الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3كتاب الشهادات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأصل في الشهادة الكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدَيْن من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: 282]. وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: 2].
وقوله: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: 282]. وأما السنة؛ فما روى وائل بن حجر قال: «جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا غلبني على أرضي.
فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي وليس له فيها حق.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا.
قال: فلك يمينه ... مختصر» 1. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البينةُ على المدعِي واليمينُ على المدعَى عليه» 2. قال الترمذي: في إسناده مقال، والعملُ عليه عند أصحاب العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم.
وأما الإجماع؛ فأجمع أهل العلم على مشروعيتها وإن اختلفوا في مسائل منها.
وأما المعنى؛ فلأن الحاجة داعية إلى الشهادة؛ لحصول التجاحد بين الناس.
قال المصنف رحمه الله: (تحمّل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية، إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين.
وإن لم يقم بها من يكفي تعينت على من وجد.
قال الخرقي: ومن لزمته الشهادة فعليه أن يقوم بها على القريب والبعيد، لا يسعُه التخلف عن إقامتها وهو قادر على ذلك).
أما كون تحمّل الشهادة فرضاً؛ فلأنه لو لم يكن فرضاً لامتنع الناس من التحمّل فيؤدي إلى ضياع حقوق الناس.

الجزء: 4 - الصفحة: 623

وأما كونه فرضاً على الكفاية؛ فلأن الحاجة المذكورة تندفع بشهادة من تقوم به الكفاية.
وأما كونه إذا قام بها من يكفي يسقط عن الباقين وإذا لم يقم بها من يكفي يتعين على من وجد؛ فلأن هذا شأن فرض الكفاية.
وأما كون الأداء فرضاً على الكفاية؛ فلما ذكر في التحمل.
فعلى هذا حكمه حكمُه.
وأما كونه فرض عين على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا﴾ [البقرة: 282]، وقال تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبه﴾ [البقرة: 283]. ولأن الشهادة أمانة.
فلزم أداؤها عند طلبها؛ كالوديعة، ولقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: 58].
وقول المصنف رحمه الله: قال الخرقي ... إلى آخره؛ تنبيه على هذه الرواية.
وقال صاحب المستوعب فيه: ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله أنه فرض عين؛ لعموم القرآن.
يعني ما تقدم من الآيات.
قال: (ولا يجوز لمن تعينت عليه أخذ الأجرة عليها، ولا يجوز ذلك لمن لم تتعين عليه في أصح الوجهين).
أما كون أخذ الأجرة لا يجوز لمن لم تتعين عليه في أصح الوجهين؛ فلأنه أخذ أجرة عن فرض؛ لأن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منهم فرضاً.
وأما كونه يجوز في وجه؛ فلأن النفقة على عياله فرض عين.
فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: من له كفاية ليس له أخذ الجُعل -يعني الأجرة -، ومن ليس له كفاية ولا تعينت عليه احتمل ذلك -يعني الجواز-، واحتمل أن لا يجوز.
قال: (ومن كانت عنده شهادة في حدٍّ لله أُبيح إقامتها ولم تستحب، وللحاكم أن يُعَرِّض لهم بالوقوف عنها في أحد الوجهين.
ومن كانت عنده شهادة لآدمي

الجزء: 4 - الصفحة: 624

يعلمها لم يُقمها حتى يسأله، فإن لم يعلمها استحب له إعلامه بها، وله إقامتها قبل ذلك).
أما كون من كانت عنده شهادة في حدٍّ من حدود الله تعالى يباح له إقامتها؛ فـ «لأن أبا بكرة وأصحابه والجارود وأبا هريرة أقاموا الشهادة على قدامة بن مظعون بشُرب الخمر» 3. وفي تخصيص الشهادة المذكورة بالإباحة تنبيه على أن أداءها غير واجب؛ لأنها شهادة لا يستحب إقامتها؛ لما يأتي.
فلأن لا يجب بطريق الأولى.
وأما كون إقامتها لا تستحب؛ فلأن الستر مندوب إليه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سترَ مسلماً سترهُ اللهُ في الدنيا والآخرة» 4. وأما كون الحاكم له أن يُعَرِّض للشهود بالوقوف عن الشهادة المذكورة في وجه؛ فلأن التعريض للشهود بالرجوع كالتعريض للفاعل بالرجوع عن إقراره وذلك جائز؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرّض في قضية ماعز» 5. وقال لسارق: «ما إخالُكَ سرقت» 6 وفي رواية: «قل: لا» 7. فليكن التعريض للشهود جائزاً؛ لأنه في معناه.
ولأن عمر قال في قضية المغيرة لما شهد عليه ثلاثة وجاء الرابع: «ما تقول يا شيخ؟ »، وفي لفظ آخر: «يا شيخ العقاب».

الجزء: 4 - الصفحة: 625

وأما كونه ليس له ذلك في وجه؛ فلأن ذلك حق من الحقوق.
فلم يجز للحاكم التعريض فيه للشهود بالرجوع؛ كحق الآدمي.
وأما كون من كانت عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يُقمها حتى يسأله؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيرُ الناس قَرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
ثم يأتي قومٌ يَنذرونَ ولا يُوفون، ويَشهدونَ ولا يُستشهدون، ويخونونَ ولا يُؤتمنون» 8. رواه البخاري.
ولأن أداءها حق لآدمي.
فلا تستوفى إلا برضاه؛ كسائر حقوقه.
وأما كونه يستحب له إعلام صاحب الحق بالشهادة التي له؛ فلأن ذلك تنبيهاً على حقه.
وأما كونه له إقامتها قبل إعلامه بها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكمْ بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبلَ أن يُسألها» 9. رواه أبو داود.
فإن قيل: الحديث مطلق فيمن معه شهادة علم بها صاحبها أو لم يعلم.
قيل: الحديث الأول دل على المنع من الشهادة قبل أن يُستشهد بها.
فيجب حمل الحديث هنا على شهادة لا يعلم بها صاحبها؛ لأن فيه جمعاً بين الحديثين.
قال: (ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه برؤية أو سماع.
والرؤية تختص بالأفعال؛ كالقتل والغصب والسرقة وشرب الخمر والرضاع والولادة وغيرهما.
والسماع على ضربين: سماع من المشهود عليه نحو: الإقرار والعقود والطلاق والعتاق، وسماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك؛ كالنسب والموت والملك والنكاح والخلع والوقف ومصرفه والعتق والولاء والولاية والعزْل وما أشبه ذلك).
أما كون الشاهد لا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تقفُ ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: 36]، وفي الحديث عن ابن عباس قال: «سُئلَ

الجزء: 4 - الصفحة: 626

رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة.
فقال: هل ترى الشمس؟ قال: نعم.
قال: على مثلها فاشهدْ أو دَعْ» 10. رواه الخلال في الجامع بإسناده.
ولأن الشهادة بغير علم رجم بالغيب وذلك حرام.
وأما كون ما يُعلم تارة برؤية، وتارة بسماع؛ فلأنهما من الحواس الخمس الموجبة للعلم.
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هل ترى الشمس» 11 إشارة إلى الرؤية، والسماع كالرؤية.
وإنما لم يذكر بقية الحواس كالشم والذوق واللمس؛ لأنها ليست طريقاً في الشهادة.
ولأنها لا حاجة إلى شيء منها في الأغلب.
وأما كون الرؤية تختص بالأفعال كما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأن المسموع لا يُرى.
وأما كون السماع على ضربين؛ فلأنه تارة يكون من المشهود عليه؛ مثل: أن يقرّ أن لفلان عليه دَيناً أو قصاصاً، أو استأجر منه داره، أو اشترى منه ثوبه أو ما أشبه ذلك، وتارة من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك.
والكلام فيه في موضعين: أحدهما: في كون الاستفاضة طريقاً إلى الشهادة في الجملة.
والأصل في ذلك أن المنع من الشهادة بذلك يؤدي إلى عدم ثبوت ما ذكر غالباً وفي بعضها قطعاً، وذلك ضررٌ عظيم، والضررُ منفيٌ شرعاً لا سيما العظيم منه.
وثانيهما: في عدد الذي يثبت بذلك، وذلك على ضربين: أحدهما: مجمع عليه بين العلماء وهو النسب والولادة.

الجزء: 4 - الصفحة: 627

وثانيهما: مختلف فيه وهو باقي الصور، وذلك كله يثبت بالاستفاضة في مذهب الإمام أحمد؛ لأن العلم في ذلك كله يتعذر غالباً.
أشبه النسب.
فإن قيل: بعض الأشياء المذكورة يمكن العلم به بمشاهدة سببه.
قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أن الإمكان لا ينافي التعذر غالباً.
وثانيهما: أن وجود السبب لا يعلم به المسبب قطعاً، وذلك أن الشاهد إذا رأى شخصاً يبيع شيئاً فقد شاهد السبب، والسبب غير مقطوع به يجوز أن يكون غير مملوك للبائع.
قال: (ولا تُقبل الاستفاضة إلا من عددٍ يقع العلم بخبرهم في ظاهر كلام أحمد والخرقي، وقال القاضي: تُسمع من عدلين فصاعداً).
أما كون الاستفاضة لا تُقبل في ظاهر كلام الإمام أحمد إلا من عددٍ يقع العلم بخبرهم؛ فلأن لفظ الاستفاضة مأخوذ من فيض الماء؛ لكثرته، وذلك يستدعي كثرة القائل بذلك.
وأما كونها تُسمع من عدلين فصاعداً في قول القاضي؛ فلأن الثابت بها حق من الحقوق.
فوجب أن تسمع من عدلين؛ كسائر الحقوق.
قال: (وإن سمع إنساناً يقرّ بنسب أبٍ أو ابن فصدقه المقر له جاز إن شهد له به.
وإن كذبه لم يشهد.
وإن سكت جاز أن يشهد.
ويحتمل أن لا يشهد حتى يتكرر).
أما كون من سمع إنساناً يقر بنسب أبٍ أو ابن فصدقه المقر له يجوز أن يشهد له به؛ فلِتوافُق المقر والمقر له على ذلك.
وأما كونه لا يجوز أن يشهد له إذا كذبه المقر له؛ فلأنه لو أقر شخصٌ لشخصٍ بمال فكذبه المقر له لم يثبت ولم يجز لمن سمعه أن يشهد له.
فلأن لا تجوز الشهادة بذلك في النسب بطريق الأولى.
وأما كونه يجوز أن يشهد إذا سكت المقر له على المذهب؛ فلأن سكوته دليل على تصديقه.
أشبه ما لو صدقه.

الجزء: 4 - الصفحة: 628

وأما كونه يحتمل أن لا يشهد حتى يتكرر؛ فلأنه لو أكذبه لم تجز الشهادة، وسكوته يحتمل التصديق والتكذيب.
واعلم أن هذا تعليل كلام المصنف رحمه الله وعندي فيه نظر وذلك: أن الاختلاف المذكور في الصورة المذكورة ينبغي أن يكون في دعوى الأبوّة؛ مثل: أن يدعي شخص أنه ابن فلان وفلان يسمع فسكت فإن السكوت إذا نزل هنا منزلة الإقرار صار كما لو أقر الأب أن فلاناً ابنه، ويقوي ما ذُكر أن المصنف رحمه الله ذكر في المغني إذا سُمع رجلاً يقول لصبي: هذا ابني جاز أن يشهد، وإذا سُمع الصبي يقول: هذا أبي والرجل يسمعه فسكت جاز أن يشهد؛ لأن سكوت الأب إقرار، والإقرار يثبت النسب فجازت الشهادة به.
ثم قال: وإنما أقيم السكوت مقام النطق؛ لأن الإقرار على الأنساب الفاسدة لا تجوز.
بخلاف سائر الدعاوي.
ولأن النسب يغلب فيه الإثبات.
ألا ترى أنه يلحق بالإمكان في النكاح.
ثم قال: وذكر أبو الخطاب أنه يحتمل أن لا يشهد به مع السكوت حتى يتكرر.
والعجب من المصنف حيث نقل في المغني الاحتمال المذكور في هذه الصورة عن أبي الخطاب، وإنما ذكر أبو الخطاب الاحتمال المذكور في الصورة التي ذكرها المصنف رحمه الله هنا، وفي خروج الخلاف فيما إذا ادعى شخص أنه ابن آخر بحضور الآخر فسكت ظاهر، وفي الصورة التي ذكرها المصنف رحمه الله هنا الخلاف فيها بعيد.
قال: (وإن رأى شيئاً في يد إنسان يتصرّف فيه تصرّف المُلاّك من النقض والبناء والإجارة والإعارة ونحوها جاز أن يشهد بالمُلك له.
ويحتمل أن لا يشهد إلا باليد والتصرف).
أما كون من رأى ما ذكر يجوز أن يشهد له بالملك على الأول؛ فلأن اليد دليل الملك، واستمرارها من غير منازع يقويها.
فجرى مجرى الاستفاضة.
وأما كونه يحتمل أن لا يشهد إلا باليد والتصرف؛ فلأن يده تحتمل أن تكون غير مالكة.
والأول أصح؛ لما تقدم.

الجزء: 4 - الصفحة: 629

وأما قيام الاحتمال فلا يمنع جواز الشهادة بدليل: جواز الشهادة بالملك بناء على ما عاينه من التسبب؛ كالبيع والإرث ونحو 12 ذلك مع أنه يحتمل أن البائع ليس بمالك والموروث غير مالك.

الجزء: 4 - الصفحة: 630

فصل [في صفة الشهادة] قال المصنف رحمه الله: (ومن شهد بالنكاح فلا بد من ذكر شروطه، وأنه تزوجها بولي مرشد وشاهدَي عدل ورضاها).
أما كون من شهد بالنكاح لا بد من ذكر شروطه؛ فلأنه مما يحتاط له لما فيه من إباحة الفروج.
وأما كونه لا بد من ذكر أنه تزوجها بولي مرشد وشاهدَي عدل ورضاها؛ فلأن النكاح الصحيح يتوقف على ذلك كله.
أشبه الشروط.
قال: (وإن شهد بالرضاع فلا بد من ذكر عدد الرضعات، وأنه شرب من ثديها أو من لبن حُلب منه).
أما كون من شهد بالرضاع لا بد من ذكر الرضعات؛ فلأن الحل والحرمة في المرتضعة يختلف بذلك.
فلم يكن بد من ذكر ذلك؛ لتتميز المحرمة بالرضاع من غيرها.
وأما كونه لا بد من ذكر أنه شرب من ثديها أو من لبن حُلب منه؛ فلأن ذلك من الشروط في التحريم.
فلم يكن بد من ذكره في الشهادة بذلك؛ كذكر شروط النكاح في الشهادة به.
قال: (وإن شهد بالقتل احتاج أن يقول: ضربه بالسيف أو جرحه فقتله ومات من ذلك.
وإن قال: جرحه فمات لم يحكم به).
أما كون من شهد بالقتل يحتاج إلى قول أحد الأمور المذكورة من الضرب بالسيف وما بعده؛ فلأن منه ما يوجب القتل ومنه ما لا يوجبه.
فاحتيج إلى القول المذكور؛ ليترتب على الشهادة موجبها.
ولأن أحد ما ذكر شرط في إيجاب القتل.
فاحتيج إلى قوله في الشهادة به؛ كذكر شروط النكاح في الشهادة به.

الجزء: 4 - الصفحة: 631

وأما كون من قال في شهادته: جرحه فمات لا يحكم به؛ فلأنه لم يسند الموت إلى الجرح.
فلم يثبت كون الموت بسبب جرحه.
قال: (وإن شهد بالزنا فلا بد أن يذكر بمن زنا، وأين زنا، وكيف زنا، وأنه رأى ذكره في فرجها.
ومن أصحابنا من قال: لا يحتاج إلى ذكر المزني بها ولا ذكر المكان).
أما كون من شهد بالزنا لا بد أن يذكر بمن زنا على المذهب؛ فليُعلم هل هي ممن يجب بوطئها حدٌ أم لا؟ . وأما كونه لا بد أن يذكر أين زنا على المذهب؛ فلأن الشهود قد يختلفون فيه.
فيصير ذلك شبهة دارئة للحد.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ماعزاً عن ذلك» وكان مقراً.
فلأن يسأل الحاكم الشهود عنه بطريق الأولى.
وأما كونه لا بد أن يذكر كيف زنا وأنه رأى ذكره في فرجها؛ فلأن في قصة ماعز: «قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنكتَها؟ قال: نعم.
قال: حتى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها كما يغيبُ المرودُ في المكحلةِ والرشاء في البئر.
قال: نعم» 13. وإذا اعتبر ذلك في الإقرار ففي الشهادة أولى.
وروى أبو داود قصة اليهود وفيها: «أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا شهدَ أربعةٌ أنهم رأوْا ذكرهُ في فرجها مثلَ الميلِ في المُكْحُلة.
فدعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فشهدوا أنهم رأوْا ذكرهُ في فرجها مثل الميلِ في المكحُلة.
فأمرَ النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما» 14. ولأن الشهود إذا لم يصفوا الزنا احتمل أن يكون المشهود به لا يوجب الحد.
فاعتبر ذكر كيفيته؛ ليتحقق.
وأما كون ذكر المزني بها وذكر المكان لا يحتاج إليه على قول بعض أصحابنا؛ فلأنهما لم يذكرا في الحديثين المتقدم ذكرهما.
فلم يحتج إلى ذكرهما في الشهادة.

