(مسألة)
تبييت النية واجبة في صوم الفرض
عندنا.
وعندهم: ليس بواجب إذا كان الفرض في وقت بعينه، وإن كان لا في وقت بعينه وجب.
لنا:
حديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن حفصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له)) ذكره أبو داود في سننه.
(والإجماع: إحكام النية والعزيمة، يقال: أجمعت الرأي وأزمعته بمعنى واحد).
فإن قالوا: (إن هذا الخبر ليس بمسند، لأن سفيان، ومعمراً وقفاه على حفصة).
قلنا: (قد أسنده عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وهو ثقة، وروايات الثقات مقبولة).
ووجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى الصوم إذا لم ينوه من الليل، فيقتضى نفيه من كل وجه، وذلك نحمله على نفي الجواز.
فإن قالوا: يوجد الصوم مع فقد النية من الليل محسوساً، فكيف ينتفي؟
قلنا: الصوم الفرض مشروعاً لا يوجد قط مع فقد النية من الليل، ومطلق الصوم في الشرع يحلم على الصوم الشرعي، لا على الصوم اللغوي، وليس لهم تعلق صحيح من حيث الأخبار، لأن الخبر الذي يروونه بطريق عكرمة عن ابن عباس، لا يعرف.
وقيل: إنه عن عكرمة.
والذي يروونه في صوم عاشوراء فلم يثبت وجوب صوم عاشوراء.
وقد روى معاوية أن النبي عليه السلام قال: ((صوم عاشوراء لم يكتب عليكم، فمن شاء صام، ومن شاء لم يصم)).
وعلى أنه قد نسخ فصارت أحكامه منسوخة أيضاً.
وأما المعنى:
نقول: المفروض عليه صوم كل اليوم، وقد صام بعض اليوم ولا يخرج عن المفروض عليه.
دليله: إذا نوى بعد الزوال، والكلام مستغن عن القياس، لأن من وجب عليه جملة شيء فيفعل بعضه لا يكون فاعلاً لكله.
يبينه: أنه إذا وجب عليه صوم يوم كامل فبعض اليوم لا يتسع لصوم يوم كامل فلم يتصور أداء الواجب عليه في هذا الوقت الذي نواه بالصوم،
وما لا يتصور محسوساً لا مشروعاً إلا بدليل قاطع، ثم إن الدليل على أنه لم يصم كل اليوم أن النية شرط لأداء الصوم فإن/ الصوم لا يكون صوماً إلا بالنية، والنية عزيمة على الشيء في المستقبل.
وأما العزم على فعل شيء في الماضي فلا يعقل، وهذا لأن ما مضى يتأسف عليه وما يوجد في المستقبل يعزم عليه.
ولأن الفعل في الزمان الماضي إذا لم يتصور فكذلك العزم على الفعل في الزمان الماضي لا يتصور، وهذا لا يحتاج إلى كثير إطناب، لأنه أمر قطعي ببدهية الرأي وأول النظر، بل لا يحتاج على نظر أصلاً.
فثبت بما قلناه أنه لم يصم كل اليوم فلا يسقط عنه المفروض عليه في كل اليوم، ويمكن القياس على القضاء، وكل واجب من الصوم لا في زمان متعين.
ووجه إلحاق الأداء بالقضاء أيضاً في غاية الوضوح، لأن القضاء مثل الأداء من غير زيادة ولا نقصان، ولم يعهد الأمر بزيادة في القضاء لا تجب في الأداء مثل قضاء الصلاة، والحج، وغيرها.
وهذا القياس بهذا التقدير وإن كان في نهاية الحسن غير أن المعنى الذي قلناه كاف وهو مستغن عن كل شبه وعماد فعليه الاعتماد.
وأما حجتهم:
فاعلم أن معتمدهم النفل فإنه جاز بنية من النهار قبل الزوال بالإجماع.
فمشايخهم قالوا: صوم عين فجاز أداؤه بنية من النهار قبل الزوال.
دليله: النفل.
قالوا: ومعنى قولنا: ((إنه صوم عين)) أن الوقت متعين له شرعاً، وقرروا النفل، وقالوا: النفل والفرض مستويان في أصل النية ولا يختلفان فيها بحال، ألا ترى أنهما يستويان في أصل النية، ولأن النية هي الإخلاص في العمل وجعله لله تعالى فلا يجوز أن يختلف فيها الفرض والنفل، لأن الإخلاص فيهما واجب، ولابد أن يكونا لله تعالى ليصحا.
قالوا: وقولكم: ((إن مبنى النفل على المسامحة والمساهلة بدليل جواز صلاة النفل قاعداً مع القدرة على القيام، وجوازه راكباً مع القدرة على النزول))، لا ننكر هذا الافتراق، لكن مع هذا استويا في النية أصلاً ومحلاً على ما سبق.
وعلى أن ما استشهدتم به دليل عليكم، لأنه لما جازت الصلاة قاعداً مع القدرة على القيام بكل حال إذا كانت نفلاً جازت أيضاً إذا كان فرضاً بحال، وعندكم لا يجوز.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه يصير صائماً في النفل من وقت النية، لأنه لو كان كذلك لم يضره الأكل من قبل كما لا يضره الأكل في السحر لمن يصوم من وقت الفجر.
ولأنه لو نوى أن يصوم نصف النهار لا يجوز، ولو كان كافراً في أول النهار أو المرأة إذا كانت حائضاً لم يجز لهما أن يصوما.
ولو نذر أن يصوم بعض اليوم لا يصح نذره، ولو صام بدل الطعام في جزاء الصيد في الحج، فإنه يصوم عن كل مد يوماً فلو بقي نصف مد
لم يصح صوم نصف اليوم، وهذا لأن الصوم عبادة فلا يعرف أصله ولا مقداره إلا بالشرع والتوقيف ولم يرد الشرع بصوم بعض اليوم بحال، ولو جاز أن يجعل إمساك بعض اليوم صوماً بالرأي جاز أن يجعل السجدة الواحدة والركوع والقومة بانفرادها صلاة بالرأي، وهذا اعتراض معتمد.
فهذا وجه تعلقهم بالنفل، وإيرادهم لإظهار إشكاله.
وأما أبو زيد قال: تعلق بالنفل أيضاً، وادعى نوعاً من المعنى وتحريره ((يوم صوم)) فالإمساك في أوله لا يتعين للفطر بل يوقف على صيرورته صوماً بوجود النية في معظمه، دليله النفل.
وربما يقولون: ركن واحد ممتد فتجعل النية في أكثره كالموجود في كله، قال: ((وإنما فعلناه ذلك لعذر خوف فوت العبادة فإن العبادة إذا فاتت عن وقتها حكم بفواتها على الإطلاق والقضاء يجب بأمر جديد، ولأن الاستدراك بفعل القضاء استدراك فيما يرجع إلى تبعات الآخرة، فأما في درك الثواب وجعل الفوات كلا فوات فلا، بدليل قوله عليه السلام: ((من ترك صوم يوم من رمضان لم يقضه صوم الدهر كله)).
ولأن القضاء إن كان مثل الأول فعلاً فلا يكون مثل الأول وقتاً، وإذا لم يكن القضاء مثل الأول من كل وجه فلم يتحقق الاستدراك والحكم بعدم الفوات.
فثبت أن القول بعدم جواز النية من النهار يؤدي إلى فوات العبادة، فلأجل خوف الفوات جوز بنية من النهار وحكم بوقوف الإمساك ليصير صوماً بنية توجد في أكثر النهار فيصير كالموجود في كل النهار حكماً مثل النفل سواء.
فأما إذا لم يجز بنية من النهار يؤدي إلى فوات العبادة أصلاً فلخوف فوتها حكم بما ذكرنا كذا ههنا.
