الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفةصفحات 269-308

وأما الإحرام فينعقد في الحال لأجل الالتزام وفي المال للأداء فالأداء إن لم يتصور جمعاً، فالالتزام يتصور ثم الخروج عن حكم الالتزام بفعل أحدهما وقضاء الآخر.
وأما الارتفاض في أحدهما فعند أبي يوسف في الحال، لأنه لو بقى لبقى الأداء والأداء جمعاً فلابد أن يرتفض أحدهما فارتفض في الحال.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه لابد للارتفاض من رافض فجعل الشروع في أحدهما ثم حصول التوجه إلى أحدهما فصار الآخر مثل ما جعل الظهر مرفوضاً بالتوجه إلى الجمعة.
الجواب: إن هذه كلها بناء على أن الإحرام التزام الحج، وقد بينا أنه حج في نفسه والجمع غير مشروع في الحج فبطل، وليس كما لو أحرم بأقصى خراسان ليلة عرفة، لأنه أحرم لمشروع إلا أنه عجز عنه فصار بمنزلة فائت الحج، وأما ههنا أحرم بما ليس بمشروع.
وأما انعقاد إحرامه بإحدى الحجتين فلأنه لا مانع منه، أما إذا جمع بين أختين فقد تعلق به منازعة الأذى في حقه، وليس إثبات الحق لأحدهما بأولى من الآخر فبطلا، وهذا لا يوجد في مسألتنا.
وأما إذا أحرم بصلاتين أو نوى صومين ففي النفلين أو النفل والفرض ينعقد أحدهما نفلاً، وفي الفرض لم ينعقد لعدم التعيين، ونية التعين شرط في صحة الفرض.
والله أعلم.

(مسألة)

يجوز الاستئجار على الحج

عندنا.
وعندهم: لا يجوز.
وعلى هذا الخلاف الاستئجار على تعليم القرآن، والاستئجار على الآذان على أحد الوجهين.
والجملة أن عندهم لا يجوز الاستئجار على شيء من الطاعات.
وعندنا: يجوز على كل عمل معلوم يمكن تسليمه وإيفاءه غير مفترض على الأجير فعله.

لنا: أنه استأجر على عمل معلوم يمكن تسليمه وإيفائه غير مفترض على الأجير فعله فجاز.
دليله: إذا استأجر على نصب قنطرة أو بناء مسجد أو بناء رباط وغير ذلك من أفعال الخير.
وقولنا: ((معلوم)) ظاهر، لأن أفعال الحج معلومة في نفسها متعين زمانها ومكانها.
وقولنا: ((إنه يمكن إيفاءه وتسليمه)) يعني أنه متصور تلبيته ووقوفه وطوافه عن الغير وإذا فعلها صارت كالمسلمة إليه شرعاً، ولهذا سقط الفرض عنه- أعني الآمر- وكذلك إذا استأجره على تعليم سورة بعينها فإيفاء ذلك السورة بتعليمها مثل ما لو استأجره على تعليم الخط والحساب أو كتاب معلوم من اللغة وعلوم العربية وغيرها.
وقولنا: ((غير مفترض على الأجير)) حتى إنه لو افترض في موضع فعله لم يجز الاستئجار عليه.
ويدل على جواز النيابة في الحج فنقول: أجمعنا على أنه لو قال المعضوب لغيره: ((حجي عني))، فإنه يصح هذا الأمر والمأمور ينوي الحج عنه أو يقول: لبيك يعن فلان، ويظهر عمله في حقه حتى سقط الحج المفروض عن ذمة الآمر، وكذلك إذا أوصى بالحج عنه فإنه إذا مات جاز الحج المأمور عنه.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: ((لو مات رجل فحج عنه ابنه يجزيه إن شاء الله تعالى))، وإنما أدخل الاستثناء لأنه صور المسألة فيما إذا حج عنه بغير أمره، فأما إذا أمره أن يحج عنه فإنه يجوز عنه قطعاً.

فثبت أن النيابة جائزة في الحج فنقول: عمل تجري فيه النيابة فيجوز الاستئجار عليه بالمال.
دليله: سائر الأعمال.
وأما حجتهم: قالوا: عبادة بدنية فلا يجوز/ الاستئجار عليها.
دليله: الصوم والصلاة، وإنما قلنا إنها عبادة بدنية من الوقوف والطواف والسعي والرمي وغير ذلك.
قالوا: والفقه في ذلك: أن العبادات أوجبت على وجه الابتلاء للعباد، والابتلاء لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن، لأنه يظهر عند إتعاب البدن طواعية العبد لربه وانقياده لحكمه أو كراهية لذلك ونفوره عنه فيعرف الصادق من الكاذب والمطيع من العاصي والمخلص من المنافق ويتحقق الابتلاء والاختبار الذي أوجبت العبادات بوصفه.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: لا يوجد معنى الابتلاء إلا فيما يفعله العبد بنفسه ويتحمل تعبه بذاته وجسمه فأما عند أمره غيره بفعله واستنابته في ذلك من تسبينه فلا يتحقق معنى الابتلاء فيه بحال، وهذا لأن الابتلاء في التعب، ولا تعب في الأمر إنما التعب في الفعل.
قالوا: ولهذا لم تجز النيابة في الصلاة والصوم، وكذلك لم تجز النيابة في الحج عند القدرة على فعله، وأما الزكاة وسائر واجبات المال فالابتلاء فيها بتنقيص المال وذلك يوجد سواء فعله بنفسه أو فعله نائبه، ولهذا دخلتها النيابة مع قدرته على فعلها بنفسه.

