الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3كتاب البيع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

البيع جائز بالكتاب والسنة والمعنى والإجماع: أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: 275]، وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: 282]، وقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: 29]، وقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناحٌ أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ [البقرة: 198]. وأما السنة فروى رفاعة «أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون.
فقال: يا معشر التجار! فرفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه.
فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فُجَّاراً إلا من بَرَّ وصَدق» 1 قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وقال صلى الله عليه وسلم: «التاجرُ الصدوقُ الأمينُ معَ النبيينَ والصديقينَ والشهداءِ» 2. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وأما المعنى؛ فلأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه 3 لا يبذله بغير عوض ففي تجويز البيع طريق إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه ودفع حاجته.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (وهو مبادلة المال بالمال لغرض التملك.
وله صورتان: إحداهما: الإيجاب والقبول؛ فيقول البائع: بعتك أو ملكتك ونحوهما، ويقول المشتري: ابتعت أو قبلت وما في معناهما).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو مبادلة المال بالمال لغرض التملك فبيان لمعنى البيع في اللغة.
واشتقاقه من الباع لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 372

وأما في الشرع فقيل: هو عبارة عن الإيجاب والقبول.
وزاد القاضي: إذا تضمن عينين للتمليك.
قال المصنف في المغني: وهو قاصر -يعني حد القاضي- إذ يخرج منه المعاطاة ويدخل فيه عقود سوى البيع.
وأما قوله: وله صورتان فمعناه أنه ينعقد بكل واحدة من الصورتين المذكورتين.
وأما كونه ينعقد بالإيجاب والقبول؛ فلأنه صريح فيه فانعقد به كسائر الصرائح.
والإيجاب هو: الصادر من قبل البائع، والقبول: هو الصادر من قبل المشتري.
وأما قوله: فيقول البائع ... إلى آخره فتفسير للإيجاب والقبول.
وينعقد البيع بما صرح به المصنف وبكل قول يدل عليه لدلالته على المقصود.
قال: (فإن تقدم القبول الإيجاب جاز في إحدى الروايتين، وإن تراخى القبول عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه، وإلا فلا).
أما كون تقدم القبول الإيجاب يجوز في روايةٍ؛ فلأن المعنى حاصل بذلك فوجب أن يجوز كما لو تأخر.
وأما كونه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأن القبول رتبته التأخر فلم يجز تقدمه كما لو تقدم في النكاح.

الجزء: 2 - الصفحة: 373

وذكر المصنف في المغني أنه إن تقدم بلفظ الاستفهام مثل أن يقول: أتبيعني ثوبك بكذا؟ فيقول: بعتك لم يصح لأنه ليس بقبول ولا استدعاء، وإن تقدم بلفظ الماضي مثل أن يقول: ابتعت منك فيقول: بعتك صح لأنه متضمن معنى القبول حقيقة.
وقال أبو الخطاب: فيه رواية أنه لا يصح قياساً على تقدمه بلفظ الطلب.
وإن تقدم بلفظ الطلب مثل أن يقول: بعني ثوبك فيقول: بعتك فذكر القاضي فيه روايتين: إحداهما: يصح؛ لأن ذلك يتضمن معنى القبول فصح كما لو كان بلفظ الماضي.
والثانية: لا يصح؛ لأنه لفظ لو تأخر عن الإيجاب لم يصح به البيع فلم يصح إذا تقدم كلفظ الاستفهام.
ولأنه عقد عري عن القبول فلم يصح كما لو لم يطلب.
وأما كون القبول إذا تراخى عن الإيجاب يصح ما دام المتبايعان في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطع البيع؛ فلأن المجلس مُنَزّلٌ منزلة العقد في كثير من الأحكام فليكن هاهنا كذلك.
وأما كونه لا يصح إذا تراخى عن الإيجاب حتى انقضى المجلس؛ فلأنه لما بَعُد صار كلا قبول.
وأما كونه لا يصح إذا تشاغلا بما يقطعه؛ فلأنهما إذا تشاغلا بذلك صارا كالمعرضين عن البيع فلم يصح بعد ذلك كما لو صرح بالرد.
قال: (والثانية: المعاطاة مثل 4 أن يقول: أعطني بهذا الدينار خبزاً فيعطيه ما يرضيه، أو يقول البائع: خذ هذا بدرهم فيأخذه.
وقال القاضي: لا يصح هذا إلا في الشيء اليسير).
أما كون الصورة الثانية من صور البيع: المعاطاة.
وهي منصوص الإمام أحمد واختيار المصنف؛ فلأن البيع موجود قبل الشرع وإنما الشرع علق عليه أحكاماً ولم يعين له لفظاً فيجب أن يرجع فيه إلى العرف كالقبض والحِرْز.

الجزء: 2 - الصفحة: 374

ولأن المسلمين في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة استعمال إيجاب وقبول في بياعاتهم ولو كانوا يستعملون ذلك في جميع بياعاتهم لنقل نقلاً شائعاً.
ولأن البيع مما تعم به البلوى فلو اشترط له ذلك لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً 5 عاماً شافياً ولم يخف حكمه؛ لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيراً.
وأما قول المصنف رحمه الله: مثل أن يقول ... إلى فيأخذه؛ فبيان لصورة المعاطاة.
وأما كون المعاطاة لا تصح في الشيء الكثير على قول القاضي؛ فلأن البيع عقد معاوضة فكان الإيجاب والقبول من شروطه كالنكاح.
وأما كونها تصح في الشيء اليسير؛ فلأن اعتبار ذلك فيه يشق فيسقط دفعاً للمشقة.

الجزء: 2 - الصفحة: 375

فصل [في شروط البيع] قال المصنف رحمه الله: (ولا يصح إلا بشروط سبعة: أحدها: التراضي به، وهو أن يأتيا به اختياراً، فإن كان أحدهما مكرهاً لم يصح إلا أن يكره بحقٍّ كالذي يكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه).
أما كون البيع لا يصح إلا بشروط سبعة فلما يأتي ذكره في مواضعها.
وأما 6 كون أحد الشروط السبعة: التراضي من كل واحد من البائع والمشتري إذا لم يكن ذلك واجباً عليهما فلقوله تعالى: ﴿إلاّ أنْ تكونَ تِجَارَةً عن تراضٍ منكم﴾ [النساء: 29].
ولأن حق كل واحد منهما متعلق بماله فلم يجز إزالة ملكه عنه بغير رضاه.
وإلى مثل هذا وقعت الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» 7. وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يأتيا به اختياراً فتفسير للتراضي منهما.
وأما كون البيع لا يصح إذا كان أحد المتبايعين مكرهاً بغير حق؛ فلأن تراضيهما شرط ولم يوجد.
وأما كون التراضي في المكره بحق كالذي ذكره المصنف رحمه الله لا يشترط؛ فلأن المراد 8 حصول وفاء الدين فلو منع الإكراهُ صحتَه لاتخذ ذلك من عليه الدين وسيلة إلى عدم الوفاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 376

فصل [الشرط الثاني] قال المصنف رحمه الله: (الثاني: أن يكون العاقد جائز التصرف، وهو: المكلف الرشيد، إلا الصبي المميز والسفيه فإنه يصح تصرفهما بإذن وليهما في إحدى الروايتين، ولا يصح بغير إذنه إلا في الشيء اليسير).
أما كون ثاني الشروط 9 السبعة لصحة البيع: أن يكون العاقد غير الصبي والسفيه جائز التصرف؛ فلأن البيع قولٌ يشترط له الرضى فاشترط في عاقده جواز التصرف كالإقرار.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو المكلف الرشيد فتفسير لجائز التصرف.
والمراد بالمكلف العاقل البالغ.
فعلى هذا لا يصح بيع طفل ولا مجنون ولا سكران ولا نائم ولا مبرسم ولا شراءه؛ لأن كل واحد منهم لا عقل له.
وأما كون تصرف الصبي المميز والسفيه بإذن وليهما يصح في روايةٍ: أما في الصبي فلقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء: 6] أي اختبروهم وإنما يتحقق الاختبار بتفويض البيع والشراء إليه.
ولأنه عاقل فصح تصرفه بإذن وليه وإن كان محجوراً عليه كالعبد.
وأما في السفيه؛ فلأنه إذا صح تصرف المميز بإذن وليه؛ فلأن يصح تصرف السفيه بإذن وليه بطريق الأولى.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ؛ فلما تقدم في غيرهما.
وأما كونه لا يصح بغير إذن وليهما في الشيء الكثير؛ فللدلالة على اشتراط جواز التصرف السالم عن معارضة دليل صحة تصرفهما بإذن وليهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 377

وأما كونه يصح في الشيء اليسير؛ فلأن الحكمة الحاملة على الحجر عليهما خوف ضياع مالهما بتصرفهما وذلك في اليسير مفقود.
وعن أبي الدرداء «أنه اشترى من صبي عصفوراً وأطلقه».

الجزء: 2 - الصفحة: 378

فصل [الشرط الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يكون المبيع مالاً وهو ما فيه منفعة مباحة من غير ضرورة، فيجوز بيع البغل والحمار ودود القز وبزره والنحل منفرداً وفي كواراته).
أما كون ثالث الشروط 10 السبعة لصحة البيع: أن يكون المبيع مالاً؛ فلأنه مقابل بالمال.
ولأن البيع مبادلة المال بالمال.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو ما فيه منفعة مباحة من غير ضرورة فتفسير للمال.
وفي تقييده بما فيه منفعة احتراز عما لا نفع فيه كالحشرات، وفي تقييد المنفعة بالإباحة احتراز عما فيه منفعة محرمة كالخمر والخنزير، وفي تقييد الإباحة بغير ضرورة احتراز عما فيه منفعة مباحة للضرورة كالكلب.
ولو قال المصنف رحمه الله: لغير حاجة كان جيداً لأن اقتناء الكلب يحتاج إليه ولا يضطر إليه.
وأما كون بيع البغل والحمار يجوز؛ فلأنهما يشتملان على جميع ما ذكر.
ولأن الناس يتبايعونهما من الأعصار المتقدمة من غير نكير فكان ذلك كالإجماع.
وأما كون بيع دود القز يجوز؛ فلأنه يشتمل على ما ذكر.
ولأنه حيوان يجوز اقتناؤه لغرض التملك لما يخرج منه أشبه البهائم.
وأما كون بيع بزره يجوز؛ فلأنه منتفع به في المال أشبه ولد الفرس.
وأما كون بيع النحل يجوز؛ فلأنه يشتمل على ما ذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 379

ولأنه حيوان طاهر يخرج من بطونه شراب فيه منافع للناس فجاز بيعه كبهيمة الأنعام.
ولا فرق بين كونها منفردة مشاهدة وبين كونها في كواراتها لإمكان مشاهدتها بفتح رأسها.
وقال القاضي: لا يجوز لأن بعضها لا يشاهد وهو أميرها.
ولأنها لا تخلو من عسل يكون مبيعاً وهو مجهول.
والأول أولى لما ذكر لأن خفاء البعض لا يمنع الصحة كبيع الصبرة، وكما لو باع شيئاً في وعاء لا يشاهد إلا ظاهره.
ولأن ما فيه من العسل يدخل تبعاً ولا تضر جهالته كأساسات الحيطان.
قال: (ويجوز بيع الهر والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد في إحدى الروايتين إلا الكلب اختارها الخرقي، والأخرى لا يجوز اختارها أبو بكر).
أما كون بيع الهر يجوز في روايةٍ؛ فلأنه حيوان يجوز اقتناؤه والانتفاع به من غير حاجة فجاز بيعه كالبغل والحمار.
وأما كونه لا يجوز في روايةٍ فلما روى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الهر» 11 رواه أبو داود.
وعن جابر «أنه سئل عن ثمن السنور فقال: زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك» 12 رواه مسلم.
والأولى أولى؛ لما تقدم.
وما ذُكر من الحديث محمول على ما ليس بمملوك، أو على بيع الهر البري، أو على ما لا منفعة فيه؛ لأن فيه جمعاً بينه وبين المعنى المذكور.
وأما كون بيع الفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد غير الكلب يجوز في روايةٍ؛ فلأنه حيوان يجوز اقتناؤه والانتفاع به من غير وعيد ورد في جنسه فجاز بيعه كالبغل والحمار.

الجزء: 2 - الصفحة: 380

فإن قيل: ما المراد بقول المصنف: يصلح للصيد؟ قيل: يحتمل أنه أراد كونها معلمة حالة البيع.
فعلى هذا لا يصح بيعها قبل التعليم، ويحتمل أنه أراد به كونها قابلة للتعليم.
وهو أولى المحملين، وإن كان خلاف ظاهر اللفظ لأنه قال في المغني: ما ليس بمعلم ولا يقبل التعليم لا يجوز بيعه لعدم النفع، وإن كان أمكن تعليمه فالأولى جواز بيعه ليُعلّم، وقاسه على اقتناء الجرو الصغير وبيع الجحش الصغير.
فإن قيل قول المصنف رحمه الله: إلا الكلب ما هو؟ قيل: استثناء من جواز البيع المختلف فيه لأن بيعه لا يجوز رواية واحدة لما يذكر بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كون بيع الفيل وسباع البهائم لا يجوز في روايةٍ؛ فلأنها نجسة أشبهت الكلب.
والأول أصح لما ذكر.
وفارق الكلب من حيث إنها يجوز اقتناؤها مطلقاً بخلاف الكلب فإنه لا يجوز إلا لأحد أسباب ثلاثة.
ولأن جواز اقتناء الكلب للحاجة بخلاف ما ذكر.
قال: (ويجوز بيع العبد المرتد والمريض، وفي بيع الجاني والقاتل في المحاربة ولبن الآدميات وجهان).
أما كون بيع العبد المرتد يجوز فلحصول النفع به إلى وقت قتله وربما رجع إلى الإسلام فيحصل فيه كمال النفع.
وأما كون بيع العبد المريض يجوز؛ فلأن خشية الهلاك لا تمنع صحة البيع دليله بيع العبد المرتد.
وأما كون بيع العبد الجاني يجوز في وجهٍ؛ فلأن قتله غير متحتم فجاز بيعه كالمرتد.
وأما كونه لا يجوز في وجهٍ؛ فلأنه تعلق برقبته حق آدمي فمنع جواز بيعه كالرهن بل حق الجناية آكد لأنها تقدم على الرهن.
والأول أولى؛ لما ذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 381

ولأنه حق غير مستقر في الجاني يملك أداؤه من غيره فلم يمنع البيع كالزكاة، أو حق ثبت بغير رضا سيده فلم يمنع بيعه كالدين في ذمته، أو تصرف في 13 الجاني فجاز كالعتق.
وفارق الرهن من حيث إنه حق متعين فيه لا يجوز إبداله ومن حيث إنه يثبت الحق فيه برضى المالك.
وأما كون بيع القاتل في المحاربة يجوز في وجهٍ؛ فلأنه ينتفع به إلى حين قتله ويعتقه فيجر ولاء ولده فجاز بيعه كالمريض.
وأما كونه لا يجوز في وجهٍ؛ فلأنه متحتم القتل فلا منفعة فيه أشبه الميت.
وأما كون بيع لبن الآدميات يجوز في وجهٍ؛ فلأنه طاهر ينتفع به فجاز بيعه كلبن الشاة.
وأما كونه لا يجوز في وجهٍ؛ فلأنه مائع خرج من آدمية أشبه العرق.
ولأنه من الآدمي فلم يجز بيعه كسائر أجزائه.
قال: (وفي جواز بيع المصحف وكراهة شرائه وإبداله روايتان).
أما كون بيع المصحف لا يجوز في روايةٍ فلما في ذلك من صيانته.
وأما كونه يجوز في روايةٍ «فلأن ابن عباس سئل عن ذلك.
فقال: لا بأس.
يأخذون أجور أيديهم».
والأولى أولى لما ذكر.
ولأنه قول جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وأبو موسى وسعيد بن جبير.
ولم يُعرف لهم مخالف في عصرهم.
فكان إجماعاً.
قال الإمام أحمد: لا أعلم في بيع المصحف رخصة.
وقال ابن عمر: «وددت أن الأيدي تقطع في بيعها» 14. أي في بيع المصاحف.
ولأنه مشتمل على كلام الله فوجب صيانته عن البيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 382

وأما كون شرائه يكره في روايةٍ؛ فلأنه وسيلة إلى البيع المتضمن إذلال المصحف فإذا لم يحرم فلا أقل من أن يكره.
وأما كونه لا يكره في روايةٍ؛ فلأنه استنقاذ للمصحف فوجب جوازه من غير كراهة كشراء المسلم من الكفار ومع كونه حراً محرم البيع.
وأما كون إبداله يكره في روايةٍ؛ فلأنه بيع في الجملة فإذا لم يحرم فلا أقل من أن يكره.
وأما كونه لا يكره في روايةٍ؛ فلأن البيع إنما منع منه لما فيه من الرغبة عن المصحف وذلك مفقود في الإبدال.
ومراد المصنف بالكراهة كراهة تنزيه لا كراهة تحريم لأنه عطفه على جواز البيع فلو أراد كراهة التحريم 15 لكان عطف الشراء على البيع وأسقط الكراهة.
فعلى هذا الفرق بين البيع والشراء والإبدال هو أن البائع في معنى الراغب مع أنه لا استنقاذ فيه بخلاف الشراء والإبدال.
قال الإمام أحمد: لا أعلم في بيع المصحف رخصة.
ورخص في شرائه.
وقد صرح صاحب النهاية فيها أنه لا يصلح بيع المصحف ولا شراؤه ولا إبداله لأن جميع ذلك إذلال، والمصحف محترم فتنافيا.
وفارق الشراء هنا شراء الأسير من حيث إن شراء الأسير تدعو الحاجة إليه بخلاف المصحف.
فعلى هذا يجوز أن يكون المراد 16 بالكراهة هنا كراهة تحريم.
قال: (ولا يجوز بيع الحشرات والميتة ولا شيء منها ولا سباع البهائم التي لا تصلح للصيد ولا الكلب ولا السرجين النجس ولا الأدهان النجسة.
وعنه: يجوز بيعها لكافر يعلم نجاستها، وفي جواز الاستصباح بها روايتان.
ويخرج على ذلك جواز بيعها).
أما كون بيع الحشرات لا يجوز؛ فلأنه لا منفعة فيها وقد تقدم اشتراط النفع في جواز البيع.

وأما كون بيع الميتة لا يجوز؛ فلأن جابراً قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يقول: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والأصنام» 17 متفق عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 383

وأما كون بيع شيء منها لا يجوز؛ فلأن ما لا يجوز بيع كله لا يجوز بيع شيء منه دليله بيع الخمر وغيره.
وأما كون بيع سباع البهائم التي لا تصلح للصيد لا يجوز؛ فلأنها لا نفع فيها أشبهت الحشرات.
وأما كون بيع الكلب لا يجوز فلما روى أبو مسعود الأنصاري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب» 18. وقال صلى الله عليه وسلم: «ثمن الكلب خبيث» 19 متفق عليهما.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب.
قال: وإن جاء يطلب ثمنه فاملؤا كفه تراباً» 20 رواه أبو داود.
ولأنه حيوان نهي عن اقتنائه في غير حال الحاجة إليه أشبه الخنزير، أو حيوان نجس العين أشبه الخنزير.
وأما كون بيع السرجين النجس لا يجوز؛ فلأنه نجس مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة.
وأما كون بيع الأدهان النجسة لا يجوز على المذهب؛ فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» 21.

الجزء: 2 - الصفحة: 384

ولأنها نجسة فلم يجز بيعها كشحم الميتة.
وأما كونه يجوز لكافر يعلم نجاستها على روايةٍ؛ فلأنه يعتقد حل ذلك.
واشترط المصنف رحمه الله الكفر لأجل الاعتقاد المجوز لأن ذلك لا يوجد في غيره.
والعلم بنجاستها المراد به اعتقاد الطهارة 22 لأن نفس العلم بالنجاسة ليس شرطاً في بيع الثوب النجس فكذا هاهنا.
وأما كون الاستصباح بذلك يجوز في روايةٍ؛ فلأنه انتفاع من غير ضرر أشبه الانتفاع بالجلد اليابس.
وأما كونه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأنه دهن نجس فلم يجز الاستصباح به كشحم الميتة.
وأما كون جواز بيعها يخرج على جواز الاستصباح بها؛ فلأنها تصير بذلك منتفعاً بها فجاز بيعها كالبغل والحمار.

الجزء: 2 - الصفحة: 385

فصل [الشرط الرابع] قال المصنف رحمه الله: (الرابع: أن يكون مملوكاً له أو مأذوناً له في بيعه، فإن باع ملك غيره بغير إذنه أو اشترى بعين ماله شيئاً بغير إذنه لم يصح.
وعنه: يصح ويقف على إجازة المالك، وإن اشترى له في ذمته بغير إذنه صح، فإن أجازه من اشتري له ملكه، وإلا لزم من اشتراه، ولا يجوز أن يبيع ما لا يملكه ليمضي ويشتريه ويسلمه).
أما كون رابع الشروط 23 السبعة لصحة البيع أن يكون مملوكاً للبائع أو مأذوناً له في بيعه؛ فلأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبع ما ليس عندك» 24 يدل على اشتراط كون البيع مملوكاً للبائع.
ترك العمل به في المأذون له لقيامه مقام 25 المالك في ملك البيع لأن المالك نزله منزلة نفسه.
ولأن المنع من بيع ملك الغير إنما كان من أجل ذلك الغير فإذا أذن فيه زال ذلك.
ولأن الحاجة داعية إلى التوكيل في البيع لكون الموكِّل غائباً أو محبوساً لا يمكن حضور المشتري معه أو ما أشبه ذلك فلو لم يقم الإذن مقام الملك في ملك البيع لأدى إلى الحرج والمشقة فوجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
فإن قيل: ما ليس عندك ليس فيه ذكر الملك؟ قيل: معناه ما ليس في ملكك 26 لأن صدر الحديث: «يأتيني الرجل يلتمس مني ما ليس عندي فأمضي إلى السوق فأشتريه» 27.

الجزء: 2 - الصفحة: 386

وأما كون بيع الغير ملك غيره بغير إذنه وشرائه بعين مال غيره شيئاً بغير إذنه لا يصح على المذهب؛ فلأن كون المبيع 28 مملوكاً أو مأذوناً في التصرف فيه شرط في صحته لما تقدم والشيء يفوت بفوات شرطه.
وأما كونه يصح ويقف على إجازة المالك على روايةٍ: أما كونه يصح فلما روى عروة بن الجعد البارقي «أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري به شاة.
فاشترى به شاتين.
ثم باع إحداهما بدينار في الطريق.
قال: فأتيت 29 النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار وبالشاة.
فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك» 30 رواه الإمام أحمد والأثرم.
وأما كون الصحة تقف على إجازة المالك؛ فلأنه لو صح من غير إجازة المالك لتضرر المالك لتمكن الغير من بيع ملكه.
ولأنه عقد، له مجيز حال وقوعه، فوقف على إجازته كالوصية لأجنبي بزيادة على الثلث حيث يقف على الوارث.
والأول أولى لما تقدم.
وأما حديث عروة فمحمول على أنه كان وكيلاً مطلقاً بدليل أنه سلم وتسلم وليس ذلك لغير المالك والوكيل المطلق.
وأما كون شراء غير المالك له في ذمته بغير إذن المالك يصح؛ فلأنه متصرف في ذمته وهي قابلة للتصرف.
وأما كون من اشتُري له ذلك يملكه إذا أجاز المشترى له؛ فلأنه اشتُري لأجله ونزل المشتري نفسه منزلة الوكيل فملكه من اشتُري له كما لو أذن له في ذلك.
وأما كون الشراء يلزم من اشتراه إذا لم يجزه من اشتُري له؛ فلأن التصرف صحيح لما تقدم ولا يلزم من اشتُري له قبوله لأنه لم يأذن فيه فتعين كونه للمشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 387

وأما كونه لا يجوز أن يبيع ما لا يملكه ليمضي ويشتريه ويسلمه فلما روى حكيم بن حزام أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل يأتيني يلتمس مني ما ليس عندي فأمضي إلى السوق فأشتريه ثم أبيعه منه.
فقال: لا تبع ما ليس عندك» 31 رواه الترمذي.
وقال: حديث صحيح.
قال: (ولا يصح بيع ما فتح عنوة ولم يُقسم كأرض الشام والعراق ومصر ونحوها إلا المساكن وأرضاً من العراق فتحت صلحاً وهي الحيرة وأُلَّيْس وبانقيا وأرض بني صلوبا؛ لأن عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها في كل عام ولم يقدر مدتها لعموم المصلحة فيها.
وتجوز إجارتها، وعن أحمد أنه كره بيعها وأجاز شراءها).
أما كون بيع ما فتح عنوة ولم يقسم كأرض الشام والعراق ومصر غير المساكن لا يصح على المذهب فلما ذكره المصنف من أن عمر رضي الله عنه وقفها 32. روي ذلك في قصص اشتهرت عنه.
وأما قوله رحمه الله: ولم يقدر مدتها لعموم المصلحة فيها فجواب عن إشكال مقدر لأنه لما قال: وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها توجه لقائل أن يقول: الإجارة يجب تقدير مدتها فأشار إلى الفرق من حيث إن عموم المصلحة موجود هنا بخلاف ما إذا أجر إنسان ملكه.
فأطلق عمر رضي الله عنه المدة لذلك.
وأما كون بيع المساكن مما فتح عنوة ولم يقسم يصح فـ «لأن الصحابة اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر وبنوها مساكن وتبايعوها» من غير نكير فكان إجماعاً.
وأما كون بيع الأراضي التي سماها المصنف رحمه الله من الحيرة ... إلى آخره يصح؛ فلما أشار إليه من أنها فتحت صلحاً لا عنوة.

الجزء: 2 - الصفحة: 388

وأما كون إجارتها تجوز؛ فلأنها مؤجرة في يد أربابها وإجارة المؤجر جائزة.
وأما كونه يكره بيعها ويجوز شراؤها على روايةٍ: أما الكراهة فللاختلاف في بيعها، وأما الشراء؛ فلأنه في معنى الاستنقاذ.
قال: (ولا يجوز بيع رباع مكة ولا إجارتها.
وعنه: يجوز ذلك).
أما كون بيع رباع مكة لا يجوز على المذهب؛ فلأنها فتحت عنوة ولم تقسم: أما كونها فتحت عنوة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط رسولَه والمؤمنين.
وإنما أُحِلّت لي ساعة من نهار» 33 متفق عليه.
و«لأن أم هانئ قالت: يا رسول الله! إني أجرت حموين لي فزعم ابنُ أمي أنه قاتلهما.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت» 34. و«لأن ابن خطل ومقيس بن ضبابة قتلا بها حين فتحت» 35 ولو فتحت صلحاً لم يجز قتل أهلها.
وأما كونها لم تقسم فبالنقل عن أئمة الأثر، وإذا فتحت عنوة ولم تقسم بين الغانمين صارت وقفاً على المسلمين فلم يجز بيعها كسواد العراق.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مكة: «حرام بيعها حرام إجارتها» 36.

الجزء: 2 - الصفحة: 389

وأما كونه يجوز على روايةٍ؛ فلأنه روي أنها فتحت صلحاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» 37. وإذا فتحت صلحاً كانت لأهلها فجاز بيعها كسائر الأملاك.
ويؤيد ذلك ما روي «أن عمر رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أمية داراً بأربعة آلاف درهم» 38، و «اشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة: إحداهما بستين ألفاً، والأخرى بأربعين ألفاً» 39. وظاهر كلام المصنف في المغني وصاحب النهاية فيها ترجيح الرواية الأولى لما تقدم.
وأجابا عن فعل عمر بأنه كان على سبيل الاستنقاذ لأنه اشترى ذلك لمصلحة المسلمين لأنه عمله سجنا، ويؤيده فعله ذلك في أرض السواد.
وأما كون إجارتها لا تجوز على المذهب فلما تقدم من قوله: «حرام إجارتها» 40. وروي «أن سفيان سكن بعض رباع مكة وهرب ولم يعطهم أجرة».
وأما كونها تجوز على روايةٍ فلما تقدم من أنها فتحت صلحاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 390

قال: (ولا يجوز بيع كل ماء عدٍّ؛ كمياه العيون، ونقع البئر.
ولا ما في المعادن الجارية 41؛ كالملح، والقار، والنفط.
ولا ما ينبت في أرضه من الكلأ، والشوك.
ومن أخذ منه شيئاً ملكه إلا أنه لا يجوز له دخول ملك غيره بغير إذنه.
وعنه: يجوز بيع ذلك).
أما كون بيع الماء لا يجوز على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع الماء» 42 رواه الأثرم.
ولأن الماء لا يملك على الصحيح من المذهب لأن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون شركاء في ثلاث: النار والكلأ والماء» 43 رواه أبو داود وابن ماجة.
ولأنه لو كان مملوكاً لم يجز للمستأجر إتلافه لأن الإجارة لا يستحق بها إتلاف الأعيان.
وأما كونه يجوز على روايةٍ؛ فلأنه خارج من ملكه فجاز بيعه كسائر الخارج منه.
وأما كون بيع ما في المعادن الجارية كما مثل المصنف رحمه الله لا يجوز على المذهب؛ فلأن نفعه يعم فلم يجز بيعه كالماء.
وأما كونه يجوز على روايةٍ؛ فلأنه خارج من ملكه أشبه سائر ما يخرج منه.
وأما كون بيع ما ينبت في أرضه من الكلأ والشوك لا يجوز على المذهب فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون شركاء في ثلاث.
ذكر منها الكلأ» 44.

الجزء: 2 - الصفحة: 391

ولأن نفعه يعم أشبه ما تقدم.
وأما كونه يجوز على روايةٍ فلما تقدم في الماء وما في المعادن.
وأما كون من أخذ من ذلك شيئاً يملكه على القول بعدم جواز بيعه؛ فلأن ذلك كله من المباحات فوجب أن يملكه آخذه كما لو أخذه من أرض مباحة.
وأما كونه لا يجوز له دخول ملك غيره بغير إذنه؛ فلأنه متصرف في ملك الغير بغير إذنه وذلك غير جائز.
فإن قيل: فكيف يملكه وقد تعدى؟ قيل: تعديه لا يمنع ملكه كما لو عشش في أرضه 45 طائر، أو دخل فيها ظبي، أو نضب الماء عن سمك فدخل إليه داخل وأخذه فإنه يكون متعدياً بالدخول ويملك ما أخذه.
وقال ابن عقيل: يتخرج عندي أنه لا يملك بذلك لأنه سبب حرام فلا يستفاد به الملك كالبيع الفاسد.
ولقوله عليه السلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 46. فإن قيل: الخلاف المتقدم في الماء وما بعده 47 جار فيما لم يحز من ذلك أو مطلقاً؟ قيل: فيما لم يجز من ذلك، ولذلك وصف المصنف رحمه الله الماء بالعد لأن العد ما له مادة، وما حيز لا مادة له، ولذلك مثل ما لا يجوز بيعه بماء العيون ونقع البئر.
فأما ما حِيز كالماء في الإناء والكلأ في العِدْل وما أشبه ذلك فإنه يجوز بيعه بلا خلاف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يأخذ أحدكم حبلاً فيأخذ حزمة من حطب فيبيع ذلك فيكف الله به وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطي أو منع» 48 رواه البخاري.

الجزء: 2 - الصفحة: 392

وعن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه» 49 رواه أبو عبيد في الأموال.
ولأن العادة مضت في الأمصار ببيع الماء في الروايا والحطب والكلأ المُحازيْن من غير نكير.

الجزء: 2 - الصفحة: 393

فصل [الشرط الخامس] قال المصنف رحمه الله: (الخامس: أن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يجوز بيع الآبق ولا الشارد ولا الطير في الهواء والسمك في الماء ولا المغصوب إلا من غاصبه أو من يقدر على أخذه).
أما كون خامس الشروط 50 السبعة لصحة البيع أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه؛ فلأن ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم، والمعدوم لا يصح بيعه فكذا ما يشبهه.
وأما كون بيع الآبق والشارد والطير في الهواء والسمك في الماء لا يجوز؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر» 51 رواه مسلم.
قيل في تفسيره: هو بيع الطير في الهواء والسمك في الماء والآبق.
والشارد في معناهما.
ولأن ذلك غير مقدور عليه فلم يجز بيعه لفوات شرطه.
وأما كون بيع المغصوب لا يجوز من غير غاصبه وغير من يقدر على أخذه؛ فلأنه لا يقدر على تسليمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 394

وأما كونه يجوز من أحدهما؛ فلأن المانع من الجواز عدم القدرة على تسليمه وهو معدوم هنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 395

فصل [الشرط السادس] قال المصنف رحمه الله: (السادس: أن يكون معلوماً برؤية أو صفة تحصل بها معرفته.
فإن اشترى ما لم يره ولم يوصف له، [أو رآه] 52 ولم يعلم ما هو، أو ذُكر له من صفته ما لا يكفي في السَّلَم لم يصح البيع.
وعنه: يصح وللمشتري خيار الرؤية).
أما كون سادس الشروط 53 السبعة لصحة البيع أن يكون المبيع معلوماً على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر» 54 رواه مسلم.
ولأن المجهول يقع فيه التنازع ويتعذر تسليمه.
وأما كون ذلك معلوماً برؤية أو صفة تحصل بها معرفته؛ فلأن كل واحد منهما إذا عدم لم يكن المبيع معلوماً وذلك شرط لما تقدم.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعار بأن الرؤية والصفة طريق إلى ذلك: أما الرؤية فمتفق عليها لأنها تحصل العلم بحقيقة المبيع.
وأما الصفة فينظر فيها فإن كانت يحصل بها معرفته كالصفة التي تكفي في السَّلَم كان المبيع بها معلوماً لأن الصفة المذكورة تقوم مقام الرؤية في السَّلَم فكذا هنا.
ولأن المبيع يتميز بما يصفه البائع، والشرع قاض بالاعتماد على قوله.
دليله قبول قوله أنه ملكه وغير ذلك مما يشترط لصحة العقد.
ولأنه مبيع معلوم للمتعاقدين مقدور على تسليمه فصح كالحاضر.
ولأن الصفة إحدى حالتي العين فصح البيع بها كحالة المشاهدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 396

وإنما اشترط ذكر الصفة التي تكفي في السلم لأن المشاهدة لما عدمت وجب استيفاء الصفة التي قامت مقام الرؤية.
وهي الصفة التي تكفي في السلم وهي معدومة في غيرها.
فعلى هذا إذا اشترى ما لم يره ولم يوصف له، أو رآه ولم يعلم ما هو، أو ذكر له من صفته ما لا يكفي في السَّلَم لم يصح البيع لعدم العلم بالمبيع.
وأما كون بيع ذلك يصح على روايةٍ؛ فلأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه» 55 والخيار لا يكون إلا في بيع صحيح.
ولأنه عقد معاوضة فصح بغير رؤية ولا صفة كالنكاح.
وأما كون المشتري له خيار الرؤية؛ فللحديث المذكور.
والخيار على الفور للحديث.
وقيل: يتقيد بالمجلس قياساً على خيار المجلس.
قال: (وإن ذكر له من صفته ما يكفي في السلم أو رآه ثم عقد بعد ذلك بزمن لا يتغير فيه ظاهراً صح في أصح الروايتين، ثم إن وجده لم يتغير فلا خيار له، وإن وجده متغيراً فله الفسخ، والقول في ذلك قول المشتري مع يمينه).
أما كون البيع يصح فيما ذكر من صفة ما يكفي في السلم في أصح الروايتين؛ فلما تقدم في شرح قول المصنف رحمه الله: أو صفة تحصل بها معرفته.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ؛ فلأن الصفة لا تحصل العلم من كل وجه.
وأما كونه يصح فيما إذا رآه ثم عقد بعد رؤية المبيع بزمن لا يتغير فيه ظاهراً في أصح الروايتين؛ فلأن المبيع معلوم عندهما أشبه ما لو شاهداه حال العقد.

الجزء: 2 - الصفحة: 397

ولأن الرؤية السابقة كالمقارنة.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ؛ فلأن ما كان شرطاً يعتبر وجوده حال العقد كالشهادة في النكاح.
وقول المصنف رحمه الله: بزمن لا يتغير فيه ظاهراً مشعر بأن الزمن لو كان يتغير فيه لا يصح بيعه.
وصرح غيره بعدم صحته لأنه غير معلوم.
فإن قيل: فلو احتمل الأمرين.
قيل: العقد صحيح؛ لأن الأصل سلامته.
وأما كون المشتري لا خيار له إذا وجد المبيع لم يتغير؛ فلأنه حصل له ما عقد عليه.
وأما كونه له الفسخ إذا وجده متغيراً؛ فلأن ذلك كالعيب.
وأما كون القول في ذلك قول المشتري مع يمينه؛ فلأن الثمن يلزمه إلا ما اعترف به.
قال: (ولا يجوز بيع الحمل في البطن واللبن في الضرع والمسك في الفأر والنوى في التمر ولا الصوف على الظهر.
وعنه: يجوز بشرط جزه في الحال).
أما كون بيع الحمل في البطن لا يجوز فلما روى أبو هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضامين والملاقيح» 56. قال أبو عبيد: المضامين: ما في أصلاب الفحول، والملاقيح: ما في البطون.
وهي الأجنة.
وروى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المجر» 57.

الجزء: 2 - الصفحة: 398

قال ابن الأعرابي: المجر ما في بطن الناقة.
ولأنه مجهول لا تعلم صفته ولا حياته فلم يصح بيعه كالمعدوم.
ولأنه غير مقدور على تسليمه، والقدرة على ذلك شرط في جواز البيع.
وأما كون بيع اللبن في الضرع لا يجوز فلما روى ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع لبن في ضرع» 58. ولأنه مجهول الصفة والمقدار أشبه الحمل.
ولأنه بيع عين لم تخلق فلم يجز كبيع ما تحمل الناقة.
وأما كون بيع المسك في الفأر.
وهو: الوعاء الذي يكون فيه، والنوى في التمر لا يجوز؛ فلأن كل واحد منهما مجهول فلا يجوز بيعه مستوراً 59 كالدر في الصدف.
وأما كون بيع الصوف على الظهر لا يجوز على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع صوف على ظهر» 60. ولأنه متصل بالحيوان فلم يجز إفراده بالعقد كأعضائه.
وأما كونه يجوز بشرط جزه في الحال على روايةٍ؛ فلأنه مشاهد يمكن تسليمه فجاز بيعه كالرطبة في الأرض.
وفارق الأعضاء من حيث إنها لا يمكن تسليمها مع سلامة الحيوان.
قال: (ولا يجوز بيع المُلامسَة، وهو أن يقول: بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا، أو يقول: أي ثوب لمسته فهو لك بكذا.
ولا بيع المُنابَذة، وهو أن يقول: أي ثوب نبذته إليّ فهو عليّ بكذا.
ولا بيع الحصاة، وهو أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا، أو يقول: بعتك من هذه الأرض بقدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا).
أما كون بيع المنابذة والملامسة لا يجوز؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسَة والمنابَذة» 61 متفق عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 399

وأما تفسيرهما فكما ذكر المصنف رحمه الله.
وهو ظاهر كلام الإمام أحمد لأن فيما روى البخاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المُلامَسة ونهى عن المُنابَذة.
وهي: طَرْحُ الرجلِ ثوبَه بالبيعِ إلى الرجلِ قبلَ أن يُقَلِّبَه أو يَنظرَ إليه.
والملامسةُ لمسُ الثوبِ لا يَنظرُ إليه» 62. وروى مسلم في تفسيرها عن أبي هريرة قال: «هو لمسُ كلُ واحدٍ منهما ثوبَ صاحبِه بغير تَأمُّلٍ، والمنابَذة أن يَنبُذَ كلُ واحدٍ منهما ثوبَه ولم ينظر كل واحدٍ منهما ثَوب صاحبِه» 63. وهو يرجع إلى المعنى الذي فسره المصنف رحمه الله.
وعلة المنع فيهما كون المبيع مجهولاً لا يعلم.
وأما كون بيع الحصاة لا يجوز؛ فلأن أبا هريرة روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة» 64. وفي تفسيره خلاف هل هو في الأرض أو في الثوب؟ وقد ذكرهما المصنف رحمه الله وكلاهما فاسد لما فيه من الغرر والجهل.
قال: (ولا يجوز أن يبيع عبداً غير معين، ولا عبداً من عبيد، ولا شاة من قطيع، ولا شجرة من بستان، ولا هؤلاء العبيد إلا واحداً غير معين، ولا هذا القطيع إلا شاة.
وإن استثنى معيناً من ذلك جاز.
وإن باعه قفيزاً من هذه الصبرة صح).
أما كونه لا يجوز بيع عبد غير معين ولا عبداً من عبيد ولا شاة من قطيع ولا شجرة من بستان ولا هؤلاء العبيد إلا واحداً غير معين ولا هذا القطيع إلا شاة؛ فلأن ذلك كله غرر فيدخل في الحديث المتقدم.

الجزء: 2 - الصفحة: 400

ولأنه يختلف فيفضي إلى التنازع.
وأما كونه يجوز إذا استثنى معيناً مثل أن يقول: بعتك هؤلاء العبيد إلا هذا العبد أو إلا فلاناً وهما يعرفانه فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم» 65 وهذه معلومة.
ولأن المفسد للبيع الجهالة وقد زالت.
وأما كونه يصح إذا باعه قفيزاً من هذه الصبرة؛ فلأنه مبيع مقدر من جملة يصح بيعها أشبه ما إذا باع نصفها.
قال: (وإن باعه الصبرة إلا قفيزاً، أو ثمرة الشجرة إلا صاعاً لم يصح.
وعنه: يصح).
أما كون بيع ما ذكر لا يصح على الرواية الأولى؛ فلأن المبيع 66 مجهول لأن ما كان معلوماً بالمشاهدة يخرج عن كونه معلوماً بالاستثناء.
وأما كونه يصح على الرواية الثانية؛ فلأن الاستثناء معلوم فلا يدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الثنيا «لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم» 67 وهذه معلومة.
قال: (وإن باعه أرضاً إلا جريباً، أو جريباً من أرض يعلمان جربانها صح وكان مشاعاً فيها، وإلا لم يصح).
أما كون بيع الأرض إلا جريباً يصح إذا كان البائع والمشتري يعلمان جربانها؛ فلأنها إذا كانت مائة مثلاً فقال البائع: بعتكها إلا جريباً فكأنه قال: بعتك منها تسعة وتسعين جريباً وذلك صحيح فليكن هذا مثله.
فعلى هذا تكون مشاعة بينهما لما ذكر قبل.
وأما كونه لا يصح بيعها إذا لم يعلما ذلك؛ فلأن المبيع غير معلوم.
وأما كون بيع جريب من أرض يصح إذا كانا يعلمان جربانها ولا يصح إذا لم يكونا يعلمان ذلك فلما مر.

