الفتوحات الربانية بشرح الدرة المضية في علم القواعد الفرضيةبَابُ العَصَبَاتٍ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ذكر في هذا الباب النوع الثاني من أنواع الإرث، وهو: الإرث بالتعصيب.
والتعصيب لغة: من العَصْب وهو الشَّدُّ، والتقوية، وعصبة الرجل: بنوه وقرابته من الذكور من جهة أبيه، سمُّوا بذلك؛ لإحاطتهم به، أو لشد بعضهم أزر بعض.
واصطلاحاً: هم الذين يرثون بلا تقدير.

فَكُلُّ مَنْ جَمِيعَ إرْثٍ كَسَبَا ... أَوْ بَعْدَمَا اسْتِغْرَاقِ فَرْضٍ حُجِبَا أَوْ مَا بَقِي مِنَ الفُرُوضِ أَخَذَا ... فَذَلِكَ العَاصِبُ فَاعْرِفْهُ بِذَا

- مسألة: العصبة باعتبار سبب الإرث على قسمين

: 1 - عصبة بالنسب.
2 - عصبة بالسبب.
القسم الأول: العصبة بالنسب، وهي على ثلاثة أنواع:

الجزء: 1 - الصفحة: 144

النوع الأول: عصبة بالنفس، سموا بذلك؛ لأنهم لا يحتاجون إلى من يجعلهم عصبة، ولهم ثلاثة أحكام تخصهم: 1 - أن من انفرد منهم بالتركة أخذ جميع المال؛ لقوله تعالى: (وهو يرثها إن لم يكن لها ولد)، فحصر الإرث في الأخ حين عدم الولد، فدل على أنه يرث كل المال، ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» [البخاري: 6732، ومسلم: 1615]، وأشار إلى ذلك بقوله: (فَكُلُّ مَنْ جَمِيعَ إرْثٍ كَسَبَا)، الألف للإطلاق، والمراد: كل من كسب جميع الإرث عند الانفراد عن ذوي الفروض فهو عاصب.

2 - أنه يسقط إذا لم يبق شيء من التركة بعد أصحاب الفروض؛ لمفهوم حديث ابن عباس رضي الله عنهما السابق، وأشار إلى ذلك بقوله: (أَوْ بَعْدَمَا اسْتِغْرَاقِ) صاحب (فَرْضٍ) لجميع التركة (حُجِبَا) أي: سقط العاصب فلا يرث، والألف للإطلاق، إلا الإخوة الأشقاء في المشرَّكة عند من شرَّكهم، ويأتي الكلام عليها.

الجزء: 1 - الصفحة: 145

مثاله:

  • فرع: جميع العصبات بالنفس يمكن سقوطهم إلا: الابن، والأب، والجد، فلا يسقطون بحال.
    3 - أنه يأخذ ما أبقت الفروض، وأشار إلى ذلك بقوله: (أَوْ مَا بَقِي) فاضلاً (منْ الفُرُوضِ أَخَذَا)؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما السابق.
    فمن تحققت فيه هذه الأحكام الثلاثة: (فَذَلِكَ العَاصِبُ) بالنفس، (فَاعْرِفْهُ بِذَا) أي: بهذه الأحكام الثلاثة.

مِثْلُ أَبٍ وَالجَدِّ وَأَبِيهِ ... وَابْنٍ لِصُلْبٍ وَابْنِهِ الشَّبِيهِ كَذَا أَخٌ وَالعَمُّ وَابْنٌ لَهُمَا ... وَلَوْ تَنَاءَى ثُمَّ مَوْلىً أَنْعَمَا

الجزء: 1 - الصفحة: 146

- مسألة: العصبة بالنفس، وهم كل الرجال المجمع على إرثهم، إلا: الزوج والأخوة لأم والمعتق.

