الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفةصفحات 86-125

الله تعالى بتغيير حقه بضرورة أن الفقير هو القابض، وهذا المعنى ههنا معدوم، وكذلك العتق، لأن الحق يتأدى بنفس إتلاف الرق وليس هناك شيء مصروف إلى العبد حتى تقع الحاجة إلى تغيير حق الله تعالى، وكذلك الركوع والسجود وسائر العبادات البدنية، لأن أداءها بفعل يوجد من البدن من غير أن يكون هناك صرف شيء إلى الفقير فخرج على ما قلنا.
الجواب: أما الطريقة الأولى فهي بناء على إثبات التعليل، وهذا باطل لما بينا من قبل ولأن من شرط صحة التعليل تقرير الحكم في الأصل ثم التعدية مثل ما يفعل في الأشياء/ الستة وسائر المواضع.
وعندهم بهذا التعليل يتغير حكم الأصل، لأن حكم الأصل وجوب الشاة ويفوت الوجوب بالتعليل، لأن الواجب ما لا يجوز غيره، فإذا جاز غير الشاة فات وجوب الشاة فتعين حكمه من الوجوب إلى الجواز فبطل التعليل من هذا الوجه.
فإن قالوا: لا يتغير حكم الأصل، لأن الشاة إذا أداها يكون أدى الواجب، لكن يتسع محل الواجب مثل الصلاة في وقت الظهر يكون وجوبها موسعاً لا أن يفوت الوجوب في أول الوقت.
والجواب: أن النص اقتضى وجوب الشاة على التعيين، وبالتعليل يفوت هذا، فثبت تغيير حكم الأصل قطعاً، وتحقق أن التعليل باطل لهذا الوجه، وهذا جواب حسن على هذه الطريقة.
وطريقة أبي زيد والذي يختص بهذه الطريقة: أن يقال لهم إذا عللتم بالإغناء فقد ناقضتم أصلكم، لأن الزكاة عندكم عبادة

محضة وهي حق الله تعالى على الخلوص، وإذا عللت بالإغناء يكون حق الفقير، لأن ما أوجب لإغناء الآدمي يكون حق الآدمي، ولأن التعليل لإسقاط الحقوق عن الأعيان باطل، كما لو أوصى فقال: ((أغنوا فلاناً بشاة أو ببعير أو بدراهم)) لا يجوز أداء غيرها، وهذا لأن العين محل تعلق الحق بها لله تعالى وللفقير، فإذا اتصل بها الخطاب والإيجاب لابد من تعلق الحق بها، وإذا تعلق الحق بها فالتعليل لإبطال الحقوق عن الأعيان باطل مثل سائر الحقوق في العالم.
ويقال لهم أيضاً: وجبت الزكاة للإغناء، ولكن بهذا الذي عينه ولا يجوز غيره كما في العبادة البدنية لما أوجب التعبد والتخشع بهذا الفعل الذي عينه فلم يجز غيره.
وقولهم: ((إن في كل واحد من الأفعال نوع تخشع لا يوجد في صاحبه)).
قلنا: على القطع نعلم أن ما يوجد من التعظيم والتخشع بوضع الجبهة يحصل بوضع الخد وأكثر فوجب أن يجوز.
وأما إذا أدى بعيراً عن خمس من الإبل.
قلنا: عندنا جاز بالنص وهو قوله عليه السلام: ((خذ من الإبل الإبل، ومن البقر البقر)).

وهذا لأن الواجب جزء من النصاب ليكون وجوبه على وجه المواساة وصفة اليسر، ولشاة ليست بجزء من الإبل فيكون وجوبها رخصة فإذا لم يوجد وأدى ما هو الواجب الأصلي فلابد من الجواز وهو مثل المسح على الخفين فإنه رخصة ولو لم يفعل بفعله وغسل الرجلين يجوز، وكذلك ههنا، وهذا معتمد.
وأما طريق أبي زيد فهي بناء على أصل ممنوع وليس على إثباته دليل معتمد عليه.
أما قولهم: ((إن الزكاة عبادة محضة)).
فقد دللنا أنها على حق الفقراء فلا نعيد وإذا صارت حق الفقير بطلت حق التعليل لإبطاله حقه أو يعتبره من محل إلى محل، والمنع معتمد.
وأما قولهم: ((إن الفقير بقبض ما يقبضه عن الرزق الموعود)).
فليس عليه دليل، ويقال لهم: اجعلوا الزكاة صلة من الله تعالى للفقير.
وأما الرزق الموعود فدار عليه، والشاة والدراهم في صورة الزكاة صلة، والسيد قد يرزق عبده على الدرور ثم يصله بصلة وراء ذلك فإذا جعلنا الزكاة صلة فكأن الله تعالى وصل الفقير بما سماه فيتعين ذلك وهذا أولى مما قاله، لأنه على هذا يبقى حق الله تعالى على ما كان وعلى ما زعموا أبطلا حق الله تعالى عن الواجبات التي نص عليها بعد ثبوتها بلا دليل.
وأيضاً يقال لهم: قولوا إن الله تعالى وعد الرزق بمال مطلق ثم حين أمر بصرف الزكاة إلى الفقراء فقد نقل رزقهم في هذا الموضع من المال المطلق

إلى مال معين، ويجوز أيضاً للسيد أن يرزق عبده بمال مطلق ويجوز أن يرزقهم بمال معين وله ولاية النقل فلأي ضرورة سقط أصل حق الله في الواجبات التي سماها ونص عليها وعنده لو سقط سقط ضرورة، ولا كلام على هذين الجوابين، وهما في نهاية الوضوح، وعلى أنا قد بينا أن من شرط صحة التعليل تقرير الحكم في الأصل ثم تعدية الحكم إلى الفرع، ولا يوجد في هذه الموضع هذا الشرط فإذا فات شرط التعليل بطل التعليل.
وأما المسائل التي تعلقوا بها فهي معاملات بين العباد ومبناها على المراضاة، وقد تضمن الأمر من صاحب الدين في تلك المواضع الرضا بما قالوه.
فإن قالوا: ((إن ههنا وجد الرضا من الله تعالى بانتقال حقه من المال المعين إلى المال المطلق)).
فهذا مجرد تحكم من غير حجة.
وأما تعلقهم بأمره تعالى بصرفه إلى الفقير فقد وجدنا وجهاً لصرفه من غير أن يحتاج إلى تغيير حق الله، ونقله من شيء وهو أحد الوجهين اللذين قدمناهما فقد بطل ما قالوه وفسد فساداً لا يقبل الصلاح.
وإن تعلقوا بالجزية والخراج فإنما جازت القيمة فيهما بالنص على ما عرف، وعلى أن هناك ولاية الإمام ثابتة في الابتداء وضعاً فثبت في الانتهاء أخذاً بخلاف مسألتنا، ولأن المنافع تجزى في الجزية بخلاف الزكاة/ وكان المعنى في الفرق ما ذكرنا، والله أعلم.