الجزء: 4 - الصفحة: 632

قال: (ومن شهد بالسرقة فلا بد من ذكر المسروق منه والنصاب والحرز وصفة السرقة).
أما كون من شهد بالسرقة لا بد من ذكر المسروق منه؛ فلأنه قد يكون ممن يباح أخذ ماله.
فلم يكن بد من ذكره؛ ليتميز حال من يجب القطع بسرقة ماله من حال من لا يجب القطع به.
وأما كونه لا بد من ذكر النصاب؛ فلأن القطع لا يجب بدونه؛ لما ذكر في باب السرقة.
فلم يكن بد من ذكره؛ ليتحقق شرط وجوب القطع.
وأما كونه لا بد من ذكر الحرز؛ فلأن السرقة من غير حرزٍ لا يجب بها القطع.
فلم يكن بد من ذكره؛ ليتحقق شرط وجوب القطع.
وأما كونه لا بد من ذكر صفة السرقة؛ فلأن الأخذ تارة يكون على وجه السرقة، وتارة على وجه الخُلْسة، وتارة على وجه النُهْبة.
فلم يكن بد من ذكر صفة الأخذ؛ لتتميز السرقة الموجبة للقطع من غيرها.
قال: (وإن شهد بالقذف ذكر المقذوف وصفة القذف).
أما كون من شهد بالقذف يذكر المقذوف؛ فلأن موجبه يختلف باختلافه.
وأما كونه يذكر صفة القذف؛ فليُعلم أنه صريح لا يفتقر إلى شيء، أو كناية تفتقر إلى نية، أو ما يقوم مقامها.
قال: (وإن شهدا أن هذا العبد ابن أمة فلان لم يُحكم له حتى يقولا: ولدتْه في ملكه.
وإن شهدا أنه اشتراها من فلان أو وقفها أو أعتقها لم يحكم بها حتى يقولا: وهي في ملكه.
وإن شهدا أن هذا الغزل من قطنه، أو الطير من بيضته، أو الدقيق من حنطته حُكم له بها).
أما كون من شهدا أن هذا العبد ابن أمة فلان لا يحكم له حتى يقولا: ولدته في ملكه؛ فلأنه لا يتحقق كون الولد مملوكاً بدون ذلك؛ لجواز أن يكون ابن أمته وهو مملوك لغيره؛ مثل: أن تلده قبل أن يشتريها ثم يشتريها.

الجزء: 4 - الصفحة: 633

فإن قيل: وقول الشاهدين: ولدته في ملكه لا يوجب كونه مملوكاً؛ لجواز أن يكون قد قيل له عن الأمة المذكورة أنها حرة فتزوجها ثم ولدت له ولداً ثم تبين أنها أمة فإن الولد يكون حراً، ويصح أن يقال: ابن أمة؛ فلأنها 15 ولدته في ملكه.
قيل: الغرور نادر، والنادر لا يعتدّ به.
بخلاف ما تقدم ذكره.
وأما كون من شهد أنه اشترى الأمة من فلان أو وقفها أو أعتقها لا يحكم بها حتى يقولا: وهي في ملكه؛ فلأنه لا بد من كون البائع والواقف والمعتق مالكاً؛ لأنه قد يبيع الإنسان ما لا يملك وقد يقفه وقد يعتقه.
ولأنه لو لم يشترط قول الشاهدين: وهي في ملكه لتمكن كل من أراد أن ينزع شيئاً من يد غيره أن يتفق هو وشخص ويبيعه إياه بحضرة شاهدين، ثم ينتزعه المشتري من يد صاحبه، ثم يقتسماه، وفي ذلك ضررٌ عظيم لا يرد الشرع بمثله.
وأما كون من شهدا أن هذا الغزل من قطنه والطير من بيضته والدقيق من حنطته يحكم له بها؛ فلأن الغزل والدقيق عين ماله، والطير حادث من عين ماله.
قال: (وإذا مات رجل وادعى آخرُ أنه وارثه وشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً سواه سُلِّم المال إليه سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أم لم يكونا.
وإن قالا: لا نعلم له وارثاً غيره في هذا البلد احتمل أن يسلم المال إليه، واحتمل أن لا يسلم إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها).
أما كون من ادعى ما ذكر وشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً سواه يسلم المال إليه؛ فلأن بذلك يظهر استحقاق المشهود له وعدم استحقاق غيره، والعلم لا يمكن الاطلاع عليه.
فوجب الاكتفاء بالظاهر؛ لقوله عليه السلام: «أنا أقضي بالظاهر» 16.

الجزء: 4 - الصفحة: 634

وأما كون ذلك كذلك سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أم لم يكونا؛ فلأن قول البينة يعضده الأصل؛ لأن الأصل عدم وارث غير من شهد له.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ويحتمل أن لا يقبل من غير أهل الخبرة الباطنة؛ لأن عدم علمهم بوارث ليس بدليل على عدمه.
بخلاف أهل الخبرة.
وأما كونه يحتمل أن يسلم المال إليه إذا قال الشاهدان: لا نعلم له وارثاً غيره في هذا البلد؛ فبالقياس على ما ذكر قبل.
وأما كونه يحتمل أن لا يسلم المال إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها؛ فلأنه قبل الكشف عن ذلك لا يحصل الظن بنفي غير المشهود له؛ لأنه لا يلزم من عدم علمهما بوارث في البلد المذكور عدم علمهما بوارث، فلا يحصل الظهور الحاصل بقولهما: لا نعلم له وارثاً سواه.
وهذا أولى؛ لما ذكر من أنه لا يحصل بقولهما: لا نعلم له وارثاً سواه في هذا البلد كحصوله في قولها: لا نعلم له وارثاً سواه، وذلك يوجب قيام الفرق بينهما فلا يصح القياس معه.
قال: (وتجوز شهادة المستخفي.
ومن سمع رجلاً يُقر بحقٍ أو يشهد شاهداً بحقٍ، أو سمع الحاكم يحكم أو يشهد على حكمه وإنفاذه في إحدى الروايتين، ولا يجوز في الأخرى حتى يشهده على ذلك).
أما كون شهادة المستخفي وهو الذي يخفي نفسه عن المشهود عليه ليسمع إقراره يجوز في إحدى الروايتين والمراد قبول شهادته؛ فلأنه شهد بما سمع، وذلك هو المعتبر في صحة التحمل.
ولأن حاجة صاحب الحق قد تدعو إلى ذلك؛ مثل: أن يكون خصمه يقر سراً ويجحد جهراً.
فلو لم تقبل شهادة المستخفي؛ لأدّى الحال إلى بطلان حق صاحبه في هذه الصورة المذكورة.

الجزء: 4 - الصفحة: 635

وأما كونها لا تجوز في الأخرى حتى يشهده على ذلك؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تجسّسوا﴾ [الحجرات: 12]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حَدَّثَ بحديثٍ ثم التَفَتَ فهي أمانَة» 17. يعني أنه لا يجوز لسامعه أن يذكره عنه؛ لالتفاته وحذره.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والآية والخبر يحملان على غير ما ذكر؛ لأن فيه جمعاً بين الأدلة.
وأما كون شهادة من سمع رجلاً يُقرُ بحق، أو يشهد شاهداً بحق، أو سمع الحاكم يحكم، أو يشهد على حكمه وإنفاذه يجوز في أحد الروايتين؛ فلأن المعتمد عليه السماع وهو موجود.
ولأن قول المقر للشاهد: اشهد عليّ لو اعتبر لكان عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: إنه لم يشهدكما، ولسأل الذين شهدوا على قدامة بشرب الخمر: هل أشهدكما، ولسأل عثمان الذين شهدوا على الوليد بن عقبة عن ذلك، ولسأل الذين شهدوا على السارق عن ذلك.
ولم ينقل شيء من ذلك.
وأما كونها لا تجوز في صورة من الصور المتقدمة حتى يقول المشهود عليه للشاهد: اشهد عليّ في الأخرى؛ فلأنها شهادة عليه.
فلم تجز قبل ذلك؛ كشهادة الشاهد على شهادة آخر.

الجزء: 4 - الصفحة: 636

فصل [في اختلاف الشاهدين] قال المصنف رحمه الله: (وإذا شهد أحدهما أنه غصبه ثوباً أحمر، وشهد آخر أنه غصبه ثوباً أبيض، أو شهد أحدهما أنه غصبه اليوم، وشهد الآخر أنه غصبه أمس لم تكمل البينة.
وكذلك كل شهادة على الفعل إذا اختلفا في الوقت لم تكمل البينة).
أما كون البينة لا تكمل إذا اختلف الشاهدان في صفة المشهود له؛ فلأن أحد الثوبين غير الآخر؛ لأن الموصوف بكونه أحمر غير الموصوف بكونه أبيض فإذا كان كذلك لم يكن على العين الواحدة شاهدان.
فلم تكمل البينة على واحدٍ منهما.
وأما كونها لا تكمل إذا اختلفا في الوقت في مسألة الغصب وفي كل شهادة على الفعل؛ فلأن أحد الفعلين غير الآخر؛ لأن الفعل الواقع في يوم غير الفعل الواقع في يومٍ آخر، وإذا كان كذلك لم يتوارد قول الشاهدين على فعل واحد، وذلك يوجب عدم كمال البينة؛ لما تقدم.
قال: (وإن شهد أحدهما أنه أقرّ له بألفٍ أمس وشهد آخر أنه أقرّ له بألفٍ اليوم، أو شهد أحدهما أنه باعه داره أمس وشهد آخر أنه باعه إياها اليوم: كملت البينة، وثبت البيع والإقرار).
أما كون البينة في مسألة الإقرار تكمل؛ فلأنه وإن كانا إقرارين فهما إقرار بشيء واحد.
ولهذا لو شهدت بينة على إقرار زيد بمائة ثم شهدت بينة أخرى على إقراره بمائة حملت الثانية على الأولى ولم يلزمه سوى مائة.
ولأن المشهود عليه قد لا يمكنه أن يجمع الشهود ليقر عندهم دفعة واحدة.
فاشتراط ذلك فيه مشقة عظيمة وذلك منتفٍ شرعاً.

الجزء: 4 - الصفحة: 637

وأما كونها تكمل به في مسألة البيع؛ فلأن المشهود به شيء واحد يجوز أن يعاد مرة بعد أخرى ويكون واحداً، واختلاف الشهود في الوقت ليس اختلافاً فيه.
فلم يؤثر اختلافهما؛ كما لو شهد أحدهم بالعربية والآخر بالفارسية.
وأما كون كل واحدٍ من الإقرار والبيع يثبت؛ فلأن البينة كملت بكل واحدٍ منهما، وكمال البينة بالشيء يوجب ثبوته.
قال: (وكذلك كل شهادة على القول؛ إلا النكاح إذا شهد أحدهما أنه تزوجها أمس وشهد الآخر أنه تزوجها اليوم لم تكمل البينة، وكذلك القذف.
وقال أبو بكر: يثبت القذف).
أما كون كل شهادة على القول غير النكاح والقذف؛ كمسألتي الإقرار والبيع المتقدم ذكرهما في أن اختلاف الشاهدين في الوقت لا يؤثر؛ فلأن ذلك في معنى الشهادة على الإقرار والبيع.
وقد تقدم أن الاختلاف في الوقت لا يؤثر فكذلك يجب أن لا يؤثر فيما هو في معناه.
وأما كون النكاح ليس ككل شهادة على القول؛ فلأن اختلاف الشهود في الوقت يمنع من كمال البينة عليه ومن ثبوته: أما كونه يمنع من كمالها؛ فلأن البينة الكاملة تثبت موجبها كما تقدم، والبينة المذكورة لا تثبت موجبها؛ لما يأتي ذكره.
وأما كونه يمنع من ثبوته؛ فلأن من شرط صحته حضور الشاهدين له فإذا اختلفا في الوقت لم يتحقق حصول الشرط.
فلم يثبت المشروط مع عدم تحقق شرطه.
وأما كون القذف كالنكاح على قول غير أبي بكر؛ فلأن موجب القذف حد، والحد يدرأ بالشبهة، وفي اختلاف الشهود شبهة.
وأما كون القذف يثبت بذلك على قول أبي بكر؛ فلأن الشهادة على ذلك على قول ليس بنكاح.
أشبه الإقرار والبيع وسائر الأقوال.
قال: (وإن شهد شاهد أنه أقر بألف وشهد آخر أنه أقر بألفين ثبت ألف، ويحلف على الآخر مع شاهده إن أحب).
أما كون ألف تثبت؛ فلأنه شهد به شاهدان.

الجزء: 4 - الصفحة: 638

وأما كون الألف الآخر يحلف على المشهود له مع شاهده إن أحب؛ فلأن المال يثبت بالشاهد واليمين.
وما ذكر مشعر بأمرين: أحدهما: أن الألف الآخر لا يثبت بما تقدم من الشهادة.
وهو صحيح؛ لأنه لم يشهد به شاهدان.
وثانيهما: أنه يثبت إذا حلف المشهود له.
وهو صحيح؛ لما ذكر من أن المال يثبت بالشاهد واليمين.
قال: (وإن شهد أحدهما أن له عليه ألفاً وشهد آخر أن له عليه ألفين فهل تكمل البينة على ألف؟ على وجهين.
وإن شهد أحدهما أن له عليه ألفاً من قرض وشهد آخر أن له عليه ألفاً من ثمن مبيع لم تكمل البينة).
أما كون البينة تكمل إذا كانت الشهادة مطلقة غير مُسْنِدة للمشهود به إلى سبب على وجه؛ فبالقياس على ما إذا كانت البينة على الإقرار.
وأما كونها لا تكمل على وجه؛ فلأن البينة على الإقرار يحمل فيها الإقرار الثاني على الأول.
بخلاف البينة على غيره.
فعلى الأول تثبت الألف ويحلف على الألف الآخر إن أحب.
وعلى الثاني لا يثبت شيء من ذلك.
وأما كون البينة لا تكمل إذا كانت الشهادة مُسنِدة للمشهود به إلى سبب كالقرض والبيع؛ فلأن أحد الألفين لا يمكن أن يكون الألف الآخر.
قال: (وإن شهد شاهدان أن له عليه ألفاً وقال أحدهما: قضاه نصفه بطلت شهادته نص عليه.
وإن شهدا أنه أقرضه ألفاً ثم قال أحدهما: قضاه نصفه صحت شهادته).
أما كون الشهادة في المسألة الأولى تبطل؛ فلأنه لا يجوز أن يشهد الشاهد بألف ويعلم أنه قد قبض منه بعضه.
فإذا قال ذلك علم أنه قد كذب في شهادته، وذلك يوجب بطلانها.
وأما كونها في المسألة الثانية تصح؛ فلأن الوفاء لا ينافي القرض.

الجزء: 4 - الصفحة: 639

قال: (وإذا كانت له بينة بألف فقال: أريد أن تشهدا لي بخمسمائة لم يجز، وعند أبي الخطاب يجوز).
أما كون الشهادة بما ذكر لا يجوز على المذهب؛ فلأن في ذلك تلبيساً، وذلك غير لائقٍ بحال الشاهد.
وأما كونها تجوز عند أبي الخطاب؛ فلأنه لو أبرأه من خمسمائة جاز أن يشهد له بالباقي فكذلك هاهنا.
ولأن المطلوب من الشاهد بعض حق المشهود له؛ لأن خمسمائة بعض الألف، ومالك الشيء مالك لبعضه.

