الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفةصفحات 122-161

ومن جهة المعنى نقول: المني متولد من أصل ليصير أصلاً مثله فلا يكون نجساً، دليله البيض، وتأثيره أن نجاسته إما أن يكون من أصله أو من عينه، فإذا كان من أصله فأصله طاهر فلا يوجب نجاسة متولدة منه، وإن كان من عينه فليس عينه إلا غذاء مستحيل، وهذه الاستحالة إلى صلاح وهو تكون الولد منه.
والاستحالة إلى صلاحية تكون الولد منه كالاستحالة إلى صلاحية تغذي الولد به وذلك اللبن، ثم تلك الاستحالة لا توجب النجاسة كذلك هاهنا.
فإن قالوا: إن الاستحالة إلى نتن وقذارة.
قلنا: أما النتن فلأن رائحته رائحة الطلع، وأما القذارة فقذارة يسيرة مثل قذارة المخاط، وذلك لا يعتبر.
واستدل الأصحاب بجواز الفرك في اليابس إذا أصاب الثوب.
قالوا: لو كان نجساً لم يجز الاقتناع بالفرك، لأنه يلين الموضع، وليس يستأصل أجزاء النجاسة، ولهذا المعنى لو أصاب الموضع بعد ذلك ماء فإنه ينجس، ثم ناقضوا الثوب بالبدن وقالوا: لو أصاب المني بدنه ويبس لم يطهر بالفرك وهذه مناقضة بينة ولا يتبين بينهما فرق، والاعتماد على ما سبق.
وأما حجتهم: قالوا: خارج ينقض الوضوء فيكون نجساً، دليله البول، وتأثيره أن وجوب الطهارة إنما يكون عن نجاسة على ما سبق، فوجوب الطهارة دليل النجاسة قطعاً بل هذا أولى من البول، لأنه ينقض الطهارة الصغرى والمني ينقض الطهارة الكبرى.

واعترضوا بما قالوه على قولنا: ((إنه ليس في أصله ولا في عينه ما يدل على نجاسته))، لأنه إن لم يكن في أصله وفي عينه ما يدل على نجاسته ففي حكمه ما يدل على نجاسته.
قالوا: وأما الاكتفاء بالفرك عند يبسه فإنما كان لدفع الحرج، وذلك لأن المني يكون حصوله في الغالب بين بنات الإنسان ويكثر ويتردد على العادات فإنه يوجد بالغشيان وهو يكثر بين الرجال والنساء، فلو أوجبنا الغسل أدى إلى الحرج بخلاف البول، فإنه يكون في المواضع المعتاد من الكنيف والمستراحات (وعلى أن المني شيء غليظ لزج فإنما يخف على ظاهر الثوب، ولا يدخل أجزأه فإذا فرك يزول معظمه، وإنما تبقى أجزاء يسيرة لا يعتد بها.
وأما في البدن فقد قال بعضهم: يطهر بالحت أيضاً وعلى التسليم قالوا: إن حرارة البدن تتشربه فلا يزول إلا بالغسل.
وقد تعلق بعضهم في الحكم بنجاسة المني بجريانه في الموضع وهو داخل القضيب) وقالوا: ((مائع جاري في مجرى البول فيكون نجساً كالمذي)).
وتعلقوا من الحكمة بالعلقة، وزعموا أنها أخت النطفة وقرينتها.
قالوا: وبهذا نعترض على قول من قال من مشايخكم: إن النطفة أصل الآدمي فيكون طاهراً كالتراب، فإن العلقة أصله أيضاً ومع ذلك هي نجسة.
ثم قالوا: إن الأصل لنبي آدم ليس إلا التراب فإن الله تعالى قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾.

وإنما النطفة عارض داخل في الوسط مثل العلقة، فالحكم بنجاستها لا يوجب إدخال نقيصة في كرامات الآدمي مثل العلقة سواء.
قالوا: وأما البيض فإنه يحتجب بقشرة عن الفضلات النجسة في البدن، وعلى أنه يخرج على الأصل الذي قلناه، فإنه لم يقم دليل حكمي على نجاسته بخلاف مسألتنا على ما سبق.
الجواب: أما قولهم: ((إنه خارج ينقض الطهارة)).
قلنا: ولم إذا نقض الطهارة وجب أن يكون نجساً؟ قالوا: لأن الطهارة لا تجب عن نجاسة.
قلنا: ليس كذلك، وقد بينا أن الطهارة عن الأحداث محض تعبد ولا يدل الوجوب على النجاسة أصلاً، هذا وقد سبق بما فيه المقنع والكفاية.
يبينه أنه لو كان وجوب الطهارة دليل النجاسة في الخارج فيجب أن يقال: إن الواجب من الطهارة إذا كان أعظم تكون النجاسة أغلظ وإذا كان الواجب أخف تكون النجسة أخف كذلك فإن نجاسة البول أغلظ من نجاسة المني ومع ذلك خروج المني يوجب الطهارة الكبرى، وخروج البول يوجب الطهارة الصغرى.
وقد نقض الأصحاب ما قالوه/ بالولد الجفاف والحصا، والاعتماد على ما بينا.
وأما ما تعلق به مشايخهم من جريانه في مجرى البول فليس بشيء.
لأن هذا يقتضي أن يكون نجاسة المني نجاسة مجاورة لا نجاسة عينية.
وعندهم أن نجاسة المني نجاسة عينية، وعلى أنه لا ينكر أن يكون بين

مجرى المني ومجرى البول حاجز يمنع اختلاط البول به، ولهذا المعنى اجتزوا بالفرك من اليابس منه، وما تنجس بالبول فإنه لا يجتزئ بالفرك فيه.
وأما ما اعتذروا به من اعتبار الحرج فلا حرج، وعلى أنه موجود في المذي، ولعل ابتلاء الناس به بوجوده في ثيابهم أكثر منه في المني، ومع ذلك لا يكتفي فيه بالفرك فبطل ما قالوه.
وأما العلقة فقد منع بعض أصحابنا، وقال إنها طاهرة، ولئن سلمنا فلأنها دم، ولا يدل الحكم بنجاسة الدم على نجاسة المني.
فإن قالوا: إن المني أيضاً دم إلا أنه أبيض بنار الشهوة، كما يبيض ماء الورد الأحمر بتصعيد النار.
قلنا: هذا هوس من يدرس أنه دم، وإنما خلقه الله منياً كما هو في صلبه، كما خلق البيضة في جوف الطير كهيئته، وخلق اللبن في الضرع كهيئته، والرجوع إلى قول الطبيعيين باطل.