الجزء: 2 - الصفحة: 401

قال: (وإن باعه حيواناً مأكولاً إلا رأسه وجلده وأطرافه صح، وإن استثنى حمله أو شحمه لم يصح).
أما كون بيع الحيوان المأكول إلا رأسه وجلده وأطرافه يصح؛ فلأن عروة قال: «أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة فاشتريا من راعي غنم شاة وشرطا له سلبها» رواه أبو الخطاب وابن عقيل.
ولأن المستثنى والمستثنى منه معلومان فصح كما لو باع حائطاً واستثنى منه نخلة معينة.
وأما كونه لا يصح بيعه إلا حمله أو شحمه؛ فلأن ذلك مجهول و «قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثنيا إلا أن تعلم» 68. ولأنه لا يصح إفراده بالبيع فلم يصح استثناؤه كالفخذ.
قال: (ويصح بيع ما مأكوله في جوفه وبيع الباقلاء والجوز واللوز في قشريه والحب المشتد في سنبله).
أما كون بيع ما مأكوله في جوفه وهو البيض والرمان وما أشبههما يصح وإن لم يعلم حقيقة داخله؛ فلأن ما يستره من مصلحته ويفسد بإزالته فصح بيعه نفياً للحرج والمشقة.
ولأن مفهوم نهيه عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها يدل على جواز البيع بعد بدو الصلاح سواء كانت مستورة بقشرها أو لم تكن.
وأما كون بيع الباقلاء والجوز واللوز في قشريه يصح فلما تقدم من مفهوم الحديث.
ولأن ذلك يباع كذلك في أسواق المسلمين من غير نكير فصار إجماعاً.
ولأن ذلك مستور بحائل من أصل الخلقة فجاز بيعه كالرمان والبيض والمستور بقشره الأسفل من ذي القشرين.
وأما كون بيع الحب المشتد في سنبله يصح فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد» 69. جعل الاشتداد غاية للمنع وما بعد الغاية يخالف ما قبلها فوجب زوال المنع.

الجزء: 2 - الصفحة: 402

فصل [الشرط السابع] قال المصنف رحمه الله: (السابع: أن يكون الثمن معلوماً.
فإن باعه السلعة برقمها، أو بألف درهم ذهباً وفضة، أو بما ينقطع به السعر، أو بما باع به فلان، أو بدينار مطلق وفي البلد نقود: لم يصح.
وإن كان فيه نقد واحد انصرف إليه).
أما كون سابع الشروط 70 السبعة لصحة البيع أن يكون الثمن معلوماً؛ فلأنه أحد العوضين فاشترط العلم به كالمبيع ورأس مال السلم.
ولأن المبيع يحتمل رده بعيب ونحوه فلو لم يكن الثمن معلوماً لتعذر الرجوع به.
وأما كون بيع السلعة برقمها.
ومعنى الرقم: أن يكتب ثمن السلعة على ظرفها أو في ورقة تجعل فيها لا يصح؛ فلأن الثمن في ذلك غير معلوم حال العقد، وقد تقدم اشتراط العلم به في صحة البيع.
وأما كون بيعها بألف درهم ذهباً وفضة لا يصح؛ فلأن مقدار كل واحد منهما من الألف مجهول.
وأما كون بيعها بما ينقطع به 71 السعر أو بما باع به فلان لا يصح؛ فلأن الثمن في ذلك كله غير معلوم حال العقد والعلم به شرط لما تقدم.
[وأما كون بيعها بدينار مطلق وفي البلد نقود لا يصح؛ فلأن الثمن لا يعلم من أيها يكون فيكون غير معلوم والعلم به شرط لما تقدم.

الجزء: 2 - الصفحة: 403

ولا بد أن يلحظ في النقود أن تكون متساوية في الرواج لأنها لو كان بعضها أظهر من بعض صح البيع؛ لأن الأظهر أرجح من غيره فينصرف الثمن إليه فلا يكون غير معلوم.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله يقتضي بعدم الصحة مطلقاً؟ قيل: يجب تقييده بما ذكر نقلاً ودليلاً.
وأما كون الدينار المطلق إذا كان في البلد نقد واحد ينصرف إليه؛ فلأن المطلق يحمل على المعهود، وذلك واحد.
فعلى هذا يصح البيع لأن الثمن معلوم] 72. قال: (وإن قال: بعتك بعشرة صحاحاً أو إحدى عشرة مكسرة أو بعشرة 73 نقداً أو عشرين نسيئة لم يصح، ويحتمل أن يصح).
أما كون ما ذكر لا يصح على المذهب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَة» 74 رواه الترمذي.
وقال: حديث صحيح.
وقد فسر بهذا.
ولأنه لم يعقد على ثمن بعينه أشبه ما إذا قال: بعتك هذين العبدين.
وأما كونه يحتمل أن يصح فقياس على ما إذا قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم وإن خطته غداً فلك نصف درهم.
قال: (وإن باعه الصبرة كل قفيز بدرهم، والقطيعَ كل شاة بدرهم، والثوبَ كل ذراع بدرهم صح.
وإن باعه من الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح).
أما كون بيع الصبرة كل قفيز بدرهم والقطيع كل شاة بدرهم والثوب [كل ذراعٍ] 75 بدرهم يصح؛ فلأن البيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم لإشارته إلى ما يعرف مبلغه لجهة لا تتعلق بالمتعاقدين وهو الكيل في الأولى والعدد في الثانية والذرع في الثالثة

الجزء: 2 - الصفحة: 404

فصح كما لو باع ما رأس ماله تسعة وتسعين درهماً مرابحة لكل عشرة درهم فإنه لا يعلم في الحال وإنما يعلم بالحساب.
وقد روي عن علي رضي الله عنه «أنه آجر نفسه كل دلو بتمرة، وجاء بالتمر إلى 76 النبي صلى الله عليه وسلم فأكله» 77. وأما كونه إذا باع من الصبرة كل قفيز بدرهم لا يصح؛ فلأن من للتبعيض وكل للعدد فيكون العدد مجهولاً بخلاف ما ذكر قبل فإن المبيع 78 الكل لا البعض ولا جهالة.
قال: (وإن باعه بمائة درهم إلا ديناراً لم يصح.
ذكره القاضي.
ويجيء على قول الخرقي أنه يصح).
أما كون البيع بما ذكر لا يصح على المذهب؛ فلأن قيمة الدينار مجهولة ويلزم من الجهل بها الجهل بالثمن، والعلم به شرط لما تقدم.
وأما كونه يجيء على قولٍ أنه يصح؛ فلأنه قال في الإقرار: يصح استثناء العين من الورِق والورِق من العين.
فعلى هذا يكون البيع صحيحاً لأن الاستثناء صحيح فكان البيع صحيحاً كسائر الاستثناءات الصحيحة.
ولقائل أن يقول: الصحة في الإقرار اختلف الأصحاب في تعليلها فعللها بعضهم باتحاد النقدين وكونهما قيم الأشياء وأرش الجنايات، وبعضهم بأن قيمة الذهب يعلمها كثير من الناس فإذا استثنى أحدهما من الآخر لم يؤد إلى الجهالة غالباً، وعلى كلا التعليلين لا يجيء صحة البيع على قول الخرقي في الإقرار لأن المفسد للبيع الجهل في حال العقد.
ألا ترى أنه إذا باعه برقمه لا يصح للجهل حال العقد وإن علم بَعده.
وعلى كلا التعليلين لا يخرج الثمن عن كونه مجهولاً حال العقد.
وفارق هذا الإقرار لأن الإقرار بالمجهول يصح وهذا قول متوجه لا دافع له.

الجزء: 2 - الصفحة: 405

فصل في تفريق الصفقة قال المصنف رحمه الله: (وهو: أن يجمع بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز.
وله ثلاث صور: إحداها: باع معلوماً ومجهولاً فلا يصح).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يجمع بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز؛ فبيان لمعنى تفريق الصفقة.
وأما قوله: وله ثلاث صور؛ فلأن تفريق الصفقة تارة يجمع معلوماً ومجهولاً، وتارة مشاعاً ينقسم الثمن عليه بالأجزاء، وتارة مشاعاً لا ينقسم الثمن عليه بالأجزاء.
وأما كون البيع لا يصح إذا باع معلوماً ومجهولاً؛ فلأن ما بعضه مجهول يكون كله مجهولاً.
ولأن الثمن ينقسم على المبيع بالقيمة، والمجهول لا يمكن تقويمه فلا طريق إلى معرفة ثمن المعلوم.
قال: (الثانية: باع مشاعاً بينه وبين غيره كعبد مشترك بينهما، أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء كقفيزين متساويين لهما فيصح في نصيبه بقسطه في الصحيح من المذهب، وللمشتري الخيار إذا لم يكن عالماً).
أما كون البيع يصح فيما ذكر في نصيب البائع بقسطه من الثمن في روايةٍ؛ فلأنه لا يلزم منه جهالة في الثمن لانقسامه هنا على الأجزاء.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ؛ فلأنه عقد جمع فيه بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه فلم يصح في شيء كالمسألة المذكورة قبل.
وأما كون الصحيح في المذهب الأولى فلكون الثمن معلوماً.
وبه يظهر الفرق بين هذه الصورة وبين الصورة الأولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 406

وأما كون المشتري له الخيار إذا لم يكن عالماً؛ فلأن الشركة عيب، ولهذا ثبتت الشفعة في المبيع خوفاً من سوء المشاركة.
وفي قول المصنف رحمه الله: إذا لم يكن عالماً إشعار بأن المشتري إذا كان عالماً لا خيار له وهو صحيح لأن إقدامه عليه مع العلم به دليل على الرضى به.
قال: (الثالثة: باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو عبداً وحراً، أو خلاً وخمراً ففيه روايتان: أولاهما: لا يصح، والأخرى: يصح في عبده وفي الخل بقسطه).
أما كون المبيع لا يصح فيما ذكر في روايةٍ؛ فلأن الصفقة جمعت حراماً وحلالاً فغلب التحريم.
ولأنه عقد لم يصح في بعضه فلم يصح في كله أشبه ما لو تزوج بأختين، أو باع درهماً بدرهمين.
وأما كونه يصح في روايةٍ؛ فلأن كل واحد منهما له حكمٌ لو انفرد فإذا جمع بينهما وجب ثبوت ما كان له منفرداً كما لو باع شقصاً وسيفاً فإن الشفعة تجب في الشقص دون السيف.
ولأن حكم البيع الصحة، بطل في أحدهما لعدم قبوله ذلك فيبقى في الآخر كما لو أوصى بشيء لآدمي وبهيمة.
فعلى هذا يصح في عبده والخل بقسطه لأن ذلك هو الذي يقابله.
وأما كون الأُولى أولى فلما ذكر.
ولأن الثمن إنما يتبين بتقسيط العوض بالقيمة وذلك غير معلوم فمنع صحة البيع كالصورة الأولى.
قال: (وإن باع عبده وعبد غيره بإذنه بثمن واحد فهل يصح؟ على وجهين).
أما كون المبيع فيما ذكر لا يصح على وجهٍ؛ فلأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين فكأن كل واحد قد باع عبده بحصة قيمته من الثمن منفرداً وذلك مجهول.
وأما كونه يصح على وجهٍ؛ فلأن جملة الثمن معلومة.

الجزء: 2 - الصفحة: 407

قال: (وإن جمع بين بيع وإجارة أو بيع وصرف صح فيهما ويُقَسّط العوض عليهما في أحد الوجهين).
أما كون ما جمع فيه بين بيع وإجارة يصح في وجهٍ؛ فلأنهما شيئان يجوز أخذ العوض عن كل واحد منهما منفرداً فجاز مجتمعاً كالثوبين والعبدين.
وأما كونه لا يصح في وجهٍ؛ فلأن حكمهما مختلف لأن المبيع المعقود عليه يُضمن بمجرد البيع والإجارة بخلافه.
وأما كون ما جمع فيه بين بيع وصرف يصح في وجهٍ فلما ذكر في أول وجهي المسألة قبل.
وأما كونه لا يصح في وجهٍ؛ فلأن حكمهما مختلف لأن البيع يجوز فيه التفرق قبل القبض والصرف بخلافه.
وذكر المصنف رحمه الله الوجهين المذكورين في المسألتين في المغني الأول روايتين، وعزاهما إلى نقل أبي الخطاب.
وأما كونه يقسط على المبيع والمستأجر في المسألة الأولى وعلى المبيع والمصروف في المسألة الثانية على قدر قيمتهما فكما لو جمع بين عبده وعبد غيره.
قال: (وإن جمع بين كتابة وبيع فكاتب عبده وباعه شيئاً صفقة واحدة بطل البيع.
وفي الكتابة وجهان).
أما كون البيع فيما ذكر يبطل؛ فلأن المكاتب قبل تمام عقد الكتابة عبدُ قِنٍّ لا يصح أن يبيعه سيده شيئاً لكونه يبيع ماله لعبده.
وأما كون الكتابة تبطل في وجهٍ؛ فلأنه عقد بطل في بعضه فبطل في كله لما تقدم.
وأما كونها لا تبطل في وجهٍ؛ فلأن المقتضي للبطلان وجد في البيع فاختص به.

الجزء: 2 - الصفحة: 408

فصل [في البيع أثناء النداء] قال المصنف رحمه الله: (ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها، ويصح النكاح وسائر العقود في أصح الوجهين).
أما كون البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها لا يصح؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: 9].
أمر بترك البيع، والأمر للوجوب، وإذا وجب تركه لم يصح إذاً لأنه محرم فلم يصح فعله كسائر ما نهي عنه نهي تحريم.
ولأن البيع يشغل عن الصلاة ويكون ذريعة إلى تركها أو فوات بعضها، وكلاهما لا يجوز، والمؤدي إلى ما لا يجوز لا يجوز، وإذا لم يجز لم يصح لما تقدم.
ولأنه عقد نهي عنه لأجل عبادة فكان غير صحيح كالنكاح المحرم.
فإن قيل: ما النداء الذي يحرم به البيع؟ قيل: هو المذكور في باب الجمعة.
وأما كون النكاح وسائر العقود تصح في وجهٍ؛ فلأن ذلك يقل وقوعه فلا يكون إباحته ذريعة إلى ما ذكر في البيع.
وأما كونها لا تصح في وجهٍ؛ فلأنها عقود معاوضات أشبهت البيع.
وأما كون الأول أصح؛ فلأن دليل الثاني قياس، والقياس مع قيام الفارق لا أثر له.
قال: (ولا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمراً، ولا بيع السلاح في الفتنة أو لأهل الحرب.
ويحتمل أن يصح مع التحريم).
أما كون بيع العصير لمن يتخذه خمراً لا يصح؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة: 2] نهى والنهي يقتضي التحريم وعدم الصحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 409

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه لعن في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وشاريها، وبائعها، ومبتاعها، وشاربها، وساقيها.
وأشار إلى كل معاون إليها ومساعد فيها» 79. وروي «أن سعد بن أبي وقاص كان له أرض فيها عنب فأخبر أنه لا يصلح زبيباً ولا يصلح إلا أن يباع لمن يعصره.
فأمر بقلعه وقال: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر».
وأما كونه لا يصح في باقي الصور؛ فلأنها في معناها لما فيها من الإعانة على المعصية.
وأما كونه يحتمل أن يصح في الجميع مع التحريم فقياس على الصلاة في الدار المغصوبة على القول بالصحة، وقياس على الصلاة في المواضع السبعة من المقبرة ونحوها على القول بالصحة.
قال: (ولا يصح بيع عبد مسلم لكافر إلا أن يكون ممن يعتق عليه فيصح في إحدى الروايتين).
أما كون بيع العبد المسلم لكافر لا يعتق عليه لا يصح؛ فلأن في ثبوت الملك للكافر على المسلم صغاراً للمسلم.
ولأن الإسلام يمنع استدامة الملك فمنع ابتداءه كالنكاح.
وأما كون بيعه ممن يعتق عليه يصح في روايةٍ؛ فلأن ملكه لا يستقر عليه.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ؛ فلأنه ثبوت ملك الكافر على مسلم فلم يصح كما لو لم يكن ممن يعتق عليه.
وظاهر 80 كلام المصنف رحمه الله أن الأولى أصح لما ذكر.
ولأنه يحصل له بالحرية زوال الملك عنه بالكلية وفي ذلك إضعاف ما حصل من الصغار بملك لحظة.

الجزء: 2 - الصفحة: 410

قال: (وإن أسلم عبد الذمي أجبر على إزالة ملكه عنه وليس له كتابته، وقال القاضي: له ذلك).
أما كون الذمي يجبر على إزالة ملكه عن عبده الذي أسلم؛ فلأن في إبقائه في ملكه صغار للمسلم وقد قال الله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ [النساء: 141]. وأما كونه ليس له كتابته على المذهب؛ فلأنه إذا لم يكن للكافر شراء من يعتق عليه حذراً من ثبوت ملكه عليه لحظة؛ فلأن لا يكون له كتابته مع ثبوت الملك عليه إلى الأداء بطريق الأولى.
وأما كونه له ذلك على قول القاضي؛ فلأنه سبب لعتقه أشبه إعتاقه له.
قال: (ولا يجوز بيع الرجل على بيع أخيه.
وهو: أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أُعطيك مثلها بتسعة، ولا شراءه على شراء أخيه.
وهو: أن يقول لمن باعه سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة ليفسخ البيع ويعقد معه، فإن فعل فهل يصح البيع؟ على وجهين).
أما كون بيع الرجل على بيع أخيه لا يجوز؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَبِعْ 81 بَعضكُم على بَيعِ بَعض» 82 متفق عليه.
ولأنه يتضمن إضرار المسلم وإفساد بيعه فحرم كشتمه.
وأما كون شراء الرجل على شراء أخيه لا يجوز؛ فلأنه في معنى ما نهي عنه قبل.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه» 83 وهو في معنى الخاطب.

الجزء: 2 - الصفحة: 411

ولأنه يمكن استعمال لفظ الخبر عليه لأن البيع يقع على الشراء ويسمى البائع والمشتري بيعين.
وأما تفسير بيع الرجل على بيع أخيه وشراءه على شراء أخيه فكما ذكر المصنف رحمه الله.
وفي قوله: ليفسخ البيع إشعار بأنه لا بد أن يكون ذلك قبل لزوم العقد مثل أن يكونا في المجلس، أو يكون في العقد خيار شرط لهما أو للذي 84 يطلب الفسخ ليمكن فعله ويصح إذا فعل.
وأما كون كل واحد من البائع 85 والمشتري المذكورين إذا فعل لا يصح على وجهٍ؛ فلأنه منهي عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
وأما كونه يصح على وجهٍ؛ فلأن النهي لمعنى في غير المبيع أشبه بيع النجس.
قال: (وفي بيع الحاضر للبادي روايتان: إحداهما: يصح، والأخرى لا يصح بخمسة شروط: أن يحضر البادي لبيع سلعته، بسعر يومها، جاهلاً بسعرها، ويقصده الحاضر، ويكون بالمسلمين حاجة إليها.
فإن اختل شرط منها صح البيع.
وأما شراؤه له فيصح رواية واحدة).
أما كون بيع الحاضر للبادي يصح في روايةٍ؛ فلأن النهي عن ذلك كان في أول الإسلام لما 86 عليهم من الضيق فوجب زواله عند زواله.
وأما كونه لا يصح بالشروط الخمسة المتقدم ذكرها في روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يَبيع حَاضرٌ لِبَادٍ» 87 متفق عليه.
ولأن ما ثبت في حق الصحابة ثبت في حقنا ما لم يقم على اختصاصهم به دليل.

الجزء: 2 - الصفحة: 412

وإنما اشترطت الشروط الخمسة المتقدم ذكرها لأن النهي إنما كان لأجل التوسعة على أهل الحضر فيجب لحظ الشروط المذكورة لأن التوسعة لا تمتنع إلا معها: أما حضوره لبيع سلعته؛ فلأنه إذا حضر ليخزنها فقصده الحاضر وأحضه 88 على بيعها كان ذلك توسعة لا منعاً للتوسعة.
وأما بيعها بسعر يومها؛ فلأنه إذا قصد بيعها بسعر معلوم لا بسعر اليوم كان المنع من البيع من جهته لا من جهة الحاضر.
وأما جهله بالسعر؛ فلأنه إذا عرفه لم يزده الحاضر على ما عنده شيئاً.
وأما قصد الحاضر له؛ فلأنه إذا طلبه البادي لم يكن للحاضر أثر في عدم التوسعة.
وأما حاجة المسلمين؛ فلأنهم إذا لم يكونوا محتاجين لم يوجد المعنى الذي نهى الشرع لأجله.
وأما كون البيع يصح إذا اختل شرط من الشروط الخمسة؛ فلأن الموقوف على شرط يزول عند زواله.
وأما كونه يصح شراؤه له رواية واحدة؛ فلأن النهي المذكور قبل لا يتناول الشراء بلفظه ولا هو في معناه لأن النهي عن البيع للرفق بأهل الحضر ليتسع عليهم الرزق ويزول عنهم الضرر وليس ذلك 89 موجوداً في الشراء لهم إذ لا يتضررون بعدم الغبن للبادي 90 بل هو دفع للضرر عنه والخلق في نظر الشارع على السواء فكما شرع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر.
فكذلك يشرع ما يدفع الضرر عن البادي، وإذا لم يكن مشروعاً فلا أقل من أن يكون جائزاً.
قال: (ومن باع سلعة نسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها نقداً إلا أن يكون قد تغيرت صفتها.
وإن اشتراه أبوه أو ابنه جاز).
أما كون شراء ما باعه بما ذكر مع عدم التغير لا يجوز فـ «لأن أم ولد زيد بن أرقم قالت لعائشة: إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء.
ثم اشتريته منه بستمائة درهم.
فقالت لها: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت.
أبلغي زيد بن أرقم

الجزء: 2 - الصفحة: 413

أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب» 91. والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتُقدم عليه إلا بتوقيف سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى مجرى روايتها ذلك عنه.
ولأن ذلك ذريعة إلى الربا لأنه إنما أدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل والذرائع معتبرة في الشرع بدليل منع القاتل إرث المقتول وثبوت الميراث لامرأة المطلِّق ثلاثاً في مرض موته.
ولأن الله تعالى عاب على بني إسرائيل التحيل في ارتكاب ما نهوا عنه لأنهم نهوا عن الصيد يوم السبت فكانوا ينصبون الشباك يوم الجمعة فيقع فيها الصيد يوم السبت فيأخذونه يوم الأحد فذمهم الله على ذلك.
وتسمى هذه المسألة مسألة العينة وقد جاء في الحديث: «أن التبايع بها من أشراط الساعة» 92. وأما كونه يجوز ذلك إذا تغيرت السلعة مثل إن كانت عبداً فمرض أو ثوباً فانقطع أو ما أشبه ذلك؛ فلأن المعنى الموجب للتحريم إنما هو الحيلة في الربا وهذا المعنى مفقود هنا.
وأما كونه يجوز إذا اشترى السلعة أبوه أو ابنه؛ فلأن كل واحد منهما كالأجنبي بالنسبة إلى المشتري.
قال: (وإن باع ما يجري فيه الربا نسيئة ثم اشترى منه بثمنه قبل قبضه من جنسه أو ما لا يجوز بيعه به نسيئة لم يجز).
أما كون بيع ذلك لا يجوز؛ فلأنه ذريعة إلى بيع المكيل بالمكيل نسيئة وذكر الثمن حيلة فحرم كمسألة العينة.
وأما ما يجري فيه الربا نسيئة فالمكيل والموزون والمطعوم

الجزء: 2 - الصفحة: 414

والأثمان أو المكيل المطعوم والموزون المطعوم على ما فيه من الخلاف في علة الربا فإذا باع غرارة قمح مثلاً بخمسين درهماً إلى أجل فلما جاء الأجل اشترى بالدراهم المذكورة غرارة قمح قبل قبضها أو غرارة شعير فالأولى اشترى من جنس ما باع قبل ثمنه مع كونه يجري فيه الربا نسيئة، والثانية اشترى ما لا يجوز بيعه نسيئة بثمن ما باع على الصفة المذكورة.

الجزء: 2 - الصفحة: 415

باب الشروط في البيع

الشروط: جمع شرط.
والشرط في اللغة: ما يلزم من وجوده وجود المشروط.
وفي الشرع: ما يلزم من عدمه عدمه كالوضوء للصلاة والملك في البيع.
قال المصنف رحمه الله: (وهي ضربان: صحيح.
وهو ثلاثة أنواع: أحدها: شرط مقتضى البيع كالتقابض وحلول الثمن ونحوه فلا يؤثر فيه).
أما كون الشروط في ضربين: صحيحاً وفاسداً؛ فلأن منها ما يوافق مقتضى العقد ومنها ما ينافيه، والأول صحيح والثاني فاسد.
وأما كون الصحيح ثلاثة أنواع: فلأنه تارة يكون شرط مقتضى البيع، وتارة شرطاً من مصلحة العقد، وتارة شرطاً لنفع.
وأما كون شرط مقتضى البيع لا يؤثر فيه؛ فلأنه شرط يقتضيه البيع فجرى مجرى التوكيد وذلك لا يؤثر فساداً في المؤكد بل يؤكده ويقويه فكذا ما يجري مجراه.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالتقابض وحلول الثمن فتمثيل للشرط الصحيح الذي هو مقتضى البيع.
قال: (الثاني: شرط من مصلحة العقد، كاشتراط صفة في الثمن كتأجيله أو الرهن والضمين به 93، أو صفة في المبيع نحو: كون العبد كاتباً، أو خصياً، أو صانعاً، أو مسلماً، أو الأمة بكراً، والدابة هملاجة، والفهد صيوداً، فيصح البيع.
فإن وفى به وإلا فلصاحبه الفسخ).
أما كون اشتراط شرط من مصلحة العقد يصح؛ فلأن الرغبات تختلف باختلاف ذلك، والبيع إنما جاز ليحصل لكل واحد من المتعاقدين مقصوده فلو لم يصح اشتراط ما ذكر لم تحصل الحكمة التي شرع البيع لأجلها.

الجزء: 2 - الصفحة: 416

وأما قول المصنف: كاشتراط صفة في الثمن كتأجيله أو الرهن والضمين؛ فتمثيل لكون الثمن ذا صفةٍ شرطُها من مصلحة العقد.
وأما قوله: أو صفة في المبيع نحو كون العبد كاتباً ... إلى آخره؛ فتمثيل لكون المبيع ذا صفة شرطها من مصلحة العقد.
وأما كون الفسخ لمن شرط له إذا لم يف من شرطه له به؛ فلأنه لم يحصل له ما شرط له فكان له الفسخ كما لو ظهر المبيع معيباً.
قال: (وإن شرطها ثيباً كافرة فبانت بكراً مسلمة فلا فسخ له، ويحتمل أن له الفسخ؛ لأن له فيه قصداً).
أما كون من شرط ما ذكر وشبهه لا فسخ له على المذهب؛ فلأنه حصل له أكمل مما شرط فلم يملك الفسخ به كما لو شرط كون الغلام كاتباً فظهر كاتباً عالماً.
وأما كونه يحتمل أن له الفسخ فلما ذكره المصنف رحمه الله؛ وذلك أن المشتري قد لا يطيق وطء البكر، وقد يكون غرضه من الذمية كونها لا تغتسل من الجنابة على ما فيه من الخلاف.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: ثيباً كافرة يلحظ فيه اجتماع الوصفين جميعاً؟ قيل: ليس مراده ذلك بل مراده متى شرط الأدنى عادة كالثيوبة والكفر فظهر على خلاف ذلك كالبكارة أو الإسلام.
ولذلك قيل في الشرح ما ذكر وشبهه ليدخل في المسألة ما صرح به المصنف رحمه الله وما يشبهه.
قال: (وإن شرط الطائر مصوتاً أو أنه يجيء من مسافة معلومة صح.
وقال القاضي: لا يصح).
أما كون شرط ما ذكر يصح على قول غير القاضي؛ فلأن التصويت والمجيء من مسافة معلومة قد يكون فيهما غرض صحيح.
وأما كونه لا يصح على قول القاضي؛ فلأن التصويت والمجيء غير معلومين فلم يصح اشتراطهما كالأجل المجهول.
قال: (الثالث: أن يشترط البائع نفعاً معلوماً في المبيع كسكنى الدار شهراً وحُمْلان البعير إلى موضع معلوم، أو يشترط المشتري نفع البائع في المبيع كحمل الحطب

الجزء: 2 - الصفحة: 417

وتكسيره وخياطة الثوب وتفصيله فيصح.
وذكر الخرقي في جز الرطبة إن شرطه على البائع لم يصح فيخرج هاهنا مثله.
وإن جمع بين شرطين لم يصح (1». أما كون اشتراط البائع نفعاً معلوماً في المبيع كما مثل المصنف رحمه الله وشبهه يصح؛ فـ «لأن جابراً باع بعيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم واستثنى حملانه إلى المدينة» 95 رواه البخاري.
ولأن اشتراط ذلك أكثر ما فيه أنه يتأخر التسليم مدة معلومة فصح اشتراطه كما لو باع أمة مزوجة أو داراً مؤجرة أو شجرة مؤبرة.
وأما كون اشتراط المشتري نفع البائع في المبيع كما مثّله المصنف رحمه الله وشبهه يصح؛ فلأن كل واحد من العقد والشرط يصح منفرداً فإذا جمعا صح كالعينين.
و«لأن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جُرْزة حطب وشارطه على حملها».
وأما كون عدم الصحة هنا يخرج على قول الخرقي لا يصح اشتراط جز الرطبة على البائع؛ فلأن الشرط هنا مثله.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: قول الخرقي في جز الرطبة يحتمل أن البطلان يختص به 96 لإفضائه إلى التنازع لأن البائع ربما أراد قطعها من أعلاها ليبقى له منها بقية، والمشتري يريد 97 الاستقصاء عليها ليزيد له ما يأخذه.
ويحتمل أن يقاس عليه ما أشبهه من اشتراطه منفعة البائع.
والأول أولى؛ لوجهين: أحدهما: أنه قال في موضع آخر في البيع: لا يبطله شرط واحد.
والثاني: أن المذهب في غير هذا الموضع أنه يصح اشتراط ذلك.
وأما إذا جمع بين شرطين فظاهر كلام المصنف رحمه الله: أن الجمع بينهما لا يصح سواء كانا صحيحين أو فاسدين.94

الجزء: 2 - الصفحة: 418

وعن الإمام أحمد في ذلك 98 روايتان: أحدهما: أنهما شرطان صحيحان ليسا من مصلحة العقد.
والثانية: أنهما أن لا يبيع الجارية من أحد وأن لا يطأها وهذان فاسدان.
وقال القاضي في المجرد: ظاهر كلامه أنه متى شرط في العقد شرطين بطلا سواء كانا صحيحين أو فاسدين أخذاً بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا شرطان في بيع» 99. قال المصنف رحمه الله في المغني: الذي قاله القاضي صحيح إلا أنه استثنى الشرطين إذا كانا من مقتضى العقد كشرط تسليم المبيع ونقد الثمن.
وتصحيح المصنف رحمه الله قول القاضي يدل على إرادة ذلك فيكون هنا قد أراد بكلامه ظاهره.
وقد تضمن كلام القاضي الدليل على أنه لا يصح اشتراط شرطين مطلقاً فلا حاجة إلى إعادته.

الجزء: 2 - الصفحة: 419

فصل [في الشروط الفاسدة] قال المصنف رحمه الله: (الضرب الثاني: فاسد.
وهو ثلاثة أنواع: أحدها: أن يشترط أحدهما على صاحبه عقداً آخر كسلف أو قرض أو بيع أو إجارة أو صرف الثمن أو غيره فهذا يبطل البيع.
ويحتمل أن يبطل الشرط وحده).
أما كون الضرب الثاني: فاسد؛ فلأن الأول صحيح فيكون الثاني فاسداً.
وأما كون الفاسد ثلاثة أنواع؛ فلأنه تارة يكون شرط عقد آخر، وتارة شرط ما نافى مقتضى البيع، وتارة شرط يعلق البيع.
وأما قول المصنف رحمه الله: كسلف ... إلى أو غيره؛ فتمثيل لصور عقد آخر.
وأما كون الشرط المذكور يبطل البيع المذكور على المذهب؛ فلأنه بيع منهي عنه لأجل الشرط فأبطله.
ضرورة أن النهي عن الشيء يقتضي فساده وبطلانه.
بيان كونه منهياً عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع» 100. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
و«نهى عن بيع وشرط» 101، و «عن بيعتين في بيعة» 102. وهذا منه.
ولأن ما ذكر شروط فاسدة فأبطل العقد أحدها كما لو شرط أن لا يسلم المبيع إليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 420

وأما كونه يحتمل أن يبطل الشرط وحده؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صَحَّحَ بيع بريرة، وأبطل الشرط الفاسد المشروط في بيعها 103. قال المصنف رحمه الله في المغني: المنصوص عن أحمد أن البيع صحيح وهو ظاهر كلام الخرقي.
فعلى هذا للبائع الرجوع بما نقص من الثمن لأجل الشرط لأنه إنما سمح ببيعه بالثمن المسمى لأجل الشرط فإذا لم يحصل وجب الرجوع بما سمح به.
قال: (الثاني: شرط ما نافى مقتضى البيع نحو أن يشترط أن لا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع وإلا رده، أو أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق، أو إن أعتق فالولاء له، أو يشترط أن يفعل ذلك: فهذا باطل في نفسه.
وهل يبطل البيع؟ على روايتين.
إلا إذا شرط العتق ففي صحته روايتان: إحداهما: يصح ويجبر عليه إن أباه.
وعنه: فيمن باع جارية وشرط على المشتري إن باعها فهو أحق بها بالثمن أن البيع جائز، ومعناه والله أعلم أنه جائز مع فساد الشرط.
وإن شرط رهناً فاسداً أو نحوه فهل يبطل؟ على وجهين).
أما كون كل واحد مما ذكر من 104 الشروط غير شرط العتق باطلاً في نفسه؛ فلأنه شرط ينافي مقتضى العقد.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لما أرادت شراء بريرة فاشترط أهلها ولاءها: اشتريها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق.
ثم قال: من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط» 105 متفق عليه.
وأما كونه لا يبطل البيع على روايةٍ فلحديث بريرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 421

وأما كونه يبطله على روايةٍ؛ فلأنه إذا بطل الشرط وجب رد ما في مقابلته من الثمن وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولاً.
وأما كون شرط العتق يصح في المذهب؛ فلأن عائشة اشترت بريرة لتعتقها فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم.
فعلى هذا إن أعتقه فلا كلام وإن لم يعتقه أجبر عليه؛ لأن شرط العتق إذا صح تعلق بعينه فأجبر عليه كما لو نذر عتقه.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ فلأنه 106 شرط ينافي مقتضى العقد أشبه ما إذا شرط عليه أن لا يبيعه، أو شرط عليه إزالة ملكه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وعنه فيمن باع جارية ... إلى آخره؛ فمعناه أنه نقل عن الإمام أحمد هذه الرواية وربما توهم منها صحة الشرط لسكوته عن فساده وليس كذلك بل معناه والله أعلم أن البيع جائز مع فساد الشرط.
وأما كون من شرط رهناً فاسداً ونحوه هل يبطل البيع؟ على وجهين؛ فلأن شرط ذلك كشرط الشرط الفاسد معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
قال: (الثالث: أن يشترط شرطاً يعلق البيع كقوله: بعتك إن جئتني بكذا أو إن رضي فلان، أو يقول للمرتهن: إن جئتك بحقك في محله وإلا فالرهن لك فلا يصح البيع.
إلا بيع العربون وهو: أن يشتري شيئاً ويعطي البائع درهماً ويقول للمشتري: إن أخذته وإلا فالدرهم لك.
فقال أحمد: يصح؛ لأن عمر فعله.
وعند أبي الخطاب لا يصح).
أما كون البيع لا يصح إذا شرط فيه شرطاً يعلقه كما تقدم ذكره ونحوه؛ فلأن مقتضى البيع نقل الملك حال التبايع والشرط هنا يمنعه.
وأما كونه لا يصح إذا قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك في محله وإلا فالرهن لك؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَغْلَقُ الرهْن» 107 رواه الأثرم.
ومعناه ما ذكر.
قاله أبو عبيد في غريبه، وأنشد عليه:

الجزء: 2 - الصفحة: 422

وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا يعني أنها ارتهنت قبله فذهبت به.
وأما كون بيع العربون يصح على قول الإمام أحمد؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله من أن عمر فعله وذلك لأنه روي عنه «أنه اشترى داراً للسجن من صفوان فإن رضي عمر وإلا له كذا وكذا (1») 109. وأما كونه لا يصح على قول أبي الخطاب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربون» 110 رواه ابن ماجة.
ولأنه شرط للبائع شيئاً بغير عوض أشبه ما لو شرطه لأجنبي.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يشتري شيئاً ويعطي البائع درهماً ويقول: إن أخذته وإلا فالدرهم لك؛ فبيان لمعنى بيع العربون شرعاً.
قال: (وإن قال: بعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث وإلا فلا بيع بيننا فالبيع صحيح نص عليه.
وإن باعه وشرط البراءة من كل عيب لم يبرأ.
وعنه: يبرأ إلا أن يكون البائع علم العيب فكتمه).
أما كون البيع صحيحاً إذا قال: بعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث وإلا فلا بيع بيننا؛ فلأن ذلك يروى عن عثمان.
ولأن اشتراط الخيار في البيع جائز والشرط المذكور في معناه.
ولأنه نوع بيع فجاز أن يفسخ بتأخر القبض كالصرف.
وأما كون البائع لا يبرأ إذا شرط البراءة من كل عيب علم أو لم يعلم على المذهب؛ فلأنه شرط يرتفق به أحد المتعاقدين فلا يصح كالأجل المجهول والرهن المجهول.
وأما كونه يبرأ مع الجهل ولا يبرأ مع العلم على روايةٍ وهو المعني بقول المصنف رحمه الله: وعنه لا يبرأ إلا أن يكون البائع علم العيب فكتمه؛ فلما روي «أن عبدالله108

الجزء: 2 - الصفحة: 423

بن عمر رضي الله عنه باع عبداً من زيد بن ثابت وشرط البراءة بثمانمائة درهم.
فأصاب به زيد عيباً.
فأراد رده على ابن عمر.
فلم يقبله فترافعا إلى عثمان.
فقال عثمان لابن عمر: أتحلف أنك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: لا.
فرده عليه» 111. وهذه قضية اشتهرت ولم تنكر فكان إجماعاً.
وروي عن الإمام أحمد أنه يبرأ مع العلم والجهل لأن البراءة من المجهول صحيحة لما روت أم سلمة «أن رجلين اختصما في مواريث درست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استهما وتوخيا الحق وليحلل كل واحد منكما صاحبه» 112. ولأنه إسقاط حق لا تسليم فيه فصح في المجهول كالعتاق والطلاق وإذا صحت البراءة من المجهول وجب صحة الشرط لأنه إبراء من مجهول.
ولأنه عيب رضي به 113 المشتري فبرئ منه البائع كما لو أطلعه عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 424

فصل قال المصنف رحمه الله: (وإن باعه داراً على أنها عشرة أذرع فبانت أحد عشر فالبيع باطل.
وعنه: أنه صحيح والزائد للبائع ولكل واحد منهما الفسخ فإن اتفقا على إمضائه جاز وإن بانت تسعة فهو باطل.
وعنه: أنه صحيح والنقص على البائع وللمشتري الخيار بين الفسخ وأخذ المبيع بقسطه من الثمن فإن اتفقا على تعويضه عنه جاز).
أما كون البيع باطلاً إذا بان المبيع أزيد أو أنقص على الرواية الأولى؛ فلأنه لا يمكن إجبار أحد المتبايعين على تسليم الزائد ولا على أخذ البعض لما فيه من ضرر الشركة أو النقصان عن حقه.
وأما كونه صحيحاً على الرواية الثانية؛ فلأن ذلك نقص على المشتري من جهة الحقيقة أو من جهة المعنى فلا يمنع صحة البيع كالعيب.
فعلى القول بالبطلان لا إشكال، وعلى القول بالصحة يكون الزائد فيما إذا بان زائداً للبائع لأنه لم يبعه ولكل واحد منهما الخيار لأن على كل واحد منهما ضرراً بالشركة.
وقال المصنف في المغني: يخير البائع بين دفع المبيع زائداً وبين دفع قدر المبيع فإن اختار تسليمه زائداً فلا خيار للمشتري لأنه زاده خيراً فيما إذا بان زائداً ويكون النقصان فيما إذا بان ناقصاً على البائع لأنه التزمه بالبيع ولا خيار للبائع لأنه لا ضرر عليه في ذلك وللمشتري الخيار بين الفسخ لنقصه وبين أخذ المبيع بقسطه من الثمن لأن الثمن يقسط على كل جزء من أجزاء المبيع فإذا فات جزء استحق ما قابله من الثمن.
وأما كونه يجوز إمضاء العقد في الزائد مع الاتفاق والتعويض في النقص معه؛ فلأن الحق لهما لا يعدوهما فإذا اتفقا عليه جاز كحالة الابتداء.

الجزء: 2 - الصفحة: 425

باب الخيار في البيع

قال المصنف رحمه الله: (وهو على سبعة أقسام: أحدها: خيار المجلس.
ويثبت في البيع، والصلحِ بمعناه، والإجارة).
أما كون الخيار على سبعة أقسام؛ فلأنه تارة يكون خيار المجلس، وتارة خيار الشرط، وتارة خيار الغبن، وتارة خيار التدليس، وتارة خيار العيب، وتارة في بيع التولية والشركة والمرابحة والمواضعة، وتارة لاختلاف المتبايعين.
وأما كون أحدها خيار المجلس فظاهر.
وأما كون خيار المجلس يثبت في البيع فلما روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع» 114 متفق عليه.
وقال عليه السلام: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» 115 رواه الأئمة كلهم.
وأما كونه يثبت في الصلح بمعنى البيع كمن يقر لإنسان بعين أو دين ثم يصالحه على ذلك بعوض؛ فلأنه بيع فيدخل تحت ما تقدم.
وإن صولح على ذلك بذهب أو فضة فحكم الصلح حكم الصرف وسيأتي ذكره.
وأما كونه يثبت في الإجارة؛ فلأنها بيع المنافع فيدخل في الحديث المتقدم ذكره.

الجزء: 2 - الصفحة: 426

قال: (ويثبت في الصرف والسلم.
وعنه: لا يثبت فيهما).
أما كون خيار المجلس يثبت في الصرف والسلم على المذهب؛ فلأن ذلك بيع في الحقيقة فيدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» 116. ولأنه شرع نظراً لهما في الأحظ وهذا موجود في الصرف والسلم.
وأما كونه لا يثبت فيهما على روايةٍ؛ فلأن ذلك عقد لا يدخله خيار الشرط فلا يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح.
وإنما لم يدخله خيار الشرط لأنه عقد يفتقر إلى التقابض في الحال ويقتضي عدم العلقة بينهما وثبوت الخيار بعد التفرق يمنع لزوم القبض ويثبت العلقة بينهما.
قال: (ولا يثبت في سائر العقود إلا في المساقاة والحوالة والسبق في أحد الوجهين).
أما كون خيار المجلس لا يثبت في سائر العقود غير العقود المستثناة كالنكاح والخلع والقرض والكتابة والتدبير والعتق والوقف والرهن والضمان والكفالة والشركة والمضاربة والجُعالة والوكالة والوديعة والعارية والوصية والهبة الخالية عن العوض والشفعة والقسمة إن قيل هي إفراز والإقالة إن قيل هي فسخ.
أما في النكاح؛ فلأنه لا يقصد منه العوض.
ولأن الخيار في البيع إنما ثبت استدراكاً للغبن؛ لأنه يقع فجأة عن غير تَرَوٍّ وهذا المعنى لا يوجد في النكاح؛ لأن الغالب أنه لا يوجد إلا بعد تَرَوٍّ وبحث.
وأما في الخلع؛ فلأنه يقصد منه التفرق أشبه الطلاق.
وأما في القرض والتدبير والكتابة والعتق والوقف والضمان والكفالة والهبة الخالية عن العوض؛ فلأن فاعل ذلك دخل فيه على أن الحظ لغيره.
وأما في الرهن؛ فلأنه يضر بالمرتهن لبقاء حقه بلا رهن بتقدير وقوع الخيار.
وأما في الشركة والمضاربة والجُعالة والوكالة والوديعة والعارية والوصية؛ فلأنها عقود جائزة متى شاء أحدهما فسخ فلا حاجة إلى خيار المجلس.
وأما في الشفعة؛ فلأنها شرعت لإزالة الضرر فلا يشرع فيها خيار لأنه يناقضه.
وأما في القسمة إذا قيل هي إفراز؛ فلأنه يجبر عليها ولا خيار في عقود الإجبار 117.

