بَابُ الجَدِّ وَالإِخْوَةِ
وَالآنَ نُبْدِي مَا أَرَدْنَا أَنْ تَفِي ... فِي الجَدِّ وَالإِخْوَةِ مِمَّا قَدْ خَفِي لِلْجَدِّ أَحْوَالٌ سَتَأْتِي فَافْهَمِ ... يُقَاسِمُ الإِخْوَةَ فِيهَا فَاعْلَمِ فَيَأْخُذُ الثُّلْثَ صَحِيحًا حَيْثُ لَا ... فَرْضٌ وَكَانَ القَسْمُ أَدْنَى مَنْزِلَا وَثُلْثَ مَا يَبْقَى عَنِ الفَرْضِ لَهُ ... إِنْ كَانَ بِالقِسْمَةِ نَقْصٌ حَلَّهُ وَتَارَةً سُدُسَ مَالٍ يَأْخُذُ ... وَغَيْرُ هَذا القَوْلِ حَقًّا يُنْبَذُ وَهْوَ كَأَخٍّ فِي الإِنَاثِ يُحْسَبُ ... لَكِنْ لِأُمٍّ ثُلْثَ مَالٍ رَتَّبُوا وَاحْسُبْ عَلَى الجَدِّ ابْنَ أَبٍّ قَدْ وُجِدْ ... وَبَعْدَ جَدٍّ لِلأَشِقَّا مَا يَجِدْ
الجزء: 1 - الصفحة: 183
- مسألة: الجد من قبل الأب وإن علا لا يخلو من أمرين
:
الأول: ألا يكون معه إخوة للميت: فحكمه حكم الأب إلا في العمريتين.
الثاني: أن يكون معه إخوة للميت، فلا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون الإخوة إخوةً لأم: فلا يرثون مع الجد ويسقطون به إتفاقًا.
الحالة الثانية: أن يكون الإخوة إخوةً لغير الأم: فيرثون معه ولا يسقطون به؛ لما ورد عن علي، وزيد بن ثابت رضي الله عنهما من توريث الإخوة مع الجد [ابن أبي شيبة: 31220، وما بعده]، ولأن ميراثهم ثبت بالكتاب، فلا يُحْجَبون إلا بنص أو إجماع أو قياس، وما وُجِد شيء من ذلك، ولأنهم تساووا في سبب استحقاق الميراث فيتساوون في الاستحقاق، فإن الأخ والجد يُدليان بالأب، فالجد أبوه، والأخ ابنه، وقرابة البنوة لا تنقص عن قرابة الأبوة، بل ربما كانت أقوى؛ فإن الابن يسقط تعصيب الأب.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، والسعدي، وابن باز، وابن عثيمين: أن الإخوة يسقطون بالجد كما يسقطون بالأب؛ لأن الله تعالى سمى الجد أبًا، فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: 38]، وقال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78]، فيكون له حكم الأب، ولقول أبي بكر الصديق، وابن
الجزء: 1 - الصفحة: 184
عباس، وابن الزبير رضي الله عنهم: «الجَدُّ أَبٌ» [علقه البخاري بصيغة الجزم 8/ 151، ووصله الدارمي: 2945، 2968]، قال البخاري: (ولم يذكر أن أحدًا خالف أبا بكر رضي الله عنه في زمانه، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متوافرون)، ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» [البخاري: 6732، ومسلم: 1615]، والجد أولى من الأخ، بدليل المعنى والحكم؛ أما المعنى: فإن له قرابة إيلاد وبعضيَّة كالأب، وأما الحكم: فإن الفروض إذا ازدحمت سقط الأخ بخلاف الجد، فإنه لا يسقط بل يفرض له السدس، وقد ذكر ابن القيم لترجيح هذا القول عشرين وجهًا.
- مسألة: (وَالآنَ) بعد أن ذكرنا ما يتعلق بأصحاب الفروض والعصبات والحجب،
(نُبْدِي) أي: نُظهر (مَا أَرَدْنَا أَنْ تَفِي) به المنظومة عند قولنا في باب من يرث السدس: (وَحُكْمُهُ مَعْ إِخْوَةٍ سَيَظْهَرُ ... فِي بَابِهِ مُفَصَّلاً لا يُنْكَرُ)
فشرع المؤلف (فِي) بيان أحكام اجتماع (الجَدِّ وَالإِخْوَةِ) لغير الأم (مِمَّا قَدْ خَفِي) على بعض الناس حكمه، وفي هذا شحذ للهمم.
