الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفةصفحات 285-324

وأما المعنى فنقول: كل واحد من المؤتمين يصلي لنفسه مؤدي فرضه بفعله، وقد بينا أن فوات صلاة الإمام أصلاً لا يوجب فساد صلاة المؤتم، وذلك بأن كان جنباً أو محدثاً ففوات صفة صلاته من الفرضية لا يوجب فوات هذه الصفة من صلاة المقتدي أيضاً.
وهذا لأن كل واحد من القوم لما كان مصلياً لنفسه مؤدياً فرضه بفعله لم تتعلق بصلاة الإمام، فنقول: من لا تتعلق صلاته بصلاة غيره فنفل غيره لا يمنع أداء فرضه.
دليله الإمام مع المؤتم.
وأما الدليل على عدم التعلق أن الوارد في الشرع هو فعل الجماعة، وفعل الجماعة يوجب الاجتماع على أداء الصلاة، واقتداء المؤتم يوجب متابعة الإمام في الأفعال الظاهرة، فإذا اجتمع القوم على فعل الصلاة ووجدت المتابعة من المؤتم في الأفعال الظاهرة فقد تمت الجماعة.
ثم الاقتداء والإتباع فعل كل واحد من القوم فيما وراء هذا كمنفرد بالصلاة فيؤدي على حسب ما يختاره وما ينوبه وهو مثل الإمام فإنه متبوع في الأفعال الظاهرة فإذا تمت المتبوعية بوجود صورة الأفعال منه على ما تبعه فيها المقتدي به كان فيما وراء ذلك بمنزلة منفرد بالصلاة يؤدي صلاة على حسب اختياره ونيته، كذلك هاهنا.

وقد حرر الأصحاب وقالوا: صلاتان اتفقتا في الأفعال الظاهرة فيجوز لمن يقيم أحدهما أن يقتدي/ بمن يقيم الأخرى.
دليله المتنفل خلف المفترض.
أما حجتهم: قالوا: الاقتداء يوجب ابتناء صلاة المؤتم على صلاة الإمام حتى تصير الصلاتان كصلاة واحدة جوازاً وفساداً.
(والدليل عليه قوله عليه السلام: ((الإمام ضامن)) أي ضامن صلاته صلاة المؤتم، وضمانه صلاته بصلاته هو أن صلاته صارت في ضمن صلاته، ولأن الإتباع واجب وإنما يوجب الإتباع تتعلق صلاته بصلاته، وهو أن صلاته صارت في ضمن صلاته) ولولا ذلك وإلا لم يجب الإتباع، وجاز للمؤتم أن ينفرد بصلاته عن صلاة الإمام متى شاء.
وحين أجمعنا على أنه لا يجوز أن ينفرد بصلاته عن صلاة الإمام، عرفنا أنه إنما لم يجز، لأنه ارتبط صلاته بصلاة الإمام جوازاً وفساداً.
ويدل عليه أن الواجبات على المنفرد تتغير بالاقتداء، بدليل أنه على أي حال أدركه وجب عليه المتابعة، ولم يجز له أن يفعل ما يوجبه الإفراد أو ما هو واجب الصلاة في الأصل ولو كان على ما زعمتم من قولكم إن كل واحد مصلي لنفسه وجب أن يفعل الصلاة على ما هو المشروع في الأصل، وأيضاً فإن الإمام إذا سها يجب على القوم أن يسجدوا لسهوه ولو لم يسجد الإمام سجد القوم عندكم، ولو سها المؤتم لم يجب عليه شيء.

وإذا ثبت الإبتناء الذي ادعيناه ثبت أن الصلاتين قد صارتا كصلاة واحدة، فكل تحريمه يجوز له أن يبتنى عليها صلاته لنفسه يجوز أن يبتنى غيره عليها تلك الصلاة، وكل تحريمه لا تجوز له أن يبتنى عليها صلاته لنفسه لا يجوز لغيره أيضاً أن يبنيهما عليها، ومعلوم أن تحريمة النفل إذا وجدت من الإمام لا يجوز أن يبني عليها صلاة الفرض لنفسه، وكذلك المؤتم أن يبني عليها هذه الصلاة.
قالوا: ويخرج على هذا المتنقل خلف المفترض، لأن الإمام يجوز له أن يبني صلاة النفل على تحريمة الفرض، فكذلك جاز من المؤتم ذلك.
وقد تعلق كثير منهم بالجمعة، وقالوا: أجمعنا على أن الإمام لو كان يؤدي النفل في الجمعة لم يجز اقتداء القوم به.
فكذلك في غير الجمعة، وهذا لأن نهاية ما في الباب أن الجماعة واجبة في الجمعة، وسنة في غيرها من الصلوات ولكن لا اختلاف في نفس الجماعة.
وقد بينتم أنها للإجماع على فعل الصلاة والاقتداء في الأفعال الظاهرة.
وقد وجد هذا في مسألة الجمعة، وإن كان الإمام متنفلاً مثل ما وجد في مسألتنا ومع ذلك لا يجوز، وكذلك أوردوا الجمعة في المسألة الأولى فإنه لو ظهر أن الإمام جنب أو محدث لم تجز الجمعة القوم.
الجواب: دعواهم أن صلاة القوم تتبنى على صلاة الإمام حتى تصير الصلاتان بمنزلة الصلاة الواحدة جوازاً وفساداً.