الجزء: 4 - الصفحة: 640

باب شروط من تقبل شهادته

قال المصنف رحمه الله: (وهي ستة: أحدها: البلوغ.
فلا تقبل شهادة الصبيان.
وعنه: تُقبل ممن هو في حال أهل العدالة.
وعنه: لا تقبل إلا في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها).
أما كون شروط من تُقبل شهادته ستة؛ فلأنها البلوغ، والعقل، والكلام، والإسلام، والضبط، والعدالة.
وسيأتي ذكرها وذكر دلائلها بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كون أحدها: البلوغ؛ فلأن غير البالغ كالصبي لا تُقبل شهادته؛ لما يأتي.
وأما كون شهادة الصبيان لا تُقبل على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: 282]، وقال: ﴿وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم﴾ [الطلاق: 2]، ، وقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: 282]، والصبي ممن لا يُرضى به.
وقال: ﴿ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبه﴾ [البقرة: 283]. والصبي لا يأثم.
ولأن الصبي لا يقبل قوله على نفسه.
فلأن لا يقبل قوله على غيره بطريق الأولى.
وأما كونها تُقبل ممن هو في حال العدالة على روايةٍ؛ فلأنه يمكنه ضبط ما يشهد به.
فقبلت شهادته؛ كالبالغ.
قال ابن حامد على هذه الرواية: تُقبل شهادتهم في غير الحدود والقصاص؛ كالعبيد.
وأما كونها لا تُقبل إلا في الجراح خاصة؛ فلأنه يروى عن مسروق قال: «كنا عند علي فجاءه خمس غلمة.
فقالوا: كنا ست غلمةٍ نتغاط فغرق منا غلام،

الجزء: 4 - الصفحة: 641

فشهد الثلاثة على الاثنين أنهما غرَّقاه، وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرَّقوه، فجعل على الاثنين ثلاثة أخماس الدية، وعلى الثلاثة خمسيها» 18. وقضى بنحو هذا مسروق.
قال: (الثاني: العقل.
فلا تُقبل شهادة معتوهٍ ولا مجنونٍ إلا من يخنق في الأحيان إذا شهد في إفاقته).
أما كون الثاني من شروط من تقبل شهادته: العقل؛ فلأن من لا عقل له لا يمكنه تحمل الشهادة ولا أداؤها؛ لأنه لا يعقل ذلك إلا بضبط الشهادة.
وأما كون شهادة المعتوه لا تقبل؛ فلأنه لا عقل له.
وأما كون شهادة مجنون مطبق لا تقبل؛ فلأنه لا عقل له.
وأما كون من يخنق في الأحيان تقبل شهادته إذا شهد في إفاقته؛ فلأن المصحح لشهادة من لم يجن أصلاً موجود فيمن ذكر.
فوجب إلحاقه به.
واشترط المصنف رحمه الله في ذلك: أن يشهد في إفاقته؛ ليخرج من شهد في جنونه.
ولا بد فيه أيضا أن يكون تحمل في وقت إفاقته؛ لأنه تحمله في جنونه لا يصح؛ لأنه لا يمكنه الضبط.
قال: (الثالث: الكلام.
فلا تُقبل شهادة الأخرس.
ويحتمل أن تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فُهمت إشارته).
أما كون الثالث من شروط من تقبل شهادته: الكلام؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كون الكلام من شروط ذلك؛ فلأن الشهادة يُعتبر فيها اليقين، وذلك لا يحصل مع فقد الكلام.
وأما كون شهادة الأخرس لا تقبل؛ فلأن شرط القبول الكلام ولم يوجد.

الجزء: 4 - الصفحة: 642

ولأن الإشارة لو اكتفي بها معه الخرس لوجب أن يكتفى بها مع النطق؛ لأنها إن كانت محصّلة للمطلوب شرعاً فهي موجودة فيهما، وإشارة الناطق لا يحكم بها وفاقاً فكذلك إشارة الأخرس.
فإن قيل: قد اكتفي بإشارته في وصيته وطلاقه وإقراره وسائر أحكامه فكذلك يجب أن يكون هاهنا.
قيل: إنما اكتفي بذلك للضرورة، ولا ضرر بذلك في قبول شهادته.
فإن قيل: في الحديث «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى جالساً فصلى من خلفهُ قياماً فأشارَ إليهم أن اجْلِسُوا» 19، ولو لم تكن الإشارة كافيةً لما كان الأمر كذلك؟ . قيل: الشهادة تفارق ما ذكر بدليل: أن الإشارة اكتُفي بها من النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه ناطقاً، ولو تعدى ذلك إلى الشهادة لاكتفى بالإشارة من الناطق وذلك منتفٍ إجماعاً.
وأما كونها يحتمل أن تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فُهمت إشارته؛ فلأن اليقين حاصل في التحمل، وإشارة المؤدي العاجز عن النطق؛ كنطقه.
دليله: الأحكام المتقدم ذكرها.
وفارق ما طريقه السماع من حيث إن الأخرس غالباً يكون أصم فيقع الخلل في التحمل.
والأول أولى؛ لأن الكلام شرط في القبول ولم يوجد.
قال: (الرابع: الإسلام.
فلا تُقبل شهادة كافر إلا أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيرهم، وحضر الموصي الموت فتقبل شهادتهم، ويحلفهم الحاكم بعد العصر: لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله، وأنها لوصية الرجل، فإن عُثر على أنهما استحقا إثماً قام آخران من أولياء الموصي فحلفا بالله لشهادتُنا أحق من شهادتهما ولقد خانا وكتما، ويقضي لهم.
وعنه: أن شهادة بعض أهل الذمّة تقبل على البعض.
والأوّل المذهب).
أما كون الرابع من شروط من تقبل شهادته: الإسلام؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: 282]، وقال: {وأشهدوا ذوي عدل

الجزء: 4 - الصفحة: 643

منكم} [الطلاق: 2]، وقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: 282]. ومن فقد الإسلام فليس من رجالنا، ولا منّا، ولا ممن نرضاه.
وأما كون شهادة الكافر بغير الوصية في السفر لا تُقبل؛ فلأن شرطها الإسلام ولم يوجد.
وأما كون شهادته بالوصية في السفر بالشروط التي ذكرها المصنف تقبل ويحلفه الحاكم على الوجه المتقدم ذكره؛ فلأن الله عز وجل قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينِكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبةُ الموت﴾ [المائدة: 106]. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قضوا بذلك.
فروى ابن عباس قال: «خرجَ رجلٌ من بني سهمٍ مع تميمٍ الداري وعدي بن زيد، فماتَ السهمي بأرضٍ ليس بها مسلمٍ، فلما قدما بتركته فقدوا جامَ فضةٍ مُخَوَّصًا بالذهب.
فأحلفهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
ثم وجدوا الجامَ بمكة.
فقالوا: اشتريناهُ من تميم وعدي.
فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتُنا أحق من شهادتهما وإن الجامَ لصاحبهم.
فنزلت فيهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم إذا حضر أحدكم الموت ... الآية﴾ [المائدة: 106]» 20. وعن الشعبي «أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقُوقاء 21 ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته.
فأشهد رجلين من أهل الكتاب.
فقدما الكوفة.
فأتيا الأشعري فأخبراه وقدما بتركته ووصيته.
فقال الأشعري: هذا أمرٌ 22 لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأحلفهما بعد العصر ما

الجزء: 4 - الصفحة: 644

خانا ولا كذبا ولا بدّلا ولا كتما ولا غيّرا، وأنها لوصية الرجل وتركته.
وأمضى شهادتهما» 23. رواهم أبو داود.
وأما كون شهادة بعض أهل الذمة تُقبل على البعض على روايةٍ؛ فلما روى جابر «أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أجازَ شهادةَ [أهلِ الكتابِ]، بعضِهم على بعض» 24. رواه ابن ماجة.
فجازت شهادة بعضهم على بعض؛ كالمسلمين.
والأول المذهب؛ لما تقدم من النصوص.
ولأن من لا تقبل شهادته على غير أهل دينه لا تقبل على أهل دينه؛ كالحربي.
وأما الخبر المذكور فيرويه مجالد وهو ضعيف.
وإن ثبت فيحتمل أنه أراد اليمين؛ لأنها تسمى شهادة، قال الله تعالى في اللعان: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهاداتٍ بالله﴾ [النور: 6].
وأما الولاية فهي متعلقة بالقرابة وقرابتهم ثابتة، وجازت لموضع الحاجة فإن غيرهم من المسلمين لا يلي عليهم والحاكم يتعذر عليه ذلك؛ لكثرته، والشهادة ممكنة من المسلمين، ويؤيد ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تُقبلُ شهادةُ أهل دين إلا المسلمين فإنهم عدولٌ على أنفسهم وعلى غيرهم» 25. قال: (الخامس: أن يكون ممن يحفظ.
فلا تُقبل شهادة مغفل، ولا معروف بكثرة الغلط والنسيان).
أما كون الخامس من شروط من تقبل شهادة: أن يكون ممن يحفظ؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما كون ذلك من شروط ذلك؛ فلأن من لا يحفظ لا يدري ما يشهد حين الأداء، وذلك يخل بمقصود الشهادة.

الجزء: 4 - الصفحة: 645

ولأن من لا يحفظ لا تحصل الثقة بقوله، ولا يغلب على الظن صدقه.
وأما كون شهادة المغفل لا تُقبل؛ فلأنه لا يحفظ.
وأما كون شهادة معروفٍ بكثرة الغلط والنسيان لا تُقبل؛ فلأن الثقة لا تحصل بقوله؛ لاحتمال أن تكون شهادته مما غلط فيه ونسي.
ولأنه ربما شهد على غير من استشهد عليه، أو بغير ما شهد به، أو لغير من أشهده.

الجزء: 4 - الصفحة: 646

فصل [في العدالة] قال المصنف رحمه الله: (السادس: العدالة.
وهي: استواءُ أحواله في دينه واعتدالُ أقواله وأفعاله.
وقيل: العدل من لم تظهر منه ريبةٌ.
ويعتبر لها شيئان: الصلاحُ في الدين.
وهو: أداء الفرائض، واجتنابُ المحارم.
وهو: أن لا يرتكبَ كبيرة، ولا يُدمن على صغيرة.
وقيل: أن لا يظهر منه إلا الخير).
أما كون السادس من شروط من تقبل شهادته: العدالة؛ فلأنه يلي الخامس.
وأما كون العدالة من شروط ذلك؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبينوا﴾ [الحجرات: 6].
فتثبتوا.
ولأن غير العدل لا يُؤمن منه أن يتحامل على غيره فيشهد عليه بغير حق.
وأما كون العدالة كما ذكر؛ فلما تقدم من تفسيرها.
والخلاف فيها في قول المصنف رحمه الله: ويعتبر في البينة العدالة ظاهراً وباطناً في الفصل الثاني من باب طريق الحكم وصفته 26. فلا حاجة إلى إعادة ذلك فيها.
وأما كونها يعتبر لها شيئان: الصلاحُ في الدين والمروءة؛ فلأن من لا صلاح له في الدين ولا مروءة له لا يُؤمن أن يشهد على غيره بالزور.
وأما كون أحد الشيئين الصلاحُ في الدين؛ فظاهر.
وأما كون الصلاحُ في الدين أداء الفرائض واجتناب المحارم؛ فلأن 27 لأنه يؤدي أن لا تقبل شهادة أحد؛ لأنه لا يخلو أحد من ذنب، ولذلك قال الله تعالى: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللّمم﴾ [النجم: 32].
مدحهم لاجتنابهم ما ذكر، وإن كان قد وجد منهم صغيرة.

الجزء: 4 - الصفحة: 647

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن تَغْفِرِ اللهم تغْفِرْ جَمّا، وأيُّ عبدٍ لكَ ما ألَمّا» 28. وإنما اعتبر فيمن تقبل شهادته أن لا يرتكب كبيرة؛ لأن الله تعالى أمر أن لا تقبل شهادة القاذف وهي كبيرة.
فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة.
وإنما اعتبر فيه أن لا يُدمن على صغيرة؛ لأن من لم يرتكب الكبيرة وأدمن على الصغيرة لا يُعدّ مجتنباً للمحارم لا عُرفاً ولا شرعاً.
ولأن الإدمان على الصغيرة كالكبيرة.
فإن قيل: ما الكبيرة؟ قيل: هي كل معصية فيها حدٌ، والإشراكُ بالله، وقتلُ النفس الحرام، وشهادةُ الزور، وعقوقُ الوالدين.
ونُقل عن الإمام أحمد رحمه الله: لا تقبل شهادة آكل الربا، وقاطعُ الطريق، ومن لا يؤدي زكاة ماله، ومن أخرج في طريق المسلمين الاسطوانة 29 والكنيف، والكاذب الكذب الشديد.
وأما كون اجتناب المحارم.
وهو: أن لا يظهر من الشخص إلا الخير على قول؛ فلأن اعتبار ما تقدم ذكره 30 مشقة وحرج، وذلك منتفٍ شرعاً.
قال: (ولا تُقبل شهادة فاسق سواء كان فسقُه من جهة الأفعال أو الاعتقاد.
ويتخرج على قبول شهادة أهل الذمة قبول شهادة الفاسق من جهة الاعتقاد المتدين به إذا لم يتدين بالشهادة لموافقه على مخالفه).
أما كون شهادة الفاسق من جهة الفعل؛ كالزاني والقاتل والسارق وما أشبه ذلك لا تُقبل شهادته رواية واحدة؛ فلما تقدم.
وأما كون شهادة الفاسق من جهة الاعتقاد غير المتدين لا تُقبل أيضاً؛ فلأنه فاسق غير متدين.
أشبه الفاسق بالفعل.
وأما كون شهادة الفاسق المتدين بالشهادة لموافقه على مخالفه كالخطابية لا تُقبل أيضاً؛ فلأن الثقة لا تحصل بقوله لتدينه بكذبه.

الجزء: 4 - الصفحة: 648

وأما كون شهادة الفاسق من جهة الاعتقاد المتدين به إذا لم يتدين بما تقدم ذكره لا تُقبل على المذهب؛ فلعموم النصوص الدالة على عدم قبول قول الفاسق، وقياسه على الصور المذكورة قبل.
وأما كونه يتخرج على قبول شهادة أهل الذمة قبول شهادته؛ فلأن الفاسق من جهة الاعتقاد أحسن حالاً من الكافر.
فإذا قبلت شهادته كان قبول قول الفاسق من جهة اعتقاد المتدين به أولى.
قال: (وأما من فعل شيئاً من الفروع المختلف فيها فتزوج بغير ولي، أو شرب من النبيذ ما لا يسكره، أو أخّر الحج الواجب مع إمكانه أو نحوه متأولاً فلا تُرد شهادته.
وإن فعله معتقداً تحريمه رُدت شهادته.
ويحتمل أن لا تُرد).
أما كون من فعل شيئاً متأولاً لا تُرد شهادته؛ فلأن الاختلاف في الفروع رحمة.
فلو رُدت الشهادة بذلك لما كان الأمر كذلك.
ولأن التأويل فيما ذكر شائع جائز.
بدليل اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في المسائل الفروعية ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان.
وذلك لا يناسب رد الفاعل لذلك على وجه التأويل؛ لأنه فعل ما له فعله.
أشبه فعل المتفق عليه.
وأما كون من فعل شيئاً من ذلك مع اعتقاد تحريمه تُرد شهادته إذا تكرر ذلك منه على المذهب؛ فلأنه فعل ما يعتقد تحريمه.
أشبه فعل المحرم إجماعاً.
وأما كونه يحتمل أن لا تُرد؛ فلأن لفعله في الجملة مساغاً.
والأول أولى؛ لما تقدم.
ولأن الفاعل لشيء من الفروع المختلف فيها معتقداً التحريم بذلك: آثم لفعله، مستديم له، وذلك ينافي قبول شهادته.
قال: (الثاني: استعمال المروءة.
وهو: فعلُ ما يجمّله ويزيّنه وترك ما يُدنّسه ويشينُه.
فلا تُقبل شهادة المصافع والمتمسخِر والمغنّي والرقّاص واللاعب بالشطرنج والنرْد والحمام، والذي يتغدى في السوق ويمدُّ رجليه في مجمع الناس، ويحدّث بمباضَعة أهله وأمته، ويدخل الحمّام بغير مئزر ونحو ذلك).
أما كون الثاني من شيء ما يعتبر في العدالة: استعمال المروءة؛ فلأنه يلي الأول.

