الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفةصفحات 165-204

(مسألة)

الصلاة تجب بأول الوقت وجوباً موسعاً.

وهو قول أبي شجاع الثلجي من أصحابهم، وقد اختاره أبو زيد في أصوله.
وذهب الكرخي وجماعة من أصحابهم أنها تجب بآخر الوقت.

واختلفوا في المؤدى في أول الوقت: فقال بعضهم: هو نفل يسقط به الفرض الواجب في آخر الوقت مثل الزكاة المعجلة.
ومنهم ن قال: هو موقوف إن أدرك آخر الوقت وهو من أهل الوجوب كان المؤدى واجباً وإن لم يدرك كان المؤدى نفلاً.
ومنهم من قال: المؤدى واجب، فعلى هذا يكون الوجوب بأحد المعنيين إما بإدراك آخر الوقت أو باختيار المكلف فعل الصلاة في آخر الوقت.
لنا: إن الأمر يفيد الوجوب باتفاق مننا ومنهم، وقد تناول جميع الوقت لأن الخلاف في أمر مؤقت معلوم الأول والآخر، والأمر المضاف إلى وقت يكون متناولاً جميع الوقت وإلا فلا يكون الأمر مؤقتاً، وإذا تناول جميع الوقت ثبت الوجوب في جميع الوقت فصار الوجوب في أول الوقت ضرورة.
ونظير ما قلناه قول السيد لغلامه: افعل كذا غداً أو افعله وقت الظهر، يكون الخطاب متناولاً جميع الوقت المذكور حتى يكون فاعلاً بأمر إذا فعله.
يبينه أن سبب الوجوب إما أن يكون الأمر أول الوقت فإن كان الأمر فقد وجد في أول الوقت، وإن كان الوقت فقد دخل فلابد من الحكم بالوجوب على كل واحد من السببين.
ونستدل بالأداء في أول الوقت فنقول: أدى بالأمر، بدليل أنه ينوي أداء المأمور أو ينوي المفروض، وإذا أدى الواجب وأداء الواجب في وقت دليل على وجود وقت الواجب لأن الواجب لا يتأدى إلا في وقته.

وأما حجتهم: قالوا: مخير في أول الوقت بين فعل الصلاة وتركها فلا تكون واجبة فيه.
دليله النافلة، وهذا لأن حد الواجب ما لا يسع تركه فإذا وسع الترك ل على أنه ليس بواجب.
وربما يقولون: لو وجب في أول الوقت لم يجب في آخره، لأن الواجب مرة لا يجب ثانياً فلما وجب في آخر الوقت علمنا أنه لم يكن واجباً في أوله.
قالوا: ولأنه وجب في أول الوقت وجب أن يأثم إذا/ مات قبل فعله وحين لم يأثم إذا مات في أول الوقت قبل فعله، لما أنه لم يكن واجباً، وأيضاً لو وجب لاستقر بإدراك وقت فعله ولو استقر لم يتغير بالسفر، وحين أجمعنا على أنه لو سافر في آخر الوقت يجوز له القصر علمنا أنه لم يجب أصلاً.
الجواب: أما قولهم: ((إنه مخير بين فعل الصلاة وتركها))، لا نسلم إطلاق الترك على ما زعموا، بل إنما نطلق له الترك بشريطة وهو العز على فعلها في آخر الوقت وما لم يكن على هذا العزم لا يجوز له تركها في أول الوقت.
فإن قالوا: أتقولون إن العزم بدل عن الواجب من الفعل؟ فإن قلتم: ليس ببدل فقد أطلقتهم الترك، لأنه إذا ترك لا إلى بدل تحقق الترك، وإن قلتم: هو بدل فأقمتموه مقام الأصل في سقوط الأمر عنه وتأدى المصلحة به.
يدل عليه أن العزم على الفعل واجب قبل دخول الوقت فكيف يتصور أن يكون بدلاً؟

قلنا: لسنا ندعي أن العزم بدل عن الواجب ولكن أردنا بما قلنا أن نبين أن الترك على الوجه الذي ظنوه من مذهبنا لا مطلقه.
وتبين بهذا الشرط وقوع الفرقان بينه وبين النافلة.
وإن قلنا: بدل، فهو بدل من وجه لا من وجه، وإنما يقوم البدل مقام الأصل في سقوط الواجب إذا كان بدلاً من كل وجه.
ونعني بقولنا: ((بدل من وجه لا من وجه)) أنه بدل تركه في أول الوقت لا بدل تركه أصلاً وهذا جواب.
وجواب آخر: وهو الأولى، قولكم ((مخير في أول الوقت بين الصلاة وتركها)) لا نسلم أن الموجود ترك الصلاة بل هو تأخير من وقت لها إلى وقت مثله ليؤديها فيه على ما كان يؤديها في أول الوقت، وإنما جاز هذا التأخير، لأن الوجوب تعلق بأول الوقت على وصف التوسع، ومعنى قولنا: ((وجب موسعاً)) هو هذا فإن الشارع كلفه أداء الصلاة في أول هذا الوقت المسمى وهو وقت يسع للمأمور ويفضل عنه فضلات كثيرة فقيل: وجب وجوباً موسعاً على معنى أن المكلف يتخير في الواجب إن شاء فعله في أول الوقت وإن شاء فعله في أوسطه وإن شاء فعله في آخره مثل الأمر المطلق في الكفارات وقضاء الصلوات والحج على أصلنا، ويلزمه مع هذا ألا يخلي الوقت عنه فصار التأخير الذي تعلقوا به فائدة الوجوب على وصف التوسع فلم يدل على سقوط أصل الوجوب، وعلى هذا صار الواجب على وصفين: واجب مضيق، وواجب موسع، فالمضيق ما لا يسع تأخيره كالإيمان إذ لا يفضل وقته عنه وكالصوم، والموسع ما يفضل الوقت عنه ويسع تأخيره، والوجوب موجود في الصورتين فهذا هو الموضع الذي خفى على القوم بلوغه ولم يدركوا حقيقته.
وأما قولهم: ((إنه لو وجب في أول الوقت لم يجب في آخره)).

