وقد روي أنه عليه السلام: ((توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل اليدين مرتين مرتين)).
وأما الكلام في المسألة من حيث المعنى، فالمعتمد هو التعليق بالمغسول من الأعضاء، وهو قياس صحيح شبهاً ومعنى.
أما الشبه: فلأن كل واحد أصل بنفسه في الوضوء، لأن المسح أحد قسمي الوضوء كالغسل أحد قسميه.
وأما المعنى: فلأن الوضوء طهارة حكمية، والغسل والمسح واحد في الطهارة الحكمية إلا أن الغسل له زيادة على المسح من حيث الحس، فأما من حيث الحكم فهما واحد، وقد شرع التكرار في أحدهما لتكميله، وليشرع في الآخر على ما شرع في قرينه، وذلك لتحصل زيادة في الطهارة بمثل فعل الأول في محل الأول، يبينه أن الطهارة تكون بمطهر فلابد من تجديد مطهر ليزداد الطهارة، وذلك يكون بماء جديد بفعل جديد مثل الغسل سواء.
وهذا معنى في غاية الوضوح فليعتمد عليه.
أما حجتهم:
من حيث المعنى قالوا: طهارة مسح فلا يسن فيها التكرار كالمسح على الخف والتيمم، وفقه ذلك وهو إنه لما كان طهارة مسح فقد بنى على الخفة فإذا خف ماء حتى اكتفى فيه بالبلل دون الماء السيال، وخف محلاً حتى اكتفى فيه ببعض المحل، فوجب أن يخف فعلاً حتى يكتفي فيه بالمرة الواحدة.
قالوا: وليس كالاستنجاء، لأنه في الأصل طهارة غسل، وإنما يجوز
فيه التمسح بالأحجار رخصة، ألا ترى أنه لو غسل بالماء يكون أفضل بخلاف مسألتنا.
ولهذا يكره العدول في الرأس من المسح إلى الغسل، وإذا كان الأصل هناك هو الغسل، والمبالغة بالتكرار في الغسل مشروع، لأنه مبني على الاستقصاء، والتكرار نوع مبالغة فيليق أن يكون مشروعاً معه إلا أن الرخصة وردت في استعمال الحجر مكان الماء لنوع ضرورة وحاجة فبقى التكرار المشروع في أصل الغسل مشروعاً فيه بخلاف مسألتنا.
فإن المسح أصل في الوضوء بني على الخفة فيوفر عليه مقتضى الخفة من كل وجه.
قالوا: وأما التكميل المشروع في الوضوء فقد حصل في المسح بالاستيعاب، لأن التكميل في الغسل باستعمال طهور في محل الفرض، وقد وجد هذا المعنى في مسألتنا بالاستيعاب، لأن البلة على اليد طهور.
ألا ترى كيف يستوعب به الرأس، ويجوز وقد استعمالها في محل الفرض.
لأن جميع الرأس محل الفرض فصار هذا مثل استعملها ماء جديد في الوضوء ثانياً وثالثاً إلا أن هناك لابد من ماء جديد ليكون طهوراً، لأن الماء المنفصل على العضو مستعمل، والبلة على اليد لا يحصل به الغسل فصارت البلة هاهنا كالماء الجديد هناك، وصار مسح باقي الرأس هنا بمنزلة تضعيف غسل الوجه، لأن الفرض يستوعب الوجه فلم يمكن تكميله بالاستيعاب فعدل إلى التضعيف.
قالوا: ومن تأمل في هذا فقد عرف أن الصورتين استويا معنى واختلفا اسماً ولقباً ولا عبرة بالأسامي والألقاب من ذكر تكرار وتثليث وإنما العبرة بالمعاني.
قالوا: ولأن الزيادة إنما تشرع إذا لم يعد بنقص على المزيد عليه، والزيادة في الغسل بالتكرار لا تعود بنقص في المزيد عليه، لأن الغسل والتكرار مرات فجميعه غسل، وأما في المسح فلاناً إذا شرعنا فيه التكرار عاد بنقص على أصله، لأن المسح إذا كرر يخرج عن كونه مسحاً ويلتحق بالغسل فيصير غيره، وإذا صار غيره عاد بالنقص على المزيد عليه فلم يشرع.
يبينه أن النقاوة مطلوبة/ في الغسل والتكرار يزيد في النقاوة، وأما في المسح فلا يطلب إلا مجرد إيصال البلة وبالتكرار لا يزداد هذا المعنى فكأن الثاني هو الأول فلا معنى لفعله واقتصر على مرة واحدة وهذا نهاية تحقيقهم.
الجواب:
أما قولهم: ((إن المسح مبني على الخفة)).
قلنا: هذا لمقابلته بالغسل، فقولوا على هذا أن الوضوء مبني على الخفة عند مقابلته بالغسل فوجب أن لا يشرع فيه التكرار، فيكون التكرار مشروعاً في الغسل خاصة، وعلى أنه إن بنى على الخفة فقد شرعنا تكميلاً لا نقاء به وهو تكراره مسحاً، وهذا مثل الاستيعاب عندهم، فإنه مشروع ولا يقال: إنه بنى على الخفة فلا يشرع فيه الاستيعاب، ولكن قيل: قد شرع فيه الاستيعاب بالمسح فلم يناف الخفة، كذلك نحن شرعنا التكرار بالمسح فلم يناف الخفة.
وأما كلامه الثاني:
قلنا: التكميل المطلوب لا يحصل بالاستيعاب، لأن التكميل المطلوب زيادة طهارة على الطهارة المفروضة وإذا استوعب فالكل فرض.