وإذا ثبت هذا الأصل أن النيابة غير داخلة في هذه العبادات فالاستئجار عليها باطل.
قالوا: وأما إذا أمر غيره أن يحج عنه فإنما جاز ذلك عند العجز أو جاز بعد موته على معنى أن فرض الحج لازم عليه بدناً وقد عجز عن نفسه فالشرع نقل الفرض الذي كان على بدنه إلى المال الذي يبذله له في الحج فيكون له ثواب النفقة على الحج وسقط به الحج عنه، لأنه فعل ما كان عليه بقدر الإمكان، أو لأنه لما انتقل الواجب من البدن إلى المال فلابد من سقوطه عنه.
ونظيره الشيخ الهم إذا تصدق بدل الصوم فإنه يسقط الفرض عنه لانتقال الواجب إليه.
قال أبو زيد في ((الأمالي)) محتجاً في هذه المسألة: إن الحج عن الغير لا يكون حاجاً عنه إلا بعد ما يقع الحج عن الحاج وإذا وقع الحج عنه لم يستحق الأجر على غيره.
دليله: الآذان.
والدليل على أنه يقع حجه عن نفسه أنه لا يصح حجه ما لم يكن من أهل الحج عن نفسه حتى إذا كان كافراً لا يصح، لأنه ليس من أهل الحج عن نفسه ولو كان الفعل يقع عن الآمر لم يشترط لصحته كون الفاعل من أهله لنفسه.
ألا ترى أن بناء القناطر والرباطات والمساجد لما صح للعامل فيها أن يكون أجبرا ووقع عمله عن الآمر جاز أن يكون الأجير فيه كافراً، وهذا

لأن العبد متعين لفعل العبادة حقاً لله تعالى، إما فرضاً أو نفلاً، فلا يتصور مع كونه فاعلاً فعل العبادة أن يكون فاعلاً عن غيره بخلاف بناء الرباط والمساجد، لأن فعلها في ذاته ليس بعبادة عن الفاعل، بدليل أنه يجوز منه وإن لم يكن من أهل العبادة مثل أن يكون الأجير كافراً.
قالوا: وأما قولكم: ((إن النيابة صحيحة)).
فالقياس أن لا يصح، لأنه عبادة بدنية على ما ذكرنا، ولكن الشارع جوز ذلك لما فيه من المال، لأن الحج لا يتأدى إلا بنفقة فأخذ شبهة الزكاة من هذا الوجه حتى إذا استعان برجل ليحج عنه ولم يعطه النفقة لا يجوز، وكذلك إذا أمر أن يحج عنه فأنفق المأمور عامة النفقة من جهة نفسه لا يجوز.
فثبت أن جواز النيابة لشبهه بالزكاة من حيث النفقة.
فأما من حيث أنه عبادة بدنية فلا ينبغي أن تجوز فيه النيابة فجوز الشرع فيه النيابة في حال اليأس عن فعله بنفسه لشبهه بالزكاة ولم يجز في غير حال اليأس لشبهه بالصلاة وإذا جازت النيابة فيه من ذلك الوجه لم يكن بد من نيته عنه، وتلبيته باسمه وصح أمره إياه بأن يحج عنه وسقط الفرض عن الآمر لا عن المأمور.
وأما الأجر على أصلكم إنما وجب للأجير من حيث أنه فعل الحج بدناً وأقام فعله ببدنه مقام فعله بنفسه، ومن هذا الوجه لا ينبغي أن تجوز فيه النيابة، لأنه عبادة بدنية فلم يجز الاستئجار عليه ولم يجب له الأجر، هذا نهاية ما يمكن.
الجواب: أما قولهم: ((إنه عبادة بدنية)).

قلنا: يمكن أن يقال: ليس بعبادة محضة، وقد سلم هذا في الطريقة الثانية حيث قال: ((إنه يشبه الزكاة من وجه، وعلى أنا وإن سلمنا أنه عبادة بدنية لكنه عبادة بدنية تجرى فيها النيابة، وفيه الإجماع ولا يمكن منعه بحال.
والحرف أن أداء العبادة بدناً قد وجد إلا أنه قام فعل الأجير بدناً مقام فعل المستأجر بعقد مشروع وهو عقد الإجارة فصار كأنه الفاعل بنفسه.
وأما قولهم: ((إن وصف الابتلاء لا يوجد إلا لفعله بنفسه)).
قلنا: هذا لا يغنى بعد/ أن تلجئهم الضرورة إلى تسليم جواز النيابة فيه، وعلى أن معنى الابتلاء موجود وإن أدى بفعل الأجير، لأنه لابد من الأمر بفعله ولابد من بذل المال لفعله فيوجد الابتلاء، ألا ترى أن الابتلاء موجود في العبادات المالية، كذلك ههنا يوجد الابتلاء ببذل المال غير أنه كان الابتلاء بفعله بدناً والتوصل إليه مالاً، وههنا الابتلاء كله النقل إلى المال.
وأما الذي قالوه: ((إن النيابة غير جارية أصلاً لكن سقط الفرض عن الآمر ببذل النفقة)).
فكلام في غاية الرذالة والنذالة ولا يتصور فرض الحج إلا بفعل الحج.
فإن قالوا: إنه إذا انتقل الفرض من البدن إلى بذل المال فينبغي أن يؤمر بصدقته على الفقراء ويكون وجوبه باسم الفدية على الحج مثل الشيخ الهم تجب عليه الفدية عن الصوم، فأما أن يقال إن الحج بقى وجوبه عليه حتى يجب عليه أن يأمر نائبه بالحج عنه ويجب على النائب أن ينوي عنه الحج ويسميه في تلبيته ثم الحج يكون عن الحاج ويكون للآمر ثواب النفقة ويسقط الحج عن ذمته بثواب النفقة، فهذا كلام غير مفهوم، ولا يستجيز اعتقاده والقول به فقيه، وإن صار واجب الحج واجب بذل المال فبأي وجه

