(مسألة)
الخلطة الصحيحة بشرائطها مؤثرة في الزكاة
عندنا.
وبيان التأثير أن الخليطين يصدقان ماليهما صدقة المال الواحد للمالك الواحد وإن كان نصب كل واحد من الخليطين ناقصاً عن النصاب وذلك بعد أن صحت الخلطة واتصل بها شرائطها........ المعهودة في الشرع على ما عرف في المذهب.
وعنده: لا تأثير للخلطة أصلاً، وحكم كل واحد من الخليطين عند الاختلاط مثل حكمة عند الانفراد بلا فرقان، حتى لو كان/ ملك كل واحد منهما قاصراً على النصاب لم يجب شيء أصلاً، وإن كان ملك
أحدهما قاصراً والآخر كاملاً يعتبر حالهما بحاليهما عند الانفراد فيعمل على ذلك.
لنا:
حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا نفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعا بينهما بالسوية)).
الاستدلال: أن الاجتماع والتفرق حقيقة في المكان مجاز في غيره يقال: جمع كذا وكذا إذا قارب بينهما مكاناً، وفرق بين كذا وكذا إذا باعد بينهما مكاناً.
وإذا ثبت أنه حقيقة في المكان فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن التفريق بين المجتمع في المكان مخافة الصدقة، وذلك لا يكون إلا على أصلنا حيث نقول: إن المجتمع في المكان تجب فيه الزكاة وإذا تفرق سقطت فيكون النهى منصرفاً إلى المالكين مخافة أخذ الساعي على الصدقة.
وأما قوله: ((لا يجمع بين متفرق)) فهو محمول على المتفرق عنه في المكان أيضاً، وقد ورد النهي عن جميعه فيكون النهي عن جميعه منصرفاً إلى الساعي، وكذا نقول: إذا كان متفرقاً في المكان لا يجمع ليأخذ، ويجوز أن يكون قوله: ((لا يفرق بين مجتمع)) منصرفاً إلى الساعي أيضاً، وذلك في ثمانين من الغنم بين رجلين في مكان واحد لا يفرق ليأخذ من كل واحد شاة ثم قال صلي الله عليه وسلم: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)).
وهذا أيضاً دليل على تأثير الخلطة أخذاً على معنى أن للساعي أن يأخذ الواجب من المال الذي بين الخليطين، ويجعل الجميع بمنزلة الواحد ثم يثبت منهما التراجع على ما يوجبه أصل ملك كل واحد منهما، هذا بيان تأثير الخلطة أخذاً، والأول دل على تأثير الخلطة وجوباً وسقوطاً.
وقد روى الأصحاب في آخر الخبر زيادة وهو أنهم رووا أن النبي عليه السلام قال: ((والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والمرعى)).
ولئن ثبت هذا فهو لبيان شرائط الخلطة، وعندكم الخلطة وشرائطها ساقط لغو، وليس لهم للخبر تأويل متضح يستقيم على أصولهم غير أن بعض أصحابهم قال: المراد من التفريق والاجتماع هو في الملك لا في المكان.
وقالوا: وعندنا المجتمع في المكان لا يفرق، والمتفرق في الملك لا يجمع وليس هذا التأويل بشيء لأنه ترك الحقيقة على ما سبق.
ولأن تفريق المجتمع ملكاًن وجمع المتفرق ملكاً من الساعي وصاحب الزكاة لا يتصور، اللهم إلا بالبيع أو الشراء، وهذا لا ينهي عنه المالك ولا يتصور من الساعي.
فإن قالوا: لا يفرق مكاناً بين المجتمع ملكاً ولا يجمع مكاناً بين المتفرق ملكاً فقد عادوا إلى ما ذكرناه من التفرق والاجتماع في المكان، وإذا حمل عليه بعض الخبر لابد أن يحمل عليه جميع الخبر فصار التعلق بالخبر في هذه المسألة في نهاية الوضوح.
وإن ذكروا خبراً من المنع من إيجاب الزكاة فيما دون النصاب فهو محمول على حال الانفراد وبه نقول.
وإنما الكلام في حكم الخلطة وقد ورد فيه لفظ خاص من صاحب الشرع يدل على تأثيرها على ما سبق.
وأما الكلام من حيث المعنى:
فالكلام فيه عسر جداً، والذي يمكن أن يعتمد عليه هو أن السائمة بين الخليطين سائمة واحدة وقد بلغت عدد النصاب، والمالكان من أهل الوجوب عليهما فصارت كما لو كانت لمالك واحد.
وإنما قلنا: ((إن السائمة واحدة))، لأن السائمة إنما صارت سائمة بمعاني من المراح والمرعي والمسرح والبئر والفحل والراعي وغير ذلك، فإذا اجتمعت هذه المعاني صارت السائمة مجتمعة وجعلت كسائمة واحدة لمالك واحد.
يدل عليه: أن الشرع لم يعتبر إلا بلوغ السائمة عدداً معلوماً فإذا وجد
ذلك العدد، ووجد وصف السوم فقد تم السبب فلم ينظر إلى اتحاد الملك أو تعدده.
يبينه: أن القياس الكلي أن الواجب إذا تعلق بعدد يتعلق أبعاض ذلك الواجب بأبعاض ذلك العدد، ونعني بهذا أنه إذا وجب في أربعين شاة واحدة منها يتعلق بعشرين نصف شاة إلا أن الشرع لم يوجب عند التفرد يملك نصف النصاب نظراً لأرباب الأموال، فإن السائمة إذا قل عددها كثرت مؤنتها وقل رفقها فيكون في إيجاب الزكاة فيها إضراراً وإجحاف برب المال فسقط الواجب بنوع نظر، فإذا بلغ العدد المسمى في النصاب وإن كان لجماعة واتفقت الخلط بشرائطها خفت المؤنة خفة بينة وكثر الرفق فزال المعنى الذي كنا نعتبره في إسقاط الواجب فقلنا بالوجوب ورجعنا إلى الأصل الكلي، الذي قدمناه، ولم ننظر إلى اتحاد المالك أو تعدده، لأنه ليس في اتحاده أو في تعدده معنى يؤثر/ في الوجوب أو السقوط فهذا المعنى الذي قلناه نهاية ما يمكن التعلق به من حيث المعنى وهو وجه حسن يمكن تمشيته فليعتمد عليه.
وأما حجتهم:
قالوا: ملك كل واحد منهما قاصر على النصاب فلا تجب عليه الزكاة.
دليله: إذا كان منفرداً، وهذا لأن كمال النصاب جزء ابتداء الوجوب فلا يتصور وجوب قبل ملكه نصاباً كاملاً.
يبينه: أنه ولو وجب الزكاة قبل تمام ملك النصاب سقط اعتبار النصاب، وحين اتفقنا على اعتبار النصاب دلنا ذلك أن الملك قبل تمامه بمنزلة العدم.
قالوا: وأما قولكم: ((إن المؤنة قد خفت بالخلطة)).
قال: ((خفة المؤونة بناء على وجود النصاب أولاً فما لم يوجد النصاب أولاً فما لم يوجد النصاب
لا تعتبر خفة المؤنة، فإن الواجب بالشرع عرف، والشرع اعتبر عدد النصاب ووصف السوم فما لم يوجد كل واحد منهما لا يوجد الوجوب.
وحرفهم أنهم يقولون: نحن لا ننكر أن الخلطة تفيد خفة المؤنة من وجه لكن زيادة خفة المؤنة بالخلطة كأصل خفة المؤنة بالسوم، ثم أصل خفة المؤنة لا تعتبر إلا في نصاب كامل، كذلك زيادة خفة المؤنة لا تعتبر إلا في نصاب كامل.
وقالوا أيضاً: إنكم جعلتم خفة المؤنة سبباً لنقصان الواجب فإنكم قلتم: لو ملك رجلان ثمانين من الغنم وحصلت بينهما خلطة تجب عليهما شاة واحدة، ولو لم تكن هذه الخلطة لوجبت على كل واحد منهما شاة كاملة.
