الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفةصفحات 167-206

وعلى أن استباحة المال بدليل عارض وعدم استباحة الوطء بمثل ذلك الدليل لا يدل على اختلافهما في أصل التحريم، ويجوز أن يوجد سببان محرمان لا شبهة في واحد منهما، وإن اختلفا مثل الاختلاف الذي قلتم.
ألا ترى أن الكفر والقتل كل واحد منهما محرم من غير شبهة، وإن كان جنس أحدهما يستباح بدليل يقوم عليه وهو القتل ولا يستباح الآخر بحال وهو الكفر.
وأما عذرهم عن الإحرام وقولهم: ((إن الوطء استمتاع وارتفاق فهذا المعنى فيه أكثر منه في سائر المحظورات)).
قلنا: مقادير الارتفاقات غير معتبر بدليل أن الارتفاق في اللبس أكثر منه في قلم الظفر وحلق الشعر ومع ذلك يستوي الكل في الكفارة، فدل أن المعتبر أصل الارتفاق ولا مقداره، ولكن إنما خالف الوطء سائر المحظورات، لأن تأثير السبب في أكثر من تأثيره في غيره على ما يوجبه قضية الشرع.
فإن قالوا: قد ظهر تأثيره في الحج حتى إنه يمتد زمان تحريم الوطء ما لا يمتد زمان سائر المحظورات، وههنا زمان التحليل والتحريم في الوطء وغيره واحد.
قلنا: تمييز الوطء من بين سائر المحظورات لم يكن لما قلتم بدليل أن الوطء يمتاز من بين سائر المحظورات وإن كان في العمرة، كما يمتاز في الحج حتى إن القضاء يجب بالوطء ولا يجب بسائر المحظورات وإن كان التحليل والتحريم في الكل واحد في العمرة.
وإذا ثبت أن تأثير السبب في الوطء أكثر منه في الأكل والشرب جاز أن يختص بإيجاب الكفارة مع مساواته الأكل والشرب في كل ما قلتم، هذا تحقيق طريقة الأصحاب.

وأما الذي اعتمدناه من أن الوطء مواقعة محظور والأكل والشرب مجرد ترك الصوم، فهي طريقة متينة محكمة.
وعندي أن الاعتماد عليها أولى، وقد ذكرنا وجه تقريرها.
وأما الغيبة والوطء فيما دون الفرج، فنحن لا نقول إن مواقعة كل محظور يوجب الكفارة، لأن المحظور والمحظور يجوز أن يختلف فيهما مقادير الجناية وعظمها وصغرها لكن ما يتعلق بالمحظور لا يتعلق بترك العبادة، لأن مواقعة المحظور مع فعل الصوم في حقيقته جناية على الصوم الذي هو عبادة، والترك ليس بجناية على العبادة، لأن ما مضى لا يتصور الجناية عليها وما بقي لم يفعله حتى يجني عليه وإنما مجرد ترك مأمور، وما لا يستدرك بالقياس إذا جاء وجوبه في موضع لا ينتقل إلى موضع آخر، لأن الجناية على العبادة إذا لم توجد في الأكل والشرب وتوجد في الوطء فيجوز أن توجب الجناية على العبادة بإفسادها ما لا يوجبه مجرد تركها من غير جنابة عليها وهذا ظاهر.
وأما فصل المرتدة فقد بينا في ربع القصاص أن الكفر ابتداء وعوداً بالردة موجب للقتل في حق المرأة، كما يوجب كفر الرجل إلا أنه في حق الكافرة الأصلية قدمت عقوبة أخرى على عقوبة القتل بدليل قام عليه، ولم يوجد في حق المرتدة مثل ذلك الدليل فتعين القتل، والله أعلم.

(مسألة)

إذا وطئ مرتين في يومين في شهر رمضان وجبت عليه كفارتان يلزمه أداؤهما.

وعندهم: يكفيه كفارة واحدة.
لنا: أن ندل أولاً على وجوب الكفارة بالوطء في اليوم الثاني فإنهم ربما يمنعون ذلك فنقول: سبب الوجوب تكرر فتكرر الوجوب، مثل القتل إذا تكرر فيتكرر وجوب الكفارة، وكذلك الظهار واليمين.
والدليل على تكرر السبب أن سبب الوجوب، هو الجناية على صوم رمضان بالوطء، وقد وجود هذا في اليوم الثاني مثل ما وجد في اليوم الأول.
يبنيه: أنه لو لم يطأ في اليوم الثاني وأتم صومه كان صومه على

الكمال والتمام مثل الأول لو لم يفسده، كذلك إذا أفسده بالوطء تكون الجناية عليه مثل الجناية على الصوم في اليوم الأول.
والحرف: أن الجناية الموجودة في صوم اليوم لا تؤثر في صوم الغد بحال، ومن المحال اعتقاد تأثير الوطء الذي يوجد في الغد وبعد الغد.
وقد ادعى بعضهم أن الجناية تقاصرت في الوطء الثاني، لأن حرمة الشهر صارت مهتوكة بالوطء الأول فصادف الوطء الثاني حرمة الصوم دون حرمة الشهر فلم توجب الكفارة عليه.
دليله: إذا وطئ في القضاء، وهذا لأن الجناية المحسوسة على المحل توجب النقصان حساً والجناية الحكمية توجب النقصان حكماً.
قالوا: وهذا لأن الشهر له حرمة واحدة، لأن الشهر واحد، وإن تخللت الليالي التي لا تقبل الصوم أصلاً، وتخلل الليالي لا يوجب تعدد الحرمة، بدليل شهري التتابع فإن لهما جميعاً حرمة/ واحدة وإن تخللت الليالي لا تقبل الصوم فيما بين ذلك.
الجواب: إن القول بانتهاك حرمة الشهر على معنى فواتها، قول مستبعد جدا ً، نعم، يجوز أن يقال إنه لم يراع حرمتها ولم يحفظها، فأما اعتقاد فوات الحرمة فمحال.
يبينه: أنه ليس معنى حرمة الشهر سوى أن الله تعالى خص هذا الشهر بواجب من أركان الإسلام وشرع فيه وجوهاً من المشروعات تشعر بخطرها وحرمتها واختصاصه من ذلك بما لا يوجد في سائر الشهور، وهذا المعنى لا يفوت بوطئه في يوم من أيامه، لأن الأمر بالصوم واختصاصه بما عرف