ولا نقول: إن بعضه فرض وبعضه نفل، وإن كان لو اقتصر على البعض جاز وهو مثل ما لو أطال القيام، فإن الكل فرض، ولا يقال: إن بعضه نفل وبعضه فرض وإن كان لو اقتصر على مقدار قراءة الفاتحة جاز، ويمكن أن يقال أيضاً على تسليمنا أن البعض فرض والبعض نفل: أن التكميل بزيادة طهارة في محل الفرض، وإذا مسح بعض رأسه فالباقي ليس بمحل الفرض في هذه الطهارة، بل إن كان محل الفرض فهو محل الفرض في طهارة أخرى فلم يحصل التكميل المطلوب على حد التكميل بالغسل إلا بالتكرار، ويقال أيضاً: إن تكميل الطهارة بزيادة الطهارة وزيادة الطهارة بطهور فأين الطهور؟
وقولهم: ((إن البلة التي على اليد طهور)).
قلنا: هو طهور في الأصل لا في التكميل.
ألا ترى أن إنساناً آخر لو أخذ من تلك البلة واستعمله في رأسه للمسح لا يجوز.
وأما الاستيعاب بالبلة فهو ملحق بالأصل، يبينه أن الاستيعاب تكميل محل المسح فكأن الشرع سن تكميل المحل بالاستيعاب وسن تكميل المسح بالتكرار ليلتحق بالغسل من كل وجه.
وأما قولهم: ((إن الزيادة على المسح بالتكرار يعود بالنقص على الأصل)).
فليس كذلك، لأن المسح وإن كرر مسحاً مثل الغسل سواء.
ولهذا لا ينوب عن غسل الوجه، ولهذا لو حلف أن لا يغسل وجهه فمسح مرات لا يحنث، وهذا لأنه تكرار شيء فلا يصير غير ذلك الشيء مثل التكرار في سائر الأشياء لا يصير غيره، والله أعلم بالصواب.
(مسألة)
المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء ولا في الغسل
عندنا.
وعندهم يجبان في الغسل.
لنا:
إنهما عضوان باطنان فلا تتعلق بهما الجنابة.
دليلة سائر البواطن، وهذا لأن الغسل يتعلق بالظواهر لا بالبواطن ومعنى قولنا: إنه باطن ((أي باطن في أصل الخلقة))، فإن الإنسان يخلق منطبق الفم، وإنما يفتحه لحاجة الكلام، والأكل، وداخل الأنف باطن أيضاً، لأن قصبة الأنفة حائل بينه وبين الإبصار، ولهذا يقال: داخل الفم والأنف، والداخل والباطن في المعنى واحد.
يبينه أن الظاهر ما يظهر
للأبصار والباطن ما يبطن عن الأبصار، ومعلوم قطعاً أن داخل الفم والأنف غير ظاهرين للأبصار.
دل أنهما باطنان، ونستدل بالوضوء فنقول: الفم والأنف عضوان مركبان في الوجه، وغسل الوجه واجب بنص القرآن فلو كانا محلى وجوب الطهارة بالحدث لكان أولى موضع بذلك ثم نبني عليه الغسل من الجنابة وغيره، فلما لم يجب غسلهما في الوضوء علمنا أن المعنى المسقط ما ذكرناه من بطونهما، وهذا المعنى موجود في الغسل فسقط فيه أيضاً.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾، ومعناه: طهروا أبدانكم، والبدن اسم لجملة صورة لإنسان ظاهراً وباطناً فكل ما هو من البدن طاهر أو نجس يجب تطهيره بإيصال الماء إليه بحاكم ظاهر الآية إلا أن يعجز عنه فيسقط حينئذ بالعجز، وداخل الفم والأنف يمكن الوصول إليهما فيجب تطهيرهما/ بظاهر الآية.
وقالوا على ذلك موضع من البدن يتيسر الوصول إلى تطهيره فيلحقه حكم الجنابة.
دليله سائر المواضع.
قالوا: وقولكم ((باطن)) هو باطن من وجه ظاهر من وجه.
ألا ترى أنه يفتح فمه فيظهر داخل فمه كأنه وجه ويطبق فمه فيسقط كأنه جوف.
ولأنه فيما بينه وبين الظاهر ظاهر.
ألا ترى أن الصائم لو وضع شيئاً في فمه لا يفطر، وفيما بينه وبين الباطن باطن، ألا ترى أن الصائم لو ازدرد ريقه لم يفطر فدل أنه ظاهر من وجه باطن من وجه، وأمر الطهارة يحتاط فيها فما بنى فيها على العموم
والشمول تعلق به، ووجب غسله احتياطاً له بخلاف الوضوء، فإنه لم يبن على العموم والشمول بل إنما يتعلق بمواضع مخصوصة من بدنه فإذا كان باطناً من وجه سقط عنه.
ولهذا يسقط إيصال الماء إلى باطن اللحية في الوضوء، لأنه باطن من وجه ووجب في الغسل لأنه ظاهر من وجه، وكذلك داخل الخف.
وأما الوضوء واجب خاص، فإذا كان باطناً من وجه خرج عن خصوصه ولم يتعلق إلا بما هو ظاهر من كل وجه.
وتعلقوا بالطهارة من النجاسة فإنها تتعلق بداخل الفم والأنف للمعنى الذي بينا من عموم محلها فكذلك في مسألتنا.
قالوا: ويتبين بهذا فساد تعلقكم بكونه باطناً، فإن الطهارة من الحدث كما لا تتعلق بالبواطن، كذلك الطهارة من النجاسة لا تتعلق بالبواطن، فدل أن المعتبر في الطهارة التي تعم محلها كون المحل ظاهراً من وجه فحسب قالوا: وأما غسل وجه الميت فإنما يسقط المضمضة والاستنشاق في حقه لعذر.
