كتاب الصلاة
الصلاة في اللغة: الدعاء.
قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عليهم إن صلاتك سكنٌ لهم﴾ [التوبة: 103] أي ادع لهم إن دعاءك سكن لهم.
وفي الشرع: عبارة عن الأفعال المخصوصة المشتملة على الأذكار والدعاء.
وسميت في الشرع صلاة لاشتمالها على الدعاء.
وقيل: لرفع الصَّلاَ في الركوع.
والصَّلاَ مَغْرِز الذنب من الفرس.
وقيل: سميت صلاة لما فيها من الخشوع.
يقال: صليت العود بالنار إذا لينته.
فالمصلي يلين ويخشع.
والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [الأنعام: 72]، وقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا﴾ [النساء: 103] أي مؤقتاً.
وأما السنة؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» 1 متفق عليه.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على وجوب الصلوات الخمس في اليوم والليلة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي واجبة على كل مسلم بالغ عاقل إلا الحائض والنفساء).
أما كون الصلاة واجبة على كل مسلم بالغ عاقل ليس حائضاً ولا نفساء فلدخوله فيما تقدم من الكتاب والسنة والإجماع.
وأما كونها غير واجبة على الحائض؛ فلقوله عليه السلام: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل» 2 رواه البخاري.
ولقول عائشة رضي الله عنها: «كنا نؤمر بقضاء [الصوم ولا نؤمر بقضاء] 3 الصلاة» 4 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 256
وأما كونها غير واجبة على النفساء؛ فلأن حكمها حكم الحائض في غير ذلك.
فكذلك في هذا.
وتقييد المصنف رحمه الله وجوب الصلاة بما ذكر مشعر بعدم وجوبها على كافر وصبي ومجنون.
وسيأتي ذلك مصرحاً به إن شاء الله تعالى.
قال: (وتجب على النائم، ومن زال عقله بسكر، أو إغماء، أو شرب دواء).
أما كون الصلاة تجب على النائم؛ فلأنه يجب عليه قضاؤها إذا استوعب وقت الأداء بالنوم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو أنسيها فليصلها إذا ذكرها» 5 متفق عليه.
أمر والأمر للوجوب.
وإذا كان القضاء واجباً اقتضى تعلق الخطاب بالنائم لأنه لو لم يكن كذلك لما وجب القضاء بدليل المجنون.
وأما كونها تجب على من زال عقله بسكر؛ فلأن سكره معصية فلا يناسب إسقاط الواجب عنه.
ولأن حكمه حكم الصاحي في الطلاق والإقرار والحد بالقذف ونحو ذلك.
فكذلك يجب أن يكون حكمُه حكمَه في وجوب الصلاة.
وأما كونها تجب على المغمى عليه فـ «لأن عماراً روي أنه غشي عليه ثلاثاً.
ثم أفاق فقال: هل صليت؟ قالوا: ما صليت منذ ثلاث.
فقال: أعطوني وضوءاً فأعطوه.
فتوضأ ثم صلى تلك الثلاثة» 6.
الجزء: 1 - الصفحة: 257
وروى أبو مجلز: «أن سمرة بن جندب قال: المغمى عليه يترك الصلاة.
يصلي مع كل صلاة مثلها.
قال: قال عمران: زعم.
ولكن ليصليهن جميعاً» 7 رواهما الأثرم.
وجه الحجة: أن ما ذكر فعل الصحابة وقولهم ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعاً.
ولأن الإغماء لا يؤثر في إسقاط فرض الصيام فلا يؤثر في إسقاط الصلاة كالنوم.
وأما من زال عقله بشرب دواء فقد أطلق المصنف رحمه الله القول فيه بوجوب الصلاة عليه.
وقال في المغني: ينظر فيه فإن كان -يعني شُربُ الدواءِ- محرماً لم تسقط عنه الفرائض بذلك كما لو شرب مسكراً، وإن كان مباحاً له شربه سقط عنه فرض الصلاة كما لو زال بجنون.
ثم قال: ويتوجه أن لا يسقط كما لو زال بالإغماء.
قال: (ولا تجب على كافر ولا مجنون.
ولا تصح منهما.
وإذا صلى الكافر حكم بإسلامه).
أما كون الصلاة لا تجب على كافر؛ فلأنها لو وجبت عليه في حال كفره لوجب عليه قضاؤها في حال السلامة لأن وجوب الأداء يقتضي وجوب القضاء واللازم منتف لقول الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: 38].
ولأنه قد أسلم كثير في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده فلم يُؤمروا بقضاء.
ولأن في إيجاب القضاء تنفيراً لهم عن الإسلام فعفي عنه.
ولا فرق بين الأصلي والمرتد فيما ذكر لاستوائهما في ذلك.
وعن الإمام أحمد يجب على المرتد قضاء ما ترك حال ردته؛ لأنه اعتقد وجوبها وأمكنه التسبُّبَ إلى أدائها أشبه المسلم.
والأول المذهب؛ لأن الدليل الدال على إسقاط العبادة في حق الأصلي موجود في حق المرتد فوجب أن يثبت له حكمه عملاً بالمقتضي الشامل لهما.
وأما كونها لا تجب على مجنون؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث: ذكر منهم المجنون حتى يُفيق» 8 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن.
الجزء: 1 - الصفحة: 258
ولأن مدته تطول غالباً فعفي عنه لما في إيجاب القضاء المتكرر من الضرر المنتفي شرعاً.
وأما كونها لا تصح من كافر ولا مجنون؛ فلأن من شرط صحتها النية وهي لا تصح من كافر ولا تقع من مجنون.
ولأن صحة الصلاة تقتضي دخول الجنة غالباً وذلك معلوم الانتفاء مع الكفر.
ولأن السكران ممنوع من فعل الصلاة لزوال عقله فكذلك المجنون لاشتراكهما في الزوال بل أولى لأن المجنون لا يدرك شيئاً بخلاف السكران فإنه قد يدرك بعض الأشياء.
وأما كون الكافر إذا صلى حكم بإسلامه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا: فهو منا.
له ما لنا وعليه ما علينا» 9.
ولأن الصلاة عبادة تختص شرعنا أشبهت الشهادة.
وسواء في ذلك صلاته في دار الحرب أو في دار الإسلام.
جماعة أو فرادى؛ لعموم ما ذكر.
قال: (ولا تجب على صبي.
وعنه تجب على من بلغ عشراً).
أما كون الصلاة لا تجب على صبي لم يبلغ عشراً فلا خلاف فيه عند الإمام أحمد؛ لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ ... الحديث» 10.
وأما كونها لا تجب على من بلغ عشراً ولم يبلغ على المذهب؛ فلما ذكر.
وأما كونها تجب عليه على روايةٍ؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «مروا الصبي بالصلاة لسبع واضربوه عليها لعشر» 11. والضرب لا يكون إلا لترك واجب.
الجزء: 1 - الصفحة: 259
والصحيح الأول؛ لما ذكر من الحديث.
والضرب للتمرين.
قال: (ويؤمر بها لسبع ويضرب على تركها لعشر [فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها لزمه إعادتها).
أما أمر الصبي بالصلاة لسبع وضربه عليها لعشر] 12 فللحديث المذكور قبل.
وأما كون من بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها يلزمه إعادتها؛ فلأن الأولى 13 وقعت نفلاً.
وببلوغه في الوقت صارت الصلاة واجبة عليه فلم تجزئه عن الفرض كما لو نوى نفلاً في صلاة مفروضة.
قال: (ولا يجوز لمن وجبت عليه الصلاة تأخيرها عن وقتها إلا لمن ينوي الجمع أو لمشتغل بشرطها).
أما كون من وجبت عليه الصلاة لا يجوز له تأخيرها عن وقتها لغير المستثنى؛ فلأن الصلاة يجب إيقاعها في الوقت فإذا خرج الوقت ولم يأت بها كان تاركاً للواجب مخالفاً للأمر.
والتارك للواجب المخالف للأمر عاصٍ مستحق للعقاب.
وأما كون من ينوي الجمع يجوز له تأخيرها عن وقتها فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر الأولى في الجمع فيصليها في وقت الثانية» 14.
وسيأتي ذلك مبيناً في باب الجمع 15.
ولأن وقت الصلاتين يصير وقتاً لكل واحدة منهما.
فإن قيل: فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى استثناء من ينوي الجمع لأن الاستثناء له إنما هو من التأخير عن آخر الوقت.
فإذا كان الوقتان وقتاً لهما لم يحتج إلى ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 260
قيل: لما كان وقت كل صلاة معلوماً تبادر الذهن عند قولنا عن وقتها إليه.
وذلك يحتاج معه إلى الاستثناء لأن من ينوي الجمع يجوز أن يؤخر الصلاة عن آخر ذلك الوقت المتبادر إلى الذهن.
وأما كون المشتغل بشرط الصلاة يجوز له تأخيرها عن وقتها؛ فلأنه لا يجوز له الدخول في الصلاة مع عدم شرطها.
فكيف يوصف الدخول بالوجوب؛ لأن قولنا لا يجوز له التأخير ينافيه قولنا يجب عليه الدخول.
إذا علم ذلك ففي جواز التأخير للمشتغل بالشرط نظر.
وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه لم ينقله أحد من الأصحاب ممن تقدم المصنف رحمه الله ممن نعلمه.
بل نقلوا المسألة المتقدم ذكرها واستثنوا من نوى الجمع لا غير.
ذكر ذلك أبو الخطاب في هدايته وصاحب النهاية فيها وفي خلاصته.
وثانيهما: أن ذلك يدخل فيه من أخر الصلاة عمداً حتى بقي من الوقت مقدار الصلاة.
ولا وجه لجواز التأخير له.
قال: (ومن جحد وجوبها كفر.
فإن تركها تهاوناً لا جحوداً دعي إلى فعلها، فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله.
وعنه: لا يجب حتى يترك ثلاثاً ويَضيق وقت الرابعة.
ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل بالسيف.
وهل يقتل حداً أو لكفره؟ على روايتين).
أما كون من جحد وجوب الصلاة يكفر؛ فلأنه كذب الله تعالى في خبره.
وأما كون من تركها تهاوناً لا جحوداً يُدعى إلى فعلها فلاحتمال أنه تركها لعذر يعتقد سقوطها بمثله كالمرض ونحوه.
وأما كون من تركها تهاوناً ودعي إلى فعلها وأبى يجب قتله في الجملة؛ فلأن الصلاة آكد من الزكاة.
وقد أجمع الصحابة على وجوب قتل مانعها؛ فلأن يجب قتل تارك الصلاة بطريق الأولى.
وأما كونه يجب قتله إذا تضايق وقت الثانية على المذهب؛ فلأنه إذا لم يجب قتله بالأولى في وقتها لإمكان فعلها فيه ولا إذا خرج وقتها لأنها صارت فائتة -والفائتة لا يقتل بها لأن وقتها موسع في بعض المذاهب- تعين وجوب قتله إذا ضاق وقت الثانية عن فعلها لأنه يُعلم أنه قد عزم على ترك الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 261
وأما كونه لا يجب قتله حتى يترك ثلاثاً ويَضيق وقت الرابعة على روايةٍ؛ فلأنه قد يترك الصلاة والصلاتين والثلاث لشبهة.
فإذا ترك الرابعة علم أنه عزم على ترك الصلاة بالكلية.
وأما كونه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام فبالقياس على المرتد.
وأما كونه يقتل إن لم يتب فكالمرتد إذا لم يتب، وكمانع الزكاة إذا لم يؤدها.
وأما كونه يقتل بالسيف؛ فلأنه قتلٌ واجب فكان بالسيف كالقصاص.
وأما كونه يقتل حداً على روايةٍ فبالقياس على الزاني المحصن.
وأما كونه يقتل لكفره فلقول الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: 5].
وقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: 11].
وقوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه الذمة» 16.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» 17 رواه مسلم.
ولأن الصلاة من دعائم الإسلام لا يدخلها نيابة نفس ولا مال فيكون تاركها كافراً كالشهادتين.
وهذه الرواية هي ظاهر المذهب لما ذكر.
والأولى اختيار المصنف رحمه الله؛ لما ذكر.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة من لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» 18 من المسند.
والكافر لا يدخل تحت مشيئته.
ولأنها فعل واجب فلم يكفر تاركها المعتقد لوجوبها كالحج.
الجزء: 1 - الصفحة: 262
باب الأذان والإقامة
الأذان 19 في اللغة: الإعلام.
قال الله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ [التوبة: 3] أي وإعلام.
وقال تعالى: ﴿فقل آذنتكم على سواء﴾ [الأنبياء: 109] أي أعلمتكم فاستوينا في العلم.
قال الشاعر 20:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ ... رب ثاوٍ يَمَلُّ منه الثَّواءُ
وقال الحطيئة 21:
أَلاَ إنّ ليْلى آذَنَتْ بِقُفُولٍ ... وما آذَنَتْ ذا حَاجَةَ برَحِيلِ
وفي الشرع: [هو] 22 الإعلام بدخول الوقت للصلاة.
يقال: أذّن يُؤذن أذاناً وتأذيناً أي أعلم الناس بدخول الوقت للصلاة.
وشُدد للمبالغة والتكثير؛ لأن المؤذن يكرر الشهادتين.
والإقامة في اللغة: الإدامة.
ومنه قوله تعالى: ﴿ويقيمون الصلاة﴾ [البقرة: 3] أي ويديمون فعلها.
وفي الشرع هنا: إعلام الحاضرين بقيام الصلاة ليقوموا فيصطفوا.
والأصل في الأذان قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: 9]، ، وقوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعبا﴾ [المائدة: 58]، ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في النداء ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» 23 رواه البخاري.
الجزء: 1 - الصفحة: 263
قال المصنف رحمه الله: (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها.
للرجال دون النساء).
أما كون الأذان والإقامة مشروعين للصلوات الخمس للرجال؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُؤذن له للصلوات الخمس وتقام سفراً وحضراً.
وأما كونهما غير مشروعين في غير الصلوات الخمس؛ فلأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما كونهما غير مشروعين للنساء؛ فلأنهما مشروعان للإعلام.
يسن فيهما رفع الصوت ورفع الصوت مكروه للنساء لأن صوتهن عورة.
وقد روى النجاد بإسناده عن أسماء قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ... مختصر» 24.
قال: (وهما فرض على الكفاية.
إن اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام).
أما كون الأذان فرضاً على الكفاية؛ فلما روى مالك بن الحويرث قال: «أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأقمنا عنده عشرين يوماً.
وكان رحيماً رفيقاً.
فظن أننا قد اشتقنا إلى أهلنا.
فقال: ارجعوا إلى أهلكم.
وليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم» 25 متفق عليه.
أمر أحدهم بالأذان فظاهر الأمر الوجوب فيكون ذلك فرضاً على الكفاية للإجماع على أنه ليس فرضاً على الأعيان.
الجزء: 1 - الصفحة: 264
وقد روى أبو الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من ثلاثة لا يُؤذن ولا يُقام فيهم إلا استحوذ عليهم الشيطان» 26 رواه البخاري.
ولأن الأذان من شعائر الإسلام أشبه الجهاد.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليه سفراً وحضراً ولو كان ذلك غير واجب لبين حكمه بالترك ولو مرة.
وأما كون الإقامة فرضاً على الكفاية؛ فلأنها كأذان معنى فوجب أن تكون كالأذان حكماً.
وعن الإمام أحمد أنها سنة؛ لما روى الأثرم بإسناده عن علقمة والأسود قالا: «دخلنا على عبدالله فقام فصلى بلا أذان ولا إقامة» 27.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء في صلاته: إذا أدركتَ الصلاة فأحسن الوضوء.
ثم استقبل القبلة فكبر» 28. ولم يأمره بأذان ولا إقامة.
والصحيح الأول لما ذكر.
وحديث المسيء يدل على أن الأذان والإقامة ليسا ركناً ولا شرطا لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين له الأركان والشرائط ونحن نقول به.
وذلك لا ينفي كونهما فرضين على الكفاية.
فإن قيل: ذلك يختص أهل البلدان أم يعم البلدان والقرى والصحراء جماعة وفرادى؟
قيل: يختص أهل البلدان.
ذكره القاضي؛ لأنها هي المواضع التي يقصد فيها شعائر الإسلام غالباً.
وتختص الجماعة بذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 265
وقيل: يعم ما ذكر.
وهو الصحيح من المذهب لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذن له ويقام سفراً وحضراً.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد الخدري: إذا كنت في غنمك أو في باديتك فأذّنت بالصلاة فارفع صوتك فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» 29 رواه البخاري.
ويكفي أذان واحد لجميع أهل البلد الصغير والمحلة الكبيرة إذا كان يسمعهم جميعهم؛ لأن الغرض إسماعهم.
وذلك حاصل بما ذكر.
وأما كون الإمام يُقاتل أهل بلد اتفقوا على تركهم الأذان والإقامة؛ فلأنهم تركوا ما هو من شعائر الإسلام الظاهرة.
فكان للإمام أن يقاتلهم؛ كما لو تركوا الجهاد.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أن ما ذكر مرتب على القول بفرضهما على الكفاية لأنه قال: وهما فرض على الكفاية إن اتفق أهل بلد.
وهو ظاهر كلامه في المغني أيضاً؛ لأنه حكى أنهما فرض كفاية.
ثم قال: فعلى هذا إذا قام به قوم سقط عن الباقين.
فإن اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام.
فعلى هذا يكون قتال الإمام لهم لتركهم الواجب كقتال مانعي الزكاة.
وقال صاحب النهاية فيها: سواء قلنا أنهما سنة أو واجب متى اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام لأنهما من أعلام الدين الظاهرة فلا يرخص في تعطيلهما لأن الشعائر المستمرة الظاهرة في الشريعة لو خلا منها قطرٌ لتبادر الخلق بالإنكار والاستنكار.
قال: (ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما في أظهر الروايتين.
فإن لم يوجد متطوع بهما رَزق الإمامُ من بيت المال من يقوم بهما).
أما كون أخذ الأجرة على الأذان لا يجوز في أظهر الروايتين؛ فلما روى عثمان بن أبي العاص أنه قال: «إن آخر ما عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» 30. قال الترمذي: حديث حسن.
الجزء: 1 - الصفحة: 266
ولأنه يقع قربة لفاعله أشبه الإمامة.
وأما كونه يجوز على روايةٍ؛ فلأن فعله عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه [فجاز أخذ الأجرة عليه] 31 كسائر الأعمال.
والأولى أصح؛ لأن دليل الثانية قياس مع وجود النص وذلك فاسد.
وأما كون أخذ الأجرة على الإقامة لا يجوز ففيه الروايتان المذكورتان لأنها كالأذان معنى فكذا يجب أن تكون حكماً.
وأما كون الإمام يَرزق من بيت المال من يقوم بهما إذا لم يوجد متطوع بهما؛ فلأن الحاجة داعية إليه فجاز إعطاء الرزق عليه كالجهاد.
وتقييد المصنف رحمه الله رزق الإمام بعدم وجدان متطوع مشعر بأنه إذا وجد متطوع بهما لم يرزقه من بيت المال.
وهو صحيح لأن بيت المال مُرْصَدٌ للمصلحة ولا مصلحة في الرزق مع وجدان المتطوع فلا يفعل لعدم المصلحة.
قال: (وينبغي أن يكون المؤذن صَيِّتاً أميناً عالماً بالأوقات).
أما كون المؤذن ينبغي أن يكون صيتاً فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله: ألقه على بلال فإنه أندى صوتاً» 32.
ولأنه أبلغ في الإعلام المقصود بالأذان.
وأما كونه ينبغي أن يكون أميناً؛ فلأنه يحتاج إلى ذلك لكونه يُؤمَن على الأوقات، وعلى الكف عن النظر إلى الجيران.
وأما كونه ينبغي أن يكون عالماً بالأوقات فليتمكن من الأذان في أول الأوقات.
قال: (فإن تشاح فيه نفسان قدم أفضلهما في ذلك.
ثم أفضلهما في دينه وعقله.
ثم من يختاره الجيران، فإن استويا أقرع بينهما).
أما كون أفضل المؤذنيْن في ذلك -أي في الصوت والأمانة والعلم بالأوقات- يقدم إذا تشاحا؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم بلالاً على عبدالله لكونه أندى صوتاً منه» 33. والأمران الآخران في معناه.
الجزء: 1 - الصفحة: 267
وأما كون أفضلهما في دينه وعقله يقدم؛ فلأنه إذا قدم بالأفضل في الصوت؛ فلأن يقدم بالأفضل في ذلك بطريق الأولى؛ لأن مراعاة الدين والعقل أولى من مراعاة الصوت لأن ضرر فقد الدين أو العقل شديد؛ لأنه يتعدى إلى رؤية الجيران وغير ذلك بخلاف ضرر فَقْدِ حسن الصوت؛ فلأنه لا يؤدي إلى ذلك.
وأما كون من يختاره الجيران يقدم بعد ما تقدم ذكره؛ فلأنهم أعلم بمن يبلغهم صوته ولا ينظر إلى حريمهم ويكف عن عوراتهم فاعتبر اختيارهم ورجح به كالإمامة.
وأما كونهما يقرع بينهما إذا استويا؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» 34 متفق عليه.
و«لأنه لما تشاح الناس يوم القادسية في الأذان فاختصموا إلى سعد أقرع بينهم» 35.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله يقتضي تقديم من يختاره الجيران على القرعة.
قيل: في ذلك روايتان.
إحداهما: هو كذلك؛ لما ذكر قبل.
والثانية: يقدم من خرجت له القرعة لأن القرعة تزيل الإبهام وتجعل من خرجت له كالمستحق المتعين.
قال: (والأذان خمس عشرة كلمة.
لا ترجيع فيه.
والإقامة إحدى عشرة كلمة.
فإن رجع في الأذان أو ثنى الإقامة فلا بأس.
ويقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين).
أما كون الأذان خمس عشرة كلمة، والإقامة إحدى عشرة كلمة؛ فلما روى عبدالله بن زيد قال: «لما أَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يُعمل لجمع الناس للصلاة وهو كاره لموافقة النصارى.
طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً.
فقلت له: يا
الجزء: 1 - الصفحة: 268
عبدالله! ألا تبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة.
فقال: ألا أدلك على ما هو خير من ذلك.
فقلت له: بلى.
قال: تقول: الله أكبر الله أكبر.
الله أكبر الله أكبر.
أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله.
أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله.
حي على الصلاة حي على الصلاة.
حي على الفلاح حي على الفلاح.
الله أكبر الله أكبر.
لا إله إلا الله.
ثم استأخر عني غير بعيد.
قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر.
أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله.
حي على الصلاة حي على الفلاح.
قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.
فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت.
قال: إنها رؤيا حق إن شاء الله.
فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت.
فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك.
قال: فجعلت أُلقيه عليه ويؤذن به.
فسمع عمر ذلك وهو في بيته.
فخرج يجر رداءه.
فقال: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لقد رأيتُ مثل الذي رأى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله» 36 رواه أبو داود.
وذكر الترمذي آخره بهذا الطريق.
وقال: حديث عبدالله بن زيد حديث حسن صحيح.
فإن قيل: ما معنى هذه 37 الكلمات؟ .
قيل: معنى حي على الصلاة أقبلوا إلى الصلاة.
وقيل: أسرعوا.
ومعنى الفلاح البقاء لأن المصلي يدخل الجنة إن شاء الله فيبقى فيها ويخلد.
وقيل: هو الرشد والخير.
وطَالِبُهُما مفلح لأنه يصير إلى الفلاح.
وقيل: هو إدراك الطلب والظفَر.
وأما كون الأذان لا ترجيع فيه.
وهو: أن يُكرر لفظ الشهادتين يَخفض بهما صوته.
ثم يرفعه؛ فلأن أذان عبدالله لا ترجيع فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 269
وأما كون المؤذن إذا رجَّع في الأذان لا بأس فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أبا محذورة الأذان مُرَجّعاً» 38. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قيل لأحمد رحمة الله عليه: حديث أبي محذورة بعد فتح مكة.
قال: أليس قد رَجَع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأقر بلالاً على أذانه.
أشار الإمام أحمد رحمة الله عليه إلى ترجيح أذان بلال من حيث إنه مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن أذانه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما كونه إذا ثنى الإقامة.
وهو: أن يقيم كما يؤذن بزيادة قد قامت الصلاة مرتين لا بأس؛ فلأن في حديث عبدالله بن زيد في بعض طرقه «أنه أقام مثل أذانه» 39 رواه أبو داود.
وأما قول المصنف رحمه الله: فلا بأس؛ فمشعر بأن الأولى أن لا يرجع الأذان ولا يثني الإقامة.
وهو صحيح لأن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل ذلك في أذانه ولا في إقامته.
وفي الحديث: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» 40 متفق عليه.
وروى ابن عمر [قال] 41: «كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والإقامة واحدة.
غير أن المؤذن كان إذا قال: قد قامت الصلاة قالها مرتين» 42.
الجزء: 1 - الصفحة: 270
وأما كونه يقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين؛ فلما روى أبو محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن كان في أذان الصبح قلت: الصلاة خير من النوم مرتين» 43 رواه النسائي.
قال: (ويستحب أن يَتَرَسَّلَ في الأذان.
ويحدر الإقامة 44. ويؤذن قائماً متطهراً على موضع عال مستقبل القبلة.
فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً ولم يستدر.
ويجعل أصبعيه في أذنيه.
ويتولاهما معاً.
ويقيم في موضع أذانه إلا أن يشق عليه).
أما كون المؤذن يستحب أن يَتَرَسّل في الأذان -وهو التمهل والتأني.
من قولهم جاء فلان على رِسْله- وأن يحدر الإقامة وهو الإسراع؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر» 45. رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث غريب.
وأما كونه يستحب أن يؤذن قائماً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: قم فأذن» 46.
ولأنه أبلغ في الإسماع.
وأما كونه يستحب أن يؤذن متطهراً؛ فلأن أبا هريرة قال: «لا يؤذن إلا متوضئ» 47. وروي مرفوعاً.
أخرجه الترمذي.
وأما كونه يستحب أن يؤذن على موضع عال؛ فلأنه أبلغ في الإعلام.
الجزء: 1 - الصفحة: 271
وأما كونه يستحب أن يؤذن مستقبل القبلة فاقتداء بمؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأنه دعاء إلى جهة القبلة فاقتضى أن يكون من 48 سنته التوجه إليها.
وأما كونه يستحب أن يلتفت إذا بلغ الحيعلة يميناً وشمالاً ولا يستدبر القبلة؛ فلما روى أبو جحيفة قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة له حمراء من أدم.
فأذن بلال فجعلت أتتبع فاه يقول يميناً وشمالاً: حي على الصلاة حي على الفلاح» 49 متفق عليه.
وفي لفظ: «ولم يستدر» 50 رواه أبو داود.
وأما كونه يستحب أن يجعل أصبعيه في أذنيه؛ فلأن في حديث أبي جحيفة: «وأصبعاه في أذنيه» 51 رواه الترمذي.
وأما كونه يستحب أن يتولى الأذان والإقامة معاً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخا صداء أذّن ومن أذّن فهو يقيم» 52 من المسند.
ولأنهما فصلان من الذكر يندبان للصلاة فاستحب أن يتولاهما واحد كالخطبتين.
وأما كونه يستحب أن يقيم في موضع أذانه إذا لم يشق عليه؛ فلأن الإقامة مشروعة للإعلام فشرعت في موضع الأذان ليكون أبلغ.
ولأنه فصل باق من الذكر يتقدم عليه فصل من جنسه فكان محلهما واحد كالخطبتين.
فإن قيل: المراد بالإقامة في موضع الأذان عدم التأخر عنه مطلقاً أم لا.
قيل: التأخر عنه باليسير غير البعيد لا يخل بالسنة لأن في حديث عبدالله بن زيد «فاستأخر غير بعيد» 53.
الجزء: 1 - الصفحة: 272
وأما كونه لا يستحب ذلك إذا شق عليه مثل أن يكون في منارة أو شبهها؛ فلأن فيه تفويتاً للركعة الأولى.
قال: (ولا يصح الأذان إلا مرتباً متوالياً.
فإن نكسه أو فرق بينه بسكوت طويل أو كلام كثير أو محرم لم يعتد به).
أما كون الأذان لا يصح إلا مرتباً متوالياً؛ فلأنه [لا يعلم أنه أذان بدونهما.
ولأنه] 54 شرع في الأصل مرتباً متوالياً وعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا محذورة مرتباً متوالياً.
وأما كونه لا يعتد به إذا نكسه وهو أن يجعل آخره أوله وأوله آخره أو نحو ذلك، أو فرق بينه بسكوت طويل أو كلام كثير؛ فلما ذكر من أنه لا يعلم أنه أذان مع ذلك.
وأما كونه لا يعتد به إذا فرق بينه بكلام محرم وإن قل كالقذف والسب؛ فلأنه فعل يخرجه عن أهلية الأذان أشبه الردة.
قال: (ولا يجوز قبل دخول الوقت 55 إلا الفجر فإنه يؤذن لها بعد نصف الليل.
ويستحب أن يجلس بعد أذان المغرب جلسة خفيفة ثم يقيم).
أما كون الأذان لا يجوز قبل دخول الوقت في غير الفجر؛ فلأن الأذان شرع للإعلام بالوقت فلو جاز قبل الوقت لذهب مقصوده.
وأما كونه يجوز في الفجر قبل ذلك؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» 56 متفق عليه.
وهذا يدل على دوام ذلك.
فإن قيل: هذا يدل على الجواز لكن بشرط كونهما مؤذنين كمؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل: كونهما مؤذنين ليس بشرط.
بدليل ما روى زياد بن الحارث الصدائي قال: «لما كان أذان الصبح أمرني النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت.
فجعلت أقول: أقيم يا رسول
الجزء: 1 - الصفحة: 273
الله! فجعل ينظر إلى ناحية المشرق.
ويقول: لا.
حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز.
ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه فتوضأ فأراد بلال أن يقيم ... الحديث» 57. رواه الترمذي.
ولأن الفجرَ وقتُها وقت نوم الناس فجاز تقديم الأذان ليتأهبوا.
ويحتمل أن فيهم من احتلم أو جامع فينتبه ليغتسل فيدرك الصلاة في أول وقتها.
وأما كون الجواز المذكور يختص بعد نصف الليل؛ فلأن الليل إذا تنصف ترجح جانب الفجر.
والمستحب أن لا يكون بين الأذان وطلوع الفجر إلا شيء قليل «لأنه كان بين أذان بلال وبين أذان ابن أم مكتوم قدر ما ينزل هذا ويطلع هذا» 58.
ويستحب أن يكون مؤذنان: أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر عند طلوعه اقتداء بمؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وليحصل الإعلام من أحدهما بقرب الوقت، ومن الآخر بدخول الوقت.
وأما كون المؤذن يستحب أن يجلس بعد أذان المغرب جلسة خفيفة ثم يقيم؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جلوس المؤذن بين الأذان والإقامة في المغرب سنة» 59 رواه تمام في الفوائد.
الجزء: 1 - الصفحة: 274
قال: (ومن جمع بين صلاتين أو قضى فوائت أذّن وأقام للأولى ثم أقام لكل صلاة بعدها).
أما كون من جمع بين صلاتين يؤذن ويقيم للأولى ثم يقيم؛ فلما روى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما -أي بين المغرب والعشاء- بجَمْع بأذان وإقامتين» 60.
وأما كون من قضى فوائت يؤذن ويقيم للأولى ثم يقيم لكل صلاة بعدها فـ «لأن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله.
فأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى الظهر.
ثم أمره فأقام وصلى العصر.
ثم أمره فأقام وصلى المغرب.
ثم أمره فأقام فصلى العشاء» 61 رواه أحمد.
قال: (وهل يجزئ أذان المميز للبالغين؟ على روايتين).
أما إجزاء أذان المميز على روايةٍ.
ومعناه: أنه يعتد به؛ فلأنه ذَكَرٌ تصح صلاته أشبه البالغ.
وروى ابن المنذر بإسناده عن عبدالله بن أنس قال: «كان عمومتي يأمروني أن أؤذن لهم وأنا غلام لم أحتلم وأنس بن مالك شاهد فلم ينكر ذلك عليهم».
وهذا مما يظهر ولا يخفى فيكون كالإجماع.
وأما عدم إجزائه على روايةٍ؛ فلأنه لا يقبل خبره فلم يصح الإعلام بأذانه.
قال: (وهل يعتد بأذان الفاسق والملحن؟ على وجهين).
أما كون أذان الفاسق لا يعتد به على وجهٍ؛ فلأنه لا يقبل خبره.
ولأنه قد روي في الحديث: «وليؤذن لكم خياركم» 62.
الجزء: 1 - الصفحة: 275
ولأنه يستحب أن يؤذن على موضع عال فإذا لم يكن عدلاً فلا يؤمن منه النظر إلى العورات.
وأما كونه يعتد به على وجهٍ؛ فلأنه أذان رجل مكلف فاعتد به كأذان العدل.
وأما كون الأذان الملحن وهو الأذان الذي فيه تمديد لا يعتد به على وجهٍ؛ فلما روى ابن عباس قال: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلاً سمحاً وإلا فلا تؤذن» 63 رواه الدارقطني.
ولأنه يخرج الكلام عن حد الإفهام.
وأما كونه يعتد به على وجهٍ؛ فلأن المقصود الإعلام وهو يحصل به أشبه غير الملحن.
قال: (ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول إلا في الحيعلة فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ويقول بعد فراغه: اللهم! رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد).
أما كون من سمع المؤذن يستحب له أن يقول كما يقول في غير الحيعلة؛ فلما روى أبو سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول» 64 متفق عليه.
وأما كونه يستحب له أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله في الحيعلة؛ فلما روى عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر.
فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر.
ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله.
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله.
ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله.
الجزء: 1 - الصفحة: 276
فقال: أشهد أن محمداً رسول الله.
ثم قال: حي على الصلاة.
فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قال: حي على الفلاح.
فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قال: الله أكبر الله أكبر.
فقال: الله أكبر الله أكبر.
ثم قال: لا إله إلا الله.
قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة» 65 رواه مسلم.
وأما كونه يستحب له أن يقول بعد فراغه: اللهم! رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد؛ فلما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم! رب هذه الدعوة التامة وذكر إلى قوله: الذي وعدته.
حلت له الشفاعة يوم القيامة» 66 رواه البخاري.
ولم يذكر الدرجة الرفيعة، ولم يُعَرّف المقام ولا المحمود.
ورواه غيره معرفاً لهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 277
باب شروط الصلاة
الشروط: جمع شرط.
والشرط في اللغة: ما يلزم من وجوده وجود المشروط.
وفي الشرع: ما يلزم من عدمه عدمه؛ كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة.
وسمي الشرط شرطاً لأنه علامة على المشروط.
ومنه: أشراط الساعة أي علاماتها.
قال المصنف رحمه الله: (وهي ما يجب لها قبلها.
وهي ست:
أولها: دخول الوقت.
والثاني: الطهارة من الحدث).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي ما تجب لها قبلها؛ فبيان لمعنى شروط الصلاة.
وسميت شروط الصلاة شروطاً لأنها متقدمة على الصلاة وسابقة لها وأعلام عليها.
وأما كون الشروط ستة؛ فلأنها دخول الوقت، والطهارة، وستر العورة، واجتناب النجاسات، واستقبال القبلة، والنية.
وأما كون ذلك كله شروطاً للصلاة:
أما دخول الوقت؛ فلأن عمر رضي الله عنه قال: «والصلاة لها وقت شرطه الله 67 لا تصلح إلا به» 68.
[وأما الوقت فيأتي بيانه إن شاء الله] 69.
الجزء: 1 - الصفحة: 278
وأما [اشتراط] 70 الطهارة من الحدث؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» 71 متفق عليه.
قال: (والصلوات المفروضات خمس: الظهر وهي الأولى.
ووقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله 72 بعد الذي زالت عليه الشمس).
أما كون الصلوات المفروضات خمساً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة» 73.
وفي حديث الأعرابي «أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره بذلك: هل عليّ غيرها؟ قال: لا [إلا أن تطوع] (5») 75.
وأما كون الظهر الأولى؛ فلأن جبريل بدأ بها حين بيّن للنبي صلى الله عليه وسلم الوقت 76.
ولأن أبا برزة الأسلمي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس -يعني حين تزول-» 77 متفق عليه.
وأما كون وقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله؛ فلما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمّني جبريل عند البيت مرتين.
فصلى بي الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس والفيء مثل الشراك.
ثم صلى بي في المرة الآخرة حين صار ظل كل شيء مثله.
وقال: الوقت ما بين هذين» 78 في حديث طويل.
قال الترمذي: هو حديث حسن.74
الجزء: 1 - الصفحة: 279
ويعرف الزوال بطول الظل بعد تناهي قصره.
وأما كون الظل المذكور بعد الذي زالت عليه الشمس؛ فلأن الشمس تزول في بعض الأوقات وبعض الأمكنة وللشيء ظل فلم يكن بد من اعتباره.
قال: (والأفضل تعجيلها إلا في شدة الحر والغيم لمن يصلي جماعة).
أما كون الأفضل تعجيل الظهر في غير الحالتين المذكورتين؛ فلحديث أبي برزة المتقدم.
ولقول عائشة: «ما رأيت أحداً أشد تعجيلاً للظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من أبي بكر ولا من عمر رضي الله عنهما» 79. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وأما كون الأفضل في شدة الحر تأخيرها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة.
فإن شدة الحر من فيح جهنم» 80 متفق عليه.
فإن قيل: الأمر بالإبراد رخصة أم سنة.
قيل: الأرجح أنه سنة؛ لأنه أمر به، وأدنى مراتب الأمر الاستحباب؛ فلأن شدة الحر تمنع الخشوع.
فجرى مجرى حضور الطعام [والشراب] 81 وبه حاجة إليه.
ذكر ذلك صاحب النهاية فيها.
وصرح المصنف رحمه الله في المغني والكافي أنه مستحب لما تقدم.
فإن قيل: الإبراد يستحب في الجمعة كالظهر.
قيل: لا؛ لما روى سلمة بن الأكوع «كنا نُجَمِّع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس» 82.
الجزء: 1 - الصفحة: 280
ولأنه لم ينقل تأخيرها بل تعجيلها.
فروى سهل بن سعد: «ما كنا نقيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة» 83 رواه البخاري.
ولأن السنة المباكرة 84 إليها واجتماع الناس لها قبل الزوال فلو شرع [تأخيرها] 85 لتأذى الناس بحر المسجد.
وأما كون الأفضل في الغيم تأخيرها؛ فلأنه لا يؤمن مع التعجيل عدم مصادفة الوقت حقيقة؛ لأن الدخول في الصلاة يجوز إذا غلب على الظن دخول الوقت فإذا كان غيم وصلى بناء على غلبة الظن ربما صادف في الباطن عدم الوقت.
وقول المصنف رحمه الله: لمن يصلي جماعة؛ يحتمل أن يعود إلى شدة الحر والغيم جميعاً.
فعلى هذا يكون عدم أفضلية التعجيل في شدة الحر والغيم مشروطاً بكون المصلي يصلي جماعة.
ولم أر ذلك لغيره ولا له في غير مقنعه.
إلا أنه نقل في المغني عن القاضي أنه قال: يستحب تأخير الظهر والمغرب في الغيم.
وأنه علل ذلك بأنه وقت يخاف منه العوارض والموانع من المطر والريح والبرد فتلحق المشقة في الخروج لكل صلاة.
وفي تأخير الأولى من صلاتي الجمع وتقديم الثانية دفع لهذه المشقة.
فعلى هذا يكون التأخير للغيم مشروطاً بحضور الجماعة؛ لأن المعنى لا يحصل إلا بذلك.
ولا تكون علة التأخير في الغيم إلا من عدم إصابة الوقت في الحقيقة.
ويحتمل أن يعود يعني قوله: لمن يصلي جماعة إلى شدة الحر فقط ويكون الغيم لا حظ له في ذلك.
وفيه بُعْد لتوسط أجنبي بين الحكم وشرطه إلا أن ذلك موافق لنقل الأصحاب ونقل المصنف رحمه الله في سائر مصنفاته.
وإنما اشترطت الصلاة جماعة في عدم أفضلية التعجيل؛ لأن في التعجيل السعي في الشمس وشدة الحر وذلك مشقة في حق من يصلي جماعة لا في حق غيره.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله: أنه لا يشرط غير ما ذكر.
الجزء: 1 - الصفحة: 281
وضم القاضي إلى شدة الحر وصلاة الجماعة في المسجد: أن يكون في البلاد الحارة كبغداد ونحوها؛ لأن التأخير إنما استحب لينكسر الحر ويتسع فيء الحيطان فيكثر السعي إلى الجماعات وذلك مفقود في من فقد منه شرط من هذه الثلاثة.
فعلى هذا من يصلي في بيته جماعة، أو فرادى، أو في مسجدٍ بفنائه، أو يكون ببلد ليس بحار كالشام ونحوه فالأفضل تعجيلها له بكل حال لزوال المقتضي للتأخير.
وقد روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه كان يؤخرها في مسجده.
ولم تكن هذه الصفة.
فعلى هذا لا فرق بين البلد الحار وغيره ولا بين مَنِ المسجد بفنائه ومن يصلي في بيته ومن غير ذلك وهو الصحيح لأنه داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتد الحر فأبردوا» 86.
قال: (ثم العصر وهي الوسطى.
ووقتها من خروج وقت الظهر إلى اصفرار الشمس.
وعنه إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه.
ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس.
وتعجيلها أفضل بكل حال).
أما قول المصنف رحمه الله: ثم العصر؛ فمعناه أنها تلي الظهر بمهلة.
ويلزم أن تكون الثانية؛ لأنه قد ثبت أن الظهر هي الأولى فلزم أن تكون العصر هي الثانية.
وأما كونها الوسطى؛ فلما روى علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً» 87 متفق عليه.
وأما كون أول وقتها من خروج وقت الظهر؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل: «وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله» 88.
وأما كون آخره إلى اصفرار الشمس على روايةٍ؛ فلما روى عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» 89 رواه مسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 282
وأما كونه إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه على روايةٍ؛ فلأن في حديث جبريل المتقدم «ثم صلى بي العصر في المرة الأخرى حين صار ظل كل شيء مثليه» 90.
وأما كون وقت الاختيار يذهب؛ فلأن مقتضى حديثي عمرو وجبريل المتقدم ذكرهما ذهاب الوقت بعد ما ذكر فيهما.
تُرك العمل به في الإدراك قبل غيبوبة الشمس لما يأتي 91 فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون وقت الضرورة يبقى إلى غروب الشمس؛ فلما يأتي من حديث أبي هريرة.
فإن قيل: ما المعنيّ بوقت الاختيار ووقت الضرورة؟
قيل: وقت الاختيار هو الذي تقع الصلاة فيه أداء.
فلا إثم على فاعلها فيه.
ووقت الضرورة هو الذي تقع الصلاة فيه أداء ويأثم فاعلها بالتأخير إليه لغير عذر.
أما كون الصلاة في وقت الاختيار تقع أداء؛ فلأنها تقع في وقت الضرورة أداء لما يأتي؛ فلأن تقع أداء في وقت الاختيار بطريق الأولى.
وأما كون فاعلها فيه لا إثم عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يفعلونها فيه.
وأما كون الصلاة في وقت الضرورة تقع أداء؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته» 92 متفق عليه.
وفي لفظ للنسائي «فقد أدركها» 93.
وأما كون فاعلها فيه يأثم؛ فلما روى أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين.
يجلس
الجزء: 1 - الصفحة: 283
أحدكم حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرني شيطان أو على قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر اسم الله فيها إلا قليلاً» 94 متفق عليه.
ولو لم يأثم بتأخيرها لما ذُمّ عليه، ولما جعله علامة النفاق.
وأما كون تعجيلها أفضل بكل حال؛ فلما روى أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر فيذهب أحدنا إلى العوالي والشمس مرتفعة.
قال الزهري: والعوالي على ميلين أو ثلاثة.
وأحسبه قال: وأربعة» 95 متفق عليه.
وروى رافع بن خديج «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ثم ينحر الجزور فَيُقَسّم عشرة أقسام ثم يطبخ فيأكل لحماً نضيجاً قبل أن تغيب الشمس» 96 متفق عليه.
قال: (ثم المغرب.
وهي الوتر.
ووقتها من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر.
والأفضل تعجيلها إلا ليلة جَمْع لمن قصدها).
أما قول المصنف رحمه الله: ثم المغرب؛ فعلى نحو ما تقدم في العصر.
وأما كونها الوتر؛ فلأنها ثلاث ركعات.
وليس مراده الوتر المشهور بل أنها وتر لما ذُكر من العدد.
الجزء: 1 - الصفحة: 284
وأما كون وقتها من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق؛ فلما روى بريدة «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً فأقام المغرب حين غابت الشمس.
ثم صلى المغرب في اليوم الثاني حين غاب الشفق (1») 98 [رواه مسلم.
وأما كون الشفق الحمرة] 99؛ فلما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفق الحمرة.
فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة» 100 رواه الدارقطني.
وروى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عشاء الآخرة قبل غيبوبة الشفق» 101.
وبالإجماع لا يجوز قبل غيبوبة الأحمر فثبت أنه صلاها قبل الأبيض وبعد الأحمر.
وأما كون الأفضل تعجيلها في غير ليلة جَمْع لمن قصدها فـ «لأن جبريل أمّ النبي صلى الله عليه وسلم في اليومين في أول الوقت» 102. وأقل أحوال ذلك تأكد الاستحباب.
وأما كون الأفضل تأخيرها ليلة جَمْع 103 لمن قصدها؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخرها إلى مزدلفة» 104. وكذلك أصحابه.
ولأن ليلة جُمَع يكون المحرم مشتغلاً بالنفير والمسير إلى مزدلفة فلو كان التعجيل أفضل لاستحب النزول والصلاة في طريقه وذلك مشقة تناسب إسقاط الوجوب فضلاً عن الفضيلة.97
الجزء: 1 - الصفحة: 285
وقول المصنف رحمه الله: لمن قصدها معناه أن التأخير أفضل للحاج؛ لأنه هو الذي 105 يقصدها لا لغيره؛ لأن غير الحاج لا يحتاج إلى نزول، ولا هو مشتغل بسير إلى مكان يخاف فيه فواته أو زحمة فيه أو نحو ذلك، وذلك يقتضي اختصاص الحاج به.
ولأن الحجة في ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكانوا حجاجاً فلا يتعدى إلى غير حاج؛ لعدم وجود المعنى فيه.
قال: (ثم العشاء.
ووقتها من مغيب الشفق إلى ثلث الليل 106. وعنه نصفه.
ثم يذهب وقت الاختيار.
ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني.
وهو: البياض المعترض في المشرق ولا ظلمة بعده.
وتأخيرها أفضل ما لم يشق).
أما قول المصنف رحمه الله: ثم العشاء؛ فعلى نحو ما تقدم في العصر والمغرب.
وأما كون وقتها من مغيب الشفق إلى ثلث الليل على روايةٍ؛ فلما روى بريدة
«أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق.
وصلاها في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل» 107.
وحديث ابن عباس في صلاة جبريل مثله 108.
وأما كون آخره إلى نصفه على روايةٍ؛ فلما روى عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقت العشاء إلى نصف الليل» 109 رواه مسلم.
وأما كون وقت الاختيار يذهب؛ فلأن ما تقدم من الحديث يدل على ذهاب الوقت بالكلية.
تُرك العمل به في وقت الضرورة لما يأتي فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
الجزء: 1 - الصفحة: 286
وأما كون وقت الضرورة يبقى إلى طلوع الفجر الثاني؛ فلأن ما بعد الثلث أو النصف وقت للوتر وهي من توابع العشاء فاقتضى أن يكون وقتاً للعشاء لأن التابع إنما يصلى في وقت المتبوع كركعتي الفجر.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تفوت صلاة حتى يدخل وقت أخرى».
ولأن الحديث الصحيح ورد في الفجر والعصر فليكن هذا مثله لعدم الفرق.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو البياض المعترض [في المشرق] 110 ولا ظلمة بعده؛ فبيان لمعنى الفجر الثاني؛ لأن الفجر فجران: كاذب وهو بياض مستدق مستطيل كذنب السَّرْحان، وصادق وهو ما ذكر.
وسيأتي نحو ذلك.
وأما كون تأخيرها أفضل إذا لم يشق على المأمومين ذلك؛ فلما روى بريدة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحب أن يؤخر من العشاء التي 111 تدعونها العتمة» 112.
وفي حديث جابر: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروها إلى ثلث الليل أو نصفه» 113 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كون تعجيلها أفضل إذا شق ذلك عليهم فلأجل المشقة اللاحقة بالتأخير ولهذا «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها أحياناً وأحياناً: إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخّر» 114.
قال: (ثم الفجر.
ووقتها من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
والأفضل تعجيلها.
وعنه إن أسفر المأمومون فالأفضل الإسفار).
أما قول المصنف رحمه الله: ثم الفجر؛ فعلى نحو ما تقدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 287
وأما كون أول وقتها من طلوع الفجر؛ فلما روى بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه أمر بلالاً فأقام الفجر حين طلع 115 الفجر» 116.
وفي حديث ابن عباس في حديث جبريل 117 مثله.
وأما كون الفجر هو الفجر الثاني؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَغُرَّنكم الفجر المستطيل كلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير» 118.
والصلاة لا تجوز في وقتٍ يجوز فيه الأكل؛ لأن زيد بن ثابت قال: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قمنا إلى الصلاة.
قال: قلت كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية» 119. ولو جاز الأكل بعد ذلك لأخره؛ لأن السحور تأخيره أفضل.
وأما كون آخره طلوع الشمس؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح» 120.
وأما كون تعجيلها أفضل على المذهب فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر ويشهد معه نساء من المؤمنات مُتلفعات بمروطهن ثم ينصرفن [إلى بيوتهن] 121 ما يُعرفن من الغلس» 122 متفق عليه.
وأما كونه إن أسفر المأمومون فالأفضل الإسفار على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ إلى اليمن قال: إذا كان الشتاء فصل الصبح في أول الوقت.
ثم أطل
الجزء: 1 - الصفحة: 288
القراءة [قدر ما يطيق الناس ولا تملهم] 123. وإذا كان في الصيف فأسفر بالصبح.
فإن الليل طويل.
والناس ينامون» 124.
ولأنه نوع تأخير فكان مشروعاً لأجل المأموم كانتظار الداخل في الركوع.
ولأن التأخير يفضل لوجود الفضيلة؛ فلأن يفضل لأجل الجماعة -وهي واجبة- بطريق الأولى.
قال: (ومن أدرك تكبيرة الإحرام من صلاةٍ في وقتها فقد أدركها.
ومن شك في دخول الوقت لم يصل حتى يغلب على ظنه دخوله.
فإن أخبره بذلك مخبر عن يقين قُبل قوله.
وإن كان عن ظن لم يقبله).
أما كون من أدرك تكبيرة الإحرام من صلاة في وقتها فقد أدركها؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته» 125 متفق عليه.
وفي روايةٍ النسائي: «فقد أدركها» 126.
ولأن الإدراك إذا تعلق به حكم في الصلاة استوى فيه الركعة وما دونها؛ كإدراك المسافر صلاة المقيم، والمأموم صلاة الإمام.
وأما كون من شك في دخول الوقت لم يصل؛ فلأن دخوله شرط لصحتها ولم يوجد.
وأما قول المصنف رحمه الله: حتى يغلب على ظنه دخوله؛ فتنبيه على أن ذلك يحصل بغلبة الظن كما يحصل باليقين؛ لأن الشرع أقام الظن مقام اليقين في مواضع فكذلك هاهنا.
ولذلك كانت الصحابة رضوان عليهم يبنون أمر الفطر في الصيام على الظن.
ويحصل اليقين للعالم بالمواقيت ودقائق الساعات وتسيير الكواكب إذا لم يكن في السماء علة ولا مانع.
الجزء: 1 - الصفحة: 289
ويحصل غلبة الظن للعالم بما ذكر مع وجود المانع، وللجاهل بالمواقيت، والأعمى، والمحبوس في مطمورة إذا كان أحدهم صاحب صنعة وقدر الوقت بعمل معلوم أو قراءة معلومة أو ما أشبه ذلك.
وأما كون المصلي يقبل قول من أخبره بالوقت عن يقين؛ فلأن خبره مع الثقة يفيد غلبة الظن والعمل بغلبة الظن واجب.
وأما كونه لا يقبل قول من أخبره بذلك عن ظن؛ فلأنه قادر على الاجتهاد بنفسه وتحصيل مثل ظنه فلم يجز له قبول قول غيره كالمجتهد إذا أخبره مجتهد آخر عن حكم شرعي.
وبهذا فارق اليقين لأنه لا يمكنه تحصيل اليقين وإن اجتهد.
قال: (ومتى اجتهد وصلى فبان أنه وافق الوقت أو ما بعده أجزأه.
وإن وافق قبله لم يجزئه).
أما كون من اجتهد وصلى تجزئه صلاته إذا وافق الوقت؛ فلأن الصلاة وقعت الموقع؛ لأنه أدى ما خوطب به وفرض عليه.
وأما كونه يجزئه إذا وافق ما بعده؛ فلأن الصلاة تقع بعد الوقت قضاء وهو مسقط للفرض ومجزئ عنه.
وأما كونه لا يجزئه إذا وافق قبله؛ فلأن المخاطبة بالصلاة وجدت بعد ذلك.
وإن قيل: إذا اجتهد في القبلة فأخطأ قلتم لا إعادة ولو اجتهد في الوقت فأخطأ قلتم عليه الإعادة فما الفرق؟
قبل: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن المجتهد في القبلة أدى الصلاة بعد أن وجبت وفي الوقت أداها قبل وجوبها ثم تجدد سبب الوجوب.
الثاني: أن تحصيل اليقين في الوقت ممكن، وتحصيل اليقين في القبلة غير ممكن.
الجزء: 1 - الصفحة: 290
قال: (ومن أدرك من الوقت قدر تكبيرة ثم جُن أو حاضت المرأة لزمه القضاء.
وإن بلغ صبي أو أسلم كافر أو أفاق مجنون أو طهرت حائض قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة لزمهم الصبح.
وإن كان ذلك قبل غروب الشمس لزمهم الظهر والعصر.
وإن كان قبل طلوع الفجر لزمهم المغرب والعشاء).
أما كون من أدرك من الوقت قدر تكبيرة الإحرام ثم جن أو حاضت المرأة يلزمه القضاء؛ فلأن الصلاة تجب بأول الوقت لقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: 78] أَمَر بالصلاة في أول الوقت.
والأمر للوجوب.
ووجوب الأداء يقتضي وجوب القضاء.
فعلى هذا لا يشترط مضي زمان يمكن فعلها.
وقال ابن بطة: يشترط ذلك لوجوب القضاء كما لو طرأ العذر قبل دخول الوقت.
والأول أصح؛ لما ذكر.
ولأنها صلاة واجبة فوجب قضاؤها كما لو أمكن أداؤها.
والفرق بين ذلك وبين طريان العذر قبل الوقت أن الصلاة لم تجب ثَمّ بخلاف هاهنا.
وأما كون الصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق، والحائض إذا طهرت قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة يلزمهم الصبح؛ فلأنهم أدركوا جزءاً من وقتها أشبه ما لو أدركوا أول وقتها.
وأما كونهم يلزمهم العصر إذا كان ذلك قبل غروب الشمس، والعشاء إذا كان قبل طلوع الفجر؛ فلما ذكر في الصبح.
وأما كونهم يلزمهم الظهر إذا كان ذلك قبل غروب الشمس، والمغرب إذا كان ذلك قبل طلوع الفجر؛ فلأن وقت العصر والعشاء وقت للظهر والمغرب حال العذر وهي حالة الجمع للمسافر والمريض والممطور فيكون مدركا جزءاً من وقت الظهر والمغرب في حال فلزمته.
أشبه ما لو أدرك جزءاً من وقتها في كل حال.
الجزء: 1 - الصفحة: 291
قال: (ومن فاتته صلاة لزمه قضاؤها على الفور مرتباً.
قلّتْ أو كثُرت.
فإن خشي فوات الحاضرة أو نسي الترتيب سقط وجوبه).
أما كون من فاتته صلاة يلزمه 127 قضاؤها على الفور؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نام عن صلاة أو أنسيها فليصليها إذا ذكرها» 128 متفق عليه.
ولمسلم: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» 129.
أمر بالصلاة عند الذكر والأمر للوجوب.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته الظهر والعصر والمغرب والعشاء يوم الخندق فصلاها عقب ذكره» 130.
وقال صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 131.
ولأن فعله صلى الله عليه وسلم بياناً لقوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [الأنعام: 72].
وأما كونه يلزمه قضاؤها مرتباً؛ فلأن القضاء يحكي الأداء، والأداء مرتب فكذا ما يحكيه.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب لما قضى» 132 وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 133.
وأما قول المصنف رحمه الله: قلّت أو كثرت؛ فإشارة إلى أن كثرة الفوائت لا تُسقط الترتيب؛ لأن الترتيب واجب فلم يسقط بالكثرة، [وكما لو نسي صلاة يوم.
ولأنه ترتيب في صلوات فلم يسقط بالكثرة] 134 كترتيب الركوع على السجود.
الجزء: 1 - الصفحة: 292
وأما كون من خشي فوات الحاضرة يسقط وجوب الترتيب عنه؛ فلأن الحاضرة آكد بدليل أنه يُقتل بتركها بخلاف الفائتة.
ولئلا تصير الحاضرة فائتة.
وفيه رواية: أنه لا يسقط الترتيب قياساً على ما إذا لم يخش فوات الحاضرة.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما كون من نسي الترتيب يسقط وجوبه عنه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» 135 رواه النسائي.
والمراد بقول المصنف رحمه الله: أو نسي الترتيب؛ أنه نسي الفائتة حتى صلى الحاضرة، لا إن نسي الترتيب في الفوائت؛ لأن ذلك لا يسقط الترتيب على الصحيح.
فإن قيل: المراد بقولك: حتى صلى 136 الحاضرة الشروع فيها أو الفراغ منها.
قيل: الفراغ منها.
فإن قيل: فإذا ذكر في الحاضرة فما الحكم؟
قيل: يتمها ثم يقضي الفائتة ثم يصلي الحاضرة.
نص عليه الإمام أحمد في المأموم.
والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام.
فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام» 137. وروي موقوفاً على ابن عمر 138.
وألحق بالمأموم الإمام والمنفرد لأنهما في معناه.
وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه: أن المنفرد يقطع صلاته ويقضي الفائتة.
ونقل عنه في الإمام ينصرف ويستأنف المأمومون.
قال أبو بكر: لم ينقلها غير حرب.
الجزء: 1 - الصفحة: 293
ونقل عنه في المأموم أنه يقطع.
وجه القطع في الثلاثة أنه ترتيب واجب فوجب اشتراطه لصحة الصلاة كترتيب المجموعتين.
والأول هو ظاهر المذهب؛ لما ذكر من الحديث.
ومساواةِ غير المأمومِ المأمومَ 139.
وينبغي أن يكون مضي الإمام مبنياً على 140 اقتداء المفترض بالمتنفل.
فإنا حيث قلنا يمضي يكون متنفلاً لأن المضي ليس بواجب.
الجزء: 1 - الصفحة: 294
باب ستر العورة
قال المصنف رحمه الله: (وهو الشرط الثالث.