من السنن المشروعة وتكثير الثواب لما يأتي من العبادة فيها وأمثال ذلك كلها باقية عليه في الشهر، فكيف يقال إنه ذهبت حرمتها في حقه وصار بمنزلة سائر الأيام التي هي خارج رمضان؟ وأيضاً فإن الكفارة واجب الجناية على الصوم لا واجب الجناية على الشهر، لأن عندنا الكفارة واجب وطء مفطر، وعندكم الواجب واجب الفطر على جهة مخصوصة، والفطر إنما يوجد بجناية على الصوم لا بجناية على الشهر إلا أنه يعتبر أن يكون الصوم في هذا الشهر ليلاقي زمان أدائه.
وقد قيل أيضاً: إن لكل يوم من رمضان حرمة على انفرادها فيما يرجع إلى الصوم والشهر جميعاً.
والدليل عليه: أنه لو لم يصم يوماً من رمضان أصلاً وجامع فيه أو جامع فيما دون الفرج وهو صائم، أو أكل حصاة أو نواة ثم صام من الغد وجامع فيه وجبت الكفارة وإن كان قد هتك حرمة الشهر بالفعل الأول فحين وجبت دل أنه إنما وجبت، لأن الحرمة لم تصر مهتوكة أو لأن لكل يوم حرمة على حدة فيما يرجع إلى الصوم والشهر جميعاً وهذا لا سؤال لهم عليه، فإذا ثبت وجوب الكفارة في اليوم الثاني حسب وجوبها في اليوم الأول وجب أداؤهما، لأن الوجوب يراد للأداء فإذا وجب وجب الأداء.
وأما حجتهم: المعتمد، قالوا: نسلم الوجوب في اليوم الثاني مثل ما وجب في اليوم الأول لكن نقول: يتداخلان، ويكتفي بواجب واحد أداء مثل ما لو زنى ثم زنى فإنه يكتفي بحد واحد، لأن كل واحد منهما عقوبة تندرئ بالشبهات، ودليل أنها عقوبة تعلقها بالجناية، ودليل سقوطها بالشبهة ما ذكرنا في المسألة الأولى، وهذا لأن الواجب لما كان على جهة الزجر وهو محمول في الشرع على نوع من السقوط لا يوجد في غيره فالواجب الواحد زاجر كامل

وإن تعدد السبب مثل الحد في الزنا سواء، أو يقال: إذا وجد أداء هذا الواجب بعد وجود أسباب له فجعل في حق كل سبب كأن الأداء حصل لذلك السبب وحده، مثل الحد سواء فإنه يقام بعد زنيات منه ويجعل في كل زنا كأن الحد أقيم له وحده.
قالوا: وأما إذا كفر عن الأول ثم وطء ثانياً وجبت الكفارة، كما لو زنى فحد ثم زنى ثانياً، ولأن التكفير لما اتصل بالأول صار الأول كالعدم فصار الثاني بمنزلة الأول حين وجد.
قالوا: وأما إذا وطئ في رمضانين يجب كفارة واحدة مثل ما لو زنا في سنتين يكتفي بحد واحد.
الجواب: أما قولهم: ((عقوبة)).
قلنا: إن ادعوا (أنها عقوبة محضة) فلا يصح، لأنها تتأدى بمحض العبادة وهو الصوم فلا يكون عقوبة محضة، وإن ادعوا أن فيها معنى العقوبة، فمسلم، لكن لما قالوا: يلحق بالعقوبة المحضة وهو الحد؟.
وقولهم: ((إنه يسقط بالشبهات)).
إن عنوا بكل شبهة، فليس كذلك، لأن أعظم الشبهات الملك، ولا يسقط به حتى لو وطئ زوجته أو أمته وجبت الكفارة عليه.
واعتذر بعضهم وقال: المسقط هو الشبهة في محل الجناية ولم يوجد، لأن محل الجناية هو الصوم ولا شبهة فيه، وإنما وجدت الشبهة في آلة الجناية، لأن منافع البضع آلة الجناية، وكذلك المطعوم والمشروب، فنظيره

أن لو قتل إنسان بسيف مملوك له فلا يكون ذلك شبهة، وأيضاً فإن الصوم إنما يحرم في الوطء في الملك، وإذا كان تأثيره في التحريم في الملك، فكيف يصير الملك شبهة؟ وكلا العذرين ليس بشيء، لأنا ندعي وجود شبهة الإباحة، والملك مبيح لقيام الملك لابد أن يوجب شبهة، مثل ما لو وطئ أمته المجوسية أو كانت أخته من الرضاع لا يجب الحد لقيام الملك، وبطل العذر الثاني أيضاً بهذه المسألة، لأن التمجس والرضاع إنما يوجبان التحريم في الملك أيضاً، ومع ذلك صار الملك شبهة، وملك السيف لا يبيح القتل به بحال حتى يصير شبهة.
وأما الذي ادعوا من سقوط الكفارة بالغلظ، فلأن في الكفارة معنى العقوبة في الجملة، فأما إسقاطها بكل شبهة وإلحاقها بالعقوبة المحضة فلا يصح ذلك بحال.
وإذا ثبت هذا فنقول: غاية كلامهم إلحاق الكفارة بالحد، والتداخل في الحد على خلاف/ القياس لأن الأصل أن كل شيئين اجتمع وجوبهم اجتمع وجوب أدائهما، فإن عدل عن هذا الأصل في موضع بدليل لا يلحق به ما ليس في معناه.
يبينه: أن الكفارة واجب مالي وليس في الواجبات المالية تداخل في موضع ما.
وأما الحد إيلام وإيجاع يجوز أن يكتفي بالواحد احترازاً من الإهلاك لأنها إذا اجتمعت أهلكت، وهذا لا يوجد في الحقوق المالية فاعتبر فيها ما هو الأصل، والله أعلم.