الجزء: 1 - الصفحة: 185
- مسألة: (لِلْجَدِّ) من الأب وإن علا بمحض الذكور مع الإخوة من الأبوين،
أو من الأب (أَحْوَالٌ) باعتبارات مختلفة (سَتَأْتِي فَافْهَمِ) تلك الأحوال وأحكامها.
فتارة (يُقَاسِمُ) الجدُّ (الإِخْوَةَ فِيهَا) أي: في تلك الأحوال، وتارة يكون له الثلث جميع المال، وتارة يكون له ثلث الباقي، وتارة يكون له سدس جميع المال، (فَاعْلَمْ) ذلك.
- فرع: اجتماع الجد مع الإخوة لغير الأم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون مع الجد صنفٌ واحدٌ من الإخوة؛ كالجد مع ولد الأبوين فقط، أو الجد مع ولد الأب فقط، ولا يخلو ذلك من حالين:
الحالة الأولى: ألا يكون معهم صاحب فرض: فللجدِّ خير الأمرين من المقاسمة - أي: مقاسمة الإخوة كواحد منهم، للذكر مثل حظ الأنثيين -، أو ثلث جميع المال.
وعلى هذا فلا يخلو من ثلاث حالات: 1 - أن يكون الأحظ للجد ثلث المال: (فَيَأْخُذُ) الجدُّ (الثُّلْثَ صَحِيحًا) أي: كاملًا، (حَيْثُ لَا) صاحب (فَرْضٍ) معهم في المسألة، (وَ) حيث (كَانَ القَسْمُ) أي: المقاسمة، (أَدْنَى مَنْزِلَا) أي: أقل حظًّا من الثلث.
الجزء: 1 - الصفحة: 186
وضابطه: أن يزيد الإخوة على مِثْلي الجد، بأن يكونوا أكثر من أخوين، أو كانوا أكثر من أربعة أخوات، ولا تنحصر صوره.
مثاله: أخذ الجد هنا الثلث، ولو أخذ بالمقاسمة لأخذ الربع.
أخذ الجد هنا الثلث، وهو ما يساوي 2 من 6، ولو أخذ بالمقاسمة لأخذ 2 من 7 سهام.
أخذ الجد هنا الثلث، ولو أخذ بالمقاسمة لأخذ الخمس.
الجزء: 1 - الصفحة: 187
2 - أن يكون الأحظ للجد المقاسمة: فيأخذ الجد نصيبه بالمقاسمة.
وضابطه: أن ينقص الإخوة عن مِثْلي الجد.
وذلك محصور في خمس صور:
أخذ الجد بالمقاسمة النصف، وهو أكثر من الثلث.
أخذ الجد بالمقاسمة الثلثين، وهو أكثر من الثلث.
أخذ الجد بالمقاسمة النصف، وهو أكثر من الثلث.
أخذ الجد بالمقاسمة 2 من 5، وهو أكثر من الثلث، فإن الثلث: 2 من 6.
أخذ الجد بالمقاسمة 2 من 5، وهو أكثر من الثلث.
الجزء: 1 - الصفحة: 188
3 - أن يستوي ثلث المال مع المقاسمة، وضابطه: أن تكون سهام الإخوة مِثْلي سهم الجد.
وذلك محصور في ثلاث صور:
· ضابط: يمكن أن يقال: (إن كان الإخوة أقل من مثلي الجد - وذلك في خمس صور تقدمت -: فالأحظ للجد المقاسمة، وإلا فله الثلث).
(وَ) الحالة الثانية: إذا كان معهم صاحب فرض: فللجدِّ خير واحد من ثلاثة أمور: المقاسمة، أو ثلث الباقي، أو سدس جميع المال.
وعلى هذا، فهي على سبعة أقسام:
الجزء: 1 - الصفحة: 189
1 - أن يكون الأحظ للجد المقاسمة، مثاله: ففي المقاسمة، أخذ الجد (5 ÷ 12)، وفي ثلث الباقي أخذ (5 ÷ 18)، وفي سدس المال أخذ (1 ÷ 6) وهو يساوي (5 ÷ 30)، وحتى تعرف الأحظ لا بد أن نساوي المقامات أو البسط فنساوي البسط، ثم ننظر، فصاحب المقام الأقل هو الأحظ، فتبين أن المقاسمة هنا أحظ للجد.
