قتلَ موروثه ذكر القاتل وأنه انفرد به، أو شارك غيره، وأنه قتله عمداً أو خطأ أو شبه عمد، ويصفه.
وإن ادعى الإرث ذكر سببه).
أما كون من ادعى قتل موروثه يذكر ما ذكر؛ فلأن الحال تختلف باختلاف ذلك.
فلم يكن بد من ذكره؛ ليرتب الحاكم حكمه عليه.
وأما كون من ادعى الإرث يذكر سببه؛ فلما ذكر قبل.
قال: (وإن ادعى شيئاً محلّى قوّمه بغير جنس حليته.
فإن كان محلى بذهب وفضة قوّمه بما شاء منهما للحاجة).
أما كون من ادعى محلّى يقوّمه بغير جنس حليته؛ فلئلا يؤدي إلى الربا.
وأما كونه يقوّمه بما شاء من ذهب وفضة إذا كان محلى بهما؛ فلأن ذلك موضع حاجة إذ الثمينة منحصرة فيهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 554

فصل [في شروط البينة] قال المصنف رحمه الله: (وتُعتبر في البينة العدالةُ ظاهراً وباطناً في اختيار أبي بكر والقاضي.
وعنه: تقبل شهادةُ كل مسلمٍ لم تظهر منه ريبةٌ.
اختارها الخرقي.
وإن جُهل إسلامه رُجع إلى قوله.
والعمل على الأول).
أما كون العدالة تُعتبر في البينة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: 6].
والشهادة نبأ فيجب التثبت في شهادة غير العدل.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنةٍ ولا ذي غِمرٍ على أخيهِ ولا محدودٍ في الإسلام» 53. ولأن دِين الفاسق لا يردعه عن ارتكاب محظورات الدين، ولا تحصل الثقة بخبره.
وأما كونها تُعتبر فيها ظاهراً وباطناً في اختيار من ذكر؛ فلأن العدالة شرط لما تقدم.
فيكون العلم بها شرطاً؛ كالإسلام.
وأما كون شهادة من ذكر تقبل في روايةٍ اختارها الخرقي؛ فلأن ظاهر حال المسلم العدالة، ولهذا قال عمر: «المسلمونَ عدولٌ بعضهُم على بعض» 54. وروي «أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدَ برؤيةِ الهلال.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

الجزء: 4 - الصفحة: 555

أتشهد أن لا إله إلا الله؟ فقال: نعم.
فقال: أتشهد أني رسولُ الله؟ فقال: نعم.
فصامَ وأمرَ الناسَ بالصوم» 55. ولأن العدالة أمرٌ خفيٌ سببها الخوف من الله تعالى، ودليل ذلك: الإسلام.
فإذا وجد فليكتفَ به ما لم يقم دليل على خلافه.
فعلى هذه الرواية إن جُهل إسلامه رُجع إلى قوله؛ لأنه إن لم يكن مسلماً صار مسلماً بالاعتراف.
والأول المذهب؛ لما تقدم.
وأما دعوى أن ظاهر حال المسلم العدالة فممنوعة بل الظاهر عكس ذلك.
وأما قول عمر؛ فمعارَضٌ بما روي عنه «أنه أُتي بشاهدين، فقال لهما: لستُ أعرفكما ولا يضركما إن لم أعرفكما ... الحديث».
وأما الأعرابي؛ فكان صحابياً، والصحابة كلهم عدول.
قال: (وإذا علم الحاكم عدالتهما عمل بعلمه وحكم بشهادتهما؛ إلا أن يرتاب بهما فيفرقهما ويسأل كل واحد كيف تحملت الشهادة ومتى، وفي أيّ موضع.
وهل كنت وحدك أو أنت وصاحبك؟ فإن اختلفا لم يقبلهما.
وإن اتفقا وعظهُما وخوّفهما، فإن ثبتا حكم بهما إذا سأله المدعي).
أما كون الحاكم يعمل بعلمه في عدالة البينة؛ فلأنه لو لم يكتف بذلك لتسلسل؛ لأن المزكيين يحتاج إلى عدالتهما.
فإذا لم يعمل بعلمه احتاج كل واحد إلى مزكيين ثم كل واحد ممن يزكيهما إلى مزكيين إلى ما لا نهاية له.
وأما كونه يحكم بشهادتهما؛ فلأن شروط الحكم قد وجدت.
وأما كونه يفرّق الشاهدين ويسأل كل واحدٍ منهما السؤال المذكور إذا ارتاب فيهما؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه «أن سبعة نفر خرجوا ففُقدَ واحدٌ

الجزء: 4 - الصفحة: 556

منهم فأتت زوجته علياً فدعا الستة فسأل واحداً منهم عنه فأنكر.
فقال: الله أكبر فظن الباقون أنه اعترف.
فاستدعاهم فاعترفوا.
فقال للأول: قد شهدوا عليكَ وأنا قاتلكَ فاعترفَ فقتلهم».
وأما كونه لا يقبل شهادتهما إذا اختلفا؛ فلأن شرط الحكم الإقامة على الشهادة إلى حين الحكم.
وأما كونه يَعِظُهُما ويخوِّفُهما إذا اتفقا؛ فلأن ذلك سبب لتوقفهما بتقدير كونهما شاهدي زور.
وأما كونه يحكم بشهادتهما إذا ثبتا وسأل المدعي الحكم؛ فلأن الشرط ثباتُ الشاهد على شهادته إلى حين الحكم، وطلب المدعي الحكم، وقد وجد ذلك كله.
قال: (وإن جرحهما المشهود عليه كلف البينة بالجرح.
فإن سألَ الإنظارَ أُنظر ثلاثاً، وللمدعي ملازمته، فإن لم تقم بينة حكم عليه).
أما كون المشهود عليه يكلف إقامة البينة بالجرح إذا جرح الشاهدين؛ فلأنه ادعى دعوى توجب القدح في البينة وهو متهم فيه.
فلم يكن بد من تكليفه ذلك؛ لتحققه صدقه أو كذبه.
وأما كونه يُنظر ثلاثاً حتى يقيم البينة بالجرح إذا سأل الإنظار؛ فلأن تكليفه إقامتها في أقل من ذلك يشق ويضر.
وأما كون المدعي له ملازمة المدعى عليه؛ فلأن حقه قد توجه، والمدعى عليه يَدعي ما يُسقطه، والأصل عدمه.
وأما كون الحاكم يحكم على المدعى عليه إذا لم تقم بينة بالجرح؛ فلأن الحق قد وضح على وجه ولا إشكال فيه.
قال: (ولا يسمع الجرحُ إلا مُفسراً بما يقدح في العدالة إما أن يراه أو يستفيض عنه.
وعنه: أنه يكفي أن يشهد أنه فاسق وليس بعدل).
أما كون الجرح لا يسمع إلا مُفسراً كما ذكر على المذهب؛ فلأن الناس يختلفون كاختلافهم في شارب النبيذ.
فوجب أن لا يسمع مجرداً؛ لئلا يُجرح الشاهد بما لا يراه القاضي جَرحاً.

الجزء: 4 - الصفحة: 557

وأما كونه يكفي فيه أن يشهد أنه فاسق وليس بعدل على روايةٍ؛ فلأن العدالة تسمع مطلقاً فكذلك الجرح.
والأولة أولى.
والفرق بين الجرح وبين التعديل: أن التعديل يوافق الظاهر، والجرح ينقل عن الظاهر.
فلم يكن بد من معرفة الناقل؛ لئلا يعتقد نقله بما ليس بناقل.
قال: (وإن شهد عنده فاسقٌ يعرف حاله قال للمدعي: زدني شهوداً.
وإن جهل حاله طلب المدعي بتزكيته، ويكفي في التزكية شاهدان يشهدان أنه عدل رضي، ولا يحتاج أن يقول: عليّ ولي.
وإن عدله اثنان وجرحه اثنان فالجرح أولى).
أما كون الحاكم يقول للمدعي: زدني شهوداً إذا كان يعرف الحاكم فِسقَ من شهد عنده؛ فلأن ذلك يحصل المقصود مع الستر على الشاهد.
وأما كونه يُطالب المدعي بتزكية شهوده إذا جهلَ حالههم؛ فلأن الحكم بشهادتهم متوقف على تزكيتهم لما تقدم من أن العلم بالعدالة شرط كذلك.
وأما كون التزكية يكفي فيها شاهدان يشهدان أنه عدلٌ رضي من غير حاجة إلى أن يقال: عليّ ولي؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم﴾ [الطلاق: 2].
فإذا شهدا أنه عدل ثبت ذلك بشهادتهما فيدخل في عموم الآية؛ لأنه إذا كان عدلاً لزم أن يكون له وعليه وعلى سائر الناس وفي كل شيء فلا يحتاج إلى ذكره.
وأما كون جرح الاثنين أولى من تعديل الاثنين؛ فلأن الجارح معه زيادة علم خَفيت على المعدل.
فوجب تقديمه؛ لأن التعديل يتضمن نفي الريب والمحارم، والجارح يثبت ذلك، والمثبت مقدم على النافي.
ولأن الجارح يقول: رأيته يفعل كذا والمعدل مستنده أنه لم يره ويمكن صدقهما.
والجمع بين قوليهما بأن يكون الجارح رآه يفعل والمعدل لم يره.
إذا علم ذلك فظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الجرح إنما يقدم عند التساوي وليس كذلك بل لو كثر عدد المعدل فالجرح أولى؛ لما ذكر من الزيادة الحاصلة.

الجزء: 4 - الصفحة: 558

قال: (وإن سألَ المدعي حبسَ المشهودِ عليه حتى يزكي شهوده فهل يحبَس؟ على وجهين).
أما كون المشهود عليه يحبس فيما ذكر على وجه؛ فلأن جنبة المدعي ظهرت بإقامة البينة.
وأما كونه لا يحبس على وجه؛ فلأن الحبس عذاب والحق لم يثبت.
فلم يجز فعله بالنافي له السالم عن معارضة ثبوت الجرح.
قال: (وإن أقام شاهداً وسأل حبسه حتى يقيم الآخر حبسه إن كان في المال.
وإن كان في غيره فعلى وجهين).
أما كون من ذكر يحبس في المال؛ فلأن الشاهد وحده مع يمين المدعي كاف في ثبوته، واليمين إنما تتعين عند تعذر شاهدٍ آخر.
فلم يحصل التعذر بعد، وفي إطلاق المشهود عليه تضييع لحق من ظهر حقه.
وأما كونه هل يحبس في غيره؟ على وجهين؛ فلأن ذلك في معنى من أقيمت عليه بينة ولم تُزكَّ.
قال: (وإن حاكمَ إليه من لا يعرفُ لسانه تَرجمَ له من يعرفُ لسانه.
ولا يقبل في الترجمة والجرح والتعديل والتعريف والرسالة إلا قول عدلين.
وعنه: يقبل قول واحد).
أما كون من حاكم إليه من ذكر يُترجم له من يعرفُ لسان الخصم؛ فلأنه لا يعرف ما يترتب الحكم عليه إلا بذلك، وفي الحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر زيدَ بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود.
قال: فكنتُ أكتبُ لهم إذا كتبَ لهم وأقرأُ لهم إذا كتبُوا» 56. وأما كونه لا يقبل في الترجمة والجرح والتعديل والتعريف والرسالة إلا قول عدلين على المذهب؛ فلأن ذلك إثبات شيء يبني الحاكم حكمه عليه.
فافتقر إلى ذلك؛ كسائر الحقوق.

الجزء: 4 - الصفحة: 559

وأما كونه يُقبل في كل واحدٍ من ذلك قولُ واحدٍ على روايةٍ؛ فلما تقدم في حديث زيد.
ولأنه خبر عن شيء فاكتفي فيه بواحد؛ كالرواية.
والأولى أولى؛ لما تقدم.
والرواية تخالف الشهادة فلا يصح قياسها عليها.
قال: (ومن ثبتتْ عدالتُه مرة فهل يحتاج إلى تجديد البحث عن عدالته مرة أخرى؟ على وجهين).
أما كون من ذكر لا يحتاج إلى ذلك على وجه؛ فلأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
فلا يزول حتى يثبت الجرح.
وأما كونه يحتاج إليه على وجه؛ فلأن العيب يحدُث، وقد تتغير حاله فيصير ذلك مانعاً من العلم بالعدالة.
فلم يجز له القبول مع فوات الشرط.

الجزء: 4 - الصفحة: 560

فصل [في الدعوى على الغائب] قال المصنف رحمه الله: (وإن ادعى على غائبٍ أو مستترٍ في البلد أو ميتٍ أو صبي أو مجنون وله بينة سمعها الحاكم وحكم بها.
وهل يحلف المدعي أنه لم يبرئ إليه منه ولا من شيء منه؟ على روايتين.
ثم إذا قدم الغائب أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون فهو على حجته).
أما كون الحاكم يسمع بينة المدعي على غائب؛ فلأن عدم سماعها يفضي إلى تأخير الحق مع إمكان استيفائه.
وأما كونه يُحكم بها؛ فلأن السماع من أجل الحكم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على أبي سفيان في حديث هند ولم يكن حاضراً 57. وأما كونه يسمع بينة المدعي على مستترٍ في البلد ويحكم بها؛ فلأن حضوره ممتنع.
أشبه الغائب.
وأما كونه يسمع بينة المدعي على ميتٍ أو صبي أو مجنون ويحكم بها؛ فلأن كل واحد ممن ذكر عاجز عن الجواب المقصود من الحضور.
فوجب أن يلحق بالغائب.
وأما كون المدعي يحلف أنه لم يبرئ من المدعى به ولا من شيء منه على روايةٍ؛ فلأن الحاكم مأمور بالاحتياط في حق من ذكر؛ لأنه لا يعبر واحد منهما عن نفسه، ويجوز أن يكون المدعي قد استوفى ما قامت به البينة أو أبرأه منه.
فافتقر الحال إلى اليمين؛ ليندفع ذلك الجواز.
وأما كونه لا يحلف على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البينة على المدعى عليه 58.

الجزء: 4 - الصفحة: 561

ولأنه أقام بينة بحقه.
فلم يستحلف؛ كما لو أقامها على حاضرٍ مكلف.
وأما كون المحكوم عليه على حجته إذا زال المعارض فإنه لو كان حاضراً لكان على حجته.
فإذا زال المعارض عمن ذكر أشبه الحاضر المكلف.
قال: (وإن كان الخصم في البلد غائباً عن المجلس لم تُسمع البينة حتى يحضر.
فإن امتنع من الحضور سُمعت البينة وحُكم بها في إحدى الروايتين، وفي الأخرى لا تُسمع حتى يحضر.
فإن أبى بُعث إلى صاحب الشرطة ليحضره.
فإن تكرر منه الاستتار أُقعد على بابه من يضيّق عليه في دخوله وخروجه حتى يحضر).
أما كون الحاكم لا يسمع بينة المدعي على حاضرٍ قبل حضوره؛ فلأن حضوره ممكن.
فلم يجز الحكم عليه مع حضوره، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقض للأول حتى تسمع كلام الثاني» «1). وأما كونه تُسمع بينة المدعي على حاضرٍ يمتنع من الحضور في روايةٍ؛ فلأنه إذا سمعت البينة على غائب وحكم بها.
فلأن تسمع على الحاضر الممتنع بطريق الأولى.
ولأن 60 الحاضر الممتنع لا عذر له، وفي الحديث أن أبا موسى قال: «كانَ الخصمان إذا اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتعد الموعد فوفى أحدهما ولم يفِ الآخر قضَى للذي وفى منهما».
وأما كونه لا تسمع بينته عليه في روايةٍ؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام: «لا تقض للأول حتى تسمعَ كلامَ الثاني» 61. فعلى هذا يبعث من يحضره فإن لم يحضر معه بعث إلى صاحب الشرطة ليحضره.
فإن استتر أَقعد على بابه من يضيّق عليه.59

الجزء: 4 - الصفحة: 562

قال: (وإن ادعى أن أباه مات عنه وعن أخٍ له غائب وله مال في يد فلان أو دينٌ عليه فأقر المدعى عليه أو ثبتت ببينة سُلم إلى المدعي نصيبه، وأخذ الحاكم نصيب الغائب فحفظه له.
ويحتمل أنه إذا كان المال دَيناً أن يُترك نصيب الغائب في ذمة الغريم حتى يقدُم).
أما كون نصيب المدعي يُسلم إليه؛ فلأن حقه ثبت، وذلك يوجب تسليم نصيبه إليه.
وأما كون الحاكم يأخذ نصيب الغائب؛ فلأنه ثبت حقه.
فتعين أخذه؛ ليحفظه له.
وأما كونه يحتمل أن يترك نصيبه إذا كان المال ديناً؛ فلأن أخذه يعرضه للتلف، وفي ذلك تفويتٌ لحقه بالكلية.
فلم يجز؛ كما لو تيقن تلفه بأخذه.
قال: (وإن ادعى إنسان أن الحاكمَ حكمَ له بحقٍ فصدقه قُبل قول الحاكم وحده.
وإن لم يذكر الحاكم ذلك فشهد عدلان أنه حكم له به: قُبل شهادتهما وأمضى القضاء.
وكذلك إن شهدا أن فلاناً وفلاناً شهدا عندكَ بكذا قُبل شهادتهما).
أما كون الحاكم يقبل قوله وحده إذا صدق المدعي في دعواه؛ فلأنه قولٌ صدر من حاكم في حال ولايته.
فوجب قبول قوله؛ كما لو أقرّ خصمه في مجلس الحكم فسأل المدعي الحاكم عن إقراره فقال: نعم.
فإن قيل: أليس قد قيل: لا يحكم الحاكم بعلمه؟ قيل: ليس هذا حكم بالعلم بل إمضاء لحكمه السابق.
وأما كونه يقبل شهادة العدلين أنه حكم للمدعي بدعواه ويمضي القضاء؛ فلأن العدلين لو شهدا عنده بحكم غيره قبل شهادتهما وأمضى القضاء فكذا إذا شهدا عنده بحكمه؛ لأنهما شهدا بحكم حاكم.
فإن قيل: لو نسي الشاهد شهادته فشهد عنده عدلان أنه شهد لم يكن له أن يشهد.
فما الفرق؟ قيل: الفرق بينهما أن الحاكم يُمضي ما حكم به إذا ثبت عنده، والشاهد لا يقدر على إمضاء شهادته.

