الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفةصفحات 5-45

(مسألة)

إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استقر الواجب على الحقاق وبنات اللبون، واستقرت النصب على الخمسينات والأربعينات.

وهذا مذهب أكثر أهل العلم، غير أن الشافعي رضي الله عنه قال: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة تجب ثلاث بنات لبون ثم الأمر من بعد على ما بينا.

وعندهم: يستأنف الواجب بعد المائة والعشرين وتجب الأغنام وبنت المخاض.
لنا: الأخبار الثابتة برواية أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبرواية الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي عليه السلام ذكر في كتاب الصدقة الذي كتبه: ((فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل

خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون))، والكتاب يشتمل على أشياء كثيرة من باب الزكاة ذكره أبو داود وغيره، غير أن الاستدلال في هذه المسألة بهذ القدر وكان صلى الله عليه وسلم ختم عليه وقرنه بقراب سيفه.
وعمل بذلك بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

وروى ابن المبارك عن يونس عن الزهري أن سالم بن عبد الله بن عمر قرأ الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر في الصدقات وفيه: (فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون)).
ولا يتجه لهم تأويل لهذه الأخبار أصلاً.
وقد تكلفوا أشياء بعيدة أعرضنا عنها لبعدها، فإن صوروا في موضع يجب في كل خمسين حقة وفي الأربعين بنت لبون وذلك في مائة وتسعين.
قالوا: وقد قلنا بهذا الخبر في هذا الموضع.
يقال لهم: أنتم لا تقولون بهذا الخبر بحال، لأن عندكم لا تجب الحقة في الخمسين بحال، ولا بنت اللبون في الأربعين، فإنكم تقولون إن الحقة في ستة وأربعين وبنت لبون في ست وثلاثين على حسب ما كان في الابتداء، فقد تركوا القول بهذه الأخبار جملة من غير دليل.
وأما هم تعلقوا من جهة الخبر بما روى أنه كان في صحيفة عمرو بن حزم الذي كتبها له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فرائض الزكاة: ((وما زاد في الإبل على

مائة وعشرين ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون فما فضل بعد ذلك يعاد إلى أول فريضة الإبل فما كان/ أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس شاة)).
ورووا بطريق عاصم بن ضمرة عن علي عليه السلام: أنه قال ((إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة)).
وعن ابن مسعود كذلك، وهذا لا يقال قياساً، دل أنهما قالا ذلك عن النبي عليه السلام.
والجواب: أما الخبر الأول فقد رواه حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن صحيفة عند أبي بكر.

ابن عبد الله بن عمرو بن حزم فيكون مرسلاً، والمرسل ليس بحجة.
وعلى أن فيه ما يؤيد مذهبنا لأنه قال: ((فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون)).
وأما حديث عاصم بن ضمرة، فقد قال ابن المنذر: لا يثبت حديث عاصم ابن ضمرة عن علي رضي الله عنه.
وقد روى عن علي رضي الله عنه مثل ما ذهبنا إليه.
وعلى الجملة.. لا يثبت ذكر الغنم وبنت المخاض بعد المائة والعشرين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من الصحابة، وإنما الصحيح ما رويناه فلا يعدل عنه.

وإن التفتنا إلى المعنى بعد أن لا حاجة إليه، فهو أيضاً يؤيد ما قلنا.
وذلك لأن الأصل الموصل في الشرع أن الواجب في كل جنس من جنسه، لأن الواجب جزء من النصاب، لأن الزكاة واجبة للمواساة مع الفقراء بجزء من النصاب على مال نام، والجزء من الشيء جنسه، وهم يعترفون بهذا الأصل فلا يحتاج إلى كثير دليل، إلا أنه عدل عن هذا الأصل عند قلة الإبل لأنها لا تحتمل المواساة من جنسها، فإذا كثرت احتملت فعدنا إلى الأصل.
فإن قالوا: ((لم لا ينتظر إلى أن تبلغ حداً يحتمل الوجوب من جنسه مثل البقر))؟ قلنا: لأن الخمس من الإبل مال كثير القيمة كثير المنفعة قليل المؤونة فلم يستجز الشرع إخلاء مثل هذا عن حق الفقراء، وعلى أن هذا الذي قالوا اعتراض على الشرع، وعلينا أن نتلقى الشرع بالقبول ثم نطلب له معنى يخرج ذلك الشرع عليه، وقد فعلنا.
وأما البقر.. فقد كان غالب أموال العرب الإبل، وقد كانت الزكاة طهرة لمالهم فلم يرض بإخلائه عن الواجب بعد أن يبلغ الحد الذي قلناه من كثرة المنفعة والقيمة وقلة المؤنة، وأما البقر فقد كان قليلاً فيهم، فإبقاؤها على الأصل المعهود وهو ترك الإيجاب حتى يحتمل الواجب من جنسه هذا في الأغنام.
وأما سقوط بنت مخاض فهو يخرج على أصل آخر: وذلك لأن ما بعد المائة والعشرين حال تقرير النصب والواجبات وما قبل المائة والعشرين قد كان حال اضطرابها واختلافها، فمن الواجب أن يكون الاستقرار على النمط الأعدل، والنمط الأعدل في الأوقاص طرح

وقص الأربع، والأربعة عشر أعلى الذي ورد، الأغنام، وبنت المخاض والجذعة وبنتي اللبون والحقتين قبل المائة والعشرين، وتقرير الوقص على التسع لأنها الوسطى، وطريقة العدل في الوسط، وطرح ما يخرج عنه من الجانبين، كذلك في الواجبات اخترنا النمط الأعدل الأوسط وهو تقرير الواجب على الحقاق وبنات اللبون، وطرحنا ما خرج عنها من الجذعة وبنت المخاض ليكون ذلك لزوماً لجادة العدل، والطريقة الوسطى بين طرفي الترقي والنزول الذي أحدهما يؤدي إلى نوع إجحاف بأرباب الأموال والآخر يؤدي إلى ترك نظر الفقراء، ونزل القرآن على هذا واستمر عليه الشرع.
وأما الذي ذهبوا إليه من إيجاب الغنم والعود إليها مع كثرة الإبل وتقرير وجوب بنت المخاض مع خروجه عن النمط الأوسط ومع طرح قرينته من الجانب الآخر وهو الجذعة فلم يدل عليه نص ولا اهتدى إليه قياس، فكان متروكاً مطروحاً غير مأخوذ به بحال.
وفي المسألة وراء هذه إلزامات كثيرة عليهم في إبطال الاستئناف على مذهبهم: · من التزامهم القول بالموالاة بين الوقصين، وهذا لا يجوز في الشرع.
·