قالوا: وأما تعلق مشايخكم من جواز أخذ الساعي حقه من عرض الغنم وإن كان قد وجب على أحدهما ولم يجب على الآخر.
وذلك في صورة ستين من الغنم بين رجلين لأحدهما أربعون وللأخر عشرون، وإنما جوزنا ذلك، لأن الساعي يلحقه الحرج في طلب القسمة بينهما ثم بناء الأخذ عليه فلأجل دفع الحرج أطلقنا له الأخذ من عرض الغنم ثم يثب بينهما التراجع عند قسمة المأخوذ على النصبين.
وربما يقولون: أطلقنا الأخذ لأجل النص وهو قوله عليه السلام: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية)).
وهذا مطلق الأخذ مثبت للتراجع.
وأما أبو زيد فقد قال في هذه المسألة: ((إن كل واحد منهما فقير فلا تجب عليه الزكاة، والدليل على الفقر حل الصدقة، وزعم أن الفقير
لا يكون محل وجوب زكاة بحال، والغنى لا يكون محل حل الزكاة بحال، وهذه طريقة يأتي شرحها في مسألة زكاة المديون.
الجواب:
أما قولهم: ((إن ملك كل واحد منهما قاصر عن النصاب)).
قلنا: ولم قلت لا تجب الزكاة إذا كان ملك كل واحد منهما قاصراً عن النصاب فإن تعلق بحال الانفراد فقد ذكرنا أن سقوط الزكاة في حال الانفراد كان على جهة النظر لرب المال ولدفع الضرر عنه، وهذا المعنى معدوم في حال الاختلاط، وإن تعلق بالمعنى وقال: لما كان ملك كل واحد منهما قاصراً عن النصاب فهو فقير فلا تجب عليه الزكاة، فهذه طريقة يأتي الجواب عنها في مسألة المديون، وعلى الفور تبطل بابن السبيل فإنه فقير بدليل حل الصدقة له ومع ذلك تجب عليه الصدقة، ثم نقول: ملك كل واحد من الشريكين وإن كان قاصراً عن النصاب لكن النصاب في نفسه كامل، والسائمة واحدة، والعبرة بوجوب نصاب كامل من السائمة سواء أكان لواحد أو لاثنين.
يبينه: أنه لما كانت السائمة واحدة بإجماع شرائط الخلطة واتحادها وجب الإعراض عن اتحاد المالك وتعدده لمعنيين:
أحدهما: فلأن الشرع لم يعتبر إلا وجود السائمة بعدد معلوم وقد وجد فما وراء ذلك فهو ساقط العبرة.
وأما الثانية: فلأنه ليس في تعدد المالك معنى يمنع الوجوب سوى النظر له وحين صارت السائمة واحدة، واتحدت شرائطه الخلطة، وخفة المؤنة على ما سبق وجب النظر لجانب الفقراء، ومن النظر لهذا الجانب هو الإعراض عن اقتران المالكين لاعتبار اتحاد السائمة وجعلها كأنها لمالك واحد.
وقولهم: ((إن خفة المؤنة بعد وجود نصاب كامل في نفسه)).
قلنا: قد ذكرنا أن اعتبار نصاب كامل عند الانفراد كان لمعنى لا يوجد ذلك المعنى عند الخلطة.
وقولهم: ((إن أصل خفة المؤنة بالسوم لم يعتبر إلا في نصاب كامل)).
قلنا: قد كثرت المؤنة في تلك الصورة لاحتياج كل واحد إلى مسرح ومراح وبئر وراع وغير ذلك على الانفراد، وهذه الأشياء لابد فيها من تحمل مؤن بخلاف حال الخلطة فإنه يوجد الاكتفاء بواحد من هذه الأشياء فتخف المؤنة)).
وقولهم: ((إن عندكم خفة المؤنة عملت في الإسقاط لا في الإيجاب)).
قلنا: قد صارت السائمة واحدة وجعل كأنها لمالك واحد، ثم إذا ثبت هذا فحينئذ يكون حكمها ما يكون/ حكمها حال الانفراد فيجب في موضع الوجوب ويسقط في موضع السقوط.
والله تعالى أعلم بالصواب.
(مسألة)
تجب الزكاة في مال الصبيان والمجانين
عندنا.
وعندهم: لا تجب.
إن الزكاة حق الفقير يجب بسبب ملك المال، وملك الصبي والمجنون مثل ملك البالغ فتجب عليه، كما تجب على البالغ.
يبينه: أن السبب إذا تحقق للواجب، وكانت الذمة محتملة لوجوبه لم يمتنع الوجوب بحال فقد تحقق في مسألتنا، وهو ملك المال على ما سبق.
وذمة الصبي محتملة للوجوب بدليل الغرامات والنفقة، وسائر مؤن المال تجب عليه كما تجب على البالغ، فأشبه الصبي البالغ في هذا الباب ولم يقع بينهما الفرق بوجه ما، فإذا وجب على أحدهما وجب على الآخر.
والدليل على أن الزكاة حق الفقراء قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
لِلْفُقَرَاءِ}، ولا كلمة أبلغ من هذا في إثبات حق الفقراء، وهو مثل قول القائل: ((ثلث مالي بعد موتي للفقراء)).
وقال تعالى: ﴿أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
ولأن الواجب هو التمليك، والحق في التمليكات لمن يقع له الملك.
دليله: سائر التمليكات.
يبينه: أن التمليك من الله تعالى لا يتصور، لأن الأشياء لله تعالى قبل التمليك وبعد التمليك على وجه واحد، وأيضاً فإن التمليك هو نقل الملك الذي للعبد في شيء إلى غيره، والملك الذي يكون للعبد لا يكون العبد من أهله بحال، وقد وجب التمليك في مسألتنا، وهو نقل الملك الذي للعبد، فإذا لم يتصور أن يكون من الله تعالى علمنا قطعاً أنه حق العباد وهم الفقراء.
يدل عليه: أن الأملاك ثابتة للعباد لنفع العباد، والنفع للفقراء في الصدقات فيكون الحق لهم، والله تعالى يجل عن الانتفاع بشيء أو التضرر بشيء، فإذا وجب المال الذي يتطلب به النفع كان حقاً لمن له النفع، فهذه كلمات في نهاية الوضوح، وتبين أن الزكاة حق الفقراء فصارت مؤنة مالية وجبت بملك المال ومؤن المال يتبع وجوبها المال كسائر المؤن، وأحسن ما يتعلق به العشر وصدقة الفطر، فإنهما لما كانا من المؤن المالية تبعاً المال، فسواء وجد ذلك للبالغ أو للصبي أو المجنون اتصل به الوجوب، كذلك ههنا.
وقد تعلق الأصحاب بالعشر وصدقة الفطر ابتداء، وقاسوا الزكاة عليهما بطرديات ذكروها، ووجه التعلق بهما بطريق التحقيق هو ما قدمنا.
وأما حجتهم:
قالوا: عبادة محضة فلا تجب على الصبي والمجنون.
دليله: الصلاة والصوم والحج، وهذا لأن الصبي ليس من أهل وجوب العبادات عليه، والشيء لا يجب إلا على أهله، والدليل على أنه ليس بأهل لوجوب العبادة عليه، أن العبادة ابتلاء من الله تعالى لعبده ليظهر من يطيعه ممن يعصيه، ولا يتصور ابتلاء العبد إلا في فعل العبد، فأما الذي لا فعل للعبد فيه فلا يتصور ابتلاءه به، لأن الابتلاء اختبار وامتحان، والإنسان يمتحن بما فعله، ولا يمتحن بما يفعله غيره.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: ابتلاء الصبي بالعبادة لا يجوز، لأنه إن ابتلى بفعله ففعله غير معتبر، وإن ابتلى بفعل الولي فلا يجوز أن يبتلى الإنسان بفعل غيره، اللهم إلا أن يكون ذلك الغير يفعله بأمره فيقوم فعله مقام فعله لأمره إياه، فأما إذا كان فعله الغير عليه قهراً وجبراً فلا يتصور ابتلاؤه وامتحانه بذلك.
