الجواب:
أما حديث ابن مسعود فقد روى سفيان بن عبد الملك عن ابن المبارك قال: ثبت حديث من يرفع، ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي عليه السلام لم يرفع إلا في أول مرة.
وقيل: إن عبد الرحمن بن الأسود لا يصح سماعه عن علقمة.
ولأنه يحتمل أنه خفى عن ابن مسعود هذه السنة كما خفى عليه الأخذ بالركبة في حال الركوع، وقد كان يطبق حتى توفاه الله.
أما حديث البراء بن عازب فقوله: ((ثم لم يعد)) غير ثابت وقد كان يزيد بن أبي زياد روى بالحجاز من غير هذه الزيادة ثم روى بالكوفة مع هذه الزيادة، فيحتمل ((أنه لقن فتلقن، وقد كان اختلط في آخر عمره)).
وأما حديث مقسم فهو عن ابن عباس نفسه، والرواية: ((برفع الأيدي)) وليس فيه نفي الرفع في غير المواضع السبعة.
وأما الذي رووا عن قوله عليه السلام: ((ما بالكم رافعي أيديكم....)).
فقد ذكر مسلم في صحيحه هذا الخبر، وذكر أنهم كانوا يرفعون أيديهم في التشهد ويشيرون بالسلام فقال النبي عليه السلام ما قال.
والذي نقلوا عن ابن عمر فقد ثبت عن ابن عمر ما قدمناه.
وروى زيد بن واقد عن نافع أن ابن عمر كان إذا رأى رجلاً لا يرفع يديه في الصلاة حصبه- أي رماه بالحصباء.
وقولهم: ((إنه قال ((بدعة)) أثر موضوع.
وكيف وقد روى عنه ما قدمنا ثم يخالفه ويسميه بدعة مع شدة تمسكه بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قال بعض الصحابة: ما أحد منا فتش إلا فتش عن جائفة أو منقلة غير عمر، وابن عمر منه)).
وأما قولهم: ((حركة بلا معنى)).
قلنا: الاعتراض على السنة بمثل هذا الكلام باطل، وعلى أنه زينة الصلاة وقد ورد هذا في بعض الآثار.
والله أعلم.
مسألة
إذا تكلم في صلاته ناسياً أو مخطئاً أو مكرهاً لم تبطل صلاته
عندنا.
وعندهم تبطل صلاته.
لنا: ما رواه مالك عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام صلى إحدى صلاتي العشى أو الظهر أو العصر
فسلم على اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أو نسيت يا رسول الله؟ فقال النبي عليه السلام: ((أصدق ذو اليدين))؟ قالوا: نعم، فعاد وأتم صلاته ثم سجد سجدتي السهو.
والخبر نص.
قالوا: كان هذا قبل تحريم الكلام في الصلاة، وقيل:/ إن القوم تكلموا عامدين ومع ذلك لم يعيدوا الصلاة.
قلنا: هذا حمل الحديث على النسخ بلا دليل، ولأن أبا هريرة متأخر
الإسلام فإنه أسلم سنة سبع من الهجرة، وقد كان الكلام حرم قبل هذا بزمان مدريد.
وأما قوله: ((إن القوم قد تكلموا عامدين ولم يأمرهم بإعادة الصلاة)).
قلنا: قد كان الكلام واجباً عليهم بخطاب النبي عليه السلام، وإذا وجب الكلام لا تبطل به الصلاة.
وأما الكلام من حيث المعنى فنقول:
الكلام محظور الصلاة فعمله في إبطال الصلاة من حيث ارتكاب الحظر وفي حال النسيان زال الحظر فزال عمله كما لو أكل ناسياً في الصوم.
وإنما قلنا: إنه محظور الصلاة، لأن الصلاة مجموع أفعال يؤديها مثل الحج سواء وليس ترك الكلام من أفعال الصلاة إلا أن الشرع حظر عليه الكلام.
لأن الصلاة عبادة وقيام في موضع المناجاة وإقبال على الله تعالى بالكلية، فكان من قضيتها ترك الكلام لتحقيق الإقبال على الله بالكلية، واحترام موضع النجوى، وتعظيم المعبود مثل الحج فإنه مهاجرة إلى الله تعالى وزيارة لبيته فاقتضى تحريم ما يشبه من أحوال المرفهين المتنعمين مثل لبس المخيط والتطيب والتجمل ليكون أشبه بالمهاجرين إلى الله تعالى، وإذا ثبت أن الكلام محظور الصلاة، وليس تركه فعلاً يؤدي به الصلاة فمتى زالت الحظرية زال عمله.
أما حجتهم:
قالوا: ترك الكلام شرط صحة الصلاة، وشروط الصلاة لا تسقط بالنسيان كالطهارة، واستقبال القبلة وسائر الشرائط.
يدل عليه أن أصل الصلاة لا يسقط بالنسيان فكذلك شروطها.
والدليل على أنه شرط الصلاة أن النبي عليه السلام قال لمعاوية بن الحكم السلمي: ((إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)).
وإخراج ما لا يصلح في الصلاة يكون شرط الصلاة، كالتطهير من الحدث.
يبينه أنه إذا كان لا يصلح في الصلاة بالنص يكون منافياً للصلاة لعينه فمتى وجد سواء كان عامداً أو ناسياً تبطل به الصلاة بمنزلة الحدث سواء.
قالوا: وأما الأكل ناسياً في الصوم فإنما لم يبطل به الصوم بالنص فهو حكم ثبت بالنص غير معقول المعنى فلا يقاس عليه غيره، ولأنه لو أكل ناسياً في الصلاة تبطل به الصلاة، كذلك الكلام، لأن كل واحد منهما فعل غير صالح في الصلاة.
قالوا: وليس يدخل على ما قلنا إذا سلم في الصلاة ناسياً، لأن جنسه مشروع في الصلاة فلم يكن مبطلاً للصلاة بعينه بل بقصد الخروج، فإذا وجد لا في حين الخروج بطل قصده، ونفى مجرد السلام وهو بعينه غير قادح في الصلاة وأما الكلام فإنه مفسد للصلاة بعينه على ما سبق.