ومن عدولهم من بنت المخاض إلى الحقة في الخمسين الثالثة من غير إيحاب بنت لبون في الوسط.
· ومن ألزم جعل نصاب الحقة ثلاثين إذا قالوا بالاستئناف بعد المائة والعشرين وأوجبوا في مائة وخمسين ثلاث حقاق، وقد أعرضنا عن شرح هذا كله، لأن فيما قلناه غنية عن الكل، هذا كلامنا.
وأما حجتهم من حيث المعنى: فقد قال مشايخهم: إن إيجاب ثلاث بنات لبون في مائة وإحدى وعشرين يؤدي إلى مخالفة الرسول أو مخالفة الأصول وواحد منهما لا يجوز.
أما مخالفة الرسول إذا أوجبتم في كل أربعين وثلث، ومخالفة الأصول إذا أوجبتم في كل أربعين وذلك لأن الواحدة/ لم تجعلوا لها قسطاً من الواجب وغيرتم بها الواجب، وما لا يأخذ قسطاً من الواجب لا يغير الواجب هذا هو الأصل المعهود في الشرع، وقد خالفتم.
قالوا: وليس كما لو ماتت المرأة عن أبوين وأخوين حيث يغير الأخوان فريضة الأم، ولا يرثان، لأنهما بمحل الميراث، وإنما حجبا في هذه الصورة بالأب، وههنا ليست الواحدة بمحل الوجوب بحال، فنظير هذا في مسألة الميراث أن يكون الأخوان عبدين أو كافرين، وقالوا أيضاً: في إيجاب ثلاث بنات لبون إسقاط الحقتين، وقد أوجبنا بدليل مقطوع به فلا يسقط بخبر الواحد.
واستدلوا في تصحيح مذهبهم، والحكم بعود الغنم وبنت المخاض، أن الحقاق وبنت اللبون ينبني وجوبها على الغنم وبنت المخاض في قضية

وجوبها، وربما يقولون: الغنم وبنت المخاض أصل في واجبات الإبل فلابد من عودها، وقولهم: ((إن الغنم ليس من جنس الإبل)).
بلى، ولكن لما وجبت وبنى عليها سائر ما أوجب صار أصلاً، وخرج على هذا الجذعة، لأنها غير مبنية على الحقاق وبنات اللبون فلا يقتضي وجوب الحقاق وبنات اللبون وجوبها.
وأما الحقاق وبنات اللبون يبتنى وجوبها على الغنم وبنت المخاض فلابد من عودها إذا عادت.
قالوا: وأما قولكم: ((إن ما بعد المائة والعشرين زمان الاستقرار)).
قلنا: بلى، وقد استقر الواجب على الحقة وبنت اللبون، ولكن بشرط أن يعود ما هو الأصل مثل المسنة استقر عليها الواجب بشرط عود التبعية.
الجواب: إن كل ما قالوه ضعيف.
أما الأول فنحن نختار أنه يجب في كل أربعين وثلث أو يوجب في كل مائة وإحدى وعشرين من غير تعرض للتقسيم، وهذا بالخبر الذي رويناه في هذا نصاً.
ومثاله: إيجاب الحقتين في إحدى وتسعين في الابتداء، ويكون هذا إيجاب كل حقه في خمس وأربعين ونصف إلا أنه بالخبر، أو يوجب مطلقاً من غير تعرض للتقسيم، ويمكن أن يقال: قد وجد نصاب ثلاث بنات لبون إلا أن فيه أنه انتهاء وقص فلا يمكن إيجابها من غير وجود زيادة، فإذا

وجدت بزيادة ظهر الآن وجوب بنات لبون لوجود نصابها والترقي من انتهاء الوقص إلى زيادة، وهذا الكلام إذا قلنا إن الواجب في كل أربعين، والزيادة ليس لها عمل إلا في التغير فحسب.
وأما الكلام الثاني الذي قالوه.. قلنا: نعم، وجبت الحقتان في المائة والعشرين بدليل مقطوع به ولكن حين زادت واحدة فات محل وجوب الحقتين وانقطع الإجماع فصلح التعرض لما يدل عليه الخبر الواحد فنوجب ما أوجبه، ولهذا لم يجز الاجتهاد لإيجاب شيء آخر في المائة والعشرين، وصح الاجتهاد لإيجاب ثلاث بنات لبون عند وجود الزيادة.
وأما الكلام الثالث.. وهو الذي قالوا: إن وجوب الحقاق وبنات اللبون يبتنى على وجوب الغنم وبنت المخاض.
قلنا: إن زعمتم أن المراد بالإبتناء أنها وجبت بعد وجوبهما فهذا مسلم.
وإن زعمتم أن معناه أن ذلك يصير أصلاً وهذا يصير فرعاً له فلا نسلم.
والدليل عليه: أن في الخمسين الثانية للمائة الأولى قد عادت الحقة وثلاث بنات لبون، لم تعد الغنم ولا بنت المخاض، ولو صار ذلك أصلاً وهذا فرع له لم يجز إلا أن يعود الأصل ثم يعود الفرع، وعلى أنا قد دللنا أن وجوب الغنم ضرورة والضرورة تلزم موضعها.
وأما بنت المخاض فقد بينا أنها خارجة عن النمط الأعدل والطريقة الوسطى مثل الجذعة فلم يستقم عودها، والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

الزكاة تتعلق بالنصاب والوقص

عندنا، وهو قول محمد بن الحسن من أصحابهم.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه وأبي يوسف تتعلق بالنصاب دون الوقص، وهو قول الشافعي رضي الله عنه.
لنا: إنه قد ثبت أن النبي عليه السلام قال: ((في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض إلى خمس وثلاثين فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين)).

وقوله: ((إلى الحد الواجب))، دل أنه متعلق بالنصاب والوقص، ولأن جميع المال محل للواجب، والرجل من أهل وجوب الزكاة عليه، وليس تعليق الواجب ببعض المال أولى من البعض فتعلق بالكل الواجب، وهذا كما لو سرق مالاً بقدر نصب كثيرة فإنه يتعلقا القطع بالكل للمعنى الذي بينا كذلك ههننا، وكذلك إذا أوضح جميع رأسه فإنه يتعلق الأرش بجميع الموضحة، لأنه ليس إيجابه في البعض أولى من إيجابه في البعض فتعلق الواجب بالكل.
والحرف لنا: أن تقدير النصاب/ لمنع تعليق الواجب بما دونه لا يمنع تعليقه بما زاد عليه مثل النصاب في السرقة، والقدر الذي ينطلق عليه اسم الموضحة فإنه لمنع تعليق الواجب بما دونه لا يمنع تعليقه بما زاد عليه، وهذا لأن المال إذا كان محل الواجب، والرجل من أهل وجوب الزكاة عليه فلا يمكن إخلاؤه من الوجوب.
وأما حجتهم: قالوا: الزيادة لها حكم نفسها بدليل أنها إذا بلغت قدراً معلوماً تعلق بها واجب جديد فتخلو من الواجب حتى تبلغ ذلك المقدار، وهذا كالنصاب الأول فإنه لا يتعلق به شيء حتى يبلغ الحد المعلوم، وبهذا فارق السرقة ومسألة الموضحة، لأن الزيادة ليس لها حكم نفسها بدليل أنها لو زادت زيادة كثيرة لا يتعلق بها واجب آخر بحال آخر بحال فكانت الزيادة بمنزلة الأصل في تعلق الواجب بالكل.

