الفتوحات الربانية بشرح الدرة المضية في علم القواعد الفرضية
للعلامة عبد الرحمن بن عبد الله البعلي الحنبلي (ت: 1192 هـ)
شرح د. عبد العزيز بن عدنان العيدان د. أنس بن عادل اليتامى
الجزء: 1 - الصفحة: 23
الجزء: 1 - الصفحة: 24
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإن علم الفرائض من العلوم الشرعية التي اعتنى بها الأولون والآخرون من فقهاء هذه الأمة، فصنفوا فيه المصنفات، ونظموا فيه المنظومات، ودرسوه في المدارس والكتاتيب، وتلوا آياته في المساجد والمحاريب، وما ذاك إلا لشرف هذا العلم في الشريعة، ومكانته العالية الرفيعة.
وإن من تلكم المصنفات النافعة، والمنظومات السهلة الماتعة، ما نظمه العلامة عبد الرحمن بن عبد الله البعلي رحمه الله، والتي سماها: (الدُّرَّةَ المُضِيَّةَ فِي عِلْمِ القَوَاعِدِ الفَرَضِيَّةِ)، اختصر فيه المنظومة الرَّحَبِيَّة
الجزء: 1 - الصفحة: 29
بإعادة صياغتها، وحذف حشوها، وتقصير ما تطاول منها، فجاءت في (119) بيتًا، وقام بحنبلة المواطن التي ما خالف المذهب عندنا مذهب الشافعية خلا بابي الغرقى والخنثى، فكانت منظومة جديرة بالعناية، وكفيلة بالاستغناء والكفاية 1. ولما كانت المنظومة تمتاز بما تقدم زَبْرُه، وتحتوي على ما لا يسعف التقدمة ذكرُه، ولم يكن لها شرحٌ سوى شرحِ ناظمها الموسوم بـ: (الفَوَائِدِ المَرْضِيَّةِ لِشَرْحِ الدُّرَّةِ المُضِيَّةِ فِي عِلْمِ القَوَاعِدِ الفَرَضِيَّةِ) 2؛ استعنَّا الله تعالى بوضع شرحٍ على أبياتها يوضح معناها، ويسهل على دارسها محتواها، مستفيدين من كتب علماء الحنابلة؛ ككشاف القناع وشرح منتهى الإرادات، مع ما سطره علماؤنا الأكابر؛ مثل كتاب: (الفوائد الجلية في المباحث الفرضية)، لسماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، وكتاب (تسهيل الفرائض)، للعلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، وكتاب (التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية)، لشيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله، وكتاب (الفرائض)، لشيخنا العلامة عبد الكريم بن محمد اللاحم رحمه الله، وسميناه: (الفُتُوحَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ لِشَرْحِ الدُّرَّةِ المُضِيَّةِ).
الجزء: 1 - الصفحة: 30
نسأل الله تعالى أن يكون هذا الشرح نوعًا من نشر العلم الذي يحب الله نشره، ومن البرِّ بأهل العلم الذين صنفوا تلك المصنفات، وأفنوا أعمارهم في تبيين شرع الله تعالى وحكمه، وأن يبارك في هذا النظم وشرحه فتُعمر به المجالس العلمية والدروس الشرعية.
وما كان من اجتهاد خاطئ فمنَّا ومن الشيطان، ونرجو من الله العفو والغفران، ومن القارئ النصح والبيان.
والحمد لله رب العالمين
المؤلفان
الجزء: 1 - الصفحة: 31
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ابتدأ المصنف كتابه بالبسملة
؛ تأسياً بالكتاب العظيم، واقتداءً بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
والجار والمجرور في قوله: (بِسْمِ) متعلق بفعل محذوف مؤخر مناسب للمقام، وتقديره هنا: بسم الله أؤلف، والمعنى: أؤلف مستعيناً بجميع أسماء الله الحسنى المتضمنة لصفاته العليا، متبركاً بذكرها حال تأليف هذا النظم.
و(الله): عَلَمٌ على الباري جل وعلا، أصله: (الإله)، حُذفت الهمزة، وأُدغمت اللام في اللام، فصارتا لاماً واحدة مشددة مفخمة، و (الإله) هو المألوه، أي: المعبود، من أَلِهَ يألَه: إذا تعبَّد، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «هُوَ الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَيَعْبُدُهُ كُلُّ خَلْقٍ» [تفسير الطبري 1/ 121].
