بالحج من جوف مكة فيكون زائراً بنية الحج من مكة، وإذا أفرد يكون زائراً بينة الحج من وطنه وكلما كان شرط الزيارة أبعد يكون أفضل ومكانته عند المزور أكثر، وكلما قرب وأدنى كان محله وأقل وهذا ظاهر جداً للمتأمل.
وأما قولهم: ((إن السفر ليس بمقصود)).
قلنا: بينا إنه مقصود، وقد روى عن علي وابن مسعود أنهما قالا: ((من تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك)).
وأما دعواهم إن الدم دم نسك.
فقد دللنا أنه دم جبران وهو بناء على ثبوت دخول النقصان في النسك وقد سبق.
وقولهم: ((إنه يؤكل منه ويختص بيوم النحر هو على أصلهم)).
وقد استدل الأصحاب في أنه دم جبران بدخول الصوم بدلاً عنه ولا مدخل للبدل في دماء النسك إنما مدخله في دماء الجبرانات.
وأما قولهم: ((إنه أتى بالأعمال على حسب ما يأتي بها عند الإفراد)).
فليس بصحيح بدليل فعل التلبية والحلق.
وأما قولهم: ((إن التلبية ليست من أفعال الحج)).
قلنا: قد دللنا من قبل أنه من أفعال الحج.
وقولهم: ((إنه يجب بالتلبية إحرامان)).
فهو مذهبهم، أما عندنا فالواجب بها إحرام واحد وسنين ذلك في المسألة التي تلي هذه.
وأما عذرهم عن الحلق.
قلنا: هو وإن كان للتحلل ولكن هو في نفسه نسك فإذا أفرد أتى بنسكين وإذا قرن أتى بنسك واحد، وقد قام الدليل لنا أيضاً أن القارن يكفيه طواف واحد وسعى واحد فهذا وجه الكلام في هذه المسألة على الاختصار وهو أصل كبير، والاعتماد على ما ذكرنا.
والله تعالى أعلم.
(مسألة)
القارن يطوف طوافاً واحداً ويسعى سعياً واحداً.
وعندهم: يطوف طوافين ويسعى سعيين.
لنا:
حديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد فلا يحل من يحل من واحد حتى يحل منهما)).
وقد حملوا هذا على طواف القدوم وعلى طواف الصدر، وليس بشيء، لأن الطواف المطلق في باب الحج ينصرف إلى طواف الإفاضة منه، وأيضاً فإنه صلى الله عليه وسلم قرنه بالسعي ولا سعي في طواف الوداع
وفي طواف القدوم، إنما السعي مقرون بطواف الإفاضة ولئن جاز عقيب طواف القدوم إنما يجوز على سبيل التعجيل والتقديم، ويدل عليه: قوله عليه السلام لعائشة: ((طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك))، والخبر صحيح.
وفي حديث عائشة قال: ((وأما الذين قرنوا وطافوا لهما طوافاً واحداً وسعوا سعياً واحداً)) فهو صحيح أيضاً.
وقال المخالف:
إن عائشة لم تكن قارنة بدليل أن النبي عليه السلام قال لها: ((ارفضي عمرتك وامتشطي واغتسلي))، ولأن النبي عليه السلام دخل عليها وهي تبكي قال لها: مالك؟ قالت: أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر- أخاها- حتى أعمرها في التنعيم.
الجواب:
إن الخبر الذي روينا متفق على صحته.
وأما قوله عليه السلام: ((ارفضي عمرتك)) يعني أعمال عمرتك.
قال الشافعي: ((وامتشطي واغتسلي)).
يجوز للمحرم أن يمتشط ويغتسل غير أنها ترفق بشعرها حتى لا تنتفه.
وأما بكاؤها، وقولها: ((أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد))؟.
فإنما طلبت فعل كل واحد من النسكين على الإنفراد، وقد أيد ما روينا حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنه أهل بالعمرة فلما أتى الجحفة قال: ما أمرهما إلا واحد أشهدكم أني قد أدخلت الحج على العمرة، فطاف لهما طوافاً واحداً وسعى سعياً واحداً، وقال: ((هكذا رأيت رسول الله صنع)).
والخبر صحيح.
قالوا: روى علي أن النبي عليه السلام قرن فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين.
وفي رواية: ((إن علياً قرن فطاف لهما وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله)).
والجواب:
إن الدارقطني قال: رواه حفص بن أبي داود وهو ضعيف/ وعلى أنا بينا أنه صح أن النبي عليه السلام كان مفرداً ولم يكن قارناً.
وأما الكلام من حيث المعنى:
فهو بناء أنه محرم بإحرام واحد، والدليل على أن الإحرام بالحج عبادة من جنس الإحرام بالعمرة، ويجوز أن يقال أن الإحرام فيهما عبادة واحدة، لأنها من حيث الإحرام واحد فإذا فعل في زمان واحداً منهما لم يجز أن يفعل منهما أخرى في ذلك الزمان.
دليله: الصوم والصلاة.
ودليله: الإحرام بحجتين وعمرتين فإن عندنا لا ينعقد الإحرام إلا بأحدهما.
وعندهم: إن انعقد إنما ينعقدان جميعاً من حيث أنه التزام، فأما من حيث الفعل فلا يتصور اجتماعهما، ولهذا المعنى حكموا بارتفاض أحدهما، ولأن الزمان ظرف العبادة، فإذا اشتغل بعبادة لم يتصور اشتغاله بعبادة أخرى من جنسها مثل المكان المحسوس إذا اشتغل بشيء لم يتصور اشتغاله بشيء آخر، وإذا ثبت أن الإحرام واحد تكون الأعمال واحدة أيضاً.
ويستدل من حيث الحكمة بالتلبية والحلق فإنه يكتفي بالواحد منهما بالإجماع.
وأما حجتهم:
قالوا: أحرم بالحج والعمرة فيطوف طوافين ويسعى سعيين.
دليله: إذا أفرد كل واحد منهما، وهذا لأن القران ليس إلا الجمع بين عبادتين فلا يوجب تغيير عمل العبادتين كالجمع بين الصوم والاعتكاف، وكالجمع بين الصوم والإحرام.
والحرف أن القران لم يفد إلا الجمع، وأما العبادتان فيما وراء الجمع مثلهما أن لو أتى بكل واحد منهما على الإنفراد.