(مسألة)

جلد ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بذبحه

عندنا.
وعندهم يطهر.
لنا: إن الموجود قتل وليس بذكاة فلا يعمل في تطهير الجلد.
دليله إذا كان الذابح مجوسياً، وإنما قلنا لأن الذكاة فعل شرعي لا يوجد إلا من أهله في محله، والمحل مفقود هاهنا، لأن الذكاة فعل مشروع لحل اللحم بدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى أن قال: ﴿... إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
فعد ما حرم أكله ثم استثنى المذكاة في الحكم الذي وردت له الآية وهو الأكل.
والمعنى: لا تأكلوا هذه الأشياء إلا المذكاة ((فكلوا)) دل أن الذكاة مشروعة للأكل.
ولأن تحريم تعذيب الحيوانات أصل عظيم معقولاً ومشروعاً إلا أن بالناس حاجة إلى اللحوم لمعنى التغذية وهو حاجة عامة ولا يوجد شيء آخر يقوم مقامه في معناه والميتات خبيثة وكرامة بني آدم اقتضت تحريم الخبائث

عليهم، وتحليل الطيبات لهم، والذكاة معنى مطيب للحم من حيث إنه يسيل النجاسات من الحيوانات مزيل للخبائث بقدر الإمكان، فإن الله تعالى ببالغ حكمته وعميم كرامته ببني آدم أباح لهم لحوم بعض الحيوانات بطريق مخصوص شرعي وهو الذكاة.
وإنما قلنا إنه شرعي لأنه وضع بآلة مخصوصة في محل مخصوص من فاعل مخصوص، وشرع أيضاً على وجهة مخصوص على ما هو المعلوم فإذا وجد فيما عدا ذلك من المحال لم يكن ذكاة أصلاً، وإن وجدت بصورتها والتحق الفعل بالتخنيق والتوقيذ وغير ذلك، وإذا ثبت عدم الذكاة ثبتت نجاسة الجلد، لأنه لو طهر لكان يطهر بالذكاة فإذا لم تكن ذكاة لم يطهر.
وأما حجتهم: قالوا: جلد يطهر بالدياغ فيطهر بالذكاة، دليله مأكول اللحم.
ثم استدلوا على وجود الذكاة بصدوره من أهله في محله.
أما قولنا: ((من أهله)) فهو المسلم أو الكتابي.
وأما قولنا: ((في محله)) لأنه حيوان طاهر عينه في حال حياته فيكون محل الذكاة، لأن الذكاة نوع معالجة لطلب منفعة، فإذا كان الحيوان طاهر العين في نفسه كان محل هذه المعالجة.
وقولنا: ((لطلب منفعة)) عنى بذلك منفعة الجلد، وهو معنى مطيب للجلد مثل الدباغ في جلد الميتة مطيب له.

ألا ترى أن في مأكول اللحم، فإن الجلد كما يطهر بالدباغ يطهر بالذكاة.
لأن كل واحد منهما يعمل عمل صاحبه في تطييب الجلد، كذلك هاهنا تعمل الذكاة عمل الدباغ، وجلد هذا الحيوان يطهر بالدباغ فيطهر بالذكاة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن منفعة الجلد تبع لمنفعة اللحم فإذا لم يفد الفعل حلاً في المتبوع لا يفيد طهراً في التبع، لأنا لا نسلم هذه التبعة بل لكل واحد منفعة أصلية، بدليل أن في الشاة الميتة لا يحل لحمه بحال ويحل جلده بالدباغ.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الفعل محظور في هذا المحل لأنا نسلم ذلك بل هو مطلق لطلب الجلد، كما هو مطلق لطلب اللحم في مأكول اللحم.
قالوا: وأما تعلقكم بحرمة تعذيب الحيوان، تعلق فاسد، لأنه لا يجوز ذلك إذا كان لا لمنفعة، فأما لمنفعة فيجوز، ورووا أن النبي عليه السلام نهى عن/ تعذيب الحيوان إلا لمنفعة.
الجواب: أنا بينا انعدام الذكاة في مسألتنا، وكلامهم راجع إلى حرف واحد وهو شرع الذكاة لمنفعة الجلد، ونقول على هذا: إن الشرع قد شرع طريقاً للوصول إلى منفعة هذه الجلود وهو الدبغ بعد موت الحيوان، والذكاة فعل مشروع للحاجة فإذا عدمت الحاجة ارتفعت المشروعية، وخرج اللحم على هذا، لأنه لا طريق للوصول إليه سوى الذكاة.
فإن قالوا: ذاك طريق وهذا طريق.

قلنا: شرع الدباغ قد أغنى عن الذكاة المعذبة للحيوان.
قالوا: ما يغنى لأنه يتعجل إليه وصوله بالذكاة ولا يحتاج إلى تربص الموت.
قلنا: الحيوانات غايتها الموت وهو منتفع بها في الحال بوجه آخر، فلا ضرر عليه في التربص، وقد يصل إلى الجلد بوجه آخر إن احتاج إليه.
فإن قالوا: فإن كانت الذكاة لحلية اللحم خاصة فلم طهر الجلد في مأكول اللحم بالذكاة دون الدباغ؟ قلنا: لأنه تبع له، ولأنه يؤكل معه في كثير من البلدان، فإذا لم يطهر بطهارته أدى إلى حرج عظيم فحكمنا بطهارته دفعاً للحرج.
والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

عظام الميتات وشعورها نجسة في الظاهر من مذهب الشافعي.

وعندهم: إنها طاهرة.
لنا: إنه جزء من الميتة فيكون نجساً كسائر أجزاءها.
وفقه المسألة: وهو أن الأصل أن الميت نجس لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وتحريمها يدل على تنجيسها بدليل قرينتها من الدم والخنزير، ولأن معنى النجاسة في المحل وجوب التباعد منه وترك الانتفاع وتحريمه قد دل على هذين المعنيين فثبت أنه نجس.
وأما الآدمي الميت فلئن قلنا إنه طاهر فهو لاحترامه فيكون مستثنى من هذا الأصل إما بالنص، أو لمعنى الاحترام.

وإذا ثبت نجاسة الميت فنقول: إن الموت إذا حل بالحيوان يحله بجميع أجزائه فكما أنه حي بجميع أجزائه وأعضائه وأبعاضه فكذلك إذا مات فهو ميت بجميع أجزائه وأبعاضه وهذا لأن الحيوان ذات تركيب مخصوص يستمد بقاءه من معنى مخصوص فما دام على تركيبه باستمداده فهو حي، فإذا فنى الاستمداد مات وخرب التركيب، وكل جزء من الحيوان له قوة الاستمداد وصفة البقاء وفيه الصلاح صفة الحياة وعند انقطاع الاستمداد واتصافه إلى الفناء والفساد فله صفة الممات.
وهذا ثابت لجميع أجزائه لا يختص بجزء دون جزء، فثبت أن الحياة ثابتة لجميع أجزائه ما دام حياً فإذا مات بجميع أجزائه ولئن تكلمنا في العظام فالكلام فيه أظهر نصاً ومعنى.
أما النص قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ....﴾. وأما المعنى فلأن قوام التركيب بالعظام أكثر من قوامه باللحم والذات حي بتركيبه فإذا كان اللحم محلاً للحياة فلئن يكون العظام محل الحياة أولى.
ونستدل من حيث الحكم بالخنزير فإن الإجماع انعقد على نجاسته بعظامه وشعوره، والاعتماد على ما سبق.
وأما حجتهم: قالوا: الشعور والعظام ليست بمحل الحياة فلا يكون محل الموت، ودليل أنها ليست بمحل الحياة أنها لا تحس بشيء ما، بدليل أن الشعر يقطع فلا يحس الحيوان والعظم يبرد بالمبرد من القرن والسن وغيره فلا يحس به، ويستحيل وجود الحياة في محل لا حاسة له.