لا نسلم ذلك على ما بينا من قبل.
وأما الخبر فمعناه أن الإمام ضامن إكمال صلاة القوم بحكم المتبوعية ولأجل هذا الضمان إذا أكمل فله الأجر لصلاته وصلاة القوم، وإذا نقض فعليه الوزر لصلاته وصلاة القوم.
وأما دخول صلاة المؤتم في ضمن صلاة الإمام فلا يعرف.
وأما قولهم: ((إنه وجب الإتباع)).
قلنا: وجوب الإتباع بحكم نية الإقتداء أو لأنه إمام وهذا مؤتم، ومن قضية كونه مؤتماً إتباعه إياه في أفعاله، وهذا هو المتابعة في الأفعال الظاهرة.
فأما الإقتداء والإتباع في النية فغير متصور، لأنه أمر في باطن القلب فكيف يوجد فيه المتابعة ثم الإتباع في الأفعال الظاهرة.
فأما الإقتداء والإتباع في النية فغير متصور، لأنه أمر في باطن القلب فكيف يوجد فيه المتابعة ثم الإتباع في الأفعال الظاهرة لتحصل الجماعة المشروعة ويتحقق الإقتداء والإتمام، وإذا حصل هذا فما وراء ذلك فكل وشأنه وكل امرئ ونيته.
وقولهم: ((إنه تتغير الواجبات بالإقتداء)).
قلنا: أما أصل الواجبات فلا تتغير بالإقتداء منه شيء وإنما وجب المتابعة في بعض أفعاله بسبب الإقتداء أو الإئتمام مع بقاء الواجب عليه في أصل الصلاة على ما كان من قبل من غير أن يتغير منه شيء.
أما سجود السهو.
قلنا: إذا سها الإمام وجب السجود على القوم بحكم المتابعة وإن لم يسجد الإمام لم يجب على القوم، وإذا سها واحد من القوم لم يجز له أن يسجد، لأنه يؤدي إلى الخلاف في الأفعال الظاهرة، ويمكن أن يقال: إن الجماعة لإحراز فضيلة الجماعة وعلى هذا نص النبي عليه السلام فقال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين

درجة)) فإذا وجدت الجماعة في الظاهر حصلت فضيلة الجماعة وحصل المقصود/ والمطلوب فصار صلاتهما وإن اختلفا في صفة الفرضية والنفلية كصلاتهما إذا اتفقنا في الفرضية والنفلية.
فأما في مسألة سهو القوم: فإنما يسقط عنهم سجود السهو لأنه مشروع لجبر النقصان الداخل في الصلاة، وقد أنجبر النقصان بفضيلة الجماعة فصار كما لو سجدوا.
وأما مسألة الجمعة فقد منعت، وعلى التسليم وهي ظاهر المذهب نقول: إن الجماعة فرض الجمعة، وإنما صارت مفروضة لأجل الجمعة وإذا كان الإمام متنفلاً فلا جماعة في الجمعة، وإنما الجماعة في أصل الصلاة، وشرط الجماعة لم يكن لأجل الصلاة فصاروا بمنزلة المنفردين فيما شرعت الجماعة لأجلها فلم يجز.
وهم يقولون: قد صاروا هاهنا أيضاً بمنزلة المنفردين في صلاة الظهر، والجماعة مسننة فيها كما أن هناك مفروضة في الجمعة، وربما يقولون: النية ركن الصلاة لا إمام له فيها فصار بمنزلة

الركوع والسجود، وكذلك إذا صلى صلاة من الصلوات الخمس مقتدياً بمن يصلي صلاة الجنازة.
قلنا: كذلك نقول له في فضيلة الجماعة في أصل الصلاة ولا فضيلة له في جماعة الظهر إلا أن فوات ذلك لا يبطل الصلاة بخلاف الجمعة فإن فوات الجمعة مبطل لها، ونحن نقول: إنما يحرز فضيلة الجماعة في أصل الصلاة وصفتها إذا اتفقا على أصل الصلاة، واتفقا في صفتها هذا غاية ما يمكن الجواب عن الجمعة وإن منعنا فقد وقع الخلاص.
وقولهم: ((إنه لا إمام له في النية)).
قلنا: وإذا كان الإمام مفترضاً والمؤتم متنفلاً فلا إمام له في النفل أيضاً، لأن النفل ضد الفرض ومع ذلك جاز.
وعلى أنا بينا أن المعتبر وجود الإمام في الأفعال الظاهرة، وبما ذكرنا من الجواب يجاب عن فصل الجمعة في المسألة الأولى.. والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

إذا صلى الكافر في جماعة لم يحكم بإسلامه

عندنا.
وعندهم: يحكم بإسلامه.
لنا: إنه لم يأت بالإسلام فلا يصير مسلماً، والدليل على أنه لم يأت بالإسلام أن الإسلام المأمور به هو كلمة الشهادتين بدليل خبر جبريل أنه سأل النبي عليه السلام عن الإسلام فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله...) الخبر.

وقال أيضاً عليه السلام: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله....)) الخبر.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي شرك.
وقال الله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، فدل أن هذا هو الإسلام المدعو إليه وهو لم يأت به، ويقال أيضاً: إن الإسلام هو الإقرار باللسان والاعتقاد بالقلب وتمامه بالأعمال.. ولم يوجد.

وقيل: إن الأصل هو الاعتقاد بالقلب واللسان مترجم عنه، ولم يوجد الأصل ولا الترجمة، وإنما غاية ما في الباب أن فعله الصلاة بالجماعة.
يدل على أنه يعتقد الصلاة جماعة، ولو صرح بهذا الاعتقاد لم يكن مسلماً فإذا جاء بما يدل عليه لم يكن مسلماً أيضاً.
أما حجتهم: تعلقوا بما روى أن النبي عليه السلام قال: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله مالنا وعليه ما علينا)).
وروى بعضهم أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من صلى صلاتنا فهو منا)).
ولأنه أتى بما يدل على الإسلام فيصير مسلماً.
دليله إذا أتى بالشهادتين، والدليل على أنه دليل الإسلام ما روى في بعض الأخبار: ((إذا رأيتم الرجل ملازماً للجماعة فاشهدوا له بالإيمان)).
ولأن الصلاة بالجماعة شرع مختص بدين الإسلام ففعله يدل على قبول الإسلام كالشهادتين.
يبينه أن الأصل هو الاعتقاد، وقول الشهادتين دليل عليه، فكذلك فعل الصلاة جماعة دليل عليه، ولأن الكفر يثبت بفعل يدل عليه وهو إذا سجد بين يدي الصنم، فكذلك الإسلام يثبت بدليل يدل عليه.