(مسألة)

إذا مات من عليه الزكاة لم تسقط الزكاة بموته وتؤدى من تركته كما تؤدى الديون

عندنا.
وعندهم: تسقط بموته وإن أوصى بإخراجها تخرج كما تخرج التبرعات حتى تعتبر من الثلث.
لنا: إن الزكاة حق الفقراء على ما سبق بيانه فنقول: حق من حقوق الآدميين فلا يسقط بموت من عليه.
دليله: سائر الحقوق للآدميين، وقياساً على العشر إن سلموا، وهذا لأن الموت ليس بسبب مسقط للحقوق المالية إنما هو للانتقال من الدنيا إلى الآخرة والواجبات المالية عليه كما كان في حال الحياة فتقضى من المال إن خلف مالاً وتقدم على حق الورثة، لأن قضاء الدين حقه والميراث حق الورثة فيقدم حقه على حق الورثة، كما يقدم التجهيز والتكفين ثم إذا بقى مال بعد قضاء الحقوق الواجبة عليه حينئذ يقسم بين الورثة، وإن لم يخلف شيئاً سقط وجوب القضاء للعجز، لأن أصل الحق سقط وهو مثل ما لو أعسر في الحياة لم يطالب للعجز، ونستدل بما لو أوصى بالزكاة فنقول: لا يخلو إما إن قلتم: إن الزكاة بقى وجوبها بعد الموت أو قلتم: سقطت، فإن

قلتم بقي وجوبها بعد الموت فقولوا إن الوصية باطلة لأن الوصية حصلت بالزكاة، فإذا لم تكن الزكاة واجبة فتكون الوصية بالزكاة كلا وصية، وهذا إلزام معتمد.
وأما حجتهم: قالوا: الزكاة عبادة محضة فتسقط بالموت كالصلاة والصوم.
والدليل على أنها عابدة محضة ما بينا من قبل.
وقولكم: ((إنها حق الفقراء)).
قالوا: لا، بل حق الله تعالى، وإنما الفقراء مصارف بالطريق الذي قلنا.
يدل عليه: أنه لا معنى يعرف لوجود حق الفقراء في مال الأغنياء، لأنه إن كان لفقرة وحاجته ففقرة وحاجته لا تدل على وجوب حق له على من ليس بفقير، وإن كان للدين فالدين أمر بين العبد وبين ربه فلا يوجب له شيئاً على عبد آخر لدينه، وهذا لأن حد الدين ليس بأمر بين العبد والعبد حتى يجب بسببه حق له عليه.
وخرج على هذا القرابة، لأنه معنى بين القربتين فجاز أن يجب له بسببها حق له على صاحبه، وإذا ثبت أنها عبادة محضة فتسقط بموت من عليه العبادة، لأن حقيقة العبادة فعل من عليه العبادة، وفعل من عليه العبادة يفوت بموته ففاتت العبادة ضرورة.
يدل عليه: أن العبادة من غير متعبد محال، ولا متعبد فلا عبادة وصارت هذه العبادة مثل عبادة الصلاة والصوم سواء إلا أن هناك آلة العبادة بدون المتعبد وههنا آلة العبادة مال المتعبد، فحصل الاختلاف في الآلة التي تؤدي بها العبادة لا في نفس العبادة، لأن العبادة حقيقتها في الموضعين واحد لا يختلف.

قالوا: وليس كما لو أمر بأداء الزكاة في حال الحياة، لأن أمره لما اتصل بالأداء أمكن تحقيق معنى العبادة بخلاف مسألتنا على ما ذكرنا في مسالة زكاة الصبي.
والحرف لهم: أنه لما فات بالموت فعله وأمره تعذر تحقيق العبادة فعلاً من قبله فصار سقوطها في أحكام الدنيا من ضرورة هذا الفوات.
قالوا: وأما إذا أوصى بالزكاة فقد وجد من قبله الأمر وإذا اتصل أمره بها صار كما لو اتصل أمره بها في حال الحياة إلا أنه اعتبر من الثلث، لأنه لم يلزم إخراجها لولا الأمر أشبه الوصية بالتبرعات فكانت من الثلث.
قالوا: وأما العشر فقد منع في إحدى الروايتين، وعلى الرواية الأخرى وهو ظاهر المذهب، إنما لا يسقط بالموت، لأنه وظيفة الأرض مثل الخراج فصار مؤنة مالية مثل سائر المؤن ولم يكن عبادة فلم يسقط بالموت مثل ما لا يسقط سائر الديون.
الجواب: أما قولهم: ((إن الزكاة عبادة محضة)).
فقد أجبنا عن هذا في مسألة زكاة الصبي.
وقولهم: ((أنه لا سبب يوجب للفقراء حقاً في ماله)).
قلنا: وجد بينهما وصلة الدين، وهي وصلة زائدة على كل وصلة فإن كل وصلة النسب توجب الحق لأحد القربتين على الآخر فوصلة الدين أولى.
وقولهم: ((إن الدين أمر بينه وبين ربه)).
قلنا: نعم، وهو أيضاً يفيد أخوة بينه وبين المشارك له في الدين، كما

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
فكان سبب الاستحقاق هو الأخوة ديناً بشرط الفقر وإنما شرطنا الفقر بالشرع، ولأنه لما وجب لدفع الحاجة وجب للمحتاج، ولا ينكر ضم شرط إلى سبب الاستحقاق بعد أن قام عليه الدليل، ثم وإن سلمنا أن الزكاة عبادة محضة لكن هذا لا يوجب سقوطها بالموت، لأنها عبادة مالية، والمال قائم، والأصل أن كل واجب بقى في محل/ وجوبه إلى أن يقوم الدليل على سقوطه.
فإن قالوا: هذا الواجب عليه ولم يبق من عليه.
قلنا: موت من عليه الحق لا يوجب سقوط الحق مثل سائر الديون، وهذا لأنه جعل بمنزلة الحي في تصوير البقاء عليه إلى أن يؤدي من ماله.
ألا ترى أن في سائر الديون جعل بمنزلة الحي في بقائها عليه إلى أن تؤدى من ماله.
وأما قولهم: ((حقيقة العبادة في فعله)).
قلنا: نعم، في فعله أو في فعل من يقوم فعله مقام فعله بسبب صحيح شرعاً بدليل الثابت في حال الحياة.
فإن قالوا: هنا وجد أمر من عليه الحق بالفعل، وههنا لم ويجد.
قلنا: وههنا وجد أمر الشرع فيقام أمر الشرع بالفعل مقام أمره، وهذا لأن الخطاب يتصل بالفعل واعتبر في بقائه تصور الفعل إما محسوساً أو اعتباراً، وههنا إن لم يتصور فعله محسوساً تصور فعله اعتباراً بالشرع، وإذا تصور فعل الزكاة من قبله بهذا الاعتبار بقى الوجوب وهو نظير العشر، وقد بينا أنه مثل زكاة سائر الأموال، وعلى أنا