(مسألة)

إذا انفرد الواحد برؤية هلال رمضان لزمه الصوم

عندنا.
وإذا أفطر فيه بالوطء لزمته الكفارة.
وعندهم: لا يلزمه.
لنا: أنه أفطر في يوم من رمضان بالوطء فتلزمه الكفارة.
دليله: إذا كان في اليوم الثاني، والدليل على أن هذا اليوم من رمضان أنه يلزمه أن يصومه من رمضان مثل ما يلزمه الثاني.
والمعتمد في المسألة أن الكفارة واجب بينه وبين ربه فيعتبر فيه ما ألزمه ربه، وما يعتقده فيما بينه وبين ربه، والله تعالى قد ألزمه أن يصوم في هذا اليوم من رمضان وهو يعتقد في نفسه أنه من رمضان فلو سقطت الكفارة لسقطت لأن هذا اليوم ليس من رمضان عند سائر الناس،

وما عند الناس لا يعتبر في الواجب الذي سبيله هذا، بدليل ما لو اجتمع قوم على شراب فيشربونه وأحدهم يعلم أنه خمر يلزمه الحد، وكذلك إذا زفت إليه امرأة وهو يعلم أنها أجنبية، وسائر الناس يظنون أنها امرأته، وكذلك إذا رأى الصبح وحده وأفطر بالوطء وعند سائر الناس أنه ليل.
وأما حجتهم: قالوا: (إنه مفطر بشبهة فلا تلزمه الكفارة، كمسألة الغالط في السحر والإفطار).
والدليل على أنه مفطر بشبهة دلائل: منها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((صومكم يوم تصومون...)) وهذا يقتضي أن لا يصح صومه إلا مع الجماعة إلا أنه قدم عليه قوله عليه السلام: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته))، لأنه إذا

تعارض دليلان أحدهما يوجب الصوم، والآخر لا يوجب، فالموجب أولى احتياطاً للعبادة فنفي ظاهراً بخبر شبهة في درء الكفرة، مثل قوله عليه السلام: ((أنت ومالك لأبيك))، قدم عليه قوله عليه السلام: ((:ل امرئ أحق بماله من ولده ووالده وسائر الناس أجمعين)) ولكن بقى ظاهره شبهة في درء الحد.
فإن قلتم: إن معنى قوله: ((صومكم يوم تصومون...)) يعني صوم كل إنسان يوم صومه، ويكون هذا تعطيلاً للخبر، لأن هذا لا يخفي على أحد، ولأن المراد من الخبر ذكر الأحكام التي تتعلق بالجماعة مثل قوله: ((أضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون)) وإن ادعيتم النسخ، فليس عليه

دليل، وإنما يكون بالنقل، بل تقابل ظاهران فقدمنا أحدهما في إلزام الصوم، لما ذكرنا واعتبرنا الآخر وأسقطنا ما يسقط بالشبهة.
ومنها: أن اليوم من شعبان في حق سائر الناس فلم يكن من رمضان مطلقاً بل كان من رمضان من وجه لا من وجه فتقاصرت حرمته فتقاصرت الجناية بالوطء فيه أيضاً، وهذا لأن ما يجب بالجناية الكاملة لا يجب بالجناية المتقاصرة.
يبينه: إنه لما لم يكن من رمضان في حق سائر الناس لخلل في الدليل أنه من رمضان، لأنه لما انفرد بدعوى الرؤية مع مساواة الناس إياه في النظر وموقفه، وحدة النظر وموضع المنظور إليه، دل أنه لم يكن لرؤيته حقيقة بل كان نوع خيال، كما روى في حديث عمر رضي الله عنه أنه مسح حاجب من كان يدعى رؤية الهلال ثم قال: أين الهلال؟ فقال: فقدته، فقال: ((تلك شعره قامت من حاجبك)).
قالوا: وبهذا فارق المسائل التي قلتم واستشهدتم بها، لأنه لا خلل في الدليل في تلك المسائل فاعتبر ما عنده من الدليل، وما يزعم في اعتقاده.
ومنها: أن القاضي قضى يكون هذا اليوم من شعبان، لأن الرد يدخل تحت القضاء بدليل أنه لو شهد لإنسان في حادثة فرد لفسق ظهر منه ثم تاب وأعاد لا يقبل لجريان القضاء برده وإذا دخل الرد تحت القضاء دخل موجبه أيضاً، وهو كون اليوم من شعبان فصار القضاء شبهة، لأنه يقضي بدليل شرعي يقوم له فأشبه قضاء برد من الشرع.

الجواب: أما الخبر، قلنا: هو ضعيف في الإسناد فإن مداره على الواقدي وهو ضعيف.
وقد روى أبو داود فلم يذكر قوله: ((صومكم يوم تصومون))، ولأنه ترك لقوله عليه السلام: ((صوموا لرؤيته))، وإذا ترك بدليل آخر فلا يصير صورته شبهة، لأن الصورة لا تصير شبهة عندنا بحال.
وأما سقوط الحد عن الأب لم يكن بقوله: ((أنت ومال لأبيك)) وهذا أيضاً خبر مرسل، وإنما كان ثبوت حقه في مال ولده على ما ذكرنا في النكاح، ولأن قوله: ((أنت ومالك لأبيك)) لم يصير شبهة في سقوط الحد إذا زنا بالبنت.
فإن قالوا: ((الإضافة/ إلى الوالد إضافة كرامة)).
قلنا: صورة اللام للملك، وقد قيل: إن معنى الخبر هو النهي عن صوم يوم الشك.
وأما دليلهم الثاني: قلنا: هو في حقه من رمضان على الإطلاق من كل وجه، وهذا لأنه تيقن برؤيته قطعاً، ونقول له: إن تيقنت فعليك الكفارة.

وقوله: ((إنه تفرد من بين سائر الناس)).
قلنا: تفرده جائز بالإجماع، ولهذا المعنى جاز للقاضي أن يقبل وإذا قبل لزم جميع الناس صوم اليوم فصارت هذه المسألة مثل سائر المسائل التي قلناها.
ودعوى الخلل في الدليل باطل، لأن تشكيك المتيقن لا معنى له.
وأما دليلهم الثالث فنقول: أولاً: لا قضاء، إنا وجد ترك قبول فحسب، ومسألة الرد كذا نقول، وإنما لم تقبل شهادته بعد توبته لمعنى آخر ثم يبطل بما لو شهد أربعة من الشهود على رجل بالزنا ورجم الإمام المشهود عليه، ثم رجع أحدهم فإنه يحد مع قيام القضاء بزناه، بدليل أنه لو قذفه إنسان لا يحد، لأنه محكوم بزناه ولا محيص لهم عن هذا، لأن ما قالوه: إن القضاء انفسخ في حق الراجع وإن كان انفسخ في حق الراجع في تلك المسألة فلم يوجد ههنا في حق الزاني أصلاً، فنقول: لو أن هذا الرائي صام ثلاثين يوماً ولم ير الناس الهلال يجوز له أن يفطر على أصح الوجهين، لكن يفطر في مكان لا يراه الناس، والله تعالى أعلم بالصواب.