قالوا: وأما إذا نوى بعد الزوال فلا يمكن كما في النفل، لأنه لم يغلب وجود النية بل غلب عدمها، وههنا غلب وجودها وإقامة عذر في عذر........ عند غلبة وجود النية لا يدل على إقامة ذلك العذر عند غلبة العدم.
وربما تعلقوا بالمسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع يصير مدركاً للركعة لغلبة الإدراك.
وأحسن استشهاده لهم في التعلق بالعذر الذي قالوه، هو أنه إذا نذر أن يصوم شهراً بعينه متتابعاً فأفطر في ومن منه لا يؤمر بالاستئناف بخلاف ما إذا أطلق الشهر، لأنا إذا أمرناه/ بالاستئناف في شهر بعينه أدى إلى
فوات العبادة عن وقتها الذي سمى له بخلاف المسألة الثانية فهذا نهاية ما يمكن من إبراز المعنى.
وقد تعلق أبو زيد أيضاً بالحرج وقال: ((إذا لم يجوز بنية من النهار أدى إلى حرج عظيم يلحق الناس، لأنه يجوز أن ينسئ الصوم حتى يصبح والنسيان عذر عام في الناس وقد يكون يوم شك لم يظهر أنه من رمضان بعد ارتفاع النهار، وكذلك ربما يحتلم الصبي في بعض الليل ولا يعلم إلا بعد أن يصبح، أو تطهر الحائض ولا تعلم إلا بعد أن تصبح فجوز الشرع التأخير في النية لدفع الحرج، كما جوز تقديم النية لدفع الحرج، وحصول الحرج في المنع من تقديم النية شيء معلوم لا يخفى، فإنه يتعذر على أكثر الناس فعل النية عند الشروع، لأنه وقت نوم وغفلة، ولأنه لا يعلم وقت طلوع الفجر إلا الخواص من الناس فالحرج ظاهر في هذه الصورة، وفي الصورة الأولى بينا وجوده أيضاً فليتفق الجانبان في الجواز أعني التقديم والتأخير).
قالوا: وأما بعد الزوال فلا حرج، لأن الأعذار التي قلناها ترتفع غالباً قبل الزوال ولا تدوم إلى أن تزول بحال، وأوردوا تقديم النية على فصل العزم الذي قلناه.
وقالوا: كما لا يتصور محسوساً انعطاف العزم على زمان ماض فلا يتصور أيضاً أن يقدم العزم إلى عارض في المستقبل خصوصاً إذا عزم من أول الليل ثم ينام إلى الصبح فأين العزم عند الشروع وهو لا يشعر بشيء ما؟ بل قيل: وجد العزم حكماً وإن لم يتصور محسوساً، كذلك
ههنا إذا أخر، نقول: وجد العزم من أول اليوم حكماً وإن لم يتصور محسوساً.
الجواب:
أما الأصل الذي ادعيناه فهو في نهاية القوة.
والحرف الوجيز: أن الصوم لا يكون إلا بالنية، والنية لا تتصور إلا في المستقبل فصار صائماً بعض اليوم وصوم كل اليوم لا يتأدى ببعضه.
وأما النفل فعندنا يصير صائماً من وقت النية، لأن إثبات الصوم قبل وجود النية لا مطمع فيه.
وقد ورد النص الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام كان يدخل عليها ويقول: ((هل عندكم من طعام؟ فإذا قالت: لا، قال: فإني إذاً لصائم)).
فلا يمكن إبطال الصوم لوجود النية بالنهار بهذا النص، ولا يمكن إثباته من أول النهار لما بينا من الحقيقة فجعلناه صائماً من حين ما نوى ضرورة.
وقد أيد هذا النص كون الصائم متبرعاً، والمتبرع يتبرع بقدر ما يختاره
فإن شاء صام كل اليوم وإن شاء صام بعض اليوم، كما أنه بالخيار إن شاء تصدق بحبة وإن شاء بمائة دينار، والاعتماد على الخبر.
وأما الذي قالوا: ((إنا عرفنا أصل الصوم وقدره بالشرع، ولم يرد الشرع بالصوم فيما دون ما ذكرنا)).
وأما الأحكام فنحن نجوز صوم بعض اليوم بشرط أن لا يكون أكل من أول النهار، لأن النص كذلك ورد فجعلنا ترك الأكل في أول النهار شرطاً لئلا يقع العدول عن مورد النص، ولأنه إذا أكل فيكون الصوم على وفاق العادة وإذا لم يأكل يكون على خلاف العادة والعبادة ما يكون على خلاف العادة.
وأما الحائض إذا طهرت، والكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ في غير رمضان فنوى صوم باقي اليوم يجوز، وأما إذا نوى أن يصوم إلى نصف النهار فقد منع بعضهم، وليس بشيء، والصحيح التسليم وهو مشكل جداً.
ووجه الصواب من هذا الفصل أن نقول:
إنما جوزنا صوم بعض النهار بالنص، والنص ورد بصورة واحدة وهو أن يكون ممسكاً في أول النهار ثم يصوم البقية ويصير إمساكه في أول النهار شرطاً لصومه في آخر النهار، وهذا يمكن إثباته على وفق أصول الشرع، لأن شرط العبادة، قد يسبق العبادة.
فأما إذا نوى الصوم إلى نصف النهار ثم يفطر فهو على خلاف صورة النص.
ولأنه لو أكل في باقي النهار فيكون إمساكاً على وفاق العادة، وقد بينا أن مثله لا يكون عبادة، وإن لم يكن وجعلناه شرطاً لصومه في أول النهار فيكون هذا شرطاً متراخياً عن العبادة ولا يوجد لهذا نظري في أصول الشرع فلا يمكن إثباته.
وأما مسألة جزء الصيد فنحن إنما ادعينا ما ادعيناه في النفل لا في
الواجبات، والواجب لا يكون في معنى النفل بحال، فهذا الذي قلناه وجه الجواب عن النفل، وقد خبط الأصحاب فيه خبطاً عظيماً.
وعندي أنه قد انزاح الإشكال عنه بالطريق الذي قلته فليعتمد عليه.
وإذا عرفت هذا الجواب على هذا الوجه، سهل الكلام على باقي ما أوردوه، ونشير إلى وجه الجواب عن بقية كلام على التخليص فنقول:
أما العذر الذي اعتقدوا وجوده لجواز النية من النهار فهو خوف فوات العبادة قلنا: لا فوت بحال، لأن القضاء قد وجب، والقضاء وجب شرعاً لئلا يقع الفوات فإذا وجب القضاء منع الفوات فكيف يجوز/ اعتقاد الفوات مع وجوه؟ وهذا لأنا نقطع أن من فاته صوم في رمضان بعذر فقضى يصير متلافياً ما فاته من كل وجه، والخبر الذي أوردوه إنما هو فيما إذا ترك صوماً متعمداً.
ثم نقول: النية شرط، والفوات الذي تحقق فهو فضيلة وقت، وفوات فضيلة الوقت لا يكون عذراً في ترك شرط الصوم، لأن الشرط واجب، والفضيلة زيادة على واجب.
وأما قولهم: ((إن الإمساك ينبغي أن يكون موقوفاً)).
قلنا: إيقاف الإمساك في زمان ماض لابد فيه من دليل قاطع، وليس لهم على ذلك دليل سوى النفل، وقد أجبنا عنه.
وكذلك الجواب عن قولهم: ((إنا نقيم وجود النية في الأكثر مقام النية في الكل)).
فهذا لابد فيه من دليل قاطع، وليس لهم على ذلك دليل سوى النفل، وقد أجبنا عنه، وهذا لأن صوم كل اليوم واجب فتكون النية في كل
يوم واجبة، فإذا لم يقم صوم الأكثر مقام الكل فلا تقوم نية الأكثر مقام الكل.