الجزء: 2 - الصفحة: 427

وأما في الإقالة إذا قيل هي فسخ؛ فلأن الخيار يثبت استدراكاً للضرر الحاصل بالعقد، والإقالة فسخ فلم يدخله الخيار المذكور لعدم صلاحية المحل له.
وأما كونه يثبت في العقود المستثناة وهي المساقاة والحوالة والسبق في وجه: أما في المساقاة؛ فلأنها في معنى الإجارة في وجه.
وأما في الحوالة؛ فلأنها بيع في الحقيقة.
وأما في السبق فلما ذكر في المساقاة.
وأما كونه لا يثبت في شيء من ذلك في وجهٍ: أما في المساقاة؛ فلأنها عقد يكثر فيه الغرر لما فيه من الجهالة.
ولأنها لا يثبت فيها خيار الشرط فكذا خيار المجلس.
وأما في الحوالة؛ فلأنها إسقاط وإبراء.
وأما في السبق؛ فلأنه كالجُعالة في وجهٍ، والجُعالة لا خيار فيها لكونها من العقود الجائزة فكذا ما هو في معناها 118. قال: (ولكل واحد من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما إلا أن يتبايعا على أن لا خيار بينهما أو يسقطا الخيار بعده فيسقط في إحدى الروايتين، وإن أسقطه أحدهما بقي خيار صاحبه).
أما كون كل واحد من المتبايعين له الخيار ما لم يتفرقا إذا لم يتبايعا على أن لا خيار بينهما وإذا لم يسقطاه بعده فلما تقدم من قوله: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» 119. وأما كون التفرق بالأبدان لا بالأقوال؛ فلأن قبل التفرق بالأقوال لم يلزم العقد بل لم يوجد فلا حاجة إلى خيار.
ولأن في بعض ألفاظ الحديث: «وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع» 120. ولأن ابن عمر راوي الحديث وكان يفسر الفرقة بفعله 121.

الجزء: 2 - الصفحة: 428

وأما كون الخيار يسقط إذا تبايعا بشرط أن لاخيار، أو أسقطاه بعد البيع في روايةٍ اختارها الشريف بن أبي موسى؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن خير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع» 122. وقال عليه السلام: «البيعانِ بالخيارِ ما لم يَتفرقا، أو يقولُ أحدهما لصاحبه: اخْتَرْ» 123 رواه البخاري.
وأما كونه لا يسقط فيهما في روايةٍ؛ فلأن أكثر الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» 124. والزيادة على ذلك مذكورة في حديث ابن عمر، وقول الأكثر ذوي الضبط مقدم على رواية المنفرد.
قال المصنف رحمه الله في المغني: والأول أولى لما تقدم.
ولأنه عليه السلام قال: «إلا أن يكونَ البيعُ كانَ عن خِيارٍ فإن كان البيعُ عن خيارٍ فقد وَجَبَ البيْع» 125 متفق عليه.
ولأن الأخذ بما تضمنته الزيادة أولى.
ولأن الأصل أن لا يثبت خيار.
خولف مع عدم الشرط والإسقاط للحديث الخالي عن المعارض فيبقى فيما وقع فيه التعارض على الأصل.
وأما كون خيار صاحب من أسقط خياره يبقى؛ فلأنه خيار في المبيع فلم يبطل حق من لم يُسقطه كخيار الشرط.

الجزء: 2 - الصفحة: 429

فصل [في خيار الشرط] قال المصنف رحمه الله: (الثاني: خيار الشرط.
وهو: أن يشترطا في العقد خيار مدة معلومة فيثبت فيها وإن طالت).
أما كون الثاني خيار الشرط فظاهر.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يشترطا في العقد خيار مدة معلومة؛ فبيان لمعنى خيار الشرط.
وأما كون خيار الشرط يثبت في المدة المذكورة؛ فلقوله عليه السلام: «المسلمون عند شروطهم» 126. وأما كون ذلك يثبت في المدة إذا طالت؛ فلأنه حق مقدر يعتمد الشرط فرجع في تقديره إلى من شَرَطَه كالأجل، أو نقول: مدة ملحقة بالعقد فكانت إلى تقدير المتعاقدين كالأجل.
ويبطل هذا الشرط بالتخاير كخيار المجلس.
قال: (ولا يجوز مجهولاً في ظاهر المذهب.
وعنه: يجوز، وهما على خيارهما إلى أن يقطعاه أو تنتهي مدته).
أما كون خيار الشرط لا يجوز أن يكون مجهولاً؛ مثل: أن يشترط الخيار متى شاء، أو إلى قدوم زيد، أو إلى الأبد، أو ما أشبه ذلك في ظاهر المذهب؛ فلأنها مدة ملحقة بالعقد فلا تجوز مع الجهالة كالأجل.

الجزء: 2 - الصفحة: 430

ولأن الخيار إلى الأبد يقتضي المنع من التصرف في المبيع على الأبد وذلك ينافي مقتضى العقد.
وأما كونه يجوز على روايةٍ فلقوله عليه السلام: «المؤمنون على شروطهم» 127. فعلى هذا هما على خيارهما إلى أن يقطعاه أو تنتهي مدته إن كانت معلقة بما تنتهي به.
والأولى أولى.
اختارها القاضي وابن عقيل.
قال: (ولا يثبت إلا في البيع، والصلحِ بمعناه، والإجارة في الذمة، أو على مدة لا تلي العقد).
أما كون خيار الشرط لا يثبت في غير الصور 128 المستثناة؛ فلأنه لا نص في ذلك ولا هو في معنى المنصوص وذلك ينفي الثبوت لا سيما إذا كان الأصل يعضده.
وأما كونه يثبت في البيع والصلح بمعنى البيع فلما تقدم في خيار المجلس.
وأما الإجارة فهي على ضربين: أحدهما: إجارة في الذمة؛ مثل أن يقول: استأجرتك لتخيط هذا الثوب ونحوه.
فهذا يثبت فيه خيار الشرط لأنه استدراك للغبن فوجب ثبوته في ذلك كخيار المجلس.
والضرب الثاني: أن لا تكون في الذمة كإجارة الدار ونحوها: وذلك تارة لا تلي العقد؛ كإجارة سنة خمس وهو في أربع فهذا أيضاً يثبت فيه خيار الشرط لما تقدم في الإجارة في الذمة، وتارة تلي العقد فهذا لا يثبت فيه خيار الشرط لأنه يفضي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها أو إلى استيفائها في مدة الخيار وكلاهما لا يجوز.
ولم يفصل المصنف رحمه الله هذا التفصيل في الإجارة في خيار المجلس لأنه لا يلزم فيها ما ذكر هاهنا لقصره غالباً.
قال: (وإن شرطاه إلى الغد لم يدخل في المدة.
وعنه: يدخل).
أما كون الغد فيما ذكر لا يدخل على المذهب؛ فلأن إلى لانتهاء الغاية فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها لأن حكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها يؤيده قوله تعالى: {ثم أتموا

الجزء: 2 - الصفحة: 431

الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] لا يدخل الليل في الصيام، وقول الرجل لزوجته: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث لا تدخل الثالثة، وقول المقر: له عندي من درهم إلى عشرة لا يدخل الدرهم العاشر.
وأما كونه يدخل في ذلك على روايةٍ؛ فلأن إلى قد تكون بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: 6] و ﴿من أنصاري إلى الله﴾ [آل عمران: 52].
ولأن الخيار ثابت بيقين فلا نزيله بالشك.
والأول أصح؛ لأن إلى لانتهاء الغاية وإنما تحمل على معنى مع لدليل أو لتعذر حملها على موضوعها الأصلي.
ولأن الأصل لزوم العقد وإنما خولف فيما اقتضاه الشرط فيثبت فيما يتيقن منه، وما شك فيه يرجع فيه إلى الأصل.
قال: (وإن شرطاه مدة فابتداؤها من حين العقد، ويحتمل أن يكون من حين التفرق).
أما كون ابتداء المدة المشروطة من حين العقد على المذهب؛ فلأن الخيار مدة ملحقة من حين العقد فكان ابتداؤها من حين العقد كالأجل.
وأما كونه يحتمل أن يكون من حين التفرق؛ فلأن الخيار ثابت في المجلس حكماً فلا معنى لإثباته بالشرط.
ولأن حالة المجلس كحالة العقد لأن لهما فيه الزيادة والنقصان.
والأول أصح.
قاله المصنف في المغني لما ذكر.
ولأن الاشتراط سبب ثبوت الخيار فوجب أن يتعقبه حكمه كالملك في المبيع.
ولأن المدة لو جعلت من التفرق لأدى إلى جهالتها لأنه لا يعلم متى ابتداؤها فلا يعلم انتهاؤها.
وثبوت الحكم لسببين لا يمتنع كالوطء يَحْرم بالصيام والإحرام.
قال: (وإن شرط الخيار لغيره جاز وكان توكيلاً له فيه، وإن شرطا الخيار لأحدهما دون صاحبه جاز).
أما كون شرط الخيار للغير يجوز ويكون توكيلاً له؛ فلأن تصحيح الاشتراط على الوجه المذكور ممكن فوجب حمله عليه صيانة لكلام المكلف عن اللغو.
وصار هذا

الجزء: 2 - الصفحة: 432

بمنزلة ما لو قال لغيره: اعتق عبدك عني فإنه يقدر الملك قبل العتق تصحيحاً لكلامه.
فكذلك هاهنا.
وأما كون شرط الخيار لأحد المتبايعين دون صاحبه يجوز؛ فلأنه إذا جاز اشتراطه لهما؛ فلأن يجوز اشتراطه لأحدهما بطريق الأولى.
قال: (ولمن له الخيار الفسخ من غير حضور صاحبه ولا رضاه، وإن مضت المدة ولم يفسخا بطل خيارهما).
أما كون من له الخيار له الفسخ من غير حضور صاحبه ولا رضاه؛ فلأنه عقد جعل إلى اختياره 129 فجاز مع غيبة صاحبه وسخطه كالطلاق.
وأما كون خيارهما يبطل إذا مضت المدة ولم يفسخا؛ فلأنها مدة ملحقة بالعقد فبطلت بانقضائها كالأجل.
ولأن حكم بقاء الخيار يفضي إلى بقائه أكثر من المدة التي اشترطاها، وهو إنما ثبت بالشرط فلا يجوز أن يثبت في غير مدته.
ولأن البيع سبب للزوم وإنما تخلف موجبه بالخيار فإذا انقضت مدته لزم العقد بموجبه لزوال المعارض.
وفي قول المصنف رحمه الله: ولم يفسخا نظر لأنه إذا فسخ أحدهما يصدق أنهما ما فسخا، وفي هذه الصورة لا يبطل الخيار.
وقد احترز عن هذا في المغني فقال: ولم يفسخ أحدهما بطل الخيار، وليس مراد المصنف إلا هذا وإنما لم يحترز عن هذا اعتماداً على ظهور المعنى.
قال: (وينتقل الملك إلى المشتري بنفس العقد في أظهر الروايتين، فما حصل من كسب أو نماء منفصل فهو له أمضيا العقد أو فسخاه).
أما كون الملك ينتقل إلى المشتري بنفس العقد في أظهر الروايتين فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من بَاع عبداً وله مال فماله للبائعِ إلا أن يَشترِطه المبتَاع» 130 رواه البخاري.

الجزء: 2 - الصفحة: 433

وجه الحجة أنه جعل المال للمبتاع إذا اشترطه وهو عام في كل بيع فيدخل فيه بيع الخيار.
وأما كونه لا ينتقل إلا بانقضاء الخيار في روايةٍ؛ فلأنه عقد قاصر لا يفيد التصرف ولا يلزم فلا ينتقل الملك فيه كالهبة قبل القبض.
والأولى أولى لما ذكر.
ولأنه بيع صحيح فنقل الملك عقيبه كما لو لم يشترط الخيار.
ولأن البيع تمليك بدليل أنه يصح بقوله: ملكتك فيثبت به الملك كالمطلق.
ودعوى القصور فيه ممنوعة، وامتناع التصرف لأجل حق الغير لا يمنع ثبوت الملك كالمرهون والمبيع قبل القبض، وعدم اللزوم لا يوجب قصوراً ولا يمنع نقل الملك بدليل بيع المعيب.
وأما كون ما حصل من كسب أو نماء منفصل للمشتري مع إمضاء العقد ومع فسخه؛ فلأنه نماء ملكه الداخل في ضمانه.
ولأنه من ضمانه فيدخل في قوله عليه السلام: «الخراج بالضمان» 131. قال الترمذي: هو صحيح.
وفي قول المصنف رحمه الله: أو نماء منفصل احتراز عن النماء المتصل كالسمن ونحوه فإن ذلك يتبع العين مع الفسخ لتعذر انفصاله.
ولا بد أن يُلحظ في كون النماء المنفصل للمشتري أنه مبني على القول بأن الملك ينتقل بنفس العقد لأن على روايةِ الانتقال بانقضاء مدة الخيار يكون جميع ذلك للبائع لما ذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 434

قال: (وليس لواحد منهما التصرف في المبيع في مدة الخيار إلا بما يحصل به تجربة المبيع، وإن تصرفا ببيع أو هبة ونحوهما لم ينفذ تصرفهما ويكون تصرف البائع فسخاً للبيع، وتصرف المشتري إسقاطاً لخياره في أحد الوجهين، وفي الآخر البيع والخيار بحالهما).
أما كون كل واحد من البائع والمشتري ليس له التصرف في المبيع في مدة الخيار على غير وجه التجربة؛ فلأنه ليس بملك للبائع فيتصرف فيه ولا انقطعت عنه علقه فيتصرف فيه المشتري.
وأما 132 كونهما إذا تصرفا بيبع أو هبة ونحوهما مما ينقل الملك ويثبت الشغل في المعقود كالإجارة والرهن والكتابة لا ينفذ تصرفهما؛ فلأنه تصرف لم يصادف محله لأن البائع لا يملكه والمشتري يفضي تصرفه إلى إسقاط حق البائع من الخيار واسترجاع المبيع.
وأما كون تصرف البائع فسخاً للمبيع وتصرف المشتري إسقاطاً لخياره في وجهٍ؛ فلأن ذلك يحصل بالتصريح فحصل بالدلالة عليه كالمعتَقة فإن خيارها يسقط بتمكينها زوجها من وطئها.
وأما كون تصرف البائع لا يكون فسخاً في وجهٍ؛ فلأن الملك انتقل عن البائع فلم يكن تصرفه فيه فسخاً واسترجاعاً كمن وجد عين ماله عند مفلس.
وأما كون تصرف المشتري لا يكون إسقاطاً لخياره في وجهٍ؛ فلأن التصرف غير صحيح فوجوده كعدمه.
وأما كون المشتري له التصرف بما يحصل به تجربة المبيع مثل 133: أن يركب الدابة لينظر سيرها، ويطحن على الرحى ليختبرها؛ فلأن الخيار إنما شرطه ليستعلم به المبيع وذلك طريق إليه فلو لم يجز لما أمكنه تحصيل ما شرط الخيار من أجله.

الجزء: 2 - الصفحة: 435

قال: (وإن استخدم المبيع لم يبطل خياره في أصح الوجهين، وكذلك إن قبلته الجارية.
ويحتمل أن يبطل إن لم يمنعها).
أما كون الخيار باستخدام المبيع لا يبطل في أصح الوجهين؛ فلأن الخدمة لا تختص بالملك فلم يبطل الخيار كالنظر.
وأما كونه يبطل في وجهٍ؛ فلأن الخدمة إحدى المنفعتين فأبطلت الخيار كما 134 لو وطئ.
ولأنه نوع تصرف أشبه ركوب الدابة.
وأما كون تقبيل الجارية المشتري لا يبطل خياره به على المذهب؛ فلأن الحق له ولم يوجد منه ما يدل على إبطاله فوجب أن لا يبطل.
وأما كونه يحتمل أن يبطل إذا لم يمنعها؛ فلأن سكوته استمتاع بها ودليل على رضاه بدليل ما لو عتقت المرأة تحت عبد فوطئها وهي ساكتة.
ولا بد أن يقيد الخلاف المذكور بالشهوة لأنه إذا كان لغير شهوة لا يبطل بغير خلاف لأن التقبيل لغير شهوة ليس باستمتاع بوجه.
قال: (وإن أعتقه المشتري نفذ عتقه وبطل خيارهما، وكذلك إن تلف المبيع.
وعنه: لا يبطل خيار البائع وله الفسخ والرجوع بالقيمة).
أما كون إعتاق المشتري العبد المبيع بشرط الخيار ينفذ؛ فلأنه عتق من مالك جائز التصرف تام الملك فنفذ كما بعد مدة الخيار.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عتق فيما لا يملك ابن آدم» 135 يدل بمفهومه على نفوذه في الملك.
ولأن ملك البائع الفسخ لا يمنع صحة العتق كما لو باع عبداً بجارية معينة فأعتقه المشتري فإنه ينفذ مع ملك البائع الفسخ، وكما لو وهب الأب لابنه عبداً فأعتقه الابن فإنه ينفذ عتقه مع ملك الأب الفسخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 436

وأما كون خيار المشتري يبطل فلتصرفه بالعتق الموجب للزوم.
وأما كون خيار البائع يبطل على المذهب فلتعذر الرجوع.
وأما كونه لا يبطل على روايةٍ؛ فلأنه لم يوجد ما يدل على بطلانه، وتعذر الرجوع في العين لا يمنع الفسخ لأنه قد يكون في الفسخ مصلحة مثل: أن يكون قد باعه بأقل من ثمن مثله فإذا فسخ ملك الرجوع في قيمته.
وأما كونه له الفسخ على هذه الرواية؛ فلأن خياره لم يبطل.
وأما كونه إذا فسخ له الرجوع بقيمة المبيع لأنها بدل ما لا مثل له.
وأما كون تلف المبيع كعتق العبد في بطلان الخيار؛ فلأنه يساويه معنى فكذا يجب أن يساويه حكماً.
قال: (وحكم الوقف حكم البيع في أحد الوجهين، وفي الآخر: حكمه حكم العتق).
أما كون حكم وقف المشتري المبيع في وجهٍ حكم بيعه.
ومعناه أنه لا ينفذ؛ فلأنه يتضمن بطلان حق غيره أشبه وقف المرهون.
وأما كون حكمه في وجهٍ حكم عتقه.
ومعناه أنه ينفذ؛ فلأنه تصرف يبطل الشفعة فنفذ كالعتق.
والأول أصح قاله المصنف في المغني لما ذكر.
وفارق العتق لتأكده بدليل أنه يسري إلى ملك الغير، ويبنى على التغليب، ويصح في الرهن بخلاف الوقف.
قال: (وإن وطئ المشتري الجارية فأحبلها صارت أم ولده وولده حر ثابت النسب، وإن وطئها البائع فكذلك إن قلنا البيع ينفسخ بوطئه، وإن قلنا لا ينفسخ فعليه المهر وولده رقيق إلا إذا قلنا الملك له، ولا حد فيه على كل حال.
وقال أصحابنا: عليه الحد إذا علم زوال ملكه وأن البيع لا ينفسخ بالوطء.
وهو المنصوص).
أما كون الجارية تصير أم ولد المشتري بإحباله؛ فلأنه إحبال صادف محله فوجب أن تصير الموطوءة أم ولد كما لو أحبلها بعد انقضاء الخيار.
وأما كون ولده حر ثابت النسب؛ فلأنه من وطء في مملوكة له.

الجزء: 2 - الصفحة: 437

وأما كون البائع إذا وطئ الجارية وقيل البيع ينفسخ بوطئه كالمشتري في صيرورة الجارية أم ولد وكون الولد حر ثابت النسب؛ فلأن البيع إذا انفسخ بالوطء صادف إحبال البائع ملكه والإحبال في الملك يوجب ذلك.
وأما كون المهر عليه وكون ولده رقيقاً إذا قيل وطء البائع لا يوجب الفسخ وقيل الملك للمشتري زمن الخيار؛ فلأنه وطء في ملك الغير.
وأما كونه لا مهر عليه وكون ولده حراً إذا قيل الملك باق للبائع؛ فلأنه وطء في ملك.
وأما الحد فالمنصوص عن أحمد أنه إن كان عالماً بالتحريم فعليه الحد.
وهذا يستدعي كون الملك لغيره، وأن 136 البيع لا ينفسخ بالتصرف.
والحجة في وجوبه 137 أنه وطء لم يصادف ملكاً ولا شبهة ملك.
وقال ابن عقيل: لا حد عليه بحال.
وهو اختيار المصنف.
وقال في المغني: وهو الصحيح لأنه وطئه إما أن يصادف ملكاً أو شبهه لأن العلماء اختلفوا في ثبوت ملكه وإباحة وطئه وذلك شبهة.
قال: (ومن مات منهما بطل خياره ولم يورث.
ويتخرج: أن يورث كالأجل).
أما كون من مات من البائع والمشتري يبطل خياره ولم يورث على المذهب؛ فلأنه حق فسخ لا يجوز الاعتياض عنه فبطل ولم يورث كخيار الرجوع في الهبة.
وأما كونه يتخرج أن يورث فلقوله عليه السلام: «من ترك حقاً فلورثته» 138، وقياساً على الأجل في الثمن، وعلى خيار الوصية.

الجزء: 2 - الصفحة: 438

فصل [في خيار الغبن] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: خيار الغبن.
ويثبت في ثلاث صور: إحداها: إذا تلقى الركبان فاشترى منهم وباع لهم فلهم الخيار إذا هبطوا السوق وعلموا أنهم قد غبنوا غبناً يخرج عن العادة).
أما كون الثالث خيار الغبن؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كون الركبان لهم الخيار إذا تُلُقّوا واشتريَ منهم أو بيع لهم فغبنوا؛ فلما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَلَقّوا الجلب فمن تلقاه فاشتريَ منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار» 139 رواه مسلم.
وثبوت الخيار مشعر بأن البيع من الركبان والشراء لهم صحيح.
وفي صحة ذلك روايتان: إحداهما: أنه صحيح لأن النهي لا لمعنى في البيع بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكه بالخيار أشبه بيع المصرّاة.
والرواية الثانية: أنه باطل لأنه منهي عنه أشبه بيع الحاضر للبادي.
والأولى أصح لما تقدم.
والفرق بين ما ذكر وبين بيع الحاضر للبادي أن بيع الحاضر لا يمكن استدراكه بالخيار لأن الضرر ليس عليه إنما هو على المسلمين بخلاف تلقي الركبان فإن الضرر عليهم، واستدراك ذلك حاصل بثبوت الخيار لهم فلا حاجة إلى إبطال البيع والشراء.
وأما ما يشترط لثبوت الخيار فأمران: أحدهما: الغبن؛ لأنه إنما ثبت للخديعة ودفع الضرر عن البائع ولا ضرر مع عدم الغبن.

الجزء: 2 - الصفحة: 439

فإن قيل: الحديث مطلق؟ قيل: يجب حمله على ذلك للعلم بمعناه.
فإن قيل: لم قلت إن الحديث معناه ذلك؟ قيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جعل لهم الخيار إذا هبطوا السوق فُهم منه إرادة الغبن لأنه لولا ذلك لجعل لهم الخيار من حين البيع.
والثاني: تقدير الغبن بما يخرج عن العادة لأن الشرع لم يرد بتحديد ذلك فرجع فيه إلى ذلك كالحِرْز.
وقال أبو بكر في تنبيهه وابن أبي موسى في إرشاده: ذلك مقدر بالثلث لأن الثلث كثير بدليل قوله عليه السلام: «والثلث كثير» 140. وقيل: هو مقدر بالسدس لأن الخيار لو ثبت بأقل من ذلك لأدى إلى بطلان كثير من العقود.
قال: (والثانية في النجش وهو: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليَغُر المشتري فله الخيار إذا غبن).
أما قول المصنف وهو أن يزيد في السلعة ... إلى المشتري؛ فبيان لمعنى النجش.
وزاد فيه غيره 141: أن يكون الذي زاد معروفاً بالحِذْق.
ولا بد منه لأن التغرير لا يحصل للمشتري إلا بذلك.
ويحتمل أن المصنف رحمه الله إنما ترك ذلك هنا لأن قوله ليغر المشتري مشعر به.
وأما كون المشتري يثبت له الخيار إذا غبن في البيع المذكور؛ فلأنه مغبون فوجب أن يثبت له الخيار كالركبان إذا تُلُقّوا فاشتريَ منهم وغبنوا.
وثبوت الخيار مشعر بصحة البيع.
وفيه أيضا روايتان: إحداهما: أنه صحيح؛ لأنه ثبت فيه الخيار بالقياس على الركبان.
فكذلك الصحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 440

وثانيهما: أنه باطل؛ لما روى ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النّجْش» 142. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَنَاجَشُوا» 143 متفق عليهما.
ولأن في ذلك تغريراً بالمشتري وخديعة له فدخل في المنهي عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الخديعة في النار» 144. وإذا كان منهياً عنه كان البيع باطلاً؛ لأن النهي يقتضي الفساد والبطلان.
والأول أصح؛ لأن النهي عائد إلى الناجش لا إلى العاقد فلم يؤثر في صحة البيع.
فإن قيل: لم يُقَيِّد المصنف رحمه الله الغبن في هذه المسألة بما يخرج عن العادة؟ قيل: قيده في المغني.
وإنما تركه هنا؛ لأنه نبّه على ذكره في المسألة قبلها.
قال: (الثالثة: المسترسل إذا غبن الغبن المذكور.
وعنه: أن النجش وتلقي الركبان باطلان).
أما كون المسترسل يثبت له الخيار إذا غبن بما تقدم ذكره في الصورتين المتقدم ذكرهما؛ فلأنه غبن حصل بجهله بالمبيع فأثبت الخيار كالغبن في تلقي الركبان.
فإن قيل: ما المراد بالمسترسل المذكور؟ قيل 145: الذي لا معرفة له بقيم السلع والأسعار، ولا يحصل له المعرفة بذلك بالتثبت.
فلو كان عالماً بالغبن أو جاهلاً لكن لو توقف لعَرَف فغبن فلا خيار له: أما العالم؛ فلأنه رضي بالغبن.
وأما المستعجل؛ فلأن الغبن حصل بتفريطه وتركه التثبت فكان كالراضي بالغبن.

الجزء: 2 - الصفحة: 441

وأما كون بيع النجش وتلقي الركبان باطلين على روايةٍ فلما تقدم ذكره في الصورة الأولة والثانية.

الجزء: 2 - الصفحة: 442

فصل [في خيار التدليس] قال المصنف رحمه الله: (الرابع: خيار التدليس بما يزيد به الثمن؛ كتصرية اللبن في الضرع، وتحمير وجه الجارية، وتسويد شعرها، وتجعيده، وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها فهذا يثبت للمشتري خيار الرد مع المصراة عوض اللبن صاعاً من تمر فإن لم يجد التمر فقيمته في موضعه سواء كانت ناقة أو بقرة أو شاة).
أما كون الرابع خيار التدليس؛ فلأنه يلي الثالث.
وأما قول المصنف رحمه الله: كتصرية اللبن في الضرع ... إلى قوله: عند عرضها؛ فتعداد لصور التدليس وبيان لها.
وأما كون التدليس يُثبت للمشتري خيار الرد: أما التصرية؛ فلما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعدُ فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعاً من تمر» 146 متفق عليه.
ولأنه تدليس غر المشتري فيه بالتصرية فكان له الخيار كبيع النجش.
وأما باقي الصور التي ذكرها المصنف رحمه الله؛ فلأنه في معناها لأنه تدليس يختلف الثمن باختلافه أشبه التصرية.
وأما معنى التصرية فهو جمع اللبن في الضرع.
قال البخاري: أصل التصرية حبس الماء.
يقال: صرى الماء في الحوض وصرى الطعام في فيه وصَرَى الماء في ظهره إذا ترك الجماع.
وأنشد أبو عبيدة: رأيت غلاماً قد صَرَى في فِقْرَتِهْ ... ماءَ الشباب عُنْفُوانَ سَنْبِتِهْ

الجزء: 2 - الصفحة: 443

وأما كون المشتري يرد مع المُصَرّاةِ عوض اللبن صاعاً من تمر؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعاً من تمر» 147. وفي لفظ للبخاري: «وإن سَخِطَهَا ففي حَلْبَتِهَا صاعٌ من تمر» 148. وأما كونه يرد قيمة التمر إذا لم يجده؛ فلأنه عجز عن عين الواجب فوجب الرجوع إلى قيمته أشبه ما لو أتلف ذلك على آدمي.
وأما كون قيمة التمر في موضع العقد؛ فلأن القيمة بدل عن التمر فكان موضعه موضعه.
وأما كون التصرية تُثبت خيار الرد سواء كانت المصراة ناقة أو بقرة أو شاة فلعموم قوله عليه السلام: «من اشترى مُصَرَّاةً فهو بالخيار» 149 رواه البخاري.
وفي حديث ابن عمر: «من ابتاع مُحَفّلَةً» 150. ولم يفصل.
ولأن الإبل والغنم منصوص عليهما بقوله عليه السلام: «لا تصروا الإبل والغنم» 151 فثبت فيهما بالتصريح وفي البقر بالتنبيه لأن لبن البقر أغزر وأكثر.
قال: (فإن كان اللبن بحاله لم يتغير رده وأجزأه.
ويحتمل أن لا يجزئه إلا التمر).
أما كون المشتري يرد اللبن غير المتغير ويجزئه على المذهب؛ فلأن التمر إنما وجب عن اللبن فإذا رد الأصل وجب أن يجزئ كسائر الأصول مع أبدالها.
وأما كونه يحتمل أن لا يجزئه إلا التمر؛ فلأن كون اللبن في الضرع أحفظ له.
ولأن إطلاق الحديث يدل عليه.
وأما قول المصنف رحمه الله: لم يتغير فظاهره أن اللبن إذا تغير لا يجزئه رده وجهاً واحداً لأنه جعل عدم التغيير شرطاً في الإجزاء.
وظاهر قول القاضي أن الخلاف

الجزء: 2 - الصفحة: 444

موجود مع التغير وعدمه لأنه علل احتمال الإجزاء بأن النقص حصل باستعمال 152 المبيع.
وعلل احتمال عدم الإجزاء بأن اللبن نقص في يده بالحموضة فهو كما لو أتلفه.
وصرح المصنف في الكافي بالخلاف مع التغير ونسب لزوم القبول إلى القاضي.
قال: (ومتى علم التصرية فله الرد.
وقال القاضي: ليس له ردها إلا بعد ثلاث).
أما كون المشتري له الرد بمجرد العلم على المذهب؛ فلأنه علم سبب الرد فكان له حينئذ أشبه ما لو علم بالعيب.
وأما كونه ليس له ذلك قبل مضي ثلاث على قول القاضي؛ فلأن أبا هريرة روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اشترى مُصَرّاةً فهو بالخيار ثلاثة 153 أيام» 154 رواه مسلم.
وجه الحجة: أن الشرع قدر الثلاث لمعرفة التصرية لأن التصرية لا تعرف إلا بعد مضيها لأنه يجوز أن يختلف لبنها لتغير المكان واختلاف العلف 155 فإذا مضت الثلاثة استبان ذلك فوجب أن يثبت له الخيار حينئذ ولا يثبت قبله.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ظاهر قول ابن أبي موسى أنه إذا علم التصرية ثبت له الخيار في الأيام الثلاثة إلى تمامها وهو ظاهر الحديث.
قال: (وإن صار لبنها عادة لم يكن له الرد في قياس قوله: إذا اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج لم يملك الرد).
أما كون المشتري ليس له الرد إذا صار لبن المصراة عادة؛ فلأن الخيار جُعل لدفع الضرر بالعيب وقد زال الضرر فامتنع ثبوت الرد؛ لأن الحكم يزول بزوال علته.
وأما قول المصنف رحمه الله: في قياس قوله إذا اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج؛ فتنبيه على أمرين: أحدهما: أن الحكم في المصراة مأخوذ من المسألة المذكورة لأنها منصوص عليها والمصراة في معناها.

الجزء: 2 - الصفحة: 445

وثانيهما: أن الأمة إذا بيعت فبانت مزوجة فطلقها الزوج لا رد لمشتريها.
وقد تقدم علة ذلك.
قال: (وإن كانت التصرية في غير بهيمة الأنعام فلا رد له في أحد الوجهين.
وفي الآخر: له الرد، ولا يلزمه بدل اللبن).
أما كون مشتري المصراة من غير بهيمة الأنعام كالأمة والأتان لا رد له في وجهٍ؛ فلأن لبن ذلك لا يعتاض عنه في العادة ولا يقصد قصد لبن بهيمة الأنعام.
وأما كونه له الرد في وجهٍ فلعموم قوله عليه السلام: «من اشترى مُصَرَّاةً» 156 و «من اشترى مُحَفّلَةً» 157. ولأن الثمن يختلف بذلك لأن لبن الأمة يراد للارتضاع ويرغب فيها ظئراً ويحسن ثديها ولذلك لو اشترط كثرة لبنها فبان بخلافه ملك الفسخ ولبن الأتان يراد لولدها.
وأما كونه لا يلزمه بدل اللبن على كل حال؛ فلأن ذلك لا يباع عادة ولا يعاوض عنه.
قال: (ولا يحل للبائع تدليس سلعته ولا كتمان عيبها فإن فعل فالبيع صحيح.
وقال أبو بكر: إن دلس العيب فالبيع باطل، قيل له: فما تقول في التصرية؟ فلم يذكر جواباً).
أما كون البائع لا يحل له التدليس؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غشنا فليس منا» 158. و«نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التصرية» 159 لكونها تدليساً وذلك يقتضي عدم حل كل تدليس.

الجزء: 2 - الصفحة: 446

وأما كونه لا يحل له كتمان العيب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلمُ أخو المسلم.
لا يَحلُ لمسلمٍ باعَ من أخيه بَيعاً إلا بيّنهُ له» 160. وقال: «من بَاع بيعاً لم يُبيّنه، لم يَزل في مَقْتٍ من الله، ولم تزل الملائكةُ تَلعنه» 161 رواهما ابن ماجة.
وقال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» 162 متفق عليه.
وأما كون البيع مع ذلك صحيحاً على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صحح بيع المصراة مع أنه منهي عنه وأثبت فيه الخيار 163. ولأن العيب نقص في حق المشتري فلم يمنع صحة البيع كالتصرية.
وأما كونه باطلاً إذا دلس العيب على قول أبي بكر؛ فلأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد والبطلان.
والأول أصح؛ لحديث المصراة.
وأشار المصنف إلى انقطاع حجة أبي بكر بقوله: قيل له: ما تقول في التصرية؟ فلم يذكر جواباً لأن التصرية إلزام صحيح ليس عنه جواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 447

فصل [في خيار العيب] قال المصنف رحمه الله: (الخامس: خيار العيب.
وهو: النقص كالمرض وذهاب جارحة أو سن أو زيادتها ونحو ذلك.
وعيوب الرقيق من فعله كالزنا والسرق والإباق والبول في الفراش إذا كان من مميز، فمن اشترى معيباً لم يعلم عيبه فله الخيار بين الرد والإمساك مع الأرش وهو قسط ما بين قيمة الصحيح والمعيب من الثمن).
أما كون الخامس خيار العيب؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما كون العيب يثبت للمشتري خيار الرد؛ فلأن مطلق العقد يقتضي السلامة بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه اشترى مملوكاً فكتب: هذا ما اشترى محمد بن عبدالله من العَدّاءِ بن خالد، اشترى منه عبداً أو أمة لا دَاءَ به ولا غَائِلَةَ بيع المسلمِ للمسلم» 164. وإذا كان مقتضى العقد السلامة وجب ثبوت الخيار بظهور المبيع معيباً استدراكاً لما فاته وإزالة لما يلحقه من ضرر بقائه في ملكه ناقصاً عن حقه.
وأما كون العيب المثبت للخيار النقص؛ فلأنه يقلل الثمن في عادات التجار لأن المبيع إنما صار محلاً للعقد باعتبار صفة المالية فوجب اعتبار النقص لأنه ينقص به الثمن في عادة أهل ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالمرض ... إلى قوله: ونحو ذلك فتعداد لأشياء ينقص بها الثمن ليست من فعل العبد.

الجزء: 2 - الصفحة: 448

وأما قوله: كالزنا والسرق والإباق والبول في الفراش فتعداد لأشياء ينقص بها الثمن وهي من فعل العبد.
وكل ذلك يثبت به الخيار لأن الزنا ينقص قيمة العبد ويعرضه لإقامة الحد ويقلل الرغبة فيه وربما أدى ذلك إلى تلفه، والسرق والإباق والبول في الفراش عيب في الكبير وهو الذي جاوز العشر.
وهو المراد بقول المصنف رحمه الله: إذا كان من مميز وليس ذلك بعيب في الصغير لأن السرق والإباق في الصغير لنقصان عقله والبول لضعف بُنْيَتِه، وفيما بعد الكبر لخبث في طبيعته والبول لداء في باطنه.
وأما كون من اشترى معيباً لم يعلم عيبه له الخيار بين رده وبين إمساكه مع الأرش: أما الرد؛ فلأنه ظهر على عيب لم يعلم به فاستحق به الأرش كما لو تعيب عنده.
ولأنه فاته جزء من المبيع فكان له المطالبة بعوضه كما لو أتلفه بعد البيع.
فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم خيّر في المصراة بين الرد وبين الإمساك بلا أرش فيجب أن يكون هنا كذلك.
قيل: المصراة ليس فيها عيب وإنما ملك الخيار بالتدليس لا لفوات جزء فلذلك لا يستحق أرشاً.
ولأن إلحاق المعيب بالمصراة لا يصح لأن المصراة لا يرجع مشتريها بالأرش إذا تعذر الرد بخلاف المعيب فإنه يرجع بالأرش عند تعذر الرد وفاقاً من المخالف هنا.
وفي تقييد المصنف رحمه الله الخيار بعدم العلم إشعار بأنه إذا كان عالماً لا خيار له وهو صحيح لأنه دخل على بصيرة فلم يثبت له خيار كما لو صرح بالرضى به 165. وأما كون الأرش قسطُ ما بين قيمة الصحيح والمعيب من الثمن؛ فلأنه لا يؤدي إلى محذور [بخلاف جعله قسط قيمته لأنه يؤدي إلى محذور] 166 وهو اجتماع الثمن والمثمن للمشتري في صورة هي: ما لو كان الثمن نصف قيمته وكان الأرش نصف قيمته لأنه إذا اشترى ما قيمته عشرون بعشرة فوجد به عيباً أرشه عشرة فإذا أخذها اجتمع له الثمن والمثمن.
فإن قيل: ما مثال قسط ما بين قيمة الصحيح والمعيب من الثمن؟

الجزء: 2 - الصفحة: 449

قيل: مثاله أن يكون قيمته صحيحاً عشرة ومعيباً خمسة فالمعيب نقص خمسة ونسبتها إلى قيمته صحيحاً النصف فيرجع 167 بنصف الثمن وهو المعني بقول المصنف رحمه الله: وهو قسط ما بين قيمة الصحيح والمعيب من الثمن.
قال: (وما كسب فهو للمشتري وكذلك نماؤه المنفصل.
وعنه: لا يرده إلا مع نمائه).
أما كون كسب المبيع المعيب المردود لعيبه للمشتري؛ فلأن عائشة روت «أن رجلاً اشترى عبداً فاستغلّه ما شاء ثم وجد به عيباً فردَّه.
فقال: يا رسول الله! إنه استَغَلّ غلامي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخراج بالضمان» 168 رواه أبو داود وابن ماجة.
وأما كون المنفصل كالولد والثمرة المجذوذة واللبن المحلوب كذلك على المذهب؛ فلأنه نماءٌ حدث في ملك المشتري فلم يمنع الرد كالكسب، وكما لو كان في يد البائع.
وأما كونه لا يرد الأصل إلا معه على روايةٍ؛ فلأن النماء موجَب العقد فلا يُرْفَع العقد مع بقاء موجبه.
وهذا الخلاف هو المعنيّ بقول المصنف رحمه الله: وكذلك نماؤه المنفصل.
وعنه: لا يرده إلا مع نمائه.
ولا تعود هذه الرواية إلى الكسب لأنه ذكر في المغني أن الكسب زيادة من غير العين.
ثم قال: فكل ذلك للمشتري في مقابلة ضمانه.
ثم قال: ولا نعلم في هذا خلافاً.
وحكى في الكافي في الزيادة من غير العين كالكسب ونحوه روايتين وفيه نظر لما ذكر عن المصنف في المغني.
وحكى صاحب النهاية فيها: الكسب مما أجمع عليه.
قال: (ووطء الثيب لا يمنع الرد.
وعنه: يمنع).
أما كون وطء الثيب لا يمنع الرد على روايةٍ؛ فلأنه قول زيد بن ثابت.
وأما كونه يمنعه على روايةٍ؛ فلأنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 450

ولأن الوطء يجري مجرى الجناية لأنه لا يخلو في ملك الغير من عقوبة أو مال فوجب أن يمنع الرد كما لو كانت بكراً.
والأولى أصح لما ذكر.
ولأنه معنى لا ينقص عينها ولا قيمتها ولا يتضمن الرضا بالعيب فلم يمنع الرد كالاستخدام.
قال: (وإن وطئ البكر أو تعيبت عنده فله الأرش.
وعنه: أنه مخير بين الأرش وبين رده وأرش العيب الحادث عنده ويأخذ الثمن.
قال الخرقي: إلا أن يكون البائع دلس العيب فيلزمه رد الثمن كاملاً).
أما كون المشتري له الأرش إذا وطئ البكر أو تعيب المبيع عنده ثم ظهر على عيب؛ فلأن العقد اقتضى السلامة فقابل كل جزء من الثمن كل جزء من المبيع فإذا فات منه شيء وجب الرجوع فيما قابله من الثمن.
وفي اقتصار المصنف على الأرش إشعار بأن وطء البكر وحدوث العيب يمنع الرد وهو صحيح على المذهب.
أما وطء البكر؛ فلأنه إذهاب لجزء منها أشبه ما لو قطع يدها.
وأما في حدوث العيب في ملكه كقطع يدها وما أشبه ذلك؛ فلأن الرد بالعيب إنما شرع لإزالة الضرر وفي رد المبيع المعيب عند المشتري ضرر على البائع والضرر لا يزال بالضرر.
ولأن ضرر المشتري ينجبر بالأرش فتعين لكونه طريقاً صالحاً لإزالة ضرر سالماً عن معارضة ضرر البائع.
وأما كونه مخيراً بين أخذ الأرش وبين رد المبيع وأرش العيب الحادث على روايةٍ؛ فلأنه عيب حدث عند أحد المتبايعين فلم يمنع الخيار المذكور كالعيب الحادث عند البائع قبل القبض.
ولأن العيبين قد وجدا والبائع قد دلس والمشتري لم يدلس فكان اعتبار خيانة المدلس أولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 451

ولأن الرد كان جائزاً قبل حدوث العيب فلا يزول عنه إلا بدليل وضرر البائع ينجبر برد أرش العيب الحادث عند المشتري عليه.
فعلى هذا إن أمسك المبيع وأخذ أرش العيب الموجود قبل البيع فلا إشكال، وإن رد المبيع نظر في البائع فإن لم يكن دلس العيب وجب على المشتري رد أرش العيب الحادث عنده؛ لأن التلف حصل في يده فكان ضمانه عليه.
ولأن الأرش الحادث في ملك البائع عليه.
فكذلك الأرش الحادث في ملك المشتري وإذا وجب على المشتري ذلك سقط من الثمن ما قابله إن كان من جنسه وأخذ المشتري باقي الثمن؛ لأنه عوض فات معوضه.
وإن كان البائع دلس العيب لم يجب على المشتري رد أرش العيب الحادث عنده لأن البائع غرّه فكان ما يستحقه عليه من أرش العيب الحادث عليه كما لو زوجه أمة على أنها حرة.
ويأخذ المشتري من البائع الثمن كاملاً لفوات معوضه السالم عن استحقاق أرش.
قال: (قال القاضي: ولو تلف المبيع عنده ثم علم أن البائع دلس العيب رجع بالثمن كله.
نص عليه في روايةِ حنبل.
ويحتمل أن يلزمه عوض العين إذا تلفت وأرش البكر إذا وطئها لقوله عليه السلام: «الخراج بالضمان» 169، وكما يجب عوض لبن المصراة على المشتري).
أما كون المشتري يرجع بالثمن كله من غير أن يضمن العين على منصوص الإمام أحمد فلما ذكر في أرش العيب الحادث عند المشتري إذا دلسه البائع.
وأما كونه يحتمل أن يلزمه عوض العين وأرش البكر؛ فلأن التلف حصل في يده.
وقد أيد المصنف هذا الاحتمال بأن قال في المغني: مذهب أكثر أهل العلم فيما أرى أن المبيع بعد قبضه من ضمان المشتري سواء دلس البائع العيب أو لم يدلسه وهو معنى قوله عليه السلام: «الخراج بالضمان» 170.

