كتاب الصيام
الصيام في اللغة: الإمساك.
قال الله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾ [مريم: 26] أي صمتاً؛ لأنه إمساك عن الكلام.
قال الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العَجاج وأخرى تعلك اللجمان
وفي الشرع: إمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص.
وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله: (يجب صوم شهر رمضان يرؤية الهلال.
فإن لم يُر مع الصحو أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صاموا.
وإن حال دون منظره غيم أو قتر ليلة الثلاثين وجب صيامه بنية رمضان في ظاهر المذهب.
وعنه لا يجب.
وعنه الناس تبع للإمام فإن صام صاموا).
أما كون شهر رمضان يجب فالأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم -إلى قوله تعالى-: فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: 183 - 185].
وأما السنة فما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» 1 متفق عليه.
وروي «أن أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا فرض الله عليّ من الصيام؟ فقال: شهر رمضان ... مختصر» 2 رواه البخاري.
الجزء: 2 - الصفحة: 5
وأما كون الإجماع فأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان.
وأما كونه يجب برؤية الهلال فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: 185].
ولقوله عليه السلام: «صوموا لرؤيته ... مختصر» 3 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وأما كون الناس يُكْمِلون عدة شعبان إذا لم يُر الهلال مع الفجر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصيام عند رؤيته» ولم يوجد.
ولأن الأصل بقاء شعبان ولم يوجد ما يعارض فيه ولا ما يحتمل معه خروجه فوجب تكميله كسائر الأشهر.
وقول المصنف رحمه الله: فإن لم ير مع الصحو يحترز به عما إذا لم ير مع الغيم فإنه لا يجب إكمال شعبان لما يذكر بعد إن شاء الله تعالى.
وقوله: ثلاثين يوماً بيان للعدة التي تكمل.
وأما كونهم يصومون إذا كملوا عدة شعبان فلأن عدة شعبان إذا تكملت تحقق دخول شهر رمضان.
وأما كونهم إذا حال دون منظر الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان يجب عليهم صيامه في ظاهر المذهب؛ فلما يأتي.
وأما كونهم لا يجب عليهم صيامه في روايةٍ؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته.
فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً» 4 رواه البخاري.
الجزء: 2 - الصفحة: 6
و «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك» 5، وهذا يوم شك.
ولأن الأصل بقاء شعبان.
وأما كون الناس تبعاً للإمام إن صام صاموا وإن أفطر أفطروا في روايةٍ فلقوله عليه السلام: «الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون» 6. قال الترمذي: هو حديث حسن غريب.
والأول هو الصحيح في المذهب.
واختاره أكثر شيوخنا لما روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الشهر تسعة وعشرون يوماً فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه.
فإن غم عليكم فاقدروا له» 7 متفق عليه.
قال نافع: «كان عبدالله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً يبعث من ينظر له الهلال فإن رؤي فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب أو قتر أصبح مفطراً.
وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائماً» 8 رواه أبو داود.
ومعنى: اقدروا له ضيقوا له العدد.
ومنه قوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: 7] أي ضيق عليه، ﴿وقَدِّرْ في السَّرْد﴾ [سبأ: 11] أي ضيق.
والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً وقد فسره ابن عمر بفعله وهو أعلم بمعاني كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب الرجوع إليه كما رُجع إليه في تفسير خيار المتبايعين.
الجزء: 2 - الصفحة: 7
وعن عائشة وأبي هريرة: «لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان» 9.
وحديث أبي هريرة الأول رواه عنه سعيد بن المسيب: «فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين» 10 وروايته أولى بالتقديم جمعاً بينه وبين حديث ابن عمر، وليس هذا بيوم شك وفاقاً لأن الشك ما استوى طرفاه وليس هذا اليوم كذلك لأنه عندنا راجح الرمضانية وعند الغير راجح الشعبانية.
فعلى هذا يجب عليهم صيامه بنيةٍ من رمضان لأنه منه لما تقدم.
أشبه ما لو ثبت بالرؤية.
قال: (وإذا رؤي الهلال نهاراً قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة).
أما كون الهلال المرئي نهاراً لليلة المقبلة فلما روى أبو وائل شقيق بن سلمة قال: «جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين: إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا، حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس عشية» 11. رواه الدارقطني.
وأما كون الرؤية المذكورة قبل الزوال وبعده لليلة المقبلة فلشمول قول عمر ذلك.
وفي تصريح المصنف رحمه الله: بقبل الزوال وبعده إشارة إلى الرد على القاضي فإنه يقول: إن كان قبل الزوال في أول الشهر فهو لليلة الماضية لقربة منها ووجود الاحتياط للصوم وإن كان في آخره ففيه روايتان:
إحداهما: هو للماضية نظراً إلى القرب.
والثانية: هو للمستقبلة نظراً إلى الاحتياط في الصوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 8
قال: (وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم ويقبل في هلال رمضان قول عدل واحد ولا يقبل في سائر الشهور إلا عدلان).
أما كون الناس كلهم يلزمهم صوم رمضان برؤية أهل بلد من البلاد فلأنه بذلك ثبت كونه من رمضان فيجب صومه لما تقدم من النصوص الدالة على وجوب ذلك.
ولأن الشهر في الحقيقة ما بين الهلالين وهذا اليوم بين الهلالين.
ولأنه من الشهر في سائر الأحكام من حلول الديون ووجوب النذور ووقوع الطلاق والعتق وغير ذلك من الأحكام وكذلك في الصوم.
وأما كون قول العدل الواحد في هلال شهر رمضان يقبل فلما روى ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام» 12 رواه بمعناه أبو داود.
وروى ابن عباس «أن أعرابياً من الحرة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني رأيت الهلال.
قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: نعم.
قال: يا بلال! أذن في الناس فليصوموا غداً» 13 رواه بمعناه أبو داود والنسائي.
ولأنه خبر فيما طريقه المشاهدة يدخل به في الفريضة فقبل من واحد كوقت الصلاة.
وأما كونه لا يقبل في سائر الشهور إلا عدلان فلأن ابن عمر وابن عباس قالا: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين» 14.
ولأن ذلك ليس بمال ولا يقصد به المال ولا احتياط فيه فلم يقبل فيه إلا شهادة رجلين كالحدود والقصاص، وكان القياس يقتضي أنه لا يقبل في رمضان إلا ذلك لكن ترك للاحتياط كالغيم.
الجزء: 2 - الصفحة: 9
قال: (وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً فلم يروا الهلال أفطروا، وإن صاموا بشهادة واحد فعلى وجهين.
وإن صاموا لأجل الغيم لم يفطروا).
أما كون الناس إذا صاموا ثلاثين يوماً بشهادة عدلين ولم يروا الهلال يفطرون فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإن شهد شاهدان [فصوموا وأفطروا» 15 رواه النسائي.
وأما الفطر إذا صاموا بشهادة واحد لا يجوز] 16 على وجهٍ فلأن مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» يدل على أنه لا يفطر بشهادة الواحد لأنه صوم يستند إلى شهادة واحد فلم يجز كما لو شهد برؤية هلال شوال.
وأما كونهم يفطرون على وجهٍ فلأن الصوم إذا ثبت وجب الفطر لاستكمال العدة لا بالشهادة، كالولادة تثبت بشهادة النساء ويترتب عليها النسب، وإن لم يثبت بشهادتهن.
وأما كونهم إذا صاموا لأجل الغيم لا يفطرون فلأن صومهم كان لأجل الاحتياط فلا يجوز الخروج منه بمثل ذلك.
قال: (ومن رأى هلال رمضان وحده ورُدّت شهادته لزمه الصوم، وإن رأى هلال شوال وحده لم يفطر).