واستدلوا في أنه محرم بإحرامين أنه نوى الحج والعمرة مقرونة بالتلبية وكل واحد من التلبيتين أوجب أحراماً، وهذا لأنه وجد سبب الإحرامين بدليل حال الانفراد وإذا وجد سبب الإحرامين يصير محرماً بإحرامين.
قالوا: وأما التلبية فيه عقد على أداء العبادة فهي وإن كانت عبادة متجددة فالحاصل بهما عقدان مثل من باع من إنسان عبدين بلفظ واحد،
وباع من رجلين يلفظ واحد فإنه يكون الحاصل عقدان، ولا فرق بين أن يبيع العبدين بلفظ أو يبيعهما بلفظين في موجب العقد، كذلك ههنا لا فرق بين أن يلبي واحدة أو يلبي تلبيتين في موجبهما من الإحرام، فكما أنه لو أتى بكل واحد منهما على الانفراد يكون الحاصل إحرامان، كذلك إذا أتى بهما جميعاً، كذلك أيضاً قالوا: ((وقولكم إن العبادتين من جنس واحد فإذا شغل الوقت بأحدهما لا يتصور اشتغاله بالأخرى)).
قالوا: هذا في الأداء مسلم، فأما الإحرام الذي هو عقد على الأداء والتزام على ما سبق من قبل فلا، لأن الذمة واسعة للالتزام سواء أكانت في عقدين مختلفين أو في عقدين من جنس واحد.
وكذلك قولنا: ((إنه عقد على الأداء))، معناه أنه التزام للأداء.
قالوا: ولهذا قلنا إن الإحرام بحجتين أو عمرتين ينعقد، وإنما يرتفع أحدهما عند الاشتغال بالأداء، لأن التضايق بينهما في الأداء لا في الالتزام لا في الالتزام والعقد على الأداء.
قالوا: وكذلك الحلق موجب التحلل والواجب بالحلق الواحد تحللان مثل ما قلنا: إن الواجب بالتلبية الواحدة إحرامان.
يبينه: أنه يجوز أن يوجب بيعين بلفظ واحد، وكذا يقبلهما بلفظ واحد، كذلك يجوز أن توجب إحرامين بلفظ واحد وتحللين بفعل واحد.
الجواب:
إن قولهم: ((محرم بالحج والعمرة)).
قلنا: نعم، ولكن بإحرام واحد، وفي الأصل الذي قاسوا عليه محرم بإحرامين.
وأما قولهم: ((إن محرم بنية الحج والعمرة)).
قلنا: نحن نقول بهذا إنه محرم بالحج والعمرة لأجل النية التي ذكروها، ولأنه يصير مؤدياً للحج والعمرة فلابد من نيتها ليصير مؤدياً لهما غير أن الإحرام واحد لما بينا من الدليل، والذي ذكروه بعد هذا كله بناء على أصلهم في أن الإحرام ليس بأداء الحج بل هو عقد على الأداء والتزام محض على ما ذكروا من قبل.
وأما على مذهبنا فالإحرام أداء العبادة والوقت لا يتسع الواحد لا يسع لأداء عبادتين من جنس واحد لا حكماً ولا حقيقة بدليل ما سبق.
وأما بيع العبدين أو البيع من اثنين فهو من باب المعاملات وهذا جائز في المعاملات، لأنها التزامات.
وأما العبادة أداء فعل والوقت الواحد لا يتسع لفعلين اثنين بدليل الوقوفين والطوافين، وكذلك في الصلاتين والصومين فهذا وجه الكلام في هذه المسألة.
وقد قال الأصحاب:
إن الأعمال تتداخل وقد ورد أن النبي عليه السلام قال: ((دخلت العمرة في الحج إلى قيام الساعة))، ومعنى الدخول دخول الأفعال عى ما/ عرف من مذهبنا، وهم يقولون إن المعنى دخول الوقت أنها جازت في وقت الحج، وهذا مجاز، والحقيقة ما قدمنا من دخول الأعمال لأن الحج هو الأعمال، وقد دخلت العمرة في الحج وليس ذلك إلا ما ذكرناه والاعتماد من حيث الحقيقة على ما ذكرنا من قبل وهو متن المذهب.
والله تعالى أعلم.
(مسألة)
طواف الجنب والمحدث غير محسوب به
عندنا.
وعندهم: محسوب ويريق دماً في الطواف محدثاً إن لم يعد، وفي الجنب يعيد بكل حال فإن لم يعد وأراق دماً لم يبطجل الاحتساب.
لنا: حديث طاووس عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: ((الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه النطق، فمن ينطق لا ينطق إلا بخير)).
وإذا كان صلاة فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة إلا بطهور)).
وإن نازعوا وقالوا: إنه ليس بصلاة لا لغة ولا حقيقة، لأنها في اللغة بمعنى الدعاء، وفي الحقيقة عبارة عن أفعال معلومة بترتيب مخصوص، ولا يوجد واحد منهما في الطواف، فهذا كله اعتراض على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعلينا أن نعتقد أن الأمر ما قاله ونص عليه.
يبينه: أن الأفعال المعهود كانت صلاة بالشرع فليكن الطواف صلاة بالشرع.
ونحتج أيضاً بقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت: ((فاصنعي ما يصنعه الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت))، فإن هذا نهى، والنهي يدل على فساد المنهي عنه وإخراجه عن صفة المشروعية على ما ذكرنا من قبل، ويمكن أن يقال من جهة المعنى إن الطهارة شرط الطواف بدليل أنه لا يحل به أن يطوف محدثاً بالإجماع وإذا طاف محدثاً لزمته الإعادة وكل عبادة كانت الطهارة فيها شرطاً لم يتأد بدونها كالصلاة.
وأما حجتهم:
فقد تعلقوا بنص الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾، والله تعالى أمر بالطواف ولم يأمر بالطهارة، ولفظ الأمر بالطواف لا يدل عليها بحال، فتكون الطهارة شرطاً زائداً على كتاب الله تعالى فلا يجوز بالخبر الواحد ولا بالقياس، وهذا لأن الطواف هو الطواف المحسوس فإذا علق بشرط زائد شرعاً انعدم ما اقتضاه الطواف المطلق وهذا الطواف محسوساً كالطلاق........ ينعدم إذا علق بشرط، وكذلك العتاق فثبت أن تعليق الطواف بشرط الطهارة يجري مجرى النسخ، ولو ثبت لكم شرطاً ثبت بالخبر الواحد لا يجوز.