و(الرَّحْمَن): اسم من أسماء الله المختصة به، لا يُطلق على غيره، ومعناه: المتصف بالرحمة الواسعة.
و(الرَّحِيم): من أسماء الله أيضاً، ومعناه: ذو الرحمة الواصلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 33
الحَمْدُ للهِ القَدِيمِ البَاقِي ... سُبْحانَهُ مِنْ وارِثٍ خَلَّاق ثُمَّ الصَّلاةُ للنَّبِيْ والآلِ ... وَصَحْبِهِ مَعَ السَّلَامِ التَّالِي
(الحَمْدُ): هو وصف المحمود بصفات الكمال على وجه المحبة والتعظيم، سواءٌ كان في مقابلة نِعمة أم لا، واللام في (الحَمْد) للاستغراق أو الجنس، فكل أنواع المحامد أو جنسها مستحَقَّة ومملوكة (للهِ) تعالى؛ لكماله في أسمائه وصفاته وأفعاله.
(القَدِيمِ) بمعنى الأوَّل، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: 3]، ولكن لم يرد إطلاق لفظ (القديم) في الكتاب ولا في السنة، فلا يطلق على الله تعالى على أنه اسم له؛ لأنه ليس من الأسماء الحسنى، ولكن يخبر به عنه، قال ابن القيم رحمه الله: (ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يُطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيًّا؛ كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه) 3.
(البَاقِي) الذي لا يفنى، والبقاء من صفات الله تعالى، كما قال تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)، وأما اسم
الجزء: 1 - الصفحة: 34
(الباقي) فأثبته ابن منده وقوَّام السنة اسماً لله تعالى؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الطويل في ذكر أسماء الله تعالى، وفيه: «الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ» [الترمذي: 3507]، والحديث ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله 4، ولم يصح دليل آخر في إثبات هذا الاسم.
(سُبْحانَهُ) اسم مصدر، من سبَّح يُسبِّح تسبيحًا وسبحانًا، وهو تنزيه لله تعالى وتبعيده عن كل ما لا ينبغي أن يُوصَف به.
(مِنْ وارِثٍ) وهو الله، وعدَّه كثير من أهل العلم من أسماء الله الحسنى، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: 23]، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق في ذكر أسماء الله تعالى، وفيه: «الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ».
قال ابن عثيمين: (الوارث: لم يرد بهذا اللفظ من أسماء الله تعالى، ولكنه ورد بلفظ الجمع الدال على التعظيم في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 58]) 5.
وسبحانه من (خَلَّاقِ) أي: الموجد للشَّيء على غير مثال سَبَقَ، وهو من أسماء الله تعالى؛ لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾.
الجزء: 1 - الصفحة: 35
(ثُمَّ) بعد الثناء على الله، (الصَّلاةُ للنَّبِيِّ) صلى الله عليه وسلم، وهي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، قال أبو العالية: «صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة» [البخاري معلقاً 6/ 120].
(و) الصلاة على (الآلِ) وهم أتباعه على دينه؛ لأن الله تعالى أطلق الآل على الأتباع في الدَّين، فقال: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب).
وعنه واختاره شيخ الإسلام: أنهم أهل بيته.
وأدخل شيخ الإسلام فيهم: زوجاته رضي الله عنهن.
(وَ) الصلاة على (صَحْبِهِ) جمع صاحب، وهو من اجتمع بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام.
والصلاة (مَعَ السَّلَامِ) أي: السلامة من النقائص والرذائل (التَّالِي) أي: التابع، والجمع بين الصَّلاة والسَّلام؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً﴾، وخروجًا من خلاف من كَرِهَ إفراد أحدهما عن الآخر.