قالوا: ولأن الزيادة لو هلكت لم يسقط شيء من الواجب، وصوروا إذا هلك قبل التمكن من الأداء ليكون في محل الإجماع فلو كان تعلق بها شيء من الواجب لسقط من الزكاة بقدر الهالك، كما لو هلك النصاب.
الجواب: أما قولهم: ((إن الزيادة لها حكم نفسها)).
قلنا: ليس لهذا معنى سوى أنه إذا بلغ حداً معلوماً يتعلق به واجب آخر وهذا أولاً تدخل عليه الزيادة على إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين فإنه لا يتعلق بهذه الزيادة واجب آخر، لأنه عندهم يستأنف الحكم بعده ومع ذلك لم يتعلق الواجب الأول بهذه الزيادة على أصلهم.
فإن قالوا: يتعلق، فقد التزموا المناقضة.
فإن قالوا: يتعلق واجب آخر إذا بلغت الإبل مائة وخمسين فإنه تجب حقة ثالثة في الخمسين الثالثة.
فقلنا: فإذا لا استئناف، وقد قلتم بالاستئناف، وعلى أن هذا إن استقام فيما بعد المائة فلا يستقيم في التسع الزائدة من إحدى وتسعين إلى تمام المائة فإنه لا يتعلق بها واجب آخر بحال، ومع هذا لا يتعلق بها الواجب الأول، ثم نقول: للزيادة حكم نفسها إذا بلغت قدراً معلوماً.
والكلام فيما إذا لم تبلغ ذلك القدر فهو وما زاد عليه واحدة والجميع بمنزلة شيء واحد ومال واحد، وقد بينا أنه ليس تعليق الزكاة ببعض المال أولى من بعض فتعلق بالكل، ثم إذا بلغت الزيادة نصاباً آخر حينئذ يتعلق به واجب آخر.

فإن قالوا: إذا كان تعلق به الواجب الأول كيف يتعلق به واجب ثان؟ قلنا: هذا غلط، لأنه إن كانت الزيادة بعد حؤول الحول فالواجب الأول لا يسرى إليها، وإن كانت الزيادة قبل حؤول الحول فعندنا لا يضم النصاب بل يعتبر لها حول جديد من وقت الاستفادة فلم يتصور اشتغال الزيادة بالواجب ثم خلوها عن الواجب، واستقام ما قلنا إن الزيادة لها حكم نفسها إذا بلغت قدراً يتعلق بها واجب آخر، فأما إذا لم تبلغ من قبل فلا.
وأما قولهم: ((ينبغي أن ينتظر)).
قلنا: لا معنى للانتظار وقد وجدنا مال الزكاة وقد ملكه من هو من أهل الزكاة.
وأما في الابتداء فلأنه لم تبلغ نصاباً والزكاة لا تجب فيما دون النصاب وههنا قد بلغ نصاباً وقد زاد، وقد ذكرنا وجه تعلق الواجب بالكل.
وأما قولهم: ((إذا هلكت الزيادة قبل التمكن من أداء الزكاة)).
قلنا: قد قال بعض أصحابنا: إنه يسقط من الواجب بقدره وإن سلمنا أنه لا يسقط فلأن الزيادة جعلت وقاية لما هو الأصل فانصرف الهلاك إليها حكماً، وصار النصاب بمنزلة القائم جميعه من غير أن يهلك منه شيء.
وهذا مثل ما لو هلك بعض مال القراض وقد ظهر فيه الربح فإنه ينصرف الهلاك إلى الربح، وجعل الربح وقاية لرأس المال، وصار رأس المال كأنه لم يهلك منه شيء كذلك ههنا.
والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

إذا هلك مال الزكاة بعد حؤول الحول ووجود التمكن من أداءها لم تسقط الزكاة عمن عليه بهلاكه

عندنا.
وعندهم: تسقط.
لنا: إن المال سبب الوجوب لأداء فعل الوجوب فإذا حصل الوجوب واستقر فقد عمل السبب عمله، والسبب إذا تم عمله فبعد ذلك شرط وجوده لغو لا معنى له كسائر الأسباب إذا تمت، وأقواها صدقة الفطر فإنها لم تسقط عنها بهلاك المال لما بينا.
وهذا لأن الوجوب محله الذمة فإذا وجب الشيء فقد حصل في محله الذي له فاستغنى عن تعلقه بمحل آخر، لأن الذمم مستقلة تحمل الواجبات مستغنية في وجوبها عن ضم محل آخر إليها بل لا يتصور الوجوب إلا في الذمة فإن معنى الوجوب في الذمة تكليف المكلف فعلاً على صفة مخصوصة فيقال وجب عليه كذا، وكلف/ كذا، ثم إنما يكون أداؤه بآلة:

فإما أن تكون الآلة هو البدن مثل العبادات البدنية، وإما المال مثل اللوازم المالية، فإن كان بدنياً فلا التفات فيه إلى المال، وإن كان مالياً فلا يتعين له مال دون مال، لأن جميع الأموال في تصور الأداء به واحد فلا معنى لتعين محل واحد له، اللهم إلا أن يكون التعيين لمعنى لغرض مطلوب يطلبه الشرع من توثقه مؤدية إلى اختصاص باستيفاء وخلاص من مزاحمة لولاها لم يحصل به ذلك مثل الرهن فتعين له ذلك المال من وجه لا من وجه على ما عرف في كتاب الرهن.
وإذا لم يتعين له محل فهلاك مال بعينه لا يوجب سقوطه بل يؤمر بالتوصل إلى الأداء بمال آخر، فإن وجد ولم يفعل لم يعذره الشرع، فإن لم يجد عذره الشرع رحمةً وتخفيفاً لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
فأما تعلق الوجوب بأعيان الأموال فلا مطمع لأحد في تحقيقه وتصويره، ولئن قاله قائل فهو مجازف مباهت ولا كلام مع مثل هذا.
واستدل الأصحاب في أن الوجوب لا يلاقي المال أنه لو أدى الزكاة من مال آخر يجوز ولو تعلق بالعين لم يجز، ولتعين هذا المال له على التحتم واللزوم، وما ذكرناه من القاعدة مستغنية عن هذا الحكم، وسنذكر كلامهم عليه.
وقد سلك كثير من مشايخنا طريقة أخرى وهي: أنه بالتأخير بعد التمكن آثم جان متعد فيضمن إذا هلك، كما لو منعه من الساعي ثم يهلك، والدليل على أنه جان وجوب إخراج الزكاة على الفور،

