كتاب الفرائض
الفرائض: جمع فريضة.
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العلمُ ثلاثةٌ، وما سوى ذلك فهو فضلٌ: آيةٌ مُحْكَمَة، وسنةٌ قائمَة، وفريضةٌ عادلَة» 1. رواه أبو داود.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تَعلموا الفرائضَ وعَلموه.
فإنهُ نصفُ العلمِ.
وهو يُنسى.
وهو أولُ شيء يُنزع من أمتي» 2. أخرجه ابن ماجة.
قال المصنف: (وهي: قسمة المواريث.
وأسباب التوارث ثلاثة: رحم، ونكاح، وولاء.
لا غير.
وعنه: أنه يثبت بالموالاة، والمعاقدة، وإسلامه على يديه، وكونهما من أهل الديوان.
ولا عمل عليه).
أما قول المصنف رحمه الله تعالى: وهي قسمة المواريث؛ فبيان لمعنى 3 الفرائض شرعاً.
وأما كون أسباب التوارث ثلاثة؛ فلأن سبب التوارث تارة يكون رحماً، وتارة نكاحاً، وتارة ولاء.
وأما كون الرحم -وهي القرابة- أحد أسباب التوارث؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثلُ حَظِّ الأنثيين﴾ [النساء: 11]، وقال: ﴿وإن كان رجل يورث كلالةً أو امرأة وله أخ أو أختٌ فلكل واحدٍ منهما السدس ... الآية﴾ [النساء: 12]، وقال: ﴿يستفتونك قل الله يُفْتيكم في الكَلالة ... الآية﴾ [النساء: 176]، وقال: ﴿وألوا الأرحام بعضُهم أولى ببعض في كتاب الله ... الآية﴾ [الأنفال: 75].
الجزء: 3 - الصفحة: 303
الجزء: 3 - الصفحة: 304
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلحِقُوا الفرائضَ لأهلِهَا.
فما بَقِيَ فهوَ لأَوْلَى رجلٍ ذَكَر» 4. متفق عليه.
وروى جابر قال: «جاءتْ امرأةُ سعدِ بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتَيْهَا من سعد.
فقالت: هاتانِ ابنتا سعد قُتل أبوهما معكَ يومَ أحدٍ شهيداً، وإن عمهما 5 أخذَ مالهما ولا يُنكحان إلا ولهما مال.
قال: يَقضي الله في ذلك فنزلت آية الميراث.
فبعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما.
فقال: أعطِ ابنتي سعدٍ الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقيَ فهوَ لك» 6. رواه أبو داود والترمذي.
وأما كون النكاح ثاني أسباب التوارث؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجُكم إن لم يكن لهنّ ولد ... الآية﴾ [النساء: 12].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بنتي سعد: «أعط أمهما الثمن» 7.
وأما كون الولاء ثالث أسباب التوارث؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الولاء لمن أعتق» 8.
وقال: «الولاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النسبِ لا تُبَاعُ ولا تُوهَب» 9.
وروي عن عبدالله بن شداد قال: «كان لبنت حمزة مولى أعتقته.
فتركَ ابنته ومولاته.
فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم بنته النصفَ وأعطى مولاته بنتَ حمزةَ النصف» 10.
الجزء: 3 - الصفحة: 305
وأما كون أسباب التوارث الأسباب الثلاثة لا غير؛ فلأن الإرث يستدعي دليلاً، والأصل عدمه.
وأما كون التوارث يثبت بالموالاة والمعاقدة على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والذين عَقَدَت أيمانُكم فآتوهم نَصِيبهم﴾ [النساء: 33].
أي من الإرث.
«كان الرجل في ابتداء الإسلام يقول للرجل: دمي دمك، ومالي مالك، تنصرني وأنصرك، وترثني وأرثك.
فيتعاقدان 11 الحلف بينهما على ذلك.
فيتوارثان به دون القرابة» 12.
والأول أصح؛ لأن ذلك نُسخ بقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ... الآية﴾ [الأنفال: 75].
وأما كونه يثبت بإسلام الشخص على يدي غيره على روايةٍ؛ فلما روى راشد بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسلمَ على يديه رجل فهوَ مولاهُ يرثهُ ويَدِي عنه» 13. رواه سعيد.
وروي عن تميم الداري أنه قال: «يا رسول الله! ما السنةُ في الرجلِ يسلمُ على يدي 14 الرجل؟ فقال: هوَ أولى 15 الناسَ بمحيَاهُ ومماتِه» 16. رواه أبو داود والترمذي.
وقال: لا أظنه متصلاً.
والأول أصح؛ لما تقدم من النسخ المذكور، والأخبار المذكورة ضعيفة.
وأما كونه يثبت بكونهما من أهل الديوان على روايةٍ؛ فلأنه يروى عن عمر رضي الله عنه.
ذكره أبو الخطاب في تهذيبه.
الجزء: 3 - الصفحة: 306
والأول أصح؛ لما تقدم.
وفعل عمر محمول على أنه فعل ذلك للمصلحة لا للإرث.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: ولا عمل عليه؛ فعائد إلى ما ذكر من أن الإرث يثبت بالموالاة والمعاقدة وإسلامه على يديه، وكونهما من أهل الديوان على رواية.
وإنما ذلك كذلك؛ لأن الأصح غيره.
وقد تقدم دليله.
قال: (والمجمع على توريثهم من الذكور عشرة: الابن، وابنه وإن نزل، والأب، وأبوه وإن علا، والأخ من كل جهة، وابن الأخ إلا من الأم، والعم وابنه كذلك، والزوج، ومولى النعمة.
ومن الإناث سبع: البنت، وبنت الابن، والأم، والجدة، والأخت، والمرأة، ومولاة النعمة).
أما كون عدد المجمع على توريثهم سبعة عشر: عشرة من الذكور، وسبعاً من الإناث؛ فلأن تفصيلهم يدل على ذلك.
وأما كونهم مجمعاً على توريثهم فذكره غير واحدٍ من أهل العلم، وقد دل النص على توريثهم:
أما الابن وابنه وإن نزل؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: 11]، وقال عليه السلام: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» 17 متفق عليه.
وأما الأب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولأبويه لكل واحدٍ منهما السدس﴾ [النساء: 11].
وأما الجد وإن علا فيحتمل أن يدخل في عموم قوله: ﴿ولأبويه﴾ [النساء: 11]؛ كما دخل ابن الابن في قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: 11].
ويحتمل أن يثبت إرثه بأن النبي صلى الله عليه وسلم ورثه السدس 18.
الجزء: 3 - الصفحة: 307
وأما الأخ من كل جهةٍ.
والمراد به من الأبوين أو من الأب أو من الأم: أما الأخ من الأبوين أو الأب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾ [النساء: 176]. وأما الأخ من الأم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وله أخ أو أخت فلكل واحدٍ منهما السدس﴾ [النساء: 12].
وأما ابن الأخ من الأبوين أو من الأب والعم وابنه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أبقت الفرائض فلأولى رجلٍ ذكر» 19، وقال في حديث بنتي سعدٍ للعم: «وما بقي فهو لك» 20.
وأما الزوج؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولكم نصفُ ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد﴾ [النساء: 12].
وأما مولى النعمة والمراد به المعتق؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الولاء لمن أعتق» 21، وقال: «الولاءُ لحمة كلحمة النسب» 22.
وأما البنت؛ فلقوله تعالى: ﴿وإن كانت واحدةً فلها النصفُ﴾ [النساء: 11].
وأما بنت الابن؛ فلأنها بمنزلة بنت.
فإذا أخذت البنت النصف تعين كون السدس لها؛ لأن فرض البنتين الثلثان لقوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ [النساء: 11].
فإن قيل: ظاهر هذا الجمع فلم حكم بالثلثين للبنتين؟
قيل 23: لأن قوله صلى الله عليه وسلم: «أعط ابنتي سعد الثلثين» 24: بيّنَهُ.
قاله المفسرون.
وسيأتي بيان ذلك مستقصى في موضعه إن شاء الله تعالى 25.
وأما الأم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ [النساء: 11]، وقال: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ [النساء: 11].
الجزء: 3 - الصفحة: 308
وأما الجدة؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطعمها السدس» 26 رواه أبو داود.
وأما الأخت فقد تكون لأبوين وقد تكون لأب وقد تكون لأم: أما التي لأبوين أو لأب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ [النساء: 176]. وأما الأخت لأم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وله أخ أو أخت فلكل واحدٍ منهما السدس﴾ [النساء: 12].
وأما المرأة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ... الآية﴾ [النساء: 12].
وأما مولاة النعمة والمراد بها المعتقة؛ فلدخولها في قوله عليه السلام: «إنما الولاء لمن أعتق» 27. و «الولاء لحمة كلحمة النسب» 28.
قال: (والوارث ثلاثة: ذوو فرض، وعصبات، وذوو رحم).
أما كون الوارث ثلاثة؛ فلأن الوارث تارة يكون ذا فرض، وتارة عصبة، وتارة ذا رحم.
وأما "ذو" فهو بمعنى صاحب.
وأما "الفرض" فهو التقدير.
ومنه: فَرَض القاضي النفقة.
أي قدّرها.
فذو الفرض معناه: صاحب التقدير.
أي: الذي قُدّر له شيء معلوم في كتابٍ أو سنة.
وأما "العصبة" فهو الوارث بغير تقدير.
والعصَبةُ مأخوذ من العَصْبِ وهو الشدة، ومنه: عصابة الرأس.
والمعنى هنا: أن الميت يشتدّ أزره وجانبه بولده وبأبيه وبإخوته وما أشبه ذلك.
وأما "ذو الرحم" فهو الذي يدلي بقرابة الأم.
فإن قيل: في هذا إشكالان:
أحدهما: أن ولد الأم يدلي بقرابة الأم وليس بذي رحم في الميراث.
وثانيهما: أن بنات العم وبنات الأخ من ذوي الأرحام ولا يدلون بقرابة الأم.
الجزء: 3 - الصفحة: 309
قيل: أما ولد الأم فهو ذو رحم حقيقة إلا أنه لما ورث بالفرض صار هذا الوصف مغموراً بالنسبة إليه؛ لأنه إذا اجتمع سببان أحدهما أقوى من الآخر يصير الأضعف مغموراً بالنسبة إلى الأقوى.
لا سيما إذا كان أحد السببين في الجملة ليس بسببٍ مع وجود الآخر؛ كميراث ذي الرحم مع ذي الفرض.
ومما 29 يبين أنه في الحقيقة ذو رحمٍ أنه لو كان عبداً فملكه عتق عليه؛ لأنه ذو رحمه.
وأما بنات العم والأخ 30.
الجزء: 3 - الصفحة: 310
باب ميراث ذوي الفروض
الميراث أصله: مِوْراث 31. انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها.
وذوي جمع ذو.
والفروض: جمع فرض.
وقد تقدم أن "ذو" معناها: صاحب.
وأن الفرض معناه: التقدير.
فمعنى ذوي الفروض: أصحاب التقادير.
قال المصنف رحمه تعالى: (وهم عشرة: الزوجان، والأبوان، والجد، والجدة، والبنت، وبنت الابن، والأخت من كل جهة، والأخ من الأم؛ فللزوج الربع إذا كان لها ولد أو ولد ابن، والنصف مع عدمهما.
وللمرأة الثمن إذا كان له ولد أو ولد ابن، والربع مع عدمهما).
أما كون ذوي الفروض عشرة؛ فلأن كل من ذُكر له فرض؛ لما يأتي ذكره في موضعه، وهم عشرة.
فإن قيل: ما تقدم مشعرٌ بأمرين:
أحدهما: أن ذوي الفروض عشرة.
وقد ذكرت الدلالة عليه.
وثانيهما: أن غير العشرة لا يكون من ذوي الفروض، ولم يذكر الدلالة عليه.
قيل: دليله الإجماع.
ولأن الأصل عدم التقدير.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: الزوجان ... إلى قوله: والأخ من الأم؛ فتعداد للعشرة، وبيان المراد بها.
وأما كون الزوج له الربع مع من ذُكر والنصف مع عدمه، وكون المرأة لها الثمن مع من ذكر والربع مع عدمه؛ فلأن الله تعالى قال: {ولكم نصفُ ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولدٌ فلكم الربع مما تركن من بعد وصية
الجزء: 3 - الصفحة: 311
يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم} [النساء: 12].
فإن قيل: الحجب من النصف إلى الربع ومن الربع إلى الثمن بالولد ظاهر فلم يحصل ذلك الحجب بولد الابن؟
قيل: لأنه ولد بدليل دخوله في: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: 11].
والمراد بقول المصنف: وللمرأة الثمن المرأة الواحدة فأكثر إلى أربع؛ لاستواء الكل في قدر الميراث.
فإن قيل: فلم جعل الجماعة مثل الواحدة؟
قيل: لأنه لو فرض لكل واحدةٍ الربع وهن أربع لأخذن المال كله وزاد فرضهن على فرض الزوج.
الجزء: 3 - الصفحة: 312
فصل [في أحوال الأب]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وللأب ثلاثة أحوال: حال يرث فيها السدس بالفرض.
وهي مع ذكور الولد أو ولد الابن، وحال يرث بالتعصيب.
وهي مع عدم الولد وولد الابن، وحال يجتمع له الفرض والتعصيب.
وهي مع إناث الولد أو ولد الابن) 32.
أما كون الأب له ثلاثة أحوال؛ فلأنه تارة يرث بالفرض، وتارة بالتعصيب، وتارة بهما.
وأما كون إحدى أحواله: حالاً يرث فيها السدس بالفرض.
وهي مع ذكور الولد أو ولد الابن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولأبويه لكل واحدٍ منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾ [النساء: 11].
فإن قيل: الولد يقع على الذكر والأنثى.
فلم خصص هنا بالذكر؟
قيل: لأن الغرض الإرث بالفرض لا غير.
ولو كان الولد أنثى لاجتمع له مع الفرض التعصيب؛ لما يأتي.
وأما كون إحدى أحواله: حالاً يرث فيها بالتعصيب وهي مع عدم الولد وولد الابن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ [النساء: 11] أضاف المال إليهما، وجعل للأم الثلث.
فكان الباقي للأب.
وهذا شأن التعصيب.
وأما كون إحدى أحواله: حالاً يجتمع له فيها الإرث بالفرض والتعصيب.
وهي مع إناث الولد أو ولد الابن؛ فلأنه إذا كان في المسألة بنت أو بنات أخذ
الجزء: 3 - الصفحة: 313
السدس بالفرض؛ لقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحدٍ منهما السدس مما ترك 33 إن كان له ولد﴾ [النساء: 11]، ويرث الباقي بعد فرض البنت أو البنات بالتعصيب؛ لقوله عليه السلام: «فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكر» 34 متفق عليه.
والأب حينئذٍ أولى رجلٍ ذكر.
الجزء: 3 - الصفحة: 314
فصل [في حكم ميراث الجد]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وللجد هذه الأحوال الثلاثة وحال رابعٌ.
وهي مع الإخوة والأخوات من الأبوين أو الأب فإنه يقاسمهم كأخ.
إلا أن يكون الثلث خيراً له فيأخذه، والباقي لهم).
أما كون الجد له الأحوال الثلاثة المتقدم ذكرها؛ فلأنه أبٌ وقد ورّثه رسول الله صلى الله عليه وسلم السدس 35. رواه سعيد بن منصور.
وأما كونه له حال رابع.
وهي: مع الإخوة والأخوات من الأبوين أو الأب؛ فلأنه يرث معهم في الجملة؛ لأنه لا سبيل إلى إسقاطه بالإخوة والأخوات، ولا بالعكس؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق؛ لأن كل واحدٍ منهما يدلي بالأب: الجد؛ لأنه أبوه.
والأخ؛ لأنه ابنه.
وقرابة البنوّة لا تنقص عن قرابة الأبوّة.
بل ربما كانت أقوى؛ لأن الأبوّة ربما سقطت بالبنوّة.
فإذا لم يسقط بهم فلا أقل من أن لا يسقطوا به.
وأما كونه يقاسمهم كأخٍ إذا لم يكن الثلث خيراً له؛ فلما تقدم من الاستواء المذكور.
وأما كونه يأخذ الثلث إذا كان خيراً له والباقي للإخوة؛ فلأن زيد بن ثابت هكذا كان يصنع 36 وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفرضكم زيد» 37.
الجزء: 3 - الصفحة: 315
قال: (فإن كان معهم ذو فرضٍ أخذ فرضه.
ثم للجد الأحظ من: المقاسمة كأخٍ، وثلث الباقي، وسدس جميع المال).
أما كون ذي الفرض يأخذ فرضه؛ فلأن ذلك له؛ لما تقدم في موضعه.
وأما كون الجد له الأحظ من: المقاسمة بعد إخراج فرض ذي الفرض، ومن ثلث الباقي، ومن سدس جميع المال؛ فلأن ذلك له مع عدم فرض ذي الفرض.
فكذا مع وجوده بعد إخراج نصيبه.
فإن قيل: مع عدم ذي الفرض 38 كان له ثلث الجميع.
قيل: ما يؤخذ بالفرض كأنه ذهب من المال فصار ثلث الباقي بمنزلة ثلث الجميع.
فعلى هذا إذا زاد الإخوة عن اثنين أو من يَعْدِلُهم من الإناث فلا حظ له في المقاسمة.
ومتى نقصوا عن ذلك فلا حظ له في ثلث الباقي.
ومتى نقصت الفروض عن النصف فلا حظ له في السدس.
وإذا كانت الفروض النصف استوى السدس وثلث الباقي.
ومتى كانت الإخوة اثنين استوى ثلث الباقي والمقاسمة.
قال: (فإن لم يفضل عن الفرض إلا السدس فهو له وسقط من معه منهم.
إلا في الأكدرية وهي: زوجٌ وأمٌ وأختٌ وجدٌ: فللزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، وللأخت النصف، ثم يقسم نصف الأخت وسدس الجد بينهما على ثلاثة.
فتضربها في المسألة وعولها وهو تسعة يكون سبعة وعشرين: للزوج تسعة، وللأم ستة، وللجد ثمانية، وللأخت أربعة.
ولا يعول من مسائل الجد غيرها.
ولا يفرض لأختٍ مع جدٍ إلا فيها).
أما كون السدس للجد إذا لم يفضل عن الفرض إلا ذلك؛ فلأنه لا يجوز نقصانه عن السدس؛ لأنه يرثه مع الولد فمع غيره بطريق الأولى.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم الجد السدس 39، ولا يجوز أن ينقص منه.
وأما كون من مع الجد من الإخوة والأخوات من الأبوين أو الأب يسقط فيما ذكر إذا لم تكن الأكدرية؛ فلأنهم عصبة، وقد استوعبت الفروض المال.
الجزء: 3 - الصفحة: 316
وأما كون الأخت لا تسقط في الأكدرية؛ فلأن زيداً قضى فيها بذلك 40. والذي حمله على عولها أنه لو لم يفرض للأخت لسقطت، وليس في الفريضة من يسقطها.
والذي حمله على ضم نصف الأخت إلى سدس الجد أنها لا ترث معه إلا بحكم المقاسمة.
وسميت الأكدرية؛ لأنها كدرت أصول زيد؛ لأنه لا عول عنده في مسائل الجد وقد أعالها.
ولا فرض عنده لأختٍ مع جدٍ وقد فرض لها معه.
ولأنه جمع سهامهما 41 ثم قسمها ولا نظير له.
وقيل: سميت أكدرية؛ لأن عبدالملك بن مروان سأل عنها رجلاً اسمه: الأكدر فأفتى فيها على مذهب زيد وأخطأ فيها فنسبت إليه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي زوجٌ وأمٌ وأختٌ وجدٌ؛ فبيان للأكدرية.
وأصلها من ستة؛ لأن فيها سدساً ونصفاً، وتعول إلى تسعة؛ لأن الزوج له النصف ثلاثة، وللأم لها الثلث سهمان، والأخت لها النصف ثلاثة، والجد له السدس سهم.
ثم يجمع سهم الأخت والجد وهو أربعة فيقسم بينهما على ثلاثة لا تصح فتضرب ثلاثة في تسعة تكون سبعة وعشرين، ثم من له شيء من أصل المسألة مضروب في المسألة: فللزوج ثلاثة مضروبة في ثلاثة بتسعة، وللأم اثنان في ثلاثة بستة، وللأخت والجد أربعة في ثلاثة باثني عشر بينهما أثلاثاً: للجد ثمانية، وللأخت أربعة.
وأما كونه لا يعول من مسائل الجد غيرها، ولا يفرض لأخت مع الجد إلا فيها؛ فلأن ذلك مذهب زيد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفرضكم زيد» 42.
قال: (وإن لم يكن فيها زوج فللأم الثلث، وما بقي بين الجد والأخت على ثلاثة فتصح من تسعة، وتسمى: الخرقاء؛ لكثرة اختلاف الصحابة فيها).
أما كون المسألة المذكورة تصح من تسعة؛ فلأن أصلها من ثلاثة؛ لأن فيها ثلثاً، وما بقي للأم الثلث سهم.
يبقى سهمان بين الجد والأخت على ثلاثة، لأن
الجزء: 3 - الصفحة: 317
المقاسمة هنا أحظ له واثنان على ثلاثة لا تصح فتضرب ثلاثة في ثلاثة تكون تسعة: للأم ثلاثة، وللجد أربعة، وللأخت اثنان.
وأما كونها تسمى الخرقاء؛ فلما ذكر المصنف؛ لأن الأقوال لما كثرت كأنها خرقتها.
فإن قيل: ما كثرة اختلاف الصحابة فيها؟
قيل: سبعة أقوال: قول الصديق رضي الله عنه وموافقيه: للأم الثلث، والباقي للجد.
وقول زيد وموافقيه وهو ما تقدم.
وقول عليّ: للأخت النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس.
وقول عمر وعبدالله: للأخت النصف، وللأم ثلث الباقي، وما بقي للجد.
وقول ابن مسعود: للأخت النصف، والباقي بين الجد والأم نصفين فتصح من أربعة.
وعن عثمان: المال بينهم أثلاثاً.
قال: (وولد الأب كولد الأبوين 43 في مقاسمة الجد إذا انفردوا.
فإن اجتمعوا عادّ ولد الأبوين الجد بولد الأب.
ثم أخذوا منهم ما حصل لهم.
إلا أن يكون ولد الأبوين أختاً واحدة فتأخذ تمام النصف وما فضل لهم.
ولا يتفق هذا في مسألة فيها فرض غير السدس).
أما كون ولد الأب كولد الأبوين في مقاسمة الجد إذا انفردوا؛ فلأن حكم ميراثهم في غير هذا الموضع.
فكذا في هذا.
وأما كون ولد الأبوين يعادّ الجد بولد الأب؛ فلأن الجد لا يُسقط ولد الأب بدليل ميراثه معه إذا انفرد.
فإن قيل: ما معنى عادّ؟
قيل: زاحم.
وأما كون ولد الأبوين يأخذون جميع ما حصل لولد الأب إذا لم يكن ولد الأبوين أختاً واحدة، وكون الأخت الواحدة من ولد الأبوين تأخذ تمام النصف؛ فلأنهما أولى بذلك منه.
بدليل ما لو اجتمعا ولا جدّ.
الجزء: 3 - الصفحة: 318
فعلى هذا ولد الأبوين إن كان ذكراً أو أختين أخذ جميع ما في يد ولد الأب؛ لأنه حقه.
وإن كان أختاً واحدةً لم تأخذ إلا تمام النصف؛ لأن فرضها لا يزيد على نصفٍ، وما بقي فهو لولد الأب؛ لأنه إنما يؤخذ منه لكون ولد الأبوين أولى وقد زالت أولويته هنا؛ لاستكمال حقه.
وأما كون ما ذكر لا يتفق في مسألة فيها فرض غير السدس فبالسَّبْر.
قال: (فإذا كان جدٌ، وأختٌ من أبوين، وأختٌ من أبٍ: فالمال بينهم على أربعة: للجد سهمان، ولكل أختٍ سهم، ثم رجعت الأخت من الأبوين فأخذت ما في يد أختها كله).
أما كون المال فيما ذكر بين الجد والأختين المذكورتين على أربعة؛ فلأن المقاسمة أحظ للجد فيجعل كأختين.
يكون ذلك أربعة: للجد سهمان، ولكل أختٍ سهم.
وأما كون الأخت من الأبوين ترجع فتأخذ ما في يد أختها كله؛ فلما تقدم من أنها تستحق تمام النصف.
قال: (فإن كان معهم أخٌ من أبٍ: فللجد الثلث، وللأخت النصف.
يبقى للأخ وأخته السدس على ثلاثة.
فتصح من ثمانية عشر).
أما كون الجد له الثلث؛ فلأنه أحظ له.
وأما كون الأخت لها النصف؛ فلأنها أخت لأبوين.
وأما كون ما يبقى للأخ وأخته؛ فلأنهما عصبة لكونهما لأب.
وأما كون ذلك السدس؛ فظاهر.
وأما كونه على ثلاثةٍ؛ فلأن الأخ باثنين والأخت بواحد.
وأما كون المسألة المذكورة تصح من ثمانية عشر؛ فلأن العدد المنكسر عليه ثلاثة.
فإذا ضربتها في أصل المسألة وهي ستة تكون ثمانية عشر.
قال: (فإن كان معهم أمٌ: فلها السدس، وللجد ثلث الباقي، وللأخت النصف، والباقي لهم.
فتصح من أربعة وخمسين.
وتسمى: مختصرة زيد).
أما كون الأم لها السدس؛ فلأن ذلك فرضها مع الإخوة.
الجزء: 3 - الصفحة: 319
وأما كون الجد له ثلث الباقي؛ فلأنه أحظ له.
وأما كون الأخت لها النصف؛ فلأنها لأبوين.
وأما كون الباقي للأخ وأخته؛ فلأنهما 44 عصبته لكونهما لأب.
وأما كون المسألة تصح من أربعة وخمسين؛ فلأن أصلها من ستة، لأن فيها سدساً ونصفاً: للأم سهم، وللأخت ثلاثة، وللجد ثلث الباقي.
لا تصح فابسط ذلك أثلاثاً تكن ثمانية عشر: للأم السدس ثلاثة، وللجد ثلث الباقي خمسة، وللأخت تسعة.
يبقى سهم على ثلاثة لا تصح فاضرب ثمانية عشر في ثلاثة يكون أربعة وخمسين: للأم ثلاثة في ثلاثة بتسعة، وللجد خمسة في ثلاثة بخمسة عشر، وللأخت تسعة في ثلاثة بسبعة وعشرين.
يبقى ثلاثة: للأخ سهمان، وللأخت سهم.
وأما كونها تسمى مختصرة زيد؛ لكونه لو قاسم بالجد لانتقلت الستة إلى ستة وثلاثين: للأم ستة، وللجد عشرة، وللأخت ثمانية عشر.
يبقى سهمان على ثلاثة لا تصح فتضرب ستة وثلاثين في ثلاثة يكون مائة وثمانية ترجع بالاختصار إلى أربعة وخمسين.
قال: (فإن كان معهما أخٌ آخر صحت من تسعين، وتسمى تسعينية زيد).
أما كون المسألة المذكورة تصح من تسعين؛ فلأن السهم الباقي المذكور ينقسم حينئذٍ على خمسة.
فتضرب ثمانية عشر في خمسة يكون تسعين: للأم ثلاثة في خمسة بخمسة عشر، وللجد خمسة في خمسة بخمسة وعشرين، وللأخت تسعة في خمسة بخمسة وأربعين.
يبقى خمسة لكل أخٍ سهمان، وللأخت سهم.
وأما كونها تسمى تسعينية زيد؛ فلأن زيداً صححها من تسعين.
الجزء: 3 - الصفحة: 320
فصل [في أحوال الأم]
قال المصنف رحمه الله: (وللأم أربعة أحوال: حال لها السدس.
وهي: مع وجود الولد، أو ولد الابن، أو اثنين من الإخوة والأخوات.
وحال لها الثلث.
وهي: مع عدم هؤلاء.
وحال لها ثلث ما بقي وهي في 45 زوج وأبوين وامرأة وأبوين.
لها ثلث الباقي بعد فرض الزوجين).
أما كون الأم لها أربعة أحوال؛ فلأنها تارة ترث السدس، وتارة الثلث، وتارة ثلث ما بقي، وتارة بالفرض، والتعصيب في رواية.
وسيأتي 46 دليل ذلك كله في مواضعه.
وأما كون أحد أحوالها: حالاً لها السدس.
وهي: مع وجود الولد، أو ولد الابن، أو اثنين من الإخوة والأخوات: أما مع وجود الولد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولأبويه لكل واحدٍ منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾ [النساء: 11].
وأما مع ولد الابن؛ فلأنه ولد فيدخل فيما تقدم.
وإنما لم يكن ولد البنت كذلك؛ لأن نسبته إلى أبيه لا إلى أمه، ومنه قول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وأما مع وجود اثنين من 47 الإخوة والأخوات؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن كان له إخوةٌ فلأمه السدس﴾ [النساء: 11].
فإن قيل: الإخوة جمع.
وأقله ثلاثة.
فلم انحجبت عن الثلث إلى السدس باثنين؟
الجزء: 3 - الصفحة: 321
قيل: «لأن ابن عباس قال لعثمان: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك.
فلم تحجب الأم؟ فقال: لا أستطيع أن أرد شيئاً كان قبلي ومضى في البلدان وتوارث به الناس» 48. وفي هذا دليل على إجماع الصحابة على ذلك قبل حدوث المخالف.
ولأن كل حجب تعلق بعدد كان أوله اثنين؛ كحجب البنات لبنات الابن، والأخوات من الأبوين للأخوات من الأب.
ولأن الله تعالى قال: ﴿وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: 176]، وهذا ثابت في أخ وأخت.
ومن أهل اللغة من يجعل الاثنين جمعا حقيقة، ومنهم من يستعمله مجازا فيصرف إليه بالدليل.
وأما كون أحد أحوالها: حالاً لها الثلث وهي مع عدم من تقدم ذكره؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن لم يكن له ولدٌ وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ [النساء: 11].
وأما كون أحد أحوالها: حالاً لها ثلث ما بقي.