فهوس، فإنه لا يتجدد الوجوب عندنا بآخر الوقت إنما يمتد الوجوب إليه على التوسع.
وقولهم: ((لو مات بعد التأخير لم يأثم))، فقد منع ذلك بعض من لم يعرف حقيقة المسألة، وقال: لا تتم المسألة إلا بمنع هذا والمنع بعيد، وهو يخرج على ما قلنا، لأن عدم الإثم إنما هو لقولنا إنه وجب وجوباً موسعاً مطلق التأخير إلى وقت مثله وكذلك جواز القصر بالسفر، وهذا لأن عندنا جميع الوقت لهذه الصلاة كشيء واحد، والموجود في أوله وآخره كوجود واحد فيكون حكم الكل واحد، وخص هذه المسألة من الأصول.
والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

الإقامة فرادى

عندنا.
وعندهم مثنى.
لنا: حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: أمر بلال أن

يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
وفي رواية أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة، والخبر في الصحيحين.
وروى وهيب بن خالد، وعبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة وزاد فيه ألفاظاً، دل على أن الأمر لبلال كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم -. وروى موسى بن إسماعيل عن وهيب، وعبد الوهاب عن خالد عن

أبي قلابة عن أنس.
قال: لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا/ وقت الصلاة بشيء يعرفوه فذكروا أن يوروا ناراً أو يضربوا ناقوساً، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وقد كان هذا في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعا فيكون الآمر هو النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لا يجوز أن يأمر غيره في زمانه بلالاً بالآذان.
وقد قال بعض الجهال من المخالفين: يحتمل أن يكون الآمر لبلال بعض أمراء بني أمية.
وهذا محال لأن بلالاً رضي الله عنه أذن في زمن النبي عليه السلام فلما توفي - صلى الله عليه وسلم - أذن صدراً من خلافة أبي بكر ثم إنه استأذنه في الخروج إلى الشام حين جهز أبو بكر الجيوش إلى الشام ولم يؤذن لأحد من بعد إلى أن توفى بالشام في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان.
وقد ذكر الدارقطني في سننه برواية إسماعيل بن إبراهيم عن خالد

الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: ((أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)).
وعلى هذا انقطع الكلام.
وعن ابن عمر قال: كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أن المؤذن كان إذا قال: ((قد قامت الصلاة)) قال: ((قد قامت الصلاة مرتين))، وعن سلمة بن الأكوع قال: كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثنى مثنى، والإقامة فرادى.
وروى ابن عمر أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أذن اثنتي عشر سنة وجبت له الجنة، وكتب له بكل أذان ستون حسنة، وبكل إقامة ثلاثون حسنة))، وهذا دليل على أنها على النصف من الأذان.

وروى عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن أبيه (عن) علي رضي الله عنه.
قال: نزل جبريل بالإقامة مفرداً وسن النبي عليه السلام الأذان مثنى مثنى.
والأخبار في هذا الباب كثيرة واقتصرنا على هذا القدر، ولا مزيد عليه.
وقد أول بعضهم الخبر الذي رويناه قال: معنى الشفع في الأذان والإيتار في الإقامة هو أن يشفع بصوتين صوتين، ويوتر بصوت صوت، وليس هذا بشيء، لأن في الخبر إضافة الشفع والإيتار إلى الأذان والإقامة هي الكلمات لا الصوت المسموع في الكلمات.
وعلى أن في الخبر قال: ((إلا الإقامة)).
وعندهم كما نقول سائر الكلمات في الإقامة بصوت واحد كذلك نقوله قوله: ((قد قامت الصلاة)) بصوت واحد فبطل التأويل والاعتماد على الأخبار ولا مجال للقياس فيه.
ويمكن أن يقال: إن الإقامة مبنية على الخفة بخلاف الأذان بدليل الإيتار في الصلاة على ما قالوه، ولأنه يسترسل فيها ولا يمد كما يمد في الأذان، وهذا لأنه إعلام للحاضرين بالقيام إلى الصلاة.

وأما الأذان فإنه دعاء الغائبين، ودعاء الغائبين وإسماعهم يكون بزيادة مبالغة في نفس الأذان وصفاته ليقع إسماعهم ودعائهم فيحضروا، وأما إعلام الحاضرين فلا حاجة فيه إلى مثل ذلك المبالغة فاقتصر على المرة الواحدة والأولى هو الاقتصار على الأخبار.
وأما حجتهم: تعلقوا بحديث ابن أبي ليلى عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد قال: كان أذان النبي - صلى الله عليه وسلم - شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة.
ورواه أيضاً وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.