أما كون من رأى هلال رمضان وحده ورُدّت شهادته يلزمه الصوم فلأنه تيقن أنه من رمضان فلزمه صومه كما لو حكم به الحاكم.
وأما كون من رأى هلال شوال وحده لا يفطر فلما روى أبو رجاء مولى أبي قلابة «أن رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال وقد أصبح الناس صياماً فأتيا عمر فذكرا ذلك له.
فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: لا بل مفطر.
قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال.
وقال للآخر قال: أنا صائم.
قال: ما حملك
الجزء: 2 - الصفحة: 10
على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا لأوجعت رأسك.
ثم نودي في الناس أن اخرجوا» 17.
وإنما أراد ضربه لإفطاره برؤيته، ورفع الضرب عنه لأجل كمال الشهادة به وبصاحبه ولو جاز الفطر لما أنكر عليه ولا توعده.
قال: (وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام، فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه وإن وافق قبله لم يجزئه).
أما كون الأسير إذا اشتبهت عليه الأشهر يتحرى.
وهو: أن يجتهد في معرفة شهر رمضان فلأنه أمكنه تأدية فرضه بالاجتهاد فلم يجز بدونه كاستقبال القبلة.
وأما كونه إذا اجتهد فوافق الشهر يجزئه فكما إذا اجتهد في القبلة وصلى فوافق القبلة.
وأما كونه إذا اجتهد فوافق بعده يجزئه فكما إذا اجتهد في دخول الصلاة فوافق بعده.
وأما كونه إذا اجتهد فوافق قبله لا يجزئه فلأنه أتى بالعبادة قبل وقتها فلم تجزئه كالصلاة.
قال: (ولا يجب الصوم إلا على المسلمِ العاقلِ البالغِ القادرِ على الصوم، ولا يجب على كافر ولا مجنون ولا صبي ولكن يؤمر به إذا أطاقه ويضرب عليه ليعتاده).
أما كون الصوم لا يجب على غير المسلم البالغ العاقل القادر فلأن الإسلام والبلوغ والعقل والقدرة شروط لوجوب الصوم ولم يوجد.
أما كون الإسلام من شروطه فلأن الصوم عبادة محضة، يفتقر إلى النية فكان من شروطها الإسلام كالصلاة.
وأما كون البلوغ والعقل من شروطه فلقوله عليه السلام: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق ... الحديث» 18.
الجزء: 2 - الصفحة: 11
وأما كون القدرة من شروطه فلأن العاجز عن الشيء لا يكلف به.
قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: 286].
وأما كون الصبي يؤمر به إذا أطاقه فلأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان» 19.
فإن قيل: أمر الصبي أمر إيجاب أو لا؟
قيل: ظاهر المذهب أنه أمر استحباب لما تقدم من اشتراط البلوغ في وجوب
الصوم، والحديث من باب إطلاق الواجب على المندوب كقوله عليه السلام: «الوتر حق» 20 لأن فيه جمعاً بينه وبين قوله: «رفع القلم ... الحديث» 21.
وقال بعض أصحابنا: هو واجب لظاهر الحديث، وقياساً على الصلاة.
والأول أصح لما فيه من الجمع بين الأدلة.
وأما كونه يضرب على الصوم ليعتاده فلما علل المصنف رحمه الله من الاعتياد.
وقد تقدم ذكره في الصلاة.
وأما كون الصوم يجب على من اجتمع فيه الإسلام والبلوغ والعقل والقدرة فللأدلة الدالة على وجوبه السالمة عن معارضة ما ذكر في غير مَن هذا شأنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 12
قال: (وإذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار لزمهم الإمساك والقضاء.
وإن أسلم كافر أو أفاق مجنون أو بلغ صبي فكذلك.
وعنه لا يلزمهم شيء).
أما كون الإمساك يلزم الناس إذا قامت البينة في أثناء النهار فلأن الصوم الشرعي عبارة عن الإمساك عن المفطرات بنية من الليل فإذا لم يمكن أن يأتوا بجميع ذلك وجب أن يأتوا بما يقدرون عليه من إمساك بقية اليوم لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 22.
ولأنه من رمضان فلزمهم إمساك بقيته كما لو تعمدوا الأكل في يوم آخر منه.
وأما كون القضاء يلزمهم فلأنه ثبت كون هذا من رمضان ولم يأتوا فيه بصوم صحيح فلزمهم قضاؤه لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: 185].
وأما كون الإمساك والقضاء إذا أسلم كافر في أثناء النهار أو أفاق مجنون أو بلغ صبي كما إذا قامت البينة بالرؤية على المذهب؛ فلأنه وجد سبب إيجاب الصوم في أثناء اليوم أشبه المسلم قبلها.
وأما كونهم لا يلزمهم شيء على روايةٍ فلأنه نهار أبيح لهم فطر أوله ظاهراً وباطناً فلم يلزمهم إمساكه ولا قضاؤه كما لو استمر العذر.
وظاهر المذهب الأول: أما الإمساك فلحرمة رمضان، وأما القضاء فلأنهم أدركوا جزءاً من وقت العبادة فلزمهم قضاؤه كما لو أدركوا جزءاً من وقت الصلاة.
قال: (وإن بلغ الصبي صائماً أتم ولا قضاء عليه عند القاضي، وعند أبي الخطاب عليه القضاء).
أما كون الصبي المذكور يتم فلأنه نوى الصوم وقد صار من أهله.
ولأنه لو كان مفطراً لزمه إمساك بقية يومه فلأن يلزمه إتمامه وهو صائم بطريق الأولى.
وأما كونه لا قضاء عليه على الخلاف فمبني على إجزاء ذلك اليوم وفيه وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 13
أحدهما: يجزئه.
قاله القاضي لأنه حصلت له نية رمضان من الليل فيجزئه كالبالغ.
وثانيهما: لا يجزئه.
قاله أبو الخطاب لأنه ببلوغه يلزمه صوم جميعه والماضي قبل بلوغه نفل فلا يجزئ عن الفرض كما لو بلغ في أثناء الصلاة.
قال: (وإن طهرت حائض أو نفساء أو قدم المسافر مفطراً فعليهم القضاء.
وفي الإمسساك روايتان).
أما كون من ذكر عليهم القضاء فلأنه يجب على الحائض والنفساء والمسافر مع استمرار العذر لقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: 185]، وقول عائشة: «كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» 23 فمع انقطاعه بطريق الأولى.
وأما كونهم عليهم الإمساك في روايةٍ فلأنه وجد ما يوجب الصوم في أثناء النهار أشبه ما لو ثبتت الرؤية في أثناء النهار.
وأما كونهم لا إمساك عليهم في روايةٍ فلأنه روي عن ابن مسعود: «من أكل أول النهار فليأكل آخره» 24.
ولأن من ذكر يباح له الأكل أول النهار ظاهراً وباطناً بخلاف ما إذا ثبتت الرؤية في أثناء النهار.
قال: (ومن عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً).
أما كون من عجر عن الصوم لكبر يفطر فلما تقدم من أنه لا يجب عليه.
ولأن الفطر إذا جاز للمريض فلأن يجوز للعاجز بطريق الأولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 14
وأما كون من عجز عنه لمرض لا يرجى برؤه يفطر فلأنه إذا جاز للمريض الذي يرجى برء مرضه فلأن يجوز للمريض الذي لا يرجى برء مرضه بطريق الأولى.
وأما كون الكبير يطعم عن كل يوم مسكيناً فلأن الله تعالى قال: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: 184].
قال ابن عباس: «نسخت إلا في حق الشيخ الكبير والعجوز» 25.
ولأنه صوم واجب في الأصل فجاز أن ينوب عنه المال كصوم الكفارة.
وأما كون المريض يطعم كذلك فلأنه في معنى العاجز لكبر.