وهي: في زوج وأبوين وامرأة وأبوين؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه قضى لها بثلث ما بقي بعد فرض الزوجين» 49. وتابعه عثمان وابن مسعود وزيد بن ثابت.
فإن قيل: فرض الأم عند عدم الولد وولد الابن والاثنين من الإخوة والأخوات الثلث؛ لما تقدم.
وليس في هذه المسألة واحد ممن ذكر، وقد احتج ابن عباس على ذلك؛ بعموم الآية.
قيل: الحجة معه لولا إجماع الصحابة على مخالفته.
ولأن الأم لو أخذت ثلث المال كله في مسألة الزوج لأخذت أكثر من الأب.
وذلك لا يجوز.
ولأن الفريضة لو جمعت أبوين كان للأم ثلث الباقي؛ كما لو كان معهم بنت.
فعلى هذا مسألة الزوج تصح من ستة: للزوج ثلاثة، وللأب سهمان، وللأم سهم.
ومسألة المرأة تصح من أربعة: للمرأة سهم، وللأب سهمان، وللأم سهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 322
قال: (وحال رابعٌ: وهي: إذا لم يكن لولدها أبٌ؛ لكونه ولد زناً أو منفياً بلعان: فإنه ينقطع تعصيبه من جهة من نفاه.
فلا يرثه هو ولا أحد من عصباته، وترث أمه وذوو الفروض منه فروضهم وعصبته عصبة أمه 50. وعنه: أنها هي عصبته فإن لم تكن فعصبتها عصبته).
أما كون الأم لها حال رابع؛ فلأن لها حالاً تكون فيها عصبة لولدها في روايةٍ.
وذلك في صورتين:
أحدهما: إذا كان ولدها من الزنا؛ لأنه لا ينتسب إلى الزاني.
فيجب أن يكون الحكم في الميراث منه كحكم ولد الملاعنة؛ لاستوائهما في انقطاع نسبهما من الزاني والملاعن.
وثانيهما: إذا كان ولدها منفياً بلعان.
وأما كون المنفي بلعان ينقطع تعصيبه من جهة من نفاه؛ فلأن في حديث سهل بن سعد في المتلاعنين: «ففرّقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضَى أن لا يُدعَى ولدهَا لأب» 51 رواه أبو داود.
وفي حديث ابن عمر: «وألحق الولد بالمرأة» 52 متفق عليه.
وأما كون من نفاه لا يرث المنفي؛ فلأنه لما انقطع بينهما التعصيب أشبه الأجنبي.
وأما كونه لا يرثه أحدٌ من عصبات من نفاه؛ فلأنه إذا لم يرثه من نفاه فلأن لا يرثه عصباته وهم يدلون به بطريق الأولى.
وأما كون الأم وذوي الفروض يرثون قدر فروضهم؛ فلأن أصحاب الفروض يقدَّمُون على العصبة.
وأما كون عصبته عصبة أمه على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألحقوا
الجزء: 3 - الصفحة: 323
الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكر» 53، وعصبات أمه أولى رجل بالملاعن عليه.
وعن علي «أنه ألحق ولد الملاعنة بعصبة أمه» 54.
وأما كون أمه عصبته على روايةٍ فإن لم تكن فعصبتها عصبته؛ فلما عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلَ ميراثَ ابن الملاعنةِ لأمه ولورثتِهَا من بعدِهَا» 55 رواه أبو داود.
وروى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تحُوزُ المرأةُ ثلاثةَ مواريث: عَتيقَهَا ولقِيطَهَا وولَدَهَا الذي لاعنتْ عليه» 56. رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث حسن غريب.
وعن عبدالله بن عبيد 57 بن عمير قال: «كتبتُ إلى صديقٍ لي من أهلِ المدينةِ من بني زُريقٍ أسألُه عن ولدِ الملاعنة لمن قضَى به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكتبَ إليَّ سألتُ.
فأُخبرتُ أنه قضى به لأمّهِ.
هي بمنزلةِ أبيهِ وأمّه» 58. رواه أبو داود.
الجزء: 3 - الصفحة: 324
قال: (فإذا خلّف أماً وخالاً: فلأمه الثلث وباقيه للخال، وعلى الرواية الأخرى: الكل للأم.
وإن كان معهم أخ فله السدس والباقي له أو للأم على الرواية الثانية).
أما كون من خلّف أماً وخالاً لأمه الثلث وباقي المال للخال على الرواية الأولى؛ فلأن فرض الأم والحالة هذه الثلث، والباقي لعصبة الميت وهو الخال؛ لأنه أخو أمه.
وأما كون الكل للأم على الرواية الأخرى؛ فلأنها صاحبة فرض وعصبته عليها.
فتأخذ الثلث بالفرض والباقي بالتعصيب.
وأما كون الأخ له السدس إذا كان مع الأم والخال؛ فلأن فرض الأخ من الأم السدس.
وأما كون الباقي للخال على الرواية الأولى وللأم على الرواية الثانية؛ فلما تقدم ذكره.
ولا بد أن يلحظ في الباقي أنه بعد ثلث الأم وسدس الأخ؛ لأنه لولا ذلك لما كان للأم شيء على الرواية الأولى، وليس كذلك وفاقاً.
قال: (وإذا مات ابنُ ابنٍ ملاعنةٍ وخلّف أمه وجدته: فلأمه الثلث وباقيه للجدة على إحدى الروايتين، وهذه جدة ورثت مع أمٍّ أكثر منها).
أما كون الثلث للأم؛ فلأنه فرضها في هذه المسألة.
وأما كون باقي المال للجدة على إحدى الروايتين؛ فلأنها هي الملاعنة وهي عصبة الملاعن عليه على روايةٍ فيكون لها الباقي؛ لأنها عصبة أبيه وعصبة أبي الشخص عصبة له.
فإن قيل: على الرواية الأخرى ما الحكم؟
قيل: يكون الباقي للأم؛ لأنه إذا قيل ليست الجدة عصبة له كان الباقي للأم بالرد؛ لأن الميت لا عصبة له، ولا صاحب فرضٍ غيرها.
وأما كون هذه جدة ورثت مع أمّ أكثر منها؛ فلأنها ورثت الثلثين مع إرث الأم الثلث، وذلك إرث جدةٍ مع أمٍّ، وهو أكثر من نصيب الأم.
وإنما ورثت
الجزء: 3 - الصفحة: 325
معها؛ لأن الجدة عصبةٌ على روايةٍ.
وإنما ورثت أكثر منها؛ لأن العصبة له الباقي، والباقي هنا أكثر، ويعايا بهذه المسألة؛ لأن الجدة ورثت مثلي 59 الأم.
الجزء: 3 - الصفحة: 326
فصل [في حكم ميراث الجدات]
(وللجدّات السدس.
واحدةً كانت أو أكثر إذا تحاذين).
أما كون الجدة الواحدة لها السدس؛ فلما روى قبيصة بن ذُؤيب قال: «جاءتِ الجدةُ إلى أبي بكر تطلبُ ميراثها.
فقال: ما لكِ في كتاب الله شيء وما علمتُ لكِ في سنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من شيء.
ولكن ارجعي حتى أسألَ الناسَ.
فقال المغيرة بن شعبة: حضرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس.
فقال: هل معكَ غيرك؟ فشهد له محمد بن مسلمة.
فأمضاهُ لها أبو بكر» 60.
وأما كون الجدات لهن ذلك وإن كثرن؛ فلأن تكملة الحديث المذكور: «فلما كان عمرُ جاءت الجدة الأخرى.
فقال: ما لكِ في كتابِ الله شيء وما كان القضاءُ الذي قضى به أبو بكر إلا في غيرك، وما 61 أنا بزائدٍ في الفرائضِ شيئاً.
ولكن تعودُ إلى السدس.
فإن اجتمعتما 62 فهو لكما.
وأيكما خَلتْ به فهو لها» 63. رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: إذا تحاذين فشرط في كونهن لهن ذلك؛ لأن بعضهن 64 إذا كان أقرب من بعض له حكم يأتي بيانه بعد 65 إن شاء الله تعالى.
الجزء: 3 - الصفحة: 327
قال: (فإن كان بعضُهن أقرب من بعض: فالميراث لأقربهن.
وعنه: أن القربى من جهة الأب لا تحجب البعدى من جهة الأم).
أما كون الميراث لأقرب الجدات من جهة الأم كانت الجدة أو من جهة الأب؛ فلأن الأقرب أبداً يحجب الأبعد.
دليله: الآباء والأبناء.
وأما كون القربى من جهة الأب لا تحجب البعدى من جهة الأم على روايةٍ؛ فلأن الذي تدلي به الجدة 66 من جهة الأب لا يحجب الجدة من جهة الأم فلأن لا يحجبها هي وهي تدلي به أولى.
وبهذا فارقتها التي من جهة الأم فإنها تدلي بالأم وهي تحجب جميع الجدات.
قال: (ولا يرث أكثر من ثلاث جدات: أم الأم، وأم الأب، وأم الجد.
ومن كان من أمهاتهن وإن علت درجتهن.
فأما أم أبي الأم وأم أبي الجد فلا ميراث لهما).
أما كون الجدات لا يرث منهن أكثر من ثلاث وهن من ذكرن ومن كان من أمهاتهن؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم ورّثَ ثلاثَ جداتٍ: ثنتين من قبلِ الأبِ، وواحدة من قبلِ الأم» 67. أخرجه أبو عبيد والدارقطني.
وروى سعيد عن إبراهيم أنه قال: «كانوا يورّثون من الجدات ثلاثاً: ثنتين من قبل الأب: وواحدةٍ من قبل الأم» 68. وفي ذلك دلالة على التحديد وعدم إرث الزائد على الثلاث.
وأما كون أم أبي الأم، وأم أبي الجد: لا ميراث لهما؛ فلأنهما من ذوي الأرحام.
والمراد: نفي الإرث بكونهما جدتين لا بكونهما من ذوي الأرحام؛ لأن الكلام في ميراث الجدة المستحقة بنفسها لا بسبب غيرها.
الجزء: 3 - الصفحة: 328
قال: (والجدات المتحاذيات: أمُّ أمِّ أمٍّ، وأمُّ أمِّ أبٍ، وأمُّ أبي أبٍ.
وترث الجدة وابنها حيٌ.
وعنه: لا ترث).
أما كون الجدات المتحاذيات من ذُكر؛ فلتساويهن في كون كل واحدةٍ ليس بينها وبين ولد ولدها غير واحدة، ولا يتصور ذلك في أول جدةٍ؛ لأن من الثلاث أم الجد فلا تحاذيها إلا ثاني جدةٍ.
وأقل ما يمكن ذلك مثْل الذي مثّل المصنف رحمه الله.
وأما كون الجدة ترث وابنها حيٌ على المذهب؛ فلما روى ابن مسعود قال: «أولُ جدةٍ أطعمَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم السدسَ: أم أبٍ معَ ابنها وابنُها حَي» 69. رواه الترمذي.
وأما كونها لا ترث على روايةٍ؛ فلأنها تدلي بابنها.
فلم ترث معه؛ كالجد مع الأب، وأم الأم مع الأم.
والأول أصح؛ للحديث.
ولأنها ترث ميراث الأم لا ميراث الأب.
فلا تحجب به؛ كأم الأم.
فإن قيل: لو كان ابنها عماً.
قيل: ترث معه قولاً واحداً؛ لأنها لا تدلي به البتّة.
قال: (وإن اجتمعت جدةٌ ذات قرابتين مع أخرى فلها ثلثا السدس في قياس قوله، وللأخرى ثلثه).
أما كون الجدة ذات القرابتين لها ثلثا السدس؛ فلأن الجدة شخص ذات قرابتين ترث بكل واحدةٍ 70 منهما منفردة.
فوجب أن ترث بكل واحدة 71 منهما إذا اجتمعا؛ كابن العم إذا كان أخاً لأم أو زوجاً.
فإن قيل: ما المراد من قول المصنف: في قياس قوله؟
الجزء: 3 - الصفحة: 329
قيل: يحتمل أنه أراد القياس على المجوس؛ لأنهم يرثون بجميع قراباتهم، ويحتمل أنه أراد القياس على ابن العم المذكور.
والضمير في قوله راجع إلى الإمام أحمد؛ لأنه يقول بالإرث بالجهتين في المسألتين.
الجزء: 3 - الصفحة: 330
فصل [في حكم ميراث البنات]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وللبنت الواحدة النصف.
فإن كانت 72 اثنتين فصاعداً فلهن الثلثان).
أما كون البنت الواحدة لها النصف؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن كانت واحدةً فلها النصف﴾ [النساء: 11].
وأما كون الاثنتين فصاعداً 73 لهما الثلثان: فاختلف أهل العلم في علته.
فقيل: هي قوله: ﴿فإن كُنّ نِساءً فوقَ اثنتين فلهن ثُلُثا ما ترك﴾ [النساء: 11].
والتقدير: فإن كن نساءً اثنتين، وفوق صِلَة؛ كقوله تعالى 74: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ [الأنفال: 12] أي: اضربوا الأعناق.
ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية أرسل إلى أخي سعد بن الربيع فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين» 75؛ لأن قوله يقع مبيناً لكلام الله لا سيما إذا كان عقيبه.
ويؤيده أيضاً أن سبب الآية قصة ابنتي سعد.
وقيل: السنة الثابتة.
وقيل: التنبيه؛ لأن الله تعالى جَعَل للأختين الثلثين بقوله: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ [النساء: 176]؛ لأنه إذا جعل للأختين الثلثين فالبنتان أولى؛ لأنهما أقرب منهما.
وقيل: الإجماع.
وقيل: القياس.
وأما كون أكثر من ثنتين لهن الثلثان؛ فللآية المذكورة.
الجزء: 3 - الصفحة: 331
قال: (وبنات الابن بمنزلة البنات إذا لم يكن بنات.
فإن كانت بنت وبنات ابنٍ: فللبنت النصف، ولبنات الابن واحدةً كانت أو أكثر من ذلك السدس تكملة الثلثين.
إلا أن يكون معهن ذكر فيعصبهن فيما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين).
أما كون بنات الابن بمنزلة البنات إذا لم يكن بنات؛ فلأن بنت الابن بنته كما أن ابن الابن ابنه، وإذا كان كذلك دخلن في قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم 76 الآية﴾ [النساء: 11].
وإنما اشترط في كون بنات الابن بمنزلة البنات عدم البنات؛ لأن البنات الموجودات يأخذن الثلثين فلم يبق لبنات الابن من فرض البنات شيء.
وكان ينبغي أن يقول: إذا لم يكن له بنتان؛ لأن بنات الابن لا يرثن مع البنتين شيئاً؛ لما ذكر.
وأما كون البنت لها النصف مع بنات الابن؛ فلأنه فرض الواحدة؛ لما تقدم.
وأما كون بنات الابن واحدة كانت أو أكثر لهن السدس تكملة الثلثين إذا لم يكن معهن ذكر؛ فلأن فرض البنات وإن كثرن الثلثان: أخذت البنت النصف؛ لأنه مفروض لها، والاسم متناولها حقيقةً فبقي البقية تمام الثلثين.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى بنت الابن مع البنت السدس» 77.
وأما كونهن إذا كان معهن ذكر يعصبهن فيما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فلأن قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: 11] يشمل بنات الابن إذا كان معهن ذكر.
ولأنه في درجتهن فيعصبهن؛ كالابن مع أخواته.
قال: (وإن استكمل البنات الثلثين سقط بنات الابن.
إلا أن يكون معهن أو أنزل منهن ذكرٌ فيعصبهن فيما بقي).
أما كون بنات الابن تسقط إذا استكملت البنات الثلثين ولم يكن معهن من تقدم ذكره؛ فلأنهن يرثن ميراث البنات ولم يبق منه شيء.
الجزء: 3 - الصفحة: 332
[وأما كونهن إذا كان معهن ذكر يعصبهن فيما بقي؛ فلما تقدم قبل] 78.
وأما كونهن إذا كان معهن ذكر أنزل منهن يعصبهن فيما بقي؛ فلأنه ابنٌ في الجملة.
أشبه الابن الذي معهن.
الجزء: 3 - الصفحة: 333
فصل [في حكم ميراث الأخوات]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفرض الأخوات من الأبوين مثل فرض البنات سواء.
والأخوات من الأب معهن؛ كبنات الابن مع البنات سواء.
إلا أنه لا يعصبهن إلا أخوهن).
أما كون فرض الأخوات من الأبوين مثلَ فرض البنات سواء: للواحدة النصف وللاثنتين فصاعداً الثلثان؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وله أختٌ فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولدٌ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ [النساء: 176].
وأما كون الأخوات من الأب مع الأخوات من الأبوين؛ كبنات الابن مع البنات سواء غير ما استثنى؛ فلأنهن يرثن ميراث الأخوات؛ كما يرث بنات الابن ميراث البنات.
فعلى هذا إذا كان له أختٌ لأبوين وأخواتٌ لأب أخذت التي لأبوين النصف؛ لأنه فرض الأخت الواحدة، وللأخوات السدس تكملة الثلثين.
فإن كان معهن أخ عصبهن؛ لأن قوله تعالى: ﴿وإن كانوا إخوةً رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظِّ الأنثيين﴾ [النساء: 176] يشملهم.
وإن كان للميت أختان لأبوين فصاعداً سقط الأخوات لأبٍ؛ لأنه لم يبق من فرض الأخوات شيء.
إلا أن يكون معهن أخ فيعصبهن ويرثن الباقي؛ لما تقدم من شمول الآية لذلك.
وأما كونهن لا يعصبهن غير أخيهن.
بخلاف بنات الابن؛ فلأن ابن الأخ ليس بأخ.
بخلاف ابن الابن 79 فإنه ابن.
الجزء: 3 - الصفحة: 334
قال: (والأخوات مع البنات عصبةٌ يرثن ما فضل؛ كالإخوة.
وليست لهن معهن فريضة مسماة).
أما كون الأخوات مع البنات عصبة؛ فـ «لأن ابن مسعود قال في بنت وبنت ابن وأخت 80: لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: للبنت النصف ولبنت الابن السدس، وما بقي فللأخت» 81. رواه البخاري وغيره.
وأما كونهن يرثن ما فضل كالإخوة؛ فلأن هذا شأن العصبة.
وأما كونهن ليست لهن معهن فريضة مسماةٌ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرض للأخت مع البنت شيئاً في الحديث المذكور.
بل جعل لها ما بقي، وليس هذا شأن صاحب الفرض.
الجزء: 3 - الصفحة: 335
فصل [في حكم ميراث ولد الأ م]
قال المصنف رحمه الله: (وللواحد من ولد الأم السدس.
ذكراً كان أو أنثى.
فإن كانا اثنين فصاعداً فلهم الثلث بينهم بالسوية).
أما كون الواحد من ولد الأم له السدس؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن كان رجلٌ يورث كلالةً أو امرأةً وله أخٌ أو أختٌ فلكل واحدٍ منهما السدس﴾ [النساء: 12].
وأما كونه له ذلك ذكراً كان أو أنثى؛ فلأن الله تعالى سوى بينهما في قوله: ﴿وله أخٌ أو أختٌ فلكل واحدٍ منهما السدس﴾ [النساء: 12].
وأما كون الاثنين فصاعداً منهم لهم الثلث بالسوية؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء: 12]، والشركة تقتضي التسوية.
بدليل ما لو وصى لهم أو وهب لهم شيئاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 336
فصل في الحجب
قال المصنف رحمه الله تعالى: (يَسقط الجد بالأب، وكل جدٍ بمن هو أقرب منه، والجدات بالأم، وولد الابن بالابن، وولد الأبوين بثلاثة: بالابن، وابنه، والأب).
أما كون الجد يسقط بالأب؛ فلأنه يدلي به.
وأما كون كل جدٍ يسقط بمن هو أقرب منه؛ فلأن القريب بالنسبة إلى البعيد أب.
وأما كون الجدات تسقط بالأم؛ فلأنهن يرثن ميراثها.
ولا فرق بين الجدة التي من قبل الأم وبين الجدة التي من قبل الأب؛ لما ذكر.
أما الجدة التي من قبل الأم فظاهر؛ لأنها تدلي بالأم فأسقطتها.
وأما التي من قبل الأب؛ فلأنها 82 لو ورثت بالأب لما ورثت معه؛ لأن الشخص يسقط بمن يدلي به.
وأما كون ولد الابن يسقط بالابن؛ فلأن الابن ولد حقيقة.
بخلاف ولد الابن.
ولأن ولد الابن يُدلي بالابن.
وأما كون ولد الأبوين يسقط بالابن وابنه؛ فلأن الله تعالى شرط في ميراثهم عدم الابن؛ لأنه قال: ﴿إن امرؤٌ هلك ليس له ولدٌ وله أختٌ فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ... الآية﴾ [النساء: 176].
فإن قيل: الولد يشمل الذكر والأنثى.
فلم خصصتُمُ الحجب بالذكر؟
قيل: لأن ما تقدم دل على أن الأخوات مع البنات عصبة.
فيخرج من الآية ذلك.
عملاً بالدليل.
فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
الجزء: 3 - الصفحة: 337
وأما كونه يسقط بالأب؛ فلأن الله تعالى شرط في ميراث ولد الأبوين كون الميت كلالة؛ لأنه قال: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤٌ هلك ... الآية﴾ [النساء: 176]. والكلالة: من لا ولد له ولا والد.
فإن قيل: مقتضى ذلك أن تحجبه الأم أيضاً.
قيل: نعم.
إلا أنه دل الدليل على ميراثه معها فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
قال: (ويَسقط ولد الأب بهؤلاء الثلاثة، وبالأخ من الأبوين).
أما كون ولد الأب يَسقط بالثلاثة المذكورة؛ فلأنها تُسقط ولد الأبوين فولد الأب بطريق الأولى.
وأما كونه يَسقط بولد الأبوين؛ فلأن علياً رضي الله عنه روى «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضَى بالدينِ قبلَ الوصيةِ، وأن أعيانَ بني الأم يتوارثونَ دونَ بني العلاتِ الرجلُ يرثُ أخاهُ لأبيهِ وأمهِ دونَ أخيهِ لأبيه» 83. رواه الترمذي.
ولأن ولد الأبوين أولى؛ لقوة قرابته بالأم.
قال: (ويَسقط ولد الأم بأربعة: بالولد ذكراً كان أو نثى، وولد الابن، والأب، والجد).
أما كون ولد الأم يسقط بالأربعة المذكورة؛ فلأن الله تعالى شرط في ميراثه كون الميت كلالة؛ لأنه قال: ﴿وإن كان رجلٌ يورَثُ كلالةً أو امرأةٌ وله أخٌ أو أختٌ ... الآية﴾ [النساء: 12].
والكلالة: من لا ولد له ولا والد.
وأما كونه يسقط بالولد ذكراً كان أو نثى؛ فلأن اللفظ عامٌ، ولم يقم دليلٌ على تخصيص الذكر.
فيجب العمل بالعامّ السالم عن المخصص له 84.
الجزء: 3 - الصفحة: 338
باب العصبات
قد تقدم معنى العصبة 85. وهم على ضربين:
أحدهما: عصبةٌ بنفسه.
وهو: كل ذكرٍ يرث بنفسه، أو بذكرٍ ليس بينه وبين الميت أنثى؛ كالابن والأب والجد ونحوهم.
وثانيهما: عصبةٌ لغيره؛ كالبنت مع أخيها، والأخت مع أخيها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهم عشرة: الابن، وابنه، والأب، وأبوه، والأخ، وابنه إلا من الأم، والعم، وابنه كذلك، ومولى النعمة، ومولاة النعمة).
أما قول المصنف رحمه الله تعالى: وهم عشرة؛ فبيان لعدد من يرث بالتعصيب.
وقد تقدم دليل إرثهم 86. وإنما استثنى 87 الأخ من الأم وابن الأخ من الأم؛ لأنهما ليسا عصبة.
ولأن الأخ من الأم صاحب فرض وابن الأخ من الأم من ذوي الأرحام.
وأما قوله: كذلك في قوله: والعم وابنه كذلك فمعناه: أن العم من الأم وابن العم من الأم ليسا عصبةً؛ لأنهما من ذوي الأرحام.
قال: (وأحقهم بالميراثِ أقربهم ويسقط بهم 88 من بَعُد).
أما كون أحق العصبة بالميراث أقربهم؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أبقت الفروض فهو لأولى رجلٍ ذكر» 89.
الجزء: 3 - الصفحة: 339
وأما كون أقربهم يُسقط من بَعُدَ؛ فلأن الأقرب إذا استحق الميراث لم يبق للأبعد شيء، ولا معنى للسقوط إلا ذلك.
قال: (وأقربهم الابن ثم ابنه وإن نزل، ثم الأب ثم الجد وإن علا، ثم الأخ من الأبوين، ثم من الأب، ثم ابن الأخ من الأبوين، ثم من الأب، ثم أبناؤهم وإن نزلوا، ثم الأعمام، ثم أبناؤهم كذلك، ثم أعمام الأب، ثم أبناؤهم، ثم أعمام الجد، ثم أبناؤهم كذلك أبداً 90، لا يرث بنو أبٍ أعلى مع بني أبٍ 91 أقرب منه وإن نزلت درجتهم.
وأولى ولد كل أبٍ أقربهم إليه.
وإن استووا فأولاهم من كان لأبوين).
أما كون أقرب العصبات الابن؛ فلأنه أقرب من ابنه، لأنه لا واسطة بينه وبين أبيه.
بخلاف ابن الابن.
ولأن ابن ابنه يُدلي به.
ولأنه ولدٌ حقيقة.
بخلاف ابن ابنه.
وأولى من أبيه؛ لأن الله تعالى بدأ به في قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم ... الآية﴾ [النساء: 11].
ولم يجعله عصبة معه في قوله: ﴿ولأبويه لكل واحدٍ منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾ [النساء: 11].
وأولى من الأخ ومن بعده؛ لقربه وبُعْدِهم.
ولأنه أولى من الأب؛ لما تقدم.
والأب أولى ممن ذكر؛ لأنهم 92 يُدلون به.
وأما كون ابن الابن كالابن؛ فلأنه ابنٌ، ولذلك يدخل في قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: 11].
وأما كون الأب أقرب من الجد؛ فلما تقدم في الابن مع ابنه.
وأما كون الجد وإن علا أولى من الإخوة في الجملة؛ فلأن له إيلاداً وتعصيباً.
أشبه الأب.
الجزء: 3 - الصفحة: 340
فإن قيل: في كلام المصنف رحمه الله تعالى إشعارٌ بتقديم الجد على الإخوة مطلقاً؟
قيل: ليس مراده ذلك بل التقديم في الجملة كما ذكرت.
وبيان تقديمه في الجملة: أن المسألة إذا استكملتها الفروض سقط الأخ دون الجد.
وإنما أطلق المصنف القول هنا اكتفاءً بتفصيل حكم الجد مع الإخوة فيما تقدم 93.
وأما كون الأخ من الأبوين أولى من الأخ من الأب؛ فلما تقدم من حديث علي 94.
ولأنه ساواه في قرابة الأب، وترجّح بقرابة الأم.
وأما كون الإخوة أولى من أبنائهم؛ فلأنهم يُدلون بهم.
وأما كون ابن الأخ من الأبوين أولى من ابن الأخ من الأب؛ فلأنه ترجّح بقرابة الأم.
أشبه الأخ من الأبوين مع الأخ من الأب.
وأما كون بني الإخوة أولى من أبنائهم؛ فلأنهم يُدلون بهم.
وأما كون ابن الأخ من الأبوين، أو ابن الأخ من الأب وإن نزل أولى من الأعمام؛ فلأن ابن الأخ من ولد الأب، والعم من ولد الجد.
وأما كون الأعمام أولى من أبنائهم؛ فلأنهم يدلون بهم.
وقول المصنف رحمه الله تعالى: ثم أبناؤهم 95 كذلك معناه: أن ابن العم لأبوين أولى من ابن العم لأب؛ لما ذكر في الإخوة.
وأما كون الأعمام من الأبوين أولى من الأعمام من الأب؛ فلترجح الأعمام من الأبوين بقرابة الأم.
وأما كون ابن العم من الأبوين أولى من ابن العم 96 من الأب؛ فلأنه يُدلي بمن هو أولى منه.
وأما كون أعمام الأب أولى من أبنائهم؛ فلأنهم يُدلون بهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 341
وأما كون أعمام الأب أولى من أعمام الجد؛ فلما ذكر في كون الإخوة أولى من الأعمام.
وأما كون أعمام الجد أولى من أبنائهم؛ فلأنهم يُدلون بهم.
وأما كون ولد كل أبٍ أولاهم أقربهم إليه؛ فلأنه أقرب من غيره، وذلك دليل الأولوية.
دليله: الابن مع ابنه.
قال: (وإذا انقرض العصبة من النسب 97 ورث المولى المعتِق، ثم عصباته من بعده).
أما كون المعتِق يرث؛ فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الولاء لمن أعتق» 98 وقوله: «الولاء لحمة كلحمة النسب» 99.
وأما كونه يرث إذا انقرض العصبة من النسب؛ فلأن الولاء مشبه به.
ولأنه يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الميراثُ للعصبةِ.
فإن لم يكن عصبةً فللمولى».
ويروى «أن رجلاً أعتق عبداً.
فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما ترى في ماله؟ قال: إذا لم يدع وارثاً فهو لك» 100.
وأما كون عصبات المعتِق يرثون المعتَق بعده؛ فلأنهم يُدلون به.
الجزء: 3 - الصفحة: 342
قال: (وأربعة من الذكور يعصِّبون أخواتهم فيمنعونهنّ الفرض، ويقتسمون 101 ما ورثوا للذكر مثل حظ الأنثيين.
وهم: الابن وابنه، والأخ من الأبوين، والأخ من الأب.
ومن عداهم من العصبات ينفرد الذكور بالميراث دون الإناث.
وهم بنو 102 الإخوة والأعمام وبنوهم).
أما كون أربعة من الذكور يعصبون أخواتهم، ويمنعونهن 103 الفرض، ويقتسمون ما ورثوا للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فلما تقدم 104 ذكره في مواضعه.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: وهم الابن وابنه والأخ من الأبوين والأخ من الأب؛ فبيان لهم.
وأما كون الابن من الأربعة المذكورة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: 11].