ورووا أن عبد الله بن زيد لما أرى الأذان في منامه حكى الأذان على ما هو المعهود قال: ثم مكث ساعة ثم قام وقال مثل ذلك، وزاد قوله: ((قد قامت الصلاة)).
وربما رووا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل هذا الخبر.
وتعلقوا أيضاً بحديث مكحول عن ابن محيريز عن أبي محذورة أن النبي علمه الأذان سبعة عشر كلمة والإقامة سبعة عشر كلمة، وهذا خبر صحيح.

ورووا عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه قال: سمعت بلالاً أذن بمنى بصوتين صوتين وأقام مثل ذلك)).
وفي رواية أخرى عن أبي جحيفة قال: كان بلال يؤذن ويقيم مثنى مثنى.
قال: وروى عبد الرازق عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم عن الأسود أن بلالاً كان يثنى الأذان ويثنى الإقامة، وكان

يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير.
وهذه الأخبار نصوص في الباب وهو أولى من أخباركم.
لأنها/ تتضمن زيادة لم تتضمنها أخباركم، والمثبت للزيادة أولى من المنافي.
ورووا عن إبراهيم النخعي، أنه قال: أول من نقض الإقامة معاوية.
ونقلوا عن مجاهد أنه قال: كان الأذان والإقامة مثنى مثنى حتى قام بنو أمية وأفردوا الإقامة للسرعة.
أما المعنى فاعتبروا الإقامة بالأذان وهذا لأن كل واحد منهما ذكر الله وإعلام الصلاة فاستويا.
الجواب: إن الأخبار التي رووها عامتها ضعيفة الإسناد.
أما خبر عبد الله بن زيد، فقد أجمع أهل العلم بالرجال أن عبد الرحمن ابن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد شيئاً، وكذلك لم يسمع من معاذ شيئاً ولم يدركهما أصلاً.

وقد قيل: إن عبد الله بن زيد الذي أدى الأذان استشهد يوم أحد.
وذكر أبو دا ود في سننه برواية محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه هذا الخبر وذكر فيه أنه حكى إفراد الإقامة.
وقيل إن هذه الرواية أصح الروايات في الباب.
وأما حديث أبي محذورة عن أبيه هذا الخبر وفيه ((أنه علمه الإقامة فرادى: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حى على الصلاة، حى على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله))، وقد كان الأذان بمكة في أولاد أبي محذورة وكان يفردون الإقامة فه كان المعمول به بالحرمين في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن استولى البصريون على

الحجاز وذلك سنة اثنتي وستين وثلثمائة فغيروا الإقامة فدل أن الصحيح من حديث أبي محذورة ما كان عليه أولاده، وما عرف من المعمول بمكة والمدينة.
وأما حديث عون بن أبي جحيفة فقد قالوا: إن الراوي له زياد ابن كليب عن إدريس الأودي عن عون بن أبي جحيفة، وزياد بن كليب وهم في هذا الخبر على أدريس الأودي، وقد أورد هذا الخبر في الصحيح وذكر الأذان خاصة ولم يذكر الإقامة.
وأما حديث الأسود فلم يدرك أذان بلال لما بينا أنه لحق بالشام في زمان أبي بكر.

وقد رووا أيضاً عن سويد بن غفلة أيضاً أن بلال كان يؤذن ويقيم مثنى مثنى، وسويد أيضاً لم يدرك أذان بلال.
وقد نقلنا عن أنس أن بلالاً بماذا أمر.
ونقل أيضاً سعد القرظ أذان بلال، وحكى فيه الإقامة فرادى وهو خبر ثابت، وقد كان سعد نائب بلال في الأذان وكان مؤذن مسجد قباء، وقد أذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقام لعمر، وعثمان مرة مرة، وبلال أقام لأبي بكر مرة مرة، والراوي شريك وحماد بن أبي سليمان لخبرهم، ولم تخرج الرواية عنهما في الصحيح، فهذا أيضاً يوجب ضعفاً في الراوية.
واعلم أن الأذان والإقامة شعار من شعائر الإسلام، فالأول في الرجوع فيه إلى ما عليه أكثر أهل الإسلام.
وقد روينا عن أبي بكر وعمر وعثمان أن الإقامة كانت لهم مرة مرة بفعل بلال وسعد القرظ.

وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن إقامة علي رضي الله عنه كانت مرة مرة.
وعن بكير بن عبد الله الأشج قال: ((أدركت أهل المدينة في الأذان على مثنى مثنى، والإقامة مرة واحدة)) وبكير بن عبد الله من كبار فقهاء التابعين وخبرة هذا عن الصحابة والتابعين بالمدينة.
وعن ثوبان قال: صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة، وكان مؤذننا وإمامنا وكان إذا أذن ثنا وإذا أقام أفرد.
وعن مجاهد قال: كان أذان عبد الله بن عباس مثنى مثنى، وإقامته مرة رمة.
وروى قتادة عن قيس أنه كان أذانه مثنى مثنى وإقامته واحدة.