والواجبات تسقط بالأعذار، والعذر هو العجز الغالب، فإن الميت تنغلق مفاتحه بالموت فيشق عليه إيصال الماء إلى داخل فمه وأنفه وربما يؤدي التكلف لذلك إلى المثلة بالميت، ولهذا لا يسن أيضاً.
وأما هاهنا لا عذر في الترك، ولهذا يسن إيصال الماء إليهما في الحدثين عندكم.
قالوا: وكذلك داخل العين يسن إيصال الماء إليه.
وقيل: إن من دوام على ذلك يعمى، ونقل أن ابن عمر رضي الله عنه عمى من كثرة إدخال الماء في العين.
الجواب:
أما الآية قلنا: معنى الآية: فاطهروا أي فاغسلوا والاغتسال قد وجد، وإن ترك المضمضة والاستنشاق، لأن الاغتسال هو فعل يسمى اغتسالاً وقد فعله.
فإن قالوا: إذا ترك المضمضة يسمى مغتسلاً أيضاً، وإن كان لا يسقط الواجب عنه.
قلنا: كان ترك الاعتداد به لقيام الدليل، وعلى إنه كان المراد ما ذكروا فتقديره: طهروا أبدانكم ما ظهر منها، لأن هذا التطهير يكون بالاغتسال والاغتسال هو إفاضة الماء على ظاهر بدنه.
وقال النبي عليه السلام: ((أما إني أفيض على رأسي وجسدي فإذا أنا قد طهرت)) وهذا كلام معتمد.
فأما قولهم: ((إنه باطن من وجه ظاهر من وجه)).
قلنا: هو باطن في أصل الخلقة على ما سبق، والمعتبر أصل الخلقة.
ألا ترى أن داخل اللحية باطن بكل وجه لا يظهر بحال لكن لما كان ظاهراً في الخلقة تعلق به حكم الجنابة.
فأما في الوضوء إنما يسقط إيصال الماء إليه إذا كانت لحيته كثيفة لأن الوضوء واجب متكرر، وفي إيصال الماء إليه نوع عسر ومشقة فسقط لدفع الحرج.
وأما الجنابة تندر فلم يشق إيصال الماء إليه فاعتبر كونه ظاهراً في أصل الخلقة فوجب إيصال الماء إليه، وهاهنا لا ظهور في أصل الخلقة فالتحق بسائر البواطن ولم ينظر فيه إلى التيسر في الحدثين؟
قلنا: أليس يسن إيصال الماء إليهما في الحدثين؟
قلنا: إنما يسقط الوجوب لأنهما باطنان في أصل الخلقة، ولما كانا يظهران للأبصار في بعض الأحوال يسن إيصال الماء إليهما فأخذ في صفة الواجبية بأغلب المعنيين وأرجحهما، وأخذ في صفة السنة التي أدنى الرتبتين بأدنى المعنيين وأضعفهما.... ولا انفصال لهم عن الوضوء بما ذكروه من خصوصه وعموم الغسل لأنه وإن كان خاصاً فهو عام في جميع الوجه وهذا من أجزاء الوجه ويدخل/ على العموم الذي اعتمدوا عليه، فصل غسل الميت والذي اعتذروا به ضعيف، لأنه ينافي أن يجب بقدر الممكن أو يجب في داخل الأنف، لأنه لا مشقة في إيصال الماء إليه، وأما فصل الطهارة من النجاسة وعلم أن الكلام إذا رجع إلى الاعتبار والتعلق بالمثال، وأولى المثالين الوضوء لتحلق به الجنابة لأنهما طهارتان عن حدث.
ولأن كل واحد طهارة حكمية غير معقول المعنى، والطهارة عن النجاسة طهارة حسية، والحكميات بعيد الشبه عن الحسيات، وإنما يعتبر في الحسي نفس الوصول إلى موضع تصل إليه اليد بدليل أصل الفم وداخل
العين فإنه إذا اكتحل بإثمد نجس يجب غسل عينه حتى لو كان بموضع آخر من بدنه نجاسة، فإذا ضم إليه زاد على قدر الدرهم لا تجوز صلاته.
وكذلك المبالغة تسقط في الوضوء والجنابة ويجب غسل أصل الفم وأعلى الحلق إذا أصابته نجاسة، فدل أنهما مختلفان في الاعتبار ووضع الشرع فسقط تمثيل أحدهما بالآخر والله تعالى أعلم.
(مسألة)
يجب الوضوء من الملامسة الحاصلة بين الرجال والنساء
عندنا.
وعندهم لا يجب.
والمعتمد نص الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، واللمس باليد حقيقة بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾، وأراد به اللمس باليد، ويدل عليه قول الشاعر:
لمست بكفي كفه أبتغى الغنى... ولم أدر أن الجود من كفه يعدى فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى... أفدت وأعداني فبددت ما عندي
فنحن على الحقيقة حتى يقوم دليل قاطع على خلافه، وقد أيد هذا ما روى عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر إنهم ذهبوا إلى أن اللمس حدث تمسكاً بحقيقة الآية، وأما هم حملوا الآية على الوطء، قالوا: إن اللمس كناية عن الوطء، ويروون عن ابن عباس أنه قال: إن الله حيي كريم يكنى بالحسن عن القبيح فكني باللمس عن الوطء.
قالوا: وهو مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، و ((تماسوهن)) والمراد منه الوطء، وربما رووا عن علي رضي الله عنه على ما يوافق قول ابن عباس فلأنه قرئ: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وذلك هو الجماع حقيقة، لأن الملامسة مفاعلة يكون بين اثنين، فلا يتناول اللمس الذي يقوم به واحد.