قالوا: وعلى هذا خرج البالغ إذا أمر غيره بأداء الزكاة عنه، لأنه إن كان يؤدى عنه بأمره تحقق معنى الابتلاء والامتحان، وقد حد بعضهم العبادة فقال: هو فعل يفعله العبد على وجه التعظيم لمعبوده باختياره وإرادته ويشتمل الأجرية على ابتلائه وامتحانه.
ثم استدلوا على أن الزكاة
عبادة محضة بقوله عليه السلام: ((بني الإسلام على خمس...))، وذكر فيه ((الزكاة)).
وبالحديث الثاني: وهو سؤال جبريل صلوات الله عليه النبي عليه السلام: ((ما الإسلام؟ فقال: أنتشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة....)) الخبر.
وإذا كان الإسلام عبادة محضة كان ما يبتني عليه عبادة محضة).
وقال أيضاً لما فسر الإسلام بالأوامر التي اشتملت على الزكاة وغيرها فالمفسر والمفسر به يكون كله عبادة.
يبينه: أنه لما كانت هذه الأشياء تفسير الإسلام، أو ما بنى عليه الإسلام يكون مشروعاً لما شرع له الإسلام، وإنما شرع ليكون حقاً لله تعالى على الخلوص، كذلك هذه الأشياء تكون كذلك.
قالوا: ولأن النعمة/ نعمتان: نعمة بدنية، ونعمة مالية، والشكر لله تعالى فيهما واجب فوجبت الصلاة لتكون شكراً لنعمة البدن، ووجبت الزكاة لتكون شكر نعمة المال، وشكر المنعم حق المنعم فإذا كان أحدهما لله تعالى بوصف العبادة فكذلك الآخر، وأيضاً فإنه يتحقق معنى الابتلاء في كل واحد منهما.
أما الابتلاء في الصلاة والصوم بتعب البدن، والابتلاء في الزكاة
بنقصان المال، وكل واحد منهما بخلاف هوى النفس فحينئذ يظهر من يطيع ربه ممن يعصيه.
قالوا: وإنما افتراق الصلاة والزكاة بجواز أحدهما بالنائب وعدم جواز الآخر، فإنما كان كذلك، لأن الابتلاء في الصلاة والصوم لا يكون بفعل غيره، لأنه يتعب البدن ولا يتعب بدنه ببدن غيره.
وأما الابتلاء في الزكاة يوجد بفعل غيره، لأنه بنقصان المال ونقصان المال بفعله وفعل غيره واحد إلا أنه مع هذا لابد من فعل منه حتى لو أدى زكاته بغيره أمره لا يجوز بخلاف الديون والغرامات، وإذا لم يكن بد من فعل تحقق معنى العبادة فيه.
وقولكم: ((إن الواجب حق الفقراء)).
لا يصح، لأن الفقر لا يكون علة في استحقاق حق على الغير إنما النعمة من قبل الله تعالى تكون سبباً في إيجاب الشكر على العبد، ولأنه لو كانت الزكاة حق الفقراء لكانت حقاً خالصاً لهم ولم يكن فيه معنى العبادة أصلاً.
وقد سلمتم أن فيها معنى العبادة حتى لا يجوز أداؤها إلا بأمر من قبله ليوجد معنى العبادة بوجود فعله.
وقولهم: ((إن الواجب هو التمليك، والتملك حق المتملك)).
قال: (الواجب هو الإخراج إلى الله تعالى وهو يتولى قبض الزكاة بدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَاخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾.
وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ والقرض حق المستقرض واقع في قبضه وملكه وملك المستقرض.
وقال عليه السلام: ((إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير)).
فثبت بهذه الدلائل أن الزكاة حق الله تعالى وهو القابض لها بواسطة يد الفقير فكأن الفقير يأخذ لله تعالى ثم يقبض منه لنفسه صلة أو عوضاً عن الرزق الموعود، ونظيره ما لو قال: ((اقض بوديعتي التي لي عندك ما على لفلان من الدين)) فإنه يصير صاحب الدين قابضاً له أولاً ثم يصير قابضاً منه لنفسه، وكذلك لو قال: ((اقض بما لي عليك من الدين ما لفلان على من الدين)).
قالوا: وقولكم: ((إن التمليك من الله لا يتصور)).
قلنا: يتصور، فإن إخراج الملك إلى الله تعالى متصور بدليل الوقف والعتق.
وأما فصل النفع التي قلتم، فنحن حققنا نفع العبد بالوجه الذي قلنا إلا أنه بواسطة قام الدليل على إثباتها.
قالوا: ((وأما صدقة الفطر والعشر)).
أما صدقة الفطر فعندنا لا تجب على الصبي إنما تجب على الولي بسببه وهو مما يجب على الغير بسبب الغير.
أما ههنا لو وجبت الزكاة وجبت على الصبي، لأنها لا تجب على الغير بسبب الغير، ولأن الوجوب بسبب الملك، والملك للصبي فيكون الوجوب على الصبي، وصدقة الفطر تجب إذا كان يمون رأساً عن ولاية وقد وجد هذا المعنى في حق الابن الصغير، كما يوجد في حق السيد مع العبد.
فإن قلتم: إن صدقة الفطر تجب على الصبي بدليل أنه يخرج عن ماله.
قلنا: يخرج من مال نفسه على قول محمد وزفر، ولا يخرج من مال الصبي بحال، ولو أخرج ضمن، وهو القياس، وإن سلمنا استحساناً، فإنما أخرج من ماله، لأنه وجب بسببه.
وقد قال بعضهم:
إن صدقة الفطر ليست بعبادة محضة، لأنها تشبه النفقات بدليل وجوبها على الغير بسبب الغير فيجب على الصبي لا على وجه العبادة بل على أنها مؤنة ويصير معنى العبادة تبعاً ووجوب تبعية في معنى العبادة لا يمنع وجوبها على الصبي، لأنه في الجملة من أهل العبادة بخلاف
الكافر، إلا أنها لما وجبت على جهة المؤنة وصار معنى العبادة تبعاً جاز أن يؤدي بولاية تثبت جبراً لا باختيار من عليه.
وأما الزكاة عبادة محضة على ما سبق فلم يمكن إيجابها على الصبي لتأدى عنه بولاية لا على وجه الاختيار.
وأما العشر فليس أيضاً عبادة محضة بل مؤنة الأرض مثل الخراج على ما سيأتي من بعد هذا إلا أن الخراج ليس فيه معنى العبادة، وأما العشر ففيه معنى العبادة فافترقا حتى يجب الخراج على الكافر ولا يجب العشر إلا على المسلم، وإذا وجب على أنه مؤنة الأرض فيجب على الصبي كما تجب سائر المؤن.
قالوا: ولهذا أوجبنا العشر والخراج في أرض المكاتب والأرض الموقوفة.
وهذا لأن الأراضي لا تكون محفوظة على ملاكها إلا بحفظ الإمام وحمايته فكأن الله تعالى جعلها للعبادة كمؤنة أوجبها عليهم للمقاتلة تارة وللفقراء تارة لتصير محفوظة بالإمام على صاحبها وتسلم له منافعها ولم يمكن إيجابها على طريق التعبد المحض ابتلاء واختياراً، وأما سائر الأموال فمحفوظة بأيدي أربابها/ فلا يحتاج إلى مؤنة يلتزمها ليحفظها الإمام عليه فكان إيجاب الزكاة محض تعبد على وصف الابتلاء كما سبق بيانه فلم يستقم إيجابها على الصبي على ما ذكرنا.
الجواب:
أما قولهم: ((الزكاة عبادة محضة)).