الجزء: 4 - الصفحة: 563

وأما كونه يقبل شهادة من شهد عنده أن فلاناً وفلاناً شهدا عندك بكذا وكذا؛ فلأنه في معنى قبول شهادتهما عنده أنه حكم.
قال: (وإن لم يشهد به أحدٌ لكن وجده في قمطره في صحيفة تحت ختمه بخطه فهل ينفذُه؟ على روايتين).
أما كون الحاكم ينفذُ ذلك على روايةٍ؛ فلأنه متى كان كذلك لم يكن إلا صحيحاً.
وأما كونه لا ينفذُ على روايةٍ؛ فلأنه يحتمل أن يزور على خطه وعلى ختمه، ويشتبه عليه ذلك.
قال: (وكذلك الشاهد إذا رأى خطه في كتاب بشهادة ولم يذكرها فهل له أن يشهد بها؟ على روايتين).
أما كون الشاهد له أن يشهد بذلك على روايةٍ كما أن للحاكم أن يحكم به على روايةٍ؛ فلأن الشاهد هنا بمنزلة الحاكم إذا رأى خطه تحت ختمه معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلما ذكر في الحاكم من الاشتباه عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 564

فصل [فيمن قدر على أخذ حقه] قال المصنف رحمه الله: (ومن كان له على إنسانٍ حقٌ ولم يمكنه أخذه بالحاكم وقدر له على مال لم يجز أن يأخذ قدر حقه نص عليه، واختاره عامة شيوخنا.
وذهب بعضهم من المحدثين إلى جواز ذلك، فإن قدرَ على جنس حقه أخذ بقدره، وإلا قوّمه وأخذ بقدره متحرياً للعدل في ذلك لحديث هند: «خُذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف» 62، ولقوله عليه السلام: «الرهنُ مركوبٌ ومحلوبٌ» (2». أما كون من ذكر إذا قدر على ما ذكر لا يجوز له أن يأخذ قدر حقه على المنصوص واختيار عامة الأصحاب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أدّ الأمانةَ إلى من ائتمنك، ولا تخنْ من خَانك» 64. والآخذ بقدر حقه من مال غيره بغير إذنه خائن له فيدخل في الحديث.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل مالُ امرئ مسلمٍ إلا عن طيبِ نفسه» 65. والمأخوذ على هذا الوجه ليس كذلك؛ لأن المأخوذ على هذا الوجه إن كان من جنس الحق فتعيينه بغير رضى صاحبه لا يجوز.
ضرورة أن التعيين إليه، وإن كان من غير جنسه كان معاوضة، والمعاوضة بغير رضى مالك العوض لا تجوز.63

الجزء: 4 - الصفحة: 565

وأما كونه يجوز له على قول بعض الأصحاب؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من حديث هند، وحديث الرهن.
فعلى هذا يجب أن يتحرّى الآخذ العدل.
فإن كان المأخوذ من جنس الحق لا يزيد على ذلك، وإن كان من غير جنسه لا يزيد على حقه؛ لأن الزائد على ذلك لا مقابل له.
والأول أولى؛ لما تقدم.
وأما حديث هند فقد أشار الإمام أحمد إلى الفرق وهو أن حق الزوجة واجبٌ في كل وقت والمحاكمة في كل لحظة تشق.
بخلاف من له دينٌ.
وفرّق أبو بكر من أصحابنا بفرقٍ آخر وهو أن قيام الزوجية كقيام البينة.
ولأن المرأة لها من التبسط في ماله بحكم العادة ما يؤثر في أخذ الحق وبذل اليد فيه.
بخلاف الأجنبي.
قال: (وحكمُ الحاكمِ لا يُزيل الشيء عن صفته في الباطن.
وذكر ابن أبي موسى عنه روايةً: أنه يُزيل العقودَ والفسوخ).
أما كون حكمُ الحاكم لا يُزيل الشيء عن صفته في الباطن في غير العقود والفسوخ مثل: أن يشهد شاهدا زورٍ أن لفلان على آخر مائة فيحكُم الحاكم بذلك بناء على ما ظهر له من عدالتهما وما أشبهه بلا خلاف في المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم يكون ألحنَ بحجته من بعضٍ فأقضي له على نحوِ ما أسمع منه.
فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيهِ فكأنما أقطعُ له قطعةً من النار» 66. متفق عليه.
وأما كونه لا يُزيل في الباطن في العقود والفسوخ؛ مثل: أن يدّعي شخص نكاحاً أو بيعاً ويقيم شاهدَي زورٍ بذلك فيحكُم له الحاكم به ظناً منه أنهما عدلان، أو تدعي امرأة طلاقاً أو فسخ نكاح وتقيم بذلك شاهدي زورٍ فيحكُم

الجزء: 4 - الصفحة: 566

الحاكم بذلك وما أشبهه على المذهب؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام: «فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيه» 67. وأما كونه يُزيله على روايةٍ؛ فلما روي عن علي رضي الله عنه «أن رجلاً ادعى على امرأةٍ نكاحًا فرُفعا إلى علي.
فشهد له شاهدان بذلك فقضى بينهما بالزوجية.
فقالت: والله ما تزوجني يا أميرَ المؤمنين.
اعقِد بيننا عقدًا حتى أحل له.
فقال: شاهداكِ زوَّجاك».
فعلى هذا يحل لمدعي النكاح وطء المرأة المشهود عليها للحديث، ولمدعي البيع التصرف في العين المبيعة، ولمن علم كذبَ شهود الطلاق أن يتزوج بالمرأة؛ لأنه في معنى ما تقدم ذكره.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وحديث علي لا حجة فيه؛ لأنه أضاف التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه.

الجزء: 4 - الصفحة: 567

باب حكم كتاب القاضي إلى القاضي

الأصل في كتاب القاضي إلى القاضي كالأصل في كتاب الأمير إلى الأمير.
والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿إني أُلقي إليَّ كتابٌ كريمٌ? إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: 29 - 30]. وأما السنة؛ فهو «أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وملوك الأطراف» 68. وأما الإجماع؛ فأجمعت الأمة على قبول كتاب القاضي والأمير إلى مثليهما.
وأما المعنى؛ فلأن الحاجة داعية إلى قبوله.
فإن من له حق في بلد غيره لا يمكنه إثباته ومطالبته إلا بكتاب القاضي وذلك يقتضي وجوب قبوله.
قال المصنف رحمه الله: (يُقبل كتابُ القاضي إلى القاضي في المال وما يقصد به المال؛ كالقرض والغصب والبيع والإجارة والرهن والصلح والوصية له والجناية الموجبة للمال.
ولا يقبل في حدٍّ لله تعالى.
وهل يقبل فيما عدا ذلك مثل: القصاص والنكاح والطلاق والخلع والعتق والنسب والكتابة والتوكيل والوصية إليه؟ على روايتين).
أما كون كتاب القاضي إلى القاضي يقبل في المال وما قصد منه المال؛ فلأن ذلك في معنى الشهادة على الشهادة، وهي في المال وما قصد منه المال مقبولة فكذلك يجب أن تكون مقبولة فيما هو في معناها.
وأما كونه لا يقبل في كل حدٍّ لله تعالى؛ فلأن الحد لله تعالى مبني على الستر، والدرأ بالشبهات، والإسقاط بالرجوع فيها.

الجزء: 4 - الصفحة: 568

وأما كونه يقبل في القصاص وباقي الصور المذكورة على روايةٍ؛ فلأنه حق لا يدرأ بالشبهة.
أشبه المال.
وأما كونه لا يقبل على روايةٍ؛ فلأنه حق لا يثبت إلا بشاهدين.
أشبه حد القذف.
قال: (فأما حد القذف فإن قلنا: هو لله تعالى فلا يقبل فيه.
وإن قلنا: لآدمي فهو كالقصاص).
أما كون القذف لا يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي إذا قيل: هو لله تعالى؛ فلما ذكر في كل حدٍّ لله تعالى.
وأما كونه كالقصاص إذا قيل: لآدمي؛ فلأنه حينئذ يساوي القصاص؛ لاشتراكهما في كون كل واحدٍ منهما حقاً لآدمي.
قال: (ويجوز كتاب القاضي فيما حكم به لينفذه في المسافة القريبة ومسافة القصر، ويجوز فيما ثبت عنده ليحكم به في المسافة البعيدة دون القريبة).
أما كون كتاب القاضي يجوز فيما حكم به؛ مثل: أن يحكم على رجلٍ بحق فيتغيب قبل إيفائه، أو تقوم بينة على غائب عند حاكمٍ فيسأله صاحب الحق الحكم عليه فيحكم عليه، أو ما أشبه ذلك؛ فلأن الحاجة داعية إليه.
وأما كون الواصل إليه ينفذه بَعُدت مسافته أو قربت؛ فلأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حاكم.
وأما كونه يجوز فيما يثبت عنده؛ فلما تقدم من العلة المذكورة.
وأما كون الواصل إليه يحكم به في المسافة البعيدة دون القريبة؛ فلأن ذلك نقل شهادة.
فوجب أن يُعتبر فيه ما يُعتبر في الشهادة.
قال: (ويجوز أن يكتبَ إلى قاضٍ مُعين وإلى من يصل إليه كتابي هذا 69 من قضاة المسلمين وحكامهم).

الجزء: 4 - الصفحة: 569

أما كون القاضي يجوز أن يكتب إلى مُعين فلا إشكال فيه، ولذلك كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر 70. وأما كونه يجوز أن يكتب إلى من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم؛ فلأن الكتاب المذكور كتابٌ واصلٌ إلى حاكم.
أشبه ما إذا كتب إلى معين.
قال: (ولا يقبلُ الكتابُ إلا أن يشهد به شاهدان يحضرهما القاضي الكاتب فيقرأه عليهما ثم يقول: أُشهدكما أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان ويدفعه إليهما، وإذا وصلا إلى المكتوب إليه دفعا إليه الكتاب وقالا: نشهد أن هذا كتاب فلان إليك كتبه من عمله وأشهدنا عليه.
والاحتياط أن يشهدا بما فيه ويختمه.
ولا يشترط ختمه).
أما كون كتاب القاضي لا يقبل الكتاب إلا أن يشهد به عدلان؛ فلأنه نقل حكمٍ أو نقل إثباتٍ.
فلم يكن فيه بد من شهادة عدلين؛ كالشهادة على الشهادة.
وأما كون القاضي يحضرهما فيقرأه عليهما؛ فلأن تحمل الشهادة بغير معرفة المشهود به غير جائز.
وقول المصنف رحمه الله: فيقرأه عليهما ليس بواجب في القبول بل قراءته هي الواجبة، سواء كانت من الحاكم أو غيره لكن الأولى أن يقرأه الحاكم؛ لأنه أبلغ، ولذلك ذكره المصنف رحمه الله.
وأما كونه يقول: أُشهدكما أن هذا كتابي إلى فلان؛ فلأنه يحملهما الشهادة.
فوجب أن يعتبر فيه إشهاده؛ كالشهادة على الشهادة.
ويقوم مقام إشهاده بأن الكتابَ كتابه إشهادهما عليه بما في الكتاب.
فلو اقتصر على قوله: هذا كتابي إلى فلان لم يجز؛ لعدم الإشهاد المشترط.
وأما كونه يدفعه إليهما؛ فلأنه لو لم يدفعه إليهما لم يمكنهما الأداء إلا بناء على الخط، وهو غير جائز.

الجزء: 4 - الصفحة: 570

وأما كون الشاهدين إذا وصلا إلى المكتوب إليه يدفعان الكتاب ويقولان: نشهد أن هذا كتاب فلان إليك؛ فلأن القبول متوقف على ذلك.
وأما كونهما يقولان: كتبه من عَمَلِه وأشهدنا عليه؛ فلأن الكتاب إنما يقبل من قاضٍ وذلك يستدعي وجود الكتابة والإشهاد عليه في موضع قضائه.
وأما كون الاحتياط الإشهاد بما في الكتاب مع ختمه؛ فلأن ختم الكتاب أبلغ في المعنى.
وأما كون الكتاب لا يشترط ختمه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتبَ كتاباً إلى قيصر ولم يختمه.
فقيل: إنه لا يقرأُ كتاباً غير مختوم فاتخذَ الخاتم» 71. قال: (وإن كتب كتاباً وأدرجه وختمه وقال: هذا كتابي إلى فلان اشهدا عليّ بما فيه لم يصح؛ لأن أحمد قال فيمن كتب وصية وختمها ثم أشهد على ما فيها: فلا حتى يُعلمه ما فيها.
ويتخرج الجواز لقوله: إذا وُجدت وصية الرجلِ مكتوبةً عند رأسه من غير أن يكون أشهدَ أو أعلمَ بها أحداً عند موته وعُرف خطه وكان مشهوراً فإنه ينفذ ما فيها.
وعلى هذا إذا عُرف المكتوب إليه أنه خط القاضي الكاتب وختمه جاز قبوله.
والعمل على الأول).
أما كون إشهاد القاضي على كتابه المختوم لا يصح؛ فلأن الشاهدين شهدا بالمجهول.
فلم تصح شهادتهما؛ كما لو شهدا أن لفلان على فلان مالاً.
وأما قول المصنف رحمه الله: لأن أحمد؛ فتنبيه على جهة الأصل المستفاد منه الحكم المذكور.
وأما كون الجواز يتخرج على القول بالوصية المذكورة؛ فلأنهما سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وأما كون المكتوب إليه على هذا إذا عرف خط القاضي الكاتب وختمه يجوز له قبوله؛ فلأن القبول هنا كتنفيذ الوصية المذكورة.
وأما كون العمل على الأول؛ فلأن الدليل الأول أولى فكان العمل به أولى.