قالوا: وأما إذا صلى وحده فيجوز أن يقال إنه يصير مسلماً.
وربما رووا ذلك عن محمد بن الحسن، وعلى أنه ليس بشرع مختص بالإسلام لأن كل أهل الأديان يصلون، وكذلك الصوم والاعتكاف.
وأما الحج فقد كان أهل الجاهلية يحجون، ويدعون أن حجهم على ملة إبراهيم عليه السلام، وقد قال بعضهم: إنه لو حج على ما يحج أهل الإسلام يصير مسلماً.
الجواب: أما قولهم: ((إنه أتى بدليل الإسلام)).
قلنا: لا نسلم لأنه لم يوجد منه إلا فعل شرع في الإسلام، وفعل شرع في الإسلام لا يكون دليلاً على الإسلام بدليل سائر الشرائع، لأنه لا يدل على قبول الإسلام من حيث الاستدلال، ويحتمل غيره، لأنه يجوز/ أن فعله عابثاً أو حاكياً، وما يشبه ذلك.
والجملة أنه لابد من الإتيان بشيء لا يدل إلا على الإسلام، وذلك بالشهادتين فإنه لا يحتمل سوى الإسلام بدليل النص، ثم نقول أن الكافر مدعو إلى حقيقة فعل الإسلام فما لم يأت به حقيقة لا يحكم له بالإسلام، وقد بينا أن حقيقة الإسلام ماذا.
ويمكن أن يقال أيضاً أن الإسلام يشتمل على الالتزام العام وذلك بالتزام الشرائع فلابد من وجود دليل على هذا الالتزام، وذلك بالشهادتين، ولأن الشهادة بقوله: ((لا إله إلا الله)) اعتراف بالصانع ووحدانيته، واعتراف بجميع صفاته من حيث الدليل، ودليل أيضاً على الاعتراف بتنزهه وتقدسه عن سمات الحدث والنقص.
وقوله: ((محمد رسول الله)) التزام للشرائع أجمع، ولا توجد كلمتان تدلان على مثل ما تدل عليه هاتان الكلمتان.

فأما فعل صلاة الجماعة فنهاية ما في الباب أنه يدل على اعتقاده فضل الجماعة وأنها مشروعة مسنونة، ولو قال هذا لم يصر مسلماً، كذلك إذا فعله.
ولأنه لا يدل على الالتزام العام بحال والإسلام ما يدل على ذلك.
وأما تعلقهم بدليل الكفر من حيث الفعل.
قلنا: الكفر أسرع ثبوتاً من الإسلام، ولهذا لو جحد شرعاً واحداً يكفر ولو التزم شرعاً واحداً من الشرائع لم يصر مسلماً، ولأن قبول الصلاة جماعة لا يدل على الالتزام الذي يحل به الإسلام.
والله أعلم.

(مسألة)

عندنا الإيتار بركعة جائز،

وعندهم: لا يجوز، وسموا هذه المسألة مسألة المبتورة.
لنا: أنه قد ثبت الإيتار بركعة فعلاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقولاً بالأمر به.
أما الفعل فحديث أنس بن سيرين عن ابن عمر قال: ((كان رسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالليل مثنى مثنى ويوتر بركعة))، وهذا في الصحيحين.

وروت عائشة أيضاً أن النبي عليه السلام أوتر بركعة.
ورواه أيضاً سعد بن أبي وقاص، قال قيس بن أبي حازم: رأيت سعداً أوتر بركعة فسألته عن ذلك فقال: رأيت النبي عليه السلام يوتر بركعة.

وروى فعل الوتر ركعة عن النبي عليه السلام سوى هؤلاء: جابر، وابن عباس والفضل بن عباس، وأبو أيوب.
وأما القول فالخبر الصحيح المقبول عند جميع الأئمة قول - صلى الله عليه وسلم - برواية ابن عمر وغيره: ((صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة)).
وروى أيوب أن النبي عليه السلام قال: ((من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)).
ولا مزيد على القول والفعل من النبي عليه السلام.

وأما حجتهم: رووا بطريق أبي بن كعب أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يوتر بثلاث.
قالوا: وكذلك رواه أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي عليه السلام.
قالوا: ورواه أيضاً عمران بن حصين وعائشة وابن عباس.
وروا أن النبي عليه السلام نهى عن البتيراء، والبتيراء هي الوتر بركعة.

وروى ابن مسعود عن النبي عليه السلام أنه قال: ((وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب)).
قالوا: وروى ابن عمران النبي عليه السلام نهى عن السلام على الركعتين في الوتر)).
الجواب: إن أخبارنا أخبار صحيحة، وأما أخباركم أخبار معلومة.
فإن خبر أبي بن كعب، رواه ابن أبزي عن أبي بن كعب، ورواه ابن أبزي مرة عن النبي عليه السلام مرسلاً من غير ذكر أبي بن كعب، وهذا ويجب ضعف الرواية.

وأما حديث علي رواه أبو إسحاق عن الحارث عن علي، وهذا الحارث هو الحارث الأعور، ورماه الشعبي بالكذب وغيره.
وأما الذي رووا عن النبي عليه السلام نهى عن البتيراء، فرواه محمد بن كعب القرظي عن النبي عليه السلام فيكون مرسلاً.
وقد روى عن ابن عمر أنه قال: البتيراء أن تصلي بركوع وسجود ناقص.
وأما الذي رووا عن ابن مسعود فمداره في رفعه علي ابن أبي الحواجب يحيي بن زكريا، وهو ضعيف.. ذكره الدارقطني.