جعل الإرث عند اجتماع الذكور والإناث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين من غير فرضٍ للأنثى.
ولو كانت وحدها لفرضَ لها لقوله: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ [النساء: 11].
وأما كون ابن الابن منهم؛ فلأنه ابنٌ.
أشبه أباه.
وأما كون الأخ من الأبوين والأخ من الأب منهم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن كانوا إخوةً رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: 176]. ولو كانت الأخت وحدها لفُرِضَ لها؛ لقوله تعالى: ﴿وله أختٌ فلها نصف ما ترك﴾ [النساء: 176].
وأما كون من عدا الأربعة المذكورين من العصبات ينفرد الذكور بالميراث دون الإناث؛ فلأن أخواتهم من ذوي الأرحام.
بخلاف من تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: وهم بنو الأخ والأعمام وبنوهم؛ فبيان لمن ينفرد من الذكور بالميراث دون الإناث.
الجزء: 3 - الصفحة: 343
قال: (وابن ابن الابن يعصبُ من بإزائه من أخواته وبنات عمه ويعصب من أعلى منه من عماته وبنات عم أبيه إذا لم يكن لهن فرض، ولا يعصبُ من أنزل منه.
وكلما نزلت درجته زاد في تعصيبه قَبيل آخر).
أما كون ابن ابن الابن يعصب من بإزائه ممن 105 ذكر؛ فلأن ابن ابن الابن يسمى ولداً فيكون داخلاً في قوله: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: 11].
وأما كونه يعصب من أعلى منه ممن ذكر؛ فلما ذكر.
ولأنه إذا عصب الأنزل فلأن يعصب الأعلى بطريق الأولى.
وإنما اشترط في تعصيب الأنزل الأعلى عدم الفرض؛ لأنه إذا عصب فلا يخلو: إما أن يقاسمه أو لا، والأول باطلٌ؛ لما فيه من مشاركة الأبعد الأقرب صاحب الفرض.
والثاني مثله؛ لأنه ورث فكيف لا يرث معه؟ .
وأما كونه لا يعصب من أنزل منه؛ فلأنه لو عصبه لاقتضى مشاركته، والأبعد لا يشارك الأقرب.
وأما كونه كلما نزلت درجته زاد في تعصيبه قبيل آخر؛ فلأنه يعصب من بإزائه فيزدادُ القبيلَ الذي بإزائه.
قال: (ومتى كان بعض بني الأعمام زوجاً أو أخاً لأمٍ أخذ فرضه وشارك الباقين في تعصيبهم).
أما كون من ذكر يأخذ فرضه؛ فلأن الفرض مقدمٌ على التعصيب.
وأما كونه يشارك الباقين في تعصيبهم؛ فلأنه ساواهم فيه.
قال: (وإذا اجتمع ذو فرضٍ وعصبة بُدئ بالفرض فأخذ فرضه وما بقي للعصبة).
أما كون ذي الفرض يبدأ به فيما ذكر فيأخذ فرضه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها» 106.
الجزء: 3 - الصفحة: 344
وأما كون ما بقي للعصبة؛ فلأن تكملة الحديث المتقدم: «فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكر» 107. متفق عليه.
قال: (فإن استغرقت الفروضُ المالَ فلا شيء للعصبة؛ كزوج، وأم، وإخوة لأمٍ، وإخوة لأبوين أو لأب: للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة من الأم الثلث.
وسقط سائرهم.
وتسمى المشرّكة والحمارية إذا كان فيها 108 إخوة لأبوين).
أما كون العصبة لا شيء لهم إذا استوعبت الفروض المال؛ فلأن العصبة مع ذي الفرض يرثُ الفاضلَ، ولا فاضلَ هنا.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: كزوجٍ وأم وإخوة لأم 109 وإخوة لأبوين أو لأب؛ فتمثيل لصورةٍ تستغرق الفروض المال، ولا شيء فيها للعصبة.
ولذلك قال: للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة للأم الثلث وسقط سائرهم أي الإخوة لأبوين أو لأب.
فإن قيل: كيف 110 سقط الإخوة من الأبوين مع الإخوة من 111 الأم والكل سواء في الأخوّة لأم؟
قيل: لأن الإخوة من الأبوين عصبة مع غير إخوةٍ لأمٍ فكذا معهم.
ولأن الله تعالى جعل لولدي الأم فما فوق الثلث فلم يجز لأحدٍ أن يشارك معهم غيرهم؛ لأنه يلزم مخالفة ظاهر القرآن ومخالفة قوله صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها» 112.
وأما كون المسألة المذكورة تسمى المشرّكة والحمارية إذا كان فيها إخوة
الجزء: 3 - الصفحة: 345
لأبوين؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه أسقطَ ولدَ الأبوينِ فقالَ بعضهم: يا أمير المؤمنين! هَبْ أن أبانَا كانَ حماراً.
أليست أُمّنا واحدة؟ فشرّك بينهم» 113.
وإنما اشترط المصنف أن يكون فيها إخوة لأبوين؛ لأن الإخوة لأب يسقط بالإجماع ولا يشاركون الإخوة لأم؛ لأن كل قبيلٍ لا يشارك غيره في نصيبه المفروض له.
بخلاف الإخوة للأبوين مع الإخوة لأم.
ولأنهم تساووا في قرابة الأم.
وإنما شرّك بينهم عمر وغيره من أهل العلم؛ لما ذكر قبل.
وهذه التسمية تقع على مسألة فيها زوج وأم أو جدة واثنان فصاعداً من ولد الأم وعصبة من ولد الأبوين.
فإن قيل: فما الجواب عن تشريك عمر 114.
قال: (ولو كان مكانهم أخوات لأبوين أو لأبٍ عالت إلى عشرة.
وسميت ذات الفروخ).
أما كون المسألة المذكورة تعول إلى عشرة؛ فلأن فيها نصفاً وثلثاً وسدساً.
فإن قيل: ما أصلها، ومن كم تصح؟
قيل: أما أصلها فمن ستة؛ لأن فيها سدساً ولا ربع معه ولا ثمن.
وأما صحتها فمن عشر إذا كان كل قبيلٍ من الإخوة والأخوات 115 اثنين: للزوج ثلاثة، وللأم سهم 116، ولكل واحدةٍ من الأخوات لأم سهم، ولكل واحدةٍ من الأخوات لأبوين أو لأبٍ سهمان.
وأما كونها تسمى ذات الفروخ؛ فلأنها عالت بثلثيها.
شبّه كثرة عولها بمن لها أفراخ كثيرة.
والله أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 346
باب أصول المسائل
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفروض ستة.
وهي نوعان: نصف، وربع، وثمن، وثلثان، وثلث، وسدس).
أما كون الفروض ستة؛ فلأن الفروض المحدودة في كتاب الله ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
وأما كونها نوعين؛ فلأن النصفَ ونصفَه ونصفَ نصفِه نوع، والثلثين ونصفهما ونصف نصفهما نوع.
ولذلك قال المصنف: نصف ... إلى آخره.
قال: (وهي تَخرج من سبعة أصول: أربعة لا تعول، وثلاثة تعول.
فالتي لا تعول هي: ما كان فيها فرض واحد أو فرضان من نوع واحد: فالنصف وحده من اثنين، والثلث وحده، أو مع الثلثين من ثلاثة، والربع وحده، أو مع النصف من أربعة، والثمن وحده، أو مع النصف من ثمانية.
فهذه التي 117 لا تعول).
أما كون الفروض الستة تخرج من سبعة أصولٍ؛ فلأن النصف من اثنين، والربع من أربعة، والثمن من ثمانية، والثلثين والثلث من ثلاثة، والسدس من ستة، والربع مع السدس أو الثلث أو الثلثين من اثني عشر، والثمن مع السدس أو الثلثين من أربعةٍ وعشرين.
وأما كون أربعةٍ منها لا تعول وثلاثة تعول فبالسَّبْر.
وأما كون التي لا تعول هي: ما كان فيها فرض واحد أو فرضان من نوع واحدٍ 118؛ فلما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
الجزء: 3 - الصفحة: 347
قيل: مثال الفرض الواحد بنت، وأخت لأبوين، أو لأب: للبنت النصف، والباقي للأخت.
ومثال الفرضين من نوعٍ واحدٍ 119: بنت وزوجة وأخت كما تقدم: للبنت النصف، وللزوجة الثمن، والباقي للأخت.
واحترز بقوله: من نوع واحدٍ عن أن يكون الفرضان من نوعين.
فإن ذلك قد يعول.
وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: فالنصف وحده من اثنين، والثلث وحده، أو مع الثلثين من ثلاثة، والربع وحده، أو مع النصف من أربعة، والثمن وحده، أو مع النصف من ثمانية.
فهذه التي لا تعول؛ فبيان لأصول المسائل التي لا تعول.
قال: (وأما التي تعول فهي: التي يجتمع فيها فروض أو فرضان من نوعين).
أما كون التي تعول هي: التي يجتمع فيها فروض أو فرضان من نوعين؛ فلما يأتي بيانه.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: مثال الفروض: زوج، وأخت لأب، وأخت لأم.
أصلها من ستة؛ لأن فيها سدساً ونصفاً ونصفاً، وتعول إلى سبعة.
ومثال الفرضين من نوعين: أم، وأخت لأب، وزوج.
أصلها من ستة؛ لأن فيها نصفاً وثلثاً، وتعول إلى ثمانية.
قال: (فإذا اجتمع مع النصف سدس، أو ثلث، أو ثلثان فهي من ستة، وتعول إلى عشرة.
ولا تعول إلى أكثر من ذلك).
أما كون النصف إذا اجتمع مع 120 ما ذكر مسألته من ستة؛ فلأن فيها نصفاً مع سدس وثلثاً مع ثلثين.
وأما كونها تعول إلى عشرة؛ فلما تقدم في المسألة المسماة بذات الفروخ 121.
الجزء: 3 - الصفحة: 348
ولا بد أن يلحظ في ذلك أنها تعول إلى سبعة، وإلى ثمانية، وإلى تسعة، وإلى عشرة.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: مثال عولها إلى سبعة وإلى ثمانية تقدم في مثال الفروض والفرضين من نوعين.
ومثال عولها إلى تسعة: أختان لأبٍ وزوجٍ وأمٍ وجدٍ 122.
ومثال عولها إلى عشرة: المسألة المتقدم ذكرها المسماة بذات الفروخ.
وأما كونها لا تعول إلى أكثر من ذلك؛ فلأنه لا يجتمع في مسألة أكثر من نصف ونصف وثلثين.
قال: (وإن اجتمع مع الربع أحد الثلاثة فهي من اثني عشر، وتعول على الأفراد إلى سبعة عشر، ولا تعول إلى أكثر من ذلك).
أما كون ما اجتمع مع الربع من الثلاثة.
والمراد بها السدس والثلث والثلثان مسألته من اثني عشر؛ فلأن فيها ربعاً وسدساً.
وأما كونها تعول على الأفراد إلى سبعة عشر؛ فلأن الربع تارةً يكون معه سدسٌ؛ كزوجةٍ وأمٍ وأختٍ لأمٍ 123 وأختٍ لأبٍ فتعول إلى ثلاثة عشر، وتارة يكون معه الثلث؛ كما لو كان في المسألة المذكورة أختان لأمٍ فتعول إلى خمسة عشر، وتارة يكون معه الثلثان؛ كما لو كان في المسألة الأخيرة أختان لأبٍ فتعول إلى سبعة عشر.
وأما كونها لا تعول إلى أكثر من ذلك فالسَّبْر.
الجزء: 3 - الصفحة: 349
قال: (وإن اجتمع مع الثمن سدس أو ثلثان فأصلها من أربعة وعشرين.
وتعول إلى سبعة وعشرين، ولا تعول إلى أكثر من ذلك.
وتسمى البخيلة؛ لقلة عولها، والمنبرية؛ «لأن علياً سئل عنها على المنبر فقال: صار ثمنها تسعاً» (1».
أما كون ما اجتمع فيه مع الثمن سدس أو ثلثان مسألته من أربعة وعشرين؛ فلأن أقل عدد له ثمن وسدس أو ثلثان صحيحان ذلك.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: مثال الثمن والسدس: زوجة وأم وبنت وعم.
ومثال الثمن والثلثان: زوجة وبنات وعم.
وأما كونها تعول إلى سبعة وعشرين؛ فلأنها إذا جعل بدل البنت في الأولى أخوات لأب وبدل العم أخت لأم، وفي الثانية كذلك مع زيادة أخت أخرى لأم: عالت إلى ذلك.
وأما كونها تسمى البخيلة والمنبرية؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله تعالى.
وإنما قال علي ذلك؛ لأن الزوجة كانت تستحق الثمن وهو من أربعة وعشرين: ثلاثة صارت تستحق ذلك من سبعة وعشرين، والثلاثة تسعها.124
الجزء: 3 - الصفحة: 350
فصل في الرد
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا لم تستوعب الفروض المال ولم يكن عصبة رُدّ الفاضل على ذوي الفروض بقدر فروضهم إلا الزوج والزوجة).
أما كون الفاضل فيما ذكر يُردّ على ذوي الفروض غير الزوج والزوجة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأنفال: 75]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ترك مالاً فللوارث» 125. متفق عليه.
ولأنه يروى عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس.
وأما كون الرد بقدر فروضهم؛ فلأن غرماء المفلس يقتسمون ماله بقدر ديونهم.
فكذا الوارث.
وعن الإمام أحمد: لا يرد على ولد الأم مع الأم، ولا على جدةٍ مع ذي سهم؛ لأنه يروى عن ابن مسعود.
والأول ظاهر المذهب وأصح؛ لما ذكر.
ولأنهم تساووا في السهام.
فوجب أن يتساووا فيما يقرع عليها.
ولأن الفريضة لو عالت لدخل النقص على الجميع فالرد يجب أن يعمهم أيضاً.
وأما كون الزوج والزوجة لا يرد عليهما؛ فلأن دليل الرد قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأنفال: 75]، والزوج والزوجة لا يدخلان في ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 351
قال: (فإن كان المردود عليه واحداً أخذ المال كلَّه، وإن كان فريقاً من جنسٍ واحدٍ كبناتٍ أو أخواتٍ 126 اقتسموه كالعصبة.
وإن اختلفت أجناسهم فخذ عدد سهامهم من أصل ستة واجعله أصل مسألتهم).
أما كون المردود عليه يأخذ المال كله إذا كان واحداً؛ فلأنه لا مزاحم له.
وأما كونهم يقتسمونه كالعصبة إذا كانوا فريقاً من جنس كما مثل المصنف رحمه الله تعالى؛ فلأنهم استووا فيه فاقتسموه؛ كالعصبة.
وأما كون عامل المسألة يأخذ عدد سهامهم من أصل ستةٍ ويجعله 127 أصل مسألتهم إذا اختلفت أجناسهم؛ فلأن مسائل الرد إذا لم يكن فيها زوج أو زوجة لا تكون إلا من ستة؛ لأن الاثني عشر شرطها: أن يكون فيها ربع ولا يفرض ذلك لغير زوجٍ أو زوجةٍ، والأربعة والعشرين شرطها: أن يكون فيها ثمن ولا يفرض ذلك لغير زوجة.
قال: (فإن كانا سدسين كجدةٍ وأخ من أم فهي من اثنين.
وإن كان مكان الجدة أم فهي من ثلاثة.
وإن كان مكانها أخت لأبوين فهي من أربعة.
وإن كان معها أخت لأب فهي من خمسة.
ولا تزيد على هذا أبداً؛ لأنها لو زادت سدساً آخر لكمل المال).
أما كون مسألة الرد من اثنين إذا كان فيها سدسان كما مثل المصنف رحمه الله تعالى؛ فلأن كل واحدٍ منهما يدلي بمثل ما يدلي به الآخر.
أشبه ما لو أدلى كل واحدٍ بنصف.
وأما كونها من ثلاثة إذا كان مكان الجدة 128 أم؛ فلأن الأم تدلي بمثل الأخ.
أشبه الإخوة لأم مع الأخوات لأب.
وأما كونها من أربعةٍ إذا كان مكان 129 الأم أخت لأبوين؛ فلأن الأخت لأبوين تدلي بثلاثة أمثال الأخ.
أشبه ثلاثة بنين مع الزوج 130.
الجزء: 3 - الصفحة: 352
وأما كونها من خمسة إذا كان معها أخت لأب؛ فلأن للأخت لأبوين 131 ثلاثة أسداس، وللأخت لأب السدس، وللأخ السدس.
وأما كونها لا تزيد على خمسة؛ فلما ذكر المصنف من أنها لو زادت سدساً آخر لكمل المال.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: ما لو كان في المسألة المذكورة أم؛ لأنها حينئذٍ لا تكون مسألة رد؛ لأن الرد هو أن يفضل عن ذوي الفروض شيء ولا فضل هنا؛ لأن الأخ لأم له السدس سهم، والأخت لأبوين 132 لها النصف ثلاثة، والأخت لأب لها السدس تكملة الثلثين سهم، والأم لها السدس؛ لأن الأختين يحجبانها عن الثلث وهو سهم صار المجموع ستة.
قال: (وإن انكسر على فريقٍ منهم ضربته في عدد سهامهم؛ لأنه أصل مسألتهم).
أما كون عامل المسألة يضرب عدد الفريق المنكسر عليه في عدد سهامهم؛ فلتصحيح المسألة.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: أن تكون الجدة في المسألة الأولى ثنتين؛ لأن السهم الحاصل لها منكسر عليها فاضرب عدد الفريق المنكسر عليه في اثنين يكن ذلك أربعة: للجدتين سهمان لكل واحدةٍ سهم، وللأخ سهمان 133.
فإن قيل: ضمير المفعول في قول المصنف رحمه الله: ضربته على ما يعود؟
قيل: يعود على الفريق.
والمعنى ضربت عدد الفريق المنكسر عليه كما ذكرته أولاً.
وصرح المصنف رحمه الله بذلك في الكافي فقال: وإن انكسر سهم فريق عليهم ضربت عددهم في عدد سهامهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 353
فإن قيل: ضمير سهامهم إلى ما يعود؟
قيل: إلى جميع الورثة.
ولذلك قال: لأنه أصل مسألتهم.
ومعلوم أن سهام الفريق المنكسر عليه ليس أصل مسألتهم.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: لأنه أصل مسألتهم؛ فتعليل لضرب عدد الفريق المنكسر عليه في عدد سهام جميع الورثة.
قال: (فإن كان معهم أحد الزوجين فأعطه فرضه من أصل مسألته، واقسم الباقي على مسألة الرد وهو ينقسم إذا كانت زوجة، ومسألة الرد من ثلاثة: فللزوجة الربع، والباقي لهم، وتصير المسألة من أربعة).
أما كون أحد الزوجين يعطى فرضه من أصل مسألته؛ فلأن المعتبر أولاً مسألة أحد الزوجين لا مسألة الرد؛ لأن سهمه يخرج أولاً ثم يرد على الباقي.
وأما كون الباقي يقسم على مسألة الرد؛ فلأنه 134 لا مزاحم لهم فيه.
وأما كونه ينقسم فيما ذكر؛ فلأن مسألة أحد الزوجين ومسألة الرد تصحان من أصل واحدٍ؛ لأنه إذا كانت زوجة ومسألة الرد من ثلاثة: كأمٍ وأخٍ لأمٍ مسألة الزوجة 135 من أربعة: لها سهم يبقى ثلاثة مسألة الرد مقسومة على ثلاثة: للأم سهمان، وللأخ سهم.
قال: (وفي غير هذا تضرب مسألة الرد في مسألة الزوج فما بلغ فإليه تنتقل المسألة).
أما كون غير هذا والمراد به غير مسألة 136 فيها زوجة، ومسألة الرد من ثلاثة تضرب مسألة الرد في مسألة الزوجة؛ فلتصح المسألتان من عددٍ واحد.
وأما كون ما بلغ تنتقل إليه المسألة؛ فلأنه العدد المنتهى إليه.
وسيأتي ذلك كله مبيناً إن شاء الله تعالى 137.
الجزء: 3 - الصفحة: 354
قال: (فإذا كان زوج وجدة وأخ من أم فمسألة الزوج من اثنين، ومسألة الرد من اثنين تضرب أحدهما في الأخرى تكن أربعة.
وإن كان مكان الزوج زوجة ضربت مسألة الرد في أربعة تكن ثمانية.
وإن كان مكان الجدة أخت لأبوين انتقلت إلى ستة عشر.
وإن كان مع الزوجة بنت وبنت ابن انتقل إلى اثنين وثلاثين.
وإن كان معهم جدة صارت من أربعين.
ثم تصحح بعد ذلك على 138 ما يذكره).
أما كون مسألة الزوج من اثنين؛ فلأن فرضه النصف ومخرجه من اثنين.
وأما كون مسألة الرد من اثنين إذا كان مع الزوج جدة وأخ لأم؛ فلأن فيها سدسان.
وأما كون أحدهما تُضرب في الأخرى؛ فليصحا من عددٍ واحد.
وأما كون المسألة تكون أربعة؛ فلأنك إذا ضربت اثنين في اثنين كانت أربعة.
وأما كون مسألة الرد تضرب في أربعة إذا كان مكان الزوج زوجة؛ فلأن مسألة الزوجة من أربعة؛ لأن لها ربعاً ومخرجه من أربعة.
وأما كونها تكون ثمانية؛ فلأنك إذا ضربت أربعة في اثنين كانت ثمانية.
وأما كونها تنتقل إلى ستة عشر إذا كان مكان الجدة أخت 139 لأبوين؛ فلأن مسألة الرد حينئذٍ من أربعة؛ لأن فيها أربعة أسداس.
فإذا ضربت أربعة في أربعة كانت ستة عشر.
وأما كونها تنتقل إلى اثنين وثلاثين إذا كان مع الزوجة بنت وبنت ابن؛ فلأن مسألة الزوجة من ثمانية؛ لكونها تستحق الثمن مع وجود البنت.
ومسألة الرد من أربعة؛ لأن فيها أربعة أسداس: ثلاثة أسداس للبنت، وسدس لبنت الابن.
فإذا ضربت ثمانية في أربعة كانت اثنين وثلاثين.
وأما كونها تصير من أربعين إذا كان معهم جدة؛ فلأن مسألة الرد حينئذٍ من خمسة؛ كزيادتها سدساً للجدة.
فإذا ضربت ثمانية في خمسة صارت أربعين.
الجزء: 3 - الصفحة: 355
وأما كونها تُصحح بعد ذلك على ما يذكره المصنف رحمه الله تعالى في باب تصحيح المسائل؛ فلأنه مبين فيه.
فعلى هذا إذا كانت سهام الزوجة منكسرة؛ لكون الميت له أكثر من زوجةٍ واحدةٍ أو كانت سهام أهل الرد منكسرةً عليهم.
فصحح ذلك على ما يذكر [بعد إن شاء الله تعالى] 140.
الجزء: 3 - الصفحة: 356
باب تصحيح المسائل
قال المصنف رحمه الله تعالى: (إذا لم ينقسم سهام فريق عليهم قسمة صحيحة فاضرب عددهم في أصل المسألة وعولها إن كانت عائلة ثم يصير لكل واحدٍ من الفريق مثل ما كان لجماعتهم إلا أن يوافق عددهم سهامهم بنصفٍ أو ثلثٍ أو غير ذلك من الأجزاء فيجزئك ضرب وفق عددهم، ثم يصير لكل واحدٍ وفق ما كان لجماعتهم).
أما كون الفريق الذي لم ينقسم عليهم سهامهم قسمة صحيحة ولم يوافق عددهم سهامهم يضرب عددهم في أصل مسألتهم إن لم تكن عائلة وفيها وفي عولها إن كانت عائلة؛ فليخرج سهام كل واحدٍ بلا كسر.
فإن قيل: ما مثال ذلك إذا لم تكن المسألة عائلة؟
قيل: زوجة وخمسة بنين.
أصلها من ثمانية: للزوجة الثمن سهم، والباقي وهو سبعة على خمسة لا تصح ولا توافق.
اضرب خمسة في ثمانية يكن أربعين: للزوجة سهم في خمسة بخمسة.
تبقى خمسة وثلاثون مقسومة على خمسة لكل ابنٍ سبعة.
وهو ما كان منكسراً على جماعتهم، ولذلك قال المصنف: ثم يصير لكل واحدٍ من الفريق مثل ما كان لجماعتهم.
ومثال ذلك مع العول: زوج وأم وخمس بنات.
أصل المسألة من اثني عشر وتعول إلى ثلاثة عشر: للزوج الربع ثلاثة، وللأم السدس اثنان، وللبنات الثلثان ثمانية لا تنقسم على عددهم ولا توافق اضرب خمسة في ثلاثة عشر تكن خمسة وستين: للزوج ثلاثة في خمسة بخمسة عشر، وللأم سهمان في خمسة بعشرة، وللبنات ثمانية في خمسة بأربعين على خمس لكل واحدٍ ثمانية وهو ما كان منكسراً على جماعتهم.
وأما كون الفريق المذكور إذا وافق عددهم سهامهم بنصفٍ أو ثلثٍ أو ربعٍ أو خمسٍ أو سدسٍ أو سبعٍ أو ثمنٍ أو تسعٍ أو عشرٍ يجزئ ضرب وفق عددهم في أصل
الجزء: 3 - الصفحة: 357
المسألة إن لم تكن عائلة، وفيها وفي عولها إن كانت عائلة؛ فلأن سهام كل واحدٍ تخرج صحيحة بذلك.
فلا حاجة إلى ضرب عدد الفريق في ذلك.
فإن قيل: ما مثال ذلك إذا لم تكن المسألة عائلة؟
قيل: زوجة، وأربعة عشر ابناً.
أصلها من ثمانية: للزوجة الثمن سهم، والباقي وهو سبعة بين البنين لا تصح وتوافق بالأسباع اضرب وفق البنين وهو سهمان في ثمانية تكن ستة عشر: للزوج سهم في اثنين باثنين، وللبنين سبعة في اثنين بأربعة عشر لكل ابنٍ سهم وهو وفق ما كان لجماعتهم؛ [لأن الذي كان لجماعتهم] 141 سبعة ووفقها هنا سهم؛ لأن الموافقة بالأسباع.
ومثال ذلك مع العول: زوج وأم وعشر بنات.
أصل المسألة من اثني عشر، وتعول إلى ثلاثة عشر: للزوج ثلاثة، وللأم سهمان، وللبنات ثمانية على عشرٍ لا تصح وتوافق بالأنصاف فاضرب الخمسة التي هي وفق العدد في أصل المسألة وعولها تكن خمسة وستين: للزوج ثلاثة في خمسة بخمسة عشر، وللأم اثنان في خمسة بعشرة، وللبنات ثمانية في خمسة بأربعين لكل بنتٍ أربعة وهي وفق ما كان لجماعتهم؛ لأن الذي كان لجماعتهم ثمانية ووفقها هنا أربعة؛ لأن الموافقة بالأنصاف.
الجزء: 3 - الصفحة: 358
قال: (وإن انكسر على الفريقين أو أكثر وكانت متماثلة كثلاثةٍ وثلاثة: اجتزأت بأحدها.
وإن كانت متناسبة وهو: أن تنسب الأقل إلى الأكثر بجزء من أجزائه كنصفه أو ثلثه أو ربعه: اجتزأت بأكثرها، وضربته في المسألة وعولها.
وإن كانت متباينة ضربت بعضها في بعضٍ فما بلغ ضربته في المسألة وعولها.
وإن كانت متوافقة كأربعة وستة وعشرة ضربت وفق أحدهما في الآخر، ثم وافقت بين ما بلغ وبين الثالث وضربت وفق أحدهما في الآخر، ثم اضرب ما معك في أصل المسألة وعولها إن كانت عائلة فما بلغ فمنه تصح).
أما كون ما انكسر على فريقين يجتزأ فيه 142 بأحد الأعداد المتماثلة وبأكثر الأعداد المتناسبة؛ فلأن الغرض من الضرب خروج السهام بلا كسرٍ، وذلك حاصل بما ذكر.
وأما كون ذلك يضرب في المسألة وعولها؛ فلما تقدم فيما إذا كان الكسر على فريق.
وأما كون المتباينة يضرب بعضها في بعض؛ فلأن السهام لا تخرج بلا كسر إلا بذلك.
وأما كون ما بلغ من ذلك يضرب في المسألة وعولها؛ فلما ذكر قبل.
وأما كون المتوافقة تضرب وفق أحدهما في الآخر؛ فلما تقدم من أن الغرض من التصحيح خروج السهام بلا كسرٍ، وذلك حاصل بضرب الوفق.
وأما كون ما بلغ من ذلك يوافق بينه وبين العدد الثالث؛ فلأنه قد تكون بينهما موافقة.
فيكفي فيه ضرب الوفق.
وأما كون وفق أحدهما يضرب في الآخر؛ فكالعدد إذا كان بينه وبين سهامه موافقة.
وأما كون ما مع الضارب من ذلك يضرب في أصل المسألة وعولها؛ فلما تقدم في الفريق الواحد.
فإن قيل: ما المعنيّ بالأعداد المذكورة؟
الجزء: 3 - الصفحة: 359
قيل: التماثل هو: أن يكون العدد مثل الآخر كثلاثة وثلاثة 143. والتناسب هو: أن يكون العدد نصف الآخر أو ربعه أو نحوهما كثلاثة وستة.
والتباين هو: ما لم يكن فيه تماثل ولا تناسب ولا توافق.
والتوافق هو: أن يكون العدد يوافق الآخر بنصفٍ أو ربعٍ أو نحوهما كأربعةٍ وستةٍ، وكل نوعٍ من ذلك يكون تارة فريقين، وتارة ثلاثة.
وتكون في مسألة عائلة، وفي مسألة غير عائلة، ويخرّج في كل نوع أربعة مسائل:
- مسائل التماثل:
الأولى: ثلاث أخوات لأبٍ، وثلاث لأمٍ.
المسألة من ثلاثة: للأخوات للأب 144 سهمان لا يصح عليهن ولا يوافق، وللأخوات للأم 145 سهم كذلك والعددان متماثلان فاضرب أحد العددين في أصل المسألة تكن تسعة: لكل أختٍ لأبٍ سهمان، ولكل أختٍ لأمٍ سهم.
الثانية: ثلاث جدات، وثلاث أخوات لأبوين، وثلاث إخوة لأبٍ.