قالوا: وعلى أنا نقول إن الخبر الوارد في الطهارة لتكميل الطواف لا لأصل الجواز، ونحن هكذا نقول: إن الطواف لا يكمل إلا بالطهارة فيحمل الخبر على هذا حتى لا يكون نسخاً وليبقى أصل الجواز مطلقاً كما كان.
قالوا: وأما أمرنا إياه بالإعادة لتدارك الإكمال فإذا رجع إلى أهله قبل أن يتدارك بالطواف جبرناه بالدم، لأن النقص الداخل في الحج مما يجبر بالدم وشواهد هذا كثيرة، ولأن الأصل أن الثابت بالخبر الواحد ثابت في حق العمل دون العلم، فنأمره بالطهارة ابتلاء عملاً بخبر الواحد، وكذلك نأمره بالإعادة إذا كان طاف محدثاً عملاً بخبر الواحد، وأما من حيث العلم فلا نعتقد أن الطواف الأول ليس بطواف، لأن الخبر الواحد لا يوجب
العلم فيكون الطواف محدثاً طوافاً في حق العلم إلا أن في حق العمل جعل كأن الطواف لم يوجد فنأمره بالإعادة، وعلى هذا يصير الطواف في حكم الطوافين في حق العمل وفي حق العلم، أما في حق العلم فالطهارة لا تكون شرطاً كسائر أركان الحج وفي حق العمل الطهارة شرط كالصلاة بخلاف سائر الأركان فلم نجز الاعتبار بأصل واحد في البابين جميعاً وهما بابان مختلفان.
قالوا: وعلى هذا إذا طاف منكوساً يكون محسوباً، لأن الذي في كتاب الله تعالى هو الأمر بالطواف فحسب، وليس في كتاب الله تعالى التيامن فيكون الأمر بالتيامن زيادة على كتاب الله تعالى فيجرى مجرى النسخ.
قالوا: ويحمل تيامن النبي عليه السلام على بيان التكميل وليس على بيان أصل الجواز فيحمل على هذا حتى لا يؤدي إلى النسخ، وقد تعلق بعض مشايخهم بالحدث العمد، وقالوا: عبادة لا يبطلها الحديث العمد فلا تكون الطهارة من شرطها.
دليله: الوقوف والسعي بين الصفا والمروة.
الجواب:
إن الأمر بالطواف يقتضي إيجاب أصل الطواف فأما صفة الطهارة في الطواف فليس في الآية تعرض لها فيجوز إثباتها بالسنة ولا يعد نسخاً، لأن نسخ الكتاب هو تعبد بالحكم الثابت/ بالكتاب والحكم الثابت بالكتاب هو وجوب الطواف وما تغير ولكن بالسنة وجب معنى زائد على حقيقة الطواف، فإن قالوا: إنه التغيير قد وجد، لأن الكتاب قد دل على الإجزاء على معنى أنه إذا أتى بما يسمى طوافاً جاز عنه ويضم هذا الشرط إلى الطواف يفوت الإجزاء فيحصل النسخ من هذا الوجه، ثم قالوا:
إذا ثبت أنه نسخ أو جار مجراه فصارت السنة مبينة لكمال الطواف على ما سبق فيحمل الخبر على هذا حتى لا يؤدي إلى النسخ.
قال أبو زيد: (في قوله عليه السلام: ((الطواف بالبيت صلاة))، معناه في حكم الصلاة لا أنه نفس الصلاة، وقولنا في حكم الصلاة مقتضى والمقتضى لا عموم له فصار الخبر مقتضياً كون الطواف صلاة في حكم ونحن قد أثبتنا ذلك فإن الجواز متعلق بالبيت مثل الصلاة، وكذلك الإباحة بالطهارة) حتى لا يجوز له أن يطوف محدثاً أو جنباً.
والجواب:
إن الآية لا تدل إلا على الوجوب، فأما الإجزاء بدليل آخر يدل عليه، ثم نقول: الإجزاء عند فعل الطواف بمطلق الأمر إنما كان لعدم قيام الدليل على وجوب شرط زائد فإذا قام من السنة على شرط الطهارة فات الإجزاء عند مطلق الطواف من غير أن يتضمن نسخ الآية، لأن الآية دلت على وجوب الطواف والوجوب على ما كان من قبل ولم يتغير ولم يتبدل وقولت الإجزاء عند وجود فعل الطواف مع الحدث لا يمس الوجوب، لأن الوجوب يجوز أن يكون باقياً مع انضمام هذا الشرط إليه، والجواز ثابت عند وجوده بشرطه غير ثابت عند وجود فعله بدون شرطه فدل أن دعواهم النسخ لا يتحقق أصلاً، وإنما هو ظن وحسبان وقد ذكرنا هذا في غير هذه المسألة فمن أراد أيسع من هذا فليرجع إليه.
وأما قولهم: ((إن السنة لبيان الكمال)).
قلنا: قد فات الإجزاء كاملاً فاجعلوا هذا نسخاً أيضاً، والآية وإن كانت اقتضت الإجزاء فقد اقتضت الإجزاء من كل وجه ويقال: اقتضت
الإجزاء أصلاً ووصفاً، فثبت أن الطريق ليس على ما قلتم لكن السنة مبينة لما يدل عليه الكتاب فيصير كأن الله تعالى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾........ على ما دلت عليه السنة مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ يعني على ما دلت عليه السنة.
فليس ما قالوه بشيء، لأن الكتاب والسنة ما دلا إلا على العمل فإن العلم بكون الطواف طوافاً شيء محسوس لا يحتاج إلى كتاب ولا إلى سنة إنما الكتاب والسنة يدلا على الاحتساب وهذا عملي لا علمي فإن معناه الاحتساب بعمله.
وقولهم: ((إن المقتضى لا عموم له)).
قلنا: قد بينا أن الطواف صلاة شرعاً، وإن سلمنا أن معناه أن له حكم الصلاة، أو معناه أنه مثل الصلاة فلما استثنى الشرع حكماً واحداً وهو الكلام دل أن ما وراءه على العموم وإلا لم يكن لهذا الاستثناء معنى.
وإن تعلقوا بجواز الكلام وترك الاستقبال نقول:
كما كان مثل الصلاة وجب أن لا يخالفها فيما لم تنفك عنه الصلاة بحال والطهارة مما لا ينفك عنها بحال بل الصلاة لا تكون صلاة إلا بها، وهذا بخلاف الكلام واستقبال القبلة فقد كان حلالاً في ابتداء الإسلام، كذلك الطواف كان في معنى ذلك.
وأما الاستقبال فقد يجوز تركه في كثير من المواضع على ما عرف.