وقد روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: ((لا توتروا بثلاث أوتروا بسبع أو خمس ولا تشبهوا بصلاة المغرب)).
وإما الذي رووا أنه نهى عليه السلام في الركعتين فلا يعرف، وكيف يصح برواية ابن عمر هذا؟ وقد ثبت أن ابن عمر كان يسلم على الركعتين، حتى روى أنه كان يأمر ببعض حاجته ثم يصلي ركعة.
وعلى أن الإيتار بثلاث أن ثبت عن النبي عليه السلام فيحتمل أنه عليه السلام كان يسلم على الركعتين بدليل ما/ بينا قولاً وفعلاً أنه - صلى الله عليه وسلم - أوتر بركعة وأمر به، فلا يستقيم الجمع بين الأخبار إلا إذا حملنا على هذا الوجه.
فإن رووا أنه عليه السلام ((كان يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن)).

فهذه زيادة لا تعرف، وإنما المنقول أنه كان يوتر بثلاث مطلقاً ويحتمل ما قلنا.
وقد رووا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ((ما أجزت ركعة قط)).
قلنا: قد ثبت عن جماعة كثيرة من الصحابة أنهم كانوا يوترون بركعة منهم: عثمان، وسعد بن أبي وقاس، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وغيرهم.
فقول ابن مسعود لا يقدح في هذه الأقوال.
وعلى أنه قيل: إنما قال هذا رداً على ابن عباس حيث قال: إن صلاة الصبح في السفر تعود إلى ركعة، والمسألة خبرية.
وقد قال المخالفون سلوكاً لطريق المعنى: إن التنقل بركعة لا يجوز بحال، دل أنها ليست بصلاة، ولأن الصبح بالسفر لا يرد إلى الشطر مع أن السفر مشطر، وإنما لم يرد لأن الركعة لا تكون صلاة، فلو رد إلى الشطر لكان إعداماً والسفر ليس بمعدم للصلاة.
قالوا: أيضاً: إن الركعة الواحدة لو كانت صلاة لورد الشرع بينها وبين

الركعة الثانية بجلسة ذات تشهد- مثل الركعتين- والركعتين، ليقع الفصل بين ما هو أصل الصلاة وبين ما هو زيادة عليها.
والجواب: إن هذه كلمات ضعيفة، ونحن قد اعتمدنا على السنة، ولا حاجة بالسنة إلى علاوة من التمسك بقياس ضعيف أو معنى غير مخيل.
وإن تكلمنا في المعنى فكلامنا يكون أظهر، لأن الركعة الواحدة اشتملت على جميع أفعال الصلاة، والصلاة إنما صارت بمجموع أفعال يؤتي بها على شرائط مخصوصة، فما يشتمل على تلك الأفعال يكون صلاة صحيحة، والركعة الواحدة قد اشتملت عليها.
وأما الثانية إعادة لها فلم تقف صحتها على إعادتها، كما لا تقف على إعادتها بثالثة ورابعة، وهذا لا معنى في نهاية الحسن.
وأما قولهم: ((إن التنفل بركعة لا يجوز)).
قلنا: يجوز.
فإن قالوا: لم يرد الفرض بركعة.
قلنا: ولم إذا لم يرد الفرض بركعة ما يدل على أن الركعة لا تكون صلاة، وهذا لأن التنفل باختيار العبد، والفرض بإيجاب الشرع، والأصل أن ما يختاره العبد فقدره متعلق باختياره، وأما ما أوجبه الشرع فقدره بحسب ما ورد به الشرع.
وقد قالوا: إن التنفل بثمان ركعات وزيادة يجوز بتسليمة واحدة ولم يرد الشرع بمثل هذا بحال.

أما قولهم: ((إن صلاة الصبح لا تتشطر بالسفر)).
قلنا: هذا بناء على ما ذكرنا، وهو أن الفرض لم يرد بركعة واحدة بحال، والسفر يعمل في تشطير الفرض فلم يعمل في الرد إلى ما لم يرد المفروض بمثله بحال.
وقد ذكرنا الفرق بين الفرض والنفل، وعلى أن عندهم أن الفرض كان في الأصل ركعتين فزيد في الحضر وأقر في السفر على ما كان في الأصل على ما يذكرونه في المسالة الثانية، فكيف يستقيم على هذا الأصل التشطير؟ وأما قولهم: ((إن الشرع لم يرد بالفصل بين الركعة والركعة بجلسة)).
وقلنا: وقد ورد بين الركعتين والركعة في المغرب فهذا يدل إذن على أن الركعة صحيحة فدل أن ما قالوه تعلق باطل.
والله أعلم.

(مسألة)

القصر عندنا: رخصة، وعندهم: عزيمة.

قالوا: لا يجوز الإتمام بحال ولو أتم يكون فرضه ركعتان، والباقي نافلة.
لنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
ورفع الحرج عبارة عن الإباحة، والمباح ما تخير الإنسان بين تركه وفعله.
فإن قالوا: أليس الله تعالى قال في السعي: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ومع ذلك هو واجب.