وأما مسألة المسبوق، فليس إثبات إدراك الركعة بإقامة أكثر الركعة مقام الكل، لأن ما أدركه ليس هو الأكثر على أصلهم، لأنه لم يدرك إلا الركوع والسجود، وقد فاته الأكثر وهو الافتتاح والقيام والقراءة.
فإن قالوا: قد وجد منه القيام، والافتتاح ليس من الصلاة فأي شيء فاته؟ ولأنه لو كان بإقامة الأكثر قيام الكل لوجب أن يجوز في حال الانفراد أيضاً، فدل أنه إنما جعلناه مدركاً بالنص من غير أن يعقل له معنى.
وأما مسألة نذر صوم شهر بعينه متتابعاً، ومخالفتها في المسألة الثانية، فليس لما ذكروه، بل لأجل أن ذكر التتابع في صوم شهر بعينه لغواً.
وأما تعلقهم بفصل الحرج، فليس بشيء.
ويقال لهم: أولاً تعبير الشرائع بنوع حرج يلحق المتعبد لا معنى له، لأن الشرائع ثبتت على إيقاع الناس في الحرج والتعب، وهل التكاليف من أولها إلى آخرها إلى محض التعب والنصب؟ نعم، إذا وقعت ضرورة يجوز أن يشرع لها مخرج ومخلص دفعاً للضرورة، فأما اعتقاد المعتقد أنه لا حرج على العباد وأنهم متى حرجوا اتسع الأمر، فهذا مما لا يسوغ اعتقاد ويعود هو إلى أصل وضع الشرع بالهدم.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فمعناه
أنه ما أدخل عباده في شيء إلا وقد جعل لهم مخلصاً، وهو معنى قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وجواب آخر نقول:
إن الحرج الذي قالوه نادر، والشرع العام لا يجوز أن يوضع بحرج نادر، وخرج على هذا تقديم النية، لأنه حرج عام فجاز وضع الشرع العام بالحرج العام، ولئن أمكن تصوير مثل هذه الأعذار النادرة واستخراجها بالمناقيش فيمكن مثل ذلك فيما بعد الزوال، وبالإجماع هو ساقط، ثم نقول تخريجاً لفصل تقديم النية على ما سبق من التحقيق: وهو أن العزيمة على فعل في المستقبل صحيح سواء أكان ذلك الفعل متصلاً بالعزيمة أو متراخياً عنها، فأما إثبات العزيمة على فعل يفعله في الماضي فلا يجوز بحال، وهذا لأن الفعل لا يتصور في الزمان الماضي، والعزيمة لا تتصور أيضاً على الفعل أيضاً في الزمان الماضي.
وقد قال مشايخهم: إن الصوم مستحق عليه مع فوات النية من الليل بدليل أنه لا تجوز نية التفل، وإنما لم يجز لاستحقاق صوم الفرض عليه، وإذا كان صوم الفرض مستحقاً عليه فإذا فعله وجب أن لا يجوز، لأنه لا يتصور أن يكون الشيء مستحقاً عليه، وإذا فعله لم يجز.
ونحن لا نسلم ذلك، وإنما نقول: أصل الاستحقاق قائم ليقضيه في يوم آخر، فأما أن يستحق عليه الصوم في هذا اليوم وقد فاتته النية من الليل فلا نقول بحال.
وأما قولهم: ((إنه لو نوى النفل لا يجوز)).
قلنا: لم يكن عدم الجواز لما قلتم، بل، لأنه نوى النفل لا في وقت النفل، والله تعالى قد عين للنفل لوقتاً، وللفرض وقتاً فلا يجوز واحد منهما إلا في وقته، والله تعالى أعلم.
(مسألة)
نية الفرض واجبة في صوم رمضان
عندنا.
وعندهم: لا تجب، بل إذا أطلق النية أو نوى النفل.
قالوا: يقع على الفرض، قالوا: وكذلك في كل صوم زمان معين.
وقد وافقهم بعض أصحابنا فيما إذا أطلق النية، وليس بمذهب ولا هو صحيح على المعنى.
لنا:
قوله عليه السلام: ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)).
أي له ما نوى بعمله، وهذا الإنسان نوى بعمل النفل فلا يحصل له الفرض.
وأما الكلام من حيث المعنى: أن النية شرط في أداء المفروض بالإجماع، ولأن المفروض عمل يعمله لله تعالى ولا يصير العمل لله تعالى إلا بالنية، فعرفنا أن النية شرط في أداء الفروض، وإذا ثبت هذا فنقول:
إذا لم ينو المفروض عليه لم يحصل المفروض عليه، لأن فقد الشرط يوجب فقد المشروط له الشرط، وهذا كأصل الصوم في غير رمضان فإنه إذا لم ينوه لا يحصل له/ الصوم، لأن النية شرط لحصلوه فإذا لم توجد لم يحصل الصوم، كذلك ههنا.
فإن قالوا: ((نية أصل الصوم شرط لكن نية المفروض عليه من الصوم ليس بشرط وفي هذا اختلفنا)).
قلنا: هو مأمور بأداء ما عليه ولا يصير ما عليه مؤدى إلا بنية ما عليه، لأن النية شرط للأداء بالاتفاق، وبالمعنى الذي قلناه فلابد أن يتصل الشرط بما عليه حتى يحصل أداء ما عليه، ولا يتصل إلا بأن يعين ما عليه بالنية أداء وفعلاً فم يعينه بالنية فقد الشرط ففقد المشروط.
ولأنه لما كان مأموراً بفعل ما عليه، ولا يصير فاعلاً للصوم إلا بالنية فعند عدم النية ما عليه ينعدم فعل ما عليه، وإذا لم يفعل بقي الأمر عليه.
يدل عليه: أن الصوم له أوصاف، والشروع في هذا اليوم موصوف بوصف وهي وصف الفرضية فلا يصير مصيباً هذا الوصف من بين سائر الأوصاف إلا بنيته على التعيين، كقوم في دار مختلفي الأوصاف من عالم وجاهل، وعربي، وأعجمي، وقريب وأجنبي، فنادى أحدهم لا يصير مصيباً له إلا بتعيينه بوصفه، كذلك ههنا.
وكما تقول في المسلم فيه من ثوب أو طعام، فإنه لما كان ذا أوصاف مختلفة لا يصير معيناً لبعضها إلا بتعيينه إياه بالوصف، وهو مثل مسألتنا، لأنه يوجد بوصفه مثل الصوم يوجد بنيته ثم لا يحكم بوجود المسلم فيه ما لم يعنيه بوصفه فلا يحكم بوجود الصوم المفروض عليه ما لم يعينه بنيته فهذه كلمات في نهاية القوة.
وقال جماعة من أصحابنا:
إنه بنية النفل معرض عن الفرض فلا يحصل له الفرض مع الإعراض عنه، كما لو ترك النية أصلاً.
وما ذكرناه أحكم، وأحسن.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وهذا الرجل قد صام فيكون قد صام المشروع، لأنه لم يشرع له إلا الصوم المطلق لقوله: ((فَلْيَصُمْهُ)).
وأما المعنى فقد قال مشايخهم:
إن المستحق عليه صوم واحد في هذا اليوم فعلى أي وجه أتى بالصوم وجب أن يقع عن المستحق.
دليله: إذا كان عنده غصباً أو وديعة فإنه على أي وجه رد يكون عن المستحق عليه، كذ لك ههنا.
وربما يقولون: الصوم عن رمضان هو المستحق فليقع عن المستحق عليه.