وسترها عن النظر بما لا يصف البشرة واجب).
أما كون ستر العورة الشرط الثالث؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كونه شرطاً لصحة الصلاة؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» 141 رواه أبو داود [والترمذي وابن ماجة] 142.
وأما كون سترها عن النظر واجباً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: 31].
وقد اتفقت 143 الأمة على أن غير اللباس لا يجب زينة.
فثبت وجوب الستر باللباس.
وروى سلمة بن الأكوع قال: «قلت: يا رسول الله! إني أكون في الصيف وليس عليّ إلا قميص واحد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رده عليك أو اربطه بشوكة» 144.
فإن قيل: الآية المذكورة نزلت بسبب شيء خاص.
قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الجزء: 1 - الصفحة: 295
وأما كون الستر الواجب الستر بما لا يصف البشرة؛ فلأن الستر لا يحصل بدون ذلك.
قال: (وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة.
وعنه أنها الفرجان).
أما كون عورة الرجل ما بين السرة والركبة على المذهب؛ فلما روى علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبرز فخذك.
ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت» 145 رواه الإمام أحمد رضي الله عنه.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل فخذه خارجة.
فقال: غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته» 146 رواه الإمام أحمد.
وروي «أنه قال لجرهد: غط فخذك.
فإن الفخذ عورة» 147 رواه الإمام أحمد.
وأما كونها الفرجين على روايةٍ؛ فلما روى أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي صلى الله عليه وسلم» 148 رواه البخاري.
وروت عائشة «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته كاشفاً عن فخذه فاستأذن أبو
بكر فأذن له وهو على ذلك [ثم استأذن عمر فأذن له وهو على ذلك] (5») 150. ولو كانت عورة لما كشفها.149
الجزء: 1 - الصفحة: 296
وأما كون عورة الأمة ما بين السرة والركبة فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا زوج أحدكم أمته عبده فلا ينظر إلى شيء من عورته فإن ما تحت السرة إلى ركبته عورة.
يريد الأمة» 151 رواه الدارقطني.
وعن الإمام أحمد أن عورتها جميع بدنها إلا ما يظهر منها غالباً كالرأس.
واليدين إلى المرفقين.
والرجلين إلى الكعبين؛ لأنه لا يظهر منها غالباً أشبه ما تحت السرة.
ولم أجد في كتب الأصحاب مصرحاً بأن عورة الأمة الفرجان في روايةٍ.
وقد فرع صاحب النهاية فيها فروعاً يقتضي أن هذه الرواية عامة في الرجل والأمة.
وهو ظاهر إطلاق أصحابنا.
وفيه نظر.
قال: (والحرة كلها عورة إلا الوجه.
وفي الكفين روايتان).
أما كون الحرة كلها عورة إلا الوجه والكفين؛ «فلقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: 31] قال ابن عباس: وجهها وكفيها» 152.
ولأنه يحرم ستر الوجه والكفين في الإحرام ولو كانا من العورة ما حرم.
وروت أم سلمة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: تصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ فقال: نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها» 153 رواه الدارقطني وأبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 297
وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء.
فقالت أم سلمة رضي الله عنها: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً، قالت: فإذاً تنكشف أقدامهن.
قال: يرخين ذراعاً لا يزدن عليه» 154 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كون الكفين عورةً على روايةٍ فقياساً 155 على القدمين.
والأول أصح لما تقدم.
قال: (وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة.
وعنه كالحرة).
أما كون عورة أم الولد كالأمة على روايةٍ فلثبوت أحكام الإماء فيها سوى نقل الملك وما يراد له.
وأما كون عورة المعتق بعضها كذلك فلعدم كمال الحرية.
وأما كون عورة أم الولد كالحرة على روايةٍ؛ فلأنها قد انعقد فيها سبب الحرية انعقاداً لا يمكن بطلانه أشبهت الحرة.
وأما كون عورة المعتق بعضها كذلك؛ فلأنها اجتمع فيها تحريم وتحليل فغلب جانب التحريم.
فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين المذكورتين؟
قيل: الصحيح في أم الولد أنها كالأمة لمساواتها لها في أكثر الأحكام، وفي المعتق بعضها أنها كالحرة لتحقق الحرية في بعضها.
الجزء: 1 - الصفحة: 298
قال: (ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين.
فإن اقتصر على ستر العورة أجزأه إذا كان على عاتقه شيء من اللباس.
وقال القاضي: يجزئه ستر العورة في النفل دون الفرض).
أما كون الرجل يستحب له أن يصلي في ثوبين؛ فلما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أو قال: قال عمر: «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما.
فإن لم يكن له إلا ثوب واحد فليتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود» 156 رواه أبو داود.
وأما كونه يجزئه الاقتصار على ستر العورة إذا كان على عاتقه شيء من اللباس؛ فلأن ما عدا ذلك من الستر غير واجب فلم يكن الإجزاء متوقفاً عليه.
ضرورة أن العهدة تزول بفعل الواجب.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بأن الاقتصار على ستر العورة في الصلاة لا يجزئ.
وهو صحيح؛ لأن المصلي عندنا 157 يجب أن يضع على عاتقه شيئاً من اللباس مع ستر عورته ولا تصح صلاته بدون ذلك؛ لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» 158 متفق عليه.
نهى والنهي يقتضي التحريمَ وفسادَ المنهي عنه.
وأما كونه لا فرق بين الفرض والنفل -ذلك على قول غير القاضي- فلعموم الحديث.
ولأن النفل صلاة فاشترط فيه ما يشترط في الفرض بالقياس عليه.
وأما كونه يجزئه ستر العورة في النفل دون الفرض على قول القاضي؛ فلأن النفل مبناه التخفيف.
ولذلك يسامح فيه بترك القيام والاستقبال في السفر للراكب والماشي فجاز أن يسامح فيه بهذا القدر.
الجزء: 1 - الصفحة: 299
وهذا القول الذي عزاه المصنف رحمه الله إلى القاضي -وهو منصوص الإمام أحمد- ذكره في المغني وصاحب النهاية فيها.
والمساواة بين الفرض والنفل ظاهر كلام الخرقي.
فله أن يقول المسامحة في النفل بترك القيام والاستقبال؛ لأن اشتراطهما يفضي إلى تقليل النافلة ضرورة أن المسافر في مظنة التعب والنصب واشتباه القبلة وليس هذا المعنى موجوداً في اشتراط ستر المنكبين؛ لأن سترهما لا يشق ولا يفضي اشتراط ذلك إلى تقليل النافلة فوجب المساواة عملاً بالعموم والأصل المقتضي للتساوي السالم كل 159 واحد منهما عن المعارض.
وللإمام أحمد أن يقول: الأصل عدم وجوب ستر المنكبين.
تُرك الأصل في الفرض لأنه مراد من الحديث قطعاً.
فوجب أن لا يترك في النفل لوجوه:
أحدها: أنه يلزم الترك بالأصل بالكلية.
وثانيها: أنه قد ظهر في الجملة الفرق بين الفرض والنفل فلم يلزم من الترك في الفرض الترك في النفل.
وثالثها: أن الفرض آكد فناسب انفراده بذلك.
قال: (ويستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمار وملحفة.
وإن اقتصرت على ستر عورتها: أجزأ).
أما كون المرأة يستحب لها أن تصلي فيما ذكر فلما روي عن عمر أنه قال: «تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار» 160.
فإن قيل: ما الدرع والخمار والملحفة؟
قيل: قال الإمام أحمد: الدرع هو شبه القميص لكنه سابغ يغطي قدميها.
وقيل: هو اسم لقميص المرأة السابغ.
والخمار: شيء تغطي به المرأة رأسها وشعرها وعنقها.
والملحفة: شيء يلتحف بها من فوق الدرع.
والحكمة في ذلك: المبالغة في سترها لأنها جميعها عورة إلا الوجه.
وفي الكفين خلاف.
الجزء: 1 - الصفحة: 300
وأما كونها إذا اقتصرت على ستر عورتها يجزئ فلما روت أم سلمة قالت: «يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم تصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ فقال: نعم.
إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها» 161 رواه أبو داود.
وقد روي «أن أم سلمة وميمونة كانتا تصليان في درع وخمار ليس عليهما إزار» 162 رواه مالك.
قال: (وإذا انكشف من العورة يسير لا يفحش في النظر لم تبطل صلاته.
وإن فحش بطلت).
أما كون من انكشف من عورته يسير لا يفحش في النظر لا تبطل صلاته؛ فلما روى أيوب عن عمرو بن سلمة قال: «انطلق أبي وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قومه.
فعلمهم الصلاة.
وقال: يؤمكم أقرؤكم.
فكنت أقرأهم.
فقدموني فكنت أؤمهم وعليّ بردة لي صفراء صغيرة.
فكنت إذا سجدت انكشفت عني.
فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم.
فاشتروا لي قميصاً عمانياً.
فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به» 163 رواه أبو داود.
وفي لفظ آخر: «فكنت أؤمهم في بردة موصلة فيها فتق.
وكنت إذا سجدت خرجت منها إستي» 164.
ومثل هذا الظاهر أنه اشتهر ولم ينكر ولا بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكره.
ولو كان مبطلاً للصلاة لأنكره ولبلغنا ذلك.
ولأن ثياب الفقراء لا تخلو من خرق، وثياب الأغنياء لا تخلو [من] 165 فتق.
والاحتراز من ذلك يشق ويعسر فعفي عنه كيسير الدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 301
وأما كونها تبطل إذا انكشف ما يفحش؛ فلأن مقتضى الدليل بطلان الصلاة بكشف شيء من العورة ضرورة كون سترها شرطاً لصحة الصلاة.
تُرك العمل به في اليسير غير الفاحش للحديث، وللمشقة.
فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
فإن قيل: ما الفاحش وغير الفاحش؟
قيل: المرجع في ذلك إلى العرف.
والعرف يختلف بالعورة المخففة والمغلظة.
فقد لا يفحش قدر من الفخذين لو انكشف، ويفحش مثله في الفرجين.
ولا فرق بين الفرجين وغيرهما لأن ذلك في الحديث المحتج به على ذلك وهو قوله: «خرجت منها إستي» 166.
ولأن المشقة المتقدمة موجودة في الفرجين فوجب أن يعفى عن اليسير منهما دفعاً للمشقة.
واليسير المعفو عنه هو ما لا يفحش.
صرح به المصنف رحمه الله في المغني وغيره من الأصحاب.
وظاهر كلامه هاهنا أن الذي لا يبطل يسير موصوف بعدم الفحش.
وليس الأمر كذلك لأن ذلك يقتضي أن لنا يسيراً موصوفاً بالفحش.
ووصف الشيء بصفة يقتضي تجدد فائدة لولاها.
وكان الجيد أن يقال: وإذا انكشف من العورة يسير وهو ما لا يفحش كما قال أبو الخطاب.
أو يقتصر على يسير كما قال الخرقي.
ثم الشارح يبين ما لا يفحش كما فعل المصنف رحمه الله في المغني.
قال: (ومن صلى في ثوب حرير أو مغصوب لم تصح صلاته.
وعنه تصح مع التحريم).
أما كون من صلى في ثوب حرير أو مغصوب لا تصح صلاته على المذهب؛ فلأن لبسهما حرام وقد استعملهما في شرط العبادة فلم تصح كالصلاة في الدار المغصوبة.
وأما كونها تصح على روايةٍ مع التحريم؛ فلأن التحريم لا يختص الصلاة، والنهي لا يعود إليها فوجب أن يصح؛ كما لو غسل ثوبه من النجاسة بماء مغصوب، أو صلى وعليه عمامة مغصوبة، أو حرير، أو في يده خاتم ذهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 302
قال: (ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً صلى فيه وأعاد على المنصوص.
ويتخرج أن لا يعيد بناء على من صلى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه.
فإنه قال: لا إعادة عليه).
أما كون من لم يجد إلا ثوباً نجساً يصلي فيه؛ فلأن السترة آكد من إزالة النجاسة؛ لأنها 167 تجب في الصلاة وخارجها بخلاف إزالة النجاسة.
ولأن السترة متفق على اشتراطها والطهارة مختلف فيها وتسقط مع العجز عن إزالتها ومع الجهل والنسيان بخلاف السترة.
وأما كونه يعيد ما صلى على المنصوص؛ فلأن الطهارة من النجاسة شرط وقد فاته.
وأما كونه يتخرج أن لا يعيد بناء على من صلى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه؛ فلأن طهارة المكان لما كانت شرطاً وحكم بعدم الإعادة مع فقدها اقتضى الدليل أن يُخَرّج في الصلاة في الثوب النجس لمن لا يقدر على غيره مثله.
وهذا هو الصحيح إن شاء الله لأنه شرط عجز عنه فسقط كالسترة والاستقبال.
بل أولى فإن السترة آكد بدليل تقديمها على هذا الشرط.
قال: (ومن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها.
فإن لم يكف جميعها ستر الفرجين.
فإن لم يكفهما جميعاً ستر أيهما شاء.
والأولى ستر الدبر على ظاهر كلامه، وقيل: القبل أولى).
أما كون من لم يجد إلا ما يستر عورته يسترها؛ فلأن سترها آكد من ستر غيرها بدليل أنه واجب في الصلاة وفي خارج الصلاة.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعار بأن سترها مقدم على ستر جميع بدنه وعلى منكبيه، مع أن وضع اللباس عليهما أو على أحدهما واجب في الصلاة عندنا وهو صحيح؛ لما تقدم من تأكيد ستر العورة على ستر غيرها.
وقال القاضي: من لم يجد إلا ما يستر عورته أو منكبيه ستر منكبيه وصلى جالساً لأن الحديث في ستر المنكبين أصح منه في ستر الفخذين، والقيام له بدل وستر المنكبين لا بدل له.
الجزء: 1 - الصفحة: 303
قال ابن عقيل: هذا عندي محمول على سترة يتسع أن يتركها على كتفيه ويسدلها من ورائه يستر دبره.
والقبل مستور بضم فخذيه عليه فيحصل ستر الجميع.
والأول أصح؛ لأن العورة أغلظ في الحكم لما تقدم.
ولأنها يجب سترها في الفرض والنفل.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان الثوب واسعاً فالتحف به، وإذا كان ضيقاً فاتزر به» 168.
ولأن ستر العورة متفق على وجوبه يشترط فيه حقيقة الستر وتعميمه مع القدرة بخلاف المنكبين فيجب تقديم ستر العورة عليهما.
وأما كونه يستر الفرجين إذا لم تكف 169 السترة جميع العورة؛ فلأنهما عورة بلا خلاف بخلاف باقيها.
ولأنهما أفحش لاختصاصهما باسم العورة.
والعرف يشهد بفحشهما زيادة على ما عداهما.
وأما كونه يستر أيهما شاء إذا لم يكفهما جميعاً؛ فلأن كلاً متفق على كونه عورة.
وأما كون ستر الدبر أولى على ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأنه أفحش، ويبدو في الركوع والسجود.
وأما كون القبل أولى على قول؛ فلأنه يستقبل به القبلة وهو مستعل.
والدبر يستتر بضم الإليتين، ولا يستقبل به القبلة.
قال: (وإن بُذلت له سترة لزمه قبولها إذا كانت عاريّة).
أما كون من بذلت له سترة عارية يلزمه قبولها؛ فلأنه قدر على ستر عورته بما لا مِنَّةَ عليه فيه أشبه ما لو بذل له ماء للوضوء.
وأما كون لزوم القبول مقيداً بكون السترة عارية فتنبيه على أنها إذا كانت غير عَارية كالهبة لا يلزمه قبولها.
وهو صحيح صرح به المصنف وغيره لأن في قبول الهبة مِنَّةَ فلم يلزمه نفياً للضرر اللاحق به من المنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 304
قال: (فإن عدم بكل حال صلى جالساً يومئ إيماء.
فإن صلى قائماً جاز.
وعنه أنه يصلي قائماً ويسجد بالأرض).
أما كون مَن عدم السترة بكل حال يصلي جالساً يومئ بالركوع والسجود؛ فلأنه يروى عن ابن عمر «أنه قال في قوم انكسرت لهم مراكبهم فخرجوا عراة: يصلون جلوساً يُومِئون إيماء برؤوسهم» 170 رواه الخلال.
ولم ينقل خلافه.
وأما كونه إذا صلى قائماً يجوز فلما فيه من المحافظة على القيام.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله أن صلاة من ذكر جالساً يومئ إيماء أوفى من صلاته قائماً.
وهو صحيح لأن جلوسه فيه ستر لعورته والجلوس قائم مقام القيام.
ولو صلى قائماً لسقط الستر إلى غير بدل.
ولأن ستر العورة آكد من القيام بدليل سقوطه في النافلة.
ولأن الستر يجب في الصلاة وخارجها بخلاف القيام.
فإن قيل: الستر لا يحصل وإنما يحصل بعضه 171 فلا يفي ذلك بترك القيام.
قيل: إذا قيل: العورة الفرجان فقد حصل الستر، وإن قيل: العورة ما بين السرة والركبة فقد حصل ستر آكدهما وجوباً وأفحشهما في النظر فكان أولى.
وأما كونه يصلي قائماً ويسجد بالأرض على روايةٍ؛ فلأن في ذلك محافظة على ثلاثة أركان وفي الصلاة جالساً محافظة على بعض شرط.
قال: (وإن وجد السترة قريبة منه في أثناء الصلاة ستر وبنى، وإن كانت بعيدة ستر وابتدأ).
أما كون من وجد السترة قريبة منه في أثناء صلاته يستتر ويبني على ما صلى؛ فلأن الستر شرط أمكنه فعله في الصلاة من غير عمل كبير فجاز له فعله.
والبناء على صلاته قياساً على استدارة أهل قباء إلى القبلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 305
وأما كونه يستتر ويبدأ إذا كانت السترة بعيدة؛ فلأن الستر لا بد منه ضرورة كونه شرطاً لصحة الصلاة، والستر مع بعد السترة فيه عمل كثير، والعمل الكثير مبطل للصلاة؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى 172.
قال: (ويصلي العراة جماعة، وإمامهم في وسطهم.
فإن كانوا رجالاً ونساء صلى كل نوع لأنفسهم.
وإن كانوا في ضيق صلى الرجال واستدبرهم النساء.
ثم صلى النساء واستدبرهن الرجال).
أما كون العراة يصلون جماعة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الرجل في الجمع يفضل على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة» 173 [متفق عليه] 174.
وهذا عام في كل مصل عار ولابس.
وأما كون إمامهم في وسطهم؛ فلأن ذلك أستر لهم وأغض لأبصارهم.
وأما كون كل نوع يصلون لأنفسهم إذا كانوا رجالاً ونساء فلئلا يرى بعضهم بعضاً.
وأما كون الرجال يصلون ويستدبرهم النساء ثم النساء ويستدبرهن الرجال إذا كانوا في ضيق؛ فلأن في 175 ذلك تحصيلاً للجماعة مع عدم رؤية الرجال النساء وبالعكس.
قال: (ويكره في الصلاة السدل.
وهو: أن يطرح على كتفيه ثوباً ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الآخر.
واشتمال الصماء.
وهو: أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره.
وعنه يكره وإن كان عليه غيره).
أما كون السدل في الصلاة يكره؛ فلأن أبا هريرة روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة» 176 رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 306
وأما كون صفته كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن السدل في اللغة: إرخاء الثوب.
قاله الجوهري.
فإذا وضعه على كتفيه ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى حصل إرخاؤه فيحصل معنى السدل.
وإذا وضعه على كتفيه ورد أحد طرفيه على الكتف الأخرى لم يحصل إرخاؤه فلا يحصل معنى السدل.
وأما كون اشتمال الصماء يكره؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبستين: اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل بثوب ليس [بين فرجه وبين السماء شيء» 177. رواه البخاري.
وأما كون صفته: أن يضطبع بثوب ليس] 178 عليه غيره على المذهب؛ فلأن أبا عبيد قال: اشتمال الصماء عند العرب أن يلتحف الرجل بثوب يخلل به جسده كله ولا يرفع منه جانباً يخرج منه يده.
كأنه يذهب إلى أنه لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه 179 فلا يقدر عليه.
وفسره الفقهاء بأن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه، والفقهاء أعلم بالتأويل.
والنهي على هذا يكون للتحريم وتفسد الصلاة معه.
وأما كونه يكره وإن كان عليه غيره على روايةٍ؛ فلما تقدم من قول أبي عبيد أولاً.
ولأن اشتمال الصماء إنما سميت اللبسة به لأن اللابس يسد على بدنه المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها صدع.
وهذا المعنى موجود في اللبسة المتقدمة وإن كان عليه غيرها.
الجزء: 1 - الصفحة: 307
فعلى هذا يكون الحديث شاملاً لهذه الصورة ويكون النهي للتنزيه؛ لأنه يمنع من إكمال الركوع والسجود؛ لأنه يلتحف به ويخرج يديه من تلقاء صدره.
قال: (ويكره تغطية الوجه، والتلثم على الفم والأنف، وكف الكم، وشد الوسط بما يشبه شد الزنار، وإسبال شيء من ثيابه خيلاء).
أما كون تغطية الوجه في الصلاة يكره؛ فلأنها عبادة لها تحليل وتحريم فشرع لها كشف الوجه كالإحرام.
وأما كون التلثم على الفم فيها يكره؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة» 180 رواه أبو داود.
ولأن فيه تعويقاً عن تحقيق الحروف، ومنعاً من إكمال ركن الصلاة.
وأما كون التلثم على الأنف فيها يكره؛ فلأن ابن عمر كرهه 181.
وفي الأنف رواية أخرى: أنه لا يكره التلثم عليه؛ لأن تخصيص الفم بالنهي يدل على نفيه عما عداه.
وأما كون كف الكم فيها يكره؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ولا أكف شعراً ولا ثوباً» 182 متفق عليه.
وأما كون شد الوسط بما يشبه شد الزنار يكره؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه بأهل الكتاب.
وقال: لا تشتملوا اشتمال اليهود» 183 رواه أبو داود.
وعن الإمام أحمد: لا يكره ذلك.
قال: أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يصلي أحدكم إلا وهو محتزم» 184.
الجزء: 1 - الصفحة: 308
وتقييد كراهية شد الوسط بما يشبه شد الزنار مشعر بأن شد الوسط بما لا يشبه شد الزنار 185 كالمنطقة وشد القَباء والميزر لا يكره لأن المعنى الذي كره له شد الوسط بما يشبه شد الزنار التشبه بأهل الكتاب وذلك مفقود فيما ذكر.
وأما كون إسبال شيء من ثيابه خيلاء يكره؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» 186 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 309
فصل [في اللباس]
قال المصنف رحمه الله: (ولا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان في أحد الوجهين).
أما كون لبس ما ذكر لا يجوز في وجه؛ فلأن الإنسان ممنوع من جعل ذلك في بيته لما روى أبو طلحة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة» 187 متفق عليه.
و«لأنه عليه السلام رأى في بيته ستراً عليه تصاوير فأمر بقطعه» 188.
فلأن يمنع من جعله عليه بطريق الأولى.
وأما كونه يجوز في وجه؛ فلأن زيد بن خالد روى الحديث المتقدم عن أبي طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال في آخره: «في ثوب» 189 متفق عليه.
فعلى هذه الرواية يكون فعل ذلك مكروهاً؛ لأنه مختلف في حرمته.
قال: (ولا يجوز للرجل لبس ثياب الحرير، أو ما غالبه الحرير، ولا افتراشه إلا من ضرورة.
فإن استوى هو وما نسج معه فعلى وجهين).
أما كون الرجل لا يجوز له لبس الحرير من غير ضرورة؛ فلما روى أبو موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأُحل لإناثهم» 190 أخرجه أبو داود والترمذي.
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 310
وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» 191 متفق عليه.
وأما كونه لا يجوز له افتراش الحرير من غير ضرورة؛ فلما روى حذيفة قال: «نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة.
وأن نأكل فيها.
وأن نلبس الحرير والديباج.
وأن نجلس عليه» 192 رواه البخاري.
وأما كونه لا يجوز له لبس ما غالبه الحرير ولا افتراشه من غير ضرورة؛ فلأن الغالب يعطى حكم الكل في كثير من الأحكام فليكن هاهنا كذلك.
ولأن المعنى الذي حُرم الكل من أجله الخيلاء وكسر قلوب الفقراء وذلك موجود فيما غالبه كذلك.
وأما كونه يجوز له لبس الحرير وما غالبه الحرير وافتراشه مع الضرورة؛ فلأن الضرورة تبيح المحرم دليله أكل الميتة.
وأما كون الحرير إذا استوى هو وما نسج معه لا يجوز على وجهٍ؛ فلأن النصف كثير.
ولأنه لا يطلق على ما نسج معه من الكتان والقطن قطن ولا كتان.
وأما كونه يجوز على وجهٍ؛ فلأن ابن عباس قال: «إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن
الثوب المصمت من الحرير» 193. تُرك العمل به فيما غالبه الحرير لإعطاء الغالب حكم الكل فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
الجزء: 1 - الصفحة: 311
قال: (ويحرم لبس 194 المنسوج بالذهب، والمموه به.
فإن استحال لونه فعلى وجهين).
أما كون المنسوج بالذهب والمموه به يحرم؛ فلما تقدم من الحديث.
ولا فرق في الذهب بين خالصه ومشوبه والمنفرد والمختلط بخلاف الحرير لأن الذهب يظهر قليله وكثيره، ويغلب لونه على لون ما اختلط به ويَعرف نَفَاسَتَه الخاص، والعام والتفاخر بقليله يضاهي التفاخر بكثير الحرير.
وأما كونه إذا استحال لونه يحرم على وجهٍ فلعموم النهي في الذهب.
وأما كونه لا يحرم على وجهٍ فلزوال المعنى المحرم من الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
قال: (وإن لبس الحرير لمرض أو حكة أو في الحرب أو ألبسه للصبي فعلى روايتين).
أما كون من لبس الحرير لمرض أو حكة لا يحرم عليه على روايةٍ؛ فلما روي «أن عبدالرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكوا القمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما» 195 متفق عليه.
وأما كونه يحرم عليه على روايةٍ؛ فلعموم النصوص المحرمة.
والحديث المذكور قبل يحتمل أن يكون ذلك خاصاً بالصحابيين.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
والأصل عدم تخصيصهما.
وأما لبسه في الحرب فإن كان للغازي حاجة إليه مثل أن يجعله بطانة لسيفٍ أو درع ونحوه أبيح للحاجة.
قال الإمام أحمد: كان لعمر سيف فيه سبائك من ذهب، وفي سيف عمرو بن حنيف مسمار من ذهب.
وقيل: سهل بن حنيف.
وروي «أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبيعة من ذهب وزنها ثمانية مثاقيل».
وروي «أنه كان نعله وقبيعته من فضة وكان بينهما حِلَق من فضة» 196.
الجزء: 1 - الصفحة: 312
والمعنيّ بالحاجة ما هو محتاج إليه في نفسه وإن قام غيره مقامه لا عدم وجود غيره؛ لأن ما ذكرنا بهذه المثابة.
وإن لم تكن حاجة ففيه روايتان.
إحداهما: لا يحرم؛ لأن المنع للخيلاء.
وهي مطلوبة في الحرب غير مذمومة.
والثانية: يحرم؛ لعموم الخبر.
وظاهر كلام أحمد رحمه الله إباحته لما ذكر.
ولأنه روي أنه كان لعروة يَلْمَق 197 من ديباج بطانته من سندس يلبسه في الحرب.
وقيل: الروايتان في الحاجة وعدمها.
وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا.
وأما كون مَنْ ألبس الحرير الصبي لا يحرم عليه على روايةٍ؛ فلأن تحريم ذلك على الرجل لما فيه من الفخر والخيلاء وذلك مفقود في الصبي؛ لأنه يُخاف عليه ذلك.
وأما كونه يحرم عليه على روايةٍ فكما يحرم عليه أن يَسقيه الخمر.
قال: (ويباح حشو الجباب والفرش به.
ويحتمل أن يحرم).
أما كون حشو ما ذكر بالحرير يباح على المذهب؛ فلأنه ليس فيه خيلاء.
وأما كونه يحتمل أن يحرم؛ فلعموم النهي.
قال: (ويباح العَلَم الحرير في الثوب إذا كان أربع أصابع فما دون.
وقال أبو بكر: يباح وإن كان مذهباً.
وكذلك الرقاع ولبنة الجيب وسجف الفراء).
أما كون العلم الحرير إذا كان أربع أصابع فما دون يباح؛ فلما روى عمر أنه قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أصابع أو أربع أصابع» 198 رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 313
وأما كون العَلَم المذهب لا يباح وإن قل على المذهب؛ فلأن قليله ككثير الحرير لما تقدم.
وأما كونه يباح على قول أبي بكر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب إلا مقطعاً» 199. وتفسيره الشيء اليسير مفرقاً.
وأما كون الرقاع ولبنة الجيب وسجف الفراء كالعَلَم؛ فلأن ذلك كله مساو للعَلَم معنًى فوجب أن يساويه حكماً.
قال: (ويكره للرجل لبس المزعفر والمعصفر).
أما كون الرجل يكره له لبس المزعفر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجال عن التزعفر» 200 متفق عليه.
وأما كونه يكره له لبس المعصفر فلما روي عن علي رضي الله عنه قال: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لباس المعصفر» 201 رواه مسلم.
وحكمه عليه حكمه على الكل لقوله صلى الله عليه وسلم: «حكمي على الواحد حكمي على الكل» 202.
الجزء: 1 - الصفحة: 314
باب اجتناب النجاسات
قال المصنف رحمه الله: (وهو الشرط الرابع.
فمتى لاقى ببدنه أو ثوبه نجاسة غير معفو عنها أو حملها لم تصح صلاته).
أما كون اجتناب النجاسات الشرط الرابع؛ فلأنه يلي الثالث.
وأما كونه شرطاً لصحة الصلاة؛ فلأن اجتناب دم الحيض شرط لصحتها لما روت أسماء بنت أبي بكر قالت: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب.
فقال: اقرصيه.
ثم صلي فيه» 203.
وفي لفظ قالت: «سمعت امرأة تسأل النبي صلى الله عليه وسلم كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر أتصلي فيه؟ فقال: تنظر فإن رأت فيه دماً فلتقرصه بشيء من ماء ولتصل فيه» 204 رواه أبو داود.
وغيره من النجاسات في معناه فوجب 205 أن يساويه في ذلك.
وفي كون اجتناب النجاسات شرطاً لصحة الصلاة إشعار بوجوب اجتنابها.
وهو صحيح لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: 4].
قال ابن سيرين: هو الغسل بالماء.
وقوله عليه السلام: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» 206.
الجزء: 1 - الصفحة: 315
وقوله عليه السلام وقد مر بقبرين: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول» 207 متفق عليه.
وما وجب العذاب من أجله فاجتنابه واجب.
فإن قيل: الذي يجب اجتناب النجاسات فيه ويشترط لصحة الصلاة ماذا؟
قيل: في ثوب المصلي وبدنه وموضع صلاته:
أما في ثوبه؛ فلما تقدم.
وأما في بدنه؛ فلأنه إذا وجب اجتناب ذلك في ثوبه واشتُرط لصحة الصلاة وهو منفصل عنه؛ فلأن يجب ذلك في بدنه ويشترط لصحة الصلاة وهو متصل به بطريق الأولى.
وأما في موضع صلاته؛ فلأن الصلاة لا يمكن فعلها إلا في مكان فهو بالصلاة أَمَسّ من الثوب فإذا وجبت طهارة الثوب واشترطت لصحة الصلاة؛ فلأن يجب طهارة الموضع ويشترط لصحتها بطريق الأولى.
ولأن موضع الصلاة يجب أن يكون حلالاً؛ فلأن يجب أن يكون طاهراً بطريق الأولى.
وأما كون من لاقى ببدنه أو ثوبه نجاسة غير معفو عنها لا تصح صلاته؛ فلأن الملاقي لبدنه أو ثوبه موضع الصلاة واجتناب النجاسات فيه شرط لصحة الصلاة ولم يوجد.
وأما كون من حملها لا تصح صلاته؛ فلأن الحامل غير مجتنبٍ للنجاسات واجتنابها شرط لما تقدم.
وإنما اشترط فيما ذكر كون النجاسة غير معفو عنها لأن المعفو عنه لا أثر له.
الجزء: 1 - الصفحة: 316
قال: (وإن طين الأرض النجسة أو بسط عليها شيئاً طاهراً صحت الصلاة عليها مع الكراهة.
وقيل: لا تصح).
أما كون الصلاة على ما ذكر تصح على المذهب فلوجود الحيلولة.
وأما كون الصحة مع الكراهة؛ فلأن المصلي يعتمد في صلاته على النجاسة.
وأما كونها لا تصح على قول؛ فلأن العلو تابع للقرار.
أشبه الصلاة على القبر وسطح الحش.
وذكر ابن عقيل في المسألة روايتين.
فعلى قولنا بالصحة وهو الصحيح يشترط في الحائل أن يكون صفيقاً.
فإن كان خفيفاً أو مهلهلاً فعنه وجهان: أصحهما المنع؛ لأن المقصود منع المسيس والملاقاة ولم يوجد لعدم الحيلولة.
ويشترط أن تكون النجاسة يابسة.
فإن كانت رطبة ولم تنفذ فعنه تصح لعدم نفوذها.
وعنه: لا تصح؛ للاتحاد والاتصال.
واختارها ابن أبي موسى.
وإن تعدت لم تصح الصلاة؛ لأنه غير مجتنب للنجاسة بثوبه.
قال: (وإن صلى على مكان طاهر من بساط طرفه نجس صحت صلاته إلا أن يكون متعلقاً 208 به بحيث ينجر معه إذا مشى فلا تصح).
أما كون من صلى على ما ذكر مع عدم تعلقه به تصح صلاته؛ فلأنه ليس بحامل للنجاسة ولا مصل عليها.
وإنما اتصل بمصلاه نجاسة فهو كما لو صلى على بقعة طاهرة متصلة ببقعة نجسة.
وأما كونها لا تصح إذا كان المصلى عليه متعلقاً به بحيث ينجر معه إذا مشى؛ فلأنه مستتبع لما فيه نجاسة فهو كما لو حملها.
فإن قيل: ما صورة هذه المسألة؟
قيل: صورتها أن يصلي على 209 منديل أو بساط وبعض ذلك على كتفه أو متعلق به وفي طرفه نجاسة.
الجزء: 1 - الصفحة: 317
ومما يلحق بهذه الصورة في المنع أن يكون المصلي في وسطه أو في يده حبل مشدود بحيوان نجس كالكلب، أو بشيء فيه نجاسة كالسفينة الصغيرة وغير ذلك؛ لأن ما ذكر ينجر معه إذا مشى فهو مستتبع له أشبه ما لو حمله.
وتقييد المنع في المتعلق به بأن يكون بحيث ينجر معه إذا مشى مشعر بأنه إذا لم يكن كذلك كالبساط الكبير أن الصلاة تصح.
وهو صحيح لأن علة عدم الصحة شَبَهُهُ بالحامل لكون المصلي مستتبعاً لذلك.
وهذا المعنى مفقود فيما ذكر.
ومثله في الحكم أن يكون المشدود إلى المصلي حيواناً لا ينجر معه كالأسد، أو شيئاً لا يمكنه جره كالسفينة العظيمة.
قال: (ومتى وَجد عليه نجاسة لا يعلم هل كانت في الصلاة أو لا؟ فصلاته صحيحة.
فإن علم أنها كانت في الصلاة لكنه جهلها أو أنسيها فعلى روايتين).
أما كون صلاة من وَجد عليه نجاسة لا يعلم هل كانت عليه في الصلاة أو لا صحيحة؛ فلأن الأصل عدم كونها فيها فلا تبطل بالشك.
وأما كونها صحيحة إذا علم أنها كانت عليه في الصلاة لكنه جهلها على روايةٍ؛ فلما روى أبو سعيد قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه.
فوضعهما عن يساره.
فخلع الناس نعالهم.
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته.
قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا.
فقال: إن جبريل أخبرني أن فيهما قذراً» 210 رواه أبو داود.
ولو كانت الطهارة شرطاً مع الجهل للزم استئناف الصلاة.
وأما كونها غير صحيحة على روايةٍ؛ فلأن اجتناب النجاسة شرط لصحة الصلاة فلم تسقط مع الجهل كطهارة الحدث.
والأولى أصح؛ لما ذكر قبل.
والقياس على الحدث لا يصح؛ لأن الطهارة من الحدث آكد؛ لأنه 211 لا يعفى عن يسيرها ويختص بالبدن دون غيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 318
وأما كون صلاة من علم أنها كانت عليه في الصلاة لكنه أنسيها على روايتين؛ فلأن الناسي أخو الجاهل.
قال: (وإذا جُبّر ساقه بعظم نجس فجَبر لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر، وإن لم يخف لزمه).
أما كون من جُبّر ساقه بما ذكر فجَبر لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر.
والمراد خوف الضرر بفوات نفس أو عضو أو مرض؛ فلأن حراسة النفس وأطرافها من الضرر واجب وهو أهم من رعاية شرط الصلاة.
ولهذا يحبس الماء للعطش.
ولا يلزمه شراء سترة، ولا ماء للوضوء بزيادة تجحف بماله فإذا جاز ترك شرط مجمع عليه لحفظ ماله فترك شرط مختلف فيه لأجل بدنه بطريق الأولى.
وقيل: يلزمه قلعه إلا أن يخاف تلف نفسه لأن من جبر 212 ساقه بعظم نجس عاص والعاصي يؤاخذ بإزالة فعله.
وأما كونه يلزمه فعله إذا لم يخف ذلك؛ فلأنه أمكنه تحصيل شرط الصلاة من غير ضرر فلزمه؛ لما تقدم من الأدلة الدالة على الاشتراط والوجوب السالمة عن معارضة الضرر.
قال: (وإن سقط سنه فعادها 213 بحرارتها فثبتت فهي طاهرة.
وعنه أنها نجسة حكمها حكم العظم النجس إذا جبر به ساقه).
أما كون السن المعادة بعد سقوطها طاهرة إذا ثبتت على المذهب؛ فلأنها بإيصالها صار لها حكم الأصل الذي لم يسقط وذلك طاهر.
فلتكن هذه مثله.
وأما كونها نجسة على روايةٍ؛ فلأنها أبينت من حي فلتكن نجسة لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أبين من حي فهو ميت» 214.
الجزء: 1 - الصفحة: 319
وأما كون حكمها على القول بنجاستها حكم العظم النجس إذا جبر به ساقه؛ فلأنها على هذه الرواية عظم نجس فوجب أن يساوي العظم النجس في الأصل ضرورة تساويهما حينئذ في أصل النجاسة.
قال: (ولا تصح الصلاة في المقبرة، والحمام، والحش، وأعطان الإبل التي تقيم فيها وتأوي إليها، والموضع المغصوب.
وعنه تصح مع التحريم.
وقال بعض أصحابنا: حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق وأسطحتها كذلك).
أما كون الصلاة في المقبرة والحمام لا تصح على الصحيح من المذهب؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» 215 رواه أبو داود.
وأما كونها في الحش لا تصح؛ فلأن احتمال النجاسة فيه أكثر من المقبرة والحمام فالمنع من الصلاة فيهما تنبيه على المنع من الصلاة فيه.
وأما كونها في أعطان الإبل لا تصح؛ فلما روى جابر بن سمرة «أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم.
قال: أنصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا» 216 رواه مسلم.
وأما كون أعطان الإبل هي التي تقيم فيها وتأوي إليها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الأعطان مقابلة مراح الغنم حين قال: «صلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في مبارك الإبل» 217.
والمراح: هو الذي يراح إليه ويستراح فيه فكذلك الأعطان.
وأما كون الصلاة في الموضع المغصوب لا تصح؛ فلأن قيامه وقعوده ولبثه فيه محرم منهي عنه فلم تقع عبادة كالصلاة في زمن الحيض.
الجزء: 1 - الصفحة: 320
وكلام المصنف رحمه الله في كون الصلاة في الموضع المغصوب لا تصح يقتضي التعميم سواء كانت جمعة أو غيرها.
وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على صحة الجمعة في الموضع المغصوب؛ لأنها تختص بموضع معين.
والمنع من الصحة يفضي إلى تعطيلها.
ولذلك جاز فعلها خلف الخوارج وأهل البدع والفجور.
بخلاف باقي الصوات.
فعلى هذا يجب تخصيص كلام المصنف رحمه الله هنا بالصلوات المفروضات والنوافل وما أشبه ذلك مما ليس بجمعة.
وأما كون الصلاة فيما ذكر تصح على روايةٍ: أما فيما عدا الموضع المغصوب؛ فلأن الصلاة في ذلك كله كالصلاة في الموضع المغصوب لاشتراكهما في النهي.
وسيأتي دليل صحتها فيه فيما بعد.
فيجب أن تصح فيما ذكر لاشتراكهما فيما ذكر.
وأما في الموضع المغصوب؛ فلأنه لم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنهم أمروا الظلمة بإعادة ما صلوا في المواضع المغصوبة ولو لم يصح لأمروهم بذلك.
ولأن النهي لمعنى في غير الصلاة أشبه المصلي وفي يده خاتم من ذهب.
وأما قول المصنف رحمه الله: مع التحريم؛ فتنبيه على أن تحريم الصلاة في المواضع المذكورة لا خلاف فيه وإن اختلف في الصحة؛ لأن النهي ورد وظاهره التحريم.
وأما كون حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق حكم المقبرة على قول بعض الأصحاب فلما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سبع مواطن لا تجوز الصلاة فيها: ظهر بيت الله، والمقبرة 218، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق» 219 رواه ابن ماجة.
ولأن المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق مظان للنجاسة أشبهت الحش والحمام.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا أن الصلاة في المواضع الثلاثة صحيحة عنده.
الجزء: 1 - الصفحة: 321
وقال في المغني: هو قول أكثر أهل العلم.
وعلله بأن قوله عليه السلام: «جعلت لي الأرض مسجداً» 220 صحيح متفق عليه.
استثني منه المقبرة والحمام والمعاطن للأحاديث الواردة فيها فيبقى فيما عداها على العموم.
ثم قال: حديث المواضع السبعة رواه العمري وزيد بن جبيرة وقد تكلم فيهما من قبل حفظهما.
فإن قيل: ما المراد بالمواضع المذكورة؟
قيل: المجزرة هي موضع ذبح البهائم، والمزبلة: هي التي تجمع فيها الزبل، وقارعة الطريق: هي الطريق الجادة المسلوكة السابلة.
وليس المراد كل طريق لأنه لا يخلو موضع من المشي فيه.
ولأن قارعة الطريق إنما سميت بذلك لكثرة قرع الأقدام لها وذلك مفقود في كل طريق.
وأما كون حكم أسطحة ما ذكر حكم المقبرة؛ فلأن سطح الشيء له حكم أسفله؛ لأن الجنب يُمْنع من اللبث على سطح المسجد.
والضمير في قوله: وأسطحتها يحتمل عوده إلى المواضع الثلاثة المذكورة.
قيل: ويحتمل عوده إلى جميع مواضع النهي.
وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله في المغني.
لأنه نقل عن القاضي أنه علل المنع من الصلاة على ساباط شيء على طريق نافذ بأن العلو تابع للقرار فيثبت فيه حكمه.
ثم قال: وعُدي الحكم إلى جميع أسطحة مواضع النهي.
وقال صاحب النهاية بعد ذكره المسألة المذكورة: وطرد القاضي هذا 221 في المواطن كلها.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أن حكم الأسطحة ليس حكم القرار.
وصرح به في المغني فقال: الأولى قصر الحكم على ما يتناوله النهي فلا يتعداه إلى سطح ولا ما سواه؛ لأنه لا يتناوله ولا يُتخيل فيه معنى.
ولو علل بالتبعية لم يمنع من الصلاة على الساباط الذي على النهر لكون القرار لا يمنع من الصلاة عليه في سفينة.
ولكان ينبغي أن
الجزء: 1 - الصفحة: 322
تصح الصلاة على ما حاذى ميمنة الطريق وميسرتها من الساباط لكونه لا يمنع من الصلاة في قرار ذلك.
قال: (وتصح الصلاة إليها إلا المقبرة والحش في قول ابن حامد).
أما كون الصلاة إلى المواضع المذكورة ما خلا المقبرة والحش تصح؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجداً.
فحيث ما أدركتك الصلاة فصل» 222. خص منه ما تقدم قبل.
فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كونها إلى المقبرة والحش يصح على المذهب؛ لما تقدم.
وأما كونها لا تصح على قول ابن حامد؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» 223.
والحش في معنى القبور؛ لأن المنع من الصلاة فيه ثبت بطريق التنبيه فكذا الصلاة إليه.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن المنع على قول ابن حامد مختص بالمقبرة والحش.
وقال القاضي: في هذا -يعني المنع إلى المقبرة والحش- تنبيه على نظائره من المواضع المنهي عن الصلاة فيها.
وفي كلام القاضي نظر؛ لأن النهي عنده في المواضع المنهي عنها تعبد فكيف يعدي ذلك إلى غيرها؟ ومن شرط التعدية فهم المعنى.
قال: (ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها.
وتصح النافلة إذا كان بين يديه شيء منها).
أما كون صلاة 224 الفريضة لا تصح في الكعبة ولا على ظهرها؛ فلقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: 144] أي نحوه وجهته.
والمصلي في الكعبة أو على ظهرها غير مستقبل جهتها.
الجزء: 1 - الصفحة: 323
ولأن المصلي فيها يستدبر منها ما يصلح أن يكون قبلة مع القدرة وذلك يبطل الفرض.
والمصلي عليها ليس مصلياً إليها وقد أمر بالصلاة إليها.
وأما كون النافلة تصح في الكعبة؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها ركعتين» 225 متفق عليه.
ولأن النافلة دخلها التخفيف بدليل جواز ترك الاستقبال في السفر.
وأما كونها تصح على ظهرها؛ فلأن ما تصح الصلاة في أسفله تصح على ظهره.
دليله سائر المواضع.
واشترط المصنف رحمه الله في صحة النافلة أن يكون بين يدي المصلي شيء من الكعبة ليكون مستقبلاً بعضها.
فعلى هذا لو صلى إلى جهة الباب أو على ظهرها ولا شيء بين يديه لم تصح لانتفاء شرط الصحة.
الجزء: 1 - الصفحة: 324
باب استقبال القبلة
قال المصنف رحمه الله: (وهو الشرط الخامس لصحة الصلاة إلا في حال العجز عنه.
والنافلة على الراحلة في السفر الطويل والقصير.
وهل يجوز التنفل للماشي؟ على روايتين.
فإن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين).
أما كون استقبال القبلة الشرط الخامس؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما كونه شرطاً لصحة الصلاة في غير المستثنى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: 144] أي نحوه.
كما أنشدوا:
ألا من مُبلغ عنا رسولاً ... وهل تُغْني الرسالة شَطْر عمرو
أي نحو عمرو.
وروي عن البراء قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً.
ثم إنه وُجِّه إلى الكعبة.
فمر رجل كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار.
فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وُجّه إلى الكعبة.
فانحرفوا إلى الكعبة» 226 أخرجه النسائي.
وأما كونه لا يشترط في حال العجز كالمصلوب يصلي على حسب حاله؛ فلأنه فرضٌ عجز عنه.
أشبه القيام.
وكالصلاة في حال المسايفة.
وسيأتي ذكر ذلك في فصل صلاة الخوف إن شاء الله تعالى 227.
الجزء: 1 - الصفحة: 325
وأما كونه لا يشترط في صلاة النافلة على الراحلة في السفر؛ فلما روى ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه.
يومئ برأسه.
وكان يوتر على بعيره» 228 متفق عليه.
و«كان يصلي على حماره» 229 رواه أبو داود.
واعلم أن غرض المصنف رحمه الله هنا بيان عدم اشتراط استقبال القبلة في النافلة في الجملة فأما تفصيل ذلك فالراحلة على ضربين:
أحدهما: ما يحتاج فيها إلى حفظ الراكب نفسه بفخذيه وساقيه كراحلة السرج والقتب فهذه يباح لراكبها ترك الاستقبال في جميع صلاته.
ويومئ بالركوع والسجود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يركب.
وعلى مثل هذه الحالة كان يتنفل.
الثاني: ما لا يحتاج فيها إلى حفظ الراكب نفسه كالهودج والمحمل ونحوهما.
فهذا إن أمكن راكبها الاستقبال في جميع الصلاة والركوع والسجود على ما هو عليه لزمه ذلك لأنه ممكن غير مشق.
وقال أبو الحسن الآمدي: لا يلزمه ذلك؛ لأن الرخصة إذا كانت عامة تعم من وجدت في حقه المشقة ومن لم يوجد.
ولأن في ذلك إضراراً بدابته لتنقله وحركته.
فلم يلزمه قياساً على راكب السرج.
ويحتمل أن يكون غرض المصنف رحمه الله هنا بيان عدم اشتراط استقبال القبلة في النافلة على كل راحلة كمذهب الآمدي.
وظاهر إطلاقه يؤيد ذلك.
وأما كون ما تقدم ذكره في السفر الطويل والقصير؛ فلأن تجويز ذلك إنما كان تخفيفاً في التطوع كيلا يؤدي إلى تقليله وقطعه.
وهذا المعنى موجود في القصير فوجب إلحاقه بالطويل ومساواته له في الجواز.
وأما كون التنفل للماشي يجوز على روايةٍ؛ فلأن الإفضاء إلى التقليل والقطع موجود فيه أشبه الراكب.
فإن قيل: الراكب كالماشي مطلقاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 326
قيل: لا.
بل مثله في جواز ترك الاستقبال.
أما جواز الإيماء بالركوع والسجود فليس له ذلك.
ويلزمه الركوع والسجود على الأرض مستقبلاً؛ لإمكان ذلك.
بخلاف الراكب فإن له أن يومئ بهما.
وقال أبو الحسن الآمدي: لا يلزمه ذلك بل يومئ بهما كالراكب لأنها حالة أبيح فيها ترك الاستقبال فلم يجب عليه الركوع والسجود كالراكب.
وأما كونه لا يجوز له ذلك على روايةٍ.
وهو ظاهر كلام الخرقي؛ فلأن الرخصة وردت في الراكب، والماشي بخلافه لأنه يأتي في الصلاة بعمل كثير.
وأما كون مَن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأنه قادر عليه فلزمه كما لو قدر عليه في جميع الصلاة من غير مشقة.
وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأنه جزء من أجزاء الصلاة فلم يلزمه كبقية أجزائها، [والحديث يحمل على الندب] 230.
واعلم أن الضمير في قول المصنف رحمه الله: فإن أمكنه؛ يجب عوده إلى الراكب لا إلى الماشي ولا إليه وإلى الراكب، مع أن في عوده إلى الراكب أيضاً نظرٌ:
أما كونه لا يعود إلى الماشي وحده ولا إليه وإلى الراكب؛ فلأن الماشي يلزمه استقبال القبلة حال افتتاح الصلاة إذا أمكنه ذلك على روايةٍ واحدة ذكر ذلك صاحب النهاية.
وحكى المصنف رحمه الله في المغني أنه يلزمه الاستقبال ولم يحك خلافه.
ولم يحك صاحب المستوعب ولا غيره ممن طالعت تصنيفه مع إمعان المطالعة والمبالغة من أجل تصحيح كلام المصنف رحمه الله هنا غير ذلك.
وأما كون عوده إلى الراكب وحده فيه نظر؛ فلأن الروايتين المذكورتين في الاستقبال حال الافتتاح إنما هما في حال المسايفة: أما النافلة في السفر على الراحلة فإنه ينظر فيها: فإن كانت مقطورة [أو لا تطيع راكبها في انفتالها لم يلزمه الاستقبال؛ لأنه لا يمكنه إلا بمشقة.
وإن كانت غير مقطورة] 231 وتطيعه فالمذهب أنه يلزمه الاستقبال حال الافتتاح ذكره صاحب النهاية فيها وقدمه المصنف في المغني.
واحتجا عليه بأن النبي
الجزء: 1 - الصفحة: 327
صلى الله عليه وسلم «كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجهة ركابه» 232 رواه أبو داود.
وأما عدم لزوم الاستقبال حال الافتتاح فهو مُخَرّج على صلاة الخوف.
ذكره المصنف رحمه الله في المغني وصاحب النهاية فيها.
ولم يحكه واحد منهما رواية.
ولم أعلمه لأحد من الأصحاب.
ويمكن أن يتعذر عن إطلاق المصنف رحمه الله الروايتين إذا أراد بذلك الراكب بأن المخرج على روايةٍ قد يطلق عليه رواية نظراً إلى أنه مأخوذ منها.
أو يقال بأن المصنف رحمه الله اطلع على روايةٍ لم يطلع عليها غيره ولم ينقلها إلا في مقنعه وفيه بُعْدٌ.
وصرح في الكافي بأن في الاستقبال إذا كان سهلاً وجهين.
قال: (والفرض في القبلة إصابة العين لمن قرب منها.
وإصابة الجبهة لمن بعد عنها).
أما كون الفرض في القبلة إصابة العين لمن قرب من الكعبة فلا خلاف فيه.
ووجهه أنه قادر على التوجه إلى عين الكعبة قطعاً فلم يجز العدول عنه والتوجه إليها ظناً.
والمراد بمن قرب المشاهِدُ لها ومن كان بمكة من أهلها أو ناشئاً بها من وراء حائل محدث كالجدران:
أما المشاهد لها؛ فلأنه قادر على إصابة العين من غير مشقة البتة.
وأما من كان من وراء حائل ممن ذكر؛ فلأنه قادر على إصابة العين بأسباب موصلة إلى ذلك قطعاً على وجه السهولة واليسر فلزمه ذلك كمن صلى بحضرة الكعبة وبينه وبينها رجل قائم أو ستر معلق فإنه يلزمه أن يتسبب إلى أن يعلم عين الكعبة فكذلك هاهنا.
وأما كون الفرض فيها إصابة الجهة لمن بَعُد عنها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» 233. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
تُرك العمل به 234 في حق من قرب لما تقدم فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
الجزء: 1 - الصفحة: 328
ولأن الإجماع منعقد على صحة صلاة المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة ولا يمكن أن يصيب العين إلا أحدهما.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أنه لا فرق فيمن بَعُد بين من كان قريباً من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبين من لم يكن.
ووجهه عموم ما تقدم.
وقال أبو الخطاب: حكم من قرب من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم حكم من قرب من الكعبة.
وصرح به المصنف رحمه الله في المغني.
ووجهه أن قبلة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم صحيحة قطعاً لأنه لا يقر على الخطأ.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الفرض إذا كان الجهة لم يكن نصب القبلة إلى غير العين خطأ.
وفي قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: 144] دليل على أن الفرض الجهة؛ لأن الشطر قد فسر بالنحو.
والنحو الجهة لا العين.
ويعضده قوله عليه السلام: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» 235.
قال: (فإن أمكنه ذلك بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين لزمه العمل به.
وإن وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا؟ لم يلتفت إليها).
أما كون من أمكنه معرفة القبلة بخبر ثقة عن يقين يلزمه العمل به؛ فلأن الخبر كالنص فلزم قبوله.
ولم يجز العدول عنه إلى الاجتهاد معه كالحاكم إذا وجد النص.
وأما كون من أمكنه ذلك باستدلالٍ بمحاريب المسلمين يلزمه ذلك؛ فلأن أهل الخبرة والمعرفة بنوها على الصحة.
فجرى ذلك مجرى الخبر عن يقين.
وفي تقييد المصنف رحمه الله خبر الثقة بكونه عن يقين إشعار بأنه إذا أخبره عن اجتهاد لا يجوز له العمل بقوله.
وهو صحيح.
صرح به صاحب الهداية فيها.
ووجهه أن العالم لا يجوز له العمل باجتهاد غيره فكذا هذا.
وأما كون من وَجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا؟ لا يلتفت إليها فلاحتمال كونها لغير المسلمين.
الجزء: 1 - الصفحة: 329
قال: (وإن اشتبهت عليه في السفر اجتهد في طلبها بالدلائل، وأثبتُها القطب إذا جعله وراء ظهره كان مستقبلاً للقبلة).
أما كون من اشتبهت عليه القبلة في السفر ولم يمكنه معرفتها بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين يجتهد في طلبها بالدلائل إذا كان عالماً بها؛ فلأن له طريقاً إلى معرفتها بالاجتهاد فلزمه ذلك كالعالم بالحادثة.
والمجتهد في القبلة هو العالم بأدلتها سواء كان عالماً بأحكام الشرع أو لم يكن.
فإن كل من علم أدلة شيء كان من أهل الاجتهاد فيه وإن جهل غيره.
فإن قيل: من دخل وقت الصلاة عليه وهو غير عارف بالقبلة ولا بدلائلها ما يصنع؟
قيل: إن أمكنه تعلم ذلك لزمه.
فإن ضاق الوقت قبل التعلم جاز أن يقلد كتعلم الفاتحة يجب مع السعة، ويجزئ غيرها مع الضيق.
وهل يجب على من يريد السفر تعلم ذلك؟
قال قوم: يجب.
وهو متجه.
ويحتمل أن لا يجب لأن جهة القبلة مما يندر التباسه، والمكلف يجب عليه تعلم ما يعم لا ما يندر.
فإن قيل: ما دلائل القبلة؟
قيل: أمور: أحدها النجوم.
قال الله تعالى: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل: 16].
وقال تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام: 97].
وباقيها يأتي ذكره.
وأما كون أثبت أدلة القبلة القطب؛ فلأنه لا يزول عن مكانه ويمكن كل واحد معرفته غالباً.
فإن قيل: ما صفته؟
قيل: هو نجم خفي حوله أنجم دائرة كفراشة الرحى أحد طرفيها الفرقدان وفي الآخر الجدي وبين ذلك أنجم صغار ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل.
تدور هذه الفراشة حول القطب دور الرحى حول قطبها في كل يوم وليلة دورة.
وحول الفراشة بنات نعش وهي سبعة أنجم متفرقة مضيئة.
وأما كونه إذا جعله المصلي وراء ظهره يكون مستقبلاً للقبلة؛ فلأنه قد أخبر بذلك ثقات عن يقين.
الجزء: 1 - الصفحة: 330
ولا بد أن يلحظ في ذلك كون المصلي في الشام لأن ذلك إنما يكون كذلك في البلاد الشامية.
وقيل: أنه ينحرف في دمشق وما قاربها إلى الشرق قليلاً.
فإن قيل: لو استدبر الفرقدين أو الجدي.
قيل: يكون مستقبلاً للجهة.
قال: (والشمس والقمر ومنازلهما وما يقترن بها ويقاربها كلها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب عن يمين المصلي.
والرياح الجنوب تهب مستقبلة لبطن كتف المصلى اليسرى مارة إلى يمينه، والشمال مقابلتها تهب إلى مهب الجنوب.
والدبور تهب مستقبلة شطر وجه المصلي الأيمن.
والصبا مقابلتها تهب إلى مهبها).
أما كون الشمس والقمر ومنازلهما وما يقترن بها ويقاربها من دلائل القبلة؛ فلأنها تطلع في الجملة من المشرق وتغرب في المغرب لكن الشمس تطلع من المشرق عن يسار المصلي وتغرب في المغرب عن يمينه.
وأما القمر فيبدو أول ليلة الشهر هلالاً في المغرب عن يمين المصلي.
ثم يتأخر كل ليلة نحو المشرق منزلاً حتى يكون ليلة السابع وقت المغرب في القبلة مائلاً عنها قليلاً إلى المغرب.