قلنا: ظاهر قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ﴾ يقتضي ما قلنا، إلا أن الدليل قام هاهنا على وجوب السعي، وكونه ركناً بخلاف مسألتنا.
وقد قيل: إن السبب إن الصفا والمروة كان موضع الصنمين في الجاهلية يقال لإحداهما إساف والآخر نائلة، فلما جاء الإسلام تحرج المسلمون من الطواف بين الصفا والمروة لمكان الصنمين فأنزل الله هذه الآية.
ومن جهة يبينه حديث لعلي بن أمية أنه قال لعمر رضي الله عنه: ما بالنا نقصر وقد أمنا، فقال: تعجبت مما تعجبت منه فسألت النبي عليه السلام فقال: ((صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته)).
فسمى القصر صدقة، والرخصة والصدقة يتقارب معناهما.
وأما الاستدلال من حيث المعنى فظاهر جداً، وذلك لأن القصر ثابت بنص الكتاب وطلب المعنى واجب إذا أمكن فلا يعرف معنى في إطلاق القصر إلا/ التخفيف فإن السفر حال مشقة والمشقة سبب للتخفيف لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ والتخفيف بإطلاق

القصر، وقد حصل كمال التخفيف بإباحته ولا معنى للإيجاب والتحتيم، وهو مثل إباحة الفطر سواء فنقول: تخفيف ربط بالسفر فلا يكون حتماً، ودليله الفطر.
ومما يستدل الأصحاب بمسألة على أصولهم وهو أنه لو اقتدى مسافر بمقيم يلزمه الإتمام، فلو كان فرضه ركعتان لم يتغير بالاقتداء، وهذا في نهاية الإشكال عليهم، لأن الإقتداء لم يوضع لتغير الفرائض.
يبينه أنه لو كان المقتدى مقيماً بمسافر لا يعود فرضه إلى ركعتين فكذلك إذا كان الاقتداء من مسافر بمقيم وجب ألا يصير فرضه إلى الأربع فإن الزيادة على الفرض المحدود مثل النقصان فيه، فإذا لم يجز أحدهما لم يجز الآخر، وليس لهم على هذا سؤال سوى أنهم يقولون: اجتمع في هذه الصلاة حكم السفر والإقامة.
وبيان ذلك: أنا بينا أن صلاة المقتدى منوطة بصلاة الإمام وقد جعلت الصلاتان كصلاة واحدة على ما سبق.
وإذا اجتمع فيها حكم السفر وحكم الإقامة غلب حكم الإقامة، وهذا ليس بشيء، لأن الأصل الذي ادعوه قد أجبنا عنه وبينا بطلانه.
ولأنه إذا اختلف الفرضان لا يمكن جعل الصلاتين كصلاة واحدة فينبغي أن يفسد الإقتداء على أصلهم، وأيضاً فإنهم يطالبون بإقامة الدليل على تغلب فرض الإقامة على فرض السفر وعلى هذا ينقطع كلامهم.
وأما حجتهم: تعلقوا بحديث عائشة رضي الله عنه أنها قالت: فرضت الصلاة في الأصل ركعتان ركعتان فأقرت في السفر وزيدت في الحضر)).

وبحديث ابن عباس قال: ((فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة)).
وبحديث عمر رضي الله عنه قال: ((صلاة الصبح ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم -)).
والأخبار نصوص: وأما المعنى قالوا: ما زاد على الركعتين صلاة يجوز تركها على الإطلاق فلا تكون واجبة كالنوافل، وهذا لأن الواجب ما لا يسع تركه، وإذا جاز ترك الركعتين الأخراوين على الإطلاق دل أنهما ليستا بواجبتين.
قالوا: ونعني بالإطلاق أنه يجوز تركها لا إلى بدل.

وحرفهم أن السفر سبب لسقوط الركعتين بدليل ما بينا من جواز الترك وإذا سقط لم يبق شيء منه وصار كالدين الساقط.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن سقوطهما معلق باختيار العبد، لأن هذا يؤدي إلى تفويض الشرع إلى رأي العباد، وهذا لا يجوز فيقال: إنه إذا رأى يجب كذا وإذا لم ير لم يجب.
يبينه أن الشرائع مصالح وتفويض المصالح إلى رأي العباد غير جائز، لأنه لا يعرفون ما يصلحهم.
قالوا: ولأن المقبول إنما يعتبر في التملكيات، فأما ما كان يوجب الإسقاط فلا معنى لاعتبار القبول فيه بدليل الطلاق والعتاق.
وخرجوا الإفطار في الصوم على هذا الأصل، لأنه ليس بإسقاط بل هو تأجيل وتأخير.
وأما لفظ الصدقة المذكورة في الخبر فهو عبارة عن الإسقاط ويجوز أن يسمى الإسقاط صدقة كما لو قال لمديونه: تصدقت بديني عليك، يكون إسقاطاً.
الجواب: أما الخبر الأول، قلنا: قد عرف إعداد الركعات على ما نصليها بالإجماع والدلائل القطعية، فإثباتها في الأصل ركعتين ركعتين ثم الزيادة من بعد لابد فيه من نقل تواتر، والخبر واحد كيف... ؟ وقد دل الكتاب على تأصيل الأربع فإن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ومعناه من الصلاة المعهودة وهي الأربع، فدلت الآية على

أنها الأصل، وأيضاً فإن ((من)) للتبعيض، وقد قال: ((من الصلاة)) فدل أن المفعول بعض الصلاة، ولأنا إذا قلنا على ما رويتم لا يتحقق معنى القصر، لأن القصر عبارة عن الحط فلا تكون صلاة السفر مقصورة بل تكون صلاة الإقامة مزادة ثم يجوز أن يكون المراد من الخبر إباحة القصر، ويكون قوله: ((فأقرت في السفر)) إذا اختاره العبد.
وكذلك قوله في الخبر الثاني: ((فرض الله تعالى صلاة الحضر أربعاً وصلاة السفر ركعتين)) يعني إذا اختاره العبد، وقد قلنا ما قلناه على وجه النقل والتوقي من كلام في الأخبار على الوجه الاعتراض.
والذي يوهم الرد وترك القبول/ واجب، والتأويل المذكور محتمل.
ويؤيده ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها ((أنها أتمت في السفر)).
وهذا يدل على أنه كان المراد ما بيناه.
وأما الحديث الثالث وهو حديث عمر.
قلنا: معنى قوله: ((تمام غير قصر)) أي تمام في الثواب، وكذلك نقول بل نزعم أن السنة هي القصر في الأسفار، كما أن السنة هي المسح على الخفين بل هذا آكد، لأن النبي عليه السلام لم يتم في شيء من أسفاره وكذا أبو بكر وعمر.
وقد روى الأصحاب أخباراً في إتمام النبي عليه السلام، ولم نر الاعتماد عليها لضعف أسانيدها.
وأما المعنى، قولهم: ((يجوز له ترك ما زاد على الركعتين)).