قال: (والمريض إذا خاف الضرر والمسافر استحب لهما الفطر وإن صاما أجزأهما.
ولا يجوز أن يصوما في رمضان عن غيره).
أما كون المريض والمسافر يستحب لهما الفطر فيقتضي أمرين:
أحدهما: جوازه.
والآخر: رجحانه.
أما الجواز فلأن الله تعالى قال: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخَر﴾ [البقرة: 185].
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن المسافر الصوم» 26 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وللجواز المذكور في المريض شرط وهو أن يخاف الضرر مثل أن يخاف زيادة مرضه أو تباطؤ برؤه.
فإن لم يخف ذلك لم يبح له الفطر لأن المبيح له العذر وهو مفقود هنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 15
فإن قيل: الآية عامة.
قيل: تخصص بما ذكر.
وأما رجحان الفطر فلأنه أخف عليهما وفيه قبول رخصة الله تعالى ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خيرت بين أمرين إلا اخترت أيسرهما» 27.
وفي الحديث: «ليس من البر الصوم في السفر» 28 متفق عليه.
وقال عليه السلام: «خيركم الذي يفطر في السفر» 29.
وأما كون المريض والمسافر إذا صاما أجزأهما فلأن الصوم عزيمة فإذا تحملاها أجزأتهما كالذي تسقط عنه الجمعة لمرضه فتكلف وحضر، وكالذي يعجز عن القيام في الصلاة فيتكلف ويقوم.
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحمزة بن عمرو الأسلمي وقد سأله عن الصوم في السفر: «ومن أحب أن يصوم في السفر فلا جناح عليه» 30 رواه مسلم.
وعن أنس: «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يَعِب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم» 31.
وعن عائشة قالت: «يا رسول الله! أفطرتَ وصمتُ قال: أحسنتِ» 32.
وأما كونهما لا يجوز أن يصوما في رمضان عن غيره فلأن الفطر أبيح تخفيفاً فإذا لم يريدا التخفيف لزمهما الإتيان بالأصل.
الجزء: 2 - الصفحة: 16
قال: (ومن نوى الصوم في سفره فله الفطر.
وإن نوى الحاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر.
وعنه لا يجوز).
أما كون من نوى الصوم في سفره له الفطر فلما روى جابر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس معه.
فقيل: إن الناس قد شق عليهم الصيام.
فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب فأفطر بعض الناس وصام بعضهم فبلغه أن ناساً صاموا فقال: أولئك العصاة» 33 رواه مسلم.
وأما كون من نوى الصوم في الحضر ثم سافر في أثنائه له الفطر على المذهب فلما روي عن أبي بصرة الغفاري «أنه ركب في سفينة من الفُسْطاط في شهر رمضان فَرُفِع ثم قُرّب غداءه.
ثم قال: اقترب.
قيل: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأكل» 34 رواه أبو داود.
ولأن السفر مبيح للفطر فأباحه في أثناء النهار كالمرض.
وأما كونه لا يجوز ذلك على روايةٍ فلأن الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة.
قال: (والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا.
وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً).
أما كون الحال والمرضع إذا خافتا على أنفسهما تفطران فلأن ذلك بمنزلة المرض ولذلك لا كفارة عليهما؛ لأن الفطر لمرض لا كفارة فيه.
وأما كونهما يقضيان فلعموم قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: 185]، وقياساً على المرض.
الجزء: 2 - الصفحة: 17
وأما كونهما إذا خافتا على ولديهما يفطران فلأن خوفهما خوف على آدمي أشبه خوفهما على أنفسهما.
وأما كونهما يقضيان فلما تقدم من الآية والقياس.
وأما كونهما يطعمان لكل يوم مسكينا فلأنهما يطيقان الصوم فيدخلان في عموم قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يُطِيقُونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: 184].
وقد رروي عن ابن عباس أنه قال: «نزلت رخصة للشيخ الكبير والحامل والمرضع» 35.
قال: (ومن نوى قبل الفجر ثم جُنّ أو أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه، وإن أفاق جزءاً منه صح صومه، وإن نام جميع النهار صح صومه، ويلزم المغمى عليه القضاء دون المجنون).
أما كون من نوى قبل الفجر ثم جُنّ أو أغمي عليه جميع النهار لا يصح صومه فلأنه لم يوجد منه الإمساك المضاف إليه، والواجب إمساك مضاف إليه لقوله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي» 36 متفق عليه.
أضاف ترك الطعام والشراب إلى الصيام.
ولأن النية أحد الركنين فإذا انفردت عن الإمساك لم يجز كما لو انفرد الإمساك عن النية.
وأما كون من ذكر يصح صومه إذا أفاق جزءاً منه فلأنه وجد الإمساك المضاف إليه.
وأما كون من نام جميع النهار يصح صومه فلأن النوم جِبِلّة وعادة ولا يزيل العقل بالكلية وهو في حكم المنتبه لكونه ينتبه إذا نُبِّه، ويجد الألم في حال نومه.
وبه يظهر الفرق بينه وبين من زال عقله بجنون أو إغماء.
الجزء: 2 - الصفحة: 18
وأما كون المغمى عليه يلزمه القضاء فلأن الإغماء لا يزيل التكليف، ويجوز على الأنبياء عليهم السلام، ولا تثبت الولاية على صاحبه أشبه المريض.
وأما كون المجنون لا يلزمه القضاء فلقوله عليه السلام: «رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون حتى يفيق ... الحديث» 37.
الجزء: 2 - الصفحة: 19
فصل [النية في الصوم]
قال المصنف رحمه الله: (ولا يصح صوم واجب إلا أن ينويه من الليل معيناً.
وعنه لا يجب تعيين النية لرمضان).
أما كون الصوم الواجب لا يصح إلا أن ينويه فاعله فلقوله تعالى: ﴿وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: 5]، ولقوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» 38 وقوله عليه السلام: «لا عمل إلا بنية» 39.
وأما كونه لا يصح إلا بنية من الليل فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» 40 أخرجه النسائي وأبو داود والترمذي.
وأما كونه في غير صوم رمضان كالقضاء عنه والكفارة والنذر لا يصح إلا معيناً رواية واحدة فلأنه لا يتميز عن غيره إلا بالتعيين.
وأما كونه في صوم رمضان لا يصح إلا معيناً على المذهب فلأنه صوم واجب أشبه القضاء والنذر.
ولأن صوم رمضان عبادة يجب فيها أصل النية فوجب تعيينها كالصلاة.
وأما كون صوم رمضان لا يجب تعيين النية له على روايةٍ فلأن الزمان يتعين بخلاف القضاء والنذر.
الجزء: 2 - الصفحة: 20
قال: (ولا يحتاج إلى نية الفرضية.
وقال ابن حامد: يجب ذلك).
أما كون صوم الواجب لا يحتاج إلى نية الفرضية على قول غير ابن حامد فلأن الواجب لا يكون إلا فرضاً.
وأما كون ذلك يجب على قوله فقياس له على الصلاة.
قال: (ولو نوى إن كان غداً من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل لم يجزئه.
وعنه يجزئه.
ومن نوى الإفطار أفطر).
أما كون من نوى ما تقدم ذكره لا يجزئه على روايةٍ ويجزئه على أخرى؛ فمبني على وجوب تعيين النية: فمن أوجبه لم تجزئ عنده هذه النية لأنه لم يجزم بها، والنية عزم جازم، ومن لم يوجبه جعلها مجزئة لأنه نوى الصوم ونيته كافية.
وأما كون من نوى الإفطار أفطر؛ فلأن النية شرط في جميع النهار فإذا قطعها في أثنائه خلا ذلك الجزء عن النية ففسد الكل لفوات الشرط.