روى يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع أنه كان إذا أذن ثنى وإذا أقام أفرد.
وروى إفراد الإقامة عن سعيد بن المسيب والفقهاء السبعة بالمدينة وعن الحسن البصري كذلك.
وكذلك عن عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله وأبي قلابة، وعراك بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي، وابن شهاب الزهري وغيرهم ممن يكثر عددهم.
وقد ذهب إلى هذا من الأئمة مالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم، ولم ينقل ما صاروا إليه عن أحد من الأئمة إلا عن سفيان وابن المبارك.
وقد ورد في الخبر: ((عليكم بالسواد الأعظم)) وهو معنا في هذه المسألة.
وأما الذي رووه عن إبراهيم فقد روى محمد بن أبان عن حماد عن إبراهيم قال: ((أول من نقض التكبير في الصلاة وخطب قبل الصلاة في العيد وجلس على المنبر ونقض الإقامة معاوية بن أبي سفيان)).
والمنقول بالضاد لا بالصاد، وكان نقضه بالإقامة إن جعلها مثنى مثنى، فإنا روينا أن الإقامة كانت فرادى في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين من بعده فذكر إبراهيم أن أول من غيرها معاوية بن أبي سفيان.

قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: ((والدليل على المنقول عن إبراهيم هكذا، أنا روينا عن إبراهيم النخعي ما يوافق مذهبنا)).
روى إسحاق عن جرير عن مغيرة بن إبراهيم قال: لم يكونوا يرون بأساً إذا انتهى المؤذن إلى قوله: ((حى على الصلاة، حى على الفلاح)) أن يقولها مرة مرة في الإقامة وكانوا يقولونها في الأذان مرتين مرتين.
قال الحاكم: ول كان عند إبراهيم سنة صحيحة في تثنية الإقامة لم يرخص في إفرادها، كما لو يرخص في الأذان، فإذا جمعنا بين الروايتين عن إبراهيم ظهر أن نقض الإقامة تثنيتها لا إفرادها.
وأما الذي نقلوا عن مجاهد فلا يعرف أصلاً، وقد بسطنا القول في هذه المسألة زيادة بسط لأنها شعار المذهب.
وأما تعلقهم بالزيادة في ترجيح الأخبار فقد بينا أنه لا تعارض حتى يصار إلى الترجيح، ثم ينعكس عليهم في الترجيح، والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

إذا اشتبهت القبلة على إنسان فصلى على جهة بالتحري ثم تبين أنه أخطأ القبلة فإنه يلزمه الإعادة على أحد القولين.

وعندهم: لا يلزمه، وهو القول الثاني، واختيار المزني.
لنا: إن الأمر بالتوجه إلى الكعبة بعد الاشتباه قائم بدليل أنه قد كان مأموراً بالتوجه إلى الكعبة ولم يوجد إلا الاشتباه، واشتباه الكعبة لا يوجب سقوط الأمر بالتوجه إلى الكعبة، لأن الاشتباه إلى الارتفاع، ولأنه يتصور إصابة الكعبة مع الاشتباه فلم يسقط الأمر بالتوجه إليها.

يبينه أنه أذا اشتبه الثوب الطاهر في ثوبين: نجس وطاهر، واشتبه الماء الطاهر في أواني بعضها طاهر وبعضها نجس، فإنه لا يسقط وجوب الصلاة في الثوب الطاهر والتوضئ بالماء الطاهر، كذلك في مسألتنا، وإذا ثبت أن الأمر السابق قائم كلف التوجه إلى الكعبة فإذا ظهر الخطأ فقد تبين أنه أخطأ ما كلف إصابته فيجب عليه أن يعيد الصلاة ليأتي بالصلاة على وفق المأمور، فإن كان الوقت قائماً أدى وإن كان فائتاً قضى، ونظيره إذا اجتهد الحاكم في حادثة ثم ظهر له النص بخلاف ما حكم فإنه ينقض حكمه لما بينا من المعنى، كذلك هاهنا، وكذلك إذا صلى في يوم غيم بغالب الظن، ثم تبين أنه صلى قبل الوقت فإنه يلزمه الإعادة، كذلك هاهنا، ولا فرق بينهما عند التأمل.
وأما حجتهم: تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قالوا: (نزلت هذه الآية في شأن الصلاة حالة الاشتباه بدليل ما روى عن عامر بن ربيعة قال: كنا في سفر فاشتبهت علينا القبلة فصلينا بالتحري فلما أصبحنا علمنا أنا أخطأنا القبلة فسألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى هذه الآية)).

قالوا: وآية استقبال الكعبة لا ترد هذا، لأن هذا الآية نزلت حال الاشتباه، وتلك الآية نزلت في حالة العلم، وهذا لأن حقيقة شرط الصلاة استقبال وجه الله بنص الكتاب لأنه قام إلى تعظيمه وعبادته كما يكون في الشاهد إلا أن أفعال العباد لم تشرع إلا على سبيل يكون العبد مبتلى بأدائه بضرب اختيار طاعة الله تعالى على خلاف هواه وفي استقبال وجه الله تعالى على الحقيقة لا يتصور معنى الابتلاء، لأن الله تعالى لا جهة له فلا يتوجه العبد شطراً إلا وثم وجه الله كما قاله الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فأقيمت الكعبة مقام الحقيقة ليتحقق الابتلاء بقصد تلك الجهة، ولما اشتبهت أمر بجهة هي عنده جهة الكعبة ليتحقق معنى الابتلاء بطلبها فإذا فعل تم شرط/ صحة الفعل عبادة ولم يتبين الخطأ من بعد، لأن المراد وجه الله وقد أصاب وما أخطأه)، وخرج على هذا فصل الحاكم إذا اجتهد ثم ظهر له النص، لأن الأصل هو النص في الحادثة إذا وجد وقد أخطأه وهاهنا الأصل وجه الله وقد أصابه على ما بينا.
وكذلك سائر المسائل، هذا استدلال أبي زيد في الأسرار بالآية قال: (والمعنى أن التكليف من الله تعالى مبنى على وسع العبد أو دونه وليس في وسع الغائب عن الكعبة إصابة عينها فإن النجوم تدل على الجهة دون العين فسقط إصابة العين بالإجماع، فكذلك إصابة جهة الكعبة تسقط إلى جهة الكعبة في ظنه وتحريه إذا تغيمت السماء) وفقدت