يبينه: أن النية للتمييز بين المفعول وغيره على صورته، فأصل النية اعتبر لتتميز العبادة عن العادة، فإن الإمساك قد يكون عادة، وقد يكون عبادة فاحتاج إلى النية لتمييز العبادة عن العادة.
فأما الصوم عن الفرض متميز شرعاً، لأنه لا يوجد في هذ الوقت غير هذا الصوم فاستغنى عن تمييزه عن غيره، لأن تمييز المتميز لغو.
وإنا احتاج إلى أصل النية لما بينا، وليصير عمله لله تعالى على ما قلتم.
وقد صام وما عليه متميز عن غيره فاستغنى عن التعيين والتمييز.
وتعلقوا بالحج وهو فصل مشكل، وقالوا: مطلق النية في العبادة إذا لم يقع عن النفل يقع عن الفرض.
دليله: الحج، وألزموا فصل الحج على جميع المعاني الذي قلناه.
والإشكال أنه قد وقع عن الفرض بدون نية الفرض، دل أن نية الفرض غير واجبة في كل عبادة اختص بزيادة استحقاق وقتاً
قالوا: وقولكم: ((الحج يستوي فرضه ونفله في الأحكام بخلاف الصوم، أو يمضي في فاسده بخلاف الصوم، أو يجوز بإحرام مبهم بخلاف الصوم)).
فليست هذه الكلمات بشيء، ومفارقة الصوم الحج في هذه الأشياء لا يدل على مفارقته في استغنائه عن تعيين النية واحتياج الصوم إلى تعيين النية.
لأن الفرض والنفل إن استويا في الأحكام إلا أنهما غيران، لأن أحدهما فرض، والآخر نفل ولا يجوز أن يتأديا جميعاً بنية واحدة، فإذا استويا ولم يتأديا جميعاً فلابد أن يعين أحدهما ليصير مؤدى فوجب أن يقدم الذي عينه بالنية.
وأما المضي في فاسد الحج، فهو نوع تغليظ ورد في المنع من الخروج منه إلا بالطريق المشروع للخروج منه إلا أنه لا يصير داخلاً فيه إلا بفعله فينبغي أن يصير داخلاً فيما يفعله ويقصده بفعله وهو ما ينويه ويعينه بنيته وقد نوى التطوع.
وعندكم صار داخلاً في الوقت بنوع دليل، فكذلك في الصوم عندنا.
قالوا: وأما عندنا إذا نوى التطوع في الحج لا يصير داخلاً في الفرض لأن الوقت لم يتعين له على الخصوص بخلاف وقت الصوم عندنا، وأما إذا أطلق النية فلم يعين بنيته الفرض ولا النفل، وإنما يحتاج إلى صرفه إلى أحدهما، وقد مال دليل الحال على صرفه إلى الفرض، لأن الحج يحتاج فيه إلى كلفة شديدة ومشقة عظيمة، والإنسان لا يتحمل مثل هذه الكلفة والمشقة للنفل وعليه الفرض، بل يقصد الفرض، ثم إذا اتفق له بعد ذلك التطوع يفعله فلأجل دليل الحال صرفنا نيته إلى الفرض، ودليل الحال دليل مرجوع إليه في كثير من الشرائع، فأما إذا عين نية النفل فقد/ سقط دليل الحال، لأنه قابله صريح نية التطوع ولا نفاد لدليل الحال مع التصريح بغيره.
وأما جواز إعدام الإحرام فليس فيه دليل، والإبهام متصور في الإحرام، لأنه ينقسم إلى حج وعمرة، ولا يتصور في الصوم.
وقد ذكر أبو زيد طريقة أخرى قال:
الوقت متعين لصوم الفرض، فنقول: متعين في هذا الوقت شرعاً فيصيبه باسم جنسه، كما يصيبه باسم بعينه، وهذا كشخص متعين عيناً في موضع معلوم، فإنه يصيبه باسم عينه ويصيبه باسم جنسه فالأول أن تقول: يا زيد أو يا عمرو- إذا كان اسمه ذلك- والثاني أن تقول: يا رجل.
كذلك ههنا اسم الجنس هو الصوم المطلق، اسم العين هو الصوم الفرض، والفرض عين في هذا الوقت فيصيبه بالاسمين.
وحقق هذا وقال: ((الصوم واحد في الأحوال كلها، لكنها تارة تكون فرضاً، وتارة تكون نفلاً، وإذا كان واحداً يكون مؤدياً له أطلق النية أو عينه، كالشخص لما كان واحداً، يكون داعياً له أطلق النداء أو عينه)).
والحرف لهم، أنهم يقولون:
لا مزاحم لهذا الصوم الواجب في هذا اليوم فيتعين وإن لم يعنيه.
وريما يقولون: إذا قبل الوقت أوجهاً من الصيام مثل خارج رمضان إنما لم يتعين الواحد منها لأجل التعارض، ولا تعارض في مسألتنا، لأنه لا يقبل إلا صوماً واحداً.
وخرجوا على هذا وقت الصلاة، لأنه وإن ضاق يقبل الفرض وغيره.
قالوا: وقولكم ((: إنه عليه نية الفرض)).
كلام مبتدأ، لأن الذي عليه هو الصوم وحده إلا أنه لازم عليه أن يفعله وقد فعله، ويستحيل أن يقال: إن الصوم مستحق عليه بوصف زائد على كونه صوماً، لأنا إذا قلنا: مستحق عليه فلا معنى لقول من يقول: ((إنه بوصف زائد))، وهو راجع إلى قولهم: ((إن الصوم واحد)) وقد سبق.
وأما إذا عين النفل بالنية فتلغو نية النفل، وكذلك إذا نوى القضاء أو النذر أو الكفارة، وإنما لغى بعدم قبول الوقت هذه الصيامات، وإذا لغى بقى مطلق النية فكان الأمر على ما قلنا.
ولا يجوز أن يقال: إذا لغت نية النفل تلغو نية أصل الصوم، لأن هذه الأشياء وصف زائد، وبطلان الوصف لا يوجب بطلان الأصل، ولهذا إذا نوى القضاء خارج رمضان ثم يتبين أنه ليس عليه أو نوى الكفارة بعد انفجار الصبح تغلو نية القضاء، ولا تلغو أصل النية حتى يصير صائماً عن النفل.
قالوا: وبهذا يعترض على قولكم: ((إنه إعراض عن نية الفرض)) لأنه لو كان معرضاً عن الفرض لصار معرضاً بنية النفل وقد لغت نية النفل فلغى الإعراض أيضاً مثل الحج على أصلكم، والطواف نفلاً إذا كان عليه فرض.
يدل عليه: أن الإعراض في ضمن نية النفل، فإذا بلطت نية النفل بطل ما في ضمنها.
الجواب:
أما الآية فهي دليل عليكم، لأنه قال: ((فليصمه)) ومعناه: فليصم الشهر، وإنما يكون صائماً الشهر إذا صام صيام الشهر، ألا ترى أنهم
صرفوه إليه وجعلوا صومه عن صيام الشهر ولم يثبتوا له صوماً مطلقاً في الشهر وإن صححوا نيته.
وأما المعنى:
قولهم: ((إن المستحق عليه صوم واحد)).
قلنا: بلى، ولكنه لم يأت بذلك المستحق عليه، ولا يتأدى المستحق عليه إلا بفعله، وشرط فعله نيته وقصده، وإذا لم يأت بالشرط فات المشروط.
وأما رد المغصوب والودائع، فهناك لا تستحق عليه نية، إنما المستحق عليه هو نفس الرد.
أما ههنا فإن النية مستحق عليه، والمراد بالنية: ((نية ما عليه)) فإذا لم يأت بها بقى فعل لا نية.
أما قولهم: ((إن النية للتمييز)).