تعين بذل المال في جهة الحج بل ينبغي أن يجب صرفه إلى مصارف الصدقات، ثم كيف يتعين بذله في حج يفعله النائب عن نفسه ويكون واجباً عليه أن ينويه عنه ويسميه في تلبيته ولو نواه عن نفسه كان مخالفاً ويلزمه رد ما أخذه عليه، فهذه كلها تخبطات عظيمة وحكايتها كافية عن الكلام عليها.
وأما طريقتهم الثانية، وقولهم: ((إن الحج وقع عن الحاج)).
فقد قال بعضهم: وقع عن الحاج نفسه من وجه وإنما يجوز عقد الإجارة إذا وقع عن المستأجر من كل وجه.
فنقول: لم يقع عن الحاج بوجه ما وهو واقع عن الآمر من كل وجه.
وأما قولهم: ((إنه يشترط أن يكون من أهل الحج لنفسه)).
قلنا: إنما اعتبر ليكون من أهل الحج وإنما يجوز الاستئجار على الحج لمن يكون من أهل الحج، وهذا بمنزلة كل فعل يستأجر الإنسان عليه إنما يجوز إذا كان الأجير من أهل ذلك الفعل إلا أن الحج فعل شرعي فيعتبر أن يكون من أهل فعله شرعاً وهو بمنزلة ما يستأجره على فعل حسي يعتبر أن يكون من أهل فعله حساً.
ونظير هذا إذا استأجر المسلم مجوسياً لذبح شاة لا يجوز وإن كان الذبح محسوساً يوجد منه مثل ما يوجد من المسلم، ولكن قيل إن الذبح المحلل فعل شرعي فيعتبر في الأجير أن يكون من أهل فعله شرعاً فإذا لم يكن، لم يصح الاستئجار عليه ولم ينظر إلى تصوره محسوساً منه، كذلك ههنا، وهذه الطريقة كان بناؤها على هذا الأصل وإذا حصل الجواب بطل الباقي منها.

وقولهم: ((إنه تصح النيابة من حيث وجود المال فيها لا من حيث أصل الفعل)).
قلنا: هذا إنكار المحسوس، لأن النائب إنما فعل ما فعله بدناً لا مالاً، والنية وجدت منه في الحج بدناً، والآمر قال له: حج عني، وقوله: ((حج عني)) ينصرف إلى الأفعال البدنية.
وقوله من قال: إن النيابة جازت من حيث المال لا من حيث البدن لغو باطل.
يبينه: إن النيابة جوازها من حيث الأمر، والأمر يتناول الواجب عليه وإذا كان الواجب هو الفعل فيكون الأمر بالفعل، وإذا كان الأمر بالفعل تكون النيابة جارية في الحج من حيث الفعل.
وأما المال سبب يتوصل به إلى الحج، وأما الوجوب لا يتناوله ولا الأمر يتناوله فسقط ما قالوه.
والله أعلم.

(مسألة)

العمرة واجبة

عندنا.
وعندهم: تطوع.
لنا: ما رواه ابن فضيل عن حبيب بن أبي عمرة عن

عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: ((عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة)).
وروى محمد بن كثير الكوفي قال: حدثنا إسماعيل بن يعلى بن مسلم عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الحج والعمرة فريضتان لا يضربك بأيهما بدأت)).
وروى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن

جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى اليمن كتاباً وبعث به مع عمرو بن حزم وفيه: ((إن العمرة الحج الأصغر، وألا يمس القرآن إلا طاهراً)).
وفي بعض ما رواه عمر عن النبي عليه السلام أن جبريل عليه السلام سأله عن الإسلام فقال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتصوم رمضان، وتحج وتعتمر)).
وهم يروون بطريق حجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة والزكاة أواجبة هي؟ قال: ((نعم))، فسأله عن العمرة أواجبة هي؟ قال: ((لا، وأن تعتمر خير لك)).

وروى عبيد الله بن المغيرة/ عن أبي الزبير عن جابر قال: قلت: يا رسول الله، العمرة واجبة فريضتها كفريضة الحج؟ قال: ((لا، وأن تعتمر خير لك)).
ويروون بطريق طلحة بن عبيد الله أن النبي عليه السلام قال: ((الحج جهاد، والعمرة تطوع)).

واعلم أن في أسانيد كل هذه الأحاديث مقال: فإن الخبر الأول بما أسنده الحجاج بن أرطأة وعبيد الله بن المغيرة، وهما ضعيفان.
وخبر طلحة رواه عمرو بن قيس وهو متروك.
وكذلك الأخبار التي رويناها في أسانيدها أيضاً مقال يطول ذكرها إلا الخبر الذي ذكرناه أن النبي عليه السلام قال: ((وأن تحج وتعتمر))، حين سئل عن الإسلام معتمد، وهو رواية سليمان بن طرخان التيمي عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر عن عمر وهو خبر جبريل المعروف حيث جاء فسأل النبي عليه السلام عن الإيمان والإسلام وفي آخر الخبر قال: ((هذا جبريل أتاكم ليعلمكم معالم دينكم فخذوا عنه)).
وهو خبر ثابت، وهذه الزيادات رواتها ثقات.