الدلائل، لأنه ليس في وسعه إصابة الجهة حقيقة، وبقى الأمر بالصلاة إلى جهة هي جهة الكعبة وقد فعل وأدى الصلاة إلى ما كلف وفعلها على الشرط الذي أمر فلا يجب عليه إعادتها بحال.
وربما يعبرون عن هذه فيقولون: إن الغائب عن الكعبة لا يعرفها إلا بالدليل وقد خفيت الدلائل ولم يبق إلا فراسة القلب وشهادته فإذا صلى على ذلك وتوجه إلى جهة شهد قلبه أن الكعبة في تلك الجهة فقد أتى ما أمر.
واستدلوا من حيث الحكم في أنه غير مأمور بالصلاة إلى الكعبة حقيقة أنه لو تحرى ومال رأيه إلى جهة ثم ترك الجهة وصلى إلى جهة أخرى وتبين أنه أصاب الكعبة لا تجوز صلاته لأنه خالف القبلة، ولو كانت قبلته الكعبة لجازت صلاته، كما نقول لو تحرى في الثوب، أو الماء في موضع الجواز عندنا وترك تحريه وصلى في الثوب الآخر أو توضأ بالماء الآخر ثم تبين أنه قد أصاب من الثوب الطاهر أو الطاهر من الماء فإنه تجوز صلاته.
ثم قالوا: مسألة الثوب والماء، الدليل الموصل إلى نجاسة الثوب والماء قائم في حال الاستعمال، لأنه إما أن يعلم بخبر مخبر أو أثر يراه أو كان في وسعه تحصيل ذلك العلم بالطريق الذي ثبت له العلم بعد ذلك ومتى حصله يبقى معه، فإنه متى علم بنجاسة الثوب ونجاسة الماء يبقى معه ذلك العلم فلما لم يحصل ذلك كان لتقصير وتفريط من جهته فلم يكن معذوراً إلا أنه لا يأثم لأنه لا يلحقه الحرج في تحصيله وإن كان في وسعه، فمن حيث إنه يلحقه الحرج في تحصيله لا يأثم وتحريه الصلاة إذا بقى الاشتباه، ومن حيث إنه يمكنه تحصيله لم يسقط الخطاب باستعمال ماء طاهر والصلاة في ثوب طاهر.
وأما في مسألتنا فأكثر ما في الباب أن يتعلم علم النجوم ويعرف الدلائل إلا أن هذه الدلائل لا تبقى معه حال الاشتباه، فلم يبق دليل سوى

التحري والتحري لا يوصله إلى جهة الكعبة حقيقة فثبت سقوطها وبقى عليه ما في وسعه.
قالوا: وكذلك إذا اجتهد الحاكم في حادثة ثم ظهر النص، لأنه مقصر في طلب النص، لأنه لو طلبه على وجهه لأصابه فلم يكن معذوراً.
فإن قلتم: هو مقصر هاهنا أيضاً، لأنه كان في وسعه أن لا يسافر.
نقول: السفر مباح له، وربما يجب في مواضع فلا يعد مقصراً بالسفر وليس كما لو تبين أنه صلى قبل دخول الوقت، لأنها مل تجب عليه بعد، لأنها تجب بدخول الوقت وأداء الواجب قبل الوجوب لا يتصور.
وأما هاهنا فالصلاة واجبة، وإنما الكلام في شرط الأداء وهو أصابه، وقد أصاب ما كلف على ما سبق.
قالوا: وأما أصل الطلب إنما يوجب، لأن الطلب مطمع للوصول وإن كان غير موصل حقيقة فوجب لهذا يبينه أنه لما وجب الطلب لرجاء أن يصب قام رجاء الإصابة مقام حقيقة الإصابة في حق جواز الصلاة وسقط عنه إصابة الكعبة حقيقة العجز.
وهذا كالغازي افترض عليه الرمي إلى الكافر لرجاء إصابة الكافر وإذا رمى ولم يصب نال من الثواب ما لو أصاب، لأن الإصابة متعذرة عليه فقام رجاء الإصابة مقام حقيقة الإصابة.
ويلزمون على قولنا أنه ظهر بعد ذلك.
كما إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بالاجتهاد، فإنه لا يلزمه إعادة شيء منها، وإن تيقن الخطأ في ثلاث صلوات منها، ويلزمون أيضاً إذا تيامن أو تياسر ثم ظهر ذلك فإنه لا يلزمه الإعادة كذلك إذا استدبر.

الجواب: قد دللنا أنه مأمور/ بالتوجه إلى الكعبة عند الاشتباه، ودللنا عليه بدلائل معتمدة، ووجوب الطلب دليل قوي أيضاً، لأن الواجب بالتحري طلب الكعبة ووجوب طلبها دليل بقاء الأمر بالتوجه إليها.
فأما تعلقهم بالآية فهي نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت به راحلته هكذا رواه ابن عمر.
وخبرهم رواه أبو الربيع السمان وعمر بن قيس عن عاصم بن عبيد الله وهم متروكون ضعفاء.

