الفتوحات الربانية بشرح الدرة المضية في علم القواعد الفرضيةبَابُ أَسْبَابِ الإِرْثِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أسبابُ ميراثٍ نكاحٌ ونَسَب ثمَّ ولاءٌ ما سواهُنَّ سبب

الأسباب جمع سبب، وهو لغة: ما يتوصل به إلى غيره.
واصطلاحاً: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته.

- مسألة: (أَسْبَابُ مِيرَاثٍ) مجمعٍ عليها ثلاثة:

السبب الأول: (نِكَاحٌ) وهو: عقد الزوجية الصحيح، سواء دخل بالزوجة أو لا، فيرث به الزوج من زوجته، والزوجة من زوجها بمجرد العقد، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُم﴾ [النساء: 12]، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12]، ولما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال في رجل تزوج امرأةً فمات عنها، ولم يَدخل بها ولم يَفرض لها الصداق: «لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ، وَلَهَا المِيرَاثُ»، فقال معقل بن سنان رضي الله عنه: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِهِ فِي بَرْوَع بِنْتِ وَاشِقٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا» [أحمد: 4276، وأبو داود: 2114، والترمذي: 1145، والنسائي: 3355، وابن ماجه: 1891].

الجزء: 1 - الصفحة: 46

فلا ميراث في النكاح الفاسد؛ كالنكاح بلا ولي، ولا الباطل؛ كنكاح خامسة؛ لأن وجوده كعدمه.

- مسألة: ينقطع التوارث بين الزوجين بأحد أمرين

: الأمر الأول: البينونة بينهما، إما بفسخ أو بطلاق بائن، ولا يخلو ذلك من قسمين: 1 - أن تكون البينونة في حال الصحة: فينقطع التوارث بين الزوجين بمجرد الفرقة، سواء في العدة أم بعدها؛ لأن العلاقة الزوجية تنقطع به، واختاره ابن باز وابن عثيمين.
2 - أن تكون البينونة في حال مرض الموت المخوف، ولا يخلو من حالتين: الأولى: أن تقع الفرقة بغير قصد حرمانها من الميراث: فينقطع التوارث فيهما بين الزوجين بمجرد الفرقة، سواء في العدة أم بعدها؛ لما تقدم، ولأنه غير مُتَّهم.
الثانية: أن تقع الفرقة من أحدهما في حالٍ يُتَّهم فيها بقصد حرمان الآخر من الإرث؛ فإن المتهم يُورَث ولا يَرِث؛ معاقبة له بنقيض قصده السيِّئ.
مثال التهمة من قِبَل الزوج: أن يطلق الرجل زوجته في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها.

الجزء: 1 - الصفحة: 47

فأما الرجل: فلا يرثها لو ماتت؛ لأن البينونة منه.
وأما المرأة: فإنها ترثه في العدة وبعدها؛ معاملة له بنقيض قصده؛ لأن الحيل لا تبطل الحقوق، ما لم تتزوج أو ترتد؛ لأنها إذا تزوجت فلا يمكن أن ترث زوجين، وإذا ارتدت - والعياذ بالله - فقد أتت بمانع من موانع الإرث، واختاره ابن باز.
ومثال التهمة من قِبل الزوجة: أن تفعل في مرض موتها المخوف ما يفسخ نكاحها من زوجها متهَمةً بقصد حرمانه، مثل: أن يُعقَد عليها لطفل صغير فترضعه رضاعاً تثبت به الأمومة، فإن النكاح ينفسخ، ويرث الطفل منها لو ماتت؛ لأنه أحد الزوجين، فلم يُسقِط فعلها ميراث الآخر؛ كالزوج، فيرثها ما دامت في عدتها لا بعد انقضاء العدة 1، وأما هي فلا ترث.
الأمر الثاني: الطلاق الرجعي، ولا يخلو من حالين: 1 - أن يموت أحدهما بعد انتهاء العدة: فينقطع التوارث بينهما؛ لانقطاع العلاقة الزوجية بذلك.
2 - أن يموت أحدهما قبل انتهاء العدة: فيتوارثان؛ لما ورد عن

الجزء: 1 - الصفحة: 48

مكحول: أن أبا بكر، وعمر، وعليًّا، وابن مسعود، وأبا الدرداء، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنهم، كانوا يقولون في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين: «إِنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنْ حَيْضَتِهَا الثَّالِثَةِ، يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» [ابن أبي شيبة: 18899]، ولأن الرجعية في حكم الزوجة، قال في المغني: (بغير خلاف نعلمه).
(وَ) السبب الثاني: (نَسَبٌ) أي: قرابة، وهي: الاتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة، قريبة أو بعيدة، فيرث بها؛ لقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأنفال: 75].