فهذيان عظيم، ومن تكلم بهذا قلم يعرف النية، وإنما شرطت النية ليصير عمله لله تعالى وهو بنية أداء ما عليه، فإذا نوى أداء ما عليه لله تعالى صار عمله لله تعالى، في التطوع ينوي أن يصلي لله أو يقوم لله، ويدخل على التمييز، الذي قالوه أصل النية، فإن الإمساك متميز شرعاً متعين لوجه العبادة قطعاً، بدليل أنه حرام عليه غيره فوجب أن يقال: إنه على أي وجه أمسكه يكون عن التمييز المتعين، ولكن اعتبر على أصل النية ليصير أصل صومه لله تعالى فتعتبر نية ما عليه ليصير العزم بوصف الفرضية لله تعالى، وهذا حرف معتمد غاية الاعتماد.
وأما فصل الحج فوجه الجواب عنه:
إن وقوعه عن الفرض على النص، وهذا الحديث المعروف الذي روى أن النبي عليه السلام سمع رجلاً يلبي عن شبرمة فقال: ((هل حججت عن نفسك؟ فقال: لا، قال: هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)).
ونحن ادعينا حقيقة عظيمة في المسألة، وهو أنه لا يصير الإنسان فاعلاً لشيء بفعل غيره، وذلك كأن ينوي النفل أو يطلق النية، فكيف يكون هو ونية النفل واحداً؟ هو النفل ليس له وصف سوى أنه صوم، وسمة النفل للتمييز بينه وبين الفرض فليس له وصف زائد على الصومية فتصير النية/ المطلقة ونية النفل واحداً، وإذا فعل النفل وقصده بنيته لا يصير فاعلاً غيره من الفرض فهذه حقيقة تشهد بها المعقولات والمنقولات، وقد صرفنا عن هذه الحقيقة للشرع في الحج فانصرفنا إليه تقديماً للوحي على المعقول والشرع على الرأي.
وأما في الصوم رجعنا إلى أصل ما نعقله.
ودل عليه: سائر الأصول الموصلة والقواعد المقننة، وهم عدلوا في الحج عن قانون أصولهم حتى جوزوه بمطلق النية مع سعة الوقت للفرض وغيره، وكونه في هذا المعنى كوقت الصلاة سواء، ثم تفريقهم بينه وبين الصلاة في هذه المواضع وهو إذا أطلق النية فليقبلوا منا مثل ذلك وليرضوا به.
وإن ألحوا في طلب المعنى فيجوز أن يقال: إنه كان بنوع نظر من الشرع لهذا العبد الذي ترك النظر لنفسه ولم يعين الفرض بنيته، وكان اختصاص الحج بالنظر فيه من الشارع لعظمه في نفسه واحتياجه إلى تحمل المؤنات والمشقات العظيمة، وأنه قل ما يتفق في العمر إلا مرة واحدة فلو لم يصرف نيته إلى الفرض نظراً من الله تعالى فربما لم يصل إلى فعله من بعد فضاع أصلاً، وهذا لا يوجد في غيره من العبادات.
وأما طريقة أبي زيد فقد وضعها في مطلق النية، وقد بينا أن النية المطلقة ونية النفل واحداً لا تختلف، فصار إذا أطلق النية كأنه نوى النفل، ثم يقال لهم ما اعتمدوه، وهو أن هذا الصوم متعين في هذا الوقت، وهذا مسلم، ولكن لابد من أدائه وآداؤه بالنية، فإذا لم ينوه فلم يؤده.
وقولهم: ((إنه يصير مصيباً إياه باسم الجنس كما يصيبه باسم العين مثل ما استشهدوا به من الشخص القاعد في الدار)).
قلنا: ليس في الوقت شيء موجود حتى يصيبه باسم الجنس كما يصيبه باسم العين مثل ما قلتم في الشخص القاعد في الدار، وإنما الصوم في العدم وقد أمر بإيجاده فإنما يوجد بما يوجده، وهو ما قصد إلا إيجاد النفل فلا يوجد الفرض بنيته أنه قصد هذا الصوم من حيث أنه صوم فحسب، لا من حيث أنه فرض فلا يصيب الفرض واعتبر قصده.
ألا ترى أن من رمى سهماً على ظن أنه حربي يكون خطاً، لأنه لم يقصد من حيث أنه مسلم، فلم يجز أنه يعطي له حكم التعمد للمسلم.
فإن قالوا: ((أليس لو سمى الدراهم المطلقة في البياعات ينصرف إلى نقد البلد، وإن كان هو الذي يوجده ويوجبه مثل مسألتنا، ولكن لما كان نقد البلد يعين عرفاً انصرف إليه، كذلك ههنا الصوم عن هذه الجهة وقد تعين شرعاً فيصرف الإطلاق إليه)).
قلنا: المعاملات العرفية يجوز أن يحكم فيها العرف، فأما في مسألتنا فهذه عبادات شرعية فيصار فيها إلى شرائط الشرع، نعم، لو قدرنا جواز صوم لا بنية كأن يجوز أن يقال: إذا أطلق ينصرف على المعتاد المتعارف، بدليل العرف، فأما إذا لم يجز إلا بنية، فلابد أن ينظر إلى نيته فإذا لو ينو المفروض عليه لم يجز أن يحصل المفروض عليه، ويجوز أن يقال: إن تلك المسألة خرجت عن هذا الأصل بدليل وعلى أنها دليل عليهم إذا عين نقداً آخر يتعين، فقولوا ههنا: النفل يتعين ولا يصح الفرض، والله تعالى أعلم بالصواب.
(مسألة)
المرأة لا تلزمها الكفارة بالتمكين من الوطء في نهار رمضان.
وعندهم: تلزمها، وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنه.
والمناظرة على القول الأول.
لنا:
حديث أبي هريرة أن أعرابياً أتى النبي عليه السلام وقال: ((هلكت وأهلكت يا رسول الله، قال: ماذا صنعت؟ قال: واقعت أهلي في نهار رمضان قال: أعتق رقبة.......)) الخبر إلى آخره.
فالنبي عليه السلام أمره بعتق رقبة ولم يأمر في جانبها بشئ مع أنه كان أخبر عن وقاعها، والوقاع وطء لا يكون إلا من رجل وامرأة، فلو كان تجب الكفارة لما يسعه السكوت عن ذكرها لوجهين:
أحدهما: أنه يوهم السكوت أن لا شيء عليها، وهذا الإيهام من صاحب الشرع غير واسع، لأنه بعث لبيان الواجبات فلا يسعه ما يوهم سقوط واجب مع تحقق سببه.
الثاني: أنه أخبر بفعل مشترك من شخصين فوجب جوابه على وفق السؤال، فلو كانت وجوب الكفارة على الاشتراك لم يسع إفراده ببيان الواجب عليه، لأنه يكون السؤال عن فعلين، والجواب عن واجب أحد الفعلين، وهذا تقصير في البيان، وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - لبيان الكامل لا لبيان القاصر، ألا ترى أن في قصة العسيف لما وجب الحد عليها لم يسكت عن بيانه بل قال: ((فاغد يا أنيس إلى امرأة فإن اعترفت فارجمها))، والخبر معتمد في الحجة.
وقد قالوا على تعلقنا بهذا الخبر بوجود/ من الأسولة:
أحدها: أنهم قالوا: إن المرأة كانت مكرهة بدليل ما روى في رواية:
((أنه قال: هلكت وأهلكت)) فإنما يكون مهلكاً لها إذا كانت مكرهة من قبله، وعندنا إذا كانت مكرهة فلا كفارة عليها.
والثاني: قال إنه صدقه على نفسه، ولم يصدقه عليها، ولو جاءت وسألت كان تبين الواجب، ألا ترى أنه لم يذكر القضاء، وبالإجماع هو واجب.