الجزء: 2 - الصفحة: 452

ولأن المصراة أصل الرد بالعيب، والتصرية تدليس ومع ذلك أوجب على المشتري عوض اللبن.
ولأنه مبيع تعيب في يد المشتري بعد تمام ملكه عليه فكان من ضمانه كما لو لم يدلسه.
قال: (وإن أعتق العبد أو تلف المبيع رجع بأرشه، وكذلك إن باعه غير عالم بعيبه نص عليه، وكذلك إن وهبه.
وإن فعله عالماً بعيبه فلا شيء له، وذكر أبو الخطاب رواية أخرى فيمن باعه ليس له شيء إلا أن يرد عليه المبيع فيكون له حينئذ الرد أو الأرش).
أما كون المشتري يرجع بالأرش إذا أعتق العبد؛ فلأن الرد تعذر من جهته أشبه ما لو أمسك المبيع.
ولأنه كان مخيراً بين الرد والأرش فإذا تعذر الرد تعين الأرش لأن التخيير بين سببين يقتضي تعين أحدهما عند تعذر الآخر.
وأما كونه يرجع بالأرش إذا تلف المبيع فلتعينه طريقاً إلى استدراك ظلامته.
وأما كونه إذا باعه غير عالم بعيبه كذلك على المذهب؛ فلأن الرد متعذر أشبه ما لو أعتقه أو تلف في يده.
وأما كونه لا أرش له على روايةٍ؛ فلأنه استدرك ظلامته بالبيع 171 لكن إن رد عليه كان له حينئذ الخيرة بين الرد والأرش لأن الرد إنما امتنع للتعذر أو استدراك الظلامة فإذا عاد ملكه زالا فيكون له الخيرة كما لو لم يبعه.
وأما كونه إذا وهبه كذلك؛ فلأن الهبة كالبيع المذكور معنى فكذا يجب أن تكون حكماً 172. وأما كونه إذا باعه عالماً بالعيب لا شيء له؛ فلأنه تصرف في المبيع بعد علمه بعيبه أشبه ما لو صرح بالرضا بالعيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 453

وقال المصنف في المغني: قياس المذهب أنه يستحق الأرش لأن له إمساك المعيب والمطالبة بالأرش، والتصرف هنا مُنَزّل منزلة الإمساك مع العلم.
قال: (وإن باع بعضه فله أرش الباقي، وفي أرش المبيع الروايتان.
وقال الخرقي: له رد ملكه منه بقسطه من الثمن أو أرش العيب بقدر ملكه فيه).
أما كون البائع له أرش باقي المبيع؛ فلأنه باق 173 في يده فات منه جزء اقتضى العقد تسليمه فكان له بدله أشبه ما لو كان الكل.
وأما كونه له أرش المبيع ففيه الروايتان المذكورتان فيما إذا باعه كله.
وقد تقدم ذكر ذلك تفصيلاً ودليلاً.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله أنه ليس له رد الباقي لأنه اقتصر على الأرش.
ولم تثبت له الخيرة بين الأرش والرد لما تقدم، ويؤيده قوله بعد: وقال الخرقي: له رد ملكه لأنه مشعر بأنه خلاف ما تقدم.
وقال القاضي: رد الباقي مُخَرّج على تفريق الصفقة.
والمنصوص عن الإمام أحمد جواز الرد كما قال الخرقي لأنه مبيع ظهر على عيبه وأمكنه رده فكان له ذلك كما لو كان جميعه باقياً.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: الذي يقتضيه النظر أن المبيع إن كان ينقص بالتفريق كمصراعي باب وما أشبهه لا يملك رده لما فيه من الضرر على البائع من نقصان القيمة وسوء المشاركة، وإن لم يكن كذلك يُخرّج على تفريق الصفقة.
قال: (وإن صبغه أو نسجه فله الأرش.
وعنه: له الرد ويكون شريكاً بصبغه ونسجه).
أما كون من ذكر له الأرش فلما تقدم غير مرة.
ومفهومه أنه لا رد له وذلك صحيح على المذهب لأنه شغل المبيع بملكه فلم يكن له رده لما فيه من سوء المشاركة.
وأما كونه له الرد ويكون شريكاً بقيمة الصبغ والنسج على روايةٍ فقياس على الغاصب.

الجزء: 2 - الصفحة: 454

والأول المذهب لأن استدراك ظلامة المشتري ممكنة على وجهٍ لا يتضرر البائع فتعين لما فيه من الجمع بين الحقين.
قال: (وإن اشترى ما مأكوله في جوفه فكسره فوجده فاسداً فإن لم يكن له مكسوراً قيمة كبيض الدجاج رجع بالثمن كله وإن كان له مكسوراً قيمة كبيض النعام وجوز الهند فله أرشه.
وعنه: يتخير بين أرشه وبين رده ورد ما نقصه وأخذ الثمن.
وعنه: ليس له رد ولا أرش في ذلك كله).
أما كون من اشترى ما مأكوله في جوفه وكسره فوجده فاسداً ولم يكن له مكسوراً قيمة كبيض الدجاج وما أشبهه يرجع بالثمن كله؛ فلأنه تبين أنه لا ينفع وذلك يوجب عدم صحة بيعه لأن بيع ما لا نفع فيه لا يصح وما لا يصح بيعه يرجع مشتريه بثمنه كله.
وأما كونه إذا كان له مكسوراً قيمة كبيض النعام وجوز الهند وما أشبههما له أرشه على المذهب؛ فلأنه تعذر رده من أجل كسره وإذا تعذر رده تعين الأرش.
وأما كونه يتخير بين أرشه وبين رده ورد ما نقصه وأخذ الثمن على روايةٍ فكما لو تعيب في يده على رواية.
وقال القاضي: إن كسره كسراً لا يمكن استعلام المبيع إلا به فله رده استدراكاً لظلامته ولا أرش عليه لأن الكسر حصل ضرورة الاستعلام، وإن زاد الكسر على ذلك خرج على الروايتين فيما إذا تعيب في يده.
وأما كونه ليس له رد ولا أرش في ذلك كله على روايةٍ؛ فلأن البائع لم يوجد منه تدليس ولا تفريط لعدم معرفته بعيبه.
قال: (ومن علم العيب فأخر الرد لم يبطل خياره إلا أن يوجد منه ما يدل على الرضا من التصرف ونحوه.
وعنه: أنه على الفور.
ولا يفتقر الرد إلى رضا ولا قضاء ولا حضور صاحبه).
أما كون من علم العيب لا يبطل بتأخير الرد مع عدم وجدان ما يدل على الرضا بالمبيع معيباً على المذهب؛ فلأنه خيار لدفع الضرر المتحقق فلم يبطل بالتأخير الخالي عن الرضا به كجناية القصاص.

الجزء: 2 - الصفحة: 455

وأما كونه يبطل بتأخير الرد مع وجدان ما يدل على رضا المشتري بالمبيع معيباً مثل إن استغل المبيع أو عرضه على البيع أو تصرف فيه مع علمه بعيبه لأن دليل الرضا منزل منزلة التصريح به.
وأما كونه على الفور على روايةٍ؛ فلأنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال أشبه خيار الشفعة.
وأما كون الرد المذكور لا يفتقر إلى رضا ولا قضاء ولا حضور صاحبه؛ فلأنه رفع عقد جعل إليه فلم يعتبر ذلك فيه كالطلاق.
قال: (وإن اشترى اثنان شيئاً وشرطا الخيار أو وجداه معيباً فرضي أحدهما فللآخر الفسخ في نصيبه.
وعنه: ليس له ذلك).
أما كون من لم يرض له الفسخ في نصيبه على المذهب؛ فلأن نصيبه جميع ما ملكه بالعقد فجاز له رده بالعيب تارة والشرط تارة كجميع المبيع.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأن المبيع خرج من ملك البائع دفعة واحدة فإذا رد أحدهما نصيبه رده مشتركاً ناقصاً فلم يكن له ذلك كما لو تعيب عنده.
قال: (وإن اشترى واحد معيبين صفقة واحدة فليس له إلا ردهما أو إمساكهما، فإن تلف أحدهما فله رد الباقي بقسطه، والقول في قيمة التالف قوله مع يمينه).
أما كون الواحد إذا اشترى ما ذكر ليس له إلا ردهما أو إمساكهما؛ فلأن في رد أحدهما تفريقاً للصفقة على البائع مع إمكان أن لا يفرقها أشبه رد بعض المعيب الواحد.
قال المصنف في المغني: القياس أنها كالمسألة قبلها.
يعني ما إذا اشترى شيئين فوجد بأحدهما عيباً وفيها روايتان مضى ذكرهما وتعليلهما.
فعلى هذا يخرج في المسألة المذكورة هنا رواية أن للمشتري رد أحد المعيبين.
وعلل المصنف في المغني فقال: إذ لو كان إمساك أحدهما مانعاً من الرد لمنع من الرد إذا كان صحيحاً.
وأما كونه له رد الباقي بقسطه إذا تلف أحدهما؛ فلأن التالف لا يمكنه رده بخلاف ما إذا كان موجوداً.

الجزء: 2 - الصفحة: 456

وحكى المصنف في المغني: أن الرد هنا على الروايتين في رد أحدهما.
فعلى هذا إن قلنا ليس له رد أحدهما فليس له رد الباقي إذا تلف أحدهما.
وأما كون القول في قيمة التالف قول المشتري مع يمينه؛ فلأنه بمنزلة الغارم لأن قيمة التالف إذا زادت زاد قدر ما يغرمه فهو بمنزلة المستعير والغاصب.
قال: (وإن كان أحدهما معيباً فله رده بقسطه.
وعنه: لا يجوز له إلا ردهما أو إمساكهما، وإن كان المبيع مما ينقصه التفريق كمصراعي باب وزوجَيْ خف أو جارية وولدها فليس له رد أحدهما).
أما كون المشتري لما ذُكر له رد المعيب وحده بقسطه من الثمن إذا لم يكن مما ينقصه التفريق ولم تكن جارية وولدها على المذهب؛ فلأنه رد للمبيع المعيب على وجهٍ لا ضرر فيه على البائع فجاز كما لو رد الجميع.
وأما كونه لا يجوز له إلا ردهما أو إمساكهما على روايةٍ؛ فلأن رد المعيب وحده تبعيض للصفقة على المشتري فلم يكن له ذلك كما لو كان المبيع مما ينقص بالتفريق.
وأما كونه ليس له رد أحدهما إذا كان مما ينقص بالتفريق كمصراعي باب وزوجي خُفّ؛ فلأن الرد يتضمن ضرر البائع، والخيار إنما ثبت لإزالة الضرر ولا يزال الضرر بالضرر.
وأما كونه ليس له ذلك إذا كان جارية وولدها؛ فلأن في رد أحدهما تفريقاً بينهما وذلك لا يجوز لما تقدم في موضعه.
ولا بد أن يلحظ في المنع من الجارية وولدها ما في معناهما ممن يحرم التفريق بينهما كغيرهما من كل ذي رحم محرم لأن الكل سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وكذلك زاد بعض من أذن له المصنف رحمه الله في الإصلاح أو ممن يحرم التفريق بينهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 457

قال: (وإن اختلفا في العيب هل كان عند البائع أو حدث عند المشتري ففي أيهما يقبل قوله؟ روايتان.
إلا أن لا يحتمل إلا قول أحدهما فالقول قوله بغير يمين).
أما كون القول قول المشتري في العيب الذي يحتمل حدوثه قبل الشراء وبعده كالخرق والرفو 174 في الثوب وما أشبه ذلك في روايةٍ؛ فلأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت واستحقاق القدر الذي قابل العيب من الثمن فكان القول قول من ينفيه كما لو اختلفا في قبض الجميع.
وأما كون القول قول البائع في ذلك في روايةٍ؛ فلأن الأصل سلامة المبيع وصحة العقد.
ولأن المشتري يدعي عليه فسخ العقد وهو ينكره.
وأما كون القول قول من لا يحتمل إلا قوله؛ فلأن غيره كاذب في قوله.
فإن قيل: ما صورة ذلك؟ قيل: ذلك على ضربين: أحدهما: أن لا يحتمل إلا قول المشتري مثل: أن يكون مما لا يحتمل حدوثه عند المشتري كالأصبع الزائدة والجراحة المندملة التي لا يحتمل حدوث مثلها.
وثانيهما: أن لا يحتمل إلا قول البائع مثل: أن يكون مما لا يحتمل حدوثه قبل البيع كالجرح الطري الذي لا يحتمل كونه قديماً.
والقول في الأول قول المشتري وفي الثاني قول البائع لما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: بغير يمين فإشارة إلى أن اليمين لا تجب في الموضعين المذكورين في حق مَن القول قوله لأن اليمين إنما شرع في موضع يحتمل صدق صاحبه.
وفي قوله: بغير يمين أيضاً إشعار بأن المسألة قبلُ تجب اليمين على من قيل القولُ قولُه لأنه يحتمل صدق صاحبه.
وصفة يمين المشتري: أن يحلف بالله أنه اشتراه وبه هذا العيب وأنه ما حدث عنده.

الجزء: 2 - الصفحة: 458

وصفة يمين البائع على حسب جوابه: إن أجاب: بعته بريئاً من العيوب حلف على ذلك، وإن أجاب: لا يستحق عليّ ما يدعيه من الرد حلف على ذلك.
قال: (ومن باع عبداً تلزمه عقوبة من قصاص أو غيره يعلم المشتري ذلك فلا شيء له، وإن علم بعد البيع فله الرد أو الأرش، فإن لم يعلم حتى قتل فله الأرش).
أما كون المشتري لا شيء له إذا اشترى عبداً عالماً أنه تلزمه عقوبةٌ من قصاص أو غيره؛ فلأنه إذا اشتراه مع علمه بذلك يكون راضياً بعيبه أشبه ما إذا اشترى المبيع عالماً بعيبه.
وأما كونه له الخيرة بين الرد والأرش إذا لم يعلم بذلك إلا بعد البيع؛ فلأن ذلك عيب فملك به الخيرة المذكورة كسائر العيوب.
وأما كونه له الأرش إذا لم يعلم حتى قتل؛ فلأن الرد تعذر فتعين الأرش.
فإن قيل: الأرش هنا ما هو؟ قيل: قسط ما بين كونه جانياً وبين كونه غير جان من ثمنه.
مثاله: أن يقال قيمته وهو غير جان مائة وقيمته وهو جان خمسون فما بينهما خمسون نسبتها إلى القيمة النصف فالأرش إذاً نصف الثمن.
فإن قيل: هلا يرجع بالثمن كله لأن قتله بسبب حصل عند البائع فجرى مجرى ما لو أتلفه؟ قيل: التلف حصل في يد المشتري بسبب كان عند البائع فلم يرجع بجميع الثمن كما لو اشتراه فبان مريضاً ثم مات بداءٍ به أو مرتداً فقتل بردته.
قال: (وإن كانت الجناية موجبة للمال والسيد معسر قدم حق المجني عليه وللمشتري الخيار، وإن كان السيد موسراً تعلق الأرش بذمته والبيع لازم).
أما كون حق المجني عليه يقدم؛ فلأن حق الجناية سابق على حق المشتري فإذا تعذر إمضاؤهما قدم السابق.

الجزء: 2 - الصفحة: 459

وأما كون المشتري له الخيار؛ فلأن تمكن المجني عليه من انتزاعه عيب فيه فملك الخيار به كما لو اشترى شيئاً فبان معيباً.
وأما كون الأرش يتعلق بذمة السيد مع يساره؛ فلأنه أزال ملكه من عين تعلق بها حق المجني عليه فلزمه الأرش كما لو قتله.
وأما كون البيع مع ذلك لازماً؛ فلأنه لا ضرر على المشتري لتمكن المجني عليه من الرجوع على البائع.

الجزء: 2 - الصفحة: 460

فصل [في خيار التولية] قال المصنف رحمه الله: (السادس: خيار يثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال).
أما كون الخيار يثبت للمشتري في الصور المذكورة إذا ظهر له ببينة أو أقر أن رأس المال أقل؛ فلأن البائع ظلمه في القدر الذي زاد عليه فوجب أن يثبت له الخيار استدراكاً لظلامته قياساً على ما لو ظهر المبيع معيباً.
ولأن المشتري ربما كان له غرض في الشراء على الوجه الذي أوقعه لكونه حالفاً أو وصياً في الشراء على الوصف الذي فعله.
وأما كونه لا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال؛ فلأن العقد يعتمد ذلك إذ معنى التولية: البيع برأس المال، والشركة: بيع البعض بحصته من ذلك، والمرابحة: بزيادة على ذلك، والمواضعة: بوضيعة من ذلك فإذا لم يكن رأس المال معلوماً خرجت الصور عن موضوعاتها.
فإن قيل: لم خص المشتري بمعرفة رأس المال؟ قيل: لأن الظاهر أن المشتري لا يعرفه بخلاف البائع لا أن ذلك شرط في المشتري دون البائع.
فعلى هذا لو كان البائع قد نسي رأس ماله لم يجز بيعه إلا مساومة لأنه لو باع بغير ذلك كان كاذباً لأنه لا بد في جميع الصور أن يقول: رأس ماله كذا فإذا لم يكن عالماً بذلك ولا ظاناً كان كاذباً.
قال: (ومعنى التولية: البيع برأس المال؛ فيقول: وليتكه أو بعتكه برأس ماله أو بما اشتريته أو برقمه، والشركة: بيع بعضه بقسطه من الثمن، ويصح بقوله:

الجزء: 2 - الصفحة: 461

شركتك 175 في نصفه أو ثلثه، والمرابحة: أن يبيعه بربح فيقول: رأس مالي فيه بعتكه بها وربح عشرة أو على أن أربح في كل عشرة درهماً، والمواضعة أن يقول: بعتكه بها ووضيعة درهم من كل عشرة فيلزم المشتري تسعون درهماً، وإن قال: ووضيعة درهم لكل عشرة لزمه تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم).
أما قول المصنف رحمه الله: ومعنى التولية: البيع برأس المال، والشركة: بيع بعضه بقسطه، والمرابحة: أن يبيعه بربح، والمواضعة أن يقول: بعتكه بها ووضيعة درهم فبيان لمعاني البيوع المذكورة.
وفي ذكر ذلك إشارة إلى صحة البيع بذلك كله؛ لأن الثمن معلوم في جميع ذلك فإذا وجد منضماً إلى بقية الشروط وجب الحكم بالصحة عملاً بالعلة المقتضية لها السالمة عن المعارض.
وأما قوله عقيب كل تفسير: فيقول، فتنبيه على أن البياعات المذكورة لها ألفاظ ينعقد البيع بها.
وأما قوله: وليتكه أو بعتكه فتنبيه على أن التولية لها لفظان: أحدهما: لفظ التولية لأن التولية معناها البيع برأس المال فإذا قال: وليتك هذا الثوب كان بمنزلة ما لو قال: بعتكه برأس ماله.
وثانيهما: لفظ البيع.
فيصح بقوله: بعتكه برأس ماله، وبقوله: بعتكه بما اشتريته، وبقوله: بعتكه برقمه لأن لفظ البيع صريح في معناه فإذا اتصل به أحد ما ذكر كان بمنزلة قوله: بعتكه بمائة.
فإن قيل: قد تقدم أن البيع بالرقم لا يصح فكيف يصح هاهنا؟ قيل: حيث قيل لا يصح يكون الثمن مجهولاً عندهما أو عند أحدهما، وحيث قيل: يصح يكون ذلك معلوماً عندهما.
وقد تقدم هنا 176 ما يوجب العلم بالثمن وهو قوله: ولا بد من معرفة المشتري رأس المال بخلاف ما تقدم فإنه لم يتقدمه ما يدل على العلم بالثمن ولذلك قال هنا: برأس ماله أو بما اشتريته من غير تعيين لأنه اعتمد على اشتراط معرفة المشتري ذلك بما سبق.

الجزء: 2 - الصفحة: 462

وأما كون الشركة تصح بقوله: شركتك في نصفه أو ثلثه؛ فلأنه لفظ موضوع للشركة حقيقة فصح به كسائر ألفاظ الحقيقة، وتصح بقوله: بعتك نصفه بنصف رأس ماله وما أشبهه لأنه يفيد المقصود.
وأما كون المرابحة تصح بقوله: رأس مالي فيه مائة بعتكه بها وربح عشرة، أو على أن أربح في كل عشرة درهماً؛ فلأن الثمن والربح معلومان.
وللمرابحة صورتان: إحداهما: تصح من غير كراهة وهو ما تقدم ذكره لما ذكر.
والثانية: تكره.
وهي أن يقول: ده يازده أو ده دوازده 177 لأن ابن عمر وابن عباس كرهاه 178. ولأن الثمن قد لا يعلم في الحال.
وأما كون المواضعة تصح بقوله: بعتكه برأس ماله ووضيعة درهم من كل عشرة؛ فلأنه لفظ محصل لمقصود البيع بدون رأس المال.
وأما كون المشتري يلزمه في هذه الصورة تسعون؛ فلأن المائة عشر عشرات فإذا أسقط من كل عشرة درهم بقي تسعون.
وأما كونه يلزمه 179 في قوله: ووضيعة درهم لكل عشرة تسعون درهماً وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم؛ فلأنه لما قال: لكل عشرة درهم وجب أن يكون الدرهم من غير العشرة فكأنه قال: من كل أحد عشر درهماً درهم فيجب أن يسقط من تسعة وتسعين تسعة ومن أحد عشر جزءاً من درهم جزء فيبقى تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 463

قال: (ومتى اشتراه بثمن مؤجل، أو ممن لا تقبل شهادته له، أو بأكثر من ثمنه حيلة، أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن ولم يبين ذلك للمشتري في تخبيره بالثمن فللمشتري الخيار بين الإمساك والرد).
أما كون المشتري له الخيار المذكور فيما إذا كان الشراء بثمن مؤجل ولم يبينه البائع له؛ فلأن الأجل يأخذ قسطاً من الثمن فإذا بان للمشتري ذلك وجب أن يثبت له الخيار استدراكاً لظلامته.
وأما كونه له ذلك إذا اشتراه ممن لا تقبل شهادته له؛ فلأنه متهم في حقهم لكونه يحابيهم ويسمح لهم.
وأما كونه له ذلك إذا اشتراه حيلة؛ فلأن ذلك تدليس وهو حرام فأثبت الخيار كتدليس العيب.
وأما كونه له ذلك إذا باع بعض ما اشتراه؛ فلأن قسمة الثمن على ذلك تخمين، واحتمال الخطأ فيه كثير.
وأطلق المصنف رحمه الله ثبوت الخيار هنا في بيع بعض الصفقة، وصرح في المغني بأن البيع إن كان مما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء كالمكيل والموزون من صنف واحد جاز بيع بعضه مرابحة لأن ذلك لا يحتاج إلى تخمين بل الثمن مقسوم عليه بالأجزاء وذلك يستدعي عدم ثبوت الخيار لأن جوازه يستدعي نفي الضرر عن المشتري وإلا حرم كالذي لا ينقسم وإذا لم يتضرر فلا خيار وهذا صحيح يجب حمل كلام المصنف هنا عليه.
وفي ثبوت الخيار في الصورة المذكورة إشعار بأمرين: أحدهما: أن البائع يجب عليه أن يبين ذلك كله للمشتري لأن كتمانه تدليس وذلك حرام لما تقدم.
وثانيهما: أن البيع مع الكتمان صحيح لأن غاية ما تقدم أنه بيع دلس فيه، وذلك لا يمنع الصحة دليله بيع المعيب.
ولأن الضرر يمكن استدراكه بثبوت الخيار فلم تدعُ حاجة إلى إبطاله.

الجزء: 2 - الصفحة: 464

قال: (وما يزاد في الثمن أو يحط منه في مدة الخيار أو يؤخذ أرشاً لعيب أو جناية عليه يلحق برأس المال ويخبر به، وإن جنى ففداه المشتري أو زيد في الثمن أو حط منه بعد لزومه لم يلحق به).
أما كون ما يزاد في الثمن أو يحط منه في مدة الخيار يلحق برأس المال ويخبر به؛ فلأن ذلك من الثمن فوجب إلحاقه برأس المال والإخبار به كأصله.
وأما كون ما يؤخذ أرشاً لعيب أو جناية عليه تلحق برأس المال ويخبر به؛ فلأنه أُخذ في مقابلة جزء من المبيع.
وأما كون ما تُفدى به الجناية لا يلحق برأس المال؛ فلأن ذلك ليس من الثمن ولا يزاد به المبيع.
وأما كون ما زيد في الثمن أو حط منه بعد لزوم العقد لا يلحق برأس المال؛ فلأن الزيادة حينئذ بمنزلة الهبة من المشتري والنقصان من البائع لأنه لا يلزم واحداً منهما ذلك فلم يجب إلحاقه به كما لو وهب أحدهما الآخر شيئاً.
قال: (وإن اشترى ثوباً بعشرة وقصره بعشرة أخبر به على وجهه، فإن قال: تحصل علي بعشرين فهل يجوز ذلك؟ على وجهين.
وإن عمل فيه بنفسه عملاً يساوي عشرة لم يجز ذلك وجهاً واحداً).
أما كون المشتري يخبر بما فعل على وجهه؛ فلأنه لو ضم ذلك إلى الثمن وقال: رأس ماله كذا كان كذباً وتغريراً بالمشتري.
وأما كونه يجوز أن يقول: تحصَّل عليّ بعشرين على وجهٍ؛ فلأنه صادق.
وأما كونه لا يجوز على وجهٍ؛ فلأن فيه تلبيساً ويحتمل أن المشتري لو علم الحال لما رغب فيه لكون ذلك العمل مما لا حاجة إليه أشبه ما لو أنفقه عليه.
قال المصنف في الكافي: بعد ذكره هذا الوجه في المسألة هو ظاهر كلام أحمد.
وأما كونه لا يجوز أن يقول ذلك إذا عمل ما تقدم ذكره بنفسه وجهاً واحداً؛ فلأنه كاذب لأن ما عمله لم يغرم بسببه شيئاً، وإخباره بأنه تحصل عليه بعشرين كذب.

الجزء: 2 - الصفحة: 465

قال: (وإن اشتراه بعشرة ثم باعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة أخبر بذلك على وجهه، وإن قال: اشتريته بعشرة جاز.
وقال أصحابنا: يحط الربح من الثمن الثاني ويخبر أنه اشتراه بخمسة).
أما كون المشتري يخبر بالحال على وجهه؛ فلأنه أقرب إلى الحق وأبلغ في الصدق.
وأما كونه يجوز أن يقول: اشتريته بعشرة؛ فلأنه اشتراه بذلك.
وأما كونه يحط الربح من الثمن الثاني على قول الأصحاب؛ فلأن الربح أحد نوعي النماء فوجب أن يخبر به في المرابحة كالنماء من نفس المبيع كالولد والثمرة.
وأما كونه يخبر بأنه اشتراه بخمسة؛ فلأن الربح لما حط من الثمن بقي ذلك.
وقد روي عن الإمام أحمد أنه لما بلغه أن ذلك مذهب ابن سيرين أعجبه وظاهره أنه أوجب ذلك.
وفي قول المصنف رحمه الله: وقال أصحابنا إشعار بأن جواز الإخبار بأنه بعشرة اختياره.
وقال في المغني بعد ذكره الإخبار بمثل الثمن الثاني: وهو الصحيح.
وحمل كلام الإمام أحمد في ذلك 180 على الاستحباب.
ويجاب عن قياس الربح على الأرش بأن إلحاق الربح بالكسب أولى من إلحاقه بالأرش 181 لأن الربح والكسب نماء من غير عين المبيع بخلاف الأرش فإنه عوض عن جزء من عين المبيع ولو كان المبيع عبداً فكسب لا يجب أن يحط ذلك من الثمن.
فكذلك الربح.

الجزء: 2 - الصفحة: 466

فصل [في خيار اختلاف المتبايعين] قال المصنف رحمه الله: (السابع: خيار يثبت لاختلاف المتبايعين.
ومتى اختلفا في قدر الثمن تحالفا فيبدأ بيمين البائع فيحلف ما بعته بكذا وإنما بعته بكذا ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا، فإن نكل أحدهما لزمه ما قال صاحبه، وإن تحالفا فرضي أحدهما بقول صاحبه أُقر العقد وإلا فلكل واحد منهما الفسخ، وإن كانت السلعة تالفة رجعا إلى قيمة مثلها، فإن اختلفا في صفتها فالقول قول المشتري.
وعنه: لا يتحالفان إذا كانت تالفة والقول قول المشتري مع يمينه، وإن ماتا فورثتهما بمنزلتهما).
أما كون الخيار يثبت لاختلاف المتبايعين مثل: أن يدعي المشتري أن البائع باعه العبد بمائة فيقول البائع: بل بمائة وخمسين؛ فلأن ابن مسعود روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول قول البائع والمشتري بالخيار» 182 رواه الإمام أحمد والشافعي.
وفي لفظ: «إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع» 183 رواه ابن ماجة.
وفي سياقه أن ابن مسعود رواه للأشعث بن قيس وقد اختلفا في ثمن مبيع فقال للأشعث: فإني أرى أن أرد البيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 467

ولأنه فسخ لاستدراك الظلامة فوجب أن يثبته الاختلاف كالرد بالعيب.
وأما كون المتبايعين يتحالفان والسلعة قائمة؛ فلأن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا» 184. ولأن كل واحد منهما مدعٍ ومدعًى عليه؛ فإن البائع يدعي الأكثر وينكر الأقل، والمشتري يدعي الأقل وينكر الأكثر.
ولا بد أن يلحظ في التحالف عدم البينة فإن كان لأحدهما بينة قُضي بها لترجحه بها.
ولأن في الحديث المتقدم: «ولا بينة لأحدهما».
فإن كان لكل واحد منهما بينة تعارضتا وصارا كمن لا بينة لهما.
وأما كونهما يتحالفان إذا كانت السلعة تالفة على روايةٍ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمشتري بالخيار» 185، وقياساً على ما إذا كانت السلعة باقية لم تتلف.
فعلى هذه الرواية يُرجع إلى قيمة مثل السلعة المبيعة لأن رد العين متعذر فوجب الرجوع إلى القيمة كما لو أتلف مال آدمي.
فإن اختلفا في صفتها فالقول قول المشتري لأنه غارم.
وظاهر كلام أبي الخطاب: أن القيمة إذا زادت على الثمن لا يلزم المشتري الزيادة لأنه قال: المشتري بالخيار بين دفع الثمن الذي ادعاه البائع وبين دفع القيمة.
ووجهه: أن البائع لا يدّعي الزيادة فلم يلزم المشتري كما لو أقر لرجل بما لا يدعيه.
وقال صاحب النهاية فيها: إيجاب الزيادة أظهر لأن بالفسخ سقط اعتبار الثمن.
وأما كونهما لا يتحالفان على روايةٍ؛ فلأن مفهوم قوله عليه السلام: «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا» 186 أن التحالف لا يشرع عند عدم السلعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 468

ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري واختلفا في قدرٍ زائدٍ البائع يدعيه والمشتري ينكره والقول قول المنكر.
ترك هذا حال قيام السلعة للحديث فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
فعلى هذا القول قول المشتري مع يمينه لما تقدم ذكره.
والأولى أولى اختارها الخرقي؛ لما تقدم.
ولأن كل واحد منهما مدع ومنكر فتشرع اليمين كحال قيام السلعة.
ولأنه إذا ثبت مع قيام السلعة مع أنه يمكن معرفة ثمنها للمعرفة بقيمتها؛ لأن الظاهر أن الثمن يكون بالقيمة فمع تعذر ذلك أولى.
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والسلعة قائمة» فلأجل تراد المبيع لا لأجل عدم مشروعية التحالف حال تلف السلعة.
وأما ترك ما تقدم ذكره هنا فيجوز إذا لُحظ مساواة محل النزاع محل الوفاق فيما ترك لأجله في محل الوفاق.
وأما كونه يبدأ بيمين البائع؛ فلأنه أقوى جنبة من المشتري لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فالقول ما قال البائع» 187، وفي بعض الألفاظ: «فالقول قول البائع والمشتري بالخيار» 188 رواه الإمام أحمد والشافعي.
ولأنهما إذا تحالفا عاد المبيع إليه.
وأما كون الحالف يجمع في اليمين بين النفي والإثبات فلما تقدم من أن كل واحد منهما يدعي عقداً وينكر عقداً.
وفي قول المصنف في صفة اليمين: ما بعته وإنما بعته إشارة إلى تقديم النفي على الإثبات لأن الأصل في اليمين أنها للنفي.
ويكفيه يمين واحدة لأنه أقرب إلى فصل القضاء.
وأما كون الناكل يلزمه ما قال صاحبه؛ فلأن النكول بمنزلة الإقرار، ولو أقر لزمه ذلك.
فكذلك إذا نكل.

الجزء: 2 - الصفحة: 469

وأما كون العقد يقر إذا رضي أحدهما بقول صاحبه؛ فلأن الراضي إما البائع أو المشتري: فإن كان البائع فلا خيار للمشتري لأنه قد حصل له ما ادعاه، وإن كان المشتري فلا خيار للبائع كذلك.
وأما كون الفسخ لكل واحد منهما فلما تقدم أول الفصل.
وفي إضافة المصنف رحمه الله الفسخ إلى كل واحد منهما إشعار بأنه لا حاجة في فسخ البيع إلى حكم حاكم، وقد صرح به في المغني، وذكر فيه احتمالاً وعلله بتعذر إمضائه في الحكم.
وقال في الكافي: الأول المذهب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أو يترادان» 189، ولما تقدم من قول الأشعث: فإني أرى أن أرد البيع 190. ولأنه خيار لاستدراك ظلامة فكان من غير حكم حاكم كالرد بالعيب.
وأما كون ورثة المتبايعين بمنزلتهما عند موتهما؛ فلأنهم يقومون مقامهما في أخذ مالهما وإرث حقوقهما.
فكذلك فيما يلزمهما أو يصير لهما.
قال: (ومتى فسخ المظلوم منهما انفسخ العقد ظاهراً وباطناً، وإن فسخ الظالم لم ينفسخ في حقه باطناً وعليه إثم الغاصب).
أما كون العقد ينفسخ ظاهراً وباطناً إذا فسخ المظلوم؛ فلأنه معذور.
وأما كونه لا ينفسخ باطناً إذا فسخ الظالم؛ فلأنه لا عذر له.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله الفرق بين الظالم والمظلوم سواء كان الظالم البائع أو المشتري.
ولم أجد نقلاً صريحاً يوافق ذلك ولا دليلاً يقتضيه، بل المنقول في مثل ذلك أن البائع إن كان ظالماً لم ينفسخ العقد باطناً لأنه يمكنه إمضاء العقد واستيفاء حقه ولا ينفسخ العقد باطناً ولا يباح له التصرف وعليه إثم الغاصب؛ لأنه غاصب.
وإن كان المشتري ظالماً انفسخ البيع ظاهراً وباطناً لعجز البائع عن استيفاء حقه هكذا نقله المصنف في المغني والكافي ولم ينقل الفرق بين المظلوم والظالم مطلقاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 470

ونقل عن القاضي أنه قال: ظاهر كلام أحمد أن الفسخ يثبت ظاهراً وباطناً وظاهره التعميم سواء كان الفاسخ الظالم أو المظلوم وعلل قوله بأن ذلك فسخ لاستدراك ظلامة أشبه الرد بالعيب، أو فسخ عقد بعد التحالف أشبه الفسخ باللعان.
قال: (وإن اختلفا في صفة الثمن تحالفا إلا أن يكون للبلد نقد معلوم فيرجع إليه).
أما كون المتبايعين يتحالفان عند الاختلاف في صفة الثمن وفي البلد نقود؛ فلأنهما اختلفا في صفة الواجب فوجب التحالف كاختلافهما في أصل الثمن.
وقال المصنف في المغني: يرجع إلى أوسطها.
نص عليه وعليه اليمين لأن الظاهر معه فكان القول قوله مع يمينه كالمنكر.
وأما كونهما لا يتحالفان إذا كان للبلد نقد معلوم؛ فلأنه يرجع إليه لأن الظاهر وقوع البيع به.
قال: (وإن اختلفا في أجَل أو شرط فالقول قول من ينفيه.
وعنه: يتحالفان.
إلا أن يكون شرطاً فاسداً فالقول قول من ينفيه).
أما كون القول قول من ينفي الأجل على المذهب؛ فلأن الأصل عدمه.
ولأنه منكر والقول قول المنكر.
وأما كون المتبايعين يتحالفان على روايةٍ؛ فلأنهما اختلفا في صفة العقد فوجب التحالف قياساً على الاختلاف في الثمن.
والقول في الاختلاف في رهن أو ضمين أو قدر ما وقع به الرهن أو الضمان كالقول في الاختلاف في الأجل.
وأما الاختلاف في الشروط فعلى ضربين: أحدهما: شرط صحيح وحكمه كذلك والدليل ما ذكر.
والثاني: شرط فاسد مثل أن يقول أحدهما: وقع العقد بخمر أو بخيار مجهول أو نحوهما فينفيه الآخر فالقول قول من ينفيه لأن الظاهر من حال المسلم أن لا يتعاطى إلا عقداً صحيحاً.
ولم يحك المصنف رحمه الله هنا في مثل ذلك خلافاً لأنه استثنى ذلك من قوله: وعنه يتحالفان.

الجزء: 2 - الصفحة: 471

ومن الاختلاف مما يفسد البيع صورة -وحكى المصنف في المغني فيها خلافاً- وهي ما إذا قال: بعتك وأنا صبي.
وعلل قبول قوله بأن الأصل الصغر فعارض ذلك بالظاهر المتقدم ذكره.
قال: (وإن قال: بعتني هذين فقال: بل أحدهما فالقول قول البائع.
وإن قال: بعتني هذا قال: بل هذا حلف كل واحد منهما على ما أنكره ولم يَثْبت بيع واحد منهما).
أما كون القول قول البائع إذا اختلفا في مقدار المبيع؛ فلأن البائع ينكر القدر الزائد فاختصت اليمين به كما لو اختلفا في أصل العقد.
وأما كون كل واحد يحلف على ما [أنكره] 191 إذا اختلفا في عين المبيع؛ فلأن كل واحد يدعي عقداً على مبيع 192 ينكره صاحبه فيحلف كل واحد منهما على ما أنكره.
وأما كون بيع واحد منهما لا يثبت؛ فلأن الذي ادعاه المشتري أنكره البائع وحلف عليه والقول قول المنكر مع يمينه والذي أقر به البائع لا يدعيه المشتري.
قال: (وإن قال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض ثمنه، وقال المشتري: لا أسلمه حتى أقبض المبيع والثمن عين: جُعل بينهما عدل يقبض منهما ويسلم إليهما.
وإن كان ديناً أجبر البائع على التسليم ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن إن كان حاضراً معه، وإن كان غائباً بعيداً أو المشتري معسراً فللبائع الفسخ، وإن كان في البلد حُجر على المشتري في ماله كله حتى يسلمه، وإن كان غائباً عن البلد قريباً احتمل أن يثبت للبائع الفسخ واحتمل أن يحجر على المشتري).
أما كون العدل يُجعل بين البائع والمشتري إذا اختلفا في التسليم أوّلاً والثمن عين؛ فلأنهما استويا في تعلق حقهما بعين كل واحد 193 من الثمن والمثمن، وإذا كان كذلك وجب أن يجعل بينهما عدل يسلم إليهما لأن في ذلك تسوية بين المتساويات.

الجزء: 2 - الصفحة: 472

وأما كون البائع يجبر على تسليم المثمن، ثم المشتري على تسليم الثمن الحاضر معه والثمن دين -والمراد أن يكون البيع قد وقع بثمن في الذمة لا أن يكون مؤجلاً؛ فلأن حق المشتري تعلق بعين المثمن وحق البائع تعلق بما في ذمة المشتري فوجب تقديم 194 حق المتعلق بالعين كتقديم حق المرتهن على سائر غرماء المفلس.
وأما كون البائع له الفسخ إذا كان الثمن في غيبة بعيدة وهي مسافة القصر أو كان المشتري معسراً؛ فلأنه تعذر عليه أخذ الثمن فكان له الخيار المذكور كالمفلس إذا وجد البائع عنده عين ملكه.
وأما كونه يحجر على المشتري في ماله كله حتى يسلم الثمن الذي في البلد؛ فلأنه إذا لم يحجر عليه في ذلك خيف أن يتصرف في ماله تصرفاً يضر بالبائع.
وأما كونه يحتمل أن يثبت للبائع الفسخ إذا كان الثمن غائباً غيبة قريبة وهي دون مسافة القصر؛ فلأن في التأخير ضرراً على البائع.
وأما كونه يحتمل أن الحجر على المشتري؛ فلأن ما دون مسافة القصر بمنزلة الحاضر.
قال: (ويثبت الخيار للخُلف في الصفة، وتغيّر ما تقدمت رؤيته.
وقد ذكرناه).
أما كون الخيار يثبت للخُلف في الصفة بأن يشترط في المبيع صفة فيظهر بخلافها؛ فلأن فيه استدراكاً لما فاته من الصفة.
وللخُلف في الصفة صورتان: إحداهما: يثبت الخيار فيها بلا خلاف مثل: أن يشترط الأعلى فيبين أدنى.
مثل: أن يشترط كون المبيع مسلماً أو بِكراً أو جعداً أو ذا صنعة فيظهر كافراً أو ثيباً أو سبطاً أو لا صنعة له.
وثانيهما: أن يشترط الأدنى فيظهر أعلا.
مثل: أن يشترط كونه كافراً أو ثيباً أو سبطاً أو لا صنعة له فيظهر مسلماً أو بكراً أو جعداً أو له صنعة فهذا لا خيار له لأنه زاده خيراً.