وقد روى الدارقطني هذا الخبر برواية جابر بن عبد الله بأسانيد حسنة.
وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة أن خبر ابن عمر في الباب أحسن وأقوى في الإسناد من خبر عامر بن ربيعة وجابر فيكون الأخذ به أولى.
وأما الذي قالوا: إن ((الواجب استقبال الله تعالى)).
قلنا: هذا شيء مخترع مردود على قائله.
وإذا زعموا أنه لا جهة له كيف يتصور استقباله، وإنما الواجب هـ التوجه إلى الكعبة بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإنما وقع لهم هذا الكلام من قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وقد بينا أنه ورد لا في موضع الخلاف، وعلى أن المراد من قوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ رضا الله أو عبارة عن القبول، وبه نقول في الموضع الذي حملنا عليه الآية.
وأما المعنى الذي تعلقوا به فهو مبني على حرف واحد وهو أنه لا يجوز أن يكلف الإنسان ما ليس في وسعه، وليس في وسعه إصابة الكعبة حقيقة فسقط الأمر بالتوجه إليها.
قلنا: نحن لا نكلفه ما ليس في وسعه فإنا وإن بقينا الأمر الأول عليه، فإنما نكلفه بذلك الأمر بما يطيقه وما هو في وسعه، فإنا نقول: عليك طلب الكعبة لتصور الوصول ثم وإن وصلت بهذا الطلب فقد حصل المقصود، وإن

لم تصل وظهر لك يقين الخطأ فعليك أن تعيد الصلاة إلى جهة الكعبة فيبقى واجب الأمر الأول عليه على هذا الوجه وهو في وسعه قطعاً، ونظيره المسائل التي أوردناها، ونختار منها: مسألة اجتهاد الحاكم، فإنها نظير هذه المسألة من غير ارتياب فإن عليه طلب النص ولم يسقط بخفائه، ولكنه وجب عليه الحكم باجتهاده، مع اعتقاد أنه إذا وجد النص بخلافه نقض الحكم وحكم بما يوافقه، ولم يصير وجوب الحكم بالنص عليه حال الاشتباه تكليفاً إياه ما ليس في وسعه كذلك هاهنا.
وعذرهم عن هذه المسألة ومسألة الثوب والماء أنه مقصر، ليس بشيء.
لأن المسألة مصورة فيما إذا لم يقصر وطلب بغاية الجهد ولم يجد ولهذا لم يأثم.
وقولهم: ((إنما لم يأثم للحرج)).
قلنا: فأسقطوا عنه أصل الأمر للحرج، وكذلك مسألة الصلاة قبل الوقت لازمة أيضاً، وقولهم: ((إنه صلى هناك قبل الوجوب)).
قلنا: وهاهنا بلا شرط الجواز وقد عدت هذه المسألة من المشكلات.
وقد اتضح بما بيناه غاية الوضوح ولم يبق إشكال أصلاً.
وأما إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات فقد منع، وعلى أن الصلاة التي أخطأ فيها القبلة غير متعينة له فلم يجب عليه الإعادة مثل ما لو قضى في حادثة بأحكام وعلم أن فيها نصاً يوافق بعضها ويخالف البقية، ولا يدري أيها يوافق فإنه لا ينقض شيئاً من الأحكام.
وأما مسألة ظهور التيامن والتياسر، لأن هناك ما ظهر يقين الخطأ، لأن القبلة عين الكعبة ولا يصيبها إلا بالاجتهاد، وقد فعل ما فعل بالاجتهاد بالاجتهاد فلو أمرنا بالإعادة نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد، وفي مسألتنا تبين يقين الخطأ حتى نقول: لو تبين نفس الخطأ في تلك المسألة نقول يجب عليه الإعادة.
والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

إذا صلى الصبي في أول الوقت ثم بلغ في آخره لا إعادة عليه

عندنا.
وعندهم: عليه الإعادة وهو اختيار المزني.
والمسألة في نهاية الإشكال وهي واضحة للمخالفين، لأن المؤدي في أول الوقت نفل فإذا أدرك بالبلوغ آخر الوقت وجب فرض الوقت عليه.
ألا ترى أنه لو لم يكن صلى وجب عليه، ولأنه وقت الوجوب فإذا أدركه الوجوب بالغاً فقد أدرك الوجوب بالغاً فقد أدرك وقت الوجوب فأفاد الوجوب، وإذا ثبت وجود سبب الوجوب فلو سقط بالمفعول في أول الوقت، وقد بينا أنه نفل، والنفل لا يسقط به الواجب.
وأما دليل صحة مذهب الشافعي رحمة الله عليه فقد قال بعض أصحابنا: إن فرض الوقت يجب على الصغير