قال أبو زيد: لابد أن يحمل اللمس على الوطء لتكون الآية
مشتملة على ذكر الطهارتين أعني الغسل والوضوء في حالتي وجود الماء وعدمه، ولا يكون ذلك إلا إذا حمل اللمس على الوطء، وإما قلنا ذلك لأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾.
معناه: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين ﴿فاغْسِلُوا﴾ إلى آخر الوضوء، ثم قال: ﴿{وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا....﴾ فصارت الجنابة على الإطلاق مذكورة كما صار الحدث مذكوراً على الإطلاق، وذلك في حال وجود الماء ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَي أَوْ عَلَي سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ..﴾.
معناه: وجاء أحد منكم من الغائط وكنى به عن الحدث، لأنه سبب له.
﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وفي القراءة الأخرى: ﴿أو لمستم﴾، فكنى بذلك عن الجنابة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فصار الحدثان مذكورين في حالتي وجود الماء وعدمه.
ودلت الآية على جواز التيمم للجنب، كما يجوز للمحدث على ما هو المذهب.
وأما قولكم: إذا حملتم اللمس على اللمس باليد لم يكن الطهارة من الجنابة مذكورة في الآية حال عدم الماء، بل اقتضى أن لا يجوز التيمم
للجنب على ما قاله عمر وابن مسعود، لأنهما لم يجوزا التيمم للجنب حين حملوا اللمس على اللمس باليد.
وأما علي وابن عباس فإنهما جوزا التيمم للجنب، وحملا اللمس على الوطء.
فدل أن كل من جوز التيمم للجنب جوز أن يحمل اللمس على الوطء.
قالوا: وقد دلت السنة على ما بينا فإن الأعمش روى عن حبيب بن إبراهيم عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام
((قبَّل بعض نسائه وصلى ولم يتوضأ))، وكذلك روى إبراهيم التيمي عن عائشة.
روى الأول أبو عيسى في جامعه، والثاني أبو داود/ في سننه.
قالوا: والقياس الجلي معنا، لأن الأصل في وجوب الطهارة أن نسند وجوبها إلى نجاسة خارجة من البدن، أو سبب النجاسة في الغالب ليقام السبب مقام المسبب، ولا نجاسة يظهر باللمس ولا هو سبب في الغالب لانفصال النجاسة.
فإن اللمس يخلو في الغالب عن انفصال شيء منه حتى لو تفاحشت المباشرة نقضت الوضوء، لأنها في الغالب لا يخلو عن خروج المذي منه، وكذلك التقاء الختانين لا يخلو في الغالب عن انفصال المني منه، وكذلك النوم في الحدث الخارج عنه.
قالوا: ولأن المسبب إنما يقام المسبب إذا كان في اعتبار نفس الشيء حرج ظاهر مثل المشقة في السفر، واعتدال العقل عند بلوغه سن البلوغ، واعتبار وجود الماء حقيقة عند ملك اليمين، فأما إذا لم يكن في اعتبار نفس الشيء حرج، فإنه يعتبر نفسه ولا يقام السبب مقامه ومسألتنا من ذلك.
الجواب:
إن التمسك بحقيقة الكتاب واجب حتى يقوم دليل قاطع على الصرف عنه فنحن عليه إلى أن يوجد دليل قطعي على صرفنا عنه، ولم يوجد.
وقد أجمعوا على أن العدول عن حقيقة الكتاب لا يجوز بقول الواحد والاثنين من الصحابة، وكذلك بالقياس.
وأما قراءة الملامسة فهو لمعنى قوله: ﴿أو لمستم﴾ يقال: لامس، ولمس بمعنى واحد، وقد تأتي المفاعلة في الفعل من الواحد، كما يقال: سافر وسارع وطارق النعل.
وأما قوله: ((إن الحمل على الوطء يفيد جواز التيمم للجنب)).
قلنا: ومن أين قلتم إنه ينبغي أن يكون هذا الحكم مستفاداً من الكتاب بل نقول: هو مستفاد بالسنة وهو خبر عمار بن ياسر على ما عرف في المذهب.
وعلى أن في الآية تقديماً وتأخيراً إذا قدرناه اقتضت جواز التيمم للجنب أيضاً، مع تقرير اللمس على حقيقته، ويفيد أيضاً ذكر أسباب الحدث جملة بالنص ودلالته.
ووجه ذلك وهو أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾، معناه: إذا قمتم من النوم، وقد أفاد النوم وما في معناه من الجنون والإغماء وغير ذلك، ثم قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾ مقدم في المعنى وإن كان مؤخراً في التلاوة، وتقديره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ يعني من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط، وقد يتناول ذلك الغائط وما في معناه من البول والمذي والريح وغيره ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ويتناول ذلك اللمس باليد وما في معناه ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾... إلى آخر المذكور ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾
فأفادت الآية ذكر الطهارتين عند وجود الماء مع ذكر أسباب الحدث والتنبيه عليها، ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، ينصرف هذا إلى الطهارتين جميعاً، وأفاد جواز التيمم عن الحدثين جميعاً وهذا أولى مما قاله لوجوه منها: إنا نقرأ اللمس على حقيقته.
ومنها: إنا نستفيد على هذا الوجه ذكر أسباب الحدث.
ومنها: أنه منقول عن زيد بن أسلم من التابعين، وابنه عبد الرحمن ابن زيد وما قالوه ليس بمنقول عن أحد من السلف وهو اختراع لتسوية القرآن على المذهب.
ويمكن أن يقال أيضاً: إنا نحمل قراءة اللمس على اللمس باليد، وقراءة الملامسة على الوطء لتكون الآية أكثر فائدة، ويحصل ما قالوه من التقرير على قراءة الملامسة وما قلناه على قراءة اللمس وهو جواب حسن إلا أن الأول أحسن.