يقال لهم أولاً بطريق الجدل: لم لا يجوز إيجاب العبادة المحضة على الصبي؟ فإن تمسكوا بالصوم والصلاة فسنجيب عنه، وإن تعلقوا بقولهم: ((إن العبادة لا تحقق من الإنسان إلا بفعل يوجد منه)).
قلنا: نعم، ولكن يجوز أن يقام فعل غيره مقام فعله فيها ويجعل كأنه الفاعل لها.
ألا ترى أنه لو أمر البالغ غيره بأداء الزكاة جاز وقام فعل النائب مقام فعله، وليس لهم على هذا إلا قولهم إن الاستنابة هناك كان باختيار من العبد.
لذلك نقول: العباد في فعل الشيء لا في الأمر به، ولكن قام فعل النائب مقام فعله فتحقق معنى العبادة، كذلك ههنا يقوم فعل الولي مقام فعل الصبي فيتحقق معنى العبادة، وهذا لأن المقصود من الأمر في كل موضع نفس وجود المأمور به، والمأمور به إخراج مال عن مال من عليه فإذا أطلقنا إخراج الزكاة من ماله سواء أكان بأمره أو بأمر الشرع أفاد الأمر، وإذا أفاد الأمر صح ونفذ.
وأما الابتلاء لحكمة الأمر وصحة الأمر لا يكون به بل بإمكان المأمور فحسب، فإذا أمكن المأمور صح الأمر، فهذا جواب من حيث المجادلة في نهاية الحسن.
وأما الجواب من حيث الفقه بالمنع على ما سبق:
وحقيقته أن الزكاة حق الفقراء، ومعنى العبادة تبع مثل العشر وصدقة الفطر على ما سلموا، وإنما جعلنا حق الفقراء الزكاة حق الفقراء وأثبتنا فيها معنى العبادة بحسب قيام الدليل، لأن الدليل قد قام بكونها حقاً للفقراء على ما سبق، وقام الدليل أيضاً بثبوت معنى العبادة فيها، لأنها لما وجبت ابتداء، وقد اشتملت على شكر نعمة المال وفعلها بطلب التقرب إلى الله تعالى وتحصل رضاه كانت قربة، والعبادات قرب فتضمنت معنى العبادة من هذا الوجه ونظيره العشر.
وأما دلائلهم على أنها عباده محضة:
أما الخبران الأولان فنقول: هذه الأشياء مباني الإسلام اعتقاد وجوب، وكذلك هي الإسلام باعتقاد الوجوب إلا أن تخصص هذه الأشياء كانت تشريفا لهاً، لأنها وجبت ابتداء من قبل الله تعالى من غير فعل سبق من العبد، وليس في جملة الأوامر من البدنية والمالية ما وجب ابتداء من قبل الله تعالى على العبد إلا هذه الأشياء، وهي مثل الإسلام وجب ابتداء من قبل الله تعالى على العبد ثم كون بعضها عبادة محضة أو حقاً للآدمي يكون بدليل يقوم عليه.
وأما قولهم: ((إن الزكاة شكر نعمة المال)).
قلنا: وكونه للفقراء لا ينفي شكر نعمة المال، لأن شكر نعمة العبد لربه في امتثال أمره، وذلك يوجد سواء أكان الحق لله أو للفقير وعلى أنا جعلنا فيها معنى العبادة بهذا السبب على ما سبق.
وأما الصلاة والصوم لم يكن عبادة، لأنها شكر نعمة بل بدليل آخر:
وهو أن الصلاة محض تقرب إلى الله تعالى بالتخشع والتذلل، ومحض تعظيم له، ومثل هذا لا يستحقه سوى الله تعالى بل لا يجوز لغيره بحال.
أما في مسألتنا فالزكاة محض تمليك، وقد بينا أنه لا يصلح أن يكون حقاً لله تعالى على الخلوص.
يبينه: أن الصلاة لما كانت عبادة محضة لله تعالى لم يتصور أن يكون جنسها ومثلها للعبد، وفي مسألتنا قد تصور جنس الزكاة حقاً للعبد بدليل العشر وصدقة الفطر، دل على انقطاع المشابهة.
وكذلك الحج خارج على هذا.
وقد أجاب المشايخ عن الصلاة والصوم بالتفريق بالبدلية والمالية.
وقالوا: بدن الصبي ناقص ويكمل بالبلوغ وماله كامل من غير نقصان
ولهذا أثر السفر الذي يشعر بالمشقة بدناً في الصلاة والصوم ولم يؤثر في المال وهذا أحسن، إلا أنه على تسليم أن الزكاة عبادة محضة، فأما على الطريقة التي اخترناها بالتخريج بما قلنا، والحج قد خرج أيضاً على ما ذكرناه، وعلى طريقة المشايخ هو عبادة بدنية ويؤدي بالبدن وإنما انقلب في حق المغصوب إلى المال لعارض عجز فلا يعتبر ذلك مثل ما لا يعتبر انتقال الصوم إلى المال بعارض العجز، ولأنه يؤدي بدناً بكل حال، فإن النائب يؤديه بالبدن، لكنه استوجب عليه المال، وأما الزكاة تؤدي بالمال فانقطعت الشبهية بكل وجه، والمعتمد ما سبق.
وأما قولهم: ((لا سبب ليجب الحق على الفقراء)).
قلنا: وجب ابتداء من قبل الله تعالى لا يطلب له سبب مؤثر، وعلى أن المواصلة ديناً سبب لهذه الصلة، والمواصلات تصلح سبباً لإيجاب الصلات.
وأما ما ذكروا من الاعتراض على قولنا: ((إن التمليك من/ الفقير من أنه مخرجها الزكاة مخرجها إلى الله تعالى ثم إلى الفقير)).
فنقول: هذا إثبات ترتيب لا يدل عليه نص ولا معنى، بل النص والمعنى دليلان على أنها حق العباد ابتداء على ما ذكرناه، وما ذكر من الكتاب والخبر، فالمراد من ذلك تحقيق القبول من الله تعالى، فأما أن تملك من الله تعالى ثم الفقير يملكه من قبل الله تعالى بالرزق الموعود، فهذا شيء لا يعرف.
وأما قولهم: ((إنه إخراج إلى الله تعالى)).
قلنا: ليس الواجب إلا التمليك ولا يعرف للإخراج معنًى سوى هذا،
وقد بيَّنا أن التمليك لا يتصور إلا من العبد، وعلى أن الرزق الموعود الذي قالوه يوجد إيصاله إلى العباد بإيجاب الحق للفقراء ابتداء فلا حاجة إلى أن يجعل لله ثم يجعل للعبد على الوجه الذي قالوه.
وأما العشر وصدقة الفطر ففي نهاية اللزوم، والعذر في نهاية الضعف وقد جعلا عبادة في اعتبار فعل العبد حتى لو أدى الأجنبي عن الأجنبي ذلك لا يجوز إلا بأمره، ومع ذلك قد تأديا بولاية تثبت قهراً وجبراً على الصبي والمجنون.
فهذا حرف الإلزام ولا كلام لهم على هذا.
وعلى إنا حققنا في جانب الزكاة ما حققوه في جانب العشر وصدقة الفطر وهو كونه حق الفقراء وإدراج معنى العبادة تبعاً فاستوى الكل، وصارت في رتبة واحدة على ما سبق.
والله أعلم.
وأما الكلام في المسألة من حيث الخبر:
فقد روى الوليد بن مسلم عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس وقال: ((ألا من ولى يتيماً وله مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة)).
وذكره أبو عيسى في جامعه قال:
(عمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد سمع شعيب من جده عبد الله بن عمرو قال: ((وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في حديث عمرو بن شعيب وقال: هو واهي، وإنما ضعفه لأنه كان يروي عن صحيفة جده عبد الله بن عمرو، وأما سائر أئمة الحديث فإنهم يحتجون بحديثه ويثبتونه منهم أحمد بن حنبل)، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم.