وجوب مثله بدليل ورود الأمر/ به والضرب عليه عند الامتناع، وبدليل الأمر بالوضوء وهو واجب وإذا وجب عليه وقد فعله فلا يجب ثانياً.
وهذا ليس بشيء لأن البلوغ شرط التكليف في العبادات البدنية بالإجماع بنص النبي عليه السلام، ولأن حد الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، وهذا لا يوجد في حق الصغير.
وإن قلتم: إن هذا في البالغ، فهو ساقط، لأن حد الشيء لا يختلف لشخص وشخص.
وقول القائل: ((يجب عليه وجوب مثله))، كلام لا يفهم، والواجب واحد في جميع المواضع وعلى جميع الأشخاص.
وأما الأمرية والضرب فهو للتأديب والتمرين بفعله ليتخلق ويعاد ذلك وينشأ عليه.
وأما الوضوء فلا نقول إنه واجب لكنه نفل بشرط لنفل.
ومن أصحابنا من قال: إن المؤدي وظيفة الوقت، لأنه طهر، ولهذا يؤم بنية الطهر ولو لم ينو يقال له: أعد، ووظيفة الوقت لا يثنى كما في حق البالغ.
يبينه أن تثنية وظيفة الوقت يؤدي إلى الحرج، والحرج مدفوع ولهذا لهذا لا ندعى الوجوب ونسلم أن المفعول نفل، ولكن نقول: هو وظيفة الوقت مع النفلية، وهذا أمثل من الأول.
وهم يقولون: ليس بوظيفة الوقت حقيقة، ولكن في صورة وظيفة الوقت أمر به للاعتياد والتخلق، لأن وظيفة الوقت في الحقيقة هو الفرض ولا فرض عليه.

الجواب: إن منع كونه وظيفة الوقت لا يمكن، لأنها صلاة مأمور بها في وقت محدود معلوم لا يتوجه الأمر بها إلا بالوقت وينتهي بانتهاء الوقت، وهذا معنى قولنا: ((وظيفة الوقت)).
وأما صفة النفل والفرض من وراء ذلك.
والمعتمد في المسألة أن نقول: لم يدرك البلوغ وقت الوجوب فلا تجب عليه الصلاة كما لو بلغ بعد مضي الوقت.
وإنما قلنا ذلك، لأن الوقت غير مراد لعينه، وإنما هو مضروب للصلاة فإذا اتصل به الصلاة المضروب لها الوقت انتهى في حق المصلي، لأنه إذا كان إنما شرع لمعنى فإذا تم ذلك المعنى وانتهى لم يكن لبقاء الوقت معنى.
وهذا لأن وقت الصلاة بعد الفراغ عن الصلاة لا عمل له في معنى ما، فلم يكن وقت الصلاة بل كان زماناً من الأزمنة مثل سائر الأزمنة.
فأما في حق غير المصلي فيبقى الوقت مشروعاً في حقه بظهور عمله وفائدته.
فإن قالوا: هذا الذي قلتم يستقيم في حق البالغ، لأنه أدى الفرض ولا يستقيم في حق غير البالغ، لأنه لم يؤد فرض الوقت فيبقى الوقت في حقه لطمع الأداء وترتيبه في ثاني الحال.
قلنا: هو قد أدى المشروع له الوقت، وهذا لأن الوقت شرع في حقه لصلاة يؤديها، فإذا أداها انتهى الوقت في حقه مثل ما ينتهي في حق البالغ، وهذا غاية الوسع.

والإشكال عظيم في المسألة، وقد تعلقوا بالحج إذا فعله الصبي ثم بلغ يلزمه وإنما ألزموه ذلك، لأن الواجب فريضة العمر فعين لفعله أكمل حالات الإنسان شرعاً ليجعل بفعله في هذه الحالة كالمستوعب لجميع عمره بفعله، وهذا لا يوجد في حال الصغر، لأنه حالة ناقصة ولا يمكن أن يجعل بفعله فيه بمنزلة المستوعب لجميع عمره بفعله.
لأن الحالة الناقصة لا تنتظم الحالة الكاملة والحالة الكاملة جاز أن تنتظم الحالة الناقصة.
والله أعلم.

(مسألة)

القراءة واجبة في جميع الركعات

عندنا.
وعندهم: تجب في ركعتين منها.
لنا: حديث الأعرابي أن النبي عليه السلام علمه الصلاة والقراءة ثم قال: ((وكذلك أفعل في كل ركعة))، والأمر على الوجوب.

فإن قالوا: إن قوله: ((افعل)) ينصرف إلى الفعل دون القول.
قلنا: بل ينصرف إلى الكل.
ألا ترى أنه ينصرف إلى التكبيرات والتسبيحات وإن كان من المقول لا من المفعول، وهذا لأن الذكر فعل الإنسان فهو كفعل سائر الجوارح، ولأن الثالثة والرابعة ركعة من الصلاة فتجب فيها القراءة الأولى والثانية، وهذا قياس جلي شبهاً.
ويمكن أن يقال من حيث المعنى: إن القيام متردد بين العادة والعبادة فوجبت القراءة لتمييز العبادة عن العادة، وهذا المعنى موجود في جميع الركعات.
ألا ترى أن الركوع والسجود لما كان متميزاً عن العادة بذاته لم تجب فيها التسبيحات، والقعود لما تردد بين العادة والعبادة كلف ووجب التشهد/ المميز فيه ويقال أيضاً: إن الثانية تكرار الأولى، والثالثة تكرار الثانية فيجب فعله على رسم الأولى والثانية لهما وإلا لم يكن.
وأما حجتهم: نقلوا عن علي، وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا في المصلي: إنه بالخيار في الركعتين الأخراوين إن شاء قرأ وإن شاء سبح)).