وأما الحديث الذي رووه فقد قال محمد بن إسماعيل البخاري: إنه لا يصح لحبيب بن أبي ثابت سماع عن عروة، ولا لإبراهيم التيمي سماع عن عائشة.
وقد قال يحيى بن سعيد القطان: بلغوا عني أن هذا الحديث شبه لا شيء.
وقد أوله الأصحاب قالوا: يحتمل أنه كانت القبلة من وراء حجاب.
وأما دعواهم القياس الجلي في الباب:
فمعتمدنا نص الكتاب ولا ثبات للقياس معه جلياً كان أو خفياً وعلى أنا وجدنا هاهنا معنى مؤثراً، وذلك أن اللمس يجل الشهوة طبعاً وشرعاً سبب لخروج المذي، والطهارة عبادة مبنية على الاحتياط فأقيم سبب الخارج مقام الخارج في وجوبها، كما أقيم النوم مقام الحدث، لأنه ميسر لخروجه، وكذلك أقيم التقاء الختانين مقام خروج المني، لأنه جالب لخروجه، وكذلك اللمس/ جالب لخروج المذي.
ويقال: إن القبلة برق الجماع ويريده فتقوم مقام الخارج في نقض الطهارة.
وأما قولهم: ((إنما يقام إذا كان السبب يؤدي إليه في الغالب)).
قلنا: الغالب لا يعتبر فيما يبني على الاحتياط بل يعتبر أصل السبب فإن قليل النوم مضطجعاً ينقض الوضوء، وليس بسبب لخروج الحدث في الغالب وكذلك مجرد التقاء الختانين من غير معالجة من التحريك والإيلاج ليس بسبب لخروج المني في الغالب، ومع ذلك يقام مقام خروج المني.
وقولهم: ((إنه ليس في اعتبار نفس العلة حرج)).
قلنا: والحرج أيضاً غير معتبر بدليل التقاء الختانين، فإنه لا حرج في اعتبار نفس خروج المني فإنه يحس بخروجه، ومع ذلك قد نقل إلى سببه بل خرج المذي عند الملامسة أخفى من خروج المني عند التقاء الختانين فثبت أن المعتبر نفس وجود السبب.
قال أبو زيد: هذا غلو من الشافعي.
قلنا: ومنكم تقصير، والله الموفق والمستعان على إدراك الصواب ومنه العصمة من الزلل بمنه وفضله.
(مسألة)
مس الذكر بباطن الكف ينقض الوضوء
عندنا.
وعندهم: لا ينقض.
لنا: حديث يحيي بن سعيد القطان عن هشام بن عروة عن أبيه عن
بسرة بنت صفوان أن النبي عليه السلام قال: ((من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ)).
وفي الباب عن أم حبيبة، وأبي أيوب، وأبي هريرة وأورى بنت أنيس، وعائشة، وجابر، وزيد بن خالد، وعبد الله
ابن عمر، ذكره أبو عيسى على هذا الوجه في جامعه ثم قال: هو حديث حسن صحيح، وحكى عن أبي زرعة أنه قال: حديث أم حبيبة في الباب صحيح وهو حديث العلاء بن الحارث عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة.
وروى الدارقطني من طريق أبي هريرة: ((من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ وضوءه للصلاة)).
وفي رواية عائشة: ((ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤن)).
وفي رواية: ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فلا يصلي حتى يتوضأ)).
وهذا اللفظ يقتضي أن يكون المس بباطن الكف، وليس لهم كلام يبالي به على هذا الخبر.
والذين يقولون إن هذا خبر واحد ورد فيما يعم به البلوي فلا يقبل حتى يشتهر في السلف العمل به، وليس هذا بشيء، لأن الخبر إذا ثبت فإنه يجب العمل به سواء كان فيما يعم به البلوى أو لا يعم به البلوى وسواء اشتهر في السلف العمل به أو لم يشتهر، وهذا لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أدى هذا الشرع إلى الواحد.
فالواحد من أصحابه فيؤديه إلى الناس فكل حكم أمكن التوصل إلى معرفته من جهة الراوي فقد وقع تمام بيانه من النبي عليه السلام، والحكم وإن كان مما يعم به البلوى، وقد رواه الواحد من أصحابه - صلى الله عليه وسلم -، فالتوصل إلى معرفة ذلك من جهة ذلك الواحد ممكن فتم البيان من النبي عليه السلام ولم يوصف بتقصير فاستوى في ذلك ما يعم به البلوى وما لا يعم.
لأنه وإن كانت البلوى تعم به ويحتاج إليه كافة الناس، ولكن إذا أمكن الوصول إلى معرفته حصلت الكفاية، والإبلاغ التام من غير تفريط، وأم ضم اشتهار عمل السلف به إليه فهو شيء ضمه أبو زيد إلى هذا الأصل وليس تحته معنى، لأن العمل بخبر الواحد واجب على كل من وصل إليه الخبر فلم يعتبر عمل السلف به، وكذلك به، وكذلك قال: يعتبر أن يكون
الراوي فقيهاً.
وهذا أيضاً ليس بشيء، لأن الراوي إذا كان ثقة ونقل على ما سمع فسواء كان فقيهاً أو لم يكن فقيهاً فقد صحت الرواية والنقل وافترض العمل به.
يبينه أن لا يعتبر في الشهادة أن يكون الشاهد فقهياً مع مبالغة الشرع في شأنها وزيادة الاحتياط في بابها، فكيف يعتبر في الرواية أن يكون الراوي فقيها.