الجواب:
أما قولهم: ((إن إخلاء الصلاة من الكلام شرط الصلاة)).
قلنا: قد بينا أنه محظور الصلاة، ودللنا عليه.
أما الخبر فإنه قد أخبر من أنه لا يصلح في الصلاة، ويجوز أن يكون المعنى لا يصلح للحظرية.
يبينه أن جنس الكلام مشروع في الصلاة، ولو كان مبطلاً للصلاة لعينه لم يشرع جنسه كالحدث، فدل أنه مبطل للصلاة لمعنى ارتكاب المحظور، وهذا لا يوجد في حال النسيان، وخرج على هذا الحدث فإنه منافي للطهارة لعينه ثم إذا ارتفعت الطهارة فات شرط الصلاة فلم تجز الصلاة.
فإن قالوا: لا عمل للنسيان إلا في رفع الحرج ففيما وراءه يجعل بمنزلة العدم.
قلنا: هذا دعوى بلا دليل بل عمل النسيان إزالة الحظر، فإذا زال الحظر كان الحكم على ما قدمنا، ويبطل هذا الكلام أيضاً بما لو أكل ناسياً في الصوم فإنه قد عمل النسيان فيما وراء رفع الإثم حين لم يبطل به الصوم.
وأما الذي قالوا: ((إنه بالنص غي معقول المعنى)).
قلنا: قد ذكرنا معنى صحيحاً يمكن التعويل عليه فلا يترك له.
وأما إذا أكل ناسياً في الصلاة فلا نسلمه بل نقول: إذا أكل ناسياً وإن كان في الصلاة لا تبطل صلاته كما لو تكلم، اللهم إلا أن يكثر الأكل حتى يخرج به عن هيئات المصلين، وكذلك إذا أكثر الكلام في مسألتنا فدل أنه يبطل الصلاة أيضاً، لما ذكرنا.
أما إذا سلم ناسياً فهو لازم، وعذره ضعيف، لأن السلام الذي يخرج به عن الصلاة هو ما كان خطاباً لقوم حاضرين، وهذا غير مشروع جنسه في الصلاة بحال.
وعلى أنا قد بينا أن مسألتنا قد شرع جنس الكلام في الصلاة، فتستوي الصورتان بلا فرق... والله تعالى أعلم بالصواب.
مسألة
المرتد إذا عاد إلى الإسلام يلزمه قضاء ما ترك من الصلاة
عندنا في حال الردة.
وعندهم: لا يلزمه.
وكذلك ما كان عليه من واجبات لله تعالى، وفي ذمته قبل الردة فإذا ارتد ثم أسلم فهي عليه كما كانت.
وعندهم: تسقط كلها.
وعلى هذا الأصل إذا ارتد وقد حج أو صلى الظهر في أول الوقت ثم عاد إلى الإسلام لم يلزمه أن يحج ويصلي ثانياً.
وعندهم: يلزمه.
وإنما جمعنا بين المسألتين، وإن اختلفا في الصورة، لأنهما يتفقان في المعنى على ما سيأتي بيانه.
وبناء المسألتين على أن الخطاب بالعبادات وسائر الشرعيات متوجه على الكفار عندنا.
وعندهم: غير متوجه، وقد ادعوا فقد أهلية العبادات في الكفار، ونحن ندعي وجود الأهلية وتوجه الخطاب إلا أنه سقط بعفو من الشرع في موضع، ولا يسقط في موضع بحسب قيام الدليل فهذا محل النزاع.
لنا:
إن الكافر مكلف يمكنه التوصل إلى فعل العبادة فيلحقه خطاب العبادة دليله المسلم، أما قولنا: ((مكلف)) فلا إشكال فيه، والدليل عليه أنه مكلف بالإسلام.
وأما قولنا: ((يمكنه الوصول إلى فعل العبادة))، فهو أن يسلم ويصلي، فهذا طريق التوصل فثبت ما ادعيناه، وتحقيقه أن الكافر عبد من العباد وقد خلق الله تعالى عباده ليعبدوه على ما نطق به الكتاب، فكل من سهل له طريق العبادة بوجه ما، يلحقه خطاب العبادة لإطلاق الخطاب وشمول الأمر فيكون هو داخلاً في زمرة المخاطبين، ويكون الخطاب المطلق متناولاً إياه.
فإن قالوا: إن الكافر لا يمكنه التوصل إلى فعل العبادة، لأنه إذا أسلم لا يكون كافراً.
قلنا: هذا ليس بشيء، لأن الخطاب متناول ذات المخاطب، والإسلام والكفر صفتان له فهو وإن أسلم فذاته واحد، وقد اتصل بذاته إلى فعل ما خوطب به فيكون المخاطب هو المتوصل إلى فعل خوطب به في الموضعين وإن بدل وصفه بوصف.
وهذا مثل الجنب يخاطب بالصلاة، فإن طريق توصله إلى فعل الصلاة بالاغتسال، وإذا اغتسل لم يكن جنباً ثم هذا لا يدل على أن الخطاب لا يتناوله، وكان طريق تحقيق توجه الخطاب مع تبدل وصفه بوصف الاغتسال هو ما بينا.
كذلك هاهنا.
وإذا ثبت ما بينا من توجه الخطاب عليهم فنقول:
المرتد مخاطب بالصلوات في حال الردة ولم يوجد عفو من الشرع في حقه، فإذا أسلم يلزمه قضاء ما فات.
وكذلك نقول في الكافر الأصلي أنه مأمور بالعبادات إلا أنه إذا أسلم سقط عنه بعفو الشرع، وذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
وأجمع أهل العلم أن هذا الخطاب للكفار الأصليين.