المسألة من ستة: للجدات سهم لا يصح ولا يوافق، وللأخوات للأبوين 146 أربعة كذلك، وللإخوة سهم كذلك، وكل الأعداد متماثلة فاضرب أحدها في ستة تكن ثمانية عشر.
الثالثة: أن يزاد في المسألة الأولى جدة.
المسألة من ستة وتعول إلى سبعة وتصح من إحدى وعشرين.
الرابعة: أن يجعل بدل الإخوة في المسألة الثانية أخوات لأمٍ.
المسألة عائلة إلى سبعة، وتصح من أحدٍ وعشرين أيضاً. - مسائل التناسب:
الأولى: ثلاث أخوات لأبٍ، وست لأمٍ.
المسألة من ثلاثة فاضربها في أكثر العددين وهو هنا ستة تكن ثمانية عشر.
الجزء: 3 - الصفحة: 360
الثانية: زوجتان، وثمان جدات، وستة عشر أخاً لأبٍ.
المسألة من اثني عشر: للزوجتين ثلاثة لا تصح ولا توافق، وللجدات اثنان لا تصح وتوافق بالأنصاف.
فترجع الجدات إلى أربع والإخوة سبعة لا تصح ولا توافق والأعداد بعد رد أحدها 147 إلى نصفه متناسبة؛ لأن الاثنين نصف الأربعة، والأربعة ربع الستة عشر.
فاضرب أكثرها وهو هنا ستة عشر في المسألة وهي اثنا عشر تكن مائة واثنين وتسعين 148.
الثالثة: ثلاث أخوات لأبٍ، وأختان لأمٍ، وست جدات.
المسألة من ستة وتعول إلى سبعة، وعدد الأخوات لأب يناسب عدد الجدات؛ لأنه نصفه.
فاضرب ستة في سبعة تكن اثنين 149 وأربعين.
الرابعة: اثنتا 150 عشرة أختاً لأبٍ، وثلاث لأمٍ، وست جداتٍ.
المسألة من ستة وتعول إلى سبعة والثلث ربع الاثنتي عشر 151 والست نصفها.
فاضرب اثني عشر في سبعةٍ تكن أربعة وثمانين.
- مسائل التباين:
الأولى: سبعة بنين، وأربع جدات.
المسألة من ستة والعددان متباينان فاضرب سبعة في أربعة تكن ثمانية وعشرين، ثم اضرب ذلك في أصل المسألة وهي ستة تكن مائة وثمانية وستين 152. الثانية: أربع زوجاتٍ، وثلاث جدات، وخمسة إخوة.
المسألة من اثني عشر والأعداد كلها متباينة فاضرب أربعة في ثلاثة تكن اثني عشر، ثم في خمسة تكن ستين، ثم في أصل المسألة تكن سبعمائة وعشرين.
الجزء: 3 - الصفحة: 361
الثالثة: خمس أخوات لأب، وثلاث لأم، وجدة.
المسألة من ستة وتعول إلى سبعة والعددان متباينان فاضرب ثلاثة في خمسة تكن خمسة عشر، ثم اضربها في سبعة تكن مائة وخمسة.
الرابعة: أن يكون عدد الجدات أربعاً فاضرب ما بلغ من ضرب ثلاثة في خمسة وهو خمسة عشر في أربعة تكن ستين، ثم اضرب ذلك في سبعة تكن أربعمائة وعشرين.
- مسائل التوافق:
الأولى: أربع زوجات، وستة بنين.
المسألة من ثمانية: للزوجات سهم لا يصح عليهن ولا يوافق، وللبنين سبعة كذلك، والعددان متوافقان بالأنصاف فاضرب أربعة في وفق الستة وهو ثلاثة يكن اثني عشر، ثم اضرب ذلك في المسألة يكن ستة وتسعين.
الثانية: ست جدات، وتسع بنات، وخمسة عشر أخاً.
المسألة من ستة والأعداد متوافقة بالأثلاث فقف أحدها وهو الجدات مثلاً واضرب تسعة في وفق الخمسة عشر وهو خمسة يكن خمسة وأربعين بينهما وبين الموقوف موافقة بالأثلاث.
فاضرب خمسة وأربعين في وفق الموقوف وهو اثنان يكن تسعين، ثم اضرب ذلك في المسألة يكن خمسمائة وأربعين.
وقد مثّل المصنف رحمه الله تعالى الأعداد المتوافقة بأربعةٍ وستةٍ وعشرةٍ، ولم يقع لي بين أعداد لا تَوَافُق بينها وبين السهام، وأظنه لا يقع في نفس الأمر فلذلك عدلت عنه.
بل يقع بين أعداد يوافق بعضها سهامه؛ كأربع زوجات، وأربع وعشرين جدة، وعشرة بنين.
المسألة من أربعة وعشرين: للزوجات ثلاثة على أربع، وللجدات أربعة على أربع وعشرين لا يصح ويوافق فترجع إلى ستة وبينها وبين الأربع والعشرة موافقة بالأنصاف فقف العشرة مثلاً واضرب الستة في وفق الأربع يكن اثني عشر بينها وبين العشرة موافقة بالأنصاف فاضرب اثني عشر في خمسة يكن ستين، ثم اضرب ذلك في أربعة وعشرين يكن ألفاً وأربعمائة وأربعين.
الجزء: 3 - الصفحة: 362
الثالثة: تسع أخوات لأبٍ، وخمس عشرة أختاً لأمٍ، وجدةٍ.
المسألة من ستة وتعول إلى سبعة: للأخوات للأب 153 أربعة لا تصح ولا توافق، وللأخوات للأم 154 اثنان كذلك، وللجدة سهم يصح عليها، والعددان متوافقان بالأثلاث فاضرب تسعة في خسمة تكن خمسة وأربعين، ثم اضرب ذلك في سبعة تكن ثلثمائة وخمسة 155 عشر.
المسألة الرابعة: مثل الثالثة إلا أن الجدات أحد وعشرون 156. فقف الأخوات لأبٍ مثلاً واضرب خمسة عشر في سبعة تكن مائة وخمسة بينها وبين الموقوف موافقة بالأثلاث.
فاضرب ذلك في ثلاثةٍ تكن ثلثمائة وخمسة عشر، ثم اضرب ذلك في المسألة تكن ألفين ومائتين وخمسة.
قال: (فإذا أردت القسمة فكل من له شيء من أصل المسألة مضروب في العدد الذي ضربته في المسألة فما بلغ فهو له إن كان واحداً، وإن كانوا جماعة قسمته عليهم).
أما كون كل من له شيء من أصل المسألة مضروباً في العدد المضروب في المسألة؛ فلأن بذلك يعلم ماله.
وأما كون ما بلغ من ذلك له إن كان واحداً ومقسوماً عليهم إن كانوا جماعة؛ فلأن الذي له شيء من أصل المسألة تارة يكون واحداً فيكون الذي بلغ له، وتارة يكون جماعة فيكون الذي بلغ مقسوماً عليهم.
وبيان ذلك يظهر في المسألة الثالثة التي تلي آخر المسائل فإنها صحت من ثلثمائة وخمسة عشر: للجدة سهم من أصل المسألة فاضربه في خمسة وأربعين؛ لأنها هي المضروبة في أصل المسألة تكن خمسة وأربعين وهي واحدة فجميع ذلك لها، وللأخوات للأب 157 من أصل المسألة أربعة.
فاضربها في خمسة وأربعين تكن مائة
الجزء: 3 - الصفحة: 363
وثمانين وهن جماعة فاقسم ذلك عليهن يكن لكل واحدةٍ عشرون، وللأخوات للأم 158 اثنان من أصل المسألة فاضربها في خمسة وأربعين تكن تسعين وهن جماعة فاقسمها عليهن تكن لكل واحدةٍ ستة.
وعلى هذا فقس بقية المسائل.
وإنما عدلت عن قسمة الأخيرة التي تليها؛ لأنها تجمع واحداً وجماعةً فقصدت في قسمتها بيان قول المصنف رحمه الله: فهو له إن كان واحداً ... إلى آخره.
الجزء: 3 - الصفحة: 364
باب المناسخات
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومعناها: أن يموت بعض ورثة الميت قبل قسمة تركته.
ولها ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون ورثة الثاني يرثونه على حسب ميراثهم من الأول مثل أن يكونوا 159 عصبة لهما.
فاقسم المال بين من بقي منهم.
ولا ينظر إلى الميت الأول).
أما قول المصنف رحمه الله: ومعناها أن يموت بعض ورثة الميت قبل قسم تركته؛ فبيان لمعنى المناسخات.
وأما كونها لها ثلاثة أحوال؛ فلأن الوارث تارة يرث الثاني على حسب ما ورث الأول، وتارة لا يرث منه شيئاً، وتارة ما عدا الحالين المذكورين.
وسيأتي بيان ذلك كله في مواضعه.
وأما كون أحدها: أن يكون ورثة الثاني يرثونه على حسب ميراثهم من الأول؛ فظاهر.
وأما قول المصنف رحمه الله: مثل أن يكونوا 160 عصبة لهما؛ فبيان لما تقدمه.
وأما كون المال يقسّم على من بقي ولا ينظر إلى الميت الأول؛ فلأن من 161 بقي هم أصحاب المال وهو بينهم بالسوية.
فلا حاجة إلى النظر إلى الميت الأول 162.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
الجزء: 3 - الصفحة: 365
قيل: مثاله أربعة إخوة، وأخت.
مات أخ ثم مات آخر.
فالأخ والأخت الباقيان عصبة للأول والثاني.
فالمال بينهما على ثلاثة: للأخ سهمان، وللأخت سهم.
قال المصنف في المغني: وقد يتفق هذا في أصحاب الفروض في مسائل يسيرة؛ كرجل مات عن امرأةٍ، وثلاثة بنين، وبنت.
فإن للمرأة من الأولى سهماً مثل سهم البنت وكنصف سهم ابنٍ وكذلك لها من الثانية.
هذا لفظه.
وفي المسألة حذف تقديره: كرجلٍ مات عن امرأةٍ وثلاثة بنين وبنت ثم مات أحد البنين والمرأة أمّهم.
وتحقيق المسألة: أن الأولى تصح من ثمانية: للمرأة منها سهم، وللبنت سهم، ولكل ابنٍ سهمان.
والثانية تصح من ستة: للأم سهم، وللبنت سهم، ولكل ابنٍ سهمان.
فللأم من الثانية لكونها أماً مثل ما لها من الأولى؛ لكونها زوجة فلا حاجة إلى العمل بل اقسم المال كله 163 على ستة كما تقدم في العصبة لهما.
قال: (الثاني: أن يكون ما بعد الميت الأول 164 من الموتى لا يرث بعضهم بعضاً؛ كإخوة خلّف كل واحدٍ منهم بنيه فاجعل مسائلهم كعددٍ انكسرت عليهم سهامهم، وصحح على ما ذكرنا في باب التصحيح).
أما كون مسائل من ذكر تجعل كعددٍ انكسرت عليهم سهامهم؛ فلأن كل مسألة لمستحقها فهي كالعدد المذكور.
وأما كونها تصحح على ما ذكر في باب التصحيح؛ فلأن المسائل كالأعداد.
وطريق تصحيحها ما تقدم في الباب المذكور 165 فكذا ما يشبهها.
فعلى هذا قل: مسألة الأول من ثلاثة؛ لأن الميت أبو الإخوة الثلاثة، أو أخوهم، ثم انظر في مسألة الثاني والثالث هل ينقسم سهمه على وارثه أم لا؟ فإن انقسم فلا كلام، وإن لم ينقسم ولم يوافق كمسألة المصنف رحمه الله تعالى فإنه 166 جعل لكل أخٍ بنين وذلك جمع، وأقله ثلاثة، وسهمه لا يصح عليهم ولا يوافق.
الجزء: 3 - الصفحة: 366
فصحح المسألة الثانية والثالثة والرابعة، وانظر هل الثلاث متباينات أو متوافقات أو متناسبات أو متماثلاث.
وهو المعني بجعل المسائل كعددٍ انسكرت عليهم سهامهم.
فإن كانت المسائل متبايناتٍ فاضرب بعضها في بعض، ثم اضرب ما بلغ في المسألة الأولى.
وهو المعني بقوله: وصحح على ما ذكرنا؛ لأنه هكذا صحح الأعداد المتباينة.
وإن كانت متوافقة فاضرب بعضها في وفق بعض، ثم في 167 المسألة الأولى.
وإن كانت متناسبةً فاضرب أكثرها في الأولى.
وإن كانت متماثلة فاضرب إحداها في المسألة الأولى.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: مثال المتباينة: مات أحد الإخوة وخلّف ابنين، والآخر ثلاثة، والآخر خمسة.
فمسألة كل واحدٍ بعدد أولاده.
فاضرب اثنين في ثلاثة تكن ستة، ثم في خمسة تكن ثلاثين، ثم في المسألة الأولى تكن تسعين.
ومثال المتوافقة: أن يخلّف الأول أربعة، والثاني ستة، والثالث تسعة، والستة توافق الأربعة والتسعة.
فاضرب ستة في اثنين يكن اثني عشر، ثم انظر هل بين ذلك وبين التسعة موافقة تجدها هنا بالثلث.
فاضرب اثني عشر في ثلاثة تكن ستة وثلاثين، ثم اضرب ذلك في المسألة الأولى تكن مائة وثمانية.
ومثال المتناسبة: أن يخلّف الأول اثنين، والثاني أربعة، والثالث ثمانية.
فاضرب ثمانية في المسألة الأولى تكن أربعة وعشرين.
ومثال المتماثلة: أن يخلّف الأول اثنين، والثاني اثنين، والثالث اثنين.
فاضرب اثنين في المسألة الأولى تكن ستة.
الجزء: 3 - الصفحة: 367
قال: (الثالث: ما عدا ذلك.
فصحح مسألة الأول، وانظر ما صار إلى الثاني فاقتسمه على مسألته.
فإن انقسم صحت المسألتان مما صحت به الأولى؛ كرجل خلّف امرأة وبنتاً وأخاً ثم ماتت البنت وخلّفت زوجاً وبنتاً وعمها فإن لها أربعة، ومسألتها من أربعة فصحت المسألتان من ثمانية، وصار للأخ أربعة).
أما قول المصنف رحمه الله تعالى: ما عدا ذلك فالمراد ما عدا الحالين المذكورين قبل، ويشمل ذلك صوراً:
أحدها: أن يكون في المسألة من يرث من الأول دون الثاني وبالعكس كما مثل المصنف رحمه الله.
فإن المرأة لا ترث من الثاني، وزوج البنت وبنتها لا ترثان من الأول.
فطريق العمل أن تصحح المسألة الأولى وهي من ثمانية؛ لأن فيها نصفاً وثمناً، وما بقي للمرأة الثمن سهم، وللبنت النصف أربعة، والباقي للأخ وهو ثلاثة، ثم ينظر ما صار إلى الثاني وهو هنا أربعة؛ لأن الميت البنت فتقسمها على مسألة ورثتها وهي من أربعة؛ لأن فيها ربعاً ونصفاً وما بقي للزوج الربع سهم، وللبنت النصف اثنان، وللعم ما بقي سهم فيكون مجموع ما حصل له من الأولى والثانية أربعة ثلاثة من الأولى، وسهم من الثانية.
وثانيها: أن يكون في المسألة من يرث من الأولى دون الثانية وورثة الثاني هم بقية ورثة الأول؛ كرجلٍ خلّف زوجة، وسبعة بنين، ثم مات أحد البنين فالمسألة الأولى من ثمانية: للزوجة سهم، ولكل ابنٍ سهم.
والمسألة الثانية من سبعة: لكل أخٍ سهم، ومجموع ما حصل لكل واحدٍ سهمان.
وثالثها: أن يكون في المسألة من يرث من الثاني دون الأول؛ كرجلٍ خلّف ثلاثة بنين فمات أحدهم وخلّف زوجة وأخويه.
مسألة الأول من ثلاثة، والثاني من أربعة.
ورابعها: أن يكون ورثة الأول لا يرثون الثاني على حسب ما ورثوا الأول؛ كرجلٍ مات وخلّف أماً وأخوين، ثم مات أحد الأخوين وخلّف أمه وأخاه.
مسألة الأول من ستة، وتصح من اثني عشر.
ومسألة الثاني من ثلاثة وسهمه من الأول خمسة وذلك على ثلاثة لا يصح ولا يوافق فاضرب اثني عشر في خمسة يكن ستين.
الجزء: 3 - الصفحة: 368
قال: (فإن لم ينقسم وافقتَ بين سهامه ومسألته، ثم ضربتَ وفق مسألته في المسألة الأولى، ثم كل من له شيء من الأولى مضروب في وفق 168 الثانية.
ومن له شيء من الثانية مضروب في وفق سهام الميت الثاني؛ مثل: أن تكون الزوجة أماً للبنت في مسألتنا فإن مسألتها من اثني عشر توافق سهامها بالربع فترجع إلى ربعها ثلاثة تضربها في الأولى تكن أربعة وعشرين).
أما 169 كون عامل المسألة يوافق بين السهام والمسألة؛ فلما تقدم.
وأما كونه يضرب وفق المسألة في المسألة الأولى؛ فلأن ذلك كافٍ في خروج ذلك بلا كسر.
وأما كون كل من له شيء من الأولى مضروباً في وفق الثانية ... إلى آخره؛ فلأن به 170 يعلم مقدار ما لكل واحد.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: مثل أن تكون الزوجة أماً للبنت في مسألتنا؛ فبيان لمسألة يقع التوافق بين سهام الثاني ومسألته.
والمراد بقوله: في مسألتنا في المسألة الأولى.
وأما قوله: فإن مسألتها من اثني عشر.
فالمراد به مسألة البنت.
وإنما كانت من ذلك؛ لأن فيها سدساً وربعاً ونصفاً.
وأما كون مسألتها توافق سهامها بالربع؛ فلأن لها من الأولى أربعة وبينها وبين اثني عشر موافقة بالأرباع.
وأما كون مسألتها ترجع إلى ربعها ثلاثة؛ فلأنها وفقها.
وأما كون الثلاثة تضرب في المسألة الأولى وهي ثمانية؛ فلتصح المسألتان من عددٍ واحد.
وأما كونها تكون أربعة وعشرين؛ فلأن الثلاثة إذا ضربت في ثمانية يكون كذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 369
فعلى هذا يقال: للمرأة من الأولى سهمٌ مضروبٌ في ثلاثة بثلاثة، وللأخ ثلاثة في ثلاثة بتسعة، وللزوج من المسألة الثانية ثلاثة مضروبة في أحد بثلاثة؛ لأن الواحد وفق ما خلّف الميت الثاني؛ لأن البنت ورثت من المسألة الأولى أربعة والواحد وفقها؛ لأنه ربعه، وللبنت ستة في أحدٍ بستة، وللأم سهمان في أحدٍ بسهمين، وللعم سهم في أحدٍ بسهم.
فمجموع ما حصل لهم من المسألتين أربعة وعشرون وهو الذي صحت فيه المسألتان.
فعلى هذا فقس.
قال: (وإن لم توافق سهامه مسألته ضربت الثانية في الأولى، وكل من له شيء من الأولى مضروب في الثانية، ومن له شيء من الثانية مضروب في سهام الثاني؛ مثل: أن تخلّف البنت 171 بنتين فإن مسألتهما تعول إلى ثلاثة عشر تضربها في الأولى تكن مائة وأربعة، وتعمل على ما ذكرنا).
أما كون المسألة الثانية تضرب في الأولى؛ فلما تقدم غير مرة.
وأما كون كل 172 من له شيء من الأولى مضروباً في الثانية ... إلى آخره؛ فلما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: مثل أن تخلّف البنت بنتين؛ فبيان لمسألةٍ لا توافق سهام الميت مسألته.
وأما كون مسألة البنت تعول إلى ثلاثة عشر؛ فلأن فيها ثلثين بثمانية، وربعاً بثلاثة، وسدساً باثنين.
وأما كونها تضرب في الأولى؛ فلما تقدم.
وأما كونها تكون مائة وأربعة؛ فلأن ثلاثة عشر إذا ضربت في ثمانية يكون ذلك.
وأما كونها تعمل على ما ذكر قبل؛ فلما ذكر.
فعلى هذا يقال: للمرأة من الأولى سهم مضروب في ثلاثة عشر بثلاثة عشر، وللأخ ثلاثة في ثلاثة عشر بتسعة وثلاثين، وللزوج من الثانية ثلاثة في أربعة باثني
الجزء: 3 - الصفحة: 370
عشر؛ لأن الأربعة هي التي ورثتها البنت الميتة، وللبنتين ثمانية في أربعة باثنين وثلاثين، وللأم سهمان في أربعة بثمانية.
قال: (فإن مات ثالث جمعت سهامه مما صحت منه الأوليان وعملت فيها عملك في مسألة الثاني مع الأول.
وكذلك يصنع في الرابع ومن بعده).
أما كون سهام الثالث مما صحت منه الأوليان يجمع؛ فلأن ذلك كله له.
وأما كون العامل يعمل في المسألة الثالثة مثل العمل في مسألة الثاني مع الأول؛ فلأنها في معناها.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: مثاله: رجل مات وخلّف زوجة وسبعة بنين.
المسألة من ثمانية: للزوجة سهم، ولكل ابنٍ سهم.
مات أحدهم وخلّف زوجة وبنتاً والإخوة.
المسألة من ثمانية وتصح من ستة عشر: للميت الثاني من المسألة الأولى سهم على ستة عشر لا تصح ولا توافق.
اضرب ستة عشر في ثمانية تكن مائة وثمانية وعشرين: للزوجة من الأولى سهم في ستة عشر بستة عشر، ولكل ابنٍ ستة عشر، وللزوجة من الثانية سهمان في سهم بسهمين، وللبنت ثمانية في سهم بثمانية، ولكل أخٍ سهم في سهم بسهم.
ثم مات أحد الإخوة وخلّف زوجةً وبنتاً وبقية إخوته فمجموع ما حصل له من المسألتين سبعة عشر: ستة عشر بالبنوّة، وسهم بالأخوّة، ومسألته من ثمانية، وتصح من أربعين، وليس بينها وبين ما له من الميراث سبعة عشر موافقة فاضرب أربعين في مائة وثمانية وعشرين تكن خمسة آلاف ومائة وعشرين: لزوجة الأول ستمائة وأربعون، ولزوجة الثاني ثمانون، ولزوجة الثالث خمسة وثمانون، ولبنت الثاني ثلثمائة وعشرون، ولبنت الثالث ثلثمائة وأربعون، ولكل أخٍ من الأولى والثانية والثالثة سبعمائة.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: وكذلك يصنع في الرابع ومن بعده فمعناه: إذا مات أربعة فأكثر يصنع بهم مثل ما صنعت فيما تقدم.
وقد تبين 173 كيفية العمل فلا حاجة إلى إعادتها.
والله أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 371
باب قسمة التركات
القَسْم مصدر قولك: قسم يقسم قسماً.
ويقال: قسمة أيضاً.
قال الله تعالى: ﴿تلك إذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: 22].
والتركات: جمع تركة وهو: ما يُخلّفُ الميت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (إذا خلّف تركةً معلومةً فأمكنك نسبة نصيب كل وارثٍ من المسألة فأعطه مثل تلك النسبة من التركة.
وإن شئت قسمت التركة على المسألة وضربت الخارج بالقسم في نصيب كل وارثٍ فما اجتمع فهو نصيبه.
وإن شئت ضربت سهامه في التركة وقسمتها على المسألة فما خرج فهو نصيبه.
وإن شئت في مسائل المناسخات قسمت التركة على المسألة الأولى ثم أخذت نصيب الثاني فقسمته على مسألته وكذلك الثالث.
وإن كان بين المسألة والتركة موافقة فوافق بينهما واقسم وفق التركة على وفق المسألة).
أما كون من أمكنه نسبة نصيب كل وارثٍ من المسألة يعطيه من التركة المعلومة مثل تلك النسبة.
وإن شاء قسم التركة على المسألة وضرب الخارج بالقسم في نصيب كل وارث فما اجتمع فهو نصيبه.
وإن شاء ضرب سهامه في التركة وقسمها على المسألة فما خرج فهو نصيبه؛ فلأن كل واحد من الطرق الثلاثة يحصل العلم بمقدار نصيب كل وارث.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: مثاله: امرأة خلّفت زوجاً وأبوين وابنتين.
وتركت أربعين ديناراً.
فعلى الأول وهو: أن تنسب نصيب كل وارثٍ وتعطيه مثل تلك النسبة من التركة أن يقال: للزوج ثلاثة من خمسة عشر وهي خمسها فله خمس التركة وهو ثمانية دنانير، ولكل واحدٍ من الأبوين اثنان وهما ثلثا خمس المسألة فله ثلثا خمس التركة وذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 372
خمسة دنانير وثلث دينار، ولكل واحدةٍ من البنتين أربعة وهي خمس المسألة وثلث خمسها فلها 174 خمس التركة وثلث خمسها وذلك عشرة دنانير وثلثا دينار.
وعلى الثاني وهو: أن تقسم التركة على المسألة وتضرب الخارج بالقسم في نصيب كل وارث أن يقال: لكل سهمٍ ديناران وثلثا دينار: للزوج ثلاثة مضروبة في اثنين وثلاثين بثمانية، ولكل أبٍ سهمان في اثنين وثلاثين بخمسة وثلث، ولكل بنتٍ أربعة في اثنين وثلاثين بعشرة وثلثين.
وعلى الثالث وهو: أن تضرب سهام الوارث في التركة وتقسم ما بلغ على المسألة فما خرج فهو نصيبه أن يقال: للزوج ثلاثة مضروبة في أربعين بمائة وعشرين.
فإذا قسمت ذلك على المسألة وهي خمسة عشر تكن ثمانية، ولكل أبٍ اثنان مضروبان في أربعين بثمانين فإذا قسمت ذلك على المسألة تكون خمسة وثلثاً، ولكل بنتٍ أربعة مضروبة في أربعين بمائة وستين.
فإذا قسمت ذلك على المسألة تكون عشرة وثلثا دينار.
فإن قيل: ما طريق العلم بنصيب كل وارثٍ إذا لم يمكن نسبته من المسألة لكون 175 المسألة عدداً أصم؟
قيل: ثنتان هما الأخريان؛ لأن الطرق لما كانت ثلاثاً ولم تمكن النسبة هنا وهي الأولى 176 بقي ما بعدها.
وأما كون عامل ما ذكر يقسم التركة على المسألة الأولى في مسائل المناسخات إذا شاء، ثم يأخذ نصيب الثاني فيقسمه على مسألته، وكذلك الثالث؛ فلأن ذلك يحصل العلم بنصيب كل وارث.
أشبه ما تقدم.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: رجل مات وترك أربعة بنين.
فإذا قسمت الأربعين كان لكل واحدٍ عشرة، ثم مات أحدهم وخلّف زوجةً وإخوته فمسألته من أربعةٍ فإذا قسمت عليها العشرة كان للزوجة ديناران ونصف، ولكل أخٍ كذلك.
ثم مات أحدهم وخلّف
الجزء: 3 - الصفحة: 373
زوجته وأخويه فمسألته من أربعة، وتصح من ثمانية.
فإذا قسمت ما له من المسألة الأولى والثانية وهو اثنا عشر ديناراً ونصف كان للزوجة ثلاثة دنانير وثمن، ولكل أخٍ أربعة ونصف ثمن.
مجموع ما حصل للأخوين الباقيين من الأولى والثانية والثالثة سبعة عشر وثمن ونصف ثمن.
وأما كون المسألة والتركة إذا كان بينهما موافقة يوافق بينهما؛ فلأن ذلك متى أمكن لم يُعدل إلى غيره؛ لأن العدد متى صح من عددٍ قليل لا يصار إلى عددٍ أكثر منه.
وقد تقدم بيان ذلك في مسائل الموافقة فلا حاجة إلى إعادته.
وأما كون وفق التركة يقسم على وفق المسألة؛ فلأن ذلك يحصل به العلم بالنصيب.
قال: (وإن أردت القسمة على قراريط الدينار فاجعل عدد القراريط؛ كالتركة المعلومة واعمل على ما ذكرنا).
أما كون عامل ما ذكر يجعل عدد القراريط كالتركة المعلومة؛ فلأن العدد المذكور أصل؛ لكون القسمة عليه.
فهو كالتركة المعلومة.
وأما كونه يعمل على ما ذكر قبل؛ فلما ذكر.
فإن قيل: كم قراريط الدينار؟
قيل: في عُرف أهل دمشق أربعة وعشرين قيراطاً.
فإذا أردت قسمة السهام الكثيرة على ذلك فاجعل التركة كلها قراريط.
فإذا كانت التركة دينارين وقيراطين 177. فابسط الكل قراريط تكن خمسين ثم اعمل كما تقدم فيما إذا كانت التركة دنانير.
وقال المصنف في المغني: إذا أردت قسمة المسألة على قراريط الدينار فلك طريقان:
أحدهما: أن تنظر ما تركت منه العدد فإنه لا بد أن يتركب من ضرب عددٍ في عدد.
فانسب أحد العددين إلى أربعة وعشرين إن كان أقل منها، وخذ من العدد الآخر مثل تلك النسبة فما كان فهو لكل قيراط.
وإن كان أكثر من أربعة
الجزء: 3 - الصفحة: 374
وعشرين قسمته عليها فما خرج بالقسم فاضربه في العدد الآخر فما بلغ فهو نصيبه.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: ستمائة.
فإذا أردت قسمتها فاعلم أنها متركبة من ضرب عشرين في ثلاثين فانسب العشرين إلى أربعة وعشرين تكن نصفها وثلثها فخذ نصف الثلثين وثلثها خمسة وعشرين فهو سهم القيراط.
وإن قسمت الثلثين على أربعة وعشرين خرج بالقسم سهم وربع فاضربها تكن خمسة وعشرين كما قلنا.