ثم يطلع ليلة الرابع عشر من المشرق قبل غروب الشمس بدراً تاماً.
وليلة إحدى وعشرين يكون في قبلة المصلي أو قريباً منها وقت الفجر.
وليلة ثمان وعشرين يبدو عند الفجر كالهلال من المشرق.
وتختلف مطالعه بحسب اختلاف منازله.
وأما المنازل فثمانية وعشرون منزلاً وهي:
السرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والدباغ، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، الصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلح، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرع المقدم، والفرع المؤخر، وبطن الحوت.
وصورة ذلك مذكورة في الكتب المطولة.
وأما كون الرياح من دلائل القبلة؛ فلأن العرب يعرفونها ويستدلون بها على القبلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 331
والرياح التي ذكرها المصنف رحمه الله دلائل قبلة العراق.
وأما قبلة الشام فهي مشرقة عن قبلة العراق.
فيكون مهب الجنوب لأهل الشام قبلة.
وهو من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس في الشتاء.
والشمال: مقابلتها تهب من ظهر المصلي لأن مهبها من القطب إلى مغرب الشمس في الصيف.
قال الأصمعي: وليس في الرياح ما له دري غيرها وهو ما تسقيه إلى حائط أو شجرة.
والصبا تهب من يسرة المصلي المتوجه إلى قبلة الشام لأن مهبها من مطلع الشمس في الصيف إلى مطلع العتوق.
قاله الفراء.
والدبور: مقابلتها.
وربما تدور هذه الرياح بين الحيطان والجبال فلا تعتبر إذاً.
قال: (وإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يتبع أحدهما صاحبه.
ويتبع الجاهل والأعمى أوثقهما في نفسه).
أما كون من اختلف اجتهادهما لا يتبع أحدهما صاحبه؛ فلأن فرض كل واحد منهما 236 ما يؤديه إليه اجتهاده فلا يجوز له أن يقلد صاحبه وإن كان أعلم منه؛ كالعالمين المختلفين في الحادثة.
ولا فرق بين من اجتهد فأداه اجتهاده إلى جهة، وبين من لم يجتهد مع كونه أهلاً للاجتهاد؛ لأن الأهل أمكنه الاجتهاد فلزمه كالحاكم.
ولا بين أن يكون الوقت متسعاً أو ضيقاً لما ذكر.
وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه يقلد مع الضيق.
وأشار إلى قول أحمد فيمن هو في مدينة فتحرى وصلى إلى غير القبلة يعيد لأن عليه أن يسأل.
فجعل فرضه السؤال.
وهذا لا دلالة فيه على ما ذكر.
بل فيه دلالة على أن المجتهد في المصر لا يجتهد؛ لأنه يمكنه التوصل إلى القبلة بطريق الخبر عن يقين أو بطريق الاستدلال بالمحاريب.
وأما كون كل واحدٍ من الجاهل والأعمى يتبع أوثقهما في نفسه؛ فلأن الصواب إليه أقرب.
الجزء: 1 - الصفحة: 332
والمراد بأوثقهما في نفسه أعلمهما عنده وأصدقهما قولاً وأشدهما تحرياً لدينه.
فعلى هذا لو قلد المفضول لم يصح.
وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه ترك ما يغلب على ظنه أن الصواب فيه.
فلم يتسع له ذلك كالمجتهد إذا ترك اجتهاده.
قال: (وإذا صلى البصير في حضر فأخطأ أو صلى الأعمى بلا دليل أعادا.
فإن لم يجد الأعمى من يقلده صلى.
وفي الإعادة وجهان.
وقال ابن حامد: إن أخطأ أعاد.
وإن أصاب فعلى وجهين).
أما كون البصير إذا صلى في الحضر فأخطأ يعيد؛ فلأنه إنما عذر في الخطأ في السفر لأنه مظنة الاشتباه وعدم الأدلة الموصلة إلى الإصابة يقيناً.
بخلاف الحضر فإنه يمكنه التوصل إلى ذلك بالخبر عن يقين وبالاستدلال بالمحاريب.
وتقييد الإعادة بالخطأ مشعر بأنه إذا أصاب لم يعد.
وهو صحيح؛ لأنه مأمور بالصلاة إلى القبلة وقد وجدت.
وقيل: يعيد مع الإصابة؛ لأنه ترك فرضه وهو السؤال.
والغالب عليه عدم الإصابة فوجب عليه الإعادة ولو أصاب لأنه ترك فرضه مع أنه يغلب على الظن عدم إصابته.
ولوجوب الإعادة عليه أخطأ أو أصاب أطلق المصنف رحمه الله الحكم المذكور.
وأما كون الأعمى الذي لا يجد من يقلده يصلي؛ فلأن فرض السؤال يسقط بعدم المسؤول.
ولأنه لو لم يصل لأدى ذلك إلى خلو الوقت عن صلاة في الجملة.
وذلك لا يجوز.
دليله من عدم الماء والتراب.
وأما كونه يعيد أخطأ أو أصاب في وجهٍ؛ فلأنه مع عدم الدليل صلى شاكاً في تأدية فرضه فوجب عليه الإعادة وإن أصاب أشبه واجد الدليل إذا صلى بلا سؤاله.
وأما كونه لا يعيد أخطأ أو أصاب في وجهٍ؛ فلأنه قد أتى بما في وسعه وما كلف به فلم تجب الإعادة عليه كالمجتهد.
وأما كونه إن أخطأ أعاد وجهاً واحداً في قول ابن حامد؛ فلأنه اجتمع فيه أمران الصلاة بغير دليل وعدم الإصابة، وإن أصاب على وجهين؛ فلأن النظر إلى أن المقصود إصابة القبلة وقد وجد يقتضي أن لا يعيد.
فإن قيل: فرضه السؤال ولم يوجد.
الجزء: 1 - الصفحة: 333
قيل: فرض السؤال يسقط بعدم المسؤول.
وبه يظهر الفرق بين هذه الصورة وبين ما إذا صلى مع وجود الدليل ولم يسأله.
والنظر إلى أن العبادة جعلت في الوقت على نوع من الخلل يقتضي أن يعيد لما في ذلك من الاستدراك لما حصل من الخلل.
ويعضد ذلك وجوب الإعادة على من صلى عادماً للماء والتراب على إحدى الروايتين.
قال: (ومن صلى بالاجتهاد ثم علم أنه قد أخطأ القبلة فلا إعادة عليه.
وإن أراد صلاة أخرى اجتهد لها.
فإن تغير اجتهاده عمل بالثاني ولم يعد ما صلى بالأول).
أما كون من صلى بالاجتهاد ثم علم أنه أخطأ القبلة لا إعادة عليه؛ فلما روى عبدالله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة.
فلم ندر أين القبلة.
فصلى كل رجل منا على حياله.
فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: ﴿فأينما تولوا ... الآية﴾ [البقرة: 115]» 237 رواه ابن ماجة والترمذي من حديث أشعث السمان.
وفيه ضعف.
ولأن عدم العلم عذر في ترك الاستقبال بدليل «أن أهل قباء لما أُخبروا بتحول القبلة لم يبتدئوا الصلاة» 238.
وأما كونه إذا أراد صلاة أخرى يجتهد لها مرة أخرى؛ فلأنها واقعة جديدة فيستدعي اجتهاداً جديداً كطالب الماء في التيمم.
وأما كونه يعمل بالثاني إذا تغير اجتهاده؛ فلأنه ترجح في ظنه.
والعمل بالراجح متعين.
وأما كونه لا يعيد ما صلى بالأول؛ فلأنه لو وجبت الإعادة لكان نقضاً للاجتهاد بالاجتهاد.
وذلك غير جائز لعدم تناهيه.
ولأنه لا يعيد مع يقين الخطأ فمع عدم اليقين بطريق الأولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 334
باب النية
النية: العزم والقصد.
يقال: نوى فلان كذا إذا قصده وعزم عليه.
ومحل النية القلب.
والتلفظ ليس بشرط؛ لأن الغرض جعل العبادة لله وذلك حاصل بالنية.
لكن يستحب أن يَتلفظ بما نواه؛ لأن فيه تأكيد النية.
فلو نوى صلاة وسبق لسانه إلى غيرها لم يضر؛ لأن الشرط النية وهي حاصلة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي الشرط السادس للصلاة على كل حال).
أما كون النية الشرط السادس؛ فلأنه يلي الخامس.
وأما كونها شرطاً لصحة الصلاة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: 5].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» 239.
ولأن الصلاة قربة محضة فاشترطت لها النية كالصوم.
وأما قول المصنف رحمه الله: على كل حال؛ فمعناه والله أعلم أنها شرط مع العلم والجهل والذكر والنسيان وغير ذلك.
ووجهه عموم ما تقدم.
ولأن مسلوب القصد في أي حالٍ كان شبيه بالمجنون فلم تصح عبادته بالقياس عليه.
قال: (ويجب أن ينوي الصلاة بعينها إن كانت معينة وإلا أجزأته نية الصلاة).
أما كون المصلي يجب عليه أن ينوي الصلاة بعينها إن كانت معينة كالظهر والعصر والوتر والضحى وما أشبه ذلك؛ فلأنها لا تُمَيَّز عن غيرها إلا بذلك.
وأما كونه يجزئه نية الصلاة في غير المعينة كالنافلة المطلقة؛ فلأنه إذا نوى الصلاة دخل في نيته مطلق الصلاة.
ضرورة أن المطلق لا بد من وجوده في مسمى الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 335
قال: (وهل تشترط نية القضاء في الفائتة ونية الفرضية في الفرض؟ على وجهين).
أما كون نية القضاء في الفائتة تشترط على وجهٍ فلتتميز.
وأما كونها لا تشترط على وجهٍ؛ فلأنه لو تحرى في الوقت فصلى فبان بعد الوقت أجزأته صلاته وفاقاً.
وهو قضاء لم ينوه.
وأما كون نية الفرضية في الفرض يشترط على وجهٍ وهو قول ابن حامد؛ فلأن الظهر مثلاً قد لا يكون فرضاً كظهر الصبي ومن أعاد الجماعة.
وأما كونها لا تشترط على وجهٍ؛ فلأن ظُهْر هذا لا يكون إلا فرضاً.
قال: (ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام.
فإن تقدمت قبل ذلك بالزمن اليسير جاز).
أما كون المصلي يأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام؛ فلأنها أول الصلاة.
ومحل النية من كل عبادة أولها فكذا الصلاة.
وأما كون تقديمها قبل ذلك بالزمن اليسير يجوز؛ فلأنها عبادة يشترط لها النية فجاز تقديمها عليها كالصوم.
ولأن اشتراط المقارنة يشق وذلك منفي شرعاً.
قال: (ويجب أن يستصحب حكمها إلى آخر الصلاة.
فإن قطعها في أثنائها بطلت الصلاة.
وإن تردد في قطعها فعلى وجهين).
أما كون المصلي يجب عليه أن يستصحب حكم النية إلى آخر الصلاة؛ فلأن مقتضى الدليل وجوب النية في كلها.
لكن لما شق ذلك وجب الاستصحاب.
ضرورة أنه لو لم يستصحب النية لم تكن بقية الصلاة صحيحة لأنها غير منوية قصداً ولا حكماً.
ولأن كل عبادة يشترط لها النية يشترط استصحابها.
دليله الصوم.
والمراد بالاستصحاب أنه إذا نوى العبادة لا ينوي قطعها بعد ذلك.
وأما كونه إذا قطع نية الصلاة في أثنائها تبطل؛ فلأن الاستصحاب شرط لما تقدم وقد فات فيلزم بطلان الصلاة.
ضرورة فوات الشيء لفوات شرطه.
ولأنه قطع نية الصلاة قبل إتمامها أشبه ما لو سلم ونوى به الخروج منها.
الجزء: 1 - الصفحة: 336
وأما كونه إذا تردد في قطعها تبطل صلاته على وجهٍ؛ فلأن التردد ينافي الجزم المشترط.
دليله المسلم إذا شك في الإسلام.
وأما كونها لا تبطل على وجهٍ؛ فلأنه لم يوجد قطع ولا تغيير.
قال: (وإن أحرم بفرض فبان قبل وقته انقلب نفلاً.
وإن أحرم به في وقته ثم قلبه نفلاً جاز.
ويحتمل أن لا يجوز إلا لعذر مثل أن يحرم منفرداً فيريد الصلاة في جماعة).
أما كون من أحرم بفرض فبان قبل وقته انقلب نفلاً؛ فلأنه تعجيلٌ لعبادةٍ بدنية قبل وجوبها ووجود سببها وتحقق شرطها فلغت نية الفرضية.
وصار كما لو صام شعبان معتقداً أنه رمضان بنية الفرض.
وأما كون من أحرم به في وقته ثم قلبه نفلاً يجوز على المذهب؛ فلأن نية النفل تضمنتها نية الفرضية.
وأما كونه يحتمل أن لا يجوز مع عدم العذر؛ فلأنه ما نوى ذلك عند الإحرام، ولا تضمن انتقاله مصلحة فيكون فعله عبثاً وذلك منهي عنه.
وأما كونه يجوز مع العذر المذكور؛ فلأنه ينتقل إلى أفضل من حاله وذلك مطلوب في نظر الشرع.
قال: (وإن انتقل من فرض إلى فرض بطلت الصلاتان).
أما كون الأولى تبطل؛ فلأنه قطع نيتها وأعرض عنها، واستدامة النية شرط لما تقدم.
وأما كون الثانية لا تصح؛ فلأن ابتداء النية وتعيينها لا بد منها ولم يوجد ذلك عند الإحرام.
وفي قول المصنف رحمه الله: بطلت الصلاتان؛ نظر، فإن الثانية لا توصف بالبطلان لكن توصف بعدم الصحة.
الجزء: 1 - الصفحة: 337
قال: (ومن شرط الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما.
فإن أحرم منفرداً ثم نوى الائتمام لم يصح في أصح الروايتين.
وإن نوى الإمامة صح في النفل ولم يصح في الفرض، ويحتمل أن يصح وهو أصح عندي).
أما كون الجماعة من شرطها أن ينوي الإمام والمأموم حالهما؛ فلأن الجماعة إنما انعقدت بالنية فيعتبر وجودها منهما.
فلو نوى كل واحد الإمامة أو المأمومية لم يصح لعدم المأموم في الأولى والإمام في الثانية.
وأما كون من أحرم منفرداً ثم نوى الائتمام لا يصح على روايةٍ؛ فلأنه لم ينو الائتمام في ابتداء الصلاة وذلك شرط.
وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأنه يجوز أن يجعل نفسه إماماً لما يأتي فجاز أن يجعلها مأموماً بالقياس عليه.
وأما كونه إذا نوى الإمامة في النفل يصح؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي في التهجد فجاء ابن عباس فأحرم معه وصلى به النبي صلى الله عليه وسلم» 240 متفق عليه.
وأما كونه إذا نواها في الفرض لا يصح على المذهب؛ فلأنه لم ينو الإمامة في ابتداء الصلاة.
أشبه ما لو أحرم في يوم الجمعة بعد الخطبة وكمال العدد ثم انفضوا فأحرم بالظهر ثم تكامل العدد وهو في الصلاة فنوى الجمعة.
وأما كونه يحتمل أن يصح؛ فلأن الفرض في معنى النفل.
وأما كون ذلك أصح عند المصنف رحمه الله؛ فلأنه قد ثبت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم أن ابتداء النية للإمامة ليست شرطاً في النفل وذلك مقتضٍ لعدم اشتراطها في الفرض؛ لأن الأصل أن ما ثبت في النفل يثبت في الفرض ما لم يقم دليل على تخصيصه، ولم يقم.
قال: (فإن أحرم مأموماً ثم نوى الانفراد لعذر جاز.
وإن كان لغير عذر لم يجز في إحدى الروايتين).
أما كون من أحرم مأموماً ثم نوى الانفراد في أثناء صلاته لعذر يجوز فـ «لأن معاذاً رضي الله عنه كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم يأتي قومه فيصلي بهم.
فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ذات ليلة فصلى معه.
ثم انصرف إلى قومه فصلى بهم.
فافتتح سورة البقرة.
ففارقه رجل فأتم صلاته.
فقالوا له: نافقت! فقال: ما
الجزء: 1 - الصفحة: 338
نافقت.
ولكن لآتِيَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُخْبِره.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره وذكر ذلك له.
فقال صلى الله عليه وسلم: أفتان أنت يا معاذ مرتين ... مختصر» 241 متفق عليه.
ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة.
وفي بعض ألفاظه: «يا رسول الله! إنا أصحاب نواضح ونعمل بأيدينا» 242. إشارة إلى التعب والنصب.
والعذر المجوز هنا ما يجوز به ترك الجماعة.
وكعذر من يلحقه مشقة من كبر أو ضعف أو تعب أو [فوات رفقة و] 243 نحو ذلك.
وأما كونه إذا نوى ذلك لغير عذر لا يجوز في روايةٍ؛ فلقوله عليه السلام: «لا تختلفوا على أئمتكم» 244.
ولأنه ترك متابعة إمامه وانتقل من الأعلى إلى الأدنى لغير عذر.
أشبه ما لو نقلها إلى النفل أو ترك المتابعة من غير نية الانفراد.
وأما كونه يجوز في روايةٍ؛ فبالقياس على المنفرد.
قال: (وإن نوى الإمامة لاستخلاف الإمام له إذا سبقه الحدث صح في ظاهر المذهب).
أما كون ما ذكر يصح في ظاهر المذهب؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه لما طُعِن أخذ بيد عبدالرحمن بن عوف فقدمه واستخلفه فما عاب ذلك عائب» 245. وكان ذلك بمحضر من الصحابة وغيرهم فيكون ذلك إجماعاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 339
وأما كونه لا يصح على روايةٍ - وقول المصنف رحمه الله: في ظاهر المذهب مشعر به؛ لأنه مشعر بالخلاف وخرج به في المغني ونقله عن الإمام أحمد رحمة الله عليه -؛ فلأن شرط صحة الصلاة فُقد في أثنائها فوجب بطلانها كما لو تعمد الحدث.
والأول هو المذهب؛ لما تقدم.
قال: (وإن سبق اثنان ببعض الصلاة فائتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما فعلى وجهين.
وإن كان لغير عذر لم يصح).
أما كون فعل ما ذكر لعذر يصح على وجهٍ؛ فلأن المأموم منتقل إلى مثل حاله، والإمام منتقل من كونه مأموماً لتكميل الصلاة في جماعة وذلك أفضل من الانفراد في حقهما.
وأما كونه لا يصح على وجهٍ؛ فلأن كل واحد منهما يثبت له حكم الانفراد بسلام إمامه فصار كالمنفرد ابتداء.
وأما كونه لغير عذر لا يصح؛ فلأن مقتضى الدليل أن لا يصح مطلقاً لإحداثه في أثناء صلاته ما لم يكن في أولها.
تُرك العمل به في موضع العذر على وجهٍ لمكان العذر فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
قال: (وإن أحرم إماماً لغيبة إمام الحي.
ثم حضر في أثناء الصلاة.
فأحرم بهم وبنى على صلاة خليفته وصار الإمام مأموماً، فهل يصح؟ على وجهين).
أما كون ما ذكر يصح على وجهٍ؛ فلما روى سهل بن سعد قال: «ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم.
فحانت الصلاة.
فصلى أبو بكر.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة.
فخلص حتى وقف في الصف وتقدم [النبي صلى الله عليه وسلم] 246 فصلى ثم انصرف» 247 متفق عليه.
وأما كونه لا يصح على وجهٍ؛ فلأنه لا حاجة إلى ذلك.
وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون خاصاً به؛ لأن أحداً لا يساويه.
الجزء: 1 - الصفحة: 340
باب صفة الصلاة
قال المصنف رحمه الله: (السنة أن يقوم إلى الصلاة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة.
ثم يسوي الإمام الصفوف).
أما كون السنة أن يقوم المصلي إلى الصلاة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، لما روى ابن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا قال بلال: قد قامت الصلاة نهض» 248.
ولأن في ذلك تصديقاً للمؤذن.
وأما كون السنة أن يسوي الإمام الصفوف بعد ذلك؛ فلما روى أنس قال: «أقيمت الصلاة.
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه.
فقال: أقيموا صفوفكم وتراصّوا.
فإني أراكم وراء ظهري» 249 رواه البخاري.
وقال عليه السلام: «سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» 250 متفق عليه.
قال: (ثم يقول: الله أكبر لا يجزئه غيرها.
فإن لم يحسنها لزمه تعلمها.
فإن خشي فوات الوقت كبر بلغته).
أما كون المصلي يقول: الله أكبر؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا قام
الجزء: 1 - الصفحة: 341
إلى الصلاة اعتدل قائماً ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه.
ثم قال: الله أكبر» 251 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث صحيح.
وأما كونه لا يجزئه غيرها؛ فلما روى رفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء 252 مواضعه.
ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر» 253.
و«قال صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر» 254 متفق عليه.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر بذلك.
ولم ينقل عنه العدول إلى غيره حتى فارق الدنيا.
وقال صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 255.
وأما كونه يلزمه تعلمها إذا لم يحسنها؛ فلأنها ركن من أركان الصلاة قادر عليه فلزمه تعلمه كالفاتحة.
وأما كونه يكبر بلغته إذا خشي فوات الوقت؛ فلأنه عجز عن اللفظ فلزمه الإتيان بمعناه كلفظة النكاح.
وقال بعض أصحابنا: لا يكبر بغير العربية كالقراءة.
فعلى هذا يكون حكمه حكم الأخرس.
الجزء: 1 - الصفحة: 342
قال: (ويجهر الإمام بالتكبير كله.
ويسر غيره به وبالقراءة بقدر ما يسمع نفسه).
أما كون الإمام يجهر بالتكبير كله؛ فلأن فيه إسماعاً لمن خلفه.
وذلك مطلوب لما فيه من متابعة المأمومين لإمامهم.
ولأنه ذكر مشروع في الصلاة فسن للإمام الجهر به كالقراءة.
وأما كون غيره وهو المأموم والمنفرد يسر به؛ فلأن الجهر في حق 256 الإمام شرع لما فيه من إبلاغ المأموم.
وهذا المعنى مفقود هنا.
ولأن جهر المأموم يشوش على الجماعة ويؤدي إلى اختلاط أصوات بعضهم ببعض وإحداث وسوسة لبعضهم.
وعدم ذلك كله مطلوب، فكذلك عدم ما يؤدي إليه.
ولا بد أن يلحظ في الحكم المذكور أنه مختص بعدم الحاجة مثل أن يكون صوت الإمام يسمعه كل المأمومين فإن كان بحيث يسمع بعضهم دون بعض فالمستحب لبعضهم أن يرفع صوته بالتكبير ليسمع من خلفه؛ لما روى جابر قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه.
فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر لِيُسْمِعنا» 257 متفق عليه.
وأما كون غير الإمام يسر بالقراءة؛ فلأن جهر الإمام بذلك لإسماع المأموم وذلك مفقود في حق غيره.
ولأن جهر المأموم يؤدي إلى المحذور المتقدم ذكره في الجهر بالتكبير ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لي أُنَازَعُ القُرآن» 258.
الجزء: 1 - الصفحة: 343
ولا بد أن يلحظ في مسنونية إسرار المأموم بالقراءة أن لا يكون ذلك في حال جهر الإمام؛ لأن حال جهره لا يسن للمأموم الإسرار لأنه يسن له الإنصات.
والجمع بين مسنونية الإسرار والإنصات متناقض.
وأما قول المصنف رحمه الله: بقدر ما يُسْمع نفسه؛ فليس بقيد في مسنونية ذلك؛ لأنه لو رفع صوته بحيث يسمع من يليه فقط لكان ذلك مسراً آتياً بالمقصود.
بل مراده أنه لا يجزئه أقل من ذلك في موضع يجب عليه القراءة.
صرح به في المغني وعلله بأنه لا يكون كلاماً بدون الصوت.
والصوت ما يتأتى سماعه وأقرب السامعين إليه نفسه.
فإن قيل: هلا حمل قوله ويسر غيره به على أن ذلك هو الواجب لا المسنون.
ويكون قوله بقدر ما يسمع نفسه على ظاهره.
قيل: منع منه وجهان:
أحدهما: أنه عطفه على ويجهر الإمام وذلك مسنون فليكن هذا مثله.
والثاني: أن الإسرار إلى هذه الغاية ليس واجباً؛ لأنه لو أتى بما فوق ذلك جاز حتى لو جهر به لكان آتياً بالواجب.
قال: (ويرفع يديه مع ابتداء التكبير.
ممدودة الأصابع.
مضموماً بعضها إلى بعض إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه).
أما كون المصلي يرفع يديه مع ابتداء التكبير؛ [فلما روى أبو داود بإسناده عن عبدالجبار بن وائل بن حجر قال: حدثني بعض أهل بيتي عن أبي أنه حدثهم «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبير» 259 رواه أحمد] 260.
ولأن 261 ابتداء التكبير أول الشروع في العبادة والرفع أول هيئاتها.
ولأن الرفع هيئة للتكبير فينبغي أن يكون ابتداؤها مع ابتدائه وانتهاؤها مع انتهائه.
وأما كون يديه ممدودة الأصابع؛ فلأن أبا هريرة روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الصلاة رفع يديه مَداً» 262 رواه الترمذي.
الجزء: 1 - الصفحة: 344
وأما كون الأصابع مضموماً بعضها إلى بعض؛ فلأن ذلك أصل خلقتها.
وأما كونُ رافعِ يديه مخيراً في رفعهما إلى حذو منكبيه؛ فلما روى ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه» 263 متفق عليه.
وأما رفعهما إلى فروع أذنيه؛ فلأن وائل بن حجر ومالك بن الحويرث روياه 264. رواه مسلم.
فإن قيل: أيها أولى؟
قيل: الرفع إلى حذو المنكبين؛ لأن رواته أكثر وأقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (ثم يضع كف يده اليمنى على كوع اليسرى.
ويجعلهما تحت سرته).
أما كون المصلي يضع كف يده اليمنى على كوع اليسرى؛ فلما روى وائل بن حجر في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد» 265.
وأما كونه يجعلهما تحت سرته؛ فلأن علياً قال: «من السنة وضع اليمنى على الشمال تحت السرة» 266 رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن أحمد أنه يجعلهما تحت صدره؛ [لأن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فوضع يديه على صدره] 267 إحداهما 268 على الأخرى» 269.
الجزء: 1 - الصفحة: 345
وعن أحمد يخير في ذلك؛ لأن كلاً فيه حديث.
قال: (وينظر إلى موضع سجوده.
ثم يقول: سبحانك اللهم! وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
أما كون المصلي ينظر إلى موضع سجوده؛ فلما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده».
ولأنه أبلغ في الخشوع فكان أولى.
وأما كونه يقول: سبحانك اللهم! وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك؛ فلما روى عمر بن الخطاب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر.
وقال: سبحانك اللهم! وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» 270 رواه الدارقطني.
وروت عائشة نحوه 271. رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي.
وروى أبو سعيد الخدري نحوه 272. أخرجه النسائي والترمذي.
وأما كونه يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فلقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: 98].
[وعن ابن المنذر رضي الله عنه قال: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»] 273.
الجزء: 1 - الصفحة: 346
وقال المصنف رحمه الله في المغني يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم لما روى أبو سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» 274 رواه الترمذي.
ثم قال: هذا -يعني حديث أبي سعيد- أشهر حديث في الباب.
وقال: هو متضمن للزيادة والأخذ بالزيادة أولى.
قال: (ثم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم.
وليست من الفاتحة.
وعنه: أنها منها.
ولا يجهر بشيء من ذلك).
أما كون المصلي يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم؛ فلما روى نُعيم بن المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة.
فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم قرأ بأم الكتاب.
وقال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم» 275 رواه النسائي.
وروى ابن المنذر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم» 276.
وأما كونها ليست من الفاتحة على المذهب؛ فلما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي.
ولعبدي ما سأل.
فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين.
قال الله تعالى: حمدني عبدي ... الحديث» 277 رواه مسلم.
ولو كانت بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة لَعَدّها ولبدأ بها.
ولما تحقق التنصيف لأن آيات الثناء تكون أربعاً ونصفاً وآيات الدعاء اثنتين ونصفاً.
وعلى أنها ليست آية يتحقق ذلك.
وأما كونها منها على روايةٍ؛ فلما روي عن أم سلمة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم.
وعدها آية» 278.
الجزء: 1 - الصفحة: 347
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأتم الحمد فاقرؤا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم الكتاب.
وإنها السبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها» 279.
ولأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أثبتوها في أول كل سورة في المصاحف إلا براءة.
ولم يُثبت بين الدفتين سوى القرآن.
وأما كونه لا يجهر بشيء من ذلك أي من الاستفتاح والتعوذ وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم: أما الاستفتاح والتعوذ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجهر بشيء من ذلك وإنما «جهر عمر بالاستفتاح ليعلم الناس» 280.
وأما بسم الله الرحمن الرحيم؛ فلما روى أنس قال: «صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين.
لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءةٍ ولا آخرها» 281 رواه مسلم.
وفي المتفق عليه لأنس: «فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» 282.
وفي المسند: «كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» 283.
وفي لفظ لابن شاهين: «فكلهم يخفي بسم الله الرحمن الرحيم».
وفي لفظ آخر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم وأبا بكر وعمر».
قال: (ثم يقرأ الفاتحة.
وفيها إحدى عشْرة تشديدة.
فإن ترك ترتيبها أو تشديدة منها أو قطعها بذكر كثير أو سكوت طويل لزمه استئنافها).
أما كون المصلي يقرأ الفاتحة فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها».
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 284.
الجزء: 1 - الصفحة: 348
وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 285 متفق عليه.
وفي لفظ: «لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 286. رواه الدارقطني.
وقال: إسناده صحيح.
وأما كون الفاتحة فيها إحدى عشرة تشديدة فبالنقل عن أئمة القراءة.
وهذا على الرواية الصحيحة.
وعلى أن البسملة منها فيها أربع عشْرة تشديدة.
وأما كون من ترك ترتيبها يلزمه استئنافها؛ فلأن القرآن معجز والإعجاز متعلق بالنظم والترتيب.
ولأنه عليه السلام قال: «صلوا كما عُلِّمْتم» 287.
ولأنها ركن فلم يجز تنكيسها كتكبيرة الإحرام.
وأما كون من ترك تشديدة منها يلزمه استئنافها؛ فلأن الحرف المشدد بحرفين.
ومن ترك حرفاً من الفاتحة لم يقرأ الفاتحة لأن المركب ينعدم بعدم جزء من أجزائه.
وقال القاضي في الجامع: إن الصلاة لا تبطل بترك تشديدة لأنها غير ثابتة في المصحف وإنما هي صفة للحرف ويسمى تاركها قارئاً بخلاف الحرف.
ولا يختلف المذهب في أنه إذا لينها ولم يحققها على الكمال لم يُعد الصلاة؛ لأن ذلك لا يحيل المعنى.
وأما كون من قطعها بذكر كثير أو سكوت طويل يلزمه استئنافها؛ فلأنه يعد معرضاً عن الفاتحة بذلك.
واعلم أن تحقيق الكلام في قطع الفاتحة على أضرب:
الجزء: 1 - الصفحة: 349
أحدها: قطعٌ بذكر مشروع.
كالمأموم يشرع في القراءة لبعده عن إمامه فيفرغ الإمام من الفاتحة فيسمع المأموم في أثناء قراءته آمين فيؤمن.
وكمن سمع آية رحمة فسأل.
أو انتهى الإمام إلى سجدة فسجد المأموم في أثناء قراءته.
أو كمن غلط فخرج منها إلى غيرها أو فتح على إمامه فهذا كله لا يبطل الفاتحة؛ لأنه لا يعد معرضاً عنها.
الثاني: قطعٌ بذكرٍ غير مشروع كالتهليل والتسبيح وقراءةٍ في أثناء الفاتحة.
فقال القاضي: قليل ذلك وكثيره مبطل.
والصحيح أن الكثير مبطل لما ذكره المصنف رحمه الله لأنه بذلك يعد معرضاً.
دون القليل.
والثالث: قطعٌ بسكوت طويل غير مشروع.
فهذا مبطل لما ذكر.
وسواء كان باختيارٍ أو مانع من غفلة أو أرتج عليه: فإن كان يسيراً جرت به العادة لم يقطع قراءتها سواء نوى قطعها أو لم ينو؛ لأنه يسير فعفي عنه.
وقال القاضي: يكون قطعاً مع النية لتحقق الإعراض.
ولو نوى قطع القراءة حال قراءته لم تنقطع لأن فعله مخالف لنيته.
الرابعة: قطعٌ بسكوت طويل مشروع كالمأموم يَشرع في القراءة.
ثم يسمع قراءة الإمام فينصت.
ثم يتمها بعد فراغ إمامه.
فهذا لا يقطع الفاتحة لأنه مشروع فلم يقطع كالذكر.
ويتخرج على هذا من سكت لمانع من غفلة أو أرتج عليه لمكان العذر.
قال: (فإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾.
قال: آمين.
يجهر بها الإمام والمأموم في صلاة الجهر).
أما كون المصلي يقول: آمين عقيب ﴿ولا الضالين﴾؛ فلأن ذلك مشروع في حق الإمام والمأموم والمنفرد.
أما في حق الإمام؛ فلما روى وائل بن حجر قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: 7] فقال: آمين.
مد بها صوته» 288 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وأما في حق المأموم؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمّن الإمام فأمنوا.
فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له» 289 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 350
وأما في حق المنفرد؛ فلأنه لا بد من إعطائه حكم أحدهما.
وأما كونه يجهر بذلك في صلاة الجهر؛ فلأنه مشروع لكل من يُشرع له الجهر فيها «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من قراءة أم الكتاب رفع صوته وقال: آمين» 290 رواه الدارقطني.
وقال: إسناد حسن.
و«كان عليه السلام إذا أمَّنَ أمَّنَ مَن خَلفه حتى كأن للمسجد ضَجَّة» 291.
وروي: «لجة» 292.
ولأن التأمين تابع للقراءة فيسن الجهر به كالقراءة.
وآمين تمد وتقصر.
ومعناه: اللهم! استجب لي.
قاله الحسن.
وقيل: هو اسم من أسماء الله عز وجل.
قال: (فإن لم يحسن الفاتحة وضاق الوقت عن تعلمها قرأ قدرها في عدد الحروف.
وقيل: في عدد الآيات من غيرها.
فإن لم يحسن إلا آية واحدة كررها بقدرها).
أما كون المصلي يقرأ قدر الفاتحة في عدد الحروف إذا لم يحسنها وضاق الوقت عن تعلمها على الأول؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات» 293.
ولأن ذلك بمثابة الآيات في منع المحدث من اللمس.
الجزء: 1 - الصفحة: 351
وأما كونه يقرأ قدرها في عدد الآيات على قولٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم عد الفاتحة سبعاً» 294.
وقال الله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني﴾ [الحجر: 87].
فعلى الأول لو قرأ أقل من سبع آيات عدد حروف ذلك عدد حروف الفاتحة أجزأ؛ لحصول ما وجب اعتباره.
وعلى الثاني لو قرأ سبع آيات لا تبلغ حروفها حروف الفاتحة أجزأ أيضاً؛ لما تقدم.
وقيل: يعتبر عدد الآي.
وفي اعتبار الحروف مع ذلك وجهان توجيههما ما تقدم.
وفي قول المصنف رحمه الله: قرأ؛ إشعار بأن المصلي إذا كان يحسن غير الفاتحة من القرآن لا يجزئه إلا قرآن.
وهو صحيح؛ لما روى رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر.
فإن كان معك قرآن فاقرأ به.
وإلا فاحمد الله وكبره وهلله» 295 رواه الترمذي.
ولأن القرآن من جنس الفاتحة فكان أولى من الذِّكر.
وأما كونه إذا لم يحسن إلا آية يكررها بقدرها؛ فلأنها أولى من غيرها.
فإن قيل: ما مراد المصنف رحمه الله من الآية؟
قيل: يحتمل أنه أراد من الفاتحة.
وفيه وجهان:
أحدهما: أنه يكررها.
ولا يقرؤها مرة ثم يعدل إلى قراءة غيرها لأن الآية منها أقرب شبهاً إلى بقية الفاتحة من غيرها.
الجزء: 1 - الصفحة: 352
وثانيهما: أنه يقرؤها مرة، ويعدل إلى غيرها؛ لأنه إذا قرأها مرة فقد أسقط فرضها فيجب أن لا يعيدها.
كمن وجد بعض ما يكفيه لغسله فإنه يجب عليه استعماله، ويعدل إلى البدل في الباقي.
ويحتمل أنه أراد من غير الفاتحة وفيه وجهان:
أحدهما: أنه فيه الخلاف المتقدم.
والثاني: لا؛ لأن العدول إلى الذِّكر وجعله بدلاً إنما يتحقق عند العجز عن الإتيان بشيء من القرآن؛ لقوله: «فإن كان معك قرآن فاقرأ به» 296.
ولأن البدل في الصورة الأولى من جنس المبدل بخلاف الصورة الثانية.
قال: (فإن لم يحسن شيئاً من القرآن لم يجز أن يترجم عنه بلغة أخرى.
ولزمه أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
أما كون من لم يحسن شيئاً من القرآن لا يجوز له أن يترجم عنه بلغة أخرى أي بلغة غير عربية؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿بلسانٍ عربي مبين﴾ [الشعراء: 195]. وقال: ﴿قرآناً عربياً﴾ [يوسف: 2].
ولأن القرآن معجزة لفظه ومعناه.
فإذا غُيِّر خرج عن نظمه ولم يكن قرآناً ولا مثله.
وأما كونه يلزمه أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ [فـ «لأن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن فعلمني ما يجزئني فقال قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله] (2») 298 رواه أبو داود.
فإن قيل: لم اعتُبر فيمن لم يحسن الفاتحة المثلية في الآيات أو في الحروف ولم يعتبر ذلك هنا؟
قيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على ذلك.297
الجزء: 1 - الصفحة: 353
ولأن هذا بدل من غير الجنس فلم تشترط المثلية كالتيمم.
بخلاف ما ذكر.
قال: (فإن لم يحسن إلا بعض ذلك كرره بقدره.
فإن لم يحسن شيئاً من الذكر وقف بقدر القراءة).
أما كون من لم يحسن إلا بعض ما ذُكر يكرره بقدر كله؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 299.
وكما لو لم يحسن إلا آية واحدة.
وأما كون من لم يحسن شيئاً من الذكر يقف بقدر القراءة؛ فلأن الوقوف بقدر قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة وهو قادر عليه فلزمه كسائر الأركان.
قال: (ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة: تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه.
ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء).
أما كون المصلي يقرأ بعد الفاتحة سورة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يفعل لما روى أبو قتادة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين.
وكان يقرأ في الركعتين الأوليين من العصر بفاتحة الكتاب وسورتين.
وفي الظهر في الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب» 300 متفق عليه.
وأما كون السورة في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه؛ فـ «لأن عمر كتب إلى أبي موسى 301 أن اقرأ في الصبح بطوال المفصل ,
الجزء: 1 - الصفحة: 354
واقرأ في الظهر بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل» 302 رواه أبو حفص 303.
ولأن الصبح قصيرة ووقتها واسع فحسن تطويلها.
والمغربُ وقتها ضيق فحسن تقصيرها، وبقية الصلوات سعة الوقت يقتضي التطويل، وكمال عددها يقتضي التقصير فاقتضت التسوية بينهما التوسط.
وأما كون الإمام يجهر بالقراءة في الصبح والأوليين من المغرب والعشاء؛ فلأن على ذلك درج السلف والخلف فهو إجماع.
وقال عليه السلام: «صلاة النهار عجماء إلا الجمعة والعيدين» 304.
قال: (وإن قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان لم تصح صلاته.
وعنه تصح).
أما كون صلاة من قرأ بما ذكر لا تصح على المذهب؛ فلأنه مأمور بقراءة القرآن في الصلاة.
والقرآن ما ثبت بطريق مقطوع به وهو التواتر.
وقراءةٌ ليست في مصحف عثمان -كقراءة ابن مسعود- ليست متواترة.
بل أجمعت الصحابة على خلاف ذلك.
وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فلأنها قراءة مأثورة.
وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد» 305 رواه البخاري 306.
الجزء: 1 - الصفحة: 355
وكان سعيد بن جبير يصلي بقراءة عبدالله.
قال: (ثم يرفع يديه.
ويركع مكبراً: فيضع يديه على ركبتيه، ويمد ظهره مستوياً، ويجعل رأسه حيال ظهره لا يرفعه ولا يخفضه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه).
أما كون المصلي يرفع يديه في الركوع؛ فلأن ابن عمر روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا ركع» 307 متفق عليه.
وروى مالك بن الحويرث قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع» 308 متفق عليه.
وأما كونه يركع؛ فلقوله تعالى: ﴿اركعوا﴾ [الحج: 77]، و «قوله صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: ثم اركع» 309.
وأما كونه يكبر حال ركوعه؛ فلما روى أبو هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم.
ثم يكبر حين يركع ... الحديث» 310 متفق عليه.
وأما كونه يضع يديه على ركبيته؛ فلأن ابن المنذر قال: «ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتيه في الركوع وفعله عمر وعلي وابن عمر».
وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص: «ركعت فجعلت يدي بين ركبتي فنهاني أبي.
وقال: كنا نفعل هذا فنهينا عنه.
وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب» 311 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 356
وأما كونه يمد ظهره مستوياً؛ فلما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع لو كان على ظهره قدح ماء ما تحرك لاستواء ظهره» 312.
وأما كونه يجعل رأسه حيال ظهره لا يرفعه ولا يخفضه؛ فلأن أبا حميد الساعدي ذكر في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم «رأيته إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هَصَرَ ظهره» 313 أي جذبه إلى بطنه.
وفي لفظ: «ثم اعتدل فلم يصوب ولم يُقْنِع» 314.
وقالت عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك» 315 رواه مسلم.
وأما كونه يجافي مرفقيه عن جنبيه؛ فلما روى أبو حميد «أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتيه كأنه قابضهما ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه» 316.
الجزء: 1 - الصفحة: 357
قال: (وقدر الإجزاء الانحناء بحيث يمكنه مس ركبتيه).
أما كون قدر الإجزاء الانحناء المذكور؛ فلأنه لا يسمى راكعاً بدون ذلك.
والمراد بمس ركبتيه مس يديه ركبتيه.
ويجب بحيث يمكنه مسهما براحتيه ولا يكتفي برؤوس أصابعه.
قال صاحب النهاية فيها في: فصلٌ في الركوع: وله صنفان واجب ومستحب فالواجب الانحناء إلى أن يبلغ راحتاه إلى ركبتيه.
فإذا فعل ذلك واطمأن أجزأ وإن لم يضعهما على ركبتيه.
وفي حديث المسيء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك» 317.
قال: (ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثاً.
وهو أدنى الكمال).
أما كون المصلي يقول سبحان ربي العظيم؛ فلما روى عقبة بن عامر: «لما نزلت: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ [الواقعة: 74] قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم» 318 رواه الإمام أحمد.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم» 319 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كون ذلك ثلاثاً وأنه أدنى الكمال؛ فلما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم.
وذلك أدناه» 320. أخرجه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 358
والمراد أدنى الكمال لأنه لا يجوز أن يكون أدنى الواجب.
ضرورة أن الواجب مرة.
فلم يبقى إلا أدنى الكمال.
قال: (ثم يرفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده.
ويرفع يديه.
فإذا قام قال: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد).
أما كون المصلي يرفع رأسه؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: «ثم ارفع حتى تعتدل قائماً» 321 رواه البخاري.
وأما كونه يقول: سمع الله لمن حمده حال رفعه؛ فلأن في حديث أبي هريرة «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع.
ويقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد» 322.
وأما كونه يرفع يديه في الرفع من الركوع فإن في حديث أبي حميد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه» 323.
وفي حديث ابن عمر المتفق عليه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حذو منكبيه.
وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك» 324.
الجزء: 1 - الصفحة: 359
وموضع الرفع للإمام إذا رفع رأسه.
يجعل ابتداء رفع اليدين مع ابتداء رفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده لأنه حين الانتقال فشرع فيه الرفع كحال الركوع.
قال أبو حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه» 325.
وعن أحمد أنه لا يرفع حتى يستتم قائماً؛ لأن في بعض ألفاظ حديث ابن عمر: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وبعد ما يرفع رأسه» 326.
ولأنه رفع فلا يشرع في غير حال القيام كتكبيرة الإحرام والركوع.
والأول أولى؛ لأن ظاهر حديث ابن عمر المتفق عليه يدل عليه لأن قوله: «وإذا رفع رأسه رفعهما» يقتضي المعية [كقوله: «وإذا كبر للركوع»] 327.
وأما المأموم فيبتدؤه عند رفع رأسه رواية واحدة.
وكذلك المنفرد إن لم يشرع له قول: ربنا ولك الحمد؛ لأنه ليس في حقهما ذكر بعد الاعتدال.
والرفع إنما جعل للذكر بخلاف الإمام فإن له ذكراً حال قيامه وذكراً وهو قائم.
وأما كونه إذا قام يقول: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعدُ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك ويأمر به فروى أبو هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ويقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد» 328.
وعن أبي سعيد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد» 329 متفق عليهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 360
قال: (فإن كان مأموماً لم يزد على ربنا ولك الحمد إلا عند أبي الخطاب).
أما كون المأموم لا يزيد على قول: ربنا ولك الحمد على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المأموم بالتحميد» 330 واقتصر عليه فلو كانت الزيادة على ذلك مشروعة لأمره به.
وأما كونه يزيد على ذلك عند أبي الخطاب والمراد قول: ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 331.
ولأنه ذكر مشروع للإمام فشرع للمأموم بالقياس عليه.
وأما التسميع فقال المصنف رحمه الله في المغني: لا أعلم خلافاً في المذهب أنه لا يشرع له لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم! ربنا ولك الحمد» 332. ولو كان مشروعاً لأمره به.
ولأن الفاء للتعقيب فيقتضي أن يلي قول الإمام: سمع الله لمن حمده قول المأموم: ربنا ولك الحمد.
وذلك يمنعه من قول: سمع الله لمن حمده.
قال: (ثم يكبر ويخر ساجداً ولا يرفع يديه، فيضع ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه.
ويكون على أطراف أصابعه).
أما كون المصلي يكبر للسجود؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل رفع وخفض» 333.
وأما كونه يخر ساجداً؛ فلقوله تعالى: ﴿واسجدوا﴾ [الحج: 77].
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخر ساجداً» 334، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 335.
الجزء: 1 - الصفحة: 361
وأما كونه يرفع يديه حال سجوده؛ فلأن ابن عمر قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
وكان لا يفعل ذلك في السجود» 336 متفق عليه.
وأما كونه يضع ركبتيه قبل يديه إذا سجد؛ فلما روى وائل بن حجر قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه.
وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» 337 رواه أبو داود والترمذي.
وقال: هذا حديث حسن غريب.
وعن أحمد أنه يضع يديه قبل ركبتيه؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه.
ولا ينزل كما ينزل البعير» 338 رواه النسائي.
والأول أصح.
قال الخطابي: حديث وائل بن حجر أصح من حديث أبي هريرة وبتقدير مساواته له في الصحة هو منسوخ؛ لما روي عن أبي سعيد: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين [فأمرنا بوضع الركبتين] 339 قبل اليدين» 340.
الجزء: 1 - الصفحة: 362
وأما كونه يضع جبهته وأنفه بعد ذلك؛ فلما روى أبو حميد الساعدي قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض» 341. رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث صحيح.
وأما كونه يكون على أطراف أصابعه؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت بالسجود على سبعة أعظم.
وذكر من ذلك: أطراف القدمين» 342.
قال: (والسجود على هذه الأعضاء واجب إلا الأنف على إحدى الروايتين).
أما كون السجود على هذه الأعضاء غير الأنف واجباً؛ فلما روى ابن عباس قال: «أُمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يَسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعراً ولا ثوباً: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين» 343.
وفي لفظ آخر: «أُمرنا أن نسجد على سبعة أعظم» 344 متفق عليهما.
والأمر للوجوب.
وأما كون السجود على الأنف واجباً على روايةٍ؛ فلما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُمرت بالسجود على سبعة أعظم: الجبهة وأشار بيده إلى أنفه» 345.
الجزء: 1 - الصفحة: 363
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أهله
تصلي ولا تضع أنفها بالأرض.
فقال: يا هذه! ضعي أنفك بالأرض.
فإنه لا صلاة لمن لم يضع أنفه بالأرض مع جبهته في الصلاة» 346 رواه الدارقطني.
وأما كونه غير واجب على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسجود على سبعة أعظم ليس فيها الأنف» 347. رواه تمام في فوائده.
والأولى هي الصحيحة في المذهب؛ لما تقدم.
قال: (ولا يجب عليه مباشرة المصلى بشيء منها إلا الجبهة على إحدى الروايتين).
أما كون المصلي لا يجب عليه مباشرة المصلى بالقدمين؛ فللإجماع على صحة صلاة لابس الخفين.
وأما كونه لا يجب عليه مباشرته بالركبتين؛ فلأنهما متصلتان 348 بالعورة.
وعورةٌ عند قوم فلا يليق كشفهما فضلاً عن وجوبه.
وأما كونه لا يجب عليه مباشرته باليدين؛ فلما روى ابن ماجة عن ثابت بن صامت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني عبد الأشهل وعليه كساء ملتف به يضع يديه عليه يقيه من برد الحصى» 349. وفي لفظ: «فلم يخرج يديه من ثوبيه» 350.
وأما كونه لا يجب عليه مباشرته بالجبهة على روايةٍ؛ فبالقياس على سائر الأعضاء.
فعلى هذا لو سجد على كور عمامته أو كمه أو ذيله صحت صلاته لما تقدم.
وروى أنس قال: «كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود» 351 رواه البخاري.
الجزء: 1 - الصفحة: 364
وقال الحسن: «كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويده في كمه» 352.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سجد على كَوْر العمامة» 353. رواه ابن أبي حاتم من طرق كلها ضعيفة.
وأما كونه يجب عليه مباشرته بها على روايةٍ؛ فلما روي عن حباب قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأَكُفِّنا فلم يُشْكِنا» 354. رواه مسلم.
ولأنه 355 سجد على ما هو حامل له أشبه إذا سجد على يديه.
والأولى أصح.
والجواب عن الحديث أنه قيل: إنهم طلبوا تسقيف المسجد فلم يجبهم، أو أنهم طلبوا منه الرخصة لهم في ترك السجود عليها ولذلك لم يعمل به في الأكف.
قال: (ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، ويضع يديه حذو منكبيه، ويفرق بين ركبتيه، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً).
أما كون المصلي يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ويأمر به».
الجزء: 1 - الصفحة: 365
قال أحمد في رسالته: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا سجد لو مرت بهيمة تحت ذراعيه لنفدت» 356. وذلك لشدة مبالغته في رفع عضديه.
ورواه أبو داود أيضاً.
وفي حديث أبي حميد «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سجد جافى عضديه عن جنبيه» 357.
وفي لفظ للبخاري: «فإذا سجد سجد غير مفترش ولا قابضهما» 358.
وأما كونه يضع يديه حذو منكبيه؛ فلأن في حديث أبي حميد «أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه حذاء منكبيه» 359 رواه أبو داود.
فإن قيل: ما صفة وضعهما؟
قيل: أن يضع راحتيه على الأرض معتمداً عليهما منشورة مضمومة الأصابع.
بخلاف وضع ذلك على الركبتين لوجهين:
الأول: أنه في الركوع بالتفريق يتمكن فيأمن السقوط، وفي السجود لا يحتاج إلى ذلك.
الثاني: أنه إذا ضمها في السجود استقبل بها القبلة بخلاف ما لو فرقها، وفي الركوع لا يستقبل بها القبلة فرقها أو ضمها.
وأما كونه يفرق بين ركبتيه؛ فلأن في حديث أبي حميد «كان صلى الله عليه وسلم إذا سجد فرج بين فخذيه» 360 رواه أبو داود.
وأما كونه يقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً؛ فلما روى عقبة بن عامر قال: «لما نزل ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: 1] قال -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم-: اجعلوها في سجودكم» 361 رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 366
وروى حذيفة بن اليمان «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا سجد: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات» 362 رواه الأثرم وأبو داود.
ولم يقل: ثلاث مرات.
قال: (ثم يرفع رأسه مكبراً.
ويجلس مفترشاً: يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى.
ثم يقول: رب اغفر لي ثلاثاً).
أما كون المصلي يرفع رأسه من السجود إلى الجلوس؛ فلأن الجلوس واجب لما يأتي ولا يمكن ذلك إلا بالرفع.
وأما كونه يكبر في حال رفعه؛ فلما تقدم من «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل رفع وخفض» 363.
وأما كونه يجلس بعد رفع رأسه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: «ثم اجلس حتى تطمئن جالساً» 364 رواه البخاري.
وأما كون جلوسه مفترشاً.
ومعناه: أن يثني رجله اليسرى ويبسطها ويجلس عليها وينصب اليمنى ويخرجها من تحته ويجعل بطون أصابعها على الأرض؛ فلأن في حديث أبي حميد: «ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها» 365.
وفي حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى» 366 رواه مسلم.
وأما كونه يقول: رب اغفر لي ثلاثاً فقياساً على سائر الأذكار.
وقال الخرقي: يقولها مرتين لما روى حذيفة «أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي رب اغفر لي» 367 رواه النسائي.
الجزء: 1 - الصفحة: 367
قال: (ثم يسجد الثانية كالأولى.
ثم يرفع رأسه مكبراً ويقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه إلا أن يشق عليه فيعتمد بالأرض.
وعنه: أنه يجلس جلسة الاستراحة على قدميه وإليتيه ثم ينهض).
أما كون المصلي يسجد الثانية كالأولى؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل كذلك 368.
وأما كونه يرفع رأسه من السجود إلى القيام؛ فلأن القيام إلى الثانية متعين ولا يمكن إلا بالرفع.
وأما كونه يكبر في حال الرفع؛ فلما تقدم من «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل رفع وخفض» 369.
وأما كونه يقوم إلى الثانية من غير جلوس على المذهب؛ فلأن وائل بن حجر قال: «كان يعني النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من السجود استوى قائماً» 370.
ولأنه قول ابن عمر وابن مسعود وابن عباس ولم يعرف لهم مخالف.
وأما كونه يجلس جلسة الاستراحة على روايةٍ؛ فلما روى مالك بن الحويرث «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض» 371. قال البخاري: وذكره أبو حميد في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.
وهو حديث حسن.
وأما كون جلوسه على هذه الرواية على قدميه وإليتيه مفضياً بهما إلى الأرض؛ فلأنه لو جلس مفترشاً لم يأمن السهو.
والأول أصح.
قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث على هذا.
وقال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم 372.
وقيل: اختلاف الروايتين يرجع إلى اختلاف حالتين فحيث قال: يجلس إذا كان المصلي ضعيفاً.
وحيث قال: لا يجلس أراد إذا كان قوياً.
الجزء: 1 - الصفحة: 368
وأما كونه إذا قام من غير جلوس وكان ممن لا يشق عليه الاعتماد على ركبتيه يقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه ولا يعتمد بالأرض؛ فلأن الاعتماد على الأرض يلزم منه رفع الركبتين قبل اليدين وذلك خلاف فعل النبي صلى الله عليه وسلم لأن وائل بن حجر قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» 373 رواه أبو داود.
وأما كونه إذا قام من غير جلوس وكان ممن يشق عليه الاعتماد على ركبتيه يعتمد بالأرض؛ فلقول علي رضي الله عنه: «إن من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخاً كبيراً لا يستطيع» 374 رواه الأثرم.
قال: (ثم يصلي الثانية كذلك إلا في تكبيرة الإحرام والاستفتاح.
وفي الاستعاذة روايتان).
أما كون المصلي يصلي الثانية كالأولى فيما عدا المستثنى؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» 375.
وأما كونه لا يكبر تكبيرة الإحرام ولا يستفتح؛ فلما روى أبو هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت» 376 رواه مسلم.
ولأن تكبيرة الإحرام والاستفتاح يرادان لافتتاح الصلاة وذلك مفقود في الثانية.
وأما كونه لا يستعيذ على روايةٍ؛ فلما تقدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 369
وأما كونه يستعيذ على روايةٍ؛ فلقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: 98].
والأولى أصح 377؛ لما ذكر من الحديث.
ولأن الصلاة جملة واحدة فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة.
ولهذا اعتبر الترتيب في الركعتين، وكره التنكيس فيهما.
قال: (ثم يجلس مفترشاً.
ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة في تشهده مراراً.
ويبسط اليسرى على فخذه اليسرى).
أما كون المصلي يجلس مفترشاً؛ فلأن في حديث أبي حميد: «وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على 378 مقعدته» 379 رواه البخاري.
وأما كونه يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة في تشهده مراراً ويبسط اليسرى على فخذه اليسرى؛ فلما روى وائل بن حجر «أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع مرفقه الأيمن على فخذه الأيمن.
ثم عقد من أصابعه الخنصر والتي تليها.
وحلق حلقة بأصبعه الوسطى على الإبهام.
ورفع السبابة يشير بها.
ووضع مرفقه الأيسر على فخذه الأيسر» 380.
قال: (ثم يتشهد فيقول: التحيات لله والصلوات والطيبات.
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
هذا التشهد الأول).
أما كون المصلي يتشهد كما قال المصنف رحمه الله؛ فلما روى ابن مسعود قال: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله والصلوات والطيبات.
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
الجزء: 1 - الصفحة: 370
وبركاته.
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» 381 متفق عليه.
قال الترمذي: هذا أصح حديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد.
فلذلك اختاره الإمام أحمد.
فإن قيل: ما يجب من ذلك؟
قيل: قال ابن حامد: رأيت جماعة من أصحابنا يقولون: لو ترك واواً أو حرفاً أعاد الصلاة.
وقد روي عن الإمام أحمد: أنه إذا قال: وأن محمداً عبده ورسوله ولم يذكر وأشهد قال: أرجو أن يجزئه.
فعلى هذا لو ترك لفظاً لا يَسقط المعنى بتركه تصح صلاته.
وقد قال أحمد: إن تشهد بغير تشهد ابن مسعود مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كتشهد ابن عباس وغيره جاز.
قال القاضي: ومقتضى هذا أنه متى أخل بلفظة ساقطة في بعض التشهدات صح تشهده.
فعلى هذا يجوز أن يقال: أقل ما يجزئ في التشهد: التحيات لله.
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والشهادتان بالله ورسوله.
لأن ذلك لم يسقط شيء منه في جميع ألفاظ الحديث.
وما زاد سقط في بعض دون بعض.
وأما قول المصنف رحمه الله: هذا التشهد الأول؛ فمعناه أنه لا يزيد على هذا في التشهد الأول؛ لما روى ابن مسعود «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في الركعتين كأنما يجلس على الرَّضْف (2») 383 رواه أبو داود.382
الجزء: 1 - الصفحة: 371
ولو شرع فيه أكثر من ذلك ما كان الأمر كذلك.
قال: (ثم يقول: اللهم! صل على محمد 384 وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد [وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد] 385. وإن شاء قال: كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وكما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم).
أما كون المصلي يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلأنه مأمور به وسيأتي بعدُ صفته.