2 - أن يكون الأحظ للجد ثلث الباقي: فـ (ثُلْثُ مَا يَبْقَى عَنْ) صاحب (الْفَرْضِ) يكون (لَهُ) أي: للجد، (إِنْ كَانَ) نصيب الجد (بِالقِسْمَةِ) أي: المقاسمة ونصيبه بسدس جميع المال (نَقْصٌ حَلَّهُ) أي: تنقصه عن ثلث الباقي، فيأخذ ثُلُث الباقي بعد إعطاء صاحب الفرض فرضه؛ قياسًا على الأم في العمريتين.
مثاله:
الجزء: 1 - الصفحة: 190
ففي المقاسمة، أخ الجد (5 ÷ 36)، وفي ثلث الباقي أخذ (5 ÷ 18)، وفي سدس المال أخذ (1 ÷ 6)، وهو يساوي (5 ÷ 30)، فتبين أن ثلث الباقي هنا أحظ للجد
3 - (وَتَارَةً سُدُسَ مَالٍ يَأْخُذُ) الجد: إذا كان السُّدس أحظ له من المقاسمة ومن ثلث الباقي؛ لأنه لا ينقص عنه مع الولد الذي هو أقوى، فمع غيره أولى.
مثاله:
ففي المقاسمة، أخ الجد التسع (2 ÷ 18)، وفي ثلث الباقي أخذ التسع أيضا (2 ÷ 18)، وفي سدس المال أخذ (1 ÷ 6)، وهو يساوي (2 ÷ 12)، فتبين أن سدس المال هنا أحظ للجد
4 - أن يستوي للجد المقاسمة وثلث الباقي، ويكونان أحظ له من سدس المال.
الجزء: 1 - الصفحة: 191
مثاله: ففي المقاسمة، أخ الجد (5 ÷ 18)، وفي ثلث الباقي أخذ أيضا (5 ÷ 18)، وفي سدس المال أخذ (1 ÷ 6)، وهي تساوي (5 ÷ 30)، فتبين أنهما أحظ له من سدس المال
5 - أن يستوي للجد المقاسمة وسدس المال، ويكونان أحظ له من ثلث الباقي: مثاله: ففي المقاسمة، أخ الجد السدس، وهي تساوي (2 ÷ 12)، وفي ثلث الباقي أخذ التسع (2 ÷ 18)، وفي سدس المال أخذ (1 ÷ 6)، وهي تساوي (2 ÷ 12)، فتبين أن سدس المال أو المقاسمة أحظ له من ثلث الباقي.
الجزء: 1 - الصفحة: 192
6 - أن يستوي للجد ثلث الباقي وسدس المال، ويكونان أحظ له من المقاسمة: مثاله: ففي المقاسمة، أخذ الجد الثُّمن، وفي ثلث الباقي أخذ سدس المال، وفي السدس أخذ السدس، فتبين أن ثلث الباقي وسدس المال أحظ له من المقاسمة.
7 - أن تستوي للجد الثلاثة: المقاسمة وثلث الباقي وسدس المال: مثاله: أخذ الجد في جميع الأحوال السدس
الجزء: 1 - الصفحة: 193
(وَغَيْرُ هَذا القَوْلِ) المتقدم بيانه في طريقة القسمة بين الجد والإخوة (حَقًّا يُنْبَذُ) أي: يطرح.
· فرع: إن لم يبق بعد أصحاب الفروض غير السُّدُس؛ أخذه الجد؛ لأن الجد لا ينقص أبدًا عن سُدُس المال، وسقط الإخوة من الأبوين أو الأب، ذكورًا كانوا أو إناثًا؛ لاستغراق الفروض التركة، إلا الأخت في الأكدرية، وتأتي.
مثاله:
وإن بقي دون السُّدُس؛ كزوج وبنتين وجد وأخ فأكثر؛ أُعِيل للجد بباقي السُّدُس.
الجزء: 1 - الصفحة: 194
· فائدة: أصحاب الفروض الذين يجتمعون مع الجد والإخوة في مسألة واحدة ستة فقط، وهم: الزوجان، والبنت، وبنت الابن، والأم، والجدة.
· فرع: (وَهْوَ) أي: الجد (كَأَخٍ فِي) مقاسمة (الإِنَاثِ) عند اجتماعه بهن، فيكون له مثل حظ الأنثيين، ويعصبهن، فـ (يُحْسَبُ) كأنه أخٌ، (لَكِنْ) إذا كانت معهم أمٌّ، فإن (لِأُمٍّ ثُلْثَ مَالٍ رَتَّبُوا)، فلا تنحجب به من الثلث إلى السدس؛ لأنه ليس بأخ.