الجزء: 1 - الصفحة: 36
وَبَعْدَ ذَا فَهَذِهِ قَوَاعِدُ ... فِي الإِرْثِ فِيهَا لِلوَرَى فَوَائِدُ قَدِ اخْتَصَرْتُهَا لِأَهْلِ الطَّلَبِ ... مِنْ دُرِّ مَا نَظَمَهُ ابْنُ الرَّحَبِيْ ... لِكَيْ يَنَالَ المُرْتَجِيْ مِنْها الأَمَلْ ... مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ بِهِ يُبْطِي العَمَلْ سَمَّيتُها بالدُّرَّةِ المُضِيَّهْ ... جَامِعَةِ القَوَاعِدِ الفَرْضِيَّهْ وَأَسْأَلُ اللهَ الغَنِيْ بِفَضْلِهِ ... يَجْعَلُها خَالِصَةً لِوَجْهِه
(وَبَعْدَ ذَا) الذي تقدَّم من البسملة والحمدلة، والصَّلاةِ والسَّلامِ على سيِّد الأنام، (فَهَذِهِ) المسائل الَّتي تُذكر في هذا الكتاب (قَوَاعِدُ) جمع قاعدة، وهي: حكمٌ كلِّيٌّ ينطبق على جزئيَّاته؛ لتعرف أحكامها منه، (فِي الإِرْثِ) أي: متعلقة بالميراث، (فِيهَا) أي: في تلك المسائل (لِلوَرَى) أي: للخلق (فَوَائِدُ) جمع فائدة، وهي: ما استفدْتَه من علم أو مال.
(قَدِ اخْتَصَرْتُهَا) والاختصار: هو تجريد اللَّفظ اليسير من اللَّفظ الكثير، مع بقاء المعنى، (لِأَهْلِ الطَّلَبِ) أي: طلب العلم، (مِنْ دُرِّ) جمع
الجزء: 1 - الصفحة: 37
درَّة، وهي اللُّؤلؤة العظيمة، (مَا نَظَمَهُ) أي: ألَّفه، (ابْنُ الرَّحَبِيْ) وهو الشَّيخ محمَّد بن علي بن محمَّد بن الحسن، أبو عبد الله الرَّحَبيُّ، فقيه فاضل، صنَّف كتباً صغيرة؛ منها منظومة الفرائض، سمَّاها: «بغية الباحث»، وهي أصل هذه المنظومة المباركة، مات رحمه الله سنة تسع وسبعين وخمسِ مِائة من الهجرة.
اختصرها المؤلف (لِكَيْ يَنَالَ) أي: يُعطى (المُرْتَجِيْ) أي: المؤمِّل (مِنْها) من هذه المنظومة (الأَمَلْ) أي: الرَّجاء، (مِنْ غَيْرِ) أن يكون فيها (تَطْوِيلٌ) وإسهاب (بِهِ) أي: بهذا التطويل (يُبْطِي) أي: يتأخر (العَمَلْ) أي: عمل المسائل، (سَمَّيتُها) أي: هذه المنظومة (بالدُّرَّةِ المُضِيَّهْ جَامِعَةِ القَوَاعِدِ الفَرْضِيَّهْ)، فجاءت هذه الدرَّة براَّقة في ألفاظها، غنية في معانيها، جامعة لأبواب الفرائض، حاوية لأمات المسائل.
ولما كانت هذه الدرَّة بحاجة إلى ما يُجلي قيمتها، ويكشف الخدر عن ضيائها وبريقها؛ استعنا الله الكريم بوضع نقاطٍ على حروفها، وإبراز فوائدها وعلومها، شرحًا حنبليًّا موافقًا لما عليه علماء المذهب الكرام، مشيرين إلى قول آخر إن كان لأحد من المحققين العظام، مع العناية بالتمثيل، والحرص قدر الإمكان على التذليل والتسهيل، وإلحاق المسائل بما تحتاج إليه من التدليل والتعليل، فغدى الشرح للناظر فيه سلوةً وللمستفيد منه منوةً، وسميناه: (الفتوحات الربانية لشرح الدرة المضية).
الجزء: 1 - الصفحة: 38
(وَأَسْأَلُ اللهَ) جل جلاله ولا مسؤول سواه، (الغَنِيَّ) والغني: هو الذي له الغنى التام المطلق، من جميع الوجوه والاعتبارات لكماله وكمال صفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، أتوسل إليه (بِفَضْلِهِ) وهذا من التوسل المشروع، إذ هو من التوسل إلى الله بأفعاله سبحانه، أن (يَجْعَلَها) أي: هذه المنظومة (خَالِصَةً لِوَجْهِهِ) أي: خالصة من الرِّياء والسُّمعة لأجل وجهه تعالى.
الجزء: 1 - الصفحة: 39
فصل في الحقوق المتعلقة بالتركة
التركة: هي ما يخلفه الميت من مال أو حق أو مختص.