والثالث: أن بيان إيجاب الكفارة عليه كان بياناً للواجب عليها، لأن الفعل واحد من الجانبين، والبيان في أحد الجانبين بيان في الجانب الثاني.
قالوا: وأما خبر العسيف، فقد كان حكمها مخالفاً لحكمه فلم يكن بد من البيان.
وأما ههنا فحكمهما واحد لا يختلف فذكره في أحد الجانبين بيان في الجانب الثاني.
وعلى السؤال الثاني قالوا: لما لم يصدقه عليها كان في بيان الحكم في جانبها متبرعاً فكان مفوضاً إلى اختياره، فاختار البيان في حادثة الزنا، واختار ترك الذكر في حادثة الكفارة.
الجواب:
أما الأول: قلنا: قوله ((هلكت وأهلكت))، مذكور في رواية غريبة،
والثابت قوله: ((هلكت))، ونحن نتعلق به، وعلى أن اللفظ لا يدل على أنها كانت مكرهة، لأنه سماها هالكة ولا تكون هالكة إذا كانت مكرهة، بل إنها كانت مطاوعة إلا أنه أضاف الهلاك إلى نفسه، لأن الغالب أن الزوج يدعو المرأة إلى الوطء، فلأجل غالب الأمر أضاف هلاكها إلى نفسه.
وأما الذي قالوه: ((أنه لم يصدقه عليها)).
قلنا: استدلالنا بترك إخباره عن وجوب الكفارة عليها مع إخباره عن فعله وفعلها، وجواب الفتوى لا يحتاج إلى التصديق مثل جواب المفتين في سائر الأعصار، وإنما الإلزام يحتاج إلى التصديق.
وأما الثالث الذي قالوه في غاية الضعف، لأن بيان الوجوب عليه لا يكون بيان الوجوب عليها كيف هذا؟ وقد اختلف العلماء في وجوب الكفارة عليها مع اتفاق الكل على وجوب الكفارة عليه.
وكيف يجوز أن يحال أعرابي جاهل على مثل هذا البيان؟ ولابد من نظر واجتهاد وقياس معنوي، وقد خفى على كثير من العلماء فيكف يتنبه عليه مثل ذلك الأعرابي ويقنع في حقه بمثل هذا البيان؟
وأما القضاء، فإنما لم يذكره من الجانبين، لأنه سأل عن واجب الهلاك، والقضاء إنما يجب بمجرد فوات الصوم، بدليل المريض.
وأما المعنى فسيتبين في الجواب عن كلماتهم.
أما حجتهم:
قالوا: الواجب كفارة الفطر على وجه التعدي الكامل وقد وجد هذا المعنى في جانبها، كما وجد في جانبه.
أما الفطر فلا إشكال، أما كمال التعدي فلأن كل جناية تحصل من الرجل بفعل الوطء تحصل من المرأة بالتمكين من الوطء بدليل الحد، ولأنه لا يتوهم منها جناية على الصوم تفعل بحرمة الصوم فوق هذه الجناية.
قالوا: ولهذا سوى الشرع بين الجانبين في واجب الوطء والإحرام فإن القضاء وفساد الحج مثل الكفارة ههنا، وقد استوى الجانبان فيه بحيث لم يقع فرقان بوجه ما.
قالوا: وأما المهر فهو بإزاء ملك البضع، وملك البضع للرجل دون المرأة، وأما الكفارة واجب جناية، والجناية منها حسب الجناية منه، وقد نزل الشرع التمكين منها بمنزلة الإيلاج منه قطعاً في الأحكام المتعلقة بالجناية بدليل الحد، وأيضاً فإن منفعة بضعها قومها الشرع على خلاف الأصل، وأما منفعة بضعه فلم يقومها بوجه ما.
وأما ثمن ماء الاغتسال فهو من مؤن الزوجية كالنفقة فيكون عليه لا عليها.
قالوا: وأما قول من قال من أصحابكم: أنها أفطرت بغير الوطء، لأن بتغييب طرف الذكر في فرجها قبل غيبوبة الحشفة يفطر ولا يكون الفعل وطء إلا بعد غيبوبة الحشفة، فسهو عظيم، وهو هرب من المسألة، لأن هذه المسألة رويت منذ زمان الشافعي: أنه هل تجب الكفارة بطواعيتها في الوطء؟ واختلفت أقوال الشافعي في ذلك على ما عرف.
وإذا كان الأمر على ما ذكرتم فيكون الخلاف في صورة الفطر: فإن
عندنا بذلك لا يفطر وقد ادعيتم أنه يفطر مثل ما لو غيب أصبغاً أو خشبة فتذهب هذه المسألة أصلاً، فإن المسألة في فطر يقع من الجانبين، هل تجب الكفارة عليها كما تجب عليه؟ وإذا قال هذا القائل الذي ضعفت خبرته في النظر في هذه المسألة أنها تفطر قبل وجود الوطء، فأين صورة المسألة التي اشتهرت في العالم، ودونت في الكتب، واختلف فيها أقوال الشافعي؟ فدل ما ذكرنا أنه وقع سهو عظيم لقائل هذا المقال.
وأيضاً فإن الآلة آلة الوطء والمحل محل الوطء بإدخال ودخول فإذا لم يعتبر هذا الفعل أعني تغييب رأس/ الحشفة في الفعل المخصوص بهذه الآلة في هذا المحل وجعل في حقه كالعدم، فكيف تعتبر في شيء آخر؟ ويلحق بفعل يوجد باستعمال أصبع أو خشبة؟ والمذهب الصحيح أن المرأة لا تفطر حتى تغيب الحشفة ويصير الفعل وطء فيقع حينئذ الفطر من الجانبين.
قالوا: وأما قول مشايخكم: ((إن فرضية الصوم في حقها ناقصة، لأنه ما من يوم يمضي إلا ويجوز أن يعرض عارض فيسقط الصوم عنها مع بقاء التكليف، وذلك بالحيض)).
وهذا أيضاً ليس بشيء، لأنه إن كان هذا يوجب وهاء فرضية الصوم وجب أن يوجب وهاء فرضية الصلاة، بل تأثير الحيض في الصلاة أكثر من تأثيره في الصوم فينبغي إذا تركت الصلاة لا تقتل، وعندكم تقتل كالرجل إذا ترك الصلاة يقتل، ولأن المرأة إذا صامت في أول زمان طهرها فوطئها الزوج فوجب على مؤدى هذا الكلام أن تجب عليها الكفارة، لأنه لا يتوهم ما قالوه إلا بعد مضي خمسة عشر يوماً، وأيضاً اعتبار موهم
في تنقيص فرض محال، ولو جاز أن يعتبر توهم الحيض في حق المرأة وجب أن يعتبر توهم الجنون في حق الرجل، وتأثيره أكثر، لأنه يسقط أصل الخطاب، بخلاف الحيض، لأنه لا يسقط أصل الخطاب حتى تؤمر بالقضاء عند الطهر.
الجواب:
وهو أن نبين ما يمكن الاعتماد عليه من حيث المعنى فنقول:
الكفارة طريق وجوبها التوقيف لا غير، فإن الجناية وإن تحققت فلا يمكن معرفة وجوب الكفارة على الوجه الذي ورد بهذه الجناية رأياً ومعقولاً وإنما يمكن بالنص المجرد، والنص ورد في فعل الوطء وفعل الوطء حقيقة إنما يكون من الرجل، فأما الموجود من المرأة فهو التمكين من الفعل، والتمكين من الفعل لا يكون ذلك الفعل كالتمكين من القتل لا يكون قتلاً، وكذا في كل موضع.