الجزء: 4 - الصفحة: 571

قال: (وإذا وصل الكتاب فأحضر المكتوبُ إليه الخصم المحكوم عليه في الكتاب فقال: لستُ فلان ابن فلان فالقول قوله مع يمينه؛ إلا أن تقوم به بينة.
فإن ثبت أنه فلان ابن فلان ببينة أو إقرار فقال: المحكوم عليه غيري لم يقبل منه إلا ببينة تشهد أن في البلد من يساويه فيما سمي ووصف به فيتوقف حتى يعلم المحكوم عليه 72 منهما).
أما كون القول قول الخصم المحكوم عليه في الكتاب في قوله: لستُ فلان ابن فلان ما لم تقم به بينة؛ فلأن الأصل عدم تسميته بذلك.
ولأنه يُدعى عليه أن اسمه ذلك وهو يُنكره، والقول قول المنكر مع يمينه.
وأما كونه لا يقبل قوله إذا قامت بينة بذلك؛ فلأن القول معارض بالبينة، وهي راجحة.
فوجب أن لا يقبل قوله؛ لكونه مرجوحاً بالنسبة إلى البينة.
وأما كونه لا يقبل قوله إذا ثبت أنه فلان ابن فلان فقال المحكوم عليه: غيري ولا بينة له تشهد بدعواه؛ فلأن الظاهر عدم المشاركة في الصفات والأسماء، والحكم قد توجه على من سُمي ووصف، والاسم والصفة موجودان فيه.
فلم يقبل قوله في نفي ذلك.
وأما كونه يقبل قوله إذا أقام بينة أن في البلد من يساويه فيما سمي ووصف؛ فلأن الحق يحتمل أن يكون على المشارك له.
وأما كون القاضي يتوقف حتى يعلم المحكوم عليه منهما؛ فلأنه شاكٌّ فيه.
قال: (وإن تغيرت حالُ القاضي الكاتب بعزلٍ أو موتٍ لم يقدح في كتابه.
وإن تغيرت بفسقٍ لم يقدح فيما حكم به، وبطل فيما ثبت عنده ليحكم به.
وإن تغيرت حال المكتوب إليه فلمن قام مقامه قبول الكتاب والعمل به).
أما كون تغيّر حال القاضي الكاتب بعزل أو موت لا يقدح في كتابه؛ فلأن التعويل في الكتاب على الشاهدين وهما حيان.
فوجب أن يقبل الكتاب؛ كما لو لم يمت أو ينعزل.

الجزء: 4 - الصفحة: 572

ولأن الكتاب إن كان فيما حكم به فحكمه لا يبطل بالعزل والموت، وإن كان فيما ثبت عنده فهو أصل واللذان شهدا عليه فرع، ولا تبطل شهادة الفرع بموت شاهد الأصل.
وأما كون تغير حال القاضي الكاتب بفسقٍ لا يقدح فيما حكم به؛ فلأنه لو حكم بشيء ثم فسق لم يتغير حكمه فكذا إذا فسق القاضي الكاتب بعد أن كتب.
وأما كون كتابه يبطل فيما ثبت عنده ليحكم به؛ فلأن شرط الحكم بقاء الحاكم بصفة العدالة إلى حين الحكم ولم يوجد هنا.
بيان اشتراط ذلك في الحاكم أن الشاهد يشترط فيه ذلك.
فلأن يشترط في الحاكم بطريق الأولى.
وأما كون من قام مقام القاضي المكتوب إليه إذا تغيرت حاله يَقبل الكتاب ويعمل به؛ فلأن التعويل على شهادة الشاهدين وهما موجودان بشرطهما.
ويُحكى «أن قاضي الكوفة كتب إلى إياس بن معاوية قاضي البصرة كتابًا فوصل إليه وقد عُزل وولي الحسن؛ فلما وصل الكتاب عمل به».

الجزء: 4 - الصفحة: 573

فصل [في كتابة محضر بالحكم] قال المصنف رحمه الله: (وإذا حكمَ عليه فقال له: اكتب لي إلى الحاكم الكاتب أنك حكمتَ عليّ حتى لا يحكم عليّ ثانياً لم يلزمه ذلك، ولكنه يكتبُ له محضراً بالقضية).
أما كون القاضي لا يلزمه أن يكتب إلى الحاكم الكاتب أنه حكم عليه؛ فلأن الحاكم إنما يكتب فيما ثبت عنده ليحكم غيره، أو فيما حكم به لينفذه، وكلاهما مفقود هنا.
وأما كونه يكتب له محضراً بالقضية؛ فلأنه إذا لم يكتب له ربما حكم عليه غيره ثانياً وفيه ضرر والضرر ينفى شرعاً.
قال: (وكل من ثبتَ له عند حاكمٍ حقٌ أو ثبتت براءته مثل إن أنكر وحلفه الحاكم فسأل الحاكم أن يكتبَ له محضراً بما جرى ليثبت حقه أو براءته لزمه إجابته.
وإن سأل من ثبت محضره عند الحاكم أن يسجل به فعل ذلك وجعله نسختين نسخة يدفعها إليه والأخرى يحبسها عنده.
والورق من بيت المال، فإن لم يكن فمن مال المكتوب له).
أما كون الحاكم يلزمه إجابة من سأله: أن يكتب له محضراً بما ثبت عنده من حق أو براءة؛ فلأنه حقه قد ثبت عنده، وربما تعذر عليه إثبات ذلك في وقت آخر.
فوجب أن يكتب له محضراً بيده عند طلبه؛ لتبقى حجته في يده.
وأما كون الحاكم يفعل ما سأله من ثبت محضره عنده من التسجيل به؛ فلأن المحضر بتسجيله يصير حجة لصاحبه فيلزم الحاكم أن يشهد عليه شاهدين أنه أقر له.
وأما كون السجل يجعل نسختين؛ فلأن صاحب المحضر يحتاج إلى نسخةٍ تكون بيده، وديوان الحكم يحتاج إلى أخرى تكون فيه حتى إن هلكت النسخة

الجزء: 4 - الصفحة: 574

التي في يد صاحب المحضر تبقى التي في ديوان الحكم، ولذلك قال المصنف رحمه الله: نسخة يدفعها إليه والأخرى يحبسها عنده.
وأما كون الورق من بيت المال؛ فلأن ذلك من المصالح.
وأما كونه من المكتوب له إذا لم يكن في بيت المال شيء؛ فلأنه الطالب لذلك؛ لأن معظم الحاجة له.
قال: (وصفة المحضر: بسم الله الرحمن الرحيم حضر القاضيَ فلان بن فلان الفلاني قاضيَ عبدالله الإمام على كذا.
وإن كان نائبًا كتب: خليفة القاضي فلان قاضي عبدالله الإمام في مجلس حكمه وقضائه بموضع كذا مُدعٍ ذكر أنه فلان بن فلان وأحضر معه مدعى عليه ذكر أنه فلان بن فلان فادعى عليه كذا فأقر له أو فأنكر.
فقال القاضي للمدعي: ألك بينة؟ فقال: نعم.
فأحضرَها وسأله سماعَها، فَفعل أو فأنكر ولم تقم له بينة، وسأل إحلافه فأحلفه.
وإن نكل عن اليمين ذكر ذلك وأنه حكم عليه بنكوله.
وإن رد اليمين عليه فحلّفه حكى ذلك، وسأله أن يكتب له محضرٍاً بما جرى فأجابه إليه في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، ويعلم في الإقرار والإحلاف جرى الأمر على ذلك.
وفي البينة: شهدا عندي بذلك).
أما قول المصنف رحمه الله: وصفة المحضر ... إلى قوله: ويعلم؛ فبيان لصفة المحضر ليعلم الكاتبُ صفة المحضر المعتبرة فيه شرعاً، وكيف تكون الكتابة إذا كان المدعى عليه مقراً أو منكراً قامت عليه البينة، أو منكراً لم تقم عليه البينة فحلفه الحاكم، أو ناكلاً محكوماً عليه بنكوله، أو راداً لليمين على المدعي.
والغرض: تبيين الحال على ما هي عليه؛ ليكون المحضر وافياً بما جرى، محصّلاً لمقصوده، جامعاً للشرائط المعتبرة.
وأما كون القاضي يعلم في الإقرار والإحلاف جرى الأمر على ذلك؛ فلأن الإقرار والإحلاف أمرٌ جرى فالعلامة فيه بما ذكر تحقيق للقضية وإخبار عنها.
وأما كونه يعلم في البينة شهدا عندي بذلك؛ فلأن الواقع شهادة، والمخبر عنها بذلك صادق.

الجزء: 4 - الصفحة: 575

قال: (وأما السجل فهو لإنفاذ ما ثبت عنده والحكم به.
وصفته أن يكتب: هذا ما أشهد عليه القاضي فلان بن فلان، ويذكر ما تقدم مَن حضره من الشهود أشهدهم أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان، وقد عرفهما بما رأى معه قبول شهادتهما بمحضرٍ من خصمين ويذكرهما إن كانا معروفين.
وإلا قال مدعٍ ومدعًى عليه جاز حضورهما وسماع الدعوى من أحدهما: على الآخر معرفة فلان بن فلان.
ويذكر المشهود عليه وإقرارَه طوعًا في صحة منه وجوازِ أمرٍ بجميع ما سُمي ووُصِف في كتاب نسخته كذا 73. وينسخ الكتاب المثبت أو المحضر جميعه حرفًا بحرف، فإذا فرغ منه قال: وإن القاضي أمضاه وحكم به على ما هو الواجب في مثله بعد أن سأله ذلك، والإشهاد به: الخصم المدعي، ويذكر اسمه ونسبه، ولم يدفعه الخصم الحاضر معه بحجة.
وجعل كل ذي حجةٍ على حجته، وأشهد القاضي فلان على إنفاذه وحُكمه وإمضائه مَن حضره من الشهود في مجلس حكمه في اليوم المؤرخ في أعلاه.
ويأمر بكتب هذا السجل نُسختين متساويتين تخلدُ نسخة منها ديوان الحكم وتدفع الأخرى إلى من كتبها له.
وكل واحدة منهما حجة ووثيقة فيما أنفذه فيهما.
وهذا يذكر ليخرج من الخلاف، ولو قال: أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان ما في كتاب نسخته كذا ولم يذكر بمحضرٍ من الخصمين ساغ ذلك لجواز القضاء على الغائب).
أما قول المصنف رحمه الله: وأما السجل فهو لإنفاذ ما ثبت عنده والحكم به؛ فبيان لمعناه.
وأما قوله: وصفته ... إلى قوله: في اليوم المؤرخ في أعلاه؛ فبيان لصفة السجل ليعلم الكاتب الصفة المعتبرة فيه شرعاً.
وأما كون القاضي يأمر بكتب السجل؛ فلما ذكر فيمن ثبت محضره عند الحاكم فسأله أن يسجل به.
وأما كونه يأمر بكتب نُسختين متساويتين؛ فلأنهما اللتان تقوم إحداهما مقام الأخرى.
وأما كون كل واحدة حجة ووثيقة فيما أنفذه فيهما فظاهر؛ لتضمنهما ذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 576

وأما كون ذلك يُذكر؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله من الخروج من الخلاف في القضاء على الغائب؛ لأنه لو لم يذكر الخصم وحضوره لتوهم متوهم أنه قضى على غائب فيتوقف فيه من لا يراه.
وأما كون القاضي لو قال: أنه ثبت عنده ... إلى آخره يسوغ ذلك؛ فلما ذكر المصنف من جواز القضاء على الغائب أي: عندنا.
قال: (وما يجتمع عنده من المحاضر والسجلات في كل أسبوعٍ أو شهرٍ على قلتها وكثرتها يضم بعضها إلى 74 بعض، ويكتب عليها: محاضرٍ وقت 75 كذا في سنة كذا).
أما كون المحاضر والسجلات يضم بعضها إلى بعض؛ فلأن إفراز كل واحدٍ يشق.
وأما كونها يكتب عليها ما ذكر؛ فلتتميز، وليكون إخراجها وقت الحاجة أسهل.

الجزء: 4 - الصفحة: 577

باب القسمة

الأصل في القسمة الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمةٌ بينهم كلُّ شِرْبٍ محتضَر﴾ [القمر: 28].
وأما السنة؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الشفعةُ فيما لم ينقسم، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ 76 الطرُق فلا شُفعة» 77. و«قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر على ثمانية وعشرين سهمًا» (\ 78، و «كان يقسم الغنائم».
وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون في الجملة على جواز القسمة.
قال المصنف رحمه الله: (وقسمة الأملاك جائزة.
وهي نوعان: قسمة تراضٍ.
وهي: ما فيها ضرر، أو رد عوض من أحدهما كالدور الصغار والحمام والعضائد المتلاصقة اللاتي لا يمكن قسمة كل عين مفردة).
أما كون قسمة الأملاك جائزة؛ فلما تقدم من الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله.
وأما كونها نوعين؛ فلأن منها: ما ينقسم عن تراضٍ، ومنها ما ينقسم عن إجبار.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي؛ فإشارة إلى قسمة الأراضي.
والضرر يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: كالدور ... إلى آخره؛ فبيان لأشياء لا ينقسم إلا قسمة تراض.

الجزء: 4 - الصفحة: 578

قال: (والأرض التي في بعضها بئر أو بناء ونحوه لا يمكن قسمته بالأجزاء والتعديل إذا رضوا بقسمتها أعياناً بالقيمة جاز).
أما كون قسمة الأرض المذكورة على الصفة المذكورة يجوز؛ فلأن الحق للشريكين.
فإذا تراضيا بقسمةٍ موصوفةٍ لم يكن لأحد الاعتراضُ عليهما.
وأما كون ما ذكر من البئر أو البناء لا يمكن قسمته بالأجزاء والتعديل؛ فلأنه إذا كان يمكن قسمته بالأجزاء؛ مثل: أن يكون البئر واسعاً يمكن أن يجعل نصفها لواحدٍ ونصفها للآخر ويجعل بينهما حاجز في أعلاه، أو البناء كبيراً يجعل لكل واحد منهما نصفه، أو بالتعديل مثل: أن يكون في أحد جانبي الأرض بئر تساوي مائة وفي جانبها الآخر بناء يساوي مائة تكون القسمة قسمة إجبار لا قسمة تراضٍ؛ لأنه يمكن أن يجعل البئر لأحد الشريكين مع نصف الأرض والبناء للآخر مع نصف الأرض.
قال: (وهذه جارية مجرى البيع، لا يجبرُ عليها الممتنع منها، ولا يجوز فيها إلا ما يجوز في البيع).
أما قول المصنف: وهذه؛ فإشارة إلى قسمة التراضي.
وأما كونها جارية مجرى البيع؛ فلأنها في معناه.
وأما كون الممتنع منها لا يجبر؛ فلأن فيها إما ضرر، وإما رد عوض، وكلاهما لا يجبر الإنسان عليه: أما الأول؛ فلما فيه من الضرر.
وأما الثاني؛ فلأنه معاوضة، والمعاوضة لا يجبر عليها.
وأما كونها لا يجوز فيها إلا ما يجوز في البيع؛ فلأنها جارية مجراه.
فوجب أن لا يجوز فيها إلا ما يجوز فيه.
قال: (والضرر المانع من القسمة هو: نقص القيمة بالقسم في ظاهر كلامه، أو لا ينتفعان به مقسوماً في ظاهر كلام الخرقي).
أما كون المانع من القسمة نقص القيمة في ظاهر كلام الإمام؛ فلأن نقصان القيمة ضرر فينتفي بقوله عليه السلام: «لا ضَررَ ولا إضرار» 79.

الجزء: 4 - الصفحة: 579

وأما كونه لا ينتفعان به مقسوماً في ظاهر كلام الخرقي؛ فلأن ذلك ضرر شديد مفضٍ إلى إضاعة المال فيكون منهياً عنه.
بخلاف نقصان القيمة فإن اعتباره يؤدي إلى بطلان القسمة غالباً.
فوجب أن لا يعتبر.
قال: (فإن كان الضرر على أحدهما دون الآخر؛ كرجلين لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث ينتفع صاحب الثلثين بقسمها ويتضرر الآخر، فطلب من لا يتضرر القسم لم يجبر الآخر عليه.
وإن طلبه الآخر أجبر الأول.
وقال القاضي: إن طلبه الأول أجبر الآخر.
وإن طلبه المضرور لم يجبر الآخر).
أما كون الضرر إذا كان على أحد الشريكين كما مثل المصنف رحمه الله وطلب من لا يتضرر القسم لا يجبر الآخر على قول غير القاضي؛ فلأن في ذلك ضرراً عليه وذلك نُفي بقوله عليه السلام: «لا ضَررَ ولا إضرار» 80. وأما كونه يجبر على قوله؛ فلأن شريكه مالك طلب إفراز نصيبه الذي لا يستضر بتمييزه.
فوجب إجابته إلى ذلك؛ كما لو كانا لا يستضران بالقسم.
والأول أولى؛ لما تقدم.
والقياس على من لا يستضران به مُعارض بالقياس على من يستضران.
وأما كون من عليه الضرر إذا طلب يجبر الآخر عليه على ما تقدم؛ فلأن الشريك طلب دفع ضرر الشركة على وجه لا يضر بصاحبه.
فوجب أن يجبر على القسمة؛ كما لو لم يكن فيها ضرر.
وأما كونه لا يجبر؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال» 81. والمطلوب هنا يتضمن الإضاعة.