فيكون عددهم اثني عشر رجلاً، وأشار إليهم بقوله: (مِثْلُ: أَبٍ.
وَ) الثاني: (الجَدِّ) من قبل الأب، (وَأَبِيه) أي: أب الجد من قبل الأب، وإن علا.
(وَ) الثالث: (ابْنٍ لِصُلْبٍ.
وَ) الرابع: (ابْنِهِ الشَّبِيهِ) أي: ابن الابن وإن نزل.
والخامس: الأخ الشقيق.
والسادس: الأخ لأب، وأشار إليهما بقوله: (كَذَا أَخٌ) أي: لأبوين، وهو الشقيق، أو لأب، لا الأخ لأم؛ فإنه يرث بالفرض.
والسابع: العم الشقيق وإن علا.
والثامن: العم لأب وإن علا، وأشار إليهما بقوله: (وَالعَمُّ) أي: لأبوين، وهو العم الشقيق، أو العم لأب، لا العم لأم؛ فإنه من ذوي الأرحام.
والتاسع: ابن الأخ الشقيق وإن نزل.
والعاشر: ابن الأخ لأب وإن نزل.
والحادي عشر: ابن العم الشقيق وإن نزل.
والثاني عشر: ابن العم لأب وإن نزل، وأشار إلى هؤلاء الأربعة بقوله: (وَابْنٌ لَهُمَا) أي: ابنٌ للأخ وابنٌ للعم، (وَلَوْ تَنَاءَى) أي: بَعُد، على ما سبق بيانه.
وأما قوله: (ثُمَّ مَوْلىً أَنْعَمَا) بالعتق، ذكراً كان أو أنثى، والألف للإطلاق، فهو إشارة إلى العصبة بالسبب، ويأتي بيانهم قريباً.

  • فائدة: جميع من يرث من النساء ليس فيهن عاصب إلا المعتِقة.

الجزء: 1 - الصفحة: 147

بِالجِهَةِ احْكُمْ أَوَّلاً وَبَعْدَهَا ... بِالْقُرْبِ ثُمَّ قُوَّةٍ خُذْ رُشْدَهَا

- مسألة: إذا اجتمع عاصبان فأكثر، فلا يخلو اجتماعهم من أمرين

: 1 - أن يستووا في الجهة والدرجة والقوة؛ كابنين، أو أخوين شقيقين: فيشتركون في المال إن لم يكن هناك صاحب فرض، أو يشتركون فيما أبقت الفروض إن كان هناك صاحب فرض.
2 - أن يختلفوا في شيء من ذلك، إما في الجهة، أو في الدرجة، أو في القوة: فأحق العصبة بالميراث؛ أقربهم إلى الميت؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» [البخاري: 6732، ومسلم: 1615]، فيسقط الأبعد من العصبات بالأقرب منها.

- مسألة: ترتيب العصبة على النحو التالي

: أولًا: يقدم الأقرب جهة، وأشار إليه بقوله: (بِالجِهَةِ احْكُمْ أَوَّلاً)، فتقدم الجهة القربى على الجهة البعدى؛ فابن الأبن وإن نزل مقدم على الأب.
وجهات العصوبة ستة: 1 - بنوة: وتشمل البنين وبنيهم وإن نزلوا.

الجزء: 1 - الصفحة: 148

2 - ثم أبوة: وتشمل الأب فقط.
3 - ثم جدودة وإخوة، وتشمل الجد من قبل الأب وإن علا بمحض الذكور، وتشمل الأخ الشقيق، والأخ لأب.
4 - ثم بنو الإخوة: وتشمل ابن الأخ الشقيق، وابن الأخ لأب وإن نزلا.
5 - ثم العمومة: وتشمل العم الشقيق، والعم لأب وإن عليا، وبنيهما وإن نزلوا.
6 - ثم الولاء: وتشمل المعتق، والمعتقة، وعصبتهم بالنفس.
وعلى القول بأن الجد كالأب، وأن الإخوة لا يرثون مع الجد -وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن باز وابن عثيمين-؛ فالجهات خمس: 1 - بنوة: وتشمل البنين وبنيهم وإن نزلوا.
2 - ثم أبوة: وتشمل الأب والجد من قبله وإن علا بمحض الذكور.
3 - ثم الأخوَّة: وتشمل الأخ الشقيق، والأخ لأب، وبنيهم وإن نزلوا.
4 - ثم العمومة: وتشمل العم الشقيق، والعم لأب وإن عليا، وبنيهم وإن نزلوا.
5 - ثم الولاء: وتشمل المعتق، والمعتقة، وعصبتهم بالنفس.