(مسألة)

إذا تمضمض الصائم واستنشق ولم يبالغ وسبق الماء إلى حلقه لم يفسد صومه

عندنا.
وعندهم: يفسد.
وكذلك لو أكره على الأكل والشرب أو صب الماء في حلقه لم يفسد عندنا.
وعندهم: يفسد.
لنا: أنه لو فسد صومه لكان يفسد بوجود المناقض لصومه ولم يوجد، لأن العبادة فعل الكف عن الأكل والشرب ولم يوجد ما ينافي الكف، لأنه كاف عن الأكل والشرب على ما أمر به وإنما وجد سبق الماء إلى حلقه بغير

فعله أو وجد صب الماء في حلقه ولا فعل له في هذا بل يتصور فيما كان نائماً فصب الماء في حلقه.
وعندهم: يبطل صومه في هذه الصورة أيضاً.
وأما إذا أكره على الأكل والشرب فنقول: فعله وإن وجد لكن جعل فعله كالمعدوم مثلما صار فعله كالمعدوم في حق لحوق الإثم، وصار فعله كالمعدوم فيما لو أكره على إتلاف مال الغير حتى وجب الضمان على المكره دون المكره، فثبت أنه لم يوجد ترك فعل العبادة أصلاً في هذه الصورة كلها، وإذا ثبت أنه لم يوجد ترك فعل الكف، لم يبطل صومه لأنه لو بطل بطل بما قلناه ولم يوجد فلا يبطل ونستدل بالناسي فإنه لا يبطل صومه.
والعذر في هذه المسائل أظهر منه في الناسي، لأن في صورة الناسي قد وجد منه فعل ما يضاد الكف إلا أنه مع نسيان العبادة.
وأما ههنا فلم يوجد منه فعل ما ينافي الكف أصلاً فإذا لم يبطل في الصورة الأولى كذلك في هذه الصورة.
ونظير مسألتنا: إذا طارت الذباب فدخلت حلقه لم يفسد صومه لما بينا.
وأما حجتهم: قالوا: وصل المغذى إلى جوفه مع ذكره للصوم فوجب أن يبطل صومه.
دليله: المخطئ، وصورة الخطأ في المسألتين المعروفتين وهي أنه لو

تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع ثم ظهر أنه طلع، أو أفطر على ظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب.
وأما الفقه لهم: هو أنه فات معنى الصوم في هذه المسائل فيفوت الصوم، وهذا لأن قيام الصوم بقيام معناه، فإذا مات معناه لم يتصور بقاءه.
يبينه: أنه لو فاتت صورة الصوم بأن تناول حصاة أو نواة لم يبق الصوم فإذا فات معناه في مسألتنا أولى أن لا يبقى، لأن قيامه بمعناه أكثر من قيامه بصورته.
وإنما قلنا: ((إن معناه فات، لأن معنى الصوم هو الكف عن قضاء الشهوة فإذا حصل قضاء الشهوة وجد الفوات معنى))، وفي هذه المسائل وجد قضاء الشهوة وفات معنى الصوم.
فإن قلتم: ربما كان الفعل تناول لقمة أو تناول حبة حنطة وبهذا لا يحصل قضاء الشهوة.
قلنا: قد وجد من جنس ما يقضي به الشهوة، والمعتبر وجود جنس ما يقضي به الشهوة وإذا وجد يفعله وجد فوات الصوم صورة ومعنى، وإذا وجد لا بفعله وجد فوات الصوم معنى، وإن لم يوجد صورة وفي الموضعين يبطل الصوم.
قالوا: (وأما إذا أكل أو شرب ناسياً فقد وجد ما ينافي الصوم صورة ومعنى إلا أنه بقى الصوم بالنص، وههنا لا نص).
فلو بقي بقي بمجرد الصورة مع فوات المعنى وهذا لا يجوز.

قالوا: وليس كما لو طارت ذبابة إلى حلقه، لأنه لم يوجد فوات الصوم لا صورة ولا معنى، أما الصورة فلأن الحاصل حاصل بغير فعله، وأما المعنى فلأن قضاء الشهوة لم يوجد لأن الذبابة ليست من جنس ما تقضي به الشهوة.
الجواب: إن قولهم: فات/ الصوم معنى لا نسلم، لأن معنى الصوم وصورته في فعله حتى إن من جاع أو عطش من غير نية منه للصوم لا يقال وجد له معنى الصوم، وكذلك إذا صام ولم يجع ولم يعطش لا يقال لم يوجد له معنى الصوم.
فدل أن معنى الصوم وصورته في فعله، وذلك الفعل هو فعل الكف، وفوات المعنى والصورة في فوات فعل الكف ولم يوجد فوات فعل الكف في المسائل التي اختلفنا فيها فلم يفت الصوم لا صورة ولا معنى على ما ذكرنا.
والحرف إن وجود قضاء الشهوة لا بفعله ساقط ومجعول كالعدم، لأن الصوم لم يكن حصوله لا بفعله بل حصوله بفعله فيكون فواته بفعله.
فإن قالوا: إذا تمضمض واستنشق فقد وجد فعله في سبب سبق الماء إلى حلقه....... السبق كأنه حصل بفعله مثل ما لو قبل أو أنزل.
قلنا: المضمضة والاستنشاق فعلان مطلقان شرعاً فما يؤديان إليه مما لا فعل له فيه لا يجعل كالحاصل بفعله، كما لو حفر بئراً في ملكه فوقع فيه إنسان، هذا إذا لم يبالغ، أما إذا بالغ فهو فعل محظور فيجعل ما يؤدي إليه كأنه حصل بفعله كما لو حفر بئراً في ملك غيره ثم وقع فيه إنسان.

وأما فصل الناسي فهو لازم على ما سبق.
وقولهم: ((إنه لم يفسد الصوم بالنص)).
قلنا: قد ذكر في النص: ((أن الله تعالى أطعمه وسقاه))، ولما كان الواصل بفعل غيره لم يفسد صومه، فكذلك ههنا وصل الواصل بفعل غيره فلا يفسد أيضاً، وهذا كلام حسن مستخرج من النص فإن قوله عليه السلام: ((فإن الله أطعمه وسقاه)).
يبينه: أن كل ما يحصل من هذا الجنس بفعل غير الصائم لا يفسد صومه.
وقد تعلق الأصحاب بقوله عليه السلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)).

ووجه التعلق به ما سبق.
وهم حملوا هذا على الإثم وادعوا أن المقتضى لا عموم له.
ونحن نقول: إن الخبر يقتضي رفع عين ما وقع فيه الخطأ والنسيان فإذا لم يرتفع مشاهدة يرتفع حكماً، وإذا ارتفع حكماً لم يبق له حكم.
وأما فصل الخاطئ فهو خ ارج على ما قلناه، لأنه قد وجد منه فعل ينافي الصوم.
والله أعلم.

