كتاب العتق
1 العتق في اللغة: الخلوص.
ومنه: عتاق الخيل وعتاق الطير.
سميت بذلك: لخلوصهما.
وسمي البيت الحرام عتيقاً: لخلوصه من أيدي الجبابرة.
وهو في الشرع: تحرير الرقبة وتخليصها من الرقّ.
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [المجادلة: 3]، وقوله تعالى: ﴿فك رقبة﴾ [البلد: 13].
وأما السنة؛ فما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أَعتقَ رقبةً مؤمنةً أعتقَ اللهُ بكلِ إرْبٍ منه إرْباً منه من النار.
حتى أنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفرج بالفرج» 2. متفق عليه.
وأما الإجماع؛ فأجمعت الأمة في الجملة على صحة العتق وحصول القربة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهو من أفضل القُرَب.
والمستحب عتق من له كسب.
فأما من لا قوة له ولا كسب فلا يستحب عتقه ولا كتابته).
أما كون العتق من أفضل القرب؛ فلأن الله تعالى جعله كفارة للقتل، والظهار، والوطء في رمضان، والأيمان.
وجعله النبي صلى الله عليه وسلم فكاكاً لمعتقه من النار 3.
وأما كون المستحب عتق من له كسب؛ فلأنه إذا أعتق يجد ما ينفق عليه ولا يبقى عَيْلة ولا محتاجاً.
وأما كون من لا قوة له ولا كسب لا يستحب عتقه ولا كتابته؛ فلأن في عتقه وكتابته نقلاً له من حالة الغنى بنفقة السيد إلى السؤال والفقر.
قال: (ويحصل العتق بالقول والملك).
أما كون العتق يحصل بالقول؛ فظاهر.
وسيأتي ذكره بعد.
الجزء: 3 - الصفحة: 454
وأما كونه يحصل بالملك؛ فبأن يملك أباه أو ابنه أو أخاه وما أشبه ذلك.
وسيأتي دليله في موضعه إن شاء الله تعالى 4.
قال: (فأما القول فصريحه لفظ: العتق والحرية كيف صرفا.
وكنايته: خليتك، والحق بأهلك، واذهب حيث شئت ونحوها).
أما كون العتق له صريح وكناية؛ فلأنه إزالة قيد.
أشبه الطلاق.
وأما كون صريحه لفظ العتق والحرية؛ فلأنهما وردا في الكتاب والسنة ومثلهما 5: أعتقتك، وحررتك، وأنت معتق وأنت حر أو محرر أو عتيق.
وفي قول المصنف رحمه الله: كيف صرفا نظر؛ لأن من تصاريف لفظ العتق والحرية الفعل المضارع نحو قولك: أُعْتِقُك وأحررك.
وذلك لا يوقع العتق وفاقاً.
وأما كون كنايته 6 ما ذكر؛ فلأن فيه معنى الإزالة.
فجاز أن يكنى به عن العتق؛ كالطلاق.
قال: (وفي قوله: لا سبيل لي عليكَ، ولا سلطان لي عليكَ، ولا ملك لي عليكَ، ولا رق لي عليكَ، وفككت رقبتكَ، وأنت مولاي، وأنت لله، وأنت سائبة: روايتان إحداهما: أنه صريح، والأخرى كناية).
أما كون ما ذكر صريحاً على روايةٍ؛ فلأنه يتضمن العتق.
فكان صريحاً؛ كما لو قال: أعتقتك.
وأما كونه كناية على رواية؛ فلأنه يحتمل غير العتق.
قال: (وفي قوله: لأمته أنت طالق أو أنت حرام روايتان: إحداهما: أنه كناية، والأخرى: لا يعتق به وإن نوى).
أما كون ما ذكر كناية على روايةٍ؛ فلأن الرق أحد الملكين في الآدمي.
فيزول بلفظ الطلاق والحرام إذا نوى لهما العتق؛ كملك النكاح.
الجزء: 3 - الصفحة: 455
وأما كونه لا يعتق به وإن نوى على روايةٍ؛ فلأن الرق ملك لا يستدرك بالرجعة.
فلم يزل بما ذكر؛ كملك بقية المال.
قال: (وإن قال لعبده وهو أكبر منه: أنت ابني: لم يعتق.
ذكره القاضي.
ويحتمل أن يعتق).
أما كون العبد المقول له ما ذُكر لا يعتق على المذهب؛ فلأن كذب سيده محقق.
فلم يعتق؛ كما لو قال لأمة وهي أصغر منه: هذه أمي.
وأما كونه يحتمل أن يعتق؛ فلأن سيده اعترف بما تثبت به حريته.
أشبه ما لو أقر بحريته.
قال: (وإذا أعتق حاملاً عتق جنينها إلا أن يستثنيه.
وإن أعتق ما في بطنها دونها عتق وحده).
أما كون الجنين يعتق بعتق أمه مع عدم استثنائه؛ فلأنه تابع لأمه.
بدليل دخوله في البيع وغيره.
وأما كونه لا يعتق مع استثنائه؛ فـ «لأن ابن عمر أعتق أمة واستثنى ما في بطنها».
ولأنها ذات حملٍ.
فصح استثناء حملها كما لو باع نخلة لم تؤبر فاشترط ثمرتها.
وأما كون ما في بطنها يعتق وحده إذا أعتقه دون أمه؛ فلأن الأم ليست تابعة له.
فلم تعتق بعتقه؛ كما لو أعتقه بعد الولادة.
قال: (وأما الملك فمن ملك ذا رحمٍ محرمٍ عتق عليه.
وعنه: لا يعتق إلا عمود النسب).
أما كون من ملك ذا رحمٍ محرمٍ من عمودي النسب؛ كالولد وإن نزل، والوالد وإن علا من عمودي النسب؛ كالأخ وأولاده وإن نزلوا والعم وما أشبه ذلك ممن يحرم نكاحه: يعتق عليه على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «منْ مَلكَ ذا رَحِمٍ محرمٍ فهوَ حُر» 7 رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث حسن.
الجزء: 3 - الصفحة: 456
ولأن غير عمودي النسب ذو رحم محرم.
فعتق عليه بالملك؛ كعمودي النسب.
وأما كون غير عمودي النسب لا يعتق على روايةٍ؛ فلأن نفقة غيرهما لا تجب على قول.
والأول أولى؛ لعموم الخبر.
قال: (وإن ملك ولده من الزنا لم يعتق في ظاهر كلامه.
ويحتمل أن يعتق).
أما كون ولد الزنا لا يعتق بالملك في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن أحكام الولد غير ثابتة فيه وهي الميراث، وعدم الحجب، والمحرمية، ووجوب الإنفاق، وثبوت الولاية.
فكذا في العتق بالملك.
وأما كونه يحتمل أن يعتق؛ فلأنه حر حقيقة وقد ثبت فيه حكم تحريم التزويج.
ولهذا لو ملك ولده المخالف له في الدين عتق عليه مع انتفاء الأحكام المذكورة.
قال: (وإن ملك سهماً ممن يعتق عليه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله وعليه قيمة نصيب شريكه.
وإن كان معسراً لم يعتق عليه إلا ما ملك).
أما كون من ملك سهماً مما ذُكر وهو موسر يعتق عليه كله: أما السهم؛ فلأن كل سببٍ إذا وجد في الكل، عتق به: إذا وجد في البعض عتق به؛ كالإعتاق.
وأما بقية الكل؛ فلأنه إذا أعتقه سرى مع اليسار.
فكذلك إذا ملكه باختياره.
وشرط المصنف رحمه الله في ذلك: أن يكون مملوكاً بغير الميراث؛ لأنه مملوك بغير اختياره.
وسيأتي ذكره.
وأما كونه عليه قيمة نصيب شريكه؛ فلأنه فوّته عليه.
أشبه ما لو جرح غيره فمات من سراية الجرح.
الجزء: 3 - الصفحة: 457
وأما كونه لا يعتق عليه إلا ما ملك إذا كان معسراً؛ فلأن المباشرة مع الإعسار لا يسري بها العتق.
فالعتق بالملك بطريق الأولى.
قال: (وإن ملكه بالميراث لم يعتق منه إلا ما ملك.
موسراً كان أو معسراً.
وعنه: أنه يعتق عليه نصيب الشريك إن كان موسراً).
أما كون ما ملكه بالميراث لا يعتق منه إلا ما ملك.
موسراً كان أو معسراً على المذهب؛ فلأنه ملكه بغير اختياره.
فلم يصح إلحاقه؛ كما لو باشر عتقه.
وأما كون نصيب الشريك يعتق عليه إن كان موسراً على رواية؛ فلأنه سهم ملكه.
فيسري إلى نصيب شريكه.
أشبه ما لو ملكه بالتسري.
وإنما لم يعتق إذا كان معسراً رواية واحدة؛ لأنه لو باشر عتقه وهو معسر لم يسر.
فلأن لا يسري بالملك بالميراث بطريق الأولى.
قال: (وإن مَثَّل بعبده فجدع أنفه أو أذنه ونحو ذلك عتق عليه نص عليه.
قال القاضي: والقياس أن لا يعتق).
أما كون من مثّل بعبده يعتق عليه على المنصوص؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مثّل بعبده فهو حر» 8. رواه الإمام أحمد.
وأما قول المصنف: فجدع أنفه أو أذنه ونحو ذلك؛ فتمثيل للتمثيل بالعبد، وتعداد لصور منه.
وأما كون القياس أن لا يعتق على قول القاضي؛ فلأن ذلك جناية على ماله.
فلم يوجب زوال ملكه عنه.
أشبه ما لو جنى على دابته.
قال: (وإذا أعتق السيد عبده فماله للسيد.
وعنه: أنه للعبد).
أما كون مال من أُعتق لسيده على المذهب؛ فلما روي عن ابن مسعود: «أنه قال لغلامه عمير: يا عمير! إني أريد أن أعتقك عتقاً هنيئاً.
فأخبرني بمالك.
فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيما رجل أعتق عبده أو غلامه فلم يخبره بماله فماله لسيده».
رواه الأثرم.
الجزء: 3 - الصفحة: 458
ولأن العبد وماله كانا جميعاً للسيد.
فإذا أزال الملك عن أحدهما وجب أن يبقى الملك على الآخر؛ كما لو باعه.
وأما كونه للعبد على روايةٍ؛ فلما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أعتقَ عبداً وله مال فالمال للعبد» 9. رواه الإمام أحمد.
والأول أصح؛ لما ذكر.
وحديث ابن عمر ضعّفه الإمام أحمد.
الجزء: 3 - الصفحة: 459
فصل [إذا أعتق جزءاً من عبده]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا أعتق جزءاً من عبده معيناً أو مشاعاً عتق كله.
وإن أعتق شركاً له في عبد وهو موسر بقيمة باقيه عتق كله، وعليه قيمة باقيه يوم العتق لشريكه.
وإن أعتقه شريكه بعد ذلك لم يثبت له فيه عتق.
وإن كان معسراً لم يعتق إلا نصيبه وبقي حق شريكه فيه.
وعنه: يعتق كله ويُستسعى العبد في قيمة باقيه غير مَشقوق عليه).
أما كون من أعتق جزءاً من عبده معيناً كان الجزء أو مشاعاً يعتق عليه كله؛ فلأن العتق يسري في عبد الغير لما يأتي.
فلأن يسري في عبدٍ له خاصة بطريق الأولى.
وأما كون من أعتق شركاً له في عبد وهو موسر بقيمة باقيه يعتق كله، وعلى المعتق قيمة باقيه لشريكه؛ فلما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أعتقَ شِركاً له في عبدٍ، فكان معه ما يبلغُ قيمةَ العبد، قوّم عليه قيمةَ عدل، وعَتَقَ عليه جميعَ العبد» 10.
وأما كون القيمة يوم العتق؛ فلأنه يوم التلف.
وأما كون الشريك إذا أعتقه بعد ذلك لا يثبت له فيه عتق؛ فلأن عتق المعتَق لا يصح.
وأما كون المعتِق لا يعتق إلا نصيبه إذا كان معسراً على المذهب؛ فلأن مقتضى الدليل أن لا يعتق على أحدٍ نصيب شريكه.
خولف ذلك في اليسار للحديث.
فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
الجزء: 3 - الصفحة: 460
وأما كون حق شريكه يبقى فيه؛ فلأن العتق لم يسر إليه.
وأما كون العبد يعتق كله ويُستسعى في قيمة باقيه غير مشقوق عليه على رواية؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعتقَ شِقْصاً له في مملوكٍ فعليه أن يعتقه كله إن كانَ له مال، وإلا استُسْعَي العبدُ غيرَ مَشْقُوق عليه» 11. رواه أبو داود.
قال: (وإذا كان العبد لثلاثة: لأحدهم نصفه، ولآخر ثلثه، ولآخر سدسه.
فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس معاً وهما موسران عتق عليهما، وضمنا حق شريكهما فيه نصفين، وصار ولاؤه بينهما أثلاثاً.
ويحتمل أن يضمناه على قدر ملكيهما فيه).
أما كون العبد يعتق على صاحبي النصف والسدس؛ فلما تقدم.
وأما كونهما يضمنان حق شريكهما فيه نصفين على المذهب؛ فلأن كل واحدٍ منهما لو انفرد بالعتق لضمن الكل.
فإذا وجد سبب التلف منهما وجب الضمان عليهما.
وأما كون ولاء العبد بينهما أثلاثاً؛ فلأن صاحب النصف عتق عليه النصف بالمباشرة والسدس بالسراية وذلك ثلثا العبد.
وصاحب السدس عتق عليه السدس بالمباشرة والسدس بالسراية وذلك ثلث العبد.
وأما كونه يحتمل أن يضمناه على قدر ملكيهما فيه؛ فلأن التلف حصل بإعتاق ملكيهما.
وما وجب بسبب الملك كان على قدره؛ كالنفقة واستحقاق الشفعة.
الجزء: 3 - الصفحة: 461
قال: (وإذا أعتق الكافر نصيبه من مسلمٍ وهو موسرٌ سرى إلى باقيه في أحد الوجهين).
أما كون إعتاق الكافر الموسر نصيبه من مسلم يسري إلى باقيه في وجهٍ؛ فلأنه تقويمُ متلفٍ.
فاستوى فيه المسلم والكافر؛ كتقويم المتلفات.
وأما كونه لا يسري في وجه؛ فلأنه لا يجوز أن يتملكه.
بخلاف المسلم.
قال: (وإذا ادعى كل واحدٍ من الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه منه وهما موسران فقد صار العبد حراً به؛ لاعتراف كل واحدٍ منهما بحريته، وصار مدعياً على شريكه قيمة حقه منه، ولا ولاء عليه لواحدٍ منهما.
وإن كانا معسرين لم يعتق على واحدٍ منهما.
وإن اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق حينئذٍ ولم يسر إلى نصيبه.
وقال أبو الخطاب: يعتق جميعه.
وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً عتق نصيب المعسر وحده).
أما 12 كون العبد يصير حراً إذا ادعى كل واحدٍ من الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه منه وهما موسران؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله تعالى.
وأما كون كل واحدٍ منهما يصير مدعياً على شريكه قيمة حقه عليه؛ فلأنه يدعي أنه عتق عليه بالسراية.
وأما كون العبد لا ولاء عليه لواحدٍ منهما؛ فلأنه لا يدعيه واحدٌ منهما إذْ كل واحدٍ منهما يقول لصاحبه: أنت المعتق وولاؤه لك لا حق لي فيه.
وأما كونه لا يعتق على واحدٍ منهما إذا كانا معسرين؛ فلأنه لا يقبل قول واحدٍ منهما على شريكه في نصيبه.
ولا سراية مع الإعسار.
فلم يوجد الاعتراف بالحرية.
وأما كون من اشترى نصيب صاحبه يعتق عليه حينئذٍ؛ فلأنه معترفٌ بحريته.
وأما كونه لا يسري إلى نصيبه الذي كان له على قول غير أبي الخطاب؛ فلأن السراية فرعُ الإعتاق ولم يوجد منه ذلك.
وإنما حكم عليه بالعتق؛ لاعترافه أن شريكه أعتقه.
الجزء: 3 - الصفحة: 462
وأما كونه يعتق جميعه على قول؛ فلأن الحكم بالعتق شبيهٌ بنفس العتق.
وأما كون نصيب المعسر يعتق وحده إذا كان أحدهما موسراً والآخر معسراً؛ فلأنه اعترف بأن الموسر أعتق نصيبه، وذلك يوجب السراية.
فعتق نصيبه؛ لاعترافه بما يوجب العتق.
قال: (وإذا قال أحد الشريكين: إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر فأعتق الأول وهو موسر: عتق كله عليه.
وإن كان معسراً عتق على كل واحدٍ منهما نصيبه).
أما كون العبد يعتق كله على المعتق الأول: أما نصيبه؛ فلأنه أعتقه.
وأما نصيب شريكه؛ فلأنه لما أعتق نصيبه كان موسراً.
فسرى إلى نصيب شريكه فعتق بالسراية؛ لما تقدم.
وأما كون كل واحدٍ منهما يعتق عليه نصيبه إذا كان المعتق الأول معسراً؛ فلأن عتق المعسر لا يسري إلى نصيب الشريك.
فوقع عتق الشريك؛ لأنه وجد شرط عتقه ولم يوجد ما يمنع وقوعه.
قال: (وإن قال: إذا أعتقت 13 نصيبك فنصيبي حر مع نصيبك فأعتق نصيبه: عتق عليهما موسراً كان أو معسراً).