الجزء: 4 - الصفحة: 649

وأما كون ذلك مما يعتبر في العدالة؛ فلأن من فقد المروءة اتصف بالدناءة والسقاطة، وكلاهما يذهب الثقة بقول المتصف بهما.
وأما كون استعمال المروءة وهو ما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن من لم يفعل ما ذُكر فعله ولم يترك ما ذُكر تركه لا مروءة له عُرفاً.
فكذا شرعاً.
وأما كون شهادة المصافع ... إلى آخره لا تُقبل؛ فلأن الفاعل لشيء من ذلك لا مروءة له، وقد تقدم أنها معتبرة في العدالة.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بأن شهادة من ذُكر لا تُقبل؛ لعدم المروءة لأنه ذكر استعمال المروءة ثم قال: فلا تُقبل شهادة المصافع ... إلى آخره.
وعندي في ذلك نظر وهو: أن المتصف بخصلة مما تقدم ذكره ينبغي أن ينظر فيما اتصف به فإن كان محرماً كان المانع من قبول شهادته كونه فاعلاً للمحرم، لا يقال فعلُ المحرم مرةً لا يمنع من قبول الشهادة؛ لأن الكلام مفروض فيمن هو متصفٌ بذلك مستمرٌ عليه، مشهورٌ به، وذلك يقتضي المداومة عليه، والمداومة على الصغيرة كالكبيرة في رد الشهادة، وإن كان ما اتصف به غير محرم كان المانع من قبول شهادته كون فعله دناءةً وسفهاً ويكون ذلك من باب فقد المروءة.
فعلى هذا لا بد من بيان من فعله دناءة وسفه من غير تحريم ممن فعله محرم فنقول: أما المصافع والمتمسخِر، ومن يأكل في السوق، ويمدّ رجليه في مجمع من الناس، ويحدّث بمباضَعته أهله: ففعل كل واحدٍ منهم دناءة وسفه من غير حرمة: أما كونه دناءةً وسفهاً؛ فظاهر.
وأما كونه من غير حرمة؛ فلأن التحريم من الشرع ولم يرد به.
قال المصنف في المغني بعد أن ذكر الآكل في السوق ومادّ رجليه في مجمع الناس والمتمسخر والمحدث بمباضعته أهله: فإن فعل شيئاً من هذا مختفياً لم يمنع قبول الشهادة؛ لأن مروءته لا تسقط بذلك، ولو كان ذلك محرماً لكان الاختفاء به مانعاً كالإظهار؛ لاستوائهما في الحرمة.
وأما المغنّي ففعله حرام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: 30].
قال ابن الحنفية: هو الغناء.

الجزء: 4 - الصفحة: 650

وعن ابن عباس وابن مسعود: «في تفسير قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ [لقمان: 6] هو الغناء» 31. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغناءُ يُنبتُ النفاقَ في القلب» 32. وعن أبي أمامة «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء المغنيات، وبيعهن، والتجارة فيهن، وأكل أثمانهن حرام» 33. رواه الترمذي.
فعلى هذا ترد شهادته؛ لفعله المحرم.
وقال بعض أصحابنا: الغناء غير حرام؛ لأن عائشة قالت: «كان عندي جاريتان تُغنِّيان فدخل أبو بكر فقال: مزمور الشيطان في بيتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعهما فإنها أيامُ عيد» 34. وعن عمر رضي الله عنه قال: «الغناءُ زادُ الراكب».
فعلى هذا لا تقبل شهادة المغنِّي وهو من يجمعُ الناس عليه يأتيهم مرة ويأتونه أخرى؛ لأن في فعله دناءةً وسفهاً، ولا ترد شهادة من يغني لنفسه على وجه الترنم؛ لأن ذلك لا تحريم فيه ولا دناءة.
وأما الرقّاص ففعله دناءة؛ لما يتضمن من قلة العقل.
ولم أجد عن أصحابنا ما يقتضي تحريمه، والأصل الإباحة.
وأما اللاعب بالنرْد والشطرنج ففعلهما حرام: أما كون اللعب بالنرْد حراماً؛ فلما روى أبو موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من لعبَ بالنرْدَشِير فقد عصى الله ورسوله» 35.

الجزء: 4 - الصفحة: 651

وروى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لعبَ بالنرْدَشِيرِ فكأنما غَمسَ يدَه في لحمِ الخنزيرِ ودمه» 36. رواهما أبو داود.
وأما كون اللعب بالشطرنج حراماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان﴾ [المائدة: 90] قال عليٌ: «الشطرنجُ من الميسر» 37. وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن للهِ في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ليس لصاحب الشاة فيها نصيب».
رواه أبو بكر بإسناده.
و«مرَّ على قوم يلعبون بالشطرنج.
فقال: ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عاكفون؟ » 38. ولأنه لعب يصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
أشبه النرد.
وأما اللاعب بالحمام فيُنظر فيه فإن كان ذلك ليأخذ حمام الناس، أو ليقامر بها فذلك حرام.
وإن كان ليأكل فراخها، أو لتحملَ له الكتب، أو للأُنس فلا بأس.
وفي الحديث عن عبادة بن الصامت قال: «جاءَ رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكى الوحشة فقال له: اتخذ زوجاً من حمام»، وإن فعل ذلك فُرجة على طيرانها ونظراً كان ذلك سفهاً ودناءة.
وأما داخل الحمّام بغير مئزر ففعله حرام؛ لأن فيه كشف عورته المأمور بسترها.
وقد تقدم ذكر ذلك في باب ستر العورة 39.

الجزء: 4 - الصفحة: 652

قال: (فأما الشَين في الصناعة؛ كالحجام والحائك والنخّال والنفّاط والقمّام والزبّال والمشعوذ والدبّاغ والحارس والقرّاد والكبّاش فهل تُقبل شهادتهم إذا حسنت طرائقهم؟ على وجهين).
أما كون ما ذكر تُقبل شهادتهم إذا حسنت طرائقهم على وجه؛ فلأن بالناس حاجة إلى من يقوم بما ذكر، ورد شهادة فاعله يمنع من تعاطيه.
فيؤدي إلى ضرر عام بالخلق، وذلك منتفٍ شرعاً.
وأما كونهم لا تُقبل شهادتهم على وجه؛ فلأن تعاطي ما ذكر يتجنَّبهُ أهل المروءات.
فكان فعله مانعاً من الشهادة كالقِسْم الذي قبله.
هذا تعليل كلام المصنف رحمه الله.
وعندي فيه نظر كما تقدم.
وينبغي أن ينظر في الصناعة فإن كانت محرمة منعت قبول الشهادة؛ لفعله المحرم على وجه التكرار؛ لأن من كان الشيء المحرم صنعته كان فعله له مكرراً، وإن كانت مباحة فمنها ما يترجح فيه قبول الشهادة؛ كالحائك لا سيما في بلاد ظهرَ الدينُ فيهم كحرّان، ومنها ما يترجح فيه رد الشهادة؛ كالزبال؛ لأن في فعله دناءة وسفهاً.
فعلى هذا: الحجام ينبني على جواز الإجارة: فإن قيل بعدم جواز الإجارة عليه منع فعله الشهادة؛ لأنه فعل محرم متكرر، ويعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كسبُ الحجّام خبيث» 40، وإن قيل بجواز الإجارة عليه منع فعله الشهادة؛ لما فيه من الدناءة والسقاطة، والحائك تقدم ذكره.
والنخّال والنفّاط فعلهما فيه دناءة، ويترجح عدم رد شهادتهما؛ لأن الظاهر من حالهما الاستقامة.
وأما القمّام والزبّال فالظاهر منهما أنهما لا يتوقيان النجاسة، وإن توقياها كان فيها دناءة، ويترجح رد شهادتهما؛ لأجل ذلك الظاهر.
وأما المشعوذ والدبّاغ والحارس والقرّاد والكبّاش ففعلهم فيه دناءة، ويترجح رد شهادتهم؛ لأن الغالب فيهم أنهم لا مروءة لهم، وهي شرط في قبول الشهادة.

الجزء: 4 - الصفحة: 653

فصل [إذا زالت موانع الشهادة] قال المصنف رحمه الله: (ومتى زالت الموانع منهم فبلغ الصبي وعقل المجنون وأسلم الكافر وتاب الفاسق قُبلت شهادتهم بمجرد ذلك، ولا يعتبر إصلاح العمل.
وعنه: يعتبر في التائب إصلاح العمل سَنَة).
أما كون من زالت الموانع المذكورة منهم تُقبل شهادتهم؛ فلأن عدم القبول معلل بذلك فإذا زال عُدم القبول ضرورة أن المعلل يزول لزوال علته.
وأما كون الفاسق إذا تاب تُقبل شهادته بمجرد توبته من غير اعتبار صلاح العمل على المذهب؛ فلما تقدم ذكره.
وأما كونه يعتبر فيه إصلاح العمل سنة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا﴾ [آل عمران: 89].
نهى عن قبول الشهادة ثم استثنى التائب المصلح.
و«لأن عمر رضي الله عنه لما ضربَ صَبيغاً وأمر بهجرانه حتى بلغه توبته.
فأمرَ أن لا يُكلَّمَ إلا بعدَ سنة» 41. والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له» 42. ولأن شهادة الكافر تُقبل بمجرد الإسلام.
فلأن تقبل شهادة الفاسق بمجرد التوبة بطريق الأولى.
ولأن المغفرة تحصل بمجرد التوبة بدليل قوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يُصِروا

الجزء: 4 - الصفحة: 654

على ما فعلوا وهم يعلمون? أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ... الآية} [آل عمران: 135 - 136]، وقوله تعالى: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾ [النساء: 110]، وقول عمر رضي الله عنه: «بقيةُ عمر المرء لا قيمة له يدركُ فيه ما فات، ويحيي فيه ما أمات، ويبدّلُ الله سيئاته حسنات» فينبغي أن يحصل بمجردها قبول التوبة، وقوله تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح﴾ 43 [المائدة: 39] يحتمل أنه أراد بالإصلاح التوبة وعطف ﴿وأصلح﴾ على ﴿تاب﴾؛ لاختلاف اللفظين، ودليل ذلك قول عمر: «تُبْ أقبل شهادَتك» 44. قال: (ولا تُقبل شهادة القاذف حتى يتوب.
وتوبته: أن يكذب نفسه.
وقيل: إن علمَ صدق نفسه فتوبته أن يقول: قد ندمتُ على ما قلتُ ولا أعودُ إلى مثله، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه).
أما كون شهادة القاذف لا تُقبل قبل توبته؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: 4].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا محدودٍ في الإسلام» 45. رواه ابن ماجة.
والمراد بالقاذفِ المردودِ الشهادة: القاذفُ الذي لم يأت بما يحقق قذفه فإن أتى بما يحقق قذفه؛ كالزوج يقذف زوجته، ويحقق قذفه بالبينة أو باللعان.
والأجنبي يقذف أجنبية، ويحقق قذفه بالبينة: لم ترد شهادته؛ لأن الله تعالى إنما رتب الأحكام المذكورة على مجموع الأمرين: من رمي المحصنات، وعدم الإتيان بأربعة شهداء.
فإذا لم يوجد ذلك لم تترتب الأحكام المذكورة؛ لانتفاء شرطها.
وأما قول المصنف رحمه الله: حتى يتوب؛ فمشعر بقبول شهادته بعد توبته.
وهو صحيح صرح به المصنف رحمه الله تعالى في المغني.
والأصل في ذلك قوله

الجزء: 4 - الصفحة: 655

تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: 5]، وقول عمر لأبي بكرة: «تُب أقبل شهادَتك» 46. ولأن القاذف المذكور إذا تاب تائب من ذنبه.
فوجب أن تقبل شهادته؛ كالتائب من الزنا بل أولى؛ لأن الزنا أعظم من القذف.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ [النور: 4]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا محدودٍ في الإسلام» 47 يدلان على عدم قبول شهادة القاذف وإن تاب.
قيل: أما الآية فقد استثنى الله تعالى فيها التائب بقوله بعد قوله: ﴿ولا تقبلوا﴾ [النور: 4] ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: 5].
وأما الحديث؛ فمحمول على من لم يتب بدليل الاستثناء في الآية.
وأما كون توبة القاذف أن يكذب نفسه على المذهب؛ فلأنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: 5]: «توبتهُ إكذابُ نفسه».
وأما كونها إذا علم صدق نفسه أن يقول: قد ندمت عما قلت ولا أعود إلى مثله، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه على قول؛ فلأن المقصود يحصل بذلك.
فوجب أن تحصل التوبة به؛ كغيره.
ولأن الندم توبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الندمُ توبة» 48. فوجب أن تحصل التوبة لمن يقول: قد ندمت ... إلى آخره بحصول الندم.
وإنما اعتبر القول؛ لأن ما في الباطن لا يُطلع عليه.
فلم يكن بد من القول الدال عليه؛ ليعلم تحقق الندم الموجب للتوبة.

الجزء: 4 - الصفحة: 656

فصل [في شهادة العبد] قال المصنف رحمه الله: (ولا يُعتبر في الشهادة الحرية، بل تجوز شهادة العبد في كل شيء، إلا في الحدود والقصاص على إحدى الروايتين.
وتُقبل شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء).
أما كون الشهادة لا يعتبر فيها الحرية؛ لأن الله تعالى أمر بإشهاد ذَوي عدل منا، ومن فقد الحرية عدلٌ منا.
بدليل قبول روايته وفتياه وأخباره الدينيّة.
ولأن العبد عدل غير متهم.
فقبلت شهادته؛ كالحر.
وأما كون شهادة العبد في كل شيء غير الحدود والقصاص يجوز؛ فلأن الحرية ليست معتبرة في الشهادة.
وأما كونها تُقبل في الحدود والقصاص على إحدى الروايتين؛ فلما تقدم.
ولأنه حق.
أشبه الأموال.
وأما كونها لا تُقبل على إحداهما؛ فلأنه عقوبة بدنية تدرأ بالشبهات، وفي شهادة العبد شبهة؛ لاختلاف العلماء في قبولها.
وأما كون شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء تُقبل؛ فلأن الموجود فيها الرق، وذلك لا يمنع في العبد فلا يمنع في الأمة بالقياس عليه، وفي الأثر أن عقبة بن الحارث 49 قال: «تزوجتُ أم يحيى بنت أبي إهاب.
فجاءت أمةٌ سوداء فقالت: قد أرضعتكُما.
فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: وكيفَ وقد زعمتْ ذلك» 50 متفق عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 657

وفي رواية أبي داود: «فقلتُ: يا رسول الله! إنها لكاذبة.
قال: وما يُدريكَ وقد قالت ما قالت؟ دعْهَا عنك» 51. قال: (وتجوز شهادة الأصم على ما يراه، وعلى المسموعات التي كانت قبل صممه).
أما كون شهادة الأصم على ما يراه تجوز؛ فلأنه ما يراه كغيره.
وأما كون شهادته على المسموعات التي كانت قبل صممه تجوز؛ فلأنه في ذلك كمن لم يصبه صمم.
قال: (وتجوز شهادة الأعمى في المسموعات إذا تيقن الصوت وبالاستفاضة، وتجوز في المرئيات التي تحملها قبل العمى إذا عرفَ الفاعل باسمه ونسبه وما يتميز به، فإن لم يعرفه إلا بعينه فقال القاضي: تُقبل شهادته أيضاً، ويصفه للحاكم بما يتميز به.
ويحتمل أن لا تجوز؛ لأن هذا مما لا ينضبط غالباً.
وإن شهد عند الحاكم ثم عمي قُبلت شهادته وجهاً واحداً).
أما كون شهادة الأعمى في المسموعات إذا تيقن صوت المشهود عليه تجوز.
والمراد به قبولها؛ فلأن شهادته على مسموع.
فوجب قبولها؛ كروايته.
ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين فإذا حصل ذلك للأعمى وجب قبول شهادته؛ كالبصير.
وعن قتادة أنه قال: إن للسمع قيافةً كقيافة البصر.
ولأن الأعمى من رجالنا وهو متيقن لصوت المشهود عليه.
فوجب أن يدخل في قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: 282]. ولأنه يروى عن علي وابن عباس أنهما أجازا شهادة الأعمى، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة.
وأما كون شهادته بالاستفاضة تجوز؛ فلأنها تعتمد على القول وشهادته عليه جائزة؛ كما تقدم.