الجزء: 1 - الصفحة: 149

وقد نظمها بعضهم بقوله: (بنوةٌ أُبوةٌ أُخوه ... عمومةٌ وذو الولا التتمه).
مثاله:

الجزء: 1 - الصفحة: 150

ثانيًا: إن استووا في الجهة؛ قَدِّم الأقرب درجة، وأشار إليه بقوله: (وَبَعْدَهَا) أي: بعد الترتيب بالجهة: قَدِّم (بِالْقُرْبِ) أي: الأقرب درجة، فالابن يقدم على ابن الابن، والأخ لأب يقدم على ابن الأخ شقيق؛ لأنه أقرب درجة، ولم نعتبر قوة الثاني؛ لأن قُرب الدرجة مقدم على القوة.
مثاله:

الجزء: 1 - الصفحة: 151

(ثُمَّ) ثالثًا: إن استووا في الجهة والدرجة؛ فالتقديم يكون بالـ (قُوَّةِ)، فيقدم من يدلي بالأبوين على الذي يدلي بالأب فقط، فالأخ الشقيق أولى من الأخ لأب؛ لأنه أقوى، وهكذا، (خُذْ رُشْدَهَا) أي: بالقول الرشيد.

  • فائدة: لا يتصور التقديم بالقوة إلا في الإخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 152

  • تطبيقات.
    1 - زوجة وبنت وبنت ابن وعم شقيق وابن عم شقيق.
    2 - زوجة وأم وابن وابن ابن.
    3 - زوجة وأم وأخ شقيق وأخ لأب.
    4 - أربع أخوات أشقاء وأخ شقيق وابن وأخ لأم وابن أخ لأب.
    5 - زوجة وأربع بنات وابن أخ شقيق وبنت أخ شقيق وابن أخ لأب.
    6 - زوجة وبنت وأخ شقيق وأخ لأب.
    7 - أربع بنات ابن وأم ومعتق وابن معتق.
    8 - زوجة وأم وابن عم لأب وابن عم شقيق لمعتق.
    9 - زوجة وبنت وأخ لأب وأخ شقيق لمعتق.

وَوَرِّثِ الإِبْنَ كَمَا الْبِنْتَيْنِ ... عُصُوبَةً وَالأخَ كَالأُخْتَيْنِ

النوع الثاني من العصبة بالنسب: العصبة بالغير، سموا بذلك؛ لأنهن لسن عصبة بأنفسهن، بل لابد من عاصب بالنفس كن بسببه عصبة، وهن أربعة أصناف: الصنف الأول: البنت فأكثر مع الابن فأكثر.

الجزء: 1 - الصفحة: 153

والصنف الثاني: بنت الابن فأكثر مع ابن الابن فأكثر، وهذا لا يخلو من ثلاثة أقسام: 1 - تعصيب ابن الابن الذي في درجتها، سواء كان أخاها أو ابن عمها الذي في درجتها؛ لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، ولفظ الأولاد فيها مطلق يشمل أولاد الابن.
2 - تعصيب ابن الابن الأنزل منها إن احتاجت إليه، اتفاقاً؛ لأنه إذا كان يعصِّب التي في درجته؛ فكونه يعصب التي أعلى منه درجة من باب أولى؛ لقربها من الميت.
3 - تعصيب ابن الابن لمن هي أنزل منه من بنات الابن: فلا خلاف أنه لا يعصبها.
وأشار إلى هذين الصنفين بقوله: (وَوَرِثَ الإِبْنُ) وابن الابن وإن نزل (كَمَا)، وما زائدة، أي: كإرث (الْبِنْتَيْنِ) وبنتي الابن (عُصُوبَةً)، فتكون الأنثى منهن حينئذ عصبة، للذكر مثل حظ الأنثيين.
مثاله:

الجزء: 1 - الصفحة: 154

والصنف الثالث: الأخت الشقيقة فأكثر مع الأخ الشقيق فأكثر.
والصنف الرابع: الأخت لأب فأكثر مع الأخ لأب فأكثر.
وأشار إلى هذين الصنفين بقوله: (وَ) وورث (الأخَ) شقيقاً كان أو لأب (كَـ) إرث (الأُخْتَيْنِ) الشقيقتين أو لأب، فتكون الأنثى منهن مع الذكر المساوي لها في الجهة والدرجة والقوة عصبة بالغير، للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ).
مثاله:

الجزء: 1 - الصفحة: 155

وَالأُخْتُ مَعْ بِنْتٍ فَوَرِّثْ عَصَبَهْ ... وَلَا تكُنْ لِغَيْرِ حَقٍّ عَصَبَهْ