أما كون النصيب المذكور يعتق على من ذكر مع اليسار؛ فلأن عتق شريكه يقع مقارناً للعتق المعلق.
ضرورة قوله: مع نصيبك.
فلم تجد السراية محلاً؛ لأنها لا توجد إلا بعد عتق الأول لنصيبه.
وأما كونه يعتق عليهما مع الإعسار؛ فلما تقدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 463
فصل [يصح تعليق العتق بالصفات]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويصح تعليق العتق بالصفات؛ كدخول الدار ومجيء الأمطار.
ولا يملك إبطالها بالقول.
وله بيعه وهبته ووقفه وغير ذلك.
فإن عاد إليه عادت الصفة.
إلا أن تكون قد وجدت منه في حال زوال ملكه فهل تعود بعوده؟ على روايتين).
أما كون تعليق العتق بالصفات كما ذَكر المصنف يصح؛ فلأنه إزالة قيد.
فصح تعليقه بما ذكر؛ كالطلاق.
وأما كون المعلِّق لا يملك إبطال الصفات بالقول.
والمراد: إبطال تعليق العتق بالصفات؛ فلأنه ألزم نفسه شيئاً.
فلم يملك إبطاله بالقول؛ كالنذر.
وأما كونه له بيع المعلَّق عتقه بالصفات وهبته ووقفه وغير ذلك؛ فلأن ملكه باق عليه؛ لكون العتق لا يقع إلا بعد وجود الشرط؛ لأن المعلق بشرط عَدَمٌ عند عدمِ الشرط.
وأما كون المعلَّق عتقه بصفة؛ كدخول الدار ونحوه إذا باعه سيده ثم عاد إليه تعود الصفة إذا لم تكن وجدت فيه في حال زوال ملكه؛ فلأن التعليق وتحقق الشرط موجودان في ملكه.
فوجب العتق؛ كما لو لم يزل ملكه عنه.
وأما كونها لا تعود إذا كانت قد وجدت منه فيما ذكر على رواية منصوصة عن الإمام أحمد؛ فلأن العتق المعلق بشرط لا يقتضي التكرار.
فإذا وجد مرة انحلت اليمين.
وقد وجدت الصفة في الملك الغير فانحلت يمينه.
فلم تعد بعد ذلك.
وأما كونها تعود على رواية مخرجة من المنصوص عنه في الطلاق؛ فلأن العتق في معناه.
ولأن التعليق وتحقق الشرط وجدا في ملكه.
أشبه ما تقدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 464
وفرّق المصنف رحمه الله تعالى في المغني بين الطلاق والعتاق من حيث: إن الطلاق في النكاح الأول يحتسب به عليه في النكاح الثاني وينقص به عدد طلقاته.
بخلاف الملك باليمين.
قال: (وتبطل الصفة بموته.
فإن قال: إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر، أو أنت حر بعد موتي بشهر فهل يصح ويعتق بذلك؟ على روايتين.
وإن قال: إن دخلتها فأنت حر بعد موتي فدخلها في حياة السيد صار مدبراً، وإلا فلا).
أما كون الصفة تبطل بموت المعلِّق؛ فلأن ملكه يزول بموته.
فتبطل الصفة بموته؛ كسائر تصرفاته.
وأما كون من قال ما ذكر في الصورتين المتقدم ذكرهما لا يصح على رواية؛ فلأنه جعل العتق معلقاً بصفة توجد بعد زوال ملكه.
فلم يصح؛ كما لو قال: إن دخلت الدار بعد بيعي إياك فأنت حر.
فعلى هذا لا يعتق المعلَّق عتقه بذلك؛ لعدم صحة التعليق.
وأما كونه يصح على رواية؛ فلأنه إعتاقٌ بعد الموت.
فصح؛ كما لو قال: أنت حر بعد موتي.
فعلى هذا يعتق؛ لأن صحة التعليق توجب وقوع العتق عند شرطه ضرورة.
وأما كون العبد يصير مدبراً إذا قال سيده: إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر فدخلها في حياة السيد؛ فلأنه وجد شرط القول المذكور وهو مقتضٍ للتدبير.
وأما كونه لا يصير مدبراً إذا لم يدخل الدار في حياة السيد؛ فلأنه جعل الموت ظرفاً لوقوع الحرية، وذلك يقتضي سبق دخول الدار في الحياة.
ضرورة أنه الشرط.
إذ الشرط لا بد من سبقه الجزاء.
قال: (فإن قال: إن ملكتُ فلاناً فأنت حر، وكل مملوك أملكه فهو حر: فهل يصح؟ على روايتين.
وإن قاله العبد لم يصح في أصح الوجهين).
أما كون الحر إذا قال ذلك يصح على رواية؛ فلأنه أضاف العتق إلى حال يملك عتقه.
أشبه ما لو كان التعليق في ملكه.
الجزء: 3 - الصفحة: 465
وأما كونه لا يصح على رواية؛ فلأنه لا يملك تنجيز العتق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عِتقَ قبلَ مُلكٍ» 14 رواه أبو داود الطيالسي.
فلا يملك تعليقه؛ كالنكاح.
وأما كون العبد إذا قال ذلك لا يصح في وجه؛ فلأن العبد لا يملك.
فلم يصح التعليق منه.
وأما كونه يصح في وجهٍ؛ فبالقياس على الحر.
وأما كون الأول أصح؛ فلما ذكر من الفرق بينهما.
قال: (وإن قال: آخر مملوك اشتريته فهو حر، وقلنا بصحة الصفة فملك عبيداً ثم مات: فآخرهم حر من حين الشراء، وكسبه له).
أما كون آخر العبيد فيما ذُكر حراً؛ فلأن الحرية علقت على الاتصاف بالآخرية، وقد وجدت في الآخر.
وأما كون الحرية من حين الشراء؛ فلأنه تبين بالموت أنه آخرهم من حينئذ.
فإن قيل: لم أخّر الحكم بذلك إلى الموت؟
قيل: لجواز أن يشتري بعده آخر.
فلا يكون آخر عبد استثنى له.
وأما كون كسبه له؛ فلأن الكسب يتبع الحرية.
قال: (وإن قال لأمته: آخر ولد تلدينه فهو حر.
فولدت حياً ثم ميتاً: لم يعتق الأول.
وإن ولدت ميتاً ثم حياً عتق الثاني.
وإن ولدت توأمين وأشكل الآخر منهما أقرع بينهما).
أما كون الأول في الصورة الأولى لا يعتق؛ فلأنه ليس بآخر ولدٍ ولدته.
وأما كون الثاني في الصورة الثانية يعتق؛ فلأنه آخر ولدٍ ولدته.
وأما كون التوأمين يقرع بينهما؛ فلأن أحدهما يستحق العتق.
فأقرع بينهما؛ كما لو قال: أحدكما حر.
وكما لو أعتق عبداً من عبيده ثم جهل عينه.
الجزء: 3 - الصفحة: 466
قال: (ولا يتبع ولدُ المعتقة بالصفة أمَّه في العتق في أصح الوجهين.
إلا أن تكون حاملاً به حال عتقها، أو حال تعليق عتقها).
أما كون ولد المعتقة بالصفة لا يتبع أمه إذا لم تكن حاملاً به حال عتقها أو حال تعليق عتقها في وجه؛ فلأن التعليق ووجود الصفة لا تعلق لهما بالولد.
فلم تصح التبعية.
وأما كونه يتبعها في وجهٍ؛ فبالقياس على ولد المدبرة.
وأما كون الأول أصح؛ فلأن الفرق بين المعلق عتقها بصفة والمدبرة ثابت؛ لأن ولد المدبرة يعتق إذا مات السيد وهي حية أو ميتة.
بخلاف ولد المعلق عتقها بصفة فإنه لا يعتق حتى يوجد العتق في أمه.
وأما كونه يتبعها إذا كانت حاملاً به حال عتقها؛ فلأن الحمل كعضو من أعضاء أمه.
دليله: ما لو أعتقها وهي حامل فإنه يعتق بعتقها.
فكذا هاهنا.
وأما كونه يتبعها إذا كانت حاملاً به حال تعليق عتقها؛ فلأن التعليق أحد سببي العتق.
أشبه الآخر.
قال: (وإذا قال لعبده: أنت حر، وعليك ألف، أو على ألف: عتق ولا شيء عليه.
وعنه: إن لم يقبل العبد لم يعتق.
والصحيح في قوله: أنت حر على ألف أنه لا يعتق حتى يقبل).
أما كون العبد يعتق ولا شيء عليه في الصورتين المتقدم ذكرهما على الأول؛ فلأنه أعتقه بغير شرط وجعل علته عوضاً لم يقبله.
فوقع به العتق ولم يلزمه شيء.
وأما كونه لا يعتق على رواية إذا لم يقبل العتق؛ فلأن السيد قصد المعاوضة.
فإذا لم يقبل العبد وجب أن يبقى الحال على ما كان.
وأما كون الصحيح في قوله: أنت حر على ألف أنه لا يعتق حتى يقبل؛ فلأن قصد العوض فيه ظاهر، وقد يستعمل بإزاء الشرط.
أشبه ما لو قال: أعتقتك بشرط أن تعطيني ألفاً.
بخلاف قوله: وعليك ألف فإنه لا رابطة بينه وبين العتق.
الجزء: 3 - الصفحة: 467
قال: (وإن قال: أنت حر على أن تخدمني سنة فكذلك.
وقيل: إن لم يقبل [لم يعتق] 15 رواية واحدة).
أما كون قول: أنت حر على أن تخدمني سنة كما تقدم؛ فلأنه في معنى قوله: أنت حر على ألف.
وأما كون المقول له لا يعتق رواية واحدة إذا لم يقبل على قول؛ فلأن قَصْد المعاوضة فيما ذكر أظهر.
الجزء: 3 - الصفحة: 468
فصل [إذا قال كل مملوك لي حر]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا قال: كل مملوكٍ لي حر: عتق عليه مدبروه، ومكاتبوه، وأمهات أولاده، وشقص يملكه).
أما كون قائل ما ذكر يعتق عليه مدبروه؛ فلأن كل واحدٍ منهم مملوكٌ له وقد حرره.
وأما كونه يعتق عليه مكاتبوه؛ فكذلك.
وأما كونه يعتق عليه أمهات أولاده وشقصٌ يملكه؛ فلأن كلاً منهما داخلٌ في مسمى المملوك، وقد حرره.
قال: (وإن قال: أحد عبديَّ حر: أُقرع بينهما.
فمن تقع عليه القرعة فهو حر من حين عتقه.
وإن مات أقرع الورثة.
وإن مات أحد العبدين أقرع بينه وبين الحي).
أما كون العبدين فيما إذا قال: أحد عبديَّ حر يقرع بينهما؛ فلأن أحدهما استحق العتق ولم يعلم عينه.
أشبه ما لو أعتق المريض عبيداً لا يملك غيرها.
بيان المشابهة بينهما: أن من أعتق عبيداً لا يملك غيرها وهو مريض مرض الموت لم ينفذ عتقه إلا في الثلث فبعضهم مستحق للعتق.
وقد أقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم 16 فكذلك تشرع القرعة في هذه الصورة؛ لكون البعض مستحقاً للقرعة لا الكل.
وأما كون من تقع عليه القرعة حراً؛ فلأن فائدتها ذلك.
وأما كون ذلك من حين الإعتاق؛ فلأن القرعة مثبتة لا منشئة.
وأما كون الورثة تقرع إذا مات المعتق؛ فلأنهم يَقُومون مقام الميت.
الجزء: 3 - الصفحة: 469
وأما كون الميت يقرع بينه وبين الحي إذا مات أحد العبدين؛ فلأن العتق مستحق في أحدهما قبل الموت.
فعلى هذا إن وقعت القرعة على الميت حكم بموته حراً، وإن وقعت على الحي عتق، وحكم بموت الآخر رقيقاً.
قال: (وإن أعتق عبداً ثم أُنْسيه: أُخْرج بالقرعة.
وإن علم بعدها أن المعتق غيره عتق وهل يبطل عتق الأول؟ على وجهين).
أما كون العبد المعتق المنسيّ عتقه يُخرج بالقرعة؛ فلما تقدم.
وأما كون غير من خرجت له القرعة إذا عَلم بعدها أنه المعتق يعتق؛ فلأنه أعتقه، وقد تبين أمره.
وأما كون عتق الأول يبطل على وجه؛ فلأنه تبين أنه ليس المعتق.
وأما كونه لا يبطل على وجه؛ فلأن العتق إذا وقع لا يرتفع.
الجزء: 3 - الصفحة: 470
فصل [إذا أعتق في مرض موته]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن أعتق في مرض موته ولم تُجِز الورثة: اعتبر من ثلثه.
وإن أعتق جزءاً من عبده في مرضه أو دبره وثلثه يحتمل جميعه عتق جميعه.
وعنه: لا يعتق إلا ما أعتق).
أما كون من أعتق في مرضه ولم تُجِز الورثة [يعتبر من ثلثه] 17؛ فلما روى عمران بن حصين «أن رجلاً أعتقَ ستةَ مملوكين له عندَ موتهِ.
لم يكن له مالٌ غيرهم.
فدعاهمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
فجزأهمْ أثلاثاً.
ثم أقرعَ بينهمْ.
فأعتقَ اثنينِ وأَرَقَّ أربعة.
وقالَ لهُ قَولاً شَديداً» 18. رواه مسلم.
ولأن المعتق تصرف فلم ينفذ من غير الثلث عند عدم إجازة الورثة؛ كالهبة ونحوها.
وأما كون من أعتق جزءاً من عبده في مرضه وثلثه يحتمل جميعه يعتق جميعه على المذهب؛ فلأن عتق الشخص لجزء من عبده موجب للسراية؛ لما تقدم.
وأما كون من دبّر جزءاً منه وثلثه يحتمل جميعه يعتق جميعه على المذهب؛ فلأن التدبير إعتاق لبعض عبده عند موته فعتق جميعه؛ كما لو أعتقه في حياته.
واشترط المصنف في عتق الجميع: أن يكون ثلث المريض يحتمله؛ لأن تصرف المريض بالمباشرة في الزائد عن الثلث لا يصح.
فلأن لا يسري فيه بطريق الأولى.
وأما كونه لا يعتق في الصورتين إلا ما أعتق على رواية؛ فلأن المريض محجور عليه في المرض.
الجزء: 3 - الصفحة: 471
قال: (وإن أعتق في مرضه شركاً له في عبد أو دبَّره وثلثه يحتمل باقيه: أعطى الشريك وكان جميعه حراً في إحدى الروايتين، والأخرى: لا يعتق إلا ما ملك منه).
أما كون المعتِق المذكور يعطي الشريك -أي قيمة باقيه- بتقدير الحكم بالحرية؛ فلعموم قوله عليه السلام: «وأعطى شركاءهم حصصهم» 19.
ولأنه أتلف عليه باقيه بالعتق.
أشبه ما لو قتله.
وأما كون جميعه حراً على رواية؛ فلأن تصرف المريض فيما لم يجاوز الثلث كتصرف الصحيح.
ولو أعتق الصحيح شِركاً له في عبد سرى إلى نصيب الشريك.
فكذلك المريض.
وأما كونه لا يعتق منه إلا ما ملك منه على روايةٍ؛ فلأنه بموته يزول ملكه إلى الورثة فلا يبقى له شيء يعطي منه.
والصحيح حرية جميعه فيما أعتق؛ لما تقدم من أن تصرف المريض في ثلثه كتصرف الصحيح في ماله.
بخلاف ما إذا دبر؛ لما ذكر من أنه يزول ملكه بموته فلا يبقى له ما يعطي الشريك.
قال المصنف في المغني: قال القاضي: الرواية في سراية العتق حال الحياة أصح.
والرواية في وقوفه في التدبير أصح.
قال: (ولو أعتق في مرض موته ستة أعبد قيمتهم سواء وثلثه يحتملهم ثم ظهر عليه دين يستغرقهم: بيعوا في دينه.
ويحتمل أن يعتق ثلثهم).
أما كون العبيد المذكورين يباعون في دين المعتق؛ فلأن عتقهم فيما ذكر كالوصية، والدين مقدم على الوصية، ولهذا قال علي رضي الله عنه: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الدين قبلَ الوصية» 20. فكذلك فيما هو كالوصية.
الجزء: 3 - الصفحة: 472
ولأن الدين مقدم على الميراث بالاتفاق، ولهذا تباع التركة في قضاء الدين.
وقال تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ [النساء: 11].
والميراث مقدم على الوصية في الثلثين.
وما يُقدم على الميراث يجب أن يقدم على الوصية.
وأما كونهم يحتمل أن يعتق ثلثهم؛ فلأن تصرف المريض في ثلثه صحيح، وقد تصرف بالعتق.
قال: (وإن أعتقهم فأعتقنا ثلثهم، ثم ظهر له مال يخرُجون من ثلثه: عتق من أرقّ منهم.
وإن لم يظهر له مال جزأناهم ثلاثة أجزاء، كل اثنين جزءاً، وأقرعنا بينهم بسهم حرية وسهمي رق.
فمن خرج له سهم الحرية عتق، ورقّ الباقون).
أما كون من أرقّ ممن ذكر يعتق إذا ظهر للمعتق مال يخرجون من ثلثه؛ فلأن المنع من عتقهم إنما كان لاعتقاد أنهم لا يخرجون من الثلث وقد تبين خلافه.