الجزء: 4 - الصفحة: 658

وأما كون شهادته في المرئيات التي تحملها قبل العمى إذا عَرف الفاعل باسمه ونسبه وما يتميز به تجوز؛ فلما تقدم.
ولأن العمى فقدُ حاسة لا تُخِلّ بالتكليف.
فلا تمنع قبول الشهادة؛ كالصمم.
وأما كونها تُقبل إذا لم يعرف المشهود عليه إلا بعينه على قول القاضي ويصفه للحاكم بما يتميز به؛ فلما تقدم من عموم الأدلة.
وأما كونها يحتمل أن لا تجوز؛ فلما علل المصنف رحمه الله من أن هذا لا ينضبط غالباً.
وأما كون الأعمى إذا شهد عند الحاكم ثم عمي تُقبل شهادته.
والمراد به الحكم بها؛ فلأن العمى طرأ بعد أداء الشهادة لا يورث تهمة في حال الشهادة.
فلم يمنع الحكم بها؛ كما لو شهد ثم مات.
قال: (وشهادةُ ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره).
أما كون شهادة ولد الزنا في الزنا جائزة؛ فلأنه عدلٌ مقبول الرواية.
فوجب أن يكون مقبول الشهادة؛ كغيره من العدول.
ولأن ولد الزنا من رجالنا.
فوجب أن يدخل في عموم النص المتقدم ذكرها.
فإن قيل: لا ينبغي أن تقبل شهادته بذلك؛ لأن العادة أن من فعل فعلاً قبيحاً يحب أن يكون له نظير.
ولأنه يروى عن عثمان أنه قال: «ودّت الزانيةُ أن النساءَ كلَّهن زنَين».
قيل: أما الأول: فغلط؛ لأن ولد الزنا لم يفعل قبيحاً يحب أن يكون له نظير.
وأما الثاني: فليس يثبت عن عثمان.
والأشبه أن لا يكون ثابتاً عنه؛ لأن الأليق بحاله ودينه أن لا يذكر امرأة في ظهر الغيب بمثل ذلك.
وأما كونه في غير الزنا جائزة؛ فلما تقدم ذكره.
ولأنه مقبول الشهادة في الزنا.
فوجب أن يكون مقبول الشهادة في غيره بالقياس عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 659

قال: (وتقبلُ شهادة الإنسان على فعل نفسه كالمرضعة على الرضاع، والقاسم على القسمة، والحاكم على حكمه بعد العزل).
أما كون شهادة المرضعة على فعل نفسها تُقبل؛ فلأن عقبة بن الحارث قال: «تزوجتُ أم يحيى بنت أبي إهاب.
فجاءت أمةٌ سوداء فقالت: قد أرضعتُكُما.
فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: وكيفَ وقد زعمتْ ذلك» 52 متفق عليه.
وأما كون شهادة القاسم على القسمة تقبل؛ فلأن شهادته على فعل النفس.
أشبه شهادة المرضع على الرضاع.
وأما كون شهادة الحاكم بعد حكمه بعد عزله تقبل؛ فلأنه شاهد على فعل نفسه.
أشبه المرضعة والقاسم.
قال: (وتُقبل شهادة البدوي على القروي، والقروي على البدوي.
وعنه: في شهادة البدوي على القروي أخشى أن لا تُقبل فيحتمل وجهين).
أما كون شهادة البدوي على القروي تُقبل على وجه؛ فكشهادة القروي على البدوي.
ولأن من قُبلت شهادته على أهل البلد قُبلت شهادته على أهل القرى.
دليله: شهادة القروي على البدوي.
وأما كونها لا تُقبل على وجه؛ فلأنه يروى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تجوزُ شهادةُ بدوي على صاحبِ القرية» 53. رواه أبو داود.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والحديث محمول على أن شهادة البدوي لا تُقبل؛ للجهل بعدالته الباطنة.
وخص بما ذكر؛ لأن الغالب أنه لا يكون له من يسأله الحاكم عنه.
وأما كون شهادة القروي على البدوي [تقبل] 54؛ فلأن تخصيص شهادة البدوي على القروي بعدم جواز القبول مشعر بجواز العكس.

الجزء: 4 - الصفحة: 660

ولأن القروي في مظنة العلم وانتفاء التهمة.
فوجب قبول شهادته عملاً بالنصوص الدالة على القبول السالمة عن معارضة ما ذكر.

الجزء: 4 - الصفحة: 661

باب موانع الشهادة

قال المصنف رحمه الله: (ويمنع قبول الشهادة خمسة أشياء: أحدها: قرابةُ الولادة.
فلا تُقبل شهادة والدٍ لولده وإن سفل، ولا ولدٍ لوالده وإن علا في أصح الروايات.
وعنه: تُقبل فيما لا يجر به نفعاً غالباً؛ نحو: أن يشهد أحدهما لصاحبه بعقد نكاح أو قذف.
وعنه: تُقبل شهادة الولد لوالده، ولا تُقبل شهادة الوالد للولد).
أما كون قبول الشهادة يمنعه خمسة أشياء؛ فلما يأتي فيها.
وأما كون أحدها: قرابة الولادة؛ فلما يأتي في كون شهادة والدٍ لولده، وشهادة ولدٍ لوالده لا تُقبل.
وأما كون شهادة والدٍ أباً كان أو أماً أو جداً أو جدة لولده وإن نزل، وشهادة ولدٍ لوالده وإن علا لا تُقبل في أصح الروايات؛ فلأن الزهري روى عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنة، ولا ذي غِمْرٍ على أخيه، ولا ظِنّين في قرابة ولا ولاء» 55. وكل واحدٍ من الولد والوالد متهم بالنسبة إلى الآخر؛ لأن بينهما تعصيباً وكأنه يشهد لنفسه، ولهذا قال عليه السلام: «فاطمةُ بَضعَةٌ مني» 56. وأما كون شهادة كل واحدٍ منهما تُقبل لآخر فيما لا يجر لنفسه نفعاً مثل ما مثله المصنف رحمه الله على روايةٍ؛ فلأن كل واحدٍ منهما لا ينتفع بما يحصل للآخر فتنتفي التهمة عنه في شهادته.
فوجب أن ينتفى عدم القبول؛ لعدم مقتضيه.

الجزء: 4 - الصفحة: 662

وأما كون شهادة الولد لوالده تُقبل وشهادة الوالد لولده لا تُقبل على روايةٍ؛ فلأن شهادة الوالد لولده فيها تهمة من حيث إن مال الابن في حكم ماله؛ لأن له أن يتملكه فشهادته له شهادته لنفسه.
بخلاف شهادة الولد لوالده؛ فلأن التهمة المذكورة منتفية فيها.
قال: (وتُقبل شهادة بعضهم على بعض في أصح الروايتين).
[أما كون شهادة بعضهم على بعض تقبل في رواية] 57؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: 135]. ولو لم تكن شهادة الولد مقبولة على الوالد لما أمر الله تعالى بها.
ولأن شهادة كل واحدٍ منهما على الآخر لا تهمة فيها.
ولأن التهمة في الشهادة له لا في الشهادة عليه.
وأما كونها لا تُقبل في روايةٍ؛ فلأن كل واحدٍ منهما لا تُقبل شهادته للآخر.
فوجب أن لا تُقبل عليه قياساً لإحدى الشهادتين على الأخرى.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والفرق بين الشهادة له والشهادة عليه: التهمة في الشهادة له وانتفائها في الشهادة عليه.
قال: (ولا تُقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه في إحدى الروايتين).
أما كون شهادة كل واحدٍ من الزوجين للآخر لا تُقبل في روايةٍ؛ فلأن كل واحدٍ منهما يرث صاحبه من غير حجب، ويتبسط في ماله عادة، وذلك يوجب التهمة في شهادته، والتهمة تمنع من القبول.
وأما كونها تُقبل في روايةٍ؛ فلأن النكاح عقد على منفعة.
فلا يتضمن رد الشهادة؛ كالإجارة.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن يسار الرجل يزيد نفقة امرأته، ويسار المرأة يزيد به قيمة بضعها المملوك لزوجها.
فكأن كل واحدٍ منهما يجر لنفسه نفعاً، ولذلك قال الله تعالى: {وقرن

الجزء: 4 - الصفحة: 663

في بيوتكن} [الأحزاب: 33]، وقال: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾ [الأحزاب: 53] فأضاف البيوت إليهن تارة وإلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرى.
و«قال ابن مسعود للذي قال له: غُلامي سرقَ مرآة لزوجتي.
قال له: مالُكم سرقَ مالكم» 58. وأما القياس على الإجارة فلا يصح؛ لما بينهما من الفرق وهو وجود التهمة بين المتناكحين، وانتفاؤها بين المؤجر والمؤجرة.
قال: (ولا تُقبل شهادة السيد لعبده ولا العبد لسيده.
وتُقبل شهادة الأخ لأخيه وسائر الأقارب، والصديق لصديقه، والمولى لعتيقه).
أما كون شهادة السيد لعبده لا تُقبل؛ فلأن مال العبد لسيده فشهادة السيد له شهادة لنفسه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من باعَ عبداً وله مالٌ فمالهُ للبائع إلا أن يشترطهُ المبتاع» 59. وأما كون شهادة العبد لسيده لا تُقبل؛ فلأن العبد متهم؛ لأنه يتبسط في مال سيده، ولا يقطع بسرقته.
فلا تُقبل شهادته له؛ كالأب مع ابنه.
وأما كون شهادة الأخ لأخيه تُقبل؛ فلأنه من عدول المسلمين فيدخل في قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: 282] وغير ذلك من الآيات.
ولأن الأخ عدل غير متهم.
فوجب قبول شهادته؛ كالأجنبي.
وأما كون شهادة سائر الأقارب بعضهم لبعض تُقبل؛ فلأنه إذا قُبلت شهادة الأخ لأخيه.
فلأن تُقبل شهادة الأقارب بعضهم لبعض بطريق الأولى.
وأما كون شهادة الصديق لصديقه تُقبل؛ فلعموم النصوص المتقدم ذكرها.
ولأن الصديق إذا كان عدلاً لم يكن متهماً في شهادة صديقه.
وأما كون شهادة المولى لمعتقه تُقبل؛ فلأنه إذا قُبلت شهادة الأخ لأخيه.
فلأن تقبل شهادة المولى لمعتقه بطريق الأولى.

الجزء: 4 - الصفحة: 664

فصل [المانع الثاني] قال المصنف رحمه الله: (الثاني: أن يجرّ إلى نفسه نفعاً بشهادته؛ كشهادة السيد لمكاتبه، والوارث لموروثه بالجرح قبل الاندمال، والوصي للميت، والوكيل لموكله بما هو وكيل فيه، والشريك لشريكه، والغرماء للمفلس بالمال، وأحد الشفيعين بعفو الآخر عن شفعته).
أما كون الثاني مما يمنع قبول الشهادة: أن يجرّ إلى نفسه نفعاً بشهادته؛ فلأنه يلي الأول.
وأما كون ذلك يمنع ذلك؛ فلأن فاعله متهم في الشهادة، والتهمة تمنع من قبول الشهادة.
وأما كون ذلك كشهادة السيد لمكاتبه ... إلى آخره؛ فلأن كل واحدٍ منهم يجرّ إلى نفسه نفعاً بشهادته.
وبيان النفع في كل صورة مما ذكر ظاهر.

الجزء: 4 - الصفحة: 665

فصل [المانع الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يدفع عن نفسه ضرراً؛ كشهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ، والغرماء بجرح شهود الدَّيْن على المفلس، والسيد بجرح من شهد على مكاتبه أو عبده بدين، والوصي بجرح الشاهد على الأيتام، والشريك بجرح الشاهد على شريكه، وسائر من لا تُقبل شهادته لإنسان إذا شهد بجرح الشاهد عليه).
أما كون الثالث مما يمنع قبول الشهادة: أن يدفع عن نفسه ضرراً؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كون ذلك يمنع ذلك؛ فلأن فاعله أيضاً متهم، والتهمة تمنع قبول الشهادة.
وأما كون ذلك كشهادة العاقلة ... إلى آخره؛ فلأن كل واحدٍ يدفع عن نفسه ضرراً بشهادته.
وبيان الضرر في كل صورة مما ذكر ظاهر.

الجزء: 4 - الصفحة: 666

فصل [المانع الرابع] قال رحمه الله: (الرابع: العداوة؛ كشهادة المقذوف على قاذفه، والمقطوع عليه الطريق على قاطعه، والزوج بالزنا على امرأته).
أما كون الرابع مما يمنع قبول الشهادة: العداوة؛ فلأنه يلي الثالث.
وأما كون العداوة تمنع ذلك؛ فلأن في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنة، ولا زانٍ ولا زانية، ولا ذي غِمْرٍ على أخيه» 60. رواه أبو داود.
والغمر: الحقد.
ولأن العداوة تورث التهمة.
فوجب أن تمنع الشهادة؛ كالقرابة القريبة.
وأما كون العداوة كشهادة المقذوف على قاذفه ... إلى آخره؛ فلأن كل واحدٍ من الشهود عدو للمشهود عليه.
وبيان العدواة في كل صورة مما ذكر ظاهر.

الجزء: 4 - الصفحة: 667

فصل [المانع الخامس] قال المصنف رحمه الله: (الخامس: أن يشهد الفاسق بشهادة فترد ثم يتوب ويعيدها فإنها لا تُقبل للتهمة.
ولو لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلاً قُبلت.
ولو شهد كافرٌ أو صبيٌ أو عبدٌ فرُدت شهادتهم ثم أعادوها بعد زوال الكفر والرق والصبى قُبلت).
أما كون الخامس مما يمنع قبول الشهادة: أن يشهد الفاسق بشهادة فترد ثم يتوب ويعيدها؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما كون ذلك يمنع ذلك فلأن فاعله متهم بأدائها؛ لأنه يُعيّر بردها وتلحقه غضاضة.
فإذا أعادها كان متهماً.
وأما كون شهادته تُقبل إذا لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلاً؛ فلأن التهمة إنما كانت من أجل العار الذي يلحقه في الرد، وذلك منتفٍ فيما ذكر.
وأما كون شهادة الكافر والصبي والعبد إذا شهدوا في حال الكفر والصبى والرق ثم أعادوها بعد الإسلام والبلوغ والعتق تُقبل؛ فلأن رد الشهادة في الأحوال المذكورة لا غضاضة فيه فلا تقع تهمة في الإعادة.
وبذلك يظهر الفرق بين رد الشهادة بالفسق وبين ردها بالكفر والصبى والرق.
قال: (وإن شهد لمكاتبه أو لموروثه بجرح قبل برئه فردت ثم أعادها بعد عتق المكاتب وبرء الجريح ففي ردها وجهان.
وإن شهد الشفيع بعفو شريكه في الشفعة عنها فرُدت ثم عفي الشاهد عن شفعته وأعاد تلك الشهادة لم تُقبل.
ذكره القاضي.
ويحتمل أن تُقبل).
أما كون شهادة المكاتب لمكاتبه إذا ردت ثم أعادها بعد عتقه، وشهادة الوارث لموروثه بجرح قبل برئه إذا ردت ثم أعادها بعد برء الجريح: لا تُرد في

الجزء: 4 - الصفحة: 668

وجه؛ فلأن زوال المانع من قبول الشهادة هنا ليس من فعل الشاهد.
فلم يمنع ذلك من قبول شهادته المعادة؛ كزوال الصبَى بالبلوغ.
ولأن رد الشهادة هنا السببُ لا عار فيه فلا يتهم في قصد نفي العار بإعادتها.
وأما كونها تُرد في وجه؛ فلأن الحاكم رد شهادة من ذكر باجتهاده فلا ينقض ذلك باجتهاده.
والأول أصح.
ذكره المصنف في المغني وعلله بأن الأصل قبول شهادة العدل.
وقياس الشاهد هنا على المردود الشهادة بالفسق لا يصح؛ لوجود التهمة في حق الفاسق وانتفائها.
وأما نقض الاجتهاد بالاجتهاد فهو جائز بالنسبة إلى المستقبل غير جائز بالنسبة إلى ما مضى، ولذلك قضى عمر رضي الله عنه في قضية بقضايا مختلفة قال: «ذلك على ما قضينَا وهذا على ما نقضي» 61. وقبول الشهادة هنا من النقض في المستقبل لا في الماضي.
وأما كون شهادة الشفيع بعفو شريكه في الشُفعة إذا أعادها بعد ردها لا تُقبل؛ فلأنه متهم في الشهادة؛ كالفاسق إذا أعاد شهادته المردودة لفسقه.