ولهذا يقال: جامع الرجل فهي مجامعة، ووطئ الرجل فهي موطوءة فالأمر المحسوس المعقول الوطء من الرجال، فأما النساء لا يكون منهن وطء بحال، وإنما النساء محال الوطء كالأرض التي توطأ بالأقدام، وكذا الإنسان الذي يطأه الإنسان بقدمه لا يكون منه فعل في الوطء بالقدم، وهذا مثل ذلك سواء.
ألا ترى أن الفعل الحسي وطء لا يمكن تصويره بوجه ما إلا أن الشرع نزل التمكين من الوطء في الحد نصاً، وفي قضاء الحج بإجماع الصحابة فسلم الموضعان للنص والإجماع.
وفي مسألتنا لا نص ولا إجماع في جانبها، وإنما النص والإجماع في جانبه، وقد علق الوجوب عليه بالوطء من غير أن يهتدي إليه رأي
أو يتصرف فيه بمعقول، بل بالنص المحض فإذا لم يكن جانبها مشابهاً لجانبه، فإن التمكين من الفعل دون حقيقة ذلك الفعل معنى، وغيره صورة فلم يلحق به نصاً، لأنه غيره صورة، واستدلالاً، ولأنه دونه معنى فسقط وجوب الكفارة في جانبها بهذا الطريق.
يبينه: أن في الخبر ذكر المواقعة، والمواقعة لا تكون إلا من الرجل، فأما من المرأة فلا تتصور ولا يقال أصلاً، والله أعلم بالصواب.
(مسألة)
الإفطار بغير الوطء لا يوجب الكفارة
عندنا.
وعندهم: يوجب إذا كان بجنس ما يتغذى به أو يتداوى به.
لنا:
إنه بالأكل والشرب تارك للصوم في باقي النهار فلا تجب عليه الكفارة.
دليله: إذا ترك الصوم في كل النهار بأن لم ينو الصوم أصلاً، أو نلخص العبارة فنقول:
لم يوجد منه إلا ترك الصوم فلا شيء عليه، كما تركه ابتداء، وهذا لأن ترك بعض الصوم لو كان يوجب عليه الكفارة لكان تركه بالإيجاب أولى.
ثم الدليل على أنه بالأكل والشرب تارك الصوم، أن حقيقة الصوم هو الكف عن الجنس الأكل والشرب فحسب، لأن الصوم عبادة كف عن قضاء شهوة معتاد فعلها، لأن وصف الابتلاء وصف لازم للعبادة لا يجوز أن تخلو عنه بحال، وإنما يتحقق الابتلاء بالخطاب بالكف عن قضاء شهوة مألوفة معتادة، فأما ترك غير المألوف والمعتاد فيه ابتلاء فيه، فإنه سهل تركه والابتلاء إنما يوجد بترك ما يشق تركه، كما يوجد بفعل ما يشق فعله، وإذا ثبت هذا الأصل فنقول:
شهوة البطن في الأكل والشرب شهوة مألوفة معتادة في زمان الصوم وهو النهار فيوجد معنى العبادة في الخطاب بالكف عن قضاء هذه الشهوة، والصوم عبادة كف عن قضاء الشهوة فإذا وجد معنى العبادة في هذا الكف صح.
قولنا: ((إن الكف عبادة كف عن قضاء هذه الشهوة فإذا أقدم عليه فيكون تارك فعل الصوم، لأن الصوم هو نفس الكف فإذا لم يكف فقد تركه، وترك الصوم لا يوجب الكفارة كما في الابتداء.
فأما الوطء فهو محظور الصوم وفعله بمواقعة/ محظورة فيه وتركه اجتناب محظور بسبب عبادة، لا أنه نفس العبادة، لما بينا أن الصوم عبادة كف عن قضاء الشهوة فيقتضي الكف عن شهوة معتادة مألوفة ليوجد معنى الابتلاء الذي هو وصف العبادة على سبيل اللزوم، والوطء بالنهار غير المعتاد ولا مألوف، لأنه وقت الاشتغال بالأعمال والتصرفات، ولا يوجد ابتلاء في الخطاب بالكف عنه في زمان النهار فلم يصح أن تكون نفسه عبادة، نعم، يجوز أن يكون محظور الصوم كما يكون محظور الحج، ومحظور الاعتكاف وإن كانت حقيقة الاعتكاف بغيره من اللبث في المسجد، والأفعال المعهودة المعروفة، لكن كان الوطء محظور العبادتين،
كذلك ههنا الوطء محظور الصوم، وإذا ثبت أنه محظور الصوم فلم يكن بفعله تاركاً للصوم بل كان جانباً على الصوم بمواقعة المحظور بسبب مؤثر فاستقام إيجاب الكفارة، كما تجب الكفارة بمواقعة المحظورات في الحج، لأن مواقعة المحظور سبب في إيجاب العقوبة.
ألا ترى أن فساد الصوم بالوطء كان على وجه العقوبة، فكذلك الكفارة وجبت على طريق العقوبة.
وأما حجتهم:
قالوا: إفطار كامل فيوجب الكفارة، كما إذا كان بالوطء، وهذا لأن الواجب كفارة الفطر، بدليل أنه يضاف إليه، والأصل أن الحكم إذا أضيف إلى الشيء يكون سبباً له مثل كفارة القتل وكفارة الظهار، وكفارة اليمين على أصلكم، وزكاة المال، وغير هذا من الإضافات.
ولأن الفطر جناية على الصوم بتفويت ركنه فيصلح موجباً للكفارة إلا أنه يكون بجهة التعدي على الكمال ليصلح موجباً للعقوبة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الكفارة واجب الوطء، لأنه لو وطئ ناسياً للصوم وتصور إذا زنا ناسياً بامرأة لم تجب عليه الكفارة وإن وجد الوطء لعدم الفطر، ولو وطئ امرأته أو مملوكته وجبت الكفارة وإن استوفى هنا بضع مملوكة لوجود الفطر، فدل أن الكفارة كفارة الفطر، وهذا ثبت هذا فنقول: الفطر بالأكل والشرب مثل الفطر بالوطء، لأن الصوم عبادة كف عن قضاء الشهوة والشهوة شهوتان: شهوة بطن، وشهوة فرج، وهما شهوتان مركبتان في العبد جبلة وخلقة فلابد من قضائهما على المعتاد، وقضاء أحدهما بالوطء، والأخرى بالأكل والشرب، والصوم عبادة كف عنهما.
قالوا: ولهذا تناول نص الكتاب كل واحد منهما تحليلاً وتحريماً
بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، فهذا من الوطء، ثم قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، ثم قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
أي الكف عن هاتين الشهوتين إلى زمان الليل فجعل هذين هو المقصود بالصوم في الكف فثبت نصاً ومعقولاً أن ركن الصوم هو الكف عن قضاء هاتين الشهوتين، وفعل كل واحد منهما تفويت لركن الصوم، فإذا وجبت الكفارة في أحدهما وجبت في الآخر.
يدل عليه: أن الجناية كملت في كل واحد من الفعلين فإن كمال الجناية متفق عليه في الوطء من حيث أنه جناية بتفويت ركن الصوم وهذا المعنى بعينه موجود في الأكل والشرب فتكمل الجناية أيضاً، وإذا كملت الجناية وجبت الكفارة.