قال: (ويصح صوم النفل بنيةٍ من النهار قبل الزوال وبعده.
وقال القاضي: لا يجزئه بعد الزوال).
أما كون النفل يصح بنيةٍ من النهار قبل الزوال فلما روت عائشة قالت: «دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: هل عندكم من شيء؟ قلنا: لا.
قال: إني إذاً صائم» 41 رواه مسلم.
ولأن في ذلك تكثيراً للصيام لأنه قد تعرض له النية من النهار فجاز؛ كما سومح بترك القيام والاستقبال في النافلة.
وأما كونه يصح بنية منه بعد الزوال على المذهب فلأنه نوى في النهار أشبه قبل الزوال.
الجزء: 2 - الصفحة: 21
ولما ذكر من المعنى المؤدي إلى كثرة العبادة وأما كونه لا يصح على قول القاضي فلأن النية لم تصحب العبادة في معظمها أشبه ما لو نوى مع الغروب.
الجزء: 2 - الصفحة: 22
باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة
قال المصنف رحمه الله: (من أكل أو شرب أو استعط أو احتقن أو داوى الجائفة بما يصل إلى جوفه، أو اكتحل بما يصل إلى حلقه أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان، أو داوى المأمومة، أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه، أو استقاء أو استمنى أو قبل أو لمس فأمنى [أو مذى] 42، أو كرر النظر فأنزل، أو حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه فسد صومه، وإن فعله ناسياً أو مكرهاً لم يفسد).
أما كون من أكل أو شرب يفسد صومه فلأن الله تعالى قال: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: 187] وحكم ما 43 بعد الغاية يخالف ما قبلها.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: عمل ابن آدم له كله إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي» 44 متفق عليه.
ولأن الصوم الشرعي عبارة عن الإمساك عن الأكل والشرب ونحوهما فإذا لم يوجد ذلك لم يكن صائماً شرعاً.
وأما كون من استعط.
وهو: أن يدخل الماء في أنفه يفسد صومه فلقوله عليه السلام للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» 45 ولو لم يفسد الصوم بدخول الماء من الخياشيم لما نهى عنه
الجزء: 2 - الصفحة: 23
وأما كون من احتقن يفسد صومه فلأن ذلك يصل إلى الجوف أشبه الأكل.
ولأنه إذا بطل بالسعوط فبذلك أولى.
وأما كون من داوى الجائف بما يصل إلى جوفه يفسد صومه فلأن أوصل إلى جوفه شيئاً باختياره أشبه ما لو أكل.
وأما كون من اكتحل بما يصل إلى حلقه كالكحل الأسود والحاد يفسد صومه فلأن الحلق كالجوف.
ولأنه وصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه أشبه ما لو دخل من فيه.
وأما كون من أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان؛ مثل أن يطعن نفسه ونحو ذلك يفسد صومه فلأنه أوصل إلى جوفه ما هو ممنوع عن إيصاله فوجب أن يفسد صومه كما لو أكل أو شرب.
وأما كون من داوى المأمومة أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه يفسد صومه فلأن الدماغ أحد الجوفين فأفسد الصوم ما يصل إليه كالآخر.
وأما كون من استقاء.
وهو: أن يستدعي القيء يفسد صومه؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض» 46 رواه أبو داود.
وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
وأما كون من استمنى.
وهو: أن يستخرج المني بكفه يفسد صومه فلأنه إذا فسد بالقبلة المقترنة بالإنزال فلأن يفسد بالاستمناء بطريق الأولى.
وأما كون من قبل فأمنى يفسد صومه فلما روي عن عمر أنه قال: «قلت: يا رسول الله! صنعت اليوم أمراً عظيماً فقبلت وأنا صائم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتَ لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به.
قال: فمه» 47 رواه أبو داود.
شبّه القبلة بالمضمضة، والمضمضة إذا لم يكن معها نزول الماء لم يفطر، وإن كان معها نزول أفطر.
وأما كون من لمس فأمنى يفسد صومه فلأن اللمس كالقبلة لاشتراكهما في المباشرة المؤدية إلى المني.
الجزء: 2 - الصفحة: 24
وأما كون من قبل أو لمس فمذى يفسد صومه كما لو أمنى فلأنهما مشتركان في كونهما خارجين تخللهما الشهوة.
وأما كون من كرر النظر فأنزل.
والمراد به أنزل المني يفسد صومه فلأنه إنزال يتلذذ به أشبه الإنزال باللمس.
فعلى هذا لا يفسد مع إنزال المذي لأن الإنزال هنا ليس عن مباشرة فلم يلتحق المذي بالمني لضعفه عنه ولذلك قال المصنف رحمه الله في الكافي: 48 وسواء في هذا كله المني والمذي ... إلا في تكرار النظر فلا يفطر إلا بإنزال المني في ظاهر كلامه لأنه ليس بمباشرة.
وقال في المغني: ظاهر كلام الخرقي فساد صوم من كرر نظره فمذى لإطلاقه القول فيمن كرر فأنزل وهذا إنزال أشبه المني.
ومقتضى هذا التعليل أن يحمل كلام المصنف رحمه الله على فساد صوم من كرر نظره فمذى لأنه قال: فأنزل وأطلق ذلك بإطلاق الخرقي.
وأما كون من حجم أو احتجم يفسد صومه فلأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» 49. رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وفي لفظ: «احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد ضعفاً شديداً فنهى أن يحتجم الصائم» 50 رواه الجوزجاني.
وأما قول المصنف رحمه الله: عامداً ذاكراً لصومه فراجع إلى جميع ما ذكر.
ومعناه: أن شرط الفطر في كل واحد مما تقدم أن يتعمد الصائم فعله بأن يفعله اختياراً وأن يكون ذاكراً أنه صائم.
أما كون التعمد شرطاً فلقوله عليه السلام: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» 51.
الجزء: 2 - الصفحة: 25
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال 52: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء» 53. نفى القضاء في ذلك لكونه يخرج بغير اختيار الصائم فيثبت الحكم فيه، ويقاس عليه ما عداه.
وأما كون الذكر لصومه شرطاً فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أكل أحدكم أو شرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» 54 متفق عليه.
وفي لفظ: «فلا يفطر فإنما هو رزقٌ رزقه الله» 55. نص على الأكل والشرب فثبت فيهما، ويقاس عليهما ما عداهما.
وأما كون من فعل ذلك ناسياً أو مكرهاً لا يفسد صومه فلأن شرط الفساد الذكر والاختيار وهما مفقودان في النسيان والإكراه.
قال: (وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار أو قطر في إحليله أو فكّر فأنزل أو احتلم أو ذرعه القيء أو أصبح وفي فيه طعام فلَفَظَه أو اغتسل أو تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه.
وإن زاد على الثلاث أو بالغ فيهما فعلى وجهين).
أما كون من طار إلى حلقه ذباب أو غبار أو فكّر فأنزل أو احتلم لا يفسد صومه فلأن ذلك كله يوجد بغير اختياره، ولا يمكن التحرز منه، ولا يدخل تحت وسعه فلم يفسد الصوم به لأنه غير داخل في التكليف لأن الله تعالى قال: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: 286].
وأما كون من قطر في إحليله لا يفسد صومه فلأنه لا منفذ فيه إلى الجوف وإنما يخرج البول رشحاً فهو بمنزلة ما لو ترك في فيه شيئاً.
الجزء: 2 - الصفحة: 26
وأما كون من ذرعه القيء لا يفسد صومه فلما تقدم من قوله عليه السلام: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء» 56.
ولأنه يخرج بغير اختياره أشبه المكره.