إن كلمناهم في صدقة الفطر ضاق الكلام عليهم جداً، لأنها تتأدى بولاية شرعية لا من قبل من عليه، بدليل أن الولي يخرج زكاة الفطر عن الصبي على ما عرف، ومع ذلك قالوا: إنها تسقط بالموت.
قالوا: ((إن الصبي في الجملة من أهل الفعل فجاز أن يقوم فعل الولي مقام فعله، وأما الميت فليس من أهل الفعل أصلاً فلم يمكن إقامة فعل الغير مقام فعله)).
قلنا: والصبي ليس من أهل فعل معتبر شرعاً وكلامنا في مثل هذا الفعل فاستويا من هذا الوجه.
وأما فصل إلزام الوصية فقوى جداً.
وقولهم: ((إنه وجد الأم منه بالزكاة فبقى وجوب الزكاة)).
قلنا: وإنما يقوم فعل غيره مقام فعله حكماً إذا كان من أهل الفعل محسوساً، وقد خرج بالموت عن أهلية الفعل، فكيف يقوم فعل غيره مقام فعله ولا فعل له؟ ولئن جاز أن يقوم فعل غيره مقام فعله حكماً، وإن كان خرج عن أهلية الفعل محسوساً جاز أيضاً ههنا أن يقوم فعل غيره مقام فعله وإن كان لا فعل له ولا أمر.
ثم يقال لهم: إنكم إذا أبقيتم الوجوب لوجود الأمر فقولوا يكون من جميع المال.
وقولهم: ((إنه يشبه التبرعات)).
قلنا: كيف يشبه التبرعات وهو في نفس واجب؟ ولأنا بينا أن الواجب إنما كان من جميع المال، لأن قضاء حقه مقدم وحق الورثة متأخر عن حقه، وفي هذا المعنى يستوي جميع الواجبات سواء أحتاج إلى أمره بالإخراج أو استغنى عنه.
والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

لا يضم أحد النقدين إلى الآخر في حكم الزكاة بل يعتبر كل واحد على حياله فإذا تم فحينئذ تجب الزكاة.

وعندهم: يضم أحد النقدين إلى الآخر ويحكم بكمال النصاب إلا أن أبا حنيفة قال: يضم بالقيمة.
وعند أبي يوسف ومحمد يضم بالأجزاء.

لنا: إنهما مالان من جنسين مختلفين فلا يضم أحدهما إلى الآخر في نصاب الزكاة، دليله البقر والغنم.
والدليل على أنهما مالان من جنسين مختلفين، لأن أحدهما ذهب والآخر فضة، وكل واحد من الاسمين اسم للعين، فإذا تغايرا اسماً تغايراً عيناً، لأنا نعلم قطعاً أن الذهب غير الفضة والفضة غير الذهب، بدليل الصورة والمالية، فإنهما اختلفا صورة ومالية، ولئن جاز أن يقال إنهما مال واحد جاز أن يقال إن البقر والغنم واحد أيضاً.
وإذا ثبت هذا الاختلاف عيناً ثبت الاختلاف جنساً، واستمرت العلة وصحت.
ويدل عليه: من حيث الحكم أن الربا لا يجرى بينهما ولو كان من جنس واحد يجرى بينهما الربا، وحين لم يجر الربا دل أنهما جنسا مختلفان، وقد تأيد الاستدلال بهذا الحكم بنص الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله عليه السلام: ((فإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يداً بيد)).
ونقول من حيث التحقيق: إن الضم محسوس غير معتبر بدليل ضم البقر إلى الغنم والغنم على البقر لا يعتبر، وإنما اعتبر الضم حكماً فلابد من دليل ولم يوجد.

وأما حجتهم: قالوا: الذهب والفضة في حق الزكاة في حكم مال واحد فيكمل نصاب بعضه بالبعض كالكسور والصحاح والمعز والضأن.
وإنما قلنا ذلك، لأن الزكاة تجب في الأموال بوصف النماء على ما عرف، والنماء في الذهب والفضة بصفة الثمنية، وصفة الثمنية صفة منمية لأنها صفة التجارة وطريق التوصل إلى الأشياء، والذهب والفضة من حيث الثمنية في حكم مال واحد، لأنهما خلقا ثمناً للأشياء فوجب ضم بعضه إلى البعض كما وجب ضم أموال التجارة بعضها إلى بعض.
يبينه: أنها باعتبار الثمنية صار مالاً للتجارة فصار كالعروض التي يعدها للتجارة.
ولهذا قال أبو حنيفة: إنه يضم باعتبار القيمة/ لأنهما إذا صارا مالي التجارة فكان الضم بالقيمة كسائر أموال التجارة.
وريما يتعلقون باتفاق الواجب فيهما، فإنه ربع العشر بكل حال، وكذلك اتفاق النصاب فإن كل دينار يعدل بعشرة دراهم، وعلى هذا يكون نصاب الدنانير مثل نصاب الدراهم.
قالوا: ولأن كل واحد منهما يضم إلى سلع التجارة فإذا ضممناها إلى سلع التجارة حضم الضم بينهما ضرورة.

الجواب: أنا دللنا على أنهما مالان مختلفان جنساً وتعلقنا بالحكم والحقيقة.
وأما قولهم: ((إنما خلقاً للثمنية فيكونا مالاً واحداً في المعنى)).
قلنا: ولم لا يجوز أن يختلفا جنساً، وإن كان خلقا لشيء واحد، لأنه غير مستنكر ولا مستبدع أن يخلق الله تعالى أشياء كثيرة لمعنى واحد، وهذا لأنه إذا خلق شيئاً واحداً لمعنى واحد ضاق الأمر على الناس، وإذا خلق أشياء كثيرة لمعنى واحد اتسع الأمر على الناس وزال الضيق حتى إذا تعذر وصوله إلى واحد في ذلك المعنى وصل إلى غيره.
والدليل على جواز ما قلناه أن الله تعالى قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً...﴾. فقد أخبر أنه تعالى خلق هذه الأشياء لمعنى واحد، ومع ذلك لم يجعل الجميع كمال واحد، وليس كمال التجارة.
ولأن نصاب أموال التجارة من قيمتها، وإذا كان النصاب من قيمتها صار الجنس واحداً، لأنه يقومها إما بالدنانير أو بالدراهم أو بالدراهم وينظر إلى ما اشترى من العروض بها من هذين النقدين فإذا قوم بأحدهما فهو مال واحد وتكميل النصاب جرى في مال واحد لا في مالين مختلفين بخلاف مسألتنا، فإن نصاب الدراهم والدنانير من أعيانها.
ألا ترى أن كل جنس لو انفرد لم تجب الزكاة حتى يكمل نصاباً من عينه، قلت القيمة أو كثرت كالسوائم سواء بخلاف الثياب وسائر العروض إذا كانت للتجارة، فإن ثوباً لو بلغت قيمته ألفاً كان نصاباً، وثياب كثيرة إذا لم تبلغ قيمتها