الجزء: 4 - الصفحة: 669

باب أقسام المشهود به

قال المصنف رحمه الله: (والمشهود به ينقسم خمسة أقسام: أحدها: الزنا وما يوجب حده.
فلا تُقبل فيه إلا شهادة أربعة رجال أحرار.
وهل يثبت الإقرار بالزنا بشاهدين أو لا يثبت إلا بأربعة؟ على روايتين).
أما كون المشهود به ينقسم خمسة أقسام؛ فلأنه تارة يكون الزنا وما يوجب حده، وتارة القصاص وسائر الحدود، وتارة ما ليس بمال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص، وتارة المال وما يقصد به المال، وتارة ما لا يطلع عليه الرجال.
وأما كون أحدها: الزنا وما يوجب حده؛ فظاهر.
وأما كون ذلك لا تُقبل فيه إلا شهادة أربعة؛ فلأن الله تعالى قال ذلك في آياتٍ من كتابه: منه قوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور: 13].
وأما كونهم رجالاً؛ فلأن المرأة ضعيفة العقل، قليلة الأمانة.
فيكون ذلك شُبهة، والحد يدرأ بالشبهة.
وأما كونهم أحراراً؛ فلأن في قبول شهادة العبيد خلافاً بين العلماء فيكون ذلك شبهة مانعة من قبول شهادتهم فيما يدرأ بالشبهة، وقد تقدم في شهادة العبيد أنها تُقبل في الحدود في رواية 62. والأول أصح؛ لما ذكر.
فإن قيل: لم يذكر المصنف رحمه الله أن يكونوا عدولاً؟

الجزء: 4 - الصفحة: 670

قيل: اكتفى باشتراط ذلك في الأموال؛ لأنه نبَّه على تأكيد الشهادة على الزنا بالأمور المذكورة فيعلم المتفَقِّه أن اشتراط العدالة فيها أولى.
وكذلك عدم ذكره لباقي الشروط الآتي ذكرها.
والعدالة المعتبرة ظاهراً وباطناً وجهاً واحداً وإن اختلف في ذلك في الأموال لتأكيد الزنا واشتراط ما ذكر.
وأما كون الإقرار بالزنا هل يثبت بشاهدين أم لا يثبت إلا بأربعة؟ على روايتين؛ فلأن قياسه على سائر الأقارير يقتضي ثبوته بشاهدين، وقياسه على الفعل يقتضي أن لا يثبت إلا بأربعة.
ولا بد أن يلحظ في الروايتين المذكورتين: أن تكون الشهادة على إقرارٍ تكرر أربعاً.
فلو كانت الشهادة على الإقرار مرتين أو ثلاثاً لم يحد حد الزنا.
وقد ذكر ذلك في الفصل الثالث من باب حد الزنا 63. قال: (الثاني: القصاص وسائر الحدود.
فلا يُقبل فيه إلا رجلان حران).
أما كون ما ذكر لا يُقبل فيه إلا رجلان؛ فلأن المرأة ضعيفة العقل قليلة الأمانة غالباً، وذلك يقتضي أن الثقة بقولها فيما عداهما على مقتضاه.
وأما كونهما حرين؛ فلأن في شهادة العبيد خلافاً في الجملة.
فلم يثبت القصاص وسائر الحدود بشهادتهم؛ كالشهادة على الزنا.
فإن قيل: القتل أعظم من الزنا فإذا اشترط في الزنا أربعة.
فلأن يشترط في القتل الأربعة بطريق الأولى.
قيل: القتل فيه حق آدمي وفي اشتراط الأربعة إسقاط له بخلاف الزنا.
قال: (الثالث: ما ليس بمال ولا يُقصد به المال ويَطَّلعُ عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص؛ كالطلاق والنسب والولاء والوكالة في غير المال والوصيةُ إليه وما أشبه ذلك: فلا يُقبل فيه إلا رجلان.
وعنه في النكاح والرجعة والعتق: أنه يُقبل فيه شهادة رجل وامرأتين.
وعنه في العتق: أنه يُقبل فيه شاهدٌ ويمين المدعي.
وقال القاضي: النكاحُ وحقوقه من الطلاق والخلع

الجزء: 4 - الصفحة: 671

والرجعة لا يثبتُ إلا بشاهدين رواية واحدة، والوكالة والوصية والكتابة ونحوها تُخَرَّج على روايتين.
قال أحمد رحمه الله في الرجل يُوكل وكيلاً ويشهد على نفسه رجلاً وامرأتين: إن كانت في المطالبة بدين فأما غير ذلك فلا).
أما كون ما ليس بمال ولا يُقصد به المال ويَطَّلعُ عليه الرجال في غالب الأحوال؛ كالطلاق لا يُقبل فيه إلا رجلان رواية واحدة؛ فلأن الشرع متشوفٌ إلى عدمه.
وأما كون النكاح والرجعة والعتق لا يُقبل فيهما إلا ذلك على المذهب؛ فبالقياس على الطلاق.
وأما كونهما يقبل فيهما شهادة رجلٍ وامرأتين على روايةٍ؛ فلأنهما لا يسقطان بالشبهة.
والأول أصح؛ لأن إلحاق النكاح بالطلاق أولى من إلحاقه بالمال، ولذلك قال القاضي: لا يثبتان إلا بشهادة رجلين رواية واحدة.
وأما كون العتق لا يُقبل فيه إلا رجلان على روايةٍ؛ فلأنه إزالة ملكٍ لا على وجه المعاوضة.
فلم يقبل فيه إلا ذلك؛ كالنكاح.
وأما كونه يُقبل فيه شهادة رجل وامرأتين على روايةٍ؛ فلأن العبد مالٌ.
فقبل في عتقه شهادة رجل وامرأتين؛ كسائر الأموال.
وأما كونه يُقبل فيه شهادة واحد ويمين العبد على روايةٍ؛ فلأن في الشرع تشوفاً إلى العتق، وفي قبول شاهد ويمين المعتق توسعة في ثبوت المعتق.
وأما كون ما عدا ذلك من الصور التي ذكرها المصنف رحمه الله وما في معناها لا يُقبل فيه إلا رجلان على المذهب؛ فبالقياس على الطلاق.
وأما كون النكاح وحقوقه من الطلاق والخلع والرجعة لا يثبتُ إلا بشاهدين رواية واحدة، والوكالة والوصية والكتابة ونحوها تخرج على روايتين على قول القاضي؛ فلأن النكاح وحقوقه يحتاط له.
بخلاف بقية ما ذكر.
قال: (الرابع: المال وما يقصد به المال؛ كالبيع والقرض والرهن والوصية له، وجناية الخطأ: يُقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وشاهد ويمين المدعي.
وهل تُقبل

الجزء: 4 - الصفحة: 672

في جناية العمد الموجبة للمال دون القصاص؛ كالهاشمة والمنقلة شهادة رجل وامرأتين؟ على روايتين).
أما كون المال يُقبل فيه شهادة رجلٍ وامرأتين؛ فبالكتاب والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ... -إلى أن قال-: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان﴾ [البقرة: 282]. وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على قبول شهادة النساء في الأموال.
وأما كون ما يقصد منه المال كالصور التي ذكرها المصنف رحمه الله يُقبل فيها شهادة رجل وامرأتين؛ فلأن المقصود منها المال.
أشبهت الشهادة بنفس المال.
وأما كون المال يُقبل فيه شاهد ويمين المدعي؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استشرتُ جبريلَ في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار عليّ بذلك في الأموال لا تعدو ذلك».
رواه أحمد بإسناده.
وعن عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قضَى بالشاهدِ واليمين.
قال عمرو: في الأموال» 64. وعن أبي هريرة قال: «قضَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم باليمينِ مع الشاهدِ الواحد» 65. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ولأن اليمين يشرع في حق من ظهر صدقه، ولذلك شرعت في حق صاحب اليد وفي حق المنكر، والمدعي هاهنا ظهر صدقه بشاهده.
فوجب أن يشرع اليمين في حقه.
وأما كون ما يقصد منه المال يُقبل فيه ذلك؛ فلأن ذلك كالمال نفسه في شهادة المرأتين.
فكذلك في القضاء باليمين مع الشاهد.

الجزء: 4 - الصفحة: 673

وأما كون جناية العمد الموجبة للمال دون القصاص؛ كالهاشمة والمنقلة على روايتين؛ فلأن النظر إلى أن موجبها المال تشبه الجناية خطأ وهي تثبت برجل وامرأتين، والنظر إلى أنها جناية عمد تشبه القتل وهو لا يثبت إلا برجلين.
والأول المذهب.
قاله صاحب المغني فيه.
قال: (الخامس: ما لا يطلع عليه الرجالُ؛ كعيوب النساء تحت الثياب والرضاع والاستهلال والبكارة والثيوبة والحيض ونحوه: فيُقبل فيه شهادة امرأة واحدة.
وعنه: لا يُقبل فيه أقل من امرأتين.
وإن شهد به الرجل كان أولى بثبوته).
أما كون ما لا يَطَّلع عليه الرجال من كل المواضع المذكورة ونحوها يُقبل فيها شهادة امرأة واحدة على المذهب؛ فلأن شهادتها مقبولة في بعضها؛ لما تقدم من حديث عقبة بن الحارث «لما تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب.
فقالت الأمة السوداء: قد أرضعتكُما.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وكيفَ وقد زعمتْ أن قد أرضعتكما» 66. فتقبل في باقي الصور بالقياس على ذلك.
وعن علي رضي الله عنه «أنه أجازَ شهادةَ القابلةِ وحدها في الاستهلال» 67. رواه الإمام أحمد.
وأما كونه لا يُقبل فيه أقل من امرأتين على روايةٍ؛ فلأن كل جنسٍ لم يثبت الحق فيه لم يثبت إلا باثنين.
دليله الرجال.
ولأن الرجل أكمل من المرأة، والحق في غير هذه الصورة لا يثبت به وحده.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما كون الرجل إذا شهد بذلك في المواضع المذكورة ونحوها أولى بثبوته؛ فلأن الرجل أكمل من المرأة.
فإذا ثبت ذلك في المواضع المذكورة بشهادة النساء فالرجال أولى.

الجزء: 4 - الصفحة: 674

فصل [في شهادة الرجل والمرأتين] قال المصنف رحمه الله: (وإذا شهد بقتل العمد رجل وامرأتان لم يثبت قصاص ولا دية.
وإن شهدوا بالسرقة ثبت المال دون القطع).
أما كون القصاص لا يثبت بما ذكر؛ فلأن من شرط ثبوته: أن يشهد به رجلان ولم يوجد.
وأما كون الدية لا تثبت؛ فلأن الواجب بقتل العمد إما القصاص عيناً، وإما أحد الأمرين، وعلى التقديرين لا ينبغي أن تجب الدية: أما إذا قيل: الواجب القصاص عيناً؛ فلأن الدية حينئذ بدل عنه، وإذا لم يثبت المبدل لا يثبت البدل.
وأما إذا قيل: الواجب أحد الأمرين؛ فلأن تعين أحدهما لا يثبت إلا بالاختيار أو التعذر بعد الثبوت، وكلاهما منتفٍ هنا.
وأما كون المال في مسألة السرقة يثبت دون القطع؛ فلأن الشهادة بالسرقة توجب المال والقطع فيها وشرط ثبوت المال موجود؛ لأنه يثبت بشهادة رجل وامرأتين، وشرط القطع منتفٍ؛ لأنه لا يثبت إلا بشهادة رجلين.
قال: (وإن ادعى رجل الخلع قُبل فيه رجل وامرأتان.
وإن ادعته المرأة لم يُقبل فيه إلا رجلان).
أما كون الرجل إذا ادعى الخلع يُقبل فيه رجل وامرأتان؛ فلأنه مدعٍ بالمال معترف بالبينونة، والمال يثبت بالرجل والمرأتين.
وأما كون المرأة إذا ادعته لم يُقبل فيه إلا رجلان؛ فلأنها مدعية البينونة معترفة بالمال، والبينونة لا تثبت إلا برجلين.

الجزء: 4 - الصفحة: 675

قال: (وإذا شهد رجل وامرأتان لرجلٍ بجارية أنها أم ولده وولدها منه قُضي له بالجارية أم ولد.
وهل تثبت حرية الولد ونسبه من مدعيه؟ على روايتين).
أما كون المشهود له بها؛ فلأنه يدعي ملكها، وقد أقام بذلك بينة كافية فيه.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه حصل بقول البينة.
قيل: ليس مراده ذلك بل مراده الحكم بأنها أم ولده مع قطع النظر عن علة ذلك، وعلته أن المدعي مقر بأن وطئها كان في ملكه.
وأما كون الولد تثبت حريته ونسبه من مدعيه على روايةٍ؛ فلأن من يثبت له عين يثبت له نماؤها، والولد من نمائها، وإذا ثبت أنه له ثبتت حريته ونسبه لإقراره بذلك.
وأما كونه لا تثبت حريته ولا نسبه من مدعيه على روايةٍ؛ فلأن بينته لا تصلح لإثبات ذلك.
فعلى هذا يبقى الولد في يد المنكر مملوكاً له.

الجزء: 4 - الصفحة: 676

باب الشهادة على الشهادة

والرجوع عن الشهادة الأصل في الشهادة على الشهادة في الجملة الإجماع والمعنى: أما الإجماع؛ فقال أبو عبيد: أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشهادة على الشهادة في الأموال.
وأما المعنى؛ فلأن الحاجة داعية إليها فإنها لو لم تقبل لبطلت الشهادة بالوقوف، وما تأخر إثباته عند الحكام لو ماتت شهوده.
وفي ذلك ضرر عظيم ومشقة شديدة.
قال المصنف رحمه الله: (تُقبل الشهادة على الشهادة فيما يُقبل فيه كتاب القاضي، وترد فيما يرد فيه.
ولا تُقبل إلا أن تتعذر شهادة شهود الأصل بموتٍ أو مرضٍ أو غيبةٍ إلى مسافة القصر.
وقيل: لا تُقبل إلا بعد موتهم).
أما كون الشهادة على الشهادة تُقبل فيما يُقبل فيه كتاب القاضي وترد فيما يرد فيه؛ فلأنها في معناه؛ لاشتراكهما في كونهما فرعاً لأصل.
وأما كونها لا تُقبل إلا أن يتعذر فيها شهود الأصل؛ فلأنه إذا أمكن سماع الحاكم شهادة شهود الأصل يكون قادراً على سماع الأصل.
فلم يجز العدول عنه؛ كسائر الأصول مع فروعها.
ولأن قدرة القاضي على سماع شهود الأصل يقتضي البحث عن عدالة شاهدي الفرع، ويمكنه العلم بشهادة شهود الأصل.
فلم يجز له العدول إلى ظن شهادتهم بشهادة شاهدي الفرع.
وأما كون التعذر بموتٍ فلا خلاف فيه؛ لتحققه معه.
وأما كونه بمرضٍ أو غيبةٍ إلى مسافة القصر على المذهب؛ فلأن الشهادة يتعذر معهما.
أشبها الموت.

الجزء: 4 - الصفحة: 677

وأما كون الشهادة المذكورة لا تُقبل إلا بعد موت شهود الأصل على قول؛ فلأن المريض ترجى عافيته والغائب يرجى قدومه.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن انتظار صحة المريض وقدوم الغائب يؤدي إلى ضرر صاحب الحق وتأخير حقه لأمر يحتمل أن يصير ويحتمل أن لا يصير.
فعلى هذا يتعدى الأمر إلى المحبوس والخائف من سلطان أو غيره أو نحو ذلك؛ لأن جميع ذلك تتعذر معه الشهادة من شهود الأصل.
أشبها المريض والغائب.
قال: (ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل فيقول: اشهد على شهادتي أني أشهد أن فلان ابن فلان وقد عرفتُه بعينه واسمه ونسبه أقرّ عندي وأشهدني على نفسه طوعاً بكذا، أو شهدتُ عليه أو أقرّ عندي بكذا).
أما كون شاهد الفرع لا يجوز له أن يشهد إذا لم يسترعيه شاهد الأصل؛ فلأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة، والنيابة بغير إذن لا يجوز.
فإن قيل: إذا كان استرعاء شاهد الأصل معتبراً في شهادة الفرع فهل يعتبر أن يسترعيه بعينه أم يجوز لم لم يسترع أن يشهد على شهادته؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما: يعتبر أن يسترعيه بعينه.
وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا؛ لأنه ذكر هاهنا شاهد الفرع.
ثم قال: يسترعيه فأعاد الضمير إليه ثم أتبعه بقوله فيقول: اشهد على شهادتي.
والثاني: لا يعتبر أن يسترعيه بعينه بل إذا سمع رجلاً يسترعي رجلاً جاز للسامع أن يشهد وإن لم يسترعه وهو الذي رجحه المصنف رحمه الله في المغني وعلله بحصول الاسترعاء.
وأما كونه يجوز له ذلك إذا استرعاه شاهد الأصل؛ فلأن المانع منه عدم إذنه له، وذلك مفقود مع ذلك.
وأما كون الاسترعاء كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأنه محصل للغرض.