وقد أوردها الجوزقي في متفق الصحيحين.
ويمكن أن يحتج ويعتمد على قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والمراد من الإتمام في هذه الآية ابتداء الفعل على أكمل الوجوه.
وقد قال جماعة من أهل العلم: إن ابتداء فريضة الحج كان بهذه الآية وهو أول ما نزل في القرآن في إيجاب الحج وهو تناولت الحج والعمرة تناولاً واحداً.
وقد قامت الدلائل القطعية أن الأمر على الوجوب فاقتضت وجوب العمرة كما اقتضت وجوب الحج.
وقد روى النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي عليه السلام قال: إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، فقال: ((حج عن أبيك واعتمر)).

وهذا أمر والأمر على الوجوب.
فقال الدارقطني حين روى هذا الحديث: رجال هذا الحديث كلهم ثقات.
وروى أيضاً بطريق روح بن القاسم عن أبي الزبير عن جابر عن سراقة ابن مالك قال: قلت: يا رسول الله، أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ قال: ((لا، بل للأبد.. دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)).
وقال: رجاله كلها ثقات.
ومثل هذا السؤال لا يكون إلا في واجب، وقوله: (العمرة في الحج)) المراد من ذلك في الأفعال على ما سنبين.
وقد ثبت عن ابن عباس قال: ((الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر العمرة)).
وإذا كان حجاً فكل ما يدل على وجوب الحج يدل على وجوبها، ولا معنى يدل على وجوب العمرة سوى التشبيه بالحج، ومجرد الشبه بلا معنى مخيل لا يعرف حجة.

وأما المخالف: صار إلى أن العمرة غير مؤقتة، لأنها تجوز في جميع السنة والحج مؤقت، والفرق بين النفل والفرض هذا فإن الفرض لا يكون إلا مؤقتاً، لأنه واجب علينا ولو قلنا وجب فعله وإذا لم يكن مؤقتاً، وقد خلق الله الناس العباد ليعبدوه وجب فعله في جميع الأوقات فيؤدي إلى أن يقع الناس في الحرج العظيم أو يؤدي إلى تكليف العاجز، لأن العباد يعجزون عن مباشرة العبادة في جميع الأوقات على العموم.
وأما النفل ففعله مفوض إلى اختيار العبد فإن الله وإن خلق الناس ليعبدوه وجعل النفل مشروعاً في عموم الأحوال والأوقات فلا يؤدي إلى الحرج ولا إلى تكليف العبد ما يعجز عنه فنظرنا إلى عموم الأوقات على ما دلت عليه الآية واعتبرنا ذلك وقلنا: لا يختص بوقت دون وقت.
قالوا: فإن قلتم: ((إن العمرة عندكم لا يجوز فعلها في خمسة أيام من السنة وهي يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق)).
قلنا: لا نقول إن فعلها لا يجوز لكن يكره ترجيحاً لأمر الحج على العمرة.
لا شك أنه مرجح في الشرع، والأيام التي تعينت لفعله في الشرع كرهت العمرة فيها تقديماً للحج على العمرة.
وقد قالوا أيضاً: إن الحج سبب وجوبه البيت، وكذلك العمرة لو وجبت وجبت بالسبب الذي يجب به الحج فيؤدي إلى التنافي الواجب، وهذا لا يجوز كما لا يجب ظهران بوقت واحد وزكاتان بمال واحد وصومان بيوم واحد.

الجواب: إن كلا الدليلين في غاية الضعف والذي قالوا: في التفريق بين الفرض والنفل بالحد الذي قالوه لا يعرف، وليس عليه فإن الإسلام واجب وهو غير مؤقت، وكذلك الجهاد واجب وكذلك صلاة الجنازة والكفارة وما يشبه ذلك، وعلى عكسه النوافل الرواتب في الصلاة والصوم مؤقتة وليس واجبة ونعني في الصوم صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء والاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر.
وأما الذي قالوه إن الله تعالى خلق العباد ليعبدوه فيقتضي العبادة على العموم.
قلنا: له خلينا هذا والظاهر لاقتضى أنهم عبدوه مرة سقط عنهم الأمر إذ ليس في ظاهر هذا اللفظ دليل على فعلها في/ عموم الأوقات وأيضاً إذا قلنا إن الفريضة لا تتوقت لا يؤدي إلى ما قالوه من تكليف العاجز وإيقاع المكلف في الحرج الذي ظنوه، لأنه يكون مأموراً بفعله على الجملة حتى لا يجوز تركه، فأما أن يكون مأموراً بفعله على الاستدامة حتى لا يجوز أن يخلى عنه وقتاً ما فليس عليه دليل.
وأما في النفل إذا قلنا إنه لا يتوقت، وقلنا إنه يكون مفوضاً إلى اختيار العبد وربما لا يختار فعله أصلاً فلا يظهر لما قالوه أن العبد خلق للعبادة في جميع الأوقات أثر، وعلى أن العباد إذا فعلوا الفرائض في مواقيتها وقاموا بحق الأوامر الموظفة عليهم فقد عبدوا الله في جميع مدى عمرهم حكماً، وإن كانوا خلى بعض الأوقات عن عبادتهم حساً.

وأما كلامهم الثاني، وقولهم: ((إن إيجاب العمرة يؤدي إلى الثناء في الواجب)).
قلنا: لا يؤدي لأن الثناء بإيجاب حجتين وعمرتين، فأما إيجاب حج وعمرة وهما عبادتان مختلفتان متغايرتان فلا يؤدي إلى هذا، ولئن جاز أن يقال هذا ثنى فيجوز أن يقال إن إيجاب الظهر والعصر ثنى، وإيجاب صدقة الفطر لك سنة ثنى، وكذلك إيجاب الزكاة كل سنة ثنى، ومثل هذا لا يدخل فيه فقيه.
وقد ذكر الأصحاب لنا: إن العمرة واحد نسكى القرآن فأشبه الحج.
وقالوا: عبادة يجب المضي في فاسدها فكانت واجبة في الحج، والمعتمد ما سبق.
والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

حج الصبي صحيح سواء أحرم عنه أبواه أو أحرم بنفسه وهو ممن يعقل الإحرام.