قلنا: نعم، ولكن قبولاً لا رخصة مثل ما يجوز ترك غسل الرجلين بالمسح قبولاً للرخصة، وهذا لا يدل على أنه لو كان أتم لا يكون فاعلاً للواجب مثل مسح الخف سواء فإنه لو تركه وغسل الرجلين يكون فاعلاً للواجب مثل مسح الخف سواء ولم يدل جواز تركه على سقوطه أصلاً.
وأما قولهم: ((إن السفر سبب لسقوط الركعتين)).
قلنا: لا، بل هو سبب للرخصة، يبينه أن النبي عليه السلام سمي القصر صدقة فنجعل العدد الأربع من الركعات كأربعة دراهم وجبت لإنسان على إنسان فتصدق باثنين من ذلك عليه.
فإن قبل سقطتا عنه، وإن لم يقبل وجب عليه قضاء الأربع، فكان قضاؤه إياهن على أن جميع ذلك واجب عليه.
وقولهم: ((إن ذلك ليس بتمليك)).
قلنا: ولكنه صدقة بنص الشارع فكان حكمها ما بينا، ويمكن ينزله على ما ذكرنا فنزل ذلك منزلة مسح الخفين وغسل الرجل.
وقولهم: ((إن هذا تفويض الشرع إلى رأي العباد)).
قلنا: قد ورد مثل هذا في تفاصيل العبادات والجزئيات منها، وإن لم يرد في الكليات، ألا ترى أن الله تعالى ذكر ثلاث أشياء في كفارة اليمين وجعل تعيينها إلى رأي العبد، وأيضاً فإن من أتى بالركوع بأدنى ما ينطلق عليه الاسم فعل الواجب على أصولهم، ولو أطال كان الكل واجباً.
وكذلك قالوا في قيام الصلاة: إذا قام بقدر آية أو ثلاثة آيات يكون هو الواجب عندهم، وإذا قام وقرأ الفاتحة يكون جميعه واجباً، وهذا أيضاً تفويض بقدر الواجب إلى رأي العبد.
والله أعلم.

(مسألة)

العاصي بسفره لا يترخص برخص المسافرين

عندنا.
وعندهم: يترخص.
لنا: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
وقال تعالى في موضع آخر: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ?ِثْمٍ﴾، والعاصي بسفره باغ وعاد ومتجانف لإثم ولا يطلق له الضرورة ما أطلق للمضطر، ولأن السفر عذر مبيح للقصر والفطر فإذا كان معصية لم يكن عذراً.
دليله السكران فإنه لما كان زوال العقل عذراً في سقوط الخطاب فإذا كان بمعصية لم يكن عذراً، كذلك هاهنا.

يبينه أن المعنى المخيل في ثبوت العذر بالسفر هو المشقة، والمشقة مشعرة بالتخفيف، والمعصية لا تكون سبباً للتخفيف بحال، لأن المعاصي أسباب للتشديد فلا توجب ضدها من التخفيف.
والحرف الوجيز: إن المعصية واجب تركها فلم تصلح عذراً لسقوط واجب عليه.
لأن ما كان واجباً تركه لا يصلح عذراً لترك واجب آخر.
لأنه لو أطلق ترك واجب لكان الأولى أن يطلق فعل نفسه.
وإذا لم يكن فعل نفسه مطلقاً، فكيف يطلق ترك غيره أو فعل غيره؟ وقد قالوا: إن هذا التخفيف الثابت بالسفر إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية وجب تركه، لم يجز إثبات الإعانة عليه.
لأن الإعانة على المعصية معصية، فهذه كلمات قوية في غاية الإخالة.
وأما حجتهم: تعلقوا بظاهر قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فقد جعل مطلق السفر عذراً فمن زاد عليه صفة الإباحة فقد قيد مطلقاً بزيادة عليه، والزيادة على المطلق تقييد، والتقييد نسخ على ما عرف في مواضع كثيرة.
وأما المعنى قالوا: لا معصية في نفس السفر فجاز أن يكون مقيداً للرخصة المتعلقة به، دليله إذا كان السفر مباحاً، وإنما قلنا: لا معصية في نفس السفر، لأن حقيقة السفر قصده بالسير إلى مكان بعينه بينه وبينه مسيرة محدودة، وهذا لا معصية فيه، وإنما المعصية في نية الإغارة وقطع الطريق، وهذا معنى وراء السفر فصار هو عاصياً في سفره لا عاصياً بسفره فلم يمنع تعلق الرخص بسفره.