(مسألة)

المجنون إذا أفاق في بعض الشهر في رمضان لا يلزمه قضاء ما مضى من الشهر

عندنا.
وعندهم: يلزمه.
لنا: إن خطاب الإيجاب لم يتناول المجنون في حال جنونه فإذا أفاق فالخطاب في حقه ابتداء إيجاب فلا يتناول الزمان الماضي.
دليله: الصبي إذا بلغ في خلال الشهر فإنه لا يلزمه قضاء ما مضى من الشهر، كذلك ههنا، ثم الدليل على أن الإيجاب بخطاب الشرع أن

هذه عبادة من العبادات السمعية فلا تجب إلا بسمع ولا سمع إلا بخطاب الشرع، ولأنه لا دليل يدل على الوجوب سوى الخطاب.
أما العقل فليس فيه دليل على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج على هذا الوجه، وكذلك في سائر العبادات.
وأما دخول وقت الظهر، ووجود المال، وشهود الشهر ووجود البيت، فليس في ذلك إلا وجود وقت أو وجود مكان وليس في الأوقات والأمكنة ما يدل على وجوب واجب فلم يبق سوى خطاب المعبود عبادة بفعل العبادة، وهذا أقوى دليل يوجد، لأن المال له حق استعباد مماليكه لقضاء حقوقه وأداء حق عبوديته، وهذه الأوامر من الاستعباد، وللمالك حق تصريف عبده في عبوديته.
يدل عليه: أن أصل الإيمان يجب بخطاب الشرع، فكذلك فروعه وشرائعه، فدل أن الوجوب بخطاب الشرع ولا خطاب على المجنون بدليل قوله عليه السلام: ((رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى ينتبه، وعن المجنون حتى يفيق))، لأن المجنون ليس من

أهل الخطاب لأنه لا يعقل الخطاب فيصير خطابه بمنزلة خطاب البهائم فيكون سفهاً وعبثاً.
والحرف أن الخطاب بالفعل إنما يصح مع من هو أهل الفعل، والخطاب بالعبادات خطاب بفعل العبادات بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقال الله تعالى في الصوم: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ أمر بالفعل، وكذلك الحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ...﴾، معناه فعل الحج، وإذا كان خطاباً بفعل العبادة فمن لا يكون من أهل فعل العبادة لا يتصور معه خطاب فعل العبادة.
وأما حجتهم: قالوا: (الجنون آفة معجزة عن فهم الخطاب، فلا ينافي وجوب الصلاة والصوم ولا صحة الأداء إذا تصور كالنوم والإغماء، وهذا لأن وجوب هذه العبادات بأسباب متحققة في حق الناس أجمع كالشهر للصوم، والوقت للصلاة، والمال للزكاة).
والدليل على أن الوجوب بهذه الأسباب: أن هذه الأحكام مضافة شرعاً إلى هذه الأسباب، والإضافة المطلقة دليل على/ أن الوجوب بها.

يبينه: أن الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ واللام في مثل هذا تذكر للتعليل، كما قال: اضربه لأنه لص، وتوضأ للصلاة، وتأهب للشتاء.
ويدل عليه: أن الوجوب يتكرر بتكرر هذه الأسباب، والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، وتكرار الشرط لا يوجب تكرر الحكم، فدل أن التكرار إنما كان لأن السبب تكرر والأصل أن السبب إذا تكرر فلابد من تكرر المسبب ويصير وجوده ثانياً وثالثاً مع وجوده أولاً مثل تكرر القتل واليمين وتكرر سائر الأسباب الموجبة للأحكام، (وهذه أسباب متحققة بنفسها فينفذ حكمها وهو الوجوب على من هو أهل له، والآدمي يصير أهلاً للوجوب عليه بالذمة، والذمة لا تختل بالجنون فإنه يلزمه حقوق الناس ولا تبطل حقوقه لكن الأداء شرط وهو القدرة، ويكون وجوبه بالخطاب، وأمر الشرع لا يجب على العاجز والذي لا يفهم الخطاب، لأن الخطاب لا يصح في حق من لا يفهم، وهذا كالنائم تلزمه العبادات ولا يلزمه الأداء حتى لو مات، كذلك لا يؤاخذ به، ومثاله: ابن السبيل تلزمه الزكاة في المال الذي خلفه في بلده ولا يلزمه الأداء لأن الوجوب بملكه القائم وهو ثابت، والأداء باليد ولا يد، وهو كالبائع يقول للمشتري: اشتريت فأد الثمن، فالأداء يلزمه بالأمر والوجوب بالشراء).
(ولا يلزم إذا استغرق الجنون الشهر، لأن القضاء إنما يسقط بسبب الحرج، لأن الجنون مما يمتد كالصبا) وقد يقصر كالإغماء فلا بد من

فارق بين المديد والقصير (فاعتبر أصحابنا في الفارق بين المديد والقصير بالشهر، لأنه وقت كل الصوم وبعده إنما يوجد التكرار والتضاعف، واعتبروا في الصلاة ست صلوات، لأن وقت كل الصلاة يوم وليلة وهو قصير في نفسه فقدروا تعدد الصلاة واعتبروا أن يدخل في حد التكرار والتضاعف)، وإذا ثبت هذا فنقول: إذا استوعب الجنون كل الشهر ألحق بالصبي لأنه قد امتد وطال فلو لم تسقط العبادة عنه لتضاعف القضاء عليه وحرج فسقط بسبب الحرج، ولهذا سقط بسبب الصبا، لأنه يطول فلو أوجبنا القضاء بعد البلوغ أدى إلى حرج عظيم.
قالوا: (وأما الكافر إذا أسلم إنما سقط عنه القضاء بعد الإسلام بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ولأن الكافر ليس له أهلية وجوب العبادات)، لأنه ليس من أهل موجبها على ما ذكروا في أصول الفقه، وفي موضع آخر.
فأما المجنون من أهل العبادات وجوباً، لأنه من أهل الجنة ولأنه يبقى له الإسلام وسائر العبادات بعد الجنون لينال بها الثواب في الآخرة بخلاف الكافر.
قالوا: وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: (إذا حن الصائم في خلال اليوم صح يومه، لأن الركن بعد النية ترك المفطرات في اليوم، وأنه متصور من المجنون، كما هو متصور من العاقل