وهل يحتاج إلى إذن الولي، فيه وجهان.
وإذا صح لزم حتى لا يجوز له الخروج عنه ولو خرج لا يصير خارجاً عنه ويكون حجة في هذا المعنى مثل حج البالغ ولو ارتكب محظور الإحرام لزمته الكفارة.
وعندهم: حجة غير لازم، ولا تلزمه الكفارة بارتكاب المحظور.

وبعضهم قال: حجه غير صحيح أصلاً.
لنا: حديث أبي معاوية عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: رفعت امرأة صبياً لها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: ((نعم، ولك أجر)).
ذكره أبو عيسى الترمذي في جامعه.

وروى بإسناده عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: ((حج بن أبي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن سبع سنين)).
فثبت بهذين الخبرين صحة حجه فصح على ما شرع وقد شرع لازماً فوجب أن يصح لازماً، وهذا كالإسلام على أصلهم فإنه لما صح منه صح على ما شرع وهو أن يكون بوصف اللزوم.
والجمل أنه إذا صح من الصبي يصح على ما يصح من البالغ.
والأولى أن يقال: يصح على الوضع الشرعي، وهذا لأنه لا يتصور حج صحيح يمكن الصبي عليه غير لازم في الشرع، والحج قد صح من الصبي، وأمكنه الضمي عليه فوجب أن يصح بوصفه.
وأما وجوب الكفارة عندنا بارتكاب المحظور، فلأنه حق مالي فصار كسائر حقوق المال وكما تجب على الصبي سائر حقوق المال يجب عليه هذا

الحق أيضاً، ولأن سببه قد وجد في حقه وهو ارتكاب المحظور في حج صحيح، فصار هذا الحق مثل غرامات المتلفات وأروش الجنايات.
ويستدل بكفارة الصيد إذا قتل في الحرم، وقد سلموا في هذا الموضع أنه يجب على الصبي، فكذلك إذا قتل وهو محرم وجب أن يكون مثله، لأنه لا فرق بينهما معنى وكل واد حق لله تعالى.
وأما حجتهم: قالوا: لزوم الحج حق من حقوق الله تعالى يحتمل السقوط بالأعذار بعد البلوغ بدليل أنه يسقط بعذر الإحصار وعذر الرق فسقط بعذر الصبا.
لأن رأس الأعذار الصبا قياساً على أصل الوجوب، وإنما قلنا: ((إن اللزوم حق الله تعالى)) لأن الإحرام عبادة خالصة لله تعالى، واللزوم صفته فيكون أيضاً لله تعالى، وإذا سقط اللزوم في حق الصبي صار الإحرام بالحج كإحرام الصلاة، وإذا ثبت أنه لا يلزمه شيء بترك الإحرام، فكذلك لا يلزمه شيء بارتكاب المحظور الذي هو جناية عليه بطريق الأولى لأنه لو وجب بالإدخال نقيضه فيه فإذا لم يجب عليه شيء بتركه أصلاً فلئن لا يجب بإدخال نقيضه فيه أولى، ولأن هذه الكفارات حقوق الله تعالى على الشخص يحتمل النسخ والتبديل فيسقط بعذر الصبا.
دليله: أصل الصوم والصلاة.
والدليل على أنه يحتمل النسخ أنه لم يكن في الأصل مشروعاً، وإنما شرع في شرعنا، وما احتمل إن لم يكن ثم كان احتمل أن لا يكون أصلاً، ولأن الكفارة دون الصلاة في الوجوب فلما سقطت الصلاة بعذر الصبا في

حقه والسبب في حقه قد تحقق وذلك بمجئ الوقت فكذلك الكفارة جاز أن تسقط وإن تحقق السبب في حقه.
قالوا: وقولكم: ((إن الكفارة حق مالي)).
قلنا: بلى، ولكن وجبت لله تعالى على طريق الابتلاء ولا يتصور الابتلاء إلا باعتبار فعل العبد، ولو وجبت الكفارة لكان أداؤها بفعل الولي بولاية جبرية قهرية/ فلا يتحقق معنى الابتلاء، وقد ذكرنا هذا على الشرح في مسألة زكاة الصبي فلا معنى لإعادته.
قالوا: وأما جزاء صيد الحرم يجب للصيد لا لله تعالى، لأنه إذا أمر بالإحرام فصار أمنه حقاً له، وإذا قتله وجب الجزاء حقاً له وما يجب لغير الله لا يجب على نهج العبادات فلا يتعلق أداؤه بفعل من عليه على سبيل الاختيار فصح أخذه قهراً وجبراً، وصار بمنزلة غرامات المتلفات فصح تأديه لولي يثبت ولايته شرعاً لا باختيار المولى عليه.
فأما ما يجب لله تعالى فإنما يجب على سبيل العبادة فلا يتأدى إلا بفعل من عليه عن اختيار وتمييز إما به أو بنائب عنه باختياره وتمييزه، لأن المطلوب من الاستعباد امتياز العاصي من المطيع، وذلك لا يحصل بالاستيفاء جبراً كما بينا في الزكاة.
والحرق أنهم يقولون: كفارة الإحرام محض حق الله تعالى وجب على وجه الابتلاء ولا يمكن إيجابها على الصبي كما ذكروا في الزكاة، وكفارة الحرم وجبت حقاً للصيد لا حقاً لله تعالى.
الجواب: أما قولهم: ((إن اللزوم مسقط بالعذر بعد البلوغ)).