وثانيهما: أن تنظر عدداً إذا ضربته في أربعة وعشرين ساوى المقسوم أو قاربَه فإذا بقيت منه بقية ضربتها في عدد آخر حتى يبقى أقل من المقسوم عليه ثم يجمع العدد الذي ضربته إليه وتنسب تلك البقية من المقسوم عليه فتضمها إلى العدد فيكون ذلك سهم القيراط.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: مثاله في مسألتنا أن تضرب عشرين في أربعة وعشرين تكون أربعمائة وثمانين، ثم تضرب خمسة في أربعة وعشرين تكون مائة وعشرين، وتضم الخمسة إلى العشرين فيكون ذلك سهام القيراط فإذا عرفت سهام القيراط فانظر من له سهام فأعطه بكل سهم من سهام القيراط قيراطاً فإن بقي له من السهام ما لا يبلغ قيراطاً فانسبه إلى سهام القيراط وأعطه منه مثل تلك النسبة.
قال: (وإن كانت التركة سهاماً من عقار كثلث وربع ونحو ذلك.
فإن شئت أن تجمعها من قراريط الدينار وتقسمها على ما قلنا.
وإن شئت وافقت بينها وبين المسألة وضربت المسألة أو وفقها في مخرج سهام العقار، ثم كل من له شيء من المسألة مضروب في السهام الموروثة من العقار أو في وفقها فما كان فانسبه من المبلغ فما خرج فهو نصيبه).
أما كون التركة إذا كانت سهاماً من عقار إن شاء عامل المسألة أن يجمع وإن شاء أن يوافق؛ فلأن كل واحدٍ من ذلك يحصل العلم بالمقصود.
ويظهر من ذلك أن العمل المذكور له طريقان:
الجزء: 3 - الصفحة: 375
أحدهما: أن يجمع العامل السهام من قراريط الدينار.
فيجدها فيما فرض من الثلث والربع أربعة عشر؛ لأنه قد تقرر أن الدينار في عرف أهل دمشق أربعة وعشرون ثم يقسم ذلك على المسألة.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: امرأة خلّفت زوجاً وأماً وأختاً.
المسألة من ثمانية: للزوج ثلاثة هي ربعها وثمنها فله ربع أربعة عشر 178 قيراطاً وثمنها وهو خمسة قراريط وربع، وللأم سهمان هما ربع التركة فلها ربع أربعة عشر 179 قيراطاً وهو ثلاثة ونصف، وللأخت مثل الزوج.
الطريق الثانية: أن يأخذ المخلّف من مخرجه وهو هنا اثنا عشر؛ لأن المخلّف ثلث وربع.
ثم تنظر هل بين المخلف وبين ذلك موافقة؟ فإن لم يكن بينهما موافقة كالمسألة المذكورة؛ لأن المخلّف سبعة من اثني عشر وليس بين السبعة والثمانية موافقة.
فاضرب المسألة وهي ثمانية في مخرج السهام وهي اثنا عشر تكن ستة وتسعين: للزوج ثلاثة من السهام مضروبة في السهام المخلّفة تكون أحداً وعشرين.
ثم انسب ذلك من ستة وتسعين تجده ثمنها ونصف وربع ثمنها فله من الدار مثل تلك النسبة، وللأخت كذلك، وللأم سهمان في سبعة بأربعة عشر.
ثم انسبها مما ذكر تجدها نصف سدس ونصف ثمن فلها من الدار مثل تلك النسبة.
وإن كان بينهما موافقة مثل: أن يكون نصف وربع دار فبينهما موافقة بالأنصاف فاضرب وفق المسألة وهو أربعة في مخرج السهام وهو ثمانية؛ لأن ذلك مخرج النصف والربع يكن اثنين وثلاثين: للزوج ثلاثة، والمسألة مضروبة في وفق السهام وهو ثلاثة بتسعة ونسبتها من اثنين وثلاثين ربعها وربع ثمنها فله ربعها، وللأخت كذلك، وللأم سهمان مضروبان في ثلاثة بستة.
الجزء: 3 - الصفحة: 376
وأما قول المصنف رحمه الله: ثم كل من له شيء من المسألة مضروب في السهام الموروثة من العقار أو في 180 وفقها ... إلى آخره؛ فبيان لكيفية القسمة.
وقد اتضح ذلك بما تقدم ذكره.
الجزء: 3 - الصفحة: 377
باب ذوي الأرحام
ذوي الأرحام يرثون في الجملة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأنفال: 75]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخالُ وارثُ منْ لا وارثَ لَه» 181 قال الترمذي: هذا حديث حسن.
فإن قيل: المراد أن من ليس له إلا خال فلا وارث له؛ كما يقال: الجوع زاد من لا زاد له، والماء طيب من لا طيب له، والصبر حيلة من لا حيلة له.
قيل: هذا فاسدٌ لوجوه:
أحدها: أنه قال: «يرث ماله» 182 وفي لفظ: «يرثه» 183.
وثانيها: أن الصحابة رضي الله عنهم فهمُوا ذلك.
وهو قول عمر وعلي وعبدالله وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء.
وثالثها: أنه سماه وارثاً.
والأصل الحقيقة.
وما ذكر من استعمال ذلك في النفي فمعارض بأنه يستعمل للإثبات؛ كقولهم: يا عماد من لا عماد له، ويا سند 184 من لا سند له، ويا ذخر من لا ذخر له.
ويؤيد ذلك ما روى واسع بن حبان قال: «توفيَ ثابتُ بن الدحداحةِ ولم يدعْ وارثاً ولا عصبةً.
فرفعَ شَأنهُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
فدفعَ مالهُ إلى ابن أختهِ أبي لبابةَ بن عبد المنذر» 185 رواه سعيد.
ورواه أبو
الجزء: 3 - الصفحة: 378
عبيد في الأموال إلا أنه قال: «ولم يخلّف إلا ابنة أخ له.
فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بميراثه لابنة أخيه».
ولأنه ذو قرابة فيرث كذوي الفروض.
ولأنه ساوى سائر الناس في الإسلام وزاد عليهم بالقرابة فكان أولى بماله منهم.
ولأنه أحق الناس بصلة حياته.
فكذلك بعد موته.
فإن قيل: ما شرط إرثهم؟
قيل: أن لا يكون ذو فرض ولا عصبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما حكم بالميراث للخال إلا عند عدم الوارث.
ولأن أصحاب الفروض منصوص على فروضهم، ولذلك قدمت على العصبة 186، والعصبة يستحقون ما فضل عنه؛ لقوله عليه السلام: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما فضل فهو لأولى رجلٍ ذكر» 187.
ولأن صاحب الفروض والعصبة أقرب إلى الميت من ذي الرحم فكان أولى بميراثه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهم: كل قرابة ليس بذي فرض ولا عصبة.
وهم أحد عشر صنفاً: ولد البنات، وولد الأخوات، وبنات الإخوة، وبنات الأعمام، وبنو الإخوة من الأم، والعم من الأم، والعمات، والأخوال، والخالات، وأبو الأم، وكل جدةٍ أدلت بأب بين أمّين أو بأب أعلا من الجد، ومن أدلى بهم).
أما قول المصنف رحمه الله تعالى: وهم كل قرابة ليس بذي فرض ولا عصبة؛ فبيان لذوي الأرحام.
وقوله: كل قرابة يخرج الأجنبي.
وقوله: ليس بذي فرض يخرج أصحاب الفروض.
وقوله 188: ولا عصبة يخرج العصبات.
الجزء: 3 - الصفحة: 379
وأما قوله: وهم أحد عشر صنفاً؛ فبيان لأصنافهم ليعلم ذلك فيرتب عليه تنزيل من أدلى بكل صنف.
قال: (ويرثون بالتنزيل.
وهو: أن يجعل كل شخصٍ بمنزلة من أدلى به.
فيجعل ولد البنات والأخوات؛ كأمهاتهم، وبنات الإخوة والأعمام وولد الإخوة من الأم؛ كآبائهم، والأخوال والخالات وأبا الأم؛ كالأم، والعمات والعم من الأم كالأب.
وعنه: كالعم.
ثم يجعل نصيب كل وارث لمن أدلى به).
أما كون ذوي الأرحام يرثون بالتنزيل كما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأنهم فرع في الميراث على غيرهم.
فوجب إلحاقهم بمن هو فرع له، وقد روي عن علي وعبدالله رضي الله عنهما: «أنهما نزلا بنت البنت منزلة البنت، وبنت الأخ منزلة الأخ، وبنت الأخت منزلة الأخت، والعمة منزلة الأب، والخالة منزلة الأم» 189.
وروي عن الإمام أحمد أن العمة كالعم؛ لأنه يروى عن علي رضي الله عنه في رواية عنه.
والصحيح أنها بمنزلة الأب؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العمةُ بمنزلةِ الأبِ إذا لم يكنْ بينهما أب».
رواه الإمام أحمد.
ولأن الأب أقوى جهات العمة 190. فوجب تنزيلها منزلته.
فلو خلّف الميت بنت بنت، وبنت أخت، أو بنت أخ لأبوين أو لأب، أو بنت عم المال بينهما نصفين.
ولو كان معهما خالة فالمسألة من ستة: لبنت البنت ثلاثة، وللخالة سهم، والباقي لبنت الأخ أو العم.
ولو كان معهم عمة فعلى تنزيلها منزلة الأب: لها سهمان من ستة، وتسقط بنت الأخ وبنت العم؛ لأن الأب يسقط الأخ والعم، وعلى تنزيلها منزلة العم لا شيء لها مع بنت الأخ؛ لأن الأخ يسقط العم، ولها نصف الباقي مع بنت العم.
الجزء: 3 - الصفحة: 380
قال: (فإن أدلى جماعة بواحد 191 واستوت منازلهم منه فنصيبه بينهم بالسوية ذكرهم وأنثاهم سواء.
وعنه: للذكر مثل حظ الأنثيين إلا ولد الأم.
وقال الخرقي: يسوى بينهم إلا الخال والخالة).
أما كون نصيب المدلى به بين من أدلى به؛ فلاشتراك الكل في الإدلاء به الموجب للإرث.
وإنما قيد الادلاء بواحدٍ واشترط استواء منازلهم من المدلى به؛ لأن حكم الجماعة إذا أدلوا بجماعةٍ وحكم الجماعة إذا أدلوا بواحدٍ واختلفت منازلهم من المدلي غير ذلك.
وسيأتي ذكره بعد مبيناً إن شاء الله تعالى.
وأما كون النصيب المتقدم ذكره بين من ذكر سواء على المذهب؛ فلأنهم يرثون بالرحم المجرد فاستوى ذكورهم 192 وإناثهم؛ كولد الأم.
وأما كونه للذكر مثل حظ الأنثيين غير ولد الأم على روايةٍ؛ فلأن ميراثهم معتبر بغيرهم.
فوجب أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين؛ كالأولاد.
وأما استثناء ولد الأم من الرواية المذكورة؛ فلأنه يدلي بمن ذكرهم وأنثاهم سواء.
وأما التسوية بينهم إلا الخال والخالة على قول الخرقي: أما التسوية في غير الخال والخالة؛ فلما تقدم.
وأما عدم التسوية بين الخال والخالة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخال أباً والخالة أماً فقال: «الخالُ والدٌ إذا لم يكنْ دونَهُ أمٌ والخالةُ أم»، وفي آخر: «الخالةُ أمٌ إذا لم يكنْ بينهما أم» 193.
قال: (وإذا كان ابنٌ وبنت أخت وبنت أختٍ 194 أخرى: فلبنت الأخت وحدها النصف، وللأخرى وأخيها النصف بينهما).
أما كون بنت الأخت وحدها لها النصف؛ فلأنها تدلي بأمها وذلك لها.
الجزء: 3 - الصفحة: 381
وأما كون النصف بين بنت الأخت الأخرى وأختها؛ فلأنهما يدليان بالأخت الأخرى وذلك لها.
قال: (وإن اختلفت منازلهم من المدلى به جعلته كالميت وقسّمت نصيبه بينهم على ذلك؛ كثلاث خالات مفترقات 195 وثلاث عمات مفترقات فالثلث بين الخالات على خمسة أسهم، والثلثان بين العمات كذلك واجتزأ بأحدهما، واضربها في ثلاثة تكن خمسة عشر: للخالة التي من قبل الأب والأم ثلاثة، وللتي من قبل الأب سهم، وللتي من قبل الأم سهم، وللعمة التي من قبل الأب والأم ستة أسهم، وللتي من قبل الأب سهمان، وللتي من قبل الأم سهمان).
أما كون المدلى به يجعل كالميت؛ فلأن جهة اختلاف المنازل منه يظهر بذلك.
وأما كون نصيبه يقسم بينهم على ذلك؛ فلأنه يجعل كالميت، والميت يقسم على ورثته بحسب منازلهم.
فكذا هذا.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: كثلاث خالات مفترقات وثلاث عمات مفترقات؛ فبيان لاختلاف منازل ذوي الأرحام من المدلى به؛ لأن الخالات يدلين بالأم، والعمات يدلين بالأب.
وأما قوله: فالثلث ... إلى آخره؛ فبيان لسهم كل جهة وطريق لصحة المسألة.
ويتضح ذلك بأن يقسم نصيب المدلى به بين ورثته.
فنصيب الأم وهو الثلث بين أخواتها وهن أخت لأبوين وأخت لأب وأخت لأم.
وهو المعنيّ بقول المصنف: مفترقات، ونصيب الأب بين أخواته كذلك.
فأصل مسألة ذوي الأرحام هاهنا من ثلاثة؛ لأن فيها ثلثاً وكل واحدٍ من القبيلين مسألته من ستة فترجع بالرد إلى خمسة فسهم كل قبيل لا ينقسم على مسألته ولا يوافق والعددان متماثلان فاضرب أحدهما في ثلاثة تكن خمسة عشر: للخالات ثلثها مقسومة كما ذكر المصنف، وللعمات عشرة مقسومة كما ذكر.
الجزء: 3 - الصفحة: 382
قال: (وإن خلّف ثلاثة أخوال مفترقين: فللخال من الأم السدس، والباقي للخال من الأبوين.
وإن كان معهم أبو أم أسقطهم كما يسقط الأب الإخوة.
وإن خلّف ثلاث بنات عمومة مفترقين فالمال لبنت العم من الأبوين وحدها).
أما كون الخال من الأم له السدس والباقي للخال من الأبوين فيما إذا خلّف ثلاثة أخوال مفترقين؛ فلأن الأم لو كانت هي الميتة لأسقط أخوها لأبويها أخاها لأمها.
فكذلك من يدلي بها يسقط الأخ للأبوين الأخ لأب.
فعلى هذا المسألة من ستة؛ لأن فيها سدساً: للخال لأمٍ السدس سهم، وللخال لأبوين الباقي خمسة.
وأما كون أبي الأم يسقط الأخوال فيما إذا كان معهم فقد نبّه المصنف رحمه الله تعالى على الموجب لإسقاطهم؛ لأن حكم من يدلي مثل حكم المدلى به، والأب المدلى به يسقط الإخوة فكذا أبو الأم المدلى به يسقط الإخوة.
وأما كون المال لبنت العم من الأبوين وحدها فيما إذا خلّف ثلاث بنات عمومة مفترقين؛ فلأن كل واحدٍ منهم بمنزلة من تدلي به، وبنت العم لأبوين تدلى به وهو مسقطٌ للعم لأبٍ 196 والعم لأم.
قال: (وإن أدلى جماعة منهم بجماعة قسمت المال بين المدلى بهم كأنهم أحياء.
فما صار لكل وارثٍ فهو لمن أدلى به).
أما كون المال يقسّم بين المدلى بهم كأنهم أحياء؛ فلأنهم أصل من أدلي بهم.
وأما كون ما صار لكل وارثٍ لمن أدلى به؛ فلأنهم ورّاثه.
فإن قيل: ما مثال ما إذا أدلى جماعة بجماعة؟
قيل: ثلاث بنات أختٍ لأبوين، وثلاث بنات أختٍ لأب، وثلاث بنات أختٍ لأم، وثلاث بنات عم.
اقسم المال بين الأخوات والعم وهو المراد بقوله: بين المدلى بهم 197: فيكون للأخت للأبوين النصف، وللأخت للأب السدس تكملة الثلثين، وللأخت للأم السدس سهم، والباقي وهو سهم للعم.
ثم اقسم نصيب كل وارثٍ على ورثته: فنصيب الأخت للأبوين ثلاثة على بناتها صحيح عليهن، ونصيب
الجزء: 3 - الصفحة: 383
الأخت للأب سهم على بناتها لا تصح ولا توافق، ونصيب الأخت للأم كذلك، والأعداد متماثلة فاجتزئ ببعضها.
فاضرب في أصل المسألة تكن ثمانية عشر: لبنات الأخت للأبوين تسعة لكل بنتٍ ثلاثة، ولبنات الأخت للأب ثلاثة لكل واحدةٍ سهم، ولبنات الأخت للأم كذلك، ولبنات العم كذلك.
قال: (وإن أسقط بعضهم بعضاً عملت على ذلك).
أما كون العمل على ذلك؛ فليعلم.
فإن قيل: ما المراد بذلك؟
قيل: يحتمل أن يراد به العمل على الإسقاط.
ويحتمل أن يراد به على نحو ما تقدم.
وأما مثال ذلك: فأن يجعل بدل بنات الأخت لأبوين بنات أخ لأبوين.
فالمسألة من ستة: لبنات الأخت لأم سهم، ويسقط بنات الأخت لأب، وبنات العم؛ لأن الأخ لأبوين يُسقط الأخ لأب والعم.
وتصح المسألة من ثمانية عشر أيضاً: لبنات الأخت لأم ثلاثة لكل واحدةٍ سهم، ولبنات الأخ لأبوين 198 خمسة عشر لكل واحدةٍ خمسة.
قال: (وإن كان بعضهم أقرب من بعضٍ فمن سبق إلى الوارث ورث وأسقط غيره.
إلا أن يكونا من جهتين فينزل البعيد حتى يلحق بوارثه سواء سقط به القريب أو لا كبنت بنت بنت، وبنت أخ لأم.
المال لبنت بنت البنت).
أما كون من سبق إلى الوارث يرث؛ فلسبقه.
وأما كونه يسقط غيره إذا كانا 199 من جهةٍ واحدةٍ كبنت بنتٍ، وبنت بنت 200 البنت؛ فلأن القريب يرث ويسقط البعيد.
بدليل: ما لو خلّف ابناً وابنه.
فكذا هاهنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 384
وأما كون البعيد ينزل حتى يلحق بوارثه إذا كانا 201 من جهتين كما مثل المصنف رحمه الله تعالى؛ فلأن العبرة بالمدلى به لا بالوارث بطريقه.
وأما كون المال لبنت بنت البنت دون بنت الأخ لأم؛ فلأنها بمنزلة البنت، وبنت الأخ بمنزلة الأخ من الأم.
ولو خلّف بنتاً وأخاً لأمٍ كان المال كله للبنت دون الأخ.
قال: (والجهات أربع: الأبوّة والأمومة والبنوّة والأخوّة.
وذكر أبو الخطاب العمومة جهة خامسة، وهو مفضٍ إلى إسقاط بنت العم من الأبوين ببنت العم من الأم، وبنت العمة.
ولا 202 نعلم به قائلاً).
أما كون الجهات التي يرث بها ذوي الأرحام أربعاً؛ فلأن المدلى به تارة يكون أباً، وتارة يكون أماً، وتارة يكون ابناً، وتارة يكون أخاً.
ولذلك عقب المصنف رحمه الله تعالى ذلك بقوله: الأبوّة إلى الأخوّة.
فإن قيل: لا دلالة فيما ذكر على الحصر.
قيل: الغرض هنا ذكر الجهات التي يرث بها ذوي الأرحام لا الحصر؛ لأن نفي الخامسة بعد يدل على الحصر في الأربع.
فعلى هذا العم يدلي بالأبوّة، والخال يدلي بالأمومة، وبنات البنت بالبنوّة، وبنات الأخت بالأخوّة.
وأما كون العمومة جهةً خامسةً على ما ذكر أبو الخطاب؛ فلأن العم وارث.
فوجب أن يكون جهة؛ كالأب.
وأما كون ذلك مفضياً إلى إسقاط بنت العم من الأبوين ببنت العم من الأم 203 وبنت العمة؛ فلأن بنت العم من الأم وبنت العمة تدليان بالأب، وبنت العم من الأبوين تدلي بأبيها وهو عم، والأب يسقط العم.
الجزء: 3 - الصفحة: 385
وأما قول المصنف رحمه الله: ولا نعلم به قائلاً؛ فتضعيفٌ لما ذكر أبو الخطاب؛ لأن عدم علمه بذلك مع كثرة اطلاعه يدل على عدم القول به، ويلزم من ذلك محذور.
وفيما قال المصنف رحمه الله نظرٌ من وجهين:
أحدهما: من حيث إن إدلاء بنت العم من الأم وبنت العمة بالأب فيه روايتان.
فعلى جعل العمومة جهة لأبي الخطاب أن يقول: لا ننزل من ذكر منزلة الأب فلا يفضي إلى الإسقاط المذكور.
وثانيهما: أن العمومة إذا لم تجعل جهة فبم يورّث بنت العم من الأبوين وبنت العم من الأم والعمة إذا نزلوا منزلة العم.
وأجيب عن الثاني بأن الجهة جهة 204 أخوّة؛ لأن العم أخو الأب إلا أنه عدل عن قياس بقية الجهات من حيث إن العبرة بأبوّة الميت وبنوّته وأخوّته.
قال: (ومن أمتّ بقرابتين ورث بهما).
أما معنى أمتّ فأدلى.
يقال: متّ 205 بكذا إذا أدلى به.
وأما كون من أمتّ بقرابتين يرث بهما؛ فلأنه شخص له جهتان لا ترجيح فيهما.
فورث بهما؛ كالزوج إذا كان ابن عم، وابن العم إذا كان أخاً من أم.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل مثاله: ابن بنت بنتٍ هو ابن ابن بنتٍ أخرى، ومعه بنت بنت بنت أخرى: للابن الثلثان، والثلث للبنت.
قال: (وإن اتفق معهم أحد الزوجين أعطيته فرضه غير محجوبٍ ولا معاولٍ وقسّمت الباقي بينهم كما لو انفردوا.
ويحتمل أن يقسّم الفاضل عن الزوج بينهم كما يقسّم بين من أدلوا به).
أما كون أحد الزوجين يعطى فرضه؛ فلما تقدم من الآيتين الدالتين عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 386
وأما كونه غير محجوبٍ 206 بذي الرحم؛ فلأن ميراثه ثابت بالنص فلا يحجب عنه إلا بمثله.
ولأن قوله: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم ... الآية﴾ [النساء: 12] يدل على أنه لا يحجب عنه إلا بالولد، وبنت البنت منتسبة إلى غيره.
فلا يدخل في ذلك.
ولأن ذا الرحم لا يرث مع ذي فرض.
وإنما ورث معه هاهنا؛ لأن أحد الزوجين لا يرد عليه.
وأما كونه غير معاولٍ؛ فلما ذكر.
وأما كون الباقي يقسم بين ذوي الرحم كما لو انفردوا على المذهب؛ فلأن صاحب الفرض إذا أخذ فرضه كأنّ الميت لم يخلّف إلا ذلك.
وأما كون الفاضل عن الزوج يحتمل أن يقسّم بينهم كما يقسّم بين من أدلوا به؛ فلأنه الأصل الذي وقع به إرثهم.
وسيتضح بعد إن شاء الله تعالى.
وهذا الخلاف إنما يقع في مسألة فيها من يُدلي بذي فرضٍ ومن يدلي بعصبة.
أما إذا أدلى جميعهم بذي فرضٍ أو عصبةٍ فلا خلاف فيه.
هكذا ذكر المصنف رحمه الله تعالى في المغني.
قال: (فإذا خلّفت 207 زوجاً وبنت بنت، وبنت 208 أخت: فللزوج النصف، والباقي بينهما نصفين على الوجه الأول، وعلى الآخر يقسّم بينهما على ثلاثة: لبنت البنت سهمان، ولبنت الأخت سهم).
أما كون الباقي بين بنت البنت وبنت الأخت نصفين على الوجه الأول؛ فلأن بنت البنت لها النصف وبنت الأخت لها الباقي وهو النصف.
فالمسألة أصلها من اثنين وتصح من أربعة: للزوج سهمان 209، ولبنت البنت سهم، ولبنت الأخت سهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 387
وأما كونه بينهما على ثلاثةٍ على الآخر؛ فلأن من أدلوا به بنت وأخت ومعهما زوج: فللزوج الربع، وللبنت النصف، وللأخت الباقي وهو الربع.
فالبنت تدلي بمثل الأخت فيقسّم الفاضل على الزوج بين بنت البنت، وبنت الأخت أثلاثاً.
فالمسألة أصلها من اثنين وتصح من ستة: للزوج ثلاثة، ولبنت البنت سهمان، ولبنت الأخت سهم.
قال: (ولا يعول من مسائل ذوي الأرحام إلا مسألة واحدة وشبهها وهي: خالةٌ وست بنات ست أخوات مفترقاتٍ تعول إلى سبعة).
أما كون مسائل ذوي الأرحام غير المستثنى لا يعول منها شيء فمعلوم بالسّبْر.
وأما كون المستثنى يعول فيه: أما في المسألة؛ فلأن الخالة لها السدس؛ لأنها تدلي بالأم، وفرض الأم مع الإخوة السدس، ولبنات الأختين من الأبوين الثلثان، ولبنات الأختين لأم الثلث.
فأصلها 210 من ستة وتعول إلى سبعة.
وأما في شبهها؛ فلأن العول ليس مختصاً بعين هذه المسألة بل تجري فيها وفي كل مسألةٍ فيها من يقوم مقام الأم أو الجدة.
ومن يقوم مقام الأخوات المفترقات ممن يأخذ المال كله بالفرض، ولهذا قال المصنف: إلا مسألة واحدة وشبهها.
إذا تقرر العول؛ فالمسألة المذكورة من سبعة.
واعلم أنها تصح منها إن كانت البنات بنتي أختين لأبوين، وبنتي أختين لأم، وبنتي أختين لأب: لولد الأبوين الثلثان أربعة لكل واحدةٍ سهمان، ولولد الأم سهمان لكل واحدةٍ سهم، وللخالة سهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 388
باب ميراث الحمل
الأصل في ميراث الحمل ولداً كان أو غيره: عموم الأدلة المقتضية للإرث.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (إذا مات عن حملٍ يرثه وطالب بقيّة الورثة بالقسمة وقفت له نصيب ذكرين إن كان نصيبهما أكثر، وإلا وقفت نصيب أنثيين، ودفعت إلى من لا يحجبه الحمل أقل ميراثه.
ولا يدفع إلى من يُسقطه شيئاً).
أما كون قاسم تركة الميت عن حملٍ يقف للحمل نصيب اثنين؛ فلأن ولادة التوأمين كثير معتاد.
فلم يجز النقصان عنه؛ لأنه معتاد.
ولا الزيادة عليه؛ لأنه نادر وإذا كان كذلك تعين ما ذكر.
وأما كون النصيب المذكور نصيب ذكرين إن كان أكثر من نصيب أنثيين وإلا نصيب 211 أنثيين؛ فلأنه قد يكون صاحب الأكثر فيتعين وقفه له.
فإن قيل: ما مثال كون نصيب ذكرين أكثر؟
قيل: كثير.
من ذلك: رجل مات عن امرأةٍ وابنٍ وحملٍ؛ لأن مسألته من ثمانية وتصح من أربعة وعشرين: للذكرين أربعة عشر، وذلك أكثر من نصيب أنثيين.
فإن قيل: ما مثال كون نصيب الأنثيين أكثر؟
قيل: رجل مات عن امرأةٍ وأبوين وحملٍ؛ لأن مسألته من أربعة وعشرين وتصح من سبعة وعشرين: للأنثيين منها ستة عشر، وذلك أكثر من نصيب ذكرين.
فإن قيل: ما يشترط في وقف النصيب للحمل؟
قيل: أمران: أحدهما: أن يكون الحمل ممن يرث.
فإن كان ممن لا يرث لم يقف القاسم له شيئاً؛ لأنه لا شيء له.
الجزء: 3 - الصفحة: 389
وثانيهما: أن يطلب بقية الورثة قسم التركة؛ لأنهم إذا لم يطلبوا ذلك بقي الأمر على ما هو عليه حتى تضع المرأة الحمل.
وأما كون قاسم التركة يدفع إلى من لا يحجبه الحمل أقل ميراثه؛ فلأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه.
والمراد بقول المصنف رحمه الله: من لا يحجبه من لا يسقطه لا من لا ينقصه لقوله بعد: ولا يدفع إلى من يسقطه شيئاً.
ولأن من لا ينقصه ليس لمن معه أقل من ذلك أو أكثر.
فإن قيل: ما مثال من لا يحجبه ومثال من لا ينقصه؟
قيل: أما الأول فرجلٌ مات عن امرأةٍ وحملٍ؛ لأن بتقدير خروج الحمل حياً للمرأة الثمن، وبتقدير خروجه ميتاً لها الربع، والثمن أقل من الربع فيدفع إليها الثمن لا الربع.
وأما الثاني فالمسألة المتقدم ذكرها أولاً، لأن فيها ابناً، وللمرأة معه الثمن وُلِدَ الحمل حياً أوْ لا.
وأما 212 كونه لا يدفع إلى من يسقطه شيئاً؛ فلأن الظاهر خروج الحمل حياً وهو يسقط الموجود فلم يدفع إليه مع الشك في استحقاقه.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: مثاله رجلٌ مات وخلّف ثلاث أخوات مفترقاتٍ وامرأةً وحملاً؛ لأن الولد الذكر يسقط الأخوات من كل جانبٍ، والحمل يحتمل كونه ذكراً.
قال رحمه الله: (فإذا وُضع الحمل دفعتَ إليه نصيبه ورددت الباقي إلى مستحقه).
أما كون القاسم يدفع نصيب الحمل إليه إذا وضعته أمه؛ فلأن ذلك حقه.
وأما كونه يرد الباقي إلى مستحقه؛ فلأن ذلك حقهم.
واعلم أنه تارة لا يفضل عن نصيب الحمل الموقوف له شيء؛ كما لو ظهر الحمل ذكرين في الأولى وأنثيين في الثانية؛ لأن المسألتين تصحان على ما كانتا عليه، وتارة يفضل منه؛ كما لو ظهر ذكراً في الأولى والثانية؛ لأن الأولى تصح من ستة
الجزء: 3 - الصفحة: 390
عشر: للمرأة سهمان، ولكل ابنٍ سبعةٍ.