فوجب عتق الكل.
عملاً بموجبه السالم عن المعارض.
وأما كونهم يجزؤون ثلاثة أجزاء ويقرع بينهم إذا لم يظهر لهم مال؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جَزَّأَ الأعبد الستة أثلاثاً، ثم أقرع بينهم» 21.
وأما كون كل اثنين جزءاً؛ فليحصل التثليث.
ولا بد أن يلحظ أن العبيد متساووا القيمة والعدد؛ كثلاثة أو ستة أو تسعة، وما أشبه ذلك.
قيمة كل واحدٍ مثلُ قيمة الآخر.
فإن كانوا متساوي العدد مختلفي القيمة؛ كستة أعبد، قيمة اثنين ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، واثنين ألفان ألفان، واثنين 22 ألف ألف: جعلت الاثنين اللذين قيمتهما أربعة آلاف جزءاً، وكل واحدٍ من اللذين قيمتهما ألف ألف مع كل واحدٍ من الذين قيمتهما ثلاثة آلاف ثلاثة 23 آلاف جزءاً.
وكل واحدٍ من اللذين قيمتهما ألف ألف مع كل واحدٍ من اللذين قيمتهما ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف جزءاً.
وأما كون القرعة بسهم حرية وسهمي رِقّ؛ فلأن الحرية نافذة في الثلث، والرق باق في الثلثين.
الجزء: 3 - الصفحة: 473
وأما كون من خرج له سهم الحرية يعتق ويرق الباقون؛ فلأن فائدة القرعة ذلك.
قال: (فإن كانوا ثمانيةً فإن شاء أقرع بينهم بسهمي حرية وخمسة رق وسهم لمن ثلثاه حر، وإن شاء جزأهم أربعة أجزاء، وأقرع بينهم بسهم حرية وثلاثة رق، ثم أعاد القرعة بينهم لإخراج من ثلثاه حر، وإن فعل غير ذلك جاز).
أما كون من يَقْرع بين الثمانية إن شاء أقرع بينهم كما ذكر، وإن شاء جزأهم وأقرع بينهم كما ذكر؛ فلأن الغرض إخراج الثلث بالقرعة.
فكيف اتفق ذلك حصل الغرض.
وأما كونه يَقرع بينهم بسهمي حرية وسهم رق وسهم لمن ثلثاه حر؛ فلأن المستحق للعتق الثلث وذلك عبدان وثلثا عبد.
وأما كونه يجزؤهم أربعة أجزاء؛ فلأنه يمكن جعل كل اثنين جزءاً.
وأما كونه يقرع بينهم بسهم حرية وثلاثة رق؛ فليظهر الفريق المعتق من غيره.
وأما كونه يعيد القرعة؛ فليظهر من ثلثاه حر.
وأما كونه إذا فعل غير ذلك يجوز؛ فلما تقدم من أن الغرض إخراج الثلث بالقرعة وهو موجود فيما ذكر.
فإن قيل: ما مراد المصنف بذلك؟
قيل: مراده والله أعلم أنه يجزؤهم ثلاثة أجزاء: ثلاثة وثلاثة واثنين.
ثم يقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق.
فإن وقع سهم الحرية على الثلاثة أعيدت القرعة بينهم بسهم عتق وسهم رق.
فمن وقع عليه سهم العتق عتق ثلثاه.
قال: (وإن أعتق عبدين قيمة أحدهما مائتان والآخر ثلاثمائة جمعت قيمتهما وهي خمسمائة فجعلتها الثلث ثم أقرعت بينهما.
فإن وقعت على الذي قيمته مائتان ضربته في ثلاثة تكن ستمائة، ثم نسبت منه خمس المائة يكن العتق فيه خمسة أسداسه، وإن وقعت على الآخر عتق منه خمسة أتساعه.
وكل شيء يأتي من هذا فسبيله أن يضرب في ثلاثة ليخرج بلا كسر).
أما كون عامل المسألة المذكورة يجمع قيمتي العبدين؛ فليعلم مبلغهما.
وأما كونه يجعل ذلك الثلث؛ فلئلا يكون فيه كسر فتعسر النسبة إليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 474
وأما كونه يقرع بينهما؛ فلتمييز المعتق منهما.
وأما كونه يضرب قيمة من قيمته مائتان في ثلاثة؛ فكما عمل في مجموع القيمة.
وأما كونه ينسب خمسمائة منها؛ فلأنها الثلث تقديراً.
وأما كون العتق إذا وقعت القرعة على العبد الذي قيمته مائتان خمسة أسداسه؛ فلأن خمسمائة من ستمائة خمسة أسداسها.
وأما كونه إذا وقعت على العبد الذي قيمته ثلاثمائة خمسة أتساعه؛ فلأنه إذا ضربت قيمته وهي ثلاثمائة في ثلاثة كانت سبعمائة.
فإذا نسبت خمس المائة منها كانت خمسة أتساعها.
وأما كون كل شيء يأتي من هذا فسبيله أن يضرب في ثلاثة؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله تعالى من قوله: ليخرج بلا كسر.
قال: (وإن أعتق واحداً من ثلاثة أعبد فمات أحدهم في حياته أقرع بينه وبين الحيين.
فإن وقعت على الميت رق الآخران، وإن وقعت على أحد الحيين عتق إذا خرج من الثلث).
أما كون الميت يقرع بينه وبين الحيين؛ فلتمييز المعتق منهم.
وأما كون القرعة إذا وقعت على الميت رقّ الآخران؛ فلأنه تبين أنه لا عتق فيهما.
وأما كونها إذا وقعت على أحد الحيين يعتق؛ فلأن القرعة مميزة.
واشترط المصنف في هذه الصورة: الخروج من الثلث في العتق؛ لأن تصرف المريض معتبر من الثلث.
ولم يشترط في الصورة الأولى؛ لأن الميت إن كان وقف الثلث فلا إشكال فيه، وإن كان أكثر فالزائد على الثلث هلك على مالكه، وإن كان أقل فلا يعتق من الآخرين شيء؛ لأنه لم يعتق إلا واحداً.
وأما إذا وقعت على أحد الحيين فلا بد من اعتبار القيمة؛ لأن العبرة بالثلث عند الموت، والميت قبله هلك من أصل المال.
الجزء: 3 - الصفحة: 475
قال: (وإن أعتق الثلاثة في مرضه فمات أحدهم في حياة السيد فكذلك في قول أبي بكر.
والأولى أن يقرع بين الحيين ويسقط حكم الميت).
أما كون حكم الثلاثة إذا أعتقهم في مرضه فمات أحدهم في حياة السيد كحكم الواحد المعتق من الثلاثة إذا مات أحدهم في قول أبي بكر؛ فلأنهما سواء معنى.
فكذا يجب أن يكون حكماً.
فإن قيل: حكم عتق الثلاثة ليس كحكم عتق أحدهم في بعض الصور؛ لأن الميت لو كانت قيمته أقل من الآخرين.
فإذا وقعت القرعة عليه عتق من أحد الآخرين تكملة الثلث في عتق الثلاثة.
وليس كذلك في عتق أحدهم.
قيل: غرض المصنف رحمه الله تعالى التشبيه في نفس القرعة وعتق أحدهم من غير تعرض لقيمة.
أو يحمل قوله: على عبيد قيمتهم متساوية، وتكون فائدة تقييده: العتق بالخروج من الثلث احتمال كونه مالكاً لشيء غير العبيد.
وأما كون الأولى أن يقرع بين الحيين ويسقط حكم الميت: أما القرعة بين الحيين؛ فلأن الحق فيهما وهو محتاج إلى التمييز.
فشرعت القرعة بينهما؛ كما لو أعتق اثنين.
وأما سقوط حكم الميت؛ فلأن الهلاك صادف حقاً مشتركاً في الكل.
فوجب هلاكه على الكل.
وإذا هلك على الكل لم يبق للميت حكم.
الجزء: 3 - الصفحة: 476
باب التدبير
التدبير: مصدر دبّر.
يقال: دبر تدبيراً؛ كما يقال: سلم تسليماً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهو: تعليق العتق بالموت.
ويعتبر من الثلث).
أما قول المصنف: وهو تعليق العتق بالموت؛ فبيان لمعنى التدبير شرعاً.
وسمي العتق بعد الموت تدبيراً؛ لأنه إعتاق في دبر الحياة؛ لأن الوفاة دبر الحياة.
يقال: دابر الرجل مدابرة إذا مات.
والأصل في صحته السنة والإجماع: أما السنة فما ورى جابر «أن رجلاً أعتق مملوكاً له عن دبر» 24. متفق عليه.
وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن من دبّر عبده أو أمته ولم يرجع عن ذلك حتى مات، والمدبر يخرج من الثلث بعد قضاء الدين إن كان عليه، وإنفاذ وصاياه إن كان وصى، وكان السيد بالغاً جائز التصرف: أن الحرية تجب له أو لها.
وأما كونه يعتبر من الثلث؛ فلأنه تبرع بعد الموت.
فاعتبر من الثلث؛ كسائر الوصايا.
قال: (ويصح من كل من تصح وصيته.
وصريحه لفظ: العتق والحرية المعلقين بالموت.
ولفظ: التدبير، وما تصرف منها).
أما كون التدبير يصح من كل من تصح وصيته؛ فلأنه تصرف بعد الموت.
أشبه الوصية.
وأما كون صريحه لفظ: العتق المعلق بالموت؛ كأنت عتيق بعد موتي، وما تصرف منه؛ كأنت معتق بعد موتي.
ولفظ: الحرية المعلق بالموت؛ كأنت حر بعد
الجزء: 3 - الصفحة: 477
موتي، وما تصرف منه؛ كأنت محرر بعد موتي.
ولفظ: التدبير، وما تصرف منه؛ كأنت مدبّر ودبّرتك وما أشبهه؛ فلأن جميع ذلك لا يحتمل غير التدبير.
وقد تقدم 25 أن الفعل المضارع المتصرف من العتق والحرية لا يقع به شيء.
فكذلك هنا.
قال: (ويصح مطلقاً ومقيداً بأن يقول: إن متُّ من مرضي هذا، أو عامي هذا فأنت حر أو مدبر).
أما 26 كون التدبير يصح مطلقاً ومقيداً؛ فلأنه تعليق للعتق على شرط.
فصح مطلقاً ومقيداً؛ كتعليق العتق بعد الموت.
وأما كون المقيد كما مثل المصنف رحمه الله تعالى؛ فلأنه قيد المرض والعام بكونه "هذا".
وهو تقييد خاص.
وقد يكون غير خاص لجواز تعلق العتق على صفة؛ مثل أن يقول: إن دخلت الدار، أو إن قدم زيد، أو إن شفى الله مريضي فأنت مدبر، أو حر.
وفي هذا الضرب لا يصير مدبراً في الحال؛ لأنه علق التدبير بشرط فإذا وجد صار مدبراً يعتق بعد الموت.
ولو وجد الشرط بعد الموت لم يعتق؛ لأن إطلاق الشرط يقتضي وجوده في الحياة.
قال: (وإن قال: متى شئت فأنت مدبر فمتى شاء في حياة السيد صار مدبراً.
وإن قال: إن شئت فأنت مدبر فقياس المذهب أنه كذلك.
وقال أبو الخطاب: إن شاء في المجلس صار مدبراً، وإلا فلا).
أما كون المقول له: متى شئت فأنت مدبر يصير مدبراً متى شاء في حياة السيد؛ فلأن "متى" اسم غير مختص بزمان.
فإن قيل: لم قيدت المشيئة بحياة السيد؟
قيل: لأن ذلك شرط.
وقد تقدم أن إطلاق الشرط يقتضي وجوده في الحياة.
الجزء: 3 - الصفحة: 478
وأما كون قياس المذهب في قوله: إن شئت فأنت مدبر كذلك فإنه لا فرق في المذهب بين قول الرجل لزوجته: إن شئتِ فأنتِ طالق، وبين قوله: متى شئتِ فأنتِ طالق من حيث: إن كل واحدٍ منهما لا يتقيد بالمجلس.
وأما كونه يصير مدبراً إن شاء في المجلس وإلا فلا في قول أبي الخطاب؛ فلأن المشيئة كالاختيار.
ولو قال الرجل لزوجته: اختاري نفسك تقيد بالمجلس فكذلك المشيئة.
وفرّق المصنف رحمه الله تعالى في بعض كتبه بين: اختاري، وبين تعليق الطلاق على المشيئة من حيث: إن "اختاري" ليس بشرط، وإنما هو تخيير فتقيد بالمجلس؛ كخيار المجلس.
وهذا الفرق متجه هنا.
قال: (وإذا قال: قد رجعت في تدبيري أو قد أبطلته لم يبطل؛ لأنه تعليق العتق بصفة.
وعنه: يبطل؛ كالوصية).
أما كون التدبير لا يبطل بذلك على المذهب؛ فلما علله المصنف.
وأما كونه يبطل على رواية؛ فلأن نفوذه يتوقف على الموت.
أشبه الوصية.
وتحقيق الكلام في ذلك: أن في التدبير شبهين:
أحدهما: بالعتق المعلق بالصفة؛ لاشتراكهما في التعليق.
فعلى لحظ هذا الشبه لا يبطل التدبير بالإبطال؛ لما تقدم في العتق.
والثاني: بالوصية؛ لاشتراكهما في عدم النفوذ إلا من الثلث، وفي كونهما تبرعاً بعد الموت.
فعلى لحظ هذا الشبه يبطل بالإبطال؛ لأن الوصية تبطل بالإبطال.
فكذلك ما يشبهها.
قال: (وله بيع المدبر وهبته.
وإن عاد إليه عاد التدبير.
وعنه: لا يباع إلا في الدَّيْن.
وعنه: لا تباع الأمة خاصة).
أما كون السيد له بيع المدبر مطلقاً سواء كان عليه دين أو لم يكن على المذهب؛ فلما روى جابر «أن رجلاً أعتق مملوكاً له عن دُبُر.
فاحتاج.
فقال
الجزء: 3 - الصفحة: 479
رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشتريه منه؟ فباعه من نعيم بن عبدالله بثمانمائة درهم.
فدفعها إليه، وقال: أنت أحوج» 27. متفق عليه.
ولأنه عتق بصفة فلم يمنع البيع؛ كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر.
وأما كونه لا يباع إلا في الدَّين على رواية؛ فلأن الدين يقدم على العتق المحقق في بعض المواضع.
فلأن يقدم على ما العقد فيه سبب الحرية بطريق الأولى.
وأما كون الأمة لا تباع خاصة على روايةٍ؛ لأن في جواز بيعها إباحة لفرجها، وتسليط مشتريها على وطئها مع وقوع الخلاف في بيعها، وحِلِّها.
بخلاف المدبر.
قال المصنف في المغني: هذا -يعني الأول- هو الصحيح؛ لما تقدم من الحديث.
والقياس مع وجوده لا يصح فوجب العمل به؛ لأنه لم يعارضه معارض.
وأما كونه له هبته؛ فلأنه كبيعه معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وحكمه في الخلاف المتقدم ذكره كحكم بيعه، ذكره المصنف في الكافي.
ولعله اكتفى هنا -أي في المقنع- بذكر البيع عن الهبة؛ لظهور تساويها في المعنى.
وأما كون التدبير يعود إذا عاد المدبر إلى ملك السيد على الرواية الأولى؛ فلأنه علق عتقه بصفة.
فإذا باعه ثم اشتراه عادت الصفة؛ كما لو قال: أنت حر إن دخلت الدار ثم باعه ثم اشتراه.
وقال القاضي: العود مبني على أن التدبير هل هو تعليق للعتق بصفة أم وصية؟
فإن قيل: هو تعليق عاد بالعود، وإن قيل: هو وصية فلا يعود؛ لأن الموصى به لو باعه الموصي ثم اشتراه لم تعد الوصية.
قال: (وما ولدت المدبرة بعد تدبيرها فهو بمنزلتها.
ولا يتبعها ولدها من قبل التدبير).
أما كون ولد المدبرة الحادث بعد تدبيرها بمنزلتها؛ فلأن عمر وابنه وجابراً قالوا: «ولدها بمنزلتها» 28. ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة.
فكان إجماعاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 480
ولأن الأم استحقت العتق بموت سيدها.
فوجب أن يتبعها ولدها؛ كأم الولد.
وأما كون المدبرة لا يتبعها ولدها من قبل التدبير؛ فلأنه لا يتبع في العتق المنجز فلأن لا يتبع في المعلق بطريق الأولى.
قال: (وله إصابة مدبرته.
فإن أولدها بطل تدبيرها).
أما كون السيد له إصابة مدبرته.
والمراد بالإصابة: الوطء؛ فلأن المدبرة مملوكته فتدخل في قوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: 3].
ولأن ثبوت العتق بالموت لا يمنع وطأها؛ كأم الولد.
وأما كونه إذا أولدها يبطل تدبيرها؛ فلأن الاستيلاد أقوى من التدبير.
فأبطله؛ لأن الضعيف لا يجامع القوي؛ كالنكاح والملك.
قال: (وإذا كاتب المدبر أو دبر المكاتب جاز).
أما كون كتابة المدبر تجوز؛ فلأن الأثرم روى عن أبي هريرة وابن مسعود والحسن جوازه.
ولفظ أبي هريرة عن مجاهد قال: «دبّرتِ امرأة من قريش خادماً.