نصاباً لم يكن نصاباً.
فإن قيل: إنما كن كذلك، لأن الجودة من كل واحد منهما غير متقومة إذا انفرد، وإذا لم يتقوم، فلهذا اعتبر كمال النصاب عيناً فأما عند المقابلة بجنس آخر تقوم الجودة، فإذا ظهرت قيمته كمل النصاب عيناً فأما عند المقابلة بجنس آخر تقوم الجودة، فإذا ظهرت قيمته كمل النصاب بالقيمة، وعند الانفراد لم تظهر قيمته فأكمل النصاب بالعين.
قالوا: (وهذا كما قلنا فيمن غصب قلباً فقسمه ثم رد على صاحبه فأخره صاحب القلب وأراد أن يضمنه قيمة الجودة لم يكن له ذلك، لأنه أراد أن يضمن الجودة بانفرادها، ولو أراد أن يترك الأصل عليه ويضمنه بخلاف جنسه جيداً كان له ذلك) بخلاف مسألتنا.
والجواب: إن الجودة مال متقوم، وإنما سقط اعتبارها في موضع مخصوص بالنص ففيما وراء ذلك الموضع هي معتبرة متقومة، ومسألة القلب المقسوم على أصولهم، وعلى الأصح من الوجوه لأصحابنا له أن يضمنه الجودة من جنس الفضة، لأن الربا إنا يعتبر في المعاقدات، فأما في ضمان الإتلاف فلا.
وأما قولهم: ((إن الواجب واحد وهو ربع العشر)).
قلنا: هذا لا يدل على اتفاق الجنسين بدليل العشر في الأجناس الخارجة من الأرض، وكذلك الخمس في الغنائم المشتملة على الأجناس المختلفة.
وأما قولهم: ((إن النصاب واحد)).
فليس كذلك، لأن الدنانير عندنا غير معدلة بعشرة دراهم

بل هو معدل بإثني عشر درهما فلم يتفق النصاب والنصاب.
وأما قولهم: ((إن كل واحد منهما يضم إلى السلعة)).
فهذه الصورة كل صورة يوردونها على مذهبهم، وعندنا ينظر إلى الذي اشترى به السلعة فإن كان دراهماً تقوم السلعة بها ويضم إليها الدراهم ولا يضم الدنانير وكذا على العكس فلا ضم عندنا على ما زعموا.
والله أعلم.

(مسألة)

لا زكاة في حلي النساء على أحد قولي الشافعي رضي الله عنه.

وفي الآخر يجب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وقد روى عن جماعة من الصحابة القول بنفي الزكاة على الحلي منهم:

ابن عمر، وعائشة، وأسماء، وجابر، وأنس بن مالك، نقل عنهم بأسانيد معروفة.
وروى مثل ذلك عن التابعين: عن القاسم بن محمد، والشعبي، ومن الأئمة عن مالك، وأمد، وإسحاق.
وقد ذهب من أوجب الزكاة فيها إلى أخبار رووها في الباب منها: ما رواه أبو داود في سننه بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن

يسورك الله بهما يوم القيامة بسوارين من نار؟ قال: فخعلتهما وألقتهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: هما لله ورسوله)).
وذكر أبو عيسى هذا الخبر في جامعه وقال: ((إن امرأتين أتتا النبي عليه السلام في أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاتهما؟ قالتا: لا، فقال: أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من النار؟ قالتا: لا/ قال: فأديا زكاته)).

وروى أبو داود أيضاً برواية عبد الله بن شداد عن عائشة قالت: ((دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتها؟، قلت: لا، قال: هو حسبك من النار)).
وروى الدارقطني بإسناده من عطاء عن أم سلمة: ((أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب، فسألت النبي عليه السلام عن ذلك، فقلت: أكنز هو؟ فقال: إذا أديت زكاته فليس بكنز.

وروى الشعبي قال: سمعت فاطمة بنت قيس قالت: ((أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطوق فيه سبعون مثقالاً من ذهب، قلت: يا رسول الله، خذ منه الفريضة، فأخذ منه مثقالاً وثلاثة أرباع مثقال)).
وفي رواية أخرى عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن النبي عليه السلام قال: ((في الحلي الزكاة)).
وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: ((قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن لامرأتي حلياً من عشرين مثقالاً، قال: فأد زكاته نصف مثقال)).
ونحن نقول: هذه الأخبار ضعيفة في الإسناد: فالخبر الأول: رواه عمرو بن شعيب، والحسين المعلم،

وابن ربيعة، والمثنى بن الصباح، والحجاج بن أرطأة، وهؤلاء كلهم ضعفاء في الرواية.
والخبر الثاني: رواه محمد بن عطاء عن عبد الله بن شداد، قال الدارقطني: ((ومحمد بن عطاء هذا مجهول)).
والخبر الثالث: رواه أبو حميد الحمصي عن عثمان بن سعيد

الحمصي عن محمد بن مهاجر عن ثابت بن عجلان، وهذا إسناد مظلم، وأكثر الرواة ضعفاء مجاهيل.
والخبر الرابع: رواه أبو بكر الهذلي عن شعيب بن الحبحباب عن الشعبي، وأبو بكر الهذلي متروك لا يحتج بحديثه.
والخبر الخامس: رواه صالح بن عمرو عن أبي حمزة ميمون عن الشعبي.

قال الدارقطني: أبو حمزة هذا ضعيف الحديث.
والخبر السادس: رواه عن حماد: يحيى بن أبي أنيسة.
قال الدارقطني: يحيى بن أبي أنيسة، متروك الإسناد، وهم، والصواب أنه مرسل موقوف.
وإذا ضعفت الأخبار من هذا الوجه فنصير إلى المعنى فنقول: مال مصروف عن جهة النماء إلى ابتذال مباح فلم تجب فيه الزكاة.
دليله: مال التجارة إذا جعلها للبذلة.
وتحقيقه: أن نقول: فقد محل الزكاة فلا تجب فيه الزكاة.
والدليل على أنه فقد محل الزكاة أن محل الزكاة هو المال النامي، لأنها واجبة بوصف اليسر، وعلى جهة المواساة ولا يتحقق هذا الوصف وهذه الجهة إلا أن يكون المال مالاً نامياً، ولهذا المعنى لا تجب الزكاة، فيما دون النصاب، ولهذا يشترط الحول، لأن المال إنما يكثر ببلوغه نصاباً، والنماء يطلب في المال الكثير، والحول مشروط لتحقيق النماء.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: وصف النماء في الذهب والفضة بالتقلب والتصرف فإن هذه الجهة جهة منمية مثل التجارة في سائر الأموال، ولما اتخذ الحلي من الذهب والفضة