قالوا: روى وجوب الزكاة في مال اليتيم عن عمر وعلي وعائشة وابن عمر وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
والله أعلم بالصواب.
(مسألة)
الدين لا يمنع وجوب الزكاة على الأصح من قولي الشافعي رضي الله عنه.
وعندهم: يمنع.
لنا:
إن الزكاة حق مالي لا يمنع الدين من وجوبه.
دليله: سائر الحقوق، وكالعشر إن أسلموا.
وفقه المسألة:
أن سبب وجوب الزكاة مال بصفة لمالك مخصوص وقد وجد بعد وجود الدين حسب وجوده قبل وجود الدين، ونعني بالمال بصفة هو النصاب النامي، إما بالسوم أو بالتجارة، ونعني بالمالك المخصوص هو الحر المسلم وهذا قبل وجوب الدين وبعد وجوبه واحد لا يختلف، وهذا لأن الدين وجب في الذمة ولا اتصال له بالمال إلا عند قضائه وأدائه فقبل أن يتصل به فعل القضاء يكون المال وصفة الملك فيه على ما كان من قبل وهو كالشقص المشفوع، فإن الملك فيه للمشتري قبل اتصال أخذ الشفيع به على ما كن من قبل للبائع، وكذلك في القصاص فإن عصمة دم من عليه القصاص اتصال الاستيفاء به يكون على ما كان من قبل وجوب القود.
يبينه: أن الوجوب في الذمة ولا تضايق ولا تمانع الذمة فيجوز أن يجب فيها الحقوق الكثيرة وتجتمع فيها من غير تزاحم وتضايق، فإذا جاز أن تجتمع الديون للناس والزكوات لله تعالى، كذلك حقوق الله تعالى من الكفارات وغيرها والديون، جاز أن تجتمع أيضاً الزكوات والديون، لأنه لا تزاحم في المحل ولا تنافي في الأهلية فاستوى الكل في الوجوب.
وأما حجتهم:
قالوا: ((المديون فقير فلا تجب عليه الزكاة كسائر الفقراء)).
والدليل على أنه فقير أنه يحل له الصدقة مع تمكنه من ماله وحل الصدقة دليل الفقر بدليل قوله عليه السلام: ((لا تحل الصدقة لغنى ولا لقوى ولا مكتسب)).
ولقول معاذ حين صار إلى اليمن: ((أمرت أن آخذ الصدقات من أغنيائكم وأردها في فقرائكم)).
ولأن علة استحقاق الصدقة هو الفقر بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ....﴾، هذا هو أصل العلة، وسائر الأسباب المذكورة لبيان جهات الفقر أو أسباب الحاجة.
فثبت أن حل الصدقة دليل الفقر.
يبينه: أن ماله بمنزلة المعدوم لاستحقاقه بالدين، ألا ترى أنه يحبس ويطالب لاستحقاق الغرماء لذلك، وعندكم يباع ماله ويقضي منه دينه ويحكم بإفلاسه وإذا مات يموت بمنزلة الفقراء/ المعدومين لا تقسم ورثته درهماً ولا دونه، فدل أنه فقير حقيقة وحكماً، والفقير لا زكاة عليه، لأنه لا يليق بحكمة الشرع أن يلزمه إغناء الغير بإحواج نفسه، ولأن نفسه أهم إليه من غيره فإذا كان هو نفسه تصرف إليه الزكاة فكيف تجب عليه الزكاة؟ وترك ما في يده عليه أولى من أخذه ورد مال غيره إليه.
وربما يقولون بوجه آخر:
وهو أن مال المديون مشغول بحاجته فلا تجب عليه فيه الزكاة.
دليله: عبيد الخدمة وثياب المهنة، ونعني بالحاجة حاجة قضاء الدين بل
حاجة قضاء الدين أهم من حاجة اللبس والركوب، لأن تلك الحاجة يجوز التجاوز عنها وتزحية الوقت بما يدفعه، وهذه الحاجة لا يجوز التجاوز عنها بحال بل يجب تقديمها ويحرم التغاضي عنها، فإن قلتم: ((إن إعداد ماله للسوم والتجارة دليل عدم الحاجة)).
فنقول: اشتغال ذمته بالدين دليل الحاجة فتعارض ظاهران، والأصل عدم الوجوب فلم يجب.
قالوا: ولا يلزم على الطريق الأول مسألة ابن السبيل والعامل حيث يحل لهما الصدقة وتجب عليهما الزكاة.
أما ابن السبيل فهو فقير يداً غنى ملكاً فصار كشخصين غنى وفقير فتجب عليه الزكاة لغناء بملكه، وتحل له الصدقة لفقره بيده، أما ههنا فملكه في يده فإذا كان غنياً فلا يتصور أن يكون فقيراً، لأن الغنى والفقر وصفان متضادان لا يجتمعان بحال، لأن أحدهما وصف وجودي والآخر وصف عدمي، فكما لا يجتمع العدم والوجود في شيء واحد لا يجتمع الفقر والغنى أيضاً، اللهم إلا أن يتفرق الوجود والعدم في مجلس، كما كان في ابن السبيل.
يبينه: أن عندكم في مسألتنا تحل له الصدقة في حال وجوب إعطاء الزكاة عليه ولا يتصور هذا في ابن السبيل، لأن حال ما يأخذ لا إعطاء عليه.
وأما العامل فمنع بعضهم فقال: لا يجوز إلا أن يكون فقيراً، وليس بشيء، والمذهب التسليم، والأول خرق الإجماع.
وقالوا على التسليم: أن الذي يأخذه العامل أجرة عمل لا صدقة بدليل أنه يستحق بالعمل إلا أنه لما دخل في سهام الصدقات أشبه الصدقة من وجه فلم يحل للهاشمي ونزه عنه، لأن حرمة الصدقة عليه على سبيل التنزيه له عن غسالة أوساخ الناس ومن تمام التنزيه أن ينزه عن ما يشبه الصدقة.
وأما الغني فلم تحرم عليه الصدقة على طريق التنزيه له إنما حرم لعدم الحاجة وبالعمل ظهر نوع حاجة إلا أنه لما شغل نفسه وأعوانه بجمع الصدقات فلابد من جامع لها ولابد من كفاية رزق مثل أرزاق القضاة، والأئمة والمحتسبين والمؤذنين وغيرهم الذين يشغلون أنفسهم بأعمال المصالح فحل له أجرة عمل بعمله ولم ينظر في جريانه في سهام الصدقات وكونه غنياً في نفسه، لأن حدوث نوع حاجة له بالعمل قد منع النظر إلى غناء وجريانه في سهام الصدقة.
قالوا: وأما إذا كان له خمس من الإبل مهازيل فإذا أوجبنا عليه الزكاة حرمنا عليه الصدقة.
وأما إذا كان عنده من الفاضل عن ثياب المهنة وأقمشة البذلة ما يبلغ قيمته نصاباً لم يحل له الصدقة لغناه، ولم تجب عليه الزكاة لفقد شرط شرعي اعتبر مع الغنا وهو كون النصاب بوصف النما ليندفع الحرج بإيجاب الزكاة ويصير الوجوب بوصف اليسر، فهذه مسائل تمسكتم بصورها وهي خارجة عن المعاني القادمة المؤثرة، وأما القاعدة فهي على حقيقتها في نهاية الوضوح على ما سبق.
وقد تعلق مشايخهم في هذه المسألة بالحج قالوا: لما منع الدين وجوب الحج فيمنع وجوب الزكاة.
يبينه: أن كل واحد متعلق بالملك، فإذا جعل الملك كالعدم في الحج فكذلك في الزكاة.
قالوا: وأما الدين المظنون فلا يمنع وجوب واحد منهما.
وأما نفقة الأهل للذهاب والرجوع فمتحقق وجوبها حال اشتغاله بالحج فكيف يكون مظنوناً؟ وهذا لأن فعل الحج لابد له من مدة ولابد للمدة من نفقة وهذا لا يوجد في الزكاة.