الجزء: 4 - الصفحة: 678

قال: (وإن سمعه يقول: أشهد على فلان بكذا لم يجز أن يشهد؛ إلا أن يسمعه يشهد عند الحاكم أو يشهد بحقٍ يعزيه إلى سببٍ من بيعٍ أو إجارةٍ أو قرضٍ فهل يشهد به؟ على وجهين).
أما كون شاهد الفرع لا يجوز أن يشهد إذا سمع شاهد الأصل يقول: أشهد على فلان بكذا من غير ذكر سبب ولا شهادة عند الحاكم؛ فلأن شاهد الأصل لم يسترعه الشهادة.
ولأن شاهد الأصل يجوز أن يريد بالشهادة العلم ولو قال: أعلم لم يجز للفرع أن يشهد على شهادته.
وأما كون من سمع من يشهد عند الحاكم أو يعزي شهادته إلى سبب يجوز له أن يشهد على شهادته على وجه؛ فلأن بشهادته عند الحاكم وعزوه الاستحقاق إلى سبب يزول الاحتمال ويرتفع الإشكال.
وأما كونه لا يجوز له ذلك على وجه؛ فلأنه لم يسترعه للشهادة عليه.
قال: (وتثبت شهادة شاهدي الأصل بشهادة شاهدين يشهدان عليهما سواء شهدا على كل واحدٍ منهما أو شهد على كل واحدٍ منهما شاهد من شهود الفرع.
وقال أبو عبدالله بن بطة: لا تثبت حتى يشهد أربعة على كل شاهد أصل شاهدا فرع).
أما كون شهادة شاهدي الأصل تثبت بشهادة شاهدين يشهدان عليهما على المذهب؛ فلأن شهود الفرع بدل عن شهود الأصل، وشاهدا الأصل اثنان فكذا الأصل 68. فعلى هذا لا فرق في الشاهدين بين أن يشهد كل واحدٍ على واحدٍ وبين أن يشهدا على كل واحدٍ منهما؛ لأن الغرض مشابهة الفرع الأصل وبالأول تحصل المشابهة وبالثاني تتأكد القضية والمطلوب حصول المشابهة لا تأكد القضية.
وأما كونها لا تثبت حتى يشهد أربعة على كل أصلٍ فرعان على قول ابن بطة؛ فلأن شاهدي الفرع يُثبتان شهادة شاهدي الأصل.
فلا تثبت شهادة كل

الجزء: 4 - الصفحة: 679

واحدٍ منهما بواحدٍ؛ كما لا يثبت إقرار مقرين بشهادة اثنين يشهد كل واحدٍ منهما على واحد.
قال: (ولا مدخل للنساء في شهادة الفرع.
وعنه: لهن مدخلٌ فيشهد رجلان على رجل وامرأتين، أو رجل وامرأتان على رجل وامرأتين.
وقال القاضي: لا تجوز شهادة رجلين على رجل وامرأتين نص عليه أحمد.
قال أبو الخطاب: وفي هذه الرواية سهو من ناقلها).
أما كون النساء لا مدخل لهن في شهادة الفرع على المذهب؛ فلأنهن يثبتن بشهادتهن شهادة الأصل، وليست بمال ولا المقصود منها المال ويطلع عليها الرجال في غالب الأحوال.
أشبه القصاص والحد.
وأما كونهن لهن مدخلٌ فيها على روايةٍ؛ فلأن المقصود من شهادتهن إثبات الحق الذي يشهد به شهود الأصل.
فكان لهن في ذلك مدخل؛ كالبيع.
فعلى الأول لا يشهد رجلان على رجل وامرأتين، وعلى الثاني يشهد رجلان على رجل وامرأتين.
وأما كون شهادة رجلين على رجل وامرأتين لا يجوز على قول القاضي أنه منصوص الإمام أحمد؛ فلأن في الشهادة على الشهادة ضعفاً وفي شهادة النساء ضعف فلا يضم ضعف إلى ضعف.
وأما كون هذه الرواية سهواً من ناقلها على قول أبي الخطاب؛ فلأنه إذا قُبل شهادة امرأة على شهادة امرأة.
فلأن تقبل شهادة رجل على شهادة امرأة بطريق الأولى؛ لأن الرجل أحسن حالاً من المرأة.
ولأن ناقل هذه الرواية قال فيها: أقبل فيها شهادة رجل على شهادة رجلين وذلك مما لا وجه له؛ لأن رجلاً واحداً لو كان أصلاً فشهد في القتل العمد ومعه ألف امرأة لا يُقبل فإذا شهد بها وحده وهو فرع كيف يقبل ويحكم بها؟ . قال: (ولا يجوز للحاكم أن يحكم بشهادة شاهدي الفرع حتى يثبت عنده عدالتهما وعدالة شاهدي الأصل).
أما كون الحاكم لا يجوز له أن يحكم بشهادة شاهدي الفرع حتى يثبت عنده عدالة شاهدي الفرع؛ فلأن الحق يترتب على قولهما ويثبت به.

الجزء: 4 - الصفحة: 680

وأما كونه لا يجوز له ذلك حتى يثبت عنده عدالة شاهدي الأصل؛ فلأنهما أصلان.
فلأن تعتبر عدالتهما بطريق الأولى.
قال: (وإن شهدا عنده فلم يحكم حتى حضر شهود الأصل وُقف الأمر على سماع شهادتهم.
وإن حدث منهم ما يمنع قبول الشهادة لم يجز الحكم).
أما كون الأمر يُوقف على سماع شهادة شهود الأصل إذا حضروا قبل الحكم بشهادة شاهدي الفرع؛ فلأن الحاكم قدر على الأصل قبل العمل بالبدل.
فلم يجز العمل؛ كما لو تيمم ثم قدر على الماء قبل الصلاة.
ولأن حضورهما لو وجد في ابتداء الشهادة منع.
فإذا طرأ قبل الحكم منع؛ كالفسق.
وأما كون الحكم لا يجوز إذا حدث من شهود الفرع ما يمنع قبول الشهادة كفسق بعضهم؛ فلأن ما كان شرطاً في قبول الشهادة كان استمراره إلى حين الحكم شرطاً في جوازه.
دليله: عدالة الأصل بعد أدائه.
قال: (وإن حكم بشهادتهما ثم رجع شهود الفرع لزمهم الضمان.
وإن رجع شهود الأصل لم يضمنوا.
ويحتمل أن يضمنوا).
أما كون شهود الفرع إذا رجعوا لزمهم الضمان فيما ذكر؛ فلأنهم بشهادتهم حالوا بين صاحب الحق وبين حقه على وجهٍ لا يمكن استدراكه وذلك يوجب الضمان.
دليله: ما لو شهد شاهدان بمال لزيدٍ فحكم الحاكم له ثم رجعا.
وسيأتي ذكر ذلك ودليله 69. وأما كون شهود الأصل إذا رجعوا لا يضمنون على المذهب؛ فلأن شهادتهم ما ألجأت القاضي إلى الحكم.
وأما كونهم يحتمل أن يضمنوا؛ فلأن شاهدي الفرع نائبا شاهدي الأصل لما حصل الإلجاء بشهادة شاهدي الفرع.

الجزء: 4 - الصفحة: 681

فصل [إذا رجع الشهود] قال المصنف رحمه الله: (ومتى رجع شهود المال بعد الحكم لزمهم الضمان، ولم ينقض الحكم سواء كان قبل القبض أو بعده، وسواء كان المال قائماً أو تالفاً).
أما كون شهود المال إذا رجعوا بعد الحكم يلزمهم الضمان؛ فلأنهم حالوا بين المالك وماله بشهادتهم الثابت كونها باطلة بقولهم.
فلزمهم الضمان؛ كما لو غصب غاصبٌ العبد وهرّبه.
وأما كون الحكم لا ينقض؛ فلأن حق المشهود له وجب بالحكم.
فلا يسقط بعد وجوبه بقول الشهود واعترافهم بالكذب؛ لأنه يحتمل كذبهم فيه.
ولأن رجوعهم ليس بشهادة، والحق الثابت بشهادة أو إقرار لا يزيله إلا شهادة على صاحبه أو إقرار منه.
وأما كون ذلك كذلك سواء كان قبل القبض أو بعده، وسواء كان المال قائماً أو تالفاً؛ فلأن وجوب الحق متعلق بالحكم وهو موجود في الأمور المذكورة على حدٍ سواء.
قال: (وإن رجع شهود العتق غرموا القيمة.
وإن رجع شهود الطلاق قبل الدخول غرموا نصف المسمى.
وإن كان بعده لم يغرموا شيئاً.
وإن رجع شهود القصاص أو الحد قبل الاستيفاء لم يستوف.
وإن كان بعده وقالوا: أخطأنا فعليهم دية ما تلف).
أما كون شهود العتق يغرمون القيمة إذا رجعوا؛ فلأنهم حالوا بين مالك العبد وملكه بشهادتهم بعتقه وقد اعترفوا بكذبهم.
فلزمهم قيمته؛ كما لو غصب عبداً فهرَّبه.
وأما كون شهود الطلاق يغرمون نصف المسمى إذا رجعوا قبل الدخول؛ فلأنهم فوَّتوا ذلك على الزوج حيث أوجبوه عليه بشهادتهم التي تبيَّن كذبها.

الجزء: 4 - الصفحة: 682

وأما كونهم لا يغرمون شيئاً إذا رجعوا بعد الدخول؛ فلأن المنفعة التي قابلت المهر استوفاها بدخوله بالزوجة المشهود بطلاقها وإذا كان كذلك لم يفوت الشهود على المشهود عليه شيئاً لم يستوف نفعه.
وأما كون شهود القصاص والحد لا يستوفى ما شهدوا به إذا رجعوا قبل الاستيفاء؛ فلأن رجوعهم شبهة، والحد يسقط بالشبهة، والقصاص عقوبة.
فوجب أن يساويه في حكمه.
وأما كونهم عليهم الدية إذا رجعوا بعد الاستيفاء وقالوا: أخطأنا؛ فلأن بإقراره تمّ تبين أن التلف حصل بسببهم لكن على طريق الخطأ.
فلزمتهم الدية؛ كما لو قتل شخصٌ شخصاً خطأ.
قال: (ويتقسّط الغرم على عددهم.
فإن رجع أحدهم وحده غَرم بقسطه).
أما كون الغرم يتقسّط على عدد الشهود؛ فلأن التفويت حصل منهم كلهم.
فوجب تقسيط الغرامة عليهم كلهم؛ كما لو اتفق جماعة وأتلفوا ملكاً لإنسان.
وأما كون الواحد يغرم بقسطه؛ فلأن الإتلاف حصل بشهادتهم.
فوجب أن يغرم الراجع بقسطه؛ كما لو رجع الجميع.
ولأن ما يضمنه كل واحدٍ مع اتفاقهم على الرجوع يجب أن يضمنه الراجع إذا انفرد؛ كما لو كانوا أربعة.
قال: (وإذا شهد عليه ستة بالزنا فرُجم ثم رجعَ منهم اثنان غرُما ثلثَ الدية.
وإن رجع الكل لزمتهم الدية أسداساً).
أما كون الشاهدين الراجعين يغرمان ثلث الدية؛ فلأنهم اثنان من ستة.
وأما كون الدية تلزم الكل أسداساً إذا رجعوا؛ فلأنهم ستة، والغرامة تقسط عليهم.

الجزء: 4 - الصفحة: 683

قال: (وإن شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان فرُجم ثم رجع الجميع لزمتهم الدية أسداساً في أحد الوجهين، وفي الآخر على شهود الزنا النصف، وعلى شهود الإحصان النصف).
أما كون الدية تلزم من ذكر أسداساً؛ فلأن الرجم مستند إلى شهادة ستة، والغُرم يقسط على عدد الشهود.
وأما كونها تلزمهم نصفين؛ فلأن بينة الإحصان غير بينة الزنا.
فيجب أن تنقسم عليهما.
قال: (وإن شهد أربعة بالزنا وشهد اثنان منهم بالإحصان صحت الشهادة.
فإن رُجم ثم رجعوا عن الشهادة فعلى من شهد بالإحصان ثلُثا الدية على الوجه الأول، وعلى الثاني تلزمهم ثلاثة أرباعها).
أما كون الشهادة المذكورة تصح؛ فلأنها لا مانع من صحتها.
وأما كون شهود الإحصان عليهم ثلُثا الدية على الوجه الأول؛ فلأن الرجم مستند إلى شهادة ستة معنى؛ لأن شهود الإحصان من حيث الإحصان اثنان، ومن حيث الزنا اثنان والآخران تكملة بينة الزنا، وإذا كان كذلك فعلى شهود الإحصان من حيث الإحصان ثلث الدية؛ لأنهما ثلث البينة، ومن حيث الزنا ثلثها؛ لأنهما ثلث الستة.
وأما كونهم يلزمهم ثلاثة أرباع الدية على الوجه الثاني؛ فلأن الدية تقسط على بينتي الزنا والإحصان نصفين.
فلزم بينة الإحصان النصف من حيث إنهما بينة إحصان، ويلزمهما الربع من حيث إنهما نصف بينة الزنا، ومجموع ذلك ثلاثة أرباع الدية.
قال: (وإن حكم بشاهدٍ ويمينٍ فرجع الشاهد غرُم المال كله.
ويتخرج أن يغرم النصف).
أما كون الشاهد المذكور يغرُم المال كله؛ فلأن قول الخصم ليس بحجةٍ على خصمه.
وإنما هو شرط الحكم.
فجرى مجرى مطالبته للحاكم بالقضاء له.
وأما كونه يتخرج أن يغرم النصف؛ فلأن اليمين أحد حُجتي الدعوى.
فلم يكن على الشاهد أكثر من النصف؛ كما لو كان معه شاهد آخر.

الجزء: 4 - الصفحة: 684

قال: (وإن بانَ بعد الحكم أن الشاهدين كانا كافرين أو فاسقين نقض ويرجع بالمال أو ببدله على المحكوم له.
وإن كان المحكوم به إتلافاً فالضمان على المزكين، فإن لم يكن ثَمَّ تزكية فعلى الحاكم.
وعنه: لا ينقض إذا كانا فاسقين).
أما كون الحكم ينقض إذا بانَ الشاهدان كافرين؛ فلأن شرط الحكم كون الشاهد مسلماً ولم يوجد.
وأما كونه ينقض إذا بانَ الشاهدان فاسقين على المذهب؛ فلما ذكر في الكافر.
وأما كونه لا ينقض على روايةٍ؛ فلأن شرط الحكم أن لا يظهر للقاضي فسق الشهود وذلك موجود.
والفرق بين الكفر والفسق: أن الكفر لا يخفى غالباً.
بخلاف الفسق فإنه يخفى غالباً فلذلك كان المعتبر في الكفر عدمه وفي الفسق عدم ظهوره.
وأما كون المال يرجع به أو ببدله على المحكوم له؛ فلأن الحكم قد نقض.
فيجب أن يرجع الحق إلى مستحقه.
فإذا كان ذلك موجوداً لزم رده بعينه، وإن كان تالفاً لزم رد بدله.
وأما كون الضمان على المزكين إذا كان المحكوم به إتلافاً؛ كالقتل والقطع وما أشبههما؛ فلأن المحكوم به تعذر رده، وشهود التزكية ألجؤا الحاكم إلى الفعل المذكور.
فلزمهم ضمانه؛ كما لو شهد عدلان بحقٍ ثم حكم الحاكم ثم رجعا.
وأما كونه على الحاكم إذا لم يكن تزكية؛ فلأن التلف حصل بفعله أو بأمره.
فلزمه ضمانه: أما فيما إذا حصل بفعله مثل: أن يقتل أو يقطع أو ما أشبه ذلك بنفسه؛ فظاهر.
وأما فيما إذا أمر بذلك؛ فلأن الحاكم سلّطه على ذلك ومكّنه منه.
فإن قيل: إذا أمر الحاكم الولي بالاستيفاء ينبغي أن يكون الضمان عليه؛ كما لو حكم له بمال فقبضه ثم بان فسقُ الشهود فإن الضمان على المستوفي دون الحاكم فكذا هاهنا.