أما تعلقهم بالحدث العمد فقد قال بعض أصحابنا:
إن الحدث العمد في خلال الطواف يوجب استئناف الطواف وإن قلنا إنه لا يوجب الاستئناف فلأن البناء ممكن وهو أن يبني على ما بقى من الطواف على ما مضى، لأن الواجب طواف بعدد معلوم فأمكن البناء ليتم العدد، فأما في الصلاة فقد عقد تحريمة تشتمل على أفعال، وبالحدث العمد يبطل عقد التحريمة فلا يتصور البناء على ما سبق فوجب الاستئناف.
والله أعلم.
(مسألة)
السعي بين الصفا والمروة ركن
عندنا.
وعندهم: ليس بركن.
لنا: حديث حبيبة بنت تجراة أن النبي عليه السلام قال: ((أيها الناس، إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا)) وهذا نص.
ثم نقول: إن الله تعالى أمر بالحج، وقد أخبر النبي عليه السلام أن الله تعالى كتب علينا السعي فصار من جملة الحج الذي أمر الله به وإذا صار من جملة الحج لم يخرج من الأمر بالحج بدونه، وهذا لأن الأمر بالحج لا يتأدى إلا فعل الحج فكل ما كان فعلاً من أفعال الحج سواء ثبت ذلك بالكتاب أو السنة لم يتأد الحج بدونه وهذا كالأفعال الواجبة في الصلاة لا تتأدى الصلاة بدونها.
يبينه: أن السعي طواف مأمور به ليكون شعيرة من شعائر الله تعالى فيكون واجباً.
دليله/ الطواف بالبيت.
والدليل على أنه من شعائر الله تعالى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ وشعائر الله تعالى أعلام الدين فلابد من تعلق فرض بهذه البقعة لابد من فعله ليكون من شعائر الله، لأنا إذا قلنا: إنه يجوز الحج بدونه لا يكون من شعائر الله، وهذا لأن شعائر الله ما إذا أوصل إليه ظهر له علم من أعلام الدين فإذا لم يكن المشروع فرضاً وأطلق تركه إلى تركه إلى دم أو غير دم لم يتبين كونه علماً للدين وشعيرة من شعائر الله تعالى.
وأما حجتهم:
قالوا: الحج واجب بدليل مقطوع به للعلم والعمل فكل ما كان من الحج ولم يكن الحج حجاً إلا به فلابد من وجوبه بمثله يستقيم وجوب الحج بدليل موجب للعلم على ما دل الدليل من الكتاب، فعلى هذا لا يجوز أن يجب السعي لا بخبر الواحد ولا بالقياس بل يجوز أن يتعلق كما الحج بدليل من السنة فأما أصل الحج فلا يجوز إثباته إلا بدليل يوافق الكتاب في إفادة العلم وذلك أن يكون دليلاً مقطوعاً به.
قالوا: ولأن السعي فعل يؤتي به خارج الإحرام فلا يكون ركناً كالرمي.
وبيانه: أنه يحل الإحلال الأول بالحلق والثاني بالطواف ثم يسعى ويستحيل أن يكون السعي عملاً من أعمال الحج فلا يتم بدونه ثم يجوز أن يؤتي به خارج الإحرام.
قالوا: ولأنه تبع للطواف بدليل أنه لا يجوز أن يؤتي به إلا عقيبه وهذا دليل التبعية حيث لم يستقل بنفسه بحال فلم يكن ركناً
دليله: الوقوف بالمزدلفة مع الوقوف بعرفة.
يدل عليه: أنا إذا جعلناه ركناً وهو تبع للطواف لم يصح الطواف إلا به ولا يجوز أن تقف صحة المتبوع على صحة التبع.
قالوا: ولأن السعي ليس له وقت على انفراده بل يكون وقت الطواف وقتاً له، والأصل أن الركن في الحج له وقت ينفرد به.
دليله: الوقوف والطواف وحين لم يكن وقت ينفرد به لم يكن ركناً.
الجواب:
أما قولهم: ((إن الحج وجب بدليل مقطوع به)).
قلنا: مسلم، لأنه وجب بالكتاب والسنة، ولا شك أن ذلك دليل مقطوع به لتواتره فيوجب العلم والعمل.
فأما قولهم: ((إن كل فعل كان من الحج لم يتم الحج إلا به يجب أن يكون وجوبه بمثل هذا الدليل)).
قلنا: ليس كذلك، لأن وجوب الحج بالكتاب لم يكن، لأنه لا يجوز وجوبه إلا بالكتاب بل كان يجوز وجوبه بالخبر وإن كان واحداً، لأنه واجب عملي، وأجمعنا على أن خبر الواحد يوجب العمل إلا أنه كذلك وقع الاتفاق الشرعي بأن الله تعالى أوجبه بالكتاب، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا جاز وجوبه فعل من أفعاله بدليل عملي لا يوجب العلم وألحق بسائر الأفعال في الركنية عملاً لا علماً وهو كالوتر على أصلكم ألحق بسائر الصلوات عملاً لا علماً، وهذا لأن الدليل يفيد الحكم بقدر مرتبته فإذا كان خبر الواحد يفيد الوجوب عملاً، ويجوز أن يكون هذا الفعل ركناً للحج عملاً صار ركناً عملياً من جهة أركان الحج، وسائر الأركان صارت أركاناً للحج علماً وعملاً وهو مثل واجبات الدين فبعضها واجبات الدين عملاً وعلماً وبعضها واجب عملاً لا علماً، كذلك ههنا.
وأما الذي قالوا: ((إن السعي يفعل خارج الإحرام جملة)).
قلنا: هذا يلزمكم كما يلزمنا، لأنكم تعترفون بوجوبه إن لم تعترفوا بركنيته واللزوم في الواجب صحيح مثل ما هو في الركن، وعلى أن نقول: إن الإحرام بمنزلة الباقي حكماً في حق السعي مثل ما يجعل بمنزلة الباقي حكماً في الرمي وطواف الصدر.
وأما قولهم: ((إن السعي تبع للطواف)).
قلنا: لا نسلم ذلك، بدليل أنه يجوز فعله عقيب طواف القدوم وطواف القدوم سنة، والواجب لا يتبع السنة إلا أن الشرع ورد بنوع ترتيب مثل ما رتب الركوع على القيام والسجود على الركوع وإن لم يكن واحد منهما تبعاً لصاحبه.
وأما قولهم: ((إنه غير مؤقت)).