الجزء: 4 - الصفحة: 580

إذا تقرر مأخذ الوجهين فقال المصنف رحمه الله في المغني: والأول أقيَس وأولى.
وأجاب عن الحديث المذكور بأنه مخصوص بما إذا اتفقا على القسمة فإنها تجوز برضى المستضر، وما ذكر في معناه.
فوجب إلحاقه به.
قال: (وإن كان بينهما عبيدٌ أو بهائمٌ أو ثيابٌ ونحوها فطلب أحدهما قسمها أعياناً بالقيمة لم يجبر الآخر عليه، وقال القاضي: يجبر).
أما كون قسم ما ذكر لا يجبر عليه على قول غير القاضي؛ فلأن الأعيان المذكورة لا يمكن قسم كل عينٍ منها.
فلم يجز قسمها أعياناً بالقيمة؛ كما لو كان بين شريكين داران فطلب أحدهما قسم الدارين أعياناً بالقيمة.
وأما كونه يجبر عليه على قوله؛ فلأن الأعيان المذكورة إذا لم يمكن قسم كل عين صارت جميعها كالدار الواحدة؛ لأن اختلاف قيمة الجنس الواحد ليس بأكثر اختلافاً من قيمة الدار الكبيرة والقرية العظيمة فإن أراضي القرية تختلف، وصدر الدار خير من غيره، والاختلاف المذكور لم يمنع الإجبار على القيمة فكذا الجنس الواحد.
وقد ظهر الفرق بين الأعيان المذكورة وبين الدار من حيث إن قسم كل عينٍ بما ذكر لا يمكن.
بخلاف الدارين فإن قسم كل واحدة ممكنة.
قال: (وإن كان بينهما حائط لم يجبر الممتنع من قسمه.
وإن استهدمَ لم يجبر على قسم عرصته.
وقال أصحابنا: إن طلب قسمه طولاً بحيث يكون له نصف الطول في كمال العرض أجبر الممتنع.
وإن طلب قسمه عرضاً وكانت تسع حائطين أجبر وإلا فلا).
أما كون الممتنع من قسم الحائط لا يجبر؛ فلأن في قسمه ضرراً وذلك مانع منه.
وأما كون الممتنع من قسم عرصته لا يجبر على قول غير أصحابنا؛ فلأنه موضع للحائط.
أشبه الحائط.
وأما كونه يجبر إذا طلب قسمه طولاً كما تقدم ذكره وكونه يجبر إذا طلب قسمه عرضاً وكانت تسع حائطين على قول أصحابنا؛ فلأن ذلك لا ضرر فيه البتة.

الجزء: 4 - الصفحة: 581

وأما كونه لا يجبر إذا كانت التسع ذلك على قول أصحابنا؛ فلما فيه من الضرر.
قال: (وإن كان بينهما دار لها علو وسفل فطلب أحدهما قسمها لأحدهما العلو وللآخر السفل، أو كان بينهما منافع لم يجبر الممتنع من قسمها.
وإن تراضيا على قسمها كذلك وعلى قسم المنافع بالمهايأة جاز).
أما كون الممتنع من قسم الدار علواً لأحدهما وسفلاً للآخر لا يجبر؛ فلأن العلو والسفل يجري مجرى الدارين المتلاصقين؛ لأن كل واحدٍ مسكن منفرد.
وأما كون الممتنع من قسم المنافع لا يجبر؛ فلأن الأصل مشاع فلا يصح أن ينفرد بعض الشريكين ببعض المنفعة.
ضرورة أن المنفعة تابعة للأصل.
وأما كون قسم الدار على الوجه المذكور وقسم المنافع بالمهايأة يجوز مع التراضي؛ فلأن الحق لهما فإذا رضيا به جاز.
قال: (وإن كان بينهما أرضٌ ذاتُ زرعٍ فطلب أحدهما قسمها دون الزرع قسمت.
وإن طلب قسمها مع الزرع أو قسم الزرع مفرداً لم يجبر الآخر.
فإن تراضوا عليه والزرع قصيلٌ أو قطنٌ جاز.
وإن كان بذراً أو سنابلَ قد اشتدّ حبُّها فهل يجوز؟ على وجهين.
وقال القاضي: يجوز في السنابل، ولا يجوز في البذر).
أما كون الأرض ذات الزرع تقسم دون زرعها إذا طلب ذلك أحد الشريكين؛ فلأن الزرع في الأرض كالقماش في الدار، والقماش يمنع القسم فكذلك الزرع.
فعلى هذا إذا قسمت بقي الزرع بينهما مشتركاً؛ لأن قسم الأرض بمنزلة ما لو باع أرضاً فيها زرع، وذلك يبقى إلى الحصاد لبائعه فكذلك الزرع في الأرض المقسومة يبقى على الإشاعة إلى حصاد.
وأما كون الممتنع من قسم الأرض مع الزرع لا يجبر؛ فلأن الزرع وحده لا يجبر على قسمه فكذا قسم الأرض مع الزرع؛ لأنها مشتملة على ما لا يجوز قسمه.

الجزء: 4 - الصفحة: 582

وقال المصنف رحمه الله في المغني: يجبر الممتنع؛ لأن الزرع كالشجر في الأرض، ولو كان لها شجر قسمت مع شجرها فكذلك هاهنا ولم يحك خلاف ذلك.
وأما كون الممتنع من قسم الزرع وحده لا يجبر؛ فلأن القسم لا بد فيه من تعديل المقسوم، وتعديل الزرع بالسهام لا يمكن؛ لأنه يشترط بقاؤه في الأرض المشتركة.
وأما كونهم إذا تراضوا على قسم الأرض مع زرعها والزرع قصيلٌ أو قطنٌ يجوز؛ فلأن ذلك يُنتفع به في الحال على وجه لا جهالة فيه.
فإذا وقع التراضي بقسمه جاز؛ كبيعه.
وأما كونه إذا كان بذراً أو سنابل قد اشتد حبها لا يجوز في وجه: أما في البذر؛ فلجهالته.
وأما في السنابل؛ فلأنه بيع بعضه ببعض مع عدم العلم بالتساوي، والجهل بالتساوي؛ كالعلم بالتفاضل.
وأما كونه يجوز فيهما في وجه؛ فلأن ذلك يدخل تبعاً.
فلم يعتبر العلم به في القسم؛ كالجهل بالأساسات.
وأما كونه يجوز في السنابل ولا يجوز في البذر في وجه للقاضي؛ فلأن مافي السنابل يؤكل لا ما في البذر.
قال: (وإن كان بينهما نهرٌ أو قناةٌ أو عينٌ ينبع ماؤها فالماء بينهما على ما اشترطا عند استخراج ذلك.
فإن اتفقا على قسمه بالمهايأة جاز.
وإن أرادا قسم ذلك بنصب خشبةٍ أو حجرٍ مستو في مصدم الماء فيه ثقبان على قدر حق كل واحد منهما جاز.
فإن أراد أحدهما أن يسقي بنصيبه أرضاً ليس لها رسمُ شربٍ من هذا النهر جاز.
ويحتمل أن لا يجوز.
ويجيءُ على أصلنا: أن الماء لا يملك، وينتفع كل واحد منهما على قدر حاجته).
أما كون الماء بين من استخرجه على ما وقع الاشتراط فيه عند الاستخراج؛ فلأن الماء من المباح فإن اتفق المستخرجان على قدر معلوم وجب اتباعه.
دليله ما

الجزء: 4 - الصفحة: 583

لو اشترك رجلان في استخراج معدن على أن يكون لأحدهما الثلث وللآخر الباقي.
ولأن الماء مستخرج على وجه الشركة.
فوجب اعتبار الشرط فيه.
أشبه الرجلين يشتركان على عمل من الأعمال.
وأما كونهما إذا أرادا قسم ذلك بنصب خشبةٍ أو حجرٍ على الوجه المتقدم يجوز؛ فلأن ذلك طريق إلى وصول حق كل واحدٍ منهما إلى صاحبه.
فجاز؛ كغيره من الطرق.
وأما كون أحدهما إذا أراد أن يسقي بنصيبه أرضاً ليس لها رسمُ شربٍ من النهر المذكور يجوز على الأول؛ فلأن الحق له، وصاحب الحق يتصرف فيه على حسب اختياره وإرادته.
وأما كونه يحتمل أن لا يجوز؛ فلأنه إذا سقى الأرض المذكورة ربما توهم مع طول الزمن أن لها حقاً في النهر المذكور.
ولذلك لو كان لشخص دارٌ لها حائط إلى درب غير نافذ لم يكن له أن يفتح فيه صورة باب؛ لأنه ربما استدلّ به على ملك الاستطراق في الدرب، وليس له ذلك.
وأما كون كل واحد من الشريكين ينتفع بالماء على قدر حاجته بناء على قولنا: الماء لا يملك؛ فلأنه إذا لم يملك يكون من المباحات، والمباحُ ينتفع به كل محتاجٍ على قدر حاجته.

الجزء: 4 - الصفحة: 584

فصل [في قسمة الإجبار] قال المصنف رحمه الله: (النوع الثاني: قسمة الإجبار وهي: ما لا ضرر فيها ولا رد عوض؛ كالأرض الواسعة، والقرى، والبساتين، والدور الكبار، والدكاكين الواسعة، والمكيلات والموزونات 82 من جنس واحدٍ.
سواء كان مما مسّته النارُ؛ كالدبسِ وخلِ التمر، أو لم تمسه؛ كخل العنب والأدهان والألبان.
فإذا طلب أحدهما قسمه وأبى الآخر أُجبر عليه).
أما كون النوع الثاني قسمة الإجبار؛ فلأنه يلي الأول وهو قسمة التراضي.
وأما كونها هي ما لا ضرر فيها ولا رد عوضٍ؛ فلأن الضرر منتفي بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضَررَ ولا إضرار» 83. ورد العوض منفي بأن القسمة تصير معه معاوضة، والمعاوضة لا يجبر عليها فلا تكون القسمة فيه قسمة إجبار.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالأرض الواسعة ... إلى قوله: من جنسٍ واحدٍ؛ فبيان لصور تكون القسمة فيها قسمة إجبار.
وأما كون ذلك سواء كان مما مسّته النار أو لم تمسه النار؛ فلأن الغرض تمييز الحق، وذلك لا يختلف بالنسبة ما ذكر.
وأما كون من أبى من القسم المذكور يجبر عليه؛ فلأن ذلك يتضمن إزالة الضرر الحاصل بالشركة وحصول النفع للشريكين؛ لأن نصيب كل واحدٍ منهما إذا تميز كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره، ويتمكن من إحداث الغرس والبناء فيه، وذلك لا يمكن مع الاشتراك.
قال: (وهذه القسمة إفراز حق أحدهما من الآخر في ظاهر المذهب وليست بيعاً.
فيجوز قسم الوقف.
وإذا كان نصف العقار طلقاً ونصفه وقفاً جازت قسمته.

الجزء: 4 - الصفحة: 585

وتجوز قسمة الثمار خرصاً وقسمة ما يُكال وزناً وما يوزن كيلاً والتفرق في قسمة ذلك قبل القبض.
وإذا حلف لا يبيع فقسم له لم يحنث.
وحكي عن أبي عبدالله بن بطة ما يدل على أنها كالبيع فلا يجوز فيها ذلك).
أما كون هذه القسمة والمراد بها قسمة الإجبار إفراز حق أحد الشريكين من الآخر في ظاهر المذهب وليست بيعاً؛ فلأنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك، ولا تجب فيها الشفعة، ويدخل فيها الإجبار، وتلزم بإخراج القرعة، ويتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر.
والبيع بخلاف ذلك.
ولأنها تنفرد عن البيع باسمها وأحكامها.
فلم تكن بيعاً؛ كسائر العقود.
فعلى هذا يترتب على ذلك أمور: أحدها: أنه يجوز قسم الوقف؛ لأن تمييز الوقف جائز.
وثانيها: أنه إذا كان نصف العقار طلقاً ونصفه وقفاً جازت قسمته أيضاً؛ لأنه إذا جازت قسمة الوقف المحض.
فلأن تجوز قسمة ما بعضه طلقٌ وبعضه وقف بطريق الأولى.
وثالثها: أنه تجوز قسمة المكيل وزناً والموزون كيلاً؛ لأن الغرض التمييز لا البيع.
ورابعها: أنه يجوز التفرق في قسمة المكيل والموزون قبل القبض؛ لأن التفرق إنما منع منه في بيع ذلك قبل قبضه والتقدير: أن القسمة إفراز.
وخامسها: أنه إذا حلف حالفٌ أنه لا يبيع فقسم لم يحنث؛ لأن ذلك ليس ببيع.
وأما كونها كالبيع في روايةٍ؛ فلأنه يبدل نصيبه من أحد السهمين بنصيب صاحبه من القسم الآخر.
وهذا حقيقة البيع.
فعلى هذا لا يجوز قسمة الوقف ولا ما بعضه وقفٌ؛ لأن بيع الوقف لا يجوز.
ولا قسمة المكيل وزناً ولا الموزون كيلاً؛ لأن بيع المكيل لا يجوز وزناً وبيع الموزون لا يجوز كيلاً.
ولا يجوز التفرق في قسمة المكيل والموزون قبل القبض؛ لأن التفرق في بيع ذلك قبل قبضه غير جائز.
وإن حلف لا يبيع فقسم حنث؛ لأن القسمة بيع.

الجزء: 4 - الصفحة: 586

قال: (وإن كان بينهما أرضٌ بعضها يُسقى سيحاً وبعضها بعْلاً، أو في بعضها نحل وفي بعضها شجر فطلب أحدهما قسم كل عينٍ على حدةٍ وطلب الآخر قسمها أعياناً بالقيمة قُسمت كل عين على حدةٍ إذا أمكن).
أما كون كل عين تقسم على حدة فيما ذكر؛ فلأن قسم كل عين على حدةٍ أقرب إلى التعديل، وقد أمكن فتعين إجابة طالبه.
ولأن الحامل على القسمة زوال الشركة وهو حاصل فيما ذكر فتعينت إجابة طالبه؛ لأن ضرر صاحبه يزول بإجابته.
وأما كونها لا تقسم كل عين على حدةٍ إذا لم يمكن؛ فلعدم الإمكان.
فعلى هذا يقسم المجموع إن كان قابلاً للقسمة، وإلا فلا.

الجزء: 4 - الصفحة: 587

فصل [في نصب القاسم] قال المصنف رحمه الله: (ويجوز للشركاء أن ينصبوا قاسماً يقسم بينهم.
وإن يسألوا الحاكم نصب قاسم يقسم بينهم.
ومن شرط من ينصب: أن يكون عدلاً عارفاً بالقسمة فمتى عدلت السهام وأخرجت القرعة لزمت القسمة.
ويحتمل أن لا تلزم فيما فيه رد بخروج القرعة حتى يرضيا بذلك).
أما كون الشركاء يجوز لهم أن ينصبوا قاسماً يقسم بينهم؛ فلأن الحق لهم لا يعدوهم.
وأما كونهم يجوز لهم أن يسألوا الحاكم نصب قاسم يقسم بينهم؛ فلأن طلبة ذلك حق لهم.
فجاز أن يسألوه الحاكم؛ كغيره من الحقوق.
وأما كون من شرط من ينصب أن يكون عدلاً؛ فلأنه نائب الحاكم أو كنائبه.
وأما كون من شرطه أن يكون عارفاً بالقسم؛ فلأنه لا يتمكن من فعلها بطريق الحق إلا بذلك.
فإن قيل: الشرطان المذكوران مشروطان فيمن نصبه الشريكان أم فيمن نصبه الشريكان ونصبه الحاكم.
قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا عوده إليهما.
وقال في المغني: من شرط قاسم الحاكم العدالة، ومعرفة الحساب والقسمة.
وإن نصبا -يعني الشريكين- قاسماً بينهما فكان على صفة قاسم الحاكم في العدالة والمعرفة فهو كقاسم الحاكم في لزوم قسمته بالقرعة، وإن كان كافراً أو فاسقاً لم تلزم قسمته إلا بتراضيهما بها.
ويكون وجوده فيما يرجع إلى لزوم القسمة كعدمه.