ومنعوا الدين الطارئ في الحكمين.
وأما الدين المؤجل فقد اضطربوا فيه فبعضهم اعتبر نفس وجوب الدين ومنع به الحج والزكاة.
وبعضهم نظر إلى وجود المهلة والفسحة في الحال وسقوط المطالبة.
قالوا: وأما ديون الله تعالى مثل الكفارات وغيرها فلا تمنع الحج ولا الزكاة، والسبب فيه عدم وجود المطالبة في الدنيا، وإنما نهاية أمرها التأثيم في الآخرة فكأنها واجبة في أمر الآخرة لا في أمر الدنيا، ويقال: وجود الحاجة إلى فعلها للآخرة لا للدنيا فلم يصر المال مشغولاً بتلك الحاجة حتى/ يكون اشتغاله بحاجته مانعاً من وجوب زكاته بخلاف مسألتنا على ما سبق.
قالوا: وأما العشر فيمنعه الدين في إحدى الروايتين، وإن سلمنا فهو مؤنة من مؤن الأرض، ويجب على الفقراء والأغنياء جميعاً كالخراج، وقد أدى كثير من مشايخهم في هذه المسألة نقصان الملك بالدين ودليل النقصان كون الدين إذا اتصل به القضاء إيفاء في جانب من عليه واستيفاء في
جانب من له، ووصف الإيفاء والاستيفاء دليل على سبق الاستحقاق، والمستحق للغير ناقص الملك في حق مالكه في الحال.
ويدل عليه: أن من له الدين إذا قدر عليه، وكان من جنس حقه يأخذ من غير قضاء ولا رضا وإذا أخذه ملكه، فهذا إن كان لا يدل على عدم الملك فلا أقل أن يدل على النقصان.
قالوا: وأما الأخذ بالشفعة فلابد فيه من قضاء أو رضا فيأخذ حكم التمليك المبتدأ.
وقال بعضهم: إيجاب الزكاة على المديون يؤدي إلى إيجاب الزكاة بسبب مال واحد مرتين أو مرات، وصوروا صورة فهذا مجموعة كلامهم في المسألة.
الجواب:
أما قولهم: ((فقير)).
لا نسلم، بل هو غنى، لأن الغنى بالملك، وقد بينا أن ملكه قبل الدين وبعد الدين واحد، لأن الدين لا ينافي صفة الغنا فهو غنى مديون.
وأما حل الصدقة فقد منع إلا في موضع مخصوص على ما عرف، وإن سلم فحل الصدقة لا يمنع الغنى، بدليل ابن السبيل والعامل.
وعذرهم ضعيف عن المسألتين.
أما ابن السبيل فهو غنى قطعاً، لأنه يملك الألوف إلا أنه بعيد عن ماله غير متمكن منه والغنا بالملك لا بالتمكن، والدليل على الغنى وجوب الزكاة عليه.
وقولهم: ((إنه غنى ملكاً فقير يداً)).
قلنا: الغنى بالملك يوجد، فأما اليد ثمرة الملك، ألا ترى أن المكاتب والعبد المأذون لهما يد في المال ولا غنى لهما، والراهن لا يد له وهو غنى بما يفضل عن دينه من الرهن، وذلك إذا كان الرهن يساوي الألوف والدين شيء يسير، وتجب عليه الزكاة في الفاضل عن الدين.
وأما العامل فهو لازم المنع ليس بمذهب وهو مخالفة لنص القرآن والإجماع.
وقولهم: ((إنه أجرة العمل)).
قلنا: هو يعمل لله تعالى، لأن الحق عندكم متمحض له فوجب أن تجب الأجرة في مال المصالح، وعلى أنه يبطل بالهاشمي فإنه لا يجوز أن يكون عاملاً، ولو كان المأخوذ أجرة العمل يحل له.
وقولهم: ((إنه يشبه الصدقة من وجه ويشبه أجرة العمل من وجه)).
قلنا: فإن كانت شبهة الحرام يصان الهاشمي عنها فوجب أن يصان الغنى عنها أيضاً.
وقولهم: ((إنه حدث له نوع حاجة)).
قلنا: عندكم محل الصدقة هو الفقير فقط، وباشتغاله بهذا العمل لا يصير فقيراً بدليل وجوب الزكاة عليه مثل ما يجب على الغني غير العامل، فالمسألتان في نهاية اللزوم، ولا يتضح لهم العذر عنهما أصلاً.
ثم الجواب فقهاً:
إن وجوب الزكاة بالغنا وحل الصدقة بكونه غارماً، والغارم تحل له الصدقة بنص القرآن.
فإن قالوا: ((لابد من بيان المعنى)).
قلنا: لا يلزمنا، ثم حلية الصدقة بحاجة الغارمية.
قالوا: ((فإذا هو فقير)).
قلنا: لا، لأن الغنا بملك النصاب النامي والملك بعد الدين كما كان قبل الدين، والغنى في الحالين واحد، والغنى بالملك لا ينافي حاجة تحدث بوصف عارض، لأن الغنى لا ينافي الحاجة غرماً، كما لا ينافي الملك الغرم، لا ينافي الغنا بالملك وجود الحاجة بالغرم فهو غنى ملكاً محتاج غرماً فوجب الزكاة عليه لغناه بالملك وحلت له الصدقة بحاجته بالغرم مثل ابن السبيل غنى بملك محتاج لبعده عن ملكه فوجبت الزكاة عليه بملكه وحلت له الصدقة لبعده عن ملكه، وهذا جواب معتمد.
ويمكن أن يقال: إن وجوب الزكاة بالغنا الشرعي، وذلك بملك النصاب النامي، وحرمة الصدقة بالغنا الحقيقي، بدليل أن من ملك فاضلاً عن ثياب مهنة، وأموال بذلته ما بلغ قيمته نصاباً لا يجب عليه الزكاة لعدم الغنا الشرعي، وحرمة الصدقة للغنا الحقيقي، فإن عندنا من ملك خمسة من الإبل المهازيل وهو ذو عيلة وجب عليه الزكاة للغنا الشرعي، وحلت له الصدقة للفقر الحقيقي، فكذلك المديون له الغنا الشرعي فوجبت عليه الزكاة، وليس له الغنا الحقيقي فحلت له الصدقة.
وأما قولهم: ((إنه مشغول بحاجته)).
قلنا: لا ننكر وجود أصل الحاجة، وما من مال للغنى إلا وهو محتاج إليه.
وأما اشتغال المال بالحاجة ممنوع لما بينا أن الدين في ذمته، ولا حاجة للدين إلى محل سواه، وإنما يتصل بالمال عند الأداء فلا يوصف باشتغاله به قبل الأداء مثل القصاص الواجب في النفس لا توصف النفس باشتغالها بهذا الواجب إلا عند اتصال الاستيفاء به وظهر بما قلنا الفرق بين مال المديون/ وبين الأموال التي يتخذها لبذلته ومهنته، ثم نقول: علامة الفاضل عن حاجته في المال إعداده للتجارة والسوم، وهذا موجود وإن كان مديوناً.
وقوله: ((على هذا أنه يعارض اشتغاله بذمته بالدين)).
قلنا: ولكن الرجحان لوصف السوم والتجارة، لأنه وصف لازم المال، وأما الدين بالذمة فلا تعلق بالمال.
يبينه: أنه يوجد فاضل عن الحاجة لا تجب فيه الزكاة مثل ما يملكه من العبد والدواب والحوانيت التي لا يريد بها التجارة ولا حاجة له إليها لبذلته، فكذلك يجوز أن يوجد مشغول بحاجته تجب فيه الزكاة وكان المعنى في الأول وصف النماء وإن كان فاضلاً عن حاجته، وكذلك ههنا المعنى في الوجوب وصف النماء وإن كان مشغولاً بحاجته، وعلى هذا انزاح الإشكال، ووضح الكلام نهاية الوضوح.