وأما كون من أصبح وفي فيه طعام فلَفَظَه لا يفسد صومه فلأنه لم يدخل الطعام في حلقه وابتلاع الريق الذي جرى عليه قبل علمه به لا يفطر لأن مثل هذا لا يمكن التحرز منه ولا يخلو منه صائم.
وأما كون من اغتسل لا يفسد صومه فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم» 57 متفق عليه.
وأما كون من تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لا يفسد صومه إذا لم يزد على الثلاث ولم يبالغ فيهما فلأنه واصل بغير اختياره أشبه الذباب.
وأما كون من زاد على الثلاث أو بالغ فيهما لا يفسد صومه على وجهٍ [فلأنه بغير اختياره أشبه التي قبلها.
والثاني يفسد بذلك] 58: أما فيما إذا زاد على الثلاث؛ فلأن نزول الماء فيه متولد بسبب منهي عنه أشبه نزوله بالمبالغة في الاستنشاق.
وأما إذا بالغ في الاستنشاق؛ [فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق] 59 إلا أن تكون صائماً» 60. استثنى المبالغة حفظاً للصوم فدل على أنه يفطر بسببها.
الجزء: 2 - الصفحة: 27
وأما إذا بالغ في المضمضة؛ فلأنه يساوي الاستنشاق معنى فوجب أن يساويه حكماً.
قال: (ومن أكل شاكاً في طلوع الفجر فلا قضاء عليه.
وإن أكل شاكاً في غروب الشمس فعليه القضاء.
وإن أكل معتقداً أنه ليل فبان نهاراً فعليه القضاء).
أما [عدم وجوب القضاء إذا أكل شاكاً في طلوع الفجر؛ فلأن الأصل بقاء الليل.
وأما] 61 كون من أكل شاكاً في غروب الشمس عليه القضاء؛ فلأن الأصل بقاء النهار.
وأما كون من أكل معتقداً أنه ليل فبان نهاراً عليه القضاء فلما روى حنظلة قال: «كنا في المدينة في رمضان وفي السماء سحاب فظننا أن الشمس إذاً قد غابت فأفطر بعض الناس.
فقال عمر: من أفطر فليقض يوماً مكانه» 62.
ولأنه أكل ذاكراً مختاراً فأفطر، كما لو أكل يظن أن اليوم من شعبان فبان من رمضان.
الجزء: 2 - الصفحة: 28
فصل [فيمن جامع نهار رمضان]
قال المصنف رحمه الله: (وإذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلاً كان أو دبراً فعليه القضاء والكفارة عامداً كان أو ساهياً.
وعنه لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان.
ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر، وهل يلزمها مع عدمه؟ على روايتين.
وعنه كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره، وهذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان).
أما كون من جامع في نهار رمضان في الفرج عليه القضاء فلأن في حديث المجامع في نهار رمضان الآتي ذكره بعد في بعض ألفاظه: «وصم يوماً مكانه» 63 رواه الأثرم.
وفي بعض ألفاظه: «ويصوم يوماً مكانه» 64 رواه ابن ماجة.
وأما كونه عليه الكفارة فلما روى أبو هريرة قال: «بينما نجن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا.
قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا.
قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا.
قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم.
فبينما نحن على ذلك أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق من تمر.
والعَرَق المكتل.
فقال: أين السائل؟ فقال: أنا.
[قال] 65: فخذ هذا فتصدق به.
فقال الرجل: على أفقر
الجزء: 2 - الصفحة: 29
مني يا رسول الله! فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي.
فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه.
ثم قال: أطعمه أهلك» 66. متفق عليه.
وأما كون الدبر كالقبل في ذلك فلأن الدبر أحد الفرجين أشبه الآخر.
وأما كون الساهي كالعامد والمكره كالمختار على المذهب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل الأعرابي ولو افترق الحال لوجب الاستفصال.
ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ الحديث وهو المجامعة في حال الصوم وهي موجودة في السهو والإكراه.
وأما كونه لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان في رواية فلقوله عليه السلام: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» 67.
وأما كون المرأة لا يلزمها الكفارة مع العذر كالمكرهة والناسية لصومها فلأنها معذورة.
ولأنها تدخل فيما تقدم من قوله عليه السلام: «عفي لأمتي ... الحديث».
وأما كونها يلزمها مع عدمه كالمطاوعة الذاكرة لصومها على روايةٍ فلأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل.
وأما كونها لا يلزمها على روايةٍ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر حكم المرأة لمّا أمر الأعرابي، ولا أوجب عليها شيئاً.
وأما كون الصائم ليس عليه قضاء ولا غيره في كل أمر غُلب عليه على روايةٍ فلعموم ما تقدم من قوله عليه السلام: «عفي لأمتي ... الحديث».
ولذلك قال المصنف رحمه الله عقيب ذلك فهذا يدل على إساقط القضاء ... إلى آخره.
الجزء: 2 - الصفحة: 30
قال: (وإن جامع دون الفرج فأنزل أو وطئ بهيمة في الفرج أفطر.
وفي الكفارة وجهان).
أما كون من جامع دون الفرج فأنزل كمن وطئ امرأته في فخذها أو يدها أو نحو ذلك فأنزل يفطر فلأنه إذا فطر اللمس مع الإنزال فلأن تفطر المجامعة معه بطريق الأولى.
وأما كون من وطئ بهيمة يفطر فلأنه وطء في فرج أشبه وطء الآدمية في فرجها.
وأما كون الكفارة تجب في المسألتين على وجهٍ فلأنه وطء أفسد الصوم وأوجب الكفارة كوطء الآدمية في فرجها.
وأما كونه لا تجب فيهما على وجهٍ فلأنه فطر بغير جماع تام فلم تجب الكفارة به كالقُبلة.
قال: (وإن جامع في يومٍ رأى الهلال في ليلته وردت شهادته فعليه القضاء والكفارة).
أما كون من ذُكر عليه القضاء فلأنه أفطر من رمضان يوماً يلزمه صومه فوجب أن يلزمه قضاؤه؛ لقوله تعالى: ﴿فعدةٌ من أيام أُخر﴾ [البقرة: 185].
وأما كونه عليه الكفارة فلأنه أفطر يوماً من رمضان بجماع تام فوجبت عليه الكفارة كما لو قبلت شهادته.
ولأن رد شهادته لم ينف كون ذلك اليوم من رمضان في حقه فلم ينف وجوب الكفارة عليه كاليوم الثاني والثالث.
قال: (وإن جامع في يومين ولم يكفر فهل تلزمه كفارة أو كفارتان؟ على وجهين).
أما كون من ذُكر يلزمه كفارة واحدة على وجهٍ فلأن الكفارة عقوبة فوجب أن تتداخل كالحدود، أو كفارةٌ عن غير إتلاف تكرر سببها قبل فعلها فاجتزئ بكفارة واحدة ككفارة اليمين والظهار.
وأما كونه يلزمه كفارتان على وجهٍ فلأن كل يوم عبادة منفردة فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين وكالحجتين.
قال: (وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فعليه كفارة.
نص عليه، وكذلك كل من لزمه الإمساك إذا جامع.
ولو جامع وهو صحيح ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط عنه).
أما كون من جامع ثم كفر ثم جامع في يومه عليه كفارة ثانية فلأن الصوم عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها، فتكررت بتكرر الوطئ بعد التكفير كالحج.
الجزء: 2 - الصفحة: 31
ولأنه وطء محرم لحرمة رمضان فوجبت به الكفارة كالأول.
ومفهوم هذا الكلام أنه لو وطئ ولم يكفر ثم وطئ أن عليه كفارة واحدة وصرح به المصنف رحمه الله في المغني لأن الكفارات زواجر فتداخلت كالحدود.
وأما كون كل من لزمه الإمساك إذا جامع كذلك فلأنه هَتَك حرمة الزمن أشبه هتك حرمة الصوم.