وأما كونه يصلي عليه بما شاء من القول الأول والثاني؛ فلأن كلاً مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما الأول؛ فلما روى كعب بن عجرة قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا فقلنا: قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال قولوا: اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» 386 متفق عليه.
وأما الثاني؛ فلأن الترمذي روى في حديث كعب بن عجرة وصححه وقال فيه: «اللهم! صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» 387.
الجزء: 1 - الصفحة: 372
قال: (ويستحب أن يتعوذ فيقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال.
وإن دعا بما ورد في الأخبار فلا بأس).
أما كون المصلي يستحب له أن يتعوذ فيقول ما ذكر؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: عذابِ النار، وعذابِ القبر، وفتنةِ المحيا والممات، وفتنةِ المسيح الدجال» 388 متفق عليه 389.
وأما كونه لا بأس أن يتعوذ بما ورد في الأخبار؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» 390.
خرج من ذلك غيرُ [ما في] 391 الأخبار لما يأتي فيبقى ما 392 في الأخبار على مقتضاه.
والمراد بما ورد في الأخبار ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة أو عن التابعين لا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فقط؛ لأن عموم قوله: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» 393 وعموم قوله: «ثم ليتخير من الدعاء ما أعجبه» 394 يوجب دخول ما ورد عن الصحابة والتابعين.
ولذلك ذهب الإمام أحمد إلى حديث ابن مسعود في الدعاء بعد التشهد وهو موقوف عليه.
وهو ما روى عمير بن سعد قال: سمعت عبدالله يقول: «إذا جلس أحدكم في صلاته ذكر التشهد.
ثم ليقل: اللهم! إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم.
وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم.
اللهم! إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبادك
الجزء: 1 - الصفحة: 373
الصالحون ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة ... الآية﴾ [البقرة: 201] ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيآتنا -إلى قوله-: إنك لا تخلف الميعاد﴾ [آل عمران: 193 - 194]» 395.
وكلام المصنف رحمه الله: مشعر بأنه لا يدعو بغير ما ورد من الأخبار المذكورة وهو صحيح.
فعلى هذا لا يدعو بملاذّ الدنيا.
مثل أن يقول: اللهم! ارزقني زوجة حسناء وطعاماً طيباً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس.
إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» 396 رواه مسلم.
قال: (ثم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله.
وعن يساره كذلك.
فإن لم يقل ورحمة الله لم يجزئه.
وقال القاضي: يجزئه.
ونص عليه أحمد في صلاة الجنازة).
أما كون المصلي يسلم عن يمينه على الصفة المذكورة وعن يساره كذلك؛
فلما روى ابن مسعود وابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله» 397 رواه مسلم.
وأما كونه إذا لم يقل ورحمة الله لا يجزئه على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك.
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 398.
ولأنه سلام شرع فيه ذكر الرحمة فلم يجزئه بدونها كالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد.
الجزء: 1 - الصفحة: 374
وأما كونه يجزئه على قول القاضي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تحليلها التسليم» 399. وهو حاصل بدون ذكر الرحمة.
وعن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: «السلام عليكم».
وأما قول المصنف رحمه الله: ونص عليه أحمد في صلاة الجنازة؛ فتأنيس لقول القاضي من حيث إنها صلاة مفروضة ونص الإمام فيها على الاقتصار على السلام من غير ذكر الرحمة.
قال: (وينوي بسلامه الخروج من الصلاة.
فإن لم ينو جاز.
وقال ابن حامد: تبطل صلاته).
أما كون المصلي ينوي بسلامه الخروج من الصلاة؛ فلتكون النية شاملة لطرفي الصلاة.
وأما كونه إذا لم ينو ذلك يجوز على المذهب؛ فلأن نية الصلاة قد شملت جميعها والسلام من جملتها.
ولأنها عبادة فلم تجب النية للخروج منها كسائر العبادات.
وأما كون صلاته تبطل على قول ابن حامد؛ فلأن السلام أحد طرفي الصلاة فلم تصح مع عدم النية فيه كالآخر.
قال: (وإن كان في مغرب أو رباعية نهض مكبراً إذا فرغ من التشهد الأول.
وصلى الثالثة والرابعة مثل الثانية إلا أنه لا يجهر ولا يقرأ شيئاً بعد الفاتحة).
أما كون المصلي ينهض مكبراً إذا فرغ فيما ذكر؛ فلما تقدم في القيام إلى الثانية.
وأما كونه يصلي الثالثة والرابعة مثل الثانية في غير المستثنى؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» 400.
الجزء: 1 - الصفحة: 375
وأما كونه لا يجهر في ذلك؛ فلأنه لم ينقل أنه عليه السلام كان يجهر في الأخيرتين.
وأما كونه لا يقرأ شيئاً بعد الفاتحة فيها؛ فلما روى أبو قتادة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بأم الكتاب وسورتين.
وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب» 401 متفق عليه.
قال: (ثم يجلس في التشهد الثاني متوركاً يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى ويخرجها عن يمينه ويجعل إليتيه على الأرض).
أما كون المصلي يجلس متوركاً في التشهد الثاني؛ فلأن في حديث أبي حميد في صفة صلاة النبي عليه السلام: «حتى إذا كانت الركعة التي يقضي فيها صلاته أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركاً» 402.
وفي رواية البخاري: «أخر رجله اليسرى وجلس متوركاً على شقه الأيسر» 403.
وأما كونه يفرش رجله إلى آخره؛ فلأن ذلك صفة التورك.
وفي حديث أبي حميد في بعض رواياته: «فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة» 404 رواه أبو داود.
وفي لفظ: «جلس على إليتيه ونصب قدمه اليمنى».
الجزء: 1 - الصفحة: 376
قال: (والمرأة كالرجل في ذلك كله إلا أنها تجمع نفسها في الركوع والسجود وتجلس متربعة أو تسدل رجليها فتجعلهما في جانب يمينها.
وهل يسن لها رفع اليدين؟ على روايتين).
أما كون المرأة كالرجل فيما عدا المستثنى؛ فلأنها تدخل تحت الخطاب.
وأما كونها تجمع نفسها في حالتي الركوع والسجود؛ فلأن ذلك 405 أستر لها.
وهو المطلوب في المرأة لأنها عورة.
وأما كونها تجلس متربعة أو سادلة رجليها في جانب يمينها؛ فلما تقدم من أن المرأة مطلوب سترها.
وفي الحديث «أن ابن عمر رضي الله عنه كان يأمر النساء أن يتربعن في الصلاة» 406.
وعن علي كرم الله وجهه أنه قال: «إذا صلت المرأة فَلْتَحْفِز ولتضم فخذيها» 407.
وأما كونها يسن لها رفع اليدين على روايةٍ؛ فـ «لأن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين كانتا ترفعان أيديهما» 408 رواه الخلال.
ولأن من شرع له التكبير شرع له الرفع لأنه هيئة له.
ولأن الأصل مساواة المرأة الرجل.
وذلك مشروع له فلتكن مثله.
وأما كونها لا يسن لها ذلك على روايةٍ؛ فلما في تركه من المبالغة في الستر المطلوب.
ولأن المرأة يستحب لها أن تجمع نفسها وتترك التجافي.
فكذا لا ترفع.
الجزء: 1 - الصفحة: 377
فصل [في مكروهات الصلاة]
قال المصنف رحمه الله: (ويكره الالتفات في الصلاة، ورفع بصره إلى السماء، وافتراش الذراعين في السجود، والإقعاء في الجلوس.
وهو: أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه.
وعنه أنه سنة).
أما كون المصلي يكره له الالتفات في الصلاة؛ فلما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل» 409 متفق عليه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يزالُ الله مقبلاً على العبدِ وهو في صلاته ما لم يلتفت.
فإذا التفت انصرفَ عنه» 410 رواه أبو داود.
ولا بد أن يلحظ في هذا الالتفات المكروه أن يكون لغير حاجة.
فإن كان لحاجة وكان بطرفه دون لَيّ عنقه لم يكره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه «أنه كان يصلي وهو يلتفت إلى الشعب يحرس» 411 رواه أبو داود.
وروى ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلتفت يميناً وشمالاً ولا يَلْوِي عنقه» 412 رواه النسائي.
الجزء: 1 - الصفحة: 378
وأما كونه يكره له رفع بصره إلى السماء؛ فلقوله عليه السلام: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم.
فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن أو لتخطفن أبصارهم» 413 رواه البخاري.
ولأنه يمنع الخشوع.
وأما كونه يكره له افتراش الذراعين في السجود؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع» 414 متفق عليه.
وأما كونه يكره له الإقعاء في الجلوس في الصلاة على المذهب؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قال لعلي: يا علي! أُحِبُّ لكَ ما أُحِبُّ لنفسي، وأكرهُ لك ما أكره لنفسي.
لا تُقْعِ بين السجدتين» 415 رواه الترمذي.
وعن أنس قال: «قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رفعت رأسك من السجود فلا تُقْعِ كما يُقْعِي الكلب» 416 رواه أحمد.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَنهى عن عُقْبَةِ الشيطان» 417 متفق عليه.
وأما كونه سنة على روايةٍ؛ فلأن العبادلة كانوا يفعلونه ابن عمر وابن عباس وابن الزبير.
الجزء: 1 - الصفحة: 379
وعن طاووس قال: «قلت لابن عباس في الإقعاء على القدمين قال: هي سنة نبيك» 418 رواه مسلم.
والأول أصح؛ لما تقدم من الأحاديث.
وهي أولى بالتقديم؛ لأنها أصح وأكثر رواة.
ولأنها مستندة إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه؛ فبيان لمعنى الإقعاء.
قال أبو عبيد: هذا عند الفقهاء وأهل الحديث.
وعند العرب أن ينصب قدميه معاً على الأرض ويجلس على إليتيه.
مثل إقعاء السبع والكلب ولا يعلم أحداً استحب هذه الصفة.
قال: (ويكره أن يصلي وهو حاقن، أو بحضرة طعام تتوق نفسه إليه).
أما كون المصلي يكره له أن يصلي وهو حاقن؛ فلقوله عليه السلام: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» 419 رواه مسلم.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل وهو زناء» 420 أي حاقن.
قاله أبو عبيد.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى أن يصلي الرجل وبه طوف» 421.
قال قطرب: الطوف الحدث من الغائط والبول.
وأما كونه يكره له أن يصلي بحضرة طعام تتوق نفسه إليه؛ فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام» 422.
الجزء: 1 - الصفحة: 380
وفي آخر: «إذا حضر العَشاء والمغرب فابدأوا بالعَشاء قبل أن تصلوا المغرب» 423 رواه مسلم.
فإن قيل: ليس في الحديث توقان نفس المصلي إلى الطعام فلم اشترطه المصنف رحمه الله؟
قيل: لأن النهي عن ذلك لُحِظَ فيه منع الطعام الخشوع واقتضاؤه السرعة من أجله وذلك يستدعي توقان النفس إليه.
قال: (ويكره العبث، والتخصر، والتروح، وفرقعة الأصابع، وتشبيكها).
أما كون المصلي يكره له العبث؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يعبث في صلاته.
فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» 424.
وأما كونه يكره له التخصر؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل مختصراً» 425 رواه مسلم.
ولأنه يمنع الخضوع والخشوع.
ويمنع من وضع اليمين على الشمال.
وأما كونه يكره له التروح؛ فلأنه من العبث.
وأما كونه يكره له فرقعة الأصابع؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: «لا تُفَقِّعْ أصابعكَ وأنت في الصلاة» 426 رواه ابن ماجة.
وأما كونه يكره له تشبيك الأصابع؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد شَبَّكَ أصابعه في الصلاة فَفَرَّجَ بين أصابعه» 427 رواه ابن ماجة.
الجزء: 1 - الصفحة: 381
قال: (وله رد المار بين يديه.
وعد الآي.
والتسبيح.
وقتل الحية والعقرب والقملة.
ولبس الثوب والعمامة.
ما لم يُطل.
فإن طال الفعل في الصلاة أبطلها عمداً كان أو سهواً إلا أن يفعله متفرقاً).
أما كون المصلي له رد المار بين يديه؛ فلما روى أبو سعيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه.
فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان» 428 متفق عليه.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله: أن له رد المار سواء كان بين يديه سترة فمر دونها أو لم يكن بين يديه سترة فمر قريباً منه بحيث لو مشى إليه ودفعه لم تفسد صلاته.
وصرح به في الكافي لأنه موضع سجوده أشبه من نَصَبَ سترة.
ولأن المراد بنصب السترة الإعلام بأنه في الصلاة وفي الدفع إعلام صريح.
وقيل: رد المار مختص بمن بين 429 يديه سترة؛ لأن من لم ينصب سترة مقصر.
وظاهر الحديث يدل على ذلك لأنه شرط في الرد السترة.
وهذا الرد إنما يكون إذا كان للمار سبيل غير ذلك فإن لم 430 يجد سبيلاً لازدحام الناس ونحوه لم يشرع الرد ولا يكره المرور.
وأما كونه له عد الآي والتسبيح في الصلاة؛ فلما روى أنس قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد الآي بأصابعه عد الأعراب في الصلاة» 431.
ولأنه عدد مشروع في الصلاة فجاز كعدد الركعات في حق من ينسى ويسهو.
وأما كونه له قتل الحية والعقرب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب» 432 رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 382
وأما كونه له قتل القملة في الصلاة؛ فـ «لأن عمر وأنساً وابن مسعود كانوا يقتلون القمل في الصلاة».
قال القاضي: التغافل عنه أولى.
وأما كونه له 433 لبس الثوب والعمامة؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم التحف إزاره وهو في الصلاة» 434.
ولأنه عمل يسير أشبه حمل أُمامة 435، وفتح الباب لعائشة 436.
وأما كون الفعل إذا طال ولم يكن متفرقاً يُبطل الصلاة؛ فلأنه يقطع الموالاة ويمنع متابعة الأذكار ويذهب الخشوع في الصلاة.
وإذا رآه الناظر من بعيد يغلب على ظنه أن فاعله ليس في صلاة وكل ذلك ينافي الصلاة فأبطلها كما لو قطعها.
وأما كونه إذا طال وكان متفرقاً لا يبطلها؛ فلأنه بالنظر إلى كل مرة فعل غير طويل أشبه ما لو اقتصر عليه.
وأما كون السهو كالعمد في ذلك كله؛ فلأن المبطل قطع الموالاة وإذهاب الخشوع وغلبة ظن من رآه أنه ليس في صلاة وذلك كله موجود في السهو كالعمد.
فإن قيل: لو تكلم ساهياً ففي بطلان الصلاة روايتان ولو فعل ساهياً بطل قولاً واحداً.
قيل: الأقوال أخف من الأفعال ولهذا بطلت الصلاة بتكرار السجود قولاً واحداً دون تكرار الفاتحة.
الجزء: 1 - الصفحة: 383
قال: (ويكره تكرار الفاتحة.
والجمع بين سور في الفرض.
ولا يكره في النفل).
أما كون تكرار الفاتحة يكره؛ فلأنه اختلف في كون ذلك مبطلاً فأدنى أحواله أن يكون مكروهاً.
وأما كون الجمع بين سورٍ في الفرض يكره؛ فلأنه خلاف فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة.
وعن أحمد لا يكره جمع ذلك في الفرض.
وهي الصحيحة؛ لما روى الخلال بإسناده عن عبدالله بن سفيان قال: «قلت لعائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع السور في ركعة.
قالت: المفصل» 437.
وبإسناده عن ابن عمر «أنه كان يقرأ في المكتوبة بالسورتين في ركعة» 438.
وروي «أن رجلاً من الأنصار كان يؤمهم فكان يقرأ قبل كل سورة ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: 1] فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: إني أحبها.
قال: حبك إياها أدخلك الجنة» 439 رواه البخاري.
وأما كون الجمع بين سور في النفل لا يكره؛ فلما تقدم من الأحاديث.
ولأن عثمان رضي الله عنه «كان يختم القرآن في ركعة» 440.
و«فعل الجمع ابن عمر» 441.
الجزء: 1 - الصفحة: 384
قال: (ولا يكره قراءة أواخر السور وأوساطها.
وعنه يكره).
أما كون ما ذكر لا يكره على روايةٍ؛ فلأن أبا سعيد قال: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» 442 رواه أبو داود.
وعن عبدالله بن مسعود «أنه كان يقرأ في الآخرة من صلاة الصبح آخر آل عمران وآخر الفرقان» رواه الخلال.
قال الحسن: «غزوت مع ثلاثمائة من الصحابة فكان أحدهم يقرأ إذا أم أصحابه بخاتم البقرة وبخاتم الفرقان وبخاتم الحشر وكان لا ينكر بعضهم عن بعض».
وأما كونه يكره على روايةٍ؛ فلأن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان يقرأ السورة كاملةً» 443 والعدول عن فعله مكروه.
قال عليه السلام: «أعط لكل سورة حظها» 444 ومن حظها تمامها.
والأولى هي الصحيحة في المذهب؛ لما تقدم.
قال: (وله أن يَفتح على الإمام إذا أُرْتج عليه.
وإذا نابه شيء مثل سهو إمامه أو استئذان إنسان عليه سبح إن كان رجلاً.
وإن كانت امرأة صفحت ببطن كفها على ظهر الأخرى).
أما كون المصلي له أن يفتح على إمامه إذا أرتج عليه.
ومعناه: أن يرد عليه إذا غلط؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة.
فقرأ فيها.
فلُبس عليه.
فلما انصرف قال لأبي: صليت معنا؟ قال: نعم.
قال: فما منعك» 445 رواه أبو داود.
قال الخطابي: إسناد جيد.
و«ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم آية.
فقيل له: يا رسول الله! آية كذا وكذا تركتها.
قال: فهلا أَذْكَرْتَنيِها» 446 رواه أبو داود.
وقال ابن عقيل: إن كان الغلط في غير الفاتحة لا يرد؛ لأن ما زاد على الفاتحة قرائته غير واجبة.
والأول أولى؛ لعموم ما تقدم من الآثار.
الجزء: 1 - الصفحة: 385
وأما كون الرجل يسبح والمرأة تصفح إذا ناب المصلي شيء مما 447 تقدم ذكره؛ فلقوله عليه السلام: «من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال ولتصفق النساء» 448 متفق عليه.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» 449 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قال: (وإن بدره البصاق بصق في ثوبه.
وإن كان في غير المسجد جاز أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه).
أما كون من بدره البصاق يبصق في ثوبه؛ فلما فيه من صيانة المسجد عن البصاق فيه.
وقد روى أبو هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد.
فأقبل على الناس فقال: ما بال أحدكم يقوم فيستقبل ربه فَيَتَنَخَّعُ أمامه؟ أيحب أن يُستقبلَ فَيُتّنَخَّعَ في وجهه» 450.
وفي حديث آخر: «إذا تنخع أحدكم فليتنخعْ عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليقل هكذا.
ووصف القاسم: فتفل في ثوبه ومسح بعضه على بعض» 451 رواه مسلم.
وأما كونه يبصق عن يساره أو تحت قدمه إذا كان في غير المسجد؛ فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه».
الجزء: 1 - الصفحة: 386
قال: (ويستحب أن يصلي إلى سترة مثل أَخِرَة الرحل.
فإن لم يجد خَطَّ خطاً.
فإذا مر من ورائها شيء لم يكره.
وإن لم يكن سترة فمر بين يديه الكلب الأسود البهيم بطلت صلاته.
وفي المرأة والحمار روايتان).
أما كون المصلي يستحب له أن يصلي إلى سترة مع القدرة عليها؛ فلقوله عليه السلام: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها» 452 رواه الأثرم.
قال سهل: «كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين القبلة ممر الشاة» 453 متفق عليه.
وأما كون السترة مثل أَخِرَة الرحل؛ فلقوله عليه السلام: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل أَخِرَة الرحل فليصل ولا يبالي ما مر وراء ذلك» 454 رواه مسلم.
فإن قيل: ما قدر أَخِرَة الرحل؟
قيل: ذراع.
وقيل: عظم الذراع.
فإن قيل: لو كان المصلي بمكة؟
قيل: لا يكره الصلاة فيها إلى غير سترة ولا يضر ما مر بين يديه؛ لأن المطلب قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حيال الحجر والناس يمرون بين يديه» 455.
و«كان ابن الزبير يصلي والطواف بينه وبين القبلة.
تمر المرأة بين يديه فينتظرها حتى تمر.
ثم يضع جبهته في موضع قدمها» 456.
وأما كون من لم يجد سترة يخط خطاً؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً.
فإن لم يجد فلينصب
الجزء: 1 - الصفحة: 387
عصاً.
فإن لم يكن معه عصاً فليخط خطاً.
ثم لا يضره ما مر أمامه» 457 رواه أبو داود.
فإن قيل: ما صفة الخط؟
قيل: عند الإمام أحمد مثل الهلال.
ولو جعله طولاً جاز؛ لأن الغرض إشعار المار بأنه مصل وذلك حاصل في الطول.
وأما كونه لا يضر ما مر وراء السترة والخط؛ فلما تقدم من الحديثين قبل.
وأما كون صلاته تبطل إذا لم يكن سترة فمر بين يديه الكلب الأسود البهيم؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقطع صلاة المرء الكلب والمرأة والحمار» 458 رواه مسلم.
والكلب البهيم 459: الذي لا يخالط لونه آخر.
وإنما خص بذلك؛ لأنه شيطان.
وقد قال عليه السلام: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها.
فاقتلوا منها كل أسود بهيم.
وإنه شيطان» 460.
وأما كونها تبطل إذا مر بين يديه المرأة والحمار في روايةٍ؛ فلما تقدم من الحديث.
وأما كونها لا تبطل في روايةٍ؛ فلأن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة» 461.
الجزء: 1 - الصفحة: 388
ولأن ابن عباس رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي.
فنزلت عن الحمار وتركته أمام الصف فما بالى» 462 متفق عليهما.
وقد قيل: ليس في حديث عائشة حجة لأن المار غير اللابث.
وكذلك حديث ابن عباس لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه.
قال: (ويجوز له النظر في المصحف.
وإذا مرت به آية رحمة أن يسألها وآية عذاب أن يستعيذ منها.
وعنه يكره ذلك في الفرض).
أما كون المصلي يجوز له النظر في المصحف؛ فلأنه ليس بعمل كثير.
وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف.
فقال: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف.
قال ابن حامد: الفرض والنفل في ذلك سواء.
وقال القاضي: يكره في الفرض وفي النفل إذا كان حافظاً لأنه يَذْهب بالخشوع وإنما سومح به في النفل مع عدم الحفظ لأنه موضع حاجة.
وأما كونه إذا مرت به آية رحمة يجوز أن يسألها وإذا مرت به آية عذاب يجوز أن يستعيذ منها من غير كراهة نفلاً كانت الصلاة أو فرضاً على المذهب؛ فلما روى حذيفة قال: «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة.
فقلت: يركع عند المائة.
ثم مضى.
فقلت: يصلي بها في ركعة.
فمضى.
ثم افتتح آل عمران.
ثم النساء.
يقرأ مترسلاً.
إذا مر بآية فيها تسبيح سبح.
وإذا مر بسؤال سأل.
وإذا مر بتعوذ تعوذ ... مختصر» 463 رواه مسلم.
وأما كونه يكره ذلك في الفرض على روايةٍ؛ فلأن ذلك دعاء ليس بمشروع أشبه الأفعال التي لم تشرع.
وفارق ذلك النافلة من حيث إنها سومح فيها بأشياء بخلاف الفريضة.
الجزء: 1 - الصفحة: 389
وظاهر قول المصنف رحمه الله: وعنه يكره ذلك في الفرض؛ شمول هذه الرواية النظر في المصحف.
ولم أجد بذلك رواية عن الإمام أحمد.
ولكن ذلك قول القاضي.
إلا أنه ضم إليه أنه يكره أيضاً في النفل مع الحفظ.
وقد تقدم أيضاً بيانه.
الجزء: 1 - الصفحة: 390
فصل [في أركان الصلاة]
قال المصنف رحمه الله: (أركان الصلاة اثنا عشر: القيام، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والاعتدال عنه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في هذه الأفعال، والتشهد الأخير، والجلوس له، والتسمية الأولى، والترتيب.
من ترك شيئاً منها عمداً بطلت صلاته).
أما كون القيام من أركان الصلاة؛ فلقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: 238].
و«قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: صل قائماً» 464.
والقيام المعتبر أن يستوي قائماً على حَدٍّ.
أو لا ينحني بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه.
فإن انحنى بحيث يمكنه مس ركبتيه بيده أو اعتمد على شيء لم يجزئه.
وأما كون تكبيرة الإحرام من أركانها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «تحريمها التكبير» 465. رواه أبو داود.
ولما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه.
ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر» 466.
ولقوله عليه السلام للمسيء: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» 467 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 391
ويجب أن يأتي بجميع تكبيرة الإحرام وهو قائم لقوله عليه السلام للمسيء: «إذا قمت فكبر» 468. أمر بالتكبير حال القيام.
وأما كون قراءة الفاتحة من أركانها؛ فلما روى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 469 متفق عليه.
وفي لفظٍ للدارقطني: «لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 470. وقال: إسناده صحيح.
وعن أحمد أنها تجب في الأوليين دون الأخيرتين؛ لما روي عن علي أنه قال: «اقرأ في الأوليين وسبح في الأخيرتين» 471.
ولأنها لو وجبت في الأخيرتين لسن الجهر بها في بعض الصلوات كالأوليين.
وعنه: لا تتعين بل الواجب قراءة شيء 472 من القرآن.
وقد تقدم ذلك.
والصحيح أن الفاتحة ركن في كل ركعة؛ لما روى عبادة قبل 473.
وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 474.
وعنه وعن عبادة قالا: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة» 475.
الجزء: 1 - الصفحة: 392
ويجب أن يقرأها وهو قائم فلو أتى بحرف منها وهو في حد الراكع لم يجزئه لأنه لم يأت به وهو قائم.
وأما كون الركوع من أركانها؛ فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا﴾ [الحج: 77].
و«لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء: ثم اركع حتى تطمئن راكعاً» 476.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركع 477. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 478.
وأما كون الاعتدال من أركانها؛ فلما روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود» 479 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث صحيح.
و«لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء: ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً» 480.
وأما كون الجلوس بين السجدتين من أركانها؛ فلما روت عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعداً» 481 رواه مسلم.
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 482.
و«لقوله عليه السلام للمسيء: ثم ارفع حتى تطمئن جالساً» 483.
الجزء: 1 - الصفحة: 393
وأما كون الطمأنينة في هذه الأفعال من أركانها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها المسيء في جميع الأفعال المذكورة.
وأما كون التشهد الأخير والجلوس له من أركانها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ودام على فعله في الصلاة.
ولم يُنقل تركه.
وأمر بالتشهد وكان يعلمه كما يعلم السورة من القرآن.
وقال ابن مسعود: «كنا قبل أن يفرض علينا التشهد نقول: السلام على الله قبل عباده.
السلام على جبريل.
السلام على ميكائيل.
السلام على فلان.
فسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: إن الله هو السلام.
فلا تقولوا: السلام على الله.
ولكن قولوا: التحيات ... » 484 وذكر التشهد الذي لابن مسعود.
وفي بعض ألفاظ حديث ابن مسعود: «فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك» 485 رواه أبو داود.
وأما كون التسليمة الأولى من أركانها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «تحليلها التسليم» 486.
ولأنه أحد طرفي الصلاة فكان فيه نطق واجب كالأولى.
وأما كون الترتيب من أركانها؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ثم اركع ثم ارفع ... الحديث» 487. ذكره بحرف ثم وهي الترتيب فيكون الترتيب مأموراً به.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مرتباً.
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 488.
وأما كون صلاة من ترك من الأركان شيئاً تبطل؛ فلأن المسيء في صلاته لما ترك الطمأنينة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع فصل فإنك لم تصل» 489. أمره بالإعادة
الجزء: 1 - الصفحة: 394
ولو كانت صحيحة لما وجبت عليه الإعادة، ونفى كونه مصلياً وسأله أن يعلمه فعلمه هذه الأفعال.
فدل على أنه لا يكون مصلياً بدونها.
فإن قيل: لم قيد المصنف رحمه الله ترك الركن بالعمد؟
قيل: لأن تركه سهواً له موضع يأتي ذكره فيه مبيناً إن شاء الله تعالى 490.
قال: (وواجباتها تسعة: التكبير غير تكبيرة الإحرام، والتسميع، والتحميد في الرفع من الركوع، والتسبيح في الركوع، والسجود مرة مرة، وسؤال المغفرة بين السجدتين مرة، والتشهد الأول، والجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في موضعها، والتسليمة الثانية في روايةٍ.
من ترك منها شيئاً عمداً بطلت صلاته.
ومن تركه سهواً سجد للسهو.
وعنه أن هذه سنن لا تبطل الصلاة بتركها).
أما كون التكبير غير تكبيرة الإحرام من واجبات الصلاة على المذهب؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا» 491 حديث حسن.
أمر بالتكبير وأمره للوجوب.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم.
ثم يكبر حين يركع.
ثم يكبر حين يسجد.
ثم يكبر حين حين يرفع رأسه.
ثم يفعل ذلك في صلاته كلها حتى يقضيها.
ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» 492.
الجزء: 1 - الصفحة: 395
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 493 متفق عليه.
وأما كون التسميع من واجباتها فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: سمع الله لمن حمده» 494.
وقال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» 495.
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 496.
وهذا الوجوب مختص بالإمام والمنفرد؛ لأن قوله عليه السلام: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا» 497 يدل على أنه لا يجب التسميع على المأموم لأنه لو وجب لذكره ولما خص التحميد بالذكر.
وأما كون التحميد من واجباتها؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله» 498 وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 499.
وقال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» 500 متفق عليه.
وعن الإمام أحمد أن المنفرد لا يحمد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالتحميد للمأموم.
الجزء: 1 - الصفحة: 396
والصحيح الأول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وأمر بالاقتداء به.
ولا يلزم من أمره للمأموم أن لا يكون المنفرد مأموراً من جهة أخرى.
وأما كون التسبيح في الركوع والسجود مرة مرة من واجباتها؛ فلما تقدم من حديث عقبة بن عامر 501.
وأما كون سؤال المغفرة بين السجدتين مرة من واجباتها؛ فلما تقدم من حديث حذيفة 502.
وأما كون التشهد الأول والجلوس له من واجباتها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وداوم على فعله وأمر به في حديث ابن عباس فقال قولوا: «التحيات لله» 503 و «سجد السهو حين نسيه» 504.
وإنما سقط بالسهو إلى بدل كواجبات الحج تجبر بالدم بخلاف السنن.
وأما كون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من واجباتها؛ فلأن الله تعالى أمر بالصلاة عليه بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾ [الأحزاب: 56] والأمر للوجوب ولا موضع تجب فيه الصلاة عليه أولى من الصلاة المفروضة.
ولأنا أجمعنا على أنه لا تجب خارج الصلاة فيتعين أن تجب في الصلاة.
وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة إلا بطهور وبالصلاة عليّ» 505.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال «قولوا: اللهم! صل على محمد ... الحديث» 506. أمر والأمر للوجوب.
فإن قيل: ما الواجب من ذلك؟
الجزء: 1 - الصفحة: 397
قيل: أقل ما وردت به الأخبار كما قلنا في التحيات؛ لأنها وردت مفسرة للأمر.
وقال القاضي: ظاهر كلام الإمام أحمد أن الصلاة الواجبة على النبي صلى الله عليه وسلم 507 فحسبُ تمسكاً بظاهر الآية.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: إن في الصلاة على الآل وجهان: المذهب أنها لا تجب.
ونص صاحب النهاية فيها أن الأولى وجوب ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن كيفية الصلاة المأمور بها وفيها الصلاة على آله.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى صلاة لم يصل فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه» 508 رواه الدارقطني.
وآل النبي صلى الله عليه وسلم أهل دينه ومن اتبعه؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن آل محمد.
فقال: كل تقي» 509 أخرجه تمام في فوائده.
وقيل: آله أهل بيته.
وهم بنو هاشم وبنو المطلب.
وأنها منقلبة عن همزة.
ولو أبدل آل محمد بأهل محمد.
فقال ابن حامد: لا يجزئ؛ لما فيه من مخالفة الأثر وتغير المعنى.
وقال القاضي: معناهما واحد ويجزئ.
وكذلك لو صغر آل فقال: أهيل.
وقول المصنف رحمه الله: في موضعها؛ معناه في التشهد الأخير بعد الشهادتين؛ لأن ذلك هو موضع التشهد عادة.
وأما كون التسليمة الثانية في روايةٍ من واجباتها؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله» 510.
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 511.
الجزء: 1 - الصفحة: 398
ولأنها عبادة شرع لها تحلّلان فكانا واجبين كالحج.
ولأنها إحدى التسليمتين فكانت واجبة كالأخرى.
وأما كون ما ذكر من التكبير إلى التسليمة الثانية سنناً على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعلم شيئاً من ذلك للمسيء في صلاته.
ولأنه لو كان واجباً لما سقط بالسهو كالركن.
وأما كون من ترك شيئاً مما تقدم ذكره عمداً بطلت صلاته على الأول؛ فلأن الواجب متوسط بين الركن والسنة فيجب أن يعطى كل واحد منهما شبهاً.
وقد أعطي من السنة شبهاً في أن الصلاة لا تبطل بتركه سهواً فوجب أن يعطى من الركن شبهاً في أن الصلاة تبطل بتركه عمداً.
وأما كون من تركه سهواً يسجد لسهوه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو لما ترك التشهد الأول 512.
وقد تقدم ما يدل على وجوبه وسائر الواجبات في معناه.
ولأنه لا يمتنع أن تكون للعبادة واجباتٌ تنجبر إذا تركها وأركانٌ لا تصح العبادة بدونها كالحج في واجباته وأركانه.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بعدم بطلان الصلاة بترك الواجب سهواً.
وهو صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ترك الجلوس للتشهد الأول سهواً بنى على صلاته.
ولأن السجود وقع جبراناً لما وقع من الخلل فوجب أن تصير الصلاة كما لو لم يترك فيها واجباً 513.
وأما كون من ترك شيئاً من ذلك عمداً لم تبطل صلاته على الرواية الثانية؛ فلأن ترك السنة لا تبطل عبادة من حج عنده 514 فكذا الصلاة.
والصحيح في المذهب أن جميع ما تقدم غير التسليمة الثانية واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به.
وأمره للوجوب.
وفَعَلَه.
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 515.
الجزء: 1 - الصفحة: 399
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتم صلاةٌ لأحد من الناس حتى يتوضأ -وذكر الحديث إلى قوله-: ثم يكبر ثم يركع حتى تطمئن مفاصله.
ثم يقول: الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً.
ثم يقول: الله أكبر.
ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله.
ثم يرفع رأسه فيكبر.
فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» 516 رواه أبو داود.
وأما حديث المسيء فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه كل الواجبات بدليل أنه لم يعلمه التشهد ولا السلام فيحتمل أنه اقتصر في تعليمه على ما رآه أساء فيه.
وأما التسليمة الثانية فقال القاضي: هي أصح.
أي الرواية بوجوبها لحديث جابر بن سمرة، ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليها.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: الصحيح أنها سنة؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه كان يسلم تسليمة واحدة» 517 وكذلك المهاجرون.
وذلك دليل عدم الوجوب.
وما روي أنه كان يسلم تسليمتين يحمل على المسنون ليحصل الجمع بين فعليه.
قال: (وسنن الأقوال اثنا عشر: الاستفتاح، والتعوذ، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وقول آمين، وقراءة السورة، والجهر، والإخفات، وقول ملء السماء بعد التحميد، وما زاد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود، وعلى المرة في سؤال المغفرة، والتعوذ في التشهد الأخير، والقنوت في الوتر.
فهذه لا تبطل الصلاة بتركها ولا يجب السجود لها.
وهل يشرع؟ على روايتين.
وما سوى هذا من سنن الأفعال لا تبطل الصلاة بتركه، ولا يشرع السجود له).
أما كون سنن الأفعال الأشياء المذكورة؛ فلما تقدم في مواضعها.
الجزء: 1 - الصفحة: 400
وأما كون الصلاة لا تبطل بتركها؛ فلأنها غير واجبة فلا تبطل الصلاة بتركها كمسنونات الإحرام والصيام.
وأما كون السجود لها لا يجب؛ فلأن ذلك غير واجب فجبره أولى أن لا يكون واجباً.
وأما كونه يشرع على روايةٍ؛ فلأن السجود جبران فيشرع ليجبر ما فات.
وأما كونه لا يشرع على روايةٍ؛ فلأن المتروك غير واجب فلم يشرع له سجود كسنن الأفعال.
وأما كون الصلاة لا تبطل بترك ما سوى هذا من سوى هذا من سنن الأفعال فلما ذكر في سنن الأقوال.
وأما كونه لا يشرع السجود له فلكونه غير واجب مع كثرته.
فإن قيل: لِمَ لمْ يجر الخلاف هنا في المشروعية كما تقدم في سنن الأقوال؟
قيل: لأن سنن الأفعال كثيرة فلو شرع السجود لها لما خلت صلاة من سجود سهو.
وقيل: الخلاف جار في سن الأفعال كالأقوال.
فعلى هذا لا فرق.
فإن قيل: ما سنن الأفعال؟
قيل: رفع اليدين عند الإحرام، والركوع، والرفع منه، ووضع اليمنى على اليسرى، وجعلها تحت السرة أو الصدر، والنظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ومد الظهر، والتسوية بين رأسه وظهره، والتجافي فيه، والبداءة بوضع اليدين قبل الركبتين في النهوض، والتجافي فيه، وفتح أصابع رجليه في السجود وفي الجلوس، ووضع يديه حذو منكبيه مضمومة مستقبلاً بها القبلة، والتورك في التشهد الأخير، والافتراش في الأول وفي سائر الجلوس، ووضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة بحلقة، والإشارة بالسبابة، ووضع اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة، والالتفات عن يمينه وشماله في التسليم، والسجود على أنفه، وجلسة الاستراحة في روايةٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 401
باب سجود السهو
قال المصنف رحمه الله: (ولا يشرع في العمد.
ويشرع للسهو في زيادة ونقص وشك.
للنافلة والفرض).
أما كون السجود لا يشرع في العمد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم علق السجود على السهو حيث قال: «إذا سها أحدكم فليسجد» 518.
وقول الراوي: «سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد» 519.
[وأما مواضع مشروعية ذلك ففي الزيادة، والنقص، والشك لما يأتي ذكره بعد في مواضعه إن شاء الله تعالى] 520.
وأما كون ذلك للنافلة والفرض فلعموم الأخبار الواردة في سجود السهو.
ولأنهما في معنى واحد في الاحتياج إلى سد الخلل الحاصل بالسهو.
قال: (فأما الزيادة فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت الصلاة.
وإن كان سهواً سجد له).
أما كون من زاد فعلاً من جنس الصلاة كما مثّل المصنف رحمه الله عمداً تبطل صلاته؛ فلأن الزيادة على المنصوص كالنقص.
ولو تعمد النقص بطلت صلاته فكذلك إذا تعمد الزيادة.
ولأن زيادة ركن يخل بنظم الصلاة ويغير هيئتها فلم تكن صلاة ولا فاعلها مصلياً.
ولأنه متى فعل ذلك أخر السلام عن موضعه فيكون قد ترك الواجب عمداً وذلك مبطل لما تقدم.
وأما كون من زاد ذلك سهواً يسجد لسهوه؛ فلأن في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» 521 رواه مسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 402
ولأن الزيادة سهو فيدخل في قوله عليه السلام: «إذا سها أحدكم فليسجد» 522. وقول الصحابي: «سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد» 523.
ولأن الزيادة نقص في المعنى فشرع السجود له لينجبر النقص.
قال: (وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد لها.
وإن علم فيها جلس في الحال فتشهد إن لم يكن تشهد وسجد وسلم).
أما كون من أدرك ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها يسجد لها؛ فلما روى ابن مسعود قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً.
فلما انفتل من الصلاة توشْوش القوم بينهم.
فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: يا رسول الله! زيد في الصلاة شيء؟ فقال: لا.
قالوا: إنك صليت خمساً.
فانفتل فسجد سجدتين ثم سلم.
[ثم] 524 قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون.
فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» 525 رواه مسلم.
وأما كون من علم بالزيادة في الركعة يجلس في حال علمه؛ فلأنه لو لم يجلس لزاد في الصلاة عمداً وذلك مبطل لما تقدم.
وأما كونه يتشهد إن لم يكن 526 تشهد؛ فلأنه ركن لم يأت به.
وأما كونه يسجد؛ فلأن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» 527 رواه مسلم.
وأما كونه يسلم فلتكمل صلاته.
الجزء: 1 - الصفحة: 403
قال: (وإن سبح به اثنان لزمه الرجوع.
فإن لم يرجع بطلت صلاته وصلاة من اتبعه عالماً.
وإن فارقه أو كان جاهلاً لم تبطل).
أما كون من سبح به اثنان وهو قد سها يلزمه الرجوع؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى خبر أبي بكر وعمر في خبر ذي اليدين 528.
ولأنه عليه السلام قال: «إذا نسيت فذكروني» 529 يعني بالتسبيح.
ولولا أن الإمام يتبع المأموم لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم المأموم بالتسبيح.
وأما كونه تبطل صلاته إذا لم يرجع؛ فلأنه زاد في الصلاة عمداً.
ولأنه ترك الواجب عمداً.
وأما كون من اتبعه عالماً بتحريم متابعته تبطل صلاته؛ فلأنه اقتدى بمن يعلم بطلان صلاته.
أشبه ما لو اقتدى بمن يعلم حدثه.
وأما كون من فارقه لا تبطل صلاته؛ فلأن المأموم يجوز له مفارقة إمامه مع العذر.
وهو معذور هنا.
وأما كون من اتبعه جاهلاً بتحريم المتابعة لا تبطل صلاته؛ فلأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تابعوه في الخامسة جاهلين ذلك.
ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة 530.
قال: (والعمل المستكثر في العادة من غير جنس الصلاة يُبطلها عمده وسهوه.
ولا تبطل باليسير.
ولا يشرع له سجود).
أما كون العمل المستكثر الموصوف بما ذُكر عمداً كان أو سهواً يُبطل الصلاة؛ فلما تقدم من أن الفاعل لذلك عمداً أو سهواً لا يعد في نظر الناظر إليه أنه مصل 531.
الجزء: 1 - الصفحة: 404
ولما فيه من قطع الموالاة وذهاب الخشوع.
وأما كونها لا تبطل باليسير؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى 532 وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع.
إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها» 533 متفق عليه.
وروي «أنه فتح الباب لعائشة وهو في الصلاة» 534.
فإن قيل: ما اليسير؟
قيل: ما شابَهَ فعل النبي صلى الله عليه وسلم مما روي، والكثير ما زاد على ذلك وعُدَّ كثيراً في العرف.
وأما كونه لا يشرع له سجود؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد لحمل أمامة ولا لفتح الباب لعائشة.
قال: (وإن أكل أو شرب عمداً بطلت صلاته.
قَلّ أو كثر.
وإن كان سهواً لم تبطل إذا كان يسيراً).
أما كون من أكل أو شرب عمداً تبطل صلاته؛ فلأن ذلك ينافي الصلاة.
ولأن ذلك يبطل الصوم الذي لا يبطل بالأفعال؛ فلأن تبطل الصلاة التي تبطل بالأفعال بطريق الأولى.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا فرق بين الفريضة والنافلة لأنه لم يقيد بطلان الصلاة بأحدهما.
وفي ذلك روايتان:
أحدهما: أنه لا فرق بينهما في ذلك؛ لأن صوم النافلة يبطل بذلك كالفريضة.
والثانية: أن النافلة لا تبطل بذلك «لأنه روي عن ابن الزبير وسعيد بن جبير أنهما شربا في صلاة التطوع».
ولأنه عمل يسير والنافلة مما سومح بها.
أشبه الخطوة والخطوتين.
الجزء: 1 - الصفحة: 405
وأما كون من أكل أو شرب سهواً لا تبطل صلاته إذا كان ذلك يسيراً؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» 535.
ولأنه معفو عنه في الصوم فيعفى عنه في الصلاة بالقياس عليه.
قال: (وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه كالقراءة في السجود، والقعود والتشهد في القيام، وقراءة السورة في الأخريين لم تبطل الصلاة به 536. ولا يجب السجود لسهوه.
وهل يشرع؟ على روايتين).
أما كون من أتى بقول مشروع في غير موضعه كما مثّل المصنف رحمه الله لا تبطل صلاته؛ فلأنه ذكر مشروع في الصلاة في الجملة وإذا كان ذلك كذلك لم يكن ذلك منافياً لها فلم تبطل به لانتفاء المقتضي له.
وأما كونه لا يجب السجود لسهوه؛ فلأنه جبر لما ليس بواجب فأولى أن لا يكون واجباً.
وأما كونه لا يشرع السجود له على روايةٍ؛ فلأن الصلاة لا تبطل بعمده أشبه الخطوة والخطوتين.
وأما كونه يشرع على روايةٍ؛ فلقوله عليه السلام: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس» 537 رواه مسلم.
قال: (فإن سلم قبل إتمام صلاته عمداً أبطلها.
وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد.
فإن طال الفصل أو تكلم لغير مصلحة الصلاة بطلت.
وإن تكلم لمصلحتها ففيها ثلاث روايات؛ إحداهن: لا تبطل.
والثانية: تبطل.
والثالثة: تبطل صلاة المأموم دون الإمام.
اختارها الخرقي).
أما كون من سلم قبل إتمام صلاته عمداً يُبطلها؛ فلأن الباقي من صلاته إما ركن وإما واجب وكلاهما يبطل الصلاة تركه عمداً.
وأما كونه يتمها إذا كان ذلك سهواً ثم ذكر قريباً ويسجد لذلك؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين سلم قبل إتمام صلاته.
ثم أتمها وسجد» 538.
الجزء: 1 - الصفحة: 406
وأما كونه تبطل صلاته إذا طال الفصل؛ فلتعذر بناء الباقي عليها.
وأما كون من تكلم في ذلك لغير مصلحة الصلاة نحو قوله: اسقني ماء تبطل صلاته؛ فلأنه في حكم الصلاة بدليل أن له البناء على ذلك لو لم يتكلم.
والكلام في الصلاة يبطلها لقوله عليه السلام: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس.
إنما هي التسبيح والقراءة والتكبير» 539 رواه مسلم.
فكذا فيما هو حكمها.
وأما كون من تكلم في ذلك لمصلحة الصلاة لا تبطل صلاته إماماً كان أو مأموماً في رواية؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وذا اليدين تكلموا مع التعمد» 540.
وأما كونها تبطل في روايةٍ؛ فلشمول ما تقدم من الأدلة المقتضية للبطلان لهما.
قال الإمام أحمد رحمه الله: لو أن لنا إماماً اليوم تكلم وأجاب المأموم أعاد الصلاة.
هذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
واختار هذه الرواية الخلال وقال: عليه استقر المذهب.
وأجاب أحمد عن قصة ذي اليدين بأن أبا بكر وعمر تكلما مجيبين للنبي صلى الله عليه وسلم.
وكان يلزمهما أن يجيباه.
وذو اليدين تكلم في زمن يمكن أن تكون الصلاة فيه قد قصرت وتغيرت.
وأما كون صلاة المأموم تبطل دون الإمام في روايةٍ؛ فلأن الإمام قد تعتريه حال يحتاج فيها إلى الكلام.
مثل أن ينسى القراءة في ركعة فيذكرها في الثانية.
فقد فسدت عليه ركعة.
فيحتاج إلى بدلها.
وهي في ظن المأمومين خامسة.
وليس لهم موافقته.
ولا سبيل إلى إعلامهم بغير الكلام.
بخلاف المأموم.
قال: (وإن تكلم في صلب الصلاة بطلت.
وعنه: لا تبطل إذا كان ساهياً أو جاهلاً.
ويسجد له).
أما كون من تكلم في صلب الصلاة عمداً عالماً بكون الكلام مبطلاً تبطل صلاته؛ فلأن الكلام في الصلاة منهي عنه لما تقدم.
ولقول زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة.
يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت» 541 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 407
ولمسلم: «ونهينا عن الكلام» 542.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحدث من أمره ما شاء.
وأنه قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة» 543 رواه أبو داود.
وإذا كان الكلام منهياً عنه في الصلاة وجب أن يبطل كالصلاة في مكان نُهي عن الصلاة فيه من مقبرة ونحوها.
وأما كون من تكلم في ذلك ساهياً أو جاهلاً بكون الكلام مبطلاً تبطل صلاته على روايةٍ فلعموم ما تقدم.
وأما كونها لا تبطل على روايةٍ؛ فلما روى معاوية بن الحكم قال: «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فعطس رجل من القوم.
فقلت: يرحمك الله.
فرماني القوم بأبصارهم ... الحديث» 544. ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادةٍ لجهله بكون الكلام مبطلاً.
والناسي في معناه.
وأما كونه يسجد له فليجبر الخلل الذي حصل في صلاته بالكلام.
فإن قيل: لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم معاوية بالسجود؟
قيل: إنما لم يأمره بذلك لأنه كان مأموماً والإمام يتحمل عن المأموم سهوه لما يأتي إن شاء الله تعالى 545.
فإن قيل: الكلام المعفو عنه بالنسيان والجهل ما هو؟
قيل: اليسير؛ لأن الكثير يُخرج الصلاة عن هيئتها.
الجزء: 1 - الصفحة: 408
وقيل: الكثير كاليسير لأن ما عفي عن 546 يسيره لنسيان أو جهل عفي عن كثيره.
دليله: الأكل في الصوم.
قال: (وإن قهقه أو نفخ أو انتحب فبان حرفان فهو كالكلام إلا ما كان من 547 خشية الله تعالى.
وقال أصحابنا في النحنحة مثل ذلك.
وقد روي عن أبي عبدالله رحمه الله: أنه كان يتنحنح في صلاته ولا يراها مبطلة للصلاة).
أما كون القهقهة التي يأت منها حرفان كالكلام في بطلان الصلاة؛ فلقوله عليه السلام: «القهقهة تنقض الصلاة ولا تنقض الوضوء» 548 رواه الدارقطني.
ولأنه تعمد في الصلاة ما ينافيها أشبه خطاب الآدمي.
وأما كون النفخ كالكلام فيما ذكر؛ فلأن ابن عباس قال: «من نفخ في الصلاة فقد تكلم» 549.
وروي ذلك أيضاً عن سعيد بن جبير 550.
وروي أيضاً عن أبي هريرة.
إلا أن ابن المنذر قال: لا يثبت عنه.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال في موضع آخر 551: أكره ولا أقول تقطع الصلاة.
ليس هو كلاماً؛ لما روى عبدالله بن عمر قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فلم 552 يكد يركع ثم ركع 553 فلم يكد
الجزء: 1 - الصفحة: 409
يرفع -وذكر الحديث إلى أن قال-: ثم نفخ في آخر سجوده فقال: أف أف» 554.
ولأن ما لا يبطل 555 الصلاة إسراره فلم يبطلها إظهاره كالحرف الواحد.
[وأما كون] 556 النحيب الذي من غير خشية الله كالكلام؛ فلأنه من جنس كلام الآدميين.
ولم يفرق المصنف رحمه الله هنا بين ما غلب صاحبه وما لم يغلبه.
وقال في المغني وصاحب النهاية فيها: أن النحيب إن غلب صاحبه لم يضره لكونه غير داخل في وسعه.
ولم يحكيا فيه خلافاً.
وأما كون الذي من خشية الله تعالى ليس كالكلام؛ فلما روى عبدالله بن شداد قال: «سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف» 557.
وعن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء» 558.
وقد مدح الله تعالى بذلك فقال: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً﴾ [مريم: 58].
قال المصنف رحمه الله في المغني: ويحتمل [أن ذلك -يعني البكاء لخوف الله تعالى- متى كان عن غير غلبة فسدت -يعني صلاته- ويحملُ] 559 ما ذُكر من النصوص وما نُقل عن الإمام على ما إذا غلبه أو إذا لم ينتظم منه حرفان بدليل تقييد الإمام أحمد في روايةِ مهنا البكاء
الجزء: 1 - الصفحة: 410
الذي لا يُفسد بكونه عن غلبة.
ولا يلزم من كون البكاء ممدوحاً عليه أن لا يكون مفسداً بدليل أنا أُمرنا بتشميت العاطس ورد السلام وذلك مفسد للصلاة.
وأما كون النحنحة على قول أصحابنا مثل القهقهة.
أي إن بان منها حرفان فسدت الصلاة؛ فلأن ذلك إذا بان منه حرفان كان كلاماً ويدخل في عموم ما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: روي عن أبي عبدالله أنه كان يتنحنح في صلاته ولا يراها مبطلة للصلاة، قال المروزي: أتيت أبا عبدالله فتنحنح يعلمني أنه في الصلاة.
ويعضده ما روى علي عليه السلام قال: «كانت لي ساعة أدخل فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر.
فإن كان في الصلاة تنحنح فكان ذلك إذني.
وإن لم يكن في صلاة أذن لي» 560.
قال القاضي: هذا محمول على أنه حرف واحد.
وهذا الذي ذكره القاضي مع فتح الفم بعيد فأما مع طبق الفم فصحيح.
ويمكن أن يقال المأتي به من الحروف في النحنحة حروف غير محققة فهي كصوت عُقْلٍ.
والأصواتُ العُقْل لا تختلف في السمع.
الجزء: 1 - الصفحة: 411
فصل [النقص في الصلاة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأما النقص.
فمتى ترك ركناً فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها.
وإن ذكره قبل ذلك عاد فأتى به وبما بعده.
فإن لم 561 يعد بطلت صلاته.
وإن علم بعد السلام فهو كترك ركعة كاملة).
وأما كون النقص سهواً يسجد له؛ فلأن في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» 562 رواه مسلم.
ولأن النقص سهو فيدخل في قوله عليه السلام: «إذا سها أحدكم فليسجد» 563.
وقول الصحابي: «سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد» 564.
ولأنه إذا سجد للزيادة لأنها نقص في المعنى؛ فلأن يسجد في النقص صورة ومعنى بطريق الأولى.
وأما كون من ترك ركناً فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى تبطل الركعة التي تركه منها؛ فلأنه لم يمكنه أن يأتي بالركن إلى وقت تلبسه 565 بالثانية لنسيانه أشبه المزحوم إذا لم يزل الزحام حتى ركع الإمام في الثانية وذلك مبطل للركعة التي قبلها فكذلك هاهنا.
فعلى هذا إن كان الترك من الأولى صارت الثانية أولته والثالثة ثانيته والرابعة ثالثته ويأتي برابعة.
وإن كان من الثانية أو الثالثة أو الرابعة فعلى نحو ما تقدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 412
وأما كونه يعود إلى ما ذكره فيأتي به إذا ذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى؛ فلأنه أمكنه الإتيان بالركن فلزمه العود إليه والإتيان به كالمزحوم إذا أمكنه الإتيان بالركعة قبل ركوع الإمام في الثانية.
وأما كونه يأتي بما بعد ذلك؛ فلأن الترتيب واجب ولا يحصل إلا بذلك.
وأما كونه إذا لم يعد تبطل صلاته؛ فلأنه ترك الواجب عمداً.
وأما كون ترك ركن كترك ركعة كاملة إذا علم بعد السلام؛ فلأن ذكر ذلك بعد السلام كذكره بعد شروعه في قراءة ركعة تلي تلك الركعة وذلك مبطل للركعة التي قبلها فكذا هاهنا.
قال: (وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات وذكر في التشهد سجد سجدة فصحت له ركعة ويأتي بثلاث.
وعنه تبطل صلاته).
أما كون من نسي ما ذكر يسجد سجدة؛ فلأن الرابعة نقص منها ذلك.
وأما كونه يصح له ذلك ركعة؛ فلأن جبرانها حصل قبل الشروع في غيرها.
وأما كونه يأتي بثلاث ركعات؛ فلأن كل ركعة من الثلاث التي فعلها تبطل بالشروع في التي تليها فلم يبق له سوى ركعة فيلزمه أن يأتي بكمال الصلاة الرباعية.
وفي الحكم بسجوده وصحة ركعته وإتيانه بثلاث ركعات حكم بأن صلاته لم تبطل بالنسيان وإن كثر وهو صحيح على المذهب؛ لأن 566 عدم البطلان فيما إذا ترك ركناً من ركعة لمكان النسيان وذلك موجود فيما كَثُر.
وأما كونه تبطل صلاته على روايةٍ؛ فلأن من نسي ذلك كله يكون متلاعباً بالصلاة ذاهلاً عنها.
ويحتاج إلى 567 إلغاء عمل كثير بين تكبيرة الإحرام والركعة المعتد بها أشبه العمل من غير جنس الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 413
قال: (وإن نسي التشهد الأول ونهض لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائماً.
فإن استتم قائماً لم يرجع.
وإن رجع جاز.
وإن شرع في القراءة لم يجز له الرجوع.
وعليه السجود لذلك كله).
أما كون من نسي التشهد الأول ونهض يلزمه الرجوع ما لم ينتصب قائماً؛ فلما روى المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قام أحدكم في الركعتين فلم يستتم قائماً فليجلس ... مختصر» 568 رواه أبو داود وابن ماجة.
ولأنه أخل بواجب وذكر قبل الشروع في ركن مقصود.
فلزم الإتيان به، كما لو لم تفارق إليتاه الأرض.
وأما كونه لا يرجع إذا استتم قائماً؛ فلأن تتمة حديث المغيرة: «فإذا استتم قائماً فلا 569 يجلس ويسجد سجدتي السهو».
وأما كونه إذا رجع يجوز؛ فلأن القيام ركن ليس بمقصود في نفسه بل لغيره وهو القراءة فوجب أن يجوز له الرجوع كما لو لم يستتم 570 قائماً.
قال المصنف رحمه الله في المغني: ويقوى عندي أنه لا يجوز له الرجوع وهو الصحيح؛ لما تقدم من حديث المغيرة.
ولأن القيام ركن.
فلم يجز الرجوع بعد الشروع فيه، كالقراءة.
وما ذكر من أنه ركن ليس بمقصود فممنوع.
وأما كونه لا يجوز له الرجوع إذا شرع في القراءة؛ فلحديث المغيرة المتقدم.
ولما روي عن معاوية: «أنه صلى بالناس فقام في الركعتين وعليه جلوس
فسبح به الناس فأبى أن يجلس.
فلما جلس ليسلم سجد سجدتين وهو جالس.
ثم قال: رأيت 571 رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا» 572 رواه الآجري 573.
الجزء: 1 - الصفحة: 414
ولأنه شرع في ركن مقصود فلم يجز له الرجوع منه إلى ما ليس بركن كما لو ركع.
وأما كونه عليه السجود لذلك كله؛ فلما تقدم من حديث معاوية.
ولما روى ابن بحينة «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس.
وقام الناس معه.
فلما قضى صلاته وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس.
فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم» 574 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 415
فصل [في الشك]
قال المصنف رحمه الله: (وأما الشك.
فمن شك في عدد الركعات بنى على اليقين.
[وعنه يبني على غالب ظنه، وظاهر المذهب أن المنفرد يبني على اليقين] 575. والإمام على غالب ظنه.
فإن استويا عنده بنى على اليقين).
أما كون من شك يسجد؛ فلما يأتي في الأحاديث بعد.
ولأن الشاك قد يزيد فعله وقد ينقص وكل واحد منهما موجب لسجود السهو لما تقدم.