ثم أرادت أن تُكاتبه قال: فكتب الرسول إلى أبي هريرة فقال: كاتبيهِ.
فإن أدّى كتابته فذلك، وإن حدثَ بكِ حدثٌ عَتَق» 29.
ولأن التدبير إن كان عتقاً بصفة لم يمنع الكتابة؛ كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر ثم كاتبه، وإن كان وصية فالوصية بالمكاتب جائزة.
وأما كون تدبير المكاتب يجوز؛ فلأن المصنف قال في المغني: لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنه تعليق عتق بصفة وهو يملك إعتاقه أو وصيته وهو يملك ذلك فيها.
قال: (فإن أدّى عتق وإن مات سيده قبل الأداء عتق إن حَمَل الثلث ما بقي من كتابته.
وإلا عتق منه بقدر الثلث وسقط من الكتابة بقدر ما عتق.
وهو على الكتابة فيما بقي).
أما كون المكاتب إذا أدى يعتق؛ فلأن شأن المكاتب ذلك؛ لما تقدم.
وهو مكاتب.
الجزء: 3 - الصفحة: 481
ولأن مفهوم قوله عليه السلام: «المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم» 30: نفيُ العبودية عنه عند حصول الأداء.
وأما كونه إذا مات سيده قبل الأداء يعتق؛ فلأن شأن المدبر ذلك وهو مدبر.
وأما قول المصنف: إن حَمَل الثلث ما بقي من كتابته؛ فلأن المدبر يعتبر في عتقه بالتدبير خروجه من الثلث.
وأما كون قدر الثلث يعتق إن لم يخرج كله من الثلث؛ فلأن ذلك لا مانع له.
وأما كون الكتابة يسقط منها بقدر ما عتق؛ فلانتفاء محلها بالعتق.
وأما كونه على الكتابة فيما بقي؛ فلأن محلها لم يعارضه شيء.
فعلى هذا لو خرج نصفه من الثلث عتق بصفة، وسقط نصف الكتابة، وبقي نصفه مكاتباً.
فإن قيل: الذي يحتسب من الثلث ما هو؟ قيمة المدبر وقت موت سيده أم قدر الكتابة.
قيل: قيمته؛ لأن المدبر لو لم يكن مكاتباً لاعتبرت قيمته.
فإن قيل: كلام المصنف ينافي ذلك؛ لأنه اعتبر الكتابة.
قيل: يحمل على أنها وفق القيمة؛ لأن الظاهر وقوع الكتابة بالقيمة.
ولقائل أن يقول: أن الظاهر وقوعها بأكثر من القيمة لوجهين:
أحدهما: أن مالها مؤجل، والتأجيل له قسط من الثمن.
والثاني: أنها بيع بعض ماله ببعضه فلو لم يزد على القيمة لما رغب فيها.
ثم في كلام المصنف رحمه الله تعالى إشكال من وجه آخر؛ لأنه قال: إن حمل الثلث ما بقي من كتابته والمسألة مفروضة فيمن لم يؤد من الكتابة شيئاً؛ لأنه قال: وإن مات سيده قبل الأداء، وكأن المصنف رحمه الله تعالى قصد متابعة الخرقي في هذا اللفظ.
فإن قيل: لم عدل المصنف عن بطلان الكتابة إلى قوله: وسقط من الكتابة بقدر ما عتق؟
الجزء: 3 - الصفحة: 482
قيل: لأن سقوط مال الكتابة بحسب العتق لا خلاف فيه بخلاف بطلانها في نفسها.
فإن اختياره أنها لا تبطل صرح به في المغني؛ لأن السيد إذا كانت عنده لم يملك إبطالها؛ لأنها عقد لازم.
وإنما صح تدبيره؛ لأنه إسقاط لحقه الذي عليه.
وحكى عن الأصحاب أنهم قالوا: يبطل بحصول العتق بالتدبير.
وفائدة الخلاف: أن ما في يد المكاتب له عند المصنف إذا عتق بالتدبير؛ لأنه بمنزلة ما لو أبرأه، ولورثة السيد عند الأصحاب؛ لأن حكم الكتابة قد ارتفع.
قال: (وإذا دبّر شِركاً له في عبدٍ لم يسرِ إلى نصيب شريكه.
وإن أعتق شريكه سرى إلى المدبر وغرم قيمته لسيده.
ويحتمل أن يسري في الأول دون الثاني).
أما كون من دبّر شركاً له في عبد لا يسري إلى نصيب شريكه على المذهب؛ فلأن التدبير تعليقٌ للعتق على صفة.
فلم يسر؛ كما لو علقه بدخول الدار.
وأما كون شريكه إذا أعتق يسري إلى المدبر ويغرم قيمته لسيده على المذهب؛ فلأن ذلك داخل في عموم قوله عليه السلام: «من أعتقَ شِركاً له في عبد فكان له ما يبلغ قيمةَ العبد، قوّم عليه قيمةَ عَدل، وأعطى شركاءه حصصهم» 31.
وأما كونه يحتمل أن يسري في الأول؛ فلأن المدبر بعضه استحق العتق بموت سيده.
فسرى إلى نصيب شريكه؛ كأم الولد.
وأما كونه يحتمل أن لا يسري في الثاني؛ فلأن الشريك قد استحق الولاء على العبد بموته.
فلم يكن للآخر إبطاله.
قال: (وإذا أسلم مدبّر الكافر لم يقر في يده، وتُرِك في يد عدل ينفق عليه من كسبه وما فضل لسيده.
وإن أعوز فعليه تمامه.
إلا أن يرجع في التدبير ونقول بصحة رجوعه فيجبر على بيعه).
أما كون مدبر الكافر إذا أسلم لا يقر في يد سيده؛ فلأن المسلم لا يقر في يد الكافر.
وأما كونه يترك في يد عدل -وإن كان الواجب في عبد الكافر إذا أسلم بيعه- إذا لم يرجع في التدبير ... إلى آخره؛ فلأن في البيع إبطال سبب العتق فكان في تركه في يد عدل إبقاء لسبب العتق، وانتظاراً لعتقه.
وذلك أصلح وأولى.
وقال المصنف في المغني: يحتمل أن يؤمر بإزالة ملكه عنه ويجبر عليه؛ لئلا يبقى كافر مالكاً لمسلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 483
وأما كونه ينفق عليه من كسبه؛ فلأنه أولى الأشياء به.
وأما كون ما فضل لسيده؛ فلأنه مملوكه وذلك شأن المملوك.
وأما كون تمام النفقة إذا أعوز الكسب على الكافر؛ فلأنه مملوكه ونفقة المملوك على السيد وإن لم يكن له كسب.
وأما كون السيد يجبر على بيعه ولا يترك في يد عدل إذا قبل بصحة الرجوع على ما فيه من الخلاف؛ فلأن الكافر لا يقر على استمرار ملكه على المسلم.
قال: (ومن أنكر التدبير لم يحكم عليه إلا بشاهدين.
وهل يحكم عليه 32 بشاهدٍ وامرأتين أو بشاهدٍ ويمين العبد؟ على روايتين.
وإذا قتل المدبّر سيده بطل تدبيره).
أما كون من أنكر التدبير لا يحكم عليه بغير ما ذكر؛ فلأنه منكر، والقول قول المنكر.
وأما كونه يحكم عليه بشاهدين؛ فلأن الشاهدين بينة، وهي تُظهر الحق.
ولا بد من لحظ عدالة الشاهدين؛ لأن ذلك شرط في البينة.
وأما كونه يحكم عليه بشاهدٍ وامرأتين أو شاهدٍ ويمين على روايةٍ؛ فبالقياس على البيع.
وأما كونه لا يحكم عليه بذلك على روايةٍ؛ فلأن الغرض إثبات الحرية وتكميل الأحكام.
فلا يثبت ذلك إلا بشهادة عدلين؛ كالنكاح والطلاق.
وأما كون المدبر إذا قتل سيده يبطل تدبيره؛ فلأنه قصد استعجال العتق بالقتل المحرم الذي جعل شرطاً لعتقه فعوقب بنقيض قصده.
فسلب الموت حكمه في العتق الذي قصد القتل لأجله؛ قطعاً لاتخاذ ذلك وسيلة إلى العتق؛ كما حُرم القاتل الميراث.
ولأن التدبير وصية أو في معنى الوصية وكلاهما يبطل بالقتل.
الجزء: 3 - الصفحة: 484
باب الكتابة
الكتابة مصدر كاتب.
يقال: كاتب عبده كتابة ومكاتبة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: بيع العبد نفسه بمال في ذمته.
وهي مستحبة لمن يُعلم فيه خيراً.
وهو: الكسب والأمانة.
وعنه: أنها واجبة إذا ابتغاها من سيده أجبر عليها).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي بيع العبد نفسه بمال في ذمته؛ فبيان لمعنى الكتابة شرعاً.
وأما كونها مستحبة في الجملة؛ فلما فيها من تخليص الرقبة من الرق.
وأما كونها غير واجبة على المذهب؛ فلأنها إعتاق بعوض.
فلا تجب؛ كالاستستعاء.
وأما كونها واجبة على رواية؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: 33] وظاهر الأمر الوجوب، وروي «أن ابن سيرين أبا محمد ابن سيرين كان عبداً لأنس بن مالك فسأله أن يكاتبه فأبى.
فأخبر سيرينُ عمر بن الخطاب بذلك.
فرفع الدرّة على أنس وقرأ عليه: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ [النور: 33].
فكاتبه أنس» 33.
وأما كونها إذا ابتغاها العبد من سيده فامتنع يجبر عليها؛ فلأن هذا شأن الواجب.
والأولى هي الصحيحة في المذهب؛ لما ذكر.
والآية محمولة على الاستحباب.
وقول عمر يخالفه نقل أنس.
الجزء: 3 - الصفحة: 485
وأما قوله: لمن يُعلم فيه خيراً؛ فتنبيهٌ على أن كون العبد فيه خير يعلمه السيد شرط للاستحباب أو الوجوب؛ لأن الله تعالى شرط ذلك حيث قال: ﴿إن علمتم فيهم خيراً﴾ [النور: 33].
وفسر المصنف الخير بالكسب والأمانة؛ لأنه المناسب لإيقاع الكتابة.
ونسب ذلك في المغني إلى الشافعي.
ونقل عن أحمد فيه أن الخير: صدق، وصلاح، ووفاء بمال الكتابة.
وهو قريب من الأول.
قال: (وهل تكره كتابة من لا كسب له؟ على روايتين).
أما كون كتابة من ذُكر تكره على روايةٍ؛ فلأن كتابة من لا كسب له إضرار 34 بالمسلمين، وجعله كَلاًّ وعيالاً عليهم مع ثبوت نفقته الواجبة على سيده.
وأما كونها لا تكره على روايةٍ؛ فلأن بريرة كاتبها أهلها ولا حرفة لها.
فلم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم 35.
قال (ولا تصح إلا من جائز التصرف.
وإن كاتب المميز عبده بإذن وليه صح.
ويحتمل أن لا يصح.
وإن كاتب السيد عبده المميز صح).
أما كون الكتابة لا تصح إلا من جائز التصرف؛ فلأنها عقد معاوضة.
فلم تصح من غير جائز التصرف؛ كالبيع ونحوه.
وأما كون كتابة المميز عبده بإذن وليه تصح على المذهب؛ فلأن تصرف المميز بإذن وليه صحيح في غير الكتابة.
فكذلك فيها.
وأما كونها يحتمل أن لا تصح؛ فلأن المميز غير مكلف.
فلم يصح منه عقد الكتابة؛ كالمجنون.
وأما كون كتابة السيد عبده المميز يصح؛ فلأنه مميز والمصلحة له في العتق لخلاصه من الرق.
أشبه البالغ.
الجزء: 3 - الصفحة: 486
قال: (ولا تصح إلا بالقول.
وتنعقد بقوله: كاتبتك على كذا وإن لم يقل: فإذا أديت إليّ فأنت حر.
ويحتمل أن يشترط قوله أو نيته).
أما كون الكتابة لا تصح إلا بالقول؛ فلأنها إما بيع وإما تعليق للعتق على الأداء، وكلاهما لا يصح إلا بالقول.
وأما كونها تنعقد بقوله: كاتبتك على كذا وإن لم يقل: فإذا أديت إليّ فأنت حر على المذهب؛ فلأنه صريح في الكتابة.
فانعقد به؛ كصريح البيع وغيره.
وأما كونه يحتمل أن يشترط قوله أو نيته؛ فلأن الكتابة في المعنى تعليقٌ للعتق على الأداء.
فلا بد من التلفظ به أو نيته.
قال: (ولا تصح إلا على عوض معلومٍ مُنَجَّمٍ نجمين فصاعداً.
يُعلم قدر ما يؤدي في كل نجم.
وقيل: تصح على نجمٍ واحد.
وقال القاضي: تصح على عبد مطلق وله الوسط).
أما كون الكتابة لا تصح إلا على عوض معلوم على المذهب؛ فلأن الكتابة عقد معاوضة.
فلا يصح مع جهل العوض؛ كالبيع.
ولأن الكتابة بيع.
فاشترط فيها العلم بالعوض؛ كسائر البياعات.
وأما كونه منجماً والمعنِيُّ به أن لا يكون حالاًّ؛ فلأن جماعة من الصحابة عقدوا الكتابة.
ولم ينقل عن واحدٍ منهم أنها عقدها حالّة، ولو كان ذلك يجوز لم يتفق جميعهم على تركه.
ولأن الكتابة عقد معاوضة يعجز عن أداء عوضها حالاًّ.
فكان من شرطه التأجيل؛ كالسلم.
وأما كون العوض مُنَجَّماً نجمين فصاعداً.
فقال الإمام أحمد: من الناس من يقول: نجمان، ومنهم من يقول: نجم، ونجمان أحب إليّ.
وظاهره أنه ذهب إلى أنه لا يجوز أقل من نجمين.
ووجهه: أن الكتابة مشتقة من الضم.
فوجب افتقارها إلى نجمين؛ ليحصل الضم.
وعن علي رضي الله عنه أنه قال: «الكتابة على نجمين».
الجزء: 3 - الصفحة: 487
وعن عثمان رضي الله عنه: «أنه غضب على عبد له فقال: لأعاقبنك، ولأكاتبنك على نجمين» 36.
وقال ابن أبي موسى: تصح على نجمٍ واحدٍ؛ لأنه عقدٌ يشترط فيه التأجيل.
فجاز أن يكون إلى أجلٍ واحد؛ كالسلم.
ولأن اعتبار التأجيل؛ ليتمكن من تسليم العوض، وهذا يحصل بنجمٍ واحد.
وأما كون قدر ما يؤدي في كل نجمٍ يعلم؛ فلئلا يؤدي إلى المنازعة.
وأما كون الكتابة على عبدٍ مطلق وله الوسط على قول القاضي؛ فلأنه كذلك عنده في النكاح والخلع.
فليكن كذلك في الكتابة.
قال: (وتصح على مال وخدمة سواء تقدمت الخدمة أو تأخرت).
أما كون الكتابة على ما ذكر؛ فلأن كل واحدٍ منهما يصح أن يكون عوضاً في غير الكتابة.
فكذلك يجب أن يصح فيها.
وأما كونها تصح سواء تقدمت الخدمة أو تأخرت؛ فلأن تقدمها أو تأخرها لا يخرجها عن كونها تصح أن تكون عوضاً.
وفي قول المصنف رحمه الله ذلك إشعار بصحة كونها حالّة.
فإن قيل: لم صح الحلول في الخدمة دون المال 37؟
قيل: لأن المنع من الحلول في المال إنما كان لئلا يتحقق عجزه عن أداء العوض وهذا مفقود في الخدمة؛ لأنه قادر عليها.
قال: (وإذا أدى ما كوتب عليه أو أُبرئ منه: عتق.
وما فضل في يده فهو له.
وعنه: أنه إذا ملك ما يؤدي صار حراً ويجبر على أدائه).
أما كون من أدى ما كوتب عليه أو أُبرئ منه يعتق؛ فلأن موضوع الكتابة العتق بتقدير الأداء أو الإبراء.
فيجب أن يحصل عند حصول أحدهما.
ولأن رقبته بالأداء أو الإبراء تمحضت له.
فوجب أن يعتق عملاً بالملك المقتضي له السالم عن معارضة حق السيد.
الجزء: 3 - الصفحة: 488
وأما كون ما فضل في يده [له] 38؛ فلأنه مالكٌ له.
بدليل صحة تصرفه فيه قبل العتق.
وفي تعليق العتق بالأداء أو الإبراء إشعار بأنه لا يصير حراً إذا ملك ما يؤدي وذلك صحيح على المذهب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم» 39 رواه أبو داود.
وأما كونه يصير حراً بذلك على رواية؛ فلما روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان لإحداكن مُكاتبٌ وكان عنده ما يُؤدي فلتحتجبْ منه» 40. رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
ولأنه مالك لوفاء الكتابة.
أشبه ما لو أدّاه.
فعلى هذا إن أدى ما عليه من الكتابة فلا كلام، وإن امتنع أجبر عليه؛ لأنه حقٌّ واجب.
أشبه سائر الحقوق الواجبة.
وإن هلك بقي في ذمته؛ لأنه هلك بعد الحكم بعتقه.
فلم يرتفع العتق وتعين ثبوته في الذمة؛ لأنها محل الحق.
والأول المذهب؛ لما تقدم.
ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما عبدٍ كاتبَ على مائة أوقيةٍ فأدّاها إلا عشرةَ أواقٍ فهو عبد، وأيما عبدٍ كاتبَ على مائة دينارٍ فأدّاها إلا عشرةَ دنانيرَ فهو عبد» 41، وفي لفظ: «[من] كاتبَ عبدهُ على مائة
الجزء: 3 - الصفحة: 489
أوقيةٍ فأدّاها إلا عشرةَ أواقٍ -أو قال: عشرة دراهم- ثم عَجَزَ فهو رقيق» 42. رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث غريب.
ولأنه عتق عُلّق بعوض.
فلم يعتق قبل أدائه؛ كما لو قال: إذا أديت إليّ ألفاً فأنت حر.
قال: (فلو مات قبل الأداء كان ما في يده لسيده في الصحيح عنه.
وعلى الرواية الأخرى: لسيده بقية كتابته، والباقي لورثته).
أما كون ما في يد المكاتب لسيده في الصحيح عن الإمام أحمد إذا مات قبل الأداء؛ فلأن الصحيح أنه لا يعتق إلا بالأداء؛ لما تقدم.
ولم يوجد.
وأما كون بقية كتابته له والباقي لورثته على الرواية الأخرى؛ فلأنه يعتق بملك الوفاء.
فيكون لسيده ما ذكر، والباقي لورثته.
ويمكن أن يحمل الكلام المذكور على أن الكتابة هل تنفسخ بموت المكاتب إذا خلف وفاء؟ وفيه روايتان:
إحداهما: تنفسخ؛ لأنه مات قبل أداء الكتابة.
فوجب أن تنفسخ؛ كما لو لم يكن له وفاء.
ولأنه عتق معلق بشرط مطلق.
فينقطع بالموت؛ كما لو قال: إذا أديت إليّ ألفاً فأنت حر.
فعلى هذا يكون المال الذي في يده لسيده؛ لأنه عبده.
والثانية: لا تنفسخ؛ لأنه عقد معاوضة.
فلم تنفسخ بموت أحد المتعاقدين؛ كالآخر.
والمراد السيد.
فعلى هذا يكون للسيد قدر الكتابة أو بقيتها؛ لأنه يستحقه.
والباقي لورثة المكاتب؛ لأنه حقهم.
والأول أصح؛ لما ذكر.
والفرق بين العبد وبين السيد: أن حق العقد متعلق بعين العبد وهو ثبوت حريته، وذلك متعذر بالموت.
بخلاف السيد.
الجزء: 3 - الصفحة: 490
قال: (وإذا عُجلت الكتابة قبل مَحِلِّها لزم السيد الأخذ وعتق.
ويحتمل أن لا يلزمه ذلك إذا كان في قبضه ضرراً).
أما كون السيد يلزمه أخذ ما ذكر إذا لم يكن فيه ضرر؛ فلأن تعجيله محض مصلحة.
فلزم قبوله؛ كما لو دفع إليه أجودَ من حقه من جنسه.
ولأنه يروى «أن رجلاً أتى عمر.
فقال: يا أمير المؤمنين! إني كاتبت على كذا وكذا، وإني أيسرت بالمال.
فأتيته بالمال.
فزعم أنه لا يأخذها إلا نُجُوماً.
فقال عمر: يا برقا! خذ هذا المال فاجعله في بيت المال، وأدّ إليه نُجُوماً في كل عام.
وقد عتق هذا.
فلما رأى ذلك سيده أخذ المال» 43. وعن عثمان نحوه 44. رواه عنهما سعيد بن منصور في سننه.
ولأن الأجل حق لمن عليه الدين فإذا عجله فقد رضي بإسقاط حقه.
فيجب أن يسقط؛ كسائر الحقوق.
وأما كونه إذا عجله وفي قبضه ضرر.
وهو: ما يختلف حديثه وقديمه، أو يحتاج إلى مؤونة في حفظه، أو يدفعه في حال خوفٍ يخاف ذهابه، أو يفسد؛ كالعنب والرطب، أو ما يخاف تلفه؛ كالحيوان: يلزمه أخذه على المذهب؛ فلأن عمر وعثمان قضيا بأخذه من غير تفصيل.
فعلى هذا يعتق.
وأما كونه يحتمل أن لا يلزمه أخذه فيما ذكر على روايةٍ؛ فلأن بقاء المكاتب في هذه المدة في ملكه حقٌّ له، ولم يرض بزواله.
فلم يزل؛ كما لو علق عتقه على شرط لم يعتق قبله.
وظاهر كلام المصنف هاهنا أنه إذا لم يكن في قبضه ضرر لا خلاف في لزوم أخذه؛ لأنه قيّد الخلاف بالضرر.
وقال في المغني: أن الروايتين عن الإمام أحمد مطلقتان، وأن الصحيح في المذهب اللزوم، وأن القاضي قال: المذهب عندي التفصيل.
وذكر في الكافي: أنه إن كان
الجزء: 3 - الصفحة: 491
في قبضه ضرر لم يلزمه قبضه؛ لما فيه من الضرر، وإن لم يكن في قبضه ضرر ففيه روايتان.
قال: (ولا بأس أن يعجل المكاتب لسيده ويضع عنه بعض كتابته).
أما كونه لا بأس بما ذكر فلأن الملحوظ في الكتابة جانب المكاتب لا جانب السيد.
وأما كونه لا بأس بما ذكر في دين الكتابة دون غيره؛ فلأن دين الكتابة غير مستقر وليس بدين في الحقيقة.
بخلاف غيره فإنه مستقرٌ ودين في الحقيقة.
قال: (وإذا أدى وعتق.
فوجد السيد بالعوض عيباً: فله أرشه، أو قيمته.
ولا يرتفع العتق).
أما كون السيد له الأرش أو القيمة؛ فلأن إطلاق العقد يقتضي السلامة.
فإذا تعذر رد المكاتب رقيقاً وجب أحدهما؛ لأن فيه جبر ما اقتضاه إطلاق العقد.
وأما كونه لا يرتفع العتق؛ فلأن العتق إتلاف.
فإذا حكم بوقوعه لم يبطل؛ كعقد الخلع.
ولأنه ليس المقصود منه المال.
أشبه الخلع.
والله أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 492
فصل [فيما يملك المكاتب]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويملك المكاتب أكسابه، ومنافعه، والشراء، والبيع، والإجارة، والاستئجار، والسفر، وأخذ الصدقة، والإنفاق على نفسه وولده ورقيقه، وكل ما فيه صلاح المال).
أما كون المكاتب يملك أكسابه ومنافعه والتصرف ... إلى قوله وأخذ الصدقة؛ فلأن عقد الكتابة إنما عقد لتحصيل العتق، ولا يحص ل إلا بأداء عوضه، ولا يمكنه إلا بملك أكسابه والتصرف بحسب اختياره على وجه المصلحة.
وأما كونه يملك كل ما فيه صلاح المال؛ فلما في ذلك من الصلاح.
قال: (فإن شرط عليه أن لا يسافر ولا يأخذ الصدقة فهل يصح الشرط؟ على وجهين).
أما كون الشرط المذكور يصح على وجهٍ؛ فلأن له فيه غرضاً صحيحاً وهو أن لا يطعمه أوساخ الناس.
وأما كونه لا يصح على وجه؛ فلأن ذلك وسيلة إلى تحصيل عتقه.
فلم يصح اشتراط عدمه؛ كما لو اشترط عليه بأن لا يبيع ولا يشتري.
قال: (وليس له أن يتزوج، ولا يتسرى، ولا يتبرع، ولا يقرض، ولا يحابي، ولا يقتص من عبده الجاني على بعض رقيقه، ولا يعتق، ولا يكاتب: إلا بإذن سيده.
وولاء من يعتقه ويكاتبه لسيده).
أما 45 كون المكاتب ليس له أن يتزوج بغير إذن سيده؛ فلأنه عبد.
فيدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما عبدٍ تزوج بغير إذن مواليهِ فهوَ عَاهِر» 46.
الجزء: 3 - الصفحة: 493
ولأن على السيد في ذلك ضرراً؛ لأنه يحتاج أن يؤدي المهر والنفقة من كسبه، وربما عجز.
فيرق ويرجع إليه ناقص القيمة.
وأما كونه له ذلك بإذن سيده؛ فلأن مفهوم الحديث يدل عليه.
ولأن المنع لحقه فإذا أذن له فقد أسقط حقه.
ولأنه لو أذن للعبد القن في النكاح صح منه.
فالمكاتب أولى.
وأما كونه ليس له أن يتسرى بغير إذن؛ فلأن ملكه غير تام.
ولأن على السيد في ذلك ضرراً.
فإنه ربما أحبلها وعجز عن أداء مال الكتابة فإذا فسخت عاد ماله إليه ناقصاً؛ لأن الحبل مخوفٌ في بنات آدم.
وأما كونه له ذلك إذا أذن له سيده؛ فلأنه لو أذن للعبد القن في التسري جاز.
فالمكاتب أولى.
وأما كونه ليس له أن يتبرع بغير إذن سيده؛ فلأنه محض ضرر.
فمنع منه؛ كالعبد القن.
وأما كونه له ذلك إذا أذن له فيه؛ فلأن الحق له.
وأما كونه ليس له أن يقرض بغير إذنه؛ فلأنه بعرضية أن لا يرجع إليه؛ لأن المقترض ربما أفلس أو مات ولا شيء له.
وأما كونه له ذلك إذا أذن له فيه؛ فلأن الحق له.
وأما كونه ليس له أن يحابي بغير إذنه؛ فلأنه تبرع.
فمنع منه؛ كالهبة.
ولأن في ذلك ضرراً على السيد.
وأما كونه له ذلك إذا أذن فيه؛ فلما تقدم.
وأما كونه ليس له أن يقتص من عبده الجاني على بعض رقيقه؛ فلأنه إتلاف لماله باختياره.
ولأن في ذلك ضرراً على السيد.
الجزء: 3 - الصفحة: 494
وقال القاضي: له ذلك؛ لأنه من مصالح ملكه؛ لأنه إذا لم يستوف ذلك صار وسيلة إلى إقدام بعضهم على بعض.
وأما كونه ليس له أن يعتق بغير إذن سيده؛ فلأنه محض تبرع.
أشبه الهبة.
وأما كونه له ذلك بإذن سيده؛ فلما تقدم غير مرة.
وأما كونه ليس له أن يكاتب بغير إذنه؛ فلأنه ليس له أن يعتق.
فلم يكن له أن يكاتب؛ كالمأذون له في التجارة.
وأما كونه له ذلك إذا أذن له فيه؛ فلأن الحق له.
فإذا أذن فيه صار كسائر الحقوق.
وأما كون ولاء من يعتقه ويكاتبه لسيده؛ فلأنه إذا ثبت له الولاء على المكاتب.
فلأن يثبت على من أنعم على المكاتب بطريق الأولى.
قال: (ولا يكفّر بالمال.
وعنه: له ذلك بإذن السيد).
أما كون المكاتب ليس له أن يكفر بالمال إذا لم يأذن له سيده في ذلك؛ فلأنه عبد.
ولأنه في حكم المعسرين.
بدليل أنه لا يلزمه زكاة ولا نفقة قريب، وله أخذ الزكاة.
وأما كونه ليس له ذلك إلا إذا أذن له سيده فيه على المذهب؛ فلما تقدم.
وأما كونه له ذلك على رواية؛ فلأن الحق للسيد وقد أذن فيه.
وهذا الخلاف في الجواز لا في الوجوب؛ لأنه لو وجب عليه التكفير بالمال لكان عليه في ذلك ضرر؛ لما فيه من إفضائه إلى تفويت الحرية.
فلم يجب التكفير بالمال؛ كالتبرع.
قال: (وهل له أن يرهن أو يضارب بماله؟ يحتمل وجهين).
أما كون المكاتب ليس له أن يرهن أو يضارب على وجه؛ فلأن في ذلك ضرراً على السيد؛ لأن الرهن ربما استحق لتعذر الوفاء، وبيع في الدين، والمضاربة ربما خسر فيها، وربما كان فيها غرر من حيث: إنه سلم ماله لغيره.
وأما كونه له ذلك على وجه؛ فلأن دين الرهن والمضاربة سببان للربح.
أشبه الاستدانة من غير رهن، والمضاربة بمال الغير.
الجزء: 3 - الصفحة: 495
قال: (وليس له شراء ذوي رحمه إلا بإذن سيده.
وقال القاضي: له ذلك.
وله أن يَقْبَلهم إذا وهبوا له أو أوصي له بهم إذا لم يكن فيه ضرر بماله.
ومتى ملكهم لم يكن له بيعهم.
وله كسبهم وحكمهم حكمه فإن عتق عتقوا، وإن رق صاروا رقيقاً للسيد.
وكذلك الحكم في ولده من أمته).
أما كون المكاتب ليس له شراء ذوي رحمه إلا بإذن سيده على المذهب؛ فلأنه تصرف يؤدي إلى إتلاف ماله.
فإنه يخرج من ماله ما يجوز له التصرف فيه في مقابلة ما لا يجوز له التصرف فيه.
فصار كالهبة.
وأما كونه له ذلك على قول القاضي؛ فلأنه يصح أن يشتريهم غير المكاتب.
فصح أن يشتريهم؛ كغير ذوي رحمه.
وما ذكر من أنه يخرج من ماله ما لا يجوز له التصرف فيه فمقابل بحصول الكسب والانتفاع بهم، وبهذا فارق الهبة فإنه لا نفع فيها.
وأما كونه له أن يقبلهم إذا وهبوا له أو وصي له بهم إذا لم يكن فيه ضرر بماله؛ فلأنه ليس في القبول إتلاف مال ولا ضرر.
مع أنه سبب لتحصيل الحرية بتقدير الأداء، وذلك مطلوب شرعاً.
وأما كونه ليس له أن يبيعهم متى ملكهم؛ فلأن مقتضى الحال أنهم يعتقون عليه؛ لأنهم ملكه.
إلا أنه لما كان في ذلك ضرراً على السيد لم يترتب على المقتضي مقتضاه فاقتضى وقوف الحال إلى أن يتبين هل يعتق أو يرق؟ .
وأما كونه له كسبهم؛ فلأنهم مماليكه.
وأما كون حكمهم حكمه؛ فلأنهم تبع له.
وأما كونهم إذا عتق عتقوا وإذا رق صاروا رقيقاً للسيد؛ فلما ذكر في التبعية.
ولأن ملكه استقر عليهم حينئذٍ وهم ذوو رحمه.
فعتقوا عليه؛ كغيره.
ولأن مقتضى الدليل أنهم يعتقون بمجرد الملك لكن عارضه حق للسيد وقد زال.
فوجب أن يعمل المقتضي عمله.
وأما كون حكم ولده من أمته كذلك؛ فلأنه من ذوي رحمه.
فكان حكمه حكم ما تقدم ذكره.
الجزء: 3 - الصفحة: 496
قال: (وولد المكاتبة الذي ولدته في الكتابة يتبعها.
وإن اشترى المكاتب زوجته انفسخ نكاحها).
أما كون ولد المكاتبة المذكور يتبع المكاتبة؛ فلأن الكتابة سبب للعتق.
فسرى إلى الولد؛ كالاستيلاد.
وفي قول المصنف رحمه الله تعالى: الذي ولدته في الكتابة إشعار بأن الولد قبل الكتابة لا يتبعها وهو صحيح؛ لأنه لو باشرها بالعتق لم يتبعها ولدها.
فلأن لا يتبعها في الكتابة بطريق الأولى.
وأما كون المكاتب إذا اشترى زوجته ينفسخ نكاحها؛ فلأن المكاتب يملك ما يشتريه.
بدليل أنه تثبت له الشفعة على سيده، ولسيده عليه، ويجري الربا بينه وبينه.
قال: (وإن استولد أمته فهل تصير أم ولدٍ له يمتنع عليه بيعها؟ على وجهين).
أما كون من استولد أمته تصير أم ولدٍ له يمتنع عليه بيعها على وجه؛ فلأنه مستولد به.
أشبهت مستولدة الحر.
وأما كونها لا تصير أم ولدٍ له يمتنع عليه بيعها على وجهٍ؛ فلأنها حملت بمملوك في ملكٍ غير تام.
قال المصنف في المغني: والمذهب أنها تصير أم ولدٍ؛ لأن ولدها له حرمة الحرية.
ولهذا لا يجوز بيعه.
الجزء: 3 - الصفحة: 497
فصل [فيما يملك السيد من المكاتب]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يملك السيد شيئاً من كسبه ولا يبيعه درهماً بدرهمين.
وإن جنى عليه فعليه أرش جنايته).
أما كون السيد لا يملك شيئاً من كسب المكاتب؛ فلأن المكاتب يملكه.
والمال الواحد لا يتوارد عليه مالكان في وقتٍ واحد.
وأما كونه لا يبيعه درهماً بدرهمين؛ فلأن المكاتب مع سيده؛ كالأجنبي.
وأما كونه إذا جنى عليه: عليه أرش جنايته؛ فلما ذكر من أنه معه؛ كالأجنبي.
قال: (وإن حبسه مدةً فعليه أرفق الأمرين به من إنظاره مثل تلك المدة، أو أجرة مثله).
أما كون السيد إذا حبس مكاتبه عليه أرفق الأمرين المذكورين؛ فلأن عقد الكتابة ملحوظٌ فيه حظ المكاتب.
وأما كون أحدهما إنظاره مثل تلك المدة؛ فلأن ذلك نظير ما فاته.