ولأن الكفارة تجب على المستديم للوطء ولا صوم هناك فكذلك هاهنا.
ومراد المصنف رحمه الله بقوله: كذلك وجوب الكفارة على من لزمه الإمساك إذا وطئ لمساواته مع [من] 68 جامع بعد ما جامع لاستوائهما معنى.
لا تكرار الكفارة لأنه لا تكرار هاهنا لعدم تكرار الوطء.
وأما كون من جامع وهو صحيح ثم مرض أو جن أو سافر لا تسقط عنه الكفارة فلأنه أفسد صوماً واجباً في رمضان بجماع تام فوجبت الكفارة وجوباً مستمراً كما لو لم يفطر لعذر.
قال: (وإن نوى الصوم في سفره ثم جامع فلا كفارة عليه.
وعنه عليه الكفارة).
أما كون من ذكر لا كفارة عليه رواية واحدة فلأن كل صوم أبيح فطره بالأكل أبيح فطره بالجماع كالتطوع.
ولأن هذه محظورات [الصوم] 69 فإذا لم يجب الصوم لم يحرم شيء منها، وإذا أبيح الفطر بذلك لم تجب الكفارة لأن الوجوب يستدعي حرمة الفطر وذلك غير موجود.
وأما كونه عليه الكفارة على روايةٍ فلأنه صائم في رمضان أفطر بالجماع فوجبت عليه الكفارة كالمقيم الصحيح.
قال: (ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان).
أما كون الكفارة لا تجب بغير الجماع فلأن غير الجماع لم يرد فيه نص، وقياسه على الجماع لا يصح لما بينهما من الفرق فوجب أن لا تجب الكفارة عملاً بالنافي لها السالم عن المعارض.
الجزء: 2 - الصفحة: 32
وأما كونها لا تجب بالجماع في صوم غير رمضان كقضائه، والصوم المنذور، وعن الكفارة فلأن الوجوب من الشرع ولم يرد في غير رمضان، ولا يصح قياسه على رمضان لأن رمضان له حرمة بخلاف غيره.
فإن قيل: هل في لفظ المصنف رحمه الله ما يدل على عدم وجوب الكفارة بالجماع في غير رمضان حتى يعلل؟ .
قيل: فيه إشعار بذلك، وذلك أن قوله: ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان يقتضي أمرين:
أحدهما: عدم وجوب الكفارة بغير الجماع كالوطء دون الفرج، والقبلة المقترنة بالإنزال، وكالإفطار بالأكل والشرب، وغير ذلك لأن ذلك كله غير جماع.
وثانيهما: عدم وجوب الكفارة بالجماع في غير صوم رمضان كما تقدم ذكره لأنه وإن كان جماعاً فهو غير جماع في صيام رمضان.
قال: (والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت عنه.
وعنه لا تسقط.
وعنه أن الكفارة على التخيير فبأيها كفر أجزأه).
أما كون الكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً فلما روى أبو هريرة «أن رجلاً جاء فقال: يا رسول الله! وقعت على امرأتي وأنا صائم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا.
قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا.
قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا.
قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم.
فبينا نحن على ذلك أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق من تمر.
فقال: أين السائل؟ خذ هذا فتصدق به.
فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله! ؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني.
فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال له: أطعمه أهلك» 70 متفق عليه.
وأما كونها مرتبة على المذهب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب الثانية والثالثة على عدم وجود ما قبلها، وذلك شأن المرتب.
الجزء: 2 - الصفحة: 33
وأما كونها على التخيير على روايةٍ فلما روى أبو هريرة: «أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكيناً» 71 رواه مالك في الموطأ.
وأو للتخيير.
فعلى هذا بأيها كفر أجزأه لأن هذا شأن التخيير.
والأول أصح لأن الحديث الأول أصح وهو متضمن للزيادة.
وأما كونه إذا لم يجد ذلك يسقط عنه على المذهب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي أخبره بحاجته إليها بأكلها ولا يجوز أن يأكل ما يجب عليه.
وأما كونه لا يسقط عنه على روايةٍ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتكفير لما دفع إليه المكيل بعد إخباره بحاجته وعجزه.
والأول أولى لأن الإسقاط منه آخر الأمرين فيجب تقديمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 34
باب ما يكره وما يستحب وحكم القضاء
قال المصنف رحمه الله: (يكره للصائم أن يجمع ريقه فيبلعه، وأن يبتلع النخامة، وهل يفطر بهما؟ على وجهين).
أما كون الصائم يكره له أن يجمع ريقه فيبلعه، وأن يبلع النخامة فلأنه قد اختلف في كون ذلك مفطراً فأدنى أحواله أن يكون مكروهاً.
وأما كونه يفطر بهما على وجهٍ فلأنه ابتلع ذلك على وجهٍ يمكنه التحرز منه أشبه غبار الدقيق إذا قصد ابتلاعه.
وأما كونه لا يفطر بهما على وجهٍ فلأنه غير واصل من خارج أشبق الريق.
قال: (ويكره مضع العلك الذي لا يتحلل منه أجزاء.
ولا يجوز مضغ ما يتحلل منه أجزاء إلا أن يبلع ريقه.
ومتى وجد طعمه في حلقه أفطر).
أما كون مضغ ما لا يتحلل منه أجزاء يكره فلأنه يحلب الفم ويجمع الريق ويورث العطش.
وأما كون مضغ ما يتحلل منه أجزاء لا يجوز إذا ابتلع ريقه فلأنه إذا مضغ مثل ذلك وابتلع ريقه يكون قد قصد إيصال شيء من خارج إلى جوفه وهو صائم وذلك غير جائز.
وأما كون ذلك يجوز إذا لم يبلع ريقه فلأن المحرم إدخال ذلك إلى جوفه ولا يوجد ذلك مع عدم البلع.
وأما كون من وجد طعم ما مضغه في حلقه يفطر فلأنه أوصل إلى جوفه أجزاء شيء لو تعمد أكله أفطر.
قال: (وتكره القبلة إلا أن يكون ممن لا تحرك شهوته على إحدى الروايتين).
أما كون القبلة تكره ممن تحرك شهوته فلأنه لا يأمن أن ينزل فيفسد صومه.
الجزء: 2 - الصفحة: 35
وأما كونها تكره ممن لا تحرك شهوته على روايةٍ فلأنه لا يأمن حدوث الشهوة وقد روي عن عمر قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فأعرض عني.
فقلت: ما لي؟ فقال: إنك تقبل وأنت صائم» 72.
وأما كونها لا تكره على روايةٍ فلما روت عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإرْبِه» 73 رواه البخاري.
وروي: «لإرَبِه» ومعناهما واحد.
قاله الخطابي.
قال: (ويجب عليه اجتناب الكذب والغيبة والشتم فإن شُتم استحب أن يقول: إني امرؤ صائم).
أما كون الصائم يجب عليه اجتناب الكذب والغيبة والشتم فلأن ذلك واجب في غير الصوم فلأن يجب في الصوم بطريق الأولى.
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» 74 متفق عليه.
وروي أنه قال: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ» 75.
وأما كونه إذا شتم يستحب له أن يقول: إني امرئ صائم فلأن في الحديث: «فإن سابه أحد فليقل: إني امرؤ صائم» 76.
الجزء: 2 - الصفحة: 36
فصل [في مستحبات الإفطار]
قال المصنف رحمه الله: (ويستحب تعجيل الإفطار وتأخير السحور، وأن يفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء.
وأن يقول عند فطره: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت سبحانك اللهم وبحمدك.
اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم).
أما كون الصائم يستحب له الفطور وتأخير السحور فلما روى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تزال أمتي بخير ما أَخَّروا السحور وعجلوا الفطر» 77 رواه أحمد في المسند.