وقد حمل بعضهم الوضوء على غسل اليد، لأنهم كانوا يستنجون بالأحجار ويعرقون فتبتل موضع الاستنجاء، وذلك البلل نجس فإذا مسه بيده فتصيب يده موضع الاستنجاء فتنجس فأمر بالغسل لهذا المعنى.
وهذا المعنى أيضاً باطل، لأن الوضوء المعهود، والمعروف في الشرع هو وضوء الصلاة، فلا يحمل الوارد في الشرع على غيره إلا بدليل.
لأنا روينا في بعض الروايات: ((حتى يتوضأ وضوءه للصلاة))، وهذا يسقط التأويل، ولأن عندهم لا يجب الغسل بمس الذكر، والذي ذكروه من العلة فلا يصح، لأن إيجاب غسل اليد بالشك والتوهم لا يجوز إلا بخبر يقتضي الإيجاب.
وأما حجتهم:
تعلقوا بحديث قيس/ بن طلق عن أبيه قال: قدمنا على النبي
عليه السلام فجاء رجل كأنه بودي فقال: يا رسول الله، ما ترى ف مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ قال: ((وهل هو إلا مضغة منه- أو بضعة منه)) ذكره أبو داود في سننه على هذا الوجه.
قالوا: وهذا الخبر أولى، لأنه ذكر الحكم بعلته، وما رويتم حكم بلا علة.
قالوا: والقياس معنا، لأنه عضو منه كسائر أعضائه، ولأن مسه لفخذه لا ينقض الوضوء، وهو عورة فبغير العورة أولى، ولأنه لو مس الفرج بالفرج لم ينتقض وهو أفحش فباليد أحرى أن لا ينتقض.
وكذلك لو مس ذكر غيره لم ينتقض عندكم وهو الممسوس وهو أولى من نقض وضوء الماس لأن اللذة وهيجان الشهوة إنما يحصل للممسوس ذكره لا للماس
الجواب:
إن أئمة الحديث قد قالوا: إن أصح شيء في الباب حديث بسرة بنت
صفوان، قالوا: ذكره الساجي، والبخاري، وابن خزيمة وحكى ذلك عن أبي حاتم، وأبي زرعة، والأخذ بالأصح أولى، والأولى أن يقال إن خبرنا متأخر وخبرهم متقدم، لأن طلق بن علي قدم على النبي عليه السلام وهو إذ ذاك يبني مسجد المدينة في أول زمن الهجرة.
وأما خبرنا فقد رواه أبو هريرة وهو متأخر الإسلام وأسلم سنة سبع من الهجرة.
وإنما يؤخذ بآخر الأمرين من النبي عليه السلام، وأول الأصحاب خبر طلق فقالوا: أراد به المس ودونه حائل.
واستدلوا على ذلك برواية الثوري، وشعبة، وابن عيينة
أنه سأل عن مسه في الصلاة، والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه وهذا التأويل ضعيف بالتعليل الذي أشار غليه النبي عليه السلام، فالأولى ما سبق.
وأما القياس الذي قالوه فلا يقبل مع النص الوارد في الباب، وعلى أنا نقول إن مس الفرج بآلة المس سبب لخروج المذي فينقض الوضوء احتياطاً كما ينتقض الوضوء بالتقاء الختانين، وقد ذكرنا سؤالهم هذا، والجواب عنه في المسألة المتقدمة.
وأما إذا مس بالفخذ فلم يقع المس بآلة المس، وكذلك في مس الذكر بالذكر، والمعتمد السنة.
(مسألة)
لا يجب الوضوء بالخارج من غير السبيلين
عندنا.
وعندهم: يجب.
لنا:
ما روى حميد الطويل عن أنس ((أن النبي عليه السلام احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه)) وهذا نص.
وأما المعنى نقول: إن الطهارة من الحدث محض تعبد، وقد علق بسبب فلا يجب تغير السبب كسائر العبادات لما علقت بأسبابها لا تجب بغير تلك الأسباب.
وإنما قلنا: محض تعبد، لأن الحدث الخارج من السبيلين يوجب الوضوء في الأعضاء الأربعة، والسبب إذا كان في موضع والواجب في موضع آخر لم يكن السبب سبباً معنوياً مؤثراً في إيجابها كزوال الشمس سبب لصلاة الظهر، وشهود الشهر سبب لوجوب الصوم، وليس هذا بسبب معنوي في إيجابه فكان الواجب محض تعبد، كذلك هاهنا لما لم يعرف معنى وجوب الوضوء في الأربعة مع وجود الحدث في غيرها لم يبق الوجوب إلا حكماً شرعياً بوصف التعبد المحض فلم يجب بغير السبب المعهد في الشرع ولم يقبل قياس غيره عليه، وللأصحاب مسائل إلزامية على أصوالهم تعلقوا بها ونذكرها في تخريجها على كلامهم، وعندي: أن الاعتماد على ما ذكرناه.
أما حجتهم:
قالوا: روت عائشة أن النبي عليه السلام قال: ((من قال أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم)).
وروى تميم الداري أن النبي عليه السلام قال: ((الوضوء من كل دم سائل)).
قالوا: وروى زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي عليه السلام قال: ((القلس حدث)).
وروى ميمون بن مهران عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: ((ليس في القطرة والقطرتين وضوء حتى يكون دماً سائلاً)).
وعن سلمان أنه رعف فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أحدث لذلك وضوء)) واحتجوا بالخبر المعروف أن النبي عليه السلام قاء فأفطر قال ثوبان: ((أنا صببت له الوضوء)).
أما تعلقهم بالمعنى قالوا: الخارج نجس ينقض الوضوء، دليله كما إذا كان من السبيل.