  • فرع: جهات النسب ثلاثة: 1 - جهة الأصول: وهم من ينتمي إليهم الشخص من الآباء والأمهات، والأجداد والجدات.
    2 - جهة الفروع: وهم من ينتمي إلى الشخص من الأولاد وأولادهم.
    3 - جهة الحواشي: وهم من ينتمي إلى أَبَوَيِ الشخص وأجداده، من الإخوة وأولادهم، والأعمام وأولادهم.
    (ثُمَّ) السبب الثالث: (وَلاءٌ) وهي: عصوبةٌ سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق، فيرث بالولاء المعتِق وعصبته المتعصبون بأنفسهم، لا بغيرهم ولا مع غيرهم، من العتيق، ولا عكس؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما

الجزء: 1 - الصفحة: 49

مرفوعاً: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» [ابن حبان 4950، والحاكم 7990]، فشبه الولاء بالنسب، والنسب يورث به، فكذا الولاء.
ولا يرث العتيق من معتِقه؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» [البخاري: 2156، ومسلم: 1504]. واختار شيخ الإسلام: أن العتيق يرث من سيده؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: «مَاتَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا إِلَّا عَبْدًا لَهُ هُوَ أَعْتَقَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيرَاثَهُ» [أحمد 1930، والترمذي 2106، وأبو داود 2905، وابن ماجه 2741، وضعفه البخاري، وقال ابن القيم بعده: وبهذه الفتوى نأخذ]، ولأن له ولاء، فهو أولى من بيت المال.

  • فرع: (مَا سِوَاهُنَّ) أي: هذه الأسباب الثلاثة (سَبَبٌ) يحصل به التوارث؛ لعدم الدليل على الإرث بغيرها.
    وعنه، اختاره شيخ الإسلام، ومال إليه ابن عثيمين: يثبت الإرث عند عدم النكاح والنسب والولاء بأسباب أخرى، وهي: 1 - الموالاة والمعاقدة: وهو الاتفاق على الولاء والنصرة والتوارث، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الخلة والمعاقدة، يقول لصاحبه: دمي دمك وترثني وأرثك، واستمر ذلك أول الإسلام، فكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33]، والموالاة كالمعاقدة.

الجزء: 1 - الصفحة: 50

2 - الإسلام على يديه؛ لحديث تميم الداري رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يسلم على يدي الرجل؟ فقال: «هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ» [أحمد 16944، وأبوداود 2918، والترمذي 2112، وابن ماجه 2752]، وعن مجاهد: أن رجلًا أتى عمر رضي الله عنه فقال: إن رجلًا أسلم على يدي، فمات وترك ألف درهم، فتحرجت منها، ورفعتها إليك، فقال: «أَرَأَيْتَ لَوْ جَنَى جِنَايَةً عَلَى مَنْ كَانَتْ تَكُونُ؟ » قال: علَيَّ، قال: «فَمِيرَاثُهُ لَكَ» [ابن أبي شيبة 31577]. 3 - الالتقاط؛ لحديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المَرْأَةُ تُحْرِزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَنْهُ» [أحمد 16004، وأبوداود 2906، والترمذي 2115، وابن ماجه 2742]، ولقول عمر رضي الله عنه لمن التقط لقيطاً: «هُوَ حُرٌّ، وَوَلَاؤُهُ لَكَ، وَعَلَيْنَا رَضَاعُهُ» [ابن أبي شيبة 31569]، ولأن إنعام الملتقط على اللقيط بتربيته والقيام عليه؛ ليس بدون إنعام المعتق على العبد بعتقه.
4 - كونهما من أهل الديوان، وهو اسم الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش، وأهل العطاء، والمراد: كونهما مكتوبين في ديوان واحدٍ، قال أبو الخطاب في توريثهم من بعض: (يروى عن عمر رضي الله عنه 2. 5 - وزاد شيخ الإسلام: العتيق من سيده وتقدم.

الجزء: 1 - الصفحة: 51

مَوَانِعُ الإِرْثِ مَوَانعُ الإِرْثِ اخْتِلَافُ الدِّينِ وَالرِّقُّ وَالقَتْلُ فَخُذْ تَبْيِيني المانع في اللغة: الحائل بين الشيئين.
وفي الاصطلاح: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، عكس الشرط.

- مسألة: (موانعُ الإِرْث) ثلاثة:

المانع الأول: (اخْتِلَافُ الدِّينِ)، بأن يكون أحدهما على ملة والثاني على ملة أخرى، فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم؛ لحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما مرفوعًا: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ المُسْلِمَ» [البخاري 4283، ومسلم 1614]. وأهل الذمة يرث بعضهم بعضًا مع اتفاق أديانهم؛ كيهودي ويهودي، ولا يرث بعضهم من بعض مع اختلاف أديانهم؛ كاليهود مع النصارى؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» [أحمد 6664، وأبو داود 2911، وابن ماجه 2731]، وعن محمد بن الأشعث: أن عمَّةً له توفيت

الجزء: 1 - الصفحة: 52

باليمن وهي يهودية، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: «لَيْسَ ذَاكَ لَكَ، يَرِثُهَا أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْهَا مِنْ أَهْلِ دِينِهَا، لَا يَتَوَارَثُ مِلَّتَانِ» [سنن الدارمي 3039].