وفي لفظ: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» 78 متفق عليه.
وفي استحباب تأخير السحور إشعار بأن السحور مستحب، وهو صحيح صرح به المصنف رحمه الله وغيره لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تسحروا فإن في السحور بركة» 79 متفق عليه.
وأما كونه يستحب له أن يفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى الماء فإنه طهور» 80 رواه ابن ماجة.
الجزء: 2 - الصفحة: 37
وهذا الاستحباب في حق من لم يجد الرطب فإن وجده فالمستحب أن يبدأ به؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء» 81 قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ورواه الأثرم وزاد فيه: «قبل أن يصلي» 82.
ولم يذكر المصنف رحمه الله الرطب لأنه لا يوجد في الشام غالباً.
وأما كونه يستحب له أن يقول عند فطره ما تقدم ذكره فلما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أحدكم صائماً فليقل: اللهم! لك صمت وعلى رزقك أفطرت سبحانك.
اللهم! تقبل مني إنك أنت السميع العليم» 83.
وفي حديث آخر: «أن للصائم عند فطره دعوة لا ترد» 84.
قال: (ويستحب التتابع في قضاء رمضان ولا يجب).
أما كون التتابع في قضاء رمضان يستحب فلأنه يحكي الأداء.
ولأن فيه خروجاً من الخلاف.
وأما كونه لا يجب فلقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: 185] وهذا مطلق يتناول المتفرق.
ولما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قضاء رمضان: «إن شاء فرق وإن شاء تابع» 85 رواه الأثرم.
الجزء: 2 - الصفحة: 38
وفي لفظ: «لو كان على أحدكم دين فقضاه من الدرهم والدرهمين حتى يقضي ما عليه من الدين هل كان ذلك قاضياً عنه؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: فالله أحق بالعفو والتجاوز منكم» 86.
الجزء: 2 - الصفحة: 39
فصل
قال المصنف رحمه الله: (ولا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر من غير عذر، [فإن فعل فعليه القضاء وإطعام مسكين لكل يوم).
أما عدم جواز تأخير رمضان إلى رمضان آخر من غير عذر] 87 فلأن مقتضى الدليل وجوب القضاء على الفور كالصلاة خولف ذلك في جواز تأخيره للمعذور إلى زوال عذره للعذر ولغيره إلى أن يضيق شعبان عنه لأن عائشة قالت: «كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أقضيه حتى يجيء شعبان» 88 متفق عليه.
فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وأما كون من فعل ذلك عليه القضاء فلأن القضاء كان واجباً عليه ولم يوجد ما يسقطه فوجب أن يبقى على ما كان عليه.
وأما كونه عليه إطعام مسكين لكل يوم فلأنه يروى عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة أنهم قالوا: «يطعم عن كل يوم مسكيناً» 89 ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلافه فكان إجماعاً.
وقد أسنده أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق فيه ضعف 90.
ولأن تأخير قضاء رمضان عن وقته إذا لم يوجب قضاء آخر أوجب الفدية كالشيخ الهرم.
الجزء: 2 - الصفحة: 40
قال: (وإن أخره لعذر فلا شيء عليه وإن مات.
وإن أخره لغير عذر فمات قبل رمضان آخر أطعم عنه لكل يوم مسكين وإن مات بعد أن أدركه رمضان آخر فهل يطعم كل يوم مسكين أو اثنان؟ على وجهين).
أما كون من أخر قضاء رمضان عن وقته لعذر من مرض أو سفر أو عجز: لا شيء عليه فلأن صوم رمضان لا يجب بتأخيره للعذر شيء وهو أصل فلأن لا يجب بتأخير القضاء شيء وهو فرع بطريق الأولى.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإن مات فتصريح بأن من أخر القضاء لعذر ثم مات كمن أخر القضاء لعذر وهو حي في عدم وجوب الشيء لاشتراكهما في جواز تأخير ذلك.
فإن قيل: المراد بقوله: لا شيء عليه نفي القضاء والكفارة أو نفي الكفارة فقط؟
قيل: بالنسبة إلى الميت نفيهما وبالنسبة إلى الحي نفي الكفارة دون القضاء لأن الحي يمكنه القضاء بخلاف الميت وبه يظهر الفرق بينهما.
وأما كون من أخر القضاء لغير عذر فمات قبل رمضان آخر يطعم عنه لكل يوم مسكين فلما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين» 91 قال الترمذي: الصحيح [أنه] 92 عن ابن عمر موقوف.
وأما كون من مات بعد أن أدركه رمضان آخر يطعم عنه لكل يوم مسكين على وجهٍ فلأنه بإخراج ذلك زال تفريطه بالتأخير فلم يجب عليه شيء آخر كما لو مات من غير تفريط.
وأما كونه يطعم عنه لكل يوم اثنان على وجهٍ فلأن كل واحد منهما يقتضي كفارة على انفراده فإذا اجتمعا وجبت كفارتان كما لو فرط في يومين.
الجزء: 2 - الصفحة: 41
قال: (وإن مات وعليه صوم منذور أو حج أو اعتكاف فعله عنه وليه، وإن كانت عليه صلاة منذورة فعلى روايتين).
أما كون من مات وعليه صوم منذور يفعله عنه وليه؛ فلما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» 93 متفق عليه.
ورواه أبو داود وقال: هذا في النذر 94.
وفي رواية: «جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: فصومي عن أمك» 95 متفق عليه.
ولأن النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها، والمنذور أخف حكماً؛ لأنه لم يجب بأصل الشرع بل بإيجاب نفسه.
وأما كون من مات وعليه حج يفعله عنه وليه واجباً كان أو منذوراً: أما الواجب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة قال: من شبرمة؟ [قال: قريب لي.
قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» 96 رواه أبو داود.
و«لأن امرأة] 97 قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم» 98 رواه البخاري.
وأما المنذور فلما روي أن امرأة قالت: «يا رسول الله! إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ فقال: حجي عنها» 99 رواه البخاري.
ولأنه منذور فكان للولي فعله كالصوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 42
وأما كون من مات وعليه اعتكاف منذور يفعله عنه وليه فلأنه في معنى الصوم المنذور.
وكان في نسخة المصنف رحمه الله الأصلية: وإن مات وعليه صوم أو حج أو اعتكاف منذور فغيره بعض أصحابه المأذون له في التغيير منه على ما ذكرت لأن تأخير المنذور إن رجع إلى الاعتكاف وحده بقي الصوم مطلقاً والولي لا يفعل الواجب بالشرع، وإن عاد إلى الجميع بقي الحج مشروطاً بكونه منذوراً ولا يشترط ذلك لأن الولي يفعل الواجب بالشرع أيضاً لما تقدم.
ولا يقال في تقديم المنذور يبقى الاعتكاف مطلقاً لأن الاعتكاف لا يكون واجباً إلا بالنذر.
فقوله وعليه مع ذلك يُعلم أنه منذور فلا حاجة إلى اشتراطه فيه.
وفعل الولي لجميع ما ذكر مستحب لا واجب لأن قضاء دين الميت لا يجب على الولي من ماله فكذا الصوم عنه، وفعل غير الولي لذلك كالولي لأن ذلك دخلته النيابة بخفته وغير الولي في ذلك كالولي فجاز له فعله كالولي.
وأما كون الولي يفعل الصلاة المنذورة على روايةٍ فلأنها منذورة أشبهت الصوم.
وأما كونه لا يفعلها على روايةٍ فلأن الصلاة عبادة بدنية محضة بخلاف الصوم.
وهذا أصح؛ لما ذكر، وبه يظهر الفرق بين الصلاة والصوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 43
باب صوم التطوع
قال المصنف رحمه الله: (وأفضله صيام داود [عليه السلام] 100 كان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
ويستحب صيام أيام البيض من كل شهر، وصوم الاثنين والخميس).