ولما تصور الركن وهو بالجنون لم يخرج من أهلية العبادة صح الصوم منه كما يصح من النائم والمغمى عليه.
والدليل على أنه لم يخرج من أهلية العبادة أنه مؤمن والمؤمن من أهل تعبد الله تعالى، ولأنه أهل الجنة، والجنة جزاء العبادة) فإذا كان من أهل موجب العبادة كان من أهل العبادة.
قالوا: وكذلك إذا أفاق في بعض الشهر وجب عليه قضاء ما مضى لما بينا أن الوجوب قد سبق، والجنون إنما تأثيره في منع خطاب الأداء وتأخير خطاب الأداء غير مانع من الوجوب، لأن خطاب الأداء يجوز أن يتأخر عن الوجوب كما بينا في المغمى عليه والنائم، وكذلك الحائض في حق الصوم، وهذا لأن الوجوب يستدعي فائدة ليتحقق في نفسه.
وخطاب الأداء سواء اتصل بزمان الوجوب أو تأخر فالفائدة قد تحققت واستقام تحقيق الوجوب مع تأخر خطاب الأداء ثم أفاق وقدر على الأداء فالآن يتوجه خطاب الأداء للواجب السابق بمنزلة المغمى عليه سواء.
هذه جملة كلامهم في هذه المسألة ذكرناها مع زيادة بسط، لأنه كلام يحتاج إليه في هذه المسألة، ويدخل أيضاً في مسائل كثيرة فاحتاج إلى زيادة بسط وشرح ليوقف على حقيقته.
قالوا: (وأما الخبر فهو حجة عليكم، لأنه جمع بين الصبي والمجنون والنائم وأثبت فيهم رفعاً واحداً فيجب أن يكون حكمه فيه متفقاً ثم النوم أخر الأداء حتى لم يأثم بتركه ولم يسقط أصل الوجوب فكذلك الصبي والمجنون).

قالوا: وأما في حق الصبي فأهلية الوجوب في حقه موجودة بوجود الذمة إلا أن الصبا مما يمتد فصار الصبا عذراً مسقطاً للوجوب لئلا يحرج الصبي في القضاء بعد القدرة والبلوغ، فصار سقوط الوجوب/ عن الصبي بدلالة أخرى.
قالوا: ونحن لا ننكر أن يسقط الوجوب بعد وجود السبب والأهلية بدليل آخر.
الجواب: أنا بينا أن الوجوب بخطاب الشرع هذا هو محز الكلام ومفصل الخصام وقد دللنا عليه.
يدل عليه: أن هذه الأسباب قد كانت ولا وجوب أن بالخطاب وجبت العبادات.
يبينه: أن هذه العبادات ما عرفت واجبة إلا بخطاب الشرع فكيف يقال إنها لم تجب بخطاب الشرع؟ لكن خطاب الشرع وجد عقيب هذه الأسباب فصارت هذه الأسباب علامات وأمارات للوجوب بخطاب الشرع، وأيضاً فإن العبادات في الابتداء لا تجب على من لم يبلغه الخطاب وهو الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، ولو كان الوجوب بوجود الأسباب دون الخطاب لوجبت عليه العبادات، وهذا حرف معتمد، فإن البلوغ شرط الوجوب، والمجنون لا يتصور بلوغ الخطاب إليه، لأنه ليس في نفسه بأهل معرفة الخطاب.

واعتذر أبو زيد عن هذا الفصل وهو اعتبار البلوغ في الابتداء في الأسرار قال: نحن إنما جعلنا هذه الأشياء أسباباً للوجوب بجعل الله تعالى إياها أسباباً وقد ورد خطاب الشرع بجعل هذه الأسباب أسباباً غير أن شرع الخطاب والعلم به شرط، (لأنه أوسع للامتثال قبل العلم ولا علم للناس قبل البلوغ، فإذا انعدم العلم لخفاء الخطاب من قبل الله تعالى، أو لم يظهره بعد لم يلزم الناس، فأما بعد الظهور فالخفاء على البعض غير معتبر لسقوط الحكم عنه، لأن التبليغ إلى كل شخص متعذر على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلم يجب تبليغه إلى كل أحد وتعلق صيرورته سبباً موجباً بوجود الإظهار في الناس حتى يصير بحيث يوجد في الناس وقام ذلك مقام البلوغ عاماً).
واعتذروا عن مسألة الحربي إذا أسلم في دار الحرب وقالوا: إنما سقط عنه الوجوب أيضاً دفعاً للحرج، لأن مقامه في دار الحرب قد يطول ولا يجد من يوقفه على العبادات فلو وجبت عليه من غير علم اجتمعت عليه عبادات كثيرة، ويقع في حرب عظيم لقضائها فسقط الوجوب دفعاً للحرج حتى لو أسلم في دار الحرب ومضت عليه أيام ولم يشعر بوجوب العبادات عليه وجب القضاء عليه، لأنه لا يؤدي إلى الحرج فإنه يجد من يوقفه عليها ويعلمه إياها.
والجواب عن كلام الكلامين سهل.
وقد ثبت أن بلوغ الخطاب شرط الوجوب باعترافهم بذلك ولا بلوغ في حق المجنون.

وقولهم: ((إنه لا يعتبر ظهور الخطاب في الناس)).
قلنا: يجوز أن يقال هذا فيمن هو محل البلوغ إلا أنه لم يبلغه لما ذكروا أن التبليغ إلى كل أحد حرج.
فأما من ليس بمحل البلوغ ولا هو من أهل الخطاب فلا يجوز إثبات الوجوب في حقه، لأن من هو من أهل الخطاب ومحل البلوغ يجوز أن يجعل الخطاب كأنه قد بلغه دفعاً للحرج.
فأما من هو بمنزلة بهيمة في الخطاب ولا يتصور أن يبلغه محسوساً لا يجوز أن يجعل في حقه بمنزلة الواصل البالغ والمجنون بهذه المنزلة.
وأما الحرج الذي يعتمدون عليه في دفع المسائل الإلزامية، ففي نهاية الضعف، لأن الشرائع بنيت على الحرج، وما من تكليف إلا وفيه حرج فلا يجوز أن يجعل هذا أصلاً لإسقاط الواجبات عند وجوده، وإثبات الواجبات عند وجوده وإثبات الواجبات عند انتفائه.
وأما الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
معناه أنه لم يوجب على عباده شيئاً لا سبيل لهم إلى الخروج عنه وهو منى قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وأما استدلالهم في أن الوجوب بالأسباب لأجل ورود الشرع بالإضافة المطلقة.
قلنا: الإضافات للإعلام، ونحن لا ننكر أن هذه الأوقات والأمكنة