الجزء: 2 - الصفحة: 473

وقيل: يثبت الخيار فيما إذا شرط الكفر والثيوبة لأن طالب الكافر أكثر لصلاحيته للمسلم وغيره فيكون ثمنه أكثر، وشرط الثيوبة قد يكون لعجزه عن البِكر فإذا كانت بكراً يفوت قصده.
وأما كون الخيار يثبت بتغير ما تقدمت رؤيته مثل: أن يكونا قد رأيا مبيعاً ثم عُقد البيع بعد ذلك فوجده المشتري قد تغير كعبد قطعت يده وثوب فصل وما أشبه ذلك؛ فلأن تغيّر ذلك كالخلف في الصفة.
وأما قول المصنف رحمه الله: وقد ذكرناه ففيه تنبيه على أن ذلك تقدم ذكره.
والخُلف في الصفة مذكور في باب الشروط في البيع في الصحيح منها 195، وتغير ما تقدمت رؤيته مذكور في الفصل السادس من كتاب البيع 196.

الجزء: 2 - الصفحة: 474

فصل [في البيع قبل القبض] قال المصنف رحمه الله: (ومن اشترى مكيلاً أو موزوناً لم يجز بيعه حتى يقبضه، وإن تلف قبل قبضه فهو من مال البائع إلا أن يتلفه آدمي فيتخير المشتري بين فسخ العقد وبين إمضائه ومطالبة متلفه بالقيمة 197. وعنه: في الصَّبُرة المتعينة أنه يجوز بيعها قبل قبضها، وإن تلفت فهي من مال المشتري.
وما عدا المكيل والموزون يجوز التصرف فيه قبل قبضه، وإن تلف فهو من مال المشتري.
وذكر أبو الخطاب أنه كالمكيل والموزون في ذلك).
أما كون من اشترى مكيلاً أو موزوناً لا يجوز له بيعه حتى يقبضه على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه» 198 متفق عليه.
وقال: «من ابْتَاعَ طعاماً فلا يَبِعْهُ 199 حتى يَستَوفِيه» 200. وعن ابن عمر: «رأيت الذين يشترون الطعام مُجازَفَةً يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَبيعوه حتى يُؤْوُوهُ إلى رِحالهم» 201 متفق عليه.
وعنه قال 202: «كنا نشتري الطعام من الركبان جِزافاً فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نَبيعَهُ حتى نَنْقُلَه» 203 رواه مسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 475

وكان الطعام مستعملاً يومئذ غالباً فيما كان مكيلاً أو موزوناً 204. وأما كون الصبرة المتعينة يجوز بيعها قبل قبضها على روايةٍ؛ فلأن التعيين كالقبض.
ولأن ابن عمر قال: «ما أدْرَكتِ الصّفقَةُ حَياً مجموعاً فهو من مَال المشتري» 205. وأما كون ما عدا المكيل والموزون يجوز التصرف فيه قبل قبضه على المذهب؛ فلأن تخصيص النهي بالمكيل والموزون يدل على نفي الحكم عما عداه.
وأما كونه كالمكيل والموزون على روايةٍ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار» 206 رواه أبو داود.
وقال ابن عباس: «أحسبُ كل شيء بمنزلةِ الطعام» 207. ولأنه لم يتم ملكه عليه أشبه المكيل.
قال المصنف في الكافي: الأول المذهب، والذي يقتضيه الدليل أن يكون الصحيح أن ما كان مطعوماً لا يجوز بيعه قبل قبضه سواء كان مكيلاً أو موزوناً أو لم يكن.
وحكى ذلك رواية عن أحمد وعللها بما تقدم من الأحاديث.
ويؤيده قول ابن عبد البر: الأصح عن أحمد بن حنبل أن الذي يُمنع من بيعه قبل قبضه هو الطعام.
وأما ما يكون من ضمان بائعه إذا تلف قبل قبضه فعلى ضربين: أحدهما: ما يتلف بأمر سماوي فينظر فيه فكل ما لا يجوز للمشتري بيعه يكون من ضمان بائعه «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن» 208. والمراد به ربح ما بيع [قبل القبض؛ لأن ربح ما بيع] 209 بعده من ضمان المشتري وفاقاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 476

ولأن ذلك لو كان من ضمان المشتري لجاز بيعه والتصرف فيه كما بعد القبض، وما يجوز له بيعه لا يكون من ضمان بائعه لأن ما يجوز للمشتري بيعه تصرفه فيه تام فلم يكن من ضمان بائعه كالمقبوض.
ولأن جواز بيعه يعتمد وجود ما يقوم مقام القبض فيجب أن يقوم مقامه في عدم ضمان البائع له.
وثانيهما: ما يتلف بإتلاف آدميٍّ فينظر فيه فإن كان المشتري المتلف استقر الثمن عليه لأن ذلك كالقبض، وإن كان أجنبياً خُيّر المشتري بين فسخ العقد والرجوع بالثمن وبين إمضائه والرجوع على المتلِف بمثله إن كان مثلياً وإلا بقيمته؛ لأن الإتلاف كالعيب وقد حصل في موضع يلزم البائع ضمانه فكان له الخيار كالعيب في المبيع 210. وإن كان المتلف البائع فحكمه حكم الأجنبي لأنه أتلفه من يلزمه ضمانه أشبه الأجنبي.
فإن قيل: لو تلف في يده ضمنه بحكم عقد البيع فوجب أن يضمنه إذا أتلفه كذلك.
قيل: إذا تلف في يده لم يوجد مقتض للضمان سوى حكم العقد بخلاف ما إذا أتلفه.

الجزء: 2 - الصفحة: 477

قال: (ويحصل القبض فيما بيع بالكيل والوزن بكيله ووزنه، وفي الصَّبُرة وما ينقل بالنقل، وفيما يُتناول بالتناول، وفيما عدا ذلك بالتخلية.
وعنه: أن قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز).
أما كون القبض فيما بيع بما ذكر يحصل بما تقدم ذكره أولاً على المذهب؛ فلأن قبض كل شيء بحسبه لأن القبض مطلق في الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحياء والإحراز.
وأما كون قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز على روايةٍ [فلأن] 211 ذلك قبض في العقار فليكن في جميع المبيع كذلك بالقياس عليه.
والأول هو الصحيح؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله» 212 أخرجه مسلم.
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بِعتَ فَكِلْ، وإذا ابتَعْتَ فاكتَل» 213 رواه البخاري.
وروي «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعِ الطعامِ حتى يجريَ فيه الصاعانِ: صاعُ البائعِ وصاعُ المشتري» 214. وروى ابن عمر: «كانوا يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا الطعام جِزافاً أن يَبيعوه حتى يُؤوُوه» 215. وفي لفظ: «كنا نبتاع الطعام جِزافاً فيَبعثُ علينا من يَأمُرُنا بانتقالِه من مَكانه الذي ابتعنَاه إلى مكانٍ سِواه قبلَ أن نَبيعه» 216.

الجزء: 2 - الصفحة: 478

وفي لفظ: «فنهَانا أن نَبيعه حتى نَنْقُلَه» 217 رواهن مسلم.
وجه الحجة من هذه الأحاديث أنه جعل قبض المبيع كيلاً الكيل وقبض المبيع جزافاً النقل وذلك يدل على أن القبض يختلف.
إذا تقرر هذا فقبض المكيل الكيل لما تقدم والموزون الوزن لأنه في معناه.
والمراد بالمكيل ما بيع بالكيل وبالموزون ما بيع بالوزن لا ما كان مكيلاً في نفسه أو موزوناً لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل قبض المبيع جزافاً النقل مع كونه مكيلاً وقد جاء في حديثٍ مصرحاً به عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سَميتَ الكيلَ فَكِلْ» 218 رواه الأثرم.
فيحمل المطلق على المقيد.
وقبض الصبرة وما ينقل كالثياب والحيوان النقلُ: أما الصبرة فلما تقدم من حديث ابن عمر.
وأما سائر ما ينقل فبالقياس عليه لأنه في معناه.
وقبض ما لا ينقل كالعقار بالتخلية لأنه لا يمكن فيه أكثر من ذلك.
قال: (والإقالة فسخ يجوز في المبيع قبل قبضه، ولا يستحق بها شفعة، ولا يجوز إلا بمثل الثمن.
وعنه: أنها بيع فلا يثبت فيها ذلك إلا بمثل الثمن في أحد الوجهين).
أما كون الإقالة فسخاً على المذهب؛ فلأن الإقالة هي الرفع والإزالة يقال: أقالك الله عثرتك أي أزالها وذلك عين الفسخ.
وأما كونها بيعاً على روايةٍ؛ فلأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج منها فكان بيعاً كالأول.
ولأنه 219 نقل للملك بعوض على وجه التراضي فكان بيعاً كالأول.
والأول هو الصحيح؛ لما ذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 479

ولأن الإجماع على أن للمسلِم أن يقيل المسلم في جميع المسلم فيه مع إجماعهم على نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه 220 دليل على أن الإقالة ليست بيعاً.
ولأنها تتقدر بالثمن الأول ولو كانت بيعاً لم تتقدر به لأنه عاد إليه المبيع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخاً كالرد بالعيب.
وفائدة الخلاف ما ذكره المصنف رحمه الله من أنها تجوز في المبيع قبل قبضه ولا يستحق بها شفعة ولا تجوز إلا بمثل الثمن الأول إن قيل هي فسخ.
أما كونها تجوز في المبيع قبل القبض؛ فلأنها فسخ والفسخ لا يعتبر فيه القبض كالرد بالعيب والفسخ بالخيار والتدليس.
وأما كونها لا يستحق بها شفعة؛ فلأن العقد الذي يستحق به الشفعة البيع ولا بيع.
وأما كونها لا تجوز إلا بمثل الأول قدراً ونوعاً؛ فلأن العقد إذا ارتفع رجع كل واحد منهما بما كان له.
وأما كونها 221 لا يثبت فيها ذلك إلا بمثل الثمن إن قيل هي بيع لأن بيع المبيع لا يجوز قبل قبضه والشفعة تستحق لبقاء نقل الملك بل تتأكد لأن النقل تكرر.
ولا يثبت ذلك في الثمن في وجهٍ لأن ذلك بيع فلم يشترط فيه المثل كسائر البياعات، ويثبت فيه في وجهٍ لأن الإقالة خصت بمثل الثمن كالتولية وكما اختصت المرابحة بالربح.

الجزء: 2 - الصفحة: 480

باب الربا والصرف

الربا في اللغة: الزيادة.
قال الله تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ [فصلت: 39] أي زادت.
وقال تعالى: ﴿أن تكون أمةٌ هيَ أربَى من أمة﴾ [النحل: 92] أي أكثر عدداً.
وفي الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة.
وهو محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ [البقرة: 275] وما بعدها من الآيات.
وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجتَنِبُوا السبعَ الموبقاتِ.
قيل: يا رسول الله! ما هنّ؟ قال: الشركُ باللهِ، والسحرُ، وقتلُ النفسِ التي حرمَ اللهُ إلا بالحقِ، وأكلُ الرّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، والتولّي يومَ الزحفِ، وقذفُ المحصناتِ الغافلاتِ المؤمنات» 222. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه لعنَ آكلَ الرّبا، ومُوكِلَهُ، وشَاهدَيه، وكَاتِبَه» 223 متفق عليهما.
وأما الإجماع فأجمعت الأمة على تحريم الربا في الجملة.
والصرف: عبارة عن بيع الدراهم بالدنانير أو بالعكس.
وله شروط ستذكر إن شاء الله تعالى.

الجزء: 2 - الصفحة: 481

قال المصنف رحمه الله: (وهو نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة: فأما ربا الفضل فيحرم في الجنس الواحد من كل مكيل أو موزون وإن كان يسيراً كتمرة بتمرتين وحبة بحبتين.
وعنه: لا يحرم إلا في الجنس الواحد من الذهب والفضة وكل مطعوم.
وعنه: لا يحرم إلا في ذلك إذا كان مكيلاً أو موزوناً) 224. أما قول المصنف رحمه الله: وهو نوعان؛ فعائد إلى الربا.
وأما كونه نوعين؛ فلأن 225 منه ما يحرم فيه التفاضل ومنه ما يحرم فيه النسيئة.
وأما كون ربا الفضل يحرم؛ فلأنه ربا فيدخل فيما تقدم ذكره في أول الباب.
فإن قيل: فقد قال عليه السلام: «لا رِباً إلا في النَّسيئَة» 226 رواه البخاري.
قيل: الحديث يحمل على الجنسين بدليل ما تقدم من الأحاديث.
ثم هو مرجوح بالنسبة إلى ما تقدم لأنه مجمل وما تقدم مفصل.
ويؤيده ما روى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذهبُ بالذهبِ مِثلاً بمثل، والتمرُ بالتمرِ مِثلاً بمثل، والبُرّ بالبُرِّ مِثلاً بمثل، والمِلحُ بالملحِ مِثلاً بمثل، والشعيرُ بالشعيرِ مِثلاً بمثل فمن زَاد أو ازْدَادَ فقد أرْبَا» 227. [رواه مسلم] 228. وأما كون ربا الفضل يحرم في الجنس الواحد من كل مكيل أو موزون على المذهب؛ فلأن علة المكيل كونه مكيل جنس وعلة الموزون كونه موزون جنس لأن أنساً روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وما وزن مثلاً بمثل إذا كان نوعاً واحداً، وما كيل مثلاً بمثل إذا كان نوعاً واحداً» 229. ولأن قضية البيع المساواة 230، والمؤثر في تحقيقها الكيل أو الوزن مع الجنس؛ لأن الكيل أو الوزن يسوي بينهما صورة والجنس يسوي بينهما معنى فكانا علة.

الجزء: 2 - الصفحة: 482

ولأن الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في غيره بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة.
وأما كون ذلك يحرم وإن كان يسيراً كتمرة بتمرتين وحبة بحبتين كالكثير فلاشتراكهما في الزيادة الموجبة للتحريم.
وأما كون ذلك لا يحرم إلا في الجنس الواحد من الذهب والفضة وكل مطعوم على روايةٍ؛ فلأن العلة في الذهب والفضة الثمينة وفيما عداهما الطعم.
أما كون العلة في الذهب والفضة الثمينة؛ فلأن الثمينة وصف شريف إذ به قوام الأموال.
ولأن العلة لو كانت فيهما الوزن لما جاز إسلامهما في الموزونات لأن أحد وصفي علة ربا الفضل تكفي في تحريم النسيئة.
وأما كون العلة فيما عداهما الطعم فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل» 231 رواه مسلم.
ولأن الطعم وصف شريف إذ به قوام الأبدان.
وأما كون ذلك لا يحرم إلا في المطعوم إذا كان مكيلاً أو موزوناً؛ فلأن العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلاً أو موزوناً لأن الطعم وكل واحد من وصفي الكيل والوزن له أثر فيجب التعليل به.
والأولى هي الصحيحة في المذهب لما تقدم.
وروى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين فإني أخاف عليكم الربا» 232 رواه الإمام أحمد.
ولأن الطُّعم لو كان علة لجرى الربا في الماء لكونه مطعوماً قال الله تعالى: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: 249]، ونهيه عليه السلام عن الطعام إلا مثلاً بمثل محمول على المطعوم المكيل أو الموزون، وكون الطعام وصفاً شريفاً ينافي تحريم البيع معه لأنه شرف من حيث تعلق الحاجة به وذاك يقتضي الإطلاق في التوصل إليه وشراءه بكل طريق ممكن ليحصل قوام البنية ويتمكن من العبادات.

الجزء: 2 - الصفحة: 483

فعلى هذا كلما كيل أو وزن 233 يحرم التفاضل بينه وبين جنسه وإن لم يكن مطعوماً كالأشنان والنورة والقطن وما أشبه ذلك.
وعلى الرواية الثانية يحرم التفاضل في الذهب والفضة وفي كل مطعوم وإن لم يكن مكيلاً ولا موزوناً كالسفرجل وما أشبه ذلك.
وعلى الرواية الثالثة يحرم التفاضل في المطعوم المكيل والموزون كالزبيب ولا يحرم في المطعوم غير المكيل والموزون كالسفرجل وما أشبهه، ولا في المكيل أو الموزون غير المطعوم كالحديد والأُشنان وما أشبههما.
قال: (ولا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزناً، ولا ما أصله الوزن كيلاً، فإن اختلف الجنس جاز بيع بعضه ببعض كيلاً ووزناً وجزافاً).
أما كون ما أصله الكيل لا يباع بشيء من جنسه وزناً؛ فلأن العبرة بالكيل في المكيل فلم يجز بيعه بغيره لما تقدم من اشتراط الكيل.
ولأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب وزناً بوزن، والفضة بالفضة وزناً بوزن، والبُر بالبُر كيلاً بكيل» 234. رواه الأثرم في حديث عبادة.
ورواه أبو داود ولفظه: «البر بالبر مُدْيٌ بمُدْيٍ، والشعير بالشعير مديٌ بمديٍ، والملح بالملح مديٌ بمديٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربا» 235. وأما كون ما أصله الوزن لا يباع بشيء من جنسه كيلاً؛ فلأن العبرة بالوزن في الموزون فلم يجز بيعه بالمكيل للمعنى المذكور في بيع ما أصله الكيل.
وأما كون البيع يجوز كيلاً ووزناً وجزافاً إذا اختلف الجنس؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» 236.

الجزء: 2 - الصفحة: 484

ولأنه يجوز التفاضل في ذلك وغاية ما يقدر في البيع المذكور حصول التفاضل وذلك جائز في الجنسين.
وقال المصنف في المغني: ذهب كثير من أصحابنا إلى تحريم ذلك.
قال ابن أبي موسى: لا خير فيما يكال بما يكال جزافاً، ولا فيما يوزن بما يوزن جزافاً اتفقت الأجناس أم اختلفت.
ولا بأس ببيع المكيل بالموزون جزافاً.
وقال ذلك القاضي والشريف أبو جعفر واحتج له بما روى أبو بكر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة»، وهذا طعام.
والحديث الذي رواه مسلم فيما تقدم 237. ولأنه بيع طعام بطعام أشبه الجنس الواحد.
والأول أصح لما تقدم من قوله: «فإذا اختلفت هذه الأصناف 238 فبيعوا كيف شئتم يداً بيد» 239. ولأنه يجوز التفاضل فيه فجاز جزافاً من الطرفين كالمكيل بالموزون.
ولأن حقيقة التفاضل لا تمنع فإنه يجوز أن يبيع مد حنطة بأمداد شعير وشبههما فالجهل به أولى أن لا يكون مانعاً.
والحديث المذكور المراد به الجنس الواحد ولهذا جاء في بعض ألفاظه: «نَهى أن تُباعَ الصَبرة لا يعلمُ مَكيلُها من التمر» 240. والظاهر أن الحديثين واحد، وإنما اختلفت ألفاظه.
ثم هو مخصوص بالمكيل بالموزون فيقاس عليه محل النزاع.

الجزء: 2 - الصفحة: 485

قال: (والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً كالذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وفروع الأجناس أجناس كالأدقة والأخباز والأدهان).
أما قول المصنف رحمه الله: والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً؛ فبيان لمعنى الجنس لأنه لما تقدمت التفرقة بين الجنس والجنسين دعت الحاجة إلى تبيين الجنس.
والفرق بينه وبين النوع أن الجنس هو الشامل لأشياء كثيرة مختلفة بأنواعها، والنوع هو الشامل لأشياء كثيرة مختلفة بأشخاصها؛ فأنواع الذهب: المصري، والأتابكي، والصوري.
وأنواع الفضة: الكاملي، والناصري، والظاهري.
وأنواع البر: الحوراني، والسوادي، والغوطي، وما أشبه ذلك.
وأنواع الشعير: المسدس، والرومي، ونحو ذلك.
وأنواع الملح: التدمري، والجِثولي، وما أشبه ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فتصريح بأشياء لكل واحد منها اسم خاص يشمل أنواعاً.
وأما كون فروع الأجناس أجناساً كدقيق القمح ودقيق الشعير وخبز القمح وخبز الشعير ودهن اللوز ودهن الجوز؛ فلأن الفروع تبع للأصل فلما كانت أصول هذه أجناساً وجب أن تكون هذه أجناساً إلحاقاً للفروع بأصولها.
قال: (واللحم أجناس باختلاف أصوله.
وعنه: جنس واحد، وكذلك اللبن.
وعنه: في اللحم أنه أربعة أجناس: لحم الأنعام، ولحم الوحش، ولحم الطير، ولحم دواب الماء.
واللحم والشحم والكبد أجناس).
أما كون اللحم أجناساً باختلاف أصوله على المذهب؛ فلأنه إذا اختلف أصله فروعُ أصول هي أجناس فكانت أجناساً كالأدقة والأخباز.
وأما كونه جنساً واحداً على روايةٍ؛ فلأنه اسم تحته أنواع فكان جنساً واحداً كالطلع.
وأما كونه أربعة أجناس كما ذكر المصنف على روايةٍ؛ فلأن الحيوانات المذكورة تختلف في المنفعة والقصد والأكل فكانت أجناساً.
وصحح القاضي هذه الرواية قاله المصنف في المغني.
ونصر ابن عقيل الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 486

وقال المصنف رحمه الله في المغني: وهو الأشبه بالأصول فإن كثيراً من المشتركات في 241 الأسماء مختلفة الأجناس لاختلاف أصولها كما تقدم.
فعلى هذا لحم الإبل جنس بخاتيها وعِرَابها.
والبقر جنس عِرَابها وجواميسها.
والغنم جنس ضأنها، ومعزها.
والوحش أجناس بقرها جنس وغنمها جنس وظباؤها جنس.
وكل ما له اسم يخصه تحته أنواع جنس والطير أجناس.
وأما كون اللبن فيه روايتان: إحداهما: أنه يختلف كأصوله.
والثانية: أنه جنس واحد فلما ذكر في اللحم.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا تجري الرواية الثالثة في اللحم في اللبن لأنه عطفه على الروايتين في اللحم ثم خصص اللحم رواية ثالثة.
وقال في الكافي بعد ذكره الروايات الثلاث في اللحم: وفي الألبان من القول مثل ما في اللحم لأنها من الحيوانات يتفق اسمها أشبهت اللحم.
وظاهر هذا أن في اللبن الروايات الثلاث وهو أظهر لاتحادهما في المعنى.
وأما كون اللحم والشحم والكبد أجناساً؛ فلأنها مختلفة في الاسم والخلقة فكانت أجناساً كالإبل والبقر والغنم.
قال: (ولا يجوز بيع لحم بحيوان من جنسه، وفي بيعه بغير جنسه وجهان).
أما كون بيع لحمٍ بحيوان من جنسه كلحم إبل بإبل وغنم بغنم وما أشبههما لا يجوز فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نَهى عن بيعِ اللحمِ بالحيوان» 242. وروي عنه أنه عليه السلام: «نهى أن يباع حي بميت» 243. ولأنه نوع فيه الربا بِيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز كبيع السمسم بالشيرج.

الجزء: 2 - الصفحة: 487

وأما كون بيع لحم بحيوان من غير جنسه كلحم إبل بغنم ولحم غنم ببقر لا يجوز في وجهٍ فلعموم ما تقدم.
وروي عن ابن عباس «أن جزوراً نحرت على عهد أبي بكر رضي الله عنه 244 فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني جزءاً بهذا العناق.
فقال: لا يصلح هذا».
وهل يشترط في غير الجنس كونه مأكولاً؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط.
ذكره أبو الخطاب في رؤوس المسائل.
والثاني: لا يشترط.
فلا يجوز بيع لحم غنم وشبهه بحمار ونحو ذلك لدخوله في عموم ما تقدم.
وصحح صاحب النهاية فيها الأول وعلله بأن المنع إنما كان لأجل الربا فإذا لم يكن مأكولاً لم توجد العلة فوجب أن يزول الحكم لزوال علته.
وجعله المصنف في المغني ظاهر قول أصحابنا.
وأما كون بيع لحم بحيوان من غير جنسه يجوز في وجهٍ؛ فلأن النهي عن بيع اللحم بالحيوان إنما كان لاشتمال الحيوان على جنس اللحم؛ لأن ذلك يؤدي إلى الربا فإذا لم يكن من جنسه وجب الجواز لزوال العلة المقتضية للتحريم.
وقيل: هذان الوجهان مبنيان على كون جميع اللحم جنساً أو أجناساً.
فإن قيل: جميعها جنس واحد لم يجز بيع اللحم بالحيوان مطلقاً، وإن قيل: أجناس جاز لأن التفاضل مع اختلاف الجنس لا يضر.
قال: (ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه في أصح 245 الروايتين).
أما كون بيع حب بدقيقه أو سويقه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأن كل واحد مكيل ويشترط في بيع المكيل بجنسه التساوي وهو متعذر هنا لأن أجزاء الحب تنتشر بالطحن.
وأما كونه يجوز في روايةٍ؛ فلأن الدقيق نفس الحب وإنما تكسرت أجزاؤه فجاز بيع البعض بالبعض كالحب المكسر بالصَّحاح.

الجزء: 2 - الصفحة: 488

فعلى هذا تعتبر المساواة بالوزن لأن الكيل لا يحصل به التساوي لما ذكر.
وأما كون الأصح أنه لا يجوز فلما تقدم.
ولأن التساوي بالكيل متعذر بخلاف المكسر بالصحاح فإن الكيل غير متعذر.
واعتبار الوزن فيما هو مكيل لا يصح لما تقدم في بيع المكيل وزناً وبعكسه.
قال: (ولا يجوز بيع نيئه بمطبوخه، ولا أصله بعصيره، ولا خالصه بمشوبه، ولا رَطْبه بيابسه).
أما كون بيع نيء الشيء بمطبوخه كالحنطة بالهريسة أو بالحريرة أو بالنشاء أو ما أشبه ذلك لا يجوز؛ فلأن النار تعقد أجزاء المطبوخ وتنفخها فلا يحصل التساوي.
وأما كون بيع أصله بعصيره كالسمسم بالشيرج والزيتون بالزيت وما أشبه ذلك لا يجوز؛ فلأنه مال ربا بيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز كبيع اللحم بالحيوان.
وأما كون بيع خالصه بمشوبه لا يجوز كلبن لا ماء فيه بلبن مخلوط بماء لا يجوز فلانتفاء التساوي المشترط.
وأما كون بيع رَطْبه بيابسه كبيع الرطب بالتمر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر.
فقال: أينقص الرطب 246 إذا يبس؟ فقالوا: نعم.
فقال: لا إذاً» 247. علل بالنقصان إذا يبس وهو موجود في كل رطب بِيع بيابسه.
قال: (ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة، ومطبوخه بمطبوخه، وخبزه بخبزه إذا استويا في النشاف، وعصيره بعصيره، ورطبه برطبه).
أما كون بيع جميع ذلك بما ذكر يجوز؛ فلأنه متساو في الحال على وجهٍ لا ينفرد أحدهما بالنقصان في ثاني الحال فوجب أن يجوز كبيع التمر بالتمر.

الجزء: 2 - الصفحة: 489

وأما قول المصنف رحمه الله: في الدقيق إذا استويا في النعومة فتنبيه على اشتراط التساوي في النعومة؛ لأن الكيل يسع من الخشن أكثر من الناعم لتفرق أجزاء الناعم فلا يحصل التساوي المشترط.
وأما قوله في المطبوخ والخبز إذا استويا في النشاف فتنبيه على اشتراط التساوي في النشاف لأن أحدهما إذا كان أكثر رطوبة من الآخر 248 لا يحصل التساوي المشترط.
قال: (ولا يجوز بيع المحاقلة.
وهو: بيع الحب في سنبله بجنسه، وفي بيعه بغير جنسه وجهان، ولا المزابنة.
وهو: بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، إلا في العرايا.
وهي: بيع الرطب في رؤوس النخل خرصاً بمثله من التمر كيلاً فيما دون خمسة أوسق لمن به حاجة إلى أكل الرطب ولا ثمن معه ويعطيه من التمر مثل ما يؤول إليه ما في النخل عند الجفاف.
وعنه: يعطيه مثل رطبه، ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين).
أما كون بيع المحاقلة لا يجوز فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعِ المحاقَلَة» 249. والنهي يقتضي التحريم والفساد.
ولأن الحب إذا بيع بجنسه لا يعلم مقداره بالكيل، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو بيع الحب في سنبله بجنسه فتفسير لبيع المحاقلة.
قال أبو عبيد: المحاقلة بيع الزرع في سنبله بالبر.
وأما كون بيع الحب في سنبله بغير جنسه لا يجوز في وجهٍ؛ فلأن بيع زرع الحنطة بحنطة إنما سمي محاقلة لأنه في الحقل وهذا المعنى موجود في غيره مما ذكرنا فيجب أن يدخل فيه.
قال الأزهري: والحقل القراح المزروع.

الجزء: 2 - الصفحة: 490

وأما كونه يجوز في وجهٍ؛ فلأن تفسير أبي عبيد الحديث يدل على ذلك لأنه قال: المحاقلة بيع الزرع في سنبله بالبر.
ولأن النهي لخوف التفاضل المحرم وهو منتف في الجنسين.
وأما كون بيع المزابنة إذا لم يكن عرايا [لا يجوز] 250؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة» 251، والنهي يقتضي التحريم والفساد.
ترك العمل به في العرايا لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر؛ فتفسير لبيع المزابنة المحرم.
وفي الحديث أن ابن عمر قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المُزابَنَةِ.
والمزابنةُ بيعُ ثمرِ النخلِ بالتمرِ كيلاً» 252 رواه مسلم.
وأما كون بيع العرايا يجوز فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخّص في العرية في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق» 253 متفق عليه.
وأما ما يشترط لجواز بيع العرايا فأمور: أحدها: أن يكون الرطب على رؤوس النخل فلو كان على وجه الأرض لم يجز لأن الرخصة وردت في بيعه على رؤوس النخل ليؤخذ شيئاً فشيئاً.
وثانيها: أن يكون البيع بخرصها من التمر لا أقل ولا أكثر «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لهم أن يبتاعوا العرية بخرصها من التمر» 254 متفق عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 491

وفي معنى الخرص روايتان: إحداهما: ينظر كم يجيء منها تمر فيبيعها بمثله لأنه يخرص في الزكاة كذلك.
والثانية: يبيعها بمثل ما فيها من الرطب لأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال بالكيل فإذا خولف الدليل في أحدهما وأمكن أن لا يخالف في الآخر وجب.
وثالثها: كون التمر معلوماً بالكيل لأن في بعض الألفاظ: «رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً» 255 متفق عليه.
ولأن الأصل الكيل من الطرفين سقط في أحدهما للتعذر فيجب في الآخر بقضية الأصل.
ولأن مع ترك الكيل من الطرفين يكثر الغرر فإذا وجد أحدهما كان الغرر أقل.
ورابعها: كون المبيع دون خمسة أوسق لما يأتي.
وعن الإمام أحمد يجوز في الخمسة؛ لأن الرخصة ثبتت في العرية ثم نهي عما زاد على الخمسة، وشك الراوي في الخمسة في قوله: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرية في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق» 256 فردت إلى أصل الرخصة.
والأول المذهب لأن الأصل تحريم الرطب بالتمر خولف فيما دون الخمسة بالخبر والخمسة مشكوك فيها فترد إلى الأصل.
وخامسها: أن يكون بالمشتري حاجة إلى أكل الرطب «لأن زيد بن ثابت حين سأله محمود بن لبيد: ما عراياكم هذه؟ سمى رجالاً محتاجين من الأنصار شَكَوا إلى

الجزء: 2 - الصفحة: 492

رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه وعندهم فضول من التمر فرخص لهم أن يتبايعوا العرايا بخرصها من التمر يأكلونه رطباً» 257 متفق عليه.
ومتى خولف الأصل بشرط لم تجز مخالفته بدون ذلك الشرط.
ولأن ما أبيح للحاجة لم يبح مع عدمها كالزكاة للمساكين والرخص في السفر.
وسادسها: أن لا يكون معه ثمن غير التمر لقوله في الحديث: «ولا نقد بأيديهم».
وسابعها: أن يقبض البائع الثمن والمشتري الرطب قبل تفرقهما لأنه بيع تمر بتمر فاعتبرت فيه أحكامه.
وقبض التمر بالكيل، والرطب بالتخلية؛ لأن الكيل ممكن في التمر دون الرطب.
وأما كون مثل ما ذكر لا يجوز في سائر الثمار لا يجوز في وجهٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المُزَابنةِ، الثمرِ بالتمرِ، إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم.
وعن بيع العنب بالزبيب و [عن] كل ثمر بخرصه» 258 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن.
وأما كونه يجوز في وجهٍ وهو للقاضي؛ فلأن حاجة الناس إلى رطب هذه الثمار كحاجتهم إلى الرطب فجاز قياساً على النخل.
والأول أصح؛ لما ذكر.
وعن زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه أرخص في بيع العرايا بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك» 259. ولأن الرخصة وردت في تمر النخيل وغيره لا يساويه في كثرة الاقتيات به وسهولة خرصه فيختص الحكم به.

الجزء: 2 - الصفحة: 493

قال: (ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض، ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما كمد عجوة ودرهم بمدين أو بدرهمين أو بمد ودرهم.
وعنه: يجوز بشرط: أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه).
أما كون ما ذكر لا يجوز على المذهب ويسمى مسألة مُدّ عجوة؛ فلأنه مفض إلى 260 الربا وسيبين إن شاء الله تعالى.
وأما كونه يجوز بشرط كون المفرد أكثر من الذي معه غيره كمدين بمد ودرهم، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه كمد ودرهم بمد ودرهم على روايةٍ؛ فلأن الزائد في مقابلة غير الجنس.
قال المصنف في الكافي: الأول المذهب لما روى فضالة بن عبيد قال: «أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادةٍ فيها ذهب وخَرَزُ ابتاعها [رجل] بتسعةِ دنانير.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، حتى تميز بينهما» 261 رواه أبو داود.
ولأن الصفقة إذا جمعت 262 شيئين مختلفي القيمة انقسم الثمن بينهما على قدر قيمتهما.
بدليل ما لو اشترى شقصاً وسيفاً فإن الشفيع يأخذ الشقص بقسطه من الثمن.
فإذا قسم الثمن على القيمة أدى إلى الربا لأنه إذا باع درهماً ومداً قيمته درهمان بمدين قيمتهما ثلاثة حصل في مقابلة الجيد مد وثلث.
قال: (وإن باع نوعي جنس بنوع واحد منه كدينار قراضة وصحيح بصحيحين جاز.
أومأ إليه أحمد وذكره أبو بكر، وعند القاضي هي كالتي قبلها).
أما كون البيع في هذه المسألة يجوز على ما أومأ إليه الإمام أحمد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل» 263، والمماثلة المعتبرة المساواة في الوزن.
والجودة

الجزء: 2 - الصفحة: 494

ساقطة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «جيدها ورديئها سواء».
واختلاف القيمة ينبني على الجودة والرداءة.
ولأنه باع ذهباً بذهب متساوياً في الوزن فصح كما لو اتفق النوع.
وأما كونها كالتي قبلها فهي كمسألة مد عجوة عند القاضي؛ فلأن الثمن ينقسم على عوضه على حسب اختلافه في قيمته فكان الحكم هنا كما سبق.
والأول أصح لما سبق.
والثمن إنما ينقسم على المعوض فيما يشتمل على جنسين أو في غير الربويات بدليل ما لو باع نوعاً بنوع يشتمل على جيد ورديء.
قال: (ولا يجوز بيع تمر منزوع النوى بما نواه فيه.
وفي بيع النوى بتمر فيه النوى، واللبن بشاة ذات لبن، والصوف بنعجة عليها صوف روايتان).
أما كون بيع تمر منزوع النوى أي لا نوى فيه بتمر فيه نوى لا يجوز؛ فلأنه يقع النوى فضلة فلا يحصل التساوي.
وأما بيع النوى بتمر فيه نوى يجوز في روايةٍ؛ فلأن النوى في التمر غير مقصود ولهذا جاز بيع التمر بالتمر.
وأما كونه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأن النوى مكيل فإذا باع كيلين نوى بكيل تمر فيه نوى لم يجز لأن التفاضل موجود.
ولأنه إذا باع نوى وتمراً بنوى فقد باع جنساً فيه الربا ومعه غيره وقد تقدم فساده.
وأما كون بيع اللبن بشاة ذات لبن، وبيع الصوف بنعجة لها صوف فيه الروايتان فلما ذكر في بيع النوى بتمر فيه نوى.

الجزء: 2 - الصفحة: 495

قال: (والمَرجع في الكيل والوزن إلى عرف أهل الحجاز في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
وما لا عرف له به ففيه وجهان أحدهما: يعتبر عرفه في موضعه.
والآخر: يرد إلى أقرب الأشياء شبهاً به بالحجاز).
أما كون المَرجع في الكيل والوزن إلى عرف أهل الحجاز في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إن كان له عرف؛ فلقوله عليه السلام: «المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة» 264، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما يُحمل قوله على تبيين الأحكام.
ولأن ما كان مكيلاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف التحريم بتفاضل الكيل إليه فلا يجوز أن يتغير، وهكذا الوزن.
وأما كون ما لا عرف له بالحجاز يعتبر عرفه في بلده في وجهٍ؛ فلأن المرجع في القبض والحِرْز والتفرق إلى العرف فكذا هنا.
وأما كونه يرد إلى أقرب الأشياء شبهاً به بالحجاز في وجهٍ؛ فلأن الحوادث تُرَدّ إلى الأشبه بالمنصوص عليه فكذا هاهنا.
قال المصنف في المغني: هو القياس.

الجزء: 2 - الصفحة: 496

فصل [في ربا النسيئة] قال المصنف رحمه الله: (وأما ربا النسيئة: فكل شيئين ليس أحدهما ثمناً، علة ربا الفضل فيهما واحدة؛ كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون لا يجوز النسأ فيهما.
وإن تفرقا قبل التقابض بطل العقد).
أما كون ربا النسيئة لا يجوز؛ فلأنه ربا فيدخل في الأدلة المذكورة أول الباب، وفي حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق 265 إلا مثلاً بمثل ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» 266. وأما كون كل شيئين ليس أحدهما ثمناً، علة ربا الفضل فيهما واحدة لا يجوز النسأ فيهما؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد» 267. وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» 268 متفق عليه.
وإنما اشترط كون أحدهما ليس ثمناً في كون النسأ لا يجوز لأن أحد العوضين إذا كان من الأثمان والآخر من غيرها جاز النسأ بغير خلاف لأن الشرع رخص في السلم والأصل في رأس ماله الدراهم والدنانير فلو لم يجز النسأ لانسد باب السلم في الموزون.

الجزء: 2 - الصفحة: 497

وإنما اشترط علة ربا الفضل واحدة؛ لأنها إذا اختلفت كالمكيل بالموزون أو اتفقت كالثياب بالثياب يكون في جواز النسأ خلاف يأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون فإشارة إلى ما فيه علة ربا الفضل على الصحيح من المذهب.
ومن جَعَل العلة الثُّمنية والطعم ينبغي أن يمثل بالمطعوم ولا حاجة له إلى قوله: ولم يكن أحدهما ثمناً؛ لأن الثمينة لا تتعدى إلى غير الذهب والفضة، ومن جعلها الوزن والطعم أو الكيل والطعم ينبغي أن يمثل بالتمر وما أشبهه.
وأما كون العقد يبطل إذا تفرقا قبل التقابض؛ فلأن ما اشترط قبضه في المجلس يبطل العقد بالتفرق قبله كالصرف.
قال: (وإن باع مكيلاً بموزون جاز التفرق قبل القبض، وفي النسأ روايتان).
أما كون التفرق قبل القبض فيما ذكر يجوز؛ فلأنه لو لم يجز لكان القبض شرطاً في جميع ما يحرم في النسأ وليس كذلك لأنه لو كان كذلك لما بقي ربا نسيئة لأن العقد يفسد بعدم التقابض، والإجماع منعقد على أن من أنواع الربا ربا النسيئة.
وأما كون النسأ فيه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأنهما مالان من أموال الربا ليس أحدهما ثمناً فلم يجز النسأ فيهما كالمكيل بالمكيل.
وأما كونه يجوز فيه في روايةٍ؛ فلأنه لم يوجد فيه أحد وصفي علة الربا.
فجاز النسأ فيه؛ كالثياب بالحيوان.
قال: (وما لا يدخله ربا الفضل كالثياب والحيوان يجوز النسأ فيهما.
وعنه: لا يجوز.
وعنه: لا يجوز في الجنس الواحد كالحيوان بالحيوان، ويجوز في الجنسين كالثياب بالحيوان).
أما كون ما لا يدخله ربا الفضل كالثياب والحيوان وما أشبه ذلك مما ليس فيه ربا الفضل المتقدم ذكرها يجوز النسأ فيه على المذهب؛ فلما روى عبدالله بن عمرو قال:

الجزء: 2 - الصفحة: 498

«أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أستسلف إبلاً فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى مجيء المصدق» 269. [رواه أبو داود] 270. وإذا جاز في الجنس الواحد ففي الجنسين أولى.
وأما كونه لا يجوز فيهما على روايةٍ؛ فلأنه بيع عرض بعرض فلم يجز النسأ فيهما كالعرض الذي يجري فيه ربا الفضل.
وأما كونه لا يجوز في الجنس ويجوز في الجنسين على روايةٍ؛ فلأن سمرة روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعِ الحيوانِ بالحيوانِ نَسِيئة» 271 قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وذلك يدل على عدم جواز النسأ في الجنس الواحد بمنطوقه وعلى جوازه في الجنسين بمفهومه.
وحكى المصنف رحمه الله في الكافي رواية رابعة هي: أن ذلك جائز مع التساوي، غير جائز مع التفاضل في الجنس الواحد؛ لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحيوانُ اثنين بواحدٍ لا يصلحُ نسيئاً ولا بأسَ به يداً بيد» 272 قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وعن ابن عمر «أن رجلاً قال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ فقال: لا بأس إذا كان يداً بيد» 273 رواه الإمام أحمد في المسند.

الجزء: 2 - الصفحة: 499

قال: (ولا يجوز بيع الكالئ بالكالئ وهو بيع الدين بالدين).
أما كون بيع الكالئ بالكالئ لا يجوز فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» 274. ولأن في ذلك غرراً لأنه ربما وقع ممن الدين في ذمته جحود، أو منع، أو ظهر مفلساً فلا يقدر على تسليمه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو بيع الدين بالدين فتفسير لبيع الكالئ بالكالئ.
قال أبو عبيد بعد ذكر بيع الكالئ بالكالئ: هو النسيئة بالنسيئة.