وحرفهم أن علامة الحياة الحس والتألم فلا يوجد مع فقد علامتها وصار الشعر كجزء من الجلد يموت ويذهب منه الحس والتألم، فإنه لا يكون محل الحياة، فكذلك الشعر في أصل خلقته.
قالوا: وأما النماء فلا يدل على الحياة بدليل النبات والأشجار، وعلى أنه إنما تنمو الحياة في محل نباته لا بحياة فيه بخلاف سائر الأعضاء، فإن النماء فيها بمعنى لا في المحل بل لمعنى في أعيانها.
قالوا: ولا جائز أن يقال إن للعظم حاسة بدليل وجع الضرس وذلك لأن الوجع وجع اللثة واللحم المتصل بالسن ويظن الإنسان أنه وجع الضرس، وكيف يتصور أن ذلك من وجع الضرس حقيقة، ولو قطع قطعاً أو برد بالمبرد لم يألم.
واستدلوا من حيث الحكم في أنه لا حياة في الشعر والعظم بأنه إذا أبين من الحيوان في حالة يجوز/ الانتفاع به ولو كان محل الحياة لمات بإبانته منه بدليل قوله عليه السلام: ((ما أبين من حي فهو ميت)).
وبدليل سائر الأجزاء.
وقد قال أبو زيد في هذه المسألة: إن الموت ليس بمنجس في نفسه وإنما

النجاسة بأحد شيئين إما بتحريم متعلق به وهو تحريم الأكل، وهذه الأشياء غير مأكولة فلا نجاسة بهذا المعنى أو باتصال من الرطوبات النجسة والدماء السيالة بالجامد منها.
والعظم والعصب شيء صقيل لا يتعلق به منها شيء فلم ينجس لعدم العلة وصار كالجلد بعد الدبغ بخلاف ما قبل الدبغ فإنه يتصل به الرطوبات النجسة.
قالوا: ولهذا تعاين الشعر والقرن لا يتعلق بهما شيء من الرطوبات، واستدل على أن الموت ليس بمنجس في نفسه، بما ذكرنا من مسألة موت الحيوان الذي ليس له دم سائل، وذلك مذكور في الأوساط وقد ذكرنا الطريقة الأولى أيضاً، ثم زعم أنها لا تأتي في العصب.
وذكر أن الطريقة الأولى أقرب إلى النفقة وأولى بالصواب.
الجواب: إنا دللنا على وجود الحياة في الشعر والعظم، والحرف المعتمد للأصحاب أن النمو بحياة الحي دليل الحياة في الشعر والعظم، ويمكن أن يقال: جزء نامي بحياة الأصل فينجس بالموت.
دليله الأذن، وليس كالبيضة، لأنا قلنا: وجب أن ينجس بالموت وموت البيضة ليس بموت الأصل بل بأن لا ينمي فلا ينقلب فرخاً وذلك أن يصير مذرة فينجس حينئذ، وأما حياتها فبعاقبتها.

ألا ترى أن المحرم إذا أخذ بيض الصيد ضمن الجزاء لأنه في حكم الحي.
وعلى أن المذهب في البيض أنه إن كان غير متصلب فهو كاللبن ينجس وإن كان متصلباً فلا ينجس لأنه ليس بجزء متصل بالأصل بل هو شيء مخلوق في جوفه بمنزلة الولد فلم يعمل فيه موت الأصل، وليس كما لو جز الصوف أو قطع القرن حيث لا ينجس.
لأن الجز من الشعر بمنزلة الذكاة شرعاً كما جعل موت السمك ذكاة شرعياً، وإنما كان كذلك، لأن الناس بحاجة إلى الشعور والأوبار، وفي تركها ضرر بالحيوانات فجعل الشرع أخذها بالجز بمنزلة الذكاة من جملة الحيوان نفعاً للعباد، وهذا المعنى لا يوجد في سائر الأعضاء فصارت إبانتها إماتة لها.
وأما الذي اعتمدوا عليه في هذه الطريقة من التعلق بعدم الحس وفقد التألم فإن استقام لهم هذا في الشعر فلا يستقيم لهم في العصب والعظم.
وقولهم: ((إن وجع الضرس وجع اللثة)).
فليس بشيء بدليل أن الضرس إذا قلع يسكن الوجع، دل أن الوجع كان له، وعلى إنه لا ينكر أحد حياة العظام في داخل البدن ومنكر هذا مثل منكر وجود الحياة في اللحوم والأعصاب.
وقد قال الأصحاب: إنه إن فقد الحس للشعر فإنما فقد أحد علامات الحياة، وقد وجدت علامة أخرى، وهو ما ذكرنا من النمو بحياة الحي فإذا كان فوات علامة بإخلاء علامة أخرى لم يدل على فقد الحياة مثل البصر للعين والسمع للأذن والنطق للسان، فإنه إن فقد البصر للعين وهو علامة حياة العين، ولكن وجدت علامة أخرى وهو السمع، والكلام بدون هذا الاستشهاد صحيح مقنع، وهذا الاستشهاد ضعيف على الأصل الذي أصلوه.

وأما الأشجار فقد قال بعضهم: إن لها حياة وهي المغذية والمنمية والمولدة.
وللحيوان هذه الحياة والحياة السياسية أيضاً، وللآدمي هذه الأنواع كلها من الحياة، والحياة الناطقة أيضاً اختص بها من بين سائر الحيوانات وهذا كلام الحكماء الأوائل، ولا ينبغي أن نشتغل به.
والجواب المعتمد بالتخريج وهو أنا استدللنا على حياة الشعر بنمه بحياة الشخص الحي مثل سائر الأجزاء، وهذا لا يوجد في النبات والأشجار.
وقولهم: ((إن نموه لمعنى في المحل)).
قلنا: لا، بل لمعنى في نفسه، ولمعنى في المحل من الاستمداد منه مثل سائر الأعضاء سواء.
وأما الطريقة الثانية التي اعتمدها أبو زيد، فقد ذكرنا أن الموت منجس بنفسه ودللنا عليه.
وقولهم: ((إن النجاسة تكون باتصال الرطوبات والأشياء السيالة إليه)).
فليس بشيء، لأن الجلد نجس بكل حال، ورب جلد لا يتلوث بشيء من الرطوبات بعد الموت ويكون في جفافه ونظافته مثل ما كان في حال الحياة.
فثبت أن الموت منجس بنفسه، وقد ذكرنا في تلك المسألة.
والله تعالى أعلم بالصواب.

(مسألة)

إذا كان معه آنيتا ماء إحداهما طاهرة والأخرى نجسة وليس معه غيرها فإنه يتحرى

عندنا، ولا يتيمم.
وعندهم: يتيمم ولا يتحرى.
لنا: إن الاجتهاد له مدخل في هذا المحل، والدليل عليه أنه إذا كان معه ثلاثة أواني طاهرتان ونجسة فإنه يتحرى بالإجماع ولأن الاجتهاد طلب الشرع بدليل واستعمال دليل الشرع في طلب الشرع مطلق لا يحرم بحال بدليل سائر المواضع، وأقربها طلب القبلة عند الاشتباه والتحري في ثوبي نجس وطاهر.
ويمكن أن يحرر فيقال: شرط من شرائط الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال فيجب ذلك.
دليله: ما بيناه من استقبال القبلة وستر العورة.