وأما كون الآخر أجرة مثله لمدة الحبس؛ فلأنه منعه من التصرف لوفاء ما عليه وفوّت منفعته في تلك المدة.
أشبه ما لو حبس عبداً له صنعة.
قال: (وليس له أن يطأ مكاتبته إلا أن يشترط.
فإن وطئها ولم يشترط، أو وطئ أمتها فلها عليه المهر، ويؤدب، ولا يبلغ به الحد.
وإن شرط وطئها فلا مهر لها عليه).
أما كون السيد ليس له أن يطأ مكاتبته مع عدم الاشتراط؛ فلأن الكتابة عقد أزال ملك استخدامها، ومنع ملك عوض منفعة البضع فيما إذا وطئت بشبهة.
فأزال حل وطئها؛ كالبيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 498
وأما كونه له ذلك مع الاشتراط؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمنون على شروطهم» 47.
ولأنه شرط منفعتها فوجب أن يصح؛ كما لو اشترط استخدامها.
يحقق هذا أن ملكه باق عليها.
وإنما منع من وطئها؛ لحقها.
فإذا اشترطه جاز؛ كالخدمة.
وأما كون السيد عليه المهر إذا وطئ المكاتبة ولم يشترط، أو وطئ أمتها؛ فلأنه عوض شيء مستحق المكاتبة.
فكان لها؛ كبقية منافعها.
ولا فرق بين المطاوعة والإكراه: أما مع الإكراه؛ فظاهر.
وأما مع المطاوعة؛ فلأن الحد سقط عن السيد للملك.
فوجب لها المهر؛ كما لو وطئ امرأة لشبه عقد.
فإنها تستحق المهر مع المطاوعة.
وأما كونه يؤدب؛ فلأن وطئه وطءٌ حرام.
وأما كونه لا يبلغ به الحد؛ فلأن الحد يدرأ بالشبهات، والمكاتب مملوك.
بدليل قوله عليه السلام: «المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم» 48.
وأما كونه لا مهر عليه إذا شرط وطئها؛ فلأنه وطء مأذون فيه؛ لما تقدم من صحة اشتراطه.
قال: (ومتى ولدت منه صارت أم ولده وولده حر.
فإن أدت عتقت.
وإن مات قبل أدائها عتقت وسقط ما بقي من كتابتها.
وما في يدها لها إلا أن يكون بعد عجزها.
وقال أصحابنا: هو لورثة سيدها.
وكذلك الحكم فيما إذا أعتق المكاتب سيده).
أما كون المكاتبة متى ولدت من السيد تصير أم ولده؛ فلأنها علقت بحرٍ في ملكه.
وأما كون ولده حراً؛ فلأنه من مملوكته.
الجزء: 3 - الصفحة: 499
وأما كونها تعتق بأدائها؛ فلأن كتابتها لم تبطل؛ لأن الكتابة عقد لازم من جهة سيدها.
وأما كونها تعتق بموت السيد؛ فلأن ذلك شأن أم الولد.
وأما كون ما بقي من كتابتها تسقط؛ فلأنها عتقت بغير الكتابة.
وأما كون ما بقي في يدها إذا مات السيد ولم تعجز: لها على قول غير الأصحاب؛ فلأن العتق إذا وقع في الكتابة لم يبطل حكمها وكان بمنزلة الإبراء من نجوم الكتابة.
وذكر المصنف في المغني: أن ذلك قول القاضي وابن عقيل.
وأما كونه لورثة سيدها على قولهم؛ فلأنها عتقت بحكم الاستيلاد.
فكان ما في يدها لورثة سيدها؛ كما لو لم تكن مكاتبة.
وأما كونه للورثة إذا عجزت قبل موت سيدها؛ فلأنها عادت إلى ملك السيد بالعجز.
وأما كون الحكم فيما إذا أعتق المكاتب سيده كالحكم فيما تقدم ذكره؛ فلأن عتقه بالمباشرة كعتقها بالاستيلاد.
فوجب استواؤهما في الحكم.
وقال المصنف في المغني: يحتمل أن يفرق بينهما من حيث: إن الإعتاق يكون برضى من المعتق فيكون رضى منه بإعطائها مالها.
والعتق بالاستيلاد يحصل بغير رضى الورثة واختيارهم فلا يستسع المكاتب شيئاً من ماله.
قال: (وإن كاتب اثنان جاريتهما ثم وطئاها فلها المهر على كل واحدٍ منهما.
وإن ولدت من أحدهما صارت أم ولدٍ له، ويغرم لشريكه نصف قيمتها.
وهل يغرم نصف قيمة ولدها؟ على روايتين).
أما كون المكاتبة لها المهر على كل واحدٍ من سيدها إذا وطئاها؛ فلأن الوطء يوجب المهر، وقد وجد ذلك منهما.
وأما كونها تصير أم ولدٍ للذي أولدها منهما؛ فلأنها علقت بحرٍّ في شيء ملك بعضه، وذلك موجب للسراية؛ لأن الاستيلاد أقوى من العتق.
بدليل أنه يصح من المجنون وينفذ من الأب في جارية ابنه، وينفذ من رأس المال في مرض الموت.
وأما كون الذي أولدها يغرم نصف قيمتها لشريكه؛ فلأنه أتلفها عليه بصيرورتها أم ولد.
الجزء: 3 - الصفحة: 500
وأما كونه يغرم نصف قيمة ولدها على روايةٍ؛ فلأنه كان من سبيل هذا النصف: أن يكون مملوكاً لشريكه فقد أتلف رقه على شريكه بفعله.
فكان عليه نصف قيمته.
وأما كونه لا يغرم ذلك على رواية؛ فلأنه انتقل إليه نصيب شريكه من حين العلوق، وفي تلك الحال لم تكن له قيمة.
قال: (وإن أتت بولدٍ فألحق بهما صارت أم ولد لهما يعتق نصفها بموت أحدهما وباقيها بموت الآخر.
وعند القاضي: لا يسري استيلاد أحدهما إلى نصيب شريكه إلا أن يعجز فينظر حينئذٍ فإن كان موسراً قوّم عليه نصيب شريكه، وإلا فلا).
أما كون الموطوءة المذكورة تصير أم ولدٍ لهما إذا أتت بولدٍ فألحق بهما؛ فلأن الولد منسوبٌ إليهما.
وأما كون نصفها يعتق بموت أحدهما؛ فلأنه هو الذي يملكه.
وأما كون استيلاد أحدهما لا يسري إلى نصيب شريكه على قول القاضي إذا لم تعجز؛ فلأن المكاتبة انعقد فيها سبب الحرية، ولمكاتبها عليها الولاء، وفي السراية إبطال لذلك.
وأما كون المكاتبة إذا عجزت ينظر في مكاتبها؛ فلأن له حالة يسري فيها، وحالة لا يسري فيها.
وأما كون نصيب شريكه الموسر يُقَوَّم عليه؛ فلأن استيلاد الموسر موجب للسراية في الرقيق، وقد تحقق الرق هنا.
وأما كون نصيب شريك غير الموسر لا يُقَوَّم عليه؛ فلأن الاستيلاد غير الموسر لا يسري عند القاضي، وهذا قوله فبناه على أصله.
الجزء: 3 - الصفحة: 501
فصل [في بيع المكاتب]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويجوز بيع المكاتب.
ومشتريه يقوم مقام المكاتِب فإن أدى إليه عتق وولاؤه له.
وإن عجز عاد قِناًّ له.
وإن لم يعلم أنه مكاتب فله الرد أو الأرش.
وعنه: لا يجوز بيعه).
أما كون بيع المكاتب يجوز على المذهب؛ فلما روت عائشة أنها قالت: «جاءت بريرة إليّ.
فقالت: يا عائشة! إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني.
قالت عائشة: إن أحبّ أهلك أن أَعُدَّها لهم ويكون ولاؤك لي ففعلت.
فعرضت ذلك عليهم فأبوا.
فذكرت عائشة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: لا يمنعك ذلك منها ابتاعي وأعتقي ... مختصر» 49 متفق عليه.
قال ابن المنذر: بيعت بريرة بعلم النبي صلى الله عليه وسلم وهي مكاتبة ولم ينكر ذلك.
وأما كون مشتريه يقوم مقام المكاتِب؛ فلأنه بدل عنه.
وفيه إشعار بأن الكتابة لا تنفسخ بالبيع؛ كالنكاح والإجارة.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن بيع السيد مكاتبه على أن تبطل كتابته ببيعه إذا كان ماضياً فيها مؤديا ما يجب عليه من نجومه في أوقاتها غير جائز.
وأما كونه إذا أدى إليه يعتق وولاؤه له، وإذا عجز يعود قِناًّ له؛ فلأن حكمه هكذا كان مع البائع وقد ثبت مساواة المشتري له.
وأما كونه له الرد أو الأرش إذا لم يعلم أنه مكاتب؛ فلأن الكتابة نقص؛ لأنه لا يقدر على التصرف فيه وقد انعقد سبب الحرية فيه.
أشبه الأمة المزوجة.
الجزء: 3 - الصفحة: 502
وأما كون بيع المكاتب لا يجوز على رواية؛ فلأنه عقد يمنع استحقاق الكسب.
فمنع البيع؛ كالذي لا نفع فيه.
قال: (وإن اشترى كل واحدٍ من المكاتبين الآخر صح شراء الأول وبطل شراء الثاني.
سواء كانا لواحدٍ أو لاثنين.
وإن جهل الأول منهما فسدَ البيعان).
أما كون شراء الأول يصح؛ فلأن تصرفه نافذ، وبيع السيد مكاتبه جائز.
وأما كون شراء الثاني يبطل؛ فلأن العبد لا يملك سيده؛ لأنه يفضي إلى تناقض الأحكام إذْ كل واحدٍ يقول لصاحبه: أنا مولاك ولي ولاؤك، وإن عجزت صرت لي رقيقاً.
وأما كون ذلك كذلك سواء كانا لواحدٍ أو لاثنين؛ فلأن العلة كون العبد لا يملك سيده، وهي موجودة في الموضعين.
وأما كون البيعين يفسدان إذا جهل الأول؛ فلأنه يجري مجرى نكاح الوليين إذا أشكل الأول منهما.
قال: (وإن أسر العدو المكاتب فاشتراه رجلٌ فأحبَّ سيده أخذه أخذه 50 بما اشتراه له.
وإلا فهو عند مشتريه مبقى على ما بقي من كتابته يعتق بالأداء وولاؤه له).
أما كون السيد إذا أحبّ أخذ مكاتبه يأخذه بما اشتراه الغير من العدو فمبني على ما إذا استولى الكفار على مال المسلم، ثم استولى عليه المسلمون، ثم وجده صاحبه بعد القسمة، وفيه روايتان تقدم ذكرهما في الجهاد 51.
وأما كونه إذا لم يحبّ أخذه فهو عند مشتريه مبقى على ما بقي من كتابته؛ فلأن الكتابة عقدٌ لازمٌ لا يبطل بالبيع؛ فلأن لا يبطل بالأسر بطريق الأولى.
وأما كونه يعتق بالأداء؛ فلأنه مكاتبٌ قد أدى كتابته.
وأما كون ولائه للمشتري؛ فلأنه معتقه.
الجزء: 3 - الصفحة: 503
فصل [إذا جنى المكاتب]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن جنى على سيده أو أجنبي فعليه فداء نفسه مقدماً على الكتابة.
وقال أبو بكر: يتحاصّان).
أما كون المكاتب إذا جنى: عليه فداء نفسه؛ فلأنه هو الجاني، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجني جانٍ إلا على نفسِه» 52.
ولأنه كالحر في باب المعاملات.
فكذلك في الجنايات.
وأما كون ذلك مقدماً على الكتابة على المذهب؛ فلأن أرش الجناية مستقر، والكتابة غير مستقرة.
وأما كون الجناية والكتابة يتحاصان على قول أبي بكر؛ فلأنهما اشتركا في الاستحقاق.
والأول المعمول به في المذهب؛ لما ذكر من الترجيح.
قال: (وإن عتق فعليه فداء نفسه، وإن عجز فلسيده تعجيزه إن كانت الجناية عليه.
وإن كانت على أجنبي ففداه سيده وإلا فسخت الكتابة وبيع في الجناية).
أما كون المكاتب عليه فداء نفسه إذا عتق؛ فلأنها كانت عليه قبل العتق.
فكذلك بعده.
وأما كون السيد له تعجيزه إذا عجز وكانت الجناية على نفسه؛ فلأن الأرش حق له.
فكان له تعجيزه إذا عجز عنه؛ كمال الكتابة.
وأما كونه له فداؤه إذا كانت الجناية على أجنبي؛ فلأنه لو كان عند المالك فداه.
فكذلك هنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 504
وفيه إشعار بأن السيد إذا اختار الفداء لم يكن للأجنبي فسخ الكتابة وبيعه في الجناية.
وهو صحيح؛ لأن الفسخ كان لحق المجني عليه وقد زال ذلك 53 بالفداء.
وأما كون الكتابة تفسخ ويباع الجاني في الجناية إذا لم يفده السيد؛ فلأن حق المجني عليه مقدّم على حق السيد؛ لأن أرش الجناية يتعلق بعين المكاتب.
بخلاف السيد فإن حقه معلّق بالذمة.
ولأنه إذا قدّم حق المجني عليه على السيد في العبد القن.
فلأن يقدّم في المكاتب بطريق الأولى.
ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى فسخ الكتابة؛ لأن حق المجني عليه يندفع ببيعه مكاتباً.
فإن قيل: ربما كان أرش الجناية أكثر من قيمته مكاتباً.
قيل: يجب أن لا يستحق أكثر من ذلك؛ لأنه إنما يستحق قيمة الجاني عليه هنا مكاتب لا قن.
قال: (وإن أعتقه السيد فعليه الفداء.
والواجب في الفداء أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته.
وقيل: يلزمه فداؤه بأرش الجناية كاملة).
أما كون السيد عليه فداء الجاني إذا أعتقه؛ فلأنه فوّت تسليم الرقبة إلى المجني عليه.
فكان عليه فداؤه؛ كما لو قتله.
وأما كون الواجب في الفداء أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته على المذهب؛ فلأن الأقل إن كان القيمة فهو لا يستحق إلا الرقبة والقيمة بدل عنها؛ لأن حقه في المالية لا في العين.
وإن كان الأقل أرش الجناية فهو لا يستحق أكثر منه؛ لأن الإنسان لا يستحق أكثر مما جني عليه.
وأما كونه يلزمه فداؤه بأرش الجناية كاملة على قول؛ فلأنه تعذر تسليمه إلى المجني عليه من جهته.
أشبه ما لو جنى عبده غير الجاني وامتنع من تسليمه.
الجزء: 3 - الصفحة: 505
قال: (وإن لزمته ديون تعلّقت بذمته يُتبع بها بعد العتق).
أما كون ديون المكاتب تتعلق بذمته لا برقبته؛ فلأن حال الاستدانة كان حكمه حكم الأحرار، وديون الأحرار متعلقة بذمتهم لا برقبتهم.
وأما كونه يُتبع بها بعد العتق إذا عجز عنها؛ فلأن ذلك حال يساره.
الجزء: 3 - الصفحة: 506
فصل [الكتابة عقد لازم]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (والكتابة عقدٌ لازمٌ من الطرفين لا يدخلها خيار ولا يملك أحدهما فسخها، ولا يجوز تعليقها على شرطٍ مستقبل.
ولا تنفسخ بموت السيد ولا جنونه ولا الحجر عليه.
ويعتق بالأداء إلى سيده أو مَن يقوم مقامه من الورثة أو غيرهم).
أما كون الكتابة عقداً لازماً من الطرفين؛ فلأنها بيعٌ والبيع من العقود اللازمة.
وأما كون الخيار لا يدخلها؛ فلأن السيد دخل على أن الحظ للمكاتب والخيار إنما يثبت لاستدراك الغبن.
فإذا كان أصلها لمصلحة المكاتب لم يشرع الخيار؛ لمناقضة الأصل.
وأما كون أحدهما لا يملك فسخها؛ فلأن ذلك شأن العقود اللازمة.
وأما كونها لا يجوز تعليقها على شرطٍ مستقبل؛ فلأنها عقد معاوضة.
فلم يجز تعليقه على شرط؛ كالبيع.
وأما كونها لا تنفسخ بموت السيد ولا جنونه ولا الحجر عليه؛ فلأنها عقد لازم.
فلم تنفسخ بشيء من ذلك؛ كالبيع والإجارة.
وأما كون المكاتب يعتق بالأداء إلى سيده أو مَن يقوم مقامه من الورثة أو غيرهم؛ فلأن الكتابة موضوعها العتق بتقدير الأداء.
فإذا وجد وجب أن يترتب عليه ما يقتضيه.
قال: (فإن حلَّ نجم فلم يؤده فللسيد الفسخ.
وعنه: لا يعجز حتى يحلّ نجمان.
وعنه: لا يعجز حتى يقول: قد عجزت).
أما كون السيد له فسخ الكتابة إذا حلّ نجم على المكاتب فلم يؤده على المذهب؛ فلأنه حق له.
فكان له الفسخ بالعجز؛ كما لو أعسر المشتري ببعض ثمن المبيع قبل قبضه.
الجزء: 3 - الصفحة: 507
وأما كونه لا يُعَجّز حتى يحلّ نجمان على روايةٍ؛ فلما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «لا يردّ المكاتب في الرق حتى يتوالى عليه نجمان» 54.