الجزء: 2 - الصفحة: 500

فصل [في الصرف] قال المصنف رحمه الله: (ومتى افترق المتصارفان قبل التقابض أو افترقا عن مجلس السَّلم قبل قبض رأس ماله بطل العقد، وإن قبض البعض ثم افترقا بطل في الجميع في أحد الوجهين، وفي الآخر يبطل فيما لم يقبض).
أما كون العقد يطبل إذا افترق المتصارفان قبل التقابض؛ فلأن القبض في المجلس شرط في صحته بغير خلاف.
والأصل فيه قوله عليه السلام: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء» 275 وقوله: «بيعوا الذهب بالورق» 276 و «نهى أن يباع غائب منها بناجز» 277. ولأن الصرف إنما سمي صرفاً لانصراف كل واحد منهما عن صاحبه فإذا لم يحصل التقابض فقد ذهب معنى الصرف.
وأما كونه يبطل إذا افترقا عن مجلس السَّلَم قبل قبض رأس ماله؛ فلأن قبض رأس ماله في المجلس لما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى 278. وأما كونه يبطل فيما لم يقبض إذا افترقا قبل قبض البعض فلفوات القبض المشترط.
وأما كونه يبطل الباقي ففيه وجهان مبنيان على تفريق الصفقة.

الجزء: 2 - الصفحة: 501

قال: (وإن تقابضا ثم افترقا فوجد أحدهما ما قبضه رديئاً فرده بطل العقد في إحدى الروايتين، والأخرى إن قبض عوضه في مجلس الرد لم يبطل، وإن رد بعضه وقلنا يبطل في المردود فهل يبطل في غيره؟ على وجهين).
أما كون العقد يبطل إذا تصارفا في الذمة وتقابضا ثم افترقا فوجد أحدهما ما قبضه رديئاً فرده في إحدى الروايتين؛ فلأن قبض مال الصرف شرط لما تقدم وقد تبين أنه غير مقبوض.
وأما 279 كونه لا يبطل إذا قبض البدل في مجلس الرد في الرواية الأخرى؛ فلأن قبض البدل في مجلس الرد يقوم مقام قبضه في مجلس البيع فوجب كونه مثله.
وقول المصنف رحمه الله: فوجد ما قبضه رديئاً يشمل ما إذا كان من جنس المعقود عليه كالسواد في الفضة والوضوح في الذهب، وما إذا كان العيب من غير جنسه مثل أن يظهر نحاساً أو رصاصاً.
واشترط في المغني كون العيب من الجنس فيجب حمل لفظه هنا على ذلك إذا قلنا: قبض البدل يقوم مقام قبضه في مجلس الرد، وإذا قلنا: لا يقوم لا حاجة إلى التفصيل؛ لأن البطلان مشترك بين العينين.
وأما كونه يبطل في غير المردود إذا رد البعض لكونه رديئاً، وقيل 280 يبطل في المردود ففيه وجهان مبنيان على تفريق الصفقة.
قال: (والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد في أظهر الروايتين فلا يجوز إبدالها.
وإن وجدها معيبة خُيّر بين الإمساك والفسخ، ويتخرج أن يمسك ويطالب بالأرش.
وإن خرجت مغصوبة بطل العقد، والأخرى لا تتعين فلا يثبت فيها ذلك).
أما كون الدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد مثل أن يقول: بعتك هذا الدينار بهذه الدراهم في أظهر الروايتين؛ فلأن ذلك عوض مشار إليه في العقد فوجب أن يتعين كسائر الأعواض.
ولأنه أحد العوضين فتعين بالتعيين كالآخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 502

فعلى هذا لا يجوز إبدالها لأن العقد واقع على عينها فإذا أخذ غير ذلك أخذ ما لم يشتره.
وإن وجدها معيبة خُيّر بين الإمساك والفسخ كما إذا وجد المبيع معيباً، ولا أرش له مع الإمساك إن كان العقد وقع على مثله كالدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير لأن أخذ الأرش مفض إلى التفاضل المحرم.
وخرّج القاضي وجهاً في جواز أخذه في المجلس وعلله بأن الزيادة طرأت بعد العقد.
قال المصنف في المغني: ليس لهذا الوجه وجه.
وإن وقع العقد على غير مثله كالدراهم والدنانير فله أخذ الأرش في المجلس 281. ذكره المصنف في المغني ولم يحك فيه خلافاً وعلله بأن أكثر ما فيه حصول زيادة من أحد الطرفين ولا يُمنع ذلك في الجنسين.
ثم قال: ولذلك أجزنا أخذ الأرش في المبيع.
ثم قال: وإن كان بعد التفرق لم يجز لأنه يفضي إلى حصول التفرق قبل قبض أحد العوضين.
فعلى هذا يجب حمل كلام المصنف هنا على ما إذا كان العقد مشتملاً على الدراهم والدنانير من الطرفين ليطابق ما ذكره في المغني.
وإن خرجت مغصوبة بطل العقد كما لو خرج المبيع مغصوباً.
وأما كونها لا تتعين في روايةٍ؛ فلأنه يجوز إطلاق ذلك في العقد فلا تتعين كالمكاييل والصنج.
فعلى هذا يجوز إبدالها لأن المقصود يحصل بذلك، وإن وجدها معيبة لم يخير بين الإمساك والفسخ بل له المطالبة بما لا عيب فيه لأن حقه لم يتعين فيها أشبه ما لو كان الصرف في الذمة، وإن خرجت مغصوبة لم يبطل العقد وله المطالبة بالبدل لما ذكر قبل.

الجزء: 2 - الصفحة: 503

قال: (ويحرم الربا بين المسلم والحربي وبين المسلمين في دار الحرب كما يحرم بين المسلمين في دار الإسلام).
أما كون الربا 282 يحرم بين المسلم والحربي؛ فلأن الربا إنما حرم لعلة التفاضل المنهي عنه شرعاً وذلك موجود بين المسلم والحربي كما هو بين المسلم والمسلم.
وأما كونه يحرم بين المسلمين في دار الحرب فلعموم قوله سبحانه: ﴿وحرم الربا﴾ [البقرة: 275]، وقوله: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: 275]، وقوله عليه السلام: «من زاد أو ازداد فقد أربا» 283.

الجزء: 2 - الصفحة: 504

باب بيع الأصول والثمار

قال المصنف رحمه الله: (ومن باع داراً تناول البيعُ أرضها وبناءها وما يتصل بها لمصلحتها كالسلاليم والرفوف المسمرة والأبواب المنصوبة والخوابي المدفونة والرحا المنصوبة، ولا يدخل ما هو مودع فيها من الكنز والأحجار المدفونة، ولا المنفصل منها كالحبل والدلو والبكرة والقفل والفرش، إلا ما كان من مصالحها كالمفتاح وحجر الرحا الفوقاني فعلى وجهين).
أما كون بيع الدار يتناول أرضها وبناءها؛ فلأنهما داخلان في مسمى الدار.
وأما كونه يتناول ما يتصل بالدار لمصلحتها؛ فلأنه متصل بها لمصلحتها أشبه حيطانها.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالسلاليم ... إلى قوله: والرحا المنصوبة فتعداد لأشياء متصلة بالدار لمصلحتها.
وأما كون ما هو مودع فيها من الكنز والأحجار المدفونة لا يدخل في بيع الدار؛ فلأن ذلك مودع فيها للنقل عنها أشبه الفرش والستور.
وأما كون المنفصل الذي لا مصلحة للدار فيه كالحبل والدلو والبكرة والقفل والفرش لا يدخل؛ فلأن اللفظ لا يشمله ولا هو من مصلحة المبيع.
فلم يدخل؛ كالمودَع فيها.
وأما كون ما فيه مصلحة للدار كالمفتاح وحجر الرحا الفوقاني يدخل على وجهٍ؛ فلأنه من مصلحة المبيع.
أشبه المتصل بها.
وأما كونه لا يدخل على وجهٍ؛ فلأن لفظ الدار لا يتناوله ولا هو متصل لمصلحتها أشبه الفرش والستور.

الجزء: 2 - الصفحة: 505

قال: (وإن باع أرضاً بحقوقها دخل غراسها وبناؤها في البيع، وإن لم يقل: بحقوقها فعلى وجهين).
أما كون الغِراس والبناء يدخلان فيما إذا باع أرضاً بحقوقها؛ فلأن كل واحد منهما تابع للأرض من كل وجه ويُتَّخَذ للبقاء فيه لأنه ليس لانتهائه مدة معلومة.
وأما كونهما يدخلان أيضاً إذا لم يقل بحقوقها على وجهٍ؛ فلأنهما من حقوق الأرض بدليل ما لو قال: بحقوقها، وما كان من حقوقها يدخل في الإطلاق كطُرُقها ومنافعها.
وأما كونهما لا يدخلان على وجهٍ؛ فلأنهما ليسا من الأرض فلا يدخلان في البيع كالثمرة المؤبرة في بيع الشجرة.
ومن نصر الأول قال الثمرة لا تراد للبقاء فليست من حقوقها بخلاف البناء والشجر.
قال: (وإن كان فيها زرع يجز مرة بعد أخرى كالرطبة والبقول، أو تتكرر ثمرته كالقثاء والباذنجان فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة واللقطة الظاهرة من القثاء والباذنجان للبائع إلا أن يشترطه المبتاع).
أما كون الأصول فيما ذكر للمشتري؛ فلأن ذلك ركب للبقاء أشبه الشجر.
وأما كون الجزة الظاهرة واللقطة الظاهرة مما ذكر للبائع ما لم يشترطه المشتري؛ فلأنه يؤخذ ثمرته مع بقاء أصله أشبه ثمرة الشجرة المؤبرة.
وأما كون ذلك للمبتاع إذا اشترطه؛ فلأنه لو اشترى شجراً عليه ثمر قد أُبِّر واشترطه كان له؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من ابتاعَ نخلاً بعد أن تُؤَبَّرَ فثمرتُها للبائعِ إلا أن يشترطهُ المبتاع» 284 فكذا هاهنا لمشاركته لما ذكر معنى الموجب لمشاركته حكماً.

الجزء: 2 - الصفحة: 506

قال: (وإن كان فيها زرع لا يحصد إلا مرة كالبر والشعير فهو للبائع مبقى إلى الحصاد إلا أن يشترطه المبتاع).
أما كون ذلك للبائع ما لم يشترطه المبتاع؛ فلأنه نماء ظاهر، لفصله غاية فلم يدخل في بيع الأرض كالطلع المؤبر.
وأما كونه مبقى إلى الحصاد؛ فلأن ذلك هو العرف في نقله فحمل عليه كالثمرة تباع بعد بُدُوّ صلاحها.
وأما كونه للمبتاع 285 إذا اشترطه؛ فلأنه بمنزلة الثمر الذي أُبِّر أصله وقد تقدم دليله.

الجزء: 2 - الصفحة: 507

فصل قال المصنف رحمه الله: (ومن باع نخلاً مؤبراً.
وهو: ما تشقق طلعه فالثمر للبائع [متروكاً في رؤوس النخل إلى الجذاذ] 286 إلا أن يشترطه المبتاع، وكذلك الشجر إذا كان فيه ثمر باد كالعنب والتين والتوت والرمان والجوز.
وما ظهر من نوره كالمشمش والتفاح والسفرجل واللوز، وما خرج من أكمامه كالورد والقطن وما قبل ذلك فهو للمشتري.
والورق للمشتري بكل حال.
ويحتمل في ورق التوت المقصود أخذه أنه إن تفتح فهو للبائع وإن كان حباً فهو للمشتري.
وإن ظهر بعض الثمرة فهو للبائع وما لم يظهر فهو للمشتري.
وقال ابن حامد: الكل للبائع).
أما كون ثمر النخل المؤبر للبائع إذا لم يشترطه المبتاع فلما تقدم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع» 287 رواه الأئمة منهم البخاري وأبو داود.

الجزء: 2 - الصفحة: 508

وأما كونه يُتْرك في رؤوس النخل إلى الجذاذ؛ فلأن العرف أن ذلك لا يقطع عند بيعه بل عند استحكام نضجه وصلاحيته للأكل.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو ما تشقق طلعه فتفسير للنخل المؤبر.
والتأبير في اللغة: التلقيح، وقيل: هو ظهور الثمرة من جف الطلع.
والأول أكثر وأشهر.
قال المصنف في المغني: إلا أن الحكم متعلق بالظهور دون التلقيح بغير خلاف، ولذلك فسّره هنا بما تشقق طلعه.
وأما كون الشجر الذي فيه ثمر باد كالعنب والتين والتوت والرمان والجوز كالنخل؛ فلأن بُدُوّ ذلك من شجره بمنزلة ظهور الرطب من طلعه.
وأما كون ما ظهر من نوره كالمشمش والتفاح والسفرجل واللوز والأجاص والخوخ للبائع وما لم يظهر للمشتري؛ فلأن ظهوره من ذلك كظهوره من الطلع وعدم ظهوره كعدم ظهوره فيجب أن يعطى حكمه.
وقال القاضي: يحتمل أن يكون للبائع بظهور نوره لأن الطلع إذا تشقق كان كنور الشجر.
والأول أولى لأن الذي في الطلع عين التمر بخلاف النور فإنه يتساقط والثمر غيره.
وأما كون ما يخرج من أكمامه كالورد والياسمين والقطن والبنفسج للبائع؛ فلأن خروجه من أكمامه كظهور الثمرة من الطلع وما ظهر من الطلع فهو للبائع.
فكذلك ما هو في معناه.
وأما كون ما قبل ذلك كله للمشتري؛ فلأن تقييد ما تقدم ذكره بما ذكر يدل على نفي الحكم عند عدمه.
ولأن ذلك تبع الأصل فوجب أن يكون للمشتري بكل حال كالأصل 288. وأما كون الورق الذي لا يقصد أخذه كورق المشمش والجوز وما أشبههما للمشتري بكل حال بلا خلاف في المذهب؛ فلأنه ليس بثمر ولا يقصد أخذه فكان تابعاً للأصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 509

وأما كون ما يقصد أخذه كورق التوت للمشتري على المذهب فبالقياس على سائر الورق.
وأما كونه يحتمل أنه إن تفتح فهو للبائع وإن كان حباً فهو للمشتري؛ فلأنه بمنزلة الثمر.
وأما كون ما ظهر من الثمرة للبائع وما لم يظهر للمشتري على المذهب؛ فلأن الحديث المتقدم دل بمنطوقه على أن المؤبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري.
وأما كون الكل للبائع على قول ابن حامد؛ فلأنه إذا لم يحصل الكل للبائع أدى إلى الإضرار باشتراك الأيدي في البستان.
ولأن الباطن يتبع الظاهر كأساسات الحيطان.
قال: (وإن احتاج الزرعُ أو الثمرة إلى سقي لم يلزم المشتري ولم يملك منع البائع منه).
أما كون المشتري لا يلزمه سقي زرع البائع ولا ثمرته؛ فلأنه لا يلزمه تسليم ذلك إليه.
فإن قيل: لو كانت الثمرة للمشتري على أصل البائع لزمه السقي فما الفرق؟ قيل: الفرق بينهما أن ثمرة المشتري التي على أصل البائع عليه تسليمها إليه بخلاف ما ذكر.
وإلى ذلك وقعت الإشارة في الدليل.
وأما كون المشتري لا يملك منع البائع من السقي؛ فلأن ذلك مما يبقى به فلزمه تمكينه منه كتركه على الأصول.

الجزء: 2 - الصفحة: 510

وقيد المصنف السقي بالحاجة لأن السقي لغير حاجة يملك المشتري منعه منه لأنه سفه يتضمن التصرف في ملك غيره.
وأطلق الحاجة وظاهره أنه لا يملك المنع سواء كان يضر ذلك بالشجر أو لا.
وصرح به المصنف في المغني وعلله بأنه دخل في العقد على ذلك لأن العقد اقتضى التبقية.

الجزء: 2 - الصفحة: 511

فصل [في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها] قال المصنف رحمه الله: (ولا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولا الزرع قبل اشتداد حبه إلا بشرط القطع 289 في الحال، ولا بيع الرطبة والبقول إلا بشرط جزه، ولا القثاء ونحوه إلا لقطة لقطة إلا أن يبيع أصله، والحصاد واللقاط على المشتري فإن باعه مطلقاً أو بشرط التبقية لم يصح).
أما كون بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لا يجوز إذا لم يشترط القطع في الحال فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعِ الثمارِ حتى يَبدُو صَلاحَها، نَهى البائعَ والمشتري» 290 متفق عليه.
والنهي يقتضي الفساد.
وأما كونه يجوز بشرط القطع في الحال؛ فلأن النهي إنما كان خوفاً من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها بدليل ما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهى عن بيعِ الثمارِ حتى تُزْهِي.
قال: أرأيتَ إذا منعَ الله الثمرةَ، بمَ يأخذُ أحدُكُمْ مالَ أخيه» 291 رواه البخاري.
وهذا مأمون فيما يشترط قطعه فجاز بيعه كما لو بدا صلاحه.
وأما كون بيع الزرع قبل اشتداد حبه لا يجوز إذا لم يشترط القطع فلما روى عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهى عن بيعِ السنبلِ حتى يَبْيضَّ ويأمنَ العَاهَة» 292 رواه مسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 512

وروي عنه «أنه عليه السلام 293 نَهى عن بيعِ الحبِ حتى يَشتد» 294 رواه الترمذي.
وأما كونه يجوز إذا شرط القطع فلزوال معنى النهي بدليل قوله: «ويأمن العاهة» 295. وأما كون بيع الرطبة والبقول لا يجوز إلا بشرط جز الظاهر منه؛ فلأن ما في الأرض مستور مغيب وما يحدث منه معدوم فلم يجز بيعه كبيع ما يحدث من الثمرة.
وأما كون بيع ما ظهر منه يجوز بشرط جزه؛ فلأنه مبيع معلوم لا جهالة فيه ولا غرر أشبه ما جاز بيعه من غيره.
وأما كون بيع القثاء والباذنجان لا يجوز إلا لقطة لقطة؛ فلأن الزائد على ذلك ثمر لم يخلق فلم يجز بيعه أشبه ما لو باع ذلك قبل ظهور شيء منه.
وأما كون بيع ذلك لقطة لقطة يجوز؛ فلأنه مبيع معلوم لا جهالة فيه ولا غرر أشبه ما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: إلا أن يبيع أصله فيحتمل أن يعود إلى قوله: ولا بيع الرطبة وما بعده لقربه منه، ويحتمل أن يعود إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وما بعده وهو الظاهر 296 إذ الاستثناء المتعقب جملاً يعود إلى كلها لا سيما إذا طابق الحكم.

الجزء: 2 - الصفحة: 513

فعلى هذا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها إذا بيعت مع الشجرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من باع نخلاً قبل أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع» 297، وبيع الزرع قبل اشتداده إذا بيع مع الأرض لأنه بمنزلة الثمر على الشجر.
ومثل ذلك بيع الرطبة والبقول لأنه في معناه، وبيع القثاء والباذنجان مع أصولهما لأن ذلك أصل يتكرر ثمره أشبه الشجر.
وأما كون الحصاد واللقاط على المشتري؛ فلأن ذلك من مؤونة نقلها أشبه ما لو اشترى طعاماً في دار فإن الأجرة على المشتري.
وفارق هذا الكيال في المكيل والوزان في الموزون من حيث إن أجرة ذلك على البائع لأن ذلك من مؤونة تسليم المبيع إلى المشتري وهاهنا حصل التسليم بدون القطع واللقاط بدليل جواز بيعها والتصرف فيها بدون ذلك.
وأما كون بيع ذلك كله مطلقاً وبشرط التبقية لا يصح فلما تقدم من الأدلة الدالة على اشتراط ما تقدم ذكره من بُدُوّ صلاحٍ واشتداد حبٍّ وشرط جز والبيع لقطة لقطة.
قال: (وإن اشترط القطع ثم تركه حتى بدا صلاح الثمرة وطالت الجزة وحدث ثمرة أخرى فلم تتميز، أو اشترى عرية ليأكلها رطباً فأثمرت بطل البيع.
وعنه: لا يبطل ويشتركان في الزيادة.
وعنه: يتصدقان بها).
أما كون البيع فيما ذكر يبطل على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة قبل بُدوّ صلاحها» 298. استثني منه ما اشتراه بشرط القطع فقطع بالإجماع فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
ولأن التبقية معنى حرم اشتراطها لحق الله تعالى فأبطل العقد تحققها كالنسيئة فيما يحرم فيه النسأ.

الجزء: 2 - الصفحة: 514

وأما كونه لا يبطل على روايةٍ؛ فلأن أكثر ما فيه اختلاط المبيع بغيره أشبه ما لو اشترى حنطة فانهالت عليها أخرى أو ثوباً فاختلط بثوب آخر.
والأول أصح قاله القاضي ووجهه ما مر.
ولأن القضاء بالصحة يفضي إلى اتخاذ ذلك وسيلة إلى الشراء للقطع ثم يترك وذلك حرام كبيع العينة.
وأما كون المشتري والبائع يشتركان في الزيادة على القول بأن البيع لا يبطل على روايةٍ فلحصولها في ملكهما لأن ملك المشتري الثمرة وملك البائع الأصل وهما سبب الزيادة.
وقال القاضي: الزيادة للمشتري كالعبد إذا سمن.
وحمل قول أحمد على الاستحباب.
وأما كونهما يتصدقان بها على روايةٍ فلاشتباه الأمر فيها.
وطريق العلم بالزيادة ليشتركان فيها أو يتصدقان بها أن ينظر كم المبيع حين الشراء؟ وكم قيمته بعد حدوث ما ذكر؟ وما بينهما يشتركان فيه أو يتصدقان به على ما مضى تقريره.
فإن جهلت القيمة وُقِف الأمر حتى يُعلم أو يصطلحا على شيء.
فإن قيل: على القول بأن البيع يبطل.
قيل: الزيادة للبائع مع الأصل لأن النماء تبع لأصله.
وعنه: يتصدقان بالزيادة لما ذكر في المشتري.
قال: (وإذا بدى الصلاح في الثمرة واشتد الحب جاز بيعه مطلقاً وبشرط التبقية.
وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ، ويلزم البائع سقيه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرر الأصل).
أما كون بيع ما ذكر مطلقاً وبشرط التبقية يجوز؛ فلأن «نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها» 299 و «عن بيع الحب حتى يشتد» 300 يدل بمفهومه على

الجزء: 2 - الصفحة: 515

جواز البيع بعد بدو الصلاح وعن بيع الحب قبل اشتداده لأجل خوف التلف وهذا المعنى مفقود هنا.
وأما كون المشتري لذلك له تبقيته إلى الحصاد والجذاذ؛ فلأن النقل والتحويل يجب اعتباره بالعرف، والعرف يقضي بالترك إلى الحصاد والجذاذ لأنه حينئذ أوان الانتفاع به.
وأما كون البائع يلزمه سقيه إن احتاج إليه؛ فلأنه يجب عليه تسليم ذلك كاملاً ولا يكون ذلك إلا بالسقي.
فإن قيل: فلم قلتم إذا باع الأصل وعليه ثمرة للبائع لا يلزم المشتري سقيها؟ قيل: لأن المشتري وإن كان صاحب الأصل إلا أنه لا يلزمه تسليم الثمرة لأن البائع لم يملكها من جهته وإنما بقي ملكه عليها بخلاف مسألتنا.
وصرح المصنف رحمه الله: بأن السقي لازم وإن تضرر الأصل لئلا يتوهم سقوطه عند ذلك.
وإنما لم يعتبر ضرر البائع لأنه دخل على ذلك.
قال: (وإن تلفت بجائحة من السماء رجع على البائع.
وعنه: إن أتلفت الثلث فصاعداً ضمنه البائع، وإلا فلا.
وإن أتلفه آدمي خُيّر المشتري بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلِف).
أما كون المشتري يرجع على البائع بما تلف بجائحة فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرَ بوضعِ الجَوائِح» 301، وعنه عليه السلام أنه قال: «إن بعت من 302 أخيك ثمراً ثم أصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً.
بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ » 303 رواه مسلم.
وعنه عليه السلام: «من باع ثمراً فأصابته جائحة فلا تأخذ من مال أخيك شيئاً.
علام يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم» 304 رواه أبو داود وابن ماجة.

الجزء: 2 - الصفحة: 516

ولأن التخلية في الشجر ليس بقبض تام فوجب كونه من ضمان البائع كالذي لم يقبض.
ولأن الثمرة في الشجر كالمنافع في الإجارة تؤخذ حالاً فحالاً.
ثم لو تلفت المنافع قبل استيفائها كانت من ضمان الآجر فكذا هاهنا.
وأما كونه يرجع من غير فرق بين القليل والكثير على المذهب؛ فلأن الأحاديث المتقدمة تشملها.
وأما كون الجائحة إن أتلفت الثلث فصاعداً يضمنه البائع فلما تقدم، وإن أتلفت دون الثلث لم يضمنه على روايةٍ؛ فلأنه لا بد أن يأكل الطير منها وتنثر الريح وتسقط ولا بد من ضابط فوجب أن يكون الثلث لأن ذلك قد اعتبره الشرع في مواضع منها: الوصية والعطية وتساوي جراح المرأة الرجل.
قال الإمام أحمد: يستعمل الثلث في سبع عشرة مسألة.
ولأن الثلث داخل في حد الكثرة دليله قوله عليه السلام: «الثلث والثلث كثير» 305. وما دونه داخل في حد القلة لأن ما دونه لو دخل في حد الكثرة لقدّره النبي صلى الله عليه وسلم به.
وأما كون الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها؛ فلما روى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الجائحة تكون في البرد والجراد والحتف والسيل وفي الريح» 306. وجه الحجة منه: أن الراوي فسر كلام النبي صلى الله عليه وسلم فوجب الرجوع إليه لأنه أعلم بمراده وأفهم لكلامه.
وأما كون المشتري يخير بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف فيما إذا أتلف ذلك آدمي؛ فلأن ذلك شيء أتلفه آدمي قبل تكامل قبضه فثبت للمشتري الخيرة المذكورة أشبه الآدمي إذا أتلف المبيع قبل قبضه.

الجزء: 2 - الصفحة: 517

ولأن المشتري أمكنه الرجوع ببدل المتلف فلا حاجة إلى الرجوع على البائع.
قال: (وصلاح بعض ثمرة الشجرة صلاح لجميعها، وهل يكون صلاحاً لسائر النوع الذي في البستان؟ على روايتين).
أما كون صلاح بعض الثمرة صلاحاً لجميع ما في الشجرة؛ فلأنه لو لم يكن كذلك لأدى بيع ما بدى صلاحه إلى الضرر والمشقة وسوء المشاركة.
وأما كون صلاح نوع صلاحاً لسائر النوع الذي في البستان على روايةٍ فلما ذكر.
وأما كونه لا يكون صلاحاً على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بُدُوّ الصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر، وفي العنب أن يسودّ 307 ولم يوجد ذلك.
قال: (وبدوّ الصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر، وفي العنب أن يتموه، وفي سائر الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله).
أما كون بدو الصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع الثمرة حتى تزهو.
قيل: وما تزهو؟ قال: تحمارّ أو تصفارّ» 308 رواه البخاري.
وأما كون بدو صلاح العنب أن يتموه فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نَهى عن بيعِ العنبِ حتى يَسْوَد» 309 رواه الترمذي.

الجزء: 2 - الصفحة: 518

وأما كون بدو الصلاح في سائر الثمار أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نَهى عن بيع الثمرِ حتى يَطيب» 310 متفق عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 519

فصل [فيمن باع عبدا وله مال] قال المصنف رحمه الله: (ومن باع عبداً له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، فإن كان قصده المال اشترط علمه وسائر شروط المبيع، وإن لم يكن قصده المال لم يشترط، وإن كانت عليه ثياب فقال أحمد: ما كان للجمال فهو للبائع وما كان للبس المعتاد فهو للمشتري).
أما كون مال العبد المبيع لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من باع عبداً له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» 311 رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة.
وأما كون العلم بالمال وسائر شروط المبيع يشترط إذا كان قصد المشتري المال؛ فلأنه مبيع مقصود أشبه ما لو ضم إلى العبد عبداً آخر.
وأما كون ذلك لا يشترط إذا لم يكن قصد المشتري المال؛ فلأن المال داخل تبعاً فلم يشترط ذلك كأساسات الحيطان.

الجزء: 2 - الصفحة: 520

وأما كون ثياب العادة للمشتري دون ثياب الجمال؛ فلأن ثياب العادة يتعلق بها مصلحة العبد وحاجته إذ لا غنى له عنها فجرى مجرى مفاتيح الدار بخلاف ثياب الجمال فإنها زائدة على العادة ولم تجر العادة بالمسامحة فيها فجرى مجرى الستور في الدار.

الجزء: 2 - الصفحة: 521

باب السلم

السلم جائز بالكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: 282]. روي عن ابن عباس أنه قال: «أشهد أن السلف المضمون إلى أجلٍ مسمى قد أحلهُ اللهُ في كتابهِ وأذنَ فيه ثم قرأ هذه الآية» 312. وأما السنة فما روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه قدمَ المدينةَ وهم يُسْلِفُونَ في الثمارِ السنتينِ والثلاث.
فقال: من أسلفَ فليسلف في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلوم» 313. وعن عبدالله بن أبي أوفى وعبدالرحمن بن أبزى أنهما قالا: «كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب.
فقيل: أكان لهم زرع أم لم يكن؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك» 314 رواه البخاري.
وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلف جائز.
وأما المعنى؛ فلأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن.
ولأن بالناس حاجة إليه لأن أرباب الزرع والثمار يحتاجون إلى النفقة عليها لتكمل فجوز لهم السلم ليرتفقوا أو يرتفق المسلم بالمسلم بالاسترخاص.

الجزء: 2 - الصفحة: 522

قال المصنف رحمه الله: (وهو: نوع من البيع يصح بألفاظه وبلفظ السَّلَم والسَّلَف).
أما كون السلم نوعاً من البيع؛ فلأنه بيع إلى أجل فيدخل في البيع لأنه يشمله وغيره.
وأما كونه يصح بألفاظ البيع؛ فلأنه بيع حقيقة.
وأما كونه يصح بلفظ السلم والسلف؛ فلأنهما موضوعان للبيع الذي عجل ثمنه وأجل مثمنه.
قال: (ولا يصح إلا بشروط سبعة: أحدها: أن يكون فيما يمكن ضبط صفاته كالمكيل والموزون والمذروع، فأما المعدود والمختلف كالحيوان والفواكه والبقول والجلود والرؤوس ونحوها ففيه روايتان).
أما كون السلم لا يصح إلا بشروط سبعة فلما يأتي ذكره في مواضعها.
وأما كون أحدها: أن يكون السلم فيما يمكن ضبط صفاته؛ فلأن ما لا يمكن ضبط صفاته يختلف اختلافاً كثيراً وذلك وسيلة إلى المنازعة والمشاقة المطلوب عدمها.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالمكيل والموزون والمذروع فإشارة إلى أن ذلك كله مما يمكن ضبط صفاته والمكيل كالحنطة والشعير والزبيب وما أشبه ذلك والموزون كالحديد والرصاص والنحاس وما أشبه ذلك، والمذروع كالثياب وما أشبه ذلك.
وأما كون السلم في المكيل والموزون مما ذكر وشبهه يصح؛ فلأن بعضه منصوص عليه والباقي في معناه فيقاس عليه.
ولأن ما ذكر ضبطه ممكن فلم يؤد إلى المنازعة المانعة من الصحة.
وأما كون المعدود المختلف كالحيوان وبقية ما ذكره المصنف رحمه الله يصح السلم فيه في روايةٍ: أما في الحيوان؛ فلأن أبا رافع قال: «استسلف النبي صلى الله عليه وسلم من رجل بَكْراً» 315 رواه مسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 523

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى مجيء المصدق» 316. ولأن ذلك يثبت في الذمة صداقاً فيثبت في السلم كالثياب.
وأما في بقية ما ذكر؛ فلأنه يساوي الحيوان معنى فوجب أن يساويه حكماً.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ: أما في الحيوان فلما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «إن من الربا أبواباً لا تخفى، وإن منها السَّلَم في السن» 317. وأما في بقية ما ذكر فلما ذكر قبل.
وظاهر المذهب أن السلم في ذلك يصح قاله المصنف في المغني.
قال: (وفي الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط؛ كالقماقم والأسطال الضيقة الرؤوس، وما يجمع أخلاطاً متميزة؛ كالثياب المنسوجة من نوعين وجهان).
أما كون السلم في المختلفة الرؤوس كما ذكر لا يصح في وجهٍ؛ فلأن الصفة 318 لا تأتي على ذلك.
وأما كونه يصح في وجهٍ؛ فلأن التفاوت في ذلك يسير.
وأما كون ما يجمع أخلاطاً متميزة كالثوب المنسوج من قطن وكتان أو إبريسم يصح السلم فيه في وجهٍ؛ فلأن ضبطه ممكن.
وأما كونه لا يصح في وجهٍ؛ فلأنه يجمع أخلاطاً أشبه الغالية.
والأول أصح.
قاله المصنف في الكافي.
ودليله ما تقدم.
والفرق بين ما ذكر وبين الغالية أن ما ذكر يجمع أخلاطاً متميزة بخلاف الغالية.

الجزء: 2 - الصفحة: 524

قال: (ولا يصح فيما لا ينضبط كالجواهر كلها، والحوامل من الحيوان، والمغشوش من الأثمان، وغيرها، وما يجمع أخلاطاً غير متميزة؛ كالغالية والند والمعاجين).
أما كون السلم في الجواهر كاللؤلؤ والزبرجد والياقوت والعقيق ونحوها لا يصح؛ فلأنها تختلف اختلافاً متبايناً بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة ضوئها.
وأما كونه في الحوامل من الحيوان لا يصح؛ فلأن الولد مجهول.
وحكى المصنف في الكافي وجهاً في صحة السلم فيها؛ لأن الحمل لا حكم له مع الأم بدليل البيع.
وأما كونه في المغشوش من الأثمان لا يصح؛ فلأن غشه يمنع العلم بالقدر المقصود منه فلا يصح السلم فيه لأن فيه غرراً.
وقول المصنف رحمه الله: وغيرها مراده المغشوش من غير الأثمان كاللبن المشوب بالماء والحنطة المخلوطة بالزوان وما أشبههما.
ودليل ذلك ما مر في مغشوش الأثمان.
وأما كونه فيما يجمع أخلاطاً غير متميزة كالغالية والند والمعاجين لا يصح؛ فلأن الصفة لا تأتي على ذلك فلم يصح السلم فيه لعدم ضبطه.
قال المصنف في الكافي: وفي معناه القسي المشتملة على الخشب والقرن والقصب والغزل والتوز.
قال: (ويصح فيما يترك فيه شيء غير مقصود لمصلحته كالجبن والعجين وخل التمر والسكنجبين ونحوها).
أما كون السلم يصح فيما ذكر فلعدم كون المتروك فيه مقصوداً.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالجبن إلى آخره فتمثيل لصور لم يقصد فيها ما ذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 525

فصل [الشرط الثاني] قال المصنف رحمه الله: (الشرط الثاني: أن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهراً؛ فيذكر جنسه ونوعه وقدره وبلده وحداثته وجودته وردائته.
وما لا يختلف به الثمن لا يحتاج إلى ذكره).
أما كون ثاني الشروط 319 المتقدم ذكرها أن يصف المسلم فيه بما يختلف به الثمن ظاهراً؛ فلأن المسلم عوض يثبت في الذمة فلا بد من كونه معلوماً بالوصف كالثمن.
ولأن العلم شرط في البيع وطريقه إما الرؤية أو الصفة، والرؤية ممتنعة في المسلم فيه فيتعين الوصف.
وأما قول المصنف رحمه الله: فيذكر جنسه إلى آخره فتنبيه على الصفات التي يختلف بها الثمن وذكر الجنس والنوع والجود والرداءة مجمع عليه، والبواقي مقاسة عليها لأن ذلك مما يختلف الثمن لأجله فوجب ذكره كالمتفق عليه.
وقد يسقط بعض ذكر الأوصاف للعلم به أو لقيام غيره مقامه.
وقد يشترط ذكر شيء آخر وسيبين مفصلاً إن شاء الله تعالى.
فعلى هذا يصف التمر بالنوع فيقول: برني أو معقلي، وبالجودة أو بالرداءة فيقول: جيد أو رديء، وبالقد فيقول: كبار الحب أو صغاره وهو المراد بقول المصنف رحمه الله: وقدره لأن القدر بالكيل أو الوزن سيأتي بعد، وبالبلد فيقول: بغدادي أو بصري لأن البغدادي أحلى وأقل بقاء لعذوبة الماء والبصري بخلاف ذلك، وبالحداثة أو القدم فيقول: حديث أو قديم ويصف الرطب بما ذكر إلا الحداثة والقدم.

الجزء: 2 - الصفحة: 526

ويصف الحنطة بالنوع فيقول: سبيلة أو سلموني، وبالجودة أو الرداءة فيقول: جيد أو رديء، وبالبلد فيقول: حوراني أو بلقاوي، وبالقد فيقول: صغار أو كبار، وبالحداثة أو القدم فيقول: حديث أو قديم.
ويصف العسل بالبلد فيقول: فيجي أو نحوه.
ويجزئ ذلك عن ذكر النوع، وبالزمان فيقول: خريفي أو ربيعي أو صيفي، وباللون فيقول: أبيض أو أحمر.
ويصف الحيوان بالذكورة أو الأنوثة وبالسن فيقول: عمره كذا سنة أو غير بالغ أو مميز.
وإن كان رقيقاً فيذكر النوع كتركي أو رومي أو زنجي.
ولا يحتاج في الجارية إلى ذكر البكارة ولا الثيوبة ولا الجعودة والسبوطة.
ويصف الإبل بالنتاج فيقول: من نتاج بني فلان مكان النوع، وبالسن فيقول: بنت مخاض أو ابنة لبون، وباللون فيقول: أحمر أو أورق، وبالذكورية أو الأنوثية 320 فيقول: ذكر أو أنثى وأوصاف الخيل كالإبل والبغال والحمير لا يقصد نتاجها فيقول مكان ذلك نسبتها إلى بلدها؛ كرومي في البغال، ومصري في الحمير.
والبقر والغنم إن عرف لها نتاج فهي كالإبل، وإلا فهي كالحمير.
ويصف اللحم بالسن والذكورة أو الأنوثة وبالسمن أو الهزال وبالرعي أو العلف والنوع وموضع اللحم من الحيوان ويزيد في الذكر فحلاً أو خصياً.
وفي الصيد لا يحتاج إلى ذكر العلف والخصاء ولكن يذكر الآلة التي يصاد بها من جارحة أو أحبولة.
وفي الجارحة يذكر صيد كلب أو فهد أو صقر لأن ذلك يختلف.
قال المصنف في المغني: الذي أراه أنه لا يحتاج إلى ذلك لأن التفاوت فيه يسير.
ويلزم قبول اللحم بعظامه لأنه يُقطع كذلك فهو كالنوى في التمر.
ولا يحتاج في لحم الطير إلى ذكر الذكورة والأنوثة إلا أن يختلف بذلك، ولا إلى ذكر موضع اللحم إلا أن يكون كبيراً يأخذ منه بعضه.
ولا يلزمه قبول الرأس والساقين لأنه لا لحم على ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 527

ويصف السمك بذكر النوع كدجلي أو أجامي، والكبر والصغر، والسمن أو الهزال، والطري أو الملح ولا يقبل الرأس والذنب ويلزمه ما بينهما.
وإن كان كبيراً يؤخذ بعضه ذكر موضع اللحم.
ويوصف السَّمْن بالنوع فيقول: سَمْن ضأن أو معز أو بقر، وباللون فيقول: أبيض أو أصفر.
قال القاضي: ويذكر المرعى.
ولا يحتاج إلى ذكر حديث أو عتيق لأن إطلاقه يقتضي الحديث.
ولا يصح السلم في عتيقه لأنه عيب ولا ينتهي إلى حد ينضبط به.
ويصف الزبد بأوصاف السمن ويزيد زبد يومه أو أمسه.
ويصف اللبن بالنوع والمرعى.
ولا يحتاج إلى اللون ولا حلب يومه لأن إطلاقه يقتضي ذلك.
ويصف اللبأ بصفات اللبن.
ويصف الثياب بالنوع فيقول: كتان أو قطن، وبالبلد فيقول: بغدادي أو مصري، وبالطول أو العرض، وبالغلظ أو الدقة، وبالنعومة أو الخشونة.
ويصف الغزل بذلك ويجعل مكان الطول أو العرض اللون فيقول: أبيض أو أصفر.
ويصف الإبريسم بالبلد واللون والغلظ أو الدقة.
ويصف الصوف بالبلد واللون والطول أو القصر والذكورة أو الأنوثة والزمان خريفي أو ربيعي؛ فلأن صوف الخريف أنظف وصوف الإناث أنعم والشعر والوبر كالصوف.
ويصف الرصاص والنحاس والحديد بالنوع فيقول في الرصاص: قلعي أو أسرب وبالنعومة أو الخشونة وباللون إن اختلف.
ويزيد 321 في الحديد ذكراً أو أنثى لأن الذكر أحد وأمضى.

الجزء: 2 - الصفحة: 528

واستقصاء ما يُسلم فيه مما لم يذكر مذكور في الكتب الكبار فعلى الطالب تطلبه في مظانه.
قال: (فإن شرط الأجود لم يصح، وإن شرط الأردأ فعلى وجهين).
أما كون شرط الأجود لا يصح؛ فلأن ما من جيد إلا ويحتمل أن يوجد أجود منه فلا ينحصر.
وأما كون شرط الأردأ لا يصح على وجهٍ؛ فلأنه لا ينحصر.
وأما كونه يصح على وجهٍ؛ فلأن ما يدفعه إليه إن كان الأردأ فهو المسلم فيه، وإن لم يكن فهو خير منه فيلزم المسلم قبوله بخلاف الأجود.
قال: (وإذا جاءه بدون ما وصف أو نوع آخر فله أخذه ولا يلزمه، وإن جاءه بجنس آخر لم يجز له أخذه، وإن جاءه بأجود منه من نوعه لزمه قبوله).
أما كون المسلِم له أخذ دون ما وصف مع اتحاد النوع؛ فلأن الحق له فإذا رضي بإسقاط حقه من الجودة كان له ذلك.
وأما كونه له أخذ نوع عن نوع آخر مع اتحاد الجنس؛ فلأن اتحادهما في الجنس يجعلهما كالشيء الواحد ولذلك حرم التفاضل بينهما.
وأما كونه لا يلزمه الأخذ؛ فلأن الإنسان لا يجبر على إسقاط حقه.
وأما كونه لا يجوز له أخذ جنس عن آخر؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» 322 رواه أبو داود.
وأما كونه يلزمه قبول الأجود مع اتحاد النوع؛ فلأنه أتاه بما تناوله العقد وزاده خيراً.

الجزء: 2 - الصفحة: 529

قال: (فإن قال: خذه وزدني درهماً لم يجز.
وإن جاءه بزيادة في القدر 323 فقال ذلك: صح).
أما كون المسلم إليه إذا قال: خذه وزدني درهماً لا يجوز؛ فلأنه أفرد صفة الجودة بالبيع وذلك غير جائز.

ولأن بيع المسلم فيه قبل قبضه غير جائز فبيع صفته أولى.
وأما كونه إذا جاءه بزيادة في القدر فقال ذلك: يصح؛ فلأن الزيادة هنا يجوز إفرادها بالعقد.