وأما كونه يبني على اليقين على روايةٍ إماماً كان أو منفرداً؛ فلما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى 576 فليبن على اليقين.
حتى إذا استيقن أن قد أتم فليسجد سجدتين قبل أن يسلم.
فإنه إن كانت صلاته وتراً فقد شفعها وإن كانت شفعاً فإن ذينك يرغمان الشيطان» 577 رواه مسلم.
ولأن الأصل واجب في ذمته بيقين فلا يزول إلا بيقين.
وأما كونه يبني على غالب ظنه على روايةٍ؛ فلما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين» 578 متفق عليه.
وأما كون المنفرد يبني على اليقين والإمام على غالب ظنه على روايةٍ؛ فلأن الإمام له من ينبهه ويذكره إذا أخطأ الصواب.
بخلاف المنفرد.
الجزء: 1 - الصفحة: 416
ويجب أن يحمل حديث أبي سعيد على المنفرد وحديث ابن مسعود على الإمام جمعاً بينهما.
وأما كون هذه الرواية هي ظاهر المذهب؛ فلأن فيها جمعاً بين الأحاديث، ولما تقدم من الفرق بين الإمام والمنفرد.
فإن قيل: الشاك هو الذي استوى عنده طرفا الشيء فكيف يقال: يبني على غالب ظنه؟
قيل: الشك في اللغة مطلق التردد ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا شك في ثلاث وأربع وأكثر ظنك على الأربع» 579. وتفسير الشك باستواء الطرفين اصطلاح حادث أصولي.
وأما كون من استوى عنده الأمران المتقدم ذكرهما يبني على اليقين بلا خلاف؛ فلأن اليقين إنما جاز تركه في مسألة غلبة الظن على روايةٍ لمعارضة غلبة الظن فإذا لم يوجد وجب الرجوع إلى اليقين لأنه الأصل وهو سالم عن المعارض.
قال: (ومن شك في ترك ركن فهو كتركه.
وإن شك في ترك واجب فهل يلزمه السجود؟ على وجهين.
وإن شك في زيادة لم يسجد).
أما كون من شك في ترك ركن فهو كتركه؛ فلأن الأصل عدم وجود الركن مع الشك فيكون كتركه.
وأما كون من شك في ترك واجب يلزمه السجود على وجهٍ؛ فلأن الشك في ترك واجب كتركه لما ذكر من أن الأصل عدمه ومن ترك واجباً يلزمه السجود.
وأما كونه لا يلزمه على وجهٍ؛ فلأنه شك في وجوب سجود السهو لأنه تابع لترك الواجب وذلك مشكوك فيه والتابع للمشكوك فيه مشكوك فيه والشيء لا يجب بالشك.
وأما كون من شك في زيادة لا يسجد؛ فلأن الأصل عدمها.
الجزء: 1 - الصفحة: 417
قال: (وليس على المأموم سجود سهو إلا أن يسهو إمامه فيسجد.
فإن لم يسجد الإمام فهل يسجد المأموم؟ على روايتين).
أما كون المأموم ليس عليه سجود سهو إذا لم يسه إمامه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة ضمناء» 580. معناه والله أعلم ضمناء السهو.
ولأن معاوية بن الحكم تكلم في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بسجود سهو 581.
وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس على من خلف الإمام سهو.
فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه» 582 رواه الدارقطني.
وأما كونه عليه ذلك إذا سها إمامه وسجد؛ فلما تقدم من حديث ابن عمر 583.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به.
فإذا سجد فاسجدوا» 584.
ولأن السجود من تمام الصلاة فلزم المأموم متابعته كغير المسبوق.
فإن قيل: إذا قضى المأموم المسبوق ما عليه هل يعيد السجود في آخر صلاته؟
قيل: فيه روايتان:
إحداهما: يسجد؛ لأنه لزمه حكم السهو وما فعله مع الإمام لأجل المتابعة فلا يسقط ما لزمه.
والثانية: لا يلزمه لأن سجود إمامه قد كملت به الصلاة في حقهما وحصل به الجبران فلا حاجة إلى إعادته كالمأموم إذا سها وحده.
الجزء: 1 - الصفحة: 418
وأما كون المأموم يسجد إذا لم يسجد الإمام على روايةٍ؛ فلأن صلاة المأموم تنقص بنقصان صلاة الإمام كما تكمل بكمالها فإن لم يجبرها الإمام جبرها المأموم.
وأما كونه لا يسجد على روايةٍ؛ فلأن المأموم إنما يسجد تبعاً.
فإذا لم يسجد الإمام لم يوجد المقتضي لسجود المأموم.
ولا بد أن يلحظ أن ترك الإمام السجود لعذر لأنه لو ترك الواجب عمداً 585 قبل السلام لغير عذر بطلت صلاته وصلاة المأموم جميعاً: أما صلاته؛ فلأنه فعل ما أبطل صلاته عمداً أشبه ما لو تكلم عمداً.
وأما صلاة المأموم؛ فلأنه اقتدى بمن صلاته باطلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 419
فصل [في سجود السهو]
قال المصنف رحمه الله: (وسجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجب، ومحله قبل السلام إلا في السلام قبل إتمام صلاته.
وفيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه.
وعنه أن الجميع قبل السلام.
وعنه: ما كان من زيادة فهو بعد السلام وما كان من نقص كان قبله).
أما كون سجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجباً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك التشهد الأول وسجد له» 586 وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 587.
وقد ثبت وجوبه بما تقدم.
فيقاس عليه سائر الواجبات لاشتراك الكل في معنى واحد.
ولأنه سها فيجب عليه السجود لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا سها أحدكم في صلاته فليسجد سجدتين» 588. أمر والأمر للوجوب.
خُص منه ما إذا سها في سنة أو هيئة لأنه جبران لما ليس بواجب فلا يكون واجباً فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وأما كون محله قبل السلام إلا في موضعين الذين استثناهما المصنف رحمه الله على المذهب: أما كونه قبل السلام فيما عدا المستثنى؛ فلأن السجود من شأن الصلاة فكان قبل السلام كسائر أجزائها.
وأما كونه بعد السلام في المستثنى: أما فيما إذا سلم قبل إتمام صلاته مثل أن يسلم من ركعتين أو من ثلاث؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من ثنتين وسجد بعد السلام في حديث ذي اليدين» 589.
الجزء: 1 - الصفحة: 420
و «سلم من ثلاث وسجد بعد السلام في حديث عمران ابن حصين» 590.
وأما فيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه؛ فلأن في 591 حديث عبدالله بن مسعود في لفظ البخاري: «فليسجد سجدتين بعد التسليم» 592.
وأما كون الجميع قبل السلام على روايةٍ فلحديث أبي سعيد المتقدم ولفظه: «فليسجد سجدتين قبل أن يسلم» 593.
وأما كون ما كان من زيادة فهو بعد السلام وما كان من نقص كان قبله على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في حديث ابن بحينة قبل السلام 594 وكان من نقص.
والصحيح أن كل سجود سجده النبي صلى الله عليه وسلم بعد السلام فهو بعد السلام وسائر السجود قبله.
والذي روي أنه سجد فيه بعد السلام أنه سلم من ثنتين ومن ثلاث وسجد فيها بعد السلام.
وحديث ابن مسعود المذكور أمر فيه بالسجود بعد السلام.
فعلى هذا الرواية الأولى الصحيحة لموافقتها النصوص.
قال: (وإن نسيه قبل السلام قضاه ما لم يطل الفصل أو يخرج من المسجد.
وعنه أنه يسجد وإن بعد).
أما كون من نسي أن يسجد قبل السلام يقضي ما نسيه ما لم يطل الفصل ولم يخرج من المسجد فليتدارك ما ترك.
ولأن مقتضى الترك القضاء.
تُرك العمل به فيما إذا طال أو خرج من المسجد لما يأتي.
فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
الجزء: 1 - الصفحة: 421
ولا فرق فيما ذكر بين أن يكون تكلم أو لا؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام والكلام» 595.
وأما كونه لا يسجد إذا بَعُد على المذهب؛ فلأن السجود تكميل للصلاة ومن أحكامها فاعتبر فيه الموالاة [وموضع الصلاة] 596 لتصحيح البناء كسائر أركانها.
وأما كونه يسجد على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في حديث ذي اليدين بعد السلام والكلام وخروج السُّرْعان من المسجد» 597.
وأما كونه لا يسجد إذا خرج من المسجد على المذهب؛ فلأن المسجد محل الصلاة وموضعها فاعتبر لها كمجلس الخيار في الخيار.
وأما كونه يسجد على روايةٍ فكما لو كان في المسجد.
قال: (ويكفيه لجميع السهو سجدتان إلا أن يختلف محلهما ففيه وجهان).
أما كون من سها يكفيه سجدتان لجميع سهوه إذا لم يختلف محلهما؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين سلم 598 من ثنتين ناسياً وتكلم ناسياً واستدبر القبلة ومشى ناسياً واكتفى عن الجميع بسجدتين» 599.
ولأن سجود السهو لما أُخّر عن سببه وجعل محله آخر الصلاة دل ذلك على أنه يجبر ما تقدمه من السهو وإن تعدد.
وأما كونه يكفيه سجدتان إذا اختلف محلهما في وجه؛ فلما تقدم.
فعلى هذا يسجدهما قبل السلام لأنه آكد.
وقيل: الحكم للأسبق لأنه بمجرد وجوده اقتضى السجود وما بعده تابع له فلو زاد ركوعاً في الركعة الرابعة سهواً وكان سلم من ثلاث خرج في ذلك الوجهان المذكوران لأن زيادة الركوع يقتضي السجود قبل السلام.
والسلام من نقصان يقتضي بعده على الرواية الصحيحة.
ولو زاد الركوع في الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة ثم سلم من ثلاث سجد قبل السلام وجهاً واحداً وعلى هذا فَقِسْ.
الجزء: 1 - الصفحة: 422
وأما كونه يسجد قبل السلام سجدتين وبعده 600 سجدتين في وجهٍ؛ فلأنه اختلف محلهما وأحكامهما.
فالذي قبل السلام تركه عمداً مبطل ولا يفتقر إلى تشهد.
والذي بعد السلام بخلافه.
ولأنها عبادة يدخلها الجبران فيكرر لها السجود كجبران الحج.
قال: (ومتى سجد بعد السلام جلس فتشهد ثم سلم، ومن ترك السجود الواجب قبل السلام عمداً بطلت الصلاة.
وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل).
أما كون من سجد بعد السلام يجلس فلأجل التشهد الآتي ذكر دليله.
وأما كونه يتشهد ثم يسلم؛ فلأن الترمذي وأبا داود رويا في حديث عمران ابن حصين «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسهى فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم» 601. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ولأنه سجود بسلام له فكان معه تشهد يعقبه سلام كسجود صُلب الصلاة.
وأما كون من ترك السجود الواجب قبل السلام عمداً تبطل صلاته؛ فلأنه أخل بواجب في الصلاة عمداً فبطلت كما لو ترك واجباً غيره.
وأما كونه إن ترك المشروع بعد السلام عمداً لا تبطل صلاته؛ فلأنه جبران خارج الصلاة فلم تبطل الصلاة بتركه كجبرانات الحج.
وفرقٌ بين الواجب في الصلاة والواجب لها.
ألا ترى أن الأذان والجماعة كل واحد منهما واجب للصلاة.
ولا تبطل الصلاة بترك شيء من ذلك.
وعن أحمد تبطل إذا ترك المشروع بعد السلام عمداً قياساً على المشروع قبل السلام.
وقد تقدم الفرق.
الجزء: 1 - الصفحة: 423
باب صلاة التطوع
قال المصنف رحمه الله: (وهي أفضل تطوع البدن.
وآكدها صلاة الكسوف والاستسقاء).
أما كون الصلاة أفضل تطوع البدن؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» 602 رواه الإمام أحمد.
ولأن الصلاة المفروضة آكد الفروض؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة لوقتها» 603. فتطوعها آكد التطوع.
ولأن الصلاة تجمع أنواعاً من العبادة: الإخلاص، والقراءة، والركوع، والسجود، ومناجاة الرب، والتوجه إلى القبلة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والتسبيح، والتكبير ... إلى غير ذلك.
وأما كون صلاة الكسوف والاستسقاء آكدها؛ فلأنها تشرع لها الجماعة مطلقاً.
وذلك دليل التأكيد لما فيه من التشبه بالفرائض.
وصلاة الكسوف آكد من صلاة الاستسقاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَدَعْ صلاة الكسوف عند وجود سببها.
وكان يستسقي تارة ويترك أخرى.
ولذلك قدمها المصنف رحمه الله.
قال: (ثم الوتر.
وليس بواجب، ووقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر).
أما قول المصنف رحمه الله: ثم الوتر؛ فمعناه: أنه أفضل تطوع البدن بالصلاة بعد صلاتي الكسوف والاستسقاء.
وذلك يقتضي أمرين:
أحدهما: تأخيره في الفضيلة عن صلاتي الكسوف والاستسقاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 424
وثانيها: تقديمه على ما عدا ذلك.
أما الأول؛ فلما تقدم من مشروعية الجماعة لهما مطلقاً.
وذلك غير موجود في الوتر.
فإنه وإن شرعت له الجماعة مع التراويح لا تشرع له مع غيرها.
بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصله في جماعة مطلقاً.
وأما الثاني؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله حضراً وسفراً».
ولأن الوتر شرع له الجماعة في الجملة.
وقد قيل بوجوبه وهو ثابت بالقول الذي لا يحتمل التخصيص.
فإن قيل: الوتر مختلف في وجوبه فينبغي أن يكون أفضل من صلاتي الكسوف والاستسقاء.
قيل: وصلاة الكسوف مختلف في وجوبها فلا ترجيح للوتر عليها بذلك.
وصلاة الاستسقاء مشروعية الجماعة لها مطلقاً ترجحها على الوتر.
وأما كون الوتر ليس بواجب؛ فلما روى أبو أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الوتر حق فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل.
ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل.
ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» 604 رواه أبو داود.
علقه على المحبة والواجب لا يعلق عليها.
ولأنه يصلى على الراحلة من غير ضرورة.
ولا يجوز ذلك في واجب.
وأما كون وقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى زادكم صلاة تصلونها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح: الوتر» 605 رواه الإمام أحمد.
وقال صلى الله عليه وسلم: «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» 606 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 425
قال: (وأقله ركعة.
وأكثره إحدى عشرة ركعة.
يسلم من كل ركعتين.
ويوتر بواحدة) 607.
أما كون أقل الوتر ركعة؛ فلما تقدم من حديث أبي أيوب.
وأما كون أكثره إحدى عشر ركعة فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ما بين العشاء إلى الفجر إحدى عشر ركعة.
يسلم من كل ركعتين.
ويوتر بواحدة» 608 متفق عليه.
قال: (وإن أوتر بتسع سرد ثمانية وجلس ولم يسلم ثم صلى التاسعة وتشهد وسلم.
وكذلك السبع.
وإن أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن).
أما كون من أوتر بتسع أو بسبع يفعل كما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلما روى سعد بن هشام قال: «قلت لعائشة رضي الله عنها: أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالت: كنا نُعِد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه.
فيتسوك ويصلي تسع ركعات لا يجلس إلا في الثامنة.
فيذكر الله ويحمده ويدعوه.
ثم ينهض ولا يسلم.
ثم يقوم فيصلي التاسعة.
ثم يقعد فيحمد الله ويذكره ويدعوه.
ثم يسلم تسليماً يسمعنا.
ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني! فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنعه الأول» 609 رواه مسلم وأبو داود.
وفي حديثه: «أوتر بسبع ركعات لم 610 يجلس [إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة» 611.
الجزء: 1 - الصفحة: 426
وأما عدم جلوس من أوتر بخمس] 612 إلا في آخرهن؛ فلأن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة 613 يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن» 614 متفق عليه.
قال: (وأدنى الكمال ثلاث ركعات بتسليمتين.
يقرأ في الأولى سبح وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد).
أما كون أدنى الكمال ثلاث ركعات؛ فلأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوتر بأقل من ثلاث.
وأما كونها بتسليمتين؛ فلما روى ابن عمر «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوتر.
فقال صلى الله عليه وسلم: افصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم» 615 رواه الأثرم.
وأما كون مصليها يقرأ في الأولى بسبح وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد؛ فلما روى أبي بن كعب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: 1] و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: 1] و ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: 1]» 616 رواه أبو داود.
قال: (ويقنت فيها بعد الركوع.
فيقول: اللهم! إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك.
ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكّل عليك.
ونُثْني عليك الخير كله.
ونشكرك ولا نكفرك.
اللهم! إياك نعبد.
ولك نصلي ونسجد.
وإليك نسعى ونَحْفِد.
نرجو رحمتك ونخشى عذابك.
إن عذابك الجد بالكافرين
الجزء: 1 - الصفحة: 427
ملحق.
اللهم! اهدنا فيمن هديت.
وعافنا فيمن عافيت.
وتولنا فيمن توليت.
وبارك لنا فيما أعطيت.
وقِنا شر ما قضيت.
إنك تقضي ولا يُقضى عليك.
إنه لا يذل من واليت.
ولا يَعِزُّ من عاديت.
تباركت ربنا وتعاليت.
اللهم! إنا نعوذ برضاك من سخطك.
وبعفوك من عقوبتك.
وبك منك لا نحصي ثناء عليك.
أنت كما أثنيت على نفسك.
وهل يمسح وجهه بيديه؟ على روايتين).
أما كون من أوتر يقنت في الوتر؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
وأما كونه يقنت بعد الركوع؛ فلما روى أبو هريرة وأنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع» 617 رواه مسلم.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه يقنت في الوتر في جميع السنة.
وهو ظاهر المذهب لقول علي: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في آخر وتره: اللهم! إني أعوذ بك ... الحديث» 618.
ولفظ كان للدوام غالباً.
ولأنه ذكرٌ مشروع فشرع في جميع السنة كسائر الأذكار.
وعن أحمد: لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان؛ لما روى حسن عن عمر «أنه جمع الناس على أبيّ بن كعب.
فصلى بهم عشرين ركعة ليلة لا يقنت بهم إلا في النصف الباقي» 619 رواه أبو داود.
وأما كونه يقول: اللهم! إنا نستعينك ... إلى مُلْحِق.
فلما روي عن عمر رضي الله عنه «أنه قنت في صلاة الفجر.
فقال: بسم الله الرحمن الرحيم.
الجزء: 1 - الصفحة: 428
اللهم! إنا نستعينك إلى قوله: بالكفار ملحق.
اللهم! عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك» 620.
قال ابن قتيبة: الحفد الإسراع في الطاعة.
وملحق بكسر الحاء وفتحها، والجد بكسر الجيم ضد اللعب.
وأما كونه يقول: اللهم! اهدنا إلى ... تباركت ربنا وتعاليت.
فلما روي عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم! اهدني فيمن هديت ... وذكره بلفظ الإفراد إلى قوله: تباركت ربنا وتعاليت» 621 رواه أبو داود والترمذي.
وقال: هذا حديث حسن.
وإنما قال المصنف رحمه الله: اهدنا بلفظ الجمع لأنه عنى الإمام.
والإمام يستحب له أن يشارك معه المأمومين.
وأما كونه يقول: اللهم! إنا نعوذ بك ... إلى كما أثنيت على نفسك.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: «اللهم! إني أعوذ برضاك من سخطك ... إلى قوله: كما أثنيت على نفسك» 622 رواه الإمام أحمد.
وأما كونه يمسح وجهه بيديه على روايةٍ؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك، ولا تدعُ بظهورهما.
وإذا فرغت فامسح بهما وجهك» 623 رواه أبو داود.
وأما كونه لا يستحب على روايةٍ؛ فلأنه عبث لم يصح معه تعبد.
فهو كمسح الوجه عند قراءة قوله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء﴾ [الإسراء: 82] والحديث رواية مجهولة.
والأولى أولى؛ للحديث.
الجزء: 1 - الصفحة: 429
و «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا فرفع يديه مسح بهما وجهه» 624 رواه أبو داود.
إلا أن روايه ابن لهيعة.
وهو ضعيف.
والعمل بالحديث الضعيف في النوافل أولى من تركه.
قال: (ولا يقنت في غير الوتر.
إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة.
فللإمام خاصة القنوت في صلاة الفجر).
أما كون المصلي لا يقنت في غير الوتر إذا لم ينزل بالمسلمين نازلة؛ فلأن الإجماع منعقد على أنه لا يقنت في غير الوتر إلا الصبح.
والحجة على المخالف فيها ما روت أم سلمة «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القنوت في الفجر» 625.
وروى ابن مسعود وأنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً بعد الركوع يدعو على حيٍّ من أحياء العرب.
ثم ترك» 626 متفق عليه.
قال عبدالله بن عمر: «القنوت في الفجر بدعة» 627.
وروى أبو مالك الأشجعي عن أبيه قال: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقنت.
وصليت خلف أبي بكر رضي الله عنه فلم يقنت.
وصليت خلف عثمان رضي الله عنه فلم يقنت.
ثم 628 قال: يا بني! إنها بدعة» 629.
الجزء: 1 - الصفحة: 430
قال البخاري: أبو مالك اسمه سعد بن طارق بن الأشيم.
له صحبة.
وهذا الإسناد صحيح.
ولأنها صلاة مفروضة فلم يسن فيها القنوت كسائر الصلوات.
وأما كون الإمام يقنت في صلاة الفجر إذا نزل بالمسلمين نازلة؛ فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الفجر إذا دعى على قوم أو دعى لقوم» رواه سعيد في سننه.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بأمرين:
أحدهما: أن ذلك مختص بصلاة الفجر.
وهو صحيح لما ذكر من الحديث.
وقال أبو الخطاب: يدعو في المغرب والفجر؛ لما روى البراء بن عازب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الصبح والمغرب» 630 رواه الترمذي.
وثانيهما: أن ذلك مختص بالإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قنت فتعدى الحكم إلى من يقوم مقامه وهو الإمام الأعظم أو نائبه دون غيرهما.
قال: (ثم السنن الراتبة.
وهي عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.
وهما آكدها.
قال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر.
ومن فاته شيء من هذه السنن سُنّ له قضاؤه).
أما كون قول المصنف رحمه الله: ثم السنن؛ فمعناه: أن أفضل تطوع البدن بالصلاة بعد صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء وصلاة الوتر السنن الرتبة.
وذلك يقتضي أمرين:
أحدهما: تأخير السنن الراتبة عن ذلك.
وثانيهما: تقديمها على غير ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 431
أما الأول؛ فلما تقدم ذكره في تقديم الوتر.
وأما الثاني؛ فلأنه جاء في فضل السنن الراتبة ما لم يجئ في صلاة التراويح.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم داوم عليها ولم يداوم على صلاة التراويح.
وأما قوله: وهي عشر ركعات ... إلى قوله: قبل الفجر؛ فبيان لعدد السنن الراتبة ولمواضعها.
والأصل فيها ما روى ابن عمر قال: «حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح كانت ساعة لا يُدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها.
حدثتني حفصة: أنه كان إذا أذن المؤذن فطلع الفجر صلى ركعتين» 631 متفق عليه.
وأما كون ركعتي الفجر آكد السنن الراتبة فلما روت عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على 632 شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتي الفجر» 633.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» 634 رواهما مسلم.
وأما قول المصنف رحمه الله: قال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر؛ فمشعر بأمرين:
أحدهما: أنه لا سنة لها قبل العصر عند غير أبي الخطاب.
وهو صحيح لأن ذلك ليس مذكوراً في حديث ابن عمر.
وثانيهما: أن سنتها أربع عند أبي الخطاب.
والأصل في ذلك ما روى علي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل العصر أربعاً بتسليمتين» 635 [رواه الترمذي وحسنه] 636.
الجزء: 1 - الصفحة: 432
ولفظ كان: للدوام غالباً.
وقال عليه السلام: «من صلى قبل العصر أربعاً حرم الله لحمه ودمه على النار» 637.
فإن قيل: ما وقت السنة؟
قيل: وقت السنة التي قبل الصلاة يخرج بفعل الصلاة؛ لأن بذلك تخرج عن القبلية وهي تشرع قبل.
والتي بعدها يخرج بخروج الصلاة المفروضة؛ لأنها تابعة لها فإذا خرج وقت المتبوع فالتابع أولى.
وأما كون من فاته شيء من السنن المذكورة يسن له قضاؤه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته سنة الظهر فقضاها» 638.
ولأن في القضاء تداركاً للفائت.
قال: (ثم التراويح.
وهي عشرون ركعة.
يقوم بها في رمضان في جماعة.
ويوتر بعدها في الجماعة.
فإن كان له تهجُّد جعل الوتر بعده.
فإن أحب متابعة الإمام فأوتر معه قام إذا سلم الإمام فشفعها بأخرى).
أما قول المصنف رحمه الله: ثم التراويح؛ فمعناه على نحو ما تقدم.
والأصل في تأخيرها عما تقدم ما تقدم، وفي تقديمها على سائر النوافل توقِيتها ومشروعية الجماعة لها.
وما ورد في فضلها من قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» 639 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 433
فإن قيل: صلاة الكسوف فُضلت على غيرها بمشروعية الجماعة فيها.
وهو موجود في صلاة التراويح.
قيل: العلة المذكورة تقتضي تقديم صلاة التراويح على سائر ما ذكر.
وصرح صاحب النهاية بتقديمها حتى على صلاة الكسوف.
ولم أجد أحداً من الأصحاب أخر صلاة التروايح غير المصنف رحمه الله.
وله أن يقول: مشروعية الجماعة فيها معارضة بمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على السنن الراتبة وإذا ظهر تقديم السنن الراتبة ظهر تقديم البواقي عليها لأن المقدم على المقدم مقدم.
وأما كون التراويح عشرين ركعة يقوم بها في رمضان في جماعة؛ فلأن السائب بن زيد قال: «لما جمع عمر الناس على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة» 640.
وأما كون مصليها يوتر بعدها في الجماعة؛ فلما روى مالك عن يزيد بن رومان قال: «كان الناس يقومون في عهد عمر رضي الله عنه بثلاث وعشرين ركعة» 641.
قال أحمد: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة» 642.
وأما كونه يجعل الوتر بعد التهجد إذا كان له تهجد؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» 643 متفق عليه.
وقوله: «إذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة» 644.
الجزء: 1 - الصفحة: 434
وأما كونه يشفع الوتر بأخرى إذا أحب متابعة الإمام فأوتر معه؛ فلأنها نافلة والمسنون في النوافل أن تكون مثنى.
قال: (ويكره التطوع بين التراويح.
وفي التعقيب روايتان.
وهو أن يَتَطوّع بعد التراويح والوتر في جماعة).
أما كون التطوع بين التراويح يكره: أما للإمام فلما فيه من التطويل على المأمومين.
وأما للمأموم فلتركه متابعة إمامه.
ولأن في ذلك قلة مبالاة بإمامه.
وأما كون التعقيب لا يكره في روايةٍ؛ فلأن أنساً قال: «ما ترجعون إلا لخير ترجونه أو لشر تحذرونه».
وأما كونه يكره في روايةٍ؛ فلأنه مخالف لأمره صلى الله عليه وسلم في قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» 645.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يَتَطوع ... إلى آخره؛ فبيان لمعنى التعقيب، وظاهره وظاهر كلامه في المغني أن الكراهة مختصة بمن يتطوع بعدهما في جماعة.
وقال صاحب النهاية فيها: لا فرق في ذلك بين الجماعة والمنفرد.
والأصح أنه لا يكره مطلقاً لما تقدم.
وكذلك قال المصنف في المغني: إلا أنه -يعني القول بالكراهة- قول قديم والعمل على ما رواه الجماعة.
ويعضده «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس» 646.
الجزء: 1 - الصفحة: 435
وهذا الاختلاف يختص بمن يصلي قبل أن ينام.
أما التطوع بعد أن ينام فلا يكره قولاً واحداً.
ذكره القاضي.
قال: (وصلاة الليل أفضل من النهار.
وأفضلها وسط الليل.
والنصف الأخير أفضل من الأول).
أما كون صلاة الليل أفضل من صلاة النهار؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل» 647 حديث حسن.
وأما كون أفضلها وسط الليل؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها».
ولأن داود عليه السلام كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه.
ووصف ابن عباس تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «نام حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل.
ثم استيقظ فوصف تهجده: ثم أوتر.
ثم اضطجع حتى جاء المؤذن.
فصلى ركعتين خفيفتين.
ثم خرج فصلى الصبح» 648 رواه مسلم.
وأما كون النصف الأخير أفضل من الأول؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [الذاريات: 18].
وروي «أن داود قال: يا جبريل! أي الليل أفضل؟ قال: لا أدري.
إلا أن العرش يهتز وقت السحر».
و«لأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير.
فيقول: من يدعوني فأستجيب له.
من يسألني فأعطيه.
من يستغفرني فأغفر له» 649 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 436
قال: (وصلاة الليل مثنى مثنى.
وإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس.
والأفضل مثنى).
أما كون صلاة الليل مثنى مثنى؛ فلما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل مثنى مثنى» 650 متفق عليه 651.
وقيل لابن عمر: «ما مثنى مثنى؟ قال: يسلم من كل ركعتين» 652.
وأما كون التطوع في النهار بأربع لا بأس به؛ فلأن تخصيص الليل بالتثنية دليل على إباحة الزيادة في النهار.
وأما كون الأفضل مثنى؛ فلأنه أبعد من السهو.
قال: (وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم.
ويكون في حال القيام متربعاً).
أما كون صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة» 653 رواه مسلم.
ولا بد أن يلحظ في هذا القدرة لأن مع العجز هما سواء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى قاعداً فله نصف أجر القائم» 654 رواه البخاري.
وقوله: «ما من أحد كان 655 يعمل في صحته عملاً يعجز عنه عند مرضه إلا وكّل الله ملكاً يكتب له ثواب ما عجز عنه» 656.
الجزء: 1 - الصفحة: 437
وأما كونه في حال القيام يكون متربعاً فليخالف قيامه قعوده.
قال: (وأدنى صلاة الضحى ركعتان.
وأكثرها ثمان.
ووقتها إذا عَلَت الشمس).
أما كون أدنى صلاة الضحى ركعتين؛ فلما روى أبو هريرة قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» 657 متفق عليه.
وأما كون أكثرها ثمانياً؛ فلما روت أم هانئ «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة بيتها.
وصلى ثماني ركعات.
فلم أر صلاة قط أخف منها.
غير أنه يتم الركوع والسجود» 658 متفق عليه.
وأما كون وقتها إذا علت الشمس؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» 659 رواه مسلم.
قال: (وهل يصح التطوع بركعة؟ على روايتين).
أما كون التطوع بركعة يصح على روايةٍ؛ فلأن له نظير في الشرع وهو الوتر.
ولعموم قوله: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: 45].
ولأنه مصل عرفاً فيجب أن يكون مصلياً شرعاً.
وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأن تنصيصه على كون صلاة 660 الليل مثنى يدل بمفهومه على أنه لا يصح دون ذلك.
والأولى أصح.
الجزء: 1 - الصفحة: 438
فصل [في سجود التلاوة]
قال المصنف رحمه الله: (وسجود التلاوة صلاة.
وهو سنة للقارئ والمستمع دون السامع).
أما كون سجود التلاوة صلاة؛ فلأنه سجود لله تعالى.
يقصد به التقرب إلى الله تعالى.
له تحريم وتحليل.
فكان صلاة كسجود الصلاة.
فعلى هذا يشترط له جميع ما يشترط للصلاة من طهارة الحدث والنجاسة في البدن والمكان والثوب وستر العورة واستقبال القبلة والنية لأنه صلاة فاشترط له ذلك؛ لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» 661.
وقياساً على ذات الركوع.
وأما كونه يسن للقارئ والمستمع؛ فلأن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة في غير الصلاة.
فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته» 662 متفق عليه.
وأما كونه لا يسن للسامع؛ فـ «لأن عثمان بن عفان رضي الله عنه مر بقاصٍّ فقرأ سجدة ليسجد عثمان معه.
فلم يسجد.
وقال: إنما السجدة على من استمع» 663.
الجزء: 1 - الصفحة: 439
قال: (ويعتبر أن يكون القارئ يصلح إماماً له.
فإن لم يسجد القارئ لم يسجد).
أما كون القارئ يعتبر أن يكون يصلح إماماً للمستمتع؛ فلأن القارئ إمام للمستمع «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى نفر من أصحابه فقرأ رجل منهم سجدة.
ثم نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: إنك كنت إمامنا ولو سجدت لسجدنا» 664 رواه الشافعي.
وإذا كان القارئ إماماً للمستمع اعتبر أن يصلح إماماً له كسائر الأئمة.
فعلى هذا لو كان القارئ امرأة والمستمع رجلاً لم يسجد؛ لأنها لا تصلح لإمامة الرجل.
وعلى هذا فقس.
فإن قيل: لو كان القارئ أمياً أو عاجزاً عن القيام فسجد هل يسجد المستمع غير الأمي والقادر على القيام معه؟
قيل: نعم؛ لأن ذلك ليس بواجب في سجود التلاوة بخلاف الصلاة.
وأما كون المستمع لا يسجد إذا لم يسجد القارئ؛ فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنك كنت إمامنا ولو سجدت لسجدنا».
ولقوله عليه السلام: «إذا لم يسجد التالي لم يسجد المستمع».
قال: (وهو أربع 665 عشرة سجدة: في الحج منها اثنتان).
أما كون عدد سجود التلاوة أربع عشرة سجدة فلما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وعن الإمام أحمد: أنه خمس عشرة لما روى عمرو بن العاص «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصل وسجدتان في الحج» 666 رواه أبو داود.
والصحيح أن سجدة ص ليست من عزائم السجود؛ لما روى ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص وقال: سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكراً» 667 رواه النسائي.
الجزء: 1 - الصفحة: 440
ولأنه روي عن ابن عباس أنه قال: «ليس ص من عَزائمِ السجود» 668 رواه أبو داود.
وإذا خرجت ص من سجود التلاوة بقي من خمس عشْرة أربع عشْرة.
وأما كون الحج فيها من السجدات اثنتان؛ فلما تقدم من حديث عمرو بن العاص.
وروى عقبة بن عامر قال: «قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: في الحج سجدتان؟ قال: نعم.
ومن لم يسجدها فلا يقرأهما» 669 رواه أبو داود.
فإن قيل: ما مواضع السجدات؟
قيل: آخر الأعراف بعد قوله: ﴿وله يسجدون﴾ [206]، وفي الرعد بعد قوله: [﴿بالغدو والآصال﴾ [15]، وفي النحل بعد قوله: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [50]، وفي بني إسرائيل بعد قوله] 670: ﴿ويزيدهم خشوعاً﴾ [109]، وفي مريم بعد قوله: ﴿سجداً وبكياً﴾ [58]، وفي الحج الأولى بعد قوله: ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾ [18]، والثانية بعد قوله: ﴿لعلكم تفلحون﴾ [77]، وفي الفرقان بعد: ﴿وزادهم نفورا﴾ [60]، وفي النمل بعد: ﴿العرش العظيم﴾ [26]، وفي الم تنزيل بعد: ﴿وهم لا يستكبرون﴾ [15]، وفي حم السجدة بعد قوله: ﴿وهم لا يسأمون﴾ [38]، وبعد آخر النجم [62]، وفي: ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق: 1] بعد: ﴿لا يسجدون﴾ [21] وبعد آخر: ﴿اقرأ﴾ [العلق: 19].
الجزء: 1 - الصفحة: 441
قال: (ويكبر إذا سجد وإذا رفع ويجلس 671 ويسلم.
ولا يتشهد).
أما كون من سجد للتلاوة يكبر إذا سجد وإذا رفع؛ فلأن ابن عمر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن.
فإذا مر بالسجدة كبر وسجد.
وسجدنا معه» 672 [رواه أبو داود] 673.
ولأنه سجود منفرد فشرع التكبير في ابتدائه والرفع منه كسجود السهو بعد السلام.
وأما كونه يجلس ويسلم بعد ذلك؛ فلأنها صلاة يشترط لها التكبير فيشترط لها ذلك كالصلاة المسنونة.
وعن الإمام أحمد: لا يسلم لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما كونه لا يتشهد؛ فلأن سجود التلاوة صلاة لا ركوع فيها فلم يشرع التشهد فيها كصلاة الجنازة.
وقال أبو الخطاب: يتشهد لأنه جلوس بعد سجود يعقبه السلام فشرع التشهد بعده كالصلاة.
قال: (وإن سجد في الصلاة رفع يديه.
نص عليه.
وقال القاضي: لا يرفعهما).
أما كون من سجد للتلاوة في الصلاة يرفع يديه على المنصوص؛ فلما روى وائل بن حجر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر إذا خفض.
وإذا رفع.
ويرفع يديه في التكبير» 674.
قال الإمام أحمد: هذا يدخل في هذا.
وأما كونه لا يرفعهما على قول القاضي؛ فلأن الرفع مسنون في ثلاثة مواضع وليس هذا منها.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه إذا سجد» 675 في حديث ابن عمر المتفق عليه.
فكذا إذا سجد للتلاوة في الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 442
قال: (ولا يستحب للإمام السجود في صلاة لا يجهر فيها.
فإن فعل فالمأموم مخير بين اتباعه وتركه).
أما كون الإمام لا يستحب له السجود في صلاةٍ لا يجهر فيها إذا قرأ سجدة فلما في ذلك من الالتباس على المأمومين لأنهم يظنوه سها عن الركوع.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم أولى.
فإنه روي «أنه صلى الله عليه وسلم سجد في الظهر.
ثم قام فركع.
فرأى أصحابه أن قرأ سورة السجدة» 676 رواه أبو داود.
وقوله: لا يستحب للإمام منقول عن بعض أصحابنا.
كذا ذكره في المغني.
ولم يعزه إلى الإمام.
وأما كون المأموم مخير بين اتباع إمامه إذا فعل ذلك وبين تركه على ما ذكره المصنف رحمه الله: أما الاتباع؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا سجد فاسجدوا» 677.
وأما الترك؛ فلأن الإمام فعل مكروهاً في صلاته فناسب أن لا يُتبع.
قال المصنف رحمه الله في المغني: وإذا سجد الإمام سجد المأموم.
وقال بعض أصحابنا: هو مخير بين اتباعه وتركه.
والأولى اتباعه.
فظاهر الأول أنه واجب اتباعه.
وهو صحيح لعموم الأدلة في وجوب متابعة الإمام.
قال: (ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم، واندفاع النقم.
ولا يسجد له في الصلاة).
أما كون سجود الشكر يستحب عند تجدد النعم واندفاع النقم فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد.
فسأله عبدالرحمن بن عوف عن ذلك.
فقال: أتاني جبريل عليه السلام
الجزء: 1 - الصفحة: 443
فبشرني أن من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشراً.
فسجدت لله شكراً» 678 رواه الإمام أحمد.
وروى أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم بُشِّر بحاجة فخرَّ ساجداً» 679. رواه ابن المنذر.
[وروى أبو بكرة 680 رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه أمر يُسَرُّ به خرَّ ساجداً» 681. رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة] 682. والدارقطني.
و«سجد أبو بكر لما بُشر بفتح اليمامة وقَتْل مسيلمة» 683.
و«سجد عمر لما بُشر بفتح اليرموك والقادسية» 684.
و«سجد علي لما وجد ذا الثدية في قتلى النهروان» 685.
وأما كونه لا يسجد له في الصلاة؛ فلأن سبب السجدة ليس منها.
فإن قيل: يشترط لسجود الشكر جميع ما يشترط لسجود التلاوة من الطهارة وسائر شروط الصلاة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 444
قيل: نعم لما ذكر فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 445
فصل في أوقات النهي
قال المصنف رحمه الله: (وهي خمسة: بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر، وعند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وإذا تَضَيَّفَت للغروب حتى تغرب.
ويجوز قضاء الفرائض فيها).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي خمسة بعد طلوع الفجر ... إلى حتى تغرب؛ فبيان لأوقات النهي.
والأصل فيها ما روى 686 عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تَضَيّفُ الشمس للغروب حتى تغرب» 687 رواه مسلم.
وروى أبو سعيد الخدري [رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال] 688: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» 689 متفق عليه.
فإن قيل: لفظ الحديث في الفجر والعصر واحد فلم جُعل النهي في الفجر متعلقاً بالوقت وفي العصر بالفعل؟
قيل: وقت النهي في الفجر في إحدى الروايتين متعلق بالفعل فلا فرق، وفي الأخرى بالوقت وهي الصحيحة؛ لأن الفجر اسم للوقت بخلاف العصر.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين» 690 رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 446
فاستثنى ركعتي الفجر وهذا لا يكون استثناء متصلاً إلا إذا أريد بالفجر الوقت.
وفي لفظ للدارقطني: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتين» 691.
وفي لفظ للترمذي: «إلا ركعتي الفجر» 692.
وأما كون قضاء الفرائض يجوز فيها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو أنسيها فليصلها إذا ذكرها» 693 رواه مسلم.
قال: (وتجوز صلاة الجنازة، وركعتا الطواف، وإعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد بعد [طلوع الفجر و] 694 العصر.
وهل يجوز في الثلاثة الباقية؟ على روايتين).
أما كون صلاة الجنازة بعد الفجر والعصر تجوز؛ فلأن وقت النهي فيها يطول فجازت خوفاً على الميت من الفساد.
ولأنها من فروض الكفايات أشبهت الفرض.
وأما كونها تجوز في الأوقات الباقية على روايةٍ؛ فلشبهها بالفرائض.
ولما في ذلك من المبادرة إلى الدفن المطلوبة شرعاً.
وأما كونها لا تجوز على روايةٍ؛ فلأنه زمن يسير لا يخشى فساد الميت فيه.
وأما كون ركعتي الطواف بعد الفجر والعصر يجوزان؛ فلقوله عليه السلام: «يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة من ليل أو نهار» 695 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 447
ولأنه تابع للطواف.
وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة.
فإذا جاز فعل المتبوع؛ فلأن يجوز فعل التابع بطريق الأولى.
وأما كونهما في الأوقات الباقية يجوزان على روايةٍ؛ فلظاهر الحديث المتقدم.
وأما كونهما لا يجوزان على روايةٍ؛ فلعموم النهي عن الصلاة.
ولأنه لا يشق تأخير ركعتي الطواف في هذه الأوقات لقصرها بخلاف الوقتين الأولين.
وأما كون إعادة الجماعة بعد الفجر يجوز؛ فلما روى يزيد بن الأسود قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر.
فلما قضى صلاته إذ هو برجلين لم يصليا معه.
فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم قد صلينا في رحالنا.
قال: لا تفعلا.
إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة» 696 رواه أبو داود والترمذي والأثرم.
وأما كونها بعد العصر تجوز؛ فلمشاركته لما بعد الفجر في جميع ما تقدم.
وأما كونها في الأوقات الباقية تجوز على روايةٍ؛ فبالقياس على ما بعد الفجر.
وأما كونها لا تجوز على روايةٍ فلعموم النهي عن الصلاة.
قال: (ولا يجوز التطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة إلا ما له سبب كتحية المسجد، وسجود التلاوة، وصلاة الكسوف، وقضاء السنن الراتبة فإنها على روايتين).
أما كون التطوع بغير الصلوات المتقدم ذكرها مما لا سبب له كالنافلة المطلقة لا يجوز في شيء من الأوقات المذكورة؛ فلما تقدم من حديث أبي سعيد وحديث عقبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 448
وأما التطوع الذي له سبب فعلى أضرب:
أحدها: صلاة الجنازة وركعتا الطواف وإعادة الجماعة.
وقد تقدم ذكر ذلك جميعه.
وثانيها: تحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف وقضاء السنن الراتبة وفيها روايتان:
إحداهما: لا يجوز في الكل لعموم النهي المتقدم.
والثانية: يجوز: أما تحية المسجد؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» 697 متفق عليه.
وأما سجود التلاوة؛ فلأن التلاوة مستحبة في جميع الأوقات والسجود لها مأمور به ومستحب.
وأما الكسوف؛ فلقوله عليه السلام: «إذا رأيتموها فصلوا» 698.
وأما قضاء السنن الراتبة؛ فلما روت أم سلمة قالت: «دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بعد العصر.
فصلى ركعتين.
فقلت: يا رسول الله! صليتَ صلاة لم أكن أراك تصليها.
فقال: إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر.
وإنما قدم وفد بني تميم فشغلوني عنها فهما هاتان الركعتان» 699 رواه مسلم.
ولما روى قيس بن عمرو قال: «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي بعد الصبح ركعتين.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصلاة الصبح مرتين؟ فقال له الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين قبلهما فصليتهما الآن.
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم» 700 رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 449
وقال أبو الخطاب: الجواز فيما له سبب أصح لما ذكر من الحديث.
ولأنها صلاة لها سبب فجاز فعلها كركعتي الطواف.
وقال القاضي: الصحيح من الروايتين أن ذلك لا يفعل لعموم النهي.
ولأن النهي عن ذلك نهي تحريم يحصل بفعله الإثم.
وما ذكر من أدلة ومن الأمر المراد به ندب واستحباب، وترك المندوب أولى من فعل المحظور لما فيه من الاحتياط.
والصحيح ما ذهب إليه القاضي لأن حديث تحية المسجد وصلاة الكسوف عام بالنسبة إلى الوقت، وحديث النهي خاصة بالنسبة إليه فوجب تقديمه، وكذا الأمر بسجود التلاوة لما ذكر.
ونص المصنف رحمه الله في المغني في صلاة الكسوف: أن النافلة لا تصلى في أوقات النهي سواء كان لها سبب أو لم يكن.
ووجهه ما تقدم.
وأما حديث أم سلمة فإن تتمته أنها قالت لما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر: أنقضيها إذا فاتتنا؟ فقال: لا» 701 رواه مسلم.
وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك خاصاً به فلا دلالة إذاً على جواز ما ذكر.
وحديث قيس إن دل على الجواز لأنه عليه السلام سكت فما ذكرناه منطوق وهو راجح على دلالة السكوت.
ولأن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس» 702 رواه الترمذي.
الجزء: 1 - الصفحة: 450
باب صلاة الجماعة
قال المصنف رحمه الله: (وهي واجبة للصلوات الخمس على الرجال، لا شرط.
وله فعلها في بيته في أصح الروايتين).
أما كون الجماعة واجبة للصلوات الخمس على الرجال؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده! لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام.
ثم أنطلق معي برجال معهم حزم حطب إلى قوم لا يشهدون الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم» 703 متفق عليه.
وفي قول المصنف رحمه الله: على الرجال؛ إشعار بأنها لا تجب على النساء.
وهو صحيح؛ لأن الجماعة من شأنها الخروج إلى المسجد غالباً والمرأة لا يشرع لها ذلك.
ولذلك كان صلاتها في بيتها أفضل.
وأما كونها ليست شرطاً لصحة الصلاة؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» 704 متفق عليه.
ولو كانت الجماعة شرطاً لما صحت صلاة الرجل وحده فضلاً عن أن يكون له فيها فضل.
وقال ابن عقيل: هي شرط؛ لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر.
قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى» 705 رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 451
والصحيح الأول لما تقدم.
والحديث المروي عن ابن عباس من رواية أبو جناب واسمه يحيى بن أبي حية.
قال يحيى القطان: متروك لا أستحل أن أروي عنه.
وعلى تقدير صحته لا يلزم من عدم القبول عدم الصحة فإنه قد روي «أن شارب الخمر لا يقبل الله صلاته أربعين يوماً» 706. ولو صلى بعد صحوه صحت صلاته.
وعلى تقدير دلالته على كون الجماعة شرطاً فما ذكرنا راجح لأن حديثنا صحيح متفق عليه.
والعمل بالراجح متعين.
وأما كون من وجبت الجماعة عليه له فعلها في بيته في روايةٍ؛ فلقوله عليه السلام: «جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان» 707 متفق عليه.
وقد «صلى النبي صلى الله عليه وسلم الفرض في بيته وهو مريض» 708 رواه البخاري.
وأما كونه ليس له ذلك في روايةٍ؛ فلأن حضور المسجد واجب في روايةٍ لقوله عليه السلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» 709.
والأولى أصح لما تقدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 452
قال: (ويستحب لأهل الثغر الاجتماع في مسجد واحد.
والأفضل لغيرهم الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره.
ثم ما كان أكثر جماعة.
ثم في المسجد العتيق.
وهل الأولى قَصْد الأبعد أو الأقرب؟ على روايتين).
أما كون أهل الثغر يستحب لهم الاجتماع في مسجد واحد فلما في ذلك من التكاثر في عين العدو، وإعلاء الكلمة، وتعظيم الإسلام، وحصول الهيبة في قلوبهم والرهبة.
وأما كون الأفضل لغير أهل الثغر الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره؛ فلأن في حضوره تحصيلاً للجماعة وفي عدمه فواتاً لها بخلاف غير ذلك من المواضع.
وأما كون الأفضل بعد ذلك ما كان أكثر جماعة؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده.
وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل.
وما كان أكثر فهو أحب إلى الله» 710 من المسند.
وأما كون الأفضل بعد ذلك المسجد العتيق؛ فلأن البقعة الحلال من شرائط الصلاة.
والمسجد العتيق أقرب إلى القرون المتقدمة.
فيكون أقرب إلى الحل.
وأما كون الأولى قَصْد الأبعد على روايةٍ فلما فيه من فضيلة السعي وكثرة الخطا والحسنات.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا! أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد ... مختصر» 711 [رواه مسلم] 712.
وأما كون الأولى قصد الأقرب على روايةٍ؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» 713.
ولأن له حق البر والصلة بالجوار فكذلك في حضور جماعته.
الجزء: 1 - الصفحة: 453
قال: (ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه.
إلا أن يتأخر لعذر.
فإن لم يعلم عذره انتظر وروسل ما لم يُخش خروج الوقت).
أما كون أحد لا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إذا لم يأذن له ولم يتأخر لعذر؛ فلأن التقدم عليه بغير إذن ولا تأخر يسيء الظن به وينفر 714 الناس عن إمامته وتبطل فائدة اختصاصه بالتقدم إذ لا فائدة لكونه إمام حي إلا اختصاصه بالتقدم في ذلك المسجد.
وأما كونه يؤم فيه قبله إذا أَذِن له أو تأخر لعذر؛ فلأن ما ذكر لا يوجد في ذلك.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى صلح بني عوف.
فقدّم الناس 715 أبا بكر فصلى» 716 فلما رجع لم ينكر لأنه تأخر صلى الله عليه وسلم لعذر.
و«فعل ذلك عبدالرحمن بن عوف مرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحسنتم» 717 رواه مسلم.
وأما كون الإمام يُنتظر ويُراسل إذا لم يُعلم عذره ما لم يُخش خروج الوقت؛ فلأن الائتمام بإمام الحي سنة وفضيلة فلا يترك مع الإمكان.
ولأن في نصب إمام 718 سواه افتياتاً عليه وعقداً للقلوب على البغضاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 454
وقد روي أن بلالاً قال: «استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإقامة.
فقال: أبرد.
ثم استأذنته ثانياً.
فقال: أبرد.
ثم استأذنته ثالثاً.
فقال: أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم» 719.
وفي تقييد الانتظار بعدم خشية خروج الوقت إشعار بأنه إذا خشي خروجه لا يُنتظر.
وهو صحيح لئلا تفوت الصلاة وتصير قضاء.
قال: (فإن صلى ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد استحب له إعادتها إلا المغرب.
وعنه يعيدها ويشفعها برابعة.
ولا تكره إعادة الجماعة في غير المساجد الثلاثة).
أما كون من صلى ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد يستحب له إعادتها غير المغرب؛ فلما روى يزيد بن الأسود العامري «أن رجلين دخلا المسجد وأقيمت الصلاة.
فجلسا في ناحية المسجد لم يصليا.
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته دعا بهما.
فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: صلينا في رحالنا.
قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعلا.
إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد 720 جماعة فصليا.
فإنها لكما نافلة» 721.
وأما كونه يعيد المغرب على روايةٍ؛ فلأنها نافلة والتنفل بالوتر غير مستحب.
وأما كونه يعيدها ويشفعها برابعة على روايةٍ؛ فلأن بذلك يخرج التنفل عن أن يكون وتراً.
فيحصل الجمع بين إعادة الجماعة وعدم التنفل بالوتر.
الجزء: 1 - الصفحة: 455
وأما كون إعادة الجماعة في غير المساجد الثلاثة لا تكره؛ فلعموم صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» 722.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله: أنه يكره إعادة الجماعة في المساجد الثلاثة.
ونص الإمام أحمد على كراهية ذلك في المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأقصى في معناهما.
وإنما كره ذلك في الثلاثة لئلا يتقاعد الناس عن الحضور مع الإمام الراتب.
وتعظيماً لهذه المواضع.
ولا بد أن يلحظ في الكراهية المذكورة عدم العذر فلو تأخر رجل من غير قصد التأخير لغفلة أو نسيان أو عدم العلم بالوقت فقصد المسجد فوجد الإمام الراتب قد صلى فصلى معه رجل لم يكره؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما دخل الرجل المسجد بعد صلاته: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» 723.
قال: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
وإن أقيمت وهو في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها.
وعنه يتمها).
أما كون الصلاة إذا أقيمت لا صلاة إلا المكتوبة؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» 724 رواه مسلم.
ولأن الاشتغال بالفرض أولى وزمانه أشرف وأكثر ثواباً.
الجزء: 1 - الصفحة: 456
ولأن حضور الجماعة واجب فكذلك أجزاؤها.
وكما لا يجوز إخراج جزء منها عن الوقت مع الإمكان فكذلك في الجماعة الواجبة.
وأما كون المكتوبة إذا أقيمت وهو في نافلة يتمها إذا لم يخش فوات الجماعة؛ فلقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: 33].
وأما كونه يقطعها إذا خشي فوات الجماعة على المذهب؛ فلأنه انتقال إلى ما هو أفضل منها.
وأما كونه يتمها على روايةٍ؛ فلعموم النهي المتقدم.
فظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه أراد فوات جميع الصلاة.
وقال صاحب النهاية فيها: المراد بالفوات فوات الركعة الأولى.
وكلٌّ متجه.
قال: (ومن كبر قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة.
ومن أدرك الركوع أدرك الركعة وأجزأته تكبيرة واحدة، والأفضل اثنتان).
أما كون من كبرّ قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة؛ فلأن إدراك الجزء من العبادة بمنزلة إدراك الركعة.
دليله ما لو كبر ثم خرج الوقت.
ولأن المسافر لو اقتدى بمقيم في مثل ذلك لزمه الإتمام.
فكذا تحصل له فضيلة الجماعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 457
ولا بد أن يُلحظ في إدراك فضيلة الجماعة بالتكبير قعود المكبر في التشهد الأخير مع الإمام؛ لأنه لو كبر وهو قائم ثم سلم الإمام لم يكن مدركاً فضيلة الجماعة.
كما لو كبر المأموم والإمام رافع ثم ركع المأموم فإنه لا يكون مدركاً للركعة.
وأما كون من أدرك الركوع أدرك الركعة؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أدركتم الإمام في السجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً.
ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» 725 رواه أبو داود.
وأما كونه يجزئه تكبيرة واحدة عن تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع؛ فلأنه فِعْل زيد بن ثابت وابن عمر رضي الله عنهما.
ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد فأجزأ الأكبر عن الأصغر كطواف الزيارة عند الوداع فإنه مجزئ عنه وعن طواف الوداع.
وأما كون الأفضل اثنتين؛ فلأنه أتى بالذكر المشروع في الافتتاح والانحناء.
ولأنه اختلف في وجوب التكبير للانحناء فإذا أتى بتكبيرتين فقد خرج عن العهدة بيقين.
وكان أفضل لتيقن براءته.
قال: (وما أدرك مع الإمام فهو آخر صلاته.
وما يقضيه أولها.
يستفتح له ويتعوذ ويقرأ السورة).
الجزء: 1 - الصفحة: 458
أما كون ما يدرك المأموم المسبوق مع الإمام آخر صلاته وما يقضيه أولها؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» 726 متفق عليه.
والقضاء: فعل ما فات والذي فات أول الصلاة.
وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه أن ما يقضيه آخر صلاته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» 727.
والأول أصح لما ذكر.
ومعنى الحديث الثاني: فأتموا قضاء لما في ذلك من الجمع بين الحديثين.
وأما كونه يستفتح فيما يقضيه ويتعوذ ويقرأ السورة على القول بأنه أول صلاته؛ فلأن ذلك شأن أول الصلاة.
وعلى الرواية الأخرى لا يستفتح ولا يتعوذ ولا يقرأ السورة لأن ذلك شأن آخر الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 459
قال: (ولا تجب القراءة على المأموم.
ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام، وما لا يجهر فيه، أو لا يسمعه لبعده.
فإن لم يسمعه لطرش فعلى وجهين.
وهل يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام؟ على روايتين).
أما كون القراءة لا تجب على المأموم؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» 728 [رواه الدارقطني] 729.
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يكفيك قراءة الإمام خافتَ أو جهر» 730.
ولأنه حال جهر الإمام مأمور بالإنصات وذلك ينافي وجوب القراءة عليه.
وأما كونه يستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وما لا يجهر فيه أو لا يسمعه لبعده؛ فلأن القراءة مشروعة في جميع الصلاة لأنها محل ذلك.
وإنما تُرك ذلك في حق المأموم فيما يجهر فيه إمامه لأنه يشوش عليه ويمنعه من سماع القراءة.
وهذا المعنى مفقود في هذه المواضع فيبقى على مقتضى الدليل.
ولأنه روي في بعض ألفاظ الحديث: «إذا أسررتُ بقرائتي فاقرؤا» 731.
وأما كونه إذا لم يسمعه لطرش يستحب له القراءة على وجهٍ؛ فلأنه لا يسمع فلا يكون مأموراً بالإنصات فشرع له القراءة كالذي قبله.
الجزء: 1 - الصفحة: 460
وأما كونه يكره له على وجهٍ؛ فلما فيه من تشويش الصلاة على الإمام وعلى من يُنصت من بقية المأمومين.
وأما كونه يستحب له أن يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام على روايةٍ؛ فلأن سماعه لقراءة الإمام قامت مقام قراءته بخلاف الاستفتاح والاستعاذة فإن الإمام يسر بهما فيسن قولهما للمأموم لئلا يترك الأصل وما قام مقامه.
وأما كونه يكره له ذلك على روايةٍ وهي الصحيحة؛ فلأن الاستفتاح والتعوذ تابعان للقراءة فإذا كره المتبوع كره التابع.
قال: (ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به بعده.
فإن لم يفعل عمداً بطلت صلاته عند أصحابنا إلا القاضي).
أما كون من ركع أو سجد قبل إمامه عليه أن يرفع ليأتي به بعده؛ فلأن إتيانه بعده واجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به.
فإذا ركع فاركعوا.
وإذا سجد فاسجدوا» 732. أمر بذلك بعد فعل الإمام.
وأمره للوجوب.
ولا يمكن ذلك إلا بالرفع.
وكذلك قال المصنف رحمه الله: ليأتي به بعده.
والمراد بالبعدية هنا بعد شروع الإمام في الركن لا بعد فراغه منه.
وأما كونه إذا لم يرفع عمداً تبطل صلاته عند أصحابنا غير القاضي؛ فلأنه سابَقَ إمامه في الركوع والسجود 733 أشبه ما لو سابقه في السلام.