النوع الثالث من العصبة بالنسب: العصبة مع الغير، سموا بذلك؛ لأنهن لَسْنَ هم عصبة في كل الأحوال، بل تعصيبهن مقيد بكونهن مع نوع خاص من الورثة، فهم عصبة إذا وجد معهم ذلك الغير.
(وَ) هن: (الأُخْتُ) الشقيقة أو لأب (مَعْ بِنْتٍ) أو بنت ابن، واحدة فأكثر، (فَوَرِّثْ) الأخوات (عَصَبَهْ) أي: بالتعصيب، لا بالفرض، وهو معنى قول الفرضيين: (الأخوات مع البنات أو بنات الابن عصبات).
فتنزل الأخت الشقيقة منزلة الأخ الشقيق، وتنزل الأخت لأب منزلة الأخ لأب، اتفاقاً؛ لما روى هُزيل بن شَرحبيل، أن ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن بنت وابنة ابن وأخت، فقال: أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم: «لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ» [البخاري: 6736]، ولأن الأخت ترث مع أخيها بالتعصيب مع إناث الفرع الوارث، فكذلك إذا انفردت.

  • فرع: شرط العصبة مع الغير: أن لا يكون معهنَّ معصب، فإن كان معهنَّ معصب؛ كنَّ عصبة بالغير، كما لو كان مع الأخت الشقيقة أخ شقيق، أو مع الأخت لأب أخ لأب.
  • فرع: إذا صارت الأخت الشقيقة عصبة مع الغير؛ فإنها تكون كالأخ الشقيق، فتحجب الإخوة لأب، ذكوراً كانوا أو إناثاً، وتحجب

الجزء: 1 - الصفحة: 156

من بعدهم من العصبات.
ومتى صارت الأخت لأب عصبة مع الغير؛ فإنها تكون كالأخ لأب، فتحجب بني الإخوة ومن بعدهم من العصبات.

  • فرع: العصبة مع الغير صنفان: الصنف الأول: الأخت الشقيقة فأكثر مع بنت أو بنت ابن، واحدة فأكثر، وتكون بمنزلة الأخ الشقيق.
    مثاله:

فإن كان مع الأخت الشقيقة أخوها: كانت عصبة بالغير.

الجزء: 1 - الصفحة: 157

الصنف الثاني: الأخت لأب فأكثر مع بنت أو بنت ابن، واحدة فأكثر، وتكون بمنزلة الأخ لأب.
مثاله:

فإن كان مع الأخت لأب أخوها: كانت عصبة بالغير.

- مسألة: أحكام العصبة بالغير والعصبة مع الغير

: 1 - أنها تسقط إذا لم يبق شيء من التركة بعد أصحاب الفروض؛ لمفهوم حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» [البخاري: 6732، ومسلم: 1615].

الجزء: 1 - الصفحة: 158

إلا الأخت في الأكدرية فإنه يفرض لها النصف عند من يورِّث الإخوة مع الجد، ويأتي الكلام عليه.
2 - أنها تأخذ ما أبقت الفروض.
وأما كونها إذا انفردت أخذت جميع المال فلا يتصور في حق العصبة بالغير ومع الغير؛ لأنها لو انفردت أخذت جميع المال فرضاً وردًّا، لا بالتعصيب.

  • تطبيقات.
    1 - زوج وأربع بنات وابن.
    2 - زوجة وأم وبنت ابن وابن ابن.
    3 - تسع بنات وأخت شقيقة وأخ شقيق.
    4 - أربع بنات وأخت لأب وأخ لأب.
    5 - أربع بنات وثلاث أخوات شقيقات.
    6 - ست بنات وأخت شقيقة.
    7 - ثلاث بنات وأربع أخوات لأب.
    8 - خمس بنات وأخت لأب.
    9 - أربع بنات ابن وست أخوات شقيقات.
    10 - بنت ابن وخمس أخوات لأب.
    11 - بنت وأخت شقيق.
    12 - بنت ابن وأخت لأب.

القسم الثاني من أقسام العصبة: العصبة بالسبب: وهم من يرث بالولاء، وقد تقدم الكلام عنه في أسباب الإرث، فمن أعتق عبداً أو أمة بأي صورة من صور العتق -منجزاً أو معلقاً- فإنه يثبت للمعتِق الولاء على العتيق، ويصير عاصباً له بسبب هذا العتق.