قلنا: هذا حد تنفردون به ولا نوافقكم عليه، ولأنه إذا جاز أن يكون غير واجب ويكون مؤقتاً يجوز أن يكون أيضاً واجباً ولا يكون مؤقتاً، والكلام ليس له غور، وفيما ذكرنا كفاية، والله أعلم.
(مسألة)
إذا جامع المحرم امرأته بعد الوقوف بعرفة فسد حجه
عندنا، كما يفسد إذا جامع قبل الوقوف بعرفة، وعليه بدنه.
وعندهم: يفسد قبل الوقوف وعليه شاة ولا يفسد بعد الوقوف وعليه بدنة.
لنا:
إن الوطء مفسد للإحرام بالإجماع، الإحرام بتمامه وكمال قائم بعد الوقوف فإذا وجد العامل في الإفساد في محل العمل وجب أن يعمل ويفسد حجه.
دليله: إذا كان قبل الوقوف ويستشهد على هذا بالحسيات، فإن السيف إذا كان عاملاً في القطع والنار في الإحراق فإذا وجدا في محل العمل عملاً، كذلك ههنا.
وأما حجتهم:
تعلقوا بما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل مذهبهم في الصورتين جميعاً على حسب ما قالوا، ولا مخالف له فوجب تقليده، ولأنه بالوقوف أمن حجه من الفوات فوجب أن يأمن من الفساد.
دليله: إذا وقف ورمى، قالوا: وبفصل ما بعد الرمي يبطل قولكم إن الإحرام فائم أيضاً بعد الرمي ومع ذلك لا يفسد حجه.
فإن قلتم: ((إن الإحرام ليس على تمامه)).
قلنا: ليس كذلك، بل هو على تمامه بدليل بقاء المحظورات عليه إلى أن يحلق، وعلى أنه إذا كان الإحرام ضعف بالرمي فيكون الحكم بفساده أولى، لأنه إذا فسد الإحرام مع قوته وتمامه بالوطء فلأن يفسد عند ضعفه واختلاله أولى.
وأما أبو زيد قال: أفعال الحج ينفصل بعضها عن البعض مكاناً وزماناً فلا يتأدى فساد بعضه إلى الباقي كالصلوات المختلفة بل هذا أولى، لأن الصلاة والصلاة تختلف زماناً ولا تختلف مكاناً، وهذه الأفعال تختلف
زماناً ومكاناً ثم هناك لا يتعدى الفساد من البعض إلى البعض فههنا أولى، وإذا ثبت هذا فنقول: إذا جامع قبل الوقوف فقد فسد إحرامه، والإحرام شرط لأداء الأفعال وإذا فسد قبل أداء شيء من الأفعال لم يجز أداء شيء من الأفعال بإحرام فاسد ففسد الحج بلا إشكال، فأما إذا جامع بعد الوقوف، فالوقوف قد صح بإحرام صحيح فإذا جامع فسد إحرامه وفسد الطواف وقد بينا أنه لا يتعدى الفساد من فعل إلى فعل فبقى الوقوف عل الصحة وفسد الطواف فصحة الوقوف توجب صحة الحج وفساد الطواف يوجب فساد الحج فقد تعارض الموجب للصحة والموجب للفساد فلابد من الترجيح، والترجيح للوقوف على الطواف بدليل قوله عليه السلام: ((الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه)) ولأنه يؤتى به في إحرام كامل.
وأما الطواف يؤتى به وقد حصل بعض التحلل فيكون الوقوف في حصول الحج به فوق الطواف، ألا ترى أنه أبيح بعض التحلل بعد وجوده قبل وجود الطواف ولا يباح شيء من التحلل قبل وجوده، وإذا ثبت أن
جانبه أرجح قلنا إنه يبقى حجه على الصحة لصحته ولا يفسد بفساد الطواف ثم إذا لم يفسد وجبت بدنه لتغليظ الوطء وزيادته في التحريم على سائر المحظورات وقبل الوقوف لما فسد فقد وجب القضاء فسقطت البدنة ووجبت شاة لتقديم الوطء على وقته الذي أحل فيه.
الجواب:
أما أثر ابن عباس فلا تعرف صحته وإن ثبت فلا يترك القياس به.
وأما قولهم: ((إنه حج وقع الأمن عن فواته فيقع الأمن عن فساده)).
قلنا: ولم؟ ثم يجوز أن يفسد ما لا يفوت.
دليله: العمرة، وهذا لأن الطواف غير مؤقت فلا يفوت وإذا لم يفت فلو فات الحج فات بفواته فإذا لم يفت هو لم يفت الحج، وأما الوقوف مؤقت بوقت مخصوص فيفوت بمضي الوقت من غير وقوف فيفوت الحج بفواته فافترقا لهذا المعنى.
وأما الفساد فإنما كان للجناية على الإحرام بفعل الوطء وهو موجود سواء أكان قبل الوقوف أو بعد الوقوف.
وأما قياسهم على ما بعد الرمي.
قلنا: الإحرام قد وقع التحلل عن الإحرام عندنا بالرمي، ولهذا المعنى أبيح له الحلق ولم يكن مباحاً من قبل وإذا وقع به التحلل لم يبق إحراماً تاماً ومحل العمل إحرام تام.
قلنا: هذا دعوى، وجب أن يبطل الإحرام سواء أكان تاماً أو لم يكن تاماً على ما سبق.
قلنا: الإحرام إذا وقع عنه التحلل من وجه ضعف وإذا ضعف في نفسه
ضعفت الحرمة المتعلقة به فلم تكمل الجناية بارتكابه بل خفت وإذا خفت لم يعمل في إفساد الإحرام.
أما في مسألتنا فالإحرام على تمامه وكماله فكملت أيضاً حرمة الوطء وإذا كلمت حرمة الوطء عظمت الجناية بارتكابه فأفسد الحج كما يفسد قبل الوقوف.
وأما طريقة أبي زيد: فليست بشيء، لأن أفعال الحج وإن انفصل بعضها عن البعض مكاناً وزماناً ولكن عند الحج جمع الكل فيتعدى الفساد من البعض إلى البعض، وتحقيق هذا هو أن هذه الأفعال ليست بعبادات بأنفسها وإنما صارت عبادات لأنها أفعال الحج، ألا ترى أنه لو وقف أو سعى أو رمى لا في الحج لا يكون فعله شيئاً.