وأما فصل الحج فوجه الجواب عنه:
أن وجوب الحج بالمكنة، ولا يمكن مع الدين حقيقة وحكماً.
أما الحقيقة المحسوسة فلأنه يطالب ويلازم ويحبس فلا يتمكن من الخروج، وأما الحكم فلأن المسلم هو الدين الحال، وقد ثبت عندنا أن الحج على التراخي والدين على الفور فقدم عليه في حكم الشرع وصار تقدمه عليه مفوتاً للمكنة التي هي من شرط الوجوب.
وأما الزكاة فلا تشترط المكنة، في وجوبها، وأيضاً فإنه على الفور مثل الدين فلم يقدم عليه ولا يمانع ولا يضايق في وجوبها فالدين وجوبه بعقد المعاملة والزكاة وجوبها بنفس الملك وواحد منهما لا أثر له في صاحبه فاجتمع الواجب بهما اجتمع سبباهما والحج لا يجب بنفس الملك ما لم يوجد المكنة، وقد بينا أنها فاتت فسقط وجوبه.
وقد أجاب الأصحاب بوجوه، رأيت كلها ضعيفة.
وهذا الوجوب حسن يمكن تمشيته فاقتصرنا عليه.
وأما الدين الذي ادعوه من نقصان الملك فليس بشيء، وقد دللنا على كمال ملكه وملك التبرعات وحل الوطء معتمد.
وقولهم: ((إن الدين إذا قضي فمن عليه يقضي ما عليه وصاحب الدين يقتضى ماله)).
قلنا: نعم، هذا يقضي ديناً عليه، وهذا يقتضي ديناً له، والاقتضاء في الدين كذا يكون.
فأما العين التي هي محل الزكاة، فالتمليك بها يستأنف قطعاً فهو نظير تملك الشقص بالشفعة فلا يمنع الوصف بتمام الملك، ووجوب الزكاة بدليل مسألة الشفعة.
وقوله: ((إنه يأخذ حقه من ماله إذا قدر عليه)).
قلنا: لا جرم......... إذا أخذ ملكه فلم يدل هذا على نقصان ملكه قبل الأخذ.
ألا ترى ن الأب يأخذ مال ابنه عند الحاجة ويملكه، ولا يدل على نقصان الملك من قبل، وكلامه الأخير ليس بشيء، وقد سبق جوابه.
والله أعلم بالصواب.
(مسألة)
لا يجوز دفع القيم سوى المنصوص عليه في الزكاة
عندنا.
وعندهم: يجوز بطريق القيمة.
لنا:
الحديث المعروف وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((ومن بلغت إبله خمساً وعشرين ففيها ابنة مخاض فإن لم يكن فابن لبون ذكر))، فقد شرط صلى الله عليه وسلم عدم ابنة مخاض في جواز إخراج ابن اللبون، دل أنه لا يجوز مع وجودها.
يبينه: أنه صلى الله عليه وسلم نقل من سن معين إلى سن معين من غير تعرض للقيمة مع علمه باختلافهما في القيمة عند اختلاف الأزمنة والأمكنة، دل أن الرجوع إلى القيمة ساقط.
ويمكن أن يقال أيضاً: أنه صلى الله عليه وسلم جوز ابن اللبون على الإطلاق.
وعندكم لا يجوز إلا إذا كانت قيمته مثل قيمة بنت المخاض، فهذا تقييد ليس عليه دليل، فقد قلتم: إن تقييد زيادة، والزيادة نسخ.
قالوا: إنما جوزنا ابن اللبون مكان بنت مخاض بالقيمة بدليل أنه صلى الله عليه وسلم قابل فضلاً بفضل، والمقابلة تقتضي المعادلة، والمعادلة تكون بالقيمة.
واستدلوا على جواز القيمة في الزكاة بالخبر الذى روى أنه صلى الله عليه وسلم رأى ناقة كوماء في إبل الصدقة فغضب وقال: ((ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس؟ فقال الساعي: أخذته ببعيرين من إبل الصدقة))، وأخذ البعير لا يكون إلا بطريق القيمة.
واستدلوا بحديث معاذ المعروف وهو قوله لأهل اليمن: ((ائتوني بكل خميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة)).
الجواب:
أما الأول فنحن لا ننكر أن الشرع ورد بمقابلة فضل بفضل، والكلام أنه هل كان بطريق القيمة؟ وليس عليه دليل.
والجملة أن ابن اللبون ورد به التوقف، وكذلك الخبران المذكوران في أخذ شاتين أو عشرين درهماً أوردهما في الموضع الوارد فالكل على التوقيف.
فأما الخبران اللذان أوردهما ففي إسنادهما مقال.
والأصحاب أولوا الأول، وقالوا: كان ذلك شراءً وبيعاً بإذن الإمام.
وقالوا في الثاني:/ المراد من الصدقة الجزية، وسميت صدقة على طريق المجاز، كما كان يسمى المأخوذ من بنى تغلب صدقة وقد كان جزية، بدليل أن معاذاً رضي الله عنه أخبر أنه ينقلها إلى المدينة، ولم يكن من مذهبه جواز النقل في الصدقات، ولأنه ذكر الهجرة والنصرة في الإشارة إلى الاستحقاق بهما والجزية تستحق لهما لا الصدقة.
وأما المعنى: نقول المنصوص عليه هو الواجب فلا يجوز غيره.
دليله: كل الواجبات في الشرع، والدليل على أن المنصوص عليه هو
الواجب أن الوجوب علم بالشرع، والشرع ورد بالمنصوص عليه فلا يجب بالنص إلا ما ورد به النص.
يدل عليه: أن الزكاة إن كانت عبادة فلا يجوز في العبادة إلا ما ورد به التعبد بدليل الصلاة وأفعالها، فإنه لا يقوم الركوع فيه مقام السجود ولا السجود مقام الركوع، وكذلك لا يقوم السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة، وكذلك في سائر العبادات ووجه التقريب بين مسألتنا وهذا الأصل أن الله تعالى إذا وضع عبادته على جارحة بفعل يوجد منها لم تقم جارحة أخرى مقامها، كذلك إذا وضع العبادة على المال وسماه بفعل يوجد منه لم يقم الفعل منه في مال آخر مقامه.
يدل عليه: أن أصل العبادة لا تجب بالتعليل ولا تقبله فكذلك كيفيتها، وإن قلنا: إن الزكاة حق الفقراء، فالحق الواجب للآدمي في عين لا يقوم غيرها مقامها إلا بسبب شرعي من معاقدة ومعاوضة وغير ذلك.
يدل عليه: أن سبب وجوب الحق إذا اتصل بمحل يتعلق الوجوب بصورته ومعناه مثل ما لو أسلم في شيء واشترى شيئاً، وكذلك إذا أوصى الإنسان بشارة أو أوصى بشاة من أربعين من الغنم أو ببعير من خمس وعشرين من الإبل للفقراء تعلق حقهم بعين ذلك، كذلك ههنا.
وأما حجتهم:
قالوا: الزكاة واجبة للإغناء أو لدفع الحاجة، لأنها وجبت على الغنى للمحتاج فيكون بعلة الإناء ودفع الحاجة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر: ((أغنوهم عن المسألة في هذ اليوم)).
ولأن التعليل واجب ما أمكن، وقد أمكن التعليل بالإغناء وهو تعليل صحيح مؤثر، وإذا علل بهذا فالإغناء بالأصل والقيمة واحد فاستويا في الجواز، وشبهوا الزكاة بالجزية والخراج.
وقالوا: أما الصلاة فإنما لم يجز فيها التعليل، لأنها لو عللت عللت بالخشوع، وفي كل فعل من الصلاة نوع خشوع لا يوجد في غيره فبطل التعليل، وفي مسألتنا الإغناء الذي يوجد في المنصوص عليه يوجد في القيمة.