وهذا لأن الكافر الأصلي عارف بدينه غير عارف بدين الإسلام وقد ادعى من دينه الذي عرفه وتعوده ورأى فيه نجاته ومصلحته ثم دعى إلى دين لم يعرف ما يشتمل عليه فاحتاج إلى نوع ترغيب والطاف لينزع عما كان عليه، ويرغب فيما لم يكن عليه، ومن اللطف المرغب في حقه هو عفو الشرع عنه بعد قبول الإسلام عما سلف منه، فهذا نوع لطف من الله تعالى مع الكفار ليرغبوا في الإسلام ولا ينفروا عنه وهو كسائر ألطافه الخفية الغزيرة.
فأما المرتد فقد كان عرف الإسلام، وعرف ما يشتمل عليه ثم أنه ترك الإسلام وعاد إلى رأس كفره، فكانت الحاجة إلى تشديد الأمر عليه، فيرد أولاً إلى الإسلام شاء أم أبى من غير إمهال وتثبت، ثم لا يعفى عن شيء من الواجبات المتوجهة عليه بل يؤمر بقضائها ولا يحابي ولا يساهل في شيء منها، فإنه قد حصل استعمال اللطف في حقه ابتداء حتى قبل الإسلام ابتداء، فلما لم ينفع اللطف، وقد عاد إلى رأس أمره كانت الحكمة في استعمال العنف والتشديد في حقه، وذلك باستمرار الخطاب عليه ثم بالمؤاخذة بفعل ما يتوجه عليه شاء أو أبى فيحصل بهذا تأديبه وتعريكه، ويحصل بها أيضاً زجر سائل المسلمين عن ارتكاب مثله فعله فهذا هو المعنى المفرق بين الصورتين وهذه حكمة لطيفة من حكم الشيء لا يقع عليه إلا من أمده الله تعالى بنور من عنده.
وإذا عرف هذا الأصل فعلى/ هذا يخرج غيره من المسائل وهو بقاء الواجبات عليه وكذلك بقاء العبادات له، فإن خطاب العبادات إذا استمر في حقه بعد الردة بقيت الواجبات في ذمته، وبقي الحج الذي فعله، والصلوات التي فعلها له مثل ما بقي لسائر المسلمين فلم يؤمر بفعلها ثانياً.
أما حجتهم:
قالوا: الكافر ليس من أهل العبادة فلا يخاطب بالعبادة دليله البهيمة، وإنما قلنا: ((إنه ليس من أهل العبادة)) لأن العبادة معنى شرعي يعرف بموجبه وهو الثواب، والثواب هو الجنة، والكافر ليس من أهل الثواب، فلا يكون من أهل العبادة، وهذا كالنكاح معقود للحل، والبيع للملك ثم من لا يكون من أهل الحل لا يكون من أهل النكاح.
وكذا في الملك مع البيع، وهذا لأن الأمر بالعبادة ليس لمعنى يرجع إلى المعبود، لأنه تعالى غنى عن جميع الناس، وإنما الأمر بالعبادة لنفع، لنفع العبد بالثواب، فحقيقة العبادة فعل مخصوص يعرف بموجبه وهو الثواب، ولا ثواب له بحال فلم يكن من أهلها.
قالوا: وهذا بخلاف السكران لأنه من أهل الثواب فإنه مسلم وكذلك الجنب والمحدث، فصارت الطهارة شرط الأداء لا شرط الوجوب فلم ينتف الوجوب بتراخي شرط الأداء.
وأما الإسلام فهو شرط الوجوب فإذا عدم الإسلام عدم الخطاب بالوجوب.
يبينه: أن الإسلام أصل والصلاة فرع، ولا يصلح الأصل شرطاً للفرع.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنا لو أسقطنا الخطاب عن المرتد لصار الكفر سبباً للتخفيف عنه، وهذا لا يجوز، وذلك لأن إسقاط الخطاب بالعبادة عن المرتد، وسائر الكفار ليس بطريق النظر والرحمة، مثل ما يسقط عن الصبيان نظراً لهم ومرحمة، ولكنا نسقط الخطاب بطريق الخزي والتنكيل، وذلك أنه بكفره ألحق نفسه بالبهائم والخطاب بالعبادة كرامة (فإن الله تعالى أكرم بني آدم بالتخليق ثم بالتأهيل لحمل الأمانة ثم بالتوفيق لأداء ما حمله ثم بالثواب الموعود)، فإذا سقط الخطاب عن الكفار بالعبادات، كان السقوط خزياً له وتنكيلاً له بحكم جنايته بالكفر، فكأنا ألحقناه بالبهائم بكفره وصرفنا عنه التكريم بالخطاب.
وأما عذاب الآخرة فلا تخفيف عنه لهذا السبب، لأنا لو قلنا لا عقوبة عليه بترك العبادات فالعقوبة متوجهة بتأخيره بترك الإسلام وارتكاب هذا
الجناية العظيمة وإلحاقه نفسه بالبهائم، وربما تكون المعاقبة عليه بهذا أشد من المعاقبة بترك الفروع من الشرعيات.
قالوا: وأما الخطاب بأصل الإيمان فمتوجه على الكفار، لأنه لو أتى به صح ولأنه إذا تم منه يكون فرضاً، وهو من أهل الثواب، فاستقام خطابه بالإسلام، لأنه من أهل موجبه إذا وجد منه، وفي مسألتنا لا يستقيم الخطاب بسائر العبادات لما بينا أنه ليس من أهل موجبها.
قالوا: وإذا ثبت أنه لا خطاب على الكافر بالعبادات، قلنا: لا يجب عليه القضاء إذا أسلم، لأن القضاء ثاني الوجوب، فإنه إذا لم يكن وجوب فلا قضاء.
وكذلك ما فعله من الحج والصلاة في أول الوقت يلزمه إذا أسلم أن يفعل ثانياً، لأنه إذا لم يكن من أهل العبادة لا تبقى له العبادات فصار بعد عوده إلى الإسلام ككافر أصلي أسلم ابتداء فتلزمه الصلاة عند إدراكه بعض الوقت ويلزمه الحج، وصار المفعول بمنزلة العدم.
وربما يقولون: إن المسلم إذا ارتد- والعياذ بالله- بطل ما فعله من الإسلام من قبل، لأن زمان الإسلام لا يقبل التبعيض والتجزئ، ولو أسلم وخرج لحظة من عمره عن الإسلام لم يصح إسلامه، فإذا لم يتبعض، فإذا ترك الإسلام في المستقبل بطل ما فعله في الماضي بمنزلة الصوم في اليوم الواحد.