الجزء: 4 - الصفحة: 588

وظاهره أنه يجوز للشريكين نصب من ليس بعدل لكن لا تكون قسمته لازمة إذا أخرجت القرعة.
وأما كون القسمة تلزم إذا أخرجت القرعة بعد تعديل السهام وكانت قسمة إجبار؛ فلأن قرعة قاسم الحاكم كحكم الحاكم.
بدليل أنه مجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق.
فوجب أن تلزم قرعته.
وأما كونها تلزم إذا كانت قسمة تراض وليست فيما فيه رد؛ فلأن قاسمهم كرجل حكموه بينهم، ولو حكموا رجلاً بينهم لزم حكمه.
فكذلك إذا رضوا بقسمته.
وأما كونها تلزم إذا كانت قسمة تراضٍ وكان فيما فيه رد على المذهب؛ فلأن القاسم كالمحكم، وقرعته كحكمه.
وأما كونها يحتمل أن لا تلزم فيها؛ فلأنها بيع، والبيع لا يلزم إلا بالتراضي.
فإن قيل: فلم جيء بالقرعة؟ قيل: جيء بها لتميز البائع من المشتري.
قال: (وإذا كان في القسمة تقويم لم يجز أقل من قاسمين.
وإن خلت من تقويم أجزأ قاسم واحد).
أما كون القسمة لا يجوز فيها أقل من قاسمين فيما فيها تقويم؛ فلأن ما فيه تقويم يفتقر إلى التقويم، والتقويم لا يصح إلا من اثنين.
وأما كون قاسم واحد يجزئ إذا خلت من تقويم؛ فلأن المحوج إلى القاسمين هو التقويم، وهو مفقود هاهنا.
ولأن القاسم بدل عن الحاكم، والحاكم يكون واحداً فكذلك القاسم.
قال: (وإذا سألوا الحاكم قسمة عقار لم يثبت عنده أنه لهم قسمه، وذكر في كتاب القسمة: أن قسمه بمجرد دعواهم لا عن بينة شهدت لهم بملكهم.
وإن لم يتفقوا على طلب القسمة لم يقسمه).
أما كون الحاكم يقسم ما ذكر؛ فلأن اليد دليل الملك ولا مُنازع لهم فيثبت لهم من طريق الظاهر.
فوجب أن يشارك ثبوت الملك في القسمة.

الجزء: 4 - الصفحة: 589

وأما كونه يذكر القصة في كتاب القسمة؛ فلئلا يتوهم الحاكم بعده أن القسمة وقعت بعد ثبوت ملكهم فيؤدي ذلك إلى ضرر من يدعي في العين حقاً.
وأما كونه لا يقسمه إذا لم يتفق الشركاء على طلب القسمة؛ فلأن الإشاعة حق لكل واحد منهم فإذا لم يرض بعضهم ولم يثبت ما يوجب القسمة لم يجز التصرف في حقه بغير رضاه.

الجزء: 4 - الصفحة: 590

فصل [في كيفية القسمة] قال المصنف رحمه الله: (ويعدل القاسم السهام بالأجزاء إن كانت متساوية، وبالقيمة إن كانت مختلفة، وبالرد إن كانت تقتضيه، ثم يقرع بينهم، فمن خرج له سهم صار له.
وكيف ما أقرع جاز؛ إلا أن الأحوط أن يكتب اسم كل واحد من الشركاء في رقعة ثم يدرجها في بنادق شمعٍ أو طينٍ متساوية القدر والوزن، وتطرح في حجر من لم يحضر ذلك ويقال له: اخرج بندقة على هذا السهم فمن خرج اسمه كان له، ثم الثاني كذلك، والسهم الباقي للثالث إذا كانوا ثلاثة وسهامهم متساوية.
وإن كتب اسم كل سهم في رقعة وقال: اخرج بندقة باسم فلان وأخرج الثانية باسم الثاني والثالثة للثالث جاز).
أما كون القاسم يعدل السهام؛ فلأن ضد ذلك جور وذلك غير جائز.
وأما كونه يعدلها بما ذكر؛ فلأنها تارة تكون متساوية الأجزاء، وتارة مختلفة، وتارة تقتضي الرد.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟ قيل: مثال الأول: أرض، قيمة جميع أجزائها متساوية فهذه تعدل سهامها بالأجزاء؛ لأنه يلزم من التساوي بالأجزاء التساوي بالقيمة.
ومثال الثاني: أرض، أحد جوانبها يساوي مثلي الآخر فهذه تعدل بالقيمة؛ لأنه لما تعذر التعديل بالأجزاء لم يبق إلا التعديل بالقيمة.
ضرورة أن قسمة الإجبار لا تخلو من أحدهما.
ومثال الثالث وهو ما يقتضي الرد: أرض، قيمتها مائة فيها شجر أو بئر تساوي مائتين فإذا جعلت الأرض بينهما كانت الثلث ودعت الضرورة إلى أن يجعل مع الأرض خمسون يردها من خرجت له الشجر أو البئر على من خرجت له الأرض ليكونا نصفين متساويين.

الجزء: 4 - الصفحة: 591

وأما كون القاسم يقرع بين الشركاء بعد ذلك؛ فلأن الشرع ورد بها؛ لتمييز الحال في غير القسمة.
والإبهام حاصل هاهنا فتعين فعله؛ لإزالة الإبهام الحاصل قياساً لبعض موارد الشرع على بعض.
وأما كونه كيف ما أقرع يجوز؛ فلأن الغرض التمييز وذلك حاصل.
فعلى هذا يجوز أن يقرع بخواتيم وحصباً وغير ذلك.
وأما كون الأحوط أن يكتب اسم كل واحد من الشركاء في رقعة؛ فلأنه طريق للتمييز.
وأما كونه يدرج الرقاع في بنادق شمعٍ أو طينٍ متساوية القدر والوزن؛ فلئلا يعلم بعضها من بعض.
وأما كونها تطرح في حجر من لم يحضر ذلك؛ فلأنه أنفى للتهمة.
وأما كونه يقال له: اخرج بندقة على هذا السهم؛ فليعلم من له ذلك.
وأما كون من خرج اسمه كان السهم له؛ فلأن اسمه خرج عليه وتميز سهمه به.
وأما كون السهم الثاني كالأول في القول المذكور وفي كونه لمن خرج اسمه عليه؛ فلأنه كالأول معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وأما كون السهم الباقي للثالث إذا كانوا ثلاثة وسهامهم متساوية؛ فلأنه تعين له؛ لزوال الإبهام.
وأما كون القاسم إذا كتب اسم كل سهم في رقعة وقال ما ذكر ... إلى آخره يجوز؛ فلأن الغرض يحصل بذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 592

قال: (وإن كانت السهام مختلفة كثلاثة: لأحدهم النصف، وللآخر الثلث، وللآخر السدس فإنه يُجَزِّئها ستة أجزاء، ويخرج الأسماء على السهام لا غير فيكتب باسم صاحب النصف ثلاثاً، وباسم صاحب الثلث اثنين، وباسم صاحب السدس واحدة، ويخرج بندقة على السهم الأول، فإن خرج اسم صاحب النصف أخذه والثاني والثالث.
وإن خرج اسم صاحب الثلث أخذه والثاني ثم يقرع بين الآخرين والباقي للثالث).
أما كون القاسم يُجَزِّئ الأرض المذكورة ستة أجزاء؛ فلأن السهام مختلفة.
فلم يكن بد من تجزئها بحسب أقل الشركاء نصيباً وذلك السدس، وعلى هذا فقس.
فلو كانت الأرض بين ثلاثة لأحدهم النصف، وللآخر الربع 84، وللآخر الثمن: جزأها ثمانية أجزاء.
وأما كونه يخرج السهام على الأسماء لا غير؛ فلأن إخراج السهام على الأسماء لا يمكن؛ لاحتمال أن يخرج اسم من ليس له السهام المذكورة.
وأما كونه يكتب كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن الرقاع تكون بحسب التجزئة ست فالرقاع ست.
وأما كونه يخرج بندقة على السهم الأول؛ فليعلم لمن هو.
وأما كونه إذا خرج اسم صاحب النصف عليه أخذه؛ فلما تقدم فيما إذا كانت السهام متساوية.
وأما كونه يأخذ الثاني والثالث؛ فلينضم نصيبه بعضه إلى بعض.
وأما كونه إذا خرج اسم صاحب الثلث أخذه والثاني؛ فلما ذكر قبل.
وأما كونه إذا خرج اسم صاحب السدس أخذه وحده؛ فلأنه لا شيء له غيره.
وأما كون القاسم يقرع بين الآخرين؛ فلأن الإبهام بالنسبة إليهما باق.
وأما كون اسم صاحب النصف إذا خرج أخذ الثاني والثالث والرابع، والباقي لصاحب الثلث.
وإن خرج اسم صاحب الثلث أخذ الثاني والثالث، والباقي لصاحب النصف؛ فلما تقدم ذكره.

الجزء: 4 - الصفحة: 593

فصل [إذا ادعى بعضهم غلطا في القسمة] قال المصنف رحمه الله: (فإن ادعى بعضهم غلطاً فيما تقاسموه بأنفسهم وأشهدوا على تراضيهم به لم يُلتفت إليه.
وإن كان فيما قسمه قاسم الحاكم فعلى المدعي البينة، وإلا فالقول قول المنكر مع يمينه.
وإن كان فيما قسمه قاسمهم الذي نصبوه وكان فيما اعتبرنا فيه الرضا بعد القرعة لم تسمع دعواه، وإلا فهو كقاسم الحاكم).
أما كون مدعي الغلط لا يلتفت إليه فيما تقاسموه بأنفسهم وأشهدوا على تراضيهم به؛ فلأنه رضي بالقسمة الواقعة وبالزيادة في نصيب شريكه وأشهد عليه بذلك.
وأما كونه عليه البينة فيما قسمه قاسم الحاكم؛ فلأنه مدعٍ فيدخل في قوله عليه السلام: «البينةُ على المدعِي» 85. فإن أقام المدعي بينة بالغلط نقضت القسمة؛ لأنه بيَّن أنها وقعت على غير وجهها المعتبر، وإن لم يقم بينة بذلك فالقول قول المنكر؛ لأن الظاهر صحة القسمة وأداء الأمانة.
وأما كونه لا تسمع دعواه فيما قسمه قاسمهم الذي نصبوه وكان فيما يعتبر فيه الرضا بعد القرعة كقسمة فيها رد؛ فلأنه رضي بالقسمة.
وأما كونه في ذلك كقاسم الحاكم إذا لم يكن كذلك؛ فلأنه بمنزلته.
فعلى هذا إن أقام بينة بالغلط سمعت وإلا فالقول قول المنكر مع يمينه.

الجزء: 4 - الصفحة: 594

قال: (وإن تقاسموا ثم استحق من حصة أحدهما شيء معين بطلت.
وإن كان شائعاً فيهما فهل تبطل القسمة؟ على وجهين).
أما كون القسمة تبطل إذا استحق من حصة أحد المتقاسمين شيء معين؛ فلأنه تبيَّن أن أحد المتقاسمين لم يأخذ حقه.
وأما كونها تبطل إذا كان المستحق شائعاً فيهما على وجه؛ فلأن الثالث شريكهما، وقد اقتسما من غير حضوره ولا إذنه.
وأما كونها لا تبطل على وجه؛ فلأنه يمكن بقاء حقه في يديهما جميعاً مع بقائهما فيما عدا ذلك على ما كانا عليه.
قال: (وإذا اقتسما دارين قسمة تراضٍ فبنى أحدهما في نصيبه ثم خرجت الدار مستحقة ونُقض بناؤه رجع بنصف قيمته على شريكه.
وإن خرج في نصيب أحدهما عيبٌ فله فسخ القسمة).
أما كون من ذكر يرجع بنصف قيمة بنائه؛ فلأن هذه القسمة بمنزلة البيع فكأنه باعه نصف الدار، ولو باعه الدار جميعها رجع عليه بالبناء كله فإذا باعه نصفها وجب أن يرجع عليه بنصف البناء.
وأما كون من خرج في نصيبه عيبٌ له فسخ القسمة؛ فلأن في العيب نقصاً عن قدر حقه الخارج له.
فوجب أن يتمكن من فسخ القسمة؛ استدراكاً لما فاته؛ كما لو اشترى شيئاً فظهر معيباً.
قال: (وإن اقتسم الورثة العقار ثم ظهر على الميت دين، فإن قلنا: هي إفراز حق لم تبطل القسمة.
وإن قلنا: هي بيع انبنى على بيع التركة قبل قضاء الدين هل يجوز؟ على وجهين).
أما كون القسمة لا تبطل بما ذكر إذا قيل: القسمة إفراز حق؛ فلأن الدين يتعلق بالعقار بعد القسمة.
فلم يقع ضرر في حق أحد.
وأما كون ذلك ينبني على بيع التركة قبل قضاء الدين إذا قيل: هي بيع؛ فظاهر.
وأما كون بيع التركة قبل قضاء الدين يجوز على وجه؛ فلأن العبد الجاني يتعلق برقبته حق المجني عليه ويتمكن مالكه من بيعه فكذلك الورثة.

الجزء: 4 - الصفحة: 595

وأما كونه لا يجوز على وجه؛ فلأن تعلق الدين بالعين يمنع التصرف فيها.
دليله: ما لو كانت مرهونة.
فعلى هذا إن قيل بجوازه يوفي الدينَ الورثةُ استقر ذلك وإلا فسخ وبيعت العين في الدين.
وإن قيل بعدم جوازه بطل، بيعاً كان أو قسمة.
قال: (وإن اقتسما فحصلت الطريق في نصيب أحدهما ولا منفذ للآخر بطلت القسمة.
ويجوز للأب والوصي قسم مال المولى عليه مع شريكه).
أما كون القسمة تبطل إذا حصل الطريق في نصيب أحدهما ولا منفذ للآخر؛ فلأن الانتفاع بأحد النصيبين لا يمكن؛ لتعذر الانتفاع به من غير منفذ.
وأما كون الأب والوصي يجوز لهما قسم مال المولى عليه مع شريكه؛ فلأن القسمة إما بيع أو إفراز، وكلاهما يجوز للأب والوصي فعله.