والثانية من أربعة وعشرين: للمرأة ثلاثة، وللأبوين ثمانية، وللحمل ثلاثة عشر.
الجزء: 3 - الصفحة: 391
فصل [متى يرث المولود]
قال المصنف رحمه الله: (وإذا استهلّ المولود صارخاً وَرِثَ ووُرِّثَ.
وفي معناه: العطاسُ والتنفسُ والارتضاعُ وما يدل على الحياة.
فأما الحركة والاختلاج فلا تدل على الحياة).
أما كون المولود يرثُ إذا استهلّ صارخاً؛ فلأن أبا هريرة رضي الله عنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا استَهَلّ المولودُ وُرِّثَ» 213 رواه أبو داود.
وعن جابر مثله.
رواه ابن ماجة 214.
فإن قيل: ما معنى استهلّ المولود؟
قيل: صاح عند الولادة.
قاله الجوهري.
فإن قيل: لم قال المصنف: استهلّ صارخاً؟
قيل: لينبّه بذلك على حياة الحمل.
وفيه نظر؛ لأن صارخاً إن جعل حالاً كان فيه إشعارٌ بانفكاك الاستهلال عنه، وإن جعل مميزاً فكذلك؛ لأنه لا يأتي إلا بعد ما يحتمل الأمرين.
والتفسير المتقدم ذكره يأباه.
وأما كونه يورث إذا استهل؛ فلأن المصحح للإرث الحياة.
فكذا يجب أن يكون في كونه موروثاً.
وأما العطاسُ والتنفسُ والارتضاعُ وما يدل على الحياة في معنى الاستهلال؛ فلأن من اتصف بما ذُكر حي.
فيثبت له أحكام الحياة؛ كالمستهل.
وأما كون الحركة والاختلاج لا تدل على الحياة؛ فلأن ذلك يحصل من المذبوح.
الجزء: 3 - الصفحة: 392
ولأن اللحم يختلج لا سيما إذا خرج من مكان ضيق يضم أجزاؤه إلى مكان فسيح.
قال رحمه الله: (وإن ظهر بعضه فاستهلّ ثم انفصل ميتاً لم يرث.
وعنه: يرث).
أما كون من ذكر لا يرث في روايةٍ؛ فلأنه لم يخرج جميعه حياً.
أشبه ما لو مات قبل خروج شيء منه.
وأما كونه يرث في روايةٍ؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا استَهَلّ المولودُ وُرِّثَ» 215.
قال رحمه الله: (وإن ولدت توأمين فاستهلّ أحدهما وأشكل: أقرع بينهما.
فمن خرجت قرعته فهو المستهل).
أما كون التوأمين يقرع بينهما إذا استهلّ أحدهما وأشكل؛ فلأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
فشرعت القرعة؛ كما لو أعتق أحد العبدين.
وأما قول المصنف رحمه الله: وأشكل؛ فمشعرٌ بأن التوأمين إذا استهلّ أحدهما تارة يشكل أمر ميراث المستهل؛ كما لو كانا ذكراً وأنثى وليسا بولدي أم، وتارة لا يشكل؛ كما لو كانا ذكرين أو أنثيين أو ذكراً أو أنثى وهما ولدا أم؛ لأن ميراث الذكر في غير ولدي الأم أكثر من ميراث الأنثى.
بخلاف الذكر مع الذكر والأنثى مع الأنثى، وبخلاف الذكر مع الأنثى في ولدي الأم؛ لأنهما سواء.
وأما كون المستهل من خرجت له القرعة؛ فلأن ذلك فائدتها.
ولأنه لو أقرع بين العبدين اللذين أعتق أحدهما لكان الذي خرجت له القرعة هو المعتق.
فكذا إذا أقرع بين التوأمين يكون من خرجت له القرعة هو المستهل.
الجزء: 3 - الصفحة: 393
باب ميراث المفقود
قال المصنف رحمه الله: (وإذا انقطع خبره لغيبةٍ ظاهرُها السلامة؛ كالتجارة ونحوها: انتُظر به تمام تسعين سنة من يوم ولد.
وعنه: ينتظر أبداً.
وإن كان ظاهرها الهلاك؛ كالذي يُفقد من بين أهله، أو في مفازةٍ مهلكةٍ؛ كالحجاز، أو بين الصفين حال الحرب، أو في البحر إذا غرقت سفينته: انتُظر به تمام أربع سنين ثم يقسم ماله.
وعنه: التوقف).
أما كون من انقطع خبره لغيبةٍ ظاهرُها السلامة كما مثل المصنف رحمه الله تعالى ينتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد على المذهب؛ فلأن الأصل الحياة، والغالب أنه لا يعيش أكثر من ذلك.
وأما كونه ينتظر أبداً على رواية؛ فلأن الأصل حياته.
ولأن التقدير لا يصار إليه إلا بتوقيفٍ، ولا توقيف هنا.
وأما كون من كانت غيبته ظاهرها الهلاك كما مثل المصنف رحمه الله ينتظر به تمام أربع سنين ثم يقسم ماله على المذهب؛ فلأن الصحابة اتفقت على تزويج امرأته.
وإذا ثبت ذلك في النكاح مع الاحتياط للأبضاع.
ففي المال أولى.
ولأن الظاهر هلاكه.
أشبه ما لو مضت مدة لا يعيش في مثلها.
وأما كونه يتوقف فيه على روايةٍ؛ فلأن حياته وموته متعارضان.
فوجب التوقف.
قال رحمه الله: (فإن مات موروثه في مدة التربص: دفع إلى كل وارثٍ اليقين ووقف الباقي.
فإن قدم أخذ نصيبه وإن لم يأت فحكمه حكم ماله.
ولباقي الورثة أن يصطلحوا على ما زاد عن نصيبه فيقتسموه).
أما كون اليقين فيما ذكر يدفع إلى كل وارثٍ؛ فلأنه مستحقٌ له على كل تقدير.
الجزء: 3 - الصفحة: 394
وأما كون الباقي يوقف؛ فلأنه لا يعلم مستحقه.
أشبه الذي ينقص نصيبه بالحمل.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: زوجٌ وأمٌ وأختٌ وجدٌ وأخٌ مفقود.
مسألة موته من سبعة وعشرين؛ لأنها الأكدرية، ومسألة حياته من ثمانية عشر سهماً موافقة بالأتساع.
فاضرب تسع أحدهما في الأخرى تكن أربعة وخمسين: للزوج النصف من مسألة الحياة، والثلث من مسألة الموت فيعطى الثلث؛ لأنه اليقين، وللأم التسعان من مسألة الموت، والسدس من مسألة الحياة فتعطى السدس، وللجد ستة عشر سهماً من مسألة الموت، وتسعة من مسألة الحياة فيعطى التسعة، وللأخت ثمانية من مسألة الموت، وثلاثة من مسألة الحياة فتعطى ثلاثة، ويبقى خمسة عشر موقوفةٌ للمفقود بتقدير حياته ستة، وتسعة زائدة عن نصيبه.
وأما كون المفقود إذا قدم يأخذ نصيبه؛ فلأنه وُقف من أجله، وهو المستحق له.
فوجب أن يأخذه؛ كما لو كان غير مفقودٍ عند الموت.
وأما كون حكم نصيبه حكم ماله إذا لم يأت؛ فلأنه محكوم له به.
أشبه سائر ماله.
وأما كون باقي الورثة لهم أن يصطلحوا على ما زاد عن نصيبه فيقتسموه؛ فلأنه حقهم لا يخرج عنهم.
فعلى هذا للزوج وللأم والأخت والجد في المسألة المذكورة قبل أن يصطلحوا على التسعة المتقدم ذكرها؛ لأنها زائدة عن نصيب الأخ المفقود.
الجزء: 3 - الصفحة: 395
باب ميراث الخنثى
قال المصنف رحمه الله: (وهو الذي له ذكرٌ وفرج امرأةٍ.
فيعتبر بمباله.
فإن بال، أو سبق بوله من ذكره فهو رجل.
وإن سبق من فرجه فهو امرأة.
وإن خرجا معاً اعتبر أكثرهما).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو ... إلى امرأةٍ؛ فبيان لمعنى الخنثى.
وقال في المغني: أو ثُقْبٌ في مكان الفرج يخرج منه البول.
كأنه لم يعتبر نفس الفرج بل أحد أمرين: إما الفرج أو ثقباً كما ذكر.
وأما كون الاعتبار بمباله؛ فلأن ابن المنذر قال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الخنثى يورّث من حيث يبول: إن بال من حيث يبول الرجل فهو رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة فهو امرأة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سئلَ عن مولودٍ له قبل وذكرٌ من أين يورّث؟ قال: من حيثُ يَبول» 216.
ولأنه يروى عن علي ومعاوية 217.
ولأن البول أعم العلامات؛ لوجوده صغراً وكبراً.
وأما كونه رجلاً إذا بال من ذكره، وامرأة إذا بال من فرجه؛ فلما تقدم ذكره.
الجزء: 3 - الصفحة: 396
وأما كونه رجلاً إذا سبق بوله من ذكره، وامرأة إذا سبق من فرجه؛ فلأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه أتي بخنثى من الأنصار.
فقال: ورِّثوه من أول ما يبول منه».
وأما كونه يعتبر أكثرهما إذا خرجا معاً؛ فلأن للكثرة مزية لإحدى العلامتين.
فوجب اعتبارها؛ كالسبق.
قال رحمه الله: (فإن استويا فهو مشكل.
فإن كان يرجى انكشاف حاله وهو الصغير أعطي هو ومن معه اليقين، ووُقف الباقي حتى يبلغ فيظهر فيه علامات الرجال: من نبات لحيته، وخروج المني من ذكره.
أو علامات النساء: من الحيض ونحوه).
أما كون الخنثى مشكلاً إذا استويا فيما تقدم ذكره من وجود البول فيهما، وعدم السبق، وكثرته في أحدهما؛ فلأنه حينئذٍ لا مزية لأحد أمريه على الآخر.
وأما كونه يُرجى انكشاف حاله؛ فلأنه تارة يكون صغيراً فيُرجى زوال إشكاله بما ذكره المصنف رحمه الله، وتارة كبيراً لا يُرجى ذلك.
وأما كون من يُرجى انكشاف حاله يعطى هو ومن معه اليقين، ويوقف الباقي حتى يبلغ فيظهر فيه العلامات المذكورة؛ فلما ذكر في مسألة الحمل.
وأما كونه ينكشف حاله بالعلامات المذكورة؛ فلأن كل علامةٍ منها مختصة بصاحبها.
فوجب أن يكون الحكم لها، وحينئذٍ ينكشف حاله.
فيزول الإشكال.
قال رحمه الله: (وإن يئس من ذلك بموته، أو عدم العلامات بعد بلوغه: أعطي نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى).
أما كون الخنثى يُيأس من انكشاف حاله بالموت؛ فظاهر.
وأما كونه يُيأس من ذلك بعدم العلامات بعد البلوغ؛ فلأنه إذا بلغ ولم يوجد شيء من العلامات التي ذكرها المصنف رحمه الله لا يعلم كونه رجلاً أو امرأة لوجود السبب الموجب لكونه رجلاً أو امرأة السالم عما يعارضه.
وأما كونه يُعطى نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى؛ فلأنه قول ابن عباس، ولم يعرف له في الصحابة منكر.
الجزء: 3 - الصفحة: 397
ولأن حاليه تساويا.
فوجب التسوية بين حكميهما؛ كما لو تداعى نفسان داراً بأيديهما ولا بينة لهما.
ولأنه إذا لم يورّث بذلك: فإما أن يورّث بأسوء حاليه، وإما أن يوقف.
والأول باطل؛ لأنه ليس بأولى من توريث من معه بذلك فتخصيصه لا دليل عليه.
والثاني باطل؛ لأنه لا غاية له تنتظر.
وفيه تضييع المال مع يقين استحقاق الورثة له.
قال رحمه الله: (فإذا كان مع الخنثى بنتٌ وابنٌ جعلتَ للبنت أقل عدد له نصف وهو سهمان، وللذكر أربعة، وللخنثى ثلاثة.
وقال أصحابنا: تعمل المسألة على أنه ذكر ثم على أنه أنثى ثم تضرب أحدهما أو وفقها في الأخرى إن اتفقتا، وتجتزئ بأحدهما إن تماثلتا أو بأكثرهما إن تناسبتا، وتضربها في اثنين.
ثم من له شيء من إحدى المسألتين مضروب في الأخرى أو في وفقها أو تجمع ما له منهما إن تماثلتا).
أما كون البنت يجعل لها أقل عدد له نصف وهو قول القاضي واختيار المصنف؛ فلأن الخنثى له نصف ميراثها.
فلم يكن بد مما ذكر؛ ليخرج النصف المذكور بلا كسر.
وأما كون ذلك سهمين؛ فظاهر.
وأما كون الذكر له أربعة؛ فلأن له مثلي ما للأنثى.
وأما كون الخنثى له ثلاثة؛ فلأن له نصف ميراث أنثى وهو سهم ونصف ميراث ذكر وهو سهمان.
وأما كون المسألة تُعمل على أنه ذكرٌ ثم على أنه أنثى على قول أصحابنا؛ فلأنه له حالين.
فلم يكن بُدٌّ من اعتبارهما.
وأما كون أحدهما يضرب في الأخرى إن تباينتا ويضرب وفق أحدهما في الأخرى إن اتفقتا ويجتزئ بأحدهما إن تماثلتا أو بأكثرهما إن تناسبتا؛ فلما تقدم في مسألة غير الخنثى.
وأما كون ما بلغ من ذلك على اختلاف أنواعه يضرب في اثنين فلأجل الحالين.
فإن قيل: ما مثال المسائل المذكورة؟
الجزء: 3 - الصفحة: 398
قيل: أما مع التباين فابنٌ وبنتٌ وخنثى.
مسألة الذكورية من خمسة، والأنوثية من أربعة.
اضرب خمسة في أربعة تكن عشرين، ثم في اثنين تكن أربعين: للخنثى من مسألة الذكورية اثنان في أربعة بثمانية.
ومن مسألة الأنوثية سهم في خمسة بخمسة المجموع ثلاثة عشر.
وأما مع التوافق فزوجٌ وأمٌ وولد أبٍ خنثى.
مسألة الذكورية من ستة: للزوج النصف، وللأم الثلث، والباقي لولد الأب.
ومسألة الأنوثية من ثمانية: للزوج والأم ما ذكر قبل، ولولد الأب النصف ثلاثة، وبين الستة والثمانية موافقة بالأنصاف فاضرب ستة في أربعة تكن أربعة وعشرين، ثم في حالين تكن ثمانية وأربعين: للزوج من مسألة الذكورية ثلاثة في أربعة باثني عشر.
ومن مسألة الأنوثية ثلاثة في ثلاثة بتسعة، ومجموع ذلك أحد وعشرون، وللأم من مسألة الذكورية سهمان في أربعة بثمانية.
ومن مسألة الأنوثية سهمان في ثلاثة بستة، والمجموع أربعة عشر، وللخنثى من مسألة الذكورية سهم في أربعة بأربعة.
ومن مسألة الأنوثية ثلاثة في ثلاثة بتسعة، والمجموع ثلاثة عشر.
وأما مع التماثل فزوجةٌ وولدٌ خنثى وعمٌ.
مسألة الذكورية من ثمانية؛ لأن فيها ثمناً وما بقي.
ومسألة الأنوثية كذلك؛ لأن فيها ثمناً ونصفاً وما بقي فاجتزئ بأحدهما ثم اضربها في حالين تكن ستة عشر: للزوجة منها سهمان، وللخنثى من الأولى سبعة، ومن الثانية أربعة صار ذلك أحد عشر، وللعم من الثانية ثلاثة، ولا شيء له من الأولى؛ لأن كون الخنثى ذكراً يسقطه.
وأما مع التناسب فأمٌ وبنتٌ وولدٌ خنثى وعمٌ.
مسألة الذكورية من ستة، وتصح من ثمانية عشر.
ومسألة الأنوثية من ستة، وتصح منها وهي تناسب الأولى بالثلث فاجتزئ بأكثرهما وهو هنا ثمانية عشر، ثم اضرب ذلك في حالين تكن ستة وثلاثين، ثم من له شيء من أقل العددين مضروبٌ في مخرج نسبة أقل المسألتين إلى الأخرى، ثم تضاف إلى ماله من أكثرهما.
فعلى هذا للأم من مسألة الأنوثية سهم مضروب في مخرج نسبتها إلى مخرج مسألة الذكورية وهو ثلاثة تكن ثلاثة، ثم يضاف ذلك إلى ما لها من مسألة الذكورية وهو ثلاثة تكن ستة، وللبنت منها سهمان مضروبان في ثلاثة تكن ستة،
الجزء: 3 - الصفحة: 399
ثم يضاف ذلك إلى ما لها من مسألة الذكورية وهو خمسة تكن أحد عشر، وللخنثى من مسألة الأنوثية سهمان مضروبان في ثلاثة تكن ستة، ثم يضاف إلى ما له من مسألة الذكورية وهو عشرة تكن ستة عشر، وللعم من مسألة الأنوثية سهم مضروب في ثلاثة تكن ثلاثة، ولا شيء له من مسألة الذكورية؛ لأن الذكر يحجبه.
وأما قول المصنف رحمه الله: ثم من له شيء من إحدى المسألتين مضروب في الأخرى أو في وفقها؛ فبيان لطريق استخراج نصيب كل واحدٍ في مسألتي التباين والتوافق.
وقد اتضح ذلك بما ذكرته في كل واحدةٍ منها.
وأما قوله: أو تجمع ماله منهما إن تماثلتا؛ فبيان لطريق استخراج نصيب كل واحدٍ في مسألة التماثل.
وقد اتضح ذلك أيضاً بما ذكرته فيها.
ولم يذكر المصنف رحمه الله طريق استخراج نصيب كل واحدٍ في مسألة التناسب وقد ذكرته فتنبّه له واعمل به.
قال رحمه الله: (وإن كانا خنثيين أو أكثر نزّلتهم بعدد أحوالهم.
وقال أبو الخطاب: تنزّلهم حالين: مرة ذكوراً، ومرة إناثاً.
والأول أولى).
أما كون الخنثيين أو أكثر ينزّلون بعدد أحوالهم على قول غير أبي الخطاب؛ فلأنه أعدل؛ لإعطاء كل واحدٍ بحسب ما فيه من الاحتمال.
فتجعل للاثنين أربعة أحوال، وللثلاثة ثمانية، وللأربعة ستة عشر، وللخمسة اثنان وثلاثون حالاً، ثم تجمع ما لهم في الأحوال كلها وتقسم على قدر أحوالهم.
مثال ذلك في الخنثيين: ابن وخنثيان.
مسألة الذكورية من ثلاثة لكل خنثى سهم.
ومسألة الأنوثية من أربعة لكل خنثى سهم.
ومسألة ذكورية أحدهما وأنوثية الآخر من خمسة: للمقدر ذكوريته سهمان، وللآخر سهم وبالعكس فاجتزئ بإحدى الصورتين المقدّر فيها ذكورية أحدهما وأنوثية الآخر؛ لتماثلهما، واضرب بقية الأحوال بعضها في بعض؛ لتباينها تكن ستين، ثم اضرب ذلك في عدد الأحوال تكن مائتين وأربعين.
وإذا أردت القسمة فاجمع نصيب الخنثيين في الأحوال الأربعة من الستين تجده مائة واثنين وأربعين؛ لأن لهما في حال الذكورية ثلثي المال وهو أربعون، وفي حال الأنوثية نصف المال وهو ثلاثون، وفي حال يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى ثلاثة أخماس المال وهو ستة وثلاثون، ومن الحال الأخرى كذلك.
وإذا جمعت ذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 400
يكون المجموع ما ذكر، ثم اقسم ذلك على أربعة تكن خمسة وثلاثين ونصفاً: لكل واحدٍ سبعة عشر ونصف وربع، ثم اضرب نصيب كل واحدٍ في أربعة يصبح لكل خنثى أحد وسبعون، وللابن ثمانية وتسعون.
وعلى هذا فقس.
ومثال ذلك في ثلاث خناثى: ابنٌ وثلاث خناثى.
مسألة الذكورية من أربعة، والأنوثية من خمسة، وذكورية الأكبر وأنوثية الآخرين من ستة، وذكوريته وذكورية الأوسط وأنوثية الآخر من سبعة، وذكوريته وذكورية الأصغر وأنوثية الأوسط من سبعة، وأنوثية الأكبر وذكورية الآخرين من سبعة، وأنوثية الأكبر والأوسط وذكورية الآخر من ستة، وأنوثيته وأنوثية الأصغر وذكورية الأوسط من ستة.
اجتزئ بالستة عما يماثلها وكذا السبعة يبقى أربعة وخمسة وستة وسبعة اضرب بعضها في بعض تكن أربعمائة وعشرين.
ثم اضرب ذلك في ثمانية تكن ثلاثة آلاف وثلثمائة وستين.
وإذا أردت القسمة فاجمع نصيب الخناثى من الأحوال كلها تكن ألفين وثلثمائة وسبعة؛ لأن لهم من مسألة الذكورية ثلاثة أرباع المال وهو من أربعمائة وعشرين ثلثمائة وخمسة عشر.
ومن مسألة الأنوثية ثلاثة أخماسه وهو مما ذكر مائتان واثنان وخمسون.
ومن مسألة ذكورية الأكبر فقط ثلثاه وهو مائتان وثمانون.
ومن مسألة ذكوريته وذكورية الأوسط خمسة أسباعه وهو ثلثمائة.
ومن مسألة ذكوريته وذكورية الأصغر كذلك.
ومن مسألة أنوثيته فقط كذلك.
ومن مسألة أنوثيته وأنوثية الأوسط ثلثاه.
ومن مسألة أنوثيته وأنوثية الأصغر كذلك.
وإذا جمعت ذلك يكون المجموع ما ذكر، ثم اقسم ذلك على ثمانية تكن مائتين وثمانية وثمانين وربعاً وثمناً لكل خنثى ستة وتسعون وثمن.
ثم اضرب ذلك في ثمانية يكن سبعمائة وسبعة وستين، وللابن ألف وثلاثة وخمسون.
وأما كونهم ينزلون حالين فقط على قول أبي الخطاب؛ فلأنه هكذا في الواحد فكذا فيما زاد عليه.
وعمل أبو الخطاب الأولى في التهذيب فقال لهما في حال الذكورية ثلثا المال، وفي حال الأنوثية نصفه فاجمع لهما نصف ذلك وهو ثلث المال وربعه، وتصح من أربعةٍ وعشرين: لكل خنثى سبعة، وللابن عشرة.
وعمل الثانية فقال: لهم في حال الذكورية: ثلاثة أرباع المال.
وفي حال الأنوثية: ثلاثة
الجزء: 3 - الصفحة: 401
أخماسه فاجمع لهم نصف ذلك يكن ربع المال وثمنه وخمسه وعشره.
وتصح من ثمانين: لكل خنثى ثمانية عشر، وللابن ستة وعشرون.
وعلى هذا فقس.
الجزء: 3 - الصفحة: 402
باب ميراث الغرقى ومن عمي موتهم
الغرقى جمع غريق.
ومعنى عَمِيَ: خَفي.
وفيه حذف تقديره: ومن عمي كيفية موتهم.
والمراد بهم: ما أشبه الغرقى من الهدمى وغيرهم.
قال المصنف رحمه الله: (إذا مات متوارثان وجهل أولهما موتاً؛ كالغرقى والهدمى واختلف ورّاثهما في السابق منهما فقد نقل عن أحمد رحمه الله في امرأةٍ وابنها ماتا.
فقال زوجها: ماتت فورثناها، ثم مات ابني فورثته.
وقال أخوها: مات ابنها فورثته ثم ماتت فورثناها: أنه يحلف كل واحدٍ منهما على إبطال دعوى صاحبه، ويكون ميراث الابن لأبيه، وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين.
ذكرها الخرقي.
وهذا يدل على أنه يقسّم ميراث كل ميتٍ للأحياء من ورثته دون من مات معه.
وظاهر المذهب: أن كل واحدٍ من الموتى يرث صاحبه من تلاد ماله دون ما ورثه من الميت معه).
أما كون ميراث كل ميتٍ يقسّم للأحياء من ورثته دون من مات معه على ما ذكره الخرقي رحمه الله في المسألة المذكورة الدالة عليه؛ فلأنه يروى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وزيد وابن عباس والحسن بن علي رضي الله عنهم.
وأما كون كل واحدٍ من الموتى يرث صاحبه على ظاهر المذهب من تلاد ماله وهو ماله بالأصالة دون ما ورثه من الميت معه.
وتسمى طارفة؛ فلأنه قول عمر وعلي.
قال الشعبي: «وقع الطاعون بالشام عام عمواس فجعل أهل البيت يموتون عن آخرهم.
فكتب إلى عمر في ذلك فكتب: أن ورثوا بعضهم من بعض» 218.
الجزء: 3 - الصفحة: 403
ولأنه يروى عن إياس بن عبد المزني «أن النبي صلى الله عليه وسلم سًئلَ عن قوم وقع عليهم بيت.
فقال: يرث بعضهم بعضاً» 219.
وأجاب بعض أصحابنا عن قول أحمد رحمه الله في امرأة وابنها بأنه يحتمل اختصاصه بما إذا ادعى وارث كلِّ ميتٍ بأن موروثه كان آخرهما موتاً؛ لأن مع التداعي تتوجه اليمين على المدعى عليه.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله ترجيح توريث الأحياء.
واحتج في المغني بأمور:
منها: أن قتلى اليمامة وصفين والحرة لم يورّث بعضهم من بعض.
ومنها: ما روى جعفر بن محمد عن أبيه: «أن أم كلثوم بنت علي رضي الله عنه توفيت هي وابنها.
فالتقت الصيحتان في الطريق.
فلم يدر أيهما مات قبل صاحبه.
فلم ترثه ولم يرثها» 220.
ومنها: أن شرط التوارث حياة الوارث بعد موت الموروث وهو غير معلوم.
فلا يثبت التوارث مع الشك في شرط.
ولأنه لم تعلم حياته حين موت موروثه.
فلم يرثه؛ كالحمل إذا وضعته ميتاً.
ولأن الأصل عدم التوارث.
فلا يثبت بالشك.
ولأن توريث كل واحدٍ منهم خطأ يقيناً؛ لأنه يحتمل أن يكون مَوْتُهما معاً.
وقال جواباً عن حديث إياس المتقدم: الصحيح أن هذا إنما هو عن إياس نفسه وأنه هو المسؤول.
وليس يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا 221. رواه سعيد في سننه.
قال: (فيقدر أحدهما مات أولاً ويورّث الآخر منه، ثم يقسّم ما ورثه منه على الأحياء من ورثته، ثم يصنع بالثاني كذلك.
فعلى هذا لو غرق أخوان أحدهما
الجزء: 3 - الصفحة: 404
مولى زيدٍ والآخر مولى عمروٍ صار مال كل واحدٍ منهما لمولى الآخر.
وعلى القول الأول مال كل واحدٍ منهما لمولاه.
وهو أحسن إن شاء الله تعالى).
أما قول المصنف: فيقدر ... إلى قوله: كذلك؛ فبيان لصفة توريث كل واحدٍ من الموتى.
وأما قوله: فعلى هذا ... إلى آخره؛ فبيان لصورة من صور الحكم المذكور.
وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنه إذا قدّر موت مولى زيد أوّلاً استحق ميراثه أخوه ثم يدفع ذلك إلى ورثته الأحياء وهو مولاه.
فصار مال مولى زيدٍ لعمروٍ.
وهكذا يقدر في مولى عمرو.
وأما قوله: وعلى القول الأول مال كل واحد لمولاه؛ فبيان لما يتفرع على القول المذكور.
والمراد به ما تقدم من أنه يقسّم ميراث كل ميتٍ للأحياء من ورثته دون من مات معه.
وإنما كان مال كل واحدٍ لمولاه على ذلك؛ لأن الحي من ورثته مولاه.
وأما قوله: وهو أحسن إن شاء الله؛ فترجيح لذلك.
وقد تقدم نقلاً ودليلاً.
فإن قيل: اذكر من مسائل ذلك شيئاً للإيضاح.
قيل: منها: ما إذا خلّف كل واحدٍ من الأخوين المذكورين بنتاً وزوجةً.
فمن لم يورث بعضهم من بعضٍ صحح مسألة كل واحدٍ من ثمانية: لامرأته الثمن، ولابنته النصف، والباقي لمولاه.
ومن ورثهم جعل الباقي لأخيه، ثم قسّمه بين ورثة أخيه على ثمانية، ثم اضربها في الثمانية الأولى.
فصحت من أربعة وستين: لامرأته ثمانية، ولابنته اثنان وثلاثون، ولامرأة أخيه ثمن الباقي ثلاثة، ولابنته اثنا عشر، ولمولاه الباقي تسعة.
ومن ذلك: أخوان غرقا أحدهما أكبر من الآخر، وخلّف الأكبر بنتاً، والأصغر بنتين، ولهما أمٌ وعمٌ.
فمن ورث كل واحدٍ من صاحبه قدّر موت الأكبر أوّلاً.
فماله بين ورثته وهم: بنته وأمه وأخوه، ولا شيء لعمه.
المسألة من ستة: لأمه سهم، ولابنته ثلاثة، ولأخيه سهمان بين ورثته وهم: ابنتاه وأمه وعمه مسألته من ستة وسهمان على ستة لا تصح وتوافق بالأنصاف فاضرب ستة في ثلاثة تكن ثمانية عشر: لأمه ثلاثة، ولابنته تسعة، ولأخيه ستة: لأمه سهم، ولابنتيه أربعة، ولعمه
الجزء: 3 - الصفحة: 405
سهم.
ثم قدّر موت الأصغر أولاً مسألته من ستة: لابنتيه أربعة، ولأمه سهم، ولأخيه الباقي وهو سهم بين ورثته وهم: أمه وابنته وعمه فمسألته من ستة وسهم لا تصح ولا توافق فاضرب ستة في ستة تكن ستة وثلاثين: لابنتيه أربعة وعشرون، ولأمه ستة، ولأخيه ستة: لابنته ثلاثة، ولأمه سهم، ولعمه سهمان.