يتبين ما ذكرنا أن الصلاة بالتيمم لا تجوز إلا بشرط عدم الماء فلا يجوز ثبوت العدم باشتباه الطاهر بالنجس، وإن كانا على السواء كما لو كان عنده ثوبان أحدهما طاهر والآخر نجس وحضرت الصلاة فإنه يصلي في أحدهما بالتحري ولا تجوز الصلاة إلا بازار لأن الصلاة عرياناً لا تجوز إلا بشرط عدم الثوب الطاهر فلم يثبت العدم باشتباه الطاهرة بالنجس وإن كان على السواء كذلك هاهنا، والاعتماد على الأول.
وأما حجتهم: قالوا: التحري عمل بما يقع في القلب، والعمل بما يقع في القلب باطل لأنه قد يقع في القلب من قبل الله، وقد يقع من قبل الشيطان فلا يجوز الرجوع إليه وهذا حكمه.
قالوا: وأما القبلة فإما وجب الاجتهاد فيها، فإن للشرع دلائلاً منصوبة على القبلة فليس برجوع إلى مجرد ما يقع في القلب بل هو طلب القبلة بالدلائل المنصوبة عليها من قبل الله تعالى، وفي الثوبين إنما جاز التحري، لأن ستر العورة بالثوب النجس جائز في الجملة.
وعندنا: لو لم يجد إلا الثوب النجس وصلى فيه يجوز فلم يكن التحري رجوعاً إلى مجرد ما يقع في القلب بل استند الجواز إلى دليل شرعي، وهو جواز الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره.
وأما هاهنا فإن التحري عمل بمجرد القلب ولم يرجع جوازه إلى دليل، وأما إذا كانت الغلبة للماء الطاهر فإنما جاز التحري، لأنه وجد دليلاً شرعياً يستند إليه وهو اعتبار الغلبة واعتبار الغلبة أصل عظيم في الشرع خصوصاً في المأكولات، والمشروبات بدليل المعاملات، فإن من يكون

الغالب على ماله الحلال يجوز المعاملة معه، وكذلك يجوز التناول من ماله أكلاً وشرباً عند إذنه ومن كان الغالب على ماله الحرام يكره له ذلك.
وأما أبو زيد قال في هذه المسألة: ((إن التحري باطل متى أصاب ماءً طاهراً بالإجماع فكذلك وإن عدمه، لأن التراب جعل خلفاً عنه في إفادة طهارة الصلاة فإذا فات إلى خلف يعمل عمله عند عدمه فلا يثبت العدم حكماً بخلاف الثياب، فإن التحري باطل إذا استوى النجس والطاهر وأصاب ثوباً طاهراً ويجوز إذا عدم الطاهر، لأنه عدم بلا خلف يعمل عمله في الستر الذي هو شرط الصلاة، فثبت العدم وتبدل حال الاختيار بحال الضرورة فأبيح بالضرورة ما لا يباح بالاختيار.
قال: ولأن المعارضة وقعت بين التراب والماء تحراه فنحن نقول التراب أولى، لأن ذلك الماء على الحقيقة يحتمل النجاسة والطهارة، فلئن كان نجساً فالتيمم طهارة، وإن كان طاهراً فالتيمم لا ينجس أعضاءه وإن استعمل الماء فإن كان طاهراً فالصلاة تكون بطهارة وإن كان نجساً فالصلاة تكون بنجاسة العضو فيكون حال فساده شراً من التيمم، وقد استويا في حال الجواز فصار التيمم أولى هاهنا بخلاف الثوب فإن حال نجاسته مساوية بحال العري)) ويفضل حال اللبس بوجود الستر بالثوب وإن كان نجساً فصار أولى.
الجواب: أما الطريقة الأولى فهو سعى لإبطال التحري وهو باطل، لأن التحري نوع اجتهاد واستدلال وهو دليل الله تعالى نصبه للعباد ليتوصلوا به إلى

أحكامه في الشرعيات والرجوع إليه واجب في كل موضع فكان الرجوع بدليل ما ذكرناه من الاشتباه.
فأما قولهم: ((إنه عمل ما يقع في القلب)).
قلنا: والوقوع في العمل بما يقع في القلب جائز بدليل مسألة الثوبين وبدليل مسألة/ القبلة، وهذا لأن غالب الظن حجة شرعية عند عدم النصوص.
وقولهم: ((إن في القبلة دلائلاً منصوبة عليها)).
قلنا: إذا اشتبه عليه الدليل، فإنه بالاتفاق يرجع إلى ما يقع في قلبه، وكذلك في الثوبين وعذره عن الثوبين باطل، لأنه لو كان الأمر على ما ذكروا لجاز الصلاة في أيهما شاء من غير تحرى لحصول ستر العورة به وهذا لأنه يتحرى ويلزمه اللبس عند ما يقع في قلبه أنه طاهر، على اعتقاد أنه طاهر.
وقد قالوا: إنه لو اشتبه على الرجل إعداد ما صلى من الركعات أنه يرجع إلى غالب ظنه وهو حكم بمجرد ما يقع في القلب.
وقد قال أصحابنا في هذه المسألة: أن التحري رجوع في غالب الظن إلى علامات ودلالات مثل ما في القبلة سواء.
وكذلك في الثوبين إلا أن ما قلناه أولى، لأنه إذا لم يجد علامة ولا دليلاً ولم يتخيل له شيء في ذلك فإنه يتحرى أيضاً وليس إلا الرجوع إلى غالب الظن بما يقع في القلب.
وأما طريق أبي زيد ففي غاية الضعف، لأن المسألة التي جعلها عماد كلامه ممنوعة على أحد وجهي الأصحاب.

فإنهم قالوا: إنه يجوز التحري في الإنائين وإن كان عنده إناء طاهر بيقين، وعلى أنا سلمنا هذه المسألة، فنقول: إنما لم يجز التحرير في هذه الصورة، لأن وجود إناء طاهر عنده بيقين انتصب مانعاً من الاجتهاد مثل النص في الحادثة.
فأما قوله: ((إذا عدم ينعدم إلى خلف)).
قلنا: إنما يصار إلى الخلف إذا لم يمكن الوصول إلى الأصل وقد أمكن بالاجتهاد فصار كما لو أمكن بوجوه يقيناً، ويمكن أن يقال: إن الاجتهاد خلف عن النص في العمليات، فإذا كان عنده إناء بيقين قد بينا انه بمنزلة نص يوجد في الحادثة فإذا عدم فإنما عدم إلى خلف وهو الاجتهاد في الانائين فكما أن الأصل منع العدول إلى التيمم فخلفه يكون مانعاً أيضاً.
وأما الفصل الثاني: الذي ذكره من ترجيح جانب التيمم فليس بشيء، لأن اجتهاد لما أدى إلى أن هذا الماء طاهر وجب العمل به شرعاً صار جواز أنه نجس مطرحاً متروكاً، والتحق هذا الماء بسائر المياه الطاهرة فلا تثبت به نجاسة الأعضاء بوجه ما، وجواز أنه نجس لم يعتبر.
يبينه أن التحري دليل ظاهر، والماء الذي حكم بطهارته فظاهر فسقط جانب من التجوزات فيه أصلاً بدليل الماء يجده في الفلاة، والماء الذي بخبر الواحد أنه طاهر يجب استعماله، وسقط جواز أنه نجس، ثم يقال لهم: الترجيح لجانب التوضئ بالماء الذي يقع له أنه طاهر، لأنه إذا توضأ بالماء