الجزء: 4 - الصفحة: 596

باب الدعاوي والبينات

الدعوى في اللغة: إضافة الإنسان الشيء إلى نفسه ملكاً أو استحقاقاً أو صفة أو نحو ذلك.
وفي الشرع: إضافته إلى نفسه استحقاقَ شيء في يد غيره، أو في ذمته.
وقيل: الدعوى الطلب، ومنه قوله تعالى: ﴿ولهم ما يدَّعون﴾ [يس: 57].
أي يطلبون.
والأصل في الدعوى في الجملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادّعى قوم دماءَ قوم وأموالَهم.
ولكن اليمين على المدعى عليه» 86. رواه مسلم.
وفي الحديث: «البينةُ على المدعِي.
واليمينُ على المدعَى عليه» «2). قال المصنف رحمه الله: (المدعي من إذا سكتَ تُرك، والمنكر من إذا سكتَ لم يُترك.
ولا تصح الدعوى والإنكار إلا من جائز التصرف).
أما كون المدعي والمنكر ما ذكر؛ فلأن المدعي طالب والمنكر مطلوب، والطالب إذا سكت ترك والمطلوب إذا سكت لم يترك.
وقال بعض أصحابنا: المدعي من يلتمس أخذ شيء من يد غيره أو إثبات حق في ذمته والمدعى عليه من ينكر ذلك.
وأما كون كل واحد من الدعوى والإنكار لا يصح إلا من جائز التصرف؛ فلأن كل واحد منهما قول يترتب عليه حكم شرعي.
فلم يصح من غير جائز التصرف؛ كالبيع.87

الجزء: 4 - الصفحة: 597

قال: (وإذا تداعيا عيناً لم تخل من أقسام ثلاثة: أحدها: أن تكون في يد أحدهما فهي له مع يمينه أنها له لا حق للآخر فيها إذا لم يكن بينة).
أما كون التداعي المذكور لا يخلو من أقسام ثلاثة؛ فلأن العين مع التداعي لا تخلو من أن تكون في يد أحدهما، أو في يديهما، أو في يد غيرهما.
وأما كون أحدها: أن تكون في يد أحدهما؛ فظاهر.
وأما كونها لمن هي في يده مع يمينه إذا لم يكن بينة؛ فلأن اليد دليل الملك ظاهراً.
وإنما اشترطت يمينه أنها له لا حق للآخر فيها؛ لأن من ليست في يده يحتمل أن تكون العين له فشرعت اليمين في حق صاحبه من أجل الاحتمال المذكور.
وإنما اشترط عدم البينة؛ لأن البينة إذا كانت أظهرت الحق فلم يحتج معها إلى يمين.
قال: (ولو تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل، والآخر آخذ بزمامها فهي للأول.
وإن تنازعا قميصاً أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه فهو للابسه).
أما كون الدابة للراكب أو لمن عليها حمل دون الآخذ بالزمام؛ فلأن تصرف كل واحد منهما في العين أقوى من تصرف الآخذ بالزمام، ويده آكد؛ لأنه المستوفي للمنفعة.
وأما كون القميص للابسه دون الآخذ بكمه؛ فلأن اللابس مع الآخذ بالكم أحسن حالاً من الراكب مع الآخذ بالزمام، والراكب أولى من الآخذ بالزمام فكذا ما هو أحسن حالاً منه.

الجزء: 4 - الصفحة: 598

قال: (وإن تنازع صاحب الدار والخياط الإبرة والمقص فهما للخياط.
وإن تنازع هو والقرّاب القربة فهي للقرّاب.
وإن تنازعا عرَصَة فيها شجرٌ أو بناءٌ لأحدهما فهي له).
أما كون الإبرة والمقص للخياط دون صاحب الدار فيما ذكر؛ فلأن تصرف الخياط في ذلك أظهر، والظاهر معه؛ لأن العادة جارية بحمل الخياط الإبرة والمقص.
وأما كون القربة للقرّاب دون صاحب الدار فيما ذكر؛ فلما ذكر في الخياط.
وأما كون العرصَة التي فيها شجر أو بناء لأحدهما لمن له ذلك؛ فلأن ذلك دليل الملك ظاهراً.
قال: (وإن تنازعا حائطاً معقوداً ببناء أحدهما وحده أو متصلاً به اتصالاً لا يمكن إحداثه، أو له عليه أزج: فهو له.
وإن كان محلولاً من بنائهما أو معقوداً بهما فهو بينهما).
أما كون الحائط المعقود ببناء أحد المتنازعين 88. [قال: (وإن اختلف صانعان في قماش دكان لهما حكم بآلة: كل صناعة لصاحبها في ظاهر كلام أحمد والخرقي.
وقال القاضي: إن كانت أيديهما عليه من طريق الحكم فكذلك.
وإن كانت من طريق المشاهدة فهو بينهما على كل حال)] 89. أما كون كل آلة كل صناعة يحكم بها لصاحبها في ظاهر كلام من ذكر؛ فلأن الظاهر أنها له.
ولأن الآلة بالنسبة إلى الصانع كالقماش الصالح للرجل بالنسبة إليه والصالح للرجل للرجل.
فكذا يجب أن يكون الصالح للصانع له.
وأما كون ذلك كذلك إذا كانت أيديهما عليه من طريق الحكم على قول القاضي؛ فلما ذكر.

الجزء: 4 - الصفحة: 599

وأما كونه بينهما إذا كانت أيديهما عليه من طريق المشاهدة؛ فلأن المشاهدة أقوى من اليد الحكمية.
بدليل: لو تنازع الخياط وصاحب الدار الإبرة والمقص.
فإن قيل: قول القاضي يجري في مسألة الزوجين أم هو مختص بمسألة الصانعين؟ . قيل: هو عام فيهما، وصرح به المصنف رحمه الله في المغني في مسألة الزوجين.
قال: (وكل من قلنا هو له فهو له مع يمينه إذا لم تكن بينة.
وإن كانت لأحدهما بينة حُكم له بها).
أما كون اليمين على من حُكم له بشيء مما ذكر؛ فلأنه يحتمل أن لا يكون ذلك له فشُرعت اليمين من أجل ذلك.
وأما كون من كانت له بينة يُحكم له بها؛ فلأن البينة تُظهر صاحب الحق، وذلك يقتضي كون الحكم له دون غيره.
قال: (وإن كان لكل واحدٍ منهما بينة حُكم بها للمدعي في ظاهر المذهب.
وعنه: إن شهدت بينة المدعى عليه أنها له نتجت في ملكه أو قطيعة من الإمام قدمت بينته، وإلا فهي للمدعي ببينته.
قال القاضي فيهما: إذا لم يكن مع بينة الداخل ترجيح لم يُحكم بها رواية واحدة.
وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى أنها مقدمة بكل حال).
أما كون العين يحكم بها للمدعي في ظاهر المذهب إذا كان لكل واحدٍ من المتنازعين بينة وكانت العين في يد أحدهما؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البينةُ على المدعِي واليمينُ على المدعَى عليه» 90. جعل النبي صلى الله عليه وسلم جنس البينات في جنبة المدعي فلا تبقى في جنبة المنكر بينة.
ولأن بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها.
ودليل كثرة فائدتها أنها تُثبت شيئاً لم يكن، وبينة المنكر إنما تُثبت ظاهراً دلت اليدُ عليه.
وأما كون المدعى عليه تقدم بينته إذا شهدت بالسبب من نتاج أو غيره كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلأن البينة إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده

الجزء: 4 - الصفحة: 600

اليد، وقد روى جابر بن عبدالله «أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دابةٍ أو بعير فأقام كل واحدٍ منهما البينة أنها له أنتجها.
فقضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنها للذي في يده» 91. وأما كون بينة الداخل لا يُحكم بها رواية واحدة إذا لم يكن معها ترجيح على قول القاضي؛ فلأن بينة الخارج أقوى منها؛ لأنه لا يجوز أن يكون مستندها اليد.
بخلاف بينة الداخل.
وأما كون بينة الداخل مقدمة بكل حال في روايةٍ قالها أبو الخطاب؛ فلأن جنبته أقوى من جنبة الخارج.
بدليل: أن يمينه تُقدم على يمينه.
قال: (فإن أقام الداخل بينة أنه اشتراها من الخارج، وأقام الخارج بينة أنه اشتراها من الداخل فقال القاضي: تقدم بينة الداخل، وقيل: تقدم بينة الخارج).
أما كون بينة الداخل تقدم على قول القاضي؛ فلأنه هو الخارج في المعنى؛ لأنه ثبت بالبينة أن المدعي صاحب اليد وأن يد الداخل نائبة عنه.
وأما كون بينة الخارج تقدم على قول؛ فلأنه المدعي، وفي الحديث: «البينةُ على المدعِي» 92. ولأن اليمين في حق الداخل فتكون البينة في حق الخارج.

الجزء: 4 - الصفحة: 601

فصل [إذا كانت العين في يديهما] قال المصنف رحمه الله: (القسم الثاني: أن تكون العين في يديهما، فيتحالفان، وتُقسم بينهما).
أما كون القسم الثاني ما ذكر؛ فلأنه يلي الأول.
وأما كون من العين في يديهما يتحالفان.
وهو: أن يحلف كل واحدٍ منهما لصاحبه؛ فلأن كل واحدٍ منهما منكرٌ ما ادعاه صاحبه واليمين على من أنكر.
وأما كون العين تقسم بينهما أي نصفين؛ فلأن يد كل واحدٍ منهما على نصف العين، وما وُجد ما يقتضي رفعَ ذلك.
فوجب إقراره في يده.
قال: (وإن تنازعا مُسَنَّاةً بين نهر أحدهما وأرض الآخر تحالفا، وهي بينهما).
أما كون من تنازعا ما ذكر يتحالفان كما تقدم؛ فلما تقدم.
وأما كون المُسَنَّاة وهي الحاجز بين النهر والأرض بين صاحب النهر وصاحب الأرض؛ فلأنها حاجز بين ملكيهما ويديهما عليها.
فكانت لهما؛ كما لو تنازع صاحب العلو وصاحب السفل السقف الذي بينهما.
قال: (وإن تنازعا صبياً في يديهما فكذلك.
وإن كان مميزاً فقال: إني حر فهو حر، إلا أن تقوم بينة برقّه.
ويحتمل أن يكون كالطفل).
أما كون الصبي الذي في يد المتنازعين فيه بينهما؛ فلأن اليد دليل الملك، والصبي لا عبارة له فهو كالبهيمة والمتاع.
وأما كونه حراً إذا كان مميزاً وقال: إني حر ولم تقم بينة برقّه على المذهب؛ فلأنه مُعرِبٌ عن نفسه في قوله: إني حر المعتضد بالأصل.
فوجب أن يقبل قوله؛ كالبالغ.
وأما كونه يحتمل أن يكون كالطفل؛ فلأنه صغير ادعى رقّه من هو في يده.
أشبه ما لو كان طفلاً.

الجزء: 4 - الصفحة: 602

فعلى هذا إن لم يكن لأحد المتنازعين بينة فهو بينهما لثبوت يدهما عليه، وإن كان لأحدهما بينة حُكم له بها؛ لأن البينة تُظهر صاحب الحق، وذلك يعلق حقه بالعين المتنازع فيها.
قال: (فإن كان لكل واحدٍ بينةٌ قدّم أسبقهما تاريخاً، فإن وقتت إحداهما 93 وأطلقت الأخرى فهما سواء.
ويحتمل تقديم المطلِقة).
أما كون أسبق البينتين تاريخاً تقدّم؛ فلأنها أثبتت الملك لصاحبها في وقتٍ لم تُعارضها فيه البينة الأخرى، وذلك يقتضي ثبوت الملك له في ذلك الزمان، وفي الزمان الثاني تعارضت فيه البينتان وسقطتا.
فوجب بقاء الملك الثابت في الزمان الأول إلى حال التنازع.
فعلى هذا إذا شهدت بينة أحدهما أن العين له منذ سنتين وشهدت بينة الآخر أنها له منذ سنة فهي لمن شهدت بينته أنها له منذ سنتين.
إذا علم ذلك فقال المصنف رحمه الله في المغني في تقديم أقدمهما تاريخاً: قال القاضي: هو قياس المذهب.
ثم قال: وظاهر كلام الخرقي التسوية بينهما؛ لأن الشاهد بالملك الحادث أولى؛ لجواز أن يعلم به دون الأول فإذا لم ترجح بهذا فلا أقل من التساوي.
وأجاب عن ثبوت الملك في الزمن الأول بأن ذلك إنما يثبت تبعاً للزمن الحاصل.
بدليل: أنه لو انفردت الدعوى بالزمن الماضي لم تسمع.
وأما كون البينتين سواء إذا وقتت إحداهما وأطلقت الأخرى على المذهب؛ فلأنه ليس في المطلقة ما يقتضي التقدم.
فوجب استواؤهما؛ كما لو أطلقتا جميعاً.
وأما كون المطلقة يحتمل تقديمها؛ فلأن الملك فيها يجوز أن يكون ثابتاً قبل المؤقتة فيكون مقدماً عليها.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والاحتمال المذكور معارض بمثله؛ لأنه يجوز أن تكون الموقتة قبل المطلقة، وإذا تساويا في الاحتمال المذكور وجب استواؤهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 603

قال: (وإن شهدت إحداهما بالملك والأخرى بالملك والنتاج، أو سبب من أسباب الملك فهل تقدم بذلك؟ على وجهين).
أما كون بينة النتاج أو السبب تقدم بذلك على وجه؛ فلأنها شهدت بزيادة على الأخرى.
وأما كونها لا تقدم بذلك على وجه؛ فلأنهما اشتركا في إثبات أصل الملك وفي اليد.
فوجب استواؤهما لذلك.
قال: (ولا تقدم إحداهما بكثرة العدد، ولا اشتهار العدالة، ولا الرجلان على الرجل والمرأتين، ويقدم الشاهدان على الشاهد، واليمين في أحد الوجهين).
أما كون إحدى البينتين لا تقدم بكثرة العدد ولا اشتهار العدالة، وكون الرجلين لا يقدمان على الرجل والمرأتين؛ فلأن الشرع قدر الشهادة بمقدار معلوم وبالعدالة وبالرجل والمرأتين.
فلم يختلف ذلك بالزيادة؛ كالدية.
وأما كون الشاهدان يقدمان على الشاهد واليمين في وجه؛ فلأنهما متفق عليهما والشاهد واليمين مختلف فيه، والمتفق عليه أولى من المختلف فيه.
ولأن اليمين قوله لنفسه والبينة الكاملة شهادة الأجنبي له.
فيجب تقديمها عليه؛ كما تقدم بينة المدعي على يمين المنكر.
وأما كونهما لا يقدمان عليهما في وجه؛ فلأنهما حجتان.
أشبهتا البينتين.
قال: (وإذا تساوتا تعارضتا، وقسمت العين بينهما بغير يمين.
وعنه: أنهما يتحالفان كمن لا بينة لهما.
وعنه: أنه يقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف وأخذها).
أما كون البينتين تتعارضان إذا تساوتا؛ فلأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
وأما كون العين تقسم بين المتنازعين نصفين على المذهب؛ فلما روي «أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير فأقامَ كل واحدٍ منهما شاهدين فقضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالبعير بينهما نصفين» 94. رواه أبو داود.

الجزء: 4 - الصفحة: 604

وأما كون ذلك بغير يمين؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحلف أحداً في الحديث المتقدم ذكره.
ولأنه قد تقرر أن بينة الخارج متقدمة، وكل واحدٍ من المتنازعين داخل في نصف خارج في نصف.
فتقدم بينته في النصف الذي في يد صاحبه ولا يحتاج إلى يمين، وتقدم بينة صاحبه في النصف الآخر.
وأما كون المتنازعين يتحالفان على روايةٍ؛ فلأن البينتين لما تعارضتا من غير ترجيح وجب إسقاطهما؛ لأنه لا يمكن الجمع بينهما؛ لتنافيهما.
ولا ترجيح إحداهما؛ لأنه ترجيحٌ لا لمرجحٍ، وإذا سقطتا وجب أن يتحالفا كمن لا بينة لهما.
وأما كونهما يقرع بينهما على روايةٍ؛ فلأن القرعة مشروعة في موضع الإبهام وهو موجود هاهنا.
وأما كون من قرع صاحبه يحلف؛ فلأن العين يحتمل أنها لصاحبها.
وأما كونه يأخذ العين؛ فلأن ذلك فائدة القرعة.
والأول أصح؛ للحديث المتقدم ذكره.
قال: (فإن ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيدٍ لم تُسمع البينة على ذلك حتى يقول: وهي ملكه وتشهد البينة به).
أما كون البينة على ذلك لا تُسمع حتى يقول المدعي: وهي ملكه وتشهد البينة له بذلك: أما الأول؛ فلأن مجرد الشراء لا يوجب نقل الملك لجواز أن يقع مع غير مالك.
فلم يكن بد من انضمام الملك للبائع.
ولأن مجرد الشراء لو أفاد لتمكن من أراد انتزاع ملكٍ من يد شخص من ذلك بأن يوافق شخصاً لا ملك له على إيقاع الشراء على الملك الذي في يد ذلك الشخص وينزعه منه، وذلك ضرر عظيم.
وأما الثاني؛ فلأن سماع البينة الشاهدة بشيء متوقف على شهادتهما بذلك.
قال: (فإن ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد وهي ملكه، وادعى الآخر أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه، وأقاما بذلك بينتين: تعارضتا.
وإن أقام أحدهما

الجزء: 4 - الصفحة: 605

بينة أنها ملكه وأقام الآخر بينة أنه اشتراها منه أو وقفها عليه أو أعتقه: قدمت بينته).
أما كون البينتين في المسألة الأولى تتعارضان؛ فلأنهما استويا في السبب وثبوت الملك، وذلك يوجب التعارض؛ كالحديثين المتنافيين من كل وجه.
وأما كون بينة الشراء والوقف والعتق في المسألة الثانية تقدم؛ فلأنها شهدت بما يوجب نقل ملك صاحبه وذلك مرجح على غيره.
قال: (ولو أقام رجلٌ بينةً أن هذه الدار لأبي خلفها تركة، وأقامت امرأته بينة أن أباهُ أصدقَها إياها فهي للمرأة).
أما كون الدار المذكورة للمرأة فيما ذكر؛ فلأن بينتها شهدت بالسبب المقتضي للنقل عمن شهدت البينة الأخرى أنها له.
وأما كون بينة الابن بأنها تركة لا تُعارضها وإن نافتها؛ فلأن قولها: تركة مستندها فيه الاستصحاب وقد تيقن قطعه بقيام البينة على سبب النقل.