فثبت أن هذه الأفعال إنما صارت عبادة لأجل أنها من الحج وإذا كانت صحتها عبادة لأجل أنها من الحج فيكون عند الحج جامعاً للكل وتصير جميع الأحوال كأنها شيء واحد في العبادة فيتعدى الفساد من البعض إلى البعض كما يتعدى في الصلاة والتعدي قد يكون في فعل لاحق وقد يكون في فعل سابق ففسد الوقوف والطواف جميعاً/ ففسد حجه.
وأما ما قالوا: من الترجيح.
فهوس، لأنههم إذا سلموا فساد الطواف بفساد الإحرام لأجل الوطء لا يمكن القول بعد ذلك بصحة الحج.
لأن الحج لا يتأدى بطواف فاسد، وإن قالوا: يفسد الإحرام بالوطء فقد منعوا عمل الوطء مع كونه عاملاً في الإفساد ومع وجود محل العمل وهذا لا يجوز، والله تعالى أعلم بالصواب.
(مسألة)
صيد الحرم والإحرام مضمون بالمثل خلقة من النعم فتجب في النعامة (بدنة)، وفي الضبع كبش، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الظبي شاة.
وعندهم: يكون مضموناً بالقيمة.
ثم في المذهب تفاصيل في الجانبين، فعندنا يجوز أن يدع المثل ويتصدق بلحمه، ويجوز أن يقومه ويشتري بالقيمة طعاماً فيتصدق على كل مسكين بمد أو يصوم مكان كل مد يوماً، والخيار إلى الحكمين.
وعندهم: يصرف القيمة إلى الهدى من النعم إن شاء وإن شاء صرفه إلى الطعام ويطعم كل مسكين نصف صاع فإن شاء صام مكان كل نصف صاع يوماً، والخيار عندهم إلى من عليه، قالوا: وإن تصدق بالقيمة يجوز أيضاً.
لنا:
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، فيجب مثل المقتول من النعم بنص الكتاب.
وعندهم: تجب قيمة المقتول وهو خلاف القرآن.
ويدل عليه: إجماع الصحابة، روى عن عمر، وعثمان، وعلي،
وزيد، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، ومعاوية أنهم قالوا: في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الظبي شاة، وفي الغزال عنز، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وفي الحماة شاة، وهذا الإجماع في نهاية الحجة ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.
وإن قالوا: إنه كان بطريق القيمة فهذا محال، لأن تقويم هذه الحيوانات بهذه الحيوانات باطل بل نقطع بوجود التفاوت قيمة
يدل عليه: أنهم أوجبوا هذه الحيوانات من النعم في مقابلة هذه الحيوانات من الصيود، والقيم دراهم ودنانير فكيف يستقيم تقويم الحيوان بالحيوان؟
وإن قالوا: اعتبروا المعادلة قيمة، فلا معادلة بين قيمة البدنة وقيمة النعامة، وكذلك في حمار الوحش والبقر والضبع والكبش والظبي والشاة فلا مطمع لهم في تأويل الآية وتأويل أقوال الصحابة بحال، ويقال أيضاً: واجب باسم الكفارة فلا يرجع فيها إلى التقويم.
دليله: سائر الكفارات.
يدل عليه: أن حق الله تعالى متعلق بهذه الواجبات فيكون لزومها بالتوقيف المحض، وهذا لأن الله تعالى خلق هذه الحيوانات على خلق مختلفة وصور متفاوتة، وقد تعلق حق الله تعالى بها إذا كانت في الحرم،
وكذلك في حال الإحرام، فإذا أمكن قضاء حق الله تعالى بنوع من المماثلة بين النعم وهذه الصيود فلا يجوز تركه ووجب اعتباره، وإذا رجعنا إلى القيمة مع إمكان اعتبار المماثلة صورة بين النعم والصيود ولم نعتبرها فقد ضيعنا حق الله تعالى من هذه الجملة وهذا لا يجوز.
وأما حجتهم:
تعلقوا بالقياس المحض، وقالوا: حيوان مضمون فيكون مضموناً بالقيمة.
دليله: الحيوانات المملوكة.
يبينه: أن الصيود لا مثل لها، والنعم لا مثل له، بدليل أنه لا تضمن الصيود بالصيود ولا النعم بالنعم فإذا حكم بعدم المثل في الجنس الواحد فلئن يحكم بعدم المثل في الجنسين المختلفين وهو الصيود والنعم أولى.
قالوا: فإن قلتم: يوجد نوع مماثلة فإن ذلك غير معتبر، لأنا إن اعتبرنا نوع مماثلة فيوجد ذلك بين كل شيئين في العالم فدل أن المماثلة حقيقة هي أن يكون ذاتاً ومعنى وصفة.
قد قالوا: إذا اعتبرنا القيمة فقد اعتبرنا المماثلة معنى.
وأما إذا أعرضتم عن القيمة واعتبرتم المماثلة حقيقة وهي لا توجد فلا مماثلة ولا معنى ولا صورة فصار ما قلتم إعراضاً عن المماثلة من كل وجه وما قلناه إعراض عن المماثلة من وجه واعتبار لها من وجه فكان أولى.
وتعلقوا بالحيوانات التي لا مثل لها مثل العصافير والقنابر وغيرها فإنه تجب القيمة فيها، كذلك في الحيوانات التي لها مثل وجب أن تجب القيمة أيضاً.
وقالوا في الآية: إن معنى المثل هو القيمة، وهو مثل معنى وإن لم يكن مثلاً صورة.
قالوا: وقد تم معنى الآية بقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ ابتداء ومعناه أنه يحكم به عند اختيار من عليه الجزاء، وذلك بأن يشتري بالقيمة من النعم فيكون ذلك كفارة له أو يصرف إلى الطعام فيكون كفارة أو إلى الصيام فيكون كفارة، وعلى القيمة أولوا أقوال الصحابة على معنى أن القيمة الواجبة كانت مصروفة إلى هذه الأجزية.
الجواب:
إن جميع ما قالوه محض قياس، والكتاب وإجماع الصحابة مقدمان عليه، وقد بينا وجوه ذلك ولا مطمع في التأويل، لأن قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، يأتي التأويل بالتقويم، لأن التقويم بالنعم محال بالدنانير والدراهم.
وقولهم: ((إن القيمة تكون مصروفة إلى النعم)).
يقال أولاً: هذا ليس بشيء حتم على أصلكم، فإن عندكم لو تصدق بالدراهم والدنانير التي هي القيمة جاز.