الجزء: 1 - الصفحة: 461
ولأنه متى فعل ذلك متعمداً فقد ارتكب النهي وخالف الأمر.
وذلك يقتضي الفساد.
ومقتضى هذا التعليل أنه متى سابقه عمداً في ركوع أو سجود أو رفع بطلت صلاته.
ونقله ابن عقيل رواية.
وذكر المصنف رحمه الله في الكافي: أنه ظاهر كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه لأنه قال: لو كان له صلاة لرجي له الثواب ولم يخش عليه العقاب.
إشارة منه إلى قوله عليه السلام: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار» 734 متفق عليه.
وأما كونها لا تبطل عند القاضي؛ فلأنه شارك إمامه في الركن المقصود وإنما فارقه في الانحناء وليس بمقصود لأنه وسيلة إلى المقصود والاتفاق في المقصود مع الافتراق في الوسيلة لا يضر كما لو سابقه في الأقوال.
قال: (فإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالماً عمداً فهل تبطل صلاته؟ على وجهين.
وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته.
وهل تبطل الركعة؟ على روايتين).
أما كون صلاة من ركع ورفع قبل إمامه مع علمه بكونه مبطلاً وعمده كذلك تبطل صلاته على وجهٍ؛ فلأنه سبق بركن كامل وهو معظم الركعة أشبه ما لو سبقه في السلام.
وأما كونها لا تبطل على وجهٍ فكما لو ركع أو رفع.
الجزء: 1 - الصفحة: 462
وأما كون صلاة من فعل ذلك مع جهله أو نسيانه لا تبطل؛ فلأن تحريمه بالصلاة صحيح ولم يوجد ما يبطله لأن فعل الجاهل والناسي يعذران فيه.
وأما كون الركعة تبطل على روايةٍ؛ فلأنه لم يجتمع مع إمامه في الركوع [أشبه ما لو أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع.
والثانية: لا تبطل لأنه معذور] 735 أشبه ما لو أحرم معه ثم ركع الإمام ورفع وهو قائم ظناً أن الإمام لم يركع بعد.
قال: (فإن ركع ورفع قبل ركوعه ثم سجد قبل رفعه بطلت صلاته.
إلا الجاهل والناسي تصح صلاتهما وتبطل تلك الركعة).
أما كون صلاة غير الجاهل والناسي تبطل؛ فلأن ذلك مسابقة ومفارقة كثيرة.
وأما كون صلاة الجاهل والناسي تصح؛ فلصحة تحريمها وعذرهما.
وأما كون تلك الركعة تبطل؛ فلأنه لم يتابع إمامه في معظم الركعة.
ولأنه إذا سبق إمامه بالركوع وحدَه أبطل؛ لأنه عماد الركعة فهذا بطريق الأولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 463
قال: (ويستحب للإمام تخفيف الصلاة مع إتمامها.
وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية).
أما كون الإمام يستحب له التخفيف مع الإتمام؛ فلما روى أنس قال: «ما صليت خلف أحد أخف ولا أتم من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم» 736.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمّ أحدكم فليُخَفِّف.
فإن فيهم الضعيف وذا الحاجة» 737.
ومعنى إتمام الصلاة: أن يفعل أدنى الكمال من التسبيح والقراءة وسائر أجزاء الصلاة.
وهذا التخفيف مختص بمن لا تُؤْثِر جماعته التطويل فإن آثرته استحب؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالستين إلى المائة» 738، و «بقاف» 739، و «بالروم» 740، و «بالمؤمنون (6») 742.741
الجزء: 1 - الصفحة: 464
وأما كونه يستحب له تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الثانية على النصف مما قرأ به في الركعة الأولى» 743.
ولأنه إذا طول الأولى لحقه المأمومون ولم يفتهم من صلاة الجماعة شيء.
قال: (ولا يستحب انتظار داخل وهو في الركوع في إحدى الروايتين.
وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها.
وبيتها خير لها).
أما كون الإمام لا يستحب له انتظار الداخل في حال ركوعه في روايةٍ؛ فلأن انتظاره له يؤدي إلى التشريك في العبادة.
وأما كونه يستحب له في روايةٍ؛ فلما روى ابن أبي أوفى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم» 744 رواه أبو داود.
وروى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع سمع حساً خلفه لم يرفع حتى لا يسمع حساً».
ولأنه نفعٌ للداخل من غير مشقة فشرع كتخفيف الصلاة إذا سمع بكاء الصغير تخفيفاً على أمه.
الجزء: 1 - الصفحة: 465
ولا بد أن يلحظ في هذه الرواية عدم مشقة المأمومين فلو شق ذلك عليهم لم يستحب لما تقدم من قوله عليه السلام: «إذا أمَّ أحدكم فليخفّف فإن فيهم الضعيف وذا الحاجة» 745. وأما كون المرأة إذا استأذنت إلى المسجد يكره منعها وبيتها خير لها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ وبيوتُهن خيرٌ لهن» 746 رواه الإمام أحمد.
الجزء: 1 - الصفحة: 466
فصل في الإمامة
قال المصنف رحمه الله: (السنة أن يَؤم القوم أقرؤهم.
ثم أفقههم.
ثم أسَنُّهم.
ثم أقدمهم هجرة.
ثم أشرفهم.
ثم أتقاهم.
ثم من تقع له القرعة).
أما كون السنة أن يؤم القوم أقرؤهم ثم أفقههم؛ فلما روى أبو مسعود البدري 747 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤم القوم أقرؤهم فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة» 748.
وروى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اجتمع ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم» 749 رواهما مسلم.
وأما كون السنة أن يؤمهم بعدَ ما ذكر أسنهم؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه: «إذا حضرت الصلاة فأذنا وليؤمكما أكبركما» 750 متفق عليه.
وفي بعض الحديث: «وكانت قرائتهما متقاربة» 751.
ولأن الكبير أخشع في صلاته وأقرب إلى إجابة الدعاء.
وقال ابن حامد: أولاهم بعد القراءة والفقه أشرفهم ثم أقدمهم هجرة ثم أكبرهم سناً.
الجزء: 1 - الصفحة: 467
وظاهر كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه أنهما إذا استويا في القراءة والفقه فأولاهما أقدمهما هجرة ثم أسنهما؛ لأن تكملة حديث أبي مسعود 752: «فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة.
فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً» 753.
وأما كون السنة أن يؤم القوم بعد ما تقدم ذكره أقدمهم هجرة؛ فلما تقدم في حديث أبي مسعود 754.
ومعنى الأقدم هجرة أن يكون أحدهما أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام.
وأما كون السنة أن يؤم القوم بعد ذلك أشرفهم؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من قريش» 755.
وقال صلى الله عليه وسلم: «قدموا قريشاً ولا تَقَدّموها» 756.
وأما كون السنة أن يؤمهم بعد ذلك أتقاهم؛ فلأنه أقرب إلى الإجابة.
وقد جاء: «إذا أمَّ الرجلُ القومَ وفيهم من هو أفضلُ لم يزالوا في سِفَال» 757. ذكره الإمام أحمد رحمه الله في رسالته.
وأما كون السنة أن يؤمهم بعد ذلك من تقع له القرعة؛ فـ «لأن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أقرع بين الناس في التأذين حين تشاحوا فيه» 758 والإمامة مثله.
الجزء: 1 - الصفحة: 468
ولأن القرعة ترفع النزاع والتشاحن وتقطع الخصام.
قال: (وصاحب البيت وإمام المسجد أحق بالإمامة إلا أن يكون بعضهم ذا سلطان).
أما كون صاحب البيت أحق من غيره بالإمامة إذا لم يكن بعضهم من في بيته ذا سلطان؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «صاحب الدار أحق بالدار» 759.
وقوله: «لا يُؤَمَّنّ الرجل في بيته» 760.
وأما كون إمام المسجد أحق من غيره بالإمامة إذا لم يكن بعض من في المسجد كذلك؛ فـ «لأن ابن عمر رضي الله عنها كان له مولى يصلي في مسجد.
فحضر ابن عمر.
فقيل له: تقدم.
فقدم مولاه.
وقال: أنت أحق بالإمامة في مسجدك» 761.
ولأن في تقديم غيره افتياتاً على من نصبه وكسراً لقلب 762 المولّى.
وأما كون السلطان أحق منهما؛ فلأن له ولاية عامة عليهما وعلى غيرهما.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمّ عتبان بن مالك وأنساً في بيوتهما» 763.
وذكر أبو الخطاب وجهاً أنهما أحق من السلطان لأن مرتبة السلطان لا تنقص بذلك وفيه جبر قلب صاحب 764 البيت والإمام الراتب.
وزيادة في شرفه.
الجزء: 1 - الصفحة: 469
قال: (والحر أولى من العبد.
والحاضر أولى من المسافر.
والبصير أولى من الأعمى في أحد الوجهين).
أما 765 كون الحر أولى من العبد؛ فلأن الحر أشرف منه وأكمل في أحكامه.
ويصلح لإمامة الجمعة 766 والعيد بخلاف العبد.
وقول المصنف رحمه الله: [أولى من العبد] 767؛ مشعر بصحة إمامة العبد وهو صحيح؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم» 768.
و«لأن عائشة رضي الله عنها صلت خلفَ غلام لها» 769.
و«صلى أبو سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد بأبي ذر وابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهم» 770 رواه صالح بن الإمام أحمد رحمة الله عليهما في مسائله.
ولأنه أهلٌ للأذان فصلح أن يكون إماماً كالحر.
وأما كون الحاضر أولى من المسافر؛ فلأنه إذا أم حصل جميع الصلاة في جماعة بخلاف المسافر.
وأما كون البصير أولى من الأعمى في وجه؛ فلأنه أقدر على توقي النجاسات واستقبال القبلة باجتهاده.
وأما كونهما سواء في وجهٍ قاله القاضي؛ فلأن الأعمى أخشع من البصير فيكون ذلك مقابلاً لتوقي النجاسات.
الجزء: 1 - الصفحة: 470
قال: (وهل تصح إمامة الفاسق والأقلف؟ على روايتين.
وفي إمامة أقطع اليدين وجهان).
أما كون إمامة الفاسق لا تصح على روايةٍ؛ فلقوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون﴾ [السجدة: 18].
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تَؤمن امرأة رجلاً.
ولا فاجر مؤمناً إلا أن يقهره سلطان أو يخاف سوطه» 771 [رواه ابن ماجة] 772.
وفي لفظ: «ولا فاسق مؤمناً».
وقوله عليه السلام: «انتقدوا أئمتكم نقد الدينار».
وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ فقال: صل الصلاة في وقتها.
فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» 773 رواه مسلم.
و«كان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي وراء الحجاج» 774.
«والحسن والحسين رضي الله عنهما يصليان وراء مروان» 775.
وأما كون إمامة الأقلف لا تصح على روايةٍ؛ فلأنه حامل لنجاسة ظاهرة يمكنه إزالتها بإزالة المانع بالختان.
وأما كونها تصح على روايةٍ فلتعذر زوال النجاسة في الحال.
والختان مختلف في وجوبه فلم تكن إزالتها واجبة لا محالة.
وأما كون إمامة أقطع اليدين لا تصح في وجه فلإخلاله بعضو من أعضاء السجود.
وأما كونها تصح في وجه؛ فلأنه لا يخل بركن من أركان الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 471
وذكر المصنف رحمه الله في المغني هذين الوجهين روايتين.
والحكم في أقطع الرجلين أو إحداهما أو إحدى اليدين كالحكم في أقطع اليدين لاتحاد الكل في الإخلال بعضو وعدمه بما هو ركن.
قال: (ولا تصح الصلاة خلف كافر، ولا أخرس، ولا من به سلس البول، ولا عاجز عن الركوع والسجود والقعود).
أما كون الصلاة لا تصح خلف كافرٍ؛ فلأن الصلاة تفتقر إلى النية وكذا الوضوء.
والنية فيهما لا تصح من الكافر.
وسواء عَلم بكفره في الصلاة أو بعد الفراغ منها لأن أمارات الكفر لا تخفى غالباً فكأنه إذا لم يَعلم يعد مقصراً.
وأما كونها لا تصح خلف أخرس؛ فلأنه مأيوس من قرائته فقد فات ركن من أركان الصلاة على وجهٍ لا يرجى وجوده فلم تصح الصلاة خلفه كالعاجز عن الركوع والسجود.
فعلى هذا لا فرق بين كون المأموم أخرس أو ناطقاً لما ذكر من فوات الركن الذي هو القراءة.
وذكر المصنف رحمه الله في الكافي أنه يصح إمامة الأخرس بمثله لاستوائهما في فوات الركن.
أشبه إمامة الأمي بمثله.
وأما كونها لا تصح خلف من به سلس البول؛ فلأن في صلاته خللاً غير مجبور ببدل.
ولأنه محدث حامل للنجاسة أشبه ما لو صلى خلف محدث يعلم بحدثه.
فإن قيل: فلم صحت صلاته في نفسه؟
قيل: للضرورة.
وأما كونها لا تصح خلف عاجز عن الركوع والسجود والقعود؛ فلأنه أخل بركن لا يسامح به في النافلة فلم يجز للقادر عليه الائتمام به كالقارئ بالأمي.
الجزء: 1 - الصفحة: 472
قال: (ولا تصح خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي المرجو زوال علته.
ويصلون وراءه جلوساً.
فإن صلوا قياماً صحت صلاتهم في أحد الوجهين.
وإن ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً).
أما كون صلاة القادر على القيام لا تصح خلف عاجز عنه غير إمام الحي المذكور؛ فلأنه عجز عن ركنٍ من أركان الصلاة فلم يصح الاقتداء به كالعاجز عن القراءة.
وأما كونها تصح خلف إمام الحي المذكور؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالساً مرتين أو ثلاثاً وصلى الناس خلفه» 776.
وإنما اشترط في صحة صلاة القائم خلف العاجز عن القيام أن يكون العاجز إمام حي وأن تكون علته مرجوة الزوال لأن مقتضى الدليل أن لا يصح مطلقاً لما تقدم في صلاة القادر على الركوع خلف العاجز عنه.
تُرك العمل به فيما ذكر لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وكان موصوفاً فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون من وراءه يصلون جلوساً إذا لم يبتدأهم الصلاة قائماً؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به.
فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً.
وإن صلى جالساً فلا تقوموا وهو جالس كما يفعل أهل فارس بعظمائها» 777 رواه مسلم.
ولقوله: «وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين» 778 متفق عليه.
ولأنها حالة قعود للإمام فوجب متابعته كالتشهد.
وأما كون صلاتهم تصح إذا صلوا قياماً؛ [فلأن النبي صلى الله عليه وسلم] 779 لم يأمرهم بالإعادة.
الجزء: 1 - الصفحة: 473
وأما كونها لا تصح في وجهٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالجلوس» وأمره للوجوب.
و «نهى عن القيام» والنهي يقتضي الفساد.
وقيل: هذان الوجهان روايتان.
وأما كونهم يتمون خلفه قياماً إذا ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس؛ فـ «لأن أبا بكر ابتدأ بالصحابة الصلاة قائماً.
ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأتم الصلاة بهم جالساً.
وأتم من خلفه قياماً» 780.
ولأن القيام هو الأصل فمن بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها كمن شرع في صلاة وهو مقيم ثم خرجت به السفينة في أثناء الصلاة فلم يجز له القصر.
وفي هذا جمع بين أمره بالقعود وبين إقراره على تركه آخر أمره لأنا حملنا قوله: «وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين» 781 ونحو ذلك على ما إذا ابتدأ الصلاة جالساً، وإقرارَه على القيام في آخر أمره على ما إذا ابتدأ الصلاة قائماً ثم اعتل؛ لأن إمامة النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء صلاة أبي بكر كاعتلال أبي بكر رضي الله عنه.
ولا شبهة أن ذلك أولى من النسخ لا سيما مع ظهور الفرق بين ابتدائه الصلاة معتلاً وبين اعتلاله في أثنائها.
قال: (ولا تصح إمامة المرأة والخنثى للرجال ولا للخناثى.
ولا إمامة الصبي لبالغ إلا في النفل على إحدى الروايتين).
أما كون إمامة المرأة للرجال لا تصح؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تؤمن امرأة رجلاً» 782.
ولأن المرأة لا تُؤَذّن للرجال فلا تكون إمامةً لهم كالمجنون.
الجزء: 1 - الصفحة: 474
ونقل أبو الخطاب عن أصحابنا: أنه 783 يجوز أن تكون المرأة إمامة للرجال في التراويح خاصة؛ لما روى عبدالرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبدالله بن الحارث «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لها مؤذناً يُؤذن لها.
وأمرها أن تؤم أهل دارها» 784 رواه أبو داود.
وهذا عام في الرجال والنساء.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أنه لا يجوز أن تؤم في ذلك ولا في غيره.
وصرح به في المغني.
وأجاب عن حديث أم ورقة أن في روايةٍ الدارقطني «أن تؤم بنساء أهل دارها» 785. فيحمل المطلق على المقيد.
وذكر صاحب النهاية فيها «أن أم ورقة قالت: يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم إني امرأة أصلي بأهل بيتي لأني أحفظ القرآن وهم لا يحفظون.
فقال: قدمي الرجال أمامك وقومي فصلي بهم من ورائهم.
وقومي مع النساء» وهذا تصريح بإمامة المرأة للرجل لا احتمال فيه ولا إطلاق.
فعلى قول المصنف رحمه الله لا كلام فيه 786، وعلى نقل أبي الخطاب: يشترط في المأموم أن يكون ممن يجوز له سماع كلامها.
ذكره صاحب النهاية فيها لأن المأموم إذا كان أجنبياً حرم عليه سماع كلامها.
والإمام لا مندوحة له عن الكلام إما في التكبير وإما في القراءة.
وأما كون إمامة المرأة 787 للخناثى لا تصح فلجواز أن يكونوا رجالاً وقد تقدم أنه لا يصح إمامة المرأة للرجال.
وأما كون إمامة الخنثى للرجال لا تصح؛ فلجواز كون الإمام امرأة والمأموم رجلاً [وقد تقدم أنه لا يصح أن تكون المرأة إماماً للرجل.
الجزء: 1 - الصفحة: 475
وأما عدم جواز صلاة الخنثى بالخنثى؛ فلجواز كون الإمام امرأة والمأموم رجلاً] 788.
وأما كون إمامة الصبي لبالغ في الفرض لا تصح؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا صبيانكم» 789.
ولأن الإمامة حالُ كمال والصبي ليس من أهله أشبه المرأة.
بل آكد لأنه نقص يمنع التكليف وصحة الإقرار.
ولأن الإمام ضامن يتحمل عن المأمومين والصبي ليس من أهل الضمان.
وأما كونها تصح في النفل على روايةٍ؛ فلأنها نافلة في حقه فيقتدي به من هو متنفل مثله.
وأما كونها لا تصح على روايةٍ؛ فبالقياس على الفرض.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
وقالت عائشة رضي الله عنها: «كنا نأخذ الصبيان من الكُتّاب فيصلوا بنا التراويح.
ويعملوا 790 لنا الخشكنان».
ولأنها أخف حالاً من الفرض يسقط فيها بعض أركان الصلاة من استقبال القبلة والقيام.
وذكر أبو الخطاب في صحة إمامة الصبي في الفرض روايةً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «يؤم القوم أقرؤهم.
قال عمرو بن سلمة: كنت أقرؤهم وكنت أصلي بهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين» 791 رواه أبو داود.
وهذا الحديث كان الإمام أحمد يضعفه.
قال الخطابي: وعلى تقدير صحته لا يصح الاحتجاج به إلا إذا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأقره [عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 476
ويمكن الجواب عنه بأن الظاهر من حاله أنه بلغ النبي صلى الله عليه وسلم عليه فأقره] 792. والعمل بالظاهر متعين.
قال: (ولا تصح إمامة محدِث ولا نجس يعلم ذلك.
فإن جهل هو والمأموم حتى قضوا الصلاة صحت صلاة المأموم وحده).
أما كون إمامة المحدث والنجس العالمين بحالهما لا تصح؛ فلأن الطهارة من الحدث والنجس شرط لصحة الصلاة فضلاً عن الإمامة وهو مفقود هنا فلم يصح لفوات الشرط.
وأما كون المأموم تصح صلاته إذا جهل هو والإمام 793 إلى فراغ صلاته؛ فلما روى البراء بن عازب قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم وليس هو على وضوء فتمت للقوم وأعاد النبي صلى الله عليه وسلم» 794.
وروى البراء أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى الإمام بالقوم وهو على غير وضوء أجزأت صلاة القوم ويعيد» 795.
وأما قول المصنف رحمه الله: وحده؛ ففيه تنبيه على أن صلاة الإمام لا تصح وهو صحيح.
صرح به في المغني وغيره.
ووجهه ما تقدم من الحديث في قوله: «وأعاد النبي صلى الله عليه وسلم» وفي قوله: «ويعيد».
الجزء: 1 - الصفحة: 477
قال: (ولا تصح إمامة الأمي.
وهو: من لا يحسن الفاتحة أو يدغم حرفاً لا يُدْغَم، أو يبدل حرفاً، أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى إلا بمثله.
فإن قدر على إصلاح ذلك لم تصح صلاته).
أما كون إمامة الأمي بالقارئ لا تصح؛ فلأنه عجز عن ركن من أركان الصلاة أشبه إمامة القاعد بالقائم.
ولأن القراءة يتحملها الإمام عن المأموم عندنا وعن المسبوق عند المخالف.
والأمي ليس أهلاً للتحمل.
وأما كون إمامة الأمي بمثله تصح؛ فلأنهما استويا فصح اقتداء أحدهما بالآخر كالمرأة.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو من لا يحسن الفاتحة .. إلى آخره؛ فبيان للأمي شرعاً.
وأما في اللغة: فهو الباقي على أصل خلقته.
والمراد بمن لا يحسن الفاتحة من لا يحفظها، وبمن يدغم حرفاً لا يُدْغَم من يدغم حرفاً في غير مثله وغير ما يقاربه في المخرج، وبمن يبدل حرفاً بغيره من يبدل مثلاً القاف بالكاف فيقول: اهدنا الصراط المستكيم، وبمن يلحن لحناً يحيل المعنى [مثل أن يكسر الكاف في إياك، ويضم التاء من أنعمت.
وفي تقييد اللحن بتغيير المعنى] 796 دليل على أنه لو لحن لحناً لا يحيل المعنى لا يكون أمياً.
وهو صحيح وصرح به غير المصنف من أصحابنا لأن المعنى المقصود حاصل وإن أساء في العبادة.
ومن اللحن الذي لا يحيل المعنى فتح دال ﴿نعبد﴾ ونون ﴿نستعين﴾ [الفاتحة: 5] وهذه المسامحة مختصة بغير التعمد فإن تعمد ذلك لم تصح صلاته لأنه مستهزئ ومتعد 797.
وأما كون صلاته في نفسه لا تصح إذا قدر على إصلاح الفاتحة؛ فلأنه ترك ركناً مع القدرة على الإتيان فلم تصح صلاته كما لو ترك الركوع والسجود عمداً.
الجزء: 1 - الصفحة: 478
قال: (وتكره إمامة اللحّان والفأفاء الذي يكرر الفاء، والتمتام الذي يكرر التاء، ومن لا يفصح ببعض الحروف.
وأن يؤم نساء أجانب لا رجل معهن، أو قوماً أكثرهم له كارهون).
أما كون إمامة اللحّان وهو كثير اللحن، والفأفاء وهو من يكرر الفاء، والتمتام وهو من يكرر التاء، ومن لا يفصح ببعض الحروف كالبدوي الذي لا يفصح بالقاف تكره فلأن 798 في قراءتهم نقصاً عن حال الكمال بالنسبة إلى من لا يفعل ذلك فكره لتضمنها النقصان.
وقول المصنف رحمه الله: تكره؛ مشعر بصحة إمامتهم وهو صحيح؛ لأنهم يأتون بالحروف الواجبة، وإنما تزداد حركة أو فاء أو تاء وذلك غير مؤثر؛ كتكرير الآية.
وأما كون الإمام يكره له أن يؤم نساء أجانب لا رجل معهن؛ فلما فيه من الخلوة بالأجنبيات ومخالطة الوسواس.
ولو كانت الخلوة بامرأة واحدة حرمت الخلوة بها.
وأما كونه يكره له أن يؤم قوماً أكثرهم له كارهون؛ فلما روى أبو أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون» 799 قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ولو استوى الكاره والراضي فوجهان للتعارض.
ولو كانت الكراهة لأنه صاحب سنة أو نحو ذلك لم يكره؛ لأن الذنب لهم.
قال: (ولا بأس بإمامة ولد الزنا والجندي إذا سَلِم دينهما).
أما كون ولد الزنا لا بأس بإمامته إذا سَلِم دينه؛ فلما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يؤمكم أقرؤكم وإن كان ولد زنا» 800.
و«صلى التابعون خلف زياد بالبصرة» وهو ممن في نسبه نظر.
الجزء: 1 - الصفحة: 479
وأما كون الجندي لا بأس بإمامته إذا سلم دينه؛ فلدخوله في عموم الأدلة الدالة على صحة الإمامة.
ولأن كل واحد [من ولد الزنا] 801 والجندي حر عدل تقبل روايته فلم تكره الصلاة خلفه قياساً على غيره.
قال: (ويصح ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها.
ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل.
ومن يصلي الظهر بمن يصلي العصر في إحدى الروايتين.
والأخرى لا تصح فيهما).
أما كون ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها تصح؛ فلأن الاختلاف ليس في 802 النية ولا في التعيين ولكن في الوقت وذلك لا تتوقف صحة الصلاة عليه.
بدليل صحة صلاة من ظن خروج الوقت فصلى بنية القضاء ثم بان أن الوقت لم يخرج، وصحة صلاة من ظن بقاء الوقت فصلى بنية الأداء فبان أن الوقت قد خرج.
قال الخلال 803: يصح ائتمام من يؤدي بمن يقضي رواية واحدة لما ذكر.
وقال ابن عقيل: فيه روايتان:
إحداهما: تصح لما ذكر.
والثانية: لا تصح لنقصان القضاء عن الأداء.
فصحة الأداء خلفه نقص لرتبته.
ولأن صلاة الائتمام لا بد وأن تكون متضمنة لصلاة المأموم، والقضاء لا يتضمن الأداء.
ولا بد أن يلحظ في هذه المسألة اتحاد الصلاة كظهر خلف ظهر وعصر خلف عصر؛ لأن صلاة الظهر خلف عصر سيأتي بعد إن شاء الله تعالى.
ولأن الغرض هنا بيان أن اختلاف النية في القضاء والأداء لا يؤثر.
ولو قدر في المسألة أنها ظهر خلف عصر لكان الكلام في شيئين:
أحدهما: اختلاف النية في القضاء والأداء.
الجزء: 1 - الصفحة: 480
وثانيهما: اختلافها في الظهرية والعصرية.
وأما كون ائتمام المفترض بالمتنفل يصح في روايةٍ؛ فبالقياس على المسألة المذكورة قبل.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ وهي الصحيحة في المذهب قاله ابن عقيل؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» 804 ظاهره وإطلاقه يقتضي متابعته ظاهراً وباطناً فإذا اختلفت نيتهما 805 كان متابعاً من وجه دون وجه.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تختلفوا على أئمتكم» 806.
ولأن الفرض أكمل من النفل فإذا اقتدى المفترض بالمتنفل فقد أسقط فضيلة الفريضة حيث جعلها تبعاً لما هو دونها.
والأولى أصح عند المصنف رحمه الله «لأن معاذاً كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرجع فيصلي بقومه تلك الصلاة» 807 متفق عليه.
والظاهر من حاله أنه لم يكن يترك الأداء خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال فجاز ائتمام المفترض بالمتنفل كالعكس.
وأما كون ائتمام من يصلي 808 الظهر بمن يصلي العصر يصح في روايةٍ ولا يصح في روايةٍ؛ فلأن الاختلاف في الصفة كالاختلاف في الموصوف فيجب أن تكون الصحة وعدمها كالذي تقدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 481
فصل في الموقف
قال المصنف رحمه الله: (السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام.
فإن [وقفوا] 809 قدامه لم تصح.
وإن وقفوا معه عن يمينه أو عن جانبه صح).
أما كون السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام؛ فلأن الصحابة رضي الله عنهم كذا كانوا يقفون خلف النبي صلى الله عليه وسلم.
نقله الخلف عن السلف.
وأما كونهم إذا وقفوا قُدّامه لا تصح صلاتهم؛ فلأنه ليس موقفاً لأحد من المأمومين بحال.
فلم تصح صلاتهم كما لو صلوا في بيوتهم بصلاة الإمام في المسجد.
ولأن الإمام متبوع ومقتدى به والمأموم متبع ومن تقدم إمامه ليس بمتبع.
وأما كونهم إذا وقفوا عن يمينه أو جانبيه تصح صلاتهم؛ فـ «لأن ابن مسعود رضي الله عنه صلى بين علقمة والأسود إماماً لهما.
فلما فرغ قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل» 810 رواه أبو داود.
قال: (فإن كان واحداً وقف عن يمينه.
وإن وقف خلفه أو عن يساره لم يصح.
وإن أم امرأة وقفت خلفه).
أما كون الواحد يقف عن يمين الإمام؛ فلما روى ابن عباس قال: «بِتُّ عند خالتي ميمونة.
فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل.
فقمت عن يساره فأخذ بذؤابة رأسي فأدارني عن يمينه» 811 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 482
وأما كون من وقف خلفه لا تصح صلاته؛ فلما روى وابصة بن معبد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد» 812 رواه أبو داود.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لفرد خلف الصف» 813 رواه الأثرم.
قال الإمام أحمد فيهما: هذا حديث حسن.
وأما كون من وقف عن يساره لا تصح صلاته؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أدار ابن عباس وجابراً لما وقفا عن يساره» 814.
ولأنه خالف الموقف فلم تصح صلاته كما لو وقف قدامه.
وأما كون من أمّ امرأة تقف خلفه؛ فلقوله عليه السلام: «أخروهن من حيث أخرهن الله» 815.
الجزء: 1 - الصفحة: 483
و «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمّ امرأة وأنساً واليتيم فجعل أنساً واليتيم خلفه والمرأة خلفهما» 816.
وروى أنس: «أنه أمَّهُ وامرأة عجوزاً -هي أمه أو خالته- فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا» 817 رواه مسلم.
ولأنها ناقصة عن الرجال فناسب ذلك تأخيرها.
قال: (فإن اجتمع أنواع: يقدم الرجال.
ثم الصبيان.
ثم الخناثى.
ثم النساء.
وكذلك يفعل في تقديمهم إلى الإمام إذا اجتمعت جنائزهم).
أما كون الرجال يتقدم على الصبيان؛ فلقوله عليه السلام: «ليليني أولو الأحلام والنهى» 818 رواه مسلم.
وأما كون الصبيان يتقدم على الخناثى؛ فلفضل الذكورية على الأنوثية والخنثى يحتمل كونه أنثى.
وأما كون الخناثى يتقدم على النساء؛ فلاحتمال كون الخنثى ذكراً.
وأما كونهم يفعل بهم في تقديمهم إلى الإمام إذا اجتمعت جنائزهم كذلك؛ فلأن الأموات كالأحياء في كثير من الأحكام فكذلك هاهنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 484
فعلى هذا إذا اجتمع جنائز من أنواع كرجل وصبي وخنثى وامرأة قدم الرجل لأنه يقدم في الحياة فكذلك في الممات.
ولأن الرجل أكمل الأنواع لاجتماع الذكورية والتكليف فيه.
ثم الصبي: أما على الخنثى فلما ذكر، وأما على المرأة؛ فلأنه إذا قدم على الخنثى المقدم على المرأة؛ فلأن يقدم على المرأة بطريق الأولى.
و«لأن سعيد بن العاص صلى على أمِّ كُلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر ابن الخطاب وخلفه ثمانون من الصحابة.
وروي: ثلاثون.
منهم: ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وقتادة فوضعوا الغلام مما يلي الإمام.
وقالوا: هذا السنة» 819 رواه النجاد.
ورواه النسائي.
ولفظه: عن عمار مولى الحارث بن نوفل قال: «شهدت جنازة امرأة وصبي.
فقدم الصبي مما يلي القوم.
ووضعت المرأة وراءه.
فصلي عليهما وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة.
فسألتهم.
فقالوا: السنة» 820. وذلك ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الخرقي: يقدم النساء على الصبيان لأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال في الجنازة: «يوضع الرجال والصبيان بعد النساء».
ولأن المرأة مكلفة فهي أكمل من الصبي وإنما قدم الصبي حياً خوف الفتنة.
ثم الخنثى لأنه يحتمل أنه ذكر.
قال: (ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو محدث يعلم حدثه فهو فَذٌّ.
وكذلك الصبي إلا في النافلة).
أما كون من لم يقف معه إلا كافر أو محدث يعلم حدثه فذاً؛ فلأن صلاة الكافر والمحدث العالم بحدثه باطلة فوجودها كعدمها.
الجزء: 1 - الصفحة: 485
فإن قيل: لو لم يعلم المحدث بحدثه كانت صلاته باطلة أيضاً مع أنه يصح أن يكون صفاً.
قيل: مقتضاه أنه لا يصح لكنه لما كان في هذه الحالة يصلح أن يكون إماماً عارض ذلك لأنه إذا صلح أن يكون إماماً؛ فلأن يصلح أن يكون صفاً بطريق الأولى.
وأما كون من لم يقف معه إلا امرأة فذاً؛ فلأن مصاففتها مبطلة على قولٍ.
ولأن موقف الرجل يقدم على موقف المرأة فإذا صاففها خالف موقفه.
ولأنها لا تصافف الإمام وكذلك المأموم.
وأما كون من لم يقف معه في الفرض إلا صبي فذاً؛ فلأنه لا تصح إمامته فيها أشبه المرأة [في الفرض] 821.
على أن المنقول عن الإمام أحمد أنه سئل عن وقوف الصبي مع الرجل في الفرض فتوقف عن الجواب.
فذُكر له حديث أنس فقال: ذاك في التطوع.
لكن الأصحاب اختلفوا فذهب أكثرهم إلى أن الواقف معه يكون فذاً لما تقدم.
وقال ابن عقيل: تصح مصاففته في الفرض لأن صحة الإمامة لا تشترط لصحة المصاففة بدليل الفاسق والأمي مع القارئ، وبدليل العبد والمسافر في الجمعة، والمفترض مع المتنفل.
وهذا أصح عندي.
وصححه جدي في خلاصته وصاحب المستوعب فيه.
وقال فيه 822: لو اشترط في صحة المصاففة صحة الإمامة لما صحت مصاففة الأخرس ولا أعلم به قائلاً.
وأما كون من لم يقف معه في النافلة إلا صبي غير فذ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم صف أنساً واليتيم وراءه» 823.
واليتيم من لم يحتلم لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يتم بعد احتلام» 824.
الجزء: 1 - الصفحة: 486
وعن الإمام أحمد أن الصبي لا يكون صفاً في النافلة قياساً على الفريضة.
والحديث يرده.
قال: (ومن جاء فوجد فُرجةً وقف فيها.
فإن لم يجد وقف عن يمين الإمام.
فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه).
أما كون من جاء فوجد فُرجة يقف فيها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته يصلون على الذين يَصِلون الصفوف» 825.
والفُرجة: بضم الفاء هي الخلل في الصف.
وأما كون من لم يجد فرجة يقف عن يمين الإمام؛ فلأنه موقف الواحد.
وأما كون من لم يمكنه ذلك له أن ينبه من يقوم معه فلما في ذلك من حصول من يقف معه.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله: أنه ليس له أن يُحدث من يجذب إليه.
وصرح به أبو الخطاب.
وقال ابن عقيل: جوز أصحابنا جذبه.
والأول أصح؛ لما فيه من التصرف في الغير بغير إذنه.
قال المصنف في المغني: ولأصحابنا أن يقولوا ليس في جذبه برفق تصرف وإنما هو تنبيه إن خرج وإلا لم يكره.
ومثل هذا يسامح فيه أشبه السجود على ظهر الرجل في الزحام.
قال: (فإن صلى فذاً ركعة لم تصح.
وإن ركع فذاً ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل رفع الإمام صحت صلاته.
وإن رفع ولم يسجد صحت.
وقيل إن علم النهي لم تصح، وإن فعله لغير عذر لم تصح).
أما كون من صلى ركعة كاملة فذاً لا تصح صلاته؛ فلما تقدم من حديث وابصة بن معبد 826. ومن قوله: «لا صلاة لفرد خلف الصف» 827.
الجزء: 1 - الصفحة: 487
ولأن الركعة في حكم الصلاة في الوتر والحنث في اليمين.
ولأن المصلي لها يكون مدركاً للجمعة وزمانها يطول بخلاف ما إذا صلى فذاً بعض ركعة.
وأما كون من ركع فذاً ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل رفع الإمام تصح صلاته؛ فلأنه أدرك في الصف ما تُدرك به الركعة.
وأما كون من فعل ذلك غير عالم بالنهي وقد رفع الإمام ولم يسجد تصح صلاته؛ فلأنه لم يصل معظم الركعة فذاً أشبه ما لو أدرك الركوع.
وأما كون من فعل ذلك عالماً بالنهي تصح صلاته على المذهب؛ فلما ذكر في غير العالم به.
وأما كونها لا تصح على قول؛ فلأنه إذا علم النهي فقد ارتكب المنهي عنه عمداً وفاعل ذلك لا يعذر والنهي يقتضي الفساد فلزم بطلان صلاته عملاً بالمقتضي السالم عن معارضة العذر.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن النهي مختص بما لو دخل في الصف بعد رفع الإمام رأسه.
وظاهر كلام صاحب 828 النهاية فيها أن النهي يعود إلى من ركع دون الصف ثم دخل الصف قبل رفع الإمام أو قبل سجوده.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «أيكم ركع دون الصف ثم مشى» 829 إشارة إلى التعليل بذلك فيعم.
فإن قيل: النهي إلى ماذا يعود؟
قيل: على القول بالصحة يكون عائداً إلى التأخير، وعلى القول بالفساد يكون عائداً إلى مثل 830 فعل أبي بكرة من ركوعه قبل الصف ومشيته إليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 488
وفي قوله: إن علم إشعار بأن الصلاة تصح مع الجهل وهو صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أبا بكرة بالإعادة.
وعن أحمد: لا تصح مع الجهل لأنه ركع فذاً فلم تصح كما لو لم يدخل في الصف.
وأما كون من ركع دون الصف ثم دخله لغير عذر مثل أن يكون غير خائف فوات الركعة أو عالماً بإطالة الإمام ونحو ذلك لا تصح صلاته؛ فلأن الرخصة وردت في المعذور فلا يلحق به غيره.
وقيل: حكمه حكم من خاف الفوات لأن الموقف لا يختلف بخيفة الفوات وعدمه.
قال: (وإذا كان المأموم يرى مَن وراء الإمام صحت صلاته إذا اتصلت الصفوف.
فإن لم ير من وراءه لم تصح.
وعنه تصح إذا كانا في المسجد).
أما كون المأموم إذا كان يرى مَن وراء الإمام تصح صلاته إذا اتصلت الصفوف؛ فلانتفاء عدم الرؤية وعدم الاتصال المفسدَين.
ولأن المأموم إذا كان شأنه ما ذكر أمكنه الاقتداء بإمامه من غير خلل فوجب أن تصح صلاته كمن صلى في الصف الأول.
ولا بد أن يلحظ أن اتصال الصفوف فيمن صلى معه في المسجد غير معتبر.
ذكره المصنف في المغني وغيره من الأصحاب.
قال أبو الحسن الآمدي: لا خلاف في المذهب أنه لا يعتبر اتصال الصفوف في المسجد.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر باشتراطه فيجب حمله على ما إذا صلى بصلاة الإمام خارج المسجد.
وإنما لم يعتبر الاتصال في المسجد؛ لأن المصلين فيه مع الاقتداء يُعدّون مجتمعين في البعد والقرب.
الجزء: 1 - الصفحة: 489
وإنما اعتبر الاتصال في خارج المسجد؛ لأن المكان ليس معداً للاجتماع فاشترط الاتصال ليحصل ذلك.
والاتصال مقدر بالعرف؛ لأنه لا توقيف فيه، وهو تارة يكون بين المأموم وبين إمامه وتارة بينه وبين من ورائه.
وأما كون من لم ير من وراء الإمام وهو متصل مع إمامه في المسجد لا تصح صلاته على روايةٍ فلقول عائشة رضي الله عنها لنساءٍ كُنّ في حجرتها: «لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه في حجاب» فعللت النهي بالحجاب وهو موجود هنا.
ولأن المتابعة في الأفعال لا تمكن بمجرد التكبير لأنه قد يسهو ويسجد للتلاوة.
ولأن الرؤية معتبرة فيمن صلى خارج المسجد وفاقاً على الأصح فليكن هاهنا كذلك بالقياس عليه.
وأما كونها تصح على روايةٍ إذا سمع التكبير؛ فلأن المسجد موضع الجماعة فلا تضر عدم الرؤية مع سماع التكبير كمن صلى عن يمين المنبر.
والسهو وسجود التلاوة الأصل عدمهما.
فإن قيل: ليس في كلام المصنف رحمه الله اشتراط سماع التكبير.
قيل: اشترطه في المغني.
ولا بد منه لأنه إذا انتفت الرؤية والسماع لم تمكن المتابعة.
فإن قيل: الصحيح من الروايتين ماذا؟
قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا وفي المغني الأول.
وصرح صاحب النهاية في خلاصته بذلك.
وقال ابن عقيل: الأصح الصحة لما تقدم.
وأما كون من لم ير مَن وراء الإمام لا تصح صلاته إذا كان خارج المسجد والإمام فيه؛ فلما تقدم من حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم.
قال صاحب النهاية فيها: يشترط مشاهدة من وراء الإمام في حق من صلى خارج المسجد بغير خلاف في المذهب نعلمه.
ومراده الفرض لأن النفل اختلفت الرواية فيه لأنه سومح فيه ما لم يسامح في غيره.
قال القاضي أبو يعلى: الصحيح عندي المنع.
الجزء: 1 - الصفحة: 490
ونُقل عنه فيمن صلى الجمعة خارج المسجد وأبوابه مغلقة قال: أرجو أن لا يكون به بأس.
فعلى هذا لا يعتبر في الجمعة مع عدم القدرة عليها لإفضاء الترك إلى تعطيلها بخلاف بقية الصلوات.
قال: (ولا يكون الإمام أعلى من المأموم.
فإن فعل وكان كثيراً فهل تصح صلاته؟ على وجهين).
أما كون الإمام لا يكون في وقوفه أعلى من المأموم فلما روي «أن عمار ابن ياسر رضي الله عنه كان بالمدائن.
فأقيمت الصلاة.
فتقدم عمار رضي الله عنه فقام على دكان، والناس أسفل منه 831. فتقدم حذيفة وأخذ بيده واتبعه عمار حتى أنزله.
فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أمّ الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم؟ قال عمار: فلذلك اتبعتك حين أخذت على يديّ» 832 رواه أبو داود.
وأما كونه إذا فعل ذلك وكان كثيراً تصح صلاته على وجهٍ؛ فلأن عماراً بنى على صلاته.
وأما كونها لا تصح على وجهٍ؛ فلأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد.
قال ابن عقيل: أصح الوجهين البطلان.
واشترط المصنف رحمه الله الكثرة في العلو لأن العلو اليسير لا بأس به لأنه لا يحتاج فيه إلى رفع بصره المنهي عنه.
والكثير مقدار قامة المأموم.
قاله صاحب النهاية فيها.
ووجهه أنه حينئذ يحتاج إلى الرفع المنهي عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 491
قال: (ويكره للإمام أن يصلي في طاق القبلة، أو أن يتطوع في موضع المكتوبة إلا من حاجة.
ويكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم).
أما كون الإمام يُكره له أن يصلي في طاق القبلة من غير حاجة؛ فلأنه يمنع من يقف عن يمينه ويساره مشاهدته والاقتداء به.
وأما كونه يكره له أن يتطوع في موضع المكتوبة من غير حاجة؛ فلما روى المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول» 833 رواه أبو داود.
وفي لفظ: «لا يتطوع الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة بالناس حتى يتحول» 834.
ولأن في تحويله من مكانه إعلاماً لمن أتى المسجد أنه قد صلى ولا يَنتظر ويطلب جماعة أخرى.
وأما كونه لا يكره له ذلك في المسألتين مع الحاجة؛ فلأن الحاجة قد تبيح المحظور؛ فلأن تزيل المكروه بطريق الأولى.
ومثال الحاجة في الأولى: أن يكون المسجد ضيقاً.
وفي الثانية: أن لا يجد له موضعاً يتحول إليه.
وأما كون المأمومين يكره لهم الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم؛ فلما روى معاوية بن قرة عن أبيه قال: «كنا نُنهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونُطرد عنها طرداً» 835 رواه ابن ماجة.
الجزء: 1 - الصفحة: 492
وقول المصنف رحمه الله: إذا قطعت صفوفهم؛ تنبيه على اشتراط ذلك في الكراهة؛ لأن الكراهة إنما كانت من أجل القطع.
فلم يكن بد من اشتراطه.
وشرط بعض أصحابنا: أن يكون عرض السارية ثلاثة أذرع؛ لأن ذلك هو الذي يقطع الصف دون غيره.
ولو كان الصف صغيراً قدر ما بين الساريتين لم يكره؛ لأن الصف لا ينقطع بذلك.
قال: (ويكره للإمام إطالة القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة.
فإن كان معه نساء لبث قليلاً لينصرف النساء.
وإذا صلت امرأة بنساء قامت وسطهن في الصف).
أما كون الإمام يكره له إطالة القعود على الصفة التي ذكرها المصنف رحمه الله؛ فلأن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم! أنت السلام ومنك السلام تبارك يا ذا الجلال والإكرام» 836 رواه مسلم وابن ماجة.
ولأنه إذا بقي على حاله ربما سها فظن أنه لم يسلم أو ظن غيره أنه في الصلاة.
وأما كونه يلبث قليلاً إذا كان معه نساء لينصرفن؛ فلقول أم سلمة: «أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سَلَّمن من المكتوبة قُمْنَ، وثَبتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء 837 الله، فإذا قام رسول الله قام الرجال.
قال الزهري: فنرى أن ذلك لكي يتقدم من ينصرف من النساء» 838. رواه البخاري.
ولأن الإخلال بذلك يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء.
الجزء: 1 - الصفحة: 493
وأما كون المرأة تقوم وسط المأمومات إذا صلت بهن؛ فلأن ذلك يروى عن عائشة 839 وأم سلمة رضي الله عنهما 840.
ولأن وقوفها وسطهن أستر لها أشبه إمام العراة.
وفي قوله: إذا صلت امرأة بنساء إشعار بأن النساء يصلين جماعة.
وقد صرح باستحباب ذلك المصنف وغيره؛ لما تقدم من حديث أم ورقة 841، ولفعل عائشة، وأم سلمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 494
فصل [في أعذار ترك الجمعة والجماعة]
قال المصنف: (ويعذر في ترك 842 الجمعة والجماعة المريض 843، ومن يدافع أحد الأخبثين، أو بحضرة طعام 844 هو محتاج إليه، والخائف من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه أو موت قريبه، أو على نفسه من ضرر أو سلطان أو ملازمة غريم ولا شيء معه، أو من فوات رفقته أو غلبة النعاس، أو الأذى بالمطر والوحل والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة).
أما كون المريض يعذر في ترك الجمعة والجماعة؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مرض تخلف عن المسجد» 845.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر.
قالوا: وما العذر؟ يا رسول الله! قال: خوف أو مرض.
لم تقبل منه الصلاة التي صلى» 846 رواه أبو داود.
وأما كون من يدافع الأخبثين أو بحضرة طعام هو محتاج إليه يعذر في ذلك فلما روت عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يصلي أحدكم بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين» 847 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 495
وأما كون من يدافع أحدهما يعذر في ذلك؛ فلأنه إنما نهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، لما في ذلك من ذهاب الخشوع وهو موجود في مدافعة أحدهما.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصلي أحدكم وهو زناء» 848. أي حاقن.
والأخبثان: البول والغائط.
وأما كون الخائف من ضياع ماله أو فواته أو ضررٍ فيه أو موت قريبه، أو على نفسه من ضرر أو سلطان أو ملازمة غريم ولا شيء معه، أو من فوات رفقته أو غلبة نعاس يُعذر في ذلك؛ فلما تقدم من قوله: «وما العذر يا رسول الله! قال: خوف أو مرض».
ولأن المشقة اللاحقة بذلك أكثر من بَلّ الثياب بالمطر الذي هو عذر بالاتفاق.
وأما كون الخائف من الأذى بالمطر أو الوحل يُعذر؛ فلما روي عن ابن عباس «أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت 849: أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل حي على الصلاة.
وقل: صلوا في بيوتكم.
فعل ذلك من هو خير مني إن الجمعة عَزْمَة وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحَضِ» 850 متفق عليه.
وروى ابن عمر رضي الله عنه قال 851: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة المطيرة: صلوا في رحالكم» 852 رواه ابن ماجة.
وأما كون الخائف من الأذى بالريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة يعذر؛ فلما روى ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر منادياً فيؤذن.
ثم يقول على إثر ذلك: ألا إن الصلاة في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة» 853 رواه ابن ماجة.
وإسناده صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 496
ورواه البخاري ومسلم إلا أن فيه: «في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر» 854. والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 497
باب صلاة أهل الأعذار
قال المصنف رحمه الله: (ويصلي المريض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: «صل قائماً.
فإن لم تستطع فقاعداً.
فإن لم تستطع فعلى جنب» 855. فإن صلى على ظهره ورجلاه إلى القبلة صحت صلاته على أحد الوجهين.
ويومئ بالركوع والسجود.
ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
فإن عجز عنه أومأ بطرفه.
ولا تسقط الصلاة).
أما كون المريض يصلي قائماً إذا استطاع ذلك، وقاعداً إذا لم يستطع، وعلى جنب إذا لم يستطع الصلاة قاعداً؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين ... الحديث.
رواه البخاري.
ولما روى أنس قال: «سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم من فرس فخُدش أو فجُحش شقه الأيمن.
فدخلنا عليه نعوده.
فحضرت الصلاة.
فصلى قاعداً وصلينا خلفه قعوداً» 856 رواه البخاري.
فإن قيل: ما المرض الذي يبيح الصلاة قاعداً أو على جنب؟
الجزء: 1 - الصفحة: 498
قيل: هو الذي يزيد المريض أو يبطئ برؤه؛ لأن في إيجاب الصلاة قائماً أو قاعداً مع أحدهما مشقة وحرجاً وهو منتف بقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: 78].
فعلى هذا لو صلى قاعداً مع القدرة على القيام الذي لا يزيد في مرضه ولا يبطئ برؤه، أو على جنب مع أن القعود كذلك لم تصح صلاته لأنه ترك الركن مع القدرة عليه أشبه من ليس بمريض أصلاً.
وأما كون من صلى على ظهره ورجلاه إلى القبلة مع القدرة على الصلاة على جنب تصح صلاته في وجه؛ فلأنه يروى: «فإن لم تستطع فقاعداً.
فإن لم تستطع فعلى ظهر» 857.
ولأنه نوع استقبال أشبه ما إذا صلى على جنب.
وأما كونها لا تصح في وجه؛ فلأن في بعض الروايات: «فإن لم تستطع فصل مستلقياً» 858.
وأما كون المريض يومئ بالركوع والسجود إذا عجز عنها؛ فلأن ذلك بعض الواجب عليه فيدخل في قوله: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 859.
وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن لم يستطع السجود أومأ» 860.
وأما كونه يجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ فلأن تكملة الحديث المذكور: «وجعل السجود أخفض من الركوع» 861.
ولأن صلاة الصحيح كذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 499
وليتميز السجود من الركوع.
وأما كون من عجز عن الإيماء بالركوع والسجود برأسه يومئ بطرفه؛ فلأن تكملة الحديث المذكور: «فإن لم يستطع أومأ بطرفه» 862.
ولأنه قادر على الإيماء بذلك فلزمه الإتيان به كما لو قدر على الإيماء برأسه.
وأما كون الصلاة لا تسقط إذا بلغ الحالة المذكورة فلما ذكر في حديث علي.
ولأنه قادر على الإتيان بالصلاة على حسب حاله فلم تسقط عنه الصلاة كالقادر على الإيماء برأسه.
قال: (فإن قدر على القيام والقعود في أثنائها انتقل إليه وأتمها.
ومن قدر على القيام 863 وعجز عن الركوع والسجود أومأ بالركوع قائماً والسجود قاعداً).
أما كون المصلي قاعداً لمرض ينتقل إلى القيام إذا قدر عليه [في أثناء صلاته؛ فلأن المبيح العجز وقد زال.
وأما انتقال المصلي على جَنْبٍ إذا قدر عليه] 864؛ فلأن القعود مع الجَنْب كالقيام مع القعود.
وأما كونه يتم الصلاة في الحالين من غير ابتدائها؛ فلأن ما صلى كان العذر 865 موجوداً معه وما بقي قد أتى فيه بالواجب فيه.
وأما كون من قدر على القيام والقعود وعجز عن الركوع والسجود يومئ بالركوع قائماً والسجود قاعداً؛ فلأن الركوع ينتقل إليه من القيام، والسجود من القعود فتعين أن يومئ بكل واحد منهما من المكان الذي ينتقل منه إليه.
قال: (وإذا قال ثقاتٌ من العلماء بالطب للمريض إن صليت مستلقياً أمكن مداواتك فله ذلك).
أما كون المريض له أن يصلي مستلقياً إذا قيل له ذلك؛ فلأن في ذلك وسيلة عافيته وهي مطلوبة شرعاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 500
وأما قول المصنف رحمه الله: وإذا قال ثقات؛ فظاهره أنه يشترط في ذلك قول ثلاثة لأنه جمع وأقله ثلاثة.
وليس بمراد لأن قول الاثنين كاف في ذلك.
صرح بذلك المصنف رحمه الله وغيره.
وهو صحيح لأن قول الاثنين كاف في كثير من المواضع فكذلك هاهنا.
وإنما اشترط المصنف رحمه الله الثقة في ذلك؛ لأنه أمر ديني فاشترط له ذلك كغيره.
قال: (ولا تجوز الصلاة في السفينة قاعداً لقادر على القيام).
أما كون الصلاة في السفينة لا تجوز قاعداً لقادر على القيام؛ فلأنه قادر على ركن الصلاة فلم يجز له تركه كما لو لم يكن في السفينة.
وأما كونها تجوز له إذا لم يقدر على القيام لقصر سقفها وما أشبه ذلك؛ فلأجل العذر.
وكذا الخائف الذي لا يمكنه القيام لخوفه.
فإن قيل: لو قدر في السفينة على انتصاب يخرج به عن حد الراكع؟
قيل: يلزمه لأن حكمه حكم القيام فيكون واجباً.
والخائف ملحق به.
قال: (وتجوز صلاة الفرض على الراحلة خشية التأذي بالوحل.
وهل يجوز ذلك للمريض؟ على روايتين).
أما كون صلاة الفرض على الراحلة خشية التأذي بالوحل يجوز؛ فلأن يعلى ابن أمية روى عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه انتهى إلى مضيق ومعه أصحابه والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على ظهور دوابهم يُومؤون.
يجعلون السجود أخفض من الركوع» 866 رواه الأثرم والترمذي.
وأما كونها تجوز للمريض على روايةٍ؛ فلأن مشقة النزول في المرض أكثر من مشقة المطر.
الجزء: 1 - الصفحة: 501
وأما كونها لا تجوز على روايةٍ؛ فـ «لأن ابن عمر رضي الله عنه كان يُنزل مرضاه» 867.
ولأن الصلاة على الأرض أمكنُ له بخلاف خاشي الوحل.
ولو خاف المريض بالنزول ضرراً غير محتمل كالانقطاع عن الرفقة ونحوه فله الصلاة عليها رواية واحدة؛ لأنه خائف على نفسه أشبه الخائف من عدو.
الجزء: 1 - الصفحة: 502
فصل في قصر الصلاة
قال المصنف رحمه الله: (ومن سافر سفراً مباحاً يبلغ ستة عشر فرسخاً فله قصر الرباعية خاصة إلى ركعتين.
إذا فارق بيوت قريته أو خيام قومه.
وهو أفضل من الإتمام.
وإن أتم جاز).
أما كون المسافر له القصر في الجملة؛ فلقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يَفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: 101].
فإن قيل: القصر جائز مع الأمن والخوف.
والآية تدل على جوازه مع الخوف فقط؟
قيل: الجواب من وجهين:
أحدهما: أنه إنما علق القصر على الخوف لفظاً لأن غالب أسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الغزو فخرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط.
ومنه قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 283] علق الرهن على السفر وهو جائز في الحضر؛ لأن عدم وجدان الكاتب في السفر أغلب بخلاف الحضر.
وثانيهما: أن قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: 101] كلام تام و ﴿إن خفتم﴾ [النساء: 101] كلام مبتدأ؛ لما روى أبو أيوب قال: «نزل: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: 101] هذا القدر.
ثم بعد حَوْل سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الخوف فنزل: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: 101]» 868.
الجزء: 1 - الصفحة: 503
ويؤيد جواز القصر في الأمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في الأمن، وأنه روي «أن يعلى بن أمية قال لعمر رضي الله عنه: ما بالنا نقصر وقد أمن الناس؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته» 869 رواه مسلم.
وأما كونه يشترط أن يكون سفره مباحاً؛ فلأن الترخص ثبت للمسافر إعانة له وتيسيراً.
ولا يرد الشرع بذلك في حق من سفره معصية.
فإن قيل: لو كان سفره واجباً؟
قيل: هو كالمباح.
وإنما اقتصر المصنف رحمه الله على قوله: مباحاً؛ لأن الواجب يسمى مباحاً على قولٍ.
أو لأنه إذا جاز في المباح ففي الواجب أولى.
والسفر الواجب: كالحج والجهاد ونحوهما.
ويُلحق بهذا النوع سفر الطاعة كزيارة الوالدين وذي القرابة من نسب أو رحم، وزيارة الإخوان في الله تعالى، والسفر لطلب العلم، وزيارة المساجد الثلاثة ونحو ذلك؛ لأن جميع ما ذُكر مطلوب شرعاً فجاز القصر فيه؛ لدخوله في عموم الآية.
وقياساً على السفر الواجب.
والسفر المباح: كالسفر للتجارة والكد على العيال فيه.
وسفر المعصية: كسفر الآبق وقاطع الطريق والهارب من دَينٍ عليه وهو موسر ونحو ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 504
والسفر المكروه: كزيارة القبور والمشاهد.
ملحق بسفر المعصية لأنه منهي عنه.
وأما كونه يشترط أن يكون مسافة ما يقصده لسفره يبلغ ستة عشر فرسخاً؛ فلما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان» 870 رواه الدارقطني.
فإن قيل: هذا الحديث في رواته إسماعيل بن عياش وهو ضعيف.
قال أحمد ويحيى: ليس بشيء.
وقال الثوري: هو كذاب.
وقد روي أيضاً موقوفاً على ابن عباس.
قيل: أحمد مع تضعيفه احتج به وبنى مذهبه عليه.
فدل ذلك على أنه صح من طريق أخرى.
وأما روايته موقوفاً على ابن عباس فالراوي يسند تارة ويطلق أخرى.
فإطلاقه لا يعارض إسناده.
فإن قيل: ما الفرسخ؟
قيل: ثلاثة أميال.