الجزء: 4 - الصفحة: 606

فصل [إذا تداعيا عينا في يد غيرهما] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: تداعيا عيناً في يد غيرهما، فإنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها).
أما كون القسم الثالث ما ذكر؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كون من تداعيا ما ذكر يقرع بينهما؛ فلما روى أبو هريرة «أن رجلين تداعيا عيناً لم يكن لواحد منهما بينة.
فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين» 95. ولأن أحدهما لا مزية له.
أشبه ما لو أعتق أحد عبديه، وما لو أعتق عبيداً لا مال له غيرهم في مرض موته.
وأما كون من خرجت له القرعة يحلف ويأخذها؛ فلما تقدم فيما إذا تساوت البينتان.
وقيل: بالقرعة فيها 96. قال: (وإن كان المدعي عبداً فأقر لأحدهما لم يرجح بإقراره.
وإن كان لأحدهما بينة حُكم له بها.
وإن كان لكل واحدٍ بينة تعارضتا والحكمُ على ما تقدم).
أما كون إقرار العبد فيما ذكر لا يرجح به؛ فلأنه متهم؛ لأنه يحتمل أن يميل إلى من أقر له دون الآخر.
وأما كون العين يحكم بها لمن له بينة دون من ليس له بينة؛ فلأن بينته أظهرت أنه هو المستحق للعين المالك لها.
وأما كون البينتين تتعارضان إذا كان لكل واحدٍ منهما بينة؛ فلأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.

الجزء: 4 - الصفحة: 607

وأما كون الحكم على ما تقدم؛ فلأنه في معناه.
فعلى هذا يكون هنا روايتان: إحداهما: يقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة قياساً على ما إذا لم تكن بينة.
والثانية: تقسم العين بينهما نصفين؛ لما روى أبو موسى الأشعري «أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير فأقامَ كل واحدٍ منهما بينة أنه له.
فقضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين» 97. والأول أصح؛ لما تقدم.
وحديث أبي موسى محمول على ما إذا كانت العين في يد المنازعين.
ولذلك جاء في بعض الألفاظ: «ولا بينةَ لهما» 98. قال: (فإن أقرّ صاحب اليد لأحدهما لم يرجح بذلك).
أما كون من ذكر لا يرجح به؛ فبالقياس على إقرار العبد لأحد المدعيين.
وأما الحكم فيما ذكر مما علم أن المنقول في المغني والهداية وغيرهما من الكتب أن المقر له يصير بالإقرار صاحب يدٍ؛ لأن المقر بإقراره له تبين أن يده مبنية على يد المقر له، ويلزم من ذلك صيرورة المقر له صاحب يد.
ولفظ المصنف رحمه الله في المغني بعد أن ذكر المسألة: فإن أقر بها لواحدٍ منهما أم لواحد غيرهما صار المقر له صاحب اليد ويكون حكمه كالحكم فيما إذا تداعيا عيناً في يد أحدهما على ما مضى وذلك يقتضي ترجيح قوله.
قال: (وإن ادّعاها صاحب اليد لنفسه فقال القاضي: يحلفُ لكل واحدٍ منهما وهي له.
وقال أبو بكر: بل يقرع بين المدعيين، ويكون لمن تخرج له القرعة).
أما كون صاحب اليد يحلف لكل واحدٍ من المدعيين على قول القاضي؛ فلأنهما وإن تعارضت بينتاهما ليسا بأقل ممن لا بينة لهما، وهناك يحلف صاحب اليد؛ لاحتمال صدق المدعيين.
فلأن يحلف هنا بطريق الأولى.

الجزء: 4 - الصفحة: 608

وأما كون العين لصاحب اليد على ذلك؛ فلأن المدعيين تعارضت بينتاهما وصارا كمن لا بينة له، ولو لم تكن لهما بينة لحكم بالعين لصاحب اليد بعد حلفه فكذا هاهنا.
وأما كونه يقرع بين المدعيين على قول أبي بكر؛ فلأن بينتهما أظهرت أنهما هما المستحقان، وأنه لا حق لصاحب اليد، وذلك يقتضي كون العين لأحدهما.
فإذا لم يُعرف شرعت القرعة كغير ذلك من المواضع.
فعلى هذا تكون العين لمن خرجت له القرعة؛ لأن فائدتها ذلك.
قال: (وإن كان في يد رجل عبد فادعى أنه اشتراه من زيد، وادعى العبد أن زيداً أعتقه، وأقام كل واحدٍ بينة انبنى على بينة الداخل والخارج.
وإن كان العبد في يد زيد فالحكم فيه الحكم ما إذا ادعيا عيناً في يد غيرهما).
أما كون بينة المشتري والعبد تنبني على بينة الداخل والخارج؛ فلأن المشتري داخل؛ لأن يده على العبد، والعبد خارج؛ لأنه ليست له يد.
فعلى هذا إن قدمت بينة الخارج قدمت بينة العبد وإن قدمت بينة الداخل قدمت بينة المشتري.
ولا بد أن يلحظ أن بينتي المشتري والعبد كانتا مؤرختين تاريخاً واحداً، أو كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة ونقول: هما سواء.
وإن كانتا مؤرختين تاريخاً مختلفاً قدمت الأولة؛ لأنها أسبق.
ومتى سبق العتق لم يصح البيع وبالعكس.
وأما كون الحكم في العبد إذا كان في يد سيده حكم ما إذا ادعيا عيناً في يد غيرهما؛ فلأن العبد عين وهو في يد غير المتنازعين.
فعلى هذا يرجع إلى قول زيد فإن أنكرهما فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه منكر.
وإن أقر لأحدهما قُبل إقراره وحلف للآخر.
وإن أقام أحدهما بينة حُكم بها.
وإن أقام كل واحدٍ بينة قُدمت السابقة؛ لما تقدم ذكره، فإن كانتا في وقتٍ أو مطلقتين أو إحداهما وقيل: هما سواء تعارضتا.
فإن قيل: بتساقطهما صارا كمن لا بينة لهما.
وإن قيل: يُقرع بينهما أقرع بين المشتري والعبد فمن خرجت له القرعة حلف وحكم له.

الجزء: 4 - الصفحة: 609

وإن قيل: تقسم العين جعل نصف العبد مبيعاً ونصفه حراً ويسري العتق إلى جميعه إن كان البائع موسراً؛ لأن البينة قامت عليه بأنه أعتقه مختاراً وقد ثبت العتق في نصفه بشهادتهما.
قال: (وإن كان في يده عبدٌ فادعى عليه رجلان كل واحد منهم أنه اشتراه مني بثمن سماه فصدقهما لزمه الثمن لكل واحدٍ منهما.
وإن أنكرهما حلف لهما وبرئ.
وإن صدق أحدهما لزمه ما ادعاه وحلف للآخر.
وإن كان لأحدهما بينة فله الثمن، ويحلف للآخر.
وإن أقام كل واحدٍ بينة فأمكن صدقهما لاختلاف تاريخهما أو إطلاقهما أو إطلاق إحداهما وتاريخ الأخرى عمل بهما.
وإن اتفق تاريخهما تعارضتا والحكم على ما تقدم).
أما كون من العبد في يده يلزمه الثمن لكل واحدٍ من المدعيين إذا صدقهما؛ فلأنه يجوز أنه اشتراه من أحدهما ثم ملكه الآخر فاشتراه منه.
وأما كونه يحلف لهما إذا أنكرهما؛ فلأن من أنكر وجبت عليه اليمين.
وأما كونه يبرأ؛ فلأن كل مدعى عليه بلا بينة إذا حلف برئ.
وأما كونه يلزمه ما ادعى أحدهما إذا صدقه؛ فلتوافقهما على صحة دعواه.
وأما كونه يحلف للآخر؛ فلأنه منكر.
وأما كون الثمن لمن له بينة؛ فلأن البينة مقدمة على الإنكار، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينةُ على المدعِي» 99. وأما كونه يحلف للآخر؛ فلأنه منكر فيدخل في قوله عليه السلام: «واليمينُ على من أنكر» 100. وأما كون البينتين يعمل بهما إذا أمكن صدقهما؛ فلأن البينة حجة شرعية.
فإذا أمكن صدقها من الجانبين وجب العمل بهما؛ كالخبرين إذا أمكن العمل بهما.
فعلى هذا لإمكان العمل بهما صور:

الجزء: 4 - الصفحة: 610

إحداها: أن يختلف تاريخهما؛ مثل: أن تشهد إحداهما أنه اشتراه من زيد في المحرم، وتشهد الأخرى أنه اشتراه من عمرو في صفر؛ لأنه يمكن أن يكون قد اشتراه من زيد في الوقت المذكور ثم ملكه لعمرو ثم اشتراه في الوقت الآخر.
فإن قيل: لم قيل بأن البائع لو كان واحداً والمشتري لو كان اثنين فأقام أحدهما بينة أنه اشتراه في المحرم وأقام الآخر بينة أنه اشتراه في صفر يكون الشراء الثاني باطلاً؟ قيل: لأنه إذا ثبت الملك للأول بالشراء لم يبطل ببيع البائع ثانياً، وفي المسألة المذكورة ثبوت شرائه من كل واحدٍ منهما يبطل ملكه؛ لأنه لا يجوز أن يشتري ثانياً ملك نفسه.
وثانيها: أن تكون البينتان مطلقتين؛ لأنه يمكن أن يكون زمن إحداهما غير زمن الأولى.
وثالثها: أن تكون إحدى البينتين مطلقة والأخرى مؤرخة؛ لأنه يمكن في ذلك أيضاً اختلاف زمن الشراء.
أشبه المطلقتين.
وأما كونهما تتعارضان إذا اتفق تاريخهما؛ فلأنهما تساويا، والتساوي يوجب التعارض.
وأما كون الحكم على ما تقدم؛ فلأنه في معناه.
فعلى القول بالتساقط يصير المدعيان كمن لا بينة لهما.
فعلى هذا لا يلزمه المدعى عليه شيء من الثمن، وعلى القول بالقرعة يقرع بين المدعيين فمن خرج له القرعة لزم المدعى عليه الثمن له، وعلى القول بقسمة المدعى بينهما يلزم المدعى عليه الثمن ويكون مشتركاً بينهما.
قال: (وإن ادعى كل واحدٍ منهما أنه باعني إياه بألفٍ وأقاما بينة قدّم أسبقهما تاريخاً، فإن لم تسبق إحداهما تعارضتا).
أما كون أسبق البينتين تاريخاً فيما ذكر تقدم؛ فلأن نقل الملك حاصل لمن سبق.
فوقوع العقد بعد ذلك لا يصح.
وأما كونهما تتعارضان إذا لم تسبق إحداهما الأخرى؛ فلأنهما تساويا، والتساوي يوجب التعارض.

الجزء: 4 - الصفحة: 611

قال: (وإن قال أحدهما: غصبني إياه، وقال الآخر: ملكنيه أو أقر لي به، وأقام كل واحدٍ بينة: فهو للمغصوب منه، ولا يغرم للآخر شيئاً).
أما كون العبد للمغصوب منه دون المملك والمقر له؛ فلأنه لا تعارض بين بينتيهما؛ لأن الجمع بينهما ممكن بأن يكون قد غصب العبد من مدعيه ثم ملكه أو أقر به لمدعي ذلك.
وأما كون المشهود عليه لا يغرم للمقر له شيئاً؛ فلأنه لم يحل بينه وبين ما أقر به.
وإنما حالت البينة بينهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 612

باب في تعارض البينتين

قال المصنف رحمه الله: (إذا قال لعبده: متى قُتلتُ فأنتَ حر، فادعى أنه قتل وأنكر الورثة فالقول قولهم.
وإن أقام كل واحد منهم بينة بما ادعاه فهل تقدم بينة العبد فيعتق أو يتعارضان ويبقى على الرق؟ فيه وجهان).
أما كون القول قول الورثة مع عدم البينة؛ فلأن العبد يدعي شيئاً يوجب عتقه، والورثة تنكر ذلك، والقول قول المنكر مع يمينه.
وأما كون بينة العبد تقدم إذا أقام كل واحد منهما بينة في وجه؛ فلأنها شهدت بزيادة، وهو كون الموت قتلاً.
فعلى هذا يعتق؛ لأن هذا فائدة تقديم بينته.
وأما كونهما يتعارضان في وجه؛ فلأن كل واحدةٍ تشهد بضد ما شهدت الأخرى.
فعلى هذا يبقى العبد رقيقاً؛ لأنه لم يثبت عتقه.
قال: (وإن قال: إن متُّ في المحرم فسالم حر.
وإن مت في صفر فغانم حر، فأقام كل واحدٍ منهما بينة بموجب عتقه قدمت بينة سالم.
وإن قال: إن مت في مرضي هذا فسالم حر.
وإن برئتُ فغانم حر فأقاما بينتين تعارضتا وبقيا على الرق ذكره أصحابنا.
والقياس: أن يَعتق أحدهما بالقرعة.
ويحتمل أن يَعتق غانم وحده؛ لأن بينته تشهد بزيادة).
أما كون بينة سالم تقدم فيما إذا قال: إن مت في المحرم؛ فلأن معها زيادة علم.
وأما كون البينتين تتعارضان ويبقى العبدان على الرق في مسألة: إن مت في مرضي على ما ذكره أصحابنا؛ فلأن كل واحدةٍ منهما تكذب الأخرى وتثبت زيادة تنفيها الأخرى.

الجزء: 4 - الصفحة: 613

وأما كون القياس: أن يَعتق أحد العبدين بالقرعة؛ فلأن أحدهما استحق العتق ولا يعلم عينه فشُرعت القرعة بينهما؛ كما لو أعتق أحد عبديه.
وأما كونه يحتمل أن يعتق غانم وحده؛ فلأن بينته شهدت بزيادة قد تخفى على بينة سالم؛ لأنه يحتمل أن بينة سالم بالموت من المرض بناء على الاستصحاب.
قال: (وإن أتلف ثوباً فشهدت بينة أن قيمته عشرون، وشهدت أخرى أن قيمته ثلاثون: لزمه أقل القيمتين).
أما كون من أتلف ما ذكر يلزمه أقل القيمتين المشهود بهما؛ فلأنه متيقن.
وأما كونه لا يلزمه أكثرهما؛ فلأن بينة الأقل ربما اطلعت على ما يوجب التنقيص المذكور فتكون شاهدة بزيادة خفيت على بينة الأكثر فتكون مقدمة عليها.
قال: (ولو ماتت امرأة وابنُها فقال زوجها: ماتت فورثناها ثم مات ابني فورثته، وقال أخوها: مات ابنها فورثته ثم ماتت فورثناها ولا بينة حلف كل واحدٍ منهما على إبطال دعوى صاحبه، وكان ميراث الابن لأبيه، وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين.
وإن أقام كل واحدٍ منهما بينة بدعواه تعارضتا وسقطتا.
وقياس مسائل الغرقَى أن يُجعل للأخ سدس مال الابن والباقي للزوج).
أما كون كل واحدٍ من المتنازعين يحلف على إبطال دعوى الآخر؛ فلأن دعوى كل واحدٍ محتملة وصاحبه ينكر ذلك فتجب اليمين؛ لقوله عليه السلام: «واليمينُ على من أنكَر» 101. وأما كون ميراث الابن لأبيه خاصة مع عدم قيام بينة لأحدهما؛ فلأن سبب استحقاقه جناية وهي موجودة، وبقاء من يشاركها بعد الموت مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك.
وأما كون ميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين مع عدم البينة؛ فلأن بقاء الابن بعد أمه مشكوك.
فصارت الميتة بمنزلة ميتة لها زوج وأخ لا غير.
فإن قيل: قد أعطي الزوج النصف وهو لا يدعي إلا الربع.