الذي تحراه كانت صلاته بطهارة حقيقة من وجه ومتى تيمم كان صلاته بغير طهارة حقيقة من كل وجه فكان الترجيح لجانب الوضوء لا لجانب التيمم.
وعلى أنه يبطل جميع ما قالوه بما إذا كانت الغلبة للماء الطاهر، وعندهم الرجوع إلى مجرد الغلبة تمسك بمحض صورة، ويبطل بالقبلة.
وهذا لأن المجتهد قد تتكاثر عليه الأشباه في الحادثة الواحدة وإنما يأخذ بشبه واحد ويطرح سائرها، ولا فرق فيما يطرحه بين أن يكثر عدده وبين أن لا يكثر وقد تعلق مشايخهم بما لو كان عنده إناءان أحدهما بول والآخر ماء فإنه لا يتحرى.
وكذلك إذا اشتبهت الأجنبية بذات المحرم فإنه لا يتحرى في أمر النكاح.
وكذلك على أصلنا في المسلوختين أحدهما ذكية والأخرى ميتة.
ونحن نقول: الاجتهاد إنما يجوز في محل الاجتهاد، وهذه المواضع ليست بمحل الاجتهاد بدليل أنه لا يجتهد وإن كانت الغلبة للماء في المسألة الأولى، وكذلك إذا كانت الغلبة للأجنبيات في المسألة الثانية والمذكيات في المسألة الثالثة.
وهذا لأنه لابد من النظر إلى الأصل ليكون الاجتهاد راداً له إلى أصله ويصير اجتهاده وتحريه فيما أدى إليه معتضداً بأصله الذي خلق له، والبول خلق على النجاسة والأبضاع في الأصل على الحرمة.
وكذلك المساليخ في الأصل على الحرمة حتى يتحقق شرط الحل من الذكاة فلم يصادف الاجتهاد في هذه المواضع محاله، لأن رده فيما يجتهده إلى أصله يوجب الحرمة لا الحل، بخلاف مسألتنا، فإن الماء في الأصل خلق طهوراً والتحري/ رد له إلى أصله فقد صادف الاجتهاد محله.

وإنما اعتبر الأصحاب هذا، لأن دليل العمل غالب الظن، ولا يوجد غالب الظن إلا باعتضاد ما يقع في القلب من طهارة الإناء بأصله الذي خلق عليه، وهذا كما في سائر المجتهدات، فإنه ما من حادثة إلا ولله تعالى فيها حكم، وعلى ذلك الحكم شبه مغلب للظن فإذا اجتهد المجتهد يقوي اجتهاده فيما يؤدي إليه بأصله في الوضع الإلهي في الحوادث فيوجد قوة الظن من هذا الوجه فيفيد حكمه من العمل الواجب به.
والله أعلم.

(مسألة)

المتيمم إذا رأى الماء في خلال صلاته فإنه لا يبطل صلاته ولا تيممه ويمضي فيها

عندنا.
وعندهم: يبطل تيممه وصلاته ويلزمه التوضئ والاستئناف، وهو اختيار المزني، وابن سريج.

لنا: إن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.
ومعناه: فلم تجدوا ماءً فيتمموا للقيام إلى الصلاة، فقد جعل عدم الماء شرط التيمم للقيام إلى الصلاة، وقد فعل التيمم مع وجود شرطه المشروط له، وهو عدم الماء، وإذا تم المأمور به بشرطه فلا يعتبر بعد ذلك قيام الشرط كسائر الأفعال إذا تمت بشروطها لم يعتبر بعد ذلك قيام الشرط كذلك هاهنا.
فإن قالوا: فلم يجب التوضئ لصلاة أخرى؟ قلنا: لأن الله تعالى جعل القيام إلى الصلاة بالتيمم مشروطاً بعدم الماء وقد قام إلى الصلاة الثانية بالتيمم، والشرط مفقود فلم يجز.
فأما الصلاة الأولى فقد قام إليها بالتيمم مع وجود شرطه والمأمور به إذا استوفى شرطه لم يعتبر بعد ذلك بقاء الشرط، وهذه طريقة في غاية المتانة، وسنذكر ما يتكلمون عليه في حجتهم.
وقد اعتمد في الفقه عامة الأصحاب طريقة أخرى، وهي أنه غير قادر على استعمال الماء لحرمة الصلاة، فإن الصلاة مانعة من كل ما ينافيها وهي منافية لفعل الوضوء.
ألا ترى أنه لو فعلها تبطل صلاته فتصير حرمة الصلاة مانعة منها وإذا كانت القدرة معدومة حكماً على هذا الوجه وجب المضي في صلاته كما لو وجد الماء وبينه وبين الماء حائل من سبع أو غيره.
والطريق الأولى أحسن واصبر على المحك وسيظهر من بعد.

وأما حجتهم: قالوا: وجد الماء المقدور على استعماله فينتقض تيممه كما قبل الشروع في الصلاة.
أما الوجود فظاهر، وأما دليل القدرة هو أنه قادر على استعماله حساً وحقيقة فلو انعدم انعدم حكماً، ولابد من دليل على العدم حكماً، لأن نهاية ما في الباب أن ينسب هذا المعنى إلى حرمة الصلاة فيقال: إن استعمال الماء يؤدي إلى هتك حرمة الصلاة فينتصب الصلاة مانعة منه، وحرمة الصلاة غير مانعة من الاستعمال لأنه يستعمل الماء ليقيم حرمة الطهارة، فلا يؤدي إلى الهتك وهذا (لأن الصلاة ما شرعت إلا بالطهارة.
والأصل هو الطهارة بالماء وهو يحصل حقيقة به، وإنما نقل إلى التيمم بعذر فيكون إفساد الصلاة في هذه الصورة لأدائها بالماء أداء الصلاة بالطهارة الحقيقة على سبيل الكمال فيكون تحته إقامة لحرمة الصلاة على الحقيقة لا إفساداً).
(ألا ترى أنه إذا وجد الثوب وهو يصلي عارياً، والثوب بعيد منه تبطل صلاته ويستأنف بالثوب، لأن فيه أداء الصلاة بستر على الكما، ولا يجعل القدرة على لبس الثوب بمنزلة العدم لحرمة الصلاة، وكذلك لو خاف فوات وقت الصلاة لو توضأ لا يجوز له التيمم وإن انتقض بالقضاء، لأن فيه قضاء بوضوء والتفاوت الذي بين الأداء والقضاء فوق التفاوت الذي بين المضي في الصلاة والإفساد ثم الأداء في الوقت فلما لم يجعل ذلك التفاوت عذراً فهذا أولى، وكذلك من شرع في الفرض ثم أقيمت الصلاة يقطع الفرض ليؤديه بالجماعة وأصل الجماعة سنة والطهارة

بالماء في مسألتنا فريضة، فثبت أن وجود الماء قد حصل ولم يصر عادماً له حكماً من الوجه الذي قلتم فخرج التيمم من أن يكون طهارة لفوات شرطه فيبطل صلاته كما لو أحدث).
قالوا: وليس كما لو كان تيمم في صلاة الجنازة في فرأى الماء وهو يخاف فوتها لو اشتغل بالوضوء حيث يمضي فيها.
لأن عندنا صلاة الجنازة لا تقضى فلو أفسدناها فاتته الصلاة أصلاً، والماء يجب استعماله لا لعينه بل للصلاة، فإذا كان لا يفيد في حق الصلاة لفواتها أصلاً صار عادماً للماء في حق تلك الصلاة وإن وجد حساً بخلاف مسألتنا.
قالوا: وأما إذا كان يصلي بالتيمم فوجد سؤر الحمار، فإنه يمضي في صلاته ثم يتوضأ بسؤر الحمار ويعيد الصلاة، ويصير في المعنى كأنه جمع بين التيمم وسؤر الحمار في الابتداء، وإنما عمل كذلك لأن سؤر الحمار طهور بالشك، وقد شرع في صلاة بطهارة فلا يخرج بالشك كما في الابتداء لا يدخل بشك بل يجمع ليزول الشك، كذلك هاهنا لا يجبر بالشك بل يمضي ثم يتوضأ ويعيد الصلاة ليزول الشك هاهنا.
قالوا: وليس كما لو وجد الماء بزيادة على ثمن المثل حيث يجعل الوجود كالعدم (لأن قدر الزيادة يذهب بلا عوض، ولذا اعتبرت المحاباة بالهبات في باب التصرفات وللمال حرمة وإن قل فكان له ألا يبذله جزافاً بلا عوض، فإذا لم يصل إلى الماء إلا ببذله يصير عادماً للماء حكماً.