ويتعلق بتركة الميت خمسة حقوق، وهي مرتبة إن ضاقت التركة على الترتيب التالي:
الحق الأول: مؤنة تجهيز الميت، وهي ما يحتاج إليه الميت من كفن، وحنوط، وأجرة تغسيل وحفر، وغير ذلك؛ لأنها من حوائج الميت، فهي بمنزلة الطعام والشراب واللباس للمفلس.
فيبدأ بها أولًا وجوبًا، وهي مقدمة على جميع الحقوق الأخرى؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة المُحْرِم الذي وقصته ناقته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» [البخاري: 1851، ومسلم: 1206]، ولم يستفصل هل عليه دين أم لا، ولأن مصعب بن عمير رضي الله عنه لمَّا مات لم يوجد له إلا ثوب واحد، فكُفِّن فيه [البخاري: 1275]، ولأن لباس المفلس يقدم على وفاء دينه، فكذا كفن الميت.
- فرع: تجهيز الميت يكون بما يليق به عُرفًا، بحسب يسار الميت وإعساره، ولا عبرة بما كان عليه في حياته من إسرافه وتقتيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 40
- مسألة: لا يلزم الزوج مؤنة تجهيز زوجته، بل يكون ذلك من مالها
، ولو كان الزوج موسرًا؛ لأن النفقة والكسوة في النكاح وجبت للتمكين من الاستمتاع، ولهذا تسقط بالنشوز والبينونة، وقد انقطع ذلك بالموت، فأشبهت الأجنبية.
وقيل، وحُكي رواية عن أحمد، واختاره ابن عثيمين: إن كان الزوج موسرًا فإن مؤنة تجهيز الزوجة على الزوج، وإن كانت الزوجة موسرة؛ لقوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف)، وتجهيزها من العشرة بالمعروف، ولأن عليه نفقتها في حال حياتها، فأشبهت القريب، ولأن علاقة الزوجية باقية، بدليل أنه يغسلها ويرثها.
الحق الثاني: الحقوق المتعلقة بعين التركة، فيبدأ بها بعد مؤنة الميت وقبل الديون المرسلة؛ لأنها تُقدَّم عليها حال الحياة، فكذلك حال الوفاة.
مثال ذلك:
1 - العبد الجاني، بأن قتل نفسًا، أو قطع طرفًا خطأً أو شبه عمد، أو عمدًا لا قصاص فيه، أو فيه قصاص لكن عفا مستحقه، أو أتلف مال إنسان بغير تسليط؛ فإن حق المجني علىه يكون مقدَّمًا على مؤن التجهيز وعلى الديون المرسلة وغيرها مما سيأتي؛ لتعلق أرش الجناية برقبة العبد الجاني.
ويقدم على حق المرتهن بغير خلاف، قاله في المبدع، لأنها مقدمة على حق المالك، والملك أقوى من الرهن، فأولى أن تقدم على الرهن.
الجزء: 1 - الصفحة: 41
2 - الرهن الذي وُثِّق بالدَّين، بأن رهن عينًا؛ كبيت أو سيارة أو نحو ذلك بدينٍ عليه أو على غيره؛ فإن هذا الدَّين قد تَعلَّق بهذه العين المرهونة، فيكون مُقدَّمًا على غيره؛ لتعلق حق المرتهن بالعين المرهونة.
أما إن كان الدَّين غير موثق برهن، فهو الدَّين المرسل، وسيأتي في الحق الثالث.
3 - الزكاة المستقرة في الذمة، كما لو ملك نصابًا من المال، وحال عليها الحول، واستقرت في ذمته ثم مات، ولم يبق من ماله إلا قدر الواجب من الزكاة؛ فإن أهل الزكاة يُقدَّمون على أصحاب الديون المرسلة؛ لأن حق الزكاة هنا يكون كالمرهون بالتركة.
الحق الثالث: الديون المرسلة، وهي الدَّيون المتعلقة بذمة الميت لا بعين تركته، سواء أذن الميت في ذلك أم لا، وسواء كان الدَّين لله تعالى؛ كالزكاة والكفارة، أم لآدمي؛ كالقرض وثمن المبيع والأجرة، فتُقَّدم الديون على الوصايا والإرث إجماعًا؛ لما روي عن علي رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ» [علقه البخاري بصيغة التمريض 4/ 5، ووصله أحمد: 1091، والترمذي: 2094، وابن ماجه: 2715]، ولأنها حقوق واجبة عليه، فتُقدَّم على الوصية؛ لأنها تبرع.