أما كون أفضل صيام التطوع صيام داود وكونه صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوماً ويفطر يوماً فلما روى عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً» 101 متفق عليه.
وفي تفضيل صوم داود على صوم التطوع إشعار بفضيلة صوم التطوع وهو صحيح.
والأصل فيه ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، الصوم جنة.
والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر وإذا لقي ربه» 102 متفق عليه.
وعموم قوله عليه السلام عن الله عز وجل: «لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أصير سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به» 103.
الجزء: 2 - الصفحة: 44
وأما كون صيام أيام البيض من كل شهر يستحب فلما روى أبو ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر! إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة [وخمس عشرة] (1») 105 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وأما كون صيام الاثنين والخميس يستحب فلما روى أسامة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم الاثنين والخميس.
فسئل عن ذلك فقال: إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» 106 رواه أبو داود.
قال: (ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر.
وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة، ويوم عرفة كفارة سنتين.
ولا يستحب لمن كان بعرفة).
أما كون من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر فلما روى أبو أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام شهر رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر» 107 رواه مسلم.
وأما كون صيام يوم عاشوراء كفارة سنة ويوم عرفة كفارة سنتي فلما روى أبو قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يوم عرفة فإني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» 108.104
الجزء: 2 - الصفحة: 45
وقال في صيام يوم عاشوراء: «إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله (1») 110 [رواه مسلم] 111.
وأما كون صيام يوم عرفة لا يستحب لمن كان بعرفة فلما روى ابن عمر قال: «حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه» 112.
ولأنه يوم يستحب فيه إكثار الدعاء فاستحب الفطر فيه إعانة لفاعله على ذلك.
قال: (ويستحب صوم عشر ذي الحجة.
وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم).
أما كون صوم عشر ذي الحجة يستحب فلما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العملُ الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام.
قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله.
قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» 113 أخرجه البخاري.
وأما كون أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم» 114 رواه مسلم.109
الجزء: 2 - الصفحة: 46
قال: (ويكره إفراد رجب بالصوم، وإفراد يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الشك ويوم النيروز والمهرجان إلا أن يوافق عادة).
أما كون إفراد رجب بالصوم يكره إذا لم يوافق عادة فلما روي عن خرشة قال: «رأيت عمر يضرب أكف الناس حتى يضعوها في الطعام -يعني في رجب- ويقول: إنما هو شهر كانت الجاهلية تعظمه.
ثم يقول: صوموا منه وأفطروا» 115.
ولأن في صومه كله تشبيهاً برمضان.
وأما كون إفراد يوم الجمعة بالصوم يكره كما تقدم فلما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده» 116 متفق عليه.
وأما كون إفراد يوم السبت بالصوم يكره كما تقدم فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» 117 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
فإن قيل: هذا لا يختص بالإفراد؟ .
قيل: قد تقدم في حديث أبي هريرة ما يدل عدم كراهية صومه مع غيره فتعين حمل هذا الحديث على صومه مفرداً.
وأما كون صوم يوم الشك وهو الذي يشك فيه هل هو من رمضان أو من شعبان يكره كما تقدم فلما روى عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم» 118.
وقد قيل: أنه حرام كذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 47
وأما كون صوم يوم النيروز والمهرجان يكره كما تقدم فلأنهما من أعياد الكفار ففي صومهما تعظيم لهما وتشبيه بأهلهما في التعظيم.
وأما قول المصنف رحمه الله: إلا أن يوافق عادة له فعائد إلى صوم يوم الجمعة وإلى المهرجان.
وإنما لم يكره إذا كان له عادة بصوم ذلك الزمن لأن العادة لها أثر في مثل ذلك وقد دل عليه قوله عليه السلام: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا من كان يصوم صوماً فليصمه» 119.
قال: (ولا يجوز صوم يومي العيدين عن فرض ولا تطوع، وإن قصد صيامهما كان عاصياً ولم يجزئه عن فرض).
أما كون صوم يومي العيدين لا يجوز فلما روي أن عمر قال في يوم عيد: «هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم» 120 متفق عليه.
والنهي ظاهر في التحريم.
وأما كون ذلك لا يجوز عن فرض ولا تطوع فلعموم الحديث المذكور.
وأما كون من قصد صيامهما يكون عاصياً فلأنه تعمد فعل الحرام.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعار بعدم عصيان من لم يقصد صيامهما وهو صحيح لأنه لم يقصد المخالفة فلم يوصف بالعصيان.
وأما كون من صامهما لا يجزئه عن فرض فلأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد والفساد لا يجامع الإجزاء، أو شرطه الصحة.
الجزء: 2 - الصفحة: 48
قال: (ولا يجوز صيام أيام التشريق تطوعاً، وفي صومها عن الفرض روايتان).
أما كون صيام أيام التشريق تطوعاً لا يجوز فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكرٍ لله عز وجل» 121 رواه مسلم.
وأما كون صومها عن الفرض لا يجوز في رواية فلعموم الحديث المذكور.
وأما كونه يجوز 122 في رواية؛ فلما روى ابن عمر وعائشة قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي» 123 رواه البخاري.
جوز صومها عن المتعة وباقي الفروض في معناها فيلحق بها.
قال: (ومن دخل في صوم أو صلاة تطوعاً استحب له إتمامه ولم يجب فإن أفسده فلا قضاء عليه).
أما كون من 124 دخل فيما ذكر يستحب له إتمامه؛ فلأن به تكمل العبادة وذلك مطلوب.
ولأن في الإتمام خروجاً من الخلاف.
وأما كون الإتمام لا يجب؛ فلما روت عائشة قالت: «قلت: يا رسول الله! أُهدي لنا حَيْس.
قال: هاتيه فجئت به فأكل.
وقال: قد كنت صائماً» 125 رواه مسلم.
والصلاة وسائر التطوعات تلحق به لاشتراكهما في المعنى.
ولأن 126 ما جاز ترك جميعه جاز ترك بعضه كالصدقة.
وأما كون من أفسد ذلك لا قضاء عليه فلأن ما لم يجب إتمامه لم يجب قضاؤه.
ولأن القضاء تبع المقضي عنه فإذا لم يكن واجباً لم يكن القضاء واجباً.
الجزء: 2 - الصفحة: 49
قال: (وتُطلب ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان، وليالي الوتر آكد، وأرجاها ليلة سبع وعشرين، ويدعو فيها بما روت عائشة قالت: «قلت يا رسول الله: إن وافقتها فبم أدعو: قال قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» (1».
أما كون ليلة القدر تطلب في العشر الأخير من رمضان فلقوله صلى الله عليه وسلم: «فالتمسوها في العشر الأواخر ... مختصر» 128 متفق عليه.
وقال: «اطلبوها في العشر الأواخر» 129.
وقد جاء «أنه كان يوقظ أهله في العشر» 130. و «أنه كان يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره» 131.
وأما كون ليالي الوتر آكد فلقوله صلى الله عليه وسلم: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» 132 متفق عليه.
وفي لفظ: «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» 133 رواه البخاري.127
الجزء: 2 - الصفحة: 50
وأما كون أرجاها ليلة سبع وعشرين فـ «لأن أبي بن كعب كان يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين.
فقيل له: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ فقال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إنها تطلع يومئذ لا شعاع لها» 134 رواه مسلم.
وأما كون من وافقها يدعو فيها بدعاء عائشة المتقدم ذكره فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بذلك فقال قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» 135 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وحكه صلى الله عليه وسلم على الواحد حكمه على الكل.
الجزء: 2 - الصفحة: 51
الجزء: 2 - الصفحة: 52