قالوا: ووجه التأثير أن الواجب هو وجوب الطهارة، فتغيرها بخروج النجس المعنوي مؤثر، لأن الطهارة/ لا تجب إلا عن نجاسة في الأصل.
لأنها مشروعة لرفعها، والدليل عليه أن الله تعالى شرع الوضوء ثم قال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ولم يقل: ليتعبدكم، ولهذا تعلق في الأصل بالخارج من السبيل لأنه مسلك النجس.
وروى عن بعض الصحابة أنه قال في مس الذكر: ((إن كان منك شيء نجس فاقطعه)) أي هو طاهر، فلا يتعلق بمسه وجوب الطهارة.
وعن بعض الصحابة أيضا في رد خبر الاغتسال عن الميت: ((إن كان صاحبكم نجساً فاغتسلوا منه)).
فثبت أن الأصل هو وجوب الطهارة عن النجاسة قالوا: (وأما معنى العبادة التي تقولون فهو تبع، وكان القياس ألا يجب الغسل حيث
لا نجاسة إلا أنها وجبت شرعاً تعظيماً لأمر القيام إلى الله تعالى في الصلاة، وكان يجب أن يغتسل لكل حدث كما في المني.
لأن الشرط أن يقدم بنفسه طاهراً إلى الله تعالى وقد لزمه حكم النجاسة بخروج النجس إلا أن الله تعالى قصر على الظواهر بالخارج المعتاد تيسيراً علينا، لأنه مما يكثر فبقيت إضافة أصل الوجوب إلى أصل النجاسة على أصل القياس، والزيادة احتياط لأمر العبادة تعظيماً لأمر هذا القيام) وربما يقولون إن الأصل وجوب الطهارة في محل النجاسة إلا أن الشرع أقام توضئة الأعضاء الأربعة وتطهيرها مقام الطهارة في ذلك المحل، لأن ذلك المحل يخفي في الغالب والمطلوب تعظيم القيام بين يدي الرب وذلك يكون بفعل الطهارة في الأعضاء الظاهرة.
قالوا: ((وأما القهقهة فعندنا إنما نقضت الوضوء بخلاف القياس نصاً)) وعلى أن الإثم الذي يلحقه بالقهقهة بين يدي الله تعالى في أخص حالة وهو حالة الصلاة جعل في معنى النجاسة حكماً إلا أن قيام الإثم مقام النجاسة ما عرف إلا شرعاً فلم يقم إلا في عين ما ورد به النص.
فثبت أنه لابد من صفة النجاسة، ولابد من صفة الخروج أيضاً، لأنه لا يخلو عن نجاسات باطنة لو كانت حدثاً لم يطهر بحال، وأنه لا يمكنه تطهير الباطن عن النجاسات فلا يرد التكليف به، وإذا كان لابد من خروج فالخروج هو الانتقال من محل باطن إلى محل ظاهر فالخروج في غير
السبيلين بالسيلان عن رأس الجرح.
لأن تحت كل جلد رطوبة سيالة، وفي كل عرق دم يظهر ذلك لنا وهو في محله بزوال البشرة عن جلده فلم يمكن مجرد الظهور عن باطنه خروجاً فإذا زال عن رأس الجرح فقد انتقل عن محله الذي كان باطناً فيه وصار خارجاً).
فأما قبل السيلان فهو في محله على ما كان، وأما في السبيلين فإن الخارج قد انتقل عن معدنه، لأنه لا يظهر على المخرج إلا بالانتقال عن مضوعه، وحد الخروج هو الانتقال وقد حصل فتعلق الحكم الشرعي بالخروج وعدمه إلا أن الخروج من السبيلين يكون بنفس الظهور، وفي غير السبيلين يكون بالسيلان عن رأس الجرح.
قالوا: وأما الدودة والحصان والولد الجاف إنما نقض الطهارة، لأن هذه الأشياء لا تخلو عن قليل بلة نجسة، وقد بينا أن خروج القليل من السبيل ينقض الوضوء.
قالوا: وأما إذا قاء ما دون ملء الفم إنما لا ينقض الطهارة، لأن الفم فيما بينه وبين الباطن باطن على ما ذكرنا من قبل، وفيما بينه وبين الظاهر ظاهر وملء الفم ما لا يمكنه ضبطه، وما دون ملء الفم ما يمكنه ضبطه.
وللفم حكمان: فإذا لم يقو القيء على الخروج عن الفم بأن كان دون ملء الفم وأمكنه ضبطه لم يثبت له حكم الخروج، كما لم يثبت لبزاق يبتلعه حكم دخول من خارج، وأما إذا كان ملء الفم ولم يمكنه ضبطه ثبت له حكم الخروج، فتبين أنا إنما أدرنا الحكم على الخروج وعدم الخروج.
وأما الريح إنما انتفض الوضوء بخروجها لأنها انفصلت عن موضع النجاسة فلا يخلو من وجود أجزاء النجاسة فيها وإن كانت يسيرة.
وقال أبو زيد: وعلى أنا عللنا النص الوارد في وجوب الوضوء بالخارج من السبيلين بعلة مؤثرة وهو بخروج النجاسة إلا أن الحكم في موضع النص يتعلق بعينه لا بالعة وفي غيره يتعلق بالعلة فلم يعتبر في النص ظهور حكم النجاسة وهو وجوب الغسل في موضع النجاسة، واعتبرناه في الفرع فلم نوجب الوضوء ما لم يجب غسل النجاسة عن موضع الخروج، وقد ذكروا مثل هذا في مسألة إزالة النجاسة.
الجواب:
أما تعلقهم بالأخبار.
قلنا: الخبر الأول رواه ابن جريج عن أبيه مرسلاً.
فإن قالوا: / أسنده ابن أبي مليكة عن عائشة.