فقد فاتت هذه الجهة، لأنه جعله ليلبسه ويتحلى به ويتزين به مثل ثوب يجعله للبسه وللتجمل به عند الناس، وهذه جهة صحيحة مطلقة شرعاً مثل اللبس في الثياب فيفوت بها جهة النماء، لأن التقلب والتصرف لا يكون إلا بإخراجه عن يده، واللبس والتحلي لا يكون إلا بإمساكه في يده فحصلت مضادة ومنافاة بين الجهتين، ولم يتصور اجتماعهما، فإذا تحقق الثاني فات الأول قطعاً، وإذا فات سقطت الزكاة لفوات محلها على ما سبق فهذا الذي قلناه معتمد المسألة، وسنبين كلامهم عليه، والجواب عنه، ويمكن أن يقال في الابتداء أن الحلي مشغول بحاجته، والزكاة لا تجب إلا في المال الذي يفضل عن حاجته مثل ثياب اللبس والعبيد للخدمة، والدواب للركوب، وهذا الكلام يصلح تقريراً للأول والاعتماد على الأول.
وأما حجتهم: قالوا: (الزكاة حكم شرعي يتعلق بالذهب والفضة فيتعلق با لحلي.
دليله: الربا).
ودليل تعلقها بالذهب والفضة أنها تجب بملك العين من غير شرط زائد، بدليل وجوبها في التبر والسبائك والدراهم المعدة للإنفاق.
والحرف أن الزكاة تجب في الذهب والفضة كيف ملكها وعلى أي جهة أمسكها فصارت متعلقة بنفس الملك من غير اعتبار معنى زائد عليه، فثبت أنه حكم متعلق بعينها مثل الربا سواء.
وقد قال بعضهم: إن الذهب والفضة مال التجارة بعينها لأنهما خلقا لذلك فبقيا مالين للتجارة ببقاء عينهما، والزكاة واجبة في مال التجارة.

والدليل على أنهما خلقا للتجارة أنههما خلقا للتقلب والتصرف والتوصل بهما إلى الفوائد المالية، وهذا هو التجارة.
قالوا: وأما قولكم: ((إنه فاتت جهة النماء باتخاذ الحلي)).
فليس كذلك، لأنهما لما خلقا للتجارة فلم يفت ذلك بفعل من العباد.
وتحقيقه: أن الذهب والفضة صارا للتجارة بعينهما وعينهما باقي.
وربما يقولون: صارا للتجارة لقبولهما جهة التقلب والتصرف، وهذا المعنى قائم/ بعد اتخاذ الحلي للتجارة، وهذا لأن التزين والتحلي بالذهب والفضة ليس بمضاد لجهة التجارة بالوجه الذي قدمنا.
قالوا: وخرج على هذا عروض التجارة، لأنها صارت للتجارة بمعنى عارض وقد ترك العارض فخرجت عن جهة التجارة، أما ههنا إنما صار هذا المال مال التجارة لا مال بعارض بعينه وباتخاذ الحلي ما فاتت العين فبقى مالاً للتجارة.
يبينه: أن نهاية ما في الباب أن الحلي يعد للإمساك فإذا لم يكن صار الذهب والفضة للتجارة بالإعداد للتقلب والتصرف، والإعداد للتقلب والتصرف لا يفوت بالإمساك.
ألا ترى أنه لو لم يعده للتقلب والتصرف بل أعده للنفقة أو دفنه في موضع ليكون ذخيرة له وجبت الزكاة، بل صار للتجارة بمجرد وجود العين، فكذلك ههنا بالإعداد والإمساك للتحلي والتزين لا يخرج عن كونه مال التجارة وهذا فصل معتمد.
قالوا: ولأن التحلي والتزين جهة دون جهة التقلب والتصرف لأن التقلب والتصرف بهما قيام المعاملات وبالمعاملات بقاء العالم.
وأما التخلي والتزين فلا يتعلق به القوام إنما هو من فضول الحاجات،

فإذا ثبت أن هذه الجهة دون تلك الجهة، فالشيء لا يرتفع بما دونه كما لا ينسخ الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد.
قالوا: وبهذا فارق عروض التجارة إذا جعلها للبذلة والمهنة، لأنه جهة مثل جهة الأولى، لأن القوام متعلق بالجهتين فاستويا فجاز أن ترتفع الأولى بجهة مثلها، وعلى هذا خرجت الجواهر إذا اتجر فيها حيث تصير للتجارة، لأنها خلقت لجهة التزين، وإذا صرفها إلى جهة التجارة فقد صرفها إلى جهة فوقها فجاز أن ترتفع الأولى بها.
وقد تعلق كثير منهم بالحلي إذا كانت للرجال، فإن الزكاة فيها واجبة بالاتفاق.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن هذه الجهة محظورة على الرجال، لأن الصرف عن جهة النماء إذا حصل سقط الزكاة سواء أكان بجهة محظورة أو بجهة مباحة.
ألا ترى أن السائمة من الإبل إذا علفها بعلف مغصوب سقطت زكاتها، وكذلك ثياب التجارة من الحرير إذا اتخذها الرجل للبسه سقطت زكوتها، وكذلك البقر السائمة إذا جعلها عوامل لنقل الخمر فإنه تسقط زكاتها.
الجواب: أما قولهم: ((إن الزكاة تتعلق بعين الذهب والفضة)).
قلنا: إن عنيتم أنها تعلقت بعينهما لا لمعنى، فلا نسلم، وإن عنيتم لمعنى فمسلم، وهذا كالسوائم تتعلق الزكاة بأعيانها لمعنى، كذلك ههنا.
فإن قالوا: ((فأيش ذلك المعنى)).
قلنا: وصف النماء وقد فات في مسألتنا على ما سبق.

وأما الربا يتعلق بعينها بنص الشارع وعينهما باقي.
قالوا: ((إن عندكم علة الربا الثمنية وقد زالت باتخاذ الحلي)).
قلنا: نحن نقول إن جريان الربا حكم متعلق بعين الذهب والفضة، وأما العلة بالثمنية لم يكن لأنه غير متعلق بعين الذهب والفضة بل لمنع إلحاق غير الذهب والفضة بالذهب والفضة.
وقد قال بعض أصحابنا: إن العلة كونهما جوهري الأثمان وهذا المعنى باقي بعد الصنعة.
ومنهم من قال: إن لم يبق حقيقة الثمنية بعد صنعة الحلي فقد بقيت شبهة الثمنية، والتحريم يثبت بشبهة الربا، وأما الزكاة لا تجب بشبهة النماء بل تجب بحقيقة النماء.
وأما قولهم: ((إن وصف النماء أو صفة التجارة قائمة بعد صنعة الحلي)).
قلنا: قد دللنا على الفوات ثم يتبين وجه ذلك على ما يمكن الاعتماد عليه فنقول: إن الله تعالى خلق الذهب والفضة لمنافع العباد فكل منفعة يجوز حصولها من الذهب والفضة، فهما مخلوقان لذلك، فعلى هذا خلق الله تعالى الذهب والفضة لمنفعة التقلب والتصرف، ولمنفعة التحلي والتزين وغير ذلك، إلا أن في الابتداء تعين جهة التقلب والتصرف ويجعل الذهب والفضة كأنهما خلقا لذلك، لأن هذه المنفعة أعم من منفعة التحلي والتزين.
ألا ترى أنها تعم الرجال والنساء، ومنفعة التحلي والتزين تختص بالنساء، وإنما يجوز للرجال في الفضة على الخصوص في شيء معين من خاتم وما يشبهه، وهو شيء يسير لا يقع الالتفات إليه فتعين جهة التجارة بهذا الرجحان، إلا أنه مع ذلك يقبل أن يجعل للمنفعة الأخرى، ويصرف