(وصار هذا كما لو لبس خفاً مغصوباً يطلق هل المسح على الخف، لأنه لا معصية في حقيقة اللبس، لأن حقيقته ستر موضع الغسل من القدم ولا معصية في الفعل من حيث الستر، وكذلك من صلى في/ الأرض المغصوبة صحت صلاته، لأنه لا معصية في الفعل من حيث الصلاة فجازت صلاته، كذلك هاهنا لا معصية في الفعل من حيث السفر فأفاد الرخص.
قالوا: وأما السكران فنفس الشرب معصية فإذا زال عقله لم يصر عذراً في سقوط الخطاب، فتوجه الخطاب عليه مثل ما يتوجه على غير السكران).
ولهم مسائل إلزامية في هذه المسألة سوى هاتين المسألتين غير أن هاتين المسألتين أقواها، والخروج عن المسائل الباقية سهل على ما ذكرناها في التعليق فاختصرنا على هاتين المسألتين، ولابد من الاعتناء في الجواب عنهما هذا جملة تحقيقهم.
الجواب: إنا قد بينا أنه عاص بسفره، لأنه قصد المكان الذي عينه لقطع الطريق أو لتجارة في الخمر، والسفر يصير سفراً بقصده، فإذا قصد بسفره المعصية صار السفر معصية، وهم يقولون: نقل الخطى ليس بمعصية في نفسها ونفس الخطى بقصده مكاناً بعينه صار سفراً والمعصية أمر وراء هذا.

قلنا: القصد لغرض إلى المكان الذي عينه شرط ليكون المفعول سفراً، والغرض معصية، فصار السفر سفراً بما هو معصية.
والدليل على أنه لابد من الخروج إلى المكان الذي عينه لغرض أنه لو خرج إلى ذلك المكان لا لغرض، نقول: لا يترخص برخص المسافرين وينزل منزلة الهائم الذي لا يدري أن يتوجه في سفره، ولا يمكن تمشية المسألة إلا بهذا، وهذا كلام في نهاية القوة، ويتبين به أن المعصية في نفس السفر قد وجد، والحرف ما ذكرنا أن ما به صار السفر سفراً معصية، وخرج على هذا الصلاة في الأرض المغصوبة لأن ما به صار فعله صلاة ليس بمعصية إنا المعصية في شغله أرض الغير، ولم يصر الفعل صلاة بهذا.
وقد أجاب بعض من يدعى التحقيق من المتأخرين عن هذه المسألة وقال: القياس أن لا تجوز صلاته لكنا جوزنا بالإجماع، وهذا مردود لا يلتفت إليه عالم، وكيف يدعى الإجماع، وقد ذهب جماعة كثيرة من علماء الأمة إلى إفساد هذه الصلاة وليس تتأتى مسالك الفقه لكل واحد، ولا ينبغي أن يغتر بطنطة الناس وتزخرفهم في عباراتهم، فإن مع أكثرهم دعاوي عريضة وعجز ظاهر، وتهالك على الألفاظ المروقة من غير طائل.
والله العاصم بمنه.
وأما مسألة لبس الخف المغصوبة فلا نسلمها على ما ذكرها ابن القاص وهو الأصح.
وأما تعلقهم بالآية فهي محمولة على السفر المباح ودعواهم النسخ بإثبات قيد المطلق كلام تكلمنا عليه مراراً في المسائل.
والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

تارك الصلاة يقتل

عندنا.
وعندهم: لا يقتل لكن يعزر ويؤدب.

لنا: الحديث الصحيح وهو قوله عليه السلام: ((العهد الذي بينا وبينهم الصلاة فمن تركها متعمداً فقد كفر))، وروى مطلقاً: ((من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر)).
فالخبر قد تضمن إلزام الكفر وإلزام القتل، وقد قام الدليل أنه لا يكفر فبقى القتل لازماً، وهذا استدلال ضعيف، لأن الخبر لم يتضمن إلا الكفر نصاً.
فأما القتل فوجوبه في ضمنه حكماً له، فإذا لم يلزم الكفر سقط ما في ضمنه.

يبينه أن القتل أن وجب بالخبر فيكون وجوبه على أنه واجب الكفر، ولا يستقيم إيجاب واجب الكفر بلا كفر.
وقال بعضهم في وجه الاستدلال بالخبر: إن تعطيل الخبر لا سبيل إليه ولابد من العمل به من وجه، وقد اتفقنا نحن وأنتم على أنه لا يكفر فلم يبق إلا التشبيه بالكفر في إلزام خاصيته فيكون في التقدير: من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر- أي ضاهى الكفار وأشبههم في المضاهاة في التزام عقوبة الكفر لا في نفس الكفر، وعلى هذا لا نقول إن الواجب عقوبة الكفر لكنه عقوبة ترك الصلاة لكنه عقوبة مثل عقوبة الكفر، وهذا كلام لا بأس به، وإن تضمن ترك ظاهر الخبر، وما يدل عليه من حديث النص.
وقد تعلق المخالفون من حيث السنة بقوله عليه السلام: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث....)) الخبر.
وقالوا: ولم يوجد من تارك الصلاة واحد من الثلاث فلم يقتل، ونحن نقول: قد وجد ترك الإيمان من وجه، فإن الصلاة إيمان بنص الكتاب.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
وقد أجمع أهل التفسير أن المراد به الصلاة فعلى هذا وجد ترك