الجزء: 4 - الصفحة: 685

قيل: ثَمَّ حصل في يد المستوفي مال المحكوم عليه بغير حقٍ.
فوجب عليه رده وضمانه إن تلف وهاهنا لم يحصل في يده شيء، وإنما أتلف شيئًا بخطأ الإمام وتسليطه عليه فافترقا.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: في محل الضمان روايتان: إحداهما: في بيت المال؛ لأن الحاكم نائب المسلمين ووكيلهم، وخطأ الوكيل في حق موكله عليه.
ولأن خطأ الحاكم يكثر؛ لكثرة تصرفاته وحكوماته.
فإيجاب ضمان ما يخطئ فيه على عاقلته إجحاف بهم.
والرواية الثانية: هي على عاقلته مخفّفة مؤجلة؛ لما روي «أن امرأة ذُكرت عند عمر بسوء فأنفذَ إليها فأجهضت.
فبلغَ ذلك عمر فشاورَ الصحابة.
فقال بعضهم: لا شيءَ عليكَ.
وقال علي: أرى عليك الدية.
فقال عمر: عزمتُ عليك أن لا تبْرح حتى تقسمها على قومك» 70. يعني قريشاً؛ لأنهم عاقلة عمر، ولو كان خطؤه واجباً في بيت المال لم يوجب الدية على عاقلته.
ولأن تلف المحكوم به حصل بخطئه فكان على عاقلته كخطئه في غير الحكم.
فعلى هذه الرواية إن كان المتلفُ يبلغ ثلث الدية فصاعداً تحملته العاقلة والكفارة تجب في ماله؛ لأن العاقلة في قتل الخطأ تحمل الثلث فصاعداً دون الكفارة فكذلك هاهنا، وإن كان المتلف أقل من الثلث فذلك في ماله؛ لأن العاقلة لا تحمل أقل من الثلث، وعلى الرواية الأولى الكفارة والقليل والكثير من الدية في بيت المال؛ لأن جعل ذلك في بيت المال لعلة أنه نائب عنهم وخطأ النائب على من استنابه وهذا يدخل فيه القليل والكثير.
ولأنه يكثر خطؤه فجعل الضمان في ماله يجحف به وإن قل لكثرته بتكرره.

الجزء: 4 - الصفحة: 686

قال: (وإن شهدوا عند الحاكم بحقٍّ ثم ماتوا حكم بشهادتهم إذا ثبتت عدالتهم).
أما كون الشهود إذا ماتوا بعد أن شهدوا عند الحاكم بحقٍ يحكم بشهادتهم؛ فلأن الموت لا يؤثر في الشهادة ولا يدل على الكذب فيها ولا يحتمل أن يكون موجوداً حال أداء الشهادة.
بخلاف الفسق فإنه يحتمل ذلك.
وأما كون ثبوت عدالتهم شرطاً؛ فبالقياس على الحياة.
وفي قول المصنف رحمه الله: إذا ثبتت عدالتهم؛ تنبيه على أن الموت لا يُسقط اعتبار العدالة في حق الشهود.
وهو صحيح؛ لأن العدالة إنما اعتبرت بحصول الثقة للقاضي بقول الشاهد، وذلك موجود مع الموت كالحياة.
قال: (وإذا علم الحاكم بشاهد الزور عزّره وطاف به في المواضع التي يشتهر فيها فيقال: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاجتنبوه).
أما كون الحاكم إذا علم بشاهد الزور يعزره؛ فلأن ذلك قول عمر رضي الله عنه ولم يعرف له مخالف.
ولأن قول الزور معصية لا حد فيه.
فوجب فيه التعزير؛ كالشتم.
وأما كونه يطوف به في المواضع المذكورة؛ فليشتهر أمره ليجْتنب.
وأما كون الطائف به يقول كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن الشهرة بمفردها لا يحصل بها إعلام الناس به.
فلم يكن بد من القول المذكور أو ما أشبهه.
قال: (ولا تُقبل الشهادة إلا بلفظ الشهادة، فإن قال: أعلم أو أُحق لم يُحكم به).
أما كون الشهادة لا تُقبل إلا بلفظ الشهادة؛ فلأنا قد تعبدنا بذلك.
فلا يقوم غيره مقامه؛ كالصلاة.
وأما كون الشاهد إذا قال: أعلم أو أُحِق لا يُحكم به؛ فلأن الحكم يعتمد لفظ الشهادة؛ لما ذكر ولم يوجد.

الجزء: 4 - الصفحة: 687

باب اليمين في الدعاوى

قال المصنف: (وهي مشروعةٌ في حق المنكر في كل حقٍّ لآدمي.
قال أبو بكر: إلا في النكاح والطلاق.
وقال أبو الخطاب: إلا في تسعة أشياء: النكاح والرجعة والطلاق والرق والولاء والاستيلاد والنسب والقذف والقصاص.
وقال القاضي: في الطلاق والقصاص والقذف روايتان، وسائر التسعة لا يستحلف فيه 71 رواية واحدة.
وقال الخرقي: لا يحلف في القصاص، ولا المرأة إذا أنكرت النكاح، وتحلف إذا ادعت انقضاء عدتها، وإذا أنكر المولي مضي الأربعة الأشهر حلف، وإذا أقام العبد شاهداً بعتقه حلف معه).
أما كون اليمين مشروعة في حق المنكر في كل حقٍّ لآدمي وهو احتمال في المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادعى قومٌ دماءَ رجال وأموالهم.
ولكن اليمينَ على المدعَى عليه» 72. جعل اليمين على المدعى عليه بعد ذكر الدماء، وذلك ظاهر في أن الدعوى بالدم يشرع فيها اليمين، وسائر الحقوق إما مثله أو دونه.
فوجب مشروعية اليمين في ذلك كله؛ لما ذكر ولعموم النص سواه.
وظاهر المذهب أنها لا تشرع في كل حقٍّ لآدمي؛ لأنها لا تشرع في بعض حقوقه؛ لما يأتي ذكره في موضعه.
وأما كونها مشروعة في غير الأشياء المستثناة؛ فلأنه إما مالٌ أو المقصود منه المال، ولا خلاف بين أهل العلم في مشروعية اليمين في ذلك إذا لم يكن للمدعي

الجزء: 4 - الصفحة: 688

بينة.
والأصل فيه قضية الحضرمي والكندي المتقدم ذكرها غير مرة 73، وعموم قوله عليه السلام: «ولكن اليمينَ على المدعَى عليه» 74. وأما كونها لا تشرع في النكاح والطلاق على قول أبي بكر؛ فلأن النكاح لا مدخل للبدل فيه والطلاق يتبعه.
ولأن أمرهما أشد من غيرهما.
فوجب تخصيصهما بذلك.
وأما كونها لا تشرع في الأشياء التسعة المذكورة على قول أبي الخطاب؛ فلأن منها: النكاح والطلاق وباقيها يساويها في كونها ليست مالاً.
ولأن ذلك لا يثبت إلا بشاهدين.
فلا يشرع فيه اليمين؛ كالحدود.
وأما كونها لا تشرع في الطلاق والقصاص والقذف في روايةٍ وتشرع في روايةٍ؛ فلأن النظر إلى تأكدها يقتضي أن لا يشرع اليمين فيها والنظر إلى أنها حق آدمي يقتضي أن يشرع فيها.
وأما كون سائر التسعة لا يستحلف فيه رواية واحدة؛ فلتأكدها وعدم مساواة غيرها لها.
وأما كون القصاص لا يحلف فيه ولا المرأة إذا أنكرت النكاح على قول الخرقي؛ فلأن القصاص حد يدرأ بالشبهة، والمرأة لا يصح بدلها.
وأما كونها تحلف إذا ادعت انقضاء عدتها على قوله؛ فلما فيه من الاحتياط لبضعها.
وأما كون المُولي إذا أنكر مضي الأربعة الأشهر يحلف على قوله؛ فلأنه إذا لم يحلف يؤدي إلى ضرر المرأة وذلك منتفٍ.
وأما كون العبد إذا أقام شاهداً يحلف معه على قوله؛ فلأن عتقه نقل ملك.
أشبه البيع.
قال: (ولا يستحلف في حقوق الله تعالى؛ كالحدود والعبادات).
أما كون حقوق الله تعالى لا يستحلف فيها؛ فلأنها تسقط بالشبهة.
فلأن تسقط بالنكول بطريق الأولى.

الجزء: 4 - الصفحة: 689

وأما كون حقوق الله تعالى كالعبادات كالزكاة وما أشبه ذلك لا يستحلف فيها؛ فلأنها حقٌ لله تعالى.
أشبهت الحد.
قال: (ويجوز الحكم في المال وما يقصد به المال بشاهد ويمين المدعي.
ولا تُقبل فيه شهادة امرأتين ويمين.
ويحتمل أن تُقبل.
ولا يقبل في النكاح والرجعة وسائر ما لا يستحلف فيه شاهد ويمين).
أما كون الحكم في المال وما يقصد به المال يجوز بشاهد ويمين؛ فلما تقدم في باب المشهود به في قوله: الرابع المال وما يقصد به المال؛ كالبيع والقرض 75. وأما كونه لا تُقبل فيه شهادة امرأتين ويمين على المذهب؛ فلأنها بينة خلت من رجل.
فلم تقبل؛ كما لو شهد بالمال أربعة نسوة.
ولأن قول المرأتين ضعيف يقوى بالرجل، واليمين ضعيفة تقوّت بالرجل، وفي هذه الصورة ضعف انضم إلى ضعيف.
فلم يحصل مع شيء منها تقوية.
وأما كون ذلك يحتمل أن يُقبل؛ فلأن المرأتين بمنزلة رجلٍ، والشاهد مع اليمين يثبت المال.
فكذلك مع ما هو بمنزلته.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ودليل الثانية منقوض بما إذا شهد بالمال أربع نسوة فإنه لو قام كل امرأتين مقام رجل لقبلت شهادة الأربع؛ لمقامهم مقام الرجلين.
وأما كون النكاح والرجعة وسائر ما لا يستحلف فيه لا يقبل فيه شاهد ويمين؛ فلما تقدم في باب أقسام المشهود به في قوله: الثالث ما ليس بمال ولا يقصد به المال 76. قال: (ومن حلف على فعل نفسه أو دعوى عليه حلف على البتِّ.
ومن حلف على فعل غيره أو دعوى عليه في الإثبات حلف على البتّ.
وإن حلف على النفي حلف على نفي علمه).
أما كون من حلف على فعل نفسه أو دعوى عليه؛ مثل: أن يدعي مائة مثلاً ويقيم بذلك شاهداً، ويريد أن يحلف معه، أو يدعي عليه مائة فيقول: ما يستحق

الجزء: 4 - الصفحة: 690

عليّ شيئاً يحلف على البتّ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استحلف رجلاً فقال قل: واللهِ الذي لا إله إلا هوَ ما لي عليكَ حق» 77. وأما كون من حلف على فعل غيره؛ مثل: أن يدعي أن غيره غصب داره أو ما أشبه ذلك يحلف على 78 البتّ؛ فلأن اليمين هنا قائمة مقام الشهادة ولو شهد الشاهد بذلك لكانت شهادته على البتّ فكذلك اليمين القائمة مقامها.
وأما كون من حلف على دعوى على غيره في الإثبات مثل: أن يدعي 79. وأما كون من حلف على دعوى على غيره في النفي يحلف على نفي العلم؛ فلأن فعل الغير لا يمكن القطع فيه، ولذلك «أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الحضرمي حين قال للكندي وقد أنكرَ أن أباه غصب أرضه: أُحَلِّفُه [واللهِ] ما يَعلمُ أنها أرضي اغتصبها أبوه» 80. رواه أبو داود بمعناه.
قال: (ومن توجهت عليه يمين لجماعة فقال: أحلف يميناً واحدة لهم فرضَوا جاز.
وإن أبوا حلف لكل واحد يميناً).
أما كون من توجهت عليه يمين لجماعة فقال: أحلف يميناً واحدة لهم فرضوا يجوز؛ فلأنهم لو رضوا بلا يمين لجاز.
فلأن يجوز إذا رضوا بيمين واحدة بطريق الأولى.
وأما كونه يحلف لكل واحد يميناً إذا أبوْا ذلك؛ فلأنه لو انفرد كل واحدٍ وحده لملك تحليفه يميناً.
فإذا اجتمعوا ملكوا ذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 691

فصل [في صفة اليمين] قال المصنف رحمه الله: (واليمين المشروعة هي اليمين بالله تعالى اسمه.
وإن رأى الحاكمُ تغليظها بلفظٍ أو زمنٍ أو مكانٍ جاز ففي اللفظ يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الطالبُ، الغالبُ، الضارُّ، النافعُ، الذي يعلم خائنةَ الأعينِ وما تُخفي الصدور).
أما كون اليمين المشروعة هي اليمين بالله تعالى اسمه؛ فبالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ [المائدة: 107]، وقوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ [النحل: 38].
وأما السنة؛ فما روي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلّف ركانة في الطلاق.
فقال: آلله! ما أردتَ إلا واحدة.
فقال: آلله ما أردتُ إلا واحدة» 81. وفي حديث الحضرمي والكندي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألكَ بينة؟ قال: لا.
ولكن أُحلفُه والله ما يَعلمُ أنها أرضي اغتصبها أبوه» 82. رواه أبو داود.
وقال عثمان لابن عمر: «تحلفُ باللهِ لقد بعتهُ وما به داءٌ تعلمُه» 83. وأما كون الحاكم إذا رأى التغليظ بما ذكر يجوز؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استحلف رجلاً.
فقال قل: واللهِ الذي لا إله إلا هوَ ما له عندي شيء» 84. رواه أبو داود.

الجزء: 4 - الصفحة: 692

وأما كون التغليظ كما ذكر المصنف رحمه الله فلأن اللفظ قد دلّ على اعتباره استحلافه في الحديث المذكور بزيادة: «الذي لا إله إلا هو».
وغيره من الأيمان والمكان سيأتي ذكرهما بعد إن شاء الله تعالى.
قال: (واليهودي يقول: والله الذي أنزل التوراة على موسى، وفلق له البحر، وأنجاه من فرعون وملائه.
والنصراني يقول: والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وجعله يحيي الموتى، ويبرئُ الأكمه والأبرص.
والمجوسي يقول: والله الذي خلقني وصوّرني ورزقني).
أما كون اليهودي يقول ما ذكر؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني لليهود: «نشدتكم باللهِ الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدونَ في التوراة على من زنى؟ » 85. رواه أبو داود.
وأما كون النصراني يقول ما ذكر؛ فلأنه لفظ يتأكد به يمينه.
أشبه اليهودي.
وعندي في تغليظ يمين النصراني بما ذكر نظر؛ لأن أكثرهم لا يعتقدون أن عيسى رسولٌ إنما يعتقدونه ابناً لله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
فتغليظ اليمين بما ذكر يؤدي إلى خروج اليمين عن أن تكون يميناً فضلاً أن تكون مغلظة.
وأما كون المجوسي يقول ما ذكر؛ فلأنه يعظّم خالقه ورازقه.
أشبه كلمة التوحيد في حق المسلم، وإنزال التوراة في حق اليهودي.
قال: (والزمان يحلفه بعد العصر أو بين الأذانين.
والمكان يحلفه بمكة بين الركن والمقام، وفي الصخرة ببيت المقدس، وفي سائر البُلدان عند المنبر.
ويحلف أهل الذمة في المواضع التي يعظّمونها).
أما كون التغليظ بالزمان تحليفه بعد العصر؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ [المائدة: 106]. قيل: المراد بعد العصر.
وأما كون التغليظ بين الأذانين أي بين الأذان والإقامة؛ فلأنه وقت تُرجى فيه إجابة الدعوة.
فيُرجى فيه معاجلة الكاذب بالعقوبة.

الجزء: 4 - الصفحة: 693

وأما كون التغليظ بالمكان؛ فلأن في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «منْ حلفَ على منبري هذا بيمين آثمةٍ فليتبوَأْ مقعدَهُ من النار» 86. فعلى هذا التغليظ بالمكان بمكة بين الركن والمقام؛ لأنه موضع شريف زائد على غيره في الفضيلة، وفي المدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس في الصخرة، وفي سائر البُلدان عند المنبر؛ كالمدينة.
وأما كون أهل الذمة يحلفون في المواضع التي يعظّمونها؛ فلأن اليمين تغلظ في حقهم زماناً فكذلك مكاناً.
وعن الشعبي: «أنه قال لنصراني: اذهب إلى البيعة».
و «قال كعب بن سور في نصراني: اذهبوا إلى المذبح».
قال: (ولا تغلّظُ اليمين إلا فيما له خطرٌ؛ كالجنايات والعتاق والطلاق، وما تجب فيه الزكاة من المال، وقيل: ما يُقطع به السارق.
وإن رأى الحاكم ترك التغليظ فتركه كان مصيباً).
أما كون اليمين لا تغلّظ إلا فيما له خطرٌ كما ذكر المصنف رحمه الله على المذهب؛ فلأن التغليظ للتأكيد، وما لا خطر فيه لا يحتاج إلى تأكيد.
وأما كونه ما يُقطع فيه السارق على قولٍ؛ فلأن قطعه به يدل على الاهتمام به والتأكيد يناسبه.
وأما كون الحاكم إذا رأى ترك التغليظ فتركه كان مصيباً؛ فلأنه مجتهد.
فإذا رأى تركه كان مصيباً؛ كما لو رأى أن الحُكم كذَا.

الجزء: 4 - الصفحة: 694

فصول الكتاب · 35 فصل
جارٍ التحميل