كتَابُ الْغَصْبِ
وَهُوَ الاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيرِ قَهْرًا بِغَيرِ حَقٍّ.
كِتابُ الغصْبِ
قوله: وهو الاسْتِيلاءُ على مالِ الغَيرِ قَهْرًا بغَيرِ حَقٍّ.
وكذا قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المَذْهَبِ الأحْمَدِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وليس بجامِع؛ لعدَمِ دُخُولِ غَصْبِ الكَلْبِ، وخَمْرِ الذِّمِّيِّ، والمَنافِعِ، والحُقوقِ، والاخْتِصاصِ.
قال الحارِثِيُّ: وحُقوقِ الولاياتِ؛ كمَنْصِبِ
الجزء: 15 - الصفحة: 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإمارَةِ، والقَضاءِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: الاسْتِيلاءُ يَسْتَدْعِي القَهْرَ والغَلَبَةَ، فإذَنْ قَوْلُه: قَهْرًا.
زِيادَةٌ في الحَدِّ، ولهذا أسْقَطَه في «المُغْنِي».
انتهى.
قلتُ: الذي يَظْهَرُ، أنَّ الاسْتِيلاءَ يشْمَلُ القَهْرَ والغَلَبَةَ وغيرَهما، فلو اقْتَصَر على الاسْتِيلاءِ، لوَرَدَ عليه المَسْروقُ، والمُنْتَهَبُ، والمُخْتَلَسُ؛ فإنَّ ذلك لا يُسَمَّى غَصْبًا، ويقالُ: اسْتُوْلِيَ عليه.
وقال في «المُطْلِعِ»: فلو قال: الاسْتِيلاءُ على حقِّ غيرِه.
لصَحَّ لفْظًا، وعمَّ مَعْنًى.
انتهى.
وقوْلُه: لصَحَّ لَفْظًا.
لكَوْنِ المُصَنِّفِ أدْخَلَ «الألِفَ واللَّامَ» على «غيرِ».
قال: والمَعْروفُ، عندَ أهْل اللُّغَةِ، عدَمُ دُخُولِهما عليها.
قلتُ: قد حكَى النَّوَوي رَحِمَهُ الله، في «تَهْذيبِ الأسْماءِ واللغَاتِ» 1، عن غيرِ واحدٍ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، أنَّهم جوَّزُوا دُخُولَهما على «غيرِ».
وممَّن أدْخَلَ الألِفَ واللَّامَ على «غيرِ» مِنَ الأصحابِ؛ مَن تقدَّم ذِكْرُه، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، والحارِثِيُّ.
وقال في «الرِّعايتين»: هو الاسْتِيلاءُ على مالِ الغَيرِ قَهْرًا ظُلْمًا.
ويَرِدُ عليه ما تقدَّم.
وقال في «الفُروعِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَبَعًا للحارِثِيِّ: هو الاسْتِيلاءُ على حقِّ غيرِه قَهْرًا ظُلْمًا.
قال الحارِثِيُّ: هذا أسَدُّ الحُدودِ.
قلتُ: فهو أوْلَى مِن حدِّ صاحِبِ «المُطْلِعِ» وأمْنَعُ؛ فإنه يَرِدُ على حَدِّ صاحبِ «المطْلِعِ»، لو اسْتَوْلَى على حقِّ غيرِه، مِن غيرِ ظُلْمٍ ولا قَهْرٍ، أنَّه يُسَمَّى غَصْبًا.
وليس كذلك، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يكونَ مُرادُه ذلك مع بَقِيَّةِ حدِّ المُصَنِّفِ.
وهو الظَّاهِرُ.
وقال في «الوَجيزِ»: هو الاسْتِيلاءُ على حقِّ غيرِه ظُلْمًا.
ويَرِدُ عليه ما أُخِذَ مِن غيرِ قَهْرٍ.
وقال في «تجْريدِ العِنايةِ»: هو اسْتِيلاءُ غيرِ حَرْبِيٍّ على حقِّ غيرِه قَهْرًا بغيرِ حقٍّ.
قلتُ: هو أصحُّ الحُدودِ وأسْلَمُها.
ويَرِدُ على حَدِّ غيرِه، اسْتِيلاءُ الحَرْبِيِّ، فإنَّه اسْتِيلاءٌ على حقِّ غيرِه قَهْرًا بغيرِ حَقٍّ، وليس بغَصْبٍ.
على ما يأْتِي قرِيبًا في كلامِ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ.
وقال في «المُحَرَّرِ»: هو الاسْتِيلاءُ على مالِ الغيرِ ظُلْمًا.
وتابعَه في «الفائقِ»، و «إدْراكِ الغايةِ»، ومَعْناه في «الكافِي»، و «العُمْدَةِ»، و «المُغْنِي».
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وقوْلُه: على مالِ الغَيرِ ظُلْمًا.
يدْخُلُ فيه مالُ المُسْلِمِ، والمُعاهَدِ، وهو المالُ المَعْصومُ، ويَخْرُجُ منه اسْتِيلاءُ المُسْلمِين على أمْوالِ أهْلِ الحَرْبِ، فإنَّه ليس بظُلْمٍ.
ويدْخُلُ فيه اسْتِيلاءُ أهْلِ الحَرْبِ على مالِ المُسْلِمِين، وليس بجَيِّدٍ؛ فإنَّه ليس مِنَ الغَصْبِ المَذْكورِ حُكْمُه.
هذا بإِجْماعِ المُسْلِمِين؛ إذْ لا خِلافَ أنَّه لا يُضْمَنُ بالإِتْلافِ، ولا بالتَّلَفِ، وإنَّما الخِلافُ في وُجوبِ رَدِّ عَينِه، إذا قَدَرْنا على أخْذِه.
وأمَّا أمْوالُ أهْلِ البَغْي، وأهْلِ العَدْلِ، فقد لا تَرِدُ؛ لأنَّه هناك لا يجوزُ
الجزء: 15 - الصفحة: 113
وَتُضْمَنُ أمُّ الْوَلَدِ وَالْعَقَارُ بِالْغَصْبِ.
الاسْتِيلاءُ على عَينِها، ومتى أُتلِفَتْ بعدَ الاسْتِيلاءِ على عَينِها، ضُمِنَتْ، وإنَّما الخِلافُ في ضَمانِها بالإِتْلافِ وَقْتَ الحَرْبِ.
ويدْخُلُ فيه ما أخَذَه المُلوكُ والقُطَّاعُ مِن أمْوالِ النَّاسِ بغيرِ حقٍّ؛ مِنَ المُكُوسِ 2 وغيرِها.
فأمَّا اسْتِيلاءُ أهْلِ الحَرْبِ بعضِهم على بعض، فيَدْخُلُ فيه، وليس بجَيِّدٍ؛ لأنَّه ظُلْمٌ، فيَحْرُمُ عليهم قَتْلُ النُّفوسِ، وأخْذُ الأمْوالِ إلَّا بأمْرِ اللهِ، لكِنْ يُقالُ: لمَّا كان المَأْخُوذُ مُباحًا بالنِّسْبَةِ إلينا، لم يَصِرْ ظُلْمًا في حقِّنا، ولا في حقِّ مَن أسْلَمَ منهم.
فأمَّا ما أُخِذَ مِنَ الأمْوالِ والنُّفوسِ، أَوْ أُتلِف منهما في حالِ الجاهِلِيَّةِ، فقد أُقِرَّ قرارُه؛ لأنَّه كان مُباحًا؛ لأنَّ الإِسْلامَ عَفا عنه، فهو عَفْوٌ بشَرْطِ الإسْلامِ، وكذلك بشَرْطِ الأمانِ، فلو تَحاكَمَ إلينا مُسْتَأْمَنان، حكَمْنا بالاسْتِقْرارِ.
انتهى.
قلتُ: ويَرِدُ عليه ما ورَدَ على المُصَنِّفِ وغيرِه ممَّا تقدَّم ذِكْرُه.
ويَرِدُ عليه أيضًا المَسْروقُ، والمُخْتَلَسُ، ونحوُهما.
قوله: ويُضْمَنُ العَقارُ بالغَصْبِ -هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، حتى أنَّ
الجزء: 15 - الصفحة: 114
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْعَقَارَ لَا يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ.
القاضِيَ وأكثرَ أصحابِه لم يذْكُروا فيه خِلافًا- وعنه، ما يدُلُّ على أنَّ العَقارَ لا يُضْمَنُ بالغَصْبِ.
نقَلَه ابنُ مَنْصُورٍ.
فائدتان؛ إحْداهما، يحْصُلُ الغَصْبُ بمُجَرَّدِ الاسْتِيلاءِ قَهْرًا ظُلْمًا، كما تقدَّم.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقيل: يُعْتَبرُ في غَصْبِ ما يُنْقَلُ نَقْلُه.
وجزَم به في «التَّلْخيصِ»، إلَّا ما اسْتَثْناه فيه، وفي «التَّرغِيبِ»، فقال: إلَّا في رُكُوبِه دابَّةً، وجُلُوسِه على فِراش، فإنه غاصِبٌ.
وأطْلَق الوَجْهَين في «الرعايَةِ»، وقال: ومَن رَكِبَ دابَّتَه، أو جلَس على فِراشِه، أو سَرِيرِه قَهْرًا،
الجزء: 15 - الصفحة: 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهو غاصِبٌ.
الثَّانيةُ، قال في «القاعِدَةِ الحادِيَةِ والتِّسْعِين»: مِنَ الأصحابِ مَن قال: مَنْفَعَةُ البُضْعِ لا تدْخُلُ تحتَ اليَدِ.
وبه جزَم القاضي في «خِلافِه»، وابنُ عَقِيلٍ في «تَذْكِرَتِه»، وغيرُهما، وفرَّعُوا عليه صِحَّةَ تَزْويجِ الأمَةِ المَغْصُوبَةِ، وأنَّ الغاصِبَ لا يضْمَنُ مَهْرَها، ولو حبَسَها عنِ النِّكاحِ حتى فاتَ بالكِبَرِ، وخالفَ ابنُ المَنِّيِّ، وجزَم في «تَعْليقِه» بضَمانِ مَهْرِ الأمَةِ بتَفْويتِ النِّكاحِ، وذكَر في الحُرَّةِ ترَددًا؛ لامْتِناعِ ثُبوتِ اليَدِ عليها.
الجزء: 15 - الصفحة: 116
وَإنْ غَصَبَ كَلْبًا فِيهِ نَفْعٌ، أوْ خَمْرَ ذِمِّيٍّ، لَزِمَهُ رَدُّهُ.
وَإنْ أَتْلَفَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ.
قوله: وإنْ غَصَبَ كَلْبًا فيه نَفْعٌ، أو خَمْرَ ذِمِّيٍّ، لَزِمَه رَدُّه.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وذكَر في «الانْتِصارِ»: لا يُرَدُّ الخَمْرُ، وتَلْزَمُ إراقَتُها إنْ حُدَّ، وإلَّا لَزِمَه تَرْكُه، وعليهما يُخَرَّجُ تَعْذِيرُ مُرِيقِه.
وقال في «القواعِدِ الأصُولِيَّةِ»: لو غصَبَ مُسْلِمْ
الجزء: 15 - الصفحة: 117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خَمْرَةَ ذِمِّيٍّ، انْبَنَى وُجوبُ رَدِّها على مِلْكِها لهم، وفيه رِوايَتان.
حَكاهما القاضي يَعْقُوبُ وغيرُه؛ إحْداهما، يَمْلِكُونها، فَيجِبُ الرَّدُّ.
هذا قَوْلُ جُمْهورِ أصحابِنا.
والثَّانيةُ، لا يَمْلِكُونها، فَينْبَغِي وُجوبُ الرَّدِّ، وقد يُقالُ: لا يجِبُ.
واتَّفَقَ الأصحابُ على إراقَتِها، إذا أَظهَرَها، ولو أتْلفَها، لم يَضمَنْها، عندَ الجُمْهورِ.
وخرَّج أبو الخَطَّابِ وَجْهًا بضَمانِ قِيمَتِها، إذا قلْنا: إنَّها مالٌ لهم.
وأبَاه الأكْثَرون.
وحُكِيَ لنا قَوْلٌ: يَضمَنُها الذِّمِّي للذِّمِّيِّ.
وقال في «التَّرْغيبِ»، و «عُيونِ المَسائلِ»، وغيرِهما: يَرُدُّ الخَمْرَ المُحْترَمَةَ، ويَرُد ما تَخلَّلَ بيَدِه، إلَّا
الجزء: 15 - الصفحة: 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما أُرِيقَ، فجمَعَه آخَرُ فتَخَلَّلَ؛ لزَوالِ يَدِه هنا.
وتقدَّم في أوَّلِ بابِ إزالةِ النَّجاسَةِ أنَّ الصَّحيحَ أنَّ لنا خَمْرًا مُحْترَمَةً؛ وهي خَمْرَةُ الخُلالِ.
ويأْتِي في حدِّ المُسْكِرِ، هل يُحَدُّ الذِّمِّيُّ بشُرْبِها؟ في كلامِ المُصَنِّفِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهان؛ أحدُهما، محَلُّ الخِلافِ إذا كانتْ مَسْتُورَةً، فأمَّا إذا لم تكُنْ مَسْتُورَةً، فلا يَلْزَمُه رَدُّها، قوْلًا واحدًا.
الثَّاني، ظاهرُ كلام المُصَنِّفِ، أنَّه لو غصب خَمْرَ مُسْلِمٍ، لا يَلْزَمُه رَدُّه.
وهو صحيح، لكِنْ لو تخَلَلَتْ في يَدِ الغاصِبِ، وجَب ردُّها.
ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والأصحابُ؛ لأنَّ يَدَ الأوَّلِ لم تَزُلْ عنها بالغصْبِ، فكأَنَّما تخَللَتْ في يَدِه.
قاله في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والثَّمانِين»، وقال: واخْتَلَفَتْ عِباراتُ الأصحابِ في زَوالِ المِلْكِ بمُجَرَّدِ التَّخْمِيرِ، فأَطْلَقَ الأكْثَرون، الزَّوال؛ منهم القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
وظاهرُ كلامِ بعضِهم، أنَّ المِلْكَ لم يَزُلْ؛ منهم صاحِبُ «المُغْنِي»، في كتابِ الحَجِّ، وفي كلامِ القاضي ما يدُلُّ عليه.
وبكُلِّ حالٍ لو عادَ خَلًّا، عادَ المِلْكُ الأوَّلُ بحُقوقِه، مِن ثُبوتِ الرَّهْنِيَّةِ وغيرِها، حتى لو خلَّفَ خَمْرًا ودَينًا، فتخَلَّلَتْ، قُضِيَ منه دَينُه.
ذكَرَه القاضي في «المُجَردِ»، في الرَّهْنِ.
انتهى.
قوله: وإنْ أتْلَفَه، لم يَلْزَمْه قِيمَتُه.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، يَلْزَمُه قِيمَةُ الخَمْرِ.
وخُرِّجَ، يضْمَنُها الذِّمِّيُّ يمِثْلِها.
قال في «الفُروعِ»: وعنه، يَرُدُّ
الجزء: 15 - الصفحة: 120
وَإِنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيتَةٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
قِيمَتَها.
وقيل: ذِمِّيٌّ.
وقال في «الإِيضاحِ»: يَضْمَنُ الكَلْبَ.
ويأْتِي قرِيبًا إذا صادَ بالكَلْبِ، وغيرِه مِنَ الجَوارِحِ، هل يَرُدُّ الصَّيدَ، وتَلْزَمُه الأجْرَةُ أيضًا، أم لا؟ في كلامِ المُصَنِّفِ.
وتقدَّم أوَّلَ الضَّمانِ، إذا أسْلَمَ المَضْمُونُ له، أو المَضْمُونُ عنه، هل يسْقُطُ الدَّينُ إذا كان خَمْرًا؟
قوله: وإنْ غصَب جِلْدَ مَيتَةٍ، فهل يَلْزَمُه رَدُّه؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 121
فَإِنْ دَبَغَهُ، وَقُلْنَا بِطَهَارَتِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ.
و «الهادِي»، و «الرعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي»، و «الفائقِ»، وغيرِهم، وهما مَبْنِيَّان على طَهارَته بالدَّبْغِ وعَدَمِها؛ فإنْ قُلْنا: يَطْهُرُ بالدَّبْغِ.
وجَب رَدُّه.
وإنْ قُلْنا: لا يَطْهُرُ بالدَّبْغِ.
لم يجِبْ رَدُّه.
وقد عَلِمْتَ أنَّ المذهبَ، لا يَطْهُرُ بدَبْغِه، فلا يجبُ رَدُّه هنا.
هذا هو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحَارِثِيِّ»، و «ابنِ مُنَجَّى»، وغيرِهم.
وقدَّم هذه الطَّريقةَ في «الكافِي»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين»، وغيرِهما.
وقيل: لا يجِبُ ردُّه 3، ولو قُلْنا: يَطْهُرُ بالدَّبْغِ.
وقال في «الفُروعِ»: وفي رَدِّ جِلْدِ مَيتَةٍ وَجْهانِ، وقيل: ولو طَهُرَ.
فظاهِرُه، أنَّ المُقَدَّمَ عندَه، أنَّ الخِلافَ على القَوْلِ بعدَمِ الطهارَةِ.
قوله: فإنْ دبَغَه، وقُلْنا بطَهارَتِه، لَزِمَه رَدُّه.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 122
وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ، لَمْ يَضْمَنْهُ بِذَلِكَ،
و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وجزَم به ابنُ مُنَجَّى، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرُهم.
وقيل: لا يَلْزَمُه رَدُّه؛ لصَيرُورَتِه مالًا بفِعْلِه، بخِلافِ الخَمْرَةِ المُتَخَلِّلَةِ.
وهو احْتِمالٌ للمُصَنِّفِ، والشَّارِحِ.
قال الحارِثِيُّ: وفي هذا الفَرْق بَحْثٌ.
وأطْلَقَ في «الفُروعِ»، في لُزومِ ردِّه، إذا دبَغَه الغاصِبُ وَجْهَين.
قال الحارِثِيُّ: وإنْ كان الغاصِبُ دبَغَه، ففي رَدِّة الوَجْهان المَبْنِيَّان.
وإنْ قُلْنا: لا يَطْهُرُ.
لم يجِبْ ردُّه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقيل: يجِبُ ردُّه، إذا قُلْنا: يُباحُ الانْتِفاعُ به في اليابِساتِ.
وكذلك قبلَ الدَّبْغِ.
وجزَم به الحارِثِيُّ في «شَرْحِه».
وظاهرُ «الفُروعِ» إطْلاقُ الخِلافِ، كما تقدَّم.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وإنْ غصَب جِلْدَ مَيتَةٍ، فأَوْجُهْ؛ الرَّدُّ، وعدَمُه، والثَّالثُ، إنْ قلْنا: يَطْهُرُ بدَبْغِه، أو يُنْتفَعُ به في يابِسٍ.
ردَّة، وإلَّا فلا، وإنْ أتْلَفَه، فهَدَرٌ، وإنْ دَبَغَه، وقُلْنا: يَطْهُرُ.
ردَّه.
انتهى.
قوله: وإنِ اسْتَوْلَى على حُرٍّ، لم يَضْمَنْه بذلك.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
قال في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: ولا يُضْمَنُ حُرٌّ بغَصْبِه في الأصحِّ.
قال الحارِثِيُّ: هذا
الجزء: 15 - الصفحة: 123
إلا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَضْمَنُهُ.
فَهَلْ يَضْمَنُ ثِيَابَهُ وَحَلْيَهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
المذهبُ، وعليه جمهورُ الأصحابِ؛ لأنَّ اليَدَ لا يَثْبُتُ حُكْمُها على الحُرِّ.
وفي «التَّلْخيصِ» وَجْهٌ بثُبوتِ اليَدِ عليه.
وبنى على هذا، هل لمُسْتَأْجِرِ الحُرِّ إيجارُه مِن آخَرَ؟ إنْ قيلَ بعَدَمِ الثُّبوتِ، امْتنَعَ الإِيجارُ، وإنَما هو يُسْلِمُ نفْسَه، وإلَّا فلا يَمْتَنِعُ.
فعلى المذهبِ، لو غصَبَ دابَّةً عليها مالِكُها ومَتاعُه، لم يَضمَنْ ذلك الغاصِبُ.
قاله القاضي في «الخِلافِ الكَبيرِ».
واقْتَصرَ عليه في «القاعِدَةِ الثَّانِيَةِ والتسْعِين».
قوله: إلا أنْ يَكونَ صَغِيرًا، ففيه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»،
الجزء: 15 - الصفحة: 124
وَإِنِ اسْتَعْمَلَ الْحُرَّ كَرْهًا، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ،
و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الحارِثِيِّ»؛ أحدُهما، لا يَضْمَنُه.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «التصْحِيحِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزينٍ»، وغيرِهما.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وهو ظاهرُ ما قطَع به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَب»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثَّاني، يَضْمَنُه.
قدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وقدَّم في «النَّظْمِ»، أنَّ الصَّغِيرَ لو لُدِغَ أو صُعِقَ، وُجوبَ الدِّيَةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا تجِبُ، كما لو مَرِضَ، على الصَّحيحِ.
ويأْتِي هذا في أوائلِ كِتابِ الدِّياتِ، في كلامِ المُصَنِّفِ.
فعلى المذهبِ، هل يَضْمَنُ ثِيابَه وحِلْيَتَه؟ على الوَجْهَين.
وأطْلَقهما في «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الرِّعايتَين»؛ أحدُهما، يَضْمَنُها.
صحَّحه في «التَّصحيحِ»، و «الفائقِ».
قال الحارِثِيُّ: وهو أصحُّ.
والوَجْهُ الثَّاني، لا يضْمَنُها.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الوَجيزِ».
فائدة: وكذا الحُكْمُ والخِلافُ في أُجْرَتِه مُدَّةَ حَبْسِه، على ما يأْتِي، وإيجارِ المُسْتَأْجِرِ له.
قاله في «الفُروعَ».
[وجزَم في «الوَجيزِ» هنا بوُجُوبِ الأُجْرَةِ] 4.
قوله: وإنِ اسْتَعْمَلَ الحُرَّ كَرْهًا، فعليه أُجرَتُه.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَعُوا به.
ولو منَعَه العمَلَ مِن غيرِ حَبْسٍ، ولو عَبْدًا، لم يَلْزَمْه أُجْرَتُه.
جزَم به
الجزء: 15 - الصفحة: 125
وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً، فَهَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ، بلَى فيهما.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، وهو في العَبْدِ آكَدُ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: في مَنْفَعَةِ حُرٍّ وَجْهان.
وقال في «الانْتِصارِ»: لا يَلْزَمُه بإمْساكِه، لأنَّ الحُرَّ في يَدِ نَفْسِه، ومَنافِعُه تَلِفَتْ معه، كما لا يضْمَنُ نفسَه وثَوْبَه الذي عليه، بخِلافِ العَبْدِ.
وكذا قال في «عُيونِ المَسائلِ»: لا يَضْمَنُه إذا أمْسَكَه، لأنَّ الحُرَّ في يَدِ نَفْسِه، ومَنافِعُه تَلِفَتْ معه، كما لا يَضْمَنُ نفْسَه وثَوْبَه الذي عليه، بخِلافِ العَبْدِ؛ فإنَّ يَدَ الغاصِبِ ثابِتَةٌ عليه، ومَنْفَعَتُه بمَنْزِلَتِه.
قوله: وإنْ حبَسَه مُدَّةً، فهل تَلْزَمُه أُجْرَتُه؟ على وَجْهَين.
وهما احْتِمالان في «الهِدايةِ»، وأطْلَقهما فيها، وفي «المُذْهبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»، و «المُسْتوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الهادِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، تَلْزَمُه.
وهو الصَّحيحُ، صحَّحه في «التَّصْحيحِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
والوَجْهُ الثَّاني، لا تَلْزَمُه.
صحَّحه النَّاظِمُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأصحُّ، وعليه دَلَّ نصُّه.
وتقدَّم في التي قبلَها ما يسْتَأْنَسُ به في هذه المَسْألةِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 126
فَصْلٌ: وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ، وَإنْ غَرِمَ عَلَيهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 15 - الصفحة: 127
وَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ، لَزِمَهُ تَخْلِيصُهُ وَرَدُّهُ.
وَإِنْ بَنَى عَلَيهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، إلا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ.
قوله: وإنْ خلَطَه بما يتَمَيَّزُ مِنه، لَزِمَه تَخْليصُه.
إنْ أمْكَنَ.
وكذا إنْ أمْكَنَ تَخْليصُ بعضِه، وإنْ لم يُمْكِنْ تَخْلِيصُه منه، فسَيَأتِي في أوَّلِ الفَصْلِ الرَّابعِ مِنَ البابِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 129
وَإنْ سَمَّرَ بِالْمَسَامِيرِ بَابًا، لَزِمَهُ قَلْعُهَا وَرَدُّهَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 15 - الصفحة: 130
وَإِنْ زَرَعَ الْأَرْضَ وَرَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِ الزَّرْعِ، فَعَلَيهِ أَجْرَتُهَا.
قوله: وإنْ زرَع الأَرْضَ، وَرَدَّها بعدَ أَخْذِ الزَّرْعِ، فعليه أُجْرَتُها.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
ونقَل حَرْبٌ، حُكْمُها حُكْمُ الزَّرْعِ الذي لم يُحْصَدْ.
قال في «الفائقِ»: قلتُ: وجنَح ابنُ عَقِيلٍ إلى مُساواةِ الحُكْمَين.
واخْتارَه صاحِبُ «الفائقِ»، في غيرِ «الفائقِ»، ورَدَّ كلامَ الأصحابِ.
قال في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والسَّبْعِين»: ووَهَّمَ أبو حَفْص ناقِلَها، على أنَّ مِنَ الأصحابِ مَن رجَّحَها؛ بِناءً على أنَّ الزَّرْعَ نبَت على مِلْكَ مالِكِ الأرْضِ ابْتِداءً، والمَعْروفُ في المذهبِ خِلافُه.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: هذا المَعْروفُ عندَ الأصحابِ.
قال: وعنه، يحْدُثُ على مِلْكِ ربِّ الأرْضِ.
ذكَرَه القاضي يَعْقُوبُ، ومنَع في «تَعْليقِه» مِن كَوْنِه مِلْكًا للغاصِبِ، وقال: لا فَرْقَ بينَ ما قبلَ الحَصادِ وبعدَه؛ على ما نقَلَه حَرْبٌ.
قال الحارِثِيُّ: وكذا أوْرَدَه القاضي في «تَعْليقِه الكَبِيرِ»، فيما أظُنُّ، أو أجْزِمُ، وأوْرَدَه شيخُنا أبو بَكْرِ 5 ابنُ الصَّيرَفِي في كتابِ «نَوادِرِ المذْهبِ».
انتهى.
قال في «الفائقِ»: وقال القاضي يَعْقُوبُ: لا فَرْقَ بينَ ما قبلَ الحَصادِ وبعدَه، في إحْدَى الرِّوايتَين.
وبَناه على أنَّ زَرْعَ الغاصِبِ، هل يَحْدُث
الجزء: 15 - الصفحة: 134
وَإنْ أَدْرَكَهَا رَبُّهَا والزَّرْعُ قَائِمٌ، خُيِّرَ بَينَ تَرْكِهِ إِلَي الْحَصَادِ
على مِلْكِ صاحِب البَذْرِ، أو صاحِبِ الأرْضِ؟ على رِوايتَين، والحُدوثُ على مِلكِ صاحبِ الأرضِ هو المُخْتارُ.
انتهى.
وقال أيضًا: وهلِ القِياسُ كَوْن الزَّرْعِ لرَبِّ البَذْرِ، أو الأرْضِ؟ المَنْصُوصُ، الأوَّلُ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، والشيخُ تقِيُّ الدِّينِ: الثَّاني.
وقال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّينِ أيضًا: يَنْبَنِي هذا على المَدْفُوعِ، إن كان النَّفَقَةَ، فلِرَبِّ الأرْضِ مُطْلَقًا، والمَنْصُوصُ، التَّفْرِقَةُ.
فعلى المذهبِ، على الغاصِبِ أُجْرَةُ المِثْلِ.
وعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، للغاصِبِ نَفَقَةُ الزَّرْعِ، وأمَّا مُؤْنَة الحَصادِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ تكونَ كذلك، وَيحْتَمِلُ أنْ لا تجِبَ.
قال الحارِثيُّ: وهو الأَقْوَى.
تنبيه: قولُه: ورَدَّها بعدَ أَخْذِ الزَّرْعِ.
هذا المذهبُ.
أعْنِي، أنَّه يُشْتَرطُ أنْ يكونَ قد حصَدَه، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقال في «الرِّعايةِ»: وقيل: أو استَحْصَدَ قبلَه ولم يحْصُدْ.
قوله: وإنْ أَدْرَكهَا رَبُّها، والزَّرْعُ قائِمٌ، خُيِّرَ بينَ تَرْكِه إلى الحَصادِ بأْجْرَتِه، وبينَ أَخْذِه بعِوَضِه.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه.
قال الحارِثِيُّ: تَواتَرَ النَّصُّ عن أحمدَ، أنَّ الزَّرْعَ للمالِكِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في
الجزء: 15 - الصفحة: 135
بِأُجْرَتِهِ، وَبَينَ أخْذِهِ بِعِوَضِهِ.
وَهَلْ ذَلِكَ قيمَتُهُ أوْ نَفَقَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَين.
«الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرهِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هو قَوْلُ القاضي، وعامَّةِ أصحابهِ، والشَّيخَين.
انتهى.
قال الحارِثيُّ: وهو قَوْلُ القاضي، وجُمْهورِ أصحابهِ، ومَن تَلاهم، والمُصَنِّفِ، في سائرِ كُتُبِه.
وهو مِنْ مُفْرَداتِ المذهبِ، قال ناظِمُها:
بالاحْتِرامِ احْكُمْ لزَرْعِ الغاصِبِ … وليس كالبانِي أو كالنَّاصِبِ
إنْ شاءَ ربُّ الأرْضِ ترْكَ الزَّرْعِ … بأْجْرَةِ المِثْلِ فَوَجْهٌ مرْعِى
أو مِلْكَه إنْ شاءَ بالإنْفاقِ … أو قِيمَةً للزَّرْعِ بالوفاقِ
الجزء: 15 - الصفحة: 136
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ، وَعَلَيهِ الأجْرَةُ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ الزَّرْعُ للغاصِبِ، وعليه الأُجْرَةُ.
وهذا الاحْتِمالُ لأبِي
الجزء: 15 - الصفحة: 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخَطَّابِ.
وقيل: له قَلْعُه، إنْ ضَمِنَه.
واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه، أنَّ الزَّرْعَ لرَبِّ الأَرْضِ، كالوَلَدِ، فإنَّه لسَيِّدِ الأُمِّ، لَكِنِ المَنِيُّ لا قِيمَةَ له، بخِلافِ البَذْرِ.
ذكَرَه الشَّيخُ تقِي الدِّينِ.
قال الزَّرْكَشِي: وهذا القَوْلُ ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ في عامَّةِ نُصُوصِه، والخِرَقِيِّ، والشِّيرازِيِّ، وابنِ أبِي مُوسى، فيما أظُنُّ، وعليه اعْتَمَدَ الإِمامُ أحمدُ.
وكذا قال الحارِثِيُّ: ظاهرُ كلامِ مَن تقدَّم مِنَ الأصحابِ؛ كالخِرَقِيِّ، وابنِ أبِي مُوسى، عدَمُ التَّخْيِيرِ، فإنَّ كُلًّا منهم قال: الزَّرْعُ لمالِكِ الأرْضِ، وعليه النَّفَقَةُ.
وهذا بعَينِه هو المُتَواتِرُ عن أحمدَ، ولم يذْكُرْ أحدٌ عنه تَخْيِيرًا، وهو الصَّوابُ، وعلَّلَه.
انتهى.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، في مَن زرَعَ بلا إذْنِ شَرِيكهِ، والعادَةُ بأنَّ مَن زرَعَ فيها له نَصِيبٌ مَعْلومٌ، ولرَبِّها نَصِيبٌ: قسِمَ ما زَرَعَه في نَصِيبِ شَرِيكهِ كذلك.
قال: ولو طَلَبَ أحدُهما مِنَ الآخَرِ أنْ يزْرَعَ معه أو يُهايِئَه فيها، فأبَى، فللأوَّلِ الزَّرْعُ في قَدْرِ حَقِّه بلا أُجْرَةٍ، كدارٍ بينَهما فيها
الجزء: 15 - الصفحة: 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيْتان، سكَنَ أحدَهما عندَ امْتِناعِه مما يَلْزَمُه.
انتهى.
قلتُ: وهذا الصَّوابُ، ولا يسَعُ النَّاسَ غيرُه.
قوله: وهل ذلك قِيمَتُه، أو نَفَقَتُه؟ على وَجْهَين.
وهما وَجْهان في نُسْخَةٍ مَقْروءَةٍ على المُصَنِّفِ، وفي نُسْخَةٍ رِوايَتان، وعليها شرَح الشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى.
قال الحارِثيُّ: حَكاهُما مُتَأخِّرُو الأصحابِ، والمُصَنِّف في «كتابهِ الكَبِيرِ» رِوايَتين، وأوْرَدَهما هنا وَجْهَين.
قال: والصَّوابُ أنَّهما رِوايَتان.
قال هو، والشَّارِحُ: والمَنْقُولُ عن أحمدَ في ذلك رِوايَتان.
وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَقِيلٍ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الهادِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الزّرْكَشِيِّ»؛ إحْداهما، يأْخُذُه بنَفَقَتِه؛ وهي ما أنْفَقَ مِنَ البَذْرِ ومُؤْنَةِ الزَّرْعِ؛ مِنَ الحَرْثِ والسَّقْي، وغيرِهما.
وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، والشِّيرازِيِّ.
واخْتارَه القاضي في «رُءوسِ المَسائلِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وابنُ عَقِيلٍ.
قال الحارِثِيُّ: وهو المذهبُ، وعليه مُتَقَدِّمُو الأصحابِ؛ كالخِرَقِيِّ، وأبِي بَكْرٍ، ثم ابنِ أبِي مُوسى، والقاضي في كِتابَيْ «المُجَرَّدِ»، و «رءُوسِ المَسائلِ»، وابنِ عَقِيلٍ؛ لصَرِيحِ الأخْبارِ المُتقَدِّمَةِ فيه.
انتهى.
وصحَّحه في «التصْحيحِ».
وجزَم به في «الطَّرِيقِ الأقرَبِ»، و «الوَجيزِ»، وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يأْخُذُه بقِيمَتِه زَرْعًا الآنَ.
صحَّحه القاضي في «التَّعْليقِ».
وجزَم به في «العُمْدَةِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأزَجِيِّ».
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «تجريدِ العِنَايةِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ».
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
قلتُ: والنَّفْسُ تَمِيلُ إليه.
قال ابنُ الزَّاغُونِيِّ: أصْلُهما، هل يُضْمَنُ وَلَدُ المَغْرُورِ بمِثْلهِ، أو قِيمَتِه؟ وعنه رِوايَةٌ ثالثَةٌ، يأْخُذُه بأيِّهما شاءَ، نقَلَها مُهَنَّا.
قاله في «الفُروعِ».
قال الحارِثيُّ:
الجزء: 15 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحكَى القاضي [أبو حُسَينٍ] 6 في كتابِ «التَّمامِ»، عن أخِيه أبِي القاسِمِ 7، رِوايَةً بالتَّخْيِيرِ، وهو الظَّاهِرُ مِن إيرادِ القاضي يَعْقُوبَ في «التَّعْليقِ».
وذكَر نصَّ مُهَنَّا.
وقال في «الفائقِ»: وخرَّج أبو القاسِمِ ابنُ القاضي رِوايَةً بالخِيَرَةِ، فكأَنَّه ما اطَّلَعَ على كلامِ الحارِثِيِّ، أو لأبِي القاسِمِ تَخْرِيجُ رِوايَةٍ، ثم اطَّلَعَ، فوافَقَ التَّخْرِيجَ لها.
فعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، واحْتِمالِ أبي الخَطَّابِ، لرَبِّ الأرْضِ أُجْرَتُها إلى حينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ.
جزَم به في «المُغنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، وذكَر
الجزء: 15 - الصفحة: 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو يَعْلَى الصغِيرُ، أنَّه لا أُجْرَةَ له.
ونقَلَه إبْراهِيمُ بنُ الحارِثِ.
وعلى المذهبِ، أعْنِي إذا أوْجَبْنا ردَّ النفَقَةِ، فقال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: يَرُدُّ مِثْلَ البَذْرِ.
وبه قال ابنُ الزَّاغُونِيِّ؛ لأن البَذْرَ مِثْليٌّ.
ونصَرَه الحارِثِيُّ.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: يجِبُ ثَمَنُ البَذْرِ.
تنبيه: قال الحارِثِيُّ: عَمر المُصَنِّفُ بالنَّفَقَةِ عن عِوَضِ الزَّرْعِ، وكذلك عبَّر أبو الخَطَّاب، والسَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التلخيصِ»، وغيرُهم، وليس بالجَيِّدِ؛ لوَجْهَين؛ أَحدُهما، أنَّ المُعاوَضَةَ تَسْتَلْزِمُ مِلْكَ المُعَوِّضِ، ودُخُولُ الزَّرْعِ في مِلْكِ الغاصِبِ باطِلٌ بالنَّصِّ.
كما تقدَّم، فبَطَلَ كوْنُها عِوَضًا عنه.
الثَّاني، الأصْلُ في المُعاوَضَةِ تَفاوُتُهما وتَباعُدُهما، فدلَّ على انْتِفاءِ المُعاوَضَةِ، والصَّوابُ، أنَّها عِوَضُ البَذْرِ ولوَاحِقِه.
انتهى.
فائدة: يُزَكِّيه ربُّ الأرْضِ، إنْ أخَذَه قبلَ وُجوبِ الزَّكاةِ، وإنْ أخَذَه بعدَ الوُجوبِ، ففي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «القَواعدِ الفِقْهِيَّةِ».
قلتُ: الصَّحيحُ أنَّه لا يُزَكِّيه، بل تَجِبُ الزَّكاة على الغاصِبِ، لأنَّه ملَكَه إلى حينِ أَخْذِه، على الصَّحيحِ، كما تقدَّم.
وعلى مُقْتَضَى النُّصوصِ، واخْتِيارِ الخِرَقِيِّ، وأبِي بَكْر، وابنِ أبِي مُوسى، والحارِثِيِّ، وغيرِهم، يُزَكِّيه ربُّ الأرْضِ؛ لأنَّهم حكَمُوا أنَّ الزَّرْعَ مِن أصْلِه لرَبِّ الأرْضِ [وعلى هذا يكونُ هذا المذهبَ] 8.
الجزء: 15 - الصفحة: 143
وَإِنْ غَرَسَهَا أَوْ بَنَى فِيهَا، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ، وَتَسْويَةِ الأرْضَ وَأَرْشَ نَقْصِهَا وَأُجْرَتِهَا.
قوله: وإنْ غَرَسَها، أو بَنَى فيها، أُخِذَ بقَلْعِ غَرْسِه وبِنائِه وتَسْويَةِ الأرْضِ، وأرْشِ نَقْصِها وأُجْرَتِها.
وهذا مَقْطوعٌ به عندَ جُمْهورِ الأصحابِ، إلَّا أنَّ صاحِبَ «الرِّعايةِ» قال: لَزِمَه القَلْعُ في الأصحِّ.
قال في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والسَّبْعِين»: والمَشْهورُ عن أحمدَ، للمالِكِ قَلْعُه مجَّانًا، وعليه الأصحابُ.
وعنه، لا يَقْلَعُ، بل يَتَملَّكُه بالقِيمَةِ.
وعليها، لا يَقْلَعُ إلَّا مَضْمُونًا، كغَرْسِ المُسْتَعِيرِ.
كذلك حَكاهما القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
الجزء: 15 - الصفحة: 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[تنبيه: شَمِلَ كلامُ المُصَنِّفِ، ما لو كانَ الغارِسُ أو البانِي أحَدَ الشرِيكَين.
وهو كذلك، حتى ولو لم يَغْصِبْه، لكِنْ غرَسَ أو بنَى مِن غيرِ إذْنٍ.
وهو صحيحٌ.
نصَّ عليه في رِوَايةِ جَعْفَرِ بنِ محمدٍ، أنَّه سُئِلَ عن رَجُل غرَسَ نَخْلًا، في أرْضٍ بينَه وبينَ قَوْم، مُشاعًا؟ قال: إنْ كان بغيرِ إذْنِهم، قلَع نَخْلَه.
ويأْتِي هذا أيضًا في الشُّفْعَةِ] 9.
فوائد؛ منها، لو زرَع فيها شَجَرًا بنَواه، فالمَنْصوصُ عن أحمدَ، وعليه الأصحابُ، أنَّه له، كما في الغِراسِ.
ويَحْتَمِلُ كوْنُه لرَبِّ الأرْضِ؛ لدُخُولِه في عُمومِ أخْبَارِ الزَّرْعِ.
قاله الحارِثِيُّ.
ومنها، لو أثْمَرَ ما غَرَسَ الغاصِبُ، فقال في «المُجَرَّدِ»، و «الفُصولِ»، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «نَوادِرِ المذْهبِ»: الثَّمَرُ لمالِكِ الأرْضِ، كالزَّرْعِ؛ إنْ أدْرَكَه أخَذَه، ورَد النَّفَقَةَ، والَّا فهو للغاصِبِ.
واخْتارَه القاضي.
ونصَّ عليه، في رِوايَةِ عليِّ بنِ سَعِيدٍ.
قال في «الفُروعِ»: ونَصُّه في مَن غَرَسَ أرْضًا، الثمرَةُ لرَبِّ الأرْضِ، وعليه النفَقَةُ.
وقال المُصَنِّفُ في «المغْنِي»، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفائقِ»، وابنُ رَزِين: لو أثْمَرَ ما غرَسَه الغاصِبُ؛ فإنْ أدْرَكَه صاحِبُ الأرْضِ بعدَ الجَذاذِ، فَللغاصِبِ، وكذلك قبلَه.
وعنه، لمالِك الأَرْضِ، وعليه النَّفَقَةُ.
انتهوا.
قال ابن رَزينٍ، عن القَوْلِ بأنَّه لصاحِبِ الأرْضِ: ليس بشيءٍ.
قال الحَارِثيُّ: وفيه
الجزء: 15 - الصفحة: 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهٌ، أنَّه للغاصِبِ بكُلِّ حالٍ.
وحَكاه ابنُ الزَّاغُونِيِّ في كتابِ الشُّروطِ، رِوايَةً عن أحمدَ، قال: وهذا أصحُّ؛ اعتِبارًا بأصْلِه.
قال: والقِياسُ على الزَّرْعِ ضعيفٌ.
واخْتارَ الحَارِثِيُّ ما قدَّمه المُصَنِّفُ.
وقدَّمه في «الرِّعايَتين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
ومنها، لو جَصَّصَ الدَّارَ وزَوَّقَها، فحُكْمُها كالبِناءِ.
قاله
الجزء: 15 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الكافِي».
ولو وهَبَ ذلك لمالِكِها، ففي إجْبارِه على قَبُولِه وَجْهان، كالصَّبْغِ في الثوْبِ، على ما يأتِي.
ومنها، لو غصَبَ أرْضًا، فبَناها دارًا بتُرابٍ منها
الجزء: 15 - الصفحة: 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وآلاتٍ مِنَ المَغْصُوبِ منه، فعليه أُجْرَتُها مَبْنِيَّة، وإنْ كانتْ آلاتُها مِن مالِ الغاصِبِ، فعليه أُجْرَةُ الأرْضِ دُونَ بِنائِها؛ لأنَّه إنَّما غصَب الأَرْضَ، والبِناءُ له، فلم يَلْزَمْه أُجْرَةُ مالِه، فلو أجَرَهَا، فالأجْرَةُ لهما بقَدْرِ قِيمَتِهما.
نقَل ابنُ مَنْصُورٍ، في مَن بَنَى فيها ويُؤْجِرُها، الغَلَّةُ على النَّصيبِ.
ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ أيضًا، ويكونُ شَرِيكًا بزِيادَةِ بِناءٍ.
ومنها، لو طَلَبَ أخْذَ البِناءِ أو الغِراسِ بقِيمَتِه، وأبَى مالِكُه إلَّا القَلْعَ، فله ذلك، ولا يُجْبَرُ على أخْذِ القِيمَةِ.
وفي البِناءِ تخْريجٌ، إذا بَذَلَ صاحِبُ الأرْضِ لصاحِبِ القِيمَةِ، أنَّه يُجْبَرُ على قَبُولِها، إذا لم يَكُنْ في النَّقْضِ غرَضٌ صحيحٌ.
وهو للمُصَنِّفِ.
والمذهبُ، الأوَّلُ.
وذكَرَ ابنُ عَقِيلٍ رِوايةً فيه، لا
الجزء: 15 - الصفحة: 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَلْزَمُه، ويُعْطِيه قِيمَتَه.
ونقلَه ابنُ الحَكَمِ.
وَرَوَى الخَلَّالُ فيه، عن عائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، مَرْفُوعًا: «له ما نقَصَ».
قال أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ: هذا مَنَعنا مِنَ القِياسِ.
ونقَل جَعْفَرٌ فيها، لرَبِّ الأرْضِ أخْذُه.
وجزَم به ابنُ رَزِينٍ، وزادَ، وترْكُه بأُجْرَةٍ.
انتهى.
ومنها، إنِ اتَّفَقا على القِيمَةِ، فالواجبُ قِيمَةُ الغِراسِ مَقْلُوعًا.
حَكاه ابنُ أبِي مُوسى وغيرُه.
وإنْ وَهَبَهما الغاصِبُ لرَبِّ الأرْضِ؛ ليَدْفعَ عن نَفْسِه كُلْفَةَ القَلْعِ، فقَبِلَه، جازَ.
وإنْ أبَى إلَّا القَلْعَ، وكان في قَلْعِه غرَضٌ صحيحٌ، لم يُجْبَرْ على القَبُولِ.
وإنْ لم يكُنْ له في القَلْعِ غرَضٌ صحيحٌ، ففي إجْبارِه على القَبُولِ احْتِمالان.
وأطْلقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ».
قال في «الرّعايةِ»: وإنْ وهَبَها لرَبِّ الأَرْضِ، لم يَلْزَمْه القَبُولُ، إنْ أرادَ القَلْعَ، وإلَّا احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
انتهى.
قلتُ: الأَوْلَى أنَّه لا يُجْبَرُ.
ومنها، لو غَصَبَ أرْضًا و 10 غِراسًا مِن شَخْصٍ واحدٍ،
الجزء: 15 - الصفحة: 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فغَرَسَه فيها، فالكُلُّ لمالِك الأرْضِ، فإنْ طالبَه رَبُّ الأرْضِ بقَلْعِه، وله في قَلْعِه غَرَضٌ صحيحٌ، أُجْبِرَ عليه، وعليه تَسْويَةُ الأرْضِ ونَقْصُها ونَقْصُ الغِراسِ.
وإنْ
الجزء: 15 - الصفحة: 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يكُنْ في قَلْعِه غرَضٌ صحيحٌ، لم يُجْبَرْ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحَارِثِيِّ»، و «الفرُوعِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُجْبَرُ.
وهو احْتِمالٌ للمُصَنِّفِ.
وإنْ أرادَ الغاصِبُ قَلْعَه ابْتدِاءً، فله مَنْعُه.
قاله الحارِثِيُّ، وصاحِبُ «الرِّعايةِ»، وغيرُهما، ويَلْزَمُه أُجْرَتُه مَبْنِيًّا، كما تقدَّم.
فائدتان؛ إحْداهما، لو غرَسَ المُشْتَرِي مِنَ الغاصِبِ، ولم يَعْلَمْ بالحالِ، فقال ابنُ أبِي مُوسى، والقاضي في «المُجَرَّدِ»، وتَبِعَه عليه المُتَأَخِّرون: للمالِكِ قَلْعُه مجَّانًا، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي بالنَّقْصِ على مَن غَرَّه.
قال الحَارِثِيُّ: الحُكْمُ كما تقدَّم.
قاله أصحابُنا.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقال في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والسَّبْعِين»: المَنْصُوصُ أنَّه يَتمَلَّكُه بالقِيمَةِ، ولا يقْلَعُ مجَّانًا، نقَلَه حَرْبٌ، ويَعْقُوبُ بنُ بَخْتانَ.
قال: ولا يَثْبُتُ عن أحمدَ سِوَاه، وهو الصَّحيحُ.
انتهى.
ويأْتِي في كلامِ المُصنِّفِ ما هو أعَمُّ مِن ذلك، في البابِ في قوْلِه: وإنِ اشْتَرى أرْضًا فَغَرَسَها، أو بَنَى فيها، فخَرجَتْ مُسْتَحَقَّةً.
الثَّانيةُ، الرَّطْبَةُ ونحوُها، هل هي كالزَّرْعِ في الأحْكامِ المُتَقَدِّمةِ، أو كالغِراسِ؟ فيه احْتِمالان.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «قواعدِ ابنِ رَجَبٍ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»؛ أحدُهما، أنَّه كالزَّرْعِ.
قدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه»، وقال: لأنَّه زَرْعٌ ليس له
الجزء: 15 - الصفحة: 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَرْعٌ قَويٌّ، فأَشْبَهَ الحِنْطَةَ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: ويدْخُلُ في عُمومِ كلامِ الخِرَقِيِّ.
قلتُ: وكذا غيرُه.
والوَجْهُ الثَّاني، هو كالغِراسِ قال النَّاظِمُ:
وكالغَرْسِ في الأَقْوَى، المُكَرَّرُ جَذُّه.
الجزء: 15 - الصفحة: 152
وَإِنْ غَصَبَ لَوْحًا، فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً، لَمْ يُقْلَعْ حَتَّى تَرْسُوَ.
ويأْتِي قرِيبًا: لو حفَرَ في الأرْضَ بِئْرًا.
قوله: وإنْ غصَب لَوْحًا فرَقَعَ به سَفينَةً، لم يُقْلَعْ حتى تَرْسَى.
يعنِي، إذا كان يُخافُ مِن قَلْعهِ.
وهذا المذهبُ مُطْلقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ»: هو المذهبُ عندَ الأصحابِ.
وقيل: يُقْلَعُ، إلَّا أنْ يكونَ فيه حَيوانٌ مُحْتَرمٌ، أو مالٌ للغَيرِ.
جزَم به في «عُيونِ المَسائلِ»، وهو احْتِمالٌ لأبِي الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ».
قال الحارِثِيُّ: ومُطْلَقُ كلام ابنِ أبِي مُوسى يَقْتَضِيه؛ فإنَّه قال: مَنِ اغْتَصَبَ ساجَةً، فَبَنَى عليها حائِطًا، أوَ جعَلها في سَفِينَةٍ، قُلِعَتْ مِنَ الحائطِ أو السَّفِينَةِ، وإنِ اسْتُهْدِما بالقَلْعِ.
انتهى.
الجزء: 15 - الصفحة: 153
وَإِنْ غَصَبَ خَيطًا، فَخَاطَ بهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ، وَخِيفَ عَلَيهِ مِنْ قَلْعِهِ، فَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، إلا أنْ يَكُونَ الحَيَوَانُ مَأْكُولًا لِلْغَاصِبِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ وَيُذْبَحُ الْحَيَوَانُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فائدة: حيث يَتَأَخَّرُ القَلْعُ، فلِلمالِكِ القِيمَةُ، ثم إذا أمْكَنَ الرَّدُّ، أخَذَه مع الأَرْشِ، إنْ نقَصَ، واسْتَرَدَّ الغاصِبُ القِيمَةَ كما لو أبَقَ المَغْصُوبُ.
قاله الحارِثِيُّ.
قلتُ: وقد شَمِلَه كلامُ المُصَنِّفِ الآتِي؛ حيثُ قال: وإنْ غَصَبَ عَبْدًا، فأَبَقَ، أو فَرَسًا، فشَرَدَ، أو شَيئًا تعَذَّرَ ردُّه مع بَقائِه، ضَمِنَ قِيمَتَه.
ولو قيلَ بأنَّه تَتعَيَّنُ له الأُجْرَةُ إلى أنْ يَقْلَعَ، لكانَ مُتَّجِهًا.
قوله: وإنْ غصَب خَيْطًا، فخاطَ به جُرْحَ حَيَوانٍ، وخِيفَ عليه مِن قَلْعِه،
الجزء: 15 - الصفحة: 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعليه قِيمَتُه، إلَّا أنْ يَكونَ الحَيَوانُ مَأْكَولًا للغاصِبِ، فهل يَلْزَمُه رَدُّه، ويُذْبَحُ الحَيَوانُ؟ على وجهَين.
إذا غَصَبَ خَيطًا وخاطَ به جُرْحَ حَيوانٍ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يُخافَ على الْحَيوانِ بقَلْعِه، أوْ لا، فإنْ لم يُخَفْ عليه بقَلْعِه، قُلِعَ.
وإنْ خِيفَ عليه، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ مأْكُولًا أوْ لا، فإنْ لم يكُنْ مأْكولًا، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ مُحْتَرمًا، أوْ لا، فإنْ كان غيرَ مُحْتَرَمٍ؛ كالمُرْتَدِّ، والكَلْبِ العَقُورِ، والخِنْزِيرِ، ونحوها، فله قَلْعُه منه، بلا نِزاعٍ.
وإنْ كان مُحْتَرَمًا، فلا يَخْلُو؛ إمَّا
الجزء: 15 - الصفحة: 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنْ يكونَ آدَمِيًّا، أو غيرَه، فإنْ كان آدَمِيًّا، لم يُقْلَعْ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، إذا خِيفَ عليه الضَّرَرُ، وتُؤْخَذُ قِيمَتُه.
قدَّمه في «الفُروعِ»، واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والحارِثِيُّ، وغيرُهم.
وقيل: لا تُؤْخَذُ قِيمَتُه إلَّا إذا خِيفَ تَلَفُه، ويُقْلَعُ كغيرِه مِنَ الحَيواناتِ المُحْتَرَمَةِ؛ فإنَّه لا بُدَّ فيها مِن خَوْفِ التَّلَفِ على الصحيحِ.
وفيه احْتِمالٌ.
وهذا القَوْلُ ظاهِرُ ما قطَع به في «الفائقِ»، و «المُذْهَبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؛ لأنَّهم قيَّدُوه بالتَّلَفِ.
وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى».
وهو احْتِمالٌ للقاضي، وابنِ عَقِيلٍ.
وإنْ كان مأْكُولًا، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ للغاصبِ، أوْ لا، فإن لم يكُنْ للغاصِبِ،
الجزء: 15 - الصفحة: 156
وَإِنْ مَاتَ الْحَيَوَانُ، لِزَمَهُ رَدُّهُ، إلا أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا.
لم يُقْلَعْ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى» وغيرِهم.
وإنْ كان للغاصِبِ، وهي مسْأَلةُ المُصَنِّفِ، فأَطْلَقَ الوَجْهَين، وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «شَرْحِ الحَارِثيِّ»، و «ابنِ مُنَجَّي»؛ أحدُهما، يُذْبَحُ، ويَلْزَمُه ردُّه.
وهو المذهبُ.
اخْتارَه القاضي وغيرُه.
قاله الحَارِثِيُّ.
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «الكافِي».
والوَجْهُ الثَّاني، لا يُذْبَحُ، وتُرَدُّ قِيمَتُه.
قدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَتين»، و «الحاوي الصَّغيرِ».
وفيه وَجْهٌ ثالِثٌ، إنْ كان مُعَدًّا للأَكْلِ؛ كبَهِيمَةِ الأنْعامِ، والدَّجاجِ، ونحوه، ذُبِحَ، ورَدَّه، وإلَّا فلا.
وهو احْتِمالٌ للمُصَنِّفِ.
قال الحارِثِيُّ؛ وهو حَسَنٌ.
وأطْلَقَهنَّ في «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».
قوله: وإنْ ماتَ الحَيَوانُ، لَزِمَه رَدُّه، إلَّا أنْ يَكُونَ آدَمِيًّا.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحَارِثِيِّ»، و «الوَجيزِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: يَلْزَمُه ردُّه بمَوْتِ الآدَمِيِّ.
قال ابنُ شِهَابٍ:
الجزء: 15 - الصفحة: 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحَيوانُ أكثرُ حُرْمَةً مِن بقِيَّةِ المالِ، ولهذا لا يجوزُ مَنْعُ مائِه منه، [وله قَتْلُه دَفْعًا عن مالِه، قيل] 11: لا عن نَفسِه.
فؤائد؛ الأُولَى، لو غصَبَ جَوْهَرَةً، فابْتَلَعَتْها بَهِيمَةٌ، فقال الأصحابُ: حُكْمُها حُكْمُ الخَيطِ.
قاله المُصنِّفُ، والشَّارِحُ، والحارِثِيُّ، وقال: إنْ كانتْ مأْكُولَةً، ذُبِحَتْ على الأَشْهَرِ.
وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» 12: ويَحْتَمِلُ أنَّ الجَوْهَرَةَ متى كانتْ أكثرَ قِيمَةً مِن الحَيوانِ، ذُبِحَ الحَيوانُ، ورُدَّتْ إلى مالِكِها،
الجزء: 15 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وضَمانُ الحَيوانِ على الغاصِبِ، إلَّا أنْ يكونَ آدَمِيًّا.
الثَّانيةُ، لو ابْتَلَعَتْ شاةُ رَجُلٍ جَوْهَرَةَ آخَرَ، غيرَ مَغْصُوبَةٍ، وتَوقَّفَ الإِخراجُ على الذَّبحِ، ذُبِحَتْ، بقَيدِ كَوْنِ الذَّبْحِ أقلَّ ضرَرًا.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، ومَن تابَعَهما.
قال الحارِثِيُّ: واخْتِيارُ الأصحابِ، عدَمُ القَيدِ، وعلى مالِكِ الجَوْهَرَةِ ضَمانُ نقْصِ الذَّبْحِ، إلَّا أنْ يُفَرطَ مالِكُ الشَّاةِ بكَوْنِ يَدِه عليها، فلا شيءَ له؛ لتَفْرِيطِه.
الثَّالِثةُ، لو أدْخَلَتِ الشَّاةُ رأْسَها في قُمْقُمٍ، ونحوه، ولم يُمْكِنْ إخْراجُه إلَّا بذَبْحِها أو كَسْرِه، فهنا حالتان؛ إحْداهما، أنْ تكونَ مأْكُولَةً.
فللأصحابِ فيها طَرِيقان؛ أحدُهما، وهو
الجزء: 15 - الصفحة: 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَوْلُ الأكْثَرِين؛ منهم القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، إنْ كان لا بتَفْرِيطٍ مِن أحَدٍ، كُسِرَ القِدْرُ، ووَجَبَ الأَرْشُ على مالِكِ البَهِيمَةِ.
وإنْ كان بتَفْرِيطِ مالِكِها، بأنْ أدْخلَ رأْسَها بيَدِه، أو كانتْ يَدُه عليها، ونحوُه، ذُبِحَتْ مِن غيرِ ضَمانٍ.
وحكَى غيرُ واحدٍ وَجْهًا بعَدَمِ الذَّبْحِ، فيَجِبُ الكَسْرُ والضَّمانُ.
وإنْ كانتْ بتَفْرِيطِ مالِكِ القِدْرِ، بأنْ أدْخَلَه بيَدِه، أو ألْقاها في الطَّريقِ، كُسِرَتْ، ولا أَرْشَ.
قال ذلك الحارِثِيُّ.
الطَّريقُ الثَّاني، وهو ما قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، اعْتِبارُ أَقَلِّ الضَّرَرَين، إنْ كان الكَسْرُ هو الأقَلَّ، تعَيَّن، وإلَّا ذُبِحَ، والعَكْسُ كذلك.
ثُم التَّفْريطُ مِن أيِّهما حصَلَ، كان الضَّمانُ عليه، وإنْ لم يحْصُلْ مِن واحِدٍ منهما، فالضَّمانُ على مالِكِ البَهِيمَةِ، إنْ كَسَرَ القِدْرَ.
وإنْ ذُبِحَتِ البَهِيمةُ، فالضَّمان على
الجزء: 15 - الصفحة: 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صاحِبِ القِدْرِ.
وإنِ اتَّفَقا على تَرْكِ الحالِ على ما هو عليه، لم يَجُزْ.
ولو قال مَن عليه الضَّمانُ: أنا أُتْلِفُ مالي، ولا أغْرَمُ شيئًا للآخَرِ.
كان له ذلك الحالةُ الثَّانيةُ، أنْ تكونَ غيرَ مأْكُولَةٍ، فتُكْسَرُ القِدْرُ، ولا تُقْتَلُ البَهِيمَةُ بحالٍ.
وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: قاله الأصحابُ.
قال الحارِثِيُّ: قاله الأكْثَرون مِنَ الأصحابِ.
وعلى هذا، لو اتَّفَقا على القَتْلِ، لم يُمَكَّنا.
وقيل: حُكْمُه حُكْمُ المَأْكُولِ، على ما تقدَّم.
وفيه وَجْهٌ ثالثٌ، أنَّه يُقتَلُ إنْ كانتِ الجِنايَةُ كِل مِن مالِكِها، أو القَتْلُ أقل ضَرَرًا.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وأطْلَقَهنَّ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وظاهِرُ الحَارِثِيِّ الإِطْلاقُ.
الرَّابِعةُ، لو سقَطَ دِينارٌ، أو دِرْهَمٌ، أو أقَلُّ أو أكْثْرُ، في مَحْبَرةِ الغَيرِ، وعَسُرَ إخْراجُه، فإنْ كان بفِعْلِ مالِكِ المَحْبَرَةِ، كُسِرَتْ مجَّانًا مُطْلَقًا، وإنْ كان بفِعْلِ مالِكِ الدِّينارِ، فقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: يُخيَّرُ بينَ تَرْكِه فيها وبينَ كَسْرِها، وعليه قِيمَتُها.
وعلى هذا، لو بذَلَ مالِكُ المَحْبَرَةِ لمالِكِ الدِّينارِ مِثْلَ دِينارِه، فقيلَ: يَلْزَمُه قَبُولُه.
اخْتارَه صاحِبُ «التَّلْخيصِ» فيه.
وقدَّمه في «الرِّعايَتين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقيل: لا يَلْزَمُه قَبُولُه.
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ».
وذكَر المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ في إجْبارِ مالِكِ المَحْبَرَةِ على الكَسْرِ ابْتداءً، وَجْهَين؛ أحدُهما: لا يُجْبَرُ.
قالا: وعليه نَقْصُ المَحْبَرَةِ.
قال الحارِثِيُّ: ويجِبُ على هذا الوَجْهِ، أنْ يُقال بوُجوبِ بَذْلِ الدِّينارِ.
انتهى.
والوَجْهُ الثَّاني، يُجْبَرُ، وعلى مالِكِ الدِّينارِ ضَمانُ القِيمَةِ.
واخْتارَه صاحِبُ «التَّلْخيصِ».
قال الحارِثيُّ: وهذا الوَجْهُ هو حاصِلُ ما قال القاضي،
الجزء: 15 - الصفحة: 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وابنُ عَقِيلٍ مِنَ التَّخْيِيرِ بينَ التَّرْكِ والكَسْرِ.
وكيفما كان، لو بادَر وكَسَرَ عُدْوانًا، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن قِيمَتِها، وَجْهًا واحِدًا.
وإنْ كان السُّقُوطُ لا بفِعْلِ أحدٍ؛ بأنْ سقَطَ مِن مَكانٍ، أو أَلْقَاهُ طائرٌ، أو هِرٌّ، وجَبَ الكَسْرُ، وعلى رَبِّ الدِّينارِ الأَرْشُ.
فإنْ كانتْ المَحْبَرَةُ ثَمِينَةً، وامْتَنعَ ربُّ الدِّينارِ مِن ضَمانِها في مُقابَلَةِ الدِّينارِ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: قِياسُ قَوْلِ أصحابِنا أنْ يُقال له: إنْ شِئْتَ أنْ تأْخُذَ، فاغْرَمْ، وإلَّا فاتْرُكْ، ولا شيءَ لك.
قال الحَارِثِيُّ: والأَقْربُ، إنْ شاءَ الله تعالىَ، سُقوطُ حقِّه مِنَ الكَسْرِ هُنا، ويَصْطَلِحان عليه.
ولو غصَبَ الدِّينارَ وأَلْقاه في مَحْبَرةِ آخَرَ، أو سقَطَ فيها بغيرِ فِعْلِه، فالكَسْرُ مُتَعَيِّنٌ، وعلى الغاصِبِ ضَمانُها، إلَّا أنْ يزيدَ ضرَرُ الكَسْرِ على التَّبْقِيَةِ فَيسْقُطَ، ويجِبَ على الغاصِب ضَمانُ الدِّينارِ.
ذكَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وتابَعَهما الحَارِثِيُّ.
الخامسةُ، لو حصَلَ مُهْرٌ أو فَصِيلٌ في دارِه لآخَرَ، وتعَذَّرَ إخْراجُه بدُونِ نَقْضِ البابِ، وَجَبَ النَّقْضُ.
ثُم إنْ كانَ عن تَفْرِيطِ مالِكِ الدَّارِ؛ بأنْ غَصَبَه وأدْخلَه، فلا كلامَ، وإنْ كان لا عن تَفْرِيطٍ مِن أحَدٍ، فضَمانُ النَّقْضِ على مالِكِ الحَيوانِ.
وذكَر المُصَنِّفُ احْتِمالًا باعْتِبارِ أقلِّ الضَّرَرَين؛ فإنْ كان النقْضُ أقلَّ، فكما قُلْنا، وإنْ كان أكْثَرَ، ذُبِحَ.
قال الحَارِثِيُّ: وهذا أوْلَى.
وعلى هذا، إنْ كان الحَيوانُ غيرَ مأْكُولٍ، تعَيَّنَ النَّقْضُ، وإنْ كان عن تَفْرِيطِ مالِكِ الحَيوانِ، لم يُنْقَضْ، وذُبِحَ، وإنْ زادَ ضَررُه.
حكَاه في «المُغْنِي»، وذكَر صاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وُجوبَ النَّقْضِ وغرْمَ الأَرْشِ.
وكلامُ ابنِ عَقِيلٍ نحوُه أو قريبٌ منه.
قاله الحَارِثِيُّ، وقال: الأَوَّلُ الصَّحيحُ.
وإنْ كان المَغْصُوبُ خَشَبَةً، فأَدْخَلها الدَّارَ، فهي كَمسْأَلَةِ الفَصِيل؛
الجزء: 15 - الصفحة: 162
فَصْلٌ: وَإِنْ زَادَ، لَزِمَهُ رَدُّهُ بِزِيَادَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً؛ كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أَوْ مُنْفَصِلَةً؛ كَالْوَلَدِ وَالْكَسْب.
وَلَوْ غَصَبَ جَارِحًا فَضَادَ بِهِ، أَوْ شَبَكَةً أَوْ شَرَكًا فَأَمْسَكَ شَيئًا، أَوْ فَرَسًا فَصَادَ عَلَيهِ أَوْ غَنِمَ، فَهُوَ لِمَالِكِهِ.
يَنْقُضُ البابَ لإِخْراجِها.
السَّادسةُ، لو باعَ دارًا وفيها ما يَعْسُرُ إخْراجُه، فقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم: يَنْقُضُ البابَ، وعليه ضَمانُ النَّقْضِ.
وقال المُصَنِّفُ: يُعْتَبَرُ أقَلُّ الضَّرَرَين؛ إنْ زادَ بَقاؤُه في الدَّارِ، أو تَفْكِيكُه، إنْ كان مُرَكَّبًا، أو ذَبْحُه، إنْ كان حَيوانًا على النَّقْضِ، نُقِضَ مع الأَرْشِ، وإنْ كان بالعَكْسِ، فلا نقْضَ لعدَمِ فائِدَتِه.
قال: ويَصْطَلِحان؛ إمَّا بأنْ يَشْتَرِيَه مُشْتَرِي الدَّارِ، أو غيرِ ذلك.
انتهى.
قوله: ولو غصَبَ جارِحًا، فصادَ به، أو شَبَكَةً، أو شَرَكًا، فأَمْسَكَ شَيئًا،
الجزء: 15 - الصفحة: 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو فَرَسًا، فصادَ عليه، أو غَنِمَ، فهو لمالِكِه.
إذا غَصَبَ جِارحًا، فصادَ به، أو فَرسًا، فصادَ عليه، فالصَّيدُ للمالِكِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال الحَارِثِيُّ: هذا المذهبُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
قال في «تجْريدِ العِنايةِ»: فلرَبِّه في الأَظْهَرِ.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وجزَم به في، الصَّيدِ في «الفائقِ»، و «الرِّعايةِ» في غيرِ الكَلْبِ.
وقيل: هو للغاصِبِ، وعليه الأُجْرَةُ.
وهو احْتِمالُ في «المُغْنِي».
قال الحَارِثِيُّ: وهو قَويٌّ.
وجزَم به في «التَّلْخيصِ»، في صَيدِ الكَلْبِ.
وأطلَقهما في «الفُروعِ»، و «الرّعايةِ» في الكَلْبِ.
وقال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ: يتوَجَّهُ فيما إذا غَصَبَ فَرَسًا، وكسَبَ عليه مالًا، أنْ يُجْعَلَ الكَسْبُ بينَ الغاصِبِ ومالِكِ الدَّابَّةِ على قَدْرِ نَفْعِهما، بأنْ تُقَوَّمَ مَنْفَعةُ الرَّاكبِ ومَنْفَعَةُ الفَرَسِ، ثم يُقْسَمُ الصَّيدُ بينَهما.
وتقدَّم ذلك في الشَّرِكَةِ الفاسِدَةِ.
فعلى المذهبِ، فل يَلْزَمُ الغاصِبَ أُجْرَةُ مُدَّةِ اصْطِيادِه، أم لا؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، «والرِّعايةِ»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه.
قدَّمه الحَارِثِيُّ، وقال: هو الصَّحيحُ.
قال
الجزء: 15 - الصفحة: 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «تَجْريدِ العِنايةِ»: ولا أُجْرَةَ لرَبّه مُدَّةَ اصْطِيادِه، في الأظْهَر.
والوَجْهُ الثَّاني، يَلْزَمُه.
وهو قِياسُ قَوْلِ صاحبِ «التَّلْخيصِ»، في صَيدِ العَبْدِ، على ما يأتِي قرِيبًا.
وأمَّا سَهْمُ الفَرَسِ المَغْصُوبَةِ، فقد تقدَّم في كلامِ المُصَنِّفِ أيضًا، في بابِ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، في قَوْلِه: ومَن غصَبَ فَرَسًا، فَقَاتَلَ عليه، فسَهْمُه لمالِكِه.
وذكَرْنا الخِلاف فيه هناك.
وأمَّا إذا اغصَبَ شبَكَةً، أو شَرَكًا، فصادَ به، فجزَم المُصَنِّفُ هنا، أنَّه لمالِكِه.
وهو المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ، وعليه عامَّةُ الأصحابِ.
وجزَم به ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه».
وقدَّمه في «الشَّرْحِ».
والوَجْهُ الثَّاني، يكونُ للغاصِبِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وقال في «الفُروعِ»، بعدَ أنْ ذكَر صَيدَ الكَلْبِ، والقَوْسِ: وقيل: وكذا أُحْبُولَةٌ.
وجزَم به غيرُ واحدٍ في كُتُبِ الخِلافِ، قالوا على قِياسِ قوْلِه: رِبْحُ الدَّراهِمِ لمالِكِها.
فائدة: صَيدُ العَبْدِ المغْصُوبِ، وسائرُ أكْسابِه للسَّيِّدِ، بلا نِزاعٍ.
وفي لُزومِ أُجْرَتِه مُدَّةَ اصْطِيادِه وعَمَلِه، الوَجْهانِ المُتَقَدِّمان في الجارِحَةِ.
قال في «التَّلْخيصِ»: ولا تدْخُلُ أُجْرَتُه تحتَه، إذا قُلْنا بضَمانِ المَنافِعِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 165
وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَرَهُ، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ، أَوْ فِضَّةً أَوْ حَدِيدًا فضَرَبَهُ، أَوْ خَشَبًا فَنَجَرَهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا، رَدَّ ذَلِكَ بِزِيَادَتِهِ وَأَرْشَ نَقْصِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ.
قوله: وإنْ غصَب ثَوْبًا فقصَرَه، أو غَزْلًا فنسَجَه، أو فِضَّةً، أو حَدِيدًا فضَرَبَه -إبَرًا أو أَوانِيَ- أو خَشَبًا، فنجَرَه بابًا، ونحوَه، أَو شاةً فذَبَحَها وشَواها، رَدَّ ذلك بزيادَتِه، وأَرْشَ نَقصِه، ولا شيءَ له.
وكذا لو غَصَبَ طينًا، فضَرَبَه لَبِنًا، أو جعَلَه فَخَّارًا، أو حبًّا، فطَحَنَه، ونحوَ ذلك.
ذكَر المُصَنِّفُ هنا، ما يُغَيِّرُ المَغْصُوبَ عن صِفَتِه، ويَنْقُلُه إلى اسْمٍ آخَرَ، كما مثَّلَ، ونحوه، ففي هذا يكونُ الحُكْمُ كما قال المُصَنِّفُ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفائقِ»: هذا ظاهِرُ المذْهبِ.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا
الجزء: 15 - الصفحة: 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ: اخْتارَه المُصَنِّفُ، والأكْثَرون مِن أهْلِ المذهبِ؛ منهم، القاضي في «المُجَرَّدِ»، وأبو عَليِّ بنُ شِهابٍ، وابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ».
قال: وهو المُخْتارُ.
قال في «التَّلْخيصِ»: هذا الصَّحيحُ عندِي.
وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
وعنه، يكونُ شَرِيكًا بالزِّيادَةِ.
اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قاله في «الفائقِ».
قال في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»:
الجزء: 15 - الصفحة: 167
وَعَنْهُ، يَكُونُ شَرِيكًا بِالزِّيَادَةِ.
الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، إنْ زادَتِ القِيمَةُ بذلك، فالغاصِبُ شَرِيكُ المالِكِ بالزِّيادَةِ.
انتهى.
وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «ناظِمِ المُفْرَداتِ»، وقال: رجَّحه الأكْثَرُ في الخِلافِ.
انتهى.
واخْتارَه القاضي في «الجامعِ الصَّغِيرِ»، والقاضي يَعْقُوبُ، وابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، وأبو الحَسَنِ ابنُ بَكْرُوسٍ 13. وقيل: للغاصِبِ أُجْرَةُ عَمَلِه فقط، إذا كانتِ
الجزء: 15 - الصفحة: 168
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: يَمْلِكُهُ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ.
الزِّيادَةُ مِثْلَها فصاعِدًا.
أوْمَأَ إليه ابنُ أبِي مُوسى.
ذكَرَه عنه في «التَّلْخيصِ».
قال الحارِثِيُّ: قاله ابنُ أبِي مُوسى، والشِّيرازِيُّ.
فعلى هذا، إنْ عَمِلَ ولم يَسْتَأْجَرْ، فلا شيءَ له، قاله الشِّيرازِيُّ في «المُبْهِجِ».
وقال أبو بَكْرٍ: يَمْلِكُه، وعليه قِيمَتُه قبلَ تَغْيِيرِه.
وهو رِوايةٌ نقَلَها محمدُ بنُ الحَكَمِ، إلَّا أنَّ المُصَنِّفَ، والشَّارِحَ قالا: هو قوْلٌ قديمٌ رجَعَ عنه؛ فإنَّ محمدًا ماتَ قبلَ أبي عبدِ اللهِ بَنْحوٍ مِن عِشْرِين سنَةً.
قلتُ: مَوْتُه قبلَ أبِي عبدِ اللهِ بعِشْرِين سنَةً لا يدُلُّ على أنَّه رجَع عنه، بل لا بُدَّ مِن دَليل على رُجُوعِه، وإلَّا فالأصْلُ عدَمُه.
ثم وجَدْتُ الحارِثِيَّ قال نحوَه؛ فقال: وليس يَلْزَمُ مِن تقدُّمِ الوَفاةِ الرُّجُوعُ؛ إذْ مِنَ الجائزِ تقدُّمُ سَماعِ مَن تأخَّرَتْ وفاتُه، وكان يجِبُ، على ما قال، إلْغاءُ ما خالفَ أبو بَكْرٍ فيه لرِوايَةِ مَن تأَخَّرَ مَوْتُه،
الجزء: 15 - الصفحة: 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأَمْرُ بخِلافِه.
انتهى.
وعنه، يُخَيَّرُ المالِكُ بينَ العَينِ والقِيمَةِ.
قال في «الفائقِ»: وهو المُخْتارُ.
تنبيه: أدْخَلَ المُصَنِّفُ فيما يُغيِّرُ المَغْصُوبَ عن صِفَتِه، قَصْرَ الثَّوْبِ، وذَبْحَ الشَّاةِ وشَيَّها.
قال في «الفُروعِ»: فذَكَر جماعَةٌ، أنَّه كالنَّوْعِ الأوَّلِ.
قلتُ: منهم صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ» و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرُهم.
قال الحارِثِيُّ: وقد أدْرَجَ هو وغيرُه في هذا الأَصْلِ قِصارَةَ الثَّوْبِ،
الجزء: 15 - الصفحة: 170
وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا، وَوَضَعَ تُرَابَهَا فِي أَرْضِ
وليس بالمُخْتارِ؛ لانْتِفاءِ سلْبِ الاسمِ والمَعْنَى.
تنبيه ثان: أفادَ المُصَنِّفُ أنَّ ذَبْحَ الغاصِبِ للحَيوانِ المَغْصُوبِ لا يُحَرِّمُ أكْلَه.
وهو كذلك على الصَّحيحِ، ويأْتِي ذلك عندَ تَصرُّفاتِ الغاصِبِ الحُكْمِيَّةِ، وفي بابِ القَطْعِ في السَّرِقَةِ.
فائدة: ما صوَّرَه المُصَنِّفُ وغيرُه، في هذه المَسْأَلَةِ، ينْقَسِمُ إلى مُمْكِنِ الرَّدِّ إلى الحالةِ الأُولَى؛ كالحَلْيَ، والأَوانِي، والدَّراهِمِ، فيُجْبَرُ المالِكُ على الإِعادَةِ.
قاله في «التَّلْخيصِ»، واقْتَصرَ عليه الحارِثِيُّ.
وإلى غيرِ مُمْكِنٍ؛ كالأَبوابِ، والفَخَّارِ، ونحوهما، فليس للغاصِبِ إفْسادُه، ولا للمالِكِ إجْبارُه عليه، فيما عَدا الأبوابَ، ونحوَها.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، في الأوانِي المُتَّخَذَةِ مِنَ التُّرابِ: للمالِكِ ردُّها ومُطالبَتُه بمِثْلِ التُّرابِ.
قوله: وإنْ غصَبَ أَرْضًا، فحَفَرَ فيها بِئْرًا، ووَضَعَ تُرابَها فِي أَرْضِ مالِكِها،
الجزء: 15 - الصفحة: 171
مَالِكِهَا، لَمْ يَمْلِكْ طَمَّهَا إِذَا أَبْرَأَةُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
لم يمْلِكْ طَمَّها، إذا أَبْرأَه المالِكُ من ضَمانِ ما يَتْلَفُ بها، في أَحَدِ الوَجْهَين.
إذا حفَرَ بِئْرًا، أو شَقَّ نَهْرًا، ونحوَه، في أرْضٍ غصَبَها، فطالبَه المالِكُ بطَمِّها، لَزِمَه ذلك إنْ كان لغَرَضٍ.
قاله الحارِثِيُّ.
وإنْ أرادَ الغاصِبُ طَمَّها ابْتِداءً، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ
الجزء: 15 - الصفحة: 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكونَ لغَرَضٍ صَحيحٍ، أوْ لا، فإنْ كان لغَرَضٍ صَحيحٍ؛ كإسْقاطِ ضَمانِ ما يقَعُ فيها، أو يكونُ قد نقَلَ تُرابَها إلى مِلْكِه، أو مِلْكِ غيرِه، أو إلى طَريقٍ يحْتاجُ إلى تَفْرِيغِه، فله طَمُّها مِن غيرِ إذْنِ ربِّها.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ».
واخْتارَه القاضي.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الحَارِثِيِّ»، و «الخُلاصَةِ».
وقيل: لا يَمْلِكُ طَمَّها إلَّا بإذْنِه.
وهو ظاهرُ ما قدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، على ما يأْتِي مِن كلامِهما.
وإنْ لم يكُنْ له غرَضٌ صحيحٌ في ذلك، وهي مسْأَلَةُ المُصَنِّفِ؛ مِثْلَ أنْ يكونَ قد وضَع التُّرابَ في أرْضِ مالِكِها، أو في مَواتٍ، أو أبْرَأه مِن ضَمانِ ما يتْلَفُ بها، قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: أو منَعَه منه، فهل يَمْلِكُ طَمَّها؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الحارِثِيِّ»؛ أحدُهما، لا يَمْلِكُ طَمَّها.
وهو الصَّحيحُ.
نصَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ».
واخْتارَه أبو الخَطَّابِ.
والوَجْهُ الثَّاني، يَمْلِكُه.
اخْتارَه القاضي.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»: وإنْ غَصَبَ دارًا، فحفَرَ فيها بِئْرًا، ثم اسْتَرَدَّها مالِكُها، فأرادَ الغاصِبُ طَمَّ البِئْرِ، لم يكُنْ له ذلك.
وقال القاضي: له ذلك مِن غيرِ رِضَا المالِكِ.
وقال أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»: ليس له ذلك إذا أَبْرَأَه
الجزء: 15 - الصفحة: 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المالِكُ مِن ضَمانِ ما يتْلَفُ فيها.
انتهيا.
وأطْلَقهنَّ في «المُذْهَبِ».
قال في «التَّلْخيصِ»: وأصْلُ اخْتِلافِ القاضي، وأبِي الخَطَّابِ، هلِ الرِّضَا الطارِئُ كالمُقارِنِ للحَفْرِ، أمْ لا؟ والصَّحيحُ، أنَّه كالمُقارِنِ.
انتهى.
وقال في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»: وإنْ حفرَ فيها بِئْرًا أو نحوَها، فله طَمُّها مُطْلَقًا.
وإنْ سَخِطَ رَبُّها، فأَوجُهٌ؛ النَّفْيُ، والإِثْباتُ.
والثَّالثُ، إنْ أَبْرَأَه مِن ضَمانِ ما يتْلَفُ بما، وصحَّ في وَجْهٍ، فلا.
زادَ في «الرِّعايةِ الكُبْرى» وَجْهًا رابِعًا، وهو إنْ كان غرَضُه فيه صَحِيحًا؛ كدَفْعِ ضَرَرٍ، وخَطَرٍ، ونحوهما، وإلَّا فلا.
وخامِسًا، وهو إنْ ترَك تُرابَها في أرْضِ غيرِ رَبِّها، فلا.
وقيل: بلَى، مع غَرَضٍ صحيحٍ.
انتهى.
وتقدَّم ذلك، والصَّحيحُ منه.
تنبيهان؛ أحدُهما، في القَوْلِ المَحْكِيِّ عنِ القاضي.
قال الحارِثِيُّ: إنْ كانَ مأْخُوذًا مِن غيرِ كتابِ «المُجَرَّدِ»، فنَعم، وإنْ كان مِنَ «المُجَرَّدِ»، فكَلامُه فيه مُوافِقٌ لأبِي الخَطَّابِ؛ فإنَّه قال، وذكَر كلامَه.
قلتُ: النَّاقِلُ عنِ القاضِي تِلْمِيذُه أبو الخَطَّابِ في «الهِدايةِ»، وهو أعلمُ بكَلامِه مِن غيرِه، وللقاضِي في مَسائِلَ كثيرَةٍ القوْلان والثَّلاثَةُ، وكُتُبُه كثيرةٌ.
الثَّاني، ظاهرُ كلامِ أبِي الخَطَّابِ، وجماعَةٍ، أنَّه إذا أَبْرَأَه المالِكُ مِن ضَمانِ ما يتْلَفُ بها، أنَّه يصِحُّ، ويَبْرَأُ.
وهو أحدُ الوَجْهَين.
اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي في «المُجَرَّدِ».
الجزء: 15 - الصفحة: 174
وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ، أَوْ بَيضًا فَصَارَ فِرَاخًا، أَوْ نَوًى فَصَارَ غرْسًا، رَدَّهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ.
قاله الحارِثِيُّ لمَّا ذكَر كلامَه المُتَقدِّمَ.
والوَجْهُ الثَّانِي، أنَّه لا يَبْرأُ.
وتقدَّم قرِيبًا كلامُه في «الرِّعايتَين» في ذلك.
وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ».
قال الحارِثِيُّ: وحاصِلُ المَسْأَلةِ الأُولَى، الخِلافُ في صِحَّةِ الإِبْراءِ، وفيه وَجْهان.
قوله: وإنْ غصَب حَبًّا فزَرَعَه، أو بَيضًا فصارَ فِراخًا، أَو نَوًى فصارَ غِراسًا -قال في «الانْتِصارِ»: أو غُصْنًا فصارَ شَجَرَةً- ردَّه، ولا شيءَ له- وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَعِ به كثيرٌ منهم- ويتَخَرَّجُ فيها مِثْلُ الذي قبلَها.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: ويتَخَرَّجُ أنْ يَمْلِكَه الغاصِبُ.
فعلى هذا، يتَخَرَّجُ لنا، أنْ يكونَ شَرِيكًا بالزِّيادَةِ، كالمَسْأَلةِ التي قبلَها.
انتهى.
وذلك؛ لأنَّها نَوْعٌ ممَّا تقدَّم مِن تَغْيِيرِ العَينِ وتَبَدُّلِ اسْمِها.
فائدة: ذكَر في «الكافِي» مِن صُوَرِ الاسْتِحالةِ، الزَّرْعَ يَصِيرُ حبًّا.
قال الحارِثِيُّ: وفيه نَظَرٌ؛ فإنَّ الزَّرْعَ إنْ كانَ قد سَنبَلَ حالةَ الغَصْبِ، فهو مِن قَبِيلِ
الجزء: 15 - الصفحة: 175
فَصْلٌ: وَإِنْ نَقَصَ، لَزِمَهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ بِقِيمَتِهِ، رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيرَهُ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الرَّقِيقَ يُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ فِي
الرُّطَبِ والعِنَبِ يصِيران تَمْرًا وزَبيبًا، وليسا مِنَ المُسْتَحِيلِ بالاتِّفاقِ، وإنْ لم يكُنْ سَنْبَلَ، فهو في مَعْنَى إثْمارِ الشَّجَرِ، فيكونُ مِن قَبِيلِ المُتَوَلِّدِ، لا المُسْتَحِيلِ؛ لوُجودِ الذَّاتِ عَينًا.
انتهى.
قوله: وإنْ نقَص، لَزِمَه ضَمانُ نَقْصِه بقِيمَتِه؛ رَقِيقًا كانَ أو غيرَه.
وقال الأصحابُ: ولو بنَباتِ لِحْيَةِ أمْرَدَ، وقَطْعِ ذَنَبِ حِمارٍ.
وهذا
الجزء: 15 - الصفحة: 176
الإِتْلَافِ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ مِنْهُمَا.
المذهبُ في ذلك كلِّه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرهِ.
واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والمَجْدُ، وغيرُهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعَايتين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، وقال: عليه جمهورُ أهْلِ المذهبِ.
وعنه، أنَّ الرَّقيقَ يُضْمَنُ بما يُضْمَنُ به في الإِتْلافِ.
فيَجِبُ في يَدِه نِصْفُ قِيمَتِه، وفي مُوضِحَتِه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِه.
وعلى هذا فقِسْ.
فإنْ كان النَّقْصُ ممَّا لا مُقَدَّرَ فيه؛ كنَقْصِه
الجزء: 15 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للكِبَرِ أو المَرَضِ، أو شَجَّةٍ دُونَ المُوضِحَةِ، فعليه ما نقَصَ مع الرَّدِّ فقط.
قال الحارِثِيُّ: هذه الرِّوايَةُ أقْوَى.
ويتَخَرَّجُ أنَّه يَضْمَنُه بأَكْثَرِ الأمْرَين منهما -وانفَرَدَ المُصَنِّفُ بهذا التَّخْريج هنا.
قاله الزَّرْكَشِيُّ وعنه، في عَينِ الدَّابَّةِ؛ مِنَ الخَيلِ، والبِغالِ، والحَمِيرِ، رُبْعُ قِيمَتِها.
نصَرَها القاضي، وأصحابُه.
مَال الزَّرْكَشِي: وهو المَشْهورُ عن أحمدَ.
فقال القاضي في «رِوايَتَيه»، وأبو الخَطَّابِ، والمُصَنِّفُ، والمَجْدُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم: الخِلافُ في عَينِ الدَّابَّةِ؛ مِنَ الخَيلِ، والبِغالِ، والحَمِيرِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال الزَّرْكَشِيُّ: ونُصُوصُ أحمدَ على ذلك.
وقال في «الفُروعِ»: وخَصَّ في «الرَّوْضَةِ» هذه الرِّوايَةَ بعينِ الفَرَسِ، وجعَل في عَينِ غيرِها ما نقَصَ، وأحمدُ إنَّما قال في عَينِ الدَّابَّةِ.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: مِنَ الأصحابِ مَن قصر الخِلافَ على عَينِ الفَرَسِ، دُونَ البَغْلِ والحِمارِ.
وهذه طَريقَةُ القاضي في «التَّعْليقِ الكَبِيرِ»، وأبِي الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ»، والقاضي يَعْقُوبُ، وأبِيَ المَواهِبِ الحُسَينِ بنِ محمدٍ العُكْبَرِيِّ في آخَرِين، واخْتارَ أكثرُ هؤلاءِ القَوْلَ بالمُقَدَّرِ.
قال: ونَصُّ أحمدَ
الجزء: 15 - الصفحة: 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَقْتَضِي العُمومَ؛ فإنَّ لَفْظَ «الدَّابَّةِ» يشْمَلُ البَغْلَ، والحِمارَ، والفَرَسَ.
وكذلك صِيغَةُ الدَّليلِ المُتَمَسِّكِ به، فالتَّخْصِيصُ خِلافُ الأصْلِ، مع أنَّا نَجِدُ في الفَرَسِ خَصائِصَ تُناسِبُ اخْتِصاصَ الحُكْمِ به، لكِنْ ما أخَذْنا فيه غيرَ القِياسِ، ولا يُمْكِنُ إعْمالُ ما ذكَرْنا مِنَ المُناسَبَةِ.
انتهى.
قلتُ: وممَّنْ خصَّ الرِّوايَةَ بعَينِ الفَرَسِ مِنَ المُتَأَخِّرِين؛ الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وصاحبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم.
فعلى هذه الرِّوايةِ، في العَينَين ما نقَصَ، كسائرِ الأعْضاءِ.
قال الحارِثِيُّ: كذلك قال الأصحابُ، لا أعْلَمُهم اخْتَلفُوا فيه.
قال: وعن أبِي حَنِيفَةَ، نِصْفُ القِيمَةِ؛ اعْتِبارًا بالرُّبْعِ في إحْداهما.
قال: وهو أظْهَرُ.
انتهى.
ويأْتِي، إذا شَقَّ ثَوْبًا، أو أتْلَفَ عصًا، أو قَصْعةً، أو كَسَرَ خَلْخَالًا، ونحوَه، في ضَمانِ غيرِ المِثْلِيِّ، في الفَصْلِ السَّادِسِ والخِلافُ فيه.
ويأْتِي وَقْتَ لُزومِ قِيمَتِه، في أوَّلِ الفَصْلِ السَّادِسِ، في كلامِ المُصَنِّفِ.
تنبيه: دَخَلَ في قَوْلِ المُصَنِّفِ: وإنْ تَلِفَ، لَزِمَه ضَمانُ نَقْصِه بقِيمَتِه.
لوَ جَنَى على حَيوانٍ حامِلٍ فأَلْقَتْ جَنينَها مَيتًا.
وهو كذلك، فيَجِبُ عليه ضَمانُ ما نقَصَ مِن أُمِّه بالجِنايَةِ.
نصَّ عليه، في رِوايَة ابنِ مَنْصُورٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قاله في «القاعِدَةِ الرَّابِعَةِ والثَّمانِين».
وقال أبو بَكْرٍ: يجِبُ ضَمانُ جَنِينِ البَهائمِ بُعشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، كجَنِينِ الأمَةِ.
قال في «القواعِدِ»: وقِياسُه جَنِينُ الصَّيدِ في الحَرَمِ والإِحْرامِ، والمَشْهورُ، أنَّه يَضْمَنُ بما نقَصَ أُمَّه أيضًا.
ويأْتِي في مَقادِيرِ الدِّياتِ.
قال: ولو أَلْقَتِ البَهِيمَةُ بالجِنايَةِ جَنِينًا حيًّا، ثم ماتَ، ففيه احْتِمالان.
ذكَرَهما القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، في الرَّهْنِ؛ أحدُهما، يَضْمَنُ قِيمَةَ الوَلَدِ حيًّا لا غيرُ.
والثَّاني، عليه أكْثَرُ الأَمْرَين، أو ما نَقَصَتِ الأُمُّ.
انتهى.
قلتُ: الثَّاني هو الصَّوابُ.
الجزء: 15 - الصفحة: 179
وَإِنْ غَصَبَهُ وَجَنَى عَلَيهِ، ضَمِنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ.
قوله: وإنْ غصَبَه وجَنَى عليه، ضَمِنَه بأَكْثَرِ الأَمْرَين.
وهذا مُفَرَّعٌ على القَوْلِ بالمُقَدَّرِ مِنَ القِيمَةِ، قاله الحارِثِيُّ.
قال الشَّارِحُ: إذا جنَى الغاصِبُ على العَبْدِ المَغْصُوبِ جِنايَةً مُقَدَّرَةَ الدِّيَةِ، فعلى قوْلِنا: ضَمانُ الغَصْبِ ضَمانُ الجِنايَةِ.
يكونُ الواجِبُ أَرْشَ الجِنايةِ، كما لو جَنَى عليه مِن غيرِ غَصْبٍ.
وإنْ قُلْنا: ضَمانُ الغَصْبِ غيرُ ضَمانِ الجِنايَةِ.
وهو الصَّحيحُ، فعليه أكثرُ الأَمْرَين؛ مِن أَرْشِ النَّقْصِ، أو دِيَةِ ذلك العُضْو.
وجزَم بأنَّه يَضمَنه بأكْثَرِ الأمْرَين، في «الرِّعايَتين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ».
قال في «الفُروعِ»: يَضْمَنُه بأَكْثَرِهما على الأصحِّ.
وعنه، أنَّه يضمَنُ بما نقَصَ.
ذكَرَها المُصَنِّفُ في هذا الكِتابِ، في الفَصْلِ الثَّالثِ مِن بابِ مَقادِيرِ الدِّياتِ.
اخْتارَها الخَلَّالُ، وابنُ عَقِيلٍ أيضًا.
ذكَرَه الحارِثِيُّ.
لكِنَّ هذه الرِّوايَةَ أَعَمُّ مِن أنْ يكونَ الجانِي الغاصِبَ أو غيرَه.
قال الحارِثيُّ: وُجوبُ أكْثَرَ الأمْرَينِ مُفَرَّعٌ على القَوْلِ بالمُقَدَّرِ؛ لاجْتِماعِ السَّبَبَين باليَدِ والجِنايَةِ.
مِثالُه، لو كانتِ القِيمَةُ ألْفًا، فنَقَصَتْ بالقَطْعِ أرْبَعَمِائَةٍ،
الجزء: 15 - الصفحة: 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالواجِبُ خَمْسُمِائَةٍ.
ولو نقَص سِتَّمائَةٍ، كان هو الواجِبَ.
وعلى القَوْلِ بما نقَصَ، فكذلك في السِّتِّمِائَةِ؛ لأنَّه على وَفْقِ المُوجِبِ، وفيما قبلَه أرْبَعُمِائَةٍ؛ لأنَّه ما نقَصَ.
فائدة: لو غصَبَ عَبْدًا قِيمَتُه أَلْفٌ، فزادَتِ القِيمَةُ إلى ألْفَين، ثم قطَع يَدَه، فنقَصَ ألْفًا، فيَجِبُ أَلْفٌ على كِلا الرِّوايتَين، وهذا بلا نِزاعٍ.
وإنْ نقَصَ ألْفًا وخَمْسَمِائَةٍ، فالواجِبُ ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، على الرِّوايتَين أيضًا.
أمَّا بتَقْديرِ القَوْلِ بما نقَصَ، فظاهِرٌ، وبتَقْديرِ القَوْلِ بالمُقَدَّرِ، يكونُ الواجِبُ أكْثَرَ الأمْرَين، فإذا اسْتَوَيا، كان أوْلَى.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: إنْ قُلْنا: الواجِبُ ضَمانُ الجِنايَةِ، يعْنِي المُقَدَّرَ، فعليه ألْفٌ فقط.
قال الحارِثِيُّ: وهذا مُشْكِلٌ جدًّا؛ لإِفْضائِه إلى إلْغاءِ أثَرِ اليَدِ مع وجُودِها.
انتهى.
وإنْ نقَصَ خَمْسَمِائَةٍ، فقال الحارِثِيُّ: فعلى رِوايَةِ المُقَدَّرِ، عليه ألْفٌ، وعلى رِوايَةِ ما نقَص، عليه خَمْسُمِائَةٍ
الجزء: 15 - الصفحة: 181
وَإِنْ جَنَى عَلَيهِ غَيرُ الْغَاصِبِ، فَلَهُ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ بأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ، وَيَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلَهُ تَضْمِينُ الْجَانِي أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَتَضْمِينُ الْغَاصِبِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّقْصِ.
فقط.
وهو ظاهِرٌ، وكذا قال غيرُه.
تنبيهان؛ الأوَّلُ، تكَلَّمَ المُصَنِّفُ هنا على العَبْدِ إذا جنَى عليه الغاصِبُ، أو جُنِيَ عليه في حالِ غَصْبِه، وبَقِيَ قِسْمٌ ثالثٌ، وهو ما إذا جنَى عليه مِن غيرِ غَصْبٍ، وقد ذكَرَه المُصَنِّفُ في بابِ مَقادِيرِ الدِّياتِ، في الفَصْلِ الثَّالثِ.
الثَّاني، قولُه: وإنْ جَنَى عليه غيرُ الغاصِبِ، فله تَضْمِينُ الغاصِبِ أَكْثَرَ الأَمْرَين، ويَرْجِعُ الغاصِبُ على الجانِي بأرْشِ الجِنايَةِ، وله تَضْمِين الجانِي أَرْشَ الجِنايَةِ، وتَضمينُ الغاصِبِ ما بَقِيَ مِنَ النَّقْصِ.
هذا مُفَرَّعٌ على القَوْلِ بالمُقَدَّرِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 182
وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَخَصَاهُ، لَزِمَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ قِيمَتِهِ.
وَعَنْهُ، فِي عَينِ الدَّابَّةِ مِنَ الْخَيلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ رُبْعُ قِيمَتِهَا.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
أمَّا على القَوْلِ بما نقَصَ، فللمالِكِ تضْمِينُه مَن شاءَ منهما، وقَرارُ الضَّمانِ على الجانِي لمُباشَرَتِه قاله الحارِثِيُّ.
وهو واضِحٌ.
قوله: وإن غصَبَ عَبْدًا فخَصاه، لَزِمَه رَدُّه ورَدُّ قِيمَتِه.
وكذا لو قطَع يَدْيه، أو رِجْلَيه، أو لِسانَه، أو ما تجِبُ فيه الدِّيَةُ كامِلَةً مِنَ الحُرِّ، فإنَّه يَلْزَمُه ردُّه، ورَدُّ قِيمَتِه.
ونصَّ عليه أحمدُ، وعليه الأصحابُ.
قال الحارِثِيُّ: فيه ما في الذي قبلَه مِنَ الخِلافِ، غيرَ أنَّه لا يَتأَتَّى القَوْلُ بأكَثْرِ الأَمْرَين؛ لاسْتِغْراقِ القِيمَةِ في المُقَدَّرِ،
الجزء: 15 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنْ لم تنْقُصِ القِيمَةُ بالخَصْيِ.
فعلى القَوْلِ بالمُقَدَّرِ، يرُدُّه ومعه قِيمَتُه، وعلى القَوْلِ بما نقَصَ، لا يَلْزَمُه شيءٌ.
انتهى.
الجزء: 15 - الصفحة: 184
وَإِنْ نَقَصَتِ الْعَينُ لِتَغَيُّرِ الْأَسَعَارِ، لَمْ يَضْمَنْ.
نَصَّ عَلَيهِ.
قوله: وإنْ نقَصَتِ العَينُ -أي، قِيمَةُ العَينِ- لتَغيُّرِ الأَسْعارِ، لم يَضْمَنْ، نصَّ عليه.
وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه.
قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ، وعليه التّفْريعُ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: اخْتارَه الأصحابُ، حتى إنَّ القاضِيَ قال: لم أجِدْ عن أحمدَ رِوايَةً بالضَّمانِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرهِ.
وقدَّمه في «الفرُوعِ» وغيرِه.
وعنه، يضْمَنُ.
اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين.
قاله في «الفائقِ»، ورَدَّه الحارِثِيُّ.
وقيل: يضْمَنُ نقْصَه مع تغَيُّرِ
الجزء: 15 - الصفحة: 186
وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ لِمَرَضٍ، ثُمَّ عَادَتْ بِبُرْئِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيءٌ.
الأسْعارِ إذا تَلِفَ، وإلَّا فلا.
وقال الحارِثِيُّ، بعدَ أنْ حكَى الرِّوايتَين: وهذا كلُّه ما لم يتَّصِلِ التَّلَفُ بالزِّيادَةِ.
فإنِ اتَّصَلَ؛ بأَنْ غصَبَ ما قِيمَتُه مِائَةٌ، فارْتَفعَ السِّعْرُ إلى مِائتَين، وتَلِفَتِ العَينُ، ضَمِنَ المِائتَين، وَجْهًا واحدًا؛ إذِ الضَّمانُ مُعْتَبرٌ بيَوْمِ التَّلَفِ.
وإنْ كان مِثْليًّا، فالواجِبُ المِثْلُ؛ بلا خِلافٍ.
وقال في «التَّلْخيصِ»: لو غصَبَ شيئًا يُساوي خَمْسَةً، فعادَتْ قِيمَتُه إلى دِرْهَمٍ، ثم تَلِفَ، لَزِمَه خَمْسَةٌ، وهذا على اعْتِبارِ الضَّمانِ بحالةِ الغصْبِ.
قال الحارِثِيُّ: وهو قَوْلٌ ضعيفٌ، وليس بالمذهبِ، وإنَّما اسْترسلَ إليه مِن كلامِ بعضِ المُخالِفِين.
ولو تَلِفَ نِصْفُ العَينِ بعدَ العَوْدِ إلى دِرْهَمٍ، فرجَع الباقِي إلى نِصْفِ دِرْهَمٍ، ردَّ الباقِيَ ومعه قِيمَةُ التَّالِفِ نِصْفُ دِرْهَمٍ.
وفي «التَّلْخيصِ»: يرُدُّ دِرْهَمَين ونِصْفًا.
وليس بالمذهبِ، كما قُلْنا.
قال الحارِثِيُّ: وإنَّما أوْرَدْتهُ تَنْبِيهًا.
قوله: وإنْ نقَصَتِ القِيمَةُ لمَرَضٍ، ثم عادَتْ ببُرْئِه، لم يَلْزَمْه شيءٌ.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغيرِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحاب.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، وقال: ونصُّه، يضْمَنُ.
وحكَى الحارِثِيُّ وَجْهًا للشَّافِعيَّةِ بالضَّمانِ، قال: وهو عندِي قَويٌّ، بل أقْوَى.
ورَدَّ أدِلَّةَ الأصحابِ.
والظَّاهِرُ، أنَّه لم يَطَّلِعْ على ما ذكَرَه صاحِبُ «الفُروعِ» مِنَ النَّصِّ،
الجزء: 15 - الصفحة: 187
وَإِنْ زَادَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، مْثِلَ أَنْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً فَعَادَتِ الْقِيمَةُ، ضَمِنَ النَّقْصَ.
فهذا يُقَوِّي قوْلَه، ورُبَّما كان المذهبَ.
وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، وقال: نصَّ عليه.
فائدة: لو اسْتُرَدَّه المالِكُ مَعِيبًا مع الأَرْشِ، ثم زال العيبُ في يَدِ مالِكِه، فقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: لا يجبُ رَدُّ الأَرْشِ؛ لاسْتِقْرارِه بأَخْذِ العَينِ ناقِصَةً.
وكذا لو أخَذَ المغْصوبَ بغيرِ أَرْشٍ، ثم زال في يَدِه، لم يسْقُطِ الأَرْشُ كذلك.
قال الحارِثِيُّ: وما يُذْكَرُ مِن الاسْتِقْرارِ، فغيرُ مُسَلَّمٍ.
قال: والصَّوابُ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى، الوُجوبُ بقَدْرِ النَّقْصِ الحادِثِ في المُدَّةِ، ويجِبُ ردُّ ما زادَ، إنْ كان.
قوله: وإنْ زادَ مِن جِهَةٍ أُخْرَى، مثلَ أنْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً، فعادَتِ القِيمَةُ، ضَمِنَ
الجزء: 15 - الصفحة: 188
وَإِنْ زادَتِ الْقِيمَةُ بِسِمَنٍ أَوْ نَحْوهِ ثُمَّ نَقَصَتْ، ضَمِنَ الزِّيَادَةَ.
النَّقْصَ.
وهو المذهبُ.
جزَمْ به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ» و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يضْمَنُه.
قوله: وإنْ زَادَتِ القِيمَةُ لسِمَنٍ، أو نحوه، ثم نقَصَتَ، ضَمِنَ الزِّيادَةَ.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»: ضَمِنَ على الأصحِّ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرهِ.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه، و «التَّلْخيصِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الحاوي
الجزء: 15 - الصفحة: 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّغِيرِ» وغيرِهم، وقاله الخِرَقِيُّ وغيرُه.
وعنه، إنْ ردَّه بعَينِه، لم يَلْزَمْه شيءٌ.
ذكَرَها ابنُ أبِي مُوسى.
وهما وَجْهان مُطْلَقان في «الفائقِ».
الجزء: 15 - الصفحة: 190
وَإِنْ عَادَ مِثْلُ الزِّيَادَةِ الْأَولَى مِنْ جِنْسِهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
قوله: وإنْ عادَ مثلُ الزِّيادَةِ الأُولَى مِن جِنْسِها -مثلَ، أنْ كانتْ قِيمَتُها مِائَةً، فزادَتْ إلى أَلْفٍ؛ لسِمَنٍ، ونحوه، ثم هَزَلَتْ فَعادَتْ إلى مِائَةٍ، ثم سَمِنَتْ فزادَتْ
الجزء: 15 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى ألْفٍ- لم يَضْمَنْها في أَحَدِ الوَجْهَين.
وهما احْتِمالان للقاضي في «المُجرَّدِ».
وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؛ أحدُهما، لا يضْمَنُها.
وهو المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ؛
الجزء: 15 - الصفحة: 192
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيرِ جِنْسِ الْأُولَى، لَم يَسْقُطْ ضَمَانُهَا.
وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا مُفْرِطًا فِي السِّمَنِ، فهَزَلَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيهِ.
لنَصِّه في الخَلْخالِ، يُكْسَرُ؟ قال: يُصْلِحُه أحَبُّ إليَّ.
وهو أحدُ صُوَرِ المَسْأَلةِ.
وصحَّحه في «التَّصحيحِ».
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا أقْيَسُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ».
والوَجْهُ الثَّاني، يضْمَنُها.
قال في «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ»: ضَمِنَها في أصحِّ الوَجْهَين.
وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
قوله: وإنْ كانَتْ مِن غيرِ جِنْسِ الأُولَى، لم يَسْقُطْ ضَمانُها.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «التَّلْخيصِ»، و «الوَجيزِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الحارِثِيِّ»، وقال: هذا المذهبُ.
وقيل: يسْقُطُ الضَّمانُ.
ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.
وأطْلَقهما في «الشَّرْحِ».
فائدة: مِن صُوَرِ المَسْأَلةِ، لو كان الذَّاهِبُ عِلْمًا أو صِناعَةً، فتَعلَّمَ عِلْمًا آخَرَ، أو صِناعَةً أُخْرَى.
قاله الحارِثِيُّ.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هو كعَوْدِ السِّمَنِ، يَجْرِي فيها الوَجْهان.
قال الحارِثِيُّ: والصَّحيحُ الأوَّلُ.
الجزء: 15 - الصفحة: 193
وَإنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نَقْصًا غَيرَ مُسْتَقِرٍّ، كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وَعَفِنَتْ، خُيِّرَ بَينَ أَخْذِ مِثْلِهَا، وَبَينَ تَرْكِهَا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهَا وَيَأْخُذَهَا وَأَرْشَ نَقْصِهَا.
قوله: وإنْ نَقَصَ المغْصُوبُ نَقْصًا غيرَ مُسْتَقِرٍّ، كحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وعَفِنَتْ، مُحيِّرِ بينَ أَخْذِ مِثْلِها وبينَ تَرْكِها حتى يَسْتَقِرَّ فَسادُها، ويأْخُذَها وأَرْشَ نَقْصِها.
هذا أحدُ الوُجوهِ.
جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجِيزِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «النَّظْمِ».
قال المُصَنِّفُ: قَوْلُ أبِي الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ» بَأْسَ به.
وقيل: له أَرْشُ ما نقَصَ به مِن غيرِ تَخْيِيرٍ.
اخْتارَه المُصَنِّفُ في «المُغنِي».
وقدَّمه في «الشَّرْحِ».
وقيل: يَضْمَنُه ببَدَلِه، كما في الهالِكِ.
قال الحارِثِيُّ: وهو قَوْلُ القاضي، وأصحابِه؛ الشَّرِيفِ أبِي جَعْفَرٍ، وابنِ عَقِيلٍ، والقاضي يَعْقُوبَ بنِ إبْراهِيمَ، والشِّيرازِيِّ، وأبِي الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشَّرِيفِ الزَّيدِيِّ 14. واخْتارَه ابنُ بَكْرُوسٍ.
وخيَّرَه في «التَّرْغِيبِ» بينَ أخْذِه مع أرْشِه، وبينَ أخْذِ بدَلِه.
وأطْلَقهُنَّ في «الفُروعِ».
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ إذا لم يَسْتَقِرَّ العَفَنُ، أمَّا إنِ اسْتَقَرَّ، فالأَرْشُ بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ.
قاله الحارِثِيُّ.
الجزء: 15 - الصفحة: 196
وَإِنْ جَنَى الْمَغْصُوبُ، فَعَلَيهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، سَوَاءٌ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ غَيرِهِ.
قوله: وإنْ جَنَى المغْصُوبُ، فعليه أَرْشُ جِنايَتِه، سَواءٌ جَنَى على سَيِّدِه، أو غيرِه.
إنْ جنَى على غيرِ سَيِّدِه، فعلى الغاصِبِ أَرْشُ الجِنايَةِ، بلا نِزاعٍ، وسَواءٌ في ذلك ما يُوجِبُ القِصاصَ والمال، ولا يَلْزَمُه أكثرُ مِنَ النَّقْصِ الذي لَحِقَ العَبْدَ.
الجزء: 15 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنْ جنَى على سَيِّدِه، فعلى الغاصِبِ أيضًا أرْشُ الجِنايَةِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يَضْمَنُ جِنايَتَه على سَيِّدِه؛ لتَعَلُّقِها برَقَبَتِه.
قال الحارِثِيُّ: إذا جنَى على سَيِّدِه، فقال المُصَنِّفُ، وأبو الخَطَّابِ: يضْمَنُ الغاصِبُ أيضًا.
واسْتَدَلَّ له بالقِياسِ على الأجْنَبِيِّ، قال: وإنَّما يتَمَشَّى هذا حالةَ الاقْتِصاصِ
الجزء: 15 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لوُجودِ الفَواتِ، أمَّا حالةَ عدَمِ الاقْتِصاصِ، فلا؛ لأنَّ الفَواتَ مُنْتَفٍ، فالضَّمانُ مُنْتَفٍ.
وإنَّما قُلْنا: الفواتُ مُنْتَفٍ؛ لأنَّ الغايةَ، إذا تَعَلَّقَ الأرْشُ بالرَّقَبَةِ، وهو غيرُ مُمْكِنٍ؛ لأنَّ مِلْكَ المَجْنِيِّ عليه فيها حاصِلٌ، فلا يُمْكِنُ تَحْصِيلُه، فيكونُ حالةَ عدَمِ القِصاصِ هَدَرٌ.
ثم قال بعدَ ذلك: وأمَّا الجِنايَةُ المُوجِبَةُ للمالِ؛ كالخَطَأ وإتْلافِ المالِ، فمُتَعَلِّقَةٌ بالرَّقَبَةِ، وعلى الغاصِبِ تخْلِيصُها بالفِداءِ وبما يَفْدِي.
قال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم: بأقَلِّ الأمْرَين مِنَ القِيمَةِ أو أَرْشِ الجِنَايةِ.
ولم يُورِدُوا هنا القَوْلَ بالأَرْشِ بالِغًا ما بلَغ، كما في فِداءِ السَّيِّدِ للعَبْدِ
الجزء: 15 - الصفحة: 199
وَجِنَايَتُهُ عَلَى الْغاصِبِ وَعَلَى مَالِهِ هَدَرٌ.
وَتُضْمَنُ زَوَائِدُ الْغَصْبِ؛ كَالْوَلَدِ، وَالثَّمَرَةِ إذَا تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ، كَالْأَصْلِ.
الجانِي؛ لأنَّ الذي ذكَرُوه هو الأصحُّ، لا لأنَّ الخِلافَ غيرُ مُطَّرِدٍ، وفي كَوْنِ الأوَّلِ هو الأصَحَّ بَحْثٌ.
انتهى.
فائدتان؛ إحْداهما، قولُه: وجِنايَتُه على الغاصِبِ وعلى مالِه هَدَرٌ.
بلا نِزاعٍ.
وقوله: وتُضْمَنُ زَوائِدُ الغَصْبِ؛ كالوَلَدِ، والثَّمَرةِ إذا تَلِفَتْ، أو نقَصَتْ كالأَصْلِ.
بلا نِزاعٍ في الجُمْلَةِ.
فإذا غصَب حامِلًا أو حائِلًا، فحَمَلتْ عندَه، فالوَلَدُ مضْمونٌ عليه، ثم إذا ولَدَتْ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ تَلِدَه حيًّا، أو مَيتًا؛ فإنْ وَلَدَتْ مَيتًا، وكان قد غصَبَها حامِلًا، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه لا يَعْلمُ حَياتَه.
وإنْ كان غصَبَها حائِلًا، فحَمَلتْ وولَدَتْه مَيتًا، فكذلك عندَ القاضي، وعندَ أبِيه أبِي الحُسَينِ، يَضْمَنُه بقِيمَتِه لو كان حَيًّا.
وقال المُصَنِّفُ، ومَن تَبِعَه: والأَوْلَى أنَّه يَضْمَنُه بعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه.
وإنْ وَلَدَتْه حيًّا وماتَ، فعليه قِيمَتُه يومَ تَلَفِه.
الجزء: 15 - الصفحة: 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّانيةُ، قال في «الفُروعِ»، في هذا البابِ، في أوَّلِ الفَصْلِ الأخِيرِ منه: وإطْلاقُ الأصحابِ بأنَّه لا يضْمَنُ ما أتْلَفَتْه بهِيمَةٌ لا يَدَ عليها ظاهِرَةٌ، ولو كانتْ مغْصُوبَةً؛ لظاهرِ الخَبَرِ، وعلَّلَ الأصحابُ المَسْأَلةَ بأنَّه لا تَفْرِيطَ مِنَ المالِكِ، ولا ذِمَّةَ لها فيتَعَلَّقُ بها، ولا قَصْدَ فيَتَعَلَّقُ برَقَبتِها، [بخِلافِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ والعَبْدِ] 15، ويُبَيِّنُ ذلك أنَّهم ذكَرُوا جِنايَةَ العَبْدِ المَغْصوبِ، وأنَّ الغاصِبَ يَضْمَنُها، وقالُوا: لأنَّ جِنايَتَه تتَعَلَّقُ برَقَبَتِه فضَمِنَها؛ لأنَّه نقْصٌ حصَلَ في يَدِ المَغْصُوبِ.
فهذا التَّخْصِيصُ وتَعْلِيلُه يقْتَضِي خِلافَه في البَهِيمَةِ.
قال: وهذا فيه نَظَرٌ، ولهذا قال ابنُ عَقِيلٍ في جِناياتِ البَهائمِ: لو نَقَبَ لِصٌّ، وترَكَ النَّقْبَ، فخرَجَتْ منه بَهِيمَةٌ، ضَمِنَها، وضَمِنَ ما تَجْنِي بإفْلاتِها وتَخَلِّيها.
وقد يَحْتَمِلُ، إنْ حازَها وترَكَها بمَكانٍ، ضَمِنَ؛ لتَعدِّيه بتَرْكِها فيه، بخِلافِ ما لو تَرَكَها بمَكانِها وَقْتَ الغَصْبِ.
وفيه
الجزء: 15 - الصفحة: 201
فَصْلٌ: وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ خَلَطَ حِنْطَةً أَوْ زَيتًا بِمِثْلِهِ، لَزِمَهُ مِثْلُهُ مِنْهُ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ مِنْ حَيثُ شَاءَ.
نَظَرٌ.
ولهذا قال الأصحابُ، في نَقْلِ التُّرابِ مِنَ الأَرْضِ المَغْصُوبَةِ: إنْ أرادَه الغاصِبُ، وأبَى المالِكُ، فللغاصِبِ ذلك مع غَرَضٍ صحيحٍ؛ مِثْلَ أنْ كان نقَلَه إلى مِلْكِ نَفْسِه، فيَنْقُلُه ليَنْتَفِعَ بالمَكانِ، أو كان طرَحَه في طريقٍ، فيَضْمَنُ ما يتَجَدَّدُ به مِن جِنايَةٍ على آدَمِيٍّ، أو بَهِيمَةٍ.
ولا يَمْلِكُ ذلك بلا غرَضٍ صحيحٍ، مثْلَ أنْ كان نقَلَه إلى مِلْكِ المالِكِ، أو طَرَفِ الأرْضِ التي حفَرَها، ويُفارِق طَمَّ البِئْرِ؛ لأنَّه لا ينْفَكُّ عن غَرَضٍ؛ لأنَّه 16 يُسْقِطُ ضَمانَ جِنايَةِ الحَفْرِ.
زادَ ابنُ عَقِيلٍ، ولعَلَّه مَعْنَى كلامِ بعضِهم، أو جِنايةِ الغيرِ بالتُّرابِ.
انتهى كلامُ صاحبِ «الفُروعِ».
ومحَلُّ هذه الفائِدَةِ، عندَ ضَمانِ ما أتْلَفَتِ البَهِيمَةُ، لكِنْ لها هنا نَوْعُ تَعلُّقٍ.
قوله: وإنْ خلُطَ المغْصُوبَ بمالِه على وَجْهٍ لا يَتَمَيَّزُ؛ مِثْلَ أنْ خلَطَ حِنْطَةً أو زَيتًا بمِثْلِه -قال في «الرِّعايَةِ»: ولم يَشْتَرِكا فيهما.
انتهى- لَزِمَه مِثْلُه منه في أَحَدِ الوَجْهَين.
وهو المذهبُ.
وهو ظاهرُ كلام الإِمامِ أحمدَ.
قال في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والعِشْرِين»: المَنْصُوصُ في رِوايَةِ عبدِ اللهِ، وأبِي الحارِثِ، أنَّه اشْتِراكٌ فيما إذا
الجزء: 15 - الصفحة: 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خلَطَ زَيتَه بزَيتِ غيرهِ.
واخْتارَه ابنُ حامِدٍ، والقاضي في «خِلافِه»، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ».
وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «العُمْدَةِ».
قال في «الوَجيزِ»: فهما شَرِيكان.
وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال الحارِثِيُّ: هذا أَمَسُّ بالمذهبِ، وأَقْرَبُ إلى الصَّوابِ.
وفي الآخَرِ، يَلْزَمُه مِثْلُه مِن حيثُ شَاءَ، اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وقال: هذا قِياسُ المذهبِ.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفَائقِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم.
قال في «الفُروعِ»: وقال في «الوَسِيلَةِ»، و «المُوجَزِ»: يُقْسَمُ بينَهما بقَدْرِ قِيمَتِهما.
انتهى.
وقال الحارِثِيُّ: وفيه وَجْهٌ
الجزء: 15 - الصفحة: 203
وَإِنْ خَلَطَهُ بِدُونِهِ، أَوْ خَيرٍ مِنْهُ، أَو بِغَيرِ جِنْسِهِ، لَزِمَهُ مِثْلُهُ فِي قِيَاسِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ بقَدْرِ مِلْكَيهِمَا.
ثالثٌ، وهو الشَّرِكَةُ، كما في الأوَّلِ، لكِنْ يُباعُ ويُقْسَمُ الثَّمَنُ على الحِصَّةِ.
كذا أطْلَقَ القاضي يَعْقُوبُ بنُ إبْراهِيمَ في «تَعْليقِه»، وأبو الخَطَّابِ، وأبو الحَسَنِ ابنُ بَكْروسٍ، وغيرُهما في «رُءوسِ مَسائِلِهم»، حتى قالوا به في الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ.
وقاله ابنُ عَقِيلٍ في «تَذْكِرَتِه»، وأظُنُّه قَوْلَ القاضي، في «التَّعْلِيقِ الكَبيرِ».
انتهى.
ثم قال: وأمَّا إجْراءُ هذا الوَجْهِ في الدَّنانيرِ والدَّراهمِ، فَواهٍ جِدًّا؛ لأَنَّها قِيَمُ الأشْياءِ، وقِسْمَتُها مُمْكِنَةٌ، فأيُّ فائدَةٍ في البَيعِ؟ ورَدَّ هذا الوَجْهَ الأخِيرَ.
فائدة: هل يجوزُ للغاصِبِ أنْ يتَصَرَّفَ في قَدْرِ مالِه فيه، أمْ لا؟ ققال الإِمامُ أحمدُ في رِوَايةِ أبِي طالِبِ هنا: قد اخْتَلَطَ أوَّلُه وآخِرُه، أعْجَبُّ إليَّ أنْ يتَنَزَّهَ عنه كلِّه، ويتَصدَّقَ به.
وأنْكَرَ قَوْلَ مَن قال: يُخْرِجُ منه قَدْرَ ما خالطَه.
واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ في «فُنونِه» التَّحْرِيمَ؛ لامْتِزاجِ الحَلالِ بالحَرامِ فيه، واسْتِحالةِ انْفِرادِ أحَدِهما عنِ الآخَرِ.
وعلى هذا، ليس له إخْراجُ قَدْرِ الحَرامِ منه بدُونِ إذْنِ المَغْصوبِ منه، وهذا بِناءً على أنَّه اشْتِراكٌ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه اسْتِهْلاكٌ، فيتَخَرَّجُ به قَدْرُ الحَرامِ، ولو مِن غيرِه.
قاله ابنُ رَجَبٍ في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والعِشْرِين».
قوله: وإنْ خَلَطَه بدونِه، أوْ بخَيرٍ منه، أَو بغيرِ جِنْسِه -يعْنِي، على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ- لَزِمَه مِثْلُه في قِياسِ التي قبْلَها -قال القاضي في «المُجَرَّدِ»: قِياسُ
الجزء: 15 - الصفحة: 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ يَلْزَمُ الغاصِبَ مِثْلُه.
واخْتارَه في «الكافِي»، وإليه مَيلُ الشَّارِحِ- وظاهِرُ كلامِه، أنَّهما شَرِيكَان بقَدْرِ مِلْكَيهما.
وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: فشَرِيكَان بَقْدرِ حقِّهما، كاخْتِلاطِهما مِن غيرِ غَصْبٍ.
نَصَّ عليه، في رِوايَةِ أبِي الحارِثِ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا اخْتِيارُ مَن سَمَّيناه في الوَجْهِ الثَّالثِ.
انتهى.
قال في «المُذْهَبِ»: هذا ظاهِرُ المذهبِ.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الخُلاصَةِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ».
وقال القاضي أيضًا: ما تَعَذَّر تَمْيِيزُه،
الجزء: 15 - الصفحة: 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كتَالِفٍ، يَلْزَمُه عِوَضُه مِن حيثُ شاءَ.
فشَمِلَ كلامُه هذه المَسْأَلَةَ والتي قبلَها.
فائدتان؛ إحْداهما، لو خلَطَ الزَّيتَ بالشَّيرَجِ، ودُهْنَ اللَّوْزِ 17 بدُهْنِ الجَوْزِ، ودَقِيقَ الحِنْطَةِ بدَقيقِ الشَّعِيرِ، فَالمنْصُوصُ الشَّرِكَةُ، وعليه أكثرُ
الجزء: 15 - الصفحة: 206
وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أَوْ سَويقًا فَلَتَّهُ بِزَيتٍ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا، أَوْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا، ضَمِنَ النَّقْصَ.
الأصحابِ، كالتي قبلَها.
وقد شَمِلَه كلامُ المُصَنِّفِ.
وقِياسُ المذهبِ، وُجوبُ المِثْلِ عندَ القاضي.
قال الحارِثِيُّ: وهو أظْهَرُ.
الثَّانيةُ، لو خلَطَ دِرْهَمًا بدِرْهَمَين لآخَرَ، فتَلِفَ اثْنان، فما بَقِيَ بينَهما أثْلاثًا، أو نِصْفَين، يتَوَجَّهُ فيه وَجْهان.
قاله في «الفُروعِ».
قلتُ: الذي يَظْهَرُ أنَّ لصاحِب الدِّرْهَمَين نِصْفَ الباقِي، لا غيرُ؛ وذلك لأنَّه يَحْتَمِلُ أنْ يَكونَ التَّالِفُ ماله كامِلًا، فيَخْتَصَّ صاحِبُ الدِّرْهَمِ به، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ التَّالِفُ دِرْهَمًا لهذا ودِرْهَمًا لهذا، فيَخْتَصَّ صاحِبُ الدِّرْهَمَين بالباقِي، فتَساوَيا.
لا يَحْتَمِلُ غيرَ ذلك، ومالُ كلِّ واحدٍ منهما مُتَمَيِّزٌ قَطْعًا، بخِلافِ المَسائلِ المُتَقَدِّمَةِ.
غايَتُه أَنه أُبْهِمَ علينا.
فائدة: قوله: وإنْ غَصَبَ ثَوْبًا، فصَبَغَه، أو سَويقًا، فلَتَّه بزَيتٍ، فنَقَصَتْ
الجزء: 15 - الصفحة: 207
وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ وَلَمْ تَزِدْ، أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا، فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَاليهِمَا، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا، فَالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِهِ.
قِيمَتُهما، أو قِيمَةُ أَحَدِهما، ضَمِنَ النَّقْصَ، وإنْ لم تَنْقُصْ ولم تَزِدْ، أو زَادَتْ قِيمَتُهما، فهما شَرِيكان بقَدْرِ مَاليهما، وإنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهما، فالزِّيادَةُ لصاحِبِه.
هذه الجُمْلَةُ لا خِلافَ فيها.
لكِنْ قال الحارِثِيُّ: الضَّمِيرُ في نَقَصَتْ قِيمَتُهما، عائدٌ على الثَّوْبِ والصِّبْغِ والسَّويقِ والزَّيتِ؛ لأنَّها إحْدَى الحَالاتِ الوارِدَةِ في قِيمَةِ المَالين؛ مِنَ الزِّيادَةِ، والنَّقْصِ، والتَّساوي.
وفي عَوْدِه على مَجْموعِ الأَمْرَين، أعْنِي الثَّوْبَ والصِّبْغَ في صُورَةِ النَّقْصِ، مُناقَشَةٌ، فإنَّ ضَمانَ الغاصِبِ لا يُتَصَوَّرُ لنُقْصانِ الصِّبْغِ؛ إذْ هو مالُه، فلا يجوزُ إيرادُه لإثْباتِ حُكْمِ الضَّمانِ، والأجْوَدُ أنْ يُقال: تَنْقُصُ قِيمَةُ الثّوْب.
وكذا قوْلُه: أَو قِيمَةُ أَحَدِهما.
ليس بالجَيِّدِ، فإنَّه مُتَناولٌ لحالةِ النُّقْصانِ في الصِّبْغِ، دُونَ الثَّوْبِ.
وليس الأمْرُ
الجزء: 15 - الصفحة: 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كذلك؛ فإنَّ الضمانَ لا يجِبُ على هذا التَّقْديرِ بحالٍ.
والصَّوابُ حَذْفُه.
غيرَ أنَّ الضَّمانَ إنْ فُسِّرَ بالنِّسْبَةِ إلى الغاصِبِ، يكون النقْصُ مَحْسوبًا عليه.
وقيلَ: باسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِه ومَجازِه معًا، وباسْتِعْمالِ المُشْتَركِ في مَدْلُولَيه معًا، فَيتَمَشَّى.
انتهى.
فإذا حصَلَ النقْصانُ؛ لكَوْنِه مَصْبُوغًا، أو لسُوءِ العَمَلِ، فعلى الغاصِب، وعلى هذا يُحْمَلُ إطْلاق المُصَنِّفِ.
فإذا كان قِيمَةُ كلِّ منهما خَمْسَة، وهي الآنَ بعدَ الصَّبْغِ ثَمانِيَة، فالنَّقْصُ على الغاصِبِ.
[وإنْ كان لانْخِفاضِ سِعْرِ الثِّيابِ، فالنَّقْصُ على المالِكِ، فيكونُ له ثلاثَة] 18. وإنْ كان لانْخِفاضِ سِعْرِ الصِّبْغِ، فالنقْصُ على الغاصِبِ، فيكونُ له ثَلاثة.
وإنْ كان لانْخِفاضِهما معًا على السَّواءِ، فالنَّقْصُ عليهما، لكُلِّ منهما أرْبَعَة.
هذا الصَحيحُ.
قدَّمه الحارِثِيُّ.
وقيل: يُحْمَلُ النَّقْصُ على الصِّبْغِ في كلِّ حالٍ.
وهو قَوْلُ صاحِبِ «التَّلْخيصَ».
الجزء: 15 - الصفحة: 209
وَإنْ أرَادَ أحَدُهُمَا قَلْعَ الصِّبْغِ لَمْ يُجْبَرِ الآخَرُ عَلَيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُجْبَرَ إذَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ النَّقْصَ.
قوله: فإنْ أَرادَ أحَدُهما قَلْعَ الصبْغِ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ.
هذا المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ».
واخْتارَه المُصَنفُ، والشارِحُ، وابن عَقِيل، وغيرُهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ».
قال القاضي: هذا قِياسُ المذهبِ.
وفيه وَجْه آخَرُ، يُجْبَرُ، ويضْمن النَّقْصَ، سواء كان الغاصِبَ أو المَغْصُوبَ منه.
وأطْلَقهما الحارِثِيُّ في «شَرْحِه».
ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْبَرَ، إذا ضَمِنَ الغاصِبُ النَّقْصَ.
يعْنِي، إذا أَرادَ الغاصِبُ قَلْعَ صِبْغِه، وامْتنَعَ المَغْصُوبُ منه، أُجْبِرَ على تَمْكِينه مِن قَلْعه، ويضْمَن النَّقْصَ.
وهذا قدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائق».
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: إذا أَرادَ الغاصِبُ قَلْعَ الصبْغِ، فقال أصحابُنا: له ذلك، سواءٌ أضَرَّ بالثوْبِ أو لم يَضُرَّ، ويَضْمَنُ نقْصَ الثَّوْبِ، إنْ نقَصَ.
ولم يُفَرِّقِ الأصحابُ بينَ ما هَلَكَ صِبْغُه بالقَلْعِ، وبينَ ما لم يَهْلِكْ.
قال المُصَنفُ: ويَنْبَغِي أنَّ ما يَهْلِكُ بالقَلْعِ لا يَملِكُ قَلْعَه.
وظاهرُ كلامِ الخِرَقِي، أنَّه لا يَمْلِكُ قَلْعَه، إذا تَضَرَّرَ به الثوْبُ؛ لأنه قال: المُشتَرِي إذا بَنَى أو غَرَسَ في الأرْضِ المَشْفُوعَةِ، فله أخذُه، إذا لم يكُنْ في أخْذِه ضَرَر.
وقال المُصَنفُ،
الجزء: 15 - الصفحة: 210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتَبِعَه الشَّارِحُ: إنِ اخْتارَ المَغْصُوبُ منه قَلْعَ الصِّبْغِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَمْلِكُ إجْبارَ الغاصِبِ عليه.
والثَّاني، لا يَمْلِكُ إجْبارَه عليه.
قال القاضي: هذا ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ.
انتهى.
وتقدَّم ذلك.
فعلى القَوْلِ بالإجْبارِ مِنَ الطرَفَين، لو نقَصَ الثَّوْبُ بالقَلْعِ، ضَمِنَه الغاصِبُ، بلا نِزاع.
وإنْ نقَصَ الصِّبْغُ، فقال في
الجزء: 15 - الصفحة: 211
وَإنْ وَهَبَ الصِّبْغَ لِلْمَالِكِ، أو وَهَبَهُ تَزْويقَ الدَّارِ وَنَحْوهَا،
«الكافِي»: لا شيءَ على المالِك.
قال الحارثِيُّ: وهو أصحُّ.
وقال في «المُحَرَّرِ»: يَضْمَنُه المالِكُ كما في الطَّرَفِ الآخَرِ.
قوله: وإنْ وهَب الصِّبْغ للمالكِ، أو وهَبَه تَزْويقَ الدَّارِ، ونحوها، فهل يَلْزَمُ
الجزء: 15 - الصفحة: 212
فَهَلْ يَلْزَم الْمَالِكَ قَبُولُهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
المَالِكَ قَبُولُها؟ على وجْهَين.
وأطْلَقهما في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؛ أحدُهما، يَلْزَمُه قَبُولُه.
وهو المذهبُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ في الصَّداقِ.
وصحَّحه القاضي، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى».
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ» 19، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «الفُروعِ».
قلتُ: فيُعايىَ بها.
والوَجْهُ الثَّاني، لا يَلْزَمُه قَبُولُه.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
قال الحارِثِيُّ في التَّزْويقِ، ونحوه: هذا أقْرَبُ إنْ شاءَ الله تعالى.
الجزء: 15 - الصفحة: 213
وإنْ غَصَبَ صِبْغًا فَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا، أوْ زَيتًا فَلَتَّ بِهِ سَويقًا، احْتَمَلَ أنْ يَكُون كَذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ أنْ تَلْزَمَهُ قِيمَتُهُ، أوْ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا.
فائدتان؛ إحْداهما، لو طلَبَ المالِكُ تَمَلُّكَ الصِّبْغِ بالقِيمَةِ، فقال القاضي، وابنُ عَقِيل: هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ؛ لا يُجْبَر الغاصِبُ على القَبُولِ.
واخْتارَاه.
قاله في «القواعِدِ».
وذكَر المُصَنِّفُ وَجْهًا بالإجْبار.
قال الحارِثِيُّ: وهو الصحيحُ.
الثَّانيةُ، لو نسَجَ الغَزْلَ المَغْصُوبَ، أو قَصَرَ الثَّوْبَ، أو عمِلَ الحديدَ إبَرًا، أو سُيوفًا، ونحوَ ذلك، ووهَبَه لمالِكِه، لَزِمَه قَبُولُه.
ولو سمَّر بمَسامِيرِه بابًا مَغْصوبًا، ثم وَهَبَ المَسامِيرَ لرَبِّ البابِ، لم يَلْزَمْه قَبُولُها.
قطَع به الأكْثَرُ؛ منهم صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ».
قال في «الفُروعِ»: في الأصحِّ.
وقيل: يَلْزَمُه.
قوله: وإنْ غَصَبَ صِبْغًا، فصَبَغَ به ثَوْبًا، أو زَيتًا، فَلَتَّ به سَويقًا، احْتَمل أنْ يَكونَ كذلك.
يعْنِي، يكُونان شَرِيكَين بقَدْرِ ماليهما، كما لو غصَبَ ثَوْبًا، فصَبَغَه بصِبْغٍ بِن عندِه.
وهذا المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ: ولم يذْكُرِ الأصحابُ سِواه في صُورَةِ الصبْغِ.
وجزَم به في «التَّلْخيصِ»، و «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «النَّظْمِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 214
وَإنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَصِبْغًا، فَصَبَغَهُ بِهِ، رَدَّهُ وَأرْشَ نَقْصِهِ، وَلا شَيءَ لَهُ في زِيَادَتِهِ.
و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
واحْتَمَلَ أنْ تَلْزَمَه قِيمَتُه، أو مِثْلُه إنْ كانَ مِثْلِيًّا؛ لأنَّ الصِّبْغَ والزَّيتَ صارا مُسْتَهْلَكَين، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَهما.
قال الحارِثِيُّ: وهذا ممَّا انْفَرَدَ به في الكِتابِ.
قال: ويتَخَرجُ مِثْلُه في الصورَةِ السابِقةِ، بمَعْنَيِ أنَّه يَضِيعُ الصِّبْغُ على الغاصِبِ، ويأخذُه المالِكُ مجَّانًا.
وأطْلَقَ الاحْتِمالين في «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».
الجزء: 15 - الصفحة: 215
فصْلٌ: وَإنْ وَطِيء الْجَارِيَةَ، فَعَلَيهِ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ، وَإنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً، وَأرشُ الْبَكَارَةِ.
وَعَنْهُ، لا يَلْزَمُهُ مَهْرُ الثَّيِّب.
قوله: وإنْ وَطِيءَ الجارِيَةَ، فعليه الحَدُّ والمَهْرُ، وإنْ كانَتْ مُطَاوعَةً، وأرْشُ البَكارَةِ.
هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه أكثر الأصحابِ.
وصحّحه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهم.
وعنه، لا يَلْزَمُه مَهْرٌ للثيبِ.
اخْتارَه أبو بَكْر في «التنبِيهِ»، والخِرَقيُّ، وابنُ عَقِيل، والشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ولم
الجزء: 15 - الصفحة: 216
وَإنْ وَلَدَتْ، فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ لِلسَّيِّدِ.
يُوجِبْ عليه سِوَى أرْش البَكارَةِ.
نقَلَه عنه في «الفائقِ».
قال الزَّرْكَشِيّ: عدَمُ لُزومِ مَهْرِ الثيبِ بعيد.
وعنه، لا يَلْزَمُه أرْش البَكارَةِ؛ لأنَّه يدْخُلُ في مَهْرِها.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي» وغيرِه.
قال الحارِثِيُّ: وهو واهٍ.
وعنه، لا مَهْرَ مع المُطاوَعةِ.
ذكَرَه الآمِدِي.
قال الزركَشِي: وهو جَيِّد.
قوله: وإنْ وَلَدَتْ، فالوَلَدُ رَقِيقٌ للسَّيِّدِ.
وهذا بلا نِزاع.
لكِنْ لو انْفَصلَ
الجزء: 15 - الصفحة: 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَيتًا، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ ماتَ بجِنايَةٍ، أوْ لا، فإنْ كان ماتَ بجِنايَةٍ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ تكونَ مِنَ الغاصِب، أو مِن غيرِه؛ فإنْ كانتْ مِنَ الغاصِبِ، فقال المُصَنفُ في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، وغيرُهما: عليه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه.
وقال الحارِثِي: والأوْلَى أكثر الأمْرَين؛ مِن قِيمَةِ الوَلَدِ، أو عُشْرِ قِيمَةِ أمِّه.
وإنْ كانتِ الجِنايَةُ مِن غيرِ الغاصِبِ، فعليه عُشْرُ قِيمَةِ أنَّه، بلا نِزاع، يرَجِعُ به على مَن شاءَ منهما، والقَرارُ على الجانِي.
وإنْ كانَ ماتَ مِن غيرِ جِنايَةٍ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يَضْمَنُه.
قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
واخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيل، وصاحِبُ «التَّلْخيص».
وقيل: يَضْمَنُه.
اخْتارَه القاضي أبو الحُسَينِ، والمُصَنفُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو أصحُّ.
فعلى القَوْلِ بالضمانِ، فقيلَ: يَضْمَنُه بعُشْرِ قِيمَةِ أنَّه.
اخْتارَه المُصَنف.
وقيل: بقِيمَتِه، لو
الجزء: 15 - الصفحة: 218
وَيَضْمَنُ نَقْصَ الْولادَةِ.
كان حَيًّا.
اخْتارَه القاضي أبو الحُسَينِ.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «القواعِدِ الأصُولِيَّةِ».
ويَحْتَمِلُ الضمانُ بأكْثَرِ الأمْرَين.
قال الحارِثِيُّ: وهذا أقْيَس.
فوائد؛ الأولَى، قال الحارِثِيُّ: والوَجْهان جارِيان في حَمْلِ البَهِيمَةِ المَغْصُوبَةِ، إذا انْفَصَلَ كذلك.
الثَّانيةُ، قولُه: ولو وَلَدَتْه حَيًّا ثم ماتَ، ضَمِنَه بقِيمَتِه.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما.
وظاهِرُ كلامِ الناظِمِ أنَّ فيه الخِلافَ المُتَقَدِّمَ.
الثَّالثَةُ، لو قَتَلَها الغاصِبُ بوَطْئه، وَجَبَتْ عليه الديةُ.
نقَلَه مُهَنَّا.
وجزَم به في «الفُروعِ».
الرَّابعةُ، هذا الحُكْمُ فيما تقدَّم، إذا كان عالِمًا، فأمَّا إنْ كان جاهِلًا بالتحْريمِ، فالوَلَدُ حُر للغاصِبِ.
نصَّ عليه.
فإنِ انْفَصَلَ حيًّا، فعلى الغاصِبِ فِداؤه يَوْمَئذٍ، وإنِ انْفَصَلَ مَثلا مِن غَيرِ جِنايَةٍ، فغيرُ مَضْمُونٍ بلا خِلافٍ، وإنْ كان بجِنايَةٍ، فعلى الجانِي الضَّمانُ، فإنْ كان مِنَ الغاصِبِ، فغُرَّة مَوْرُوثَةٌ عنه، لا يرثُ الغاصِبُ منها شيئًا، وعليه للسيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ الأمِّ.
وإنْ كان مِن غيرِ الغاصِبِ، فعليه الغُرةُ، يرِثُها الغاصِبُ دُونَ أمِّه، وعلى الغاصِبِ عُشْرُ قِيمَةِ الأُمِّ للمالِكِ.
الخامسةُ، لو غَصَبَها حامِلًا، فوَلَدَتْ عندَه، ضَمِنَ نَقْصَ الولادَةِ.
كما قال المُصَنِّفُ.
فإن ماتَ الوَلَدُ، فقال الخِرَقِيُّ: يَضْمَنُه بأكْثَرَ ما كانتْ قِيمَتُه.
وفي
الجزء: 15 - الصفحة: 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، هل يَلْزَمُه قِيمَتُه يومَ ماتَ، أو أكثرَ ما كانتْ؟ على رِوايتَين.
قال الحارِثِي: والمذهبُ الاعْتِبارُ بحالةِ المَوْتِ.
وإنِ انْفَصَلَ مَيتًا، فعلى ما تقدَّم مِنَ التَّفْصِيلِ.
وإنْ ماتَتِ الأم بالولادَةِ، وَجَبَ ضَمانُها.
الجزء: 15 - الصفحة: 220
وَإنْ بَاعَهَا، أوْ وَهَبَهَا لِعَالِمٍ بالْغَصْبِ فَوَطِئهَا، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أيهِمَا شَاءَ، نَقْصَهَا وَمَهْرَهَا وَأُجْرَتَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا إِنْ
وكذلك لو غصَبَه مرِيضًا، فماتَ في يَدِه بذلك المَرضِ.
جزَم به الحارِثِيُّ.
قوله: وإنْ باعَها، أو وَهَبَها لعالِم بالغَصْبِ، فوَطِئها، فللمالِكِ تَضْمِينُ أيُّهما
الجزء: 15 - الصفحة: 221
تَلِفَ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ، رَجَعَ عَلَى الآخَرِ، وَلا يَرْجِعُ الْآخَرُ عَلَيهِ.
شَاءَ نَقْصَها، ومَهْرَها، وأُجْرَتَها، وقيمَةَ وَلَدِها، إنْ تَلِفَ، فإنْ ضَمَّنَ الغاصِبَ، رجَع على الآخرِ، ولا يَرْجِعُ الآخَرُ عليه.
وهذا بلا نِزاع أعْلَمُه.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الحارِثِيِّ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 222
وَإنْ لَمْ يَعْلَمَا بِالْغَصْبِ فَضَمَّنَهُمَا، رَجَعَا عَلَى الْغَاصِبِ.
وغيرِهم.
قوله: وإنْ لم يَعْلَما بالغَصْبِ، فَضَمَّنَهما، رَجَعا على الغَاصِبِ.
اعلمْ أنَّ بَيعَ الغاصِب العَينَ المَغْصُوبَةَ غيرُ صحيح مُطْلَقًا، على المذهب.
وفيه رِوايَة، يصِحُّ، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِكِ.
وحكَى فيه رِوايَةً ثالثةً، يصِحُّ البَيعُ.
على ما يَأتِي في تَصَرُّفاتِ الغاصِبِ، والتَّفْرِيعِ على المذهبِ.
وكذا الهِبَةُ غيرُ صحيحةٍ.
إذا عَلِمْتَ ذلك، فهُما بمَنْزِلَةِ الغاصِبِ في جَوازِ تَضْمِينهما ما كانَ الغاصِبُ يَضْمَنُه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في أوَّلِ «القاعِدَةِ الثَّالثةِ والتِّسْعِين»: مَن قَبَض مَغْصُوبًا مِن غاصِبِه، ولم يَعْلَمْ أَنه مَغْصُوب، فالمَشْهُورُ عنِ الأصحابِ، أنَّه بمَنْزِلَةِ الغاصِبِ في جَوازِ تَضْمِينه ما كان الغاصِبُ يَضْمَنُه؛ مِن عَين وَمْنَفَعةٍ.
انتهى.
وقطَع به في «المُحَررِ»، وغيرُه مِنَ الأصحاب.
وقوله: فَضَمَّنَهما، رجَعا على الغاصِبِ.
يعْنِي، إذا ضَمَّنَ المُشْتَرِيَ أو المُتَّهِبَ نَقْصَها، ومَهْرَها، وأُجْرَتَها، وقِيمَةَ وَلَدِها، وأرْشَ البَكارَةِ، إنْ كانت
الجزء: 15 - الصفحة: 223
وإنْ وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَالْوَلَدُ حُرٌّ،
بِكْرًا، رجَعا على الغاصِبِ بذلك.
وهو المذهبُ في الجُمْلَةِ.
نصَّ عليه في رِوايَةِ جَعْفر في الفِداءِ، وفي رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ مَنْصُورِ، على المَهْرِ.
ويأتِي التَّفْصيلُ في ذلك عندَ ذِكْرِ الرِّوايَةِ التي ذكَرَها المُصَنفُ، والخِلافُ.
قوله: وإنْ وَلَدَتْ مِن أحَدِهما، فالوَلَدُ حُرٌّ -بلا نِزاع- ويَفْديه بمِثلِه في صِفاتِه تَقْريبًا.
يجِبُ فِداءُ الوَلَدِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
نصَّ عليه، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورِ، وجَعْفَرِ بنِ محمدٍ، والمَيمُونِيِّ، ويَعْقُوبَ بنِ بَخْتَانَ.
قاله
الجزء: 15 - الصفحة: 224
وَيَفْديهِ بِمِثْلِهِ في صِفَاتِهِ تَقْرِيبًا.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُعْتَبَرَ مِثْلُهُ في الْقِيمَةِ، وَعَنْهُ، يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ.
الحارِثي.
ونقلَ ابنُ مَنْصُور عن أحمدَ، لا يَلْزَم المُشْتَرِيَ فِداءُ أولادِه، وليس للسَّيدِ بدَلُهم؛ لأنَّه انْعقَدَ حُرًّا.
قال الخَلالُ: أحْسَبُه قَوْلًا لأبي عبدِ الله أوَّلَ، والذي أذْهَبُ إليه، أنَّه يَفْدِيهم، قال الحارِثِيُّ: والمَشْهور الأوَّل.
ولم يُعَوِّلِ الأصحابُ على هذه الرِّوايةِ.
قوله: بمِثْلِه في صِفاتِه تَقْريبًا.
يعْني، مِن غيرِ نَظَر إلى القِيمَةِ والمِثْلِ في الجِنْس والسِّنِّ.
لَكِنْ قال الحارِثي: أمَّا السِّن، فلا يَخْلُو مِن نَظَر، وفداؤه بمِثْلِه في صِفاتِه تَقْريبًا هو إحْدَى الرِّواياتِ عن أحمدَ.
قال ابنُ منَجَّى: هذا المذهبُ.
واخْتارَها القاضي وأصحابُه.
قال الحارِثِي: وهي اخْتِيار الخِرَقِيِّ، وأبي بَكْر في
الجزء: 15 - الصفحة: 225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«التنبِيهِ»، والقاضِيَيْن؛ أبِي يَعْلَى، ويَعْقُوبَ بنِ إبْراهِيمَ في «تَعْلِيقَهما»، وأبِي الخَطَّابِ في «رُءوسِ مَسائلِه»، والشَّرِيفِ أبِي القاسِمِ الزيدِيّ، وغيرِهم.
قال القاضي أبو الحُسَينِ، والشرِيفُ أبو جَعْفَر، وأبو الحَسَنِ بنُ بَكْروسٍ: وهي أصحُّ.
انتهى.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هو مُخْتار الخِرَقي، والقاضي، وعامَّةِ أصحابِه.
وجزَم به في «الكافِي»، ويَحْتَمِلُ أنْ يُعْتَبَرَ مِثْلُه في القِيمَةِ، وهو لأبِي الخَطَّابِ.
وهو وَجْهٌ في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التلْخيصِ»، ورِوايَة في «المُحَرَّرِ».
قال الحارِثِيُّ: ونُسِبَ إلى اخْتِيارِ أبِي بَكْر.
قلتُ: قاله المُصَنِّفُ، والشارِحُ عنه.
وقدَّمه في «الفائقِ».
وتَضْمِينُه المِثْلَ مِنَ المُفْرَداتِ.
وعنه، يَضْمَنُه بقِيمَتِه.
وهو المذهبُ، على ما اصْطَلَحْناه.
اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «التلْخيصِ»، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وابن الزَّاغُونِيِّ.
قال القاضي في «المُجَردِ»: وهو أشْبَهُ بقَوْلِه؛ لأنَّه نصَّ علي أنَّ الحَيوانَ لا مِثْلَ له.
وهو مذهبُ الأئمَّةِ الثلاثةِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ».
وعنه، يضْمَنُه بأيهما شاءَ.
اخْتارَه أبو بَكْر في «المُقْنِعِ».
قال في «القواعِدِ الأصُولِيةِ»: وعنه، يَفْدِي كل وَصِيفٍ بوَصِيفَين، أوْرَدَه السَّامرِّيُّ وغيرُه عن ابنِ أبِي مُوسى، في مَغْرورِ النِّكاح.
تنبيه: حيثُ قُلْنا: يَفْدِيه؛ إما بالمِثْلِ أو القِيمَةِ.
فيكونُ ذلك يَوْمَ وَضعه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهير الأصحابِ؛ منهم القاضي، والشرِيفُ أبو جَعْفَر، وأبو الخَطابِ، والمُصَنِّفُ، والمَجْدُ، والشارِحُ، وغيرُهم مِنَ
الجزء: 15 - الصفحة: 226
وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ.
الأصحابِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم.
وعنه، يكون الفِداءُ يَوْمَ الخُصُومَةِ.
وهو ظاهرُ كَلامِ أحمدَ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُور، وجَعْفَر.
وهو وَجْهٌ في «الفائقِ».
قال الحارِثِيُّ: وعنِ ابنِ أبِي مُوسى حِكايَة وَجْهٍ؛ الاعْتِبارُ بيَوْمِ الحُكُومَةِ.
قوله: ويَرْجِعُ بذلك على الغاصِبِ.
يعْنِي، بما فدَى به الأوْلادَ.
وهذا المذهبُ، وعليه جماهير الأصحابِ.
وذكَر ابنُ عَقِيل رِوايَةً، لا يرجِعُ بفِداءِ الوَلَدِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 227
وإنْ تَلِفَتْ، فَعَلَيهِ قِيمَتُهَا، وَلا يَرْجِعُ بِهَا إنْ كَانَ مُشْتَرِيًا، وَيَرْجِعُ بِهَا الْمُتَّهِبُ.
قوله: وإنْ تَلِفَتْ، فعليه قِيمَتُها, ولا وَرْجِعُ بها، إنْ كانَ مُشْتَرِيًا، ويَرْجِعُ بها المُتَّهِبُ.
إذا تَلِفَتْ عندَ المُشتَرِي، فعليه قِيمَتُها للمَغْصُوبِ منه، ولا يَرْجِعُ على الغاصِبِ بالقِيمَةِ.
على الصحيح مِنَ المذهبِ، وعليه جماهير الأصحابِ، وأكثرُهم قطَع به.
وفي «المُغْني»، في بابِ الرهْنِ، رِواية باسْتِقْرارِ الضمانِ على الغاصِبِ، فلا يرجِعُ على المُشْتَرِي.
وحَكاه في «الكافِي»، في بابِ المُضارَبَةِ وَجْهًا.
وصرّح القاضي بمِثْلِ ذلك في «خِلافِه».
قاله ابنُ رَجَب، وقال: هو عندِي قياسُ المذهبِ.
وقَوَّاه، واسْتَدَل له بمَسائلَ ونَظائرَ.
فعلى هذا، يَرْجِعُ على الغاصِبِ بذلك كله، ويرْجِعُ بالثمَنِ، بلا نِزاعٍ.
وعلى المذهبِ، يَأخُذ مِنَ الغاصِبِ ثَمَنَها، ويأخُذُ أَيضًا نفَقَتَه وعمَلَه مِنَ البائعِ الغارِّ.
قاله الشيخُ تقِيُّ
الجزء: 15 - الصفحة: 228
وَعَنْهُ أنَّ مَا حَصَلَتْ لَهُ بِهِ مَنْفَعَة، كَالأجْرَةِ وَالْمَهْرِ وَأرْش الْبَكَارَةِ، لا يَرْجِعُ بِهِ.
الدِّينِ، وقال في «الفَتاوَى المِصْرِيةِ»: لو باعَ عَقَارًا، ثم خرَجَ مُسْتَحَقًّا، فإنْ كان المُشْتَرِي عالِمًا، ضَمِنَ المَنْفَعةَ، سواءٌ انْتفَعَ بها أو لم يَنْتَفِعْ، وإنْ لم يَعْلَمْ، فقَرار الضمانِ على البائعِ الظَّالمِ، وإنِ انْتُزِعَ المَبِيعُ مِن يَدِ المُشْتَرِي، فأخِذَت منه الأُجْرَةُ، وهو مَعْروفٌ، رجَع بذلك على البائعِ الغَارِّ.
انتهى.
وفي «الترْغيبِ»، و «التَّلْخيصِ»، احْتِمال بأنَّ المُشتَرِيَ يرْجِعُ بما زادَ على الثَّمَنِ.
وبه جزَم ابن المَنِّيِّ في «خِلافِه» وفي «الترْغيبِ» أَيضًا، لا يُطالِبُ بالزِّيادَةِ الحَاصلةِ قبلَ قبْضِه.
قال في «القواعدِ الأصُولِيةِ»: قلتُ: وإطْلاقُ الأصحابِ يَقْتَضِي، لا رُجوعَ بما زادَ على الثمَنِ.
وفيه نَظَر.
انتهى.
قال المُصَنفُ، في «فَتاويه»: وإنْ أنْفَقَ على أيتامِ غاصِبٍ وَصيُّه، مع عِلْمِه بأنَّه غاصِبٌ، لم يرْجِعْ، وإلَّا رَجَع؛ لأنَّ المُوصِيَ غرَّه.
انتهى.
وأمَّا إذا تَلِفَتْ عندَ المُتَّهِبِ، فعليه قِيمَتُها لرَبها، ويرْجِعُ بما غَرِمَه على الغاصِبِ، على الصحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهير الأصحابِ.
وقطَع به في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
قال في «الفُروعِ»: ويَرْجِعُ مُتَّهِب في الأصح.
وقيل: لا يرْجِعُ، كالمُشْتَرِي.
قال الحارِثِيُّ: وفي «الكافِي»، رِوايَة بعَدَمَ الرُّجوعَ فيما إذا تَلِفَ؛ لأنَّه غرِمَ ما أتْلَفَه.
انتهى.
قوله: وعنه، أن ما حصَلَتْ له به مَنْفَعَة؛ كالأُجْرَةِ، والمَهْرِ، وَأرْشِ البَكارَةِ، لا يَرْجِعُ به.
هذه الروايَةُ عائدَةٌ إلى قوْلِه: وإنْ لم يَعْلَما بالغَصْبِ،
الجزء: 15 - الصفحة: 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فضَمنَهما، رجَعا على الغاصِبِ.
لكِن هذه الروايَةَ رجَع عنها أحمدُ.
قال الحارِثِي: واعلمْ أن الروايَةَ بعَدَمِ الرجوعِ رجَع عنها أحمدُ.
قال القاضي في كتابِ «الروايتَين»: رجَع عن قوْلِه، بحَديثِ عليٍّ.
وإذا كان كذلك، فلا يكونُ عدَمُ الرُّجوعِ مذهبًا له في شيءٍ من هذه الأمورِ أصْلًا وفَرْعًا.
انتهى كلام الحارِثِي.
قلتُ: إذا رجَع الإمامُ أحمدُ عن قوْلٍ، فهل يُتْرَكُ، ولا يُذْكَرُ، لرُجوعِه عنه؟ أو يُذْكُرُ ويثبَتُ في التصانِيفِ؟ تقدم حُكْمُ ذلك في الخُطبةِ، وبابِ التيممِ.
واعلمْ أن المالِكَ إذا رجَع على المُشْتَرِي، وأرادَ المُشْتَرِي الرجوعَ على الغاصِبِ، لا يَخْلُو مِن أقْسام؛ أحدُها، ما لا يرجِعُ به، وهو قِيمَتُها، إذا تَلِفَتْ كلُّها، أو جُزْؤها في يَدِه، على ما تقدَّم مِنَ الخِلافِ.
والثاني، فيه خِلاف، والتَّرْجِيحُ مُخْتَلِف، وهو أرْشُ البَكارَةِ، والمَهْرُ، وأُجْرَةُ نَفْعِها.
فأمَّا أرْشُ البَكارَةِ، فقدَّم المُصَنفُ هنا، أنَّه يرْجِعُ به.
قال في «الفائقِ»: اخْتارَه الخِرَقِي، قال الحارِثِي: هذا المذهبُ.
انتهى.
قال الزرْكَشِيُّ: [الرُّجوعُ اخْتِيار الخِرَقِي، والقاضي، وعامَّةِ أصحابِه] 20. والصحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يرْجِعُ به.
جزَمْ به في «المُحَرَّرِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».
واخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيل، وأبو بَكْر.
قاله في «الفائقِ».
وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيص»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وأمَّا المَهْرُ وأُجْرَةُ النَّفْعِ، فالصحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يرْجِعُ بهما على الغاصِبِ.
جزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه المُصَنِّفُ هنا، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ».
قال الحارِثِي: هذا المذهبُ.
ورُجوعُه بالمَهْرِ على الغاصِبِ مِنَ المُفْرَداتِ.
وعنه، لا يرجِعُ.
اخْتارَه أبو بَكْر، وابنُ أبِي مُوسى.
قاله في «القَواعِدِ».
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه الخِرَقِيُّ، وأبو بَكْر، وابنُ عَقِيل.
قلتُ: المُصَرَّحُ به في «الخِرَقي»، رُجوعُ المشتَرِى بالمَهْرِ.
قال الزَّركَشِي: يرجِعُ بالمَهْرِ عندَ الخِرَقِي، والقاضي، وعامَّةِ أصحابِه، ولعله سَهْوٌ.
وأطْلَقهما في المَهرِ، في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهم.
وأطْلَقهما في المَهْرِ، والأُجْرَةِ، في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الشرْحِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
الثالثُ، ما يرْجِعُ به على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وهو قِيمَةُ الوَلَدِ، كما تقدّم.
الجزء: 15 - الصفحة: 231
وإنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ، رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا لا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيهِ.
والرابعُ، ما يرْجِعُ به قوْلًا واحِدًا، وهو نَقْصُ ولادَةٍ، ومَنْفَعَة فائتة.
جزَم به في «الفُروعِ»، وجزَم به القاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ في «الكافِي»، و «المُغنِي»، في نَقْصِ الولادَةِ.
قال الحارِثيُّ: وأدْخَلَه الباقُون فيما يرْجِعُ به، كما في المَتْنِ.
فائدة: حُكْم المُتَّهِبِ حُكْم المُشْتَرِي.
وقد حكَى المُضنِّفُ هنا وصاحِبُ «المُحَرَّرِ» وجماعة فيه الرِّوايتَين.
وحكَى الخِلافَ في «المُغْنِي» وَجْهَين.
قال الحارِثي: وهو الصَّوابُّ، فإنَّه مَقِيس على نصِّه.
فائدة أخرى: حُكْم الثمَرةِ والوَلَدِ الحادِثِ في المَبِيعِ، حُكْم المَنافِعِ، إذا ضُمِّنَها، رجَع ببَدَلِها على الغاصِبِ.
وكذلك الكَسْبُ.
صرح به القاضي في «خِلافِه»، إلَّا أنْ يكونَ انْتَفعَ بشيءٍ مِن ذلك، فيُخَرَّج على الرِّوايتَين.
قوله: وإنْ ضَمنَ الغاصِبَ، رجَع على المشْتَرِي بما لا يَرْجِعُ به عليه.
اعلمْ أن
الجزء: 15 - الصفحة: 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمالك تَضْمِينَ مَن شاءَ منهما، أعْنِي الغاصِبَ ومَنِ انْتَقَلَتْ إليه منه، فإنْ ضمَّنَ غيرَ الغاصِبِ، فقد تقدَّم حُكْمُ رُجوعِه على الغاصِبِ وعدَمِه، وإنْ رجَع على الغاصِبِ؛ وهو ما قاله المُصَنفُ هنا، فهو أرْبَعَةُ أضْرُب؛ أحدُها، قِيمَةُ العَينِ.
فهذا إذا رجَع المالِكُ على الغاصِبِ، يرْجِعُ الغاصِبُ به على المُشْتَرِي.
الثَّاني، قِيمَةُ الوَلَدِ.
فإذا رجَع بها على الغاصِبِ، لَمْ يَرْجِعِ الغَاصِبُ على المُشْتَرِي، على الصَّحيح مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وتقدَّم رِوايَةٌ ذكَرَها ابنُ عَقِيل، أن المالِكَ إذا ضَمنَ المُشْتَرِيَ لا يرْجِعُ به على الغاصِبِ.
فَتأتِي الروايَةُ هنا، أن الغاصِبَ إذا ضمنَه المالِكُ يرْجِعُ به على المُشْتَرِي.
الثَّالثُ، المَهْرُ، وأرْشُ البَكارَةِ، والأجْرَةُ، ونحوُه.
فعلى القَوْلِ برُجوعِ المُشْتَرِي، والمُتَّهِبِ على الغاصِبِ، إذا ضَمنَهما المالِكُ هناك، لا يرْجِعُ الغاصِبُ عليهما هنا، إذا ضَمَّنه المالِكُ.
وعلى القَوْلِ.
أنَّهما لا يَرْجِعان، يَرْجِعُ الغاصِبُ عليهما هنا.
الرَّابعُ، نَقْصُ الولادَةِ، والمَنْفَعَةُ الفائتةُ.
فإنْ رجَع المالِكُ على الغاصِبِ، لم يَرْجِعْ به الغاصِبُ على المُشْتَرِي، قَوْلًا واحِدًا، على قَوْلِ صاحِبِ «الفُروعِ» وغيرِه.
وهذا كله قد شَمِلَه قوْلُ المُصَنفِ: وإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ، رجَع على المُشْتَرِيَ بما لا يرْجِعُ به عليه.
فحيثُ ضمَّنَ المُشتَرِيَ، وقُلْنا: يَرْجِعُ على الغاصِبِ إذا ضمَّنَ الغاصِبَ.
لا يرجِعُ على المُشْتَرِي.
وعكْسُه بعَكْسِه.
الجزء: 15 - الصفحة: 233
وإنْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْج فَمَاتَ الْوَلَدُ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ، وَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ؟ عَلَى روَايَتَينِ.
قوله: وإنْ وَلَدَتْ مِن زَوْجٍ، فماتَ الوَلَدُ، ضَمِنَه بقِيمَتِه، وهل يَرْجِعُ به على الغاصِبِ؟ على رِوايتَين.
مِثالُ ذلك، أنْ يكونَ المُشْتَرِي جاهِلًا بغَصْبِها، فيُزَوِّجَها لغيرِ عالِم بالغَصْبِ، فتَلِدَ منه، فهو مَمْلُوكٌ، فيَضْمَنَه مَن هو في يَدِه بقِيمَتِه، إذا تَلِفَ وهل يَرْجِعُ به على الغاصِبِ؟ على رِوايتَين؛ بِناءً على الرِّوايتَين في ضَمانِ النَّفْعِ إذا تَلِفَ عندَ المُشْتَرِي، على ما تقدَّم.
قاله المُصَنِّفُ، والشارِحُ.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفائقِ»، وغيرِهم؛ إحْداهما، يرْجِعُ.
صحَّحه في «التصْحيحِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وهو المذهبُ؛ لأنَّ الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ، أنَّه يَرْجِعُ عليه بأُجْرَةِ النَّفْعِ، على ما تقدَّم قريبًا، فكذا هذا.
والثَّانيةُ، لا يرْجِعُ.
الجزء: 15 - الصفحة: 234
وَإنْ أعَارَهَا فَتَلِفَتْ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ، اسْتَقَر ضَمَانُ قِيمَتِهَا عَلَيهِ، وَضَمَان الأجْرَةِ عَلَى الْغَاصِبِ.
قوله: وإنْ أعارَها فتَلِفَتْ عندَ المُسْتَعيرِ، اسْتَقَرَّ ضَمَانُ قِيمَتِها عليه وضمَانُ الأجْرَةِ على الغاصِبِ.
إذا اسْتَعارَها مِنَ الغاصِبِ عالِمًا بغَصْبِها، فله تَضْمِينُ الغاصِبِ، والمُسْتَعِيرِ؛ فإنْ ضَمَّنَ الغاصِبَ، رجَع على المُسْتَعِيرِ، وإنْ ضمَّنَ المُسْتَعِيرَ، لم يَرْجِعْ على الغاصِبِ مُطْلقًا.
وإنْ كان غيرَ عالِم بالغَصْبِ، فضَمَّنَ المُسْتَعِيرَ، لم يَرْجِعْ على الغاصِبِ بقِيمَةِ العَينِ، ويرْجِعُ عليه بضَمانِ المَنْفَعةِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وهو قَوْلُ المُصنِّفِ، وضَمان الأجْرَةِ على الغاصِبِ.
وعنه، لا يرْجِعُ بضَمانِ المَنْفَعةِ، إذا تَلِفَت بالاسْتِيفاءِ، ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ عليه في مُقابَلَةِ الانْتِفاعِ.
قال في «القواعِدِ»: وإنْ ضُمنَ الغاصِبُ المَنْفَعةَ ابْتِداءً، ففيه طَرِيقان؛ أحدُهما، البِناءُ على الرِّوايتَين.
فإن قُلْنا: لا يَرْجِعُ القابِضُ عليه إذا ضُمِّنَ ابْتِداءً، رجَع الغاصِبُ هنا عليه، والَّا فلا.
وهي طَرِيقَةُ أبِي الخَطابِ، ومَنِ اتَّبَعه، والقاضي؛ وابنِ عَقِيل، في مَوْضِعٍ.
والطريق الثاني، لا يَرْجِعُ الغاصِبُ على القابِضِ، قَوْلًا واحِدًا.
قاله القاضي، وابنُ عَقِيل، في مَوْضِع آخَرَ.
فائدة: ذكَر المُصَنِّفُ، رَحِمَه الله تَعالى، فيما إذا انْتقَلَتِ العَينُ مِن يَدِ الغاصِبِ إلى يَدِ غيرِه، ثلاث مَسائل؛ مسْألة الشراءِ، ومَسْأله الهِبَةِ، ومَسْألة العارِيّةِ.
وتقدَّم الكلامُ عليها.
وقد ذكَر العَلامَةُ ابنُ رَجَبٍ في «قواعِدِه»، أن الأيدِيَ القابِضَةَ مِنَ الغاصِبِ، مع عدَمْ العِلْمِ بالحالِ، عَشَرة؛ منها الثلاثةُ المذْكُورَةُ التي ذكَرَها المُصَنِّفُ، ولكِنْ نُعِيدُ ذِكْرَ يَدِ المُتَّهِبِ؛ لأجْلِ نظَائرِها في اليَدِ التَّاسِعَةِ.
فاليَد الثّالثةُ، الغاصِبَةُ مِنَ الغاصِبِ، وحقها أنْ تكونَ أوْلَى؛ لأنها كالأصْل للأيدِي؛ وهو أن اليَدَ الغاصِبَةَ مِنَ الغاصِبِ يتَعَلَّقُ بها الضمانُ، كأصْلِها، ويسْتَقِرُّ عليها مع التَّلَف تحتَها, ولا يُطالبُ بما زادَ على مُدَّتِها.
اليَد الرابعَةُ، يدٌ آخِذَة لمصْلَحَةِ الدَّافِعِ؛ كالاسْتِيداعِ، والوَكالةِ بغيرِ جُعْل،
الجزء: 15 - الصفحة: 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالصحيحُ مِنَ المذهبِ، أنّ للمالِكِ تَضْمينَها، ثم يَرْجِعُ بما ضُمنَ على الغاصِبِ؛ لتَغْرِيره.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ باسْتِقْرارِ الضَّمانِ عليها, ولتَلَفِ المالِ تحتَها مِن غيرِ إذْنٍ.
صرح به القاضي في «المُجَرَّدِ»، في بابِ المُضارَبَةِ.
قال ابنُ رَجَبٍ: ويتَخَرَّجُ فيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يجوزُ تَضْمِينُها بحال، مِنَ الوَجْهِ المَحْكِيِّ كذلك في المُرْتَهِن ونحوه، وأوْلَى.
وخرَّجَه الشيخُ تَقِيُّ الدينِ مِن مُودَعِ المُودِعِ، حيثُ لا يجوزُ له الإيداعُ؛ فإنَّ الضَّمانَ على الأوَّلِ وحدَه.
كذلك قال القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيل في «الفُصولِ»، وذكَر أنَّه ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، ومِنَ الأصحابِ مَن منَع ظُهورَه.
اليَد الخامسةُ، يَدْ قابِضَة لمصْلَحَتِها، ومَصْلَحَةِ الدافِعِ 21؛ كالشريك، والمُضارِبِ، والوَكِيلِ بجُعْل، والمُرْتَهِنِ، فالمَشْهورُ جَوازُ تَضْمِينها أَيضًا، وترْجِعُ بما ضُمِّنَتْ؛ لدُخُولِها على الأمانَةِ.
وذكَر القاضي في «المُجَرد»، وابنُ عَقِيل، والمُصَنفُ، في الرَّهْنِ احْتِمالين آخَرَين؛ أحدُهما،
الجزء: 15 - الصفحة: 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اسْتِقْرار الضمانِ على القابِضِ.
وحَكَوا هذا الوَجْهَ في المُضارِبِ أَيضًا.
والثاني، لا يجوزُ تَضْمِينُها بحالٍ؛ لدُخُولِها على الأمانَةِ.
قال ابنُ رَجَبٍ: ويَنْبَغِي أنْ يكونَ هو المذهبَ، وأنه لا يجوزُ تَضْمِين القابِضِ ما لم يدْخُلْ على ضَمانِه في جميعِ هذه الأقْسامِ.
وحكَى القاضي وغيرُه في المُضارَبَةِ وَجْهًا آخَرَ، أن الضَّمانَ في هذه الأماناتِ يَسْتَقِرُّ على مَن ضُمنَ منهما، فأيّهما ضُمِّن لم يرْجِعْ على الآخَرِ.
اليَدُ السادِسةُ، يد قابِضَة عِوَضًا مُسْتَحَقا بغيرِ عَقْدِ البَيعِ، كالصَّداق، وعِوَضِ الخُلْعِ، والعِتْقِ، والصلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، إذا كان مُعَينًا له، أو كان القَبْضُ وَفاءٌ لدَينٍ