ولأنه عقد اعتبر فيه التنجيم؛ لإرفاق العبد.
فيعتبر فيه ما هو أرفق له.
وأما كونه لا يُعَجّز حتى يقول: قد عجزت؛ فلأن فوات العوض لا يتحقق إلا بذلك.
قال: (وليس للعبد فسخها بحال.
وعنه: له ذلك).
أما كون العبد المكاتب ليس له فسخ الكتابة بحال على المذهب؛ فلأن الكتابة سبب الحرية، وفيها حق لله تعالى، وفي فسخها إبطال لذلك الحق.
وأما كونه له ذلك على روايةٍ؛ فلأن معظم مقصودها له.
فإذا رضي بإسقاط حقه سقط.
قال: (ولو زوّج ابنته من مكاتبه ثم مات انفسخ النكاح.
ويحتمل أن لا ينفسخ حتى يعجز).
أما كون النكاح المذكور ينفسخ على المذهب؛ فلأن زوجته تملكه أو تملك سهماً منه.
فانفسخ نكاحها؛ كما لو اشترته أو اشترت سهماً منه.
ولا بد أن يلحظ في هذه المسألة أشياء:
أحدها: أن الحرية ليست من شروط صحة النكاح.
وثانيها: أن يزوجها بإذنها.
وثالثها: أن تكون وارثه.
فلو كان بينهما اختلافُ دين، أو كانت قاتلة فالنكاح بحاله؛ لأنها ما ملكته ولا شيئاً منه.
وأما كونه يحتمل أن لا ينفسخ حتى يعجز؛ فلأنها لا ترثه.
وإنما يملك نصيبها من الدين الذي في ذمته.
بدليل أن الوارث إذا أبرأ المكاتب عتق وكان الولاء للميت، ولو ملكه كان الولاء له.
الجزء: 3 - الصفحة: 508
والصحيح الأول؛ لأن المكاتب ملك للسيد لا يعتق بموته.
فوجب أن ينتقل إلى ورثته؛ كسائر أملاكه.
ولأنه لا يجوز لها أن تبتدئ نكاحه، ولو لم تملكه جاز لها ذلك.
وإنما كان الولاء للميت؛ لأنه وجد منه سبب العتق فنسب إليه.
قال: (ويجب على سيده أن يؤتيه ربع مال الكتابة: إن شاء وضعه عنه، وإن شاء قبضه ودفعه إليه.
فإن أدى ثلاثة أرباع المال وعجز عن الربع عتق.
ولم تنفسخ الكتابة في قول القاضي وأصحابه.
وظاهر قول الخرقي: أنه لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة).
أما كون سيد المكاتب يجب عليه أن يؤتيه ربع مال الكتابة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: 33].
أمر والأمر للوجوب.
قال علي رضي الله عنه في تفسيرها: «ضعوا عنهم ربع مال الكتابة» 55.
وأما كونه إن شاء وضعه عنه وإن شاء قبضه منه ثم دفعه إليه؛ فلأن الغرض التخفيف عن المكاتب، وذلك حاصل بكل واحدٍ منهما.
وأما كون المكاتب إذا أدى ثلاثة أرباع المال وعجز عن الربع يعتق ولا تنفسخ الكتابة في قول القاضي وأصحابه؛ فلأنه عجز عما يجب دفعه إليه.
فوجب أن يعتق وأن لا تنفسخ الكتابة؛ كما لو لم يبق عليه شيء أصلاً.
ولأنه عجز عن حقٍّ له.
فلم تتوقف حريته على أدائه؛ كأرش جناية سيده عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 509
وأما كونه لا يعتق حتى يؤدي جميع مال الكتابة في ظاهر قول الخرقي؛ فلقوله عليه السلام: «المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم» 56.
الجزء: 3 - الصفحة: 510
فصل [إذا كاتب عبيدا كتابة واحدة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا كاتب عبيداً له كتابةً واحدةً بعوضٍ واحدٍ: صح، ويقسط العوض بينهم على قدر قيمتهم.
ويكون كل واحد منهم مكاتباً بقدر حصته يعتق بأدائها ويعجز بالعجز عنها وحده.
وقال أبو بكر: العوض بينهم على عددهم.
ولا يعتق واحد منهم حتى يؤدي جميع الكتابة.
وإن اختلفوا بعد الأداء في قدر ما أدى كل واحدٍ منهم فالقول قول من يدعي أداء قدر الواجب عليه).
أما كون من كاتب عبيداً له بعوض واحد يصح؛ فلأن الكتابة بيع.
فصح عقدها على جماعة جملة واحدة بعوضٍ واحد؛ كالبيع.
وأما كون العوض يُقَسَّط بينهم على قدر قيمتهم على المذهب؛ فلأن البيع إذا تناول جماعة وجب تقسيط العوض بينهم كذلك.
فكذلك الكتابة.
وأما كون كل واحدٍ منهم يكون مكاتباً بقدر حصته يعتق بأدائها ويعجز بالعجز عنها وحده على ذلك؛ فلأن الحصة بمنزلة القِنّ المنفرد.
وأما كون العوض على عددهم على قول أبي بكر؛ فلأنه أضافه إليهم إضافةً واحدة.
فكان بينهم بالسواء؛ كما لو أقر لهم بشيء.
وأما كونه لا يعتق واحد منهم حتى يؤدي جميع الكتابة؛ فلأن الكتابة مقدر فيها قول السيد: متى أديتم فأنتم أحرار.
ولو صرح بذلك لم يعتق واحد حتى يوجد الأداء من الكل.
قال المصنف في المغني: الأول أصح؛ لما تقدم.
وما ذكر منتقض بتقسيط العوض بالقيمة فيما لو اشترى شقصاً وسيفاً بثمن واحد.
وبهذا فارق الإقرار؛ لأنه ليس عوضاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 511
وأما كون القول قول من يدعي أداء قدر الواجب عليه إذا اختلفوا بعد الأداء في قدر ما أدى كل واحدٍ منهم؛ فلأن الظاهر من حاله أداء ما وجب عليه.
فوجب قبول قوله فيه؛ لاعتضاده بالظاهر.
قال: (ويجوز أن يكاتب بعض عبده.
فإذا أدّى عتق كله).
أما كون السيد يجوز أن يكاتب بعض عبده؛ فلأنه يجوز له أن يبيع بعضه.
فكذلك كتابته.
وأما كون من كوتب بعضه فيما ذكر إذا أدى يعتق كله؛ فلأنه عتق بعضه بالكتابة.
فوجب أن يعتق كله؛ كما لو بوشر بعضه بالعتق.
قال: (ويجوز كتابة حصته من العبد المشترك بغير إذن شريكه.
فإن أدى ما كوتب عليه ومثله لسيده الآخر عتق كله إن كان الذي كاتبه موسراً وعليه قيمة حصة شريكه.
وإن أعتق الشريك قبل أدائه عتق عليه كله إن كان موسراً وعليه قيمة نصيب المكاتب.
وقال القاضي: لا يسري إلى النصف المكاتب إلا أن يعجز فيقوم عليه حينئذ).
أما كون كتابة الإنسان حصته من عبده المشترك بغير إذن شريكه يجوز؛ فلأن الكتابة عقد معاوضة.
فجازت بغير إذن الشريك؛ كالبيع.
وأما كون المكاتب المذكور إذا 57 أدى ما كوتب عليه ومثله لمالك بعضه الآخر يعتق كله إن كان الذي كاتبه موسراً؛ فلأن بعضه يعتق بأداء الكتابة.
فيسري إلى نصيب الشريك؛ كما لو باشر نصيبه بالعتق.
وأما كون المكاتب عليه قيمة حصة شريكه؛ فلأنه فوّت الحصة على مالكها لإتلافها بالعتق.
أشبه ما لو قتله.
وأما كون الشريك إذا أعتق نصيبه قبل أداء المكاتب يعتق عليه كله على المذهب إن كان موسراً؛ فلأن نصيبه عتق بالمباشرة.
فسرى إلى نصيب شريكه؛ لكون المكاتب عبداً ما بقي عليه درهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 512
ولأن الشريك لو أعتق شقصاً من عبد غيره 58 لعتق عليه.
فكذلك المكاتب.
واشترط المصنف رحمه الله تعالى في عتق كله: كون المعتق موسراً؛ لأن عتق المعسر لا يسري؛ لما فيه من الضرر اللاحق لشريكه من فوات ملكه، وعدم عوضه.
وأما كونه عليه قيمة نصيب المكاتب إذا سرى العتق إليه؛ فلأنه فوّت عليه ملكه بالعتق.
فوجب عليه ضمانه؛ كما لو قتله.
وفي كلام المصنف إشعارٌ بأنه يجب عليه قيمة حصة شريكه مكاتباً وهو صحيح؛ لأنه إنما تجب عليه قيمة ما أتلف، وإنما أتلف مكاتباً.
وأما كون العتق المذكور لا يسري إلى النصف المكاتب على قول القاضي إذا لم يعجز المكاتب؛ فلأن سراية العتق يفضي إلى إبطال الولاء، ونقله عن سيده الذي كاتبه بعد انعقاد سببه في حقه.
وأما كونه يقوم على المعتق إذا عجز؛ فلأنه عاد قناً فلا يفضي إلى المحذور المذكور.
قال: (وإن كاتبا عبدهما جاز.
سواء كان على التساوي أو التفاضل.
ولا يجوز أن يؤديَ إليهما إلا على التساوي).
أما كون السيدين إذا كاتبا عبدهما يجوز.
تساوى العوض أو تفاضل؛ فلأن الكتابة عقد معاوضة.
فجاز من الشريكين متساوياً ومتفاضلاً؛ كالبيع.
وأما كون المكاتب لا يجوز أن يؤدي إليهما إلا على التساوي؛ فلأنهما سواء في الملك.
فيجب استواؤهما في الأداء.
ولأنه ربما عجز فيصير رقيقاً، ويتساويان في كسبه.
فيرجع أحدهما على صاحبه بما في يده من الفضل بعد انتفاعه به مدة.
الجزء: 3 - الصفحة: 513
قال: (فإذا كمل أداؤه إلى أحدهما قبل الآخر عتق كله عليه.
وإن أدى إلى أحدهما دون صاحبه لم يعتق.
إلا أن يكون بإذن الآخر فيعتق.
ويحتمل أن لا يعتق).
أما كون من كمل الأداء إليه قبل الآخر يعتق كله عليه؛ فلأن نصيبه يعتق بالأداء.
فيسري إلى نصيب شريكه.
وأما كون من أدّى إلى أحدهما دون صاحبه بغير إذنه لا يعتق؛ فلأن العتق لا يحصل بأداء مال الغير.
وأما كون من أدّى بإذن الآخر يعتق على المذهب؛ فلأن المكاتب محجور عليه لحق سيده.
فإذا أذن له صح الأداء، وإذا صح الأداء وقع العتق؛ لحصول الأداء الصحيح.
وأما كونه يحتمل أن لا يعتق؛ فلأن حق السيد في ذمة المكاتب، وما في يد المكاتب ملك له.
فإذا أذن السيد فيه لا ينفذ؛ كما لو لم يأذن.
والأول أولى؛ لأن ما ذكر ثانياً يبطل بما إذا أذن له في التبرع.
الجزء: 3 - الصفحة: 514
فصل [إذا اختلفا في الكتابة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن اختلفا في الكتابة فالقول قول من ينكرها.
وإن اختلفا في قدر عوضها فالقول قول السيد في أحد الروايتين.
وإن اختلفا في وفاء مالها فالقول قول السيد.
فإن أقام العبد شاهداً وحلف معه، أو شاهداً وامرأتين: ثبت الأداء وعتق).
أما كون القول قول من ينكر الكتابة إذا اختلفا فيها؛ فلأن القول قول المنكر في البيع والإجارة وسائر العقود.
فكذلك هاهنا.
وأما كون القول قول السيد إذا اختلفا في قدر عوضها في رواية؛ فلأنه اختلاف في الكتابة.
فكان القول قول السيد؛ كما لو اختلفا في أصل الكتابة.
وأما كون السيد والمكاتب يتحالفان ويترادّان عقد الكتابة في رواية؛ فلأنهما اختلفا في عوض المبيع.
وذكر المصنف رحمه الله تعالى في المغني رواية ثالثة: أن القول قول المكاتب؛ لأنه منكرٌ للزيادة، والقول قول المنكر.
ولأنه مدعى عليه فيدخل في عموم قوله عليه السلام: «البينةُ على المُدّعِي، واليمينُ على المدّعَى عليه» 59.
والأول المذهب.
قاله القاضي.
والفرق بين الكتابة وبين البيع: أن الأصل عدم ملك كل واحدٍ من المتعاقدين للعوض الذي بذله صاحبه.
وفي الكتابة الأصل: أن السيد مالك لعبده وكسبه، والعوض من كسبه.
فإذا كان الأصل أنه ملكه كان القول قوله فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 515
ولأن الحاصل بأيمانهما في الكتابة كالحاصل بيمين السيد بمفردها 60؛ لأنهما إذا تحالفا فسخا الكتابة وعاد العبد رقيقاً للسيد وأخذ كسبه.
وإذا حلف السيد وحده وقلنا أن قوله مقدم فغاية ما فيه أن يعجز العبد نفسه ويفسخ السيد، وإنكار المكاتب الزائد معارض بإنكار السيد المعاوضة إلا بذلك.
وأما كون القول قول السيد إذا اختلفا في وفاء مال الكتابة؛ فلأنه منكر للوفاء، والقول قول المنكر.
وأما كون الأداء يثبت إذا أقام العبد شاهداً وحلف معه، أو شاهداً وامرأتين؛ فلأن ذلك من قبيل الأموال، والشاهد واليمين والرجل والمرأتان مقبول في ذلك.
وأما كون العبد يعتق؛ فلأن الأداء إذا ثبت عتق المكاتب لتلازمهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 516
فصل [في الكتابة الفاسدة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (والكتابة الفاسدة مثل أن يكاتبه على خمرٍ، أو خنزيرٍ يغلب فيها حكم الصفة في أنه إذا أدى عتق فلا يعتق بالإبراء).
أما كون الكتابة بما ذكر فاسدة؛ فلأنها عقد معاوضة.
ففسدت بما ذكر؛ كالبيع.
وأما كون الكتابة الفاسدة يغلب فيها حكم الصفة؛ فلأن الكتابة تتضمن أمرين:
أحدهما: المعاوضة.
والثاني: الصفة.
وهي أن تقول: إذا أديت فأنت حر.
فإذا لم تصح المعاوضة بقيت الصفة.
فيجب أن يعتق إذا أدى فيها؛ لوجود الصفة.
وقال المصنف في المغني: قال أحمد: إذا كاتب كتابة فاسدة.
فأدى: عتق ما لم تكن الكتابة محرمة.
وظاهره 61 أنه لا يعتق بالأداء فيها.
وجُمع بينهما: بأن العتق محمول على كتابة فيها صفة، والقول بعدم العتق محمول على كتابة ليس فيها صفة.
وأما كونه لا يعتق فيها بالإبراء؛ فلأن المال غير ثابت في العقد.
بخلاف الكتابة الصحيحة.
قال: (وتنفسخ بموت السيد وجنونه والحجر للسفه.
ولكل واحدٍ منهما فسخها).
أما كون الكتابة المذكورة تنفسخ بما ذكر على المذهب؛ فلأن الكتابة الفاسدة عقدٌ جائز من الطرفين لا تؤول إلى اللزوم.
فانفسخت بما ذكر؛ كالوكالة.
الجزء: 3 - الصفحة: 517
فعلى هذا إذا مات وأدّى إلى الورثة لم يعتق؛ لأن المعاوضة انفسخت، والصفة بطلت بالموت.
وأما كون كل واحدٍ منهما له فسخها؛ فلأنها ليست بعقد صحيح حتى تكون كإرثه.
فإن قيل: أن يملك السيد فسخها إذا كان فيها صفة؛ كقوله: إن أديت كذا فأنت حر.
قيل: لأن المقصود المعاوضة، والصفة مبنية عليها.
بخلاف الصفة المجردة.
قال: (ويملك السيد أخذَ ما في يده.
وإن فضل عن الأداء فضلٌ [فهو لسيده).
أما كون السيد يأخذ ما في يده؛ فلأن كسب العبد لسيده بحكم الأصل، والعقد هاهنا فاسد.
وأما كون ما فضل] 62 عن الأداء لسيده؛ فلأنه عتق بالصفة لا بالمعاوضة، وما فضل في يده بعد الأداء يكون للسيد؛ لبقائه على ملكه.
وقال المصنف في المغني: ما فضل في يده له؛ لأنه عقد كتابة يحصل فيه المعقود عليه وهو العتق.
فكان الفضل له؛ كالصحيح.
قال: (وهل يتبع المكاتبة ولدها فيها؟ على وجهين).
أما كون ولد المكاتبة يتبعها في الكتابة الفاسدة على وجه؛ فبالقياس على الصحيحة.
ولأن المعلق عتقها على صفة يتبعها ولدها.
فكذلك هاهنا.
وأما كونه لا يتبعها على وجه؛ فلأن تبع الولد في الصحيحة إنما كان بحكم العقد.
وهذا المعنى مفقود هاهنا، وولد المعلق عتقها بصفة فيه منع؛ لأنه لا يتبعها على وجه.