إليها بعارض من صنعة مباحة مشروعة لذلك النوع من المنفعة على الخصوص، فإذا صرف وصنع انصراف عن تلك الجهة إلى هذه الجهة، وفات صفة النماء، وهي شرط وجوب الزكاة فسقطت لفقدان شرطها، وهذا كالثياب والدواب خلقت لمنافع فيها، وتعينت في الابتداء لجهة البذلة بنوع دليل ثم إذا صرفها عنها بفعل التجارة انصرف ووجبت الزكاة، فإذا عرفنا هذا الأصل فيخرج عليه ما ذكروا من المعنى، وما تعلقوا به من الأحكام.
وأما قولهم: ((إن جهة التجارة/ تبقى بعد صنعة الحلي)).
قلنا: جهة التجارة وجهة البذلة جهتان مختلفتان، والشرع قد علق بكل جهة حكماً يخالف الجهة الأخرى، ولا يجوز أن يحكم باجتماعهما، بل إذا ثبتت إحداهما انتفت الأخرى، كما لو جعل ثياب البذلة للتجارة.
وقولهم: ((إنه تصور فيه التقلب والتصرف بعد اتخاذه حليا)).
قلنا: هذا كمن يقول إن الثياب والدواب يتصور فيهما اللبس والركوب بعد جعلهما للتجارة، ثم ذلك الزعم باطل، كذلك ههنا، وعلى أنا بينا وجود ضدية ومنافاة بين الجنسين محسوساً ومشروعاً.
وأما قولهم: ((إنه صار للتجارة بعينه من غير اعتبار معنى وراء العين)).
قلنا: بلى، ولكن بنوع دليل مرجح لهذه الجهة على غيرها مع قبول العين جعلها مشروعاً ومحسوساً لجهة أخرى، فإذا جعل لتلك الجهة وصرف عن هذه الجهة صار لها، وفاتت هذه الجهة مثل الثياب والدواب.
وأما قولهم: ((إن جهة التحلي والتزين دون جهة التجارة)).

قلنا: وجهة التجارة دون جهة اللبس والأكل والشرب في الدواب والثياب، لأن قوام الحياة يتعلق بعين هذه الأشياء.
وأما التجارة فلا يتعلق قوام الحياة بها، إنما هي طريق التوصل إلى ما يتعلق به القوام فيكون دون الأول قطعاً، ومع ذلك ينصرف إليها بالصرف، وعلى أن جهة التحلي والتزين جهة مقصودة مطلوبة بدليل قوله تعالى: ﴿واَلْخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِير لِتَرْكَبُوهَا وَزِيِنَةً﴾.
فقد أخبر أنه خلقهما لهذين وجعلهما بمنزلة واحدة، ولأنه تعالى خلق الجواهر سوى الفضة والذهب في الابتداء للتحلي والتزين وإن قبل الانصراف عنه على غيره مثل ما خلق الذهب والفضة في الابتداء للتجارة، وقبل الانصراف إلى غيره، فاستويا منفعة التجارة ومنفعة التزين من هذا الوجه، لأنه ما يفوته الإنسان باختياره لا يفرق بين أن يفوته إلى شيء مثله أو فوقه أو دونه مثل الاعتياض عن المالية في الأشياء يجوز أن ينقل إلى ما هو مثله أو فوقه أو دونه.
أما المسائل التي تعلقوا بها فنقول: إذا عرف الأصل الذي ذكرنا سهل التخريج عليها، لأن جهة التجارة إنما تفوت وتزول بفعل محقق للصرف والإزالة، وذلك لا يوجد إلا بعد اتخاذه حلياً بالصنعة المعروفة، ولا يوجد هذا إلا بالسبك ولا بإعداده للنفقة، ونية الإنفاق لا يلتفت إليها، لأنه لم يكن للتجارة بالنية حتى تفوت بنية أخرى، وإنما كان ببقائه على أصل الخلقة من غير أن يوجد عارض صنعة مغيرة، وفي الذهب والفضة المضروبة إن وجد عارض صنعة، فإنما وجد عارض صنعة محققة لجهة التجارة لا عارض صنعة مغيرة مفوتة بخلاف صنعة الحلي على ما سبق.

وأما الحلي للرجال فالصرف لم يوجد لحظرية الصنعة فكأن الشرع لحظرية الصنعة جعل الصنعة كالمعدومة، وصار كأنها باقية على الجهة التي كانت عليها من قبل.
وأما المسائل التي أوردوها على هذا العذر: ليس يلزم، لأن تلك الأفعال وإن كانت محظورة لكن تضمنت ترك جهة التجارة، أو جهة السوم، فلذلك سقطت الزكاة، وهذا الترك لا يوصف بالحظر والحرمة، وقد كانت جهة السوم والتجارة بفعله فتزول بتركه.
وههنا أيضاً يمكن أن يقال إنه باتخاذ الحلي وإن كان محظوراً ترك جهة التجارة لكن لم تكن جهة التجارة بفعله حتى يزول بتركه، بل كان بنوع دليل قام عليه من الشرع فينصرف عنها بشرع مثله وقد صرفه عنها بشرع صحيح، وابتذال مشروع وصنعة مباحة مطلقة فانصرف وسقط الوجوب.
والله أعلم.

(مسألة)

وجوب الخراج لا ينفي وجوب العشر في الخارج من الأراضي الخارجية

عندنا.
وعندهم: لا يجتمع الخراج والعشر.
لنا: إن العشر واجب في الخارج فما يجب بسبب الأرض لا ينفيه، لأن الواجب في مال لا ينتفي بواجب في مال آخر.
والدليل على أن العشر واجب في الخارج، أن الواجب عشر الخارج فيكون واجباً بملك الخارج وبسببه، مثل زكاة الذهب والفضة لما كان الواجب ربع العشرة كان واجباً بملك الذهب والفضة وبسببهما، لأنه يكثر بكثرة الخارج ويقل بقلته، وأيضاً يختلف باختلاف أجناس الخارج والأرض واحدة غير مختلفة، فثبت أن العشر واجب في الخارج.
وأما الخراج مؤنة الأرض، بدليل أنه يجب بملك الأرض، وإن لم يكن زرع بعد أن تمكن من الزرع، وأما العشر لا يجب بحال إلا بوجود الزرع