مثاله:
القسم الثاني من أقسام اجتماع الجد مع الإخوة لغير الأم: أن يكون مع الجد صنفان من الإخوة لغير الأم؛ كزوج وأخ شقيق وأخ لأب، وتسمى المعادة؛ لأن الإخوة الأشقاء يعدُّون ويزاحمون بالإخوة لأب على الجد، ومسائلها محصورة في ثمان وستين صورة.
ولذا قال الناظم: (وَاحْسُبْ) أي: عدَّ (عَلَى الجَدِّ ابْنَ أَبٍ) أي:
الجزء: 1 - الصفحة: 195
الأخ للأب (قَدْ وُجِدْ) في المسألة، فنجعل الإخوة لأب كأنهم إخوة أشقاء ليزاحموا الجدَّ، ويُحسب عليه من عِداد الرؤوس؛ لأن الجد والدٌ فإذا حجبه أخوان وارثان؛ جاز أن يحجبه أخ وارث وأخ غير وارث؛ كالأم، ولأن أولاد الأب يرثون معه إذا انفردوا، فيعدون عليه مع غيرهم، بخلاف ولد الأم فإن الجد يحجبهم، فلا يعدون عليه.
(وَبَعْدَ) إعطاء (جَدٍّ) نصيبه، لا يخلو حال الإخوة من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون ولد الأبوين ذكرًا أو أكثر: فلا يرث ولد الأب شيئًا، بل يكون (لِلأَشِقَّا مَا يَجِدْ) من الباقي بعد إعطاء الجد نصيبه؛ لأن الأخ الشقيق أقوى تعصيبًا من الأخ لأب، فلا يرث الأخ لأب مع الأخ الشقيق شيئًا، كما لو انفرد عن الجد.
مثال ذلك:
الأحظ للجد هنا: ثلث المال؛ لأن الإخوة أكثر من مثليه فيأخذه والباقي للأخ الشقيق، ولا شيء للأخوين لأب.
الجزء: 1 - الصفحة: 196
الثانية: أن يكون ولد الأبوين جمع من الإناث، اثنتان فأكثر: فلا يتصور أن يبقى شيء لولد لأب؛ لأن أكثر ما يمكن أن يبقى بعد نصيب الجد الثلثان، وهما فرضا الشقيقتين فأكثر.
مثال ذلك:
الأحظ للجد هنا: ثلث المال، فيأخذه، ثم يفرض للأختين الثلثين فتأخذانهما ويسقط الأخوان.
الأحظ للجد هنا: المقاسمة، فيأخذ سهمين من خمسة، والباقي للأختين الشقيقتين، وتسقط الأخت للأب، ولم نكمل للشقيقتين الثلثين؛ لأن ذلك يستلزم العول، ولا عول في هذا الباب في غير الأكدرية، وستأتي.
الثالثة: أن يكون ولد الأبوين أنثى واحدة: فتأخذ الأخت الشقيقة تمام فرضها وهو النصف؛ لأنه لا يمكن أن تزاد عليه مع عصبة، ويأخذ الجد الأحظ له على ما تقدم، ويأخذ ولد الأب الباقي، واحدًا كان أو أكثر.
الجزء: 1 - الصفحة: 197
مثاله: الأحظ للجد هنا: المقاسمة، فيأخذ سهمين من خمسة، ثم يفرض للأخت الشقيقة النصف، والباقي للأخ لأب، وهذه تسمى العشرية، وهي من الزيديات الأربع نسبة لزيد بن ثابت - رضي الله عنه -.
الأحظ للجد هنا: المقاسمة، فيأخذ سهمين من خمسة، ثم يفرض للشقيقة نصف المال، وهو (1 ÷ 2) 2، والباقي وهو (1 ÷ 2) سهم، يكون للأختين لأب، وتسمى بالعشرينية.
- تنبيه: لا حاجة إلى المعادة إلا في الحال التي تكون فيها المقاسمة أحظ للجد، وإلا استُغني عن المعادة؛ كجد وأخوين لأبوين وأخ لأب فأكثر، فلا معادة؛ لأنه لا فائدة فيها.
الجزء: 1 - الصفحة: 198
مثاله:
فلو عد الأخ لأب على الجد لم ينقص حقه بذلك؛ لأن الجد سيرث ثلث المال بكل حال، فيأخذه، والباقي للشقيقين، ويسقط الأخ لأب.
الجزء: 1 - الصفحة: 199