(مسألة)
تثبت الاستطاعة ببذل الابن الطاعة
عندنا.
وعندهم: لا تثبت.
وقد ذكر مشايخهم رواية عن أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاستطاعة لا تثبت بمجرد المال بحال، وزعموا أن هذه الرواية هي الرواية الظاهرة عنه.
ورووا عن أبي حنيفة رحمة الله عليه رواية أخرى أن الاستطاعة
تثبت بمجرد المال، وزعم المحققون منهم أن هذه الرواية هي الأصح.
وفائدة الروايتين تظهر في المغضوب الموسر، هل يجب الحج عليه أم لا؟
لنا:
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، وإنما قلنا إنه يصير مستطيعاً، لأن الاستطاعة ليس إلا الإمكان وقد أمكنه الحج حين بذل له الابن الطاعة وهو أن يكون معضوباً فقيراً فيبذل له أن يحج عنه أو يكون فقيراً صحيحاً فيبذل له المال فقد تحققت الاستطاعة في الصورتين، أما في الصورة الأولى فليس بينه وبين حصول الحج له إلا الأمر به، وهو مما يدخل تحت الأمر وتجرى فيه النيابة، وفي الصورة الثانية، أمكنه الحج بإنفاقه مال الابن في سفر الحج، كما أمكنه إذا كان المال له، لأن الإمكان لا يختلف في الموضعين فإن ركوبه مركوب الغير وركوبه مركوب نفسه واحد، وكذلك لا يختلف في المطعوم والمشروب.
فثبت أن الإمكان موجود وإذا وجد الإمكان وجب عليه الحج، لأنه لا شرط له سواه، وكذلك في المعضوب الموسر وجد الإمكان وهو أن يبذل ماله ليحج عنه غيره فوجب أيضاً.
وهذه المسالة مبنية على أن النيابة جارية في الحج، وسنبين من بعد.
ويدل عليه: أنه لو كان مستطيعاً للحج بنفسه فطرأ عليه العجز بقى الوجوب عليه، وكذلك إذا وجد المال وهو معضوب جاز أن يجب عليه أيضاً، لأن الباقي هو الواجب عليه ابتداء، والواجب عليه ابتداء هو الباقي فإذا جاز أن يبقى عليه وجوب الحج وهو عاجز ببدنه ليؤدي بماله، فكذلك في الابتداء جاز أن يجب عليه أيضاً.
وأما حجتهم:
قالوا: غير مستطيع للحج فلا يجب عليه الحج، كما إذا كان الباذل أجنبياً، وإنما قلنا: ((إنه غير مستطيع))، لأن الاستطاعة بملك الزاد والراحلة بالنص وهو الإجماع بيننا وبينكم ولم يوجد.
ثم قالوا: لو صار مستطيعاً لصار مستطيعاً ببذل الابن المال له وهذا لا يجوز شبهاً ولا معنى.
أما الشبه فالدليل عليه: أن العبد لو أذن له مولاه في الحج وبذل له المال فإنه لا يجب عليه الحج، ولو ثبتت الاستطاعة بالبذل والإباحة وجب أن يثبت ويجب الحج في هذه الصورة، لأن العبد من أهل الحج والإمكان قد وجد.
يبينه: أنه إنما لم يجب لعدم الإمكان مثل العسر لا يجب عليه لعدم الإمكان والسيد بذل له المال فقد تحقق الإمكان، وهذا شبه معتمد.
ويدل عليه: أن الابن إذا بذل المال في كفارة اليمين والظهار جميعاً فكذلك ههنا لا يحكم بالاستطاعة.
وأما المعنى:
قالوا: الاستطاعة بالزاد والراحلة شرط لوجوب الحج بالإجماع، وهو استطاعة بمال لا يوجد مباح الأصل في العادة فوجب أن يكون الملك شرطاً لوجوب الحكم المبتنى عليه، لأن أصل القدرة على ما......... والأفعال هو بالملك/ وأما القدرة بالإباحة عارضة، والأحكام إنما تتعلق بالأصول لا بالأعراض، ألا ترى أن الصلاة قائماً إنما تتعلق بالاستطاعة ينالها الإنسان بسلامة أحواله، ولا تحجب بما يحدها بمعين بعينه من ولده أو غيره للمعنى الذي بينا، وهو أن الأصل أن الاستطاعة مبنية على سلامة الحال، والأخرى عارض، ولا يلزم على هذا الماء في الطهارة، لأن الماء على العادات موجود مستعمل على الإباحة فصار الإمكان بالإباحة في حق الماء أصلاً فقام مقام الملك، وأما الزاد والراحلة قل ما يوجد على أصل الإباحة وإنما يتمكن الإنسان من استعمالها على العادات الجارية بالملك، والإباحة عارضية فبني الحكم على الملك ولم يعتبر العارض.
قالوا: وأما المعضوب الموسر فيجب عليه الحج على الصحيح من المذهب لأن ملك الزاد والراحلة قد وجد.
وقد نص مشايخهم إحدى الروايتين عن صاحبهم.
وقالوا: تعلق الحج بالبدن فوق تعلقه بالمال، لأنه يؤدي بالبدن وإنما المال وصلة، ثم إذا كان عاجزاً بماله لم يجب عليه الحج وهو الفقير الصحيح فإذا كان عاجزاً ببدنه أولى أن لا يجب.
قالوا: وأما قولكم: ((أنه لو كان صحيحاً موسراً فعرض العجز يبقى عليه وجوب الحج)).
قال: هذا لا يدل على أنه يجب عليه ابتداء كالميت يبقى عليه وجوب الحج ولا يجوز أن يجب عليه ابتداء.
الجواب:
أما قولهم: ((إنه لا يجوز أن يصير مستطيعاً ببذل الابن له الطاعة بدليل الأجنبي)).
قلنا: قد منع بعضهم.
والصحيح على المذهب أنه لا يصير مستطيعاً إلا ببذل الابن على الخصوص، وإنما كان كذلك، لأن الإمكان قد وجد صورة ومعنى ببذل الابن ماله، أما الصورة معلومة، وأما المعنى فلأنه لا منة تلحقه ببذل الابن وإباحته ماله له ليحج به، لأن هذا وإن كان إحساناً لكن إحسان الأب إليه أكثر فيكون هذا على معنى المجازاة والشكر لإحسانه إليه لا على معنى الامتنان به عليه، لأن الشرع أضافه ماله إليه إضافة الملك إلى مالكه، ولأنه سمى الولد كسباً له مثل ما يكون العبد كسباً لسيده فيكون حجه بماله مثل حجه بسائر أكسابه فثبت أنه لا منة تلحقه في بذل الابن فتحقق الإمكان بصورة ومعنى.
وهذا لا يوجد في غير الابن فلم يوجد الإمكان معنى، لأن تحمل المنة في غاية الشدة وهي دقاقة لأعناق الرجال.
·
وأما فصل العبد الذي تعلقوا به:
قلنا: وإنما لم يجب، لأنه ليس من أهل وجوب الحج عليه والدليل عليه النص والحكم:
أما النص: قوله عليه السلام: ((أيما عبد حج عشر حجج ثم عتق فعليه حجة الإسلام)).
وأما الحكم: فإنه لو حضر بعرفات مع سيده لم يجب عليه الحج ولو كان عدم الوجوب لعدم الإمكان فإذا حضر بعرفات وجب أن يجب عليه الحج كالفقير، خصوصاً إذا كان السيد قد أذن له في فعل في فعل الحج، وحين أجمعنا على أنه إذا فعل الحج في هذه الصورة لم يكن فاعلاً واجب الحج عليه بخلاف الفقير، وبخلاف العبد الذي حضر الجمعة مع سيده ويؤديها، دل أنه إنما لم يكن لأجل أنه ليس من أهل فرض الحج عليه أصلاً.
وأما فصل الكفَّارة:
فلا نسلم، ونقول: إذا بذل الابن الرقبة أو الطعام لأبيه لم يجز له أن يعدل إلى الصوم، وعلى أن الكفارات حق مالي فلا يتأدى إلا بماله أو بما يصل إليه بماله.
وأما الحج بدني فلا يحصل إلا ببدنه أو ببدن يصل إليه بأي سبب كان ويقوم بدن ذلك الغير مقام بدنه ولم يعتبر أن يكون الوصول بالمال لأنه ليس بواجب مالي فاعتبر أصل الوجوب فحسب، والأصح المنع في الطعام خاصة، وفي العتق إذا وهب الرقبة له أنه يجب عليه قبولها، وعلى هذا في مسألتنا لو وهب الزاد والراحلة له يجب عليه قبولها أيضاً.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجب القبول، لأن المنة تكثر في ذلك ما لا يكثر في مجرد البذل.
وأما دعواهم ببيان المعنى، وقولهم: ((إن الأصل هو القدرة بالمال الذي يكون له)).
قلنا: لا نسلم، بل الأصل هو القدرة بأي وجه كان، لأن الشرط تيسير الوصول إلى الحج بالإمكان الذي يوجد إما بماله ولده، فأما اعتبار ماله فلا معنى له، كما نقول في الوضوء، فإنه لا فرق بين أن يكون إمكانه بماله أو بمال غيره وقد بذل ذلك الغير له.
وقولهم: ((إن الماء يوجد مباحاً والزاد والراحلة لا يوجدان مباحان)).
قلنا: وبأن كان يوجد الماء مباحاً في الأصل بخلاف الزاد والراحلة لم ينبغي أن يفترقا في مسألتنا، والماء مملوك للغير إباحة له، وكذا الزاد والراحلة إلا أن التعلق بفصل الماء في الوضوء يقتضي أن لا يفترق الحكم بين أن يكون الباذل أجنبياً أو غيره.
وقد بينا أن الأصح التفريق/ وحرف الجواب ما قدمنا، ونقول: إن الإمكان أمر حسي لا يتصور أن يختلف بماله ومال غيره، والموجود بمال غيره هو الموجود بماله ولا يتصور أيضاً أن يجعل أحدهما أصلاً والآخر فرعاً.
وأما تعلق مشايخهم بالمعضوب الموسر، فقولهم: ((إن تعلق الحج بالبدن فوق تعلقه بالمال)).
فليس بشيء، لأنا إن سلمنا لهم ذلك لكن القدرة على الحج بدناً قد وجد، لأن بدن غيره يقوم مقام بدنه على ما عرف، لأن الحج يجب بمجرد القدرة بدليل أن الفقير إذا حصل بعرفات فوجب أن يجب بمجرد المال، والاعتماد على ما سبق.
وأما فصل الميت الذي ذكروه، فليس بشيء، لأنه ليس من أهل التكليف ابتداء بخلاف المعضوب فإنه من أهل التكليف ابتداء، وإنما بقى الحج على الميت بقاء الديون فكما تبقى سائر الديون عليه بقى الحج عليه أيضاً.
والله أعلم بالصواب.
(مسألة)
وجوب أداء الحج على التراخي
عندنا.
ومعنى قولنا: ((على التراخي)) أنه ليس على الفور.
وعندهم: على الفور، وزعموا أنه قول أبي يوسف.
وحكوا عن محمد بن الحسن أنه قال على التراخي.
قالوا: وليس عن أبي حنيفة رضي الله عنه رواية في ذلك.
وقال بعضهم: عنه روايتان.
وقد صححوا كونه على الفور.
لنا:
إن مطلق الأمر لا يقتضي الفور، ولو يوجد في الحج إلا مطلق الأمر، والدليل على أنه لا يقتضي الفور أن قول القائل لغيره: ((افعل كذا)) حقيقة طلب الفعل وليس فيه تعرض للوقت بوجه ما فصار جميع أوقات الحج وقتاً له على وجه واحد حتى إنه في أي وقت أدى يكون ممتثلاً للمأمور، وهذا كالمكان في الصلاة فإن الله تعالى أمر بالصلاة في زمان ولم يتعرض للمكان فصار جميع أمكنة الصلاة مكاناً للصلاة على وجه واحد حتى إن في أي مكان أدى يكون ممتثلاً للمأمور، كذلك ههنا.
والحرف أن الأمر بالفعل لا يقتضي إلا طلب الفعل، وأما التعجيل والتأخير فليس عليه دليل من صيغة اللفظ فصار مطلق الأمر مقتضياً مطلق الفعل فتقييد الأمر تقييد زائد لابد فيه من دليل زائد، وإذا سقط التقييد بالفورية والبدار من ظاهر اللفظ فصار هو بالتأخير مؤخراً للفعل من زمان الفعل إلى زمان الفعل فجاز له ذلك، وهذا كما لو أخر الصلاة من أول وقتها إلى آخر وقتها، فإنه يجوز للمعنى الذي بينا.
يدل عليه أن الواجب من الفعل كما يصلح واجباً على الفور والبدار حتى يتضيق عليه بوجود أول أوقات الإمكان فيصلح واجباً لا على الفور والبدار حتى يتوسع عليه في مدة عمره فيفعله في أي وقت أحب من أوقات عمره من غير أن يخلي الوقت عنه، والدليل على أن الإيجاب على مثل هذا جائز، المشروع والمعقول:
أما المشروع: فلأنه قد وجد نظير ذلك في الزكوات والكفارات وقضاء رمضان إذا كان الفطر بعذر، كذلك على نحوه وجب الصلاة في الأوقات المحدودة، لأنها أوقات تفصل عما يسع للفعل فلم يكن الوجوب إلا على هذا الوجه وهو الأمر بالفعل لا على وجه الفور والبدار لكن على التوسع في الوقت المضروب حتى يفعله في أي وقت أحبه من غير أن يخلى الوقت المضروب منه، فصار الوقت المحدود هنالك كمدة العمر ههنا.
وأما المعقول: فلأن الإيجاب على وجه التضييق ومبادرة الفعل، كما يجوز أن يكون هو مراد الآمر ومصلحة المأمور فيجوز أن يكون الإيجاب على وجه التوسيع في الوقت مراد الآمر ومصلحة المأمور، فإذا جاز أحدهما جاز الآخر، فهذا الذي ذكرناه هو المعتمد من الدليل، وهو في نهاية القوة، وفي المسألة إلزامات حكمية ذكرناها في التعليق، واقتصرنا في هذا الموضع على هذا القدر، وفيه الغنية.
وقد تعلق الشافعي رضي الله عنه بتأخير النبي عليه السلام الحج من السنة التي وجبت فيها إلى السنة الأخيرة من سني عمره، وهي السنة العاشرة مع التمكن من فعله فإنه صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة في سنة ثمان في شهر رمضان وعاد إلى المدينة، واستخلف على الحج عتاب ابن أسيد، وبعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه في السنة الثانية وهي سنة تسع، وحج سنة عشر فقد أخر سنتين من أول سني الإمكان.
ولنا في رسول الله أسوة وبه قدوة مما أطلق له فمطلق لنا، وإن ادعوا عذراً في التأخير فلابد من بيانه.
وأما حجتهم:
قالوا: الأمر المطلق على الفور، لأنه مفيد للوجوب، والواجب ما لا يسع تركه والتأخير ترك.
يبينه: أن الأمر بالفعل قد تناول أول سني الإمكان فأفاد الوجوب فيها، وإذا وجب الفعل في أول سني الإمكان لم يجز تركه، لأنه إذا جاز تركه لم يكن واجباً فعله.
وحرفهم: إن الواجب ما لا يجوز تركه في زمان وجوبه.
فإن قلتم: إنما يجوز إلى بدل وهو العزم.
قال: لا يجوز أن يكون العزم بدلاً عن الفعل، لأنه لو كان بدلاً من الفعل لقام مقامه بحال في حصوله المطلوب منه وتأدى المأمور به كسائر الأبدال، ولأن العزم على الفعل واجب قبل دخول الوقت، وما يجب قبل دخول الوقت لا يتصور أن يقوم مقام الواجب في الوقت، ولأنه لا دليل على كونه بدلاً، ولا يجوز إثبات بدل بلا دليل، فدل عليه أنكم جوزتم تركه مطلقاً لا إلى بدل، وهذا لا يجوز لأنه يكون نقلاً ولا يكون فرضاً.
قالوا: ولأن التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة فيكون التأخير باطلاً، لأن ما يؤدي إلى الباطل باطل، وإنما قلنا ذلك، لأنه لا يخلو: إما إن جاز التأخير لا إلى غاية أو إلى غاية.
فإن قلتم يجوز تأخيره لا إلى غاية فيكون باطلاً، لأنه ينافي الوجوب فإن الوجوب لابد له من فائدة، فإذا جوزنا التأخير لا إلى غاية سقطت فائدة الوجوب، وهذا لأن الأمر طلب الفعل، فإذا جاز التأخير على الإطلاق بقى أمر بلا فعل، وإن قلتم: وجد بدله وهو العزم، فقد تكلمنا عليه.
وإن قلتم: يؤخر ويوصي، فليس كل الأوامر مما تجوز فيها الوصية، ولأنا إذا قلنا يؤخر المأمور ويوصي فكذلك وصيه يوصى، ووصى وصيه يوصى فيؤدي إلى تسلسل الوصية أبداً، فلا يوجد فعل ما.
وإن قلتم: يجوز التأخير إلى غاية، فلا تخلو تلك الغابة، إما أن تكون غاية معينة أو موصوفة.
فأما المعينة: بأن تقول أخر الفعل إلى سنة كذا أو يوم كذا، وتعيين السنة أو اليوم، وهذا غير موجود بالإجماع.
وأما الموصوفة: فهو أن يطلق له التأخير إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخر فات وهذا أيضاً باطل، لأن الظن لا عن إمارة هو الظن السوادي، وذلك غير معتبر، وأما الظن عن إمارة من علو سن أو مرض فالناس يختلفون في ذلك، وإنما لا يظن أصلاً فيؤخر ويموت فيفوت الفعل أو يموت فجاءةً وبغتة فيفوت أيضاً، والأمر بالفعل يقتضي الفعل لا محالة، وبهذا الطريق وجب الفعل، وفيما قلتم إخراج الأمر من أن يكون موجباً للفعل لا محالة، وأيضاً ما قلتم يقتضي أنه إذا أخر حتى مات أنه لا يعصي الله بتأخيره فيكون هذا والنافلة سواء.
قالوا: وأما الكفارات والزكوات والقضاء وغير ذلك قالوا على هذه الطريقة: إن قضية الأمر فيها أنها على الفور وإن جوزنا التأخير إنما جوزنا بقيام دليل.
وأما أبو زيد فقال في هذه المسألة: إن التأخير عن السنة الأولى تفويت فلا يجوز التأخير عن السنة الأخيرة من سني العمر، وإنما قلنا ذلك، لأن فوات العبادة بفوات وقتها، والحج له وقت معين من السنة فإذا أخر عنه فقد فات، ألا ترى أنه فعله لا يجوز والتفويت محظور.
قالوا: فإن قلتم إن لم يحج في هذه السنة يحج في السنة القابلة قال: إنما يمكنه الحج في السنة القابلة عند مساعدة الحياة إلى السنة القابلة وقد
يجوز أن يساعد، ويجوز أن لا يساعد فلا يجوز إطلاق تفويت متيقن به بإدراك مشكوك فيه.
وربما يقولون: لو جعل غير مفوت لجعل بإدراكه وقت الحج في السنة الثانية فإذا كان إدراك الحج في السنة الثانية على الشك لم يجز الحكم بإدراكه ولم يذهب الفوات.
قالوا: وليس كما لو أخر القضاء إلى الغد، لأنه وإن فات الصوم بدخول الليل لكن موته الليل نادر، والنادر لا يعتبر.
فأما موته في السنة الثانية فليس بنادر، وهذا لأن السنة مدة طويلة ليتقابل فيها احتمال الحياة والممات ولا يظهر رجحان، فأما الليلة فمدة قريبة فيترجح جانب الحياة.
قالوا: وعلى هذا تخرج الزكوات والكفارات، لأن الفوات لا يوجد بالتأخير فإن وقت فعلها وقت ممتد ولي بوقت يوجد وينقضي مثل ما يكون الحج.
قالوا: وأما قول مشايخكم: ((إنه يكون مؤدياً للحج في أي سنة فعله)).
قال: إنما كان كذلك لأنا إنما جعلناه مفوتاً، لأنه لا يقين لإدراكه وقت الحج في السنة الثانية.
قال: إدراك جاء اليقين وذهب الشك فنزلت السنة الثانية منزلة السنة الأولى، وكذا في الثالثة والرابعة إلى ما بعدها من السنين.
قالوا: وأما تعلقكم بتأخير النبي عليه السلام حجه إلى آخر عمره، فإنما يستقيم التعلق به إذا كان عن غير عذر فبينوا أنه أخر لا عن عذر حتى يصح التعلق به.
والدليل عليه: أن عندنا يجب فعل الحج في أول سني الإمكان ولا يجوز التأخير.
وعندكم: الأفضل أن لا يؤخر أيضاً، والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان لا يترك الأفضل ولكن ترك لعذر، كذلك عندنا ترك الواجب بعذر جائز.
وقد قال بعضهم: إنما أخر بعذر الفقر، لأنه قد كان اختاره على الغنى، أو أخر لأنه خاف المشركين على المدينة فلم يمكنه أن/ يقربها.
أو أخر لأن العرب كانوا يحجون على سنن المشركين وكان بينه وبينهم عهد فلم يرد أن يحج وهم يظهرون أعلام الشرك بحضرته ولا يكون منه تغيير.
وقال أبو زيد على طريقته:
((إن الله تعالى كان أعلم النبي عليه السلام أنه لا يموت حتى يحج فلم يكن التأخير تفويتاً، وكان على يقين من الإدراك في المستقبل وهذا لا يوجد في غيره)).
الجواب:
أما دلائلهم في أن الأمر المطلق على الفور.
نقول: قولكم: ((إن الأمر يفيد الوجوب)) مسلم.
وقولكم: ((إن الواجب ما لا يسع تركه)) مسلم، ولكن هذا ليس بترك
على الإطلاق بل هو ترك في وقت ليؤديه في وقت مثله مع استواء الوقتين فيما يرجع إلى فعل المأمور.
وقولهم: ((إنه وجب في الوقت الأول)).
قلنا: بلى، ولكن على التوسع لا على التضييق، ومعنى التوسع أن جميع زمان العمر مجعول كالوقت الواحد في قبول فعل المأمور، والتخير ثابت للمخاطب بالفعل ليؤديه في أي أوقات هذا الزمان الممتد متى شاء بشرط أن لا يخلي العمر من فعله.
وقد بينا أن هذا جائز مشروعاً ومعقولاً، فإذا عرف هذا تبين الفرق بين هذا وبين النفل، لأن في النفل يجوز إخلاء العمر عنه.
واعلم أنا لا نزعم أن العزم يدل على الفعل الواجب ولا يحتاج إليه وإن كان قد قاله جماعة من الأصوليين، لأنه إذا عرف الوجوب على الوجه الذي بينا كان ترك فعله في أول أوقات الإمكان مطلقاً ولم يحتج إلى إقامة بدل مقامة، وهذا لأن الآفة للمخالف جاءت من الجهل بمعرفة تنوع الواجب، فإذا عرف تنوع الواجب وإنما يكون مضيقاً مرة وموسعاً أخرى ففارق النفل في إلزام الفعل على الجملة وفارق المضيق في جواز التأخير ليؤديه في وقت آخر مثل الوقت الأول، فصار جواز التأخير عن أول سني الإمكان، لأنه واجب موسع، لا لأنه ليس بواجب موسع.
وأما قولهم: ((إن التأخير لا يخلو من كذا)).
قلنا: يجوز التأخير عندنا إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخر عن هذه السنة يعجز عن فعله في السنين التي تليها.
وقولهم: ((إن الناس يختلفون في الظنون)).
قلنا: نحن نعلم أن للموت إمارات وعلامات ونعلم أن تلك الإمارات يغلب على ظن العاقل ما ذكرناه والحكم بالإمارة المغلبة للظنون صحيح في الشرع بدليل الأقيسة والاجتهادات.
وأما غلبة ظن السوادي من غير إمارة غير معتبر، فأما إذا كان عن إمارة فهو معتبر مثل غلبة الظن عن الأشياء والمعاني المخيلة معتبرة في الأحكام.
وأما غلبة الظن لا عن شبه ولا عن معنى مخيل غير معتبر، وقد ورد لهذا نظير في الشرع فإن الوصية واجبة في ابتداء الإسلام على المريض إذا غلب على ظنه الموت من ذلك المرض.
فإن قالوا: إذا مرض يمكنه أن يوصى، وإذا مرض لا يمكنه أن يحج.
قلنا: لابد له من مرض معجز ليضيق الواجب عليه، لكن نقول: إذا غلب على ظنه أنه إذا أخر عجز عن أدائه يتضيق وبناء الحكم على غالب الظن عن أمارة مثل بناء الحكم على النص بدليل الشرعيات وكان الشرع ضيق الصلوات الموظفة في الأوقات بوجود آخرها من حيث النص، وضيق الحج وأشباهه من الأوامر المطلقة بوجود آخر أوقاتها من حيث غالب الظن، والكل صحيح جائز.
وأما العصيان وإلزام سمته تارك الحج فقد تخبط فيه الأصحاب.
والأولى أن نقول:
((يجوز التأخير ولا يوصف بالعصيان إلى أن يغلب على ظنه ما ذكرناه،
فإذا وجد غلبة الظن وأخر لحقته حينئذ سمة العصيان، وإن مات لقي الله تعالى عاصياً وإن مات فيما بين ذلك بغتة قبل أن يوجد غلبة الظن عن أمارة تقول: لا يكون عاصياً)).
فإن قالوا: نعم، ترك ولكن إنما يترك واجباً موسعاً عليه، وقد كان ينتظر تضيقه عليه بوجود غلبة الظن، وذلك أمر معهود في عادات الناس فإذا اخترمته المنية، واختزلته من بين سائر الناس قبل أن يبلغ المعهود في أجناسه لم يكن عليه عيب ولم تلحقه سمة العصيان لأنه كان على عزم أنه إذا تضيق عليه لا يؤخره مثل من عليه الصلاة مات قبل أن يبلغ آخر الوقت، وكذلك على أصلهم في الزكوات والكفارات إذا أخرها ومات في خلال ذلك.
فهذا تتمة ما قصدناه من الجواب عن هذه الطريقة المذكورة على سمة الأصول وهو تام بين بحمد الله عز وجل.
وقد انتصب جماعة من المنتسبين إلى الكلام للذب عن أصول الفقه، وظنوا أنهم يمشون من ذلك ما يعجز الفقهاء عن تمشيه، وادعوا أنهم أصحاب الحقائق وأن الفقهاء أرباب الأشباه والظنون من غير عثور وعلى حقيقة.
وعندي أن المتكلمين أجانب عن أصول/ الفقه، ومن لم يعرف معاني الفقه وقوانينه لا يجوز الاعتماد عليه في معرفة أصولها فلا ينبغي لفقيه أن يعدل عن سمة أهل الفقه وأن يأخذ أصول مذهبه عن من لا يعرف
معاني مذهبه فلهذا وأمثاله........ البيان عن الفقه وقل طلابه واستولى على الناس محض التقليد والله المستعان، وسنتبين في أصول الفقه إن شاء تعالى ما يكشف عن عورات هذه الطبقة وما تقر به أعني المتبعين للحقائق الذابين عن معاني الفقه ومسالكه.
وأما طريقة أبي زيد ففي نهاية الضعف فإن حرفه في طريقته أن الحياة ربما لا توجد في السنة الثانية.
قلنا: الغالب الوجود، لأن الموت من غير أمارات الموت من كبر ومرض ووجود ضعف وغير ذلك نادر، والأغلب أن الشاب الطري يعيش إلى أن يهرم وعلى هذا بنى الله أمر العالم ولو كان على خلاف ذلك لخربت الدنيا ولم تبق إلى هذا الوقت.
وإن تعلقوا بجواز الوجود، فهذا غير معتبر بدليل قضاء الصوم بؤخره إلى الغد ويجوز أن يموت الليلة، وكذلك الصلاة يؤخرها إلى أن يفعلها في آخر الوقت ويجوز أن يموت قبل ذلك، وهذا لأن الأصل موافقة الحياة للآجال والمدد المضروبة وإن كانت على الشهور والسنين الكثيرة وأحكام الشرع مبنية على ذلك.
ولهذا لو أجل الأثمان إلى السنين الكثيرة أو كاتب العبيد ونجم إلى سنين يجوز، وكذلك الدية على العاقلة تجب إلى ثلاث سنين ولو اعتبرنا ما قالوا لم يصح شيء من ذلك، كما لو ضرب الأجل إلى زمان لا يعيش إلى مثله قطعاً من مائتي سنة أو ثلثمائة سنة وأمثال ذلك.
ويقال لهم بطريق الجدل: لو ثبت الفوات لثبت لعدم الإدراك في السنة الثانية وذلك على الشك فلا يثبت الفوات بالشك.
والاعتماد على الأول.
وأما التعلق بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحج فصحيح، وقد كان صلى الله عليه وسلم واحداً لما يحج به، ألا ترى أنه كان يجهز الجيوش ويبعث السرايا وقد فتح الله عليه الفتوح ووسع عليه الدنيا.
وقولهم: ((إنهم كانوا يحجون على سنن الشرك)).
قلنا: إن كان ثم عهد فلا بأس بترك التغيير، لأنه وفاء بالعهد، وإن لم يكن فكان ينبغي أن يحج ويغير.
وأما قولهم: ((إنه علم أنه لا يموت حتى يحج)).
قلنا: هذا لابد فيه من نقل، ودعوى علم الغيب على الرسول محال، وإنما أخرنا للبناء على غالب الظن هذا هو الأصل إلى يثبت غيره، والله تعالى أعلم بالصواب.
(مسألة)
من عليه فريضة الحج إذا نوى التطوع يقع عن الفرض
عندنا.
وعندهم: لا يقع.
وعلى هذا لا يجوز للصرورة أن يحج عن غيره.
وعندهم: يجوز.
لنا:
ما رواه الحسين بن ذكوان قال: حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ((سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يقول: يلبي عن شبرمة فقال له رسول الله: هل حججت أنت قط؟ قال: لا، قال: لا، قال هذه عنك وحج عن شبرمة)).
وروى أبو بكر بن عياش عن عطاء عن ابن عباس قال: ((سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: عن نفسك فلب)).
وفي رواية ثالثة: ((أيها الملبي عن فلان إن كنت لم تحج حجة الإسلام فلب عن نفسك)) والخبر نص.
قالوا: روى خالد بن صبيح عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس أن النبي عليه السلام سمع رجلاً يلبي عن نبيشة، فقال: (أيها الملبي عن نبيشة هل حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: هذه عن نبيشة وحج عن نفسك)).
الجواب:
(إنه تفرد بهذه الرواية الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث والمحفوظ عن ابن عباس حديث شبرمة) الذي ذكرناه.
وقد روى الحسن بن عمارة مثل ما رواه غيره، ذكره الدارقطني في السنن، وقال: ((وهذا هو الصحيح عن ابن عباس وما قبله وهم، قال: والحسن بن عمارة كان يرويه على ما رووا ثم رجع إلى الصواب فحدثه على موافقة غيره من الرواة وهو متروك الرواية على كل حال).
والمعنى: أن وقوع الحج المنوي عن فريضة نوع نظر من الشرع للعبد، وقد ورد مثل هذا النظر في الحج بدليل أنه لو أطلق النية، فإنه يقع عن الفرض ونية المطلقة ونية النفل واحد لأنه ليس للنفل وصف زائد على مطلق العبادة.
وقولهم: ((إنها نفل)) معناه ليس بفرض، ولهذا المعنى في جميع العبادات إذا أطلق النية تقع عن النفل، ولكن إذا أطلق نية الحج يقع عن الفرض نظراً من قبل الشرع، كذلك إذا طاف النفل وعليه فريضة الطواف يقع عن الفرض أيضاً، وإنما كان هذا التخصيص من النظر للعبد في أمر الحج، لأنه عبادة شاقة ويحتاج في أدائها إلى كلف شديدة وقطع شقة بعيدة، وتحمل مؤنات كثيرة على ما ورد به نص الكتاب فقال تعالى: ﴿لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾، ولا يجوز أن يقال: إن هذا في حق بعض الناس دون البعض، لأن هذا موجود في حق أكثر الناس وإنما يوجد العدد اليسير حضوراً لحضرة الكعبة.
فأما عامة الناس فإنهم يدانونه من البعد ويضربون أكباد الإبل ويقطعون المفاوز البعيدة والبراري الشاسعة حتى يصلون إلى الحج فاحتاج لهذا المعنى من عليه الحج إلى نوع نظر من قبل الشارع فكان من النظر أن منع من عليه فريضة الحج أن يقصد النفل منه وعين عليه الفرض ثم اكتفى منه بنية أصل الحج وألغى كل وصف يضمه إليه مما لا يلائم صفة الواجب عليه من وصف نفل أو نية عن الغير أو نية نذر وما أشبه ذلك فصار الحج في هذه الصورة مثل الإسلام المفروض ولو أسلم بنية النفل أو أسلم عن الغير فإنه يكون إسلامه عن الفرض الذي عليه بكل حال، كذلك ههنا.
وأما حجتهم:
قالوا: عبادة مقدرة بأفعالها فلا يقع بفعلها عن فرضها.
دليله: الصلاة.
والدليل على أنها مقدرة بالأفعال أنه إذا سئل عن الحج فإنه يعلم بالأفعال فيقال: إحرام ووقوف وطواف وسعى ورمى وحلق، مثل الصلاة تعرف بالأفعال فيقال: افتتاح وقيام وقراءة وركوع وسجود وقعود، وهذا لأن العبادة لما كانت أفعالاً فوجوبها في الذمة وكان الوقت خالياً عنها إلى أن يأتي بها ثم إذا أتى بها لا يكون الوقت لتقدير العبادة حتى إذا قدر بنوع من العبادة لا يقبل غيره بل كان محلاً وشرطاً للعبادة مثل الوضوء شرط للصلاة فإن فعل الفرض فيه صح وإن فعل النفل فيه صح، ومثل الوضوء إن صلى الفرض به يصح وإن صلى النفل به يصح وهو مثل وقت الصلاة.
قالوا: وأما الصوم فإنه عبادة مقدرة بالوقت فإذا قدرت عبادته لم يبق غيرها مقدرة به وصار ذلك الوقت مسمى بهذه العبادة على التخصيص فلم يتصور أن يكون لغيرها مثل ما يوضع شيء في مكان وشغل به لا يتصور أن يكون غيره مشغولاً به، وكذلك من استأجر رجلاً ليعمل له عملاً في وقت معلوم فعلى أي وجه عمل ذلك العمل يكون عن ذلك العمل المسمى فيه بالعقد.
قالوا: وأما إذا أطلق النية إنما وقع عن الفرض، لأنه وجدت نية الفرض بدلالة الحال وإن لم توجد بالصريح والنص، ودلالة الحال هي أن الإنسان لا يتكلف أداء مثل هذه العبادة عن جهة النفل وعليه الفرض
فهو وإن أطلق النية ولم يرده صريحاً فكأنه أراده دلالة، ومثل هذه الدلالة لا توجد في الصلاة غير أن هذه الدلالة إنما يصار إليها إذا لم يوجد التصريح بالنفل، فأما إذا صرح بالنفل سقط حكم الدلالة مثل نقد البلد فإنه يتعين في البياعات بدلالة الحال ثم إذا وجد التصريح بغيره سقط دليل الحال.
قالوا: وأما إذا طاف عن النفل وعليه طواف الفرض فذلك فعل مستحق عليه بأصل الإحرام فتغيره بالنية باطل، مثل ما لو نوى بسجود الصلاة سجود النفل فإنه تبطل نيته ويقع عن الفرض.
الجواب:
أن أصل كلامهم، مسلم، ولكن يدخل عليه الصوم، وليس لهم عذر واضح.
وقولهم: ((إنه مقدر بالزمان)).
قلنا: وإن كان كذلك لكن الواجب عليه فعل يفعله وهو الكف عن قضاء الشهوات على ما عرف، وليس بشيء محسوس فوضع في مكان حتى لا يتصور أن يكون ذلك المكان مشغولاً بغيره، وكما أن الوجوب في أفعال الحج والصلاة يلاقي الذمة، كذلك الوجوب في فعل الصوم يلاقي الذمة، وكما أن الوقت في الصلاة والحج يكون خالياً إلى أن يأتي بالأفعال كذلك في الصوم يكون الوقت خالياً إلى أن يأتي بالفعل الذي هو الصوم، وكما يقبل وقت الحج والصلاة الخلو عن فعل العبادة أصلاً كذلك وقت الصوم يقبل الخلو عن الصوم أصلاً فيبقى على هذا أنه إذا أتى بالفعل لا يكون آتياً بالفرض ويصير كأنه لم يأت بالصوم أصلاً، وعلى الجملة لا يتضح لهم عذر عن الصوم بحال.
وأما عذرهم عما إذا أطلق النية، فليس بشيء، فإنه لو أبهم النية في الإحرام ولم ينو حجاً ولا عمرة فإنه لا يقع عن الحج عندهم، وإن كانوا يقولون إن العمرة تطوع والحج فرض، ودلالة إن كانت توجد إذا أطلق النية في الحج فيوجد إذا أبهم بأن أحرم ولم ينو حجاً ولا عمرةً فاجعلوا إحرامه عن الحج في هذه الصورة كما جعلتم حجه عن الفرض في تلك الصورة لأجل دلالة الحال.
فأما ما قالوه من دلالة الحال موجود في الموضعين، وهذا لا يلزم على أصلنا لأن عندنا العمرة فرض كالحج سواء، وإن كان قد أدى العمرة فإن إحرامه كيف فعله يقع عن....... فإن الاعتبار/ دليل الحال ساقط من وجه آخر، وذلك أن الإنسان لا يتكلف لفعل هذه العبادة الشاقة ويحمل المؤنات الكثيرة ثم يدع نية الفرض فدلالة الحال موجود في ترك الفرض لا في فعل الفرض، فاجعلوا مطلق النية بمنزلة نية النفل بدليل الحال فإن هذا أقرب إلى الصواب.
وأما مسألة نقد البلد، فليس يدخل على هذا، لأن الكلام فيما يحتاج إلى النية من العبادات.
فأما أمر المعاملات فعلى خلاف أمر العبادات ولا حاجة فيها إلى النية أصلاً، والعرف حكم في المعاملات في كثير من المواضع فجعل أيضاً حكماً في هذا الموضع.
وأما مسألة الطواف فلازمة.
وقولهم: ((إنه مستحق عليه فعله بعقد الإحرام)).
قلنا: نعم، ولكن الوقت واسع فقولوا: إذا طاف بنية النفل يقع عن النفل ثم إذا طاف بعد ذلك عن الفرض يكون عما عليه من الفرض مثل من عليه فرض الصلاة إذا فعل فعلاً، ومع ذلك لم يجز ووقع عن الفرض، دل أنه كان للمعنى الذي بيناه من النظر الشرعي بالفائت في أمر الحج على الخصوص.
وأما قولهم: ((لو سجد بنية النفل وعليه سجود الفرض يقع عن الفرض)).
قلنا: هذا عندكم، أما عندنا تبطل صلاته.
والله أعلم.
(مسألة)
لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج
عندنا ويكون إحرامه لعمرة.
وعندهم: ينعقد الحج.
وحرف المسألة: أن عندنا فعل من أفعال الحج.
وعندهم: شرط الحج وليس بفعل من أفعاله.
وعلى هذا الخلاف، تحريمه الصلاة.
لنا:
إن الإحرام فعل من أفعال الحج فلا يجوز في غير وقته.
دليله: سائر أفعاله، وكما لا تجوز أفعال الصلاة في غير وقت الصلاة، والدليل على أنه فعل من أفعال الحج أنه شروع في الحج، والحج فعل عبادة، والشروع في فعل عبادة لا يكون إلا بفعل العبادة، وإن شئت قلت: الإحرام شروع في أداء العبادة والشروع في أداء العبادة لا يكون إلا بأداء العبادة.
والوجيز من الكلام هو أن الشروع في الأداء أداء، وهذا دليل في نهاية القوة، وهو على مثال الدلائل القطعية.
يبينه: أنه يقال له قبل الإحرام حج، ويقال له بعد الإحرام أتم الحج، ولو قيل له بعد الإحرام حج يكون القائل هاذياً لاغياً، وقبل الإحرام يكون في قوله مستقيماً محقاً، ولأنا اجتمعنا على أن النية شرط عند الإحرام، وكذلك في الصلاة عند التحريمة، والنية إنما تشترط لصحة الأداء، ولو لم تكن التحريمة من الصلاة والإحرام في الحج من الأداء لما شرط إحضار نية الأداء عند التحريمة والإحرام في الحج من الأداء لما شرط إحضار نية الأداء عند التحريمة والإحرام فثبت بهذه الدلائل أن الإحرام فعل من أفعال الحج.
وإذا عرف هذا فنقول:
وقت الحج هو الأشهر المعلومة، وذلك شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
والدليل عليه: الوحي الناطق، والحكم الصادق.
أما الوحي فقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ومعناه وقت الحج أشهر معلومات، لأن نفس الحج أفعال وليس بأشهر، غير أن العبادة تذكر ويراد بها وقتها يقال: شك صلاة الظهر أي وقت الظهر، وقال النبي عليه السلام: ((إن للصلاة أولاً وآخراً)) معناه لوقت الصلاة أولاً وآخراً بدليل أنه فسره بالوقت فقال: إن أول وقت الظهر كذا وآخر وقته كذا.
يدل عليه: أنه تعالى قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، ومعناه فعل فيهن الحج يعني في هذه الأشهر.
وقد أجمع المفسرون أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
وأما الحكم فعلى أصلنا ظاهر، وإنما الحاجة في بيان ذلك على أصلهم فالدليل (أنهم قالوا: فيمن أحرم لعمرة في رمضان وقضاها ثم حج من عامه لا يكون متمتعاً، ولو أحرم بالعمرة في شوال وقضاها ثم حج من
عامه يكون متمتعاً، وكذلك على أصلهم لو أحرم بالعمرة في رمضان وأتى بأفعالها في شوال، وإنما افترقت الصورتان لأن المتمتع هو الذي يجمع بين النسكين في وقت الحاجة ولو كان رمضان وقتاً لكان متمتعاً في الحالين.
وكذلك قالوا: لو أحرم بالحج في رمضان وسعى فيه كان عليه أن يعيد السعي إذا طاف يوم النحر، ولو كان طاف في شوال والمسألة بحالها لم يعد السعي، لأن السعي من أفعال الحج فلا يجوز أداؤه قبل الوقت) وفي المسألة الأولى أتى به خارج الوقت، وفي المسألة الثانية أتى به في الوقت.
قالوا: أيضاً (لو وجد الزاد والراحلة في رمضان وحضره الموت لا يلزمه أن يوصى بالحج، ولو وجد في شوال وحضره يلزمه أن يوصى به)، والمفرق ما بينا.
فثبت أن وقت الحج مقصور على هذه الأشهر، وثبت بما قدمنا أن الإحرام فعل من أفعال الحج فلم يجز قبل وقته.
وأما حجتهم:
قالوا: الإحرام شرط لأفعال الحج وليس/ بفعل من أفعاله ولا هو ركن من أركانه، ومحله محل الطهارة في الصلاة وقت فعل العبادات لا يشترط لشرط العبادة، ألا ترى أنه يجوز الوضوء قبل دخول الوقت ولم
يعتبر لصحته وجود وقت الصلاة، ثم الدليل على أنه شرط وليس بركن أنه معنى يستوعبه كل أفعال العبادة مثل الطهارة في الصلاة وهذا هو حد الشرط وهو ما يراعي قيامه لفعل العبادة كلها إلى أن تنتهي إلى آخرها كالطهارة وستر العورة والمكان والوقت في باب الحج والجمعة.
وأما حد الركن ما تؤدي به العبادة ويكون انقضاؤه بشروع في ركن مثله كالقيام يكون انقضاؤه شروعه في الركوع، والركوع ينقضي بالسجود، وهذا لأن العبادة التي تشتمل على أفعال مختلفة تكون أفعالها على التوالي والترادف يفرغ من فعل ويشرع في فعل بدليل أفعال الصلاة وكذلك سائر أفعال الحج، فلو كان الإحرام فعلاً من أفعال الحج لكان سبيله هذا ولم تعتبر استدامته ليؤدي كل الأفعال ثم يتحلل منه.
قالوا: ولأن أفعال الحج تنفصل عن الإحرام بدليل أنه يحرم في أول هذه الأشهر ثم إنه يأتي بالأفعال في الأيام المخصوصة ولو كان الإحرام فعلاً من أفعال الحج لم يجز أن ينفصل عنها كسائر أفعاله وكان من حقها أن توجد على الترادف والتولي مثل أفعال الصلاة، ولأن الحج زيارة أمكنة معلومة وحضور مشاهد مخصوصة تعظيماً لها وقضاءً لحقها لامتثال أمر الواضع لتلك الحرمات والمثبت لتلك الحقوق، والتلبية ليس من هذا في شيء وإنما هي ذكر باللسان وليس عبادة الحج عبادة الأذكار إنما هي عبادة الأفعال على ذلك المنهج المخصوص.
قالوا: ولهذا يختص كل فعل من أفعال الحج بمكان مخصوص، وكذلك بزمان مخصوص، بخلاف الإحرام فإنه لا يختص بزمان على التعيين ولا بمكان.
فثبت بهذه الدلائل أنه شرط وليس بركن فأشبه الطهارة على ما ذكرنا.
قالوا: (وليس كالخطبة في الجمعة حيث يعتبر لها وقت الجمعة وإن كانت شرطاً، لأن وقت الجمعة إنما اعتبر لها، لأنها أقيمت مقام الركعتين) في الشرع على ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم، فإذا أقيمت مقام الركعتين لم يكن بد من اعتبار وقت الصلاة لها.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه لو كان شرطاً لما لزمه المضي في العبادة بمباشرة الشرط، كما لا يلزمه المضي في الصلاة بمباشرة الطهارة، لأن عندنا وإن كان الإحرام شرطاً لكنه مع ذلك عقد على الأداء وهو نظير عقد الإجارة على أصلنا فمن حيث أنه عقد على الأداء يلزمه المضي في الحج بخلاف الطهارة.
قالوا: ولهذا يكره الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، لأنه عقد على الأداء.
وبعضهم قال: إنما كره لخوف أن يقع في محظورات الحج لامتداد الوقت فيكون التقديم سبباً للوقوع في الجناية فيكره لهذا المعنى.
والجملة أنهم يقولون: الإحرام شرط لأداء العبادة وعقد على أداء العبادة وإلى أيهما نظرنا لا يكون ركناً من أركان العبادة فلم يعتبر وقت العبادة في فعله.
قالوا: وأما تحريمة الصلاة إنما اعتبر لها وقت الصلاة وإن لم تكن من الصلاة عندنا لأنها لا تصح إلا متصلة بالأداء وهو القيام فينظر لها ما يشترط في الصلاة لأجل القيام بخلاف الإحرام فإنه يوجد منفصلاً عن أفعال الحج فلا يشترط له ما يشترط لأفعال الحج.
وقد قال أبو زيد في الأسرار: ((إن الإحرام التزام الحج فأشبه النذر، واستدل في أنه التزام للحج بالوجوه التي بيناها.
وقال أيضاً: إنه من وجه يشبه النذر، لأنه التزام غير متصل بالأداء في الحال ومن وجه يشبه تحريمة الصلاة، لأنه التزام يفضى إلى الأداء بنفسه من غير حاجة إلى عقد الأداء وعلى هذين الشبهين قسم الأحكام.
قالوا: ولأجل الشبه بالتحريمة كرهنا الإحرام في غير أشهر الحج.
قالوا: ولا يجوز أن يقال بأن الإحرام يتصل به الكف عن المحظورات وهو فعل من أفعال الحج، وذلك لأن الكف عن المحظورات ليس من أفعال الحج ولا هو أداء له بوجه ما.
ألا ترى أنه وإن طال الكف شهر أو شهران لا يتأدى به شيء من الحج ويكون الحج بعد ذلك في الكمال مثل ما لو أحرم وأتى بالأفعال عقيبه، ولا يقال إذا مضى أوقات في الكف أنه فعل بعض الحج بخلاف ما لو أتى ببعض الأفعال، وهذا لأن الحج أفعال على ما ذكرنا أنه عبارة عن زيارة أمكنة على سبيل التعظيم لله تعالى وليس بعبارة عن الكف وليس من شرط الأداء أن يكون كافاً عما حظره عليه إحرامه كالصلاة عبارة عن الأفعال ولكن ن شرط الأداء أن يكون كافاً عما لا يليق بالصلاة من كلام الناس وغيره.
وأما الصوم ففعله نفس الكف بدليل أنه إذا مضى بعض اليوم يقال فعل بعض اليوم.
قالوا: ولا/ يجوز أن يقال إن الإحرام لو كان التزاماً للحج لكان يصح
لسنة أخرى كالنذر، لأنا قد ذكرنا أنه التزام كالنذر وعقد على الأداء كتحريمة الصلاة فمن حيث أنه التزام منفصل عن الأداء صح قبل الوجوب، ومن حيث أنه عقد على الأداء يتناول يصلح له كعقد الإجارة يتناول أول وقت يصلح له وأشبه نية الصوم فإنه إذا نوى بالليل أن يصوم يتناول أول اليوم الذي يليه ولا يتأدى بها صوم يوم آخر وإن صحت النية في غير وقت الأداء فلم يتناول نية اليوم الذي يليها، كذلك الإحرام يتناول الوقت الذي يليه، ولم يجز أن يستديم الإحرام ليؤدي الحج في سنة أخرى.
الجواب:
إنا قد دللنا على أن الإحرام أحد أفعال الحج ودعواه أنه شرط بعيد جداً بدليل ما قدمنا، وبدليل وجوب مباشرة أفعال الحج وتحريم تأخرها عن هذه السنة مباشرة شرط العبادة لا يوجب فعل العبادة بدليل الطهارة وستر العورة وهذا الدليل أيضاً وارد على قولهم: ((إنه التزام))، لأنه لو كان كذلك لصار كالنذر ولو كان كالنذر وجب أن يحتاج إلى ابتداء المباشرة ثم يكون ذلك إلى اختياره.
وقولهم: ((إنه عقد على الأداء)).
يقال لهم: على الأداء من حيث الشروع أو من حيث الالتزام؟ فإن قلتم: من حيث الشروع، جاء ما قلنا على ما سبق تقريره، وإن قلتم: من حيث الالتزام، فوجب أن يكون بمنزلة النذر ويكون حكمه على ما قدمنا.
وقولهم: ((إنه يشبه هذا من وجه وهذا من وجه)).
قلنا: الشروع في مثل هذا الكلام علامة عجز المدعى عن تمشية ما ادعاه، ويقال: إذا كان التزاماً لا يكون شبه بالشروع وإذا كان شروعاً لا يكون له شبه بالالتزام، وأيضاً إذا كان الالتزام المحض يجوز قبل دخول
الوقت والشروع المحض لا يجوز قبل دخول الوقت، فما يشبه الالتزام ويشبه الشروع لم يجز قبل دخول الوقت وما يجوز من وجه ولا يجوز من وجه لم قلتم إنه يجوز؟
وأما الذي اعتمدوا عليه في قولهم: ((إنه معنى يستوعب جميع العبادة)).
فوجب الجواب عنه:
إن الإحرام ركن من أركان الحج وفعل من أفعاله، وهو أيضاً شرط لسائر أفعال الحج حتى إنه ما لم يكن قائماً لا تجوز سائر الأفعال وإنما قلنا ذلك بحسب قيام الدليل، فإن الدليل قد قام أنه فعل من أفعاله على ما قدمنا، وقام الدليل أن وجوده شرط لصحة سائر الأفعال فقلنا بهما جميعاً، ولا يستنكر أن يكون الشيء الواحد فعلاً في عبادة من العبادات ثم يكون وجوده شرطاً لصحة سائر الأفعال، وقد ورد مثل هذا فإن الإسلام معنى واجب في نفسه وهو أصل كل أركان الدين ثم هو شرط لصحة سائر أفعال العبادات.
وأما تعلقهم بانفصال الأفعال عن الإحرام.
قلنا: وقد ينفصل وقد لا ينفصل بدليل أنه لو أحرم وطاف وسعى عقيبه فإنه يعتد بهذا السعي عن السعي الواجب في الحج، وكذلك طواف القدوم مشروع فعلاً من أفعال الحج وقد أتى به عقيب الإحرام فدل على أن الانفصال الذي قالوه ليس بشيء لازم، بل يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد، وعلى أن مبنى أفعال الحج على الانفصال مكاناً وزماناً، ألا ترى أن بعضها يفعل في مكان من الحل وبعضها يفعل في مكان من
الحرم وبعضها يفعل بقرب البيت وبعضها يفعل بالبعد من البيت فلما كان وضع هذه الأفعال على الانفصال فيجوز أن تقرب مرة مدة الانفصال وتبعد مرة مدة الانفصال، وأما الصلاة موضع أفعالها على الاتصال.
وأما قولهم: ((إن الحج عبارة عن زيارة بقاع مخصوصة وحضور مشاهد معلومة)).
قلنا: مع هذا كله يجوز أن يكون الذكر فعلاً من أفعال الحج، ألا ترى أن ذكر الله تعالى من التلبية والتكبير مشروع في أثناء الحج على وجه السنة وذلك فعل من أفعال الحج، فكذلك يجوز أن يكون مشروعاً في الابتداء ويكون فعلاً من أفعال الحج فهذا وجه الجواب عما تعلقوا به.
والله أعلم بالصواب.
(مسألة)
وعلى هذا الأصل الذي قدمناه نقول:
إذا أحرم بحجتين لم تنعقدا وينعقد أحدهما
، وكذلك إذا أحرم بعمرتين، ومذهب محمد مثل مذهبنا.
وعند أبي حنيفة رضي الله عنه وأبي يوسف ينعقدان جميعاً، ثم ترتفض أحدهما في الحال على قول أبي يوسف.
وعند أبي حنيفة ترتفض إذا شرع في العمل لأحدهما.
والدليل على أنهما لا ينعقدان أن الإحرام ركن من أركان الحج فلم يتصور الجمع بين ركنين من الحج كما لا يجوز الجمع بين وقوفين وطوافين، وكذلك لا يصح الجمع بين حجتين في سنة واحدة أداءً أو قضاءً.
وأما أبو حنيفة رحمة/ الله عليه وأبو يوسف قالاً: الإحرام التزام للحج فيصح الجمع فيه بين حجتين.
دليله: النذر.
يبينه: أن فساد الجمع بين الحجتين إنما هو لأجل الأداء فإن الله تعالى ما شرع أداء حجتين في سنة واحدة من واحد بحال، كما لم يشرع أداء صومين في يوم واحد بحال فإذا كان الفساد للأداء والأداء ينفصل عن الإحرام لتعذر الأداء، كما لو أحرم ليلة عرفة بالكوفة أو بأقصى خراسان فإنه عاجز عن أداء الحج في هذه الصورة ومع ذلك ينعقد إلا أن العجز في هذه الصورة من حيث عجز العبد عن إدراك الحج وفعله، والعجز في مسألتنا من حيث أن الشرع لم يجعل له أن يجمع أداءين في وقت واحد فإذا كان العجز في أحد الموضعين لا يمنع الانعقاد كذلك في الموضع الآخر.
قالوا: وليس كما لو جمع بين أختين حيث لا ينعقد واحد من النكاحين، لأن مسألتنا مخالف لهذه المسائل بدليل أن في مسألة النكاح لا ينعقد واحد من النكاحين، وفي مسألتنا انعقد إحدى الجهتين بلا خلاف فوجب أن ينعقد الآخر، لأنه لو بطل الانعقاد كان يبطل فيهما.
ثم قالوا: النكاح إيجاب ملك محلل وما له حكم غير ذلك، وهذا الحكم فائت إذا جمع بين الأختين، لأن الجمع فائت شرعاً لا يثبت بحال مثل ما يفوت في الخمس من الأجنبيات، والعقد لا ينعقد إلا لحكمه فلا ينعقد إذا تحققنا فوات حكمه.