ولأن القراءة في الأخراوين ذكر يخافت فيه جميع الأحوال فلم يكن واحدا ً، دليله التسبيحات، وهذا لأن الصلاة في الأصل ركعتان على ما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر))، وإذا كانت كذلك فالركعتان أصل والباقي من ركعة في المغرب واثنتين في الصلوات ذوات الأربعة زيادة، وقد ثبتت على الخفة في الشرع ولهذا لا تقرأ السورة ولا يجهر بالقراءة فيها.
ومن الخفة ألا تجب القراءة بل تسن.
وأيضاً فإنه لما لم تكن الركعتان الأخراوان أصلاً بل كان زيادة لم يتحقق فيهما التكرار الذي احتججتم به، لأن الأصل لا يكرر بما ليس بأصل.
قالوا: وأما الذي قلتم بأن القراءة مميزة بين العادة والعبادة فليس بصحيح، لأنه لو كان هذا المعنى يفيد الوجوب لوجب التشهد في القعود الأول، وبإجماع هو غير واجب.
الجواب: أما التعلق بالمخافتة فضعيف، لأن القراءة تخفيها في الظهر والعصر في جميع الأحوال وهي واجبة، وعلى عكس هذا فإن الإمام يجهر بالتكبيرات الفواصل بين الأركان وهي غير واجبة، وهذا لأن الجهر والمخافتة إتباع محض، ولا يهتدي إليهما قياس بحال.
وأما قولهم: ((إن الأصل ركعتان)).

قلنا: لا بل كل الواجب أصل، يبينه أنه وجب في كل واحد من الركعتين الأخراوين من الفعل ما وجب في الأوليين، دل أنهما أصل مثل الأوليين.
والخبر الذي رووه عن عائشة فليس في دليل، لأنه يجوز أن يجب من بعد ويصير أصلاً مثل الأول كالشرائع التي وجبت شيئاً فشيئاً صارت كلها أصولاً وأركاناً.
فإن تعلقوا بالسقوط في السفر فليس بشيء، لأن الركعة الثالثة في صلاة المغرب لا تسقط وليست بأصل على ما زعموا، ولأن عندنا ما سقط ولكن القصر رخصة كما أن الإفطار رخصة.
وأما قولهم: ((إنه وجبت الركعتان الأخروان على طريق الخفة)).
قلنا: ليس لهم على هذا دليل سوى حذف السورة منهما، وهذا ممنوع على أحد القولين فإنه يشرع قراءة السورة فيهما كما يشرع في الركعتين الأوليين، وعلى أنه لا يدل شرع الخفة من هذا الوجه على سقوط أصل القراءة، فإنه قد شرع في الركعة الثانية في الصبح على أصلهم نوع خفة حتى إنه لا يطول فيها ما يطول في الأولى، ومع ذلك يجب القراءة فيها مثل ما يجب في الأولى.
وأما الذين تكلموا به على فصل التمييز بين العادة والعبادة من إلزام فصل التشهد الأول.
قلنا: وجب التشهد في الجملة، فإنه إن لم يجب الأول فقد وجب الثاني وعلى إنه خرج عن هذا الأصل بالنص الوارد في إسقاط وجوبه على ما عرف.

وأما تعلقهم بأثر علي وابن مسعود.
فقد قيل: إن الراوي عن علي هو الحارث الأعور، وقد زعم الشعبي أنه كان كذاباً، وعلى أن قول الصحابي الواحد والاثنين لا يقدم على القياس عندنا.
اللهم إلا أن ينتشر في الصحابة ولا يظهر له مخالف فينزل منزلة الإجماع، وعلى أن التعلق بالظاهر من أفعال النبي عليه السلام أولى، وقد قرأ النبي عليه السلام في الركعات الأربع وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
والله أعلم.

(مسألة)

قراءة الفاتحة ركن في الصلاة

عندنا.
وعندهم: الركن أصل القراءة، فأما قراءة الفاتحة سنة.
وزعم أبو زيد أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة وليس بركن، وجعل الفرق بين الركن والواجب أن ركن الصلاة ما يفسد بتركه الصلاة والواجب لا تفسد بتركه الصلاة.
لنا: حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أن

النبي عليه السلام قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)).
وفي رواية: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)).
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كل صلاة لا تقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج)).

وروى شعبة/ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يجزئ صلاة لا يقرأ فيها فاتحة الكتاب، قلت: فإن كنت خلف الإمام؟ فأخذ بيدي وقال: ((اقرأ في نفسك يا فارسي)).
وقد روى هذا الحديث جماعة سوى عبادة وأبي هريرة، منهم عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين.
وروى عثمان النهدي عن أبي هريرة قال: ((أمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب)).
وروى ((أنه أعطاه نعليه)) ليكون علامة له، والاعتماد على السنة ولا مدخل للقياس في هذه المسألة.
وأما حجتهم: تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾.
وبقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَه﴾، فالتقييد بفاتحة الكتاب زيادة على كتاب الله وهو يجري مجرى النسخ، ولا يجوز بخبر الواحد، وكذلك الصلاة ثابتة بكتاب الله تعالى، وهي عبارة عن أركانها فلا يجوز إثبات ركن فيها إلا بالطريق الذي ثبت أصله.
قال: والعدل من القول هو القول بين الكتاب والسنة فنأمره بالعمل ونوجبه ولا نفسد الصلاة بتركها، فعلى هذا راعينا حق كتاب الله تعالى الثابت باليقين، ولم نلحق به زيادة، وراعينا

جارٍ التحميل