الجزء: 2 - الصفحة: 530

فصل [الشرط الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يذكر قدره بالكيل في المكيل والوزن في الموزون والذرع في المذروع.
فإن أسلم في المكيل وزناً وفي الموزون كيلاً لم يصح).
أما كون ثالث الشروط 324 المتقدم ذكرها: أن يذكر قدر المسلم فيه بالكيل في المكيل والوزن في الموزون؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم» 325. وأما كون ذكر الذرع في المذروع كذكر الكيل في المكيل والوزن في الموزون؛ فلأنه في معناهما.
ولأن ذلك عوض غير مشاهد يثبت في الذمة فاشترط معرفة قدره كالثمن.
وأما كون السلم في المكيل وزناً وفي الموزون كيلاً لا يصح؛ فلأنه مبيع يشترط معرفة قدره فلم يصح بيعه بغير ما هو مقدر به في الأصل كبيع الربويات بعضها ببعض.
ولأنه قدَّر المسلم فيه بغير ما هو مقدر به في الأصل فلم يصح كما لو أسلم في المذروع وزناً.
قال: (ولا بد أن يكون المكيال معلوماً، فإن شرط مكيلاً لا بعينه أو صنجة بعينها غير معلومة لم يصح).
أما كون المكيال لا بد وأن يكون معلوماً؛ فلأنه إذا كان مجهولاً تعذر الاستيفاء به وذلك مخل بالحكمة التي اشترط معرفة الكيل من أجلها.
وأما كون شرط مكيال بعينه أو صنجة بعينها لا يصح؛ فلأن ذلك قد يهلك فيتعذر معرفة المسلم فيه وذلك منفي لما تقدم ذكره.

الجزء: 2 - الصفحة: 531

قال: (وفي المعدود المختلف غير الحيوان روايتان: إحداهما يسلم فيه عدداً، والأخرى وزناً.
وقيل: يسلم في الجوز والبيض عدداً وفي الفواكه والبقول وزناً).
أما كون المعدود المختلف غير الحيوان يسلم فيه عدداً في روايةٍ؛ فلأنه يُقَدَّر بذلك عند العامة.
وأما كونه يسلم فيه وزناً في روايةٍ؛ فلأنه يتباين والوزن يضبطه.
وأما كونه يسلم في المعدود المتقارب كالجوز والبيض عدداً، وفي المتفاوت كالفواكه والبقول وزناً على قولٍ؛ فلأن التفاوت في المتقارب يسير ولهذا لا تكاد القيمة تتفاوت بين البيضتين والجوزتين بخلاف التفاوت في المتفاوت.
وأما تقييد المصنف رحمه الله المعدود المختلف بكونه غير حيوان؛ فلأن السلم في الحيوان لا يكون إلا عدداً فلا يجري فيه الخلاف المذكور.

الجزء: 2 - الصفحة: 532

فصل [الشرط الرابع] قال المصنف رحمه الله: (الرابع: أن يشترط أجلاً معلوماً له وقع في الثمن كالشهر ونحوه، فإن أسلم حالاً أو إلى أجل قريب كاليوم ونحوه لم يصح إلا أن يسلم في شيء يأخذ منه كل يوم أجزاء معلومة فيصح).
أما كون رابع الشروط 326 المتقدم ذكرها أن يشترط أجلاً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» 327. أمر بالأجل والأمر للوجوب.
ولأنه أَمَرَ بهذه الأمور تبييناً لشروط السلم ومنعاً 328 منه بدونها ولذلك لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن.
ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق ولا يحصل ذلك إلا بالأجل فكان من شروطه كالكتابة.
ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه: أما الإسم فإنه يسمى سلماً وسلفاً لتعجّل أحد العوضين وتأخير الآخر، وأما المعنى فظاهر.
وأما كون الأجل معلوماً فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾ [البقرة: 282]، وقوله عليه السلام: «إلى أجل معلوم» 329. وأما كون الأجل له وقع في الثمن كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن الأجل إنما اعتبر تحقيقاً للرفق ولا يحصل ذلك بما لا وقع له في الثمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 533

فعلى هذا لا يصح في الحال ولا إلى أجل غير معلوم ولا إلى أجل لا وقع له في الثمن لفوات شرط الصحة.
وأما قول المصنف رحمه الله: إلا أن يسلم في شيء يأخذ منه كل يوم أجزاء فاستثناء لهذه الصورة مما تقدم ذكره لأن السلم في ذلك جائز وإن فات في بعضه الأجل المشترط في غيره لأن العرف جارٍ بذلك والحاجة داعية إلى جوازه.
وظاهر كلامه تعميم الجواز في كل شيء يؤخذ أجزاء معلومة.
وقال أبو الخطاب: فإن أسلم في لحم أو خبز يأخذ منه كل يوم أرطالاً معلومة جاز نص عليه.
وظاهره الاختصاص بهما دون غيرهما.
والعلة المتقدمة تدل عليه إذ العرف والحاجة يدلان على الصحة فيهما دون غيرهما.
قال: (وإن أسلم في جنس إلى أجلين، أو في جنسين إلى أجل صح).
أما كون السلم في جنس إلى أجلين يصح؛ فلأن كل بيع صح إلى أجل صح إلى أجلين وآجال كبيوع الأعيان.
وأما كون السلم في جنسين كالحنطة والشعير والتمر والزبيب إلى أجل يصح؛ فلأن جمعهما في عقد واحد حال صحيح.
فكذلك السلم.
قال: (ولا بد أن يكون الأجل مقدراً بزمن معلوم.
فإن أسلم إلى الحصاد أو الجذاذ أو شرط الخيار إليه فعلى روايتين).
أما كون الأجل لا بد أن يكون مقدراً بزمن معلوم فلما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فليسلف إلى أجل معلوم» 330. وأما كون السلم إلى الحصاد أو الجذاذ لا يصح على روايةٍ فلما روى ابن عباس أنه قال: «لا تبتاعوا إلى الحصاد والدياس».
ولأن ذلك يختلف ويَقْرُب ويبعد فلا يصلح أن يكون أجلاً كقدوم زيد.
وأما كونه يصح على روايةٍ فـ «لأن ابن عمر كان يبتاع إلى العطاء».
ولأن الاختلاف في ذلك يسير أشبه غير المختلف فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 534

وأما كونه إذا شرط الخيار إلى الحصاد أو الجذاذ فيه الخلاف المتقدم فلما مر.
قال: (وإذا جاءه بالسلم قبل مَحِلِّه ولا ضرر في قبضه لزمه قبضه، وإلا فلا).
أما كون المسلِم يلزمه قبض ما لا ضرر في قبضه كالحديد والرصاص والنحاس والزيت والعسل وسائر ما لا يختلف قديمه وحديثه إذا جاء به قبل محله؛ فلأن غرضه حاصل وزيادة تعجيل المنفعة فجرى مجرى زيادة الصفة.
وأما كونه لا يلزمه قبض ما في قبضه ضرر إما لكونه مما يتغير كالفاكهة والأطعمة كلها، وإما لكون قديمه دون حديثه كالحبوب ونحوها؛ فلأن له غرضاً في تأخيره بأن يحتاج إلى أكله أو إطعامه في ذلك الوقت.
وكذا الحيوان لا يلزم قبضه قبل محله لأنه لا يأمن تلفه ويحتاج إلى نفقة وكذا ما يحتاج في حفظه إلى مؤونة كالقطن ونحوه.
وكذا لو كان الوقت مخوفاً يخشى تلف ما يقبضه لأن عليه ضرراً في قبضه ولم يأت محل استحقاقه فجرى مجرى نقصان الصفة فيه.
وفي قول المصنف رحمه الله: قبل مَحِلِّه إشعار بأنه إذا جاء بالمسلَم فيه في محله لزمه قبضه سواء كان في قبضه ضرر أو لم يكن لأنه أتاه بحقه في محله فلزمه قبضه كالمبيع المعين.
فإن امتنع من قبضه قيل له إما أن تقبض أو تبرئ.
فإن امتنع من أحدهما قبضه الحاكم وبرئت ذمة الدافع لأن الحاكم يقوم مقام الممتنع بولايته إلا أنه لا يملك الإبراء لما فيه من الضرر.

الجزء: 2 - الصفحة: 535

فصل [الشرط الخامس] قال المصنف رحمه الله: (الخامس: أن يكون المسلَمُ فيه عامَّ الوجود في محله.
فإن كان لا يوجد فيه أو لا يوجد إلا نادراً كالسلم في العنب والرطب إلى غير وقته لم يصح.
وإن أسلم في ثمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة لم يصح).
أما كون خامس الشروط 331 المتقدم ذكرها أن المسلَم فيه عامُّ الوجود في محله؛ فلأنه إذا لم يكن كذلك لم يمكن تسليمه فلم يصح كبيع الآبق، وبل أولى لأن السلم احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة فلا يحتمل فيه غرر آخر لئلا يكثر الغرر فيه.
وأما كون السلم فيما لا يوجد في محله أو لا يوجد إلا نادراً كالسلم في العنب والرطب إلى غير وقته لا يصح؛ فلأن شرطه أن يكون عام الوجود فيه لما تقدم وذلك مقصود فيما ذكر فلم يصح لانتفاء شرطه.
وأما 332 كون السلم في ثمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة لا يصح؛ فلأنه لا يؤمن تلفه وانقطاعه أشبه ما لو أسلم في شيء قدره بمكيال بعينه أو صنجة بعينها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه أسلف إليه يهودي في تمر فقال: من تمر حائط بني فلان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما من حائط بني فلان فلا ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى» 333 رواه الجوزجاني.

الجزء: 2 - الصفحة: 536

قال: (وإن أسلم إلى محل يوجد فيه عاماً فانقطع خُيِّر بين الصبر وبين الفسخ والرجوع برأس ماله أو عوضه إن كان معدوماً في أحد الوجهين، وفي الآخر ينفسخ بنفس التعذر).
أما كون المسلم يخير فيما ذكر بين الصبر إلى أن يوجد وبين الفسخ في وجهٍ؛ فلأن المسلم إليه صار بانقطاع المسلم فيه عاجزاً عن دفعه وذلك يوجب الخيرة المذكورة.
دليله ما لو ظهر المشتري معسراً.
وأما كون السلم ينفسخ بنفس التعذر في وجهٍ؛ فلأن المسلم فيه يجب أن يكون من ثمرة العام بدليل أنه يجب التسليم منها فإذا هلكت انفسخ العقد كما لو باع قفيزاً من صبرة فهلكت.
والصحيح الأول لأن العقد صح وإنما تعذر التسليم أشبه ما لو اشترى عبداً فأبق قبل القبض.
ولأنهما لو تراضيا على دفع المسلم فيه من غير ثمرة ذلك العام جاز وإنما أجبر على دفع ثمرة العام؛ لأنها على صفة ما وقع عليه العقد.
فعلى هذا إذا انفسخ العقد أو فسخه هو يرجع برأس ماله إن كان باقياً أو بمثله إن كان تالفاً وكان مثلياً وبقيمته إن لم يكن مثلياً لأن العقد إذا زال وجب رد الثمن فإن كان باقياً استحق عينه لأنه عين حقه وإن كان تالفاً وكان مثلياً استحق مثله كما لو أتلف مثلياً لآدمي وإن لم يكن مثلياً استحق قيمته كالمتلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 537

فصل [الشرط السادس] قال المصنف رحمه الله: (السادس: أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد.
وهل يشترط كونه معلوم الصفة والقدر كالمسلم فيه؟ على وجهين).
أما كون سادس الشروط 334 المتقدم ذكرها أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد؛ فلأنه عقد معاوضة لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق فلا يجوز التفرق فيه قبل القبض كالصرف.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه يشترط قبض جميع الثمن.
وصرح به الخرقي لأن ما اشترط قبضه في المجلس اشترط قبض كله كالصرف.
وأما كونه يشترط أن يكون معلوم الصفة والقدر على وجهٍ؛ فلأنه لا يمكن إتمامه في الحال ولا تسليم المعقود عليه ولا يؤمن من انفساخه فوجب معرفة رأس مال السلم صفة وقدراً كالقرض والشركة.
ولأنه لا يؤمن أن يظهر بعض الثمن مستحقاً فينفسخ العقد في قدره فلا يدري كما بقي وكم انفسخ.
فإن قيل: هذا موهوم والموهومات لا تعتبر؟ قيل: التوهم معتبر هاهنا لأن الأصل عدم الجواز وإنما جوز إذا أمن من الغرر ولم يؤمن هاهنا.
وأما كونه لا يشترط على وجهٍ؛ فلأنه عوض مشاهد فلم يحتج إلى معرفة ما ذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 538

قال: (وإن أسلم ثمناً واحداً في جنسين لم يجز حتى يبين ثمن كل جنس).
أما كون ما ذكر لا يجوز مع عدم بيان ثمن كل جنس؛ فلأن ما يقابل كل واحد من الجنسين مجهول فلم يجز كما لو عقد عليه مفرداً بثمن مجهول.
ولأن فيه غرراً لأنه لا يؤمن الفسخ بتعذر أحدهما فلا يعرف ما يرجع به وهذا غرر يؤثر مثله في السلم.
وأما كونه يجوز مع البيان؛ فلأن المقتضي للمنع ما ذكر من الجهالة والغرر وكلاهما منتف فيما ذكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 539

فصل [الشرط السابع] قال المصنف رحمه الله: (السابع: أن يسلم في الذمة، فإن أسلم في عين لم يصح.
ولا يشترط ذكر مكان الإيفاء إلا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء فيه كالبرية فيشترط ذكره ويكون الوفاء في مكان العقد، فإن شرط الوفاء فيه كان تأكيداً وإن شرطه في غيره صح.
وعنه: لا يصح).
أما كون سابع الشروط 335 المتقدم ذكرها أن يسلم في الذمة؛ فلأن العين لا يؤمن تلفها فيتعذر تسليمها عند انقضاء الأجل.
ولأنه إذا لم يجز السلم في ثمرة بستان بعينه؛ فلأن لا يجوز في عين بطريق الأولى.
وأما كون السلم في عين لا يصح؛ فلأن شرطه أن يكون في الذمة لما تقدم وذلك مفقود في العين.
وأما كون ذكر مكان الإيفاء إذا كان موضع العقد مما يمكن الوفاء فيه كمدينة وقرية ونحوهما لا يشترط؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار فقال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» 336 ولم يذكر مكان الإيفاء.
ولأنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه ذكر مكان الإيفاء كبيوع الأعيان.
وأما كون ذكر مكان الوفاء إذا كان موضع العقد لا يمكن الوفاء فيه كالبرية ونحوها يشترط؛ فلأن الوفاء في موضع العقد متعذر وليس البعض أولى من البعض فوجب تعيينه بالقول كالمكيل والموزون.

الجزء: 2 - الصفحة: 540

وأما كون الوفاء في مكان العقد في موضع لا يشترط ذكره؛ فلأنه عقد معاوضة أشبه البيع.
وأما كون شرط الوفاء في مكان العقد تأكيداً؛ فلأنه شرط ما هو مقتضى العقد فيكون مؤكداً له لأن ذلك يزيل اللبس.
وأما كونه إذا شرطه في مكان غيره يصح على المذهب فقياس على بيوع الأعيان ومكان العقد.
وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأنه شرط خلاف مقتضى العقد لأن العقد يقتضي إيفاءه في مكانه فلم يصح كما لو شرط أن لا يسلمه.
قال: (ولا يصح بيع المسلَم فيه قبل قبضه، ولا هبته، ولا أخذ غيره مكانه، ولا الحوالة به).
أما كون بيع ما ذكر لا يصح فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه» 337. و «عن ربح ما لم يضمن» 338. ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه فلم يصح بيعه قبل قبضه كالطعام قبل قبضه.
ويدخل في قول المصنف رحمه الله: ولا يصح بيع المسلَم فيه الشركة فيه والتولية فيه لأنهما بيع في الحقيقة لأن الشركة بيع لبعضه بقسطه من الثمن والتولية بيع لجميعه بجميع الثمن.
وأما كون هبته لا تصح؛ فلأنها نقل للملك قبل قبضه فلم يصح كالبيع.
وأما كون أخذ غيره مكانه لا يصح؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» 339. رواه ابن ماجة.
ولأن أخذ العوض عن المسلم فيه بيع له فلم يصح كبيعه من غيره.
وأما كون الحوالة لا تصح؛ فلأن الحوالة إنما تصح على دين مستقر والسلم بعرضية الفسخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 541

ولأنه نقل للملك في المسلم فيه على غير وجه الفسخ فلم يصح كالبيع.
قال المصنف رحمه الله في المغني: ومعنى الحوالة به: أن يكون لرجل طعام من سلم وعليه مثل ذلك الطعام من قرض أو سلم آخر فيحيل بما عليه من الطعام على الذي له عنده السلم.
وإن أحال المسلم إليه المسلم بالذي عليه لم يصح أيضاً 340. قال: (ويجوز بيع الدين المستقر لمن هو في ذمته بشرط أن يقبض عوضه في المجلس، ولا يجوز لغيره).
أما كون بيع الدين المستقر لمن هو في ذمته يجوز؛ فلأن ابن عمر قال: «كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وهذه من هذه فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة.
فقلت: رويدك أسألك.
إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وليس بينكما شيء» 341 رواه أبو داود والترمذي.
وأما قول المصنف رحمه الله: بشرط أن يقبض عوضه في المجلس فتنبيه على اشتراط قبض العوض في المجلس.
والأصل فيه ما تقدم من الحديث.
ولأنه إذا لم يقبض صار بيع دين بدين وذلك لا يجوز لما تقدم.

الجزء: 2 - الصفحة: 542

وفي قوله: المستقر إشعار بأنه لا يجوز بيع غير المستقر لمن هو في ذمته كالسلم ونحوه وقد صرح به في المغني.
ودليله ما مر من قوله عليه السلام: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» 342. وأما كون بيعه لغير من هو في ذمته لا يجوز؛ فلأنه غير قادر على تسليمه أشبه بيع الآبق.
قال: (وتجوز الإقالة في السلم، وتجوز في بعضه في إحدى الروايتين إذا قبض رأس مال السلم أو عوضه في مجلس الإقالة، وإن انفسخ العقد بإقالة أو غيرها لم يجز أن يأخذ عن الثمن عوضاً من غير جنسه).
أما كون الإقالة في السلم تجوز؛ فلأنها فسخ على الصحيح ورفع للعقد من أصله.
وأما كونها تجوز في البعض في روايةٍ؛ فلأن الإقالة مندوب إليها.
وكل مندوب إليه جاز في الجميع جاز في البعض كالإبراء.
وأما كونها لا تجوز فيه في روايةٍ؛ فلأن السلَم يقل فيه الثمن من أجل التأجيل فإذا فسخ في البعض بقي البعض بالباقي من الثمن وبمنفعة الجزء الذي فسخ فيه فلم يجز كما لو شرطه في ابتداء العقد.
وقول المصنف رحمه الله: إذا قبض رأس مال السلم أو عوضه في مجلس الإقالة مشعر بأنه لا تجوز الإقالة في البعض إذا لم يوجد قبض أحد الأمرين وهو صحيح صرح به أصحابنا.
ووجهه: أنه إذا لم يقبض أحد الأمرين يصير ذلك القدر ديناً على المسلم إليه وعليه بقدر السلم فيصير ذلك بمعنى البيع والسلف وهو منهي عنه.
وأما أخذ العوض عن ثمن ما انفسخ بإقالة أو غيرها من غير جنسه لا يجوز فلما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» 343. ولأن ما ذكر رأس مال السلم فلم يجز أخذ العوض عنه كالمسلم فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 543

وقول المصنف رحمه الله: من غير جنسه فيه إشعار بأنه يجوز له الأخذ من جنسه لأنه إذا جاز له أخذ النوع عن النوع في السلم بشرط اتحاد الجنس؛ فلأن يجوز أخذ النوع عن نوع آخر برأس مال السلم بطريق الأولى.
قال: (وإن كان لرجل سَلَم وعليه سَلَم من جنسه فقال لغريمه: اقبض سلمي لنفسك ففعل لم يصح قبضه لنفسه، وهل يقع قبضه للآمر؟ على وجهين.
وإن قال: اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك صح.
وإن قال: أنا أقبضه لنفسي وخذه بالكيل الذي تشاهده فهل يجوز؟ على روايتين.
وإن اكتاله ثم تركه في المكيال وسلمه إلى غريمه فقبضه صح القبض لهما).
أما كون المسلِم لا يصح قبضه لنفسه فيما إذا قال له المسلم إليه: اقبض سلمي لنفسك؛ فلأنه لا يجوز قبضه لنفسه قبل قبض مالكه له.
وأما كون القبض يقع للآمر على وجهٍ؛ فلأنه أذن له في القبض أشبه قبض وكيله.
وأما كونه لا يقع له على وجهٍ؛ فلأنه لم يجعله نائباً عنه في القبض فلا يقع له بخلاف الوكيل.
فعلى الأول يكون ملكاً للمسلم إليه لأنه إنما يزول ملكه عنه بقبض المسلم أو نائبه ولم يوجد.
وأما كون قبض المسلِم لنفسه يصح فيما إذا قال: اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك؛ فلأنه وكله في قبضه فإذا قبضه لموكله وجب أن يصح لوجود الإذن وعدم المفسد وإذا صح أن يقبضه لموكله صح أن يقبضه لنفسه بعد ذلك كما لو كان له وديعة عند من له عليه دين فقال المدين له: اقبض حقك مما لي عندك.
وأما كونه إذا قال: أنا أقبضه لنفسي وخذه بالكيل الذي تشاهده يجوز على روايةٍ؛ فلأنه قد شاهد كيله وعلمه فلا معنى لاعتبار كيله مرة ثانية.
وأما كونه لا يجوز على روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان» 344. وهذا داخل فيه.
ولأنه قبضه بغير كيل أشبه ما لو قبضه جزافاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 544

وأما كون القبض يصح لكل واحد من المدين ورب المال إذا اكتاله ثم تركه في المكيال وسلمه إلى غريمه فقبضه؛ فلأن الأول قد اكتاله حقيقة والثاني حصل له استمرار الكيل واستمرار الكيل كيل كما أن استدامة اللبس والركوب لبس وركوب.
قال: (وإن قبض المسلم فيه جزافاً فالقول قوله في قدره، وإن قبضه كيلاً أو وزناً ثم ادعى غلطاً لم يقبل قوله في أحد الوجهين).
أما كون القول قول القابض في قدر المسلم فيه المقبوض جزافاً؛ فلأنه منكر، والقول قول المنكر.
وأما كونه لا يقبل قوله إذا قبضه كيلاً أو وزناً ثم ادعى غلطاً في وجهٍ؛ فلأنه ادعى خلاف الظاهر فلم يقبل قوله.
وأما كونه يقبل في وجهٍ؛ فلأن الأصل أنه لم يقبض غير ما ثبت بإقراره.
قال: (وهل يجوز الرهن والكفيل بالمسلم فيه؟ على روايتين).
أما كون الرهن بالمسلم 345 فيه يجوز على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه -إلى قوله-: فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 282]. وجه الحجة منه: أن ابن عباس وابن عمر قالا: المراد به السَّلَم.
ولأن اللفظ عام فيدخل فيه السلم.
ولأنه أحد نوعي البيع فجاز أخذ الرهن بما في الذمة منه كبيوع الأعيان؟ وأما كونه لا يجوز على روايةٍ؛ فلأن الرهن إن أُخذ برأس مال السلم فهو آخذ للرهن بما ليس بواجب ولا مآله إلى الوجوب، وإن أُخذ بالمسلم فيه فالرهن إنما يجوز بشيء يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن والمسلم فيه لا يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن.
ولأنه لا يؤمن هلاك الرهن في يده بعدوان فيصير مستوفياً لحقه من غير المسلم فيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» 346 رواه أبو داود.

الجزء: 2 - الصفحة: 545

وأما كون الكفالة بالمسلم فيه تجوز على روايةٍ ولا تجوز على روايةٍ؛ فلأنها وثيقة أشبهت الرهن.

الجزء: 2 - الصفحة: 546

باب القرض

القرض جائز بالسنة والإجماع: أما السنة فما روى أبو رافع «أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً» 347. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيتُ ليلةَ أسريَ بِي على بابِ الجنةِ مكتوباً: الصدقةُ بعشرِ أمثالها والقرضُ بثمانيةَ عشر.
فقلتُ: يا جبريل! ما بالُ القرضِ أفضلُ من الصدقة؟ قال: لأن السائلَ يسألُ وعنده.
والمستقرضُ لا يَستقرضُ إلا مِن حاجَة» 348 رواهما ابن ماجة.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على جواز القرض.
قال المصنف رحمه الله: (وهو من المرافق المندوب إليها، ويصح في كل عين يجوز بيعها إلا بني آدم، والجواهر ونحوها مما لا يصح السلم فيه في أحد الوجهين فيهما).
أما كون القرض من المرافق التي ندب الشرع إليها فلما تقدم من حديث ابن مسعود، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كَشفَ عن مسلمٍ كُربةً من كُربِ الدنيا كَشفَ اللهُ عنه كُربةً من كُربِ يومِ القيامة.
واللهُ في عَونِ العبدِ ما دامَ العبدُ في عونِ أخيه» 349.

الجزء: 2 - الصفحة: 547

وعن أبي الدرداء أنه قال: «لأن أُقرض دينارين ثم يُرَدّا ثم أقرضهما أحب إليَّ من أن أتصدق بهما» 350. وفي قول المصنف: المندوب إليها إشعار بأنه ليس بواجب وهو صحيح لأنه من المعروف أشبه صدقة التطوع.
وأما كون القرض يصح في كل عين يجوز بيعها ما عدا المستثنى؛ فلأن مقصود القرض حاصل من ذلك لأنه ينتفع به ويتمكن من بيعه.
وأما كون بني آدم لا يصح قرضهم في وجهٍ؛ فلأنه لم ينقل ولا هو من المرافق.
ولأنه يفضي إلى أن يقترض جارية يطؤها ثم يردها.
وأما كونه يصح في وجهٍ؛ فلأن السلم فيهم جائز فصح قرضهم كالبهائم.
وأما كون الجواهر ونحوها مما لا يصح السلم فيه لا يصح قرضها؛ فلأنها لا تنضبط بالصفة ولا يمكن فيها رد المثل، ومقتضى القرض رد المثل.
وأما كونها يصح قرضها في وجهٍ وهو للقاضي؛ فلأن ما لا مثل له تجب قيمته والجواهر وشبهها كغيرها في القيمة.
وقول المصنف رحمه الله: في أحد الوجهين متعلق بالمستثنى لا بقوله: مما لا يصح السلم فيه.
وقوله: فيهما راجع إلى بني آدم والجواهر ونحوها لأنه لو لم يقل فيهما لتوهم أن الوجهين في الجواهر دون بني آدم.
قال: (ويثبت الملك فيه بالقبض فلا يملك المقرض استرجاعه، وله طلب بدله، فإن رده المقترض عليه لزمه قبوله ما لم يتعيب أو يكن فلوساً أو مكسرة فيحرمها السلطان فتكون له القيمة وقت القرض).
أما كون الملك يثبت في القرض بالقبض؛ فلأنه عقد تمليك فيثبت الملك فيه بالقبض كالهبة.
وأما كون المقرض لا يملك استرجاعه؛ فلأنه أزال ملكه بعوض من غير خيار فلم يكن له الرجوع فيه كالبيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 548

وأما كونه له طلب بدله؛ فلأن العوض يثبت في الذمة حالاً فكان له طلبه كسائر الديون الحالة.
وأما كونه يلزمه قبوله إذا رده المقترض بشرطه؛ فلأنه رده على صفة حقه فلزمه قبوله كما لو أعطاه غيره وكما في عقد السلم.
واشترط المصنف رحمه الله في لزوم القبول شرطين: أحدهما: أن لا يكون قد تعيب كحنطة ابتلت أو عفنت وما أشبه ذلك لأنه لم يدفع ذلك على صفة حقه.
الثاني: أن لا يكون فلوساً أو مكسرة فيحرمها السلطان؛ لأن ذلك معنى يمتنع إنفاقها ويبطل ماليتها.
أشبه كسرها أو تلف أجزائها.
وأما كونه له القيمة وقت القرض؛ فلأن ذلك حينئذ يثبت في ذمته فوجب اعتبار القيمة به لأنه وقت الوجوب.
قال: (ويجب رد المثل في المكيل والموزون، والقيمة في الجواهر ونحوها، وفيما سوى ذلك وجهان).
أما كون رد المثل في المكيل والموزون يجب فلا خلاف فيه.
ولأن رد المثل أقرب شبهاً بالقرض من القيمة.
وأما كون رد القيمة في الجواهر ونحوها يجب؛ فلأن ذلك لا مثل له أشبه ما لو أتلفه.
وأما كون رد القيمة فيما سوى ذلك كالحيوان وشبهه يجب في وجهٍ؛ فلأنه لا مثل له أشبه الجواهر.
وأما كون رد المثل تقريباً يجب في وجهٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً فرد خيراً منه» 351. وهو مثله تقريباً.
وخالف هذا الإتلاف لأن القيمة أخصر ولا مسامحة فيه والقرض أسهل ولهذا جازت النسيئة فيه فيما فيه الربا.

الجزء: 2 - الصفحة: 549

قال: (ويثبت العوض في الذمة حالاً وإن أجله، ويجوز شرط الرهن والضمين فيه ولا يجوز شرط ما يجر نفعاً نحو: أن يسكنه داره أو يقضيه خيراً منه أو في بلد آخر.
ويحتمل جواز هذا الشرط).
أما كون عوض القرض يثبت العوض في الذمة حالاً؛ فلأنه بدل شيء مقبوض أشبه عوض ثمن المبيع إذا ظهر مستحقاً.
وأما كونه يثبت حالاً وإن أجله؛ فلأنه حال لما تقدم والحال لا يتأجل بالتأجيل.
وأما كون القرض يجوز شرط الرهن فيه؛ فلأنه يصح الرهن فيه «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه على شعير اقترضه لأهله» 352. وما جاز فعله جاز شرطه.
ولأن الرهن إنما يراد للتوثق بالحق وليس ذلك بزيادة.
وأما كونه يجوز شرط الضمين فيه؛ فلأنه في معنى الرهن.
وأما كونه لا يجوز شرط ما يجر نفعاً؛ فلأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل قرض جر منفعة فهو حرام» 353. وعن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم «أنهم نهوا عن قرض جر منفعة».
ولأنه عقد إرفاق وقربة فإذا شُرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه.
وأما قول المصنف رحمه الله: نحو أن يسكنه داره أو يقضيه خيراً منه أو في بلد آخر فتمثيل لصور فيها نفع بسبب الشرط.
وقوله: ويحتمل جواز هذا الشرط راجع إلى شرط القضاء في بلد آخر.
ولذلك قيده بهذا.
وفي ذلك وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 550

أحدهما: لا يجوز لأن فيه نفعاً في الجملة ولهذا قالوا: يجوز قرض مال اليتيم للمصلحة مثل: أن يقرضه في بلد ليوفيه في بلد آخر فيربح خطر الطريق.
والثاني: يجوز لأنه ليس بزيادة في قدر ولا صفة بل فيه مصلحة لهما فجاز كشرط الرهن.
وفصل المصنف في المغني فقال: إن كان المقرض يحمله مؤنة لم يجز لأنه زيادة، وإن لم يكن يحمله مؤنة جاز لأنه رفق بهما جميعاً ومصلحة في حقهما من غير ضرر والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة منها.
قال: (وإن فعله بغير شرط أو قضاه خيراً منه أو أهدى له هدية بعد الوفاء جاز؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً فرد خيراً منه وقال: خيركم أحسنكم قضاء» 354. وإن فعله قبل الوفاء لم يجز إلا أن تكون العادة جارية بينهما به قبل القرض).
أما كون فعل المقترض ما فيه نفع وقضائه خيراً مما اقترض 355 وهديته بعد الوفاء بغير شرط يجوز فلما ذكر المصنف رحمه الله من أن النبي صلى الله عليه وسلم رد خيراً ومدح فاعله.
وأما كون ذلك قبل الوفاء مع عدم العادة لا يجوز فلما روي «أن رجلاً كان له على سَمّاك عشرون درهماً فجعل يهدي له السمك ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهماً فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة دراهم» 356 رواه الأثرم.
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أَقرضَ أحدكُم قرضاً فَأهدَى إليه أو حَملهُ على الدابةِ فلا يَركبْهَا ولا يَقبلهُ إلا أن يكونَ جرى بينهُ وبينهُ قبلَ ذلك» 357 رواه ابن ماجة.
وأما كون ذلك مع العادة يجوز فلما تقدم من حديث أنس.

الجزء: 2 - الصفحة: 551

ولأن مع العادة يكون سبب ذلك العادة لا القرض فلا يكون ذلك نفعاً جره القرض.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: بعد الوفاء بم يتعلق؟ قيل: يحتمل أن يتعلق بأهدى.
فعلى هذا يكون فعل ما يجر نفعاً غير مقيد وذلك يقتضي أن المقترض لو أسكن المقرض داره بغير عوض جاز إذا كان بغير شرط سواء كان ذلك قبل الوفاء أو بعده لأن المقترض فعل ذلك من غير شرط أشبه ما لو لم يكن للمقرض عنده شيء، ويحتمل أن يتعلق ذلك بقوله: وإن فعله بغير شرط.
فعلى هذا لا يجوز أن يسكنه داره ونحو ذلك قبل الوفاء لأنه يصير القرض قرضاً يجر نفعاً ويجوز بعده لأنه حينئذ لا دين له عليه أشبه من لم يقترض منه بالكلية.
وهذا الاحتمال موافق لما في المغني والكافي فإن المصنف صرح بالمنع فيما ذكر قبل الوفاء.
والاحتمال الأول ظاهر كلام المصنف هنا ويوافق قول طائفة من الأصحاب.
قال صاحب الهداية فيها: ولا يجوز كل شرط يجر منفعة مثل: أن يقرضه على أن يسكنه داره أو يعطيه أجود مما أخذ أو يكتب له به سفتجة إلى بلد آخر فإن بدأه المقترض بفعل ذلك من غير شرط جاز.
ويؤيد هذا الاحتمال أن بعد الوفاء إذا لم يختص بالهدية يجب أن يكون طرفاً لما قبله من المسائل وذلك لا يصح في قوله: أو قضاه خيراً منه لأن القضاء يستحيل أن يكون بعد الوفاء لأن القضاء نفس الوفاء والشيء يستحيل أن يكون بعد نفسه.
فعلى هذا كل نفع يوجد بعد الوفاء يجوز لما تقدم وكل نفع يوجد قبله ينظر فيه فإن لم يكن بينهما عادة به: فعلى الاحتمال الأول وما نقله الأصحاب يجوز ما لم يكن هدية، وعلى الاحتمال الثاني وما نقله المصنف في المغني والكافي لا يجوز وهو أظهر دليلاً من حيث الأثر والمعنى: أما الأثر فعموم قوله عليه السلام: «كل قرض جر منفعة حرام» 358، ونهي الصحابة المتقدم ذكرهم عن قرض جر منفعة 359.

الجزء: 2 - الصفحة: 552

وأما المعنى فهو أن الأصحاب اتفقوا على المنع من الهدية قبل الوفاء.
ولا فرق بينها وبين سكنى الدار ونحو ذلك.
فإن قيل: لو وجد ذلك حالة الوفاء؟ قيل: ينظر فيه فإن كان النفع صفة في الوفاء مثل: أن يقضيه خيراً منه جاز لما تقدم.
وإن كان زيادة في القضاء مثل: أن يقرضه درهماً فيعطيه أكثر منه لم يجز لأنه ربا.
وقال المصنف في المغني والكافي: تجوز الزيادة في الصفة والقدر لما تقدم من الحديث وحكى أبو الخطاب من غير تقييد روايتين.
قال: (وإن أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر لزمته، وإن أقرضه غيرها لم تلزمه.
فإن طالبه بالقيمة لزمه أداؤها).
أما كون المقترض تلزمه الأثمان فيما ذكر؛ فلأنه أمكنه قضاء الحق من غير ضرر فلزمه كما لو طالبه في بلد القرض.
وأما كونه لا يلزمه غير الأثمان كالحنطة والشعير وغير ذلك مما لنقله مؤونة؛ فلأن عليه مؤونة في حمله 360. وأما كونه يلزمه أداء القيمة؛ فلأنه إذا تعذر رد المثل تعينت القيمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 553

باب الرهن

الرهن في اللغة: الثبوت.
يقال: ماء راهن أي راكد، ونعمة راهنة أي ثابتة دائمة.
قال الشاعر: وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلقا وفي الشرع: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى منه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه.
وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 283]. وأما السنة فما روت عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً ورهنه درعه» 361 متفق عليه.
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الظهرُ يُرْكَبُ بِنفقتهِ إذا كانَ مَرهوناً، وعلى الذي يَركبُ ويشربُ النفقة» 362 رواه البخاري.
وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَغْلَقُ الرهن» 363 رواه ابن ماجة.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة.

الجزء: 2 - الصفحة: 554

قال المصنف رحمه الله: (وهو وثيقة بالحق لازم في حق الراهن جائز في حق المرتهن يجوز عقده مع الحق وبعده ولا يجوز قبله إلا عند أبي الخطاب).
أما كون الرهن وثيقة بالحق؛ فلأن الحق يستوفى منه عند تعذر الوفاء من المدين.
وأما كونه لازماً في حق الراهن؛ فلأن الحظ في الرهن لغيره فلزم من جهته كالضمان في حق الضامن.
ولأنه وثيقة أشبه الضمان.
وأما كونه جائزاً في حق المرتهن؛ فلأن الحظ فيه له وحده فكان له فسخه كالمضمون له.
وأما كونه جائزاً مع الحق مثل أن يقول: بعتك ثوبي هذا بعشرة إلى شهر ترهنني بها عبدك فلاناً فيقول: اشتريت منك ورهنتك عبدي؛ فلأن الحاجة داعية إلى جوازه لأنه لو لم يجز مع ثبوت الحق كان من عليه الحق بالخيار بين أن يرهن وبين أن لا يرهن.
وأما كونه جائزاً بعد الحق فبالإجماع.
ولأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به.
ولأن الله قال: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 283] جعله بدلاً عن الكتابة فيكون في محلها وكتابة الدين تكون صحيحة بعد وجوبه وفي الآية ما يدل على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: 282] ذكره بفاء التعقيب.
وأما كونه لا يجوز قبله على المذهب؛ فلأن الرهن وثيقة بحق فلم يجز قبل ثبوته كالشهادة.
ولأن الرهن بيع فلم يجز أن يتقدم الحق كالثمن لا يتقدم المبيع 364. وأما كونه يجوز عند أبي الخطاب؛ فلأنه وثيقة بحق فجاز قبل الحق كالضمان، أو فجاز على حق يحدث في المستقبل كضمان الدرك.
فإن قيل: ما صورة المسألة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 555

قيل: هي أن يدفع إلى رجل ثوباً ويقول: رهنتك هذا على عشرة دراهم تقرضنيها غداً ثم يقرضه الدراهم المذكورة.
قال: (ويصح رهن كل عين يجوز بيعها إلا المكاتب إذا قلنا استدامة القبض شرط لم يجز رهنه).
أما كون رهن كل عين يجوز بيعها ما خلا المكاتب يصح؛ فلأن مقصود الرهن الاستيثاق ليتوصل إلى استيفاء الحق من ثمنه عند تعذر الوفاء من الراهن وهو حاصل في رهن كل عين يجوز بيعها.
وأما كون رهن المكاتب إذا قيل استدامة القبض شرط لا يصح؛ فلأن استدامة القبض تنافي عقد الكتابة لأن المكاتب يحتاج إلى التصرف والتنقل والتسبب في أداء كتابته.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا قلنا استدامة القبض شرط فمشعر بأن في الاستدامة خلافاً وسيأتي ذكر ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى.
قال: (ويجوز رهن ما يسرع إليه الفساد بدين مؤجل ويباع ويجعل ثمنه رهناً).
أما كون رهن ما يسرع إليه الفساد بدين كالعنب والرطب والبطيخ؛ فلأنه يجوز بيعه فيحصل مقصود الرهن.
وقول المصنف رحمه الله: بدين مؤجل ليس قيداً في المسألة بل ذكره تنبيها على أن التأجيل لا أثر له في منع صحة ذلك وذلك أنه ربما توهم أن عقد الرهن يقتضي بقاء المرهون إلى استحقاق الاستيفاء فإذا كان الدين مؤجلاً أدت الصحة إلى مخالفة الاقتضاء المذكور وليس كذلك لأن بيع ما ذكر وجعل ثمنه مكانه يقوم مقام العين لأن الثمن بدل العين وبدل الشيء يقوم مقامه.
وأما كونه يباع؛ فلأن تركه يؤدي إلى تلفه وضياعه وذلك منهي عنه.
ولم يفرق المصنف رحمه الله بين ما يمكن تجفيفه كالعنب والرطب وبين ما لا يمكن تجفيفه كالبطيخ والطبيخ.
وصرح في المغني بأن ما يمكن تجفيفه يجب على الراهن أن يجففه لأن ذلك من مؤونة حفظه وتبقيته فكان على الراهن كنفقة الحيوان وأن ما لا

الجزء: 2 - الصفحة: 556

يمكن تجفيفه يباع لما في تركه من ضياع المال وهذا صحيح يجب حمل كلام المصنف عليه.
وأما كونه يجعل ثمن الرهن رهناً؛ فلأنه بدل عن رهن وحكم البدل حكم المبدل.
قال: (ويجوز رهن المشاع ثم إن رضي الشريك والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما جاز وإن اختلفا جعله الحاكم في يد أمين أمانة أو بأجرة).
أما كون رهن المشاع يجوز؛ فلأنه يجوز بيعه فجاز رهنه كالمفرز.
وأما كونه إذا رضي الشريك والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما يجوز؛ فلأن الحق لهما لا يعدوهما.
وأما كون الحاكم يجعل ذلك في يد أمين أمانة أو بأجرة إذا اختلف الشريك والمرتهن؛ فلأن قبض المرتهن واجب ولا يمكن ذلك منفرداً لكونه مشاعاً فيتعين ما ذكر؛ لكونه وسيلة إلى القبض الواجب.
قال: (ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه إلا على ثمنه في أحد الوجهين).
أما كون رهن المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه على غير ثمنه يجوز؛ فلأنه يجوز بيعه قبل قبضه، وما جاز بيعه جاز رهنه لما تقدم ذكره قبل 365. وأما كون رهنه قبل قبضه على ثمنه يجوز في وجهٍ؛ فلأن الثمن صار ديناً في الذمة والمبيع صار ملكاً للمشتري فجاز رهنه بالثمن كغيره من الديون.
وأما كونه لا يجوز في وجهٍ؛ فلأن المبيع محبوس بالثمن فلا فائدة في صيرورته رهناً.
ولأن بين الرهن والبيع تنافيا لأن حكم الرهن أن يباع في الدين عند التعذر وحكم البيع إيفاء الثمن من غيره.
ولأن البيع يقتضي تسليم المبيع أولاً والرهن يقتضي تسليم الدين أولاً.
وأما كون رهن المكيل والموزون قبل قبضه لا يجوز فمبني على الرواية التي

الجزء: 2 - الصفحة: 557

اختارها المصنف رحمه الله وهي أن المنع من بيع المبيع قبل قبضه مختص بالمكيل والموزون وقد تقدم في ذلك أربع روايات 366: إحداها: أن المنع مختص بهما.
والثانية: أن ذلك مختص بالمبيع غير المعين كقفيز من صبرة.
فعلى هذه لا يجوز رهن المعين قبل قبضه ويجوز رهن ما عداه على غير ثمنه، وفي رهنه على ثمنه الخلاف.
والثالثة: أن المنع من البيع مختص بالمطعوم.
فعلى هذه لا يجوز رهن المطعوم قبل قبضه ويجوز رهن ما عداه على غير ثمنه، وفي رهنه على ثمنه الخلاف.
والرابعة: أن المنع يعم كل مبيع.
فعلى هذه لا يجوز رهن كل مبيع قبل قبضه على غير ثمنه وفي رهنه على ثمنه الخلاف.
قال: (وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه إلا الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع في أحد الوجهين).
أما كون رهن ما لا يجوز بيعه -غير الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع- كأم الولد والوقف والعين المرهونة لا يجوز؛ فلأن مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمنه وما لا يجوز بيعه لا يمكن ذلك فيه.
وأما كون رهن الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع لا يجوز في وجهٍ؛ فلأنه لا يجوز بيعها.
وأما كونه يجوز في وجهٍ وهو الأصح؛ فلأن الرهن لا يصح قياسه على البيع لأن النهي عن البيع إنما كان لعدم الأمن من العاهة وقد تقدم ما يدل عليه وحكمته أن بتقدير وجودها يفوت مال المشتري مجاناً ولهذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح وهذا مفقود هنا لأن بتقدير وجود العاهة لا يفوت حق المرتهن من الدين لتعلقه بذمة المدين.