وأما عندنا فوجوب المثل حتم، وقد دلت الآية على الحتمية، لأن تقدير الآية فعل جزاء مثل ما قتل من النعم، ولأن عندكم يدخل النعم في هذا الجزاء عند اختيار من عليه ذلك وصرف القيمة إليه وهذه زيادات لا يدل عليها ظاهر الآية بوجه ما.
وأما تأويل إجماع الصحابة فقد بينا فساده.
وأما الذي قالوه واعتقدوه من كون القيمة مثلاً معنى، فالقيمة لا تكون مثلاً بحال، وذوات الأمثال مختلفان وذوات القيم لا تكون مثله بحال.
وأما قولهم: ((إن المماثلة خلقة وصورة لم توجد)).
قلنا: توجد ببعض الوجوه ولم توجد من كل الوجوه، وقد بينا أن على الوجه الذي يوجد تعطيله.
والله تعالى أعلم بالصواب.
(مسألة)
إذا دل المحرم محرماً آخر أو حلالاً على صيد فقتله المدلول لم يجب الجزاء على الدال
عندنا.
وعندهم: يجب.
لنا:
ما روى عن ابن عمر مثل مذهبنا، ولأن الله تعالى علق الجزاء بفعل القتل بقوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
والدلالة ليست بقتل، والأولى أن يقال: علق الجزاء والاصطياد والدلالة ليست بقتل ولا هو اصطياد.
ودليل تحريم الاصطياد في ضمن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾.
يبينه: أن الله تعالى قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي اصطياد صيد البر.
والدليل على أنه ليس باصطياد أن الصيد لا يكون له بل يكون للمدلول.
ونقول أيضاً: دلالة على إتلاف محل مضمون فلا يكون سبباً لضمان المحل.
دليله: إذا دل على قتل مسلم فإنه لا ينبني عليه سوى الإثم.
يدل عليه: أن نهاية ما في الباب أنه سبب لقتل الصيد والقاتل باشر القتل باختياره فتقطع حكم الدلالة التي هي سبب، مثل ما لو حفر بئراً فجاء إنسان وردي فيه إنساناً فإنه لا ضمان على الحافر وإنما يجب على المردي.
فثبت أن المباشرة تقطع حكم السبب وإذا انقطع حكم السبب التحق بالعدم فلم يجب به شيء، والتحرير واجب باسم الكفارة فلا تجب بالدلالة.
دليله: كفارة القتل وتأثيره ما سبق.
وأما حجتهم:
رووا عن ابن عباس: ((أنه أوجب على الدال الجزاء)).
قالوا: وعن عمر مثله، وكان شاور فيه عبد الرحمن بن عوف.
أما المعنى:
قالوا: الدلالة على الصيد من محظورات الإحرام فيكون سبباً لوجوب الكفارة في الجملة.
دليله: الأخذ.
دليله: سائر المحظورات، والدليل على أنها من محظورات الإحرام، أن الدلالة محرمة عليه بالإجماع وقد صارت محرمة بالإحرام بدليل أنه إذا حل زالت الحرمة.
ودليل الحرمة أيضاً أن الدال فلا يجوز له الأكل من الصيد، وصورته محرم دل حلالاً على قتل صيد فقتله حرم على الدال أكله، فعرفنا أن الدلالة من محظورات الإحرام فصارت سبباً لوجوب الجزاء، وهذا لأن الكفارة وجبت بجناية على إحرامه بارتكاب محظوره، وقد وجد هذا في مسألتنا فوجب الجزاء.
وأما تحقيقهم في المسألة:
قالوا: تحريم القتل والاصطياد معلول بإزالة أمن ثبت للصيد بالإحرام، والدلالة في إزالة الأمن عن الصيد بمنزلة الرمي والأخذ، لأن أمنه عن الصائد في حالته تلك بتواريه عن عين الصائد، ألا ترى أنه لا يبقى آمناً
في تلك الحال بعد علمه به، وإنما يكتسب أمناً آخر بفوته والفرار الذي يحدثه.
يبينه: أن الخلاف في الطير والفرخ والبيض واحد، ولا يأمن البيض عن الصائد بعد علمه به، فثبت أن الأمر يزول بالدلالة وإذا كان وجوب الجزاء معلولاً بإزالة الأمن وقد زال ذلك بالدلالة فوجب بها الضمان، وشبهواً هذا بالمودع إذا دل السارق على سرقة الوديعة حين سرقها يجب عليه الضمان، وكذلك إذا ترك الحفظ صار جناية في حقه على الخصوص، كذلك المحرم قد التزم هذا الأمر، وإذا تركه صار جناية في حقه على الخصوص.
قالوا: ولا يلزم إذا دل على الصيد فلم يأخذه المدلول حيث لا يجب عليه شيء بنفس الدلالة، لأنه إذا لم يأخذه المدلول عاد الأمن إلى الصيد فصار كما لو أخذ الصيد ثم أرسله سقط عنه الضمان لما ذكرنا.
قالوا: وأما إذا دل/ عليه ثم رجع عن الدلالة ونهاه عن أخذه لا يبرأ عن الضمان لأن زوال الأمن كان بعلم الصائد بمكانه وذلك السبب قائم وإن رجع هو عن دلالته ونهاه عن الأخذ فلم يبرأ عن الضمان.
قالوا: وكذلك نقول في المودع إذا مكن السارق من أخذ الوديعة ثم نهاه باللسان لا يبرأ، وإنما يبرأ إذا حفظه باليد فعجز، لأنه لما أثبت اليد عليه فقد عاد إلى المال ما كان ثابتاً من قبل وهو الحفظ المؤمن للوديعة فبرئ عن الضمان الواجب بإزالة أمن الحفظ فقياس هذا من مسألتنا أن لو ذهب الدال وأخفى الصيد بأن كان بيضاً أو فرخاً فأخفاه من المدلول فإنه يبرأ عن الضمان في هذه الصورة.
دليله: مسألة الوديعة وتقريره وبيان وجه تأثيره ما سبق.
قالوا: وليس كالدلالة على قتل المسلم، لأن دم المسلم وماله غير مضمون أمانه على أحد ولا حفظه حتى يقال يجب الضمان بإزالة الأمن أو ترك الحفظ.
فإن قلتم: ((مضمون بعقد الإسلام)).