الجزء: 3 - الصفحة: 518
قال: (وقال أبو بكر: لا تنفسخ بالموت ولا الجنون ولا الحجر.
ويعتق بالأداء إلى الوارث).
أما كون الكتابة المذكورة لا تنفسخ بما ذكر على قول أبي بكر؛ فلأن الفاسدة كالصحيحة في وقوع العتق وفي تبعية الولد وذوي الرحم.
فكذلك في الفسخ.
ولأن للشرع تشوف إلى العتق.
وما ذكر وسيلة إلى العتق.
فوجب الحكم به؛ تحصيلاً للمطلوب الشرعي.
وأما كون المكاتب فيها يعتق بالأداء إلى الوارث على قوله؛ فلما تقدم من تشوف الشرع إلى العتق.
ولأن الفاسدة كالصحيحة فيما تقدم.
فكذا في العتق.
الجزء: 3 - الصفحة: 519
باب أحكام أمهات الأولاد
أمهات الأولاد: جمع أم ولد.
وهي الأَمَة التي ولدت من سيدها في ملكه.
والأصل في إباحة وطئهن قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون? إلا على أزواجهم أو ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون: 5 - 6].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أم ولدٍ وهي مارية القبطية أمّ إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان علي بن الحسين والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسالم بن عبدالله بن عمر أمهاتهم أمهات أولاد.
ويروى أن الناس رغبوا في اتخاذ أمهات الأولاد حين رَأَوا هؤلاء الأئمة من أمهات الأولاد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا علقت الأمة من سيدها فوضعت منه ما يتبين فيه خلق الإنسان صارت له بذلك أم ولد.
فإذا مات عتقت وإن لم يملك غيرها.
وإن وضعت جسماً لا تخطيط فيه فعلى روايتين).
أما كون الأمة تصير أم ولدٍ لسيدها إذا علقت منه فوضعت ما يتبين فيه خلق الإنسان؛ فلأنه إذا تبين فيه ذلك علم أنه ولد.
فيلزم صيرورتها أم ولد.
وأما كونها تعتق بموته؛ فلأن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ولدت منه أمته: فهي معتَقةٌ عن دبرٍ منه» 63.
وعنه قال: «ذُكرتْ أمُّ إبراهيمَ عندَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: أعتَقَهَا وَلَدُهَا» 64. أخرجهما ابن ماجة.
الجزء: 3 - الصفحة: 520
وأما كونها تعتق وإن لم يملك غيرها؛ فلأنها تعتق من رأس المال؛ لأن ذلك إتلاف حصل بسبب حاجة أصلية.
فكان من رأس المال.
أشبه ما لو أتلفه في أكل ونحوه.
وأما كونها تصير أم ولدٍ إذا وضعت جسماً لا تخطيط فيه على رواية؛ فلأنها ولدت مبتدأ آدمي.
أشبه ما لو تخطط.
وأما كونها لا تصير أم ولدٍ على روايةٍ فإن ذلك لا يسمى ولداً، وعتقها منه على صيرورتها أم ولد.
ويشترط في الخلاف المذكور: أن يشهد ثقات من القوابل أنه مبتدأ خلق آدمي؛ لأنها إذا وضعت نطفة أو علقة لم تصر أم ولدٍ وفاقاً.
قال: (وإن أصابها في ملك غيره بنكاحٍ أو غيره ثم ملكها حاملاً عتق الجنين ولم تصر أم ولد.
وعنه: تصير).
أما كون الجنين المذكور يعتق؛ فلأنه ابنه وقد دخل في ملكه.
وأما كون أمه لا تصير أم ولد على المذهب؛ فلأنها لم تعلق في ملكه.
أشبه ما لو اشتراها بعد الوضع.
وأما كونها تصير على رواية؛ فلأن لحرية البعض أثر في تحرير الجميع.
بدليل ما لو أعتق بعضها.
والحمل له حكم البعضية.
بدليل ما لو أعتقها.
فإن الحمل يدخل فيه.
قال: (وأحكام أم الولد أحكام الأمة: في الإجارة، والاستخدام، والوطء، وسائر أمورها.
لا فيما ينقل الملك في رقبتها؛ كالبيع والهبة والوقف، أو ما يراد له؛ كالرهن.
وعنه: ما يدل على جواز بيعها مع الكراهة، ولا عمل عليه).
أما كون أحكام أم الولد أحكام الأمة في غير ما ينقل الملك في رقبتها وما يراد له؛ فلأنها مملوكة.
أشبهت الأمة.
فعلى هذا يجوز إجارتها؛ كالأمة، أو يقال: مملوكة ينتفع بها.
فجازت إجارتها؛ كالمدبرة، أو يقال: عتقها معلق بالموت.
أشبهت المدبرة.
ويجوز استخدامها؛ كالأب.
ولأنها إذا جاز إجارتها فلأن يجوز استخدامها بطريق الأولى.
الجزء: 3 - الصفحة: 521
ويجوز وطؤها؛ كالأمة.
ولأن الوطء نوع نفع.
أشبه الاستخدام.
ولأنها داخلة في قوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: 6].
ويجوز ما عدا ذلك مما لا ينقل الملك ولا يراد له؛ لأن ذلك لا ينافي انعقاد سبب الحرية فيها.
وأما كون أحكامها فيما ينقل الملك؛ كالبيع والهبة والوقف، وما يراد له؛ كالرهن يخالف أحكام الأمة؛ فلأن ذلك ينافي انعقاد سبب الحرية ويبطله.
فعلى هذا لا يجوز بيعها؛ لما روي «أن رجلاً باع أم ولده.
فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فقال: أبعْدَما اختلط دماؤكم ودماؤهن ولحومكم ولحومهن: بعتموهن.
ارددها ارددها» 65.
وعن عبيدة قال: «خطب عليّ الناس.
فقال: شاورني عمر في أمهات الأولاد أن أعتقهن فقضى بها عمر حياته وعثمان حياته فلما ولّيت رأيت أن أرقهن.
فقال عبيدة: رأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلينا من رأي علي وحده» 66.
وعن الإمام أحمد: أنه يجوز مع الكراهة: أما الجواز؛ فلقول علي وفعله.
وعن جابر: «بِعْنَا أمهاتِ الأولادِ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ.
فلما كان عمرُ نَهانَا فانتهَيْنَا» 67. رواه أبو داود.
وأما الكراهة؛ فللاختلاف في ذلك.
والأولى الصحيحة؛ لما ذكر، ولما تقدم من قوله عليه السلام: «أيما أمةٍ ولدت من سيدها فهي حرةٌ عن دبر» 68، وقول ابن عباس: «ذُكرت أم إبراهيمَ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أَعتقَها ولَدُها» 69.
الجزء: 3 - الصفحة: 522
فلا يجوز هبتها ولا وقفها؛ لأنهما يزيلان الملك.
أشبه بالبيع.
ولا يجوز الرهن؛ لأن المقصود به البيع عند تعذر الاستيفاء.
فلم يجز؛ لمناقضته الأصل.
قال: (ثم إن ولدت من غير سيدها فلولدها حكمها من العتق بموت سيدها سواء عتقت أو ماتت قبله).
أما كون حكم ولد أم الولد من غير سيدها حكمها في العتق؛ فلأن الولد تبع لأمه في الرق والحرية.
فليتبعها في سبب الحرية.
وأما كون حكم الولد كذلك سواء عتقت الأم أو ماتت قبل موت السيد؛ فلأن سبب الحرية قد انعقد وهو شبيه بنفس العتق.
فكما لا يرتفع العتق بعد وقوعه فكذلك لا يرتفع السبب بعد وقوعه.
فإن قيل: ولد المكاتبة يتبعها في الكتابة فإذا بطلت الكتابة في الأم بطلت في الولد.
قيل 70: لأن سبب العتق فيهما: إما الأداء في العقد، أو وجود الصفة.
وببطلان الكتابة تعذر كل واحدٍ منهما.
بخلاف أم الولد فإن السبب موت السيد، ولا يتعذر ذلك بموت الأم.
قال: (وإن مات سيدها وهي حامل منه فهل تستحق النفقة لمدة حملها؟ على روايتين).
أما كون من ذكرت تستحق النفقة على روايةٍ؛ فلأنه لو أعتقها وهي حاملٌ استحقت النفقة.
فكذا إذا عتقت بموته.
وأما كونها لا تستحقها على رواية؛ فلأن زوجته لو مات عنها حاملاً لم يكن لها عليه نفقة.
فكذلك أم الولد.
قال: (وإذا جنت أم الولد فداها سيدها بقيمتها أو دونها.
وعنه: عليه فداؤها بأرش الجناية كله.
وإن عادت فجنت فداها أيضاً.
وعنه: يتعلق ذلك بذمتها).
أما كون السيد يفدي أم الولد إذا جنت؛ فلأنها امتنع بيعها بسببه فيلزمه فداؤها؛ كما لو منع بيع الجانية غير أم الولد.
الجزء: 3 - الصفحة: 523
وأما كونه يفديها بقيمتها إذا ساوت أرش الجناية أو نقصت عنه أو دونها إن لم يكن كذلك على المذهب؛ فلما تقدم ذكره في سيد الجاني.
وأما كونه عليه فداؤها بأرش الجناية كله على رواية؛ فلما تقدم فيه أيضاً.
قال المصنف رحمه الله في المغني: لا يفدى بأرش الجناية بالغاً ما بلغ؛ لأنه لا يملك 71 تسليمها للبيع.
بخلاف القن.
وأما كونه يفديها أيضاً إذا عادت فجنت على المذهب؛ فلأنها جناية.
أشبهت الأول.
وأما كون ذلك يتعلق بذمتها على روايةٍ؛ فلأن تكرر الفداء على السيد مع منعه من بيعها يضرّ به.
فوجب تعليقه بذمتها.
قال: (وإن قتلت سيدها عمداً فعليها القصاص.
وإن عفوا على مال، أو كانت الجناية خطأ: فعليها قيمة نفسها، وتَعتق في الموضعين).
أما كون أم الولد إذا قتلت سيدها عمداً عليها القصاص؛ فلأنها دونه أو مثله، وفي القصاص مصلحة للزجر عن تعاطي قبيح القتل.
وأما كونها عليها قيمة نفسها إذا عفا مستحق القصاص على مال، أو كانت الجناية خطأ؛ فلأن اعتبار الجناية في حق الجاني بحال الحياة.
بدليل ما لو جنى عبد فأعتقه سيده.
وهي في حال الجناية أمة فإنها إنما عتقت بالموت الحاصل بالجناية فيكون عليها فداء نفسها بقيمتها كما يُفدى العبد الجاني بقيمته.
وقال المصنف في المغني: ويجب أن يقال: إذا كانت الدية أقل من القيمة أن تجب الدية؛ لأنه لا يلزم الجاني أكثر من أرش جنايته.
الجزء: 3 - الصفحة: 524
وأما كونها تعتق في الموضعين -أي: في الجناية العمد والخطأ-؛ فلأنها لا ينتقل الملك فيها، وقد زال ملك سيدها عنها بموته.
قال: (ولا حد على قاذفها.
وعنه: عليه الحد).
أما كون أم الولد لا حد على قاذفها على روايةٍ؛ فلأنها أمة حكمها حكم الإماء في أكثر الأحكام.
فوجب أن يلحق القذف بها القذف بالأمة بل أولى؛ لأن الحد على روايةٍ يحتاط لإسقاطه، ويدرأ بالشبهات.
وأما كونه عليه الحد؛ فلأنه يروى عن عمر.
ولأن لها معنى مَنَع بيعها وإرثها.
أشبهت الحرة.
قال المصنف في المغني: والأول أصح.
الجزء: 3 - الصفحة: 525
فصل [إذا أسلمت أم ولد الكافر]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (إذا أسلمت أم ولد الكافر أو مدبرته منع من غشيانها، وحيل بينه وبينها، وأجبر على نفقتها إن لم يكن لها كسب.
فإن أسلم حلت له، وإن مات قبل ذلك عتقت.
وعنه: أنها تستسعي في حياته وتعتق).
أما كون الكافر يمنع من غشيان أم ولده ومدبرته إذا أسلمت.
والمراد بها: وطئها؛ فلأن وطء المشرك للمسلمة لا يجوز.
وأما كونه يحال بينه وبينها؛ فلئلا يتلذذ بها ويخلو؛ لأن ذلك مفضٍ إلى الوطء المحرم.
وأما كونه مجبر على نفقتها؛ فلأنه مالك لها.
وفيه إشعار بجواز إبقاء ملكه عليها وهو صحيح على المذهب؛ لأنه لم يوجد سببٌ يوجب زوال ذلك فوجب إبقاؤها على ما كانت عليه.
وعن الإمام أحمد: أنها تستسعي في حياته؛ لأنه لا سبيل إلى بيعها، ولا إلى إقرار الملك عليها؛ لما فيه من إثبات ملك الكافر على المسلمة، ولا إلى عتقها مكاناً؛ لما فيه من الضرر فوجب الاستسعاء؛ لأن فيه جمعاً بين الحقين.
فعلى هذا إذا أدّت عتقت.
والأول أصح؛ لما ذكرت؛ لأن في الاستسعاء إلزاماً لها الكسب بغير رضاها، وإلزاماً له في خروجها عن ملكه.
واشترط المصنف رحمه الله تعالى في وجوب النفقة: أن لا يكون لها كسب؛ لأنها إذا كان لها كسب وجبت فيه.
فلا حاجة إلى إيجابها عليه.
فإن قيل: الكلام في أم الولد والمدبرة، وأم الولد لا يجوز بيعها بخلاف المدبرة.
قيل: في بيع المدبرة خلاف.
فإن قيل بجوازه كان حكمها حكم القن، وإن قيل بعدم جوازه ساوت أم الولد.
وعليه يحمل كلام المصنف رحمه الله تعالى.
الجزء: 3 - الصفحة: 526
وأما كونها تحل له إذا أسلم؛ فلأن المانع كفره وقد زال.
فوجب حل الوطء؛ لدخولها في قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: 6] السالم عن معارضة الكفر.
وأما كونها تعتق بموته؛ فلأنها أم ولده واستيلاده لها صحيح؛ كما لو أعتقها.
فوجب عتقها؛ كالمسلم.
قال: (وإذا وطئ أحد الشريكين الجارية فأولدها صارت أم ولدٍ له، وولده حر، وعليه قيمة نصيب شريكه.
وإن كان معسراً كان في ذمته).
أما كون الجارية المشتركة تصير أم ولدٍ بوطء أحد الشريكين؛ فلأنه وطء في ملك له.
أشبه ما لو كانت كلها له.
ولأن العتق يخرج ملك الغير فلأن يخرج بالاستيلاد بطريق الأولى.
وأما كون ولده حراً؛ فلأنه وطء في محل له فيه ملك.
أشبه ما لو وطئ زوجته في الحيض أو الإحرام.
وأما كون الواطئ عليه قيمة نصيب شريكه؛ فلأنه أتلفه عليه.
فإن كان موسراً وجب دفعه إلى شريكه، وإن كان معسراً بقي في ذمته؛ لأن الله تعالى أوجب إنظاره بقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرة﴾ [البقرة: 280].
قال: (وإن وطئها بعد 72 ذلك فأولدها فعليه مهرها.
وإن كان عالماً فولده رقيق).
أما كون الشريك الثاني عليه مهرها إذا وطئها بعد ما تقدم؛ فلأنه وطئ أمة غيره؛ لأن نصيبه انتقل إلى الواطئ الأول بالاستيلاد.
وأما كون ولده رقيقاً إذا كان عالماً؛ فلأن الوطء حرام، والولد تبع لأمه، وهي رقيقة.
فوجب كونه رقيقاً.
قال: (وإن جَهل إيلاد شريكه أو أنها صارت أم ولدٍ له فولده حر، وعليه فداؤه يوم الولادة.
ذكره الخرقي.
وعند القاضي وأبي الخطاب: إن كان الأول معسراً لم يسر استيلاده.
وتصير أم ولدٍ لهما يعتق نصفها بموت أحدهما.
وإن
الجزء: 3 - الصفحة: 527
أعتق أحدهما نصيبه بعد ذلك وهو موسرٌ فهل يقوم عليه نصيب شريكه؟ على وجهين).
أما كون ولد من جَهل إيلاد شريكه حراً؛ فلأنه وطء شبهة.
وأما كونه عليه فداؤه؛ فلأنه فوّت رقه على مالك الأمة.
وأما كون الفداء يوم الولادة؛ فلأن قبل ذلك لا يمكن تقويمه.
وأما كون الأول لا يسري استيلاده فعلى قولهما يصير أم ولدٍ لهما؛ لأن كل واحدٍ قد أحبلها ويعتق نصفها بموت أحدهما؛ لأن ذلك نصيبه.
وقد ثبت له حكم الاستيلاد، ويتكمل عتقها بموت الآخر كذلك.
ولم يذكره المصنف رحمه الله تعالى؛ لظهوره.
وأما كون من أعتق نصيبه بعد ذلك وهو موسر يُقَوّم عليه نصيب شريكه على وجه.
فكما لو أعتق أحد الشريكين نصيبه من الأمة القن.
وأما كونه لا يقوم عليه على وجهٍ؛ فلأن التقويم في معنى البيع، وبيع النصيب المذكور لا يجوز.
فكذلك تقويمه.
والأول أصح؛ لأن حكم الاستيلاد أقوى من العتق.
بدليل أنه يصح من المجنون بخلاف العتق.
والله تعالى أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 528