قالوا: بل جانب الأكل والشرب أرجح، لأن تأدى الصوم بترك الأكل والشرب فوق تأديه بترك الوطء لما ذكرتم أن الصوم اختص بزمان الأكل والشرب عادة ولم يختص بزمان الوطء عادة، ولأن الصوم عبادة صبر، والصبر عن الأكل والشرب أشق من الصبر عن الوطء، فإن الإنسان يصبر عن الوطء دهراً ولا يصبر عن الأكل والشرب يومين، وإذا كان أشق فيكون الثواب بالصبر عنه أكثر وعلى مقابلته يكون العقاب بالإقدام عليه أكثر، لأن الثواب مقابل العقاب بدليل قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَاتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، وقال تعالى:
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ..﴾. وإذا كان العقاب بالإقدام على الأكل والشرب أكثر كان بإيجاب الكفارة أولى، فهذا إيجاب الكفارة بالأكل والشرب من حيث الاستدلال لا من حيث القياس الأكل والشرب على الوطء، لأن الكفارات لا يجوز إثباتها بالقياس، لكن يجوز بطريق الاستدلال بالنص، وهذا من هذا النمط، وهو مثل تحريم التأفيف يكون تحريماً للشتم والضرب استدلالاً أو فحوى خطاب ولا يكون تحريماً من حيث القياس.
قالوا: ((وأما قول بعضكم إن الصبر عن الوطء عند هيجان الشهوة يصعب ما لا يصعب الصبر عن الأكل والشرب عند هيجان الجوع))، فليس بشيء، لأن على المعتاد المعروف يكون الصبر عن الوطء أسهل من الصبر عن الأكل والشرب/ والذي صورتم صورة نادرة، والصورة النادرة لا تعتبر، بل تعارض المعتاد الغالب من حالات الناس وأمورهم.
قالوا: وأما قولهم: ((إن الوطء محظور الصوم، والأكل والشرب نقيض الصوم)).
ليس كذلك بل كان كل واحد منهما نقيض الصوم على ما سبق، وكما إنه يوجد الابتلاء بترك الأكل والشرب في النهار يوجد الابتلاء بترك الوطء فيه إلا أن الابتلاء في هذه الصورة ربما يكون أخف من الابتلاء في تلك الصورة.
يبينه: أن خطاب الشارع في الكل على وجه واحد لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فكيف يجوز أن تميز التمييز الذي قلتم مع اتحاد الخطاب؟
ثم قالوا: إن سلمنا أنه محظور الصوم والآخر نقيض الصوم لكن الجناية بهما واحد، فإذا جاز أن تجب الكفارة بارتكاب محظور الصوم جاز أن تجب بارتكاب نقيضه، لأن كل واحد منهما سبب لتفويت الصوم على وجه واحد، والجماعة في تفويت الصوم، وكما يوجد ترك الصوم ولا كفارة وذلك في الابتلاء فقد توجد مواقعة المحظور ولا كفارة، وذلك بالغيبة والوطء فيما دون الفرج.
وقد ألزموا مسألة المرتدة على ترك الصوم في الابتداء فإن ترك الإسلام من المرأة في الابتداء لا يوجب القتل وفي الدوام يوجب القتل على أصلكم.
قالوا: ((وأما قول مشايخكم: إن الوطء متغلظ في نفسه فيمتاز عن غيره في الحكم))، فليس بشيء، لأن العبرة بالسبب الحاظر، والسبب الحاظر للكل واحد، وإذا اتحد السبب لابد أن يتحد الحظر، وإذا اتحد الحظر اتحدت الجناية، لأن الفعل صار جناية من حيث الحظرية.
قالوا: وأما الوطء في ملك الغير والتناول من ملك الغير إنما افترقنا في وجوب الحد، لأن الحد يندرئ بالشبهات، والزنا محرم لعينه فخلا من الشبهة، والأكل والشرب محرمان لا لعينهما بل لغيرهما وهو حق المالك، ألا ترى أنه إذا سقط حقه بالإذن أبيح، والوطء لا يباح وإن أذن المالك فيه.
قالوا: وأما الإحرام فإنما امتاز الوطء فيه عن غيره من المحظورات، لأن التحريم لمكان الارتفاق والاستمتاع، والارتفاق بالوطء أكثر منه بفعل سائر المحظورات.
وأما ههنا فإن قضاء الشهوة بالأكل أو الشرب مثل قضاء الشهوة بالوطء بل أكثر.
قالوا: ((قولكم: إن اللذة في الوطء أكثر منها في الأكل والشرب)).
فليس بشيء، بل اللذة عند الجوع الصادق والعطش الصادق لا يكون دون اللذة عند شدة الشبق بالوطء، لأنه إن كانت اللذة هناك أكثر فالارتفاق ههنا أكثر، لأن قوام الحياة يحصل بهذا دون الوطء.
قالوا: ((وقولكم: إن الأكل لا يخلو عن شبهة لوجود بعض ما لو لوجد كله أباح بخلاف الوطء)).
كلام في نهاية الضعف، لأن المبيح هو الضرورة، والضرورة تخوف الهلاك، ولا يتصور وجود خوف منها.
يدل عليه: أنه لو سرق طعاماً ليأكله يجب عليه القطع عندكم، ولو أخذ على هذه الصورة بالضرورة أبيح له ذلك، ومع ذلك لم يحكم بوجود شبهة في الصورة الأولى.
الجواب:
أما قوله: ((إفطار كامل)).
قلنا: في اللفظ خلل، لأن الفطر إنما يصح وصفه بالكمال إذا كان يصح وصفه بالنقصان، والفطر في نفسه عبارة عن فوات الصوم بفعل من الصائم، والشيء إذا فات ففواته على وجه واحد لا يصح، يجوز أن يوصف بالكمال تارة وبالنقصان أخرى، وهذا كالأفعال الحسية متى وقعت يكون وقوعها على وجه واحد.
فإن قالوا: إذا تناول الحصاة أو النواة فهو إفطار ناقص، لأنه إفطار اسماً لا معنى من حيث أنه أكل صورة وليس بأكل معنى.
قالوا: وفي الإستيقاء إنه ليس بفطر حقيقة، لأن الفطر يكون بما يدخل لا بما يخرج وإنما أفطر به الشرع ولولا الشرع لم يحصل به فطر أصلاً.
قلنا: قد بينا أن الفطر هو تفويت الصوم بفعل يفعله الصائم، والشيء إذا فات لا يتصور أن يفوت من وجه دون وجه بل يفوت من كل وجه، وإذا فات من كل وجه يكون الفطر كاملاً ولا يكون ناقصاً.
وأما قولهم: ((إن الكفارة كفارة الفطر)).
قلنا: لا، بل هو كفارة الوطء المفطر.
فإن قالوا: ((نحن بينا تأثر الفطر، فبينوا أنتم تأثير الوطء)).
قلنا: وجه تأثيره أن الأصل في الشرع أن السبب إذا حرم الوطء وغيره يكون تأثير السبب في الوطء أكثر من تأثيره في غيره بدليل التحريم إذا كان لعدم الملك أو كان بالإحرام، وهذا لأن الوطء فعل متغلظ في نفسه ممتاز عن سائر الأفعال شرعاً، بدليل أنه لا يستباح بالإباحة وبدليل أنه يستحق به القتل، وبدليل أن العقد على استحقاقه يقف على شرائط لا يقف عليه عقد ما، وذلك لتغلظه في نفسه، هذا نهاية ما يمكن في تحقيق طريقة المشايخ.
وعذرهم عن فصل/ عدم الملك، ليس بشيء، لأنهم في عذرهم ادعوا أن في تناول مال الغير شبهة الإباحة، ولو كان كذلك لم يجب القطع بسرقة مال.
وقولهم: ((إن الزنا محرم لعينه فلا تكون فيه شبهة)).
قلنا: لو كان محرماً لعينه لم يحل جنس الوطء بحال، بل الصحيح أن كلا الفعلين محرم بتحريم الشرع وإن كان السبب ملك الغير إلا أن الوطء لا يستباح بالإباحة لغلظه في نفسه، والأكل يستباح بالإباحة لخفة أمره،