ألا ترى أنه إذا كان عرياناً ووجد الثوب بزيادة ثمن على ثمن المثل يصلي عرياناً وبمثله في مسألتنا لو كان يصلي عرياناً ووجد الثوب ولا يمكنه لبسه إلا بقطع الصلاة قطع الصلاة).
وحرفهم في هذه الطريقة أن أداء الصلاة لا يصح إلا بشرط الطهارة وقد فاتت الطهارة فلم يجز المضي فيه، لأنه بالمضي يؤدي الصلاة بلا طهارة فلا يجوز.
قالوا: فإن قلتم إذا رأى الماء في تضاعيف الصلاة فلم لا يبنى مثل ما إذا سبقه الحدث يبنى على صلاته؟ قال: لأن رؤية الماء ليست بحدث لعينه، ولكنه إذا رآه خرج الصعيد من أن يكون طهوراً فتبطل الطهارة بالصعيد مستنداً على أول الاستعمال حتى يكون جنباً إن كان تيمم من جنابة ومحدثاً إن كان تيمم من حدث وإذا استند إلى أول الصلاة امتنع البناء إلا أن الفساد يظهر في حق الصلاة القائمة دون الصلاة التي فرغ منها وسلمها إلى الله تعالى.
وأما إذا سبقه الحدث فإنه تنقطع الطهارة في الحال ولا يستند فلا يصير ما مضى من الأداء أداء بحدث بحال فأمكنه البناء على جزء مضى على الصحة بدليل شرعي يقوم عليه).
قالوا: ونظير رؤية الماء في خلال الصلاة انقضاء مدة المسح في خلال الصلاة فإنه تبطل الصلاة فلا يجوز له المضي، ويجب عليه الاستئناف، كذلك هاهنا.

(قالوا: وأما قولكم في الابتداء أن البدل شرع لصحة الشروع في الصلاة وقد صح بشرطه فلا يعتبر دوام الشرط من بعد.
قال: التيمم ما شرع للشروع فحسب بل شرع للشروع والأداء جميعاً، ولو قيل الأداء فحسب فهو صحيح إلا أنه شرط للشروع، لأن الافتتاح لا يوجد إلا متصلاً بالأداء فشرط له شروط الأداء، وإذا كان البدل مشروعاً للأداء، ولم يتم الأداء بعد اعتبر قيام الشرط ليبقى البدل مشروعاً فإذا سقط وجود الأصل لم يصح الأداء بعده).
وحرف الاعتراض أن الأداء لا يصح إلا ببدل مشروط بقيام عدم الماء فإذا وجد الماء فات وبطل الأداء.
(قال: وليس كما لو وجد هدى التمتع بعد صوم الثلاثة قبل السبعة حيث لا يعود إليه، لأن الهدى ليس بنسك مقصود بل هو مشروع للتحلل وبصوم الثلاث قد حصل التحلل فسقط الرجوع على الهدى، لأنه لما تحلل وقد كان وجب التحلل عليه فسقط وجوبه كما لا تجب الطهارة إلا للصلاة، وهاهنا الطهارة مشروعة للحاجة إلى أداء الصلاة والحاجة باقية على ما مر).
الجواب: أما الطريقة الأولى فهي أمتن الطريقتين ووجه تمشيها ودفع اعتراضهم عليها أن الصلاة مشروطة بالطهارة، والطهارة بالتراب مشروطة بعدم الماء وقد أتى بالتيمم مقارناً بشرطه المشروط فيه فلا يعتبر بعد ذلك قيام العدم، لأن الشرائط متى عملت عملها لم يعتبر وجودها من بعد.

وعلى هذا نقول: إذا وجد الماء قبل الشروع في الصلاة يبطل تيممه لا لأنا جعلنا قيام العدم شرطاً لازماً لبقاء التيمم بل إنما أبطلنا تيممه وأمرناه بالوضوء بدليل مستخرج من نص الكتاب وهو أن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وقد بينا أن المعنى: فتيمموا للقيام إلى الصلاة، والمراد من القيام هو الشروع فقد جعل عدم الماء شرطاً للشروع في الصلاة بالتيمم فإذا كان الماء موجوداً فقد الشرط المشروع، وهذا لا يوجد في أثناء الصلاة فرجعنا إلى الأصل الممهد في الشرع وهو أن الشيء إذا تم بشرطه لا يعتبر قيام الشرط من بعد.
فأما قولهم: ((إن هذا الشرط للشروع والأداء جميعاً)).
قلنا: ظاهر النص لا يترك وقد جعله الله تعالى شرط الشروع ثم نقول: إن أداء الصلاة مشروطة بالطهارة وهو عند المضي في مسألتنا مؤدى للصلاة بطهارة وهو طهارة التيمم غير أن هذه الطهارة لها شرط وقد فعلها بشرطها، وقيام الدليل عند الشروع اعتبرناه بالدليل المستخرج من النص على ما سبق فلم يعتبر فيما وراء الشرع وصح الأداء لأنه أداء بطهارة وقد تمت بشرطها هذا هو نهاية هذه الطريقة.
وقد خرج على هذه الطريقة فصل العاري، لأن الستر شرط الصلاة ولا ستر مع القدرة، وهاهنا الطهارة شرط، والطهارة موجودة إلا أنها بالتراب، وكذلك إذا أحدث في خلال الصلاة فقد فاتت الطهارة، وكذلك إذا مضت مدة المسح فقد ظهر الحدث القائم في الرجل.
فإن قالوا: وهاهنا إذا رأى الماء فقد ظهر الحدث السابق الذي تيمم له.

قلنا: لا يظهر، لأنه لو ظهر يظهر باعتبار شرط قيام عدم الماء بجواز التيمم وقد بينا أنه غير معتبر.
وأما المسح فرخصة موقوتة بالنص فإنه ما ورد إلا كذلك.
فإن قالوا: وهذا أيضاً موقوت بوجود الماء.
قلنا: لا، فإن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أطلق إطلاقاً فهو طهارة صحيحة مطلقة عند وجود شرطها وبطلانه عند رؤية الماء لصلاة أخرى بدليل آخر على ما سبق ولابد من تمشية هذه الطريقة من فضل قوة في الجدال والله الموفق بمنه.
أما الطريقة الثانية: فغاية ما يمكن الجواب عن اعتراضهم أن ندعي أن الطهارة بالتيمم والوضوء واحد والصلاة بهما على صفة الكمال ولا تفاوت بين الصلاة بالوضوء والصلاة بالتيمم بوجه ما إلا أن الماء طهور في حال والتراب طهور في حال، وإذا كان الأمر هكذا فيصير إفساد هذه الصلاة للوصول إلى صلاة أخرى لا زيادة ولا تفاوت فتصير حرمة الصلاة مانعة منه، وعلى هذا ينبغي أن ندعي التيمم يرفع الحدث في حق الصلاة المؤداة مثل الوضوء سواء.
وأما فصل العاري إذا وجد الثوب وبينهما مسافة فقد منع في وجه بعيد وعلى أن اللبس غير مناف للصلاة بدليل أنه لو كان قريباً منه يلبس ويمضي في صلاته فتتحقق القدرة بخلاف مسألتنا، فإن نفس الوضوء مناف للصلاة فتصير الصلاة مانعة منه.
وأما الحدث المعترض في خلال الصلاة، فإنما أفسد الصلاة لأنه مبطل للصلاة لعينه، فإذا وجد عينه فلابد من إبطاله الصلاة، وأما رؤية الماء يبطل الصلاة بواسطة القدرة على استعماله ولم يوجد، وكذلك مسألة