فمجموع ما للأم أربعة من مال الأكبر، وسبعة من مال الأصغر، ومجموع ما للعم من الأكبر سهم، ومن الأصغر سهمان.
ومجموع ما لبنت الأكبر اثنا عشر: تسعة من أبيها، وثلاثة مما ورث أبوها.
ولابنتي الأصغر أربعة وعشرون من أبيهما، وأربعة مما ورث أبوهما من أخيه.
ومن جعل الميراث للأحياء دون الأموات جعل مال الأكبر لابنته وأمه وعمه فمسألته من ستة: ثلاثة لابنته، وسهم لأمه، وسهمان لعمه.
و [من] 222 جعل مال الأصغر لابنتيه وأمه وعمه فمسألته أيضاً من ستة: لابنتيه أربعة، ولأمه سهم، ولعمه سهم.
وعلى هذا فقس.
الجزء: 3 - الصفحة: 406
باب ميراث أهل الملل
الملل: جمع ملة.
وهي الطريقة.
قال رحمه الله: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.
إلا أن يسلم قبل قسم ميراثه فيرثه.
وعنه: لا يرثه.
وإن عتق عبدٌ بعد موت موروثه وقبل القسم لم يرث وجهاً واحداً).
أما كون المسلم لا يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم إذا لم يسلم قبل قسم ميراثه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ» 223. متفق عليه.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتوارثُ أهل ملتين شتى» 224. رواه أبو داود.
وأما كون الكافر إذا أسلم قبل قسم ميراث موروثه يرث على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أسلمَ على شيءٍ فهوَ لَه» 225 رواه سعيد.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل قَسْم قُسِمَ في الجاهليةِ فهوَ على ما قُسِمَ.
وكل قَسْمٍ أدركَهُ الإسلامُ.
فإنه على قَسْمِ الإسلام» 226 رواه أبو داود.
الجزء: 3 - الصفحة: 407
و «لأن عمر وعثمان قضيا أن من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله نصيبه» 227. وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة ولم ينكر.
فكان إجماعاً.
وأما كونه لا يرث على روايةٍ؛ فلعموم ما تقدم.
والأول هو الصحيح؛ لما ذكر.
ولأن فيه ترغيباً في الإسلام وحثاً على الدخول فيه وذلك مطلوب شرعاً.
وأما كون العبد إذا عتق بعد موت موروثه وقبل القسم لا يرث وجهاً واحداً؛ فلأن مقتضى الدليل عدم إرث من فيه مانعٌ منه حين الموت.
خولف في الكافر إذا أسلم على المذهب؛ لما ذكر.
فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وقياس العتق على الإسلام لا يصح لوجهين:
أحدهما: أن العتق ليس من اختيار المعتق.
فليس في الحكم بإرثه حثٌّ له على ذلك.
بخلاف الإسلام فإنه من اختيار من أسلم، وفي الحكم بإرثه حثٌّ له على الدخول فيه.
وثانيهما: أن الإسلام أعظم القرب والطاعات فلا يقاس عليه ما ليسَ في معناه.
قال رحمه الله: (ويرثُ أهل الذمة بعضهم بعضاً إن اتفقت أديانهم، وهم ثلاث ملل: اليهودية، والنصرانية، ودين سائرهم).
أما كون أهل الذمة يرث بعضهم بعضاً إذا اتفقت أديانهم؛ فلأن المانع من الإرث اختلاف الدين وهو غير موجود.
فوجب الحكم بالإرث عملاً بالمقتضي له السالم عن المعارض.
وأما كون أهل الذمة ثلاث ملل؛ فلأن اليهودية ملة، والنصرانية ملة، ودينُ سائرهم ملة.
أما كون كل واحدةٍ من اليهودية والنصرانية ملة فظاهر؛ لأن لكل واحدةٍ منهما كتاباً وأحكاماً وشرائع غير الأخرى.
الجزء: 3 - الصفحة: 408
وأما كون دين سائرهم ملةً ثالثةً؛ فلأنهم يشملهم كونهم لا كتاب لهم.
فعلى هذا لا يرث يهودي نصرانياً، ولا مجوسياً ولا وثنياً، ولا نصراني يهودياً ولا وثنياً ولا بالعكس؛ لاختلاف الملة.
قال رحمه الله: (وإن اختلفت لم يتوارثوا.
وعنه: يتوارثون.
ولا يرث ذمي حربياً ولا حربي ذمياً ذكره القاضي.
ويحتمل: أن يتوارثا).
أما كون من اتحدت ملتهم واختلف دينهم؛ كالمجوس وعبدة الوثن وما أشبه ذلك يتوارثون على المذهب؛ فلأن العمومات من النصوص للإرث تقتضي توريثهم، ولم يرد بتخصيصهم نصٌ ولا إجماعٌ.
ولا يصح قياسهم على غيرهم.
فوجب العمل بالعموم.
ولأن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يَتوارثُ أهلُ ملتين شتّى» 228 يدل بمفهومه على أن الملة الواحدة يتوارثون.
ولأن ضبط التوريث بالإسلام والكفر دليل على أن العبرة باختلاف الملل.
وأما كونهم لا يتوارثون على روايةٍ؛ فلأن دينهم مختلف.
أشبه اختلاف الملل.
وأما كون الذمي لا يرث حربياً ولا الحربي ذمياً على ما ذكره القاضي؛ فلأن الموالاة منقطعةٌ بينهما.
وأما كونهما يحتمل أن يتوارثا؛ فلأن ملتهما واحدة.
فوجب أن يتوارثا؛ كالذمي من الذمي، والحربي من الحربي.
قال رحمه الله: (والمرتد لا يرث أحداً.
إلا أن يسلم قبل قسم الميراث.
فإن مات في ردته فماله فيء.
وعنه: أنه لورثته من المسلمين.
وعنه: أنه لورثته من أهل الدين الذي اختاره).
أما كون المرتد لا يرث أحداً إذا لم يسلم قبل قسم الميراث؛ فلأنه ليس بمسلمٍ حتى يرث المسلم، وليس حكمه مساوياً للكافر حتى يرث الكافر.
بيان عدم
الجزء: 3 - الصفحة: 409
المساواة: أن المرتد لا يُقَر على كفره، ولا تحل ذبيحته، ولا نكاح نساء من انتقل إلى دينهم.
ولأن المرتد تزول أملاكه الثابتة له أو استقرارها.
فلئلا يثبت له ملكٌ بطريق الأولى.
وأما كونه يرثه إذا أسلم قبل قسم الميراث؛ فلما تقدم في الكافر الأصلي.
وأما كون ماله إذا قتل في ردته فيئاً على المذهب؛ فلما يأتي.
وأما كونه لورثته من المسلمين على روايةٍ؛ فلأنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم.
قال زيد بن ثابت: «بعثني أبو بكر رضي الله عنه عند رجوعه إلى أهل الردة أن اقسم أموالهم بين ورثتهم المسلمين».
ولأن ردته ينتقل بها ماله.
فوجب أن ينتقل إلى ورثته المسلمين؛ كما ينتقل بالموت.
وأما كونه لورثته [من أهل] الدين [الذي] 229 اختار دينهم؛ فلأنه كافر فورثته.
أهل دينه؛ كالحربي وسائر الكفار.
والأول أصح؛ لأنه لا يستحق ميراثه المسلم ولا من انتقل إلى دينه.
فوجب جعله فيئاً؛ كمال من لا وارث له.
أما كونه لا يستحقه المسلم؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ» 230، وقال: «لا يَتوارثُ أهلُ مِلتين شتّى» 231.
ولأنه كافر فلا يرثه مسلم؛ كالكافر الأصلي.
ولأن ماله ملك مرتد.
أشبه الذي كسبه في ردته.
وأما كونه لا يستحقه أهل دينه الذي اختاره؛ فلأنه لا يرثهم.
فوجب أن لا يرثوه؛ كغيرهم من أهل الأديان.
الجزء: 3 - الصفحة: 410
ولأنه يخالفهم في حكمهم فإنه لا يقر، ولا تحل ذبيحته ولا نكاحه لو كان امرأة.
الجزء: 3 - الصفحة: 411
فصل [في حكم ميراث المجوس]
قال المصنف رحمه الله: (وإن أسلم المجوس أو تحاكموا إلينا ورّثوا بجميع قراباتهم.
فإذا خلّف أمه وهي أخته من أبيه وعماً ورثت الثلث بكونها أماً، والنصف بكونها أختاً، والباقي للعم.
فإن كان معهما أختٌ أخرى لم ترث بكونها أماً إلا السدس؛ لأنها انحجبت بنفسها وبالأخرى).
أما كون المجوس إذا أسلموا أو تحاكموا إلينا 232 يورّثون بجميع قراباتهم؛ فلأنه قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس.
ولأن الله تعالى فرض للأم الثلث، وللأخت النصف.
فإذا كانت الأم أختاً وجب إعطاؤها ما فرض الله لها في الآيتين؛ كالشخصين.
ولأنهما قرابتان ترث بكل واحدةٍ منهما منفردةً لا تحجب أحدهما الأخرى ولا ترجيح فيهما.
فوجب أن ترث بهما مجتمعين؛ كالزوج إذا كان ابن عم 233، وابن العم إذا كان أخاً لأم، وكذا ذو الرحم 234 المدلي بقرابتين.
[وأما كون الأم ترث الثلث والنصف إذا خلف أمه وهي أخته من أبيه؛ فلأن الأم فرضها الثلث، والأخت فرضها النصف؛ لما تقدم] 235.
وأما كون الباقي للعم؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر» 236.
وأما كون الأم لا ترث بكونها أماً إلا السدس إذا كان معها أخت أخرى؛ فلما ذكر المصنف من أنها انحجبت بنفسها وبالأخرى.
وذلك أنه قد تقدم أن الأم
الجزء: 3 - الصفحة: 412
تنحجب من الثلث إلى السدس بالأختين، وأن الأم ترث هنا؛ لكونها أختاً فيكون في المسألة أختان، وذلك يوجب أن لا ترث الأم إلا السدس؛ لأنه كما جاز أن ترث بالجهتين جاز أن تنحجب بالجهة التي ترث بها إذا كان مثلها تحجب.
وفي هذا الباب مسائل لم يذكرها المصنف رحمه الله تعالى؛ لقلة وقوعها.
واللائق أن يذكر بعضها ليتضح طريق ذلك:
- منها: مجوسي تزوج ابنته فأولدها بنتاً ثم مات عنها 237 وعن عم: فللبنتين الثلثان، والباقي للعم.
وتصح من ثلاثة.
ولا ترث الكبرى بالزوجية شيئاً؛ لما يأتي بعد إن شاء الله تعالى.
فإن ماتت الكبرى فللصغرى المال كله؛ لأنها بنتها وأختها.
وإن ماتت الصغرى أولاً فللكبرى النصف والثلث؛ لأنها أمٌ وأخت 238، والباقي لعم الأب. - ومنها: مجوسي تزوج أمه فأولدها بنتاً ثم مات فلأمه السدس، ولابنته النصف.
ولا ترث أمه بالزوجية شيئاً؛ لما يأتي، ولا ابنته؛ لكونها أختاً لأم؛ لأن ولد الأم يسقط بالولد وهو موجود هنا فيكون إذاً قد حجَبت نفسها بنفسها.
فإن ماتت الكبرى بعده فقد خلّفت بنتاً هي بنت ابن فلها الثلثان بالقرابتين.
فإن ماتت الصغرى بعده فقد خلّف أماً هي أم أب فلها الثلث بالأمومة لا غير؛ لأن الجدة من كل جهةٍ تحجب الأم فتكون إذاً قد حجبت نفسها بنفسها. - ومنها: مجوسي تزوج ابنته فأولدها بنتاً، ثم تزوج ابنته الصغرى فأولدها بنتاً، ثم مات وماتت الكبرى بعده فقد خلّفت أختيها لأبيها أحدهما بنتها والأخرى بنت بنتها: فلبنتها النصف، والباقي بينهما؛ لكونهما أختين.
ولا ترث الأخت الأخرى؛ لكونها بنت بنت؛ لأن بنت البنت تحجب بالبنت 239 وهي موجودة هنا.
ولأن بنت البنت من ذوي الأرحام وهي لا ترث مع ذي فرض.
وإن ماتت الوسطى فقد خلّفت أختيها أحدهما أمها والأخرى بنتها: فلأمها السدس، ولبنتها النصف، والباقي بينهما؛ لكونهما أختين.
فإن ماتت الصغرى بعده
الجزء: 3 - الصفحة: 413
فقد خلّفت أختيها لأبيها أحدهما أمها، والأخرى جدتها: فلأمها السدس، والباقي بينهما؛ لكونهما أختين وقد انحجبت الأم بنفسها وبأمها عن السدس.
ولا ترث الجدة؛ لوجود الأم.
قال: (ولا يرثون بنكاح ذوات المحارم، ولا بنكاحٍ لا يقرون عليه لو أسلموا).
أما كون المجوس لا يرثون بنكاح ذوات المحارم؛ كرجلٍ تزوج أمه أو بنته أو أخته أو ما أشبه ذلك؛ فلأنه لا خلاف في ذلك.
قال المصنف في المغني: لا نعلم خلافاً بين المسلمين في أنهم لا يرثون بنكاح ذوات المحارم.
وأما كونهم لا يرثون بنكاحٍ لا يُقرون عليه في الإسلام؛ كمن تزوج مطلقة ثلاثاً؛ فلأنه باطل لا يقر عليه فلم يترتب عليه إرث؛ كالمسلم الذي نكاحه باطل.
وفي تقييد المصنف رحمه الله تعالى عدم الإرث بنكاحٍ لا يقر عليه إشعار بالتوارث بنكاحٍ يقر عليه؛ كمن تزوج امرأة بغير شهود؛ لأنه نكاح يقر عليه.
فوجب أن يترتب الإرث عليه؛ كالأنكحة الصحيحة.
وفي بعض الأنكحة خلاف في استحقاق الإرث مبني على الخلاف في أنه هل يقر عليه أم لا؟ .
من ذلك: مجوسي تزوج امرأة في عدتها فظاهر كلام الإمام أحمد أنهما يتوارثان؛ لأنه قال: إذا أسلما وقد نكحها في العدة أُقرّا عليه.
وقال القاضي: إن أسلما بعد انقضاء العدة أُقرّا، وإن أسلما قبله لم يُقرّا.
فعلى هذا إن مات أحدهما قبل انقضاء العدة لم يتوارثان، وإن مات بعده توارثا.
وتأوّل القاضي كلام أحمد على من أسلم بعد انقضاء العدة.
الجزء: 3 - الصفحة: 414
باب ميراث المطلقة
قال المصنف رحمه الله تعالى: (إذا طلّقها في صحته، أو مرضٍ غير مخوفٍ، أو غير مرض الموت طلاقاً بائناً: قطع التوارث بينهما، وإن كان رجعياً لم يقطعه ما دامت في العدة).
أما كون الطلاق البائن يقطع التوارث بين الزوجين في الأحوال الثلاثة المتقدم ذكرها؛ فلأن التوارث سببه الزوجية، وهي معدومةٌ هاهنا.
وأما كون الطلاق الرجعي لا يقطع ذلك ما دامت في العدة؛ فلأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه، ويملك إمساكها بغير رضاها، ولا ولي، ولا شهود، ولا صداق جديد.
قال: (وإن طلّقها في مرض الموت المخوف طلاقاً لا يتهم فيه بأن سألته الطلاق، أو علّق طلاقها على فعل لها منها بد ففعلته، أو علّقه في الصحة على شرطٍ فوجد في المرض، أو طلّق من لا ترث كالأمة والذمية فعتقت وأسلمت: فهو كطلاق الصحيح في أصح الروايتين).
أما كون الطلاق في الصور المذكورة؛ كطلاق الصحيح في قطع التوارث على روايةٍ؛ فلأن مقتضى الدليل المنع من الإرث لحصول البينونة بالطلاق.
ترك ذلك فيمن قصد حرمانها الإرث لمعارضته بنقيض قصده، وللحديث الآتي ذكره 240 فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وأما كونه ليس كذلك على روايةٍ؛ فلأنه طلاق في مرضٍ 241. أشبه الطلاق الآتي ذكره.
الجزء: 3 - الصفحة: 415
وأما كون الصحيح الأول؛ فلما تقدم من أن مقتضى الدليل قطع الطلاق الإرث.
ترك العمل به في الطلاق الآتي ذكره.
فيبقى فيما عداه مع أنه لا يصح إلحاقه؛ لقيام الفرق بينهما، وهو وجود التهمة في الآتي دون الطلاق المذكور.
قال: (وإن كان متّهماً بقصد حرمانها الميراث؛ مثل: أن يطلقها ابتداءً، أو علّقه على فعلٍ لا بد لها منه؛ كالصلاة ونحوها ففعلته، أو قال للذمية أو للأمة: إذا أسلمت أو عتقت فأنت طالق، أو علم أن سيد الأمة قال لها: أنت حرة غداً فطلقها اليوم: ورثته ما دامت في العدة ولم يرثها.
وهل ترثه بعد العدة أو ترثه المطلقة قبل الدخول؟ على روايتين.
فإن تزوجت لم ترثه).
أما كون المطلّقة ترث الزوج إذا كان متهماً في طلاقها؛ فـ «لأن عثمان رضي الله عنه ورّث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبدالرحمن بن عوف، وكان طلقها في مرضه فبتّها» 242. واشتهر ذلك في الصحابة.
فلم ينكر فكان إجماعاً.
ويروى أن عثمان قال لعبدالرحمن: لئن مت لأورثنها منك.
قال: قد علمت ذلك.
ولأنه قصد قصداً فاسداً في الميراث.
فعورض بنقيض قصده؛ كالقاتل القاصد استعجال الميراث.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى: مثل إن طلقها ... إلى قوله: ورثته؛ فتعداد لصور الطلاق المتهم فيه.
أما كون طلاقها ابتداءً منها؛ فللحديث المذكور.
وأما كون تعليقه على فعل لا بد لها منه؛ كالصلاة منها؛ فلأنها تضطر إلى فعل ذلك.
فتعليقه عليه؛ كتنجيزه.
وأما كون تعليقه طلاق الذمية والأمة على إسلامها وعتقها منها؛ فلأن قصد الحرمان ظاهرة فيه؛ لكونه رتّب الطلاق على الموجب للإرث.
وأما كون طلاقه الأمة اليوم إذا علم أن سيدها قال لها: أنت حرة غداً منها؛ فلأن الظاهر أن الحامل على الطلاق صيرورتها حرة غداً.
الجزء: 3 - الصفحة: 416
وأما كون الزوج لا يرث الزوجة في الصورة المذكورة؛ فلأن مقتضى البينونة قطع التوارث.
خولف في الزوجة للحديث، ومعارضة لقصده.
فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وأما كون المطلقة ترث المطلق بعد انقضاء العدة 243 بأحد الأسباب المتقدم ذكرها على روايةٍ؛ فلما روى أبو سلمة بن عبدالرحمن: «أن أباه طلّق أمه وهو مريضٌ فمات فورثته بعد انقضاء العدة» 244.
ولأن سبب توريثها فراره من 245 ميراثها، وهو موجود هنا.
وأما كونها لا ترثه على روايةٍ؛ فلأنها تباح لزوجٍ آخر فلم ترثه؛ كما لو كان الطلاق في الصحة.
ولأن توريثها بعد العدة يفضي إلى توريث أكثر من أربع نسوة.
فلم يجز؛ كما لو تزوجت.
فإن قيل: ما الصحيح من هاتين الروايتين؟
قيل: الأول.
عملاً بالحديث والمعنى.
قال المصنف في المغني: المشهور عن أحمد أنها ترثه في العدة وبعدها ما لم تتزوج.
وأما كون المطلقة قبل الدخول ترث المطلق على روايةٍ ولا ترثه على روايةٍ؛ فلأنها كالتي انقضت عدتها معنى.
فكذا يجب أن تكون حكماً.
وأما كون من انقضت عدتها ومن لا عدة عليها لا ترثه إذا تزوجت؛ فلأنها ترث زوجها الثاني فلا ترث الأول؛ لأن الإرث من حكم النكاح.
فلا يجوز اجتماعه مع نكاحٍ آخر؛ كالعدة.
ولأنها فعلت باختيارها ما ينافي نكاح الأول.
أشبه ما لو كان فسخ النكاح من جهتها.
الجزء: 3 - الصفحة: 417
قال: (وإن أكره الابنُ امرأة أبيه في مرض أبيه على ما يفسخ نكاحها لم يقطع ميراثها.
إلا أن تكون له امرأة سواها.
وإن فعلت في مرض موتها ما يفسخ نكاحها لم يسقط ميراث زوجها).
أما كون إكراه الابن امرأة أبيه في مرض أبيه 246 على ما يفسخ نكاحها؛ كإكراهها على استدخال آلته: لا يقطع التوارث إذا لم يكن له زوجة سواها؛ فلأنه قصد حرمانها الميراث.
أشبه ما لو طلقها أبوه.
وأما كون ذلك يقطع التوارث إذا كان له زوجة سواها؛ فلأن قصد الحرمان هنا غير موجود؛ لكونه لا يرجع إليه.
وفي الإطلاق نظر؛ لأن أباه إذا كان له زوجتان أحدهما أمّه والأخرى أجنبية فإذا وطئ الابن الأجنبية لا ينتفي عنه قصد الحرمان.
لا يقال: هو منتفٍ؛ لأن ميراثها لا يرجع إليه؛ لأن ذلك يرجع إلى أمه وهو متهم في حقها، وكذلك لا تقبل شهادة الولد لوالديه 247.
وأما كون الزوج لا يسقط ميراثه إذا فعلت المرأة ما يفسخ نكاحها وهي مريضة؛ كرضاع امرأة صغيرة لزوجها، أو رضاع زوجها الصغير، أو ارتدت فماتت في مرضها؛ فلأنها إحدى الزوجتين.
فلم يسقط فعلها ميراث الآخر؛ كالزوج.
قال: (فإن خلّف زوجات نكاح بعضهن فاسدٌ: أقرع بينهن.
فمن أصابتها 248 القرعة فلا ميراث لها).
أما كون من خلّف زوجات نكاح بعضهن فاسد يقرع بينهن؛ فلأن ذلك يزيل الإبهام.
فشرع هنا؛ كالعتق والطلاق.
ولا بد أن يلحظ أن من نكاحها فاسد لا يعرف؛ لأنه لا حاجة إلى القرعة إذا عرفت.
وأما كون من أصابتها القرعة لا ميراث لها؛ فلأن القرعة تعينها والإرث يعتمد النكاح الصحيح.
الجزء: 3 - الصفحة: 418
قال: (وإذا طلّق أربع نسوة في مرضه فانقضت عدتهن وتزوج أربعاً سواهن: فالميراث للزوجات.
وعنه: أنه بين الثمان).
أما كون الميراث بين الزوجات أو بين الثمان على الاختلاف؛ فمبني على ما تقدم من أن المطلقة في مرض الموت هل ترث ما لم تتزوج؟ فيه روايتان:
أحدهما: ترث.
فعلى هذا يكون الميراث بين الثمان.
والثانية: لا ترث.
فعلى هذا يكون الميراث بين الزوجات عند موته لا للمطلقات.
وأما الصحيح من ذلك فقد تقدم أن الصحيح أنها ترثه ما لم تتزوج.
فعلى هذا الصحيح هنا أن الميراث بين الثمان.
والذي نقل أبو الخطاب أن الميراث هل هو بين المطلقات أو بين الثمان؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه بين المطلقات؛ لأنهن يرثن ما كن يرثن، والذي كن يرثن جميع الميراث.
فكذلك بعد تزَوّجه 249.
وثانيهما: أنه بين الثمان؛ لأن المطلقات إذا ورثن وقد مضى نكاحهن.
فلأن ترث الزوجات ونكاحهن باقٍ بطريق الأولى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وليس هذا -يعنى كونه بين المطلقات- بصحيح؛ لأن المطلقة إنما ترث ما كانت ترث لو لم يطلقها، ولو لم يطلقها وتزوج عليها واحدةً لم ترث إلا نصف ميراث الزوجات.
فكذا إذا طلقها.
الجزء: 3 - الصفحة: 419
باب الإقرار بمشارك في الميراث
قال المصنف رحمه الله تعالى: (إذا أقرّ الورثة كلهم بوارث للميت فصدقهم، أو كان صغيراً: ثبت نسَبُه وإرْثه.
سواء كانوا جماعة أو واحداً، وسواء كان المقرّ به يحجب المقر أو لا يحجبه 250؛ كأخ يقر بابن للميت).
أما كون من أقرّ الورثة كلهم بأنه وارث الميت فصدقهم ثبت نسَبُه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول عبد بن زَمعةَ لما ادعى نسب وليدةَ أبيه.
وقال: هذا أخِي ولدَ على فِراشِ أبِي» 251. وأثبت نسَبَهُ منه.
ولأن الوارث يقوم مقام موروثه.
بدليل أنه يثبت باعترافه ما يثبت باعتراف الموروث على نفسه من الدين وغيره.
فكذا النسب.
ولأن الوارث تَخَلّفَ الموروث في حقوقه وهذا منها.
وأما كونه يثبت إرْثه؛ فلأن نسَبه قد ثبت.
أشبه من ثبت نسبه ببنية.
وإنما اشترط تصديقه إذا كان كبيراً؛ لأن الإقرار بالنسب إقرار 252 فاشترط تصديق المقر له 253؛ كالإقرار بالمال.
وإنما اكتفي بصغره؛ لأن الصغير لا يعتبر قوله فقبل الإقرار بنسبه، وإن لم يصدقه؛ كما لو أقر له بمال.
وأما كون من أقرّ الورثة كما تقدم يثبت نسَبُه وإرْثه سواء كان المقر به جماعة أو واحداً 254؛ فلأنهما سواء في الإقرار بدين.
فكذلك في الإقرار بغيره.
الجزء: 3 - الصفحة: 420
وأما كون الحكم كما ذكر سواء كان المقر به يحجب المقر أو لا يحجبه 255؛ كأخٍ يقر بابن للميت؛ فلأن العبرة بكونه وارثاً حالة الإقرار، أو بكونه وارثاً لولا الإقرار.
بدليل أنه لو اعتبر كونه وارثاً في الحقيقة لم يثبت النسب إذا أقر بمشارك في الميراث؛ لأنه يكون إقراراً من بعض الورثة، وكلا المعنيين موجود فيما إذا أقر بمن يحجبه.
قال: (وإن أقرّ بعضهم لم يثبت نسبه.
إلا أن يشهد منهم عدلان أنه ولد على فراشه، أو أن الميت أقر به).
أما كون من أقر به بعض الورثة كابنٍ له أخ يقر بآخر دون أخيه لا يثبت نسبه إذا لم يشهد منهم عدلان كما ذكر المصنف رحمه الله تعالى؛ فلأن ثبوت النسب ليس متمحضاً له بل مشتركاً بينه وبين أخيه.
ولأن المقر وحده لا يقوم مقام الميت.
وأما كونه يثبت نسبه 256 إذا شهد منهم عدلان بما ذكر؛ فلأنهما بينة عادلة.
فثبت النسب بهما؛ كالأجانب.
ولأنهما لو شهدا على غير موروثهما قُبل.
فكذلك يقبل على موروثهما.
وأما كون إحدى صفتي الشهادة أنه ولد على فراشه؛ فلأن ذلك القدر يلحق النسب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الولدُ للفِراشِ وللعَاهِرِ الحَجَر» 257.
وأما كون الأخرى أن الميت أقر به؛ فلأن الميت لو أقر بنسبه ثبت.
فإذا قامت البينة على إقراره بأنه وارثه يثبت نسبه لثبوت إقراره بالبينة المستند لثبوت النسب.
الجزء: 3 - الصفحة: 421
قال: (وعلى المقر أن يدفع إليه فضل ما في يده عن ميراثه فإذا أقر أحد الابنين بأخ فله ثلث ما في يده، وإن أقر بأخت فلها خمس ما في يده.
فإن لم يكن في يد المقر فضل فلا شيء للمقر به).
أما كون المقِر عليه أن يدفع إلى المقَر به فضل ما في يد المقر عن ميراثه؛ فلأنه تبين بإقراره أنه لا يستحقه وأن المستحق لذلك المقر به.
فوجب دفعه إليه؛ لأنه حقه.
وأما كون المقر به له ثلث ما في يد المقر إذا أقرّ أحد الابنين بأخ؛ فلأن في يده النصف وهو لا يستحق إلا الثلث فالسدس مستحق للمقر به وهو ثلث النصف.
وأما كون الأخت لها خمس ما في يده إذا أقر بها؛ فلأن في يده النصف وهو لا يستحق إلا الخمسين.
فنصف الخمس مستحق للمقر بها وهو خمس ما في يده.
وأما كون المقر به لا شيء له إذا لم يكن في يد المقر فضل؛ [فلأن المقر به لا] 258 يستحق إلا الفاضل عن حقه، ولا فاضل معه.
وسيأتي مثاله: فيما إذا خلّف أخاً من [أبٍ وأخاً من] 259 أمٍ فأقر الأخ من الأم وحده بأخٍ من أبوين.
قال: (وإذا خلّف أخاً من أبٍ وأخاً من أمٍ فأقرّا بأخٍ من أبوين ثبت نسبه وأخذ ما في يد الأخ من الأب).
أما كون نسب الأخ من الأبوين يثبت فيما ذكر؛ فلإقرار كل الورثة به.
وأما كونه يأخذ ما في يد الأخ من الأب؛ فلأنه تبين بإقراره أنه لا حق له وأن الحق للمقر له.
ضرورة كون الأخ من الأبوين يحجب الأخ من الأب.
قال: (وإن أقرّ به الأخ من الأب وحده أخذ ما في يده ولم يثبت نسبه).
أما كون الأخ من الأبوين المقر به يأخذ ما في يد الأخ من الأب المقر؛ فلما تقدم.
وأما كونه لا يثبت نسبه؛ فلأن كل الورثة لم تقر به، وشرط ثبوت النسب إقرار الكل لما تقدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 422
قال: (وإن أقرّ به الأخ من الأم وحده أو أقرّ بأخٍ سواه فلا شيء له).
