الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفةصفحات 205-244

خبر الواحد بأن عملنا به، والأصل في خبر الواحد أنه يوجب العمل دون العلم).
قال: (ويجوز أن يكون الشيء واجباً ولا يكون ركناً كالسعي عندنا واجب وليس بركن للحج، وصدقة الفطر واجبة وليست بركن من أركان الإسلام.
وكذلك العمرة على أصلكم، وكذلك الطواف محدثاً ومنكوساً وعرياناً وهذا لأن الأمر بالطواف ورد من غير قيد فالتقييد ثبت بالسنة فلا نزيد لأنه نسخ بل نثبته تكميلاً وتحسيناً.
ولا تلزم القعدة الأخيرة، لأن الحسن بن زياد روى عن أبي حنيفة أنها ليست بواجبة، ولأنه قد ثبت بالأخبار المتواترة أن النبي عليه السلام لم يسلم إلا بعد القعدة، والأمر بالصلاة في كتاب الله مجمل فيكون فعله - صلى الله عليه وسلم - بياناً لما لم يبينه الكتاب بخلاف القراءة، لأن الآية ظاهرة مستغنية عن بيان رسول الله ولأن فعله يكون زيادة على كتاب الله تعالى وأنها نسخ وليس ببيان فيحمل فعله على بيان الكمال لأن الآية الكمال لأن الآية لم تتعرض له).
قالوا: (ولأن فريضة الصلاة في الأصل متعلقة بالفعل دون القول فيكون فعل رسول اله بياناً للفعل ولا يصير بياناً للقول، لأن القول فرض زائد ثبت بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ وهو ظاهر لا بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الذي هو مجمل) وهذا استدلال أبي زيد في المسألة ذكره في الأسرار.

وقد تعلق بعضهم: بنوع آخر من الاستدلال وهو أن الفاتحة مدنية وقد كان الجواز ثابتاً بالإجماع قبل نزول الفاتحة بلا فاتحة ولا يرفع هذا الحكم إلا بدليل مجمع عليه.
وقالوا: أيضاً: (إن القرآن لا يحفظ إلا بالقراءة وحفظه واجب وأن لا يهجر شيء منه ولا تجب القراءة إلا في الصلاة فلو عينا الفاتحة للركن وأوجبناها لصار الباقي مهجوراً غير محفوظ فوجب أن يجعل ركن القراءة غير متعين لتأتي القراءة على جميع القرآن).
وقالوا: أيضاً: (إن القرآن له أحكام مخصوصة نحو جواز الصلاة بقرأته وحرمة القراءة على الحائض والجنب وحرمة مس المصحف إلا طاهراً وحرمة القراءة حيث لا يسمع في مجامع الناس ووجوب الاستماع حيث يقرأ في الصلاة والخطبة ومواضعه إبانة لشرفه ثم لا يختص شيء من القرآن بشيء من هذه الأحكام حتى لا يصير الباقي مفضولاً فيصير مهجوراً، فكذلك في هذا بل أولى، لأن إبانة الشرف في هذا أكثر).
قالوا: (وأما أخباركم وردت زائدة على كتاب الله تعالى فلا تقبل، أو تحمل على الزيادة سنة، أو يقال: ثبتت هذه الزيادة عملاً لا علماً فيلزمه القراءة وتجوز الصلاة بدونه)، وقد رووا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب)).

ورووا عن النبي عليه السلام قال: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها، ومعتمدهم التعلق بالآية، وقد أيدوا ذلك بحدث الأعرابي وهو ما روى عن النبي عليه السلام أنه قال له: ((ثم أقرأ ما تيسير معك من القرآن)).
الجواب: أما التعلق بالآية، قلنا: ليس فيها أكثر من الأمر بقراءة ما يتسر وما تيسر يختلف، لأنه قد تتيسر السورة الطويلة وقد لا تتيسر السورة القصيرة فصارت الآية مجملة من هذا الوجه.
وصارت الأخبار التي رويناها بياناً لها.
وأما قولهم: ((إن إيجاب الفاتحة زيادة في الكتاب)).
قلنا: قد تثبت الزيادة على الأصلين، لأن عندنا تجب الفاتحة، وعندكم يسن قرأتها حتى لو تركها يجب عليه سجود السهو، وإنما تثبت الزيادة عندكم بالسنة فكذلك الوجوب، وعلى أنا بينا في مواضع من هذا الكتاب وغيره أن مثل هذا لا يعد نسخاً ولا يجوز اعتقاد النسخ فيه أصلاً، ومن اعتقد النسخ في أمثال هذا فلم يعرف معنى النسخ.

وأما قول أبي زيد: ((إن قراءة الفاتحة واجبة وليست بركن حتى لا تفسد الصلاة بتركها)).
قلنا: إذا سلمت أنها واجبة لزمت قراءتها في الصلاة، وإذا لزمت صارت منها كأصل القراءة فيكون تركها مفسداً لها.
وهذا لأن علامة الواجب في الصلاة فسادها بتركه.
وأما الذي قالوا: إن قراءة الفاتحة لم تكن واجبة فبقى الأمر على ما كان من قبل، ولأن الفرائض كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التعيين، وقد كانت القراءة واجبة من قبل من غير تعيين سورة من القرآن ثم ورد الشرع بتعيين سورة الفاتحة فوجب الصلاة على هذا المعنى.
وأما قولهم: ((إن تعين الفاتحة يؤدي إلى أن يصير باقي القرآن مهجوراً))، فهذا محال لأنه إن كان إيجاب قرأة الفاتحة يؤدي إلى هذا فاستنان قراءتها أيضاً يؤدي إلى هذا، وهذا لأنا وإن أوجبنا قراءة الفاتحة فيشرع معها قراءة غيرها من السورة فلا يؤدي إلى ما قالوه.
وأما قولهم: ((إن سائر الأحكام المتعلقة بالقرآن لا تختص بالفاتحة)).
قلنا: سائر الأحكام قد تعلقت بالقرآن على العموم، وهذا على الخصوص بدليل أن عندنا قراءة الفاتحة على التعيين مشروعة على الوجوب، وعندكم على السنة.
وقد قال أصحابنا: إن قراءة القرآن لما وجب في الصلاة وجب أن يتعين الفاتحة لأن القرآن امتاز عن غيره بالإعجاز، وأقل ما يحصل به الإعجاز سورة وهذه أشرف السور لأنها السبع المثاني.

ولأنها تصلح عوضاً عن جميع السور ولا يصلح جميع السور عوضاً عنها، ولأنه تشتمل على ما لا تشتمل عليه سورة ما على قدرها من الآيات، وذلك مثل التمجيد والثناء للرب والاستعانة والاستعاذة والدعاء من العبد، وإذا صارت هذه السورة أشرف السور وحالة الصلاة أشرف الحالات فتعينت أشرف السور في أشرف الحالات.
وأما الخبران اللذان تعلقوا بهما فلا يثبت واحد منهما.
أما الأول فرواه أبو علي جعفر بن ميمون قال يحيي: ليس بثقة.
والخبر الثاني: رواه طريف بن شهاب السعدي، قال أحمد: لا يكتب حديثه.
فلا يعارض ما ذكرنا.
والله أعلم.

(مسألة)

((بسم الله الرحمن الرحيم)) آية من الفاتحة عندنا ويجهر بها في الصلاة.

وعندهم: ليست بآية من الفاتحة يخفيها عند القراءة.
وقال أبو بكر الرازي من أصحابهم: إنها مفردة أنزلت للفصل بين

السورتين.
والمعتمد من الدليل لنا: أن التسمية مكتوبة في المصاحف بقلم الوحي على رأس كل سورة، والصحابة ما أثبتوا في المصاحف إلا القرآن، وكان مقصودهم بذلك صيانته عن الزيادة والنقصان.
ولهذا كرهوا التفاسير، وقالوا: جردوا القرآن، وإذا كانت التسمية مثبتة في المصاحف بقلم الوحي على رأس كل سورة، دل أنهم إنما أثبتوها في مواضعها لأنها من القرآن في موضعها المثبتة فصارت مثبتة كسائر آيات القرآن.
يبينه أنه إذا لم تكن من القرآن في موضعها المثبتة فيه يؤدي إلى أن يكونوا خلطوا القرآن بغير القرآن، وهذا لا يجوز.
ويمكن أن يقال: إن ما بين الدفتين قرآن بإجماع الصحابة.
وقد اشتملت الدفتان على التسمية في مواضعها.
دل أنها من القرن في مواضعها وهذا هو المعتمد من الدليل.
وقد تعلق الأصحاب بحديث ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي عليه السلام عند الفاتحة آية آية للأعرابي، وعد/ بسم الله الرحمن الرحيم آية منها)).

وبحديث ابن أبي بريدة عن أبيه أن النبي عليه السلام قال: ((لا أخرج من المسجد حتى أعلمك آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري)) قال: ثم خرج وأخرج إحدى رجليه من المسجد فقلت في نفسي: لعله نسى فالتفت إلي وقال: ((بم تفتتح القراءة في الصلاة))؟ فقلت: ببسم الله الرحمن الرحيم فقال: ((هي هي)).
والاعتماد على الأول.
وأما حجتهم: تعلقوا بحديث أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: يقول الله تعالى: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله تعالى: أثنى على عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)).
والاستدلال من وجهين:

أنه صلى الله عليه لم يذكر التسمية ولو كانت آية منها لم يتركها بل كان ينبغي أن يبتدئ بها.
الثاني: أنه قال ((بيني وبين عبدي نصفين))، وإنما يكون نصفين إذا قلنا إن التسمية ليست بآية من الفاتحة، لأن الفاتحة سبع آيات بإجماع الأمة، والذي لله ثلاث آيات ونصف من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾... إلى قوله..... ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ...﴾. والذي للعهد ثلاث آيات ونصف من قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، إلى آخر السورة.
فأما إذا عددنا التسمية آية منها كان الذي لله أربع آيات ونصف، والذي للعبد ثلاث ونصف فلم يستقم قوله: ((بيني وبين عبدي نصفين)).

وتعلقوا بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقرأة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وبحديث أنس قال: صليت خلف النبي عليه السلام وأبي بكر وعمر فكانوا يفتتحون القراءة ﴿بالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي رواية أخرى فلم أسمع أحداً منهم يجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
وبحديث عبد الله بن مغفل الذي ذكره في جامع أبي عيسى والأخبار كلها ثابتة صحيحة.

وتعلقوا أيضاً بنوع من الاستدلال وهو أنه لو كان التسمية من القرآن في كل موضع أثبتت، لنقل إلينا بطريق يوجب العمل بذلك، لأن القرآن لا يجوز إثباته إلا بمثل هذا الطريق، فأما الطريق الآحاد فلا سبيل إلى إثبات القرآن بمثله.
قالوا: ولا يجوز أن يعكس هذا، فيقال لهم: لو لم يكن من القرآن لنقل كونه غير القرآن بطريق مقطوع به موجب العلم، لأنه ليس عليهم نقل كل ما ليس من القرآن لأن ذلك أمر يطول ولا ينحصر.
فأما ما هو من القرآن فعليهم أن ينقلوه إلينا ولو نقلوا لوقع لنا العلم به.
قالوا: وأما الإجماع الذي تعلقتم به فهو ضعيف لأنه لو ثبت كونه من القرآن بالإجماع لوقع لنا العلم به، ولكان يكفر جاحد ذلك ويفسق تاركه.
وحين اختلفت الأئمة في ذلك اختلافاً ظاهراً وساغ الاجتهاد فيه علمنا أنه لا إجماع.
الجواب: أما الاستدلال الذي تعلقنا به فمعتمد، وهو في الحقيقة إجماع استدلالي والإجماع على وجهين: إجماع نص وهو إجماع المجمعين على الشيء صريحاً.
وإجماع استدلالي مثل ما بينا.
فالأول يوجب العلم القطعي، والثاني لا يفيد العلم القطعي لكنه يوجب العمل بأبلغ الدلائل الموجب له، ونظيره ((الحجر)) فإنه من البيت بدليل لا يوجب العلم بل يوجب العمل وهو الطواف عليه وسائر الكعبة قبلة الناس بدليل مقطوع به يفيد العلم ويقطع العذر، وظهر بهذا الجواب عن قولهم: ((إنه لو كان من القرآن لنقل كونه من القرآن بدليل يفيد العلم))، فإنا نقول: هو من القرآن في رأس كل سورة عملاً لا علماً ونظيره ما بينا.

وكذلك على أصلهم قراءة ابن مسعود في قوله: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)) فهو من القرآن عملاً لا علماً.
وأما الأخبار التي رووها ففي معارضتها أخبار لنا بعضها وقد ذكر الدارقطني الجهر بالتسمية عن النبي عليه السلام برواية على، وابن عباس وأبي هريرة، وابن عمر، والنعمان بن بشير وغيرهم.
وأسانيدها وإن كان فيها مقال لكن يثبت بمجموعها ورود الجهر بالتسمية.
وقال.... عبد الله الحافظ قد صح الجهر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونقل ذلك عن الصحابة: عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبي هريرة/ وجماعة من التابعين.
وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: إن المصلي بالخيار، إن شاء جهر

وإن شاء أسر، فتعارض الأخبار في ذلك.
ونحن نقول: إن أخبارنا أولى لتضمنها زيادة لم تتضمنها أخباركم.
ولأن الراوي للإسرار يجوز أن يكون بعيداً عن النبي عليه السلام فلم يسمع، ولأن الأثبت من أخبارهم هو رواية من روى أنهم يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ويحتمل أن يكون ذلك اسماً للسورة، وقد كان افتتحها بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
وروى عن أنس أنه سئل: هل كان رسول الله يجهر أو يسر بالتسمية؟ فقال للسائل: ((ما سألني عن هذا أحد قبلك وإني لا أحفظ)).
وهذا يوهن ما رووا من خبر أنس، ولهذا لم يخرجه البخاري بذلك اللفظ، وإنما خرجه مسلم وحده، لأنه متساهل في الأخبار ما لم يتساهل فيه البخاري.
وأما الخبر الأول فيحتمل أنه لم يبتدأ بالتسمية، لأنه قد ذكر ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من بعد فاكتفي به عن الأول.
وأما قوله: ((نصفين)).
قلنا: يجوز أن يكون معنى ((نصفين)) أي البعض لله تعالى والبعض للعبد، كقول الشاعر:

إذا مت كان الناس نصفين شامت... بموتي ومثن بالذي كنت أفعل

وقال شريح: أصبحت ونصف الناس على غضاب.
والله تعالى أعلم.

(مسألة)

تجب القراءة على المؤتم سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها،

وهذا أصح قولي الشافعي رضي الله عنه.
والقول الثاني: أنه تجب إذا أسر الإمام ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك، وابن المبارك وأحمد إلا أن أحمد لا يفسد الصلاة بترك القراءة خلف الإمام بحال، وإنما يأمر بالقراءة استحباباً.

وعند أبي حنيفة: تكره القراءة خلف الإمام بكل حال.
لنا: قوله عليه السلام في رواية عبادة بن الصامت: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)).
ولا فصل بين الخبرين أن يكون منفرداً، أو خلف إمام يقتدي به.
فإن قالوا: قد روى في بعض الأخبار ((من صلى صلاة لم يقرأ بأم الكتاب فلم يصل إلا أن يكون وراء إمام))، رواه جابر عن النبي عليه السلام.
فيكون خبر عبادة محمولاً على حال الانفراد بدليل هذا الحديث ثم يكون معنى قوله: ((لا صلاة)) أي لم يصل يعني صلاة كاملة.
قلنا: الذي رويتم صحيح عن جابر نفسه رواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر.
فأما عن النبي عليه السلام فلا يصح، وقيل: رفعه يحيى بن سلام، ولا تقوم بروايته حجة لضعفه وقلة تثبته.

وظاهر العموم لا يخص عندنا بقول صحابي واحد.
وقد نتعلق من جهة الخصوص بما روى محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن ربيع عن عبادة بن الصامت قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: ((إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم)) قال: قلنا يا رسول الله أي والله، قال: ((لا تفعلوا إلا بأم الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها)) أورده أبو عيسى على هذا الوجه قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة وأنس، وابن قتادة، وعبد الله بن

عمر ثم قال: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين يرون القراءة خلف الإمام)).
وروى الدارقطني هذا الخبر في سننه من وجوه.
وقال: رواته ثقات.
وروى عن عبادة بإسناده قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فلما انصرف أقبل علينا بوجهه وقال: ((هل تقرأون إذا جهرت بالقراءة))؟ قال بعضنا: إنا لنصنع ذلك.
وفي رواية: ((قلنا: أجل يا رسول الله)) قال: ((وأنا أقول ما لي أنازع القرآن فلا تقرؤا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن)).
وفي رواية: ((ولا يقرأ أحد منكم إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)).
ويدل عليه حديث أبي السائب عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج))، قال أبو السائب: فقلت: يا أبا هريرة أني أكون أحياناً وراء الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك، يا فارسي فإني سمعت رسول الله

  • صلى الله عليه وسلم - يقول: ((قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي...))... الخبر إلى آخره.
    وأما الكلام من حيث المعنى فظاهر، لأن القراءة ركن الصلاة وركن الصلاة لا يسقط بالاقتداء، دليله سائر الأركان وهذا لأنه إذا وجبت القراءة على المصلى فلا يجوز أن تسقط عنه إلا بمعنى مؤثر في الإسقاط، ولم يوجد إلا الاقتداء بالإمام والاقتداء تأثيره في وجوب التأسي والمتابعة فأما لا تأثير له في سقوط ركن عن المقتدى بالاقتداء، يبينه أن الاقتداء قد يوجب على المقتدى ما لم يكن واجباً عليه فكيف يسقط عنه ما هو واجب عليه.
    وأما حجتهم: تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ والأمر على الوجوب فوجب الإنصات والاستماع إذا جهر الإمام، ووجب الإنصات إذا لم يجهر، وقد أيدوا هذا أيضاً بما رواه أبو موسى الأشعري أن النبي عليه السلام قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به....).

وقال فيه: ((وإذا قرأ فانصتوا)).
قالوا: روى مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام انصرف في صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: ((هل قرأ أحد منكم معي آنفاً))؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله.
قال: ((إني أقول مالي أنازع القرآن))، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما جهر فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)).

وتعلقوا أيضاً بما رووا عن عبد الله بن شداد عن جابر أن النبي عليه السلام قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)).
وفي رواية عن جابر قال: صلى بنا رسول الله وخلفه رجل يقرأ فنهاه رجل من أصحاب النبي عليه السلام فقال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((من صلى إمام فإن قراءته له قراءة)).
قالوا: ورواه أيضاً سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي عليه السلام.
قالوا: ولا يجوز أن يحمل على أن معناه: فإن قراءة الإمام للإمام قراءة، لأن هذا تعطيل للخبر وليس بتأويل، ومثل هذا التأويل لا يقوله فقيه.
ولأن هذا على مثال قول القائل: من دخل الدار خلف ابني فأعطه كذا، ينصرف إلى الداخل لا إلى الابن.

ورووا بطريق عمران بن حصين قال: ((كان النبي عليه السلام يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه فلما فرغ قال: ((من ذا الذي يحالجني))؟ ونهاهم عن القراءة خلف الإمام.
ورووا عن الشعبي أن النبي عليه السلام قال: ((لا قراءة خلف الإمام)).
وعن علي رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي عليه السلام: أقرأ خلف الإمام أو أنصت قال: ((أنصت فإنه يكفيك)).
وروى عون عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: ((يكفيك قراءة الإمام خافت أو جهر)).
وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: ((من قرأ خلف الإمام فليس على الفطرة)).

وفي رواية: ((إنما يقرأ خلف الإمام من ليس على الفطرة)).
وعن زيد بن ثابت قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له)).
وأما تعلقهم بالمعنى: من صح اقتداؤه بالإمام سقطت القراءة عنه دليله المسبوق بركعة.
قالوا: ولا معنى في سقوط القراءة عن المسبوق سوى الإتباع والاقتداء فإنه لا يجوز أن يكون المعنى مجرد إثبات الركعة حتى لا تفوته، لأن هذا المعنى موجود إذا أدركه بعد الركوع، ولأنه لا فوت في الحقيقة فإنه يقضي ومع القضاء لا يتحقق الفوت.
ولأن النبي عليه السلام أمر القاصد إلى الصلاة بالمشي ومنعه من السعي وإن كان فيه خوف الفوت، ولا يجوز أن يكون المعنى سقوط القيام لأنه غير ساقط، ولابد من وجود قيام عنه بعد التكبير وإن قل وإنما يسقط مد القيام لسقوط القراءة.
وأما في مسألتنا فالمؤتم وإن سقط عنه القراءة لكن وجب عليه القيام بحكم المتابعة.
وفي المسبوق لا قراءة عليه ولا متابعة فسقط عنه مد القيام، وأما القيام فقد أتى به، وأما القراءة سقطت لأجل صحة الاقتداء ولا يعرف معنى سوى هذا.
فإن طلبتهم كثيراً في الاقتداء، والمتابعة توجب سقوط القراءة فوجب ذلك (أن القراءة وجبت لمعنى العمل، وقد روى عن الحسن البصري قال: أنزل الله القرآن ليعمل به الناس فاتخذ الناس

قراءته عملاً وإذا كان وجوب القراءة للعمل فالعمل التدبر والتفكر) وذلك يكون بالاستماع لقراءة الإمام.
فأما بقراءة الجميع على التغالب لا يحصل هذا المقصود للأمر بالاستماع وقام الاستماع خلف الإمام مقام القراءة إذا كان منفرداً فصار سقوط القراءة إلى خلف يقوم مقامه في المعنى/ وسقوط الفرض إلى فرض مثله في المعنى غير مستنكر في الشرع وبل قد ورد الشرع على هذا المعنى في مواضع كثيرة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن هذا مستقيم عند جهر الإمام، فأما عند الإسرار فلا يستقيم، لأن الأصل هو الجهر المسمع للقوم، ولأن الله تعالى أمر بالقراءة بين الجهر والإخفاء بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، إن لا يجهر الجهر الشديد ولا يخافت اخفات من لا يسمع القوم ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾، بين الجهر الشديد والإخفاء، فثبت أن الأصل كان هو الجهر المسمع للقوم إلا أن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بالإسرار في الظهر والعصر لعارض أذى المشركين، فإنهم كانوا يجتمعون ويؤذون النبي عليه السلام في الظهر والعصر.
ويحاكون صلاته وقراءته ويصفقون ويصفرون فأمره الله تعالى بالإسرار لذلك ثم بقى كذلك، وإن زال المعنى الذي أمر به لأجله، ومثل هذا يكثر أن يرد الشرع بمعنى ثم يزول ذلك المعنى ويبقى المشروع كالرمل والسعي في الحج وما أشبه ذلك.
وتعلقوا أيضاً بالسورة، وقالوا: إحدى صورتي القيام فتسقط بمتابعة الإمام كالسورة المضمومة إلى الفاتحة.

الجواب: أما تعلقهم بالآية... قلنا: وردت الآية في الخطبة في الجمعة ونحن نقول بذلك في خطبة الجمعة.
قالوا: روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: نزلت الآية في القراءة خلف الإمام، وذكروا ذلك أيضاً عن مجاهد.
قلنا: ما ذكروه عن أبي هريرة رواه الأوزاعي عن عبد الله بن عامر وهو ضعيف.
وكذلك الإسناد عن مجاهد ضعيف أيضاً.
وعلى أن عندنا يقرأ في سكتات الإمام، وعند قراءته يسمع وينصت.
وقد روى محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عطاء عن أي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته ومن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأه)).

فإن قالوا: إذا لم يسكت الإمام.
قلنا: يقرأ ويكره للإمام أن لا يسكت، وإن لم يسكت فالوبال عليه لا على المأموم.
وعلى هذا الجواب يخرج ما تعلقوا به من قوله عليه السلام: ((وإذا قرأ فانصتوا)).
وعلى أن الأصح من ذلك الخبر أنه خال عن هذه اللقطة، وإنما وردت هذه اللفظة الزائدة في بعض الروايات، وعلى ذلك فنحن قائلون به.
وأما خبر ابن أكيمة الليثي فهو حجة مالك وأحمد في أنه يقرأ إذا أسر الإمام ولا يقرأ إذا جهر وهو أحد قولي الشافعي، وليس بحجة لهم.
وعلى أنه قد قيل إن ذلك اللفظ وهو قوله: ((فانتهى الناس)) من قول الزهري، وليس بقول أبي هريرة فيكون مرسلاً.

وقد ورد في بعض الروايات قال الزهري: فانتهى الناس.
وأما حديث جابر، فالصحيح أنه مرسل، رواه الأئمة مثل سفيان الثوري، وابن عيينة وشعبة، وشريك، وإسرائيل عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي عليه السلام.
وعبد الله بن شداد من التابعين، ولم يسنده غير أبي حنيفة رحمة الله عليه والحسن بن عمارة، قالوا: وهما ضعيفان في الحديث فعند التفرد عن سائر الإثبات لا تقوم الحجة بروايتهما، وهذا قول أئمة الحديث.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في كتاب علل الحديث: ((أجمع أهل العلم أن كل من أسند هذا الحديث فقد أخطأ)).

وأما روايته عن سالم عن أبيه هذا الخبر فرواه ممد بن الفضل بن عطية وهو ضعيف متروك.
وأما حديث عمران بن حصين فلم يرووه على ما نقلوا غير الحجاج بن أرطأة وهو لا يحتج بروايته.
وأما حديث الشعبي فمرسل، وأما حديث علي رضي الله عنه فمداره على غسان بن الربيع وهو ضعيف)).
وأما حديث ابن عباس فرواه عاصم بن عبد العزيز عن أبي سهل عن عون عن ابن عباس، وعاصم بن عبد العزيز من جملة الضعفاء أيضاً، ولا تقوم بروايته حجة.
وأما حديث علي بعينه فقد قال الدارقطني: إن إسناده لا يصح.
وحديث زيد بن ثابت لا يعرف.
هذه أوجه العلل في أخبارهم.

وأما المعنى الذي تعلقوا به: أما فصل المسبوق فقد قال بعض أصحابنا: إنه ثبت بالنص غير معقول المعنى ثم الجواب المعتمد أن سقوط القراءة لسقوط القيام، وهذا لأن القيام لا يراد لعينه وإنما يراد للقراءة، وإذا سقط القيام سقطت القراءة.
وقولهم ((إنه لم/ يسقط)).
قلنا: دليل السقوط هو أن الرجل مسبوق بالقيام، فلو جعلنا القيام عليه واجباً وألزمناه الإتيان به لصار آتياً بما سبق به قبل فراغ الإمام من صلاته، وهذا لا يجوز بل هو مبطل للصلاة فعرفنا قطعاً بهذا الدليل أن القيام عنه ساقط، وأما الذي يأتي به من القيام فهو لقيام تحريمه.
واعتذر أبو زيد عما قلناه، وقال: الراكع بمنزلة القائم لأنه بنصفه الأسفل قائم وإنما هو مائل بنصفه الأعلى، وإذا كان بمنزلة القائم فيكون قيام المسبوق مشاركة له في فعل القيام، ولا يكون فعلاً لما سبق له.
وهذا هوس، لأن الراكع ليس بقائم حقيقة، لأن القيام عبارة عن هيئة مخصوصة، لا ينطلق هذا الاسم إلا على تلك الهيئة، ولئن جاز أن يقال: إن الراكع نصفه قائم جاز أن يقال: القائم نصفه راكع، ومن دخل في أمثال هذا فقد جنى على عقله وعدل عن طريقة الفقهاء إلى طريق المهوسين الهازلين.
فإن قالوا: فلم يسقط القيام؟ قلنا: لا يلزمنا بيانه، وعلى أنه يمكن أن يقال: إنما يسقط بعلة العجز، فإنه لما أمر بالمتابعة فقد عجز عن القيام فصار كما لو عجز بالمرض.
وأما المعنى من قولهم: ((إن القرآن إنما أنزل للعمل به، فهو كلام صحيح في أصله، وليس بشيء في هذه المسألة، لأن الاستماع والتدبر وإن

أمر به فهو سنة وأدب من آداب الشرع، والقراءة ركن، بدليل أنه لو قرأ بغير تدبر جازت صلاته، ولو سكت غير مستمع تجوز صلاته عندكم، ولو ترك القراءة أصلاً بطلت صلاته، وإذا كان الاستماع من سنن القراءة وآدابها، فلا يجوز أن يقام مقام أصل القراءة.
والدليل على أن الاستماع ليس بأصل أن الشرع ورد بالإسرار تارة وبالجهر أخرى فلا يتصور الاستماع مع الإسرار، وبهذا يفارق الخطبة، فإن الاستماع هناك لما كان أصلاً لم يرد الشرع فيها إلا بالجهر، وهذا لأن الصلاة بأركانها كلها مؤداه لله تعالى، وليس بخطاب لأحد من الخلق حتى يشرع استماعهم على صف الوجوب.
نعم هو أدب وسنة في حال الجهر تعظيماً للقرآن، وإذا كان مؤداه لله تعالى من المصلى فلا خلل فيها سواء اتصل به الاستماع أو لم يتصل، بخلاف الخطبة فإنها خطاب للناس وعظة لهم، فإذا لم يوجد الاستماع اختل أمر الخطبة فثبت بمجموع هذا الكلام، أن الاستماع لا يجوز أن يكون خلفاً عن القراءة بحال، والقراءة ركن فإسقاطها بالإتباع والاقتداء إلى غير خلف لها في معناها لا يجوز.
وقولهم ((أن الجهر هو الأصل)).
قلنا: لا بل لو قلب وقيل أن الإسرار هو الأصل كان صحيحاً بل الأصح أن القراءة أصل أمر بها بوصفي الإسرار والإخفاء لتختلف تارات القارئ، ويشتمل وصف العبادة كما تختلف أحوال المصلى من انتقالاته من قيام إلى ركوع إلى سجود إلى قعود، ويشمل وصف العبادة جميعها، فأما أن يجعل أحدهما أصلاً والآخر مأموراً بعارض فليس عليه دليل.
ألا ترى أن الإسرار قد ورد به الشرع في صلاة المغرب والعشاء الآخرة فيما زاد على الركعتين، فدل أنه ليس الأمر على ما زعم.

وخرج على ما قلناه فصل السورة، لأنها سنة.
وقد بينا أن الاستماع سنة، فيجوز أن يسقط بسنة على سنة مثلها.
أما القراءة ركن والاستماع سنة فلا يجوز أن يسقط ركن إلى خلف هو سنة.
والله تعالى أعلم.

مسألة

قراءة القرآن بالفارسية لا يجوز وغيرها من اللغات

عندنا.
وهو قول أكثر أهل العلم.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه بدون صاحبيه يجوز، وعلى مذهبه اختلافات لأصحابهم مذكورة في كتبهم.
لنا: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ والقرآن اسم للمنزل بلغة العرب بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.

وقال الله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، فغير العربي لا يكون قرآناً.
يبينه أن القرآن ما أنزل الله تعالى على نبيه محمد عليه السلام فتلوناه بألسنتنا وكتبناه في مصاحفنا وحفظناه في صدورنا.
ونحن نعلم قطعاً أن الفارسية ليست مما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا هو المتلو على الألسن ولا المكتوب في المصاحف فلا يكون قرآنا ولأنه إذا قرئ بالفارسية فقد أخل/ بنظم القرآن، والقرآن قرآن بنظمه ومعناه.
وهذا لأنه كلام امتاز عن كلام الخلق بالإعجاز، والإعجاز في نظمه، لأنه نظم خارج عن أقسام كلام العرب، فإذا اختل النظم ذهب الإعجاز، وإذا ذهب الإعجاز لم يكن قرآناً.
يدل عليه (إن القرآن نزل حجة على النبوة وعلماً للهدى، والهدى بمعناه والحجة بنظمه، ثم الإخلال بالمعنى يسقط حكم القراءة، كذلك الإخلال بالنظم).
يبينه أن حفظ القرآن واجب بنظمه ومعناه ليكون حجة النبوة، وحجة الأحكام محفوظة في أيدي الناس، والحفظ يكون بالقراءة، ولا تجب القراءة إلا في الصلاة فعرفنا أن جوازها متعلق بعين ما أنزل الله ليحصل الحفظ المطلوب من الناس على ما أنزل.
وأما حجتهم: تعلقوا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ولم يكن فيها بالعربية.

وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي بالقرآن وإنما ينذرون بلغاتهم، فدل أنه لا يصير شيئاً آخر باختلاف اللغة، وعن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه لقن رجلاً ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ وكان يقول: طعام اليتيم، فقال: قل طعام الفاجر.
وعن أنس أنه قرأ: ((وحططنا عنك وزرك)) مكانه قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾.
قال: ولأن العبرة بالمعنى فإنه هو المقصود، وقد أدى المعنى وإن كان بلغة أخرى.
وأما الإعجاز فهو اختصار المعنى، والإخبار عن الغيوب فهذا لا يذهب وإن قرئ بلغة أخرى.
الجواب: أما الآيات التي تعلقوا بها فليس فيها دليل لهم، بل هو دليل عليهم، لأنه كان في زبر الأولين ولم يكن قرآناً، فإن زبر الأولين والصحف الأولى ليست بقرآن، ولو قرأ ذلك في صلاته لا تجوز صلاته، وإذا كان على هذا الوجه فيجوز أن يكون معنى الآية: ذكر الرسول أو يكون المراد معنى القرآن لا نفس القرآن.
وأما الذي نقلوا عن ابن مسعود فيحتمل أنه إنما قال ذلك تنبيهاً له على المعنى فإذا تنبه على المعنى كان لسانه بذلك أطلق.

وأما المروي عن أنس فهو من القراءات الشواذ، وقد كانوا يقرؤون الشواذ على أنه من المنزل، ولكن انقطع النقل الآن، واتفق الأمة على مصحف الإمام وهو مصحف عثمان رضي الله عنه وترك ما سواه فلم يجز قراءة غيره لأجل الإجماع.
وأما الذي قالوا: ((إن العبرة بالمعنى)).
قلنا: قد بينا أن القرآن بنظمه ومعناه جميعاً فلا يجوز الإخلال بواحد منهما.
وقولهم ((إن الإعجاز في اختصار المعنى)).
قلنا: الاختصار وغير الاختصار قد وجد في القرآن، وليس ذلك من الإعجاز وإنما الإعجاز في نظمه على ما سبق.
وأما الإخبار عن الغيوب فإن ذلك في بعض السور وما من سورة من القرآن إلا وهي معجزة، فلم يكن الإعجاز على العموم إلا في النظم.
فإن قالوا: (إن القراءة في الصلاة للثناء على الله تعالى ليس للمحاجة مع الكفار والثناء يتأدى بالمعنى)).
(قلنا: القراءة في الصلاة ليست للثناء على الله تعالى، فإنه يقرأ بما ليس فيه ثناء، وإنما الثناء سنة في الصلوات كلها، ولكن القراءة ركن.
فدل أنه إنما يقرأ القرآن ليكون محفوظاً، كما أنزل حجة على النبوة، والأحكام جميعاً على ما سبق، ولأنه لو نظم معناه شعراً ثم قرأ به فسدت صلاته.
لأنه نظمه من كلام الناس لا من كلام الله وهذا فصل معتمد.
والله أعلم.

مسألة

يسن رفع اليد عند الافتتاح وعند الركوع وعند رفع رأسه من الركوع

عندنا.
وعندهم: لا يسن إلا عند الافتتاح.
لنا: حديث الزهري عن سالم عن أبيه وهو ابن عمر قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه وإذا ركع، وإذا رفع رأسه (من الركوع) فعل مثل ذلك وكان لا يرفع من السجدتين)).

وروى هذه السنة عن النبي عليه السلام قريب من ثلاثين نفساً من الصحابة منهم: عمر وعلي رضي الله عنهما، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وأبو هريرة، وأنس، وجابر، وأبو سيد، وأبو حميد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبو قتادة، وأبو موسى الأشعري، وعمر الليثي.
وعن علي بن المديني قال: حديث ابن عمر مثل هذه الإسطوانة- يعني في الثبوت.
وقد قال بهذه السنة ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، من التابعين: الحسن البصري، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، ونافع، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
وقال بها الأئمة: الأوزاعي، ومالك، ومعمر، وابن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.

وقد اختلف فيه عن مالك، وابن عيينة إلا أن أصح الروايتين عنهما ما قدمناه.
نقله ابن وهب وغيره عن مالك.
وقد اتفق على هذه السنة أهل الحجاز، وقيل: إن أهل مكة أخذوا رفع اليدين في المواطن الثلاثة عن ابن جريج، وأخذه ابن جريج عن عطاء، وأخذه عطاء عن عبد الله بن الزبير، وأخذه ابن الزبير عن أبي بكر، وأخذ أبو بكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. أما حجتهم: تعلقوا بحديث سفيان عن عاصم بن كليب الجرمي عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرة.

قالوا: ورواه حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.
ورواه يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فرفع يديه في التكبير الأولى ثم لم يعد)).
وروى مسلم عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: ((لا ترفع الأيدي

إلا في سبعة مواطن))، وذكر منها حال الافتتاح، ولم يذكر ما سوى ذلك من أحوال الصلاة.
وتعلقوا أيضاً بالحديث المعروف أن النبي عليه السلام رأي أصحابه وقد رفعوا أيديهم فقال: ((ما بالكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة)).
قالوا: وراوى خبركم ابن عمر.
وقال مجاهد: صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة فلم يكن يرفع يديه إلا في الافتتاح.
ونقلوا عنه أنه قال: رفع اليدين بدعة.
قالوا: ولأن رفع اليدين مجرد حركة بلا عنى، وأما في حال الافتتاح سلم للنص.

جارٍ التحميل