وصار الخراج بمنزلة كراء الحانوت، وصار زكاة العشر بمنزلة زكاة المال الذي يتجر فيه على الحانوت ثم هالك جاز اجتماع وجوبهما، كذلك في مسألتنا.
وقد قال الأصحاب: حقان اختلفا سبباً ومحلاً ومصرفاً وصفة فاجتمع وجوبهما فالسبب قد ذكرنا، والمحل محلين: أحدهما دراهم في الذمة، والآخر عشر العين، وأما الصفة فلأن أحدهما عبادة، والآخر مؤنة، وأما المصرف فلأن/ أحدهما يصرف إلى أهل السهمان، والآخر إلى المقاتلة.
وأما حجتهم: تعلقوا بحديث رووا عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أن النبي عليه السلام قال: ((لا يجتمع العشر والخراج في أرض مسلم)).
وهو نص لأن الخراج وظيفة الأرض،

كذلك العشر بدليل أنه يقال: أرض عشرية وأرض خراجية، والإضافة المطلقة في الشرع دليل السببية.
دليله: سائر المواضع فلما أضيف كل واحد من العشر والخراج إلى الأرض دل أنها سبب وجوبهما، ولأن الأرض مال نامي فلا يخلو عن واجب.
دليله: سائر الأموال النامية.
وأما الزرع ليست بمال النماء، لأن العروض والحبوب إنما يصير مال النماء بالتجارة، والحبوب في هذه المواضع ليست بمال التجارة.
يبينه: أن النامي ما يراد بقاءه في ملكه، وطلب النماء منه، والأرض بهذا الوصف، فأما الزرع فلا يراد للبقاء، فإنه مطلوب في العادة من الأراضي للقوت، والتقوت جهة مثوبة لا جهة مبقية، فثبت أن العشر وظيفة الأرض مثل الخراج إلا أن الخراج دراهم في الذمة فإذا ملك الأرض وتمكن من زراعتها وجب.
وأما العشر مقدر من الخراج فما لم يوجد الخارج لا يمكن إيجابه، ولهذا افترقا في هذه الصورة وهذا الافتراق لا يدل على اختلاف السبب، ألا ترى أن الأجر للأجير الواجد، والأجير المشترك في مقابلة العمل، وإن كان أحدهما لا يجب إلا بالعمل والأجر يجب بتسليم النفس وإن لم يوجد العمل، وأما اختلاف مصرفهما جاء من حيث أن أحدهما مشتمل على معنى العبادة وهو العشر، والأجر محض مؤنة فصرف العشر إلى أهل السهمان والخراج إلى المقاتلة، وهذا الاختلاف لا يمنع اتجاه السبب.

ولأن الدليل قد قام أن ملك الأرض صالح لإيجاب كل واحد منهما، أما العشر فدليل وجوبه ملك المال النامي، والأرض مال نامي، وأما الخراج فلأن الأرض قطعة من دار الإسلام لا يمكن حفظها إلا بحماية الإمام كما لا يمكن حفظ جميع دار الإسلام إلا بحمايته، والحماية تكون بجند ومقاتلة، ولابد لهم من رزق يعيشون به فوجب الخراج بوصف أنه مؤنة الأرض ووجب لمن يوجد منهم حماية الأرض، واستدلوا في أن العشر واجب بسبب الأرض لا بملك الخارج أنه لو اجتنى الثمار من المواضع التي لا تملك وبلغ نصاباً لا يجب فيه العشر مع وجود الثمر لعدم الأرض، وكذلك النخيل التي في داره المملوكة لا يجب العشر في ثمارها لعدم الأرض الخراجية أو العشرية.
الجواب: أما الخبر فلم يثبت، ولئن ثبت لقلنا به.
وقد قيل: رواه يحيى بن عنبسة عن أبي حنيفة، ويحيى بن عنبسة، متروك.
وكيف يثبت هذا الخبر؟ وقد تفرد بإسقاط العشر بسبب الخراج أبو حنيفة رحمة الله عليه من بين أهل العلم، ولم يوافقه عليه أحد من الأئمة سوى أصحابه الذين درجوا على قوله ونسجوا على منواله.
ونقل ابن المنذر في كتاب ((الاختلاف)) عن جملة أهل العلم شرقاً وغرباً

إيجاب العشر من الخراج، وقال: وقد قالت طائفة قليلة عددها شاذ قولها بخروجه عن أقوال أهل العلم أنه لا عشر مع الخراج وذكر أصحاب الرأي، ونقل عن ابن المبارك أنه ذكر له قول أبي حنيفة رضي الله عنه في هذه المسألة فقال: لا يترك كتاب الله وسنة رسوله بقول أبي حنيفة رضي الله عنه، فجاء مما ذكرنا أنه لو صح ذلك الخبر لم يخف على أهل العلم من الأئمة، ولو عرفوا ذلك لم يخالفوه، فدل أن الخبر موضوع لا يلتفت إليه.
وأما المعنى: قولهم: ((إن العشر وظيفة الأرض)).
لا نسلم، بل هو زكاة الخارج.
وأما قولهم: ((إنه مضاف إلى الأرض)).
قلنا: ويضاف إلى الزرع فيقال: عشر الزرع، ولعل هذه الإضافة أشهر وأظهر فتكون بالاعتبار أولى، ثم يجوز أن تكون الإضافة التي تعلقوا بها على طريق التوسع والمجاز.
ومعنى قولهم: ((أرض عشرية)).
أي أرض يجب العشر في الخارج منها.
وأما قولهم: ((إن الأرض مال نامي)).
قلنا: هذا غلط قبيح، لأن الزرع ليست بنماء الأرض، وإنما هي نماء البذر، ولهذا يكون لصاحب البذر لا لصاحب الأرض، ولأن نماء كل شيء

من جنسه فلا يتصور نماء الأرض بالزرع، نعم يحصل من الأرض قوة في نماء البذر، فأما أن يكون نماء الأرض فمطمع محال، وهذا كالحاضنة للولد تكون منها قوة في تربية الولد، وأما الولد فهو ولد أبيه وأمه.
وأما قولهم: ((إن الزرع ليس بمال النماء)).
قلنا: هو نفس النماء فيكون الإيجاب فيه أولى، وهذا كالسخال تجب فيها الزكاة بالإجماع، وإن لم يكن مالاً نامياً، وأما عذرهم عن فصل الذي ألزمناهم وهو إذا ملك الأرض ولم يزرع، وقد تمكن منه لا يجب العشر.
وقولهم: ((إنه لا يمكن الإيجاب، لأن العشر مقدر بجزء من الخارج/ فلا يجب بدون الخارج)).
قلنا: وجب أن يجب، ويقدر وجود الخارج، وهذا مثل ما قلتم إن المكري يجب العشر عليه وإن لم يجب بملك الخارج وقدر ملكه له، والحرف في هذا أنه يستحيل ملك المال النامي سبب صالح تام في وجوب الحق المسمى سواء وجد حقيقة النماء أو لم توجد بدليل السوائم وعروض التجارة.
وأما الأخير الذي قالوه وهو: ((إذا اجتنى الثمار من الأراضي التي هي غير مملوكة)).
قلنا: إنما وجب العشر في الخارج بعلة أنه نماء ملكه فإذا وجب في المال النامي فلأن يجب في نفس النماء أولى، وهذا لا يوجد فيما صوروه، لأن ذلك ليس بنماء ملكه، والمسألة الأخيرة ممنوعة.
والله أعلم.