انقضاء مدة المسح يخرج على هذا الأصل، فإنه إذا انقضت المدة وطهر الرجل فثم حدث قائم في الرجل فصارت كنفس الحدث وهم يدعون هكذا في مسألتنا.
والجواب: لا يمكن إلا بدعوى رفع الحدث بالتيمم على الإطلاق في حق الصلاة بخلاف مسح الخف وهو في نهاية الصعوبة.
وقد تمسك المزني أيضاً بفصل العدة وهو إذا قدرت على الأقراء في خلال الشهور، وليس يرد هذا على الطريقة الأولى، وعلى الطريقة الثانية مانع من المصير إلى الأقراء بخلاف مسألتنا على ما سبق بيانه.
والله تعالى أعلم بالصواب.

(مسألة)

إذا كان عند المسافر من الماء ما يكفي لبعض أعضائه لزمه استعماله ثم يتيمم للباقي على أحد قولي الشافعي.

وعندهم: يتيمم، ولا يلزمه استعماله وهو القول الثاني واختيار المزني.
لنا: إنه مأمور بتحصيل الطهارة في الأعضاء الأربعة، وقد قدر على تحصيل بعضها فتجب عليه، كما لو كان عليه نجاسة في أعضائه فوجد من الماء ما يغسل به بعض النجاسة لزمه بقدره، وكذلك لو كانت عورته مكشوفة فوجد من الساتر ما يستر به بعض العورة.
ومن غير هذا الباب إذا وجد المضطر من الطعام بعض ما يسد به/ رمقه لزمه تناوله ثم يعدل إلى الميتة، وهذا لأن من لزمه فعل شيء فإذا قدر على البعض وعجز عن البعض يلزمه بقدر المقدور عليه وسقط بقدر المعجوز عنه.

والحرف أن عمل العلة لا يتعدى من محل العلة إلى غير محل العلة فكذلك عمل العجز لا يتعدى عن محله إلى غير محله، وهذا ظاهر.
وإنما الشأن في إثبات قولنا أنه قدر على تحصيل بعض الطهارة، وإنما قلنا ذلك، لأن الطهارة عن الحدث بغسل الأعضاء الأربعة فكلما غسل عضواً زال الحدث عنه وحكم بطهارته، وهذا لأن الغسل المعقول أمر حسي وله عمل شرعي من زوال الحدث فإذا وجد الفعل الحسي يتبعه الحكم الشرعي ولم يتخلف عنه مثل ما لو كان التابع حسياً أيضاً، فإنه يتبع ولا يتخلف عنه، وذلك في مسألة إزالة النجاسة وستر العورة التي قدمناها فثبت ما ادعيناه من قدرته على تحصيل الطهارة في بعض الأعضاء فإذا ثبت القدرة ثبت الأمر فوجب ألا يعدل إلى التيمم إلا بعد العجز.
وأما حجتهم: قالوا: ((عدم الطهور في طهارة الصلاة فوجب أن يعدل إلى التيمم.
دليله إذا لم يكن عنده شيء من الماء وإنما قلنا ذلك لأن طهارة الصلاة طهارة حكمية.
ومعنى قولنا: ((حكمية)) هو أنها لا تعرف إلا بالحكم وهو تحليل الصلاة، فإذا لم تكن محللة للصلاة لا تكون طهارة وغسل بعض الأعضاء لا تكون محللة للصلاة فلا يكون طهارة، فثبت أنه عدم الطهور لطهارة الصلاة يبينه أن غسل الأعضاء الأربعة علة واحدة لإفادة الصلاة، وبعض العلة لا عمل له بدليل علة الربا)).
دليله إذا وجد بعض الرقبة يلزمه فعل الصوم ولا يجب عليه إعتاق هذا البعض والمسألة مشكلة.

قالوا: ولا يلزم مسألة إزالة النجاسة وستر العورة، لأنه أمر حسي فلابد من وجود ما باشره حساً بقدرة من زوال النجاسة وستر العورة لأنه أمر حسي وفي مسألتنا حصول الطهارة حكم فلابد من وجود تمام العلة ليحصل الحكم المبني عليه.
قالوا: والدليل على أنه لم يحصل شيء من الطهارة أنه لا يفيد حكماً ما، وكيف يتصور وجوب طهارة حكمية خالية من كل حكم؟ قالوا: ولا يلزم إذا كان عنده سؤر الحمار حيث يلزمه التوضئ به عندنا، لأنه لم يعدم الطهور بيقين لأنه يجوز أنه طهور وفي مسألتنا عدم الطهور بيقين.
الجواب: إنه قولهم: ((عدم الطهور)) في طهارة الصلاة ممنوع على الإطلاق بل نقول: وجد الطهور في بعض الطهارة على ما سبق بيانه.
وقولهم: ((إن هذه الطهارة حكمية)).
قلنا: حكم مبني على فعل محسوس وهو غسل الأعضاء.
وقولهم: ((محللة للصلاة)).
قلنا: نعم، ولكن عند تمامها وكمالها، فأما قبل التمام والكمال فيوجد بقدر ما حصله ولا يفيد حل الصلاة ألا بعد تمامها وكمالها مثل ما لو شهد شاهد عند الحاكم فهو شهادة لكن لا يفيد حكماً إلا بعد تمامها وكمالها فإن أمكنه أن يتمها بالماء فعل وإلا فعدل إلى التيمم فيها ونزل إتمام الطهارة منزلة أصل الطهارة في الماء والتراب عند وجوده وعدمه.

وأما مسألة الرقبة فقد فرق بعض أصحابنا بصورة النص فإن الله تعالى قال في شأن الكفار: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ يعني رقبة، وبعض الرقبة لا يكون رقة.
وأما في مسألتنا فالنص قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ والموجود ماء.
قالوا: المراد منه الماء الذي يحصل به غسل الأعضاء الأربعة، لأن هذا اللفظ مسنون على ما سبق والمراد من السابق هذا.
قلنا: المراد من أول الخطاب الماء الذي يحصل به غسل الأعضاء الأربعة عند القدرة عليها وما يغسل به البعض أيضاً إذا لم يقدر إلا على ذلك لما بينا أن الأمر إذا تناول مجموع أشياء ما يقدر عليه من ذلك يلزمه الإتيان به والعجز عن الباقي لا يسقطه، وأيضاً فإن العتق عن الكفارة محض حكم.
لأنه تكفير فلا يحصل شيء منه إلا بظهور حكمه.
وأما الوضوء حكم مبني على فعل محسوس فبقدر ما يوجد من الفعل المحسوس يبتنى عليه المحكوم كما نقول في إزالة النجاسة وستر العورة.
ولهذا لو أعتق نصفي رقبة لا يجوز، ولو غسل/ هاهنا بعض الأعضاء وأعوز الماء الباقي ثم وجده من بعد بنى على ما فعله مثل قبل ولا يستأنف الوضوء ويمكن أن يقال في الجواب عن أصل الطريقة: أن الطهارة معنى يحتاط فيها شرعاً فإذا قدر منها على بعض ما لو تم يفيد الحكم الشرعي من الطهارة المحلة للصلاة ويلحق بالكل في تناول الأمر إياه في لزوم الفعل ليظهر الاحتياط المشروع فيها فعلاً.