الإيمان بترك الصلاة، وعلى أن الحصر بالعدد الثلاث لا يمنع إلحاق رابع/ بها عند قيام الدليل عليه، وقد كانت الواجبات في زمن النبي عليه السلام بعرض الزيادة والنقصان، وليس في الخبر الذي رووه دليل على منع وجوب القتل بترك الصلاة.
وقد أوجبوا القتل على الردأ في قطع الطريق ولم يوجد منه واحد من الثلاث ويباح دم القاصد إلى مال الغير ونفسه إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل ولم يوجد منه أيضاً واحد من الثلاث.
ونعتمد في المسألة على نوع من الاستدلال فنقول الشرع قسمان: أمر، ونهى، والخلاف داخل في كل واحد من القسمين إلا أن في قسم الأمر يكون الخلاف بالترك، وفي قسم النهى يكون الخلاف بالفعل، والعقوبات المشروعة في الجنايات زواجر عن الجنايات فكلما كانت الجناية أغلظ تكون العقوبة أبلغ، وإذا كانت الجناية أخف فتكون العقوبة أخف، وقد وجد في الجناية في أحد قسمي الشرع وهو النهي ما يعاقب عليه بالقتل وهو الزنا وسفك الدم، فوجب أن توجد في القسم الآخر ما تكون الجناية بالخلاف فيه موجباً لعقوبة القتل وليس ذلك إلا ترك الصلاة.
وهذا لأن الجناية المتناهية موجبة للعقوبة المتناهية، والزنا وسفك الدم جناية متناهية، لأنه لا جناية فوقهما في قسم ارتكاب النهي إلا الكفر، كذلك إذا ترك الصلاة فقد وجد جناية متناهية، لأنه لا جناية فوق ترك الصلاة في هذا القسم، وهو ترك الأمر فإذا تناهت الجناية تناهت العقوبة، والعقوبة المتناهية بالقتل المعدم للحياة أصلاً فجرى وجوبه في الطرفين ليستحق الشرع على التعديل والتسوية ولا يحكم بتناقض واختلاف، وتصير المعاني المؤثرة في الأحكام مطردة مستمرة، ثم الدليل على تناهي الجناية بترك الصلاة، أن الصلاة امتازت من بين سائر العبادات بنوع شرف وخطر لا يوجد لغيرها.

ويمكن أن يقال بغلبة اشتباه أصل الإيمان عليه، الدليل على امتيازه بهذا الحظر والحرمة الاسم الشرعي والمعنى، أما الاسم فهو أن الله تعالى سماها إيماناً ولم يرد هذا الاسم لشيء من العبادات سواها، ولأن النبي عليه السلام سماها عماد الدين، وعماد الشيء ما يكون بقاؤه به ولم يوجد هذا لغيرها.
وقال أيضاً - صلى الله عليه وسلم -: ((نهيت عن قتل المصلين))، كما قال ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)).
ومن جهة المعنى: لأنها وظيفة دارة على درور الليل والنهار وكرورها مثل الإيمان وظيفة مستمرة على دوام الليل والنهار وقرارهما، ولأنه لا تدخلها النيابة بنفس ولا مال مثل الإيمان سواء بخلاف الزكاة والحج والصوم على أحد القولين، وأيضاً لا يسقط بعذر عجز ومشقة بعد إن أمكن الإتيان به بوجه ما كالإيمان سواء فثبت ما قدمنا، وتأصل الأصل واستمر واستقر.
وأما حجتهم: تعلقوا بسائر العبادات.
وقالوا: عبادة من فروع الإيمان فتركها لا يوجب القتل كسائرها.
والجواب: ما سبق.
وقد قال أبو زيد: ترك الصلاة محض كف عن الفعل فلم يكن معصية بنفسه، وإنما كان معصية بغيره، وهو أنه ترك مأموراً به وما صار معصية بمعنى في غيره لم يوجب العقوبة، وهو مثل تناول مال الغير لما لم يكن معصية لعينه، وإنما صار معصية لتعلق حق الغير بالمحل لم يكن

موجباً للعقوبة وهذا ليس بشيء، لأن الكف من الفعل معصية بنفسه إذا اتصل الأمر بالفعل المكفوف عنه كالكف عن الفعل طاعة بنفسه إذا اتصل الأمر به وذلك في الصوم.
وهذا لأن هذه جناية من حيث ترك الأمر والجناية من حيث ترك الأمر لا يتصور إلا على هذا الوجه وهو الكف عن الفعل المأمور به وإنما صار جناية من حيث الأمر لا من حيث نفس الكف كالفعل من الزنا والقتل صار جناية من حيث النهى، لا من حيث نفس الفعل فمتى تناهى الأمر في المبالغة تناهت الجناية عند الترك، كما إذا تناهى النهي في المبالغة تناهت الجناية عند الفعل.
وقد قيل: إنه لا يتصور جناية لمعنى راجع إلى نفس الفعل، لأنه لو كانت الجناية لنفس الفعل لم يتصور إباحته بحال، والشرعيات قد أبيح فيها أجناس المنهيات مثل: قَتَلَ وقُتلَ، ووَطءَ وَوُطِء، وأَخذَ وأخذ، ولو نهى عن الشيء لعينه لم يتصور ورود الإباحة في نفسه بحال، فثبت أن المعتبر وجود الجناية من حيث ارتكاب النهي أو ترك الأمر، والله تعالى أعلم بالصواب.

(مسألة)

يجوز للمرأة أن تغسل زوجها إذا مات ويجوز أيضاً للزوج أن [يغسل] امرأته إذا ماتت.

وعندهم: يجوز في الأول، ولا يجوز في الثاني.
لنا: إن علياً عليه السلام غسل فاطمة رضي الله عنها حين توفيت.

وهذا بحضرة من الصحابة وعلمهم، ولم ينكر عليه أحد فصار إجماعاً منهم.
قالوا: ويجوز أن يكون معنى قوله: ((غسلها)) أي أعان على غسلها وعلى أن فاطمة رضي الله عنها كانت زوجة لعلي رضي الله عنه في الدنيا والآخرة.
فإنما غسلها لبقاء الزوجية، وهذا لا يوجد في غيرهما.
قالوا: وعلى أنه روى أن فاطمة عليها السلام اغتسلت ثم تمددت وتوفيت واكتفوا بغسلها ذلك كرامة لها، وكانت معرفتها بوقت فواتها واكتفائها بغسلها بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم -. الجواب: إن كل ما قالوه ضعيف.
أما الأول فنقول: إن المروى أنه غسلها، والإعانة على الغسل لا تكون غسلاً.
وأما الثاني: قلنا: نحن نقطع بانقطاع الزوجية بالموت، لأن الزوجية من أحكام الدنيا.
فأما القول ببقاء عقد النكاح بعد الموت والانتقال إلى

جارٍ التحميل