الجزء: 2 - الصفحة: 558

ولأن رهن المرتد وما يسرع إليه الفساد يجوز؛ فلأن يجوز هذا بطريق الأولى.
قال: (ولا يجوز رهن العبد المسلم لكافر إلا عند أبي الخطاب إذا شرطا كونه في يد مسلم).
أما كون رهن العبد المسلم لكافر مع عدم شرط كونه في يد مسلم لا يجوز؛ فلأن مقتضى الرهن أن يكون المرهون في يد المرتهن والمرتهن هاهنا ليس أهلاً لذلك.
وأما كون رهنه مع شرط ذلك لا يجوز -قاله القاضي-؛ فلأن القبض واستدامته شرط والكافر لا يكون له يد على مسلم ولذلك أُمِر ببيع عبده إذا أسلم.
وأما كونه يجوز عند أبي الخطاب؛ فلأنه مال فجاز رهنه عند الكافر كسائر الأموال وما ذكر مندفع بالاشتراط المذكور.
قال: (ولا يلزم الرهن إلا بالقبض واستدامته شرط في اللزوم.
فإن أخرجه المرتهن باختياره إلى الراهن زال لزومه.
فإن رده إليه عاد اللزوم.
ولو رهنه عصيراً فتخمر زال لزومه فإن تخلل عاد لزومه بحكم العقد السابق.
وعنه: أن القبض واستدامته في المتعين ليس بشرط، فمتى امتنع الراهن من تقبيضه أُجبر عليه).
أما كون رهن غير المتعين لا يلزم بغير القبض؛ فلأن الله قال: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 283]. وصفه بكونه مقبوضاً.
ولأنه عقد إرفاق يفتقر إلى القبول فافتقر إلى القبض كالقرض.
ولأنه رهن لم يقبض فلم يلزم إقباضه 367 كما لو مات الراهن.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا فرق بين المكيل والموزون وغيرهما وصرح به في المغني لعموم ما ذكر.
وحكي في المغني أيضاً عن بعض الأصحاب 368 أنه قال: المكيل والموزون لا يلزم فيهما إلا بالقبض وفيما عداهما روايتان كالبيع.
وهذا القياس ليس بصحيح لأنه يوهم أن البيع في غير المكيل والموزون لا يلزم في روايةٍ ولا خلاف في لزومه لأن أحد المتبايعين لو أراد فسخه لم يملكه بخلاف الرهن وإنما الخلاف في ضمانه هل هو

الجزء: 2 - الصفحة: 559

على البائع أو على المشتري فإذاً حكم المقيس والمقيس عليه مختلف لأن الكلام في الرهن في اللزوم وفي البيع في الضمان.
وأما كون رهن المتعين لا يلزم إلا بالقبض على المذهب فكغيره.
وأما كونه يلزم بمجرد العقد على روايةٍ؛ فلأن تعيينه قائم مقام قبضه ولذلك قام مقام قبضه في البيع في رواية.
وأما كون استدامة القبض شرطاً في اللزوم على المذهب؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 283]. ولأنها إحدى حالتي الرهن.
فكان القبض فيها شرطاً؛ كالابتداء.
ولأن الرهن يراد للوثيقة 369 ليتمكن من بيعه واستيفاء دينه من ثمنه فإذا لم يكن في يده لم يتمكن من بيعه ولم يحصل وثيقة.
فعلى هذه الرواية إن أخرجه المرتهن باختياره زال اللزوم؛ لأن استدامة القبض شرط في اللزوم وقد زالت.
فوجب أن يزول اللزوم لزوال شرطه.
وقيد إخراج المرتهن الرهن باختياره احترازاً من خروجه لا باختياره؛ كالغصب والسرقة ونحوهما؛ لأن ذلك لا يزيل اللزوم؛ لأن يد المرتهن ثابتة عليه حكماً فكان حكمه حكم من لم يزل يده.
وإن رده عاد اللزوم بحكم العقد السابق.
ولا يحتاج إلى تجديد عقد؛ لأن العقد قد وجد، ولم يوجد ما يبطل الصحة.
أشبه ما لو تراخى القبض عن العقد.
ولو كان الرهن عصيراً فتخمر زال لزومه أيضاً؛ لأن تخمير العصير بمنزلة إخراجه من يده في زوال يده؛ لأنه لا يد لمسلم على خمر.
ولأن صيرورته خمراً يخرجه عن صحة العقد؛ فلأن يخرجه عن اللزوم بطريق الأولى.
وإن تخلل عاد لزومه بحكم العقد السابق؛ لأن صيرورته خمراً شارك إخراج الرهن من يد المرتهن في زوال اللزوم فوجب أن يشارك عوده خلاً عود الرهن إلى يد المرتهن في عود اللزوم.
ولقائل أن يفرق بين إعادة الراهن الرهن وبين تخلل الخمر؛ لأن العقد مقتض للصحة واستدامة القبض شرط في اللزوم، فإذا زالت الاستدامة بقيت الصحة، فإذا عادت

الجزء: 2 - الصفحة: 560

الاستدامة عاد اللزوم مستنداً إلى العقد المقتضي للصحة بخلاف ما إذا تخلل الخمر فإنه لما صار خمراً خرج عن اللزوم وعن الصحة إذْ لا يصح رهن الخمر فارتفع موجب العقد، فإذا تخلل لم يجد اللزوم ما يستند إليه.
وقد صرح المصنف رحمه الله ببطلان الرهن بصيرورته خمراً وبأن اللزوم يعود بتخلله، وأورد ما ذكر من الإشكال.
وأجاب عنه: بأن العقد إذا وقع صحيحاً ثم حدث بالمعقود معنى أخرجه من حكم العقد، ثم زال ذلك لا يمتنع 370 عود حكم العقد؛ كزوجة الكافر إذا أسلمت فإنه يحرم وطؤها ويخرج عن حكم العقد فإذا أسلم الزوج في العدة عاد حكم العقد.
وفي هذا الجواب نظر فإن الزوج إذا أسلم بعد زوجته يحكم ببقاء النكاح لا بعوده.
بناء على أن الفرقة تتوقف على انقضاء العدة على الصحيح من المذهب.
وعلى روايةِ وقوع الفرقة باختلاف الدين لا يحكم بعود النكاح؛ لأنه انفسخ فكيف يعود بعد 371 فسخه.
ولقائل أن يقول في مسألة التحلل: إن الصحة تبقى مراعاة؛ كالكافرة إذا أسلمت.
إلا أنه يناقض منصوص المصنف في المغني بالبطلان.
ويجاب عنه: بأن مقتضى الدليل أن لا يثبت صحة شيء مع ما ينافيها خولف ذلك في إسلام أحد الزوجين؛ لأن جماعة من الصحابة أسلم الأزواج قبل النساء وبالعكس فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
قال: (وتصرف الراهن في الرهن لا يصح إلا العتق فإنه ينفذ ويؤخذ منه قيمته رهناً مكانه.
وعنه: لا ينفذ عتق المعسر.
وقال القاضي: له تزويج الأمة ويمنع الزوج وطئها ومهرها رهن معها.
والأول أصح).
أما كون تصرف الراهن في الرهن بغير العتق والتزويج كالبيع والهبة والإجارة والوقف والرهن لا يصح؛ فلأنه تصرف يبطل حق الوثيقة، وليس بمبني على السراية والتغليب فلم يصح كما لو فسخ عقد الرهن.

الجزء: 2 - الصفحة: 561

وأما كون تصرف الموسر بالعتق ينفذ؛ فلأنه إعتاق من مالك جائز التصرف تام الملك فنفذ كعتق المستأجر.
ولأن الرهن عين محبوسة لاستيفاء الحق فنفذ فيها عتق المالك كالمبيع في يد البائع.
ولأن العتق مبني على السراية والتغليب وينفذ في ملك الغير؛ فلأن ينفذ في ملكه بطريق الأولى.
فعلى هذا يجب عليه قيمته لأنه أبطل حق المرتهن من الوثيقة فوجبت عليه قيمته كما لو أتلفه ويؤخذ منه فيجعل رهناً لأنها نائبة عن العين أو بدل عنها.
وأما كون تصرف المعسر بالعتق ينفذ على المذهب فلما ذكر في الموسر.
فعلى هذا تبقى القيمة 372 في ذمته كما إذا أتلف شيئاً من مال غيره.
فإن قيل: فأيّ فائدة في بقاء القيمة في ذمته والدين ثابت فيها؟ قيل: فائدته أنه إذا أيسر قبل حلول الدين ملك المرتهن مطالبته بالقيمة ليكون رهناً.
وتعتبر القيمة حال الإعتاق لأنها حال الإتلاف.
وأما كونه لا ينفذ عتق المعسر على روايةٍ؛ فلأن نفوذ عتقه يسقط الوثيقةَ وبدلَها فلم ينفذ لما فيه من الإضرار بالمرتهن، وكما لو أعتق شِرْكاً له في عبد وهو معسر.
وذكر أبو الخطاب هذه الرواية في الهداية احتمالاً.
وذكرها المصنف رحمه الله في المغني عن أبي الخطاب تخريجاً.
وأما تصرفه في التزويج فقال القاضي وجماعة من أصحابنا: إذا زوج الأمة المرهونة صح؛ لأن محل عقد النكاح غير محل عقد الرهن بدليل صحة رهن الأمة المزوجة.
ولأن الرهن لا يزيل الملك فلم يمنع التزويج كالإجارة.
فعلى هذا يكون المهر رهناً معها لأنه من نماء الرهن فكان رهناً لما يأتي إن شاء الله تعالى.
ويمنع الزوج وطئها لئلا تحبل فتنقص قيمتها وربما تلفت بسبب الحمل.
واختار أبو الخطاب أن التزويج لا يصح لأنه تصرف ينقص قيمتها ويشغل بعض منافعها فلم

الجزء: 2 - الصفحة: 562

يملكه الراهن بغير رضى المرتهن كالإجارة.
وصحح المصنف اختيار أبي الخطاب لما ذكر.
ولأن التزويج يذهب رغبات المشترين فيها فينقص من أجل ذلك ثمنها وليس للراهن ذلك كما لو فسخ عقد الرهن.
قال: (وإن وطئ الجارية فأولدها خرجت من الرهن وأُخِذت منه قيمتها فجعلت رهناً).
أما كون الجارية المرهونة تخرج من الرهن بالإيلاد؛ فلأنها تصير به أم ولد.
وأما كون قيمتها تؤخذ من الواطئ؛ فلأنه فوت على المرتهن الرهن فوجب أن يؤخذ منه بدله كما لو أتلفه.
وأما كون القيمة تجعل رهناً؛ فلأنها بدله والبدل يعطى حكم مبدله.
قال: (وإن أذن المرتهن له في بيع الرهن أو هبته ونحو ذلك ففعل صح وبطل الرهن.
إلا أن يأذن له في بيعه بشرط أن يجعل ثمنه رهناً أو يعجل له 373 دينه من ثمنه).
أما كون فعل ما ذكر بإذن المرتهن يصح؛ فلأن المنع منه كان لحقه فإذا أَذِن زال المنع.
وأما كون الرهن يبطل في غير المستثنى؛ فلأنه لا يجتمع مع ما ينافيه.
وأما كونه لا يبطل إذا أذن المرتهن في بيعه بشرط أن يجعل ثمنه رهناً أو يعجل له دينه من ثمنه؛ فلأنه لو شرط ذلك بعد حلول الحق جاز.
فكذلك قبله.
قال: (ونماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه من الرهن ومؤونته على الراهن وكفنه إن مات وأجرة مخزنه إن كان مخزوناً).
أما كون نماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه من الرهن؛ فلأن الرهن عقد وارد على العين فيدخل فيه ما ذكر كالبيع والهبة.
ولأن ما ذكر تبع للأصل فكان رهناً كأساسات الحيطان.

الجزء: 2 - الصفحة: 563

وأما كون مؤونته وكفنه وأجرة مخزنه على الراهن؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه» وجميع ما ذكر من غرمه.
ولأن الرهن ملك الراهن فكان عليه جميع ما ذكر كغير المرتهن.
قال: (وهو أمانة في يد المرتهن إن تلف بغير تعد منه فلا شيء عليه ولا يسقط بهلاكه شيء من دينه.
وإن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين).
أما كون الرهن أمانة في يد المرتهن؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرهن: «لصاحبه غنمه وعليه غرمه» 374. ولأن الرهن لو ضمن لامتنع الناس من فعله خوفاً من الضمان وذلك وسيلة إلى تعطيل القروض والمداينات غالباً وفي ذلك ضرر عظيم والضرر منفي 375 شرعاً.
ولأن الرهن مقبوض بعقد واحد بعضه أمانة فكان كله أمانة كالوديعة.
وأما كونه لا شيء على المرتهن إذا تلف بغير تعد منه؛ فلأنه أمانة في يده فلم يكن في تلفه شيء كالوديعة.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا تلف بغير تعد منه ففيه إشعار بأنه يضمنه مع التعدي؛ لأن الوديعة إذا تعدى فيها ضمن فكذا هاهنا.
وأما كون شيء من الدين لا يسقط بهلاكه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَغْلَقُ الرهن لصاحبه غُنمه وعليه غُرمه» 376 رواه الأثرم.
ولأنه مقبوض على وجهِ الأمانة فلم يسقط الحق كالوديعة إذا تلفت في يد من له عند صاحبها دين.
وأما كون باقي الرهن رهناً بجميع الدين؛ فلأن الدين كله يتعلق بجميع أجزاء الرهن.
لما سيأتي إن شاء الله تعالى.

الجزء: 2 - الصفحة: 564

قال: (ولا ينفك شيء من الرهن حتى يقضي جميع الدين.
وإن رهنه عند رجلين فوفى أحدهما انفك في نصيبه.
وإن رهنه رجلان شيئاً فوفاه أحدهما انفك في نصيبه).
أما كون الرهن لا ينفك شيء منه حتى يقضي جميع الدين؛ فلأنه عين تعلق به حق فلا ينفك من الرهن بحساب ما قضى كالمكاتب لا يعتق بعضه إذا أدى بعض المكاتبة.
ولأن الأعيان تزيد قيمتها وتنقص باختلاف الأسعار ورغبة الطلاب فلو خرج من الرهن شيء بقدر ما قضي لم يؤمن أن الباقي لا يفي ببقية الحق لنقصان سعره.
وأما كونه ينفك في نصيب من وفى إذا كان الرهن عند رجلين فوفى أحدهما؛ فلأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة عقدين فكأنه رهن كل واحد منهما النصف منفرداً.
وقال أبو الخطاب في الهداية: يكون ذلك رهناً عند الآخر حتى يوفيه نظراً إلى أن العقد واحد.
وقال المصنف في المغني: كلام أحمد وأبي الخطاب -يعني في ذلك- محمول على أنه ليس للراهن مقاسمة المرتهن لما عليه فيه من الضرر لا بمعنى أن العين كلها تكون رهناً إذ لا يجوز أن يقال: رهنه نصف العبد فصار جميعه رهناً.
وأما كون ينفك في نصيب من وفى إذا كان الراهن رجلين فوفى أحدهما؛ فلأن الراهن متعدد فتعلق ما على هذا بنصيبه وما على هذا بنصيبه لأن الرهن لا يتعلق بملك الغير إلا إذا كان مأذوناً في رهنه ولم يوجد ذلك.
قال: (وإذا حل الدين وامتنع الراهن من وفائه فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو للعدل في بيعه باعه ووفى الدين وإلا رفع الأمر إلى الحاكم فيجبره على وفاء الدين أو بيع الرهن فإن لم يفعل باعه الحاكم وقضى دينه).
أما كون المرتهن أو العدل يبيع الرهن إذا حل الدين وامتنع الراهن من وفائه وكان الراهن قد أذن في بيعه؛ فلأنه مأذون له في ذلك.
وأما كونه يوفي الدين؛ فلأن ذلك هو المقصود من البيع.
وأما كونه يرفع الأمر إلى الحاكم ليجبره على الوفاء أو بيع الرهن إذا لم يكن الراهن أذن في بيعه؛ فلأن شأن الحاكم ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 565

وظاهركلام المصنف أن الحاكم لا يبيع الرهن بنفسه هنا لأنه قال: يجبره على الوفاء أو بيع الرهن.
وقال في المغني: إن رأى حبسه وتعزيره فعل وإن رأى بيعه بنفسه أو بأمينه فعل.
وأما كون الحاكم يبيع ذلك إذا امتنع الراهن من كل واحد من الأمرين؛ فلأن ذلك تعين طريقاً إلى أداء الحق الواجب أداؤه.
وأما كونه يقضي دينه؛ فلما تقدم.

الجزء: 2 - الصفحة: 566

فصل قال المصنف رحمه الله: (وإذا شرط في الرهن جعله على يد عدل صح، وقام قبضه مقام قبض المرتهن.
وإن شرط جعله في يد اثنين لم يكن لأحدهما الانفراد بحفظه).
أما كون شرط جعل الرهن على يد عدل يصح؛ فلأنه قبض في عقد فجاز التوكيل فيه كقبض الموهوب.
وأما كون قبض العدل يقوم مقام قبض المرتهن؛ فلأنه وكيله، وقبض الوكيل يقوم مقام قبض الموكل.
وأما كون أحد الاثنين لا يكون له الانفراد بحفظ الرهن إذا شرط جعله في يد اثنين؛ فلأن الراهن لم يرض إلا بحفظهما فلم يجز لأحدهما الانفراد بحفظه كالوصيين.
قال: (وليس للراهن ولا المرتهن إذا لم يتفقا ولا للحاكم نقله عن يد العدل إلا أن تتغير حاله وله رده عليهما ولا يملك رده إلى أحدهما فإن فعل فعليه رده إلى يده فإن لم يفعل ضمن حق الآخر).
أما كون كل واحد من الراهن والمرتهن ليس له نقل الرهن عن يد العدل إذا لم تتغير حاله؛ فلأنهما رضيا به ابتداء.
وقول المصنف رحمه الله: إذا لم يتفقا مشعر بأنه مع الاتفاق منهما يجوز نقله.
وصرح به في المغني؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.
وأما كون الحاكم ليس له ذلك؛ فلأن الراهن إذا لم يملك ذلك وهو صاحب الحق؛ فلأن لا يملكه الحاكم بطريق الأولى.
وأما كون كل واحد من الراهن والمرتهن له نقل الرهن عن يد العدل إذا تغيرت حاله بفسق أو ضعف عن الحفظ أو عداوة ونحو ذلك؛ فلأن في مقامه في يده ضرراً على الطالب.

الجزء: 2 - الصفحة: 567

فعلى هذا إن اتفقا على شخص يضعانه عنده جاز لأن الحق لهما وإن اختلفا وضعه الحاكم عند عدل لأن الحاكم شأنه قطع التنازع وذلك طريق إليه.
وأما كون العدل له رده على الراهن والمرتهن؛ فلأنه أمين متطوع بالحفظ فكان له رده كسائر الأمانات.
وأما كونه لا يملك رده إلى أحدهما؛ فلأن للآخر حظا في إمساكه في يده.
وفي رده إلى أحدهما تضييع له.
وأما كون العدل عليه أن يرده إلى يده؛ فلأن في ذلك عوداً للحق إلى مستحقه.
وأما كونه يضمن حق الآخر إذا لم يفعل الرد؛ فلأنه فوّت عليه ما استحقه بعقد الرهن أشبه ما لو أتلفه.
قال: (وإن أذنا له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد.
فإن كان فيه نقود باع بجنس الدين فإن لم يكن فيها جنس الدين باع بما يرى أنه أصلح).
أما كون العدل ليس له أن يبيع إلا بنقد البلد إذا أذن له في البيع من غير تعيين؛ فلأن الحظ في ذلك للرواج فيه.
وأما كونه يبيعه بجنس الدين إذا كان في البلد نقود؛ فلأنه أقرب إلى وفاء الحق.
وأما كونه يبيعه بما يرى أنه أصلح إذا لم يكن في النقود جنس الدين؛ فلأن عليه الاحتياط فيما هو متوليه أشبه الحاكم.
واعلم أن المصنف قال في المغني: إذا تعددت 377 النقود باع بأغلبها لأنه راجح على غيره.
فيجب حمل كلامه هنا على ما إذا كانت النقود متساوية جمعاً بين نقليه 378 في كتابيه.
وقال في المغني أيضاً بدل قوله: باع بما يرى أنه أصلح عين له الحاكم ما يبيعه به.
وهو أولى لأنه أعرف بالأحظ وأبعد من التهمة.
قال: (وإن قبض الثمن فتلف في يده فهو من ضمان الراهن.
وإن استحق المبيع رجع المشتري على الراهن.
وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكر ولم يكن قضاه ببينة

الجزء: 2 - الصفحة: 568

ضمن.
وعنه: لا يضمن إلا أن يكون أمر بالإشهاد فلم يفعل.
وهكذا الحكم في الوكيل).
أما كون الثمن التالف في يد العدل من ضمان الراهن؛ فلأنه وكيله في البيع والثمن ملكه وهو أمين له في قبضه أشبه سائر الأمانات.
وأما كون المشتري يرجع على الراهن إذا استحق المبيع؛ فلأن المبيع له فالرجوع بالعهدة عليه كما لو باع بنفسه.
واشترط المصنف رحمه الله في المغني في الرجوع على الراهن دون العدل أن 379 يكون العدل قد أعلم المشتري أنه وكيل؛ لأنه إذا لم يعلم كان هو البائع ظاهراً فإذا ادعى بعد ذلك أنه وكيل لم يقبل لمخالفته الظاهر وللتهمة.
وأما إذا ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن فأنكر ولا بينة للعدل عليه فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون أمره بالإشهاد فيضمن لتفريطه ومخالفة أمر موكله.
وثانيهما: أن يطلق ولم يأمره بإشهاد ولا غيره وفيه روايتان: إحداهما: يضمن؛ لأنه فرط حيث لم يُشْهِد.
ولأنه إنما أذن له في قضاء مبر ولم يحصل.
والثانية: لا يضمن؛ لأنه أمينه.
وقيّد المصنف رحمه الله رواية الضمان بعدم البينة بينهما.
على أن القضاء إذا كان ببينة لا يضمن لعدم التفريط.
ولا فرق في عدم الضمان بين أن تكون البينة قائمة أو ميتة أو غائبة لما ذكر.
ولا بد أيضاً من قيد ثان وهو: أن لا يكون قضاؤه بحضرة الموكل صرح بذلك جماعة من أصحابنا؛ لأنه لا يعد مفرطاً.
واشترط في روايةِ عدم الضمان: أن لا يكون الموكل أمره بالإشهاد.
فلم يفعل يضمن قولاً واحداً؛ لما تقدم من أنه يعد مخالفاً مفرطاً.
وأما كون حكم الوكيل حكم العدل فيما ذكر؛ فلأنه في معناه.

الجزء: 2 - الصفحة: 569

قال: (وإن شرط أن يبيعه المرتهن أو العدل صح.
فإن عزلهما صح عزله.
وإن شرط أن لا يبيعه عند الحلول أو إن جاءه بحقه وإلا فالرهن له لم يصح الشرط.
وفي صحة الرهن روايتان).
أما كونه إذا شرط أن يبيع المرتهن أو العدل الرهن يصح؛ فلأن كل واحد منهما أهل للوكالة أشبه الأجنبي.
ولأن ما صح توكيل غيرهما فيه صح توكيلهما فيه كبيع عين أخرى.
وأما كونه يصح عزلهما؛ فلأن الوكالة عقد جائز فلم يلزم المقام عليها كسائر الوكالات.
وقال المصنف في المغني: قال ابن أبي موسى: يتوجه أن لا يصح؛ لأن الوكالة هنا صارت من حقوق الرهن.
والأول المنصوص؛ لما ذكر.
وكونها من حقوق الرهن لا يمنع جوازه كما لو شرطا الرهن في البيع فإنه لا يصير لازماً؛ كما لو مات الراهن بعد الإذن فإنه تنفسخ الوكالة.
وأما كونه إذا شرط أن لا يبيعه عند الحلول لا يصح؛ فلأنه شرط ينافي مقتضى عقد الرهن.
وأما كونه إذا شرط إن جاءه بحقه وإلا فالرهن له لا يصح فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَغْلَقُ الرهن» 380. قال الأثرم: قلت لأحمد: ما معنى قوله: لا يَغْلَق الرهن؟ قال: لا يدفع رهناً إلى رجل ويقول: إن جئتك بالدراهم إلى كذا وإلا فالرهن لك.
وروي «أن رجلاً رهن داراً بالمدينة إلى شيء مسمى.
فمضى الأجل.
فقال الذي ارتهن: منزلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يَغْلَقُ الرهن» رواه الأثرم.
ولأنه علق البيع على شرط لأنه جعله مبيعاً بشرط أن لا يوفيه الحق في محله والبيع المعلق بشرط لا يصح.
وأما كون الرهن صحيحاً ففيه روايتان مبنيتان على الروايتين في البيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 570

وقال المصنف رحمه الله في المغني: قال القاضي: يحتمل فساد الرهن بالشرط الفاسد بكل حال لأن العاقد إنما بذل ملكه بهذا الشرط فإذا لم يسلم له أفضى إلى أخذ ماله بغير رضاه.
والقياس يقتضي ذلك في البيع لكن ترك فيه للأثر 381 فيبقى فيما عداه على مقتضى القياس.
ولأنه شرط فاسد فأفسد عقد الرهن كما لو وقته.
ونصر أبو الخطاب في رؤوس المسائل صحته استدلالاً بقوله عليه السلام: «لا يَغْلَقُ الرهن» 382. وهو مشروط فيه شرط فاسد ولم يحكم بفساده.
[وقيل: ما يَنْقص بفساده] 383 حق المرتهن 384 يُبْطله وجهاً واحداً، وما لا يَنْقص به فعلى وجهين.

الجزء: 2 - الصفحة: 571

فصل قال المصنف رحمه الله: (إذا اختلفا في قدر الدين أو الرهن أو رده، أو قال: أقبضتك عصيراً قال: بل 385 خمراً فالقول قول الراهن).
أما كون القول قول الراهن إذا اختلف هو والمرتهن في قدر الدين فقال المرتهن: لي عليك ألف رهنتني عليها عبدك فلاناً فقال الراهن: بل مائة، أو في قدر الرهن فقال المرتهن: رهنتني هذا العبد وهذه الجارية فقال الراهن: بل أحدهما؛ فلأن الراهن منكر والقول قول المنكر.
ولأن القول قوله في أصل العقد.
فكذلك في صفته.
وأما كون القول قوله إذا اختلفا في رد الرهن فقال المرتهن: رددته إليك، وقال الراهن: لم أقبضه فلما ذكر.
ولأن الأصل معه والمرتهن قبض العين لمنفعته فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر.
وأما كون القول قوله إذا قال: أقبضتك عصيراً فقال المرتهن: بل خمراً؛ فلأن المرتهن معترف بعقد وقبض ويدعي فساده.
والأصل فيه السلامة.
قال: (وإن أقر الراهن أنه أعتق العبد قبل رهنه عتق وأخذت منه قيمته رهناً.
وإن أقر أنه كان جنى أو أنه باعه أو غصبه قُبِل على نفسه، ولم يقبل على المرتهن إلا أن يصدقه).
أما كون العبد المقر بعتقه يعتق؛ فلأن السيد غير متهم في الإقرار بعتقه لأنه لو أنشأ العتق بعد لزوم الرهن عتق لما تقدم.

الجزء: 2 - الصفحة: 572

وأما كون القيمة تؤخذ من المقر رهناً؛ فلأنه فوت عليه الوثيقة بالعتق فلزمته القيمة تجعل رهناً جبراً لما فاته من الوثيقة.
وأما كونه إذا أقر أنه كان جنى أو أنه باعه أو غصبه يقبل قوله على نفسه؛ فلأنه مقر على نفسه فقبل كما لو أقر له بدين.
وأما كونه لا يقبل قوله على المرتهن مع تكذيبه إياه؛ فلأنه متهم في حقه.
ولأن قول الغير على الغير غير مقبول.
فعلى هذا يلزم المقر أرش الجناية إن كان موسراً؛ لأنه حال بين المجني عليه وبين رقبة الجاني بفعله أشبه ما لو قتله، ويتعلق حق المجني عليه برقبته إذا انفك الرهن إن كان معسراً ويستحق المشتري والمغصوب منه الرهن إذا انفك منه؛ لأن اعترافه مقتض لذلك في الحال وفي المآل.
خولف في الحال لأجل حق المرتهن.
فمتى زال: عَمِلَ المقتضي عملَه، وإن صدقه المرتهن ثبت ذلك في الحال؛ لأن المقتضي قائم والمانع زائل.

الجزء: 2 - الصفحة: 573

فصل قال المصنف رحمه الله: (وإذا كان الرهن مركوباً أو محلوباً فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر نفقته متحرياً للعدل في ذلك، وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه فهو متبرع، وإن عجز عن استئذانه ولم يستأذن الحاكم فعلى روايتين).
أما كون المرتهن له أن يركب ويحلب فيما ذكر بقدر نفقته فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الظهرُ يُرْكَبُ بِنفقتهِ إذا كانَ مَرهوناً، ولبنُ الدرِّ يُشرَبُ بِنفقتهِ إذا كانَ مَرهوناً، وعلى الذي يَركبُ ويشربُ النفقة» 386 رواه البخاري.
ولأن الحيوان نفقته واجبة وللمرتهن فيه حق وقد أمكنه استيفاء حقه من منافعه مع بقاء عينه فجاز كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند عدم الإنفاق عليها.
فإن قيل: المراد به أن الراهن ينفق وينتفع.
قيل: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه روي في بعض الألفاظ إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها.
والثاني: أن قوله: بنفقته فيه إشارة إلى أن الانتفاع عوض النفقة والراهن النفقة عليه لا بطريق المعاوضة وهذا الإنفاق لا فرق فيه بين تعذر النفقة من الراهن بعينه أو امتناع أو مع القدرة على أخذ النفقة منه أو استئذانه لعموم الحديث.
ويجب أن يكون الانتفاع بما ذكر بقدر النفقة لأن فيه معنى المعاوضة.
وعن أحمد لا ينتفع بما ذكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه».
ولأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به ولا الإنفاق عليه فلم تكن له ذلك كغير المرتهن.

الجزء: 2 - الصفحة: 574

والأول أصح؛ لما ذكر من الحديث.
وقوله: «غنمه» نقول به؛ لأن النماء عندنا للراهن لكن للمرتهن الانتفاع بما ذكر بشرط النفقة لما تقدم.
وفي قول المصنف رحمه الله: وإذا كان الرهن مركوباً أو محلوباً إشعار بأن المرتهن ليس له أن ينتفع بغيرهما.
وقد صرح بذلك المصنف رحمه الله في بقية كتبه وغيره من الأصحاب فيما عدا الخدمة وحكوا في الخدمة روايتين، والأصح أنه لا ينتفع من الرهن إلا بالركوب والحلب؛ لأن القياس يقتضي أن لا ينتفع بشيء من ذلك.
ترك ذلك في الركوب والحلب؛ للأثر.
فيبقى فيما عداه على مقتضى القياس.
وأما كون المرتهن متبرعاً إذا أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه؛ فلأنه مفرط حيث لم يستأذن المالك.
ولأن الرجوع فيه معنى المعاوضة فافتقر إلى الإذن والرضى كسائر المعاوضات.
وأما كونه إذا عجز عن استئذانه ولم يستأذن الحاكم يرجع على روايةٍ؛ فلأنه فعل ما يجب عليه وهو محتاج إليه لحراسة حقه أشبه الشريك إذا أنفق على الدابة المشتركة مع غيبة شريكه.
وأما كونه لا يرجع على روايةٍ؛ فلأن النفقة معاوضة فافتقرت إلى رضا المالك وإذنه كسائر المعوضات.
قال: (وكذلك الحكم في الوديعة وفي نفقة الجمال إذا هرب الجمّال وتركها في يد المكتري.
وإن انهدمت الدار فعمرها المرتهن بغير إذن الراهن لم يرجع به رواية واحدة).
أما كون حكم الإنفاق على الوديعة والجمال التي هرب جمّالها عنها حكم الإنفاق على الرهن على ما ذكر من التفصيل؛ فلتساوي الكل معنى الموجب للتساوي حكماً.
وأما كون المرتهن لا يرجع بما غرمه في الدار المرهونة بغير إذن الراهن رواية واحدة؛ فلأن العمارة لا تجب على الراهن بخلاف نفقة الحيوان.
وذكر صاحب النهاية فيها بعد قوله في هذه المسألة لا يرجع قولاً واحداً أن ابن عقيل قال: يحتمل أن يرجع؛ لأن غرضه حفظ وثيقته.
أشبه الحيوان.

الجزء: 2 - الصفحة: 575

فصل قال المصنف رحمه الله: (وإذا جنى الرهن جناية موجبة للمال تعلق أرشها برقبته ولسيده فداؤه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته أو بيعه في الجناية أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه.
وعنه: إن اختار فداءه لزمه جميع الأرش، فإن فداه فهو رهن بحاله، وإن سلمه بطل الرهن).
أما كون أرش الجناية تتعلق برقبة الرهن الجاني؛ فلأن الجناية مقدمة على حق المالك، والملك أقوى من الرهن فأولى أن تقدم على الرهن.
فإن قيل: المرتهن أيضاً مقدم على حق المالك.
قيل: حق المرتهن ثبت من جهة المالك بعقده بخلاف حق الجناية فإنه ثبت بغير اختياره مقدماً على حقه فيقدم على ما ثبت بعقده.
ولأن حق الجناية مختص بالعين بفواتها وحق المرتهن لا يسقط بفوات العين ولا يختص بها فكان تعلقه بها أخف وأدنى.
وأما كون السيد له الخيرة بين فدائه وبين بيعه وبين تسليمه؛ فلأن حق المجني عليه في قيمته لا في عينه.
وأما كونه يفديه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته على المذهب؛ فلأنه إن كان الأرش أقل فالمجني عليه لا يستحق أكثر من أرش الجناية عليه، وإن كانت القيمة أقل فلا يلزم السيد أكثر منها؛ لأن ما يدفعه عوض عن العبد فلا يلزمه أكثر من قيمته كما لو أتلفه.
وأما كونه يلزمه جميع الأرش إن اختار فداءه على روايةٍ؛ فلأنه ربما رغب فيه راغب فيشتريه بأكثر من قيمته.

الجزء: 2 - الصفحة: 576

وأما كونه إذا فداه رهناً بحاله؛ فلأن الرهن لم يبطل، وإنما قدم حق المجني عليه لقوته فإذا زال ظهر حق المرتهن.
وأما كونه إذا سلمه يبطل الرهن؛ فلأن الجناية تعلقت بالعبد وبالتسليم استقر كونه عوضاً عنها فبطل كونه مَحَلاًّ للرهن.
أشبه ما لو مات أو ظهر مستحقاً لغيره.
قال: (فإن لم يستغرق الأرش قيمته بيع منه بقدره وباقيه رهن.
وقيل: يباع جميعه، ويكون باقي ثمنه رهناً).
أما كون الجاني الذي لا يستغرق أرش جنايته قيمته يباع منه بقدر أرش الجناية فقط على المذهب؛ فلأن المقصود يحصل بذلك.
وأما كون باقيه رهناً؛ فلزوال المعارض.
وأما كونه يباع جميعه على قولٍ؛ فلأن تعلق الجناية كتعلق دين الرهن، ودين الرهن ينبسط على جميع أجزائه.
فكذلك دين الجناية.
فعلى هذا إذا بيع دفع منه أرش الجناية والباقي رهن؛ لأنه بدل عن الرهن وعوض عنه فتعلق به ما كان متعلقاً بمبدله.
قال: (وإن اختار المرتهن فداءه ففداه بإذن الراهن رجع به، وإن فداه بغير إذنه فهل يرجع به؟ على روايتين).
أما كون المرتهن يرجع بالفداء إذا فداه بإذن الراهن؛ فلأنه غرمه بإذن مالكه فوجب أن يستحق الرجوع به عليه كما لو أذن المضمون عنه لضامنه في الوفاء.
وأما كونه إذا فداه بغير إذنه هل يرجع به على روايتين؛ فلأنه في معنى ما إذا قضى دين الغير بغير إذنه.
وسيذكر الخلاف فيه إن شاء الله تعالى.
ويشترط في الخلاف المذكور: أن يكون المرتهن يعتقد الرجوع لأنه إذا فداه وهو لا يعتقد ذلك يكون متبرعاً.
ولم يذكر المصنف رحمه الله اعتقاد الرجوع؛ لأنه قد تقرر أن المتبرع ليس له أن يرجع.
واعتمد هنا على لحظ ذلك.
فإن قيل: فلو بذل المرتهن الفداء لتكون العين رهناً عليه وعلى الدين الأول هل كان له ذلك؟

الجزء: 2 - الصفحة: 577

قيل: نعم؛ لأنه في مقابلة جناية ملك الراهن وذلك لازم له، ولهذا تعلق برقبة ملكه.
ذكره ابن عقيل.
وقال صاحب النهاية فيها بعد ذكر قول ابن عقيل: يحتمل أن لا يصير رهناً بالفداء بل يكون ديناً بغير رهن؛ لأن الزيادة في دين الرهن لا يجوز.
قال: (وإن جنى عليه جناية موجبة للقصاص فلسيده القصاص، فإن اقتص فعليه قيمة أقلهما قيمة تجعل مكانه، وكذلك إن جنى على سيده فاقتص منه هو أو ورثته) 387. أما كون السيد له القصاص؛ فلأن حاجته داعية إلى ذلك صيانة لماله وزجراً لتعدي الغير عليه.
وقال أبو الخطاب في الهداية: ليس له القصاص بغير رضا المرتهن لما فيه من إسقاط حقه من الوثيقة ويندفع ذلك بإيجاب القيمة تجعل رهناً؛ لأن فيه تعويضاً عن العين فلم يسقط حقه.
وأما كون القيمة عليه إذا اقتص؛ فلأنه أتلف مالاً استحق بسبب إتلاف الرهن.
فغرم قيمته؛ كما لو كانت الجناية موجبة للمال.
وأما كون القيمة أقل القيمتين ومعناه أن الرهن لو كان يساوي عشرة والجاني خمسة أو بالعكس لم يكن عليه إلا الخمسة؛ فلأن في الأولى لم يفوت على المرتهن إلا ذلك القدر، وفي الثانية لم يكن حق المرتهن متعلقاً إلا بذلك القدر.
وقال المصنف في المغني: إن اقتص أخذت منه قيمته فجعلت مكانه رهناً.
وظاهره أنه يجب على الراهن جميع قيمة الجاني وهو متجه؛ لأنه بدل عن الرهن فكان كله رهناً.
وأما كون القيمة تجعل مكانه؛ فلأن ذلك بدل الرهن وعوض عنه.
وأما كون الحكم إذا جنى على سيده فاقتص منه هو أو ورثته كالحكم إذا جنى عليه أجنبي فاقتص الراهن منه؛ فلأنهما مستويان معنى فوجب أن يستويا حكماً.

الجزء: 2 - الصفحة: 578

قال: (فإن عفى السيد على مال أو كانت الجناية موجبة للمال فما قبض منه جعل مكانه فإن عفى السيد عن المال صح في حقه ولم يصح في حق المرتهن، فإذا انفك الرهن رد إلى الجاني.
وقال أبو الخطاب: يصح وعليه قيمته).
أما كون ما قبض من الفداء إذا عفى السيد على مال أو كانت الجناية موجبة له يجعل مكانه؛ فلأن ذلك بدل عنه فوجب أن يعطى حكمه.
وأما كون السيد إذا عفى عن المال يصح في حقه دون المرتهن على الأول؛ فلأن عفوه صادف حقاً له وحقاً لغيره فصح في حقه؛ لأنه لا مانع منه ولم يصح في حق الغير لما فيه من إبطال حقه.
فعلى هذا إذا انفك الرهن رد إلى الجاني؛ لزوال المانع.
وأما كونه يصح مطلقاً على قول أبي الخطاب؛ فلأنه إبراء صدر من مالك فوجب أن يصح كما لو لم يكن بدلاً عن رهن وحق المرتهن مجبور بإيجاب القيمة على الراهن.
فعلى هذا عليه قيمته ليحصل الجبر.
وقال بعض أصحابنا: لا يصح مطلقاً؛ لأن حق المرتهن متعلق به.
أشبه ما لو وهبه أو ما لو عصبه فأبرأ الغاصب منه.
قال: (وإن وطئ المرتهن الجارية من غير شبهة فعليه الحد والمهر، وولده رقيق.
وإن وطئها بإذن الراهن، وادعى الجهالة، وكان مثله يجهل ذلك فلا حد عليه ولا مهر وولده حر لا تلزمه قيمته).
أما كون المرتهن عليه الحد والمهر إذا وطئ الجارية المرهونة بغير شبهة؛ فلأنه وطء حرام لا شبهة فيه فأوجب ذلك كما لو لم يكن رهناً.
وأما كون ولده رقيقاً؛ فلأن الجارية ملك لغير الواطئ.
وأما كونه لا حد عليه إذا وطئ بإذن الراهن وادعى الجهالة ومثله يجهل ذلك؛ فلأن ذلك شبهة والحد يدرأ بالشبه.
وأما كونه لا مهر عليه؛ فلأن المهر يجب للسيد بسبب الوطء وقد أذن فيه.
أشبه قيمة الجارية إذا أذن في قتلها.

الجزء: 2 - الصفحة: 579

وأما كون ولده حراً؛ فلأنه اعتقد حل الوطء وأن ولده حر وكان حراً كولد المغرور.
وأما كونه لا تلزمه قيمته بخلاف المغرور؛ فلأن ذلك حدث عن وطء ما دون فيه.
فلم تلزمه قيمة الولد؛ كالمهر.
وقال صاحب النهاية فيها: قال ابن عقيل: لا تسقط قيمة الولد؛ لأنه أحال بين الولد وبين مالكه باعتقاده فلزمه قيمته كالمغرور.
وفرّق بين المهر والولد من حيث: إن الإذن صريح في الوطء الموجب للمهر فأسقطه بخلاف الولد فإن الإذن في الوطء ليس بصريح في الإحبال فلم يسقطه.
ثم قال صاحب النهاية: والأول أصح؛ لأن الإذن في الوطء إذن فيما يترتب عليه، والإحبال والولد مما يترتب عليه فكان إذناً فيه.
فلم تلزمه قيمة الولد؛ كالمهر.

الجزء: 2 - الصفحة: 580

فصول الكتاب · 35 فصل
جارٍ التحميل