ونظيره القدح الواحد الذي لا يسكر من الخمر ملحق بالعدد منه احتياطاً للتحريم المشروع فيه، لأنه في الشرع مبني على الاحتياط وعلى هذا خرج فصل الرقبة، لأن التكفير لم يبن على الاحتياط في تحصيله ليلحق البعض منه عند القدرة عليه بكله في لزوم فعله هذا غاية الإمكان في الجواب عن فصل الرقبة.
ولم نستعن في هذه المسألة بما أورده الأصحاب من المجروح في بعض أعضائه لأن مذهبهم في ذلك أن الواجب هو التيمم إذا كان الجرح بأكثر أعضائه، والواجب هو التطهير بالماء إذا كان الجرح بأقل أعضائه، ولا يثبتون الجمع بين التيمم والوضوء بحال.
وأما قولهم: ((إن ما قلتم يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل)).
قلنا: لا، لأنا نثبت التيمم في محل الغسل ولا نثبت الغسل في محل التيمم فلا جمع، وإذا لم يحد المحل لم يقع المنع، كما توضأ وسبقه الحدث في خلال الصلاة فلم يجد الماء يتيمم عندهم، وقد جمع بين الأصل والمبدل ولكن لا في محل واحد فلم يمنع منه كذلك هاهنا.
والله تعالى أعلم.

(مسألة)

إذا نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم ذكره أعاد

عندنا.
وعندهم: لا يعيد، إلا أبا يوسف فإنه وافقنا فيما قلناه.
لنا: إن التيمم أخطأ محله فلم يصح، وإنما قلنا إنه أخطأ محله، لأن محل التيمم حال عدم الماء بنص الكتاب، وهذا واحد للماء حقيقة وحكماً.
أما الحقيقة فلأنه واجد قبل النسيان فإذا نسى لا يصير عادماً، لأن النسيان لا ينافي الوجود، وإنما ينافي الذكر فيكون واجداً ناسياً.
يبينه أن رحله في يده والماء في رحله فيكون الماء في يده فكيف يتصور أن يقال هو عادم لشيء في يده وقبضه؟

أما الحكم: فلأنه وجد على الماء علم ظاهر وهو عمله برحله، ورحل المسافر قلماً يخلو عن الماء وإن خلا فهو نادر، وكما لو نزل المسافر بجنب قرية عامرة لا يجوز له التيمم، لأن القرية قلما تخلو عن الماء فلا يجوز أن يجعل عادماً للماء والحالة هذه، كذلك هاهنا.
وإذا ثبت ما قلناه من وجود الماء فنقول: التيمم صح في الظاهر، لأنه ظن أنه عادم للماء، ولم يصح حقيقة، لأنه غير عادم له حقيقة وقد تبين ذلك فيلزمه الإعادة، كما لو كان عنده رقبة وهو ناس لها فصام ثم ذكر الرقبة يلزمه إعتاقها، وكذلك إذا كان ثوباً وهو ناس له فصلى عارياً ثم ذكر يجب عليه الإعادة.
وكذلك إذا ظن أنه على الوضوء فصلى ثم تبين أنه ليس على الوضوء والأمثلة تكثر.
وأما حجتهم: قالوا: عاجز عن استعمال الماء فيجوز له التيمم، كما لو كان يخاف العطش.
والدليل على أنه عاجز أن القدرة لا تكون إلا بالوصول إلى الماء ولا يتصور الوصول إلا بالذكر، فدل أنه عاجز، وربما يقولون: النسيان حائل بينه وبين الماء، فصار كما لو كان حائل من سبع أو غيره.
قالوا: وأما ((قولكم إنه واجد للماء))، نسلم الوجود إنما ندعى العجز عن الاستعمال مع الوجود، كما يعجز عند خوف العطش بل العجز في مسألتنا فوق العجز بالعطش.
وأما قولكم: ((إنه وجد علم ظاهر على الماء)).
قلنا: ذلك الظاهر قابله ظاهر آخر، وهو أن ما يكون في رحله يكون بعلمه ووضعه فلو كان فيه ماء لم يخف عليه، وإذا تقابل الظاهران سقطا وبقى ما قلنا إنه عاجز عن استعمال الماء.

وأما فصل نسيان الرقبة ونسيان الرقبة ونسيان الثوب فقد منعوا المسألتين.
واعتذر أبو زيد عن فصل الرقبة وقال: تفسير الوجود في الرقبة هو الملك.
ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده الذي عليه كفارة الظهار أو القتل: اعتق هذا العبد عن كفارتك لا يجوز، وإن وجد الرقبة لأنه لا ملك له.
وأما تفسير الوجود في الماء هو القدر بدليل أنه لا يعتبر ملكه، ولو بذل له الغير ماء من غير تملك لم يجز له التيمم.
قال: وأما إذا نسى الطهارة أصلاً فلأن الطهارة شرط الصلاة ولا.... / في إسقاط أصلاً.
وأما في مسألتنا جواز التيمم لا يؤدي إلى أصل الطهارة، لأنه إن لم يوجد الوضوء فقد وجد التيمم.
الجواب: أما قولهم: ((إنه عاجز عن استعمال الماء)).
قلنا: أيش تعنون بهذا إن عنيتم به من حيث الظاهر، فمسلم، وإن عنيتم من حيث الحقيقة فليس كذلك، لأنه قادر على الماء حقيقة، لأن القدرة هو التمكن وإذا كان الماء في رحله فهو متمكن منه لأنه متمكن من رحله فيكون متمكناً من الذي يشتمل عليه رحله وإذا كان قادراً حقيقة عاجزاً من حيث الظاهر، والعجز الظاهر من غير حقيقة لا ينتصب علة من جواز الانتقال إلى التيمم، وعلى أنا قد بينا أنه وجد علم ظاهر على الوجود، وذلك علم على الوجود والقدرة جميعاً.

وقولهم: ((إنه قد قابله ظاهر آخر)).
قلنا: والظاهر الذي قلتم قابله ظاهر آخر، وهو أن الماء الذي في رحله وإن كان الظاهر أنه يكون بوضعه وعمله، ولكن الإنسان تعتريه الغفلة والنسيان فيغفل عن الشيء، ثم ينتبه، وينسى الشيء ثم يذكره فينبغي أن يحمل أمره على هذا، ويطلب الماء في رحله ويفتشه حتى يعثر عليه وخرج على ما قلناه إذا كان على رأس بئر مطموم وليس عليه أثر، تيمم ثم إنه وجد، وكذلك إذا ضل رحله بين الرحال يخرج على ما قدمنا إن سلمنا، والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

لا يحل وطء الحائض بمجرد انقطاع الدم، وإذا كان لأكثر مدة الحيض حتى تغتسل

عندنا.
وعندهم: يحل وطئها بدون الاغتسال في هذه الصورة.
قالوا: ولو انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض لم يحل الوطء قبل الاغتسال أو مضى وقت الصلاة)).
لنا: قوله تعالى: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ...﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ معناه فاغتسلن، وقد قرئ ((حتى تطهرن))

جارٍ التحميل