(مسألة)

نصيب العامل من الربح الحاصل في مال القراض لا تجب فيه الزكاة

عندنا.
وعندهم: تجب وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنه.
والمسألة بناء على أن العامل هل يملك نصيبه بنفس ظهور الربح؟ عندنا: لا يملك ما لم يقسم، وعندهم يملك.
لنا: إن المسمى للعامل عمالة فلا يملك قبل القبض، دليله: المسمى لعامل الصدقات، والأولى أن نقول: جعل على العمل فلا يملكه قبل تمام العمل.
دليله: الجعل في الجعالات، والدليل على أنه جعل أن تصحيح العقد بوجه الإجازة لا يجوز، لأن العمل مجهول، والإجارة على العمل المجهول باطل، ولا يمكن تصحيحه بجهة الشركة، لأن اختلاف الجنس من الجانبين يمنع صحة الشركة.
وقد اختلف الجنس من الجانبين في القراض، لأن في أحد الجانبين مال وفي الجانب الآخر عمل، ولا مجانسة بين المال والعمل، وإذا بطل هذان

الوجهان لم يبق للصحة وجه إلا جهة الجعالات، وحكم الجعالة أن لا يملك الجعل فيها إلا بتمام العمل، وتمام العمل بالقسمة وإيصال حق رب المال على الكمال إليه.
ويستدل بمسألة على أصولهم قالوا: لو اشترى برأس المال عبدين وقيمة كل واحد بقدر رأس المال، فإن العامل لا يملك شيئاً من العبدين حتى لا تجب فيه الزكاة، ولا يعتق نصيبه إذا أعتق، فكذلك إذا كان العبد واحداً، لأن الصورتين في المعنى واحد.
وأما حجتهم: قالوا: العامل أحد الشريكين في الربح فيملك نصيبه بنفس الظهور.
دليله: رب المال (والدليل على أنهما شريكان، أنهما يملكان شرط واحد وهو قوله: ((على أن ما رزق الله تعالى فهو بينا نصفان)).
ولأن الربع تفرع عن أصل مشترك بينهما، فيكون مشتركاً بينهما كالحاصل بين شريكي العنان وكالشريكين في الشجرة إذا أثمرت تكون الثمرة مشتركة بينهما، وإنما قلنا: ((إنه تفرع عن أصل مشترك بينهما))، لأن عقد المضاربة صحيح بالإجماع، وإنما صح على جهة ثبوت الشركة بين رأس المال والعمل، وتولد الربح منها جميعاً فإن رأس المال دراهم ولا يتولد منها ربح بدون التصرف، والتصرف نفسه كلام ولا يتولد منه ربح بدون مال، فإذا اجتمعا حصل الربح مثل المزارعة والمساقاة فإن الأرض بدون الزرع لا تنبت، والزرع بدون الأرض لا عمل له، فإذا اجتمعا

انعقدت الشركة بين منافع الأرض والعمل ثم يخرج الزرع على سبيل الشركة).
قالوا: وأما العمالة والجعالة فباطلتان إذا كانتا بصنع من العباد (والعمالة عبارة عن كفاية ليفرغ لعمله، ومثل هذا لم نجده مشروعاً مفوضاً إلينا حتى نوجبها قصداً فيما نحتاج إليه من الأعمال بل هذا مما تولى الله إيجابها لعمل العامة، كما أوجب الكفاية للإمام الأكبر، والقاضي، والمفتي، وكل من فرغ نفسه لأمر من أمور الدين فقدر له كفاية من بيت مال المسلمين، فكانت معاملة بين الله تعالى وبين عبده، وما يصح من الله تعالى على عباده لا يشبه ما فوض إليها مما يوجبه بعضنا على بعض، فكان اعتبار القراض بما نوجبه نحن من إجارة أو شركة أولى) من اعتبارها بما يوجبه الله تعالى مما يتولاه بنفسه.
قالوا: (وأما مسألة العبدين فإنما لم يملك العامل شيئاً منهما، لأن ملكه إنما يكون من الربح، ولا ربح في هذه الصورة فإن كل واحد من العبدين مشغول برأس المال وإنما كان كذلك، لأنه قد ثبت عندي أن العبيد لا تقسم جملة ويعتبر كل عبد كأنه ليس معه غيره، وإذا كان أمر العبد هكذا في القسمة، والفضل لا يحصل فضلاً إلا بعد إحراز رأس المال وتحصيله، والمقاسمة بينه وبين الربح، لكن على سبيل الترتيب، ومعنى الترتيب أنه يحصل رأس المال أولاً ثم الربح، وكل عبد وجب

اعتباره في هذا الحكم كأنه ليس معه غيره فلم يفضل شيء من العبد عن رأس المال، وهذا بخلاف العبد الواحد، لأنه قد فضل.
وحرفهم في هذا أن رأس المال لا يعتبر/ شائعاً في العبدين بل في كل عبد على حدة، وإذا جعل هكذا لم يحصل فضل رأس المال).
الجواب: إن كلامه مبني على أن القراض شركة، وقد بينا أن الشركة مع اختلاف الجنس في رأس المال لا تنعقد، وقد بينا هذا في كتاب ((الشركة)).
وقلنا: إن الشركة لا تكون شركة إلا بالاختلاط، ولا يتصور الاختلاط بين المال والعمل.
ونقول أيضاً: إن المال نماء المال بكل حال، ولا يتصور أن يكون العمل نماء، لما بينا أن نماء كل شيء ما يكون من جنسه فلا يتصور أن يكون المال نماء العمل، وإنما العمل شرط ظهور الربح، فأما أن يكون الربح متولداً من المال والعمل فكلام مستحيل، ولا يمكن تصحيحه بوجه ما، وإذا ثبت هذا لم يكن القراض عقد شركة إنما هو تسمية جعل للعامل فيستحق ما يستحقه عمالة أو جعالة.
وأما قولهم: ((إن الجعالة باطلة فيما بين العباد)).
قلنا: هي صحيحة بدليل أنه لو قال: ((من رد آبقى فله كذا)) يصح، وإذا رد استحق ولأنهم إذا سلموا أنه صح شرعاً فإذا عقد العقد على وفاق الشرع انعقد، ولأن مثل هذا العقد يحتاج إليه العباد وذلك بأن يكون العمل مجهولاً لا يمكن إعلامه، وإذا احتاج إليه العباد فلو لم يصح ذلك منهم أدى ذلك إلى الحرج العظيم فإذا صح سائر العقود لحاجة العباد، فكذلك هذا العقد يصح ويجوز لحاجة العباد أيضاً.

جارٍ التحميل