الجزء: 1 - الصفحة: 42
- فرع: يُسوَّى بين الدِّيون بالحصص إن لم تف التركة بالجميع، سواء كان الدَّين لله تعالى أم للآدمي، وسواء كان سابقًا أم لاحقًا، واختاره ابن عثيمين؛ لأنها متساوية في وجوب القضاء، فتتساوى في الترتيب.
وطريقة القسمة: بأن تنسب الموجود من مال الميت إلى مجموع الدِّيون، ثم يُدفع لكل حقِّ بمقدار هذه النسبة من المال الموجود.
مثاله: هلك شخص وعليه زكاة بألفين دينار، ودين بثلاثة آلاف دينار، ودين آخر بخمسة آلاف، فمجموع الدِّيون = عشرة آلاف، وتركته: خمسة آلاف دينار، فنسبة الخمسة إلى العشرة = (النصف)، فيُدفع لكل واحد نصف حقِّه.
الحق الرابع: الوصية: فيُبدأ بعد ذلك بتنفيذها؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ [النساء: 11]، فتُقدَّم على الإرث إجماعًا.
- مسألة: يشترط لصحة الوصية شرطان
:
الشرط الأول: أن تكون الوصية من الثلث فأقل.
فتلزم الوصية في الثُلُث فما دون من غير إجازة، وأما ما زاد على الثُلُث فيقف على إجازة الورثة، فإن أجازوه جاز؛ لأن المنع لحقهم، فإذا رضوا بإسقاطه سقط، وإن ردوه بطل في قول جميع العلماء؛ لحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما مرض بمكة، وفيه: قلت:
الجزء: 1 - الصفحة: 43
يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: «لَا»، قلت: فالشطر، قال: «لَا»، قلت: الثُلُث، قال: «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ» [البخاري: 2742، ومسلم: 1628].
- فرع: إن أوصى بأكثر من الثُلُث وكان وارثه أحد الزوجين فقط، وردَّ الوصية ولم يُجِزها: أُعطي الموصى له الثُلُث؛ لأنه لا يتوقف على إجازة، ويأخذ أحد الزوجين فرضه من الثلثين، والباقي من الثلثين يكون للموصى له؛ لأن الزوجين لا يُرد عليهما الميراث، فلا يأخذان من المال أكثر من فرضيهما.
الشرط الثاني: أن تكون الوصية لأجنبي، وهو من ليس بوارث عند الموت، فإن كانت الوصية لوارثٍ؛ لم تصح إجماعًا إلا بإجازة الورثة كما تقدم، قليلًا كان المال أو كثيرًا؛ لحديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» [أحمد: 22294، وأبو داود: 2870، والترمذي: 2120، وابن ماجه: 2713]، قال شيخ الإسلام: (هذا مما تلقته الأمة بالقبول والعمل بموجبه). - فرع: تعتبر الإجازة بعد موت الموصي؛ لأن حق الورثة لا يثبت إلا بموته.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تصح الإجازة في حياة الموصي إذا وقعت في حال مرضه؛ فليس له الرجوع؛ لأنه تعلق حقهم بماله
الجزء: 1 - الصفحة: 44
وانعقد لهم سبب الإرث؛ فيصح ولو قبل وجود الشرط.
- فرع: تحرم المضارة في الوصية عند شيخ الإسلام، لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «الإِضْرَارُ فِي الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبَائِرِ» [النسائي في الكبرى: 11026].
قال شيخ الإسلام: (فمتى أوصى بزيادة على الثلث فهو مضارٌّ، قصد أو لم يقصد، فَتُرَدُّ هذه الوصية، وإن وصى بدونه ولم يُعلم أنه قصد الضرار فيمضيها، فإن عَلِم الموصى له إنما أوصى له ضرارًا؛ لم يحل له الأخذ).
الحق الخامس: الإرث، فما بقي من المال بعد الحقوق الأربعة المتقدمة فإنه يكون ميراثًا، وهو المقصود في هذا النظم.
الجزء: 1 - الصفحة: 45