والميل ألفا خطوة بخطوة البعير، أو اثنا عشر ألف قدم.
وذلك مسيرة يومين تقريباً.
وأما كونه يشترط أن تكون الصلاة رباعية؛ فلأن الصبح ركعتان فلو قصرت بقيت ركعة ولا نظير لذلك في الفرض، والمغرب وتر النهار فلو قصر منها ركعة لم تبق وتراً.
وأما كونه يشترط أن يفارق بيوت قريته إن كان في البنيان أو خيام قومه إن كان في الخيام؛ فلأن الله تعالى جوز القصر لمن ضرب في الأرض وقبل مفارقة ما ذكر لا يسمى ضارباً.
ولأن ذلك أحد طرفي السفر فلم يجز له القصر فيه كحالة 871 الانتهاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 505
وأما كون القصر أفضل من الإتمام؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على القصر ولم ينقل عنه الإتمام.
قال ابن عمر: «صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل.
وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل.
وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل» 872.
وأما كون الإتمام يجوز فلما روت عائشة قالت: «يا رسول الله! بأبي أنت وأمي قصرتُ وأتممتُ وأفطرتُ وصمتُ قال: أحسنتِ» 873 رواه مسلم.
قال: (فإن أحرم في الحضر ثم سافر أو في السفر ثم أقام، أو ذكر صلاة حضر في سفر أو صلاة سفر في حضر، أو ائتم بمقيم أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها، أو لم ينو القصر لزمه أن يتم.
وقال أبو بكر: لا يحتاج القصر والجمع إلى نية).
أما كون من أحرم في الحضر ثم سافر أو في السفر ثم أقام يلزمه أن يتم؛ فلأنها عبادة اجتمع لها حكم الحضر والسفر فغلب حكم الإتمام كالمسح.
ولأن المبتدئ بالصلاة في الحضر لم ينو القصر بل نوى الإتمام فهو متعين بحكم النية.
وتُتصور المسألة فيما إذا كان في سفينة واقفة فتجري أو جارية فتقف.
وأما كون من ذكر صلاة حضر في سفر يلزمه أن يتم؛ فلأنها وجبت أربعاً وتعين عليه فعلها أربعاً فلم يجز النقصان من عددها مع القدرة كما لو لم يسافر.
وأما كون من ذكر صلاة سفر في حضر يلزمه أن يتم؛ فلأن القصر إنما جاز لمشقة السفر فإذا ذكر في الحضر زالت المشقة فيلزمه أن يتم لزوال المقتضي للقصر.
الجزء: 1 - الصفحة: 506
وأما كون من ائتم بمقيم يلزمه أن يتم؛ فلقوله عليه السلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به ... الحديث» 874.
وقال ابن عباس: «إن صلينا معكم صلينا أربعاً.
وإن صلينا في بيوتنا صلينا ركعتين.
ذلك من سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم (2») 876.
وأما كون من ائتم بمن يشك في إقامته وسفره يلزمه أن يتم؛ فلأنه شك في سبب الرخصة.
والأصل الإتمام فلزمه.
وأما كون من أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت مثل أن يقتدي بمقيم فيحدث يلزمه أن يتم؛ فلأنه لزمه الإتمام بالشروع في الأولى لائتمامه بمقيم فإذا فسدت وجب عليه قضاء مثل ما وجب عليه.
وأما كون من لم ينو القصر يلزمه أن يتم على المذهب؛ فلأن الإتمام هو الأصل فلا ينصرف إلى القصر إلا بنية.
بيان أن الإتمام هو الأصل قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: 101].
ولأن القصر لو كان هو الأصل لما جاز الإتمام.
ولأن القصر حال من أحوال الصلاة فافتقر إلى نية كالإمامة.
وأما كون القصر والجمع لا يحتاج إلى نية على قول أبي بكر؛ فلأنه مخير قبل الدخول في الصلاة فكذلك بعده عملاً بالاستصحاب.875
الجزء: 1 - الصفحة: 507
قال: (ومن له طريقان بعيد وقريب فسلك البعيد.
أو ذكر صلاة سفر في آخر فله القصر).
أما كون من له طريقان بعيد وقريب فسلك البعيد 877 له القصر؛ فلأن المسافة بعيدة.
وقال بعض أصحابنا: إن سلك البعيد لغرض صحيح كأمنه وسلامته 878 أو سهولته أو كثرة مائه له القصر؛ لأن ذلك مطلوب والمسافة طويلة فكان له القصر كما لو لم يكن له إلا طريق واحد.
وإن سلكه لا لغرض صحيح ففيه وجهان:
أحدهما: له ذلك كسلوكه طريقاً له فيه غرض صحيح.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه ليس له إرب صحيح في التزام زيادة المسافة.
أشبه ما لو مشى يمنة ويسرة حتى بلغ المسافة المعتبرة.
وأما كون من ذكر صلاة سفر في آخر له القصر؛ فلأنها وجبت في السفر وقضيت فيه.
أشبه ما لو صلاها في وقتها.
قال: (وإذا نوى الإقامة في بلد 879 أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم وإلا قصر.
وإن أقام لقضاء حاجة أو حبس أو لم ينو الإقامة قصر أبداً).
أما كون من نوى الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة يتم؛ فلأن القصر إنما جاز للمسافر عملاً بظاهر الآية.
فمتى نوى 880 الإقامة خرج عن كونه مسافراً فيجب الإتمام.
ترك العمل به فيما عدا من نوى إقامة إحدى وعشرين صلاة [فما دون ذلك لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
الجزء: 1 - الصفحة: 508
وأما جواز القصر لمن نوى إقامة إحدى وعشرين صلاة] 881 يقصر؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة لصبح رابعة فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن وكان يقصر الصلاة» 882.
وعن الإمام أحمد يتم إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً» 883 رواه أبو داود.
فإذا أقام أكثر من أربعة فقد زاد على حد القِلّة فيتم.
قال ابن عقيل: هذه الرواية هي المذهب.
قال غيره: والأولى هي المشهورة.
وهو اختيار الخرقي.
فإن قيل: لم قال المصنف فإذا نوى الإقامة في بلد؟
الجزء: 1 - الصفحة: 509
قيل: لأنه إذا نوى الإقامة بموضع تتعذر فيه الإقامة كالبرية ففيه وجهان:
أحدهما: يقصر لأنه لا يمكنه الوفاء بهذه النية فلغت وبقي حكم السفر الأول مستداماً.
والثاني: لا يقصر لأنه نوى الإقامة فيكون مقيماً.
وأما كون من أقام لقضاء حاجة أو حبس أو لم ينو الإقامة يقصر أبداً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في بعض أسفاره تسع عشرة ليلة يصلي ركعتين» 884 رواه البخاري.
و«أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول» 885.
و«أقام أنس بالشام سنتين يقصر» 886 رواهما الأثرم.
قال أنس: «أقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم برامهرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة» 887.
قال: (والملاح الذي معه أهله وليس له نية الإقامة ببلد ليس له الترخص).
أما كون من ذكر ليس له الترخص؛ فلأنه ليس طاعناً عن منزله أشبه المقيم ببلد.
ولأنه لو جاز له القصر لقصر أبداً.
ولأنه صار السفر عادة له فلا يجد مشقة.
والترخص إنما جاز للمشقة.
وأما ما يشترط لذلك فأمران:
الجزء: 1 - الصفحة: 510
أحدهما: أن يكون معه أهله.
وثانيهما: أن لا ينوي الإقامة ببلد.
فإن اختل شرط منهما كان له الترخص لأن عدم جوازه لشبَهِه بالمقيم.
وعند انتفاء شرطٍ مما ذكر يخرج عن الشبه فيجب أن يدخل في عموم الأدلة المجوزة للقصر 888 السالمة عن معارضة الشبه بالمقيم.
وقال القاضي: لا يشترط أن يكون مع الملاح أهله؛ لأن بعدم نيته الإقامة ببلد يشبه المقيم.
وليس بجيد لأن الشبه لا يحصل حقيقة إلا بمجموع الأمرين.
فإن قيل: المكاري والفيج -وهو الساعي- ما حكمهما؟
قيل: قال القاضي: هما كالملاح لمشاركتهما له في المعنى.
وقال المصنف رحمه الله في الكافي: إباحة القصر لهما أظهر لدخولهما في عموم النص.
وامتناع قياسهما على الملاح؛ لأنهما لا يمكنهما استصحاب الأهل، ومصالح المنزل في السفر، وزيادة المشقة.
الجزء: 1 - الصفحة: 511
فصل في الجمع
قال المصنف رحمه الله: (ويجوز الجمع بين الظهر والعصر، والعشاءين في وقت إحداهما لثلاثة أمور: السفر الطويل، والمرض الذي يلحقه بترك الجمع فيه مشقة وضعف، والمطر الذي يبل الثياب.
إلا أن جمع المطر يختص العشاءين في أصح الوجهين).
أما كون الجمع في السفر الطويل يجوز؛ فلما روى معاذ بن جبل قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.
فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً.
قلت: ما أراد بذلك؟ قال: أن لا يحرج أمته» 889 رواه مسلم وأبو داود والأثرم.
ولفظهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً.
وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر ثم سار.
وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء.
وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب» 890.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بأنه لا يجوز في غير الطويل.
وهو صحيح لأنه تأخير للعبادة عن وقتها فاختص بالطويل كالفطر.
ولأن دليل الجمع فعل النبي صلى الله عليه وسلم والفعل لا صيغة له وإنما هو قضيةٌ في عين فلا يجوز الجمع إلا في مثل الحال التي جمع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أنه جمع في سفر قصير.
الجزء: 1 - الصفحة: 512
وأما كونه يجوز للمرض؛ فلما روى ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف [ولا مطر».
وفي لفظ: «من غير خوف ولا سفر» 891 رواهما مسلم.
ولا عذر بعدهما سوى المرض.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سهلة وحمنة بنت جحش لما كانتا مستحاضتين بتأخير الظهر وتعجيل العصر وبجمع بينهما بغسل واحد» 892. فجَوّز لهما الجمع لأجل الاستحاضة.
وهي نوع مرض.
والمرض المجوز هو الذي ذكر المصنف رحمه الله لأن دفع المشقة مطلوب.
وأما كونه يجوز للمطر بين المغرب والعشاء؛ [لأن أبا سلمة قال: «من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء» 893 رواه الأثرم] 894. وذلك ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
و«كان ابن عمر يجمع بين المغرب والعشاء» 895.
وأما كون المطر المجوز هو الذي يبل الثياب؛ فلأن المشقة بذلك تحصل.
الجزء: 1 - الصفحة: 513
وأما كون الجمع بين الظهر والعصر لا تجوز في وجهٍ؛ فلأن دليل الجواز في المغرب والعشاء ما تقدم من قول أبي سلمة وفعل ابن عمر ولا دلالة لهما على الظهر والعصر.
وأما كونه يجوز في وجه؛ فلأن المطر عذر جَوّز الجمعَ بين العشائين فجوزه بين الظهر والعصر كالسفر والمرض.
وأما كون الأول أصح فلاختصاص العشائين بما تقدم.
وعدم صحة قياس الظهر والعصر عليهما من حيث أنهما يفعلان في الظلمة بخلاف الظهر والعصر.
قال: (وهل يجوز لأجل الوحل، والريح الشديدة الباردة، أو لمن يصلي في بيته، أو في مسجدٍ طريقه تحت ساباط؟ على وجهين).
أما كون الجمع لأجل الوحل والريح المذكورة يجوز على وجهٍ؛ فلأنهما عذر في ترك الجمعة والجماعة أشبه المطر.
وأما كونه لا يجوز على وجهٍ؛ فلأن مشقتهما دون مشقة المطر فلا يصح قياسهما عليه.
وأما كونه يجوز لمن يصلي في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط على وجهٍ؛ فلأن العذر إذا وجد استوى فيه حال وجود المشقة وعدمها كالسفر.
ولأن الحاجة العامة إذا وجدت أُثبت الحكم في حق من ليست له حاجة كالسَّلَم، وإباحة اقتناء الكلب للصيد.
ولأنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع في مطر ولم يكن بين حجرة عائشة وبين المسجد شيء.
وأما كونه لا يجوز على وجهٍ؛ فلأن الجمع لأجل المشقة فيجب اختصاصه بمن يلحقه.
قال: (ويفعل الأرفق به من تأخير الأولى إلى وقت الثانية وتقديم الثانية إليها).
أما كون الجامع بين الصلاتين يفعل الأرفق به من تقديم أو تأخير فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم إذا ارتحل بعد دخول الوقت، ويؤخر إذا ارتحل قبله» 896 طلباً للأرفق.
الجزء: 1 - الصفحة: 514
فإن قيل ما المراد بقوله: ويفعل.
قيل: المراد أن ذلك أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل الأفضل.
وليس مراده بذلك أن فعل الأرفق متعين؛ لأن ذلك ينافي الجمع؛ لأن المطلوب به الرفق وفي تعيين ذلك ضده.
فإن قيل: فإن استويا عنده؟
قيل: الأفضل في المرض التأخير وفي المطر التقديم لأن السلف الذين كانوا يجمعون للمطر إنما كانوا يجمعون في وقت الأولى.
ولأن التأخير إلى وقت الثانية يفضي إلى لزوم المشقة والخروج في الظلمة ولا يحصل مقصود الرخصة.
وربما زال عذر المطر.
بخلاف المرض فإن الغالب بقاؤه ولا حاجة له إلى الخروج.
قال: (وللجمع في وقت الأولى ثلاثة شروط: نية الجمع عند إحرامها، ويحتمل أن تجزئه النية قبل سلامها.
وأن لا يفرق بينهما إلا بقدر الإقامة والوضوء، فإن صلى السنة بينهما بطل الجمع في إحدى الروايتين.
وأن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى).
أما كون نية الجمع من شروطه؛ فلأن الجمع عمل فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا عمل إلا بنية» 897.
ولأن ذلك حال من أحوال الصلاة فاعتبر فيه النية كالإمامة والقصر.
وأما كونها تشترط عند الإحرام على المذهب؛ فلأن كل عبادة اشترطت فيها النية اشترطت في أولها كنية الصلاة.
وأما كونها يحتمل أن تجزئ قبل سلام الأولى؛ فلأن موضع الجمع حين الفراغ من الأولى والشروع في الثانية فإذا لم تتأخر عنه جاز.
الجزء: 1 - الصفحة: 515
وأما كونه يشترط أن لا يفرق بينهما فرقة طويلة؛ فلأن معنى الجمع المتابعة أو المقارنة فإذا فرق بينهما بذلك لم يحصل ذلك.
وإنما لم يشترط أن لا يفرق بينهما فرقة يسيرة لأن اليسير معفو عنه.
والمفارقة الطويلة واليسيرة معتبرة بالعرف.
وقدّره الأصحاب بالإقامة والوضوء.
قال المصنف في المغني: الصحيح أنه غير مقدر بما ذكر لأن ما لم يرد الشرع بتقديره يجب الرجوع فيه إلى العرف كالحِرز والقبض.
وأما كون من صلى السنة بينهما يبطل بها الجمع في روايةٍ؛ فلأنه فرق بينهما بالصلاة فبطل بها الجمع كما لو صلى بينهما فرضاً.
وأما كونه لا يبطل بها في روايةٍ؛ فلأن السنة تابعة للصلاة فلم يقع الفعل بالأجنبي أشبه الوضوء والإقامة.
وأما كونه يشترط أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى؛ فلأن افتتاح الأولى موضع النية وفراغها وافتتاح الثانية موضع الجمع فوجب وجود العذر في هذه المواضع.
قال: (وإن جمع في وقت الثانية كفاه نية الجمع في وقت الأولى ما لم يضق عن فعلها.
واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية منهما 898 ولا يشترط غير ذلك).
أما كون نية الجمع في وقت الأولى ما لم يضق عن فعلها.
واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية.
ولا يشترط غير ذلك:
أما كون نية الجمع في وقت الأولى ما لم يضق عن فعلها يشترط إذا جمع في وقت الثانية؛ فلأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء.
وأما كون استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية [فلأن المبيح العذر.
فإذا لم يستمر وجب أن لا يباح الجمع لزوال المقتضي للإباحة.
فعلى هذا لو كان مريضا فبرئ، أو مسافراً فقدم، أو انقطع المطر قبل دخول وقت الثانية] 899 لم يجز له الجمع لزوال المجوز له.
الجزء: 1 - الصفحة: 516
وأما كون غير ذلك لا يشترط والمراد ما تقدم اشتراطه إذا جمع في الأولى من نية الجمع حال افتتاح الصلاة أو قبل الفراغ منها ووجود العذر حال افتتاحهما وفراغ الأولى وعدم التفريق بينهما؛ فلأن الثانية واقعة في وقتها فهي بكل حال أداء.
والأولى معها كصلاة فائتة.
وقال بعض أصحابنا: لا يفرق بينهما؛ لأنه إذا فرق بينهما لم يكن مستعملاً للرخصة.
والأولى إنما تفعل وقت الثانية على وجه الرخصة.
الجزء: 1 - الصفحة: 517
فصل في صلاة الخوف
قال المصنف رحمه الله: (قال الإمام أبو عبدالله رضي الله عنه: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف من خمسة أوجه أو ستة كل ذلك جائز لمن فعله.
فمن ذلك:
إذا كان العدو في جهة القبلة صف الإمام المسلمين خلفه صفين فصلى بهم جميعاً إلى أن يسجد فيسجد معه الصف الذي يليه، ويحرس الآخر حتى يقوم الإمام إلى الثانية فيسجد ويلحقه.
فإذا سجد في الثانية سجد معه الصف الذي حرس وحرس الآخر حتى يجلس في التشهد فيسجد ويلحقه فيتشهد ويسلم بهم).
أما كون صلاة الخوف تصح في الجملة؛ فبالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ... الآية﴾ [النساء: 102].
وأما السنة فثبت «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاة الخوف» 900. وما ثبت في حقه ثبت في حقنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به.
بدليل قوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: 155].
ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يحتجون بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان يُسأل عن المسألة فيجيب بأني أفعلها.
ولو اختص بأفعاله لم يكن كذلك.
ولأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على صلاة الخوف.
ففعلها علي ليلة الهرير 901. وصلاها أبو موسى الأشعري 902.
الجزء: 1 - الصفحة: 518
وصلاها حذيفة وسعيد بن العاص، وكان سعيد أميراً على الجيش بطبرستان 903.
وأما كون كل وجه من الوجوه الخمسة الآتي ذكرها جائزاً لمن فعله؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله قبل.
وأما كون الوجه الأول من ذلك؛ فلما روى جابر قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف.
فصفنا خلفه صفين والعدو بيننا وبين القبلة.
فكبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبرنا جميعاً.
ثم ركع وركعنا.
ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً.
ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحر العدو.
فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا.
ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم.
ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعاً.
ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً.
ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحر العدو.
فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجد.
ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعاً» 904 أخرجه مسلم.
وأما ما يشترط لصحة الوجه المذكور فظاهر كلام المصنف رحمه الله أن يكون العدو في جهة القبلة لا غير لأنه لم يذكر غيره.
واشترط أبو الخطاب مع ذلك شرطين
الجزء: 1 - الصفحة: 519
آخرين.
وهو: أن لا يخافوا كميناً لهم.
وأن يكون في المسلمين كثرة بحيث يحرس بعضهم ويصلي بعض؛ لأن المقصود لا يحصل بدونهما.
قال: (الوجه الثاني: إذا كان العدو في غير جهة القبلة جعل طائفة حذاء العدو وطائفة تصلي معه ركعة.
فإذا قاموا إلى الثانية ثبت قائماً وأتمت لأنفسها أخرى وسلمت ومضت إلى العدو وجاءت الأخرى فصلت معه الركعة الثانية.
فإذا جلس للتشهد أتمت لأنفسها أخرى وتشهدت وسلم بهم).
أما كون الوجه الثاني من الوجوه المذكورة؛ فلما روى صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع: «أن طائفة صلت معه وطائفة وِجاه العدو [فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً ثم أتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو] 905 وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته.
ثم ثبت جالساً فأتموا لأنفسهم.
ثم سلم بهم» 906 متفق عليه.
والذي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل بن أبي حثمة.
وأما ما يشترط لهذا الوجه فأمور:
أحدها: أن يكون العدو في غير جهة القبلة لأن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذات الرقاع كانت كذلك.
ولأنه حينئذ يحتاج إلى التفريق لأنهم إذا كانوا في جهة القبلة وعلم أنهم لا يتجاسرون أن يميلوا عليهم ميلة واحدة أمكن استقبالهم فلا حاجة إلى التفريق.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: أن الأثرم قال: قلت لأحمد: حديث سهل نستعمله مستقبلين كانوا أو مستدبرين؟ قال: نعم.
هو أنكى للعدو.
الجزء: 1 - الصفحة: 520
فعلى هذا لا يشترط أن يكون العدو في غير جهة القبلة؛ [لأن العدو قد يكون في جهة القبلة] 907 على وجهٍ لا يمكنه أن يصلي بهم صلاة عسفان لاستتارهم أو لخوف من كمين.
فالمنع من هذه الصلاة يفضي إلى تفويتها.
وثانيها: أن يكون العدو مباح القتال كقطاع الطريق، ومن بغى على الإمام، ومن قصد دم إنسان، ونحو ذلك؛ لأن قتال محرم القتال معصية لا يبيح قصر الصلاة فكذلك لا يبيح قصر أركانها وتغيير صفاتها.
وثالثها: أن يكون العدو لا يؤمن هجومه لقوله تعالى: ﴿ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾ [النساء: 102]. أومأ إلى أن المجوز لهذه الصلاة خوف الميل على المسلمين.
ولأنه إذا أمن هجومهم لم تدْع الحاجة إلى التفريق فلم يجز.
ورابعها: كثرة المصلين لأنهم إذا كانوا قليلين بحيث يكون الذي وجاه العدو أقل من نصف العدو يباح لهم الفرار وحينئذ يتطرق إمكان الأذى إلى المصلين فلم يحصل من الصلاة الحكمة المطلوبة منها فلم يجز لذلك.
وخامسها: أن تكون الطائفة ثلاثة فأكثر لأن الله تعالى ذكر الطائفة وأعاد إليها الضمير على سبيل الجمع في قوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ [النساء: 102]. وأقل الجمع ثلاثة.
وقال القاضي: يكره أن يصلي بأقل من ثلاثة.
وظاهر هذا عدم اشتراط الثلاثة.
ولفظ الطائفة قد يطلق ويراد به الواحد كما في قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفة﴾ [التوبة: 122]؛ لأن الإنذار يحصل بواحد.
قال: (فإن كانت الصلاة مغرباً صلى بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة.
وإن كانت رباعية غير مقصورة صلى بكل طائفة ركعتين وأتمت الأولى بالحمد لله في كل ركعة
الجزء: 1 - الصفحة: 521
والأخرى تتم بالحمد لله وسورة.
وهل تفارقه الأولى في التشهد الأول أو في الثالثة؟ على وجهين).
أما كون مصلي المغرب يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعة؛ فلأنه إذا لم يكن بد من تفضيل إحدى الطائفتين فالسابقة أولى.
ولأنه ينجبر ما فات الثانية بأنها تفعل جميع الصلاة في حكم الإتمام والأولى تفارقه فتأتي ببعض الصلاة في حكم الانفراد.
وهذا الذي ذكره المصنف رحمه الله هو الأولى.
ولو صلى بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين جاز؛ لأن علياً فعله ليلة الهرير 908.
ولأنه لم يزد على انتظارين ورد الشارع بهما.
وأما كون مصلي الرباعية غير المقصورة يصلي بكل طائفة ركعتين؛ فلأن في ذلك تسوية بين الطائفتين.
والمراد بذلك الأولوية كما تقدم في المغرب 909. فلو صلى بالأولى ركعة وبالثانية ثلاثاً أو بالعكس صح لما تقدم من أنه لم يزد على انتظارين ورد الشارع بهما.
وفي صلاة الإمام بكل طائفة ركعتين إشعار بأمرين:
أحدهما: جواز صلاة الخوف للمقيم.
وهو صحيح صرح به المصنف رحمه الله في المغني، وصاحب النهاية فيها.
ووجهه عموم قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم ... الآية﴾ [النساء: 102].
وثانيهما: أن للمسافر أن يتم فيصلي بكل طائفة ركعتين.
وأما كون الأولى تُتِم بالحمد لله في كل ركعة بلا سورة؛ فلأن ما أدركت مع الإمام أول صلاتها وصلاته فإذاً المقضي آخرها والآخر لا يزاد فيه على الحمد لله.
وأما كون الأخرى تتم بالحمد لله وسورة فهو مبني على أن ما يقضيه المسبوق أول صلاته.
والأول يقرأ فيه الحمد وسورة.
الجزء: 1 - الصفحة: 522
وأما كون الأولى تفارقه في التشهد الأول على وجهٍ؛ فلأنه حينئذ يمكنه الانتظار وهو جالس فيحصل للطائفة الثانية جميع الركعة التي شرعت فيها.
وأما كونها تفارقه حين يقوم إلى الثانية على وجهٍ؛ فلأن الانتظار في القيام أولى لكثرة ثواب القيام واستحباب تقصير التشهد.
وهذه المفارقة المختلف فيها تشمل من صلى مع الإمام المغرب والرباعية.
قال: (وإن فرقهم أربعاً فصلى بكل طائفة ركعة صحت 910 صلاة الأُولَيين وبطلت صلاة الإمام والأُخْريين إن علمتا بطلان صلاته).
أما كون صلاة الأُوليين تصح؛ فلأنها لم يُزَد فيها على انتظارين ورد الشرع بهما.
وأما كون صلاة الإمام تبطل؛ فلأنه زاد انتظاراً ثالثاً لم يرد الشرع به فوجب أن تبطل صلاته.
أشبه ما لو فعله في غير الخوف.
وسواء كان ذلك لحاجة أو لغير حاجة لأن الترخص إنما يصار فيه إلى ما ورد الشرع به.
وأما كون صلاة الأُخْريين تبطل إذا علمتا بطلان صلاة الإمام فإنهما اقتديا 911 بمن صلاته باطلة مع علمهما بذلك أشبه ما لو صليا خلف محدث يعلمان 912 حدثه.
قال: (الوجه الثالث: أن يصلي بطائفة ركعة ثم تمضي إلى العدو.
وتأتي الأخرى فيصلي بها ركعة ويسلم وحده وتمضي هي.
ثم تأتي الأولى فتتم صلاتها).
أما كون الوجه الثالث من الوجوه المذكورة؛ فلما روى عبدالله بن عمر قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه: فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو وصلى بالذين معه ركعة.
ثم ذهبوا وجاء الآخرون.
فصلى بهم ركعة.
ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة» 913 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 523
قال: (الوجه الرابع: أن يصلي بكل طائفة صلاة ويسلم بها).
أما كون الوجه الرابع من الوجوه المذكورة؛ فلما روى أبو بكرة قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في خوفٍ؛ الظهر: فصف بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو.
فصلى ركعتين ثم سلم.
فانطلق الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم.
ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم بهم.
فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ولأصحابه ركعتان ركعتان» 914. رواه أبو داود.
قال: (الوجه الخامس: أن يصلي الرباعية المقصورة تامة.
ويصلي معه كل طائفة ركعتين ولا تقضي شيئاً فتكون له تامة ولهم مقصورة).
أما كون الوجه الخامس من الوجوه المذكورة؛ فلما روى جابر قال: «أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع فنودي بالصلاة.
فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة ركعتين.
ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين.
فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان» 915 متفق عليه.
وأما كون الوجه السادس من الوجوه الجائزة ولم يذكره المصنف رحمه الله وهو مذكور في الحديث الآتي ذكره؛ فلما روى ابن عباس قال: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم بذي قَرَد صلاة الخوف والمشركون بينه وبين القبلة: فصف صفاً خلفه وصفاً موازي العدو فصلى بهم ركعة.
ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء.
فصلى بهم ركعة.
ثم سلم بهم.
فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ركعتان وكانت لهم ركعة ركعة» 916 رواه الأثرم.
الجزء: 1 - الصفحة: 524
قال المصنف رحمه الله في الكافي: كلام أحمد يقتضي أن يكون هذا من الوجوه الجائزة إلا أن أصحابه قالوا: لا تأثير للخوف في عدد الركعات فدل على أن هذا ليس بمذهبٍ له.
قال: (ويستحب أن يحمل معه في الصلاة من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كالسيف والسكين.
ويحتمل أن يجب ذلك).
أما كون حمل ما ذكر يستحب؛ فلقوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ [النساء: 102].
فإن قيل: الأمر للوجوب فلِمَ لَمْ يجب؟
قيل: لأن حمل السلاح يراد لحراسةٍ أو قتال والمصلي لا يتصف بواحدة منهما.
ولأنه لو كان واجباً في الصلاة لكان تركه قادحاً في صحتها وهو خلاف الإجماع.
وأما كونه يحتمل أن يجب ذلك؛ فلظاهر الأمر.
الجزء: 1 - الصفحة: 525
فصل [في الصلاة إذا اشتد الخوف]
قال المصنف رحمه الله: (وإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً إلى القبلة وغيرها.
يومئون إيماء على قدر الطاقة.
فإن أمكنهم افتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمهم ذلك؟ على روايتين).
أما كون من اشتد خوفه والمعنيّ 917 بالاشتداد: أن يتواصل الطعن والكرّ والفرّ.
ولم يمكن تفريق القوم فرقتين كل طائفة مساوية لنصف العدو، ولا صلاة عسفان يصلون رجالاً وركباناً إلى القبلة وغيرها؛ فلقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو رُكْباناً﴾ [البقرة: 239].
قال ابن عمر في تفسيرها: «مستقبلي القبلة وغير مستقبليها» 918.
قال نافع: لا أراه قال ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم 919.
وأما كونهم يُومئون إيماء؛ فلأنهم يجوز لهم الصلاة ركباناً ومِنْ ضرورته الإيماء.
ولأنهم لو تمموا الركوع والسجود في المعارك لكانوا هدفاً لأسلحة الكفار.
معرّضين أنفسهم للهلاك.
فإن قيل: لم عفي عن أفعالهم من الكرّ والفرّ مع كثرتها؟
قيل: لأنه موضع ضرورة.
الجزء: 1 - الصفحة: 526
ولأن ذلك لو كان مبطلاً لجاز لهم إخلاء الوقت عن الصلاة لعدم إمكان صلاة خالية عن ذلك.
ولا يجوز ذلك لأنهم مكلفون تصح طهارتهم فلم يجز لهم إخلاء الوقت عن فعلها كالمريض.
وقد روي عن الإمام أحمد: أنه يجوز تأخير الصلاة حال التحام الحرب حتى تضع أوزارها «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخرها يوم الخندق» 920.
وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
أحدها: أنه كان قبل نزول آية صلاة الخوف.
الثاني: أن يكون أخرها نسياناً.
الثالث: أنه لم ينقل أنهم كانوا في حال المسايفة.
وأما كونهم يلزمهم افتتاح الصلاة إلى القبلة ففيه روايتان مضى توجيههما في استقبال القبلة.
والصحيح أنه لا يجب؛ لأنا إذا أسقطنا القيام وجوزنا العمل الكثير؛ فلأن يجوز ترك 921 استقبال القبلة في بعض الصلاة بطريق الأولى.
قال: (ومن هرب من عدو هرباً مباحاً أو من سيل أو سبع ونحوه فله أن يصلي كذلك.
وهل لطالب العدو الخائف فواته الصلاة كذلك؟ على روايتين).
أما كون من هرب ممن ذُكر ونحوه له أن يصلي صلاة الخوف؛ فلأن المجوز لها في الخوف، خوف فوات النفس وهو موجود هاهنا.
وأما كون طالب العدو الخائف فواته له الصلاة كذلك على روايةٍ؛ فلما روى عبدالله بن أنيس قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو
الجزء: 1 - الصفحة: 527
عُرَنَة.
قال: اذهب فاقتله.
فرأيته وحضرتني الصلاة.
فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه.
فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك لذلك.
فقال: إني 922 لفي ذلك.
فمشيت معه حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى 923 برد» 924 رواه أبو داود.
وظاهر حاله أنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأن صلاة الخوف مشروطة بالخوف وهذا غير خائف.
قال: (ومن أمن في الصلاة أتم صلاة آمن.
ومن ابتدأها آمناً فخاف أتم صلاة الخائف.
ومن صلى صلاة الخوف لسوادٍ ظنه عدواً فبان أنه ليس بعدو أو بينه وبينه ما يمنعه فعليه الإعادة).
أما كون من أمن في أثناء صلاته يتم صلاة آمن، ومن خاف في أثنائها يتم صلاة خائف؛ فلأن المجوز لصلاة الخوف، الخوف فيُفعل عند وجوده دون عدمه.
ولأنها صلاة لعذر فجاز أن يكون بعضها صلاة خائف والبعض صلاة آمن كما لو صلى قائماً ثم عجز أو عاجزاً ثم قدر.
وأما كون من صلى صلاة الخوف لسوادٍ ظنه عدواً فبان أنه ليس بعدو أو بينه وبينه ما يمنعه عليه الإعادة؛ فلأنه ترك بعض واجبات الصلاة ظناً منه سقوطها وكان عليه الإعادة كما لو صلى يظن أنه متطهر فبان محدثاً أو نجساً.
الجزء: 1 - الصفحة: 528
باب صلاة الجمعة
قال المصنف رحمه الله: (وهي واجبة على كل مسلمٍ مكلفٍ ذكرٍ حرٍ مستوطنٍ ببناء ليس بينه وبين موضع الجمعة 925 أكثر من فرسخ تقريباً.
إذا لم يكن له 926 عذر).
أما كون صلاة الجمعة واجبة في الجملة؛ فبالكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: 9] أمر بالسعي والأمر للوجوب ولا يجب السعي إلا إلى واجب.
ونهى عن البيع ولو لم تكن الجمعة واجبة لم ينه عن البيع.
والمراد بالسعي هنا المضي والذهاب لا الإسراع.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه «أنه كان يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله» 927.
وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيَنتهين أقوام عن وَدْعِهِم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» 928 متفق عليه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا من عامي هذا.
فمن تركها في حياتي أو بعده وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في عمره.
ألا ولا صلاة له ولا
الجزء: 1 - الصفحة: 529
زكاة له ولا صوم له ولا حج له ولا بر 929 له حتى يتوب.
فإن تاب تاب الله عليه» 930 رواه ابن ماجة.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على وجوب الجمعة.
وأما كونها تجب على كلّ مسلم مكلف ذكر حُرّ مستوطن ببناء ليس بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ إذا لم يكن له 931 عذر؛ فلأن ما تقدم عام خرج منه غير من ذكر لما يأتي فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
وظاهر ما ذُكر أن الجمعة لا تجب على كافر ولا غير مكلف ولا غير ذكر ولا عبد ولا غير مستوطن ببناء ولا من بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ ولا من له عذر وهو صحيح.
أما كونها لا تجب على كافر ولا غير مكلف؛ فلقوله عليه السلام: «الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» 932 رواه أبو داود.
ولأن الكافر وغير المكلف لا تجب عليهما الصلوات الخمس؛ فلأن لا تجب عليهما الجمعة بطريق الأولى.
وأما كونها لا تجب على غير ذَكَرٍ؛ فلأن المرأة مذكورة في الحديث المتقدم.
ولأنها يشرع لها الستر والتحفز وذلك لا يناسب وجوب الجمعة عليها.
والخنثى ملحق بها لأنه في معناها.
وأما كونها لا تجب على عبد؛ فلأنه مذكور في الحديث المتقدم.
ولأنه مشتغل بخدمة سيده.
وأما كونها [لا تجب] 933 على غير مستوطن؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعرفة يوم الجمعة ولم يصل جمعة».
الجزء: 1 - الصفحة: 530
ولأن في رواية أبي داود في بعض ألفاظه: «إلا خمسة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض أو مسافر».
ولأن المسافر ليس من أهل الكمال فلم تجب عليه كالصبي.
وأما كون الاستيطان ببناء -والمراد به الإقامة بموضع مبني بما جرت به العادة من خشب أو قصب ونحو ذلك لا يظعن عنه شتاء ولا صيفاً-؛ فلأن العرب كانت حول المدينة في الخيام وبيوت الشعر ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة صلاة الجمعة.
وإنما كان البناء بما جرت به العادة لأنه أمر ورد الشرع باشتراطه من غير تعيين له فاعتبرت العادة فيه كالحِرز والقبض.
ولأن الجمعة تقام في مواضع مختلفة الأبنية فلو اشترط بناء بعينه لوجب الحكم ببطلان بعضها وليس كذلك لأن الأصل في الأفعال الشرعية التي فعلها المسلمون في بلادهم الإسلامية من غير نكير من بعضهم: الصحة.
وإنما كان الموضع لا يظعن فيه صيفاً ولا شتاء لأن بذلك كمال الاستيطان فوجب أن يشترط كأصله.
وأما كونها لا تجب على من بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ؛ فلأنه لما لم يمكن اعتبار السماع بنفسه اعتبر بمظنته.
والموضع الذي يُسمع النداء منه في الغالب إذا كان المؤذن صيتاً في موضع عالٍ والرياح ساكنة والأصواتُ هادئة والعوارضُ منتفية فرسخ فاعتبر به.
وعن أحمد: أنه معتبر بنفس النداء تمسكاً بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: «الجمعة على من سمع النداء» 934 رواه أبو داود.
والفرسخ أو السماع معتبر في حق من هو خارج البلد، أما من هو في البلد فيجب عليه السعي قَرُب أو بَعُد سمع أو لم يسمع؛ لأن البلد كالشيء الواحد.
الجزء: 1 - الصفحة: 531
وأما كونها لا تجب على من له عذر؛ فلأن العذر يعذر به في ترك الجمعة لما تقدم في موضعه 935.
قال: (ولا تجب على مسافرٍ ولا عبدٍ ولا امرأةٍ ولا خنثى.
ومن حضرها منهم أجزأته ولم تنعقد به ولم يجز أن يؤم فيها.
وعنه في العبد أنها تجب عليه).
أما كون الجمعة لا تجب على مسافر ولا امرأة ولا خنثى؛ فلما تقدم ذكره قبل 936.
وأما كونها لا تجب على عبد على المذهب؛ فلما تقدم أيضاً.
وأما كونها تجب عليه على روايةٍ؛ فلأنه مكلف فوجبت عليه كالظهر.
ونقل أبو الخطاب عن الإمام أحمد رواية أنها تجب على الصبي بناء على وجوب الصلاة عليه.
والصحيح أنها لا تجب عليهما؛ لأنهما استثنيا في حديث أبي داود 937.
ولأن العبد محبوس على حق سيده أشبه المحبوس على حق.
وأما كون من حضر الجمعة ممن ذُكر تجزئه؛ فلأنها إنما سقطت عنهم تخفيفاً عليهم فإذا تحملوا المشقة وصلّوا أجزأهم كالمريض.
وأما كونه لا ينعقد به ولا يجوز أن يؤم فيها؛ فلأنه ليس من أهل فرض الجمعة لما فيه من النقص المانع من الوجوب فلم ينعقد به ولم يجز أن يؤم كالمرأة.
قال: (ومن سقطت عنه لعذر إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به).
أما كون الجمعة تجب على من سقطت عنه لعذر كالمريض ونحوه إذا حضرها؛ فلأن سقوطها عنه كان دفعاً لمشقة السعي فإذا تكلفه وحصل في الجامع زالت المشقة فوجب زوال السقوط لزوال سببه.
وأما كونها تنعقد به؛ فلأنه من أهل وجوبها أشبه غير المريض.
الجزء: 1 - الصفحة: 532
قال: (ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم تصح صلاته.
والأفضل لمن لا تجب عليه أن لا يصلي الظهر حتى يصلي الإمام).
أما كون من صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لا تصح؛ فلأنه مأمور بالجمعة فلم يصح الظهر لأنه أتى بغير ما أمر به.
ولأن الظهر بدل عن 938 الجمعة والبدل لا يجوز إلا عند تعذر المبدل.
بدليل سائر الأبدال.
وأما كون الأفضل لمن لا تجب عليه أن لا يصلي الظهر حتى يصلي الإمام؛ فلأنه يرجى زوال عذره فاستحب له التأخير.
ولا بد أن يلحظ في من لا تجب عليه أن لا يكون امرأة؛ لأن المرأة لا يرجى زوال عذرها.
وقال أبو بكر: لا يصح ممن تقدم ذكره قياساً على من تجب عليه.
وذكر ابن عقيل قول أبي بكر رواية.
وصحح الصحة لأنه غير مخاطب بالجمعة أشبه المرأة.
قال: (ولا يجوز لمن تلزمه الجمعة السفر في يومها بعد الزوال.
ويجوز قبله.
وعنه: لا يجوز.
وعنه: يجوز للجهاد خاصة).
أما كون السفر لمن تلزمه الجمعة بعد الزوال لا يجوز قبل فعلها؛ فلأن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سافر من دار إقامة يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يُصحب في سفره ولا يعان على حاجته» 939. رواه الدارقطني.
وهذا وعيد وتهديد يدل على التحريم.
ولأن الصلاة تجب بأول الوقت، وفعل الجمعة يجب مع الإمام فالسفر مفض إلى تفويتها بخلاف بقية الصلوات.
ولأن السفر يشغله عن الجمعة بعد دخول وقتها فلم يجز كالتجارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 533
وأما كونه يجوز قبل الزوال على المذهب؛ فلما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سافر يوم الجمعة» 940.
و«رأى عمر رجلاً بهيئة السفر وهو يقول: لولا الجمعة لسافرت.
فقال: اخرج فإن الجمعة لا تمنع عن سفر» 941.
فيجب حمل حديث ابن عمر على ما بعد الزوال.
وهذا على ما قبله جمعاً بينهما.
وأما كونه لا يجوز على روايةٍ؛ فلأن هذا وقت يلزم من كان على فرسخ السعي إلى الجمعة فوجب أن لا يجوز لمن في البلد السفر بطريق الأولى.
ولأنه دخل وقت حرمة الجمعة بدليل الاعتداد بالغسل وأنه يسن التبكير فلم يجز التسبب إلى تفويتها.
وأما كونه يجوز للجهاد خاصة على روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جهز جيش مؤتة يوم الجمعة.
ووجه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة وأذن لهم في الخروج قبل الصلاة.
فتخلف عنهم عبدالله بن رواحة لصلاة الجمعة.
فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما خلّفك؟ فقال: الجمعة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لَغَدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها.
قال: فراح منطلقاً» 942 رواه أحمد.
الجزء: 1 - الصفحة: 534
فصل
قال المصنف رحمه الله: (ويشترط لصحة الجمعة أربعة شروط:
أحدها: الوقت، وأوله أول وقت صلاة العيد.
وقال الخرقي: يجوز فعلها في الساعة السادسة.
وآخره آخر وقت الظهر).
أما كون صحة الجمعة يشترط لها أربعة شروط؛ فلما يأتي ذكره فيها.
وأما كون أحدها الوقت؛ فلأن الجمعة صلاة فكان دخول الوقت من شروط صحتها كسائر الصلوات.
وأما كون أوله أول وقت صلاة العيد على المذهب؛ فلما روى وكيع عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن عبدالله بن سيدان قال: «شهدت الجمعة مع أبي بكر.
فكانت خطبته وصلاته قبل انتصاف النهار.
وشهدتها مع عمر رضي الله عنه فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول قد انتصف النهار.
ثم صليتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد زال النهار.
فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره» 943 رواه الإمام أحمد.
وروي عن ابن مسعود «أنه صلى الجمعة ضحى.
وقال: إنما عجلت لكم خشية الحر عليكم» 944.
الجزء: 1 - الصفحة: 535
وروى سويد بن غفلة قال 945: «صلى بنا معاوية الجمعة ضحى» 946 رواه الإمام أحمد.
ولأن يوم الجمعة يوم عيد فجازت في وقت العيد كالفطر والأضحى 947.
وأما كون فعلها في الساعة السادسة يجوز على قول الخرقي دون ما تقدم ذكره؛ فلأن الأحاديث الصحيحة الدالة على جواز التقديم مختصة بذلك.
منها: ما روى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس» 948 رواه مسلم.
وعن سهل بن سعد قال: «ما كنا نقيل ونتغدّى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» 949 متفق عليه.
قال ابن قتيبة: لا يسمى غداء ولا قائلة ما بعد الزوال.
وعن سلمة قال: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان فيء» 950 متفق عليه.
والمذهب 951 الأول لأن الأحاديث المذكورة تدل على جوازها قبل الزوال وإذا كان كذلك فقد خالفت الظهر فوجب أن يلتحق بالعيد بدليل ما تقدم من فعل الصحابة.
وأما كون آخره آخر وقت الظهر؛ فلأن الجمعة بدل منها أو واقعة موقعها فوجب أن يكون آخر وقتها آخر وقت الظهر لما بينهما من المشابهة.
الجزء: 1 - الصفحة: 536
قال: (فإن خرج وقتها قبل فعلها صلوا ظهراً.
وإن خرج وقد صلوا ركعة أتموها جمعة.
وإن خرج قبل ركعة فهل يتمونها ظهراً أو يستأنفونها؟ على وجهين).
أما كون من خرج وقت الجمعة عليهم قبل فعلها يصلون ظهراً؛ فلأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» 952 يدل بمفهومه على أن من لم يدرك ركعة لم يكن مدركاً للجمعة.
فمن لم يَشْرَع بالكلية بطريق الأولى.
وأما كونهم يتمونها جمعة إذا خرج وقد صلوا ركعة؛ فلأن الحديث المذكور قبلُ يدل بمنطوقه على ذلك.
وقياساً على المسبوق.
وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه: يشترط إيقاع جميع صلاة الجمعة في الوقت إلا السلام؛ لأن الوقت شرط فيعتبر في جميعها كالوضوء.
والأول أصح؛ للحديث.
ولقوله عليه السلام: «من أدرك من يوم الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى» 953.
وأما كونهم يتمونها ظهراً إذا خرج قبل ركعة على وجهٍ؛ فلأنهما صلاتا وقت فجاز بناء إحداهما على الأخرى كصلاة السفر مع الحضر.
وأما كونهم يستأنفونها على وجهٍ؛ فلأن الظهر والجمعة صلاتان مختلفتان ليست إحداهما الأخرى ولا بعضها فلم تُبن إحداهما على الأخرى كالظهر والصبح.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بعدم إتمامها جمعة.
وهو قول أكثر الأصحاب لأن فوات الأكثر قائم مقام فوات الكل.
الجزء: 1 - الصفحة: 537
وقال القاضي وابن حامد: متى أحرم بها في الوقت يتمها جمعة قياساً على سائر الصلوات.
والأول أصح؛ لأن مفهوم الحديث المتقدم يدل عليه.
والفرق بين الجمعة وبين سائر الصلوات ثابت في كثير من الأحكام فيمتنع معه القياس.
قال: (الثاني: أن يكون بقرية يستوطنها أربعون من أهل وجوبها.
فلا تجوز إقامتها في غير ذلك).
أما كون ثاني شروط صحة الجمعة أن يكون بقرية يستوطنها ما ذُكر:
أما كونها بقرية؛ فلأن ذلك شرط لوجوبها؛ فلأن يكون شرطاً لصحتها بطريق الأولى.
ولأن قبائل العرب كانت حول المدينة في الخيام وبيوت الشعر ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها.
والمراد بالقرية: الموضع المبني بما جرت به العادة قريةً كانت أو بلدة.
وإنما صرح المصنف رحمه الله بالقرية تنبيهاً على أن الجمعة يجوز إقامتها في القرى خلافاً لمن اشترط المصر.
ويدل على جوازها في القرى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى قرى عُرينة أن يصلوا الجمعة».
و«لأن أسعد بن زرارة جمع بهَزْمِ النبيت» 954. وهو موضع قريب من القرية؛ فلأن يجوز في نفس القرية بطريق الأولى.
ولأن القرية يستوطنها العدد المعتبر أشبهت المصر.
وأما كون القرية يستوطنها العدد المتقدم ذكره؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أهل مكة بإقامتها في عرفات.
لا يقال إنما لم يأمرهم لأنهم مسافرون لأن سفرهم دون مسافة
الجزء: 1 - الصفحة: 538
القصر.
وحكم ذلك حكم الإقامة.
وإذا امتنع نسبة عدم إقامتها إلى السفر لم يبق سوى الاستيطان بالموضع.
وأما كون العدد أربعين فلما يأتي في موضعه 955.
وأما كونهم من أهل وجوبها؛ فلما تقدم من أن من لم تجب عليه لغير عذر لا تنعقد به 956.
وأما من كون إقامتها في غير ذلك لا يجوز؛ فلأن ما ذكر شرط في الإقامة وهو مفقود في غير ذلك فينتفي الجواز لانتفاء شرطه.
قال: (ويجوز إقامتها في الأبنية المتفرقة إذا شملها اسم واحد.
وفيما قارب البنيان من الصحراء).
أما كون إقامة الجمعة في الأبنية المذكورة يجوز؛ فلأنها إما قرية وإما في معنى القرية.
وأما كون إقامتها فيما قارب البنيان من الصحراء يجوز؛ فلما روى كعب ابن مالك قال: «أسعد بن زرارة أول من جمّع بنا في هَزْم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات» 957. وذلك موضع قريب من البنيان.
ولأنه موضع لصلاة العيد فجازت فيه الجمعة كالجامع.
الجزء: 1 - الصفحة: 539
قال: (الثالث: حضور أربعين من أهل القرية في ظاهر المذهب.
وعنه تنعقد بثلاثة.
فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً.
ويحتمل أنهم إن نقصوا قبل ركعة أتموا ظهراً.
وإن نقصوا بعد ركعة أتموا جمعة).
أما كون ثالث شروط صحة الجمعة حضور أربعين من أهل القرية في ظاهر المذهب فلما يأتي.
وأما كونها تنعقد بثلاثة على روايةٍ؛ فلأن ذلك أقلُّ الجمع.
وروي عن الإمام أحمد أنها لا تنعقد إلا بخمسين لما روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [«على الخمسين جمعة» 958.
والصحيح في المذهب الأول؛ لما روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال] 959: «مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة» 960 رواه الدارقطني.
وقول الصحابي ذلك ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولأن أسعد بن زرارة لما جمّع كانوا أربعين.
وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا اجتمع أربعون رجلاً فعليهم الجمعة».
وأما كونهم إذا نقصوا عن العدد المشترط قبل إتمامها يستأنفون ظهراً؛ فلأن العدد المذكور شرطٌ فاعتبر في جميع الصلاة كالطهارة.
وأما كونه يحتمل أنهم إن نقصوا قبل ركعة يتمون ظهراً وإن نقصوا بعد ركعة يتمون جمعة؛ فلأن من أصلنا أن الجمعة تدرك بركعة 961. فإذا نقصوا وقد صلوا أقل من
الجزء: 1 - الصفحة: 540
ركعة لم يدركوا الجمعة فيتمون ظهراً.
وإن نقصوا وقد صلوا ركعة أدركوا الجمعة فيتمون جمعة كالمسبوق فيهما.
والأول أصح؛ لما تقدم ذكره.
والفرق بين هذه المسألة وبين المسبوق أن المسبوق أدرك ركعة من جمعة تمت شرائطها وصحت فجاز البناء عليها بخلاف هذه.
قال: (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة.
ومن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهراً إذا كان قد نوى الظهر في قول الخرقي.
وقال أبو إسحاق بن شاقلاء: ينوي جمعة ويتمها ظهراً).
أما كون من أدرك مع الإمام من الجمعة ركعة يتمها جمعة؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» 962.
وأما كون من أدرك أقل من ذلك يتمها ظهراً؛ فلأن قوله عليه السلام: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» 963 يدل بمفهومه على أنه لا يدركها بأقل من ذلك.
ولأنه روي في بعض الروايات: «من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى.
ومن أدرك دونها صلى أربعاً» 964.
وعن الإمام أحمد: يتمها جمعة.
نقلها صاحب المستوعب لقوله عليه السلام: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» 965. فوجب أن يقضي ما فاته لحصول ما أدركه.
ولأن إدراك آخر الصلاة كإدراك أولها.
دليله المسافر إذا اقتدى بمقيم.
والصحيح الأول؛ لما تقدم من الحديث.
ولقوله: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة» 966 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 541
وأما قوله: «وما فاتكم فاقضوا» 967 فقد روي: «فأتموا» 968 فإما يتعارضان ويَسْقُطان وإما يحملان على حالتي: القضاء إذا أدركوا ركعة، والإتمام إذا أدركوا دونها.
وأما القياس على المسافر إذا اقتدى بمقيم فغير صحيح لأن إدراك المسافر إدراك التزام وإيجاب لأربع.
وإدراك المسبوق إدراك إسقاط لأربع.
ولأن العدد شرط في الجملة دون الإتمام.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا كان قد نوى الظهر في قول الخرقي؛ فمعناه أن من لم يدرك الجمعة إنما يتمها ظهراً إذا نوى الظهر، فلو نوى الجمعة لم تصح صلاته في قول الخرقي؛ لأن النية قصد يتبع العلم ويوافق الفعل.
فالمصلي للظهر لا ينوي جمعة؛ لأنه ينوي غير ما يفعله.
وينوي جمعة ويتمها ظهراً في قول إسحاق بن شاقلاء لئلا تخالف نيته نية إمامه.
وقال بعض أصحابنا: لا يصليها مع الإمام لأنه إن نوى الظهر خالف نية إمامه وإن نوى جمعة وأتمها ظهراً فقد صحت له الظهر من غير نيتها.
الجزء: 1 - الصفحة: 542
قال: (ومن أحرم مع الإمام ثم زُحم عن السجود سجد على ظهر إنسان أو رجله.
فإن لم يمكنه سجد إذا زال الزحام إلا أن يخاف فوات الثانية فيتابع الإمام فيها وتصير أولاه ويتمها جمعة).
أما كون من زُحم عن السجود سجد على ظهر إنسان أو رجله؛ فلقول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: «إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه» 969 رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور.
ولأن الزحام عذر فأباح التصرف في الغير فيما لا ضرر عليه لتأدية واجب عليه كالاستظلال والاستصباح.
وقال ابن عقيل: لا يسجد على ظهر غيره لأنه تصرف في الغير بغير إذنه.
ولأنه لا يجوز السجود على يد نفسه.
وظهر غيره ورجله بطريق الأولى.
بل يدني جبهته حتى يقارب موضع سجوده لأن ذلك الذي يمكنه.
وأما كون من لم يمكنه السجود كما تقدم ولم يخف فوات الثانية يسجد إذا زال الزحام؛ فلأنه أمكنه تحصيل كمال السجود فلزمه كما لو لم يُزحم.
فإن قيل: كيف يجوز له مفارقة الإمام؟
قيل: لا بأس بمفارقة الإمام صورةً مع كونه متابعه حكماً للعذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل من صلى معه صلاة عسفان كذلك.
وأما كونه يتابع إمامه إذا خاف فوات الثانية؛ فلقوله عليه السلام: «لا تختلفوا على أئمتكم» 970.
وقوله عليه السلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا» 971.
وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه: يجب عليه أن يتشاغل بما فاته من السجود؛ لأن إمامه قد سجد فيجب عليه أن يسجد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا سجد فاسجدوا» 972.
الجزء: 1 - الصفحة: 543
والأول أصح؛ لئلا تكثر مفارقته للإمام.
ولأن الزحام عذر فيكون مسقطاً لمتابعته للإمام في السجود.
وأما كون ثانية الإمام تصير أولى المأموم؛ فلأن الأولى لم تحصل به.
وأما كونه يتمها جمعة؛ فلأن الجمعة تدرك بركعة وهي موجودة هاهنا.
قال: (فإن لم يتابعه عالماً بتحريم ذلك بطلت صلاته.
وإن جهل تحريمه فسجد ثم أدرك الإمام في التشهد أتى بركعة أخرى بعد سلامه وصحت جمعته.
وعنه يتمها ظهراً).
أما كون صلاة المأموم تبطل إذا لم يتابع إمامه عالماً بتحريم مفارقته؛ فلأنه ترك متابعة إمامه عمداً.
ومتابعته واجبة لما تقدم من قوله عليه السلام: «لا تختلفوا على أئمتكم فإذا ركع فاركعوا ... الحديث» 973. وترك الواجب عمداً يبطل الصلاة وفاقاً.
وأما كونها لا تبطل إذا ترك متابعة إمامه جهلاً بتحريمها؛ فلأن الجاهل معذور أشبه الساهي.
وأما كون جمعته تصح إذا سجد مع جهله ثم أتى بركعة بعد سلام إمامه على المذهب؛ فلأنه أتى بسجود معتد به.
وإذا اعتد له بذلك وهو حكم الإتمام فقد أدرك مع الإمام ركعة والجمعة تدرك بركعة.
وأما كونها لا تصح ويتم ما صلى ظهراً على روايةٍ؛ فلأنه لم يدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها لأن ما أتى به من السجود لم يتابع إمامه فيه حقيقة وإنما أتى به على وجهِ التدارك فلم يكن مدركاً للجمعة.
قال: (الرابع: أن يتقدمها خطبتان: من شرط صحتهما حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله تعالى، وحضور
الجزء: 1 - الصفحة: 544
العدد المشترط.
وهل يشترط لهما الطهارة وأن يتولاهما من يتولى الصلاة؟ على روايتين).
أما كون رابع شروط صحة الجمعة أن يتقدمها خطبتان: أما الخطبتان؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: 9] أمر بالسعي إلى الذكر فيكون واجباً لأن ما ليس بواجب لا يكون السعي إليه واجباً.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين يقعد بينهما» 974 متفق عليه.
وقال الله تعالى: ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف: 158].
وقالت عائشة رضي الله عنها: «إنما أقرت الجمعة ركعتين من أجل الخطبة».
وأما تقدم الخطبتين على الصلاة؛ فـ «لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب الخطبتين قبل الصلاة» 975. وقد أمرنا باتباعه.
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 976.
وأما كون الخطبتين من شرط صحتهما حمد الله إلى آخره: أما الحمد؛ فـ «لأن خُطب النبي صلى الله عليه وسلم لم تخل من تحميد».
ولقوله عليه السلام: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله تعالى فهو أبتر» 977.
الجزء: 1 - الصفحة: 545
وأما الصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فلما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الإنشراح: 4] أنه لا يذكر الله إلا ويذكر الرسول معه 978. فكل موضع شرع فيه ذكر الله شرع فيه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما قراءة آية؛ فلأن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين والقراءة واجبة فيهما، فكذلك فيما أقيم مقامهما.
لا يقال: فيجب قراءة قرآن فيهما؛ لأن اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على غيرها يدل على عدم وجوبها.
وأما الوصية بتقوى الله عز وجل؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك في خطبته.
ولأن ذلك هو المقصود من الخطبة فلا يجوز الإخلال به.
وأما حضور العدد المشترط؛ فلأنه ذكرٌ اشترط للصلاة.
فاشترط له العدد كتكبير الإحرام.
وأما كون الطهارة تشترط للخطبتين على روايةٍ؛ فلأنه ذكر مشروع في صحة الصلاة.
فاشترط له الطهارة كتكبيرة الإحرام.
وأما كونها لا تشترط على روايةٍ؛ فلأنهما ذكران يتقدمان الصلاة فلم يكن من شرطها الطهارة كالأذان والإقامة.
وأما كون أن يتولاهما من يتولى الصلاة يشترط على روايةٍ؛ فلأنهما أقيمتا مقام ركعتين فكما لا يجوز أن يصلي إمامان صلاة واحدة فكذلك الخطبتان والصلاة.