  • فرع: يستثنى من اختلاف الدين أمران: 1 - الولاء، فيرث المسلم عتيقه الكافر؛ لحديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ» [الدارقطني 6356]، ولأن ولاءه له بالإجماع، وهو شعبة من الرق، فورثه به كما يرثه قبل العتق.
    ويرث الكافر عتيقه المسلم بالولاء؛ قياسًا على ما تقدم.
    2 - إذا أسلم كافر قبل قسم ميراث مورثه المسلم، فيرث منه؛ لحديث عروة وابن أبي مليكة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» [سعيد بن منصور 189، 190]، ولما روي: (أن عمر رضي الله عنه قضى أنه من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فإنه يصيبه، وقضى به عثمان رضي الله عنه) [ابن عبد البر بإسناده في التمهيد 2/ 57]، والحكمة فيه الترغيب في الإسلام والحث عليه.
    فإن قُسِم البعض دون البعض؛ وَرِثَ مما بقي دون ما قُسِم.
    ولا يرث من أسلم قبل قسم الميراث إن كان زوجًا؛ لانقطاع علق الزوجية عنه بموتها بخلافها، وكذا لا ترث هي منه إن أسلمت بعد عدتها.

الجزء: 1 - الصفحة: 53

واختار شيخ الإسلام: أنه يستثنى من مانع اختلاف الدِّين أيضاً ثلاثة أمور: 1 - المسلم، فإنه يرث من قريبه الكافر الذمي، لا العكس؛ لحديث عائذ بن عمرو رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى» [الدارقطني 3620]، و «كَانَ مُعَاوِيَةُ، يُوَرِّثُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ، وَلَا يُوَرِّثُ الْكَافِرَ مِنَ الْمُسْلِمِ» [سعيد بن منصور 146]، ولئلا يمتنع قريبه من الإسلام.
2 - المرتد إن قُتِل في ردته أو مات عليها؛ فماله لوارثه المسلم، وهو رواية عن الإمام أحمد؛ لوروده عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما [سنن الدارمي 3116، 3117]، قال شيخ الإسلام: (وهو المعروف عن الصحابة)، ولأن توريث قرابته المسلمين أولى من توريث عموم المسلمين.
والمذهب: أن ماله فيء؛ لأنه كافر فلا يرثه المسلم، ولا يمكن جعله لأهل دينه؛ لأنه لا يرثهم فلا يرثونه.
3 - الزنديق: وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهو المنافق: فإنه يرث ويورث؛ لأنه عليه السلام لم يأخذ من تركة منافق شيئًا، ولا جعله فيئًا، فعُلم أن التوارث مداره على النصرة الظاهرة، واسم الإسلام يجري عليه في الظاهر إجماعًا.
والمذهب: أن المنافق كالمرتد على ما تقدم؛ لأنه في الحقيقة كافر.

الجزء: 1 - الصفحة: 54

وعنه، واختاره ابن باز وابن عثيمين: أن اختلاف الدين مانع من التوارث مطلقًا ولا يستثنى شيء مما تقدم؛ لحديث أسامة بن زيد رضي الله عنه السابق: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ المُسْلِمَ».
وقال ابن عثيمين: (أما المنافق الذي لم يظهر نفاقه؛ فإنا نحكم بإسلامه في الظاهر، فيرث ويورث، إلا إن كان معلوم النفاق).
(وَ) المانع الثاني: (الرِّقُّ)، وهو: عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر.
وهو مانع من الجانبين:

  • فلا يرث الرقيق اتفاقاً، ولو مدبرًا أو مكاتبًا أو أم ولد؛ لأنه لو ورث لكان لسيده، وهو أجنبي عن الميت، قال الموفق: (لا أعلم فيه خلافًا، إلا ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه).
  • ولا يورث الرقيق؛ لأنه لا مال له.
    وأما المبعَّض: فيرث ويورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية، واختاره ابن باز؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَصَابَ المُكَاتَبُ حَدًّا، أَوْ وَرِثَ مِيرَاثًا؛ يَرِثُ عَلَى قَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ» [أبوداود 4582، والترمذي 1259، والنسائي 4811، وقال شيخ الإسلام: وهو إسناد جيد، يجب العمل به]، وروي عن علي رضي الله عنه [عبدالرزاق 15734]، قال الزركشي: (وهذا الحديث دل على شيئين: أحدهما: أن المكاتب يعتق،