  • فرع: الذين يرثون العتيق بالولاء ثلاثة أصناف على الترتيب:

الجزء: 1 - الصفحة: 159

1 - المُعْتِق مطلقًا، سواء كان ذكرًا أو أنثى؛ لحديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً، وفيه: «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» [البخاري: 1493، ومسلم: 1504]. 2 - عصبة المعتق المتعصبون بأنفسهم؛ كابن المعتق، وأبيه، وجده، وأخيه لغير أم ونحوهم، دون العصبة بالغير أو مع الغير؛ لما روى زياد بن أبي مريم: أن امرأة أعتقت عبدًا لها، ثم توفيت وتركت ابنها وأخاها، ثم توفي مولاها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ابنُ المرأة وأخوها في ميراثه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مِيرَاثُهُ لِابْنِ المَرْأَةِ»، فقال أخوها: يا رسول الله، لو أنه جرَّ جَريرة، على من كانت؟ قال: «عَلَيْكَ» [الدارمي: 3052].

  • فرع: لا يرث النساء بالولاء إلا من أعتَقْنَ، أو أعتقه من أعتقن؛ لما روى زيد بن وهب عن علي، وعبد الله، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم: «أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ الْوَلَاءَ لِلْكُبْرِ مِنَ الْعَصَبَةِ، وَلَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ إِلَّا مَا أَعْتَقْنَ، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ» [البيهقي 21511]. فلو عتقت امرأة رجلاً، ثم مات الرجل ولم يترك إلا معتِقَته؛ فالمال للمعتِقة.
    ولو أن هذا الرجل أعتق رجلاً آخر، ومات الثاني أيضاً، ولم يترك إلا هذه المرأة، وهي معتِقة معتِقه؛ فيكون المال لها أيضاً.
    3 - مُعتِق المعتِق، ثم لعصبته بالنفس، ثم معتق معتق المعتق، ثم لعصبته، وهكذا وإن بَعُد؛ لأن الفضل بعد الله تعالى إلى المعتق

الجزء: 1 - الصفحة: 160

الأول، فيكون له ولاء على عتيق عتيقه.
فلو مات عن أبي المعتق، وعن معتِق الأب؛ فالمال لأبي المعتق.

  • فرع: يشترط للإرث بالولاء: عدم جميع العصبة بالنفس.
  • فرع: كما يثبت الولاء على العتيق فكذلك يثبت على فرع العتيق؛ لأن الفرع يتبع أصله، أشبه ما لو باشر عتقه، وذلك بشرطين: الشرط الأول: ألا يكون أحدُ أبوي الفرع حرَّ الأصل؛ كأن يتزوج حرُّ الأصل بعتيقة، أو يتزوج عتيقٌ بحرة الأصل.
    فلا يخلو الولد حينئذ من أمرين: 1 - أن يكون الأب حرَّ الأصل، والأم عتيقة؛ فلا ولاء على الفرع بلا خلاف؛ لأن الولاء يتبع الأب، والأب لا ولاء عليه، فلا يكون على الفرع ولاء.
    2 - أن تكون الأم حرة الأصل والأب عتيق: فلا يثبت عليه ولاء، واختاره ابن باز؛ لأن الأم إن كانت حرة الأصل فإن الولد يتبعها في الحرية والولاء فيما إذا كان الأب رقيقًا، فلأن يتبعها في سقوط الولاء وحده من باب أولى.
    الشرط الثاني: ألا يكون الفرع رقيقاً لأحد، فإن كان رقيقاً فأُعتِق؛ كان ولاؤه لمعتقه لا لمعتق أصله؛ لأن عتق المباشرة أقوى من عتق السبب.

الجزء: 1 - الصفحة: 161

  • قاعدة: لا ميراث لمعتق عصبات المعتِق إلا من أعتق أباه أو جده.
    فلو هلك هالك فالميراث لورثته، فإن لم يوجد أحد من الورثة؛ ورثه معتِقه.
    فإن لم يوجد؛ ورثه عصبة معتِقه بالنفس.
    فإن لم يوجد أحد منهم؛ ورثه معتق المعتق.
    فإن لم يوجد، ووُجِد معتق لأحد عصبات المعتق؛ فلا يرثه إلا من أعتق أب المعتق أو أعتق جد المعتق.
    فأما من أعتق ابن المعتق، أو أخيه؛ فلا يثبت له الولاء، وهكذا باقي عصباته.
  • فرع: ترتيب عصبة المعتق في التقديم؛ كترتيب عصبة النسب، لكن لا يرث إلا العصبة بأنفسهم.
    فيقدم الأقرب جهة على الأبعد، فإن استووا يقدم الأقرب درجة، فإن استووا يقدم الأقوى.