أما كون الأخ من الأبوين المقر به لا شيء له إذا أقر به الأخ من الأم وحده؛ فلأن الأخ من الأم يستحق مع أخيه السدس فلا فاضل في يده عن حقه.
وأما كون الأخ سواه المقر به لا شيء له إذا أقر به الأخ من الأم؛ فلما ذكر قبل.
قال: (وطريق العمل: أن تضرب مسألة الإقرار في مسألة الإنكار وتدفع إلى المقر سهمه من مسألة الإقرار في مسألة الإنكار، وإلى المنكر سهمه من مسألة الإنكار في مسألة الإقرار، وما فضل فهو للمقر له).
أما كون طريق العمل ما ذكر من الضرب؛ فلأن به يظهر ما للمقر وللمنكر وما يفضل.
وأما كون المقِر يدفع إليه سهمه من مسألة الإقرار في مسألة الإنكار؛ فلأنه مقر.
وأما كون 260 المنكر يدفع إليه سهمه من مسألة الإنكار في مسألة الإقرار؛ فلأنه منكر.
وأما كون ما فضل هو للمقر له؛ فلأنه تبين بالعمل أنه الذي له.
فعلى هذا قل في المسألة الأولى وهي: ما إذا 261 أقرّ أحد الابنين بأخٍ: مسألة الإقرار من ثلاثة، والإنكار من اثنين.
فاضرب أحدهما في الأخرى؛ لأنهما متباينتان تكن ستة: للمقر سهم من مسألة الإقرار في اثنين باثنين، وللمنكر سهم من مسألة الإنكار في ثلاثة بثلاثة يبقى سهم للمقر به 262؛ لأنه الفاضل وهو ثلث ما بقي في يد المقر؛ لأن النصف في يده، وقد تبين هنا أنه ثلاثة.
وقل في الثانية وهي: إذا أقرّ أحد الابنين بأخت: مسألة الإقرار من خمسة، ومسألة الإنكار من اثنين، واضرب خمسة في اثنين؛ لما تقدم تكن عشرة: للمقر
الجزء: 3 - الصفحة: 423
سهمان من خمسة في اثنين بأربعة، وللمنكر سهم من اثنين في خمسة بخمسة يبقى سهم للأخت؛ لأنه الفاضل وهو خمس ما في يد المقر؛ لما تقدم.
وقل 263 في الثالثة وهي: إذا أقر أخ من أب وأخ من أم بأخٍ من أبوين: مسألة الإقرار من ستة ولا إنكار فيها، وما كان للمقر فهو للمقر به؛ لأنه أولى منه بالميراث؛ لكونه أخاً لأبوين، والمقر أخاً من أب.
وقل في الرابعة وهي: إذا أقر بأخ من أبوين الأخ من الأب وحده: مسألة الإقرار من ستة ولا حاجة إلى ذكر مسألة الإنكار؛ لأن المنكر حالة في الإقرار، والإنكار بالنسبة إلى المال واحدة فله سهم من ستة يبقى خمسة هي للأخ للأبوين؛ لما تقدم.
ولا شيء له في الخامسة وهي: إذا أقر بأخٍ من أبوين من الأم وحده أو أقرّ بأخ سواه؛ لما تقدم في تعليلها.
قال: (ولو خلّف ابنين فأقرّ أحدهما بأخوين فصدقه أخوه في أحدهما: ثبت نسب المتفق عليه فصاروا ثلاثة.
ثم تضرب مسألة الإقرار في مسألة الإنكار تكن اثني عشر: للمنكر سهم من الإنكار في الإقرار أربعة، وللمقر سهم من الإقرار في مسألة الإنكار ثلاثة، وللمتفق عليه إن صدق المقر مثل سهمه.
وإن أنكره مثل سهم المنكر، وما فضل للمختلف فيه وهو سهمان في حال التصديق وسهم في حال الإنكار.
وقال أبو الخطاب: لا يأخذ المتفق عليه من المنكر في حال التصديق إلا ربع ما في يده.
وصححها من ثمانية: للمنكر ثلاثة، وللمختلف فيه سهم، ولكل واحدٍ من الأخوين سهمان).
أما كون المتفق عليه يثبت نسبه؛ فلإقرار كل الورثة به.
وأما كون مسألة الإقرار تضرب في مسألة الإنكار على قول غير أبي الخطاب؛ فلأجل التصحيح كما تقدم.
وأما كون الحاصل بالضرب اثني عشر؛ فلأن مسألة الإقرار من أربعة فإذا ضربتها في مسألة الإنكار وهي ثلاثة تكن اثني عشر.
الجزء: 3 - الصفحة: 424
وأما كون المنكر له أربعة؛ فلأن له سهماً من مسألة الإنكار مضروباً في مسألة الإقرار.
وأما كون المقِر له ثلاثة؛ فلأنه له سهماً من مسألة الإقرار مضروباً في مسألة الإنكار.
وأما كون المتفق عليه له مثل سهم المقر إن صدقه؛ فلأنه مقر.
ومثل سهم المنكر إن أنكره؛ فلأنه منكر.
وأما كون المختلف فيه له سهمان في حال التصديق وسهم في حال الإنكار؛ فلأن ذلك هو الفاضل.
وأما كون المتفق عليه لا يأخذ إلا ربع ما في يد المنكر في حال التصديق على قول أبي الخطاب؛ فلأنه لا يدعي أكثر منه؛ لأنه يدعي أنهم أربعة فيلزم أن لا يكون له في يد المنكر سوى أربعة.
وأما كونه صححها من ثمانية؛ فلأن أصل المسألة من اثنين والمقر به يستحق ربع ما في يد المنكر فابسط المسألة أرباعاً تكن ثمانية: للمنكر ثلاثة؛ لأنه كان يستحق أربعة أخذ منها المتفق عليه ربعها بقي ثلثه، وللمختلف فيه سهم؛ لأنه يستحق ربع ما في يد المقر بهما وذلك أربعة، وللمقر بهما سهمان؛ لأنه كان يستحق أربعة خرج منها سهم للمتفق عليه، وسهم للمختلف فيه بقي اثنان للآخر.
قال: (وإن خلّف ابناً فأقر بأخوين بكلامٍ متصلٍ: ثبت نسبهما.
سواء اتفقا أو اختلفا.
ويحتمل أن لا يثبت نسبهما مع اختلافهما).
أما كون نسب الأخوين المقر بهما يثبت نسبهما 264 إذا اتفقا؛ فلاتفاقهما مع إقرار الابن بهما.
وأما كونه يثبت إذا اختلفا على المذهب؛ فلأن الإقرار بهما صادف كل الورثة.
ولأن كل واحدٍ من المقر بهما لم يكن في الظاهر وارثاً حالة الإقرار.
فلم يعتبر تصديقه.
الجزء: 3 - الصفحة: 425
وأما كونه يحتمل أن لا يثبت مع اختلافهما؛ فلأن الإقرار بكل واحدٍ منهما لم يصدر من كل الورثة.
والأول أصح؛ لما تقدم.
قال: (وإن أقرّ بأحدهما بعد الآخر أعطى الأول نصف ما في يده، والثاني ثلث ما بقي في يده.
ويثبت نسب الأول.
ويقف ثبوت نسب الثاني على تصديقه.
وإن أقرّ بعض الورثة بامرأةٍ للميت لزمه من إرثها بقدر حصته).
أما كون المقرّ يعطي الأخ المقر به أولاً نصف ما في يده؛ فلأنه أقر أنه أخوه وتصديقه بغيره 265 معتبر؛ لأنه ثبت كونه وارثاً.
فوجب كون المسألة بالنسبة إليه مقسومة على اثنين.
فوجب أن يدفع إليه نصف التركة؛ لكونه واحداً من اثنين.
وأما كونه يعطي الثاني ثلث ما بقي في يده وهو السدس؛ فلأنه فاضل عن حقه؛ لأنه أقرّ أن الأولاد ثلاثة، والواحد يستحق الثلث لا غير.
وأما كون نسب الأول يثبت؛ فلأنه أقرّ به كل الورثة.
وأما كون ثبوت نسب الثاني يقف على تصديق المقر به؛ فلأن الأول أقرّ به بعد ثبوت نسب الثاني.
فلم يكن إقراراً من كل الورثة.
وأما كون المقر بامرأةٍ للميت يلزمه من إرثها بقدر حصته؛ فلأنه أقرّ أن ذلك فاضلٌ عن حقه.
فوجب دفعه إليها؛ كما لو أقرّ بابن.
قال: (وإذا قال رجل: مات أبي وأنت أخي فقال: هو أبي ولست بأخي: لم يقبل إنكاره.
وإن قال: مات أبوك وأنا أخوك قال: لست أخي: فالمال كله للمقر به).
أما كون المقَرّ به لا يقبل إنكاره في الصورة الأولى؛ فلأن الإقرار والإنكار إنما يعتبر من الوارث، وقد سبق كون الأب أباً للآخر فهو وارثه ظاهراً لا غيره.
وأما كون المال كله للمقَرّ به في الصورة الثانية؛ فلأنه لما قال: مات أبوك.
فقد أقر بكونه هو الوارث وذلك يوجب كون الميراث له.
وقوله بعد ذلك: وأنا أخوك دعوى وقد أنكرها المقر له وذلك يوجب أن لا يكون له شيء من المال.
الجزء: 3 - الصفحة: 426
قال: (وإن قال: ماتت زوجتي وأنت أخوها قال: لست بزوجها: فهل يقبل إنكاره؟ على وجهين).
أما كون إنكار الأخ يقبل على وجهٍ؛ فلأن خصمه قد اعترف أنه أخوها وهو منكرٌ للزوجية، والأصل معه.
وأما كونه لا يقبل على وجهٍ؛ فلما تقدم في قوله: مات أبي وأنت أخي فقال: لستَ بأخي.
الجزء: 3 - الصفحة: 427
فصل
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا أقرّ من أعيلت له المسألة بمن يزيل العول؛ كزوج وأختين أقرت أحدهما بأخٍ.
فاضرب مسألة الإقرار في مسألة الإنكار تكن ستة وخمسين، واعمل على ما ذكرنا: يكن للزوجة أربعة وعشرين، وللمنكرة ستة عشر، وللمقرة سبعة، يبقى تسعة للأخ.
فإذا صدقها الزوج فهو يدعي أربعة، والأخ يدعي أربعة عشر، والمقر به من السهام تسعة.
فاقسمها على سهامهم لكل سهمين سهم.
فيحصل للزوج سهمان، وللأخ سبعة).
أما كون من أعيلت له المسألة إذا أقرّ بمن يزيل العول يضرب مسألة الإقرار في مسألة الإنكار؛ فلما تقدم.
وأما قول المصنف: كزوجٍ وأختين أقرت أحدهما بأخ؛ فتمثيل لذلك؛ لأن مسألةً فيها زوج وأختان من ستة وتعول إلى سبعة فإذا أقرت إحدى الأختين بأخٍ صارت مسألة الإقرار من اثنين؛ لأن فيها نصفاً وما بقي.
وتصح من ثمانية؛ لأن الزوج له سهم يبقى سهم على أربعة لا يصح ولا يوافق فاضرب اثنين في أربعة تكن ثمانية.
وأما كون السهام ستة وخمسين؛ فلأنك إذا ضربت مسألة الإقرار وهي ثمانية في مسألة الإنكار وهي سبعة تكون ستة وخمسين.
وأما كون الزوج له أربعة وعشرون، وللمنكرة ستة عشر، وللمقرة سبعة، والباقي تسعة للأخ؛ فلأن الزوج له ثلاثة من مسألة الإنكار في ثمانية بأربعة وعشرين، والأخت المنكرة لها اثنان من مسألة الإنكار في ثمانية بستة عشر، والمقرة لها سهم من مسألة الإقرار وهي ثمانية في سبعةٍ بسبعة يبقى تسعة: للأخ والمال ستة
الجزء: 3 - الصفحة: 428
وخمسون 266: خرج منها أربعة وعشرون للزوج، وستة عشر للأخت المنكرة، وسبعة للأخت المقرة وهي للأخ؛ لأنها الفاضل.
فإن انضم إلى إقرار الأخت تصديق الزوج قسّمت التسعة بينهما على حسب ما تدعيان استحقاقه وذلك هنا ثمانية عشر؛ لأن الزوج يدعي أربعة، لأن له نصف المال ثمانية وعشرين قبض منها أربعة وعشرين بقي أربعة، والأخ يدعي أربعة عشر؛ لأنه يدعي أنه يستحق ربع المال.
فاقسم التسعة على الثمانية عشر يحصل لكل سهمين سهم.
فيكون للزوج سهمان مضافان إلى أربعة وعشرين تكون ستة وعشرين، وللأخ سبعة.
قال: (فإن كان معهم أختان لأمٍّ.
فإذا ضربت وفق مسألة الإقرار في مسألة الإنكار كانت اثنين وسبعين: للزوج ثلاثة من مسألة الإنكار في وفق مسألة الإقرار أربعة وعشرين، وللأختين 267 من الأم ستة عشر، وللأخت المنكرة ستة عشر، وللمقرّة 268 ثلاثة، يبقى في يدها ثلاثة عشر: للأخ منها ستة، يبقى سبعة لا يدعيها أحد ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: تقر في يد المقرّة.
والثاني: تؤخذ إلى بيت المال.
والثالث: تقسّم بين المقرّة والزوج والأختين من الأم على حسب ما يحتمل أنه لهم).
أما كون مسألة الإقرار تضرب في مسألة الإنكار؛ فلما تقدم.
وأما كون ذلك اثنين وسبعين؛ فلأن مسألة الإقرار من ستة؛ لأن فيها نصفاً وثلثاً، وما بقي هو هنا سهم على أربعة لا يصح ولا يوافق.
فاضرب ستة في أربعة تكن أربعة وعشرين.
ومسألة الإنكار من ستة وتعول إلى تسعة؛ لأن فيها نصفاً
الجزء: 3 - الصفحة: 429
وثلثين وثلثاً، وبين الأربعة والعشرين وبين التسعة موافقة بالأثلاث.
فإذا ضربت ثمانية في تسعة يكن اثنين وسبعين كما ذكر المصنف.
وأما كون الزوج له أربعة وعشرون، والأختين من الأم لهما ستة عشر، والمنكرة لها ستة عشر، والمقرة لها ثلاثة؛ فلأن الزوج له ثلاثة من مسألة الإنكار مضروبة في وفق مسألة الإقرار وهو ثمانية بأربعة وعشرين، والأختين للأم لهما اثنان من مسألة الإنكار مضروبان في ثمانية بستة عشر، والأخت المنكرة لها سهمان مضروبان في ثمانية بستة عشر، والمقرّة لها سهم من مسألة الإقرار مضروب في وفق مسألة الإنكار وهو ثلاثة بثلاثة.
وأما كون الباقي ثلاثة عشر؛ فلأن مجموع ما أخذ تسعة وخمسون فيبقى من اثنين وسبعين ثلاثة عشر.
وأما كون الأخ له منها ستة؛ فلأن له سهمين من مسألة الإقرار مضروبين في وفق مسألة الإنكار وهو ثلاثة بستة يبقى سبعة لا يدّعيها أحد؛ لاستكمال كل واحدٍ حقه.
وأما كون السبعة تقر في يد المقرة في وجهٍ؛ فلأنها لا يدعيها أحداً.
وأما كونها تؤخذ إلى بيت المال؛ فلأنه موضع الأموال التي لا أرباب لها.
وأما كونه يقسم بين المقرّة والزوج والأختين من الأم على حسب ما يحتمل أنه لهم.
وهو هنا ثلاثة وثلاثون في وجهٍ؛ فلأن المقرة يحتمل أن مسألتها عائلة.
واشتبه عليها الحال فأقرت بمن لا يستحق شيئاً فحينئذٍ كانت تستحق ستة عشر كالمنكرة أخذت منها ثلاثة بقيت ثلاثة عشر، والزوج يحتمل أن مسألته غير عائلة فيستحق ستة وثلاثين؛ لأنه حينئذٍ يستحق النصف أخذ منها أربعة وعشرين بقي له اثنا عشر، والأختين لأم يحتمل أن مسألتهما كمسألة الزوج وحينئذٍ تستحقان الثلث أخذتا منه ستة عشر بقي لهما 269 ثمانية فجملة ذلك ثلاثة وثلاثون.
فاقسم ذلك الباقي عليه لا يصح ولا يوافق.
فاضرب ثلاثة وثلاثين في اثنين وسبعين تكن ألفين وثلثمائة وستة وسبعين.
وكل من له شيء من اثنين وسبعين فاضربه في ثلاثة وثلاثين.
وكل من له شيء من ثلاثة وثلاثين فاضربه في سبعة.
وسيظهر كيفية
الجزء: 3 - الصفحة: 430
العمل والقسمة في شرح قوله: فإن صدق الزوج المقرّة ... إلى آخره إن شاء الله تعالى.
قال: (فإن صدّق الزوج المقرّة فهو يدّعي اثني عشر، والأخ يدعي ستة يكونان ثمانية عشر، ولا تنقسم عليها الثلاثة عشر ولا توافقها فاضرب ثمانية عشر في أصل المسألة.
ثم كل من له 270 شيء من اثنين وسبعين مضروب في ثمانية عشر.
وكل من له شيء 271 من ثمانية عشر مضروب في ثلاثة عشر.
وعلى هذا تعمل ما ورد عليك).
أما كون الزوج يدعي اثني عشر؛ فلأنه يدعي أن له النصف وهو هنا ستة وثلاثون أخذ منها أربعة وعشرين بقي اثنا عشر.
وأما كون الأخ يدعي ستة؛ فلأنه يدعي أنه هو وأختاه لهم أربعة من أربعة وعشرين مضروبة في وفق مسألة الإنكار وهو ثلاثة يكون اثني عشر له نصفها.
وأما كون الثمانية عشر تضرب في أصل المسألة؛ فلانكسارها على المقسومة عليه.
فعلى هذا مبلغ ما ترتفع من الضرب ألف ومائتان وستة وتسعون.
وأما قول المصنف: ثم كل من له شيء ... إلى آخره؛ فبيان للقسمة.
فعلى هذا الأختان لأم لهما من اثنين وسبعين ستة عشر.
فاضربها في ثمانية عشر تكن مائتين وثمانية وثمانين، والأخت المنكرة لها ستة عشر [في ثمانية عشر بمائتين و] 272 ثمانية وثمانين، والمقرة لها ثلاثة في ثمانية عشر بأربعة وخمسين، والزوج له أربعة وعشرون في اثنين وسبعين بأربعمائة واثنين وثلاثين.
ومن الثمانية عشر اثنا عشر مضروبة في ثلاثة عشر بمائة وستة وخمسين، والأخ له ستة في ثلاثة عشر بثمانية وسبعين صار مجموع ذلك ألفاً ومائتين وستة وتسعين وهو مبلغ ما ارتفع من الضرب.
الجزء: 3 - الصفحة: 431
وأما قول المصنف: وعلى 273 هذا تعمل ما ورد عليك؛ فتنبيه على طريق عمل ما يرد عليك من هذا؛ لأنه مثل ما ذكر معنى فكذا يجب أن يكون عملاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 432
باب ميراث القاتل
قال المصنف رحمه الله تعالى: (كل قتلٍ مضمون بقصاص أو ديةٍ أو كفارةٍ يمنع القاتل ميراث المقتول سواء كان عمداً أو خطأ بمباشرةٍ أو سبب، صغيراً كان القاتل أو كبيراً).
أما كون القتل يمنع القاتل الإرث في الجملة؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليسَ لقاتلٍ شيء» 274. رواه ابن عبدالبر.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منْ قتلَ قتيلاً فإنهُ لا يرثهُ، وإن لم يكنْ لهُ وارثٌ غيرهُ، وإن كانَ والدهُ أو ولده» 275 رواه الإمام أحمد.
وروي عن عمر «أنه أعطى دية 276 ابن قتادة المذحجي لأخيه دون أبيه وكان قد حذفه بسيف فقتله» 277. واشتهر ذلك بين الصحابة ولم يُنكر فكان إجماعاً.
وقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس لقاتل شيء» 278. رواه مالك في موطئه.
الجزء: 3 - الصفحة: 433
ولأن توريث القاتل يفضي إلى تكثير القتل؛ لأن الوارث ربما استعجل موت موروثه ليأخذ ماله؛ كما فعل الاسرائيلي الذي قتل عمه فأنزل الله فيه 279 قصة البقرة.
وأما كون كل قتل مضمون بقصاص؛ كالقتل العمد، أو دية كالخطأ، أو كفارة؛ كمن رمي إلى صف الكفار ولم يعلم أن فيهم مسلماً، وكان فيهم موروثه المسلم سواء كان عمداً أو خطأ بمباشرة أو سبب، صغيراً كان القاتل أو كبيراً: يمنع القاتل ميراث المقتول؛ فلأنه قاتل.
فيدخل في الأحاديث المتقدم ذكرها غير مساوٍ لغير المضمون.
فوجب المنع عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض.
قال: (وما لا يضمن بشيء من هذا؛ كالقتل قصاصاً أو حداً أو دفعاً عن نفسه، وقتل العادل الباغي، والباغي العادل: فلا يمنع.
وعنه: لا يرث الباغي العادل ولا العادل الباغي فيُخَرَّج منه أن كل قاتلٍ لا يرث).
أما كون ما لا يضمن من القتل كالقتل قصاصاً أو حداً أو دفعاً عن نفسه لا يمنع الإرث على المذهب؛ فلأن فاعله فعل فعلاً مأذوناً فيه.
فلم يمنع الميراث؛ كما لو أطعمه وسقاه فأفضى إلى تلفه.
ولأنه حرم الميراث فيما تقدم كيلا يفضي إلى إيجاد القتل المحرم، وزجراً عن إعدام النفس المعصومة وهو مفقود هنا.
بل كونه مانعاً من الإرث مفضٍ إلى منع إقامة الحد الواجب، واستيفاء الحق المشروع.
وإذا ثبت كونه غير مانعٍ من الإرث وجب كونه وارثاً؛ لعموم الأدلة المقتضية للإرث السالمة عن المانع.
وأما كون قتل العادل الباغي لا يمنع الإرث على روايةٍ؛ فلما تقدم ذكره.
وأما كونه يمنعه على ذلك؛ فلعموم الحديث المتقدم ذكره.
وأما كون قتل الباغي العادل لا يمنع الإرث على روايةٍ؛ فلأنه غير مضمون.
أشبه قتل العادل الباغي.
وأما كونه يمنعه على روايةٍ؛ فلعموم الحديث المتقدم ذكره.
الجزء: 3 - الصفحة: 434
وأما كون قتل العادل الباغي يُخَرَّج منه أن كل قاتل لا يرث؛ فلأن العادل مأذون له في القتل.
فإذا منع من الإرث مع الإذن جاز أن يمنع منه كل قاتل؛ لأن أعلى مراتبه: أن يكون مأذوناً له في ذلك.
ويعضده عموم الأحاديث في القاتل.
والأول أولى؛ لما ذكر.
الجزء: 3 - الصفحة: 435
باب ميراث المعتق بعضه
قال المصنف رحمه الله تعالى: (لا يرثُ العبدُ ولا يورَث.
سواء كان قِناًّ أو مدبراً أو مكاتباً أو أم ولد).
أما كون العبد القِنّ لا يرِث؛ فلأن فيه نقصاً منع كونه موروثاً؛ لما يأتي.
فمنع كونه وارثاً؛ كالمرتد.
وأما كونه لا يورَث؛ فلأنه لا مال له، أو ملكه ناقص غير مستقر يزول إلى سيده بزوال ملكه فيه بدليل قوله عليه السلام: «منْ باعَ عبداً وله مالٌ فمالهُ للبائعِ إلا أن يَشترطهُ المبتَاع» 280.
ولأن السيد أحق بأكسابه في حياته.
فكذلك بعد مماته.
وأما كون المدبر لا يرِث ولا يورَث؛ فلأن فيه جميع أحكام العبودية.
وأما كون أم ولد لا ترِث ولا تورَث؛ فلأنها رقيقة جاز فيها جميع أحكام الرق إلا ما ينقل الملك أو يراد له؛ كالرهن.
وليس شيء منهما من ذلك.
وأما كون المكاتب لا يرِث ولا يورَث؛ فلأنه عبد ما بقي عليه درهم هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 281.
الجزء: 3 - الصفحة: 436
قال: (فأما المعتق بعضه فما كَسَبَه بجزئه الحر فلورثته.
ويرث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية).
أما كون ما كَسَب المعتق بعضه بجزئه الحر لورثته؛ فلأنه يورَث بذلك لما يأتي بعد.
وأما كونه يرث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية؛ فلأن ابن عباس روى أن النبي صلى الله عليه وسلم «قال في العبد يعتقُ بعضُه: يرِثُ ويورَثُ على قدرِ ما عتقَ منه».
ولأنه يجب أن يثبت لكلِّ بعض حكمه؛ كما لو كان الآخر مثله، وقياساً لأحدهما على الآخر.
قال: (فإذا كانت بنت وأم نصفهما حر وأب حر: فللبنت بنصف حريتها نصف ميراثها وهو الربع، وللأم مع حريتها ورق البنت الثلث، والسدس مع حرية البنت فقد حجبتها حريتها عن السدس فبنصف حريتها تحجبها عن نصفه يبقى لها الربع لو كانت حرة فلها بنصف حريتها نصفه وهو الثمن، والباقي للأب.
وإن شئت نزّلتهم أحوالاً كتنزيل الخناثى).
أما كون البنت المذكورة لها بنصف حريتها نصف ميراثها؛ فلأنها لو كانت كاملة الحرية لكان لها النصف.
فوجب أن يكون لها بنصف حريتها نصفه.
وأما كونه الربع؛ فلأن نصف النصف ربع.
وأما كون الأم لها الثمن؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله وذلك أن يقول: لها السدس مع رق البنت، ونصف السدس مع حرية البنت فلها نصف السدس وربعه مع رق نصف البنت وذلك ثمن.
وأما كون الباقي للأب؛ فلأنه له السدس بالفرض، وما بقي بعده بالتعصيب؛ لأنه أولى رجل ذكر.
وأما كون عامل المسألة إن شاء نزّلهم أحوالاً كتنزيل الخناثى؛ فلأن لهم شبهاً بهم.
فوجب تنزيلهم أحوالاً كتنزيلهم.
فعلى هذا تقول في المسألة المذكورة في حال حرية البنت والأم: للبنت النصف، وللأم السدس، والباقي للأب، وهو الثلث.
وفي حال رقهما: المال كله للأب.
وفي حال رق البنت وحدها: للأم الثلث، وللأب الثلثان.
وفي حال رق الأم
الجزء: 3 - الصفحة: 437
وحدها: للبنت النصف، والباقي للأب.
فللبنت في الأحوال الأربعة مال كامل؛ لأن لها ذلك في حالين، ولا شيء لهما في الحالين الآخرين.
فإذا قسمته على الأحوال الأربعة حصل لها الربع، وللأم نصف المال.
فإذا قسمته على الأحوال الأربعة حصل لها الثمن، وهذا أحد طريقي العمل.
والأخرى أن يقول: مسألة الحرية فيهما من ستة، ومسألة الرق فيهما من واحد، ومسألة رق البنت وحدها من ثلاثة، ومسألة رق الأم وحدها من اثنين، والواحد والثلاثة والاثنان تدخل في ستة فاضرب ستة في الأحوال الأربعة تكن أربعة وعشرين: للبنت ثلاثة في حال، وثلاثة في حال صار ذلك ستة، وللأم سهمان في حال وسهم في حال صار ذلك ثلاثة، وللأب المال كله في حال، والثلث في حال، والنصف في حال، والثلثان في حال صار ذلك خمسة عشر.
قال: (وإذا كان عصبتان نصف كل واحدٍ منهما حر؛ كالأخوين: فهل تكمل الحرية فيهما؟ يحتمل وجهين).
أما كون الحرية تكمل فيما ذكر على وجهٍ؛ فلأن نصفي شيء شيءٌ كامل.
ولأن ذلك قياس قول علي.
فعلى هذا إن كانا وارثين نصفهما حر كما مثل المصنف ورثا المال كله، وإن كان نصف أحدهما حراً وربع الآخر حراً ورثا ثلاثة أرباع المال وعلى هذا فقس.
وأما كون الحرية لا تكمل على وجهٍ؛ فلأنها 282 لو كملت لم يظهر للرق أثر؛ لأنهما في الصورة المتقدمة يرثان المال نصفين، وهذا شأن كامل الحرية.
قال: (وإن كان أحدهما يحجب الآخر كابنٍ وابن ابنٍ فالصحيح أنها لا تكمل).
أما كون الصحيح في حرية من ذكر أنها لا تكمل؛ فلأن الشيء 283 لا يكمل بما يُسقطه، ولا يجمع بينه وبين ما ينافيه.
وأما كونها يجري فيها الخلاف المتقدم؛ فلما تقدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 438
باب الولاء
قال الله تعالى: ﴿فإن لم تعلموا ءاباءهم فإخوانُكم في الدين ومَوَاليكم﴾ [الأحزاب: 5].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الولاء لمن أعتق» 284 متفق عليه.
وقال عليه السلام: «الولاء لحمة كلحمة النسب» 285.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (كل من أعتق عبداً أو عتق عليه برحمٍ أو كتابةٍ أو تدبيرٍ أو استيلادٍ أو وصيةٍ بعتقه: فله عليه الولاء، وعلى أولاده من زوجةٍ معتقةٍ، أو من أمته، وعلى معتقيه ومعتقي أولاده وأولادهم ومعتقهم أبداً ما تناسلوا).
أما كون الولاء للمعتِق على المعتَق بالمباشرة فظاهر؛ لأن الحديث يتناوله بصريحه.
وأما كونه له على من يعتق عليه بأحد الأسباب المذكورة؛ فلأنه عتق بسبب من جهته.
أشبه ما لو باشره بالعتق.
وأما كون الولاء له على أولاد من له عليه الولاء وإن نزلوا؛ فلأن الولد تابع له.
ولأنه إذا كان الولاء له على الأصل.
فلأن يكون له على الفرع بطريق الأولى.
ولأن الولد جزءٌ من الوالد أو كالجزء.
فإذا كان الولاء له على الوالد.
فلأن يكون له على جزئه أو ما هو كجزئه بطريق الأولى.