لأنها وظائف موظفة على السنين لدفع حوائج تتجدد للفقراء على مرور الأوقات والأزمان عليهم فإطلاق التأخير ليؤديها من عليه متى اختاره لا يجوز، لأن الحوائج إذا تعجلت والوظائف إذا تأخرت بطلت الإغراض ويموت المحاويج، وما أوجب لسد الحاجة فلا يوجب على وجه لا ينسد به الحاجة.
يبينه: أنه إذا جاز التأخير، والمنايا طوارق على الرجال، والنوائب على الأموال غوادي وروائح، وكل واحد منهم مسقط للزكاة لم يبق للوجوب أثر.
فدل على أن الوجوب على الفور، وأنه جان متعد بالتأخير فيلحقه وبال جنايته ليبقى الحق عليه وإن هلك محل أدائه ليؤديه من محل آخر، ويجعل المال في حقه كالقائم فيلزمه الغرامة، مثل ما لو استهلك المال، وهذه طريقة جيدة يمكن تمشيتها، غير أن الاعتماد على الطريقة الأولى، والتحقيق فيها، وسنذكر كلامهم على الطريقة الثانية، ووجه الجواب عنه.
وأما حجتهم: قالوا: الواجب جزء من المال فإذا هلك المال فلم يبق محل ليجب جزء منه فسقط الواجب لفوات المحل.
وربما يقولون: حق تعلق بعين المال فيسقط بهلاكه.
دليله: العبد الجاني إذا هلك، والدليل على أن الواجب جزء من المال النصوص من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: {فِى أَمْوَالِهِمْ

حَقٌّ مَّعْلُومٌ} ونظائر ذلك، وكذلك: ((في خمس من الإبل شاة))، ((وفي أربعين من الغنم شاة)).
وكلمة ((في)) دليل على المحلية وأن الواجب جزء منه.
واستدل أبو زيد على هذا الأصل بمسائل منها: أنه لو باع المالك مال الزكاة لا يجوز، وأراد به مذهبنا.
قال: ((ولو تصدق بجميع النصاب على فقير نفلاً سقطت عنه الزكاة، ولو لم يتعلق بالمحل لم يسقط، ولأن تقدير الواجب بالعشر أو ربع العشر دليل على أن الواجب جزء منه)).
قال: ((والواجب عليه فعل في المحل بالإخراج، وشبه هذا بمن قال لغيره: ادفع وديعتي إلى فلان، فلم يدفع حتى هلك سقط الأمر منه، وكذلك المودع إذا قبل الحوالة ليقضي دين المودع من الوديعة فهلكت الوديعة بطلت الحوالة)).
وأمثال هذا ليس له كلام معنوي يدل على هذا الأصل الذي يدعيه بعد زعمه تدقيق النظر وإكثار الرواية، وادعى بعضهم على صحة هذا الأصل من أصل الشافعي أن الزكاة عنده تمنع الزكاة، مع قوله: ((إن الدين لا يمنع الزكاة))، وليس ذلك إلا لأن الواجب جزء من المال.

قالوا: وأما إذا أدى الزكاة من موضع آخر إنما جاز لأصل ذكره في مسألة القيم.
وحرفهم في هذا أنه إنما جاز ذلك بطريق أن حق الله في إخراج جزء من المال المعين، وحق الفقير في المال المطلق فملك أن يؤدي عين المستحق كأنه أداه برضا صاحب الحق وهو الله تعالى، ووجود رضاه بأمره يصرفه إلى الفقير الذي حقه في المال مطلق.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه جان بالتأخير حتى هلك المال فقد قال بعضهم: لا جناية أصلاً.
قال أبو زيد: لم يوجد منه من التعدي ما صلح علة لضمان لعين لأنه لا جناية على نفس الحق، لأن وقت الأداء قائم، ولئن عد جانباً على نفس الحق يكون بالتفويت ولا تفويت، لأنه وإن أخر مدة طويلة ثم أدى يكون مؤدياً وهو مثل تأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه جان على محل الحق، لأن الجناية عليه تكون بالإتلاف أو الغصب الذي عندنا حده إزالة اليد ولم يوجد، لأن العين قائمة ولا يد لأحد حتى تزال وسلم الإثم إلا أنه قال: مجرد الإثم لا يدل على الضمان كالممسك وغيره.
وقالوا: والأصح أنه وإن طالبه الساعي بإخراج الزكاة فامتنع حتى هلك لا ضمان.

وأما إذا استهلك المال فقد جنى على محل الحق بالإتلاف فضمن وصار كالمولى إذا قتل العبد الجاني يضمن، بخلاف ما لو هلك بنفسه.
قالوا: وأما صدقة الفطر فالواجب ليس بجزء من المال بل هو واجب في ذمته بسبب رقبته ورقبته شخص يلي عليه على صفة مخصوصة.
وأما ملك المال عندنا إنما اعتبر ليصير غنياً فيكون أهلاً لوجوب الصدقة عليه ونظير هلاك المال في الزكاة هلاك الرقبة في صدقة الفطر.
قالوا: وأما الحج فخارج على ما قدمنا، لأن الفوات يتحقق بتأخيره عن وقته فصار جانياً عليه بالتأخير، وأما إدراكه في السنة الثانية فهو على التوهم على ما يذكرونه في كتاب الحج، وسيأتي إن شاء الله تعالى، هذه الطريقة إذا انتهت إلى هذا الوضع.
وقد ذكروا في الأمالي طريقة أخرى: وهو أن وجوب الزكاة كان بصفة فلا يبقى إلا على ذلك الوصف حتى لا يبقى غير ما وجب، والوصف المشار إليه وصف اليسر، وهذا لأن المكنة غير كافية لأنه يملك عشرة وعشرين توجد المكنة من إخراج خمسة دراهم لكن لا على سبيل اليسر، فإذا بلغ نصاباً تيسر، وصفة اليسر إنما تبقى ببقاء المال، فإذا هلك المال فات اليسر، لأن صفة اليسر بإخراجه من المال النامي ليكون النماء في مقابلة ما يخرجه فتيسر عليه فإذا هلك وألزمناه الأداء من كيسه كان غرامة وزال الوصف الذي ذكرناه.
قال: وليس كما لو كان عنده مائتا درهم وحال عليها الحول وهلكت مائة حيث يبقى على ردهمان ونصف، لأن إخراج هذا القدر من مائة درهم مثل إخراج خمسة من مائتين وكلاهما بوصف اليسر إلا أن اعتبار ملك المائتين في الابتداء شرط ليصير أهل وجوب الصدقة عليه ثم تلك الأهلية تعتبر

عند الوجوب فإذا تحقق فحينئذ تسقط بقدر الهالك وتبقى بقدر الباقي، وتعلقوا بهلاك المال قبل التمكن من الأداء.
وقالوا: شرط التمكن لتجب الزكاة بعيد جداً، ولو استهلك المال قبل التمكن من أداءه غرم الزكاة ولو لم تجب لم يغرم، كما لو استهلك قبل حؤول الحول، ولأن التمكن لا يعتبر في الواجب إنما يعتبر تحقق السبب بدليل النائم والمغمى عليه في جميع وقت الصلاة تجب عليهما الصلاة ولا تمكن.
وقد قال مشايخهم: إن قدر الزكاة في يده أمانة لحصوله بغير فعله مثل الثوب هب به الريح وألقته في حجره، فإذا كان أمانة وهلك من غير فعله فلا ضمان كما في الوديعة.
الجواب: أما الطريقة الأولى فلم أعثر فيها إلا على مجرد الدعوى.
ومسألة البيع ممنوعة، وعلى أحد القولين وإن أبطلنا البيع فهو كبيع المرهون فإن المال وثيقة به، ومسألة التصدق بجميع المال على أصلهم.
ومسألة منع الزكاة وجوب الزكاة في الحول الثاني على أصولهم أيضاً.
وإيجاب العشر في الزروع لتقدير الواجب بقدر معلوم لا لأن الواجب على ما زعموا، وقد طال تعجبي من هذه الدعوى العريضة التي بنى عليها مسائل كثيرة من غير أن يحكم هذا الأصل بمعنى وإن قل، وكيف يجوز أن يترك الأصل الذي يعرفه كل أهل العلم وهو أن الوجوب لا يتصور إلا في الذمة بمثل هذه الأشياء؟ وأما الكتاب والسنة اللذان وردا في كذا وكذا لتحقيق السنية وليس كما زعموا.

يبينه: أنه قال عليه السلام: ((في خمس من الإبل شاة))، والشاة لا تكون جزء من الإبل، ولهم على هذا حرف يذكرونه في مسألة القيم وسيرد.
وقولهم: ((إن الواجب فعل الإخراج)).
قلنا: فعل الإخراج أداء الواجب الذي استقر في الذمة مثل فعل الإخراج في سائر الواجبات.
وأما مسألة العبد الجاني، فنحن نقول: إن الرقبة للعبد بمنزلة الذمة للأحرار، ومعنى التعلق بالرقبة وجوب بيعه في الجناية.
وعلى أنا نقول: وإن هلك العبد الواجب باقي عليه في الآخرة غير أن السيد لا يؤاخذ بهذا الواجب، لأنه لا فعل منه/ يعني الجناية، والواجب واجب الفعل.
وأما ههنا فهذا واجب مبتدأ بسبب يكون في الذمة على ما سبق.
وأما الواجب عن هذه الطريقة على الطريقة الثانية فسهل، لأن نهاية ما في الباب أن يسلم لهم ما ادعوه لكن هو متعد بالتأخير فيضمن كما لو منع الوديعة من المودع.
وقولهم: ((لم توجد الجناية على نفس الحق)).
قلنا: ليس معنى هذا إلا أنه يكون مؤدياً متى أخرج الزكاة، ويبطل هذا بالمودع إذا منع الوديعة حتى هلكت ضمنها، ولو منع ثم أدى يكون مؤدياً على الحد الذي لو سلمها قبل المنع.
والحرف أن المضمن حظرية التأخير وإذا حرم التأخير وأخر وهو حق الآدمي على ما سنبين دخل في ضمانه، وعندي أن الاعتماد على الطريقة

الأولى لأنها محض التحقيق، وخلاصة الفقه، والتضمين مجرد التأثيم فيه خطر عظيم.
وأما طريقتهم الثانية قولهم: ((وجبت الزكاة بصفة اليسر)).
قلنا: بلى، الوجوب معلوم، فأما ضم هذا الوصف إليه فليس عليه دليل اللهم إلا أن يكون المراد به إيجاب قليل من كثير وغيض من فيض فهذا مسلم، وقد وفينا الواجب هذه الصفة حيث لم يوجب إلا على هذا الوجه.
وقولهم: ((وجب أن يبقى على وصف ما وجب)).
قلنا: هو ذلك الواجب لم يتغير وبقاؤه بعد هلاك المال من قضية كونه في الذمة وكون المال آلة الأداء، وهذه الآلة وإن هلكت لم يعوز آلة أخرى.
وهذا لأن بهلاك المال لا يصير وصفنا الواجب بكونه قليلاً من كثير فائتاً بل هو على ما كان.
الجواب على الطريقة الثانية ممكن أيضاً، لأنه وإن وجب على هذا الوصف لكن تعديه أدخله في ضمانه، كما لو استهلك المال.
وأما فصل هلاك المال قبل التمكن من الأداء فسقوط الزكاة إن سلمنا وجوبها كان لعدم استقرارها، ودليل عدم الاستقرار عجزه عن فعل الإخراج وسقوطه عنه مع تصوره منه محسوساً، بخلاف النائم والمغمى عليه وسقوط غير المستقر غير مستبعد، لأنه يكون واجباً من وجه لا من وجه وهذا الحرف إذا أصابه الفقيه مشى الكلام فليتأمل فيه.
وأما قولهم: ((إن قدر الزكاة أمانة)).
قلنا: ليس كأمانة أموال الناس عند الناس إنما معنى الأمانة أن الشرع جعل الإخراج إليه مثل الصلاة والصوم وغيره وفوض إليه، وجعل أميناً عليه، وهذا لا يمنع وجوب الضمان عند قيام الدليل عليه.
وقد قام الدليل عليه على ما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب.

(مسألة)

المستفاد في خلال الحول لا يضم إلى النصاب الذي عنده في الحول بل يستأنف له الحول

عندنا.
وعندهم: إذا كان من جنس النصاب يضم إليه ويزكى بحوله.
لنا: ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر أن النبي عليه السلام قال: ((من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول)).
ورواه أيضاً عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام، ذكر هذين الخبرين أبو عيسى الترمذي في

جامعه، وروى عن ابن عمر نفسه أيضاً أن المستفاد يستأنف له الحول.
قال: وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، ثم حكى الضم عن سفيان الثوري وأهل الكوفة.
فإن قالوا: راوي خبركم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف كثير الغلط، كذا ذكره أحمد وعلي بن المديني.
قلنا: قد قواه من روى عنه، وعلى أنا قد روينا بطريق آخر.
وأما الكلام من حيث القياس: نقول: المستفاد مال مملوك أصلاً بنفسه لا على طريق التبع لغيره فيعتبر له حول نفسه لوجوب الزكاة فيه، دليله: إذا كان من غير جنس النصاب.
ودليل قولنا: ((أنه ليس بتبع لما عنده من النصاب))، لأنه مملوك بسبب مثل السبب الذي ملك به النصاب فلم يصلح أن يكون تبعاً له، لأن مثل الشيء لا يكون تبعاً له بحال.

يدل عليه: أن تبع الشيء ما يكون قيامه به بوجه ما، ومن ملك خمساً من الإبل ثم ملك خمساً من الإبل فلا قيام للثاني بالأول بوجه ما، فكيف يتصور إثبات تبعية له؟ فدل أنه أصل بنفسه مثل الأول، والحول شرط الزكاة فما لم يوجد لم يجب، ولم يوجد فقات الوجوب مثل ما إذا لم يوجد في النصاب الذي عنده، فإنه يفوت الوجوب كذلك ههنا.
والحرف الوجيز لنا: هو فوات الحول في المستفاد حساً، وعدم قيام الدليل على كون الحول المنعقد للأصل حولاً له، لأنه لو كان هو التبعية، وقد ذكرنا أنه لا تبعية، وإذا ثبت فوات الحول لم يجز إيجاب الزكاة بلا حول.
وأما حجتهم: قالوا: مستفاد من جنس النصاب في حول لم يزك/ أصله فيضم إليه ويزكى بحوله.
دليله: الأولاد والأرباح.
وأما الفقه لهم: قالوا: أجمعنا على أن الضم في الحول مشروع في الجملة بدليل الأولاد والأرباح، ولابد له من علة وأصح علة له الجنسية حكماً وحقيقة.
أما الحكم فلأن الأولاد والأرباح يضم إلى النصاب في حكم الحول فليس هو بعلة التفرع والتولد، لأن التولد إن كان علة فهذا علة إسراء الحكم من الأصل إلى الفرع، ولو كان يوجب إسراء حكم الحول الذي هو شرط الوجوب لكان يوجب إسراء حقيقة الوجوب إذا حدثت الأولاد بعد حول الحول، وحين لا يكون علة الإسراء حقيقة الوجوب بعد الحول فلأن لا تكون علة إسراء شرط الوجوب أولى، ولأن الأولاد تأخذ محلية الزكاة بعد الانفصال وزالت التبعية بعد الانفصال بل صارت أصولاً مثل أصولها، ولأن الأولاد تغير حكم الأصل من الواجب فإنه ربما ينتقل الواجب من سن إلى سن بحدوث

الأولاد والتولد توجب أخذ الأولاد حكم الأصول، فأما أن يوجب تغيير حكم الأصل فلا.
فدل أنه لا يجوز أن يكون الضم معلولة بعلة التفرغ والتولد، فدل أنه بعلة الجنسية وقد وجدت في مسألتنا فثبت الضم.
وأما من حيث الحقيقة فلأن الجنس إذا اتحد صار الجميع في حكم الشيء الواحد لاتفاق الكل في المعنى، وإذا صار الجميع كالشيء الواحد يجوز أن يجعل كأنه ملك الكل في وقت واحد فيكون بعضه مضموماً إلى البعض ضرورة.
وقد قالوا: إن المستفاد تبع النصاب الذي عنده في الحكم، بدليل أن المالك لنصاب واحد لو أخرج زكاة أنصبة يجوز فصار النصاب الذي عنده سبباً لملك المستفاد فصح التعجيل بهذا الوجه.
ولأن المستفاد زيادة على الأصل، والزيادة على أصل تبع الأصل وهو في المعنى نظير شجرة تنمو وعبد يكبر وغيره هذا من الأمثلة، وإذا صار له تبعاً له من هذا الوجه وجب الضم مثل ما يجب الضم في الأولاد والأرباح لما كانت أتباعاً لما عنده.
فهذا معتمدهم وأحسن التمسك كلامهم بالأولاد على ما سبق تقريره.
وقد قال بعضهم: إن الحول صار ساقط العبرة في المستفاد لأجل الحرج وهذا لأن وجوه الفوائد كثيرة، وإذا كثرت وجوه الفوائد كثرت الفوائد، فيشق حفظ الحول لكل فائدة، ويلحق المالك إذا أوجبناه عليه حرج شديد فسقط عنه بعلة الحرج وهو مثل الأولاد والأرباح لا يعتبر حول جديد لكل ربح ولكل ولد، لأنه يكثر في العادة فتكليف المالك حفظ الحول لكل فائدة يؤدي إلى حرج شديد فسقط لعلة الحرج كذلك ههنا.
قالوا: وأما ثمن السائمة الزكاة وصورته إذا كان عنده نصاب من السائمة ونصاب من الدراهم فسبق مضى حول السائمة وأدى زكاتها ثم إنه باعها بنصاب

من الدراهم أو دونه لا يضم إلى حول الدراهم التي عنده لأنا احترزنا عن هذا في العبارة بقولنا: ((لم يزك أصله)).
وأما من حيث المعنى.. قالوا: الجنسية علة الضم على ما ذكرنا، وقد وجدت في هذه المسألة إلا أنا لم نضم لأنه قام دليل مانع من الضم وهو تحريم الثني في الصدقة والضم يؤدي إلى الثني في الصدقة.
وقد قال النبي عليه السلام: ((لا ثنا في الصدقة))، وإنما قلنا إنه يؤدي إلى الثني لأن الزكاة حق المال، والثمن بدل عن مبدل قد أدى زكاته والمالية في البدل والمبدل واحد، ولهذا لا ينقطع حول التجارة بالمبادلة فإذا أوجبنا الضم في هذه الصورة التي ذكرتم وزكيناه عند حول النصاب الذي عند بثني الصدقة فلأجل هذا امتنع الضم، ويجوز أن يمتنع عمل العلة بمانع من العمل، هذا من جملة ذلك، وليس كما لو أدى صدقة الفطر عن عبده ثم باعه حيث يضم ثمنه إلى النصاب الذي عنده، لأن صدقة الفطر ليس بحق المال إنما هو حق الرقبة، بدليل وجوبها في رقبة الحر.
وإنما ملك المال شرط الوجوب فلم يؤد الضم إلى الثني في الزكاة، وليس كما لو أدى عشر الزرع ثم باع الزرع بدراهم حيث يضمها إلى ما عنده من النصاب، لأن العشر ليس بحق الزرع، إنما هو حق الأرض النامية مثل الخراج على ما نذكر من بعد فلم يؤد الضم إلى الثني في

الصدقة بخلاف ما نحن فيه على ما سبق بيانه، وقد احتج بعضهم بفصل القدرة.
وقالوا: المستفاد يضم إلى ما عنده في القدر فيضم إلى ما عنده في الحول/ بل الحول أولى بالضم، لأن القدر أصل والحول وصف فإذا ضم المستفاد إلى ما عنده فيما هو الأصل فلأن يضم في الوصف أولى.
وبيان الضم في القدر عدم اعتبار القدر في المستفاد لا تفسير له سوى هذا وذلك إذا كان عنده مائتا درهم فملك زيادة عليها لم يعتبر النصاب فيها أصلاً.
أما عندكم يجب في الزيادة بحساب ما سبق قل أو كثر.
وعندنا يجب إذا ملك أربعين درهماً، ولم يعتبر ملك المائتين، وكذلك من عنده ثلاثون من البقر ثم ملك عشرة وحال عليها الحول يجب فيها ربع مسنة.
وكذلك قلتم من كان عنده خمس وثلاثون من الإبل ثم ملك بعيراً وحال عليه الحول يجب عليه جزء من ستة وثلاثين جزء من بنت لبون وأمثال هذا يكثر وأصل الإيجاب في هذه المواضع ليس إلا باعتبار الضم في القدر.
قال أبو زيد في آخر المسألة: (ووجه آخر عن الاستدلال بالنص الحديث المشهور في باب الزكاة في حديث ابن عمر وعمرو بن حزم: ((ليس في أقل من خمس من الإبل السائمة

الصدقة فإذا كانت خمساً ففيها شاة ثم ليس في الزيادة شيء حتى يكون عشراً فإذا كانت عشراً ففيها شاتان...)) إلى آخره.
ونحن نعلم قطعاً أن الزيادة خمساً على خمس لا يكون كما حال الحول على الأصل ولا تقع جملة فلما أوجب الشرع شاتين بوجود الحول علم أن الضم واجب وكذلك بنت مخاض بزيادة خمس بعد العشرين).
الجواب: أما التحرير فليس في صورته دليل على الحكم، لأن الخلاف في مستفاد بهذه الصورة وقع فلابد من بيان المعنى.
وأما قولهم: ((إن الجنسية علة الضم)).
قلنا: التعليل بالجنسية فاسد، لأن الضم في الحول إثبات تبعية المستفاد للنصاب الذي عنده، لأنه إذا لم يكن تبعاً لم يتصور القول بالضم، لأنه لا يكون ضم المستفاد إلى النصاب أولى من ضمه إلى المستفاد، فدل أن القول بالضم مبني على إثبات التبعية ولا دليل على التبعية، لأن المجانسة لا تدل على التبعية، ويجوز أن يوجد أصلان من جنس واحد والدنيا ملاآء من هذا.
وإنما حد التبع ما ذكرناه، وهو أن يكون قيامه به بوجه، ولا يوجد هذا في مسألتنا على ما سبق.
ويخرج فصل الأولاد على هذا، لأن قيامها كان بالأمهات والآن صار أصلاً بذواتها فيجوز أن يقال إنها أتباع، وكذلك الأرباح والذي ذكر من الكلام على علة التفرع فلا يسمع لا ادعينا التبعية محسوساً وعيناً فبل الانفصال.
وقولهم: إنها صارت أصولاً)).

قلنا: انفصلت على التبعية إلى أن صارت أصولاً بعد تمام الانفصال وإنما لم يسر الوجوب بعد الحول، لأن الوجوب يكون في الذمة فيكف يسرى معنى الذمة في الأولاد؟ وأما تغير حكم النصاب كان لأن الأولاد قد صارت أصولاً بعد الانفصال، والحروف أنها انفصلت حين انفصلت إتباعاً فسرى إليها حكم الحول المنعقد على الأصول ولما صارت أصولاً بعد الانفصال جاز تغير حكمها على ما نص عليه الشارع هذا تمشية مع جواب الأصحاب، وقد استدل الأصحاب على تصحيح علة التفرع بمسألة نصوا عليها في الجامع الكبير وهي أنه إذا كان عنده نصابان مختلفان في الحول من جنس واحد فاستفاد مالاً يضم إلى أقربهما إلى الحول، ولو كان من ربح أحدهما أو نتاجه يضم إلى أصله وإن كان أبعدهما من الحول بعلة التفرع، ولهم على هذا عذر ذكرته في التعليق، والجواب سهل.
ويمكن أن يجاب بجواب أولى من هذا، وهو أن اعتبار الحول في الأولاد سقط بالحرج، لأن الأولاد يكثر حصولها، وتتفاوت أوقاتها وأزمانها تفاوتاً فاحشاً، وإذا أوجبنا اعتبار حول كل ولد يحصل من زمان الحصول وكذا كل ربح يحصل من زمان التجارة، وزمان الحصول مع كثرة البياعات واشتغال التجار بها في جميع أوقاتهم، وكثرة الأولاد لكثرة السوائم أدى إلى حرج في نهاية العظم فقسط لاعتبار هذا الحرج.
وهذا لا يوجد في الفوائد من وجوه الإرث والهبات والشراء وغير ذلك لأنه لا يكثر، واستفاد صاحب السائمة زيادة على السائمة بهذه الوجوه يندر ويقل فلا يؤدي على الحرج، وإن ادعوا وجود الحرج على ما ذكروا يكون مجرد دعوى زيادة بلا برهان وهذا الجواب أولى من الأول، وعليه الاعتماد.

وأما سائر ما قالوه في إثبات التبعية فليس بشيء، ومسالة التعجيل على أصولهم، وقولهم: ((إن الزيادة على أصل يكون وصفاً له ويكون كشجرة تطول، وصغير يكبر)).
فهوس، ومن ملك/ خمساً من الإبل ثم بعد شهرين يملك خمساً من الإبل، كيف تكون الخمسة الثانية وصفاً للخمسة الأولى؟ وأما قولهم: ((إن الكل في المعنى واحد)).
قلنا: ولا يجوز أن يكون الغرض والمطلوب من شيئين معنى واحدا ولا يكون أحدهما تبعاً للآخر، أليس في المرأتين والهدين، والجاريتين والدابتين يتفق الغرض في كل شيئين من هذه الأشياء ومع ذلك لا يكون أحدهما تبعاً للآخر؟ وأما تعلقهم بضم القدر فهو مندفع بجدال جيد قريب المأخذ سهل المتناول، وذلك لأن الواجب في الصورة التي قالوها يبتني على قدر المستفاد حتى وجب فيه بقدره، ولم يجب بقدر الأصل، فكذلك الواجب في مسألتنا وجب أن يبتنى على حول المستفاد حتى يجب فيه بحوله ولا يجب بحول الأصل.
يبينه: أن القدر الذي عنده لم يجعل كأن المستفاد مشتمل عليه بالحول المنعقد على ما عنده وجب أن يجعل كأنه حائل على المستفاد.
ثم الجواب معنى: إن المال قد كثر بالمستفاد فإذا كثر قدراً يكثر الواجب ثم يكون الواجب في الأصل بقدره وفي الزيادة بقدرها.

فإن قالوا: ((لم لا يعتبر وجود قدر كأصل في المستفاد يعني النصاب)).
قلنا: أما في الدراهم والدنانير سقط بالنص فإن النبي عليه السلام قال: ((وفيما زاد فبحسابه)).
وأما السوائم فلأن النصاب المعهود اعتبر في السوائم ليصير غنياً بالغنى الشرعي ويصير محلاً لوجوب الزكاة عليه ثم توجب الزكاة عليه إذا كما نصاب بالزيادة مثل الصورتين اللتين قالوهما في أمثال ذلك.
لأن إخلأهما عن الواجب لا يمكن وقد كمل بها نصاب شرعاً غير أنا أوجبنا بقدرها، ولم يثبت الضم الذي ظنوه، ولم يوجب في الزيادة إذا لم يكمل بها النصاب، لأنها في الشرع وقص، والوقص حقيقة ما خلا من الوجوب الزائدة، فهذا وجه الجواب معنى.
وقد أعيا كثيراً من الفحول فليتمسك به وليقارع عليه.
وقد أورد بعضهم على الضم قدراً فصل الجمعة، ولست أرى الاعتماد عليها لوجوه ذكرتها في التعليق.
وأما الخبر الذي تعلقوا به فالخبر صحيح.
ووجه تعلقهم في هذه المسألة ضعيف، لأن الخبر وارد لبيان مقادير الواجبات في مقادر النصب على الإطلاق من غير تعرض لمحال التفاصيل، فإذا جاءت التفاصيل فيطلب الدليل من موضع آخر وقد ذكرنا.
والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

صغار الغنم تجب فيها الزكاة

عندنا.
وعندهم: لا تجب.
وقول أبي يوسف مثل قولنا.
لنا: إن الزكاة على التوقيف ولم يرد التوقيف فيها إلا بذكر عدد من جنس مخصوص مثل خمس من الإبل، وأربعين من الغنم، وثلاثين من البقر، ثم ورد بناء الواجب عليه، واسم الجنس يشتمل على الصغار والكبار والعدد المسمى يؤخذ في الكل فوجب إثبات الواجب على كل حال.
يبينه: أن السن صفة مثل صفة المرض والصحة والهزال والسمن ثم رأينا أن هذه الصفات غير معتبرة بل إذا وجد العدد المذكور من الجنس المذكور وجبت الزكاة على أي صفة كان الجنس، كذلك صفة السن تلحق بسائر الصفات، ولا ينظر إلى أي سن كان الجنس الموجود.

وقد استدل الأصحاب بالكبار والصغار والمختلط بعضها ببعض فإنه تجب فيها الزكاة بالإجماع، وقالوا: كل نوعين يجب الزكاة فيهما عند اختلاط أحدهما بالآخر يجب في كل واحد منهما على الانفراد وتمام العدد منه.
دليله: الضاينة والمعز والجواميس والبقر.
وأما حجتهم: قالوا: نقصان السن نقص يمنع وجوب السن المنصوص عليه فيمنع وجوب الزكاة أصلاً.
دليله: نقصان العدد.
يبينه: أن الفرض تارة يتغير بالسن وتارة يتغير بالعدد بدليل فرائص الإبل والبقر لما كان النقصان من حيث العدد مانعاً من وجوب الزكاة في الجملة فيكون النقصان من حيث السن كذلك أيضاً.
ومعتمدهم: هو أن الزكاة على التوقيف وقد ورد التوقيف بوجوبه على ترتيب مخصوص، ومعنى هذا أن في الإبل يبتدؤن بالغنم ثم تجب بنت مخاض ثم ينتقل من بنت المخاض إلى بنت اللبون ثم إلى الحقة ثم إلى الجذعة على ما عرف.
وأما البقر فيجب التبيع ثم المسنة ثم تستقر الأوقاص على عدد

معلوم، والواجب على......... سن معلوم ففي كل موضع أمكن الإيجاب على هذا الوجه أوجبنا وإلا لم نوجب أصلاً، لأن الأصل عدم الوجوب.
يدل عليه: أن عندكم يجب في خمس وعشرين من الفصلان فصيل ثم بعد/ ذلك لا يجب حتى يبلغ العدد ستاً وثلاثين فيجب حينئذ فصيلان ثم بعد ذلك إلى مائة وعشرين فتجب ثلاث من الفصلان.
فنقول: الشرع ورد بزيادة واجب على واجب إذا وجد زيادة نصاب على نصاب ونعني بذلك وجوب بنت لبون وحقة وجذعة عند وجود ستة وثلاثين، وستة وأربعين، وإحدى وستين، ففي الفصلان زيادة النصاب لا عمل لها في زيادة الواجب حتى إنه يجب في ستة وثلاثين من الفصلان مثل ما يجب في خمس وعشرين، وكذلك في ستة وأربعين وإحدى وستين، فنقول: كل ما لا تعمل زيادة النصاب فيه في زيادة الواجب لا يعمل النصاب فيه في أصل الواجب، وإن شئت استدللت عكساً فقلت: لو كان أصل النصاب يؤثر في أصل الواجب لكان زيادة النصاب يؤثر في زيادة الواجب كالكبار، وعلى العكس منه كل جنس لا زكاة فيه.
وقالوا: وخرج على ما قلنا المرضى والهزال، وخرج أيضاً إذا اجتمع الصغار مع الكبار فإن في هذه الصورة إنما يجب في الكبار على الترتيب الوارد من غير تغيير بخلاف مسألتنا.

الجواب: إن قولهم: ((هذا النقصان يمنع وجوب السن المنصوص عليه))، فقد منع بعضهم على الإطلاق هذا وقال: يجب في الصغار ما يجب في الكبار وهو قول زفر من أصحابهم وهو القول الأول لأبي حنيفة رحمة الله عليه وإن كان قد رجع عنه.
ثم وإن سلمنا أنه لا يجب في الصغار ما يجب في الكبار فنقول: إنما كان كذلك لأنا إن أوجبنا ما أوجبنا في الكبار أدى إلى ضرر عظيم بأرباب الأموال وإجحاف بهم، والشرع ورد بإيجاب الزكاة على نظر يشتمل من الجانبين فلا يجوز تركه في أحد الجانبين، والحمل عليه بالكلية فعلى هذا نقول: وجد سبب الوجوب بوجود العدد من الجنس المخصوص فلا يمكن الإسقاط لما بينا من الدليل.
وحرفنا فيه: وهو أن الشرع ذكر العدد والجنس ولم يتعرض للوصف فالتعرض له في أصل الإيجاب اعتراض على الشرع، ثم قام دليل آخر وهو منع الشرع من الإجحاف بأرباب الأموال بدليل أنه أمر بالوسط، ونهى عن أخذ كرائم أموال الناس فقام الدليل على أصل الوجوب فقلناه به واعتقدناه، وقام الدليل على المنع من الإجحاف بأرباب الأموال يمكننا أن نوجب الأسنان المنصوص عليها فأوجبنا فيها من جنسها فعملنا بالدليل في الطرفين، فعملنا بالدليل القائم على أصل الوجوب، وعملنا بالدليل المانع من الإيجاب على وجه يضر بأرباب الأموال، والعمل بالدليل بقدر الممكن واجب فعلى هذا نوجب في السخال سخلة ولا نغير هنالك في الفرض إلا بالعدد فلم تغير إلا بالعدد.

وأما في الإبل والبقر فيعتبر قدر الإمكان فنوجب في خمس وعشرين من الفصلان فصيلاً لقرب قيمته من بنت مخاض، وفي ستة وثلاثين فصيلاً يقرب قيمته من بنت لبون، وكذلك في ستة وثلاثين، وفي ستة وأربعين أو يعتبر أربعاً متقارباً في القيمة للفصلان التي توجبها في هذه المواضع.
وعلى أنا إن قلنا إنه يجب شيء واحد في خمس وعشرين، وست وثلاثين وست وأربعين وإحدى وستين على معنى أنه يجب في الكل فصيل فصيل، فلأنه لا يمكن إيجاب غير ذلك، ولو أمكن لفعلنا.
وأما إخلا المال من أصل الواجب مع كونه على الوصف الذي بينا فمحال.
فهذا هو الجواب عن معتمدهم وهو جواب حسن جيد خارج على المذاهب فليعتمد عليه.
وأما تعلقهم بنقصان العدد، فليس بشيء، لأنه دخل الجواب عنه فيما قلناه، ويمكن التعلق في الجواب الذي ذكرناه عن معتمدهم بالمرضى والهرمي، فإنه يجب واحد منهما، ولا يجب الوسط المعهود، لأن في إيجاب الوسط المعهود إجحافاً وإضراراً برب المال فأوجب الواحد من النصاب وإن لم يكن وسط بل كان من رذال المال، وكان المعنى أن الكل رذال فلم يمكن إخلاؤه من الواجب مع وجود النصاب المعروف، ولم يمكن إيجاب الوسط المعهود لتضمنه الإجحاف برب المال، فعملنا بالدليل بقدر الممكن، وهو العمل بأصل الإيجاب والرضا بالواحد من الموجود، كذلك ههنا، والله أعلم.

جارٍ التحميل