قال: ليس في الإسلام ضمان شيء من هذا الباب إنما يجب عليه بحق الدين أن لا يؤذي مسلماً، فلا جرم وجب بتركه الجزاء الذي هو بمعصية الله تعالى على الإطلاق، وذلك الإثم وإذا لم يكن فيه ضمان فكان الواجب من الكفارة وغيرها متعلقاً بتعقد يقع على العين، والدلالة ما اتصلت بالعين جناية عليه وإنما يتصل بالعين مباشرة الأخذ أو الإتلاف، وإذا كان المباشرة والأخذ مختارين في الإتلاف والأخذ كانت إضافة السبب مقصورة عليهما ولم تجب على صاحب الدلالة فصار حرفهم في المسالة: أن ترك الحفظ سبب ضمان العين بضمان الحفظ وإزالة الأمن سبب ضمان العين بضمان الأمن فالأول في الوديعة، والثاني في الإحرام، ومثل هذا لا يوجد في عقد الإيمان فبقى مجرد ارتكاب المعصية بالدلالة على المعصية، وأما الضمان فكان مقصوراً على من يوجد منه العدوان المتصل بالعين.
قالوا: وأما جزاء صيد الحرم يجب على وجه البدل على المتلف، ولهذا يدخل فيه الصوم، وهذا لأنه لم يوجد عقد ولا التزام أمان حتى يصير بالقتل جانياً على عقده، وإنما الله حرم هذه الصيود في الحرم لمحض حقه أو لحق الصيد على ما سبق.
وإذا أتلفه كان الواجب عليه بدل المتلف لحق الله تعالى.
وفي مسألتنا إنما تجب الكفارة على وجه الجزاء على ارتكاب المحظور ولهذا دخل فيه الصوم، وهذا لأن الواجب إذا كان في مقابلة المحل لا يجوز أن يدخل فيه الصوم، لأنه لا مماثلة بين الصوم والمحل، وأما إذا كان جزاء عن ارتكاب
محظور يجوز أن يدخله الصوم، لأن الصوم يصلح أن يكون واجباً عن ارتكاب محظور ولأن الصوم حسنة وارتكاب المحظور سيئة، والله تعالى قد شرع الحسنات مذهبة للسيئات، وإذا كان الواجب في صيد الحرم على طريق البدل عن المتلف لم يجز أن يجب ضمانات عن متلف واحد، وإذا وجب على المباشر بارتكاب المحظور بقتله لم يجز أن يجب على الدال.
وفي مسألتنا لما كان الواجب جزاء على ارتكاب محظور يجوز أن يجب على المباشر بارتكاب المحظور بالقتل، ويجب أيضاً على الدال بارتكابه المحظور بدلالته، لأن كل واحد منهما مرتكب محظور.
وقال أبو زيد في ((الأمالي)) جواباً عما إذا دل ولم يقتل المدلول: إن الضمان من حيث إنه وجب بارتكاب محظور يكون كفارة وجزاء عن الجناية، ومن حيث إنه لم يجب جزاء عن صيد مضمون يجب بدلاً عنه فيجب بالطريقين جميعاً كفارة وبدل، فمن حيث إنه يدل لم يجز أن يجب إذا كان المبدل سليماً على حاله ولا يجب إلا بعد فوته، ومن حيث إنه كفارة يجوز أن يجب إذا فات المبدل على القاتل لإتلافه بدلاً عنه، وعلى الدال الكفارة بجنايته على إحرامه.
الجواب:
أما الآثار عن الصحابة:
فقد روينا عن ابن عمر مثل مذهبنا، وعليه يدل القياس الجلي.
وأما قولهم: ((إن الدلالة من محظورات الإحرام)).
قلنا: أما إذا دل محرماً على الصيد ليقتله فإنما كان محظوراً لأنه دلالة
على المعصية، والدلالة على المعصية معصية، وهو مثل أن يدل ظالماً على مسلم ليقتله.
وأما إذا دل حلالاً على صيد ليقتله فإنما كانت الحظرية بالنص وهو حديث أبي قتادة المعروف: ((أنه كان في رهط في المحرمين وكان حلالاً فمر به حمار وحشي فشد لعيه وقتله وجاء به إلى أصحابه فأبوا أن يأكلوا حتى يسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما سألوه قال: هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ هل دللتم؟ قالوا: لا، قال: فكلوا)).
ولولا هذا النص لا تجب الدلالة ولا يجب الأكل أيضاً، فسلم هذان الحكمان في هذه الصورة/ للنص، فأما في الصورة الأولى فمجرد الدلالة على المعصية، بدليل الدلالة على قتل المسلم ليقتله المدلول.
وأما قولهم: ((إنه بعقد الإحرام التزام أمان الصيد)).
قلنا: يجوز أن يقال إنه ما التزم شيئاً بعقد الإحرام إنما هو شارع في حج عليه أو حج متنقل به، وإنما الله تعالى حظر عليه أشياء في عقدة
الإحرام فنظرنا إلى المحظور فوجدناه بالقتل ثم نظرنا فوجدنا واجب القتل لا يجب بالدلالة على القتل بحال، وعلى أنا إن سلمنا أنه التزام الأمان في حق الصيود ولكن عن القتل والاصطياد ولم يوجد واحد واحد منهما.
قالوا: ((بل التزام كل ما ينافي أمانه)).
قلنا: لا، بل القتل متعين، لأن الشارع نص على القتل، وغير القتل لا يحرم تحريم القتل، وأما حظرية الدلالة كانت بالوجه الذي قدمنا ثم نقول: إذا كان الواجب بارتكاب المحظور فأوجبوا الجزاء وإن لم يقتل المدلول.
وقولهم: ((إنه إذا لم يقتل المدلول عاد الأمان)).
قلنا: هذا أضعف كلام يكون، لأن جنايته على إحرامه قد تحققت من حيث الدلالة وتخويف الصيد قد وجد وهو جناية مستقلة بنفسها فوجد وإن لم يتصل به القتل بدلالة أن الإثم في هذه الصورة على الدال مثل الإثم عند اتصال القتل بالصيد فينبغي أن تجب الكفارة وحين لم تجب عرفنا أن الدلالة غير موجبة للجزاء بحال.
أما عذرهم الأخير في سلوك طريقة الشبهين.
فهذه طريقة يسلكها هذا القائل في كثير من المسائل، وهي بعيدة عن مناهج الفقهاء، لأن حق الفقيه ترجيح أحد الشبهين على الآخر ومداخلة المعاني الصحيحة على أصول الشرع ليتبين له قطع الحادثة عن أحد الشبهين وإلحاقها بالشبة الآخر وإنما سلوك طريقة الشبهين نوع عجز يعدم صاحب المعنى، وعلى أنا نقول: إن الضمان عن الحيوان المضمون يكون بدلاً عنه كضمان الشاة والبقرة ونفس المسلم.