قالوا: وأما السجود على الذقن والخد فليس بعبادة بل هو عبث فلا يقوم مقام العبادة بخلاف القيمة فإن إخراجها في الجملة يكون عبادة فجاز أن يقوم أداءها مقام أداء المنصوص عليه.
قالوا: وأما إخراج المنافع إنما لا يجوز، لأنها ليست بمال، وإن كانت مالاً فهي في المالية دون العين على ما عرف في كتاب الغصب فلا يقوم مقامه، فتعلقوا بما لو أخرج بعيراً عن خمس من الإبل فإنه يجوز وإنما جاز بالقيمة لأنه غير منصوص عليه، ولا يجوز أن يقال: جاز بدليل النص، لأنه لما جاز عن أضعاف الخمس ففي الخمس أولى، لأن هذا يبطل بما لو أخرج ست حقائق عن إحدى وستين وهو ثلاث مائة وخمسة مثل البعير في مسألة الإلزام.
قالوا: ((ولا يجوز أن يقال إن الواجب في خمس من الإبل خمس بعير فلأن يجوز بعير كامل أولى.
لأنه ليس كما زعمتم بل الواجب في خمس من الإبل شاة، وإنما يجب البعير عند بلوغه خمساً وعشرين فقبل بلوغه
هذا القدر لا يقدر فيه إيجاب شيء من البعير، كما أن الشاة تجب عند بلوغ الغنم أربعين فقبل بلوغه هذا القدر لم يقدر إيجاب شيء من الشاة)).
يبينه: أنه كيف يقدر إيجاب خمس من البعير في خمس من الإبل، وقد وجبت الشاة فيها؟ فثبت بما قلنا أن جواز البعير كان بالقيمة فإذا جازت القيمة في هذه الصورة فوجب أن يجوز في كل موضع هذه طريقة مشايخهم.
وأما طريقة أبي زيد فقد بنى كلامه على ما سبق من قبل وهو أن الزكاة حق الله تعالى على ما بينا، ثم الفقير مصرف لهذا الحق، ووصوله إليه من قبل الله تعالى إيفاء للرزق الموعود إلا أن الرزق الموعود للفقير مال مطلق يحصل به كفايته لا بمال مخصوص معين، وهذا لأن حاجته ترتفع بالمال المطلق لا بالمقيد.
وأما حق الله تعالى في مال معين ثم لما أمر الله تعالى بصرفه إلى الفقراء نائباً عن الله تعالى في قبض حقه فإذا حصل الأداء إلى الله تعالى بقبض الفقير فبعد ذلك يصير حقاً للفقير لرزقه الموعود فصار الفقير قابضاً رزقه الموعود بواسطة حصول الأداء إلى الله تعالى، وهذا كمن له على إنسان عشرة دراهم/ فأمر رب المال المديون أن يتصدق بها على الفقراء فإنه يصح، ويصير الفقير نائباً عن صاحب الدين في قبض الدين ثم يصير قابضاً حقاً لنفسه، وكذلك إذا كان على رب الدين عشرة دراهم لرجل آخر فقال لمديونه: اقبض العشرة التي على بما لي عليك فقضاها يصير القابض نائباً عنه في قبض حقه أولاً ثم يصير مستوفياً حق نفسه كذلك ههنا.
قالوا: وإذا كان القابض هو الفقير وحقه في مال مطلق احتجنا إلى أن نجعل حق الله تعالى في مال مطلق ليصح قبض الفقير، فإنما يقبض لله تعالى ما يقبضه لنفسه رزقاً له فيسقط حق الله تعالى في صورة الشاة لضرورة تحقيق قبض الفقير حق نفسه فصار حق الله تعالى مؤدى بمال مطلق بقبض الفقير ثم صار الفقير قابضاً، وهذا هو الأصل في كل حقين مختلفين يتأديان بقبض واحد فإنه يصير الحق الأول على وصف الحق الثاني ليتأدى حق الأول بقبض الثاني حقه.
ومثال هذا: رجل عليه مائة درهم لرجل وله على آخر كر حنطة أو عنده كر حنطة وديعة فقال للذي عليه الحنطة: اقض الدراهم التي على بما لي عليك من الحنطة، فإنه يصير مأموراً ببيع الحنطة بالدراهم حتى يمكن أداؤها إلى صاحب الدين وهو الدراهم، فقبض هو حق نفسه وحقه في الدراهم فثبت قبض صاحب الحنطة في ضمن قبضه حق نفسه وذلك إنما يتصور إذا كان حق صاحب الحنطة على وصف حقه فجعل الديون مأموراً ببيع الحنطة ليصير كذلك، فكذلك ههنا يثبت ما ادعيناه بالحقيقة والمثال، وربما قالوا على فصل التعليل: إنا لا نعلل حق الله تعالى إنما نعلل جانب حق الفقير وهو ما استحق من مال صالح لكفايته ويعدى معنى الصلاحية لكفايته إلى كل ما يكون في معناه.
قالوا: ولا يلزم صدقة الفطر، وذلك إذا أدى ربع صاع حنطة يساوي نصف صاع حنطة حيث لا يجوز عن النصف، فإنه إنما لم يجز لأنه لو جاز إنما جاز لقيمة الجودة، ولا يجوز أن تعتبر الجودة في هذا المد بدلاً عن مد آخر، لأن الجودة في مال الربا لا قيمة لها بانفرادها بخلاف ما لو أدى شاة سمينة في الزكاة فإنها تجوز عن شاتين، لأن الجودة في الشاة متقومة، فأما إذا أعطى نصف صاع تمر جيد عن شعير وسط أو بالعكس إنما لم يجز
لأن التمر والشعير والحنطة وإن كانت أجناساً مختلفة في سائر الأحكام، ولكن في صدقة الفطر كلها جنس واحد، لأن المعنى المطلوب من الكل واحد وهو دفع حاجة الفقير، وإذا صار الجنس جنساً واحداً في هذه الحكم بطلت نية التمييز، ولم تصح نية إقامة الحنطة مقام الشعير، لأن الكل شيء واحد، ومتى بطلت النية وقعت الحنطة عن نفسها والجودة لا قيمة لها فلا يجوز إلا عن القدر الذي أدى، ولا يلزم على العدد إذا أعطى ثوباً واحداً عشرة مساكين عن طعامهم في الكفارة حيث يجوز، لأن الطعام مع الكسوة جنسان مختلفان لاختلاف معنى المطلوب منهما، وأمكن صرف أحدهما إلى الآخر لتغايرهما.
قالوا: وأما إذا أعطى ثوباً واحداً عشرة مساكين عن كسوتهم وهو يساوي ذلك لا يجوز، لأن الكسوة في كفارة اليمين وجبت مطلقة غير مقيدة بالوسط فعلى أي وصف كان الثوب وقع عن نفسه فلم يمكن إقامة جودته مقام ثوب آخر، وليس كما لو أعطى شاة سمينة عن شاتين وسطين حيث يجوز، لأن الواجب الشاة هو الوسط بالنص، والجودة متقومة فيها فقدر الوسط وقع عن نفسه، وفضل الجودة المتقومة وقع عن شاة أخرى فهذا هو المعنى في المسائل.
وأما أصل القيمة فمجزية في صدقة الفطر بدليل أنه لو أعطى عن الصلع دراهماً أو دنانيراً فإنه يجوز عندنا.
قالوا: ولا يلزم الضحايا والهدايا والعتق حيث لا تجوز القيمة فيها، لأنا نسلم أن الحق متى وجب لله تعالى لا يجوز إبطاله بالتعليل، وكذلك حق العباد، ولكن ادعينا أن الله تعالى رضي بتغير حقه لما أمر بصرفه إلى الفقير، وفي الضحايا والهدايا حق الله غير مصروف إلى الفقير، لأن حق الله بتأدى بإراقة الدم لا بصرف اللحم إلى الفقير، وإنما أثبتنا رضا