قلنا: تفرد بإسناده إسماعيل بن عياش وهو ضعيف.
وأما الخبر الثاني راه عمر بن عبد العزيز عن تميم الداري ولم يلقه، ورواه عن عمر يزيد بن خالد عن يزيد بن محمد وهما مجهولان.
وأما الخبر الثالث: رواه عمرو القرشي الواطسي، قال أحمد ويحيي: هو كذاب.
وأما خبر زيد بن علي، رواه سوار بن مصعب، وهو متروك.
وأما خبر ميمون بن مهران عن أبي هريرة رواه سفيان بن زياد عن حجاج بن نصير، وهما ضعيفان، وعلى أنا نحمل الجميع على الاستحباب.
أما قولهم: ((خارج نجس)).
قلنا: ((إن الواجب هو الطهارة والطهارة تجب عن النجاسة)).
قلنا: نعم هذا مسلم في الطهارة الحسية، وأما الطهارة الشرعية فلا يعرف لها إلا وصف الوجوب فحسب.
ومعنى قولنا: ((طهارة شرعية)) أنها محض تعبد لا يعقل لها معنى والدليل على إنها محض تعبد ما بينا في أول المسألة.
فإن قالوا: فلم سمي طهارة ولم يسم عبادة؟
قلنا: تسميته طهارة لا ينافي التعبد، فيجوز أن يكون طهارة بمحض تعبد، ويجوز أن يقال: سمي طهارة لأنها يقام بطهور.
يبين ما قلنا أن هذه الطهارة يجوز أن تجب بلا خروج نجاسة أصلاً بدليل الريح والحصاة.
وقولهم: ((إن في خلال الريح أجزاء النجاسة)).
قلنا: هذا خلاف المحسوس ولا تعرف أجزاء نجاسة لا ترى ولا تحس.
وأما فصل الحصاة فلازم، وقولهم: (إنه يكون على الحصاة بلة نجاسة)).
قلنا: تصور فيما إذا كانت الحصاة أنقى من الراحة، وعلى أنه إن ثبت لهم أن الطهارة تنتقض بخروج النجاسة فإيجاب الطهارة في غير موضع النجاسة لا يعقل ولا يعرف.
وقولهم: ((إنه أقيم طهارة الأعضاء الأربعة مقام تطهير موضع النجاسة لرفع الحرج)).
قلنا: وأي حرج في إيجاب الطهارة في موضع النجاسة؟
أليس أنه أمر باستعمال الحجر في موضع النجاسة فهلا أوجبتهم ذلك واقتصرتم عليه إن كنتم تعقلون معنى الطهارة؟
وأما قولهم: ((إن في الأصل وإن أوجبنا لا في موضع النجاسة ففي الفرع أوجبنا في موضع النجاسة وفي غير موضع النجاسة)).
قلنا: ولو كان الواجب طهارة عن نجاسة لم يجب إلا في موضع النجاسة وعلى أن أجبنا عن هذا الأصل الذي يدعونه في مسألة منع إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات.
فإن قالوا: سلمنا لكم هذا الأصل، وهو أن الطهارة عن الحدث طهارة شرعية غير معقول المعنى، لكن لا شك أنها وجبت بخروج النجس وهذا القدر معقول، وإن لم يكن الوجوب معلولاً به فوجب أن يلحق به أمثاله ونظائره وذلك في كل موضع وجد خروج النجاسة من الباطن إلى الظاهر.
قلنا: لابد أن يكون الإلحاق بمعنى فإذا لم يكن معقول المعنى بطل الإلحاق.
وقولهم: ((إن خروج النجس معقول)).
قلنا: بلى ولكن غير معلول به، ولأنا بينا وجوب الطهارة بلا خروج النجاسة أصلاً، ثم نقول: إن خروج النجاسة من سائر المواضع لا يشبه خروج النجاسة من السبيلين، لأن السبيل المعتاد لخروج النجس موضع النجاسة ومسلكها.
وأما الفم والأنف وسائر المسالك ليس بموضع النجاسة ومسلكها فتغلظ هناك الخارج بالمخرج ومثل هذا لا يوجد في مسألتنا وهو أن يتغلظ شيء بانضمام شيء آخر إليه فيمتنع إلحاق غيره به.
ألا ترى أن الزنا جناية يتغلظ بالإحصان ثم امتنع إلحاق زنا غير المحصن به، لأنه لم ينضم إليه ما يوجب تغليظه كذلك هاهنا، وهذا كلام حسن غير أن الأول كاف، وهو حقيقة المسألة والله أعلم بالصواب.
(مسألة)
المني طاهر
عندنا.
وعندهم نجس.
لنا:
ما رواه شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال: سئل النبي عليه السلام عن المني يصيب الثوب قا ل: ((إنما هو بمنزلة البزاق والمخاط وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بأذخرة)).
وعن ابن عباس نفسه كذلك.
قالوا: أليس يورى عن النبي عليه السلام أنه قال لعائشة: ((إذا رأيت المني رطبة فاغسليه، وإذا وجدته يابساً فافركيه)).
وأيضاً فإن النبي عليه السلام مر على عمار وهو يغسل ثوبه من النخامة فقال: ((إنما يغسل الثوب عن خمس: البول والغائط والقيء والدم والمني)).
الجواب:
أما الخبر الأول/ فلا يعرف على ما رووا، وإنما المعروف عن عائشة أنها قالت: ((كنت أفرك المني عن ثوب رسول الله إذا كان يابساً وأغسله إذا كان رطباً)) وهذا نقول به على الاستحباب.
وأما الخبر الثاني: لم يروه غير ثابت بن حماد، قال الدر قطني: هو ضعيف جداً.