الجزء: 1 - الصفحة: 162

أمثلة: التقديم في الجهة

التقديم في الدرجة

التقديم بالقوة

- مسألة: لا يرث بالولاء ذو فرض إلا: الأب والجد، فإنهما يرثان السدس مع الابن أو ابنه وإن نزل بمحض الذكور.

فلو هلك شخص عن أب معتِقه أو جد معتقه وابن معتقه؛ فالأب أو الجد يرثان السدس مع الابن؛ كما في العصبة بالنسب؛ لأنه عصبةٌ وارثٌ، فاستحقَّ بالولاء؛ كأحد الأخوين مع الآخر.
واختار شيخ الإسلام: أن أب المعتق وجد المعتق لا يرثان شيئاً مع

الجزء: 1 - الصفحة: 163

ابن المعتق؛ لأن تعصيب الابن أقوى من تعصيب الأب والجد، فيسقطان بالابن، ولا يورث بالولاء صاحب فرض.
المذهب

شيخ الإسلام

- مسألة: إذا اجتمع في شخص أكثر من جهة للإرث، فلا يخلو

: 1 - أن تجتمع جهتا تعصيب فأكثر: فيرث بالجهة المقدمة.
مثاله: ابن هو معتِق، فيرث بكونه ابنًا، لا بكونه معتقًا.
2 - أن تجتمع جهة فرض وجهة تعصيب: فيرث بهما، وذلك كزوج هو ابن عم، فيرث بالجهتين، وأخ لأم هو ابن عم، فيرث بالجهتين أيضاً.
3 - أن تجتمع جهتا فرض: فيرث بهما إن لم تحجب إحداهما الأخرى.

الجزء: 1 - الصفحة: 164

مثال ذلك: جدة هي (أم أم أم) و (أم أم أب)، فترث ثلثي السدس بالجهتين.
فإن حجبت إحداهما الأخرى ورث بالحاجبة دون المحجوبة.
ويتصور هذا أيضًا في نكاح المجوس، وفي الوطء بشبهة.
مثال ذلك: ما لو تزوج مجوسي أمه، فأتت ببنت، وكذا لو وطئ رجل أُمَّه بشبهة، فأتت ببنت، فالبنت في المثالين قد اجتمع فيها جهتا فرض: إحداهما: كونها بنتًا للواطئ.
والأخرى: كونها أخته من أُمه.
فترث الواطئ بكونها بنتًا لا بكونها أختًا من أم؛ لأن البنت تحجب أولاد الأم.
وقوله: (وَلَا تكُنْ لِغَيْرِ) طريق (حَقٍّ عَصَبَهْ) أي: مقويًّا وناصراً، وفيه إشارة إلى معنى العصبة لغة، وتقدم.

الجزء: 1 - الصفحة: 165

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول الفتوحات الربانية بشرح الدرة المضية في علم القواعد الفرضية
المقدمةبَابُ أَسْبَابِ الإِرْثِبَابُ أَرْكَانِ الإِرْثِبَابُ شُرُوطِ الإِرْثِبَابُ مَنْ يَرِثُ مِنَ الذُّكُورِبَابُ مَنْ يَرِثُ مِنَ الإِنَاثِبَابُ الفُرُوضِ المُقَدَّرَةِ فِي كِتَابِ اللهِ تعالىبَابُ مَنْ يَرِثُ النِّصْفَبَابُ مَنْ يَرِثُ الرُّبُعَبَابُ مَنْ يَرِثُ الثُّلُثَيْنِبَابُ مَنْ يَرِثُ الثُّلُثَبَابُ مَنْ يَرِثُ السُّدُسَبَابُ العَصَبَاتٍباب الحَجْببَابُ المُشَرَّكَةِبَابُ الجَدِّ وَالإِخْوَةِبَابُ الأَكْدَرِيَّةِبَابُ الرَّدِّبَابُ ذَوِي الأَرْحَامِ وَكَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْبَابُ الِحسَابِ، وَأُصُولِ الَمسَائِلِ، وَالعَوْلِبَابُ تَصْحِيحِ الَمسَائِلِبَابُ المُنَاسَخَاتِبَابُ مِيرَاثِ الخُنْثَىبَابُ مِيرَاثِ المَفْقُودِ وَالحَمْلِبَابُ مِيرَاثِ الغَرْقَى وَنَحْوِهِمْ
جارٍ التحميل