الجزء: 1 - الصفحة: 55

منه بقدر ما أدى.
والثاني: أن المعتق بعضه يحد، ويودي، ويرث بقدر ما عتق منه)، ولأنه يجب أن يثبت لكلٍّ بعض حكمه، كما لو كان الآخر معه.
مثاله: ابنٌ نصفه حر، وأم وعم حران، فلو كان الابن كامل الحرية كان للأم السدس وله الباقي، وهو نصف وثلث، ولا شيء للعم، فللابن مع نصف حريته نصف ما يرث لو كان حرًّا كله، وهو ربع وسدس وللأم ربع، لأن الابن الحر يحجبها إلى السدس، فنصفه الحر يحجبها إلى نصف سدس، فلها سدس ونصف سدس، ومجموعهما ربع، والباقي وهو ثلث للعم تعصيبًا، وتصح من اثني عشر، للأم ثلاثة، وللمبعض خمسة، وللعم أربعة.
(وَ) المانع الثالث: (القَتْلُ)، فلا يرث القاتل باتفاق الأئمة، مكلف أو غير مكلف، انفرد بقتل مورثه أو شارك فيه، ولو كان القتل بسبب؛ كحفر نحو بئر؛ لحديث عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ» [الموطأ 2/ 867، وأحمد 348، وابن ماجه 2646]. والقتل مانع من جهة القاتل فقط، وليس بمانع من جهة المقتول؛ فلو جرح مُوَرِّثه، ثم مات الجارح قبل موت المجروح؛ ورثه المجروح.

  • فرع: القتل الذي يكون مانعًا من موانع الإرث: هو الذي يلزم القاتل فيه قود أو دية أو كفارة.
    فشمل القتل العمد العدوان، والخطأ، وشبه العمد؛ لعموم حديث عمر رضي الله عنه السابق.

الجزء: 1 - الصفحة: 56

فأما ما لا يُضمن من القتل بشيء؛ كالقتل لمورثه قصاصًا، أو حدًّا، أو دفعًا عن نفسه؛ كالصائل إن لم يندفع إلا بالقتل، وكقتل العادل الباغيَ؛ فلا يمنع الإرث؛ لأنه مأذون فيه، فالمنع من الميراث بالقتل يتبع الضمان.
واختار ابن القيم وابن عثيمين: إن قتل مورثه عمدًا عدوانًا، فلا يرث من مال مورثه ولا من ديته؛ لحديث عمر رضي الله عنه السابق، وإن قتله خطأ فإنه يرث من ماله ولا يرث من ديته؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: «المَرْأَةُ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا وَمَالِهِ، وَهُوَ يَرِثُ مِنْ دِيَتِهَا وَمَالِهَا، مَا لَمْ يَقْتُلْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا لَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ وَمَالِهِ شَيْئًا، وَإِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَطَأً وَرِثَ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ» [ابن ماجه 2736، وقال ابن القيم: وبه نأخذ 3]، ووجه كونه يرث من المال: أنه لم يتعجله بالقتل، ووجه كونه لم يرث من الدية: أنها واجبة عليه، ولا معنى لكونه يرث شيئًا وجب عليه.
وقوله: (فَخُذْ تَبْيِينِي) أي: افهم معنى كلامي الذي تقدم.

الجزء: 1 - الصفحة: 57

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول الفتوحات الربانية بشرح الدرة المضية في علم القواعد الفرضية
المقدمةبَابُ أَسْبَابِ الإِرْثِبَابُ أَرْكَانِ الإِرْثِبَابُ شُرُوطِ الإِرْثِبَابُ مَنْ يَرِثُ مِنَ الذُّكُورِبَابُ مَنْ يَرِثُ مِنَ الإِنَاثِبَابُ الفُرُوضِ المُقَدَّرَةِ فِي كِتَابِ اللهِ تعالىبَابُ مَنْ يَرِثُ النِّصْفَبَابُ مَنْ يَرِثُ الرُّبُعَبَابُ مَنْ يَرِثُ الثُّلُثَيْنِبَابُ مَنْ يَرِثُ الثُّلُثَبَابُ مَنْ يَرِثُ السُّدُسَبَابُ العَصَبَاتٍباب الحَجْببَابُ المُشَرَّكَةِبَابُ الجَدِّ وَالإِخْوَةِبَابُ الأَكْدَرِيَّةِبَابُ الرَّدِّبَابُ ذَوِي الأَرْحَامِ وَكَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْبَابُ الِحسَابِ، وَأُصُولِ الَمسَائِلِ، وَالعَوْلِبَابُ تَصْحِيحِ الَمسَائِلِبَابُ المُنَاسَخَاتِبَابُ مِيرَاثِ الخُنْثَىبَابُ مِيرَاثِ المَفْقُودِ وَالحَمْلِبَابُ مِيرَاثِ الغَرْقَى وَنَحْوِهِمْ
جارٍ التحميل