علامات للوجوب بإيجاب الله تعالى فكانت الإضافة مشعرة بمجرد الإعلام.
وأما التكرار بتكرار الأسباب فنقول: إن الأمر قد يفيد التكرار عند اقتران دليل به يوجب التكرار وإنما قالوا: إن الأمر المطلق الخالي عن قرينة لا يفيد التكرار، فأما لم يقل أحد إنه لا يجوز أن يكون مفيداً للتكرار عند اقتران دليل به فوجب التكرار، وهذه الواجبات المتكررة من هذا النمط.
وأما قولهم: ((إن الوجوب يحصل بوجود هذه الأسباب والخطاب بالأداء يتأخر)).
فنقول: ليس أصل الإيجاب إلا بخطاب الأداء، لأن الإيجاب لابد وأن يلاقي شيئاً وليس يلاقي إلا الفعل، فكيف يتصور أن يفصل الوجوب عن خطاب الأداء؟ والدليل عليه: أنا إذا تأملنا في خطاب الشرع لم نرها إلا خطابا بالفعل مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾.
فدل أن الوجوب ليس إلا إيجاب الفعل إلا أنه يتضيق مرة ويتسع أخرى ويطلق له التأخير بعذر.

وأما مسألة الإغماء والنوم فنحن لا نقول إن/ الخطاب متوجه عليهما في حال الإغماء والنوم بل يتوجه بعد الإفاقة والانتباه، وكذلك الحائض في حق الصوم، وهذا لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد.
فإن قالوا: ((قد سمي قضاء فلابد من وجوب سابق)).
قلنا: لفظ القضاء والأداء في المعنى واحد على ما عرف، ولأنه سمى قضاء ليقوم هذا الفعل مقام من فعل هذا الواجب في قوته المسمى ويلتحق به حكماً.
فأما أن يكون لما قلتم فلا، وعلى هذا الأصل نقول: إذا نوى الصوم ثم طرأ الجنون في بعض اليوم بطل صومه، لأن الأهلية تفوت بالجنون ولا يجوز وجود الصوم من الإنسان مع فوات الأهلية.
وأما عندهم: لا يبطل صومه، لأن بطريان الجنون لا تفوت الأهلية والكلام في الجانبين قد سبق بيانه، والله أعلم.

(مسألة)

صوم التطوع لا يلزم بالشروع

عندنا.
وعندهم: يلزم بالشرع.
وفائدته: أنه لا يجب عليه عندنا أن يمضي فيه لكن يستحب له ذلك، ولو أفسده لم يجب عليه القضاء.
وعندهم: يلزمه أن يتمه ولو أفسده وجب عليه القضاء.

لنا: حديث سماك بن حرب عن ابن أم هاني عن أم هاني قالت: ((كنت قاعدة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتى بشراب فشرب منه ثم ناولن فشربت منه، فقلت: إني أذنبت فاستغفر لي، فقال: ما ذاك؟ فقلت كنت صائمة فأفطرته، قال: أمن قضاء كنت تقضينه؟ قلت: لا، قال: فلا يضرك إذا)).
رواه أبو عيسى في جامعة بهذا الإسناد، قال: ((وفي الباب عن أبي سعيد الخدري وعائشة)).
وروى هذا الحديث من وجه آخر عن أم هاني أن النبي عليه السلام

قال: ((الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر)).
وروى أبو عيسى أيضاً بطريق بشر بن السري عن سفيان عن طلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيني فيقول: ((عندك غداء؟، فأقول: لا، فيقول: إني صائم، قالت: فأتاني يوماً، فقلت: يا رسول الله، إنه قد أهديت لنا هدية، قال: وما هي؟ قلت: حيس، قال: أما إني أصبحت صائماً، قالت: ثم أكل)).
قال: ((وهذا حديث حسن))، وفي إسناد الخبر الأول مقال.

وروى أبو داود الخبر الأول من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الله ابن الحارث عن أم هاني... وذكر في آخره: ((ولا يضرك إن كان تطوعاً)).
وذكر الخبر الثاني، وقال فيه: ((وقال طلحة بن يحيى: وأصبح صائماً وأفطر)).
وروى الدارقطني الخبر الثاني برواية الثوري عن طلحة بن يحيى، ثم قال: ((إسناد هذا الخبر صحيح)).
وأما تعلقهم بالحديث الذي رواه جعفر بن برقان عن الزهري

عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبدرتني حفصة وكانت بنت أبيها، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعاماً فاشتهيناه فأكلنا منه، فقال: اقضيا يوماً مكانه)).
وتعلقوا بالخبر الذي رواه الدارقطني بإسناده عن محمد بن عمرو ابن العباس الباهلي عن سفيان بن عيينة عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((إني أريد الصوم وأهدى لي حيس، فقال: إني آكل وأصوم يوماً مكانه)).
وروى أيضاً بإسناده عن إبراهيم بن عبيد قال: صنع أبو سعيد

الخدري طعاماً فدعى النبي عليه السلام وأصحابه فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((صنع لك أخوك وتكلف لك أخوك، أفطر وصم يوماً مكانه)).
XXX الأخبار ضعيفة.
أما الخبر الأول: فقد رواه ومعمر وعبد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلاً، وهذا أصح، لأنه روى عن ابن جريج قال: سألت الزهري فقلت له: أحدثك عروة عن عائشة؟ قال: لم أسمع عن عروة ولكن أخبرني به رجل على باب سليمان ابن عبد الملك عن عروة).
وقيل: أسنده زميل مولى عروة بن الزبير وهو مجهول.
وقد حمل الأصحاب أمر النبي عليه السلام في هذا الخبر على الندب.
وأما الخبر الثاني: قال الدارقطني: ((تفرد بروايته على الوجه الذي قالوا- محمد بن عمرو بن العباس الباهلي- ولم يتابع عليه،