الجزء: 4 - الصفحة: 614

قيل: بل هو مدعٍ له كله؛ لأنه يقول: أخذتُ ربعه بالميراث من المرأة وثلاثة أرباعه صار إلى ابني ثم صار إليّ.
وأما كون البينتين تتعارضان إذا أقامها كل واحدٍ منهما؛ فلأن ذلك تساويا، وذلك يوجب تعارضهما.
وأما كونهما يسقطان؛ فلأنه لما لم يمكن العمل بهما وجب تساقطهما؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
وأما كون قياس مسائل الغرقى: أن يُجعل سدس مال الابن للأخ والباقي للزوج؛ فلأنه يقدر أن المرأة ماتت أولاً فيكون ميراثها لابنها وزوجها، ثم مات الابن فورث الزوج كل ما في يده فصار ميراثها كله لزوجها، ثم يقدر الابن مات أولاً فلأمه الثلث والباقي لأبيه، ثم ماتت أمه وفي يديها الثلث فكان بين أخيها وزوجها نصفين لكل واحدٍ منهما السدس.

الجزء: 4 - الصفحة: 615

فصل [في صور من تعارض البينتين] قال المصنف رحمه الله: (إذا شهدت بينة على ميتٍ أنه أوصى بعتق سالم وهو ثُلث ماله، وشهدت أخرى أنه أوصى بعتق غانم وهو ثُلث ماله أقرع بينهما، فمن تقع له القرعة عَتق دون صاحبه؛ إلا أن تجز الورثة.
وقال أبو بكر وابن أبي موسى: يَعتق من كل واحدٍ نصفه بغير قرعة).
أما كون سالم وغانم يُقرع بينهما إذا لم تُجز الورثة على المذهب؛ فلأنه لم تترجح بينة أحدهما على الأخرى، والقرعة مرجحة.
دليله: الإمامة والأذان.
وأما كون من تقع له القرعة يَعتق دون صاحبه؛ فلأن فائدة القرعة ذلك.
ولأن القرعة ترجحه.
فيصير بمنزلة من بينته راجحة على بينة غيره.
وأما كون نصف كل واحدٍ منهما يَعتق بغير قرعة على قول أبي بكر وابن أبي موسى؛ فلأن القسمة أقرب إلى الصواب؛ لأن القرعة قد ترقّ السابق وهو مستحق.
فإذا قسم العتق حصل له حرية نصفه.
والأول أقيس في المذهب؛ لأن الميت لو أعتق عبيداً لا مال له غيرهم في مرض موته أو وصى بعتقهم كُمّل العتق في بعضهم بالقرعة.
ولو أعتق عبداً من عبيده أخرج بالقرعة.
وما ذكر من حرية نصف السابق معارض بإرقاق نصف الحر يقيناً، وعتق نصف الرقيق يقيناً، وهو أعظم ضرراً.
قال: (وإن شهدت بينة غانم أنه قد رجع عن عِتق سالم عَتق غانم وحده سواء كانت وارثة أو لم تكن).
أما كون غانم يَعتق وحده؛ فلأن وصيته وصية بعتقٍ لم يتصل بها رجوع.
بخلاف سالم فإنه وإن وجد في حقه وصية بعتقٍ لكنه اتصل بها رجوع.

الجزء: 4 - الصفحة: 616

وأما كون ذلك كذلك سواء كانت البينة وارثة أو لم تكن؛ فلأن الوارثة إذا كانت هي الشاهدة بالرجوع لا تُتّهم؛ لاستواء قيمة العبدين المشهود بالوصية بعتقهما.
فإن قيل: شهادة الوارثة تثبت ولاء غانم لنفسها.
قيل: وتسقط ولاء سالم.
على أن الولاء إنما هو إثبات سبب الميراث، ومثل ذلك لا تُرد به الشهادة.
بدليل: شهادة الأخ لأخيه فإنها جائزة ويجوز أن يرثه.
قال: (وإن كانت قيمة غانمٍ سدس المال وبيّنته أجنبية قُبلت.
وإن كانت وارثةً عَتق العبدان.
وقال أبو بكر: يحتمل أن يُقرع بينهما، فإن خرجت القرعة لسالم عَتق وحده.
وإن خرجت لغانمٍ عَتق هو ونصف سالم).
أما كون بينة غانم تقبل إذا كانت أجنبية؛ فلأنها غير متهمة.
فعلى هذا لا يعتق سالم؛ لشهادة البينة الأجنبية بالرجوع عن الوصية بعتقه، ويعتق غانم؛ لشهادة البينة بالوصية بعتقه السالمة عن الرجوع.
وأما كون العبدين يعتقان إذا كانت وارثةً على المذهب: أما سالم؛ فلشهادة البينة الأجنبية بالوصية بعتقه.
وأما غانم؛ فلإقرار الورثة بعتقه مع أنه أقل من ثلث الباقي.
وأما كونهما يحتمل أن يقرع بينهما على قول أبي بكر؛ فلأن التهمة في حق الورثة إنما هي في الرجوع فتبطل الشهادة بها، ويبقى أصل العتق لغانم، فاحتيج إلى القرعة؛ لتميز المستحق من غيره.
فعلى هذا إذا أخرجت القرعة تضرب.
فإن خرجت لسالم عَتق وحده؛ لأنه كمال الثلث، وإن خرجت لغانم عَتق؛ لأنه أقل من الثلث، ويُعتق نصف سالم؛ لأن الثلث لا تكمل إلا بذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 617

قال: (وإن شهدت بينة أنه أعتق سالماً في مرضه، وشهدت الأخرى أنه وصى بعتق غانمٍ وكل واحدٍ منهما ثلث المال عَتق سالم وحده.
وإن شهدت بينةُ غانمٍ أنه أعتقه في مرضه أيضاً عَتق أقدمهما تاريخاً، فإن جُهلَ السابق عَتق أحدهما بالقرعة).
أما كون سالم يعتق في المسألة الأولى؛ فلأنه معتق في مرضه وغانم موصى بعتقه، وعطايا المريض مقدمة على وصاياه؛ لرجحانها بنفس الإيقاع.
وأما كون من بينته أقدم تاريخاً يعتق؛ فلأن كل واحدٍ من العبدين معتق في المرض، وعطايا المريض يقدم فيها الأقدم فالأقدم.
وأما كون أحدهما يعتق بالقرعة إذا جُهل السابق؛ مثل: أن تكون البينتين مطلقتين أو إحداهما؛ فلأن البينتين تساوتا فاحتيج إلى التمييز، والترجيح حاصل بالقرعة.
قال: (فإن كانت بينة أحدهما وارثةً ولم تكذب الأجنبية فكذلك.
وإن قالت: ما أعتق سالماً إنما أعتق غانماً عَتق غانماً كله، وحكم سالم كحكمه لو لم يطعن في بيّنته في أنه يَعتق إن تقدم تاريخ عتقه، أو خرجت له القرعة وإلا فلا).
أما كون حكم إذا كانت بينة أحد العبدين وارثةً ولم تكذب الأجنبية كما تقدم في أنه يَعتق الأقدم تاريخاً مع العلم به، وأحدهما بالقرعة مع الجهل به؛ فلأن الوارثة غير متهمة ولا مكذبة فهي بمثابة بينة الأجنبي، ولو كانت البينتان أجنبيتين لكان الأمر كذلك فكذلك إذا كانت إحداهما وارثة.
وأما كون غانم يَعتق كله إذا كذبت الوارثة الأجنبية؛ فلإقرار الورثة بعتقه.
وأما كون سالم يَعتق إن تقدم تاريخ عتقه أو خرجت له القرعة وإلا فلا؛ فلأن طعن الوارثة في الأجنبية غير مقبول؛ لأن الأجنبية مثبتة والوارثة نافية، وقول المثبت مقدم على النافي.
وإذا لم يقبل الطعن صار طعنها كلا طعن، ولو لم تطعن الوارثة في الأجنبية لكان الحكم كما ذكر فكذلك فيما هو بمنزلته.
قال: (وإن كانت الوارثة فاسقةً ولم تطعن في بينة سالم عَتق سالم كله.
وينظرُ في غانم فإن كان تاريخ عتقه سابقاً أو خرجت القرعة له عَتق كله.
وإن كان

الجزء: 4 - الصفحة: 618

متأخراً أو خرجت القرعة لسالم لم يَعتق منه شيء.
وقال القاضي: يَعتق من غانم نصفه.
وإن كذبت بينة سالم عتق العبدان).
أما كون سالم يعتق كله إذا كانت الوارثة فاسقةً ولم تطعن في بينة سالم؛ فلأن البينة شهدت بعتقه ولم يوجد ما يعارضها.
وأما كون غانم يعتق كله إذا كان تاريخ عتقه سابقاً أو خرجت القرعة له؛ فلإقرار الورثة أنه هو المستحق للعتق.
وأما كونه لا يَعتق منه شيء إذا كان تاريخ عتقه متأخراً أو خرجت القرعة لسالم على قول غير القاضي؛ فلأنه قد ثبت عتق سالم لشهادة بينةٍ عادلةٍ، وعتق غانم بإقرار الورثة.
فصار كما لو كانت البينتان عادلتين سواء إلا في أن حرية سالم لا تنتقض بشهادة الوارث؛ لأنه إقرار ليس بشهادة صحيحة.
وأما كونه يَعتق منه نصفه على قول القاضي؛ فلأنه مقر بعتقه مع ثبوت عتق الآخر بالبينة.
فصار بالنسبة إليه كأنه أعتق العبدين وعتقه موجب للتوزيع عليهما.
فكذلك بالنسبة إلى غانم.
وأما كون العبدين يعتقان إذا كذبت الوارثة بينة سالم؛ مثل أن تقول: ما أعتق سالماً وإنما أعتق غانماً؛ فلأن سالماً مشهود بعتقه وغانماً مقرٌ له بأنه لا مُستحق للعتق سواه.

الجزء: 4 - الصفحة: 619

فصل [إذا اختلفا في دين مورثهما] قال المصنف رحمه الله: (إذا مات رجل وخلّف ولدين مسلماً وكافراً، فادعى كل واحدٍ منهما أنه مات على دينه فإن عُرف أصل دينه فالقول قول من يدعيه.
وإن لم يُعرف فالميراث للكافر؛ لأن المسلم لا يُقر ولدَهُ على الكفر في دار الإسلام.
وإن لم يعترف المسلم أنه أخوه ولم تقم به بينة فالميراث بينهما.
ويحتمل أن يكون للمسلم؛ لأن حكم الميت حكم المسلمين في غسله والصلاة عليه.
وقال القاضي: القياس أن يُقرع بينهما.
ويحتمل أن يقف الأمرُ حتى يظهرَ أصلُ دينه).
أما كون القول قول من يدعي الدين الذي عُرف أنه أصل دين الأب؛ فلأن الظاهر يعضده.
وأما كون الميراث للكافر إذا لم يُعرف أصل دين الأب؛ فلأن الظاهر أن الأب كان كافراً؛ لأنه لو كان مسلماً لما أُقر ولده على الكفر في دار الإسلام.
وأما كونه بينهما إذا لم يعرف المسلم بأن الكافر أخوه ولم تقم بينة على الأول؛ فلأنهما سواء في اليد والدعوى.
أشبه ما لو تداعيا عيناً في أيديهما.
وأما كونه يحتمل أن يكون للمسلم؛ فلأن حكم الميت حكم المسلمين في الغسل والصلاة والدفن وغير ذلك.
وأما كون القياس أن يُقرع بينهما على قول القاضي؛ فلأن القرعة تُزيل الإبهام، وهو موجود هاهنا.
وأما كون الأمر يحتمل أن يقف حتى يظهرَ أصلُ دينه؛ فلأنه لا يُعلم المستحق إلا بذلك.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله فيها: أن غاية الإيقاف ظهور دين الميت فقط.

الجزء: 4 - الصفحة: 620

وقال أبو الخطاب في هدايته: حتى يظهرَ أصلُ دينه أو يصطلحا.
وهو صحيح فيجب أن يحمل كلام المصنف رحمه الله عليه.
قال: (وإن أقام كل واحدٍ منهما بينة أنه مات على دينه تعارضتا.
وإن قال شاهدان: نعرفه مسلماً، وقال شاهدان: نعرفه كافراً، فالميراث للمسلم إذا لم يُؤرخ الشهود معرفتهم).
أما كون البينتين تتعارضان إذا شهدت بينة كل واحدٍ منهما أنه مات على دينه؛ فلأنهما تساوتا، وذلك يوجب التعارض.
وأما كون الميراث للمسلم إذا لم يُؤرخ الشهود معرفتهم؛ فلأنه يمكن العمل بهما بأن تعرفه بينة تدعي الكفر ثم تعرفه بينة تدعي الإسلام بالإسلام.
فإن قيل: كما يجوز ما ذكر يجوز العكس.
قيل: إلا أنه خلاف الظاهر؛ لأن الأمر لو كان كذلك لما أُقر على كفره لأنه مرتد.
قال: (وإن خلّف أبوين كافرين وابنين مسلمين فاختلفوا في دينه فالقول قول الأبوين.
ويحتمل أن القول قول الابنين).
أما كون القول قول الأبوين على الأول؛ فلأن كونهما كافرين بمنزلة معرفة أصل دينه؛ لأن الولد قبل بلوغه محكوم له بدين أبويه.
وأما كونه يحتمل أن القول قول الابنين؛ فلأن ظاهر الدار انقطاع حكم التبعية في الكفر؛ للبلوغ.
قال صاحب النهاية فيها مزيفاً للتبطيل المذكور: حكم الدار إنما يعتبر فيمن لا يعرف نسبه؛ كالمنبوذ.
قال: (وإن خلّف ابناً كافراً وأخاً وامرأة مسلمين فاختلفوا في دينه فالقول قول الابن على قول الخرقي.
وقال القاضي: يُقرع بينهما.
وقال أبو بكر: قياس المذهب أن تُعطى المرأة الربع، ويقسم الباقي بين الابن والأخ نصفين).
أما كون القول قول الابن على قول الخرقي؛ فلأن الظاهر كون الأب كافراً؛ لأنه لو كان مسلماً لما أقرّ ولده على الكفر في دار الإسلام.

الجزء: 4 - الصفحة: 621

وأما كونهما يُقرع بينهما على قول القاضي؛ فلأنها مشروعة في الإبهام وهو موجود هاهنا.
وأما كون قياس المذهب أن تُعطى المرأة الربع ويقسم الباقي بين الابن والأخ نصفين على قول أبي بكر: أما الأول؛ فلأن الكافر لا يحجب الزوجة.
وأما الثاني؛ فلأنهما استويا في الدعوى.
فعلى هذا تصح المسألة من ثمانية.
قال: (ولو مات مسلم وخلّف ولدين مسلماً وكافراً فأسلم الكافر وقال: أسلمتُ قبل موت أبي وقال أخوه: بل بعده، فلا ميراث له.
فإن قال: أسلمتُ في المحرم ومات أبي في صفر وقال أخوه: بل مات في ذي الحجة فله الميراث مع أخيه).
أما كون القائل المذكور لا ميراث له في المسألة الأولى؛ فلأنه يدعي الإسلام قبل موت أبيه المسلم وأخوه يُنكره، والقول قول المنكر.
وأما كونه له الميراث مع أخيه في المسألة الثانية؛ فلأن الأصل بقاء الأب إلى صفر فيكون الابن المدعي الإسلام في المحرم مسلماً قبل موت الأب.
فيكون شريك أخيه.

الجزء: 4 - الصفحة: 622

فصول الكتاب · 35 فصل
جارٍ التحميل