قلنا: أولاً هذا يبطل بالصحة، فإن صحة الحج أيضاً تفوت بأسباب بعد البلوغ، فقولوا إنها تفوت بسبب الصبا، وسؤالهم على هذا أن الصبا صار عذراً بطريق النظر ولا نظر في منع الصحة، فأما في منع اللزوم نظر حتى إذا تركه لا يجب عليه شيء، فلهذا لم تنتف الصحة وانتفى اللزوم، وهذا يدخل عليه الإسلام فإنه يقع لازماً وإن وجد من الصبي على أصلهم، ولا يقال: يصح نظراً ولا يلزم نظراً، بل قيل: لما صح على ما وضعه الشرع، كذلك الإحرام لما صح صح على ما وضعه الشرع من صفة الفريضة.
فإن قالوا: أليس إن الظهر يصح منه ومع ذلك لم يصح على ما وضعه الشرع من صفة الفرضية؟ قلنا: الصلاة تنقسم إلى لازم وغير لازم، فلم تكن غير لازم في حق الصبي ويجعل في حقه بمنزلة النوافل، وأما في الحج لما لم ينقسم في اللزوم وغير اللزوم، بل كان لازماً بكل حال، استوى وجوده من البالغ والصبي.
وجواب آخر: إن اللزوم مع إمكان المضي لا يسقط بعذر ما، والصبي متمكن من المضي على إحرامه فوجب ألا يسقط اللزوم في حقه.
وخرج على هذا المحصر والعبد، لأنهما لا يقدران على المضي، وهذا لمكان المنع الحسي والآخر لمكان المنع الشرعي، وأما الصبي فقادر على المضي.
والمسألة معين في هذه الصورة والحج في هذه الصورة ولا يتصور سقوطها بعذر ما.

وإن قالوا: إن الصبا سبب للنظر والمرحمة، وليس من النظر والمرحمة إثبات الإلزام في حقه من النظر.
قلنا: الصبي لا ينافي اللزوم، لأن له ذمة صحيحة قابلة للزوم والنظر والمرحمة قد وجد بمنع وجوب الحج عليه ابتداء من قبل الشرع وإنما هذا شيء جاء من قبله.
قالوا: وأما قولكم: ((إذا أفسد الحج بالوطء)).
قلنا: يجب عليه قضاءه على أصح القولين، وإذا فعله في حال الصبا صح على أصح الوجهين.
وأما الكفارات فوجه وجوبها ما ذكرنا أنها حقوق مالية فجاز إيجابها على الصبيان.
دليله: سائر حقوق المال.
وقولهم: ((إنها وجبت لله تعالى)).
قلنا: لا، بل وجبت للفقراء، وقد ذكرنا أن الزكاة واجبة حقاً للفقراء، فإذا قلنا هذا في الزكاة فكيف لا نقوله في الكفارات؟ وقد سبق إثبات هذا الأصل.
وقولهم: ((إنها وجبت على طريق الابتلاء)).
قلنا: لا ننكر أن الأوامر بأجمعها فيها معنى الابتلاء، ولكن ما كان فيها من حقوق المال يستقيم إيجابها على الصبيان ويقوم النائب المعين من

قبل الشرع بمنزلة النائب من قبله بعد البلوغ وهذا أيضاً قد ذكرناه في كتاب الزكاة.
وأما فصل صيد الحرم ففي نهاية الإلزام.
وقولهم: ((إن الواجب في جزاء الصيد حق الصيد)).
قلنا: هذا مما لا يفهم وإيجاب الحق للصيد مثل إيجاب الحق للجدار وما يشبهه من سائر الجمادات ومن دخل مثل هذه الترهات كفى خصمه أمره.
وقولهم: ((إن الأمر لحق الصيد)).
قلنا: هذا مثل الأول، ولا يجوز إثبات الحق على أي وجه كان إلا لمن هو من أهل الحقوق، وإنما منع الإنسان من قتل الصيد في الحرم وإطلاقه له في الحل نوع اختبار وابتلاء مثل منعه من قتله في حال الإحرام دون حال الإحلال.
والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

الإفراد أفضل من القران

عندنا، وكذلك هو أفضل من التمتع، وعندنا هما رخصة، والواجب دم جبران.
وعندهم: القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد.

قالوا: هما عزيمة.
والدم دم نسك.
لنا: حديث مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج، خرجه مسلم في الصحيح.
وروى أبو نعيم عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن أبيه

عن عائشة قالت: ((خرجنا مع رسول الله/ - صلى الله عليه وسلم - مهلين بالحج في أشهر الحج)).
وفي رواية: ((لا نذكر إلى الحج)).
وفي رواية: ((لا نرى إلا الحج)).
وهذه الألفاظ كلها روايات ثابتة.
وروى عطاء عن جابر ((أن النبي عليه السلام أهل بالحج)).
وفي رواية: ((مفرداً)).
وفي رواية: ((خرجنا مع رسول الله حاجاً لا نريد إلا الحج ولا ننوي غيره)).

وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ((أن النبي عليه السلام أفرد الحج)).
وأفرد أبو بكر وعمر وعثمان.
وأما هم تعلقوا بما روى حماد بن زيد عن حميد

عن أنس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لبيك بحجة وعمرة)).
وفي رواية أنس أنه سمع النبي عليه السلام يقول: ((لبيك عمرة وحجاً)).
وعن بكر بن عبد الله المزني قال: قلت لأنس بن مالك: كيف صنعتم في حجتكم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: قدمنا ونحن نقول: لبيك عمرة وحجاً، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نحل إلا من كان معه الهدى، فلقيت ابن عمر فسألته فقال ابن عمر: إنا أهللنا بالحج فأخبرته بقول أنس فقال: نسى رحمه الله، فلما رجعت أخبرت بقول ابن عمر فغضب، وقال: كأنا صبيان)).

وروى عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((أهل بهما لبيك عمرة وحجاً).
وفي الباب عن عمر، وعلي، وعمران بن حصين، قال: ((وهذه الرواية أولى لأن فيها زيادة)).
وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ((أن النبي عليه السلام اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية وعمرة القضية وعمرة الجعرانة والرابعة التي مع حجته)).

(وفي الباب عن أنس وعبد الله بن عمرو وابن عمر رضي الله عنهم).
والجواب: إن الشافعي رحمه الله أحتج برواية الإفراد بفقه عائشة وحفظ جابر وقرب ابن عمر.
أما فقه عائشة فلا إشكال فيه.
وأما حفظ جابر فلأنه أحسن الرواة سياقة لحج النبي عليه السلام ولم يرو أحد حج النبي عليه السلام من أوله إلى آخره كما رواه جابر.
وأما قرب ابن عمر فلأنه قال: كان أنس يدخل على النساء وهن متكشفات، وكنت تحت ناقة النبي عليه السلام يمسني لعابها.
وروى بكر بن عبد الله المزني عن ابن عمر أنه قال: ((ذهل أنس، إنما أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهللنا معه)).
وفي رواية ((رحم الله أنساً، وهل أنس، إنما أهل بالحج وأهللنا معه)).
واعلم أنه لا يصح في القران إلا رواية أنس.
وأما غيرها من الروايات فيها مقال كثير، وقد أنكر ابن عمر روايته وزعم أنه نسي وذهل.

والخبر الواحد إنما يقبل بجهة حسن الظن بالراوي فلابد من سلامته من دعوى النسيان والخطأ عن أمثاله.
وقد ادعى ابن عمر عليه النسيان والخطأ، ويجوز أن يكون الأمر على ما قال لأنه يحتمل أنه سمع النبي عليه السلام يعلم غيره القران بين الحج والعمرة فظن أنه قال بنفسه وهذا محتمل، وأنس رضي الله عنه غير معصوم من الخطأ.
وقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعثمان أفردوا الحج، والظاهر أنهم اقتدوا في فعلهم بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدل أنه كان مفرداً.
فإن قالوا: قد ثبت عن علي عليه السلام أنه قرن.
قلنا: ((إنما فعل ذلك حين نهى عثمان عن المتعة وعن الجمع بينهما)) فأهل بهما ليبين الجواز.
وفي الباب قصة طويلة وروايات كثيرة.
وأما الذي رووا عن ابن عباس رضي الله عنه في أن النبي عليه السلام اعتمر أربع عمر.

قلنا: الصحيح من ذلك الخبر أنه مرسل رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن النبي عليه السلام.
وقد اختار أكثر أهل الحديث التمتع وجعلوه أولى، وفي فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعة روايات صحيحة، ولعل الجمع بين الروايات المختلفة على طريق من يقول: إن التمتع أمكن وأفضل وأسهل.
وأما رواية ترجيح الإفراد على رواية القران على ما سبق.
وفي هذه المسألة خطب عظيم.
وقد طعن بعض أهل البدعة في الرواة ونسبوهم إلى الكذب بسبب اختلافهم في هذه الروايات مع اتفاق الكل أن النبي عليه السلام لم يحج إلا حجة واحدة، وقد بينا وجه الترجيح والتأويل، فنسأل الله تعالى أن يعصمنا من إساءة القول في السلف الصالح وأن يجعلنا ممن يحسن الظن بهم ويحسن القول فيهم، وأن نكون ممن يرجع بالتهمة على نفسه بظن التقصير وقلة البلوغ لقلة الآلة، والله تعالى ولى العصمة والمعونة.
وأما الكلام في المعنى فنقول: القران والمتعة رخصتان، والأصل هو الإفراد، والدليل على أن القران رخصة أنه يتضمن إسقاط أحد السفرين وإحدى الزيارتين، والحج حقيقة زورة لبقاع معلومة محترمة وحضور إلى مشاهد مخصوصة معظمة مشرفة وأدنا........ مقصود في

/ باب الحج، بدليل أن من أوصى بأن يحج عنه فإنه يحج عنه من وطنه ولولا أن السفر مقصود وإلا لكان يحج عنه من أدنى المواقيت.
ويدل عليه: أنهم قالوا: لو نذر أن يحج ماشياً فحج به راكباً يلزمه دم، وفي القران اقتصار على زورة واحدة وسفر واحد فعلى فعل السفرين استكثار تحمل التعب والنصب، وكلما كثر التعب والعمل فيكون الثواب أكثر، وإذا كان الثواب أكثر كان الفعل أفضل، وأيضاً فإن فعل زيارتين استكثار الزيادة، والحاج زائراً لله تعالى، والله تعالى مزوره، وكما كانت الزيارة أكثر كان موقعها عند المزور أعظم وأكثر.
وأما حرف بيان أن القران والمتعة رخصة فلأن في القران ترك سفر مقصود وزيارة مقصودة، وفي فعل ترك فعل العمرة في وقتها وهو غير أشهر الحج وفعلها في غير وقتها فكان كلا العملين من القران والمتعة رخصة.
يبينه: أن لفظ المتعة دليل على الرخصة، لأنه ترفه وارتفاق زائد لم يكن مشروعاً في أصل النسك فإذا ثبت النقصان وثبت الرخصة مع النقصان ثبت أن النقصان وثبت الرخصة مع النقصان ثبت أن الإفراد أفضل، وثبت أن الدم دم جبران لا دم نسك فيكون فعل النسكين على وجه لا نقصان فيه أولى من فعله مع النقصان وقد قال جماعة من أصحابنا: إن الأعمال تكون أكثر في إفراد النسكين، وتعلق بالتلبية والحلق والسفر الذي بيناه، والأولى ما سبق وهو حقيقة المسألة وليكن الاعتماد عليه.
أما حجتهم: من حيث المعنى في القران معنيان يدلان على أنه الأفضل:

أما الأول: فلأن فيه البدار إلى فعل النسكين وقد قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ...﴾، وقال تعالى في أعمال الخير: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ومعناه: إليها سابقون.
وفي الإفراد تأخير أحدهما وفعل الآخر.
والثاني: قالوا: إن العمرة تنزل من الحج منزلة نفل الصلاة من فرضها، ألا ترى أنها عبادة من جنس الحج شرع في عموم الأوقات مثل النفل عبادة من جنس الفرض شرع في عموم الأوقات، وإنما شرع كل واحد تكميلاً للحج في أحد الموضعين، وللصلاة في الموضع الآخر وتحسيناً لهما ثم صلاة الفرض بنفل يتقدمها يكون أفضل وأكمل، فكذلك الحج يعمره تتقدمه يكون أفضل وأكمل، وأيضاً فإن العمرة إذا كانت تحسن الحج وتزينه فيكون القران مشتملاً على زيارة في نفس الحج.
قالوا: وأما دعوى النقصان فلا معنى له، لأن الجمع بين العبادتين لا يوجب نقصاً في واحد من العبادتين كالجمع بين الصوم والاعتكاف والجمع بين الصوم والإحرام.
وأما قولهم: ((إنه تضمن إسقاط أحد السفرتين)) فالسفر ليس بمقصود إنما هو شيء يتقدم ليتوصل به إلى مكان الحج، ألا ترى أن حج المكي وحج غير المكي في الكمال يكون واحداً وإن كان يوجد السفر لأحدهما دون الآخر.

وأما فصل الزيارة فالزيارة هو الحج، وقد زار بالقران زورتين أحدهما بجهة الحج والآخر بجهة العمرة.
قالوا: ((وكذلك لا نقصان في المتعة أيضاً)).
وقولكم: ((إنها أتى بالعمرة في وقت الحج)).
قلنا: أشهر الحج وقت النسكين جميعاً على وجه واحد ولا معنى للمنع من العمرة في أشهر الحج حتى يكون الإطلاق رخصة، أو ليضمن فعله إدخال نقص في الحج، وإذا ثبت أنه لا نقص ثبت أن الدم نسك وإذا كان نسكاً فقد تضمن القران والمتعة زيادة نسك لا يوجد عند الإفراد فصار أفضل.
قالوا: ولهذا يؤكل منه ويختص فعله بيوم النحر، لأنه زمان فعل النسك من الضحايا.
قالوا: وأما ((تعلقكم بكثرة الأفعال وقلة الأفعال)).
فعندنا الأفعال عند القران مثل الأفعال عند الإفراد أن يكمله.
وأما التلبية فليس من أفعال الحج لكن سبب لوجوب الإحرام، وقد وجب به إحرامان عندي مثل ما يجب إذا كان منفرداً، وكذلك الحلق سبب للتحليل وقد حصل به تحللان فصار الحاصل للقارن جميع أفعال الحج على التلبية إحرامان وطوافان وسعيان وتحللان فلم يكن نقصان بوجه ما.
قالوا: وأما المكي إنما لا يجوز له القران والتمتع، لأن حقيقته لا توجد منهما، وقد ذكرنا هذا في الأوساط، فلا معنى للإعادة.
الجواب: أما قولهم: ((في القران بدار إلى فعل النسك والبدار إلى الطاعات أفضل)).

قلنا: نعم، إذا كان لا يؤدي إلى إدخال نقص في طاعة أخرى، وقد بينا أن القران يؤدي إلى إدخال نقص في الحج.
يدل عليه: أنه إذا أفرد فقد أتى بالحج وأفعاله من غير مزاحم له وحصل الإحرام وأفعاله مسلمة للحج، وإذا قرن فقد أتى بالحج مع مزاحم له في القصد والسفر والتلبية والأفعال المفعولة/ ودخول المزاحم ينقص.
وعن الشعبي أنه كان ضئيلاً ضعيفاً فسئل عن ذلك فقال: ((زوحمت في الرحم)).
وأما قولهم: ((إن العمرة من الحج تنزل نفل الصلاة مع فرضها)).
لا نسلم ذلك، وقد ثبت عندنا أن العمرة فريضة مثل الحج.
وقد سبق من قبل، والذي قالوا بناء على أصلهم.
وأما الذي قالوا: ((إنه لا نقصان)).
قد بينا وجود النقصان بما فيه كفاية، وفصل الزيارة معتمد، والحج حقيقة زيارة أمكنة لله تعالى على ما سبق، والإتيان بالزيارة مرتين أولى من الإتيان بها مرة واحدة.
وقولهم: ((إن القارن زائر مرتين)).
فالمحسوس يدفعه بل زائر مرة بقصدين فأما أن يكون زائراً مرتين فمحال.
وأما التمتع فقد جاء بأصل العمرة وأحرم بالعمرة من الميقات وإنما يحرم

جارٍ التحميل