وخالفه الثقات ولعله شبه عليه))، والأصح من الخبر هو الرواية على الوجه الذي قدمنا.
وأما الخبر الثالث: فإنما هو مرسل، فإن إبراهيم بن عبيد لم يلق أبا سعيد، والمرسل لا يكون حجة، وأما الكلام من حيث المعنى نقول: هو بالإفطار تارك للتطوع فلا يجب عليه شيء.
دليله: إذا ترك في الابتداء، وإنما قلنا: إنه تارك، لأن الصوم هو فعل الكف والإمساك عن الأكل والشرب فإذا أكل أو شرب فقد ترك فعل الصوم فثبت أنه لم يوجد منه إلا/ مجرد الترك لصوم التطوع.
ويدل عليه: أن مباشرة التطوع ليس له حكم سوى صحته شرعاً، فأما اللزوم فليس عليه دليل، لأن اللزوم إنما يكون بإلزام الشرع أو بالتزام العبد ذلك ولم يوجد واحد منهما، وإنما هو متبرع، فنهاية ما فيه أن تصح مباشرته لذلك بقدر تبرعه.
فأما الذي لم يباشر فبقى على العدم ولم يتصل به التزام من قبله ولا إلزام من قبل الشرع، ولا اتصل به أيضاً مباشرة من قبله فصار الباقي في حقه بمنزلة الجميع إذا لم يباشر شيئاً منه فلم يجب عليه مباشرة صوم بقية اليوم عليه لما لم يكن واجباً عليه فعله من الصوم في أول اليوم، فصار الحرف لنا: أن ما بقى من صوم اليوم له حكم ما مضى فإذا لم يكن لما مضى حكم سوى الصحة ولم يقض بوجوبه عليه بل قبل كان متبرعاً

بفعله إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله فكذلك في الباقي من اليوم يكون حكم صومه كذلك.
فإن قالوا: ((إن عندنا إذا وجد شروعه يجب عليه صوم جميع اليوم)).
قلنا: يلزمكم الجزء الأول من الصوم، ونحن نعلم قطعاً أنه لم يكن واجباً عليه، فكذلك سائر أجزاء الصوم، ولما كان إليه في الجزء الأول، فكذلك يكون الخيار إليه في الباقي من اليوم، لأن الكل صوم تطوع فيكون حكم الكل واحداً.
وأما حجتهم: قالوا: الصوم عبادة يلزم بالنذر، فيلزم بالشروع.
دليله: الحج، وألزموا الحج على جميع ما قلنا.
قالوا: وأما قولكم: ((إن الحج لا يمكنه الخروج عنه)).
قال: ليس كذلك، فإن بالإفساد قد خرج عن الحج الصحيح، وإنما بقى في حج فاسد ووجوب القضاء بفوات الصحة، وهي مثل أصل الصوم في مسألتنا، وعلى أنه وإن لم يمكنه الخروج عنه إلا بالفعل لكنه قد أدى الحج بأفعاله المعهودة، فالحج الذي لا يمكنه الخروج عنه إلا بالفعل، وقد فعله فلماذا يجب عليه القضاء؟ وحين وجب دل أنه إنما وجب أن الشروع سبب ملزم بمنزلة النذر، وقد قرنوا الشرع بالنذر.
قالوا: قد اتصل عزيمة الفعل بالشروع، لأنه لا يشرع في صوم النفل إلا وهو على عزيمة إتمامه وإكماله.
والعزيمة مشعر بوجوب المعزوم عليه، ولهذا قال: أعزم أو أعزم بالله

يكون يميناً قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ معناه حق ووجب.
ويقول الإنسان لغيره: عزمت عليك لتفعلن- أي أوجبت- فأشبه النذر الذي هو صريح الالتزام.
وأما المعتمد في المسألة من حيث المعنى أن إبطال العبادة محظور بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، ولأن من فعل فعلاً بطلب رضا معبوده ثم قصد إبطاله فقد تعرض لسخط ربه، وإذا ثبت أن إبطال العبادة محظور فنقول: ما مضى من الصوم في اليوم عبادة، لأنه فعل الصم قطعاً، وكذلك إذا شرع في صلاة النفل هو فعل الصلاة قطعاً، وهذا لأن الإمساك من أول النهار إلى آخره فعل الصوم وإن كان تمامه آخره، وكذلك أداء الصلاة من أولها إلى آخرها فعل الصلاة وأن تمامها بتمام الأفعال.
وإذا ثبت أنه فعل الصوم فيكون عبادة، لأن فعل العبادة عبادة، وإذا كان عبادة حرم إبطالها ووجب حفظها ذلك بفعل الباقي من الصوم، لأنه إذا لم يفعل ذلك كان مبطلاً لما مضى من الصوم، وقد بينا أنه محظور فلزم فعل الباقي لهذا الوجه وإذا لزم فإذا تركه وجب قضاؤه وأشبه المنذور الذي قدمنا.
قالوا: وليس كما لو شرع في الصوم على ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه، لأن الشروع إنما يكون ملزماً إذا لاقى غير واجب مثل النذر إنما يكون ملزماً إذا لاقى غير لازم، وإذا شرع على ظن أن المشروع فيه

عليه فشروعه لاقى واجباً عليه، لأن المعتبر ما عنده لا ما عند الله تعالى، ألا ترى أن من كان عنده أنه لم يصل الظهر وقد صلى ونسى فإنه يلزمه فعله ولو لم يفعل يأثم ويحمل وزره وبمثله لو لم يكن فعله وكان عنده أنه فعله لم يكن عليه شيء بتركه.
وإذا ثبت أن الشروع لاقى واجباً عليه لم يكن ملزماً مثل ما لو نذر أن يؤدي شيئاً واجباً عليه وعنده أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه يبطل نذره وإذا تبين أن الشروع ليس بملزم وتبين أنه ليس عليه لم ينقلب نذره ملزماً، وكان القياس الأصلي يقتضي أن يرتفع صومه أصلاً إلا أن الله تعالى تفضل ومن عليه بأن لم يبطل عليه صومه وجعله له نافلة، وليس من مقتضى التفضل والمنة أن يلزمه ما لم يلتزمه فلم يكن له حكم سوى حصوله فإن مضى عليه تم الحصول، وإن أفسده لم يكن عليه شيء، لأنه لم يوجد سبب يوجب عليه شيئاً.
أما ههنا وجد سبب الوجوب على ما سبق.
قالوا: وليس يلزم على هذا العذر إذا شرع في الحج على ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه فإن/ هذا لا يوجد في الحج، فإن الحج يحتاج إلى مشقة شديدة وقطع مسافة بعيدة وتدخل فيه مدة مديدة فيبعد أن يشتبه عليه أنه فعل الحج أو لم يفعل، ولئن وجد فهو نادر، والنادر لا يلتفت إليه.
وقد منع بعضهم جانب الصوم وقال: إذا شرع فيه على ظن أنه عليه ثم تبين خلافه يلزمه مثل الحج، وليس بمذهب، والصحيح ما قالوا.
هذا جملة كلامهم، ونهاية تحقيقهم.

جارٍ التحميل