وأما كونه لا يشترط على روايةٍ؛ فلأنهما فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة أشبها الأذان والإقامة.
وهذا الخلاف فيما إذا لم يكن عذر فإن كان لعذر مثل أن يسبق الخطيب الحدث فهو 979 مبني على جواز الاستخلاف.
وظاهر المذهب جوازه لأنه إذا جاز في صلب الصلاة ففي هذه الصورة أولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 546
قال: (ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عال.
ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم.
ثم يجلس إلى فراغ الأذان.
يجلس بين الخطبتين.
ويخطب قائماً.
ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا، ويقصد تلقاء وجهه.
ويقصر الخطبة.
ويدعو للمسلمين).
أما كون الخطبتين من سننهما أن يخطب على منبر إن كان أو على موضع عال إن لم يكن منبراً: أما المنبر؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على منبر.
قال سهل ابن سعد: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة سماها سهل: أن مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليها إذا كلمت الناس» 980 متفق عليه.
ورواه أبو داود.
وأما الموضع العالي إن لم يكن منبر؛ فلأن ذلك في معنى المنبر لاشتراكهما في المبالغة في الإعلام.
وأما كونهما من سننهما يسلم الإمام على المأمومين إذا أقبل عليهم؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم» 981 رواه ابن ماجة.
وأما كونهما من سننهما أن يجلس إلى فراغ الأذان؛ فلأن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ أذان المؤذن ... مختصر» 982 رواه أبو داود.
ولأن في جلوسه استراحة له من تعب الصعود وبذلك يتمكن من الكلام التمكن التام.
وأما كونهما من سننهما أن يجلس بين الخطبتين؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس بينهما.
روى ابن عمر «أنه كان يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس» 983 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 547
وإنما لم يجب لأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم لم يجلسوا منهم المغيرة وأبيّ بن كعب.
وروي عن أبي إسحاق قال: «رأيت علياً يخطب على المنبر فلم يجلس حتى فرغ».
وذكر ابن عقيل في التذكرة رواية في وجوب الجلسة المذكورة لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمرنا باتباعه.
والأول أصح؛ لما ذكر.
ولأنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تكن واجبة كالأولى.
وأما كونهما من سننهما أن يخطب قائماً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً» 984.
وإنما لم يجب لأنه ذِكرٌ ليس من شرطه الاستقبال فلم يجب له القيام كالأذان.
وعن الإمام أحمد: يجب أن يخطب قائماً «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً».
وكذلك الخلفاء بعده.
وقال الله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: 155].
وأما كونهما من سننهما أن يعتمد على سيف أو قوس أو عصاً؛ فلما روى الحكم بن حزن قال: «وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدنا معه الجمعة فقام متوكئاً [على] 985 سيف أو قوس أو عصا ... مختصر» 986 رواه أبو داود.
ولأن ذلك أمكن له.
الجزء: 1 - الصفحة: 548
وأما كونهما من سننهما أن يقصد تلقاء وجهه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك 987.
ولأنه أبلغ في إسماع الناس.
ولأنه إذا التفت إلى أحد جانبيه أعرض عمن في الجانب الآخر.
وأما كونهما من سننهما أن يُقَصّر الخطبة؛ فلما روى عمار قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه.
فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة» 988 رواه مسلم.
وأما كونهما من سننهما أن يدعو للمسلمين؛ فلأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة ففيها أولى.
فإن قيل: الدعاء للسلطان ما حكمه؟
قيل: يسن لأن صلاحه صلاح المسلمين.
و«لأن أبا موسى الأشعري كان إذا خطب يدعو لعمر».
وقال القاضي: لا يستحب؛ لأنه لم ينقل عن السلف.
قال: (ولا يشترط إذن الإمام.
وعنه يشترط).
أما كون إذن الإمام لا يشترط لصحة الجمعة على روايةٍ فـ «لأن علياً رضي الله عنه صلى بالناس وعثمان رضي الله عنه محصور» 989.
ولأنها من فرائض الأعيان فلم يعتبر لها إذن الإمام كالظهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 549
وأما كونه يشترط على روايةٍ؛ فلأن الجمعة من أعلام الدين الظاهرة التي لا تحصل بالواحد فافتقرت إلى إذن الإمام كالجهاد.
الجزء: 1 - الصفحة: 550
فصل
قال المصنف رحمه الله: (وصلاة الجمعة ركعتان.
يجهر فيهما بالقراءة.
ويستحب أن يقرأ في الأولى بسورة الجمعة وفي الثانية بالمنافقين).
أما كون صلاة الجمعة ركعتين فقال ابن المنذر: أجمع المسلمون على ذلك.
نقله الخلف عن السلف.
وقال عمر رضي الله عنه: «صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد خاب من افترى» 990 رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
وأما كونها يجهر فيهما بالقراءة فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر فيهما».
نقله الخلف عن السلف.
و«لأن الصحابة رووا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة الجمعة والمنافقين» 991. وذلك دليل السماع.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة النهار عجماء إلا الجمعة والعيدين».
وأما كون الأولى يستحب أن يَقرأ فيها بسورة الجمعة وفي الثانية بالمنافقين؛ فـ «لأن أبا هريرة صلى الجمعة فقرأ بسورة الجمعة وفي الثانية بسورة المنافقين.
وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأهما في الجمعة» 992 رواه مسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 551
وقال المصنف في المغني: وإن قرأ في الثانية بالغاشية فحسن «لأن الضحاك ابن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة قال: بـ ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: 1]» 993 أخرجه مسلم.
وقال: وإن قرأ في الأولى بسبح كان حسناً لأن سمرة بن جندب روى «أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك﴾ [الأعلى: 1] و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: 1]» 994 رواه أبو داود والنسائي.
قال: (وتجوز إقامة الجمعة في موضعين من البلد للحاجة.
ولا يجوز مع عدمها.
فإن فعلوا فجمعة الإمام هي الصحيحة.
فإن استوتا فالثانية باطلة.
فإن وقعتا معاً أو جهلت الأولى بطلتا معاً).
أما كون الجمعة تجوز إقامتها في موضعين من البلد للحاجة؛ مثل: أن يكون البلد كبيراً؛ كبغداد وأصبهان ونحوهما، أو يكون المسجد ضيقاً، أو يخاف الفتنة كالتي بين القبائل؛ فلأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة.
فجاز فعلها في موضعين مع الحاجة؛ كصلاة العيد.
وقد ثبت «أن علياً كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ويخلّف على ضعفةِ الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم» 995.
الجزء: 1 - الصفحة: 552
ولأنها لو لم تجز إلا في موضع واحد لأدى إلى تعطيلها في حق كثير من الخلق لأن وجوبها على أهل البلد العظيم لا يتقيد بسماع ولا بفرسخ فالبعيد يعجز عن قطع المسافة البعيدة ويصير من يخاف الفتنة معذوراً ومع ضيق المكان تقام الصلاة في الشوارع إلى حد يتعذر البلاغ معه 996 لاختلاف الأصوات.
ولأن إقامتها في البلاد الكبار في موضعين مع عدم الإنكار يصير كالإجماع على جواز ذلك.
وعن الإمام أحمد: لا تقام إلا في موضع واحد لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقمها إلا في موضع واحد.
وكذلك الخلفاء بعده.
والأول أصح لما ذكر.
وإنما لم يقمها النبي صلى الله عليه وسلم لعدم الحاجة.
ولأن أحداً لم يكن ليترك الصلاة خلفه صلى الله عليه وسلم ويصلي خلف غيره.
وأما كونها لا تجوز إقامتها في موضعين مع عدم الحاجة؛ فلأنه لا حاجة.
والعبادات المغلب فيها 997 الاتباع ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الخلفاء الراشدين بعده فعلها في موضعين.
وروى ابن عمر رضي الله عنهما: «لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلي فيه الإمام» 998. خص منه إذا كان لحاجة فيبقى فيما عداه حجة.
ولأن المقصود من الجمعة إقامة الشعائر وتعظيم الإسلام والتفريق من غير حاجة يخل بذلك.
وأما كون جمعة الإمام هي الصحيحة إذا صلي في موضعين مع عدم الحاجة؛ فلأن في الحكم بصحة غيرها افتياتاً على الإمام وتفويتاً لجمعته.
ولأن ذلك يفضي إلى أنه متى شاء أربعون أن يفسدوا على أهل البلد صلاتهم أمكنهم ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 553
وقيل: بل السابقة هي الصحيحة لأنها لم تتقدمها ما يفسدها.
وبعدما وقعت صحيحة لا تفسد بما بعدها.
والسبق معتبر بالإحرام لأنه متى 999 أحرم حرم الاستفتاح بغيرها للغنى عنها.
وأما كون الثانية باطلة إذا استويا.
والمعنيّ بالاستواء هنا أن تكون كل واحدة منهما بإذن الإمام.؛ فلأن الاستغناء حصل بالأولى مع أن الثانية لا مزية لها.
وأما كونهما يبطلان معاً إذا وقعتا معاً أو جهلت الأولى؛ فلأنه لا يمكن تصحيحهما ولا تتعين إحداهما بالصحة فبطلتا كما لو جمع بين أختين.
قال: (وإذا وقع العيد يوم الجمعة فاجتزئ بالعيد وصلى ظهراً جاز إلا الإمام).
أما كون المأموم إذا اجتزأ فيما ذكر بالعيد عن الجمعة وصلى ظهراً يجوز؛ فلما روى زيد بن أرقم قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم.
فصلى العيد ثم رخص في الجمعة.
فقال: من شاء أن يصلي فليصلي» 1000 رواه أبو داود.
وأما كون الإمام إذا اجتزأ بالعيد عن الجمعة وصلى ظهراً لا يجوز؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتمع في يومكم هذا عيدان.
فمن شاء أجزأه عن الجمعة.
وإنا مُجَمِّعون» 1001 رواه ابن ماجة.
ولأن الإمام لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من يريدها.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه: لا تجب على الإمام أيضاً «لأن ابن الزبير لم يصلها وكان إماماً» 1002.
الجزء: 1 - الصفحة: 554
ولأن الجمعة إذا سقطت عن المأمومين سقطت عن الإمام كالسفر.
والأول أصح لما ذكر من الفرق.
قال: (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان.
وأكثرها ست ركعات).
أما كون أقل السنة بعد الجمعة ركعتين؛ فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين» 1003 متفق عليه.
ولو سن أقل من ذلك لفعله.
وأما كون أكثرها ست ركعات؛ فلأن ابن عمر قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعد الجمعة ركعتين ثم يتقدم فيصلي أربعاً» 1004.
وعن أبي 1005 عبدالرحمن السلمي قال 1006: «علمنا عبدالله بن مسعود أن نصلي بعد الجمعة أربعاً.
فلما قدم عليّ علّمنا أن نصلي ستاً» 1007.
الجزء: 1 - الصفحة: 555
ولأنها ظهرٌ مقصورة فينبغي أن يصلي بعدها شيئاً ليكون ذلك عن ركعتين قبلها وركعتين بعدها وركعتين تمامها.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: المختار أن يصلى أربعاً لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل بعدها أربعاً» 1008 رواه مسلم.
فإن قيل: لم يكون الأخذ بهذا الحديث أولى؟
قيل: لوجوه:
أحدها: أنه أمر.
ودلالة الأمر على تأكيد الشيء أقوى من الفعل.
الثاني: أنه قول النبي صلى الله عليه وسلم.
ودلالة الستِّ قول علي.
الثالث: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم معتضد بقول صحابي وهو ابن مسعود.
الجزء: 1 - الصفحة: 556
فصل [في مستحبات الجمعة]
قال المصنف رحمه الله: (ويستحب أن يغتسل للجمعة في يومها، والأفضل فعله عند مُضِيِّه إليها.
ويتنظف.
ويتطيب.
ويلبس أحسن ثيابه.
ويبكر إليها ماشياً.
ويدنو من الإمام.
ويشتغل بالصلاة والذكر.
ويقرأ سورة الكهف في يومها.
ويكثر الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه).
أما كون مصلي الجمعة يستحب له أن يغتسل لها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من أتى الجمعة فليغتسل» 1009 متفق عليه.
وقد تقدم في الأغسال المستحبة عدم وجوبه والخلاف فيه 1010.
وأما كون الغسل في يوم الجمعة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة» 1011 أضافه إلى اليوم واليوم من طلوع الفجر لأن ذلك هو اليوم الشرعي.
فعلى هذا من اغتسل بعد طلوع الفجر إلى أن يروح إلى الجمعة حصّل الفضيلة.
وإن اغتسل قبل طلوع الفجر لم يحصّل الفضيلة المذكورة.
وأما كون الأفضل في الغسل فعله عند مضيه إليها؛ فلأنه أبلغ في قطع الرائحة.
وأما كونه يستحب له أن يتنظف ويتطيب؛ فلما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغتسلُ رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر.
ويدهن من دهنه.
ويمس من طيب بيته.
ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين.
ثم يصلي ما كُتب
الجزء: 1 - الصفحة: 557
له.
ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» 1012 رواه البخاري.
وأما كونه يستحب له أن يلبس أحسن ثيابه؛ فلأن في بعض ألفاظ الحديث: «ولبس أحسن ثيابه.
ثم جاء إلى المسجد» 1013.
وأما كونه يستحب له أن يبكر إليها فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة.
ومن راح في [الساعة] 1014 الثانية فكأنما قرب بقرة.
ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً.
ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ... الحديث» 1015.
وأما كونه يستحب له أن يمشي ويدنو من الإمام؛ فلقوله عليه السلام: «من غسّل واغتسل.
وبكر وابتكر.
ومشى ولم يركب.
ودنا من الإمام واستمع.
ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها» 1016 رواه ابن ماجة.
وأما كونه يستحب له أن يشتغل بالصلاة والذكر؛ فلما في ذلك من تحصيل الأجر.
ولا بد أن يُلحظ في ذلك كونه غير سامع للخطبة لأنه لو كان يسمعها لحرم عليه الكلام لما يأتي.
ويتصور ذلك في موضعين:
أحدهما: إذا حضر قبل خطبة الإمام.
الثاني: أن يكون بعيداً منه بحيث لا يسمع الخطبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 558
وأما كونه يستحب له أن يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة؛ فلأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أو ليلته وُقي فتنة الدجال» 1017.
وأما كونه يستحب له أن يُكثر الدعاء في اليوم المذكور فلعله يوافق ساعة الإجابة فإنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه» 1018 متفق عليه.
وأما كونه يستحب له أن يكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا من الصلاة عليّ في يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة» 1019 رواه ابن ماجة.
قال: (ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً أو يرى فرجة فيتخطى إليها.
وعنه يكره).
أما كون غير الإمام ومن يرى فرجة لا يتخطى رقاب الناس.
والمراد به أنه يكره له ذلك فلما في التخطي من سوء الأدب والتأذي.
وقد «رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر رجلاً يتخطى رقاب الناس فقال له: اجلس فقد آنيت وآذيت» 1020 رواه أحمد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال 1021: «لأن أصلي بحر رمضاء أحب إليّ من أن أتخطى رقاب الناس» 1022.
الجزء: 1 - الصفحة: 559
وأما كون الإمام يتخطى رقاب الناس.
والمراد به أنه لا يكره له ذلك؛ فلأن مكانه متعين لا يمكنه الصلاة في غيره.
ولا يستحب له التبكير لأنه يُنتظر ولا يَنتظر.
وأما كون من يرى فرجة لا يكره له ذلك على روايةٍ؛ فلأن من قعد دونها بتأخره أسقط حقه من الاحترام وفوّت على نفسه الفضيلة فلا يفوتها على غيره.
وأما كونه يكره له ذلك على روايةٍ فلما فيه من الأذى لغيره.
وعن الإمام أحمد: إن تخطى الواحد والاثنين فلا بأس لأنه يسير.
وإن كثر كره لما فيه من الأذى الكثير.
قال: (ولا يقيم غيره فيجلس مكانه.
إلا من قدم صاحباً له فجلس في موضع يحفظه له.
وإن وجد مصلى مفروشاً فهل له رفعه؟ على وجهين).
أما كون المصلي لا يقيم غير صاحب له من مكانه فيجلس فيه؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُقيم الرجل يعني أخاه من مقعده ويجلس فيه» 1023 متفق عليه.
وأما كونه له أن يقيم صاحباً له جلس في موضع يحفظه له فـ «لأن ابن سيرين كان يفعل ذلك».
ولأنه قعد فيه يحفظه له ولا يحصل ذلك إلا بإقامته.
وأما كون من 1024 وجد مصلىً مفروشاً له رفعه على وجهٍ؛ فلأن المفروش لا حرمة له بنفسه والحاضر مسارع مبادر لفضيلة الصلاة فهو أولى من المتأخر.
وأما كونه ليس له رفعه؛ فلأنه كالنائب عنه.
ولأن في رفعه افتياتاً على صاحبه وتصرفاً في ملكه بغير إذنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 560
قال: (ومن قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه فهو أحق به.
ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما).
أما كون من قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه أحق بموضعه من غيره؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به» 1025 رواه مسلم.
وأما كون من دخل والإمام يخطب لا يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما؛ فلما روى جابر بن عبدالله «أن سُليكاً الغطفاني دخل يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس فقال: قم فصل ركعتين تجوز فيهما» 1026 متفق عليه.
قال: (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا له أو لمن كلمه.
ويجوز الكلام قبل الخطبة وبعدها.
وعنه يجوز فيها).
أما كون الكلام والإمام يخطب لا يجوز لغير الإمام وغير من كلمه على المذهب؛ فلقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: 204] قالت عائشة: «نزلت في الخطبة».
ولأن في الخطبة قرآناً.
ولما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلتَ لصاحبكَ يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصتْ فقد لغوت» 1027 متفق عليه.
وكلام المصنف رحمه الله يشمل من سمع الخطبة ومن لم يسمع لعموم الحديث.
ولأن عثمان رضي الله عنه قال: «أنصتوا فإن حظَّ المنصتِ الذي لم يسمع كحظّ المنصتِ السامع» 1028.
الجزء: 1 - الصفحة: 561
وأما كونه يجوز على روايةٍ فقياساً على الإمام وعلى من كلمه.
فإن قيل على الأول: لو سلم أحد على السامع ماذا يصنع؟
قيل: روي عن الإمام أحمد أنه يحرم الرد لما فيه من تفويت الإنصات.
ولأن المسلم أسقط حقه حيث سلم في موضع لا يرد عليه فيه.
أشبه ما لو سلم عليه في الصلاة.
وروي عنه أنه لا يحرم؛ لأن رد السلام واجب.
والخطبة لا تمنع الكلام الواجب بدليل ما لو رأى أعمى يتردى في بئر.
وحكم من يسمع همهمة الخطيب حكم من يسمع مفصلاً.
ومن لا يسمع شيئاً أصلاً يرد السلام.
ولو عطس إنسان فحكم التشميت حكم رد السلام.
وأما كونه يجوز للإمام ولمن كلمه فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كلم سُليكاً وكلمه هو ودخل وهو يخطب فقال: يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم هلك الكراع هلك الشاء فادع الله تعالى أن يسقينا ... وذكر الحديث» 1029 متفق عليه.
وأما كونه قبل الخطبة وبعدها يجوز؛ فلما روى ثعلبة بن مالك «أنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر.
فإذا سكت المؤذن وقام عمر لم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين.
فإذا قامت الصلاة وبرك عمر تكلموا».
الجزء: 1 - الصفحة: 562
باب صلاة العيدين
سمي العيد عيداً لأنه يعود كل سنة.
وقيل: لأنه يعود فيه السرور.
وروي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وللأنصار يومان يلعبون فيهما.
فقال: ما هذان اليومان؟ فقالوا: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية.
فقال: إن الله قد أبدلكم خيراً منهما: العيدين الفطرَ والأضحى» 1030.
والأصل فيهما الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: 2].
قيل في التفسير: أنها صلاة العيد.
وأما السنة فقد ثبت بالتواتر «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العيدين» 1031.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على مشروعيتهما في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي فرض على الكفاية.
إذا اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام).
أما كون صلاة العيد فرضاً على الكفاية؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده يداومون عليها.
ولأنها من شعائر الإسلام الظاهرة فكانت فرضاً على الكفاية كالجهاد.
الجزء: 1 - الصفحة: 563
وإنما لم تجب على الأعيان؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر للأعرابي خمس صلوات قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا» 1032.
وأما كون الإمام يقاتل أهل بلد اتفقوا على تركها؛ فلأنهم تركوا شيئاً من شعائر الإسلام الظاهرة فشرع للإمام أن يقاتلهم كتركهم الأذان.
قال: (وأول وقتها إذا ارتفعت الشمس.
وآخره إذا زالت.
فإن لم يَعلم بالعيد إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم).
أما كون أول وقت صلاة العيد إذا ارتفعت الشمس؛ فلما روى الحسن «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغدو إلى الأضحى والفطر حين تطلع الشمس فيتم طلوعها.
وكان يفتتح الصلاة وقت حضوره».
وروي «أنه كان يصلي والشمس على رؤوس الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال».
وأما كون آخره إذا زالت؛ فلأنها شاركت الضحى في أول وقتها فكذلك يجب أن تشاركها في آخره.
وأما كون الإمام يخرج من الغد ويصلي بالناس صلاة العيد إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال؛ فلما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن ركباً جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس.
فأمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم» 1033. رواه أبو داود.
قال: (ويسن تقديم الأضحى وتأخير الفطر.
والأكل في الفطر قبل الصلاة.
والإمساك في الأضحى حتى يصلي.
والغسل والتبكير إليها بعد الصبح ماشياً على
الجزء: 1 - الصفحة: 564
أحسن هيئة إلا المعتكف فإنه يخرج في ثياب اعتكافه أو إماماً يتأخر إلى وقت الصلاة.
وإذا غدا من طريق رجع في أخرى).
أما كون تقديم الأضحى وتأخير الفطر يسن؛ فلما روى عمرو بن حزم «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم الأضحى ويؤخر الفطر» 1034.
ولأن السنة إخراج الفطرة قبل الصلاة ففي تأخير الصلاة توسيع لوقتها.
ولا تجوز الأضحية إلا بعد الصلاة ففي تعجيلها مبادرة إلى الأضحية.
وأما كون الأكل في الفطر قبل الصلاة والإمساك في الأضحى حتى يصلي يسن؛ فلما روى بريدة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر.
ولا يَطعم يوم النحر حتى يصلي» 1035 رواه الترمذي.
وأما كون الغسل يسن فلما ذكر في الأغسال المستحبة.
وأما كون التبكير إلى صلاة العيد لغير الإمام يسن فليحصل له الدنو من موضع الإمام وانتظار الصلاة فيكثر ثوابه.
وأما كون المشي إليها يسن؛ فلأن علياً رضي الله قال: «من السنةِ أن تأتي العيدَ ماشياً» 1036 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
الجزء: 1 - الصفحة: 565
وأما كون حسن الهيئة لغير المعتكف يسن؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس برده الأحمر ويعتم في العيدين والجمعة (1») 1038 رواه ابن عبدالبر.
وأما كون المعتكف يسن له أن يخرج في ثياب اعتكافه؛ فلأن في ذلك إبقاء لأثر العبادة والنسك.
وأما كون الإمام يسن له أن يتأخر إلى وقت الصلاة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يفعل.
ولأن الإمام يُنتظر ولا يَنتظر.
وأما كون الرجوع من طريق غير التي غدا منها يسن؛ فلأن جابراً قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق» 1039 رواه البخاري.
قال: (وهل من شرطها الاستيطان، وإذن الإمام، والعدد المشترط للجمعة؟ على روايتين).
أما كون جميع ذلك من شرط صلاة العيد على روايةٍ؛ فلأنها صلاة بها خطبة راتبة.
أشبهت الجمعة.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وافق العيد في حجه ولم يصل.
وأما كون شيء من ذلك ليس من شرطها على روايةٍ؛ فلأنها صلاة لم ينقل إليها شيء من فرض.
فلم يعتبر فيها شيء من ذلك، كسائر الصلوات.
ولأنها تقضى بغير خلاف في المذهب مع عدم هذه الشرائط وما صح في القضاء صح في الأداء.
فعلى هذا يجوز إقامتها بغير إذن الإمام ويجوز إقامتها للمسافرين كسائر الصلوات.
وإنما لم يقمها النبي صلى الله عليه وسلم في حجه؛ لأنه اشتغل عنها بالمناسك لأنها أهم لأنها فرض عين، وصلاة العيد سنة في حق المسافر.1037
الجزء: 1 - الصفحة: 566
قال: (وتسن في الصحراء.
وتكره في الجامع إلا من عذر).
أما كون صلاة العيد تسن في الصحراء؛ فلما روى أبو سعيد الخدري «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها في الصحراء وكذلك الخلفاء بعده» 1040.
وأما كونها تكره في الجامع مع عدم العذر؛ فلأنه خلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل الخلفاء بعده.
وأما كونها لا تكره في الجامع لعذر من مطر ونحوه؛ فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد» 1041 رواه أبو داود.
قال: (ويبدأ بالصلاة.
فيصلي ركعتين: يكبر في الأولى بعد الاستفتاح وقبل التعوذ ستاً.
وفي الثانية بعد القيام من السجود خمساً.
يرفع يديه مع كل تكبيرة.
ويقول: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً.
وإن أحب قال غير ذلك).
أما كون إمام صلاة العيد يبدأ بالصلاة؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة وقت حضوره» 1042.
وأما كونه يصلي العيد ركعتين؛ فلما روى ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها» 1043 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 567
ولقول عمر رضي الله عنه: «صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى» 1044 رواه الإمام أحمد في المسند.
وأما كونه يكبر في الأولى ستاً وفي الثانية خمساً؛ فلما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «التكبير في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرتي الركوع» 1045 رواه أبو داود.
والسابعة في الأولى هي تكبيرة الإحرام وإنما جعلت من السبع لأنها في حال القيام بخلاف تكبيرة القيام فإنها قبله.
وأما كون تكبيرة الأولى بعد الاستفتاح؛ فلأن الاستفتاح يراد لابتداء الصلاة فكان في أولها كسائر الصلوات.
وأما كونه قبل التعوذ؛ فلما روى أبو سعيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ قبل القراءة» 1046.
ولأنه يراد للقراءة فينبغي أن تتعقبه القراءة.
وأما كون المصلي يرفع يديه مع كل تكبيرة؛ فلما روى عمر «أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد» 1047 رواه الأثرم.
الجزء: 1 - الصفحة: 568
وأما كونه يقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً؛ فلأنه متضمن حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين وذلك مطلوب لما روى عقبة بن عامر قال: «سألت عبدالله بن مسعود عما نقوله بعد تكبيرات العيد فقال: نحمد الله ونثني عليه ونصلي على النبي صلى الله عليه وسلم» 1048.
ولأنها تكبيرات في حال قيام فسن أن يتخللها ذكر؛ لأن المقصود يحصل منه.
وأما كونه يقول غير ذلك إذا أحب؛ فلأن الغرض الذكر بين التكبيرات لا ذكر مخصوص.
ولذلك لم يرد الشرع بذكر بعينه.
قال: (ثم يقرأ بعد الفاتحة في الأولى بسبح وفي الثانية بالغاشية.
ويجهر بالقراءة.
ويكون بعد التكبير في الركعتين.
وعنه يوالي بين القراءتين).
أما كون مصلي العيد يقرأ بعد الفاتحة في الأولى من صلاة العيدين بسبح والثانية الغاشية؛ فلما روى النعمان بن بشير قال 1049: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين والجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية ... مختصر» 1050 رواه مسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 569
ولأن فيها حثاً على الصدقة في قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى? وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: 14 - 15]. هكذا فسره سعيد بن المسيب وعمر بن عبدالعزيز.
وأما كونها يجهر بالقراءة فيها؛ فلأن الذين نقلوا عنه أنه كان يقرأ بسورةِ كذا سمعوه يقرأ بذلك جهراً.
وأما كون قراءته بعد التكبير في الركعتين على المذهب؛ فلما روى كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم كبّر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة» 1051 رواه الأثرم والترمذي.
وقال: هو حديث حسن.
وأما كونه يوالي بين القراءتين على روايةٍ؛ فلما روى أبو موسى «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في العيدين تكبيره على الجنازة ويوالي بين القراءتين» 1052 رواه أبو داود.
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التكبير في العيد [سبعاً] قبل القراءة وخمساً بعد القراءة» 1053 رواه الإمام أحمد.
قال: (فإذا سلم خطب خطبتين: يجلس بينهما.
يستفتح الأولى بتسع تكبيرات.
والثانية بسبع.
يحثهم في خطبة الفطر على الصدقة.
ويبين لهم ما يخرجون.
ويرغبهم في الأضحية في الأضحى.
ويبين لهم حكم الأضحية).
أما كون الإمام المذكور يخطب خطبتين؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
وأما كونه يجلس بينهما؛ فلما روي عن جابر قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فخطب قائماً ثم قعد قعدة ثم قام» 1054 رواه ابن ماجة.
ولأنهما كخطبتي الجمعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 570
وأما كونه يكبر فيهما؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان يفتتح خطبة العيد بالتكبير».
وأما كون التكبير تسعاً في الأولى وسبعاً في الثانية؛ فلما روى عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أنه قال: «من السنة أن يكبر في الأولى تسعاً وفي الثانية سبعاً» رواه سعيد.
وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه.
وأما كونه يحثهم في الفطر على الصدقة ويبين لهم ما يخرجون.
ويرغبهم في الأضحية في الأضحى ويبين لهم حكم الأضحية فليعلم الجاهل ويذكر العالم.
قال: (والتكبيرات الزوائد والذكر بينهما والخطبتان سنة.
ولا يتنفل قبل الصلاة ولا بعدها في موضعها).
أما كون التكبيرات الزوائد والذكر بينهما سنة؛ فلأن ذلك ذكرٌ بعد تكبيرة الافتتاح وقبل القراءة فكان سنة لا واجباً كالاستفتاح.
وأما كون الخطبتين سنة؛ فلأن عبدالله بن السائب قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد.
فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس.
ومن أحب أن يذهب فليذهب» 1055 رواه أبو داود وابن ماجة وهو مرسل.
ولو كانت الخطبة في العيد واجبة لوجب حضورها واستماعها كخطبة العيد.
وأما كون مصلي العيد لا يتنفل قبل الصلاة ولا بعدها؛ فلما تقدم من حديث ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها» 1056 متفق عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 571
وروي «أن علياً رضي الله عنه رأى قوماً يصلون قبل العيد.
فقال: ما كان هذا يُفعل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» 1057.
وأما قول المصنف رحمه الله: في موضعها؛ فمعناه من موضع تقام فيه.
صرح به أبو الخطاب.
قال: (ومن كبر قبل سلام الإمام صلى ما فاته على صفته.
وإن فاتته الصلاة استحب أن يقضيها على صفتها.
وعنه يقضيها أربعاً.
وعنه أنه مخير بين ركعتين وأربع).
أما كون من كبر قبل سلام الإمام يصلي ما فاته على صفته؛ فلأن صلاة العيد أصل بنفسها فتدرك بإدراك التشهد كسائر الصلوات.
ولعموم قوله عليه السلام: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» 1058.
وأما كون من فاتته الصلاة يستحب له أن يقضيها؛ فليتدارك بذلك ما فاته.
وأما كونه يقضيها على صفتها أي على صفة أدائها على روايةٍ؛ فـ «لأن أنساً رضي الله عنه كان إذا لم يحضر العيد مع الناس جمع أهله وولده وصلى بهم ركعتين» 1059.
ولأنها صلاة يتوالى فيها التكبير حال القيام، فإذا فاتت قُضيت على صفتها كصلاة الجنازة على القبر.
ولأنه قضاء صلاة فكان على صفتها كسائر الصلوات.
وأما كونه يقضيها أربعاً على روايةٍ؛ فـ «لأن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقضيها أربعاً» 1060.
الجزء: 1 - الصفحة: 572
قال أحمد: ويقوي هذا عندي ما روي عن علي رضي الله «أنه كان يستخلف على ضعفة الناس من يصلي بهم في المسجد أربعاً» 1061.
ولأنها صلاة شرع لها الجمع والخطبة أشبهت صلاة الجمعة.
وأما كونه مخيراً بين ركعتين وأربع على روايةٍ؛ فلعموم أدلة الروايتين قبل.
قال: (ويسن التكبير في ليلتي العيدين وفي الأضحى.
يكبر عقيب كل فريضة في جماعة.
وعنه: أنه يكبر وإن كان وحده من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق إلا المحرم فإنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر).
أما كون التكبير يسن في ليلتي العيدين؛ فلقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: 185].
و«كان علي رضي الله عنه يكبر حتى يسمع أهل الطريق» 1062.
وأما كون التكبير في الأضحى لغير المحرم من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق؛ [فلما روى جابر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم عرفة.
ثم أقبل علينا.
فقال: الله أكبر.
ومد التكبير إلى آخر أيام التشريق» 1063. رواه الأثرم.
وقيل للإمام أحمد رحمه الله: بأي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ ] 1064 قال: بإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم.
وأما كون المحرم يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق؛ فلأن المحرم قبل ذلك مشتغل بالتلبية.
الجزء: 1 - الصفحة: 573
وأما كون التكبير المسنون مختصاً بمن يصلي جماعة على المذهب فـ «لأن ابن عمر رضي الله عنهما كان لا يكبر إذا صلى 1065 وحده».
وقال ابن عباس: «إنما التكبير على من صلى جماعة» رواه ابن المنذر.
ولأنه ذكر مختص بوقت العيد فاختص بالجماعة كالخطبة.
وأما كونه يسن عقيب الفريضة وإن صلى وحده على روايةٍ؛ فلأنه ذكر مشروع للمسبوق أشبه التسليمة الثانية.
قال: (وإن نسي التكبير قضاه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد).
أما كون من نسي التكبير يقضيه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد؛ فلأن فيه استدراكاً لما فات وتحصيلاً للمصلحة المسنونة السالمة عن معارضة ما يأتي بعد.
وأما كونه لا يقضيه إذا أحدث؛ فلأن الحدث مبطل للصلاة فالتكبير التابع لها بطريق الأولى.
وأما كونه لا يقضيه إذا خرج من المسجد؛ فلأن الفصل طال وهي سنة فات محلها.
ولأنه ذكر متصل بالصلاة فمنع الخروجُ من المسجد قضاءه كسجود السهو.
قال: (وفي التكبير عقيب صلاة العيد وجهان.
وصفة التكبير شفعاً: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد).
أما كون التكبير عقيب صلاة العيد يسن في وجه.
قال ابن عقيل: الأشبه بالمذهب ذلك؛ فلأنها صلاة مفروضة مؤقتة أشبهت الصلاة المفروضة.
وأما كونه لا يسن في وجه قال أبو الخطاب: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه؛ فلأنها ليست فرض عين أشبهت سائر السنن.
وأما كون صفة التكبير كما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأن جابراً روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر اثنتين».
ولأن ابن المنذر رواه عن عمر وابن مسعود.
الجزء: 1 - الصفحة: 574
باب صلاة الكسوف
الخسوف والكسوف واحد.
وقيل: الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
والصلاة لهما سنة.
والأصل فيهما قوله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن﴾ [فصلت: 37].
وجه الدلالة: أنه نهى عن السجود لغير الله ولم يذكر السجود لله عند شيء من الآيات إلا عند ذكر الشمس والقمر فاقتضى ذلك السجود لله عند حدوث معنى في هاتين.
وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بفعله.
قال المصنف رحمه الله: (وإذا كسفت الشمس أو القمر فَزِع الناس إلى الصلاة جماعة وفرادى بإذن الإمام وغير إذنه).
أما كون الناس يفزعون إلى الصلاة إذا كسفت الشمس؛ فلأن عائشة رضي الله عنها روت: «كُسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه وصلى» 1066.
وسيأتي صفتها إن شاء الله تعالى.
وأما كونهم يفزعون إذا كسف القمر؛ فلما روى الحسن البصري قال: «كسف القمر وابن عباس بالبصرة فصلى بنا ركعتين وخطبنا».
وفي روايةٍ وقال: «إني لم أبتدع هذه الصلاة بدعة وإنما فعلت لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل».
الجزء: 1 - الصفحة: 575
ولأنه أحد الكسوفين فسن له فزع الناس إلى الصلاة كالآخر.
وأما كون الصلاة المذكورة جماعة فلما ذكر قبل.
وأما كونها فرادى؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتموها فقوموا فصلوا» 1067 متفق عليه.
ولأنها نافلة ليس من شرطها الاستيطان فلم يشترط لها الجماعة كسائر النوافل.
وأما كونها بإذن الإمام وبغير إذنه؛ فلأنها نافلة وإذن الإمام ليس شرطاً في النوافل.
قال: (وينادى لها: الصلاة جامعة.
ثم يصلي ركعتين: يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة طويلة.
ويجهر بالقراءة.
ثم يركع ركوعاً طويلاً.
ثم يرفع فيسمع ويحمد.
ثم يقرأ الفاتحة وسورة.
ويطيل وهو دون القيام الأول.
ثم يركع فيطيل وهو دون الركوع الأول.
ثم يرفع.
ثم يسجد سجدتين طويلتين.
ثم يقوم إلى الثانية فيفعل مثل ذلك.
ثم يتشهد ويسلم).
أما كون الصلاة المتقدم ذكرها ينادى لها الصلاة جامعة؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث منادياً فنادى: الصلاة جامعة ... مختصر» 1068 متفق عليه.
وأما كون صفتها كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «خُسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فخرج إلى المسجد.
فقام فكبر وصف الناس وراءه.
فاقترأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة.
ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً.
ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك 1069 الحمد.
ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى.
ثم كبر فركع ركوعاً هو أدنى من الركوع الأول.
ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد.
ثم سجد.
ثم فعل في
الجزء: 1 - الصفحة: 576
الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات فانجلت الشمس» 1070 متفق عليه.
وأما كون مصليها يجهر بالقراءة فيها؛ فلأن عائشة رضي الله عنها روت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف» 1071 رواه مسلم.
وأما كونه يطيل السجود؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فلم يكد يرفع رأسه» 1072 رواه أبو داود.
وفي حديث آخر: «ما سجد سجوداً كان أطول منها» 1073 رواه البخاري.
فإن قيل: لم لم يقدر المصنف رحمه الله طول السورة؟
قيل: نظراً إلى الإطلاق في الحديث حيث قالت: «فاقترأ قراءة طويلة» 1074.
وقدّرها أصحابنا في القيام الأول بالبقرة، وفي الثاني بآل عمران، وفي الثالث بالنساء، وفي الرابع بالمائدة؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قام قياماً طويلاً نحو من قراءة سورة البقرة» 1075.
ولأن ابن عباس رضي الله عنهما: «لما صلى بالبصرة قرأ في الأول بالبقرة، وفي الثاني بآل عمران، وفي الثالث بالنساء، وفي الرابع بالمائدة».
قال الإمام أحمد رضي الله عنه: أصح حديث في الباب حديث ابن عباس وعائشة.
الجزء: 1 - الصفحة: 577
قال: (فإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة.
وإن تجلى قبلها أو غابت الشمس كاسفة أو طلعت والقمر خاسف لم يصل).
أما كون مصلي صلاة الكسوف يتمها خفيفة إذا تجلى الكسوف فيها: أما الإتمام؛ فلئلا يقطع الصلاة وهو منهي عن قطعها بقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: 33].
وأما التخفيف؛ فلزوال السبب.
وأما كونه لا يصليها إذا تجلى الكسوف قبل ذلك؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة حتى تنجلي» 1076. جعل الانجلاء غاية للصلاة.
ولأن المقصود من الصلاة زوال العارض وإعادة النعمة بضوئهما فإذا حصل ذلك حصل مقصود الصلاة.
وأما كونه لا يصليها إذا غابت كاسفة أو طلعت والقمر خاسف؛ فلأنه ذهب وقت الانتفاع بهما.
قال: (وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع فلا بأس).
أما كون من أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات لا بأس؛ فلأن ابن عباس روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ست ركعات وأربع سجدات» 1077 رواه مسلم.
وأما كون من أتى في كل ركعة بأربع لا بأس؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم 1078.
الجزء: 1 - الصفحة: 578
والمختار الأول؛ لأنه أصح وأشهر.
قال: (ولا يصلي لشيء من سائر الآيات إلا الزلزلة الدائمة).
أما كونه لا يصلي لشيء من سائر الآيات ما عدا المستثنى؛ فلأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه رضوان الله عليهم فعل ذلك مع أنهم وُجد في زمانهم آيات منها: انشقاق القمر، وهبوب الرياح والصواعق.
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا هبت ريح شديدة اصفر لونه.
وقال: اللهم! اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» 1079.
وإنما قال ذلك لأن الرياح جعلها الله نعمة فقال: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات﴾ [الروم: 46].
والريح نقمة فقال: ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً﴾ [الأحزاب: 9].
والمعنى اللهم! اجعل 1080 ذلك سبب خير ولا تجعله سبب شر.
وأما كونه يصلي للزلزلة الدائمة؛ فـ «لأن ابن عباس رضي الله عنه صلى لها بالبصرة».
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم علل صلاة الكسوف بأنه آية يخوف الله بها عباده.
والزلزلة الدائمة أشد تخويفاً فيلحق بالكسوف دون سائر الآيات للشدة.
ولأنها من جنس الكسوف؛ لأن منفعة الأرض تحصل بسبب الأرض والشمس بخلاف بقية الآيات.
الجزء: 1 - الصفحة: 579
باب صلاة الاستسقاء
الاستسقاء: استفعال من السقي وطلب له.
والمصلي طالب لذلك.
وهي مسنونة.
والأصل فيها فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها وكذلك الخلفاء بعده.
قال المصنف رحمه الله: (وإذا أجدبت الأرض وقحط المطر فزع الناس إلى الصلاة.
وصفتها في موضعها.
وأحكامها صفة صلاة العيد).
أما كون الناس يفزعون إلى صلاة الاستسقاء؛ فلما تقدم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك والخلفاء بعده.
وأما كون صفتها في موضعها وأحكامها صفة صلاة العيد؛ فلأنها في معناها ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: «سنة الاستسقاء سنة العيدين» 1081.
فعلى هذا يسن أن تكون في الصحراء.
وأن يصلي ركعتين يكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً.
وأن يصلي من غير إذن ولا إقامة.
وأن يجهر فيها بالقراءة.
ويقرأ بعد الفاتحة بسبح وهل أتاك حديث الغاشية ونحو ذلك.
أما كونها تسن في الصحراء؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيمها في الصحراء» 1082.
ولأنها يسن لها الاجتماع من أهل القرى والأمصار فشرعت في الصحراء كالعيد.
ولأن ذلك أوسع وأرفق بالناس لكثرتهم.
ولينظروا ما يبدو من السحاب ويجيء من المطر.
الجزء: 1 - الصفحة: 580
وأما كونها تصلى ركعتين يكبر فيها كالعيد؛ فلأن ابن عباس رضي الله عنهما روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين كما يصلي في العيد» 1083 قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقد روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه: لا يكبر فيها بل يصلي كصلاة التطوع لأن عبدالله بن زيد قال: «استسقى النبي صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين» 1084 رواه البخاري.
ولم يذكر التكبير.
والأول أصح؛ لأن رواية عبدالله مطلقة مجملة ورواية ابن عباس مبينة مقيدة، والمطلق المجمل يحمل على المقيد المبين.
ولأنه روى جعفر بن محمد عن أبيه «أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعاً وخمساً» 1085 رواه الشافعي في مسنده.
وأما كونها تصلى من غير أذان ولا إقامة؛ فلما روى أبو هريرة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ... مختصر» 1086 رواه الأثرم وابن ماجة.
وأما كونها يجهر فيها؛ فلحديث ابن عباس.
وروى عبدالله بن زيد: «ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» 1087 رواه البخاري.
وأما كونها يقرأ فيها بسبح وهل أتاك؛ فلحديث ابن عباس.
الجزء: 1 - الصفحة: 581
وفي حديث عبدالله بن زيد: «ثم صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد وقرأ فيهما ما يقرأ في العيد: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: 1] و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: 1]» 1088 متفق عليه.
ورواه ابن قتيبة أيضاً في غريب الحديث.
قال: (وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم والصيام والصدقة وتركِ التشاحن.
ويَعدهم يوماً يخرجون فيه).
أما كون الإمام يعظ الناس إذا أراد الخروج؛ فلأنه سبب لرقة قلوبهم ووسيلة إلى امتثالهم ما يقول.
وأما كونه يأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم؛ فلأن ذلك من الواجبات.
ولأن المعاصي والظلم سبب للقحط.
والتقوى سبب للبركات قال الله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض﴾ [الأعراف: 96].
وأما كونه يأمرهم بالصيام؛ فلأن الصوم وسيلة إلى نزول الغيث؛ لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «دعوة الصائم لا ترد» 1089.
ولأن في الصوم كسر الشهوة وحضور القلب والتذلل للرب.
وأما كونه يأمرهم بالصدقة؛ فلأنها متضمنة للرحمة المفضية إلى رحمتهم بنزول الغيث.
وأما كونه يأمرهم بترك التشاحن؛ فلأن التشاحن ربما منع نزول الخير.
ومنه قوله عليه السلام: «خرجتُ لأعلمكم بليلة القدر فتلاحى رجلان فرفعت» 1090.
الجزء: 1 - الصفحة: 582
ولأن التشاحن يُخرج غالباً إلى المعصية والبهت.
وقد تقدم أن ذلك يُطلب عدمه وأنه سبب للقحط.
وأما كونه يَعِدُهُم يوماً ومعناه يعين لهم اليوم الذي يخرج فيه إلى الاستسقاء فليتهيئوا للخروج على الصفة المسنونة.
وفي الحديث «أن النبي صلى الله عليه وسلم وعد الناس يوماً يخرجون فيه» 1091 رواه أبو داود.
قال: (ويتنظف لها.
ولا يتطيب.
ويخرج متواضعاً متخشعاً متذللاً متضرعاً ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ).
أما كون الخارج إلى الاستسقاء يتنظف لصلاته.
والمراد به أنه يسن له إزالة الرائحة وتقليم الأظفار وما أشبه ذلك لأجل الصلاة فلئلا يؤذي الناس.
ولأنه يوم يجتمع له الناس أشبه الجمعة.
وأما كونه لا يتطيب؛ فلأن يوم الاستسقاء يوم استكانة وخضوع.
وأما كونه يخرج على الصفة المذكورة؛ فلما روى ابن عباس «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متبذلاً متخشعاً متواضعاً متضرعاً حتى أتى المصلى ... مختصر» 1092 قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأما كونه يخرج ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ؛ فلأن ذلك أسرع لإجابتهم.
وجاء في الحديث: «إن الله يستحيي أن يرد دعوة ذي الشيبة في الإسلام» 1093.
الجزء: 1 - الصفحة: 583
وفي آخر: «إذا بلغ العبد ثمانين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» 1094.
قال: (ويجوز خروج الصبيان.
وقال ابن حامد: يستحب).
أما كون خروج الصبيان يجوز فلا خلاف فيه؛ لأن الرزق مشترك بينهم وبين الرجال.
وأما كونه لا يستحب على المذهب؛ فلأنهم غير مكلفين فلم يستحب إخراجهم وإن كان لهم حظ في الرزق كالبهائم.
وأما كونه يستحب على قول ابن حامد؛ فلأنه روي: «لولا أطفال رُضّع.
وشيوخ ركع.
وبهائم رُتّع لصب عليكم العذاب صبا» 1095.
ولأنهم لا ذنوب لهم فيكون دعاؤهم مستجاباً كالمشايخ.
والأول أولى؛ لما ذكر.
والحديث لا يدل على الاستحباب.
وإلا لزام استحباب خروج البهائم.
وعدم الذنب مع عدم التكليف لا أثر له بدليل البهيمة.
قال: (وإن خرج أهل الذمة لم يمنعوا.
ولم يختلطوا بالمسلمين).
أما كون أهل الذمة إذا خرجوا إلى الاستسقاء لا يمنعون؛ فلأنه خروج إلى طلب الرزق والله تعالى ضمن أرزاقهم كما ضمن أرزاق المسلمين.
وأما كونهم لا يختلطون بالمسلمين؛ فلأنهم كفار عصاة فربما نزل عليهم أذى فعم المسلمين.
وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا
الجزء: 1 - الصفحة: 584
منكم خاصة} [الأنفال: 25].
فإذا لم يختلطوا اختص نزول العذاب بهم ولهذا جعلت مقابرهم منفردة عن المسلمين.
قال: (فيصلي بهم.
ثم يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد.
ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به).
أما كون الإمام في الاستسقاء يصلي بالناس؛ فلما تقدم ذكره.
وأما كونه يخطب خطبة واحدة؛ فلأنه لم ينقل عن النبي عليه السلام أنه خطب في الاستسقاء أكثر من واحدة.
وأما كونه يخطب بعد الصلاة؛ فلأن أبا هريرة رضي الله عنه قال: «صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم ثم خطبنا ... مختصر» 1096 رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
ولأنها صلاة ذات تكبير فكانت خطبتها بعد الصلاة كالعيد.
وعن الإمام أحمد: أنه يخطب قبل الصلاة لقول عبدالله بن زيد: «فتوجه إلى القبلة يدعو وحوّل رداءه ثم صلى» 1097 متفق عليه.
وعنه: أنه مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها لأن الجميع مروي.
وعنه: لا خطبة لها لقول ابن عباس رضي الله عنهما: «فلم يخطب خطبتكم هذه.
ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع» 1098 رواه النسائي وابن ماجة.
والأول هو الصحيح؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة: «صلى ثم خطبنا» 1099. وثم للترتيب.
الجزء: 1 - الصفحة: 585
والجواب عن حديث عبدالله بن زيد أنه ليس فيه تصريح بالخطبة قبل الصلاة.
وإنما قال: «دعا».
وعن قول ابن عباس: «فلم يخطب خطبتكم هذه» 1100 أنه نفى الصفة لا أصل الخطبة.
والمعنى أنه كان جُلُّ خطبته الدعاء والتضرع والتكبير.
وأما كونه يفتتح الخطبة بالتكبير؛ فلأنه يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء كما صنع في العيدين» 1101.
وأما كونه يكثر فيها من الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به مثل قوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً? يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ [نوح: 10 - 11]. وقوله تعالى: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود: 3]؛ فلأن الاستغفار سبب لنزول المطر؛ لما تقدم من الآية.
ولأنه يروى عن عمر رضي الله عنه «أنه استسقى فلم يزد على الآيات.
فقيل له.
فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي ينزل بها الغيث» 1102.
وعن علي رضي الله عنه: «عجبت من يبطئ عنه الرزق ومعه مفاتيحه.
قيل: وما مفاتيحه؟ قال: الاستغفار» 1103.
الجزء: 1 - الصفحة: 586
قال: (ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم! اسقنا غيثاً مُغيثاً هنيئاً مريئاً غَدَقاً مُجَلّلاً سَحاًّ عاماًّ طَبقاً دائماً.
اللهم! اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم! سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق.
اللهم! إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك.
اللهم! أنبت لنا الزرع وَأَدِرَّ لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك.
اللهم! ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك.
اللهم! إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدراراً).
أما كون المستسقي يسن له أن يرفع يديه في دعاء الاستسقاء؛ فلما روى أنس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه لشيء من الدعاء إلا في الاستسقاء يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه» 1104 متفق عليه.
وأما كونه يسن له أن يدعو بما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استسقى قال: اللهم! اسقنا غيثاً مُغيثاً هنيئاً مريئاً مَريعاً غَدقاً مُجَلّلاً طبقاً سَحّاً دائماً.
اللهم! اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم! إن بالبلاد والعباد من اللأواء والضنك والجهد ما لا نشكوه إلا إليك.
اللهم! أنبت لنا الزرع وأَدِرَّ لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك.
اللهم! ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك.
اللهم! إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علينا مدراراً» 1105.
الجزء: 1 - الصفحة: 587
وروى المطلب بن حنطب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم! سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق ... مختصر» 1106 رواه الشافعي في مسنده وهو مرسل.
فإن قيل: ما معنى هذه الألفاظ؟
قيل: الغيث مصدر.
سمي به المطر.
والغيث المجيء بإذن الله تعالى.
يقال: غاث الله الأرض إذا أَنزل عليها المطر.
وإغاثة الله إذا أجاب غُواثه بالضم.
والفتح للغين أي أزال شكواه بالمطر.
والهنيء: الذي يحصل من غير مشقة.
والمريء: السهل النافع.
والمرتع: المقيم.
من قولك: رتعت بمكان كذا إذا أقمت فيه.
وروي مُريعاً وهو فعل من المرع وهو الخصب.
ويروى مربعاً من ربعت الإبل إذا رعت.
والغدق: الكثير القطر.
والمجلل: السحاب الذي يعم الأرض بالمطر.
فكنى هنا بالسحاب عن المطر الذي يعم.
والطبق: الذي يطبق الأرض.
والسح: الغيث والدائم المتصل إلى أن يحصل الخصب.
والقانط: الآيس.
واللأواء: الشدة.
والضنك: الضيق.
والجهد: بالضم والفتح المشقة.
وقيل: بالفتح البلاء وبالضم الطاقة.
والمدرار: الدائم إلى وقت الحاجة.
الجزء: 1 - الصفحة: 588
قال: (ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة.
ويحول رداءه فيجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن.
ويفعل الناس كذلك ويتركونه حتى ينزعوا مع ثيابهم).
أما كون الإمام يسن له أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة وأن يحول رداءه؛ فلما روى عبدالله بن زيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي.
فحوّل إلى الناس ظهره.
واستقبل القبلة يدعو.
ثم حوّل رداءه» 1107 رواه البخاري.
وأما كونه يجعل الأيمن منه على الأيسر والأيسر على الأيمن؛ فلأن في روايةٍ: «حول رداءه فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، [وجعل عِطافه الأيسر] 1108 على عاتقه الأيمن» 1109 رواه أبو داود.
قال أبو عبيد: إنما يفعل ذلك لتغير الحال وانتقاله من الجدب إلى الخصب.
وأما كون الناس يفعلون ذلك كالإمام؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله.
وقال الله تعالى: ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف: 158].
ولأنه روي: «ثم تحول إلى القبلة وحول رداءه فقلبه ظهراً لبطن وتحول الناس معه» 1110.
ولأن ما ثبت في حقه ثبت في حقنا ما لم يقم دليل على تخصيصه.
وأما كونهم يترك كل واحد منهم رداءه على حاله حتى ينزعوه مع ثيابهم؛ فلأنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحداً من الصحابة رد رداءه إلى الحالة التي كان عليها قبل خلع ثيابه.
قال: (ويدعو سراً حال استقبال القبلة.
فيقول: اللهم! إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا).
الجزء: 1 - الصفحة: 589
أما كون المستسقي يدعو حال استقبال القبلة؛ فلأن البخاري ذكره في حديث عبدالله بن زيد 1111.
وليجمع بين الدعاء سراً وجهراً كما فعل نوح صلى الله عليه وسلم 1112.
ولقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ [الأعراف: 55].
وأما كونه يقول: اللهم! إنك أمرتنا إلى آخره؛ فلأن في ذلك استنجازاً لما وعد من فضله حيث قال: ﴿إني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: 186].
قال: (فإن سقوا وإلا عادوا ثانياً وثالثاً.
وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله تعالى وسألوه المزيد من فضله).
أما كون المستسقين يعودون ثانياً وثالثاً إذا لم يسقوا؛ فلأن الله عز وجل يحب الملحين في الدعاء.
ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فاستحب ثانياً وثالثاً كالأول.
وأما كونهم يشكرون الله ويسألونه المزيد من فضله إذا سقوا 1113 قبل الخروج؛ فلأنهم إذا فعلوا ذلك زادهم الله من فضله لقوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم: 7].
وقوله: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: 60].
وظاهر كلام المصنف رحمه الله: أنهم لا يصلون؛ لأن الشكر حقيقة في القول لا الفعل.
وإنما لم تستحب الصلاة حينئذ؛ لأن الصلاة تراد لنزول المطر وقد وجد.
ولأن التشاغل بغير الصلاة يستحب؛ لما يأتي.
الجزء: 1 - الصفحة: 590
ونص المصنف رحمه الله في غير هذا وغيره من الأصحاب على أنهم إن سقوا قبل الخروج يصلوا شاكرين لأن الصلاة شرعت لزوال العارض من الجدب وذلك لا يحصل بمجرد النزول فلذلك تستحب الصلاة ليديم الله عليهم ذلك.
ويؤيد قول المصنف رحمه الله أنهم لا يقتصرون على الشكر والدعاء: أن التشاغل بالدعاء عند نزول المطر مستحب؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اطلبوا استجابة الدعاء عند ثلاث: عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث» 1114.
وعن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: صَيِّباً نافعاً» 1115 رواه البخاري.
قال: (وينادى لها الصلاة جامعة.
وهل من شرطها إذن الإمام؟ على روايتين).
أما كون صلاة الاستسقاء ينادى لها الصلاة جامعة؛ فلقول ابن عباس رضي الله عنه: «سنة الاستسقاء سنة العيد» 1116.
ولأن كل صلاة شرع فيها الجهر والاجتماع والخطبة ولم يسن لها أذان سن لها النداء؛ لما ذكر.
وأما كونها ليس من شرطها إذن الإمام على روايةٍ؛ فلأن صلاة الاستسقاء نافلة فلم يكن من شرطها إذن الإمام كبقية النوافل.
وأما كونها من شرطها ذلك على روايةٍ؛ فبالقياس على اشتراطه في العيد على روايةٍ.
فعلى هذا إذا خرجوا بغير إذن الإمام دعوا وانصرفوا بلا صلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 591
قال: (ويستحب أن يقف في أول المطر ويخرج رحله وثيابه ليصيبها).
أما كون المستسقي يستحب له أن يقف في أول المطر؛ فلما روى أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر عن لحيته» 1117 رواه البخاري.
ولأنه قريب العهد من الله فاستحب الوقوف فيه ليصيب الواقف فيه من بركته.
وأما كونه يستحب له أن يُخرج رحله وثيابه ليصيبها ذلك؛ فلما روي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزع ثيابه في أول المطر إلا الإزار يتزر به» 1118.
و«لأن ابن عباس رضي الله عنه كان يأمر غلامه إذا كان المطر في أوله بإخراج رحله وفراشه ليصيبه المطر ويقول: إنه قريب عهد بالله عز وجل».
قال: (وإذا زادت المياه فخيف منها استحب أن يقول: اللهم! حوالينا ولا علينا.
اللهم! على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ... الآية﴾ [البقرة: 286]).
أما كون من خاف من زيادة المياه يستحب له أن يقول: اللهم! حوالينا ... إلى ومنابت الشجر؛ فلما روى أنس رضي الله عنه قال: «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم! على ظهور الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر.
فانجابت عن المدينة انجياب الثوب» 1119 متفق عليه.
وفي حديث آخر: «اللهم! حوالينا ولا علينا» 1120.
الجزء: 1 - الصفحة: 592
وأما كونه يستحب له أن يقول: ﴿ربنا ولا تحملنا ... إلى آخر الآية﴾ [البقرة: 286]؛ فلأنه قول لائق بالحال فاستحب قوله كسائر الأقوال اللائقة بمحالّها.
الجزء: 1 - الصفحة: 593