وإذا بطل الإسلام بطل ما فعله أيضاً في حال الإسلام، ولابد من وجوب الحج عليه ثانياً، وكذلك الصلاة.
قالوا: وليس كمن تيمم في إسلامه ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام حيث يبقى تيممه، لأنا إنما ادعينا ما ادعيناه في العبادات والتيمم ليس
بعبادة على ما سبق بيانه، وأما اشتراط النية فيه فلم يكن لأنه عبادة بل كان لما رأينا أن التراب ليس بطهور في ذاته، وإنما صار طهوراً بالشرع، والشرع إنما جعله طهوراً عند إرادة الصلاة به، فإذا لم يرد لم يكن طهوراً.
وأما هاهنا فإن الصلاة عبادة، وقد بينا أنه ليس من أهل الخطاب/ بالعبادة يبينه: وهو أن العبادة فعل مقرب على الله تعالى فمن لا يعرف الله أو لا يكون من أهل التقريب إلى الله تعالى، كيف يكون محلاً للخطاب بالعبادة؟
وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، وهذا اللفظ عام في كل عمل إلا ما يخصه الدليل.
الجواب:
إنه قولهم: ((إنه ليس من أهل العبادة)).
ليس كذلك بل هو من أهل العبادة بفطرته وخلقته، لأن خلق ليعبد ربه، ولأنه عبد من العباد، والعبادة تعبد فيكون له أهلية العباد.
وقولهم: ((إن العبادة للثواب)).
قلنا: قد توجد العبادة بلا ثواب، بدليل أن النبي عليه السلام قال: ((الغيبة تفطر الصائم))، ومعناه تلحقه بالمفطر لفقد ثواب الصوم ومع ذلك فإن صومه صحيح، وكذلك قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ.....﴾.
ومعلوم أن المراياة تفوت ثواب الصلاة، ومع ذلك فإن صلاته صحيحة.
قالوا: فوات الثواب في هذين الموضعين بحكم مقابلة الوزر بالغيبة والمراياة لثواب الصلاة والصوم، وإذا تقابلا وتوازيا، صار الثواب كالعدم، ولم يكن لأجل فوات أهلية الثواب.
وأما في مسألتنا كان فوات الثواب لفقد الأهلية فسقط الخطاب.
قلنا: هذا كلام تقولونه في كثير من المواضع فلا تعرف صحته، والتقابل الذي يدعونه لا يعرف إلا بوحي، وقد أخبر النبي عليه السلام أنه لا ثواب للصائم المغتاب ومع ذلك قد صح صومه.
ويمكن أن يقال: إن صحة العبادة ليس من ضرورتها الثواب، ويجوز أن تصح العبادة من الشخص ولا يثاب عليه أصلاً، وهذا كلام طويل ذيله واسع مجاله، وليس من باب الفقه.
والأصح أن نوافقهم فيما ادعوه، لكن نقول: صحة الخطاب بالعبادة بإمكان التوصل، فإذا أمكن التوصل بوجه ما صح الخطاب.
وهذا لأن خطاب العبادة إذا كان الثواب، ولم يصح فعلها منه إلا بعد أن صار أهلاً للثواب استقام الخطاب بها ليؤديها بعد أن يأتي بشرط الإسلام، وهذا كالخطاب بأداء الصلاة فإنه متوجه على الجنب، وكذلك السكران، ولا يقال: إنه كيف يخاطب بالأداء من لا يصح منه الأداء، ولكن يقال: إنه مخاطب بأداء الصلاة ليؤديها بعد أن يعقل من السكر أو بعد أن يطهر من الجنابة فاستقام الخطاب بالأداء على هذا التقدير.
والحرف أن الثواب لما كان بالفعل ولا فعل إلا بعد الإسلام لم يمنع عدم أهلية الثواب من توجه الخطاب، وهذا بخلاف البهيمة، لأن خطابها مستحيل ولا وقت لوجود فعل العبادة منها بحال.
وها هنا ليس فقد الخطاب عنهم لاستحالة الخطاب فإن الخطاب مع الكافر صحيح معقول، ولكن كان عدم الخطاب عندهم لعدم أهلية الثواب فإذا قدرنا لفعله تقديم الإسلام زال هذا المعن، واستقام الخطاب.
جواب آخر نقول:
وهو أن صحة العبادة بإفادة الخطاب، وقد أفاد الخطاب مع الكافر.
لأنه إذا لم يفد فعلاً يستحق به الثواب أفاد تركاً يستحق عليه العقاب، وهذا لأن خطاب الفاجر عن الأداء بالأداء مستحيل، كما أن خطاب غير الأهل مستحيل، ثم يتوجه خطاب أداء الصلاة على السكران وإن كان عاجزاً عن الأداء، ولكن توجه الخطاب بالأداء لأنه إن لم يفد فعلاً فقد أفاد تركاً حتى يعاقب عليه، وهم يقولون على هذا الخطاب ليس إلا للفعل فلا يجوز تصحيح الخطاب لمعنى يعود إلى ترك الفعل، وفي السكران الخطاب بالفعل صحيح، لأنه ليس فيه إلا بآخر الأداء وبآخر الأداء لا يسقط الخطاب بالأداء.
ونحن نقول: إن صحة الخطاب لفائدة، فأما إذا أفاد الخطاب صح الخطاب وقد أفاد على ما بينا.
وأما السكران ففي غاية اللزوم.
وقولهم: ((إنه لم يفت الأداء في السكران وإنما تأخر)).
قلنا: في حالة السكر هو مخاطب بالأداء آخراً يعاقب على تركه.
ولا يتصور منه أداء في هذه الحالة، ومع ذلك صح الخطاب بالأداء لما بينا.
وقولهم: ((إن الإسلام أصل لا يصلح شرطاً لفرعه)).
قلنا: معنى الشرط ما تقف عليه العبادة فسواء وجد معناه في الإسلام الذي هو أصل العبادات أو غيره استقام تسميته شرطاً، ويمكن أن يقال: إن الإسلام أصل فيما يرجع إلى ذاته شرط فيما/ يرجع إلى الصلاة المؤداة بعدها.
والجواب الأول أحسن وأجرى في المعاني.
وأما قولهم: ((إنه إذا ارتد بطل الإسلام الذي وجد منه وصار بمنزلة العدم)).
قلنا: إلحاق الموجود بالمعدوم لابد فيه من دليل قطعي، وعلى أنه إن جاز أن يقال: إذا ارتد يصير الإسلام الموجود منه بمنزلة المعدوم، يجوز أن يقال: إنه إذا عاد إلى الإسلام تصير الردة الموجودة منه بمنزلة المعدوم، وهذا أحسن، والشرع عليه أدل، والاعتقاد له أقبل.
وأما الآية التي تعلقوا بها فقد قال في موضع آخر: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾.
وذلك الآية المطلقة محمولة على هذه المقيدة، ويصير عمله بمنزلة الموقوف إن مات على الردة بطل عمله، وإن عاد إلى الإسلام بقي له عمله.
وقد قالوا: هذا في أملاك المرتد أنها موقوفة إن دام على الردة، وإن قتل أو مات زالت أملاكه من وقت الردة، وإن عادة إلى الإسلام جعل ملكه بمنزلة المستمر ولم يزل شيء من أملاكه عن ملكه، كذلك هاهنا.
والله أعلم بالصواب.
(مسألة)
يسجد سجدتي السهو عندنا قبل السلام.
وعندهم: بعد السلام.
لنا:
حديث الزهري عن الأعرج عن عبد الله بن بحينة أن النبي عليه
السلام قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلا أتم صلاته سجد سجدة السهو فكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسى من الجلوس قال: ((وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف)).
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: ((إذا شك أحدكم فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم)).
ولهم في المسألة من حيث الأخبار:
حديث شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن النبي عليه السلام صلى الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فسجد سجدتين بعد ما سلم)).
وروى أيضاً ابن مسعود أن النبي عليه السلام قال: ((إذا شك أحدكم فلم يدر أثلاثاً أم أربعاً فليتحرى أقرب ذلك إلى الصواب ثم ليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين)).
ويدل عليه حديث ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام سجدهما بعد السلام، وهذا في حديث ذي اليدين.
ونحن نقول: إن أخبارنا أولى، لأنها ناسخة لغيرها من الأخبار فإنه روى عن الزهري قال: كان آخر الأمرين من النبي عليه السلام فعل سجدتي السهو قبل السلام.
وروى يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم أن أبا هريرة،
والسائب القاري كانا يسجدان سجدتي السهو قبل السلام.
وأبو هريرة الراوي لخبرهم المشهور المعروف وهو خبر ذي اليدين، دل أنه إنما خالف، لأنه عرف أن خبرهم منسوخ.
وقد قال بعض أصحابنا: إن معنى قوله: ((بعد السلام)) أي بعد التشهد ويجوز أن يسمى التشهد سلاماً لاشتماله على السلام، مثل الصلاة تسمى قراءة لاشتمالها على القراءة.
والجواب الأول أمثل، ولأن سجدتي السهو جزء من الصلاة فليس فعله قبل السلام دليله سائر الأجزاء، ويمكن أن يقال: سجدة مشروعة لإتمام الصلاة فصارت كالسجدة الأصلية.
وإنما قلنا: ((لإتمام الصلاة))، لأنه قائم مقام ما تركه يوجب نقصاناً في الصلاة فيكون فعله إتماماً لها.
يدل عليه أن ما أنجبر به الشيء يصير منه بدليل الحسبات، فإذا أنجبر سجدتي السهو الصلاة صارتا من الصلاة، ولهذا المعنى حكموا بالعودة إلى الصلاة عند فعل السجدتين فإذا ثبت أنهما من الصلاة أخر عنهما السلام مثل ما يؤخر عن سائر أفعال الصلاة.
وأما حجتهم من حيث المعنى:
قالوا: (ما قبل السلام جزء من الصلاة والسهو فيه يوجب سجدتي
السهو لولا السهو الأول فوجب سجود سجدتي السهو عنه دليله ما قبله.
وهذا لأن سجدتي السهو يجبان بالسهو فأخرتا عن موضعها، لأنا لا نأمن سهواً آخر بعده فيلزمه مرة أخرى، والموجود يجبر ما قبله لا ما بعده والشرع لم يأت بالتكرار فأخرتا سجدتي السهو ليجبر بهما كل سهو في الصلاة وذلك لا يحصل إلا بالتأخير عن السلام).
فصار الحرف/ لهم أن كل جزء يتصور فيه السهو ووجب سجدتا السهو به يجب تأخير السلام عنه لما بينا، ولا يدخل على هذا بعد السلام لأنه لا تجب سجدتا السهو في هذه الحالة.
وهذا لأنه لا سهو بعد السلام حقيقة، فإنا إذا قدرنا أنه لا سهو قبله ولا يكون في الصلاة أصلاً، ومع السهو الأول يكون البقاء في الصلاة بسبب السهو لا غير حتى لولاه لكان خارجاً من الصلاة فيكون السهو الثاني إذا قدرنا وجوده بعد السلام حاصلاً فيما هو جبراً لصلاة على التمحص ولا يجب جبر آخر لأنه سهو شرع لجبر الصلاة لا لجبر جبر الصلاة.
قالوا: وقولكم: ((إن الجبر شرع في الصلاة)).
(فعندما حرمة الصلاة لا تنقطع بالسلام ولا يسجد إلا وهو في الصلاة وإنما قدمنا السلام ليمتاز الجبر عن نفس الصلاة).
الجواب:
إن قولهم: ((إن ما قبل السلام جزء من الصلاة)) على ما زعموا.
قلنا: ما قبل السلام هو زمان فعل سجدتي السهو، وزمان فعل
سجدتي السهو لا يوجب سجود السهو، وهو كما بعد السلام على أصله، فإنه عاد إلى الصلاة عندهم ولا يجب سجود السهو بالسهو الحاصل فيه.
فإن قالوا: ((يعود إلى حرمة الصلاة لا إلى الصلاة)).
قلنا: مذهبهم هو العود إلى الصلاة، وعلى أنه لا يعرف حرمة الصلاة بلا صلاة، نقول في الفرق بين الجزء الذي قبل السلام وبين سائر الأجزاء: إن في سائر أجزاء الصلاة يمكن تأخير السجود عنها فأخرنا لما ذكروا، وأما الجزء الذي قبل السلام فلا يمكن تأخير السجود عنه، لأنه إذا أخر سلم، وهذا سلام محلل من الصلاة، وإذا فعل في موضعه فيوجب الخروج منها وبعد الخروج من الصلاة لا يتصور جبر الصلاة، ولا يمكن أن يقال إنه يعود إلى الصلاة بالسجود، لأن الخروج من الصلاة إذا تحقق بالسلام المشروع للتحلل لا يتصور العود إليها إلا بتحريمة جديدة واستئناف الصلاة.
فثبت أن في سائر الأجزاء يمكن التأخير، وفي هذا الجزء لا يمكن التأخير لما بينا.
وسقط قولهم: ((إنه وقت السهو)) لأنهم إن قالوا: قبل أن يسجد، فذاك زمان لا سجود فيه فهو كسائر أزمان الصلاة، فإن قالوا: بعد أن سجد، فهو ليس بزمان السهو، إنما هو زمان سجود السهو، وزمان سجود السهو لا يكون زمان السهو، مثل قولهم ذلك فيما بعد السلام، ثم الدليل على الفرق بين سائر الأجزاء وبين هذا الجزء وعلى الأصلين.
أما على أصلنا فظاهر، وأما على أصلكم فلأنه لو سجد قبيل السلام فإنه يقع به الاعتداد وإن لم يسن فعله، وأما إذا سجد في سائر أزمان الصلاة قبل هذا الزمان فإنه لا يقع به الاعتداد، فتبين الفرق بين الحالين، وسقط ما قالوه جملة)).
(مسألة)
محاذاة الرجل المرأة في صلاة الجماعة لا يوجب بطلان صلاة واحد منهما
عندنا.
وعندهم: تبطل صلاة الرجل.
لنا:
إن الرجل متابع وقف في موقف المتابعة فلا تفسد صلاته.
دليله سائر المتابعين، يبينه أن نهاية ما في الباب أنه مسيء في موقفه بجنب المرأة، والإساءة في الموقف لا توجب بطلان الصلاة.
دليله إذا انفرد خلف الصف، ودليله إذا وقف الرجل على يسار الإمام.
ودليله: إذا ترك القوم الاصطفاف في الصلاة خلف الإمام بأن قام كل منفرداً أو قاموا بجنب الإمام صفاً.
والحرف أنه لا مفسد لصلاة الرجل، والإفساد بغير مفسد محال.
أما حجتهم:
قالوا: إن الرجل ترك فرضاً عليه في الموقف فلم تجز صلاته.
دليله: إذا تقدم على الإمام، وإنما قلنا: ((ترك فرضاً عليه في الموقف)) لأنه فرض عليه تأخير المرأة عن موقفه، لقوله عليه السلام ((أخروهن من حيث أخرهن الله)).
وكلمة ((حيث)) للمكان، والأمر للوجوب ولا ترتيب يجب.... المكان بين الرجل والمرأة سوى مكان الصلاة.
ولأن النبي عليه السلام قال: ((خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)).
والاحتراز من الشر واجب يدل عليه الحديث الصحيح: أن النبي عليه السلام ((صلى فأقام أنس وراءه واليتيم وراءه وأقام أم سليم وراءهما)).
وإنما قدم الصبي وأخر العجوز.... / كراهية الانفراد خلف الصف، لأنه كان محظوراً وقوفها بجنب الرجل فاختار الكراهية على الحظر، ولأن النساء إتباع الرجل في حكم الجماعة، ولهذا لا تجوز إمامتها بحال، فورد الشرع بالترتيب مكاناً بين التبع والمتبوع، كما ورد بين الإمام والمؤتم، ثم لو ترك المؤتم مكانه بأن تقدم على إمامه فسدت صلاته، كذلك إذا ترك الترتيب هاهنا أيضاً.
وإنما اختص الرجل بفساد صلاته، لأنه هو المخاطب بهذا الترتيب لما بينا من الخبر، ولأن الرجال هم القوامون بإقامة الجماعات وتسوية الصفوف، وإذا كان الخطاب للرجال دون النساء اختص الفساد بصلاة الرجل.
قالوا: وإنما اعتبره تقديم المؤتم على إمامه لتفسد صلاته، وفسد في مسألتنا بمجرد المحاذاة، لأن المواقف ثلاثة قدام، وخلف وحذاء، فقدام موقف المتبوع، وخلف موقف التبع، وحذاء وسط بين موقف المتبوع
وموقف التبع، فإذا كان مؤتماً وقف بجنب الإمام وهو موقف متمثل بين الجانبين فرجحنا موقف الخلف على موقف القدام في حقه بفعله المتابعة وهو فعل التتابع، ولم يكن في مسألتنا مثل هذا المرجح إذا وقف الرجل بجنب المرأة فاعتبرنا معنى آخر، وهو معنى الاحتياط للعبادة فإن الأصل ألا صلاة وإنما توجد الصلاة لموقف بترتيب ولم يوجد فبطل أصل الصلاة.
قالوا: وليس يلزم صلاة الجنازة، لأنا إنما ادعينا ثبوت هذا الترتيب في كل صلاة ورد للنساء فيها موقف بالشرع، وإنما ورد في الصلوات الخمسة.
فأما في صلاة الجنازة فلا، لأن النبي عليه السلام قال لنسوة وقد رآهن في جنازة: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات))، فلم يأمرهن بالصلاة وأمرهن بالرجوع، دل أنه لا موقف لهن فيها.
واعتذر أبو زيد عن صلاة الجنازات بشبه الصلوات الخمسة من وجه، لأنها صلاة في الجملة، وبشبه سجود التلاوة من وجه، لأنها ركن واحد وهو القيام مثل سجود التلاوة وهو ركن واحد وهو السجود، والمرأة تصلح إماماً في سجود التلاوة، مثل ما لو قرأت فسجدت سجد القوم السامعون معها، والثاني بمنزلة الإمام للسامعين، فلما أن صلاة الجنازة تشبه الصلوات الخمسة.
قلنا: إنها لا تصلح إماماً فيها، ولما أنها تشبه سجود التلاوة.
قلنا: إذا وقفت المرأة بجنب الرجل لم تفسد عليه صلاته فهذا منتهى ما قالوا في هذه المسألة.
الجواب:
إن كلامهم ينبني على أن تأخير المرأة عن مقام الرجل في الصلاة واجب على الرجال، وهذا لا نسلمه بل هو عندنا سنة.
لأن الرجال إنما قدموا على النساء لفضلهم، والنساء إنما أخرن لنقصانهن فليس في ترك هذا إلا ترك تأخير فاضل وتقديم ناقص أو تسوية بين فاضل وناقص في الموقف وهذا غاية ما فيه الكراهة ولا يتعدى إلى التحريم والحظرية بدليل قوله عليه السلام: ((ليليني منكم ذوو الأحلام والنهى)).
وإنما قدمهم لفضلهم وأحر غيرهم لنقصانهم ثم كان هذا أمراً مستحباً لا حتماً واجباً، كذلك هاهنا.
وأما تقدم المأموم فإنما لم يجز، لأنه لم يقف موقف المأموم المتبع.
وفي مسألتنا قد وقف كل واحد منهما موقف المأموم المتبع لإمامه فلا معنى لمنع الجواز.
وقولهم: ((إن النساء تبع الرجال)).
قلنا: هذا غير مستنكر، ولكن على معنى أنه لا يجوز إمامتهن
للرجال والمشروع إمامة الرجال لهن وقد قمنا بهذا الواجب حيث قلنا إنه لا تجوز إمامتهن للرجال بحال.
فأما في مسألتنا فإن المرأة قامت مقام الإتباع، لأنها إن قامت بجنب واحد من المؤتمين فهذا لا يذهب تبعية المأموم للإمام وهو رجل، وإن قامت بجنب الإمام فهي متابعة للرجل بفعل الصلاة ولا تذهب تبعيتها أيضاً.
وأما كونهن إتباعاً للرجل الذين هم أتباع الإمام، والتبع لا تبع له إلا أنه كره لهن الوقوف مع الرجال على المساواة لفضل الرجال ونقصان النساء فهذا لا يوجب فساد الصلاة لو ترك، بدليل ما ذكرنا من ذوى الأحلام والسفهاء والنهي.
أما قولهم: ((أنه لا يجوز إمامتهن)).
قلنا: هذا لا يدل على أنها إذا وقفت بجنب الرجل فسدت صلاته بدليل أن/ إمامة المرأة في صلاة الجنازة لا تجوز.
ولو وقفت بجنب الرجل لا تفسد صلاته، ثم إنها لم تجز لأنها ناقصة الدين والصلاة ركن الدين، والجماعة لإحراز الثواب والفضيلة فلم يجز إحراز الثواب والفضيلة في الدين من ناقصة الدين، وبيان نقصان الدين بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وإن ألزموا العبد والصبي فلا نقصان ديناً هنا ك، وهاهنا ثابت بالنص، ولابد من اعتقاد وجوده عقلنا معناه أو لم نعقل.
وأما عذرهم عن صلاة الجنازة ففي غاية الضعف، لأن النساء لهن من الحظ في صلاة الجنازة ما لهن ذلك في سائر الصلوات.
ألا ترى أنه يجوز لهن فعلها مع الرجال مثل ما يجوز في سائر الصلوات.
والخبر محمول على أنهن كن حضرن لا للصلاة، وعلى أنه إذا لم يكن لهن نصيب في صلاة الجنازة، فيكون الفساد بالمحاذاة أولى منه إذا كان لهن نصيب.
وأما الذي قاله أبو زيد أنه يشبه كذا وكذا فهذا عذر عاجز ملتزم للمناقضة، لأنا نعلم قطعاً أنه لا إمامة ولا جماعة في سجود التلاوة.
والله أعلم.
(مسألة)
إذا صلى الرجل بقوم ثم أخبر أنه كان جنباً أو محدثاً لزمته إعادة الصلاة.
وأما القوم فقد مضت صلاتهم على الصحة ولا إعادة عليهم عندنا.
وعندهم: عليهم الإعادة.
لنا:
حديث ابن أبي عروية عن قتادة عن أنس قال: ((دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاته كبر وكبرنا معه ثم أشار إلى القوم: كما أنتم، فلم نزل قياماً حتى أتى نبي الله عليه السلام قد اغتسل ورأسه يقطر ماء)).
وروى ثوبان عن أبي هريرة قريباً من هذا وفيه: ((ثم خرج ورأسه يقطر ماء فصلى بهم، فلما انصرف قال: ((إني كنت جنباً فنسيت أن أغتسل)).
وروى جويبر عن الضحاك عن البراء بن عازب قال: ((صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس هو على وضوء فتمت للقوم وأعاد النبي عليه السلام)).
وأما الذي يروون أن النبي عليه السلام صلى بالناس وهو جنب فأعاد وأعادوا)).
فرواه أبو جابر البياضي عن سعيد بن المسيب أن النبي عليه السلام صلى بالناس، وأبو جابر البياضي متروك ثم هو مرسل.
قالوا: ((روى عن علي رضي الله عنه أنه صلى بالقوم وهو جنب فأعاد ثم أمرهم فأعادوا)).
قلنا: رواه عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي.
وعمرو بن خالد أبو خالد الواسطي متروك الحديث، رماه أحمد بن حنبل بالكذب وقد روى ابن المنكدر عن الشريد الثقفي أن
عمر صلى بالناس وهو جنب فأعاد، ولم يأمره أن يعيدوا.
وكذلك روى الحرث بن أبي ضرار عن عثمان مثل هذا، وعن ابن عمر مثل ذلك.
ومن حيث المعنى نقول: إن كل واحد من القوم مصلى لنفسه مؤدى فرضه مثل ما لو كان منفرداً وصلاته غير متعلقة بصلاة الإمام في الجواز والفساد.
لأن الأصل أن الاثنين إذا اجتمعا على أداء فريضة لا يتعلق أداء أحدهما بأداء الآخر بل إن جاز فعل كل واحد منهما بجواز فعله وإن فسد ففساده بفعله، لأن الفرض عليه على الإنفراد، ولا يجوز أن يؤاخذ في فعله بفعل غيره.
وأما الاقتداء فهو مجرد قصد إتباع في الفعل لتجتمع الجماعة على أداء هذا الفرض فيكون أقرب إلى الخشوع والخضوع، وأبعد من السهو والغفلة وأدنى من المغفرة والرحمة.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: نهاية ما في هذا الباب أنه يظهر أنه قصد إتباع من ليس في الصلاة في أفعال الصلاة ومجرد القصد غير عامل في إفساد الصلاة، كما لو قصد الكلام ولم يتكلم أو قصد فعلاً آخر ولم يفعله، فنجعل إقتداؤه به كلاً إقتداء ويبقى فرضه مؤدى بأفعاله المفروضة، وأركانها المعهودة، لكن يصير كأنه أدى لا في جماعة لكن على الإنفراد.
وقد قال الأصحاب في هذه المسألة إنه لا يمكن الوقوف على طهارة الإمام ألا بعرضه للإمامة، فإن نهاية ما في الباب أن يتوضأ بمشهد لكن مع هذا يجوز أنه غير متطهر حتى افتتح الصلاة بأن أحدث وأخفاه وإذا تعذر الوقوف على طهارة الإمام إلا بهذا الوجه سقط ما وراءه.
وقال بعضهم: إن خبره عن جنابته وحدثه غير مقبول، لأنه يحتمل الصدق والكذب ولأنه مهتم في خبره فيجوز أنه قصد به إفساد صلاة القوم.
وكلا المعنيين/ فاسد، لأن في كلا الطريقتين أن صحة صلاة القوم مبنية على صحة صلاة الإمام، وإنما لم نأمر القوم بإعادة الصلاة في مسألتنا، لأنا بينا أن الإمام صلى على طهارة، والمؤتم قد اعتمد في معرفة طهارته بغاية ما يمكن الاعتماد عليه وسقط عنه ما وراء ذلك.
وفي الطريق الثاني: أنه لم يصدقه إن كان جنباً أو على وضوء.
وحملنا الأمر على أنه قد صلى بالطهارة.
وينبغي على مذهب الشافعي أن يسلك طريقة يدل على أن الإمام وإن لم تصح صلاته يكون جنباً أو محدثاً فإن صلاة القوم صحيحة، وأن هذا هو مذهبه وأصله وليس يمكن ذلك إلا بالوجه الذي قلنا، فافهم هذا فإنه خفي على كبار الأصحاب.
وأما المخالفون قد زعموا أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام صحة وفساداً، وهذا يأتي في المسألة الثانية، وسنبين الكلام عليه.
وقد قاسوا على ما إذا ظهر أن الإمام كان كافراً أو امرأة أو علم أن الإمام جنب فإنه يجب على المأمومين أن يعيدوا الصلاة ونقضوا قولنا أن كل إنسان من القوم مصلى لنفسه بهذه المسائل، وقد قالوا لو كان الأمر على ما قلتم لم تبطل المؤتمين في هذه المسائل.
الجواب:
أما إذا ظهر أن الإمام كان كافراً أو امرأة أو علم أن الإمام جنب فإنما بطلت صلاتهم لتفريطهم وتقصيرهم، فإن الغالب أنه يكون للكافر علامة على الكفر، وللمرأة هيئة على أنوثتها فيعرفان بذلك حقيقة، فإذا لم يتعرف وصلى كان لتقصير وجد من قبله حتى قالوا فيمن يعتقد الاستمرار بكفره فظهر ذلك من بعد: لا يبطل صلاة القوم.
فإن قلتم: قد يوجد الكافر ولا علامة له، وكذلك المرأة ولا علاقة لها فهذا نادر ولا يعتبر النادر.
وأما إذا علم أن الإمام جنب فإنما بطلت صلاته لبطلان نيته للصلاة، فإنه إذا علم أن الإمام لاعب فإتباع اللاعب لعب حقيقة، فبطلت نيته للصلاة بهذا الوجه وفي مسألتنا قد ظن أن الإمام مصلى حقيقة فلم تبطل نيته، وهو مصلى لنفسه كما بينا، والله تعالى أعلم بالصواب.
(مسألة)
يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل
عندنا.
وعندهم: لا يجوز.
وكذلك إذا اختلف فرض الإمام والمؤتم بأن اقتدى مؤدى الظهر بمؤدي العصر.
لنا: ((إن معاذاً رضي الله عنه كان يصلي مع النبي عليه السلام صلاة العشاء ثم يعود فيؤم قومه))، والخبر ثابت، وهو برواية جابر.
وفي رواية: ((فيكون له تطوعاً ولهم مكتوبة)).
فإن قالوا: ليس معناه أن النبي عليه السلام علم بذلك وأقره عليه.
قلنا: مثل معاذ في فقهه وعلو منزلته في الدين لا يقدم على مثل هذا إلا بعلم من النبي عليه السلام.
وقد ثبت علم النبي عليه السلام بذلك في الخبر المشهور وهو افتتاحه سورة البقرة في العشاء الآخرة، وانفراد الأنصاري ثم قول النبي عليه السلام لمعاذ: ((أفتان أنت يا معاذ؟ أين أنت عن سورة كذا وسورة كذا)).
ولا سؤال لهم على الخبر أصلاً.