كتاب الأطعمة
قال المصنف رحمه الله: (والأصل فيها الحِلّ.
فيحل كل طعام طاهر لا مضرة فيه من الحبوب والثمار وغيرها).
أما كون الأصل في الأطعمة الحِلّ؛ فلأنها خلقت للانتفاع بها.
قال الله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: 29]، وقد نبَّهَ على ذلك قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه ... الآية﴾ [الأنعام: 145].
وأما كون كل طعام طاهر لا مضرة فيه يحل؛ فلأن الحل الأصلي يدل عليه.
وهو سالم عن معارضة النجس والمضر.
فوجب أن يعمل عمله؛ لسلامته عن المعارض.
وفي تقييد المصنف رحمه الله الذي يحل بالقيود المذكورة احتراز من الشيء الذي لا يكون كذلك؛ لتمييز الحلال من الحرام.
فالطاهر يحترز به عما ليس بطاهر وهو النجس.
وسيأتي بعد دليل حرمته.
ولا مضرة فيه يحترز به عما فيه مضرة؛ كالسموم وما أشبه ذلك؛ لأن جميع ما فيه مضرة حرام؛ لما يذكر بعد إن شاء الله تعالى.
وقوله: من الحبوب والثمار؛ بيان لما يحل أكله مما جمع الصفات المتقدم ذكرها.
وقوله: وغيرها؛ تنبيه على أن ما عدا الحبوب والثمار مما يجمع الطعم والطهارة وعدم المضرة حلال؛ كالحبوب والثمار المصرح بهما.
قال: (فأما النجاسات؛ كالميتة والدم وغيرهما وما فيه مضرة من السموم ونحوها فمحرَّمة).
أما كون الميتة والدم محرمين؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿حُرّمت عليكم الميتةُ والدم﴾ [المائدة: 3].
ولأن أكل الميتة أقبح من الادِّهان بدهنها والاستصباح به وهو حرام؛ لما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن شحوم الميتة: أيطلى بها السفن ويُدهن بها الجلود
الجزء: 4 - الصفحة: 357
ويَستصبحُ بها الناس؟ فقال: لا.
هو حرام» 1. فلأن يحرم ما هو أقبح من ذلك بطريق الأولى.
وأما كون غير ذلك من النجاسات محرماً؛ فلأن النجس خبيث وقد حرم الله أكل الخبيث.
وفي الحديث: «لما سئل عن فأرة وقعت في سمن: لا تقربوه» 2. وفي الأكل قربانه، وذلك منهي عنه، والنهي يقتضي التحريم.
وأما كون ما فيه مضرة من السموم محرماً؛ فلأن ذلك يقتل غالباً.
فحرم أكله؛ لإفضائه إلى الهلكة.
ولذلك عُدَّ من أطعمَ السُّمَّ لغيره قاتلاً.
وأما كون ما فيه مضرة نحو 3 السموم محرماً؛ فلمشاركتهِ السمومَ المضِرَّةَ الموجبةَ للهلكَة.
قال: (والحيوانات مباحة إلا الحمر الأهلية، وما له ناب يفرس به؛ كالأسد والنمر والذئب والفهد والكلب والخنزير وابن آوى والسنور وابن عرس والنمس 4 والقرد؛ إلا الضبع.
وما له مخلب من الطير يصيد به؛ كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والحدأة والبومة.
وما يأكل الجيف؛ كالنسر والرخم [واللقلق وغراب البَيْن والأبْقَع.
وما يستخبث؛ كالقنفذ والفأر والحيات والعقارب] 5. والحشرات كلها.
وما تولد من مأكول وغيره كالبغل، والسِمْع ولد الضبع من الذئب، والعِسْبَار ولد الذئبة من الذِّيخ).
أما كون الحيوانات ما خلا المستثنى مباحة؛ فلما تقدم من أن الأصل في الأطعمة الحل.
ولأن الله تعالى قال: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ [المائدة: 1].
الجزء: 4 - الصفحة: 358
و «أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة بأكل لحم الحمار الذي صاده»، فيثبت في المنصوص بالنص وفيما عداه بالقياس.
ولأن قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعمٍ يطعمه﴾ [الأنعام: 145]: يقتضي حل سائر الأشياء ما عدا الميتة والدم ولحم الخنزير.
تُرك العمل به في الأشياء المحرمة الآتي دليل تحريمها.
فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون الحمر الأهلية غير مباحة؛ فلما روى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحومِ الحمرِ الأهلية، وأذن في لحومِ الخيل» 6 متفق عليه.
وأما كون ما له ناب يفرس به غير الضبع محرم 7؛ فلما روى أبو ثعلبة الخشني «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع» 8 متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلُّ ذي نابٍ من السباع حرام» 9.
قال ابن عبدالبر: هذا حديث ثابت صحيح مجمع على صحته.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالأسد والنمر والذئب والفهد والكلب والخنزير وابن آوى والسنور وابن عرس والنمس 10 والقرد؛ فتمثيل لما له ناب يفرس به وتعداد له.
وأما كون الضبع مباحاً وإن كان له ناب؛ فلما روى جابر قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل الضبع.
قلت: صيد هو؟ قال: نعم» 11.
الجزء: 4 - الصفحة: 359
وفي لفظ: «سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع.
فقال: هو صيدٌ.
ويجعلُ فيه كبشٌ إذا صادَهُ المحرم» 12. رواه أبو داود.
فإن قيل: فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي نابٍ فلم لا يدخل الضبع فيه؟
قيل: لأن الدال 13 على حله خاص والنهي المذكور عام، والخاص يقدم على العام.
وأما كون ما له مخلب من الطير غير مباح؛ فلما روى ابن عباس قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير» 14.
وعن خالد بن الوليد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرامٌ عليكم الحمرُ الأهلية، وكل ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير» 15. رواهما أبو داود.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والحدأة والبومة؛ فكما ذكر في الأسد وما معه.
وأما كون ما يأكل الجيف غير مباح؛ فلأن الجيف نجسة.
فأكلها دائماً بطبعه يصيّر لحمه وسائر أجزائه مختلطاً بالنجاسة.
ولأنه إذا حرمت الجلاَّلة؛ لأكلها النجاسة فلأن يحرم ما يأكل 16 الجيف بطريق الأولى.
الجزء: 4 - الصفحة: 360
وأما قوله: كالنسر والرخم واللقلق وغراب البين والأبقع؛ فكما تقدم.
وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغراب فاسقاً فقال: «خمسُ فواسق يقتلن في الحل والحرم -وذكر منهن- الغراب» 17. والبواقي في معناه؛ لمشاركتها له في أكل الجيف.
وأما كون [ما يستخبث غير مباح؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: 157].
والعبرة في ذلك بالعرب] 18 من [يعافه من] 19 أهل الحجاز من الأمصار دون أهل البوادي؛ لأن أهل البادية للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا.
ولذلك سئل بعضهم عما يأكلون فقال: ما دَبَّ ودرجَ إلا أمُّ حُبَيْن 20 فقال: لتهن أم حبين العافية.
وأما قوله: كالقنفذ والفأر والحيات والعقارب والحشرات كلها؛ فتمثيل لما تقدم.
وعن أبي هريرة «ذُكرت القنفذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هو خبيث من الخبائث» 21. رواه أبو داود.
وأما كون ما تولد من مأكول وغير مأكول غير مباح؛ فلأنه يتولد من مباح وغير مباح فغلب جانب التحريم.
وأما قوله: كالبغل والسمع والعسبار؛ فكما تقدم.
وفي حديث جابر: «ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل» 22. صرح بذلك في البغل وهو متولد من مأكول وغير مأكول فثبت
الجزء: 4 - الصفحة: 361
فيه بالنص، وفي السمع والعسبار بالقياس عليه.
والبغل يكون تارة من حمار وحجرة، وتارة من فحل وحمارة.
والسمع والعسبار ما ذكر ونبَّه عليه المصنف رحمه الله؛ ليعلم.
والذيخ: الذكر من الضبعان.
فيكون العسبار عكس السِّمع.
قال: (وفي الثعلب والوبر وسِنَّوْر البر واليَربُوع روايتان).
أما كون الثعلب غير مباح في روايةٍ؛ فلأنه سبع فيدخل في: «نهيه عليه السلام: عن كل ذي نابٍ من السباع» 23.
وأما كونه مباحاً في روايةٍ؛ فلأنه يُفدى في الحرم والإحرام.
والأولى أظهر؛ للنهي المتقدم.
وأما كون الوبر غير مباح في روايةٍ ومباح 24 في روايةٍ؛ فبالقياس على السِّنَّوْر الآتي ذكره.
وأما كون سِنَّوْر البرّ غير مباح في روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نَهى عن أكلِ الهِرِّ» 25 فيدخل فيه البري.
وأما كونه مباحاً في روايةٍ؛ فلأنه بري.
أشبه الحمار البري.
وأما كون اليَرْبوع غير مباحٍ في روايةٍ؛ فلأنه أشبه الفأر.
وأما كونه مباحاً في روايةٍ؛ فـ «لأن عمر حكم فيه بجَفْرَة» 26.
ولأن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد محرم ولم يوجد.
وهذه الرواية هي الصحيحة في ظاهر كلام المصنف رحمه الله في المغني.
قال: (وما عدا هذا مباح؛ كبهيمة الأنعام والخيل والدجاج والوحشي من البقر والظباء والحمر والزرافة والنعامة والأرنب، وسائر الوحش والضبع والضب
الجزء: 4 - الصفحة: 362
والزاغ وغراب الزرع، وسائر الطير، وجميع حيوان البحر، إلا الضفدع والحية والتمساح.
وقال ابن حامد: وإلا الكوسج.
وقال أبو علي النجاد: لا يباح من البحري ما يحرم نظيره في البر؛ كخنزير الماء وإنسانه).
أما كون ما عدا ما تقدم تحريمه من الحمر الأهلية ... إلى ما تولد من مأكول وغيره مباحاً؛ فلما تقدم من أن الأصل الحل.
وأما قول المصنف رحمه الله: كبهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ... إلى جميع حيوان البحر إلا المستثنى؛ فبيان للأشياء المباحة وتعداد لها.
وقد دلت 27 النصوص على إباحة أكثرها وباقيها في معنى المنصوص على إباحته: أما بهيمة الأنعام؛ فلما تقدم من أن 28 الله تعالى قال: ﴿أُحِلّت لكم بهيمةُ الأنعام﴾ [المائدة: 1].
وأما الخيل؛ فلما تقدم في حديث جابر من «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهى يوم خيبر عن لحومِ الحمرِ 29 الأهليةِ، وأذنَ في لحومِ الخيل» 30.
وعن أسماء قالت: «نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً ونحن بالمدينة» 31 متفق عليهما.
ولأنه حيوان طاهر مستطاب ليس بذي ناب ولا مخلب فأبيح؛ كبهيمة الأنعام.
وأما الدجاج؛ فلما روى أبو موسى قال: «رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكلُ الدّجاج» 32 متفق عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 363
وأما الوحشي من البقر والظباء والحمر؛ فلما تقدم من «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا قتادة وأصحابه بأكل لحم الحمار الوحشي» 33. والبقر والظباء في معناه.
ولأن كل واحدٍ منهما صيد فيدخل في قوله عليه السلام: «صيدُ البرِّ لكمْ حَلال» 34.
وأما الزرافة؛ فلما تقدم من أن الأصل الحل.
ولأنها دابة تشبه البعير إلا أن عنقها أطول من عنق البعير، وجسمها ألطف من جسمه وأعلا منه، وذلك لا أثر له.
فوجب إلحاقها به.
وأما النعامة؛ فلما تقدم من أن الأصل الحل.
ولأنها دابة تشبه البطة إلا أنها أكبر منها، وعنقها أطول من عنقها، وذلك لا أثر له.
فوجب إلحاقها بها.
وأما الأرنب؛ فلما روى أنس قال: «أنْفَجْنا أرنبًا بمرِّ الظهران.
فسعى القوم فَلَغَبُوا.
فأخذتُها فجئت بها إلى أبي طلحة.
وبعث بورِكِهَا أو قال: فخذِها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبِلَه» 35. متفق عليه.
وعن محمد بن صفوان أن صفوان بن محمد قال: «صدتُ أرنبينِ فذبحتُهما بمروةٍ.
فسألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأمره بأكلِهما» 36. رواه أبو داود.
وأما سائر الوحش؛ فلما تقدم من أن الأصل الحل.
وأما الضبع؛ فلما تقدم في قول المصنف رحمه الله: إلا الضبع من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هو صيد» 37 ونحوه.
الجزء: 4 - الصفحة: 364
وأما الضب؛ فلما روى ابن عباس قال: «دخلتُ أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة.
فأُتي بضب محنوذ.
فقيل: هو ضب يا رسول الله! فرفع يده.
فقلت: أحرام هو؟ قال: لا.
ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدُني أعافُه.
قال: فاجتررته فأكلته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر» 38 متفق عليه.
وعن عمر: [«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم الضب ولكن قذره.
ولو كان عندي لأكلته» 39.
وعن ابن عباس]: 40 «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركَ الضبَّ تقذُّراً، وأُكل على مائدته، ولو كان حراماً ما أُكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم» 41. رواه أبو داود.
وأما الزاغ وهو الصغير الأغبر وغراب الزرع وهو الصغير الأسود؛ فلأن مرعاهما الزرع والحبوب.
وأما سائر الطير؛ فلما تقدم من أن الأصل في الأطعمة الحل.
وأما جميع حيوان البحر ما خلا الضفدع والحية والتمساح على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أُحِّل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: 96].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر: «هو الطَّهورُ ماؤُهُ، الحلُّ ميتَتُه» 42.
وعن شريح عن 43 رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلُّ شيءٍ في البحرِ مذبوحٌ» 44.
الجزء: 4 - الصفحة: 365
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ذبحَ في البحرِ كل شيءٍ لابن آدم» 45.
وأما كون الضفدع غير مباح؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتله» 46.
وأما كون الحية غير مباحة؛ فلأنها من الخبائث.
وأما كون التمساح غير مباح؛ فلأن له ناب يجرح به.
وأما كون الكوسج غير مباح عند ابن حامد؛ فلأنه يأكل الناس.
وأما كون ما له نظير في البر غير مباح على قول أبي علي النجاد؛ فلأنه يشبهه.
فعلى هذا لا يباح إنسان الماء ولا كلبه ولا خنزيره؛ لأن نظير ذلك كله في البر لا يباح.
قال: (وتحرم الجلاَّلةِ التي أكثر علفها النجاسة، ولبنها وبيضها حتى تحبس.
وعنه: تكره ولا تحرم، وتحبس ثلاثاً.
وعنه: يحبس الطائر ثلاثاً والشاة سبعاً، وما عدا ذلك أربعين يوماً).
أما كون لحم الجلاّلة ولبنها يحرم حتى تحبس على المذهب؛ فلما روى ابن عمر قال: «نَهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكلِ الجلاَّلةِ وألبانِها» 47. رواه أبو داود.
وأما كون بيضها يحرم حتى تحبس على ذلك؛ فبالقياس على اللحم واللبن.
وأما كون ذلك كله يكره ولا يحرم على روايةٍ: أما كونه يكره؛ فللنهي المتقدم ذكره؛ لأنه إذا لم نحرمه فلا أقل من أن 48 نجعله مكروهاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 366
ولأنه يختلف في حرمته.
وأما كونه لا يجرم؛ فلأنه حيوان أصله الإباحة.
فلم يحرم بما ذكر استصحاباً لأصل الإباحة.
وأما كون الجميع يحبس ثلاثاً؛ فـ «لأن ابن عمر كان إذا أراد أكل الجلاّلةِ حبَسَها ثلاثًا (1»).
وأما كون الطائر يحبس ثلاثاً 50.
وأما كون الشاة تحبس سبعاً 51.
وأما كون ما عدا ذلك كالإبل والبقر ونحوهما يحبس أربعين يوماً؛ فلما روى عبدالله بن عمرو بن العاص قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإبل الجلاّلة أن يؤكل لحمها، ولا يشرب لبنها، ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة» 52. رواه الخلال بإسناده.
قال: (وما سقيه بالماء النجس من الزروع والثمر يحرم، فإن سقي بالطاهر طهر.
وقال ابن عقيل: ليس بنجس ولا محرم، بل يطهر بالاستحالة؛ كالدم يستحيل لبناً).
أما كون ما سقيه بالماء النجس من الزروع والثمر محرماً على المذهب؛ فلأنه ينمى بالنجاسة وتتربى أجزاؤه منها، وفي الحديث عن ابن عباس: «كنا نكري أراضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشترط عليهم أن لا يُدْمِلوها بعذرة الناس» 53. ولولا أن ما يزرع فيها يحرم لما كان في الاشتراط فائدة.49
الجزء: 4 - الصفحة: 367
وأما كونه إذا سقي بالماء الطهور -وهو المراد بقول المصنف رحمه الله: الطاهر-: يطهر؛ فلأن الماء الطهور معد لتطهير النجاسة وغاية ما يقال: أنه يتنجس بسقي النجس.
وأما كونه ليس بنجس عند ابن عقيل؛ فلما ذكره من القياس على اللبن وذلك أن الدم نجس فإذا صار لبناً طهر باستحالته، وهذا المعنى موجود في الزروع المذكورة.
وأما كونه ليس بمحرم؛ فلأن المحرم له كونه نجساً وهو عنده طاهر؛ لما تقدم من قياسه على اللبن.
الجزء: 4 - الصفحة: 368
فصل [فيمن اضطر إلى محرم]
قال المصنف رحمه الله: (ومن اضطر إلى محرم مما ذكرنا حل له منه 54 ما يسد رمقه.
وهل له الشبع؟ على روايتين).
أما كون من اضطر إلى محرم مما ذكره المصنف رحمه الله يحل له منه ما يسد رمقه؛ فلأن الله تعالى ذكر المحرمات ثم قال: ﴿فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه﴾ [البقرة: 173].
وأما كونه له الشبع من ذلك على روايةٍ؛ فلما روى جابر بن سمرة «أن رجلاً نزلَ الحرّةَ فَنَفَقَتْ عنده ناقة.
فقالت له امرأته: اسْلَخْهَا حتى نُقَدِّدَ شحمَهَا ولحمَهَا ونأكلَهُ.
فقال: حتى أسألَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
[فسأله] فقال: هل عندكَ غنىً يُغنيك؟ قال: لا.
قال: فكلُوها» 55. ولم يفرق.
رواه أبو داود.
ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه.
دليله المباح.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأن المبيح الضرورة، وهي تزول بعد 56 الرمق.
فإن قيل: ما المراد بالمضطر هاهنا؟
قيل: هو الذي يخاف على نفسه التلف إن يترك الأكل.
سواء خاف من جوع أو خاف أن يعجز عن المشي أو الركوب إن ترك الأكل فينقطع عن الرفقة ويهلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 369
قال: (وإن وجد طعاماً لا يعرف مالكه وميتة أو صيداً وهو مُحْرم فقال أصحابنا: يأكل الميتة.
ويحتمل أن يحل له الطعام والصيد إذا لم تقبل نفسه الميتة).
أما كون من وجد طعاماً لا يعرف مالكه وميتة: يأكل الميتة دون طعام الغير على قول أصحابنا؛ فلأنه منصوص على فعله، وأكل مال الآدمي بغير إذنه مجتهد فيه.
ولأن حقوق الله مبنية على المسامحة، وحق الآدمي مبني 57 على الشح والضيق.
وأما كون من وجد ميتة وصيداً وهو مُحْرم يأكل الميتة دون الصيد؛ فلأن في الصيد تحريمات ثلاثة: تحريم قتله، وتحريم أكله؛ لكونه صيداً، وتحريم أكله؛ لكونه ميتة؛ لأن ما ذبحه المحرم يصير ميتة.
وأما كون الأول يحتمل أن يحل له الطعام إذا لم تقبل نفسه الميتة؛ فلأن طعام الغير لم يحرم لمعنى فيه بل لحق الغير وذلك يجوز بوجوب الضمان.
بخلاف الميتة فإنها حرمت لمعنى فيها وهو موجود عند الاضطرار.
ولأن في إلزامه بأكل ما لم تقبل نفسه إضراراً به، وربما أدى حاله إلى ترك الأكل.
فيحصل المحذور الذي أبيح من أجله أكل الميتة.
وذلك مطلوب العدم.
وأما كون المحرم يأكل الصيد إذا لم تقبل نفسه الميتة؛ فلأن الصيد يساوي طعام الغير فيما ذكر معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
لا يقال: الصيد يصير بذبح المحرم ميتة فيساوي الميتة الذي وجدها معه بخلاف طعام الغير؛ لأن الصيد وإن صار بما ذُكر ميتة لكن حكماً، وحينئذ لم 58 يوجد فيه ما في الميتة حقيقة من حيث المحل ونحوه.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله فيه نظر من وجوه:
أحدها: أنه وصف الطعام بكونه لا يعرف واجدُه مالكَه.
وظاهره اشتراط ذلك في أكل الميتة حقيقة على قول الأصحاب، وفي أكل الطعام والصيد على الاحتمال.
الجزء: 4 - الصفحة: 370
وثانيها: أن 59 قوله: وإن وجد طعاماً لا يعرف مالكه وميتة أو صيداً ظاهره أن الواجد تارة يجد الطعام المذكور والميتة، وتارة يجد الطعام المذكور والصيد؛ لأن "أو" العاطفة على الميتة لا الطعام.
وثالثها: أن قوله: فقال أصحابنا: يأكل الميتة فيه إشعار بتضعيف ذلك؛ لأنه العادة منه في غير موضع من كتابه.
وقوله: ويحتمل ليس بظاهر في الترجيح.
قيل: أما الأول فليس مراده من وصف الطعام بما ذكر الاشتراط المذكور، وإنما وصفه بذلك؛ لأن الطعام الذي يعرف مالكه تأتي فيه الأحكام الآتي ذكرها.
ويمكن أن يقال: ما يعرف مالكه يمكن غالباً أن يستأذنه في الأكل.
والظاهر من حال المسلم أنه لا يمنع المضطر إليه من أكله إذا كان مستغنياً عنه فلا يحصل التعارض بين أكل ذلك وأكل الميتة فيكون ذلك شرطاً كما ذكر.
وأما الثاني: فالعطف 60 بـ "أو" على الطعام لا على الميتة، وذلك وإن قرب من الميتة فقوله بعد: فقال أصحابنا: يأكل الميتة يرده؛ لأنه يدل على أن الميتة موجودة في المسألتين؛ لاقتصاره على ذكرها وإلا قال: والصيد.
وقوله: ويحتمل أن يحل له الطعام والصيد إذا لم تقبل نفسه الميتة يرده أيضاً؛ لأنه يدل على وجود الميتة مع الطعام تارة ومع الصيد أخرى.
وأما الثالث ... 61.
قال: (وإذا لم يجد إلا طعاماً لم يبذله مالكه، فإن كان صاحبه مضطراً إليه فهو أحق به، وإلا لزمه بذله بقيمته.
فإن أبى فللمضطر أخذه قهراً ويعطيه قيمته.
فإن منعه فله قتاله على ما يسد رمقه أو قدر شبعه على اختلاف الروايتين.
فإن قُتل صاحب الطعام لم يجب ضمانه.
وإن قُتل المضطر فعليه ضمانه).
أما كون صاحب الطعام أحق به ممن لم يجد إلا طعاماً لم يبذله مالكه إذا كان مضطراً إليه؛ فلأنه ساواه في الضرورة وانفرد بالملك.
الجزء: 4 - الصفحة: 371
وأما كونه يلزمه بذله بقيمته إذا لم يكن مضطراً إليه؛ فلأن في بذله إحياء نفس آدمي معصوم.
فلزمه بذله؛ كما يلزمه بذل منافعه في تخليصه من الغرق.
وأما كون المضطر له أخذ ذلك قهراً إذا أبى مالكه دفعه؛ فلأن المضطر باضطراره صار مستحقاً له.
وأما كونه يعطي المالك القيمة؛ فلئلا يجتمع فيه فوات العين وفوات المالية.
وأما كونه له ذلك على ما يسد رمقه أو قدر شبعه على اختلاف الروايتين إذا منعه من ذلك؛ فلأنه من الواجب عليه.
أشبه مانعي الزكاة.
وإنما قال المصنف رحمه الله: على اختلاف الروايتين؛ للتنبيه على أن المبيح للقتال منع ما يباح له؛ لأنه الواجب.
فإن قيل: بإباحة ما يسد رمقه دون ما يشبعه فله قتاله على ذلك؛ لأنه الواجب لا على مقدار الشبع؛ لأنه غير واجب.
وإن قيل يباح له الشبع فله قتاله على الشبع؛ لأنه مباح له.
فيجب بذله؛ كالذي يسد رمقه.
وأما كونه لا يجب عليه ضمان صاحب المال إذا قتله؛ [فلأنه ظالم يمنعه.
فقتْله جاء من تعديه.
فلم يُضمن؛ كالصائل.
وأما كونه إذا قُتل على صاحب الطعام ضمانه] 62؛ فلأنه قتله مظلوماً.
أشبه قتل المصال عليه.
قال: (فإن لم يجد إلا آدمياً مباح الدم؛ كالحربي والزاني المحصن حل قتله وأكله).
أما كون المضطر إذا لم يجد إلا من ذكر يحل له قتله؛ فلأنه يحل لغير المضطر.
فلأن يحل له بطريق الأولى.
وأما كونه يحل له أكله؛ فلأنه بقتله يصير ميتة فيدخل في قوله تعالى: ﴿حُرِّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ... -إلى قوله-: فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم فإن الله غفور رحيم﴾ 63 [المائدة: 3].
الجزء: 4 - الصفحة: 372
قال: (وإن وجد معصوماً ميتاً ففي جواز أكله وجهان).
أما كون من تقدم ذكره لا يجوز له أكل من ذكر في وجه؛ فلأن الحي والميت يشتركان في الحرمة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كسرُ عظمِ الميتِ ككسرِ عظمِ الحي» 64.
وأما كونه يجوز له في وجه؛ فلأنه مضطر وحرمة الحي أعظم من حرمة الميت.
والحديث يحمل على غير حال الضرورة بدليل أن المباح الدم لا يجوز كسر عظمه ويجوز أكله.
ولأنه يمكن الأكل من الميت من غير كسر عظمه.
إذا علم ذلك فمفهوم كلام المصنف رحمه الله: أن الحي المعصوم لا يجوز قتله وأكله.
وصرح به في المغني وعلله بأمرين 65:
أحدهما: الإجماع.
والثاني: أن المعصوم الحي مثل المضطر، فلا يجوز أن يقي نفسه بإتلافه.
الجزء: 4 - الصفحة: 373
فصل [فيمن مر بشجر لا حائط عليه]
قال المصنف رحمه الله: (ومن مرّ بثمر في شجرة لا حائط عليه ولا ناظر فله أن يأكل منه ولا يَحْمل.
وعنه: لا يحل له ذلك إلا لحاجة.
وفي الزرع وشُرب لبن الماشية روايتان).
أما كون من مرّ بثمر موصوفٍ بما ذُكر له أن يأكل منه على المذهب؛ فلما روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أتيتَ حائطَ بستان فنادِ صاحبَ البستانِ.
فإن أجابكَ، وإلا فكُلْ من غيرِ أن تُفْسِد» 66.
وعن عمر رضي الله عنه: «يأكل ولا يَتخذْ خُبْنَة» 67.
وعن أبي زينب التيمي 68 قال: «سافرت مع أنس بن مالك وعبدالرحمن بن سمرة وأبي بردة 69 فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون في أفواههم» 70.
وأما كونه لا يحل له ذلك إلا لحاجة على روايةٍ؛ فلأن قوله عليه السلام: «دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا» 71 متفق عليه: يدل على حرمة الأكل من مال الغير مطلقاً.
تُرك العمل به مع الحاجة؛ لما روى
الجزء: 4 - الصفحة: 374
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سُئل عن الثمر المعلّق.
فقال: ما أصابَ منه من ذي الحاجة غيرَ متخذٍ خُبْنَةً فلا شيء عليه.
ومن أخرج منه شيئاً فعليه غرامةُ مثليه 72 والعقوبة» 73. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
فيجب أن يبقى فيما عدا الحاجة على مقتضى الحديث المتقدم ذكره.
وأما كون من مرّ بذلك لا يَحْمل سواء كان محتاجاً أو لم يكن؛ فلأن الأحاديث الدالة على جواز الأكل مشعرة بعدم الأخذ.
فإن في حديث أبي سعيد: «فكل من غير أن تفسد» 74، وفي حديث عمر: «ولا يتخذ خُبْنَة» 75، وفي حديث عمرو بن شعيب: «غيرَ متخذٍ خُبْنَة».
وأما كون من مرّ بثمر في شجر عليه حائطاً أو ناظر -أي ناطور- ليس له أن يأكل؛ فإن ابن عباس قال: «إن كان عليها حائط فهو حرام فلا تأكل» 76.
ولأن إحرازها بذلك يدل على شح صاحبها وعدم المسامحة فيها.
وأما كون من مرّ بزرع ليس له أكله في روايةٍ؛ فلأن مقتضى قوله عليه السلام: «إن أموالكم عليكم حرام» 77: حرمة أكل مال الغير.
تُرك العمل به في الثمر؛ للأحاديث المتقدم ذكرها.
فيجب أن يبقى في الزرع؛ كسائر الأشياء.
وأما كونه له أكله دون حمله في روايةٍ؛ فلأن العادة جارية بأكله فريكاً.
أشبه الثمر.
الجزء: 4 - الصفحة: 375
وأما كونه له شرب لبن الماشية في روايةٍ؛ فلما روى الحسن بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى أحدكم على ماشيةٍ فإن كان فيها صاحبها فليستأذِنْه.
فإن أَذِنَ له فليحلِبْ وليشربْ.
وإن لم يكن فيها فليصوِّتْ ثلاثاً، فإن أجابَ أحدٌ فليستأذنه، وإن لم يجبه أحدٌ فليحلبْ وليشربْ ولا يحمِل» 78. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأما كونه ليس له ذلك في روايةٍ؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام: «إن أموالكم عليكم حرام» 79، ولما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحلبنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلا بإذنِه ... مختصر» 80 متفق عليه.
فإن قيل: حيث حرم الثمر والزرع ولبن الماشية فهل الحرمة عامة في المضطر وغيره أم خاصة بغير المضطر؟
قيل: بل خاصة بغير المضطر.
فإن كان المارّ مضطراً كان له الأكل من جميع ذلك على الروايتين؛ لأن المضطر مباح له أكل الميتة.
فلأن يباح له ذلك بطريق الأولى.
ويقدم 81 الأكل من ذلك على الأكل من الميتة؛ لأنه مختلف فيه فهو أسهل.
الجزء: 4 - الصفحة: 376
قال: (ويجب على المسلم ضيافة المسلم المجتاز به يوماً وليلة.
فإن أبى فللضيف طلبه به 82 عند الحاكم.
وتستحب ضيافته ثلاثاً.
فما زاد فهو صدقة.
ولا يجب عليه إنزاله في بيته؛ إلا أن لا يجد مسجداً أو رباطاً يبيت فيه).
أما كون ضيافة المسلم المجتاز بالمسلم تجب عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليلةُ الضيف حقٌ واجب على كل مسلم» 83.
وأما كونها يوماً وليلة؛ فلما روى أبو شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الضيافةُ ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة ... مختصر» 84 متفق عليه.
قال: «جائزته يوم وليلة» كأنه آكد من سائر الثلاثة.
وفي تقييد المصنف رحمه الله من تجب ضيافته بكونه مسلماً إشعار بأن ضيافة الكافر لا تجب.
وصرح في المغني بوجوبها للكافر؛ كالمسلم، وعموم الحديث يدل عليه.
وفي عدم تقييد من تجب ضيافته بكونه مسافراً إشعار بوجوبها للمسافر وغيره.
وصرح به في المغني محتجاً بعموم الحديث.
ثم قال: وعن الإمام أحمد رواية أخرى: أن الضيافة تجب على أهل القرى دون أهل الأمصار.
وأما كون الضيف له أن يطالب المجتاز به إذا أبى تضييفه؛ فلما روى المقدام ابن أبي كريمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلةُ الضيفِ حقٌ واجب، فإن أصبحَ بفنائِه فهو دَين عليه، إن شاءَ اقتضى وإن شاءَ ترك» 85.
وفي لفظ رواه أبو داود: «أيما رجلٍ ضافَ قوماً فأصبحَ الضيفُ محروماً.
فإنّ نصْرَهُ على كل مسلم حتى يأخذَ بحقه من زرعهِ وماله» 86. ولو لم يكن له طلبه لما وجب نصره.
الجزء: 4 - الصفحة: 377
وأما كونها تستحب ثلاثاً؛ فلما تقدم في حديث أبي شريح الخزاعي، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة» فيجب حمل الثلاث على الاستحباب والليلة على الوجوب.
وأما كون ما زاد على ذلك صدقة؛ فلأنه تبرع من التبرعات.
فكان صدقة؛ كصدقة النفل.
وأما كون إنزاله في بيته إذا وجد مسجداً أو رباطاً يبيت فيه لا يجب عليه؛ [فلأن الضيف يستغني بالمبيت في ذلك.
وأما كون إنزاله في بيته إذا لم يجد ذلك يجب عليه] 87؛ فلأن حاجته تدعو إليه.
أشبه الضيافة.
الجزء: 4 - الصفحة: 378
باب الذ كاة
قال المصنف رحمه الله: (ولا يباح شيء من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة، إلا الجراد وشبهه، والسمك، وسائر ما لا يعيش إلا في الماء فلا ذكاة له.
وعنه: في السرطان وسائر البحري أنه يحل بلا ذكاة.
وعنه: في الجراد لا يؤكل إلا أن يموت بسبب؛ ككبسه وتغريقه).
أما كون شيء من الحيوان المقدور على ذبحه لا يباح بغير ذكاة ما خلا المستثنى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿حُرّمت عليكم الميتة -إلى قوله-: إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: 3].
وأما كون الجراد يباح بغير ذكاة ولا سبب يوجب موته على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُحلِّت لنا ميتتَان: السمكُ والجراد» 88.
وأما كونه لا يؤكل إلا أن يموت بسبب ككبسه وتغريقه على روايةٍ؛ فلأن ذلك فيه 89 بمنزلة الذبح له.
فوجب اعتباره فيه؛ كالذبح في غيره.
والأولى أصح؛ لأن ما أُبيحت ميتته لا 90 يعتبر له سبب.
دليله: السمك.
ولأنه لو افتقر إلى [سببٍ لافتقر إلى] 91 ذبح ذابح وآلةٍ؛ كبهيمة الأنعام.
وأما كون شبه الجراد يباح بغير ما ذكر؛ فلأن شبه الشيء يُعطى حكمه.
وأما كون السمك يباح بغير ما ذكر؛ فلما ذكر في الجراد من الحديث.
وأما كون سائر ما لا يعيش إلا في الماء ونحوه يباح بلا ذكاة رواية واحدة؛
الجزء: 4 - الصفحة: 379
فلأن الله تعالى قال: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: 96] قال ابن عباس: «طعامُه ما ماتَ فيه» 92.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر: «هو الطَّهورُ ماؤُهُ، الحلُّ ميتَتُه» 93.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله: وسائر 94 ما لا يعيش إلا في الماء: أن ما يعيش في البر ومأواه فيٍ 95 البحر مثل: السلحفاء 96 وكلب الماء لا [يحل، ولا] 97 يباح بلا ذكاة على روايةٍ؛ لأنه حيوان مأكول.
فلا يباح بلا ذكاة؛ كالحيوان البري.
وأما كون سائر البحري يحل بلا ذكاة على روايةٍ؛ فلما تقدم من الآية والخبر.
فإن قيل: فهل 98 السرطان من الذي يباح بلا ذكاة رواية واحدة، أم من الذي فيه خلاف؟
قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أنه من الثاني.
فاستثناه في المغني فقال لما ذكره: إلا ما لا دَمَ فيه؛ كالسرطان فإنه يباح بغير ذكاة.
ثم قال: قال 99 أحمد: السرطان لا بأس به، قيل له: يذبح 100 قال: لا.
ثم قال: وذلك لأن 101 مقصود الذبح إنما هو إخراج الدم منه وتطييب اللحم بإزالة عفنه فما لا دم فيه لا حاجة إلى ذبحه.
فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين المتقدم ذكرهما؟
الجزء: 4 - الصفحة: 380
قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله في المغني أن الصحيح أنه لا يباح بلا ذكاة؛ لأنه قدمه.
ثم قال بعد ذكر 102 الخلاف فيه: ولنا.
ونقضَ علة الإباحة بأن لا خلاف في طير الماء أنه لا يباح بغير ذكاة، وحمل الأخبار على ما لا يعيش إلا في البحر.
وقيل: الصحيح أنه يباح؛ لما تقدم ذكره، ويعضده 103 ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلُّ شيءٍ في البحرِ مذبوح» 104. وما روي عنه أنه قال: «إن الله تعالى ذبحَ كل ما في البحر لابن آدم»، وما صح من «أن 105 أبا عبيدة وأصحابه وجدُوا على ساحلِ البحر دابةً يقال لها: العنبر.
فأكلوا منها شهراً وادَّهنوا حتى سمنُوا» 106.
الجزء: 4 - الصفحة: 381
[فصل في شروط الذ كاة]
قال: (ويشترط للذكاة شروط أربعة:
أحدها: أهلية الذابح.
وهو أن يكون: عاقلاً مسلماً أو كتابياً فتباح ذبيحته، ذكراً كان أو أنثى.
وعنه: لا تباح ذبيحة نصارى بني 107 تغلب، ولا من أحد أبويه غير كتابي).
أما كون الذكاة يشترط لها شروط أربعة؛ فلما يأتي ذكره فيها.
وأما كون أحدها أهلية الذابح؛ فلأن مسلوب الأهلية فعله كلا فعل فتكون ذبيحته ميتة.
وأما كون الذابح الأهلي أن يكون عاقلاً مسلماً أو كتابياً؛ فلأن غير العاقل وغير المسلم والكتابي لا تباح ذبيحته؛ لما يأتي فلا يكون أهلاً لها: أما كون غير العاقل لا تباح ذبيحته؛ فلما يأتي بعد في قول المصنف رحمه الله: ولا تباح ذكاة مجنون ولا سكران ولا طفل غير مميز.
وأما كون غير المسلم والكتابي لا تباح ذبيحته؛ فلأن تخصيص إباحة طعام أهل الكتاب بالذكر يدل على نفيه عن غير الكتابي.
فإن قيل: الكلام في الذكاة لا في الطعام.
قيل: المراد بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ [المائدة: 5] «ذبائحهم» قاله ابن عباس 108. ورواه 109 عنه البخاري، وروي معنى ذلك عن ابن مسعود.
الجزء: 4 - الصفحة: 382
وفي قول المصنف رحمه الله: وهو أن يكون عاقلاً مسلماً أو كتابياً؛ إشعار بإباحة ذبيحة العاقل منهما.
وقوله بعد ذلك: فتباح ذبيحته 110 تصريح بذلك.
وكلاهما صحيح: أما في المسلم العاقل؛ فلا شبهة فيه.
وأما في الكتابي غير نصارى بني تغلب وغير من أحد أبويه غير كتابي؛ فلما تقدم من الآية، ولانعقاد الإجماع عليه.
وأما كون من ذكر تباح ذبيحته ذكراً كان أو أنثى؛ فلمساواتهما في المعنى المقتضي لمساواتهما في الحكم.
وأما في الكتابي من نصارى بني تغلب على المذهب؛ فلما تقدم من عموم الآية.
وأما كونه لا تباح ذبيحته على روايةٍ؛ فلما تقدم ذكره في باب الجزية 111.
وأما فيمن أحد أبويه غير كتابي على المذهب؛ فلما تقدم من عموم الآية.
وأما كونه لا تباح ذبيحته على روايةٍ؛ فلتغليب التحريم.
قال: (ولا تباح ذكاة مجنون، ولا سكران، ولا طفل غير مميز، ولا وثني، ولا مجوسي، ولا مرتد).
أما كون ذكاة المجنون والسكران والصبي غير المميز لا تباح؛ فلأن الذبح يعتمد القصد، وهو غير متصور ممن ذكر.
فإن قيل: الكلام في كون الذكاة ممن ذكر تُبيح فلمَ قيل: لا تباح؟
قيل: المراد ذلك أو أنها إذا كانت لا تُبَاح لا تُبيح؛ لأن الفعل المنهي عنه لمعنى في نفسه لا يقصد إباحة.
وأما كون ذكاة الوثني والمجوسي والمرتد كذلك؛ فلأن شرط الذكاة كون الذابح مسلماً أو كتابياً وليس واحد منهما موجوداً فيمن ذكر.
فإن قيل: المجوسي مُلحقٌ بالكتابي في الإقرار بالجزية فلمَ لا يلحق به في إباحة الذبح؟
قيل: لوجوه:
الجزء: 4 - الصفحة: 383
أحدها: الإجماع على عدم إباحة ذبحه؛ لأن علياً وابن مسعود وابن عباس وجابراً 112 وأبا بردة قالوا ذلك.
ولا يعرف لهم مخالف.
وثانيها: أن قوله صلى الله عليه وسلم: «سُنّوا بهم سنّةَ أهل الكتاب» 113 إن دل على إباحة ذبح المجوسي؛ فدلالته من حيث العموم بقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتريتم 114 لحماً فإن كان ذبيحةَ يهودي أو نصراني فكلوا، وإن كان ذبيحة مجوسي فلا تأكلوا».
رواه الإمام أحمد بإسناده: يدل على عدم إباحته ودلالة ذلك دلالة خاصة، والدلالة الخاصة مقدمة على الدلالة العامة.
وثالثها 115: أن شبهة كتابهم أثرت في تحريم قتلهم تغليباً؛ لما في ذلك من الاحتياط.
وليس كذلك حل ذبائحهم؛ لأن الاحتياط يقتضي تغليب جانب تحريمها كما كان يقتضي تغليب جانب تحريم القتل.
الجزء: 4 - الصفحة: 384
فصل [الشرط الثاني]
قال المصنف رحمه الله: (الثاني: الآلة.
وهو: أن يذبح بمحدد.
سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره؛ إلا السن والظفر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنهرَ الدمَ [وذُكرَ اسمُ اللهِ عليه] 116 فكُل؛ إلا السنّ والظفر» (2».
أما كون الثاني من شروط الذكاة الآلة؛ فلأنها مما 118 لا بد منها.
وأما كونه أن يذبح بمحدد؛ فلأن غير المحدد لا يذبح.
وأما كون المحدد من حديد أو حجر أو قصب أو غير ذلك إذا كان غير السن والظفر سواء؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من الحديث.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنهرَ الدمَ وذُكرَ اسمُ اللهِ عليه فكُلوا ما لم يكن سِنًا أو ظفرًا» 119 متفق عليه.
وعن عدي بن حاتم قال: «قلت يا رسول الله! أرأيتَ إنْ أحدُنا أصابَ صيداً وليسَ معه سكينٌ أيذبحُ بالمروةِ وشقِ العصا؟ قال: أنهرِ 120 الدمَ بما شئتَ واذكرِ اسمَ اللهِ عزّ وجل» 121.117
الجزء: 4 - الصفحة: 385
وعن رجل من بني حارثة «أنه كان يرعى لِقْحَةً.
فأخذها الموتُ.
فلم يجد شيئاً ينحرها به.
فأخذ وتِداً فوجَأها به في لبّتِها حتى أهريق 122 دمها.
ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بأكلها» 123. رواه أبو داود.
قال: (فإن ذبح بآلة مغصوبة حل في أصح الوجهين).
أما كون المذبوح بما ذكر يحل في وجه؛ فلأن الذبح فعل حسي وقد حصل 124.
ولأن الآلة المغصوبة تنهر الدم فيدخل في قوله: «ما أنهرَ الدمَ فكُل» 125.
وأما كونه لا يحل في وجه؛ فلأن الذبح بها ممنوع.
فلم يحصل الحل؛ كالذكاة بالسن والظفر.
وأما كون الأول أصح؛ فلما تقدم.
والفرق بين الآلة المغصوبة وبين السن والظفر: أن المنع من السن والظفر أخرجهما عن أهلية الذبح، وليس ذلك موجوداً في الآلة المغصوبة.
الجزء: 4 - الصفحة: 386
فصل [الشرط الثالث]
قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يقطع الحلقوم والمريء.
وعنه: يشترط مع ذلك قطع الودجين.
وإن نحره أجزأ وهو أن يطعنه بمحدد في لبته.
والمستحب أن ينحر البعير ويذبح ما سواه).
أما كون الثالث من شروط الذكاة أن يقطع الحلقوم والمريء؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذكاةُ في الحلقِ واللبّة» 126.
وعن عمر رضي الله عنه أنه نادى «أن النحرَ في الحلقِ واللبّة لمن قَدَر» 127. رواه سعيد والأثرم.
فإن قيل 128: فقد روى أبو العشراء عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه سئل: أما تكونُ الذكاةُ إلا في الحلقِ واللبّة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طَعنْتَ في فخذِهَا لأجْزَأَ عنك» 129.
قيل: قال أحمد: أبو العشراء هذا ليس بمعروف.
فإن قيل: ما الحلقوم والمريء؟
قيل: الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب.
فإن قيل: لم اختصت الذكاة بالمحل المذكور؟
الجزء: 4 - الصفحة: 387
قيل: لأنه مجمع العروق فتنفسخ 130 بالذبح فيه الدماء السيالة، ويسرع زهوق النفس فتكون أطيب اللحم وأخف على الحيوان.
وأما كون قطع الودجين لا يشترط مع قطع الحلقوم والمريء على المذهب؛ فلأن الحياة تزول بقطعهما وذلك هو المقصود.
وأما كونه يشترط مع ذلك قطع الودجين على روايةٍ؛ فلما روى أبو هريرة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شَريطةِ البطنِ.
وهي التي تُذبحُ فيُقطعُ الجلدُ ولا تُفرَى الأوداجُ ثم تُتركُ حتى تموت» 131. رواه أبو داود.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما الحديث؛ فمحمول على ما يقطع المريء.
وأما كون نحر ما يذبح يجزئ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي: «أمررِ الدمَ بما شئت» 132.
وعن أسماء قالت: «نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً فأكلناه» 133.
وعن عائشة قالت: «نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرة» 134.
ولأن ما كان ذكاة لحيوان كان ذكاة لحيوان آخر؛ كسائر الحيوانات.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يطعنه بمحدد في لبته؛ فبيان لمعنى النحر.
وإنما كان النحر كذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هكذا كانوا ينحرون.
وأما كون نحر الإبل وذبح ما سواه يستحب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فصلّ لربك وانحر﴾ [الكوثر: 2]، وقال: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: 67].
أَمَر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالنحر؛ لأن غالب ماشية قومه الإبل، وأمر بني إسرائيل بالذبح؛ لأن غالب ماشيتهم البقر.
الجزء: 4 - الصفحة: 388
و «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر البُدن وذبحَ كبشين أملحَينِ ذبحهما بيده» 135 متفق عليه.
قال: (فإن عجز عن ذلك مثل أن يند البعير أو يتردى في بئر فلا يقدر على ذبحه صار كالصيد إذا جرحه في أي موضع أمكنه فقتله حل أكله؛ إلا أن يموت بغيره مثل أن يكون رأسه في الماء فلا يباح).
أما كون ما عجز عن ذبحه ونحره 136 يصير كالصيد إذا جرحه في أي موضع من بدنه فقتله يحل أكله ما لم يمت بغيره؛ فلما روى رافع بن خديج قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فندّ بعيرٌ وكان في القومِ خيلٌ يسيرةٌ.
فطلبوه فأعياهم.
فأهوى إليه رجلٌ بسهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لهذه البهائمِ أوابدَ كأوابدِ الوحش.
فما غلبَكُم فاصنعُوا به هكذا» 137.
وفي لفظ: «فما ندّ 138 عليكم فاصنعُوا به هكذا» 139 متفق عليه.
و«خرج 140 ثورٌ في بعض دور الأنصار فضربه رجلٌ بسيفٍ وذكر اسم الله.
فسُئلَ عنه علي فقال 141: ذكاة 142 وحِيّةٌ.
فأمرهم بأكله» 143.
الجزء: 4 - الصفحة: 389
و «تردّى بعير في بئرٍ فذكيَ من قبل شاكلته فبيعَ بعشرين درهماً فأخذ ابن عمر عشره بدرهمين» 144. وروي نحو ذلك عن مسروق والأسود 145. رواهن سعيد.
ولأن الاعتبار في الذكاة بحال الحيوان وقت ذبحه لا بأصله.
بدليل الوحشي إذا قدر عليه وجبت ذكاته في الحلق واللبة.
فكذلك الأهلي إذا توحش يعتبر بحاله.
وأما كون ما عجز عنه لا يباح إذا فعل به ما تقدم ذكره ومات بغيره كما مثل المصنف رحمه الله؛ فلأن ذلك يعين على قتله فيحصل قتله به.
أو بمبيح وحاظر.
فوجب أن لا يباح؛ كما لو جرح الصيدَ مسلم ومجوسي.
قال: (وإن ذبحها من قفاها وهو مخطئ فأتت السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة: أُكلت.
وإن فعله عمداً فعلى وجهين).
أما كونه إذا ذبحها من قفاها وهو مخطئ فأتت 146 السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة تؤكل؛ فلأن الذبح قطعُ الحلقوم والمريء وقد وجد.
وأما كون المذبوحة كذلك عمداً تؤكل على وجه؛ فلما ذكر في الخطأ.
وأما كونها لا تؤكل على وجه؛ فلأن الجرح في القفا سبب لزهوق النفس، والجرح في الذبح سبب له فيحصل مبيح ومحرم.
فيجب تغليب الحرمة؛ كما لو وقع رأس الذبيحة في الماء.
فإن قيل: المعنى المذكور موجود في الخطأ.
فيجب أن يُخَرَّج فيه الخلاف المذكور.
قيل: ليس الأمر كذلك؛ لأن الخطأ قيل معناه: أن يلتوي عنق الذبيحة وذلك يقتضي صيرورتها معجوزاً عن ذبحها فيسقط اعتبار المحل؛ كالمتردية في بئر.
على أن الأصح في العمد أنها تؤكل؛ لما ذكر في المذبوحة خطأ.
الجزء: 4 - الصفحة: 390
قال: (وكل ما وجد فيه سبب الموت؛ كالمنخنقة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إذا أدرك ذكاتها وفيها حياة مستقرة أكثر من حركة المذبوح حلّت.
وإن صارت حركتها كحركة المذبوح لم تحل).
[أما كون المنخنقة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إذا أُدركت وفيها حياة مستقرة أكثر من حركة المذبوح] 147 تحل؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: 3]، وفي حديث جارية كعب: «أنها أصيبت شاةٌ من غنمها.
فأدركتْها فذبحتْها بحجرٍ.
فسُئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كلُوها» 148 ولم يستفصل.
وأما كونها إذا صارت حركتها كحركة المذبوح لا تحل؛ فلأن المجوسي لو ذبح الحيوان ثم ذبحه مسلم لم يبح؛ لكون المذبوح خرج عن أهلية الذبح.
فكذا ما ذكر لما لم تبق فيه حركة 149 إلا كحركة المذبوح خرج عن أهلية الذبح.
الجزء: 4 - الصفحة: 391
فصل [الشرط الرابع]
قال المصنف رحمه الله: (الرابع: أن يذكر اسم الله عند الذبح وهو أن يقول: بسم الله.
لا يقوم غيرها مقامها؛ إلا الأخرس فإنه يومئ إلى السماء).
أما كون الرابع 150 من شروط الذكاة: أن يذكر اسم الله تعالى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ [الأنعام: 121]. والفسق حرام؛ لقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا ... الآية﴾ [الأنعام: 145].
وأما كون ذلك عند الذبح؛ فلأن الله تعالى أمر به وأطلق، و «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذبح سمى» 151. فيحمل مطلق الآية على فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما كونه أن يقول: بسم الله لا يقوم غيرها مقامها إذا لم يكن أخرسًا 152؛ فلأن إطلاق التسمية ينصرف إلى ذلك.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه قال عند الذبح: بسم الله فيحمل مطلق الآية عليه.
وأما كون الأخرس يومئ برأسه 153 إلى السماء؛ فلأن إشارته [تقوم مقام النطق.
ولأن إشارته] 154 تدل على قصد تسميته الذي في السماء.
وفي الحديث «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل الجاريةَ فقال لها: أينَ الله؟ فأشارتْ إلى السماء.
فقال:
الجزء: 4 - الصفحة: 392
أعتقْها فإنها مؤْمنَة» 155 جعل إشارتها علماً على [إيمانها.
فلأن تجعل إشارتها علماً على] 156 تسميتها بطريق الأولى.
قال: (فإن ترك التسمية عمداً لم تبح.
وإن تركها ساهياً أبيحت.
وعنه: تباح في الحالين.
وعنه: لا تباح فيهما).
أما كون من ترك التسمية على ذبيحته عمداً لم تبح، وإذا تركها ساهياً أبيحت على المذهب؛ فلما روى راشد بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ وإن لم يسم إذا لم يتعمد».
وعن ابن عباس: «من نسيَ التسميةَ فلا بأس» 157.
ولأن ذلك قول ابن عباس ولم يعرف له مخالف في عصره فكان إجماعاً.
وأما كونها تباح في الحالين أي في العمد والسهو على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال 158: «اسمُ الله في قلب كل مسلم» 159.
ولأن التسمية لو اشترطت لما حلت الذبيحة مع الشك في وجود التسمية؛ لأن الشك في الشرط شك في المشروط والذبيحة مع الشك في وجود التسمية حلال بدليل حل ذبيحة أهل الكتاب مع أن الأصل عدم التسمية منهم بل الظاهر أنهم لا يسمون وذلك أبلغ في المنع من الشك.
فإن قيل: لا يصح حمل أمر أهل الكتاب في ترك التسمية على أن الأصل عدم إتيانهم بها؛ لأن ذلك مشترك بينهم وبين المسلم؟
قيل: ليس الأمر كذلك؛ لأنهما وإن اشتركا في ذلك، لكن المسلم عارض عدم إتيانه: أن الظاهر من حاله أنه يأتي بها، وذلك مفقود في أهل الكتاب.
وأما كونها لا تباح إذا تركها فيهما على روايةٍ؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: 121].
الجزء: 4 - الصفحة: 393
ولأن الشيء متى كان شرطاً لا يعذر في تركه سهواً 160. [دليله: الوضوء] 161 مع الصلاة.
قال: (وتحصل ذكاة الجنين بذكاة أمه إذا خرج ميتاً، أو متحركاً؛ كحركة المذبوح.
وإن كانت فيه حياة مستقرة لم يبح إلا بذبحه.
وسواء أشعر أو لم يشعر).
أما كون ذكاة الجنين تحصل بذكاة أمه إذا خرج ميتاً أو متحركاً كحركة المذبوح؛ فلما روى أبو سعيد قال: «قيل: يا رسول الله! إنّ أحدنا ينحرُ الناقةَ ويذبحُ البقرةَ والشاةَ فيجد في بطنها الجنينَ أنأكلُه أم نلقِه؟ قال: كلُوه إن شئتُم فإنَّ ذكاتَهُ ذكاةُ أمه» 162.
وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمه» 163. رواهما أبو داود.
ولأن الجنين متصل بها اتصال خلقة يتغذى بغذائها.
فتكون ذكاته بذكاتها؛ كأعضائها.
ولأن الذكاة في الحيوان تختلف على حسب الإمكان والقدرة، ولا يمكن ذبح الجنين قبل انفصاله إلا بأن تجعل ذكاة أمه ذكاته.
وأما كونه إذا كانت فيه حياة مستقرة لا يباح إلا بذبحه؛ فلأنه حيوان صار مقدوراً على ذبحه بنفسه.
فلم يبح بذكاة غيره؛ كغير الجنين.
ولأن إباحة الجنين بذكاة أمه ملحوظ فيه العجز عن ذكاته، وذلك منتفٍ فيما فيه حياة مستقرة.
وأما كون ما أشعر وما لم يشعر سواء؛ فلأن الحديث مطلق لا تقييد فيه.
فلم يجز تقييده بغير دليل.
الجزء: 4 - الصفحة: 394
فصل [في مكروهات الذبح]
قال المصنف رحمه الله: (ويكره توجيه الذبيحة إلى غير القبلة، والذبح بآلة كالّة.
وإن يحد السكين والحيوان يبصره 164. وإن يكسر عنق الحيوان، أو يسلخه حتى يبرد.
فإن فعل 165 أساء وأُكلت).
أما كون توجيه الذبيحة إلى غير القبلة يكره؛ فلأنه خلاف فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
فإنه روي «أنه ضحى ووجّه 166 أضحيته إلى القبلة وقال: ﴿وجهت وجهي ... الآيتين﴾ [الأنعام: 79، 162]» 167.
ولأن الذبح قد يكون قربة؛ كذبح الأضحية.
فكره توجيه الذبيحة إلى غير القبلة؛ كالأذان.
وأما كون الذبح بآلة كالّة يكره؛ فلأن في ذلك تعذيباً للحيوان، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ذبحتمْ فأحسنِوا الذِّبحة.
وليحدَّ أحدُكمْ شفرتَه، وليُرِحْ ذبيحَتَه» 168. رواه أبو داود.
الجزء: 4 - الصفحة: 395
وأما كون حَدِّ السكين والحيوان يبصره يكره؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه رأى رجلاً قد وضعَ رجله على شاةٍ وهو يحد السكينَ.
فضربهُ حتى أفلتتِ الشاة» 169.
وأما كون كسر عنق الحيوان وسلخه قبل برده يكره؛ فلأن في ذلك تعذيباً للحيوان.
وأما كون من فعل ذلك كله أساء؛ فلارتكابه فعل المكروه.
وأما كون ذبيحته تؤكل؛ فلأنه لم يوجد سبب يقتضي تحريمها 170.
قال: (وإذا ذبح الحيوان ثم غرق في ماء، أو وطئ عليه شيء يقتله مثله فهل يحل؟ على روايتين).
أما كون ما ذكر يحل على روايةٍ؛ فلحصول ذبحه، وطرآن الأسباب المذكورة حصل بعد الموت بالذبح.
فلم يؤثر ما أصابه بحصوله بعد الحكم بحله.
وأما كونه لا يحل على روايةٍ؛ فلأن الماء والوطء أعان على قتله فيغلب حكمه؛ لاجتماع المبيح والحاظر، وفي الحديث: «إنْ وقعَ في الماءِ فلا تأكُل» 171.
الجزء: 4 - الصفحة: 396
قال: (وإذا ذبح الكتابي ما يحرم عليه كذي الظفر لم يحرم علينا.
وإن ذبح حيواناً غيره لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم وهو شحم الثِّرب والكليتين في ظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى 172. واختاره ابن حامد وحكاه عن الخرقي في كلام مفرد، واختار أبو الحسن التميمي والقاضي تحريمه.
وإن ذبح لعيده أو ليتقرب به إلى شيء مما يعظمونه لم يحرم.
نص عليه).
أما كون الكتابي إذا ذبح ما يحرم عليه كذي الظفر وهو الإبل والنعام والبط وما ليس بمشقوق الأصابع لا يحرم علينا؛ فلأن كونه محرماً 173 عليه لا يوجب تحريمه.
بدليل الشحوم المحرمة عليه الآتي ذكرها.
ولأن الله تعالى أباح لنا طعامهم، وذلك يستلزم كونهم أهلاً للذبح، وإذا كانوا كذلك كان ما ذبحوه مما ذكر ذبحاً صدر من أهله.
فلم يحرم علينا؛ كغيره من الذبائح.
وأما كونه إذا ذبح حيواناً غير ما يحرم عليه لا تحرم علينا الشحوم المحرمة على أهل الكتاب في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلما روى عبدالله بن مغفل قال: «دُلِّيَ جرابٌ من شحمٍ [من قصرِ خيبر] 174. فبرزتُ لآخذه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم إليّ» 175 متفق عليه.
ولأن ذكاة الكتابي ذكاة أباحت اللحم والجلد.
فأباحت الشحم؛ كذكاة المسلم.
وأما كونه يحرم في اختيار أبي الحسن والقاضي؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وطعامُ الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: 5]، وليس الشحوم المذكورة [من طعامهم.
الجزء: 4 - الصفحة: 397
ولأن الشحوم المذكورة] 176 جزء من الذبيحة لم تُبح لذابحها.
فلم تبح لغيره؛ كالدم.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والآية حجة للحل؛ لأن معنى طعامهم: ذبائحهم.
كذلك فسره العلماء.
وأما كون الشحوم المحرمة على الكتابي شحم الثِّرب والكليتين؛ فلأن السدي قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾ [الأنعام: 146] هي: شحم الثرب والكلى.
فإن قيل: ما الفرق بين ذي الظفر وبين الشحوم المذكورة حيث لا خلاف في الأول وفي الثاني خلاف؟
قيل: الخلاف فيهما صرح به المصنف في المغني فإذاً لا فرق فيه.
وأما كونه إذا ذبح لعيده أو ليتقرب به إلى شيء مما يعظمونه لا يحرم على منصوص الإمام أحمد؛ فلأن الذابح قصد الذكاة وهو ممن تحل ذبيحته.
وقال ابن عقيل في فصوله: وعندي أنه يكون ميتة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: 173].
قال: (ومن ذبح حيواناً فوجد في بطنه جراداً، أو طائراً فوجد في حوصلته حباً، أو وجد الحب في بعر الجمل لم يحرم.
وعنه: يحرم).
أما كون ما وُجد من الجراد في بطن الحيوان إذا ذبح لا يحرم على المذهب؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «الحل 177 ميتته» 178.
ولأنه حيوان لا يعتبر له ذبح.
فيباح أكله؛ كغير المأكول.
وأما كونه يحرم على روايةٍ؛ فلأنه مأكول.
فلم يؤكل مرة أخرى؛ كالطعام المأكول إذا أخرجه الآكل من جوفه بعد أكله.
الجزء: 4 - الصفحة: 398
وأما كون ما وجد في حوصلة الطائر وفي بعر الجمل من الحب لا يحرم على المذهب؛ فبالقياس على الجراد المذكور قبل.
وأما كونه يحرم على روايةٍ؛ فلأنه مأكول مرة فلا يؤكل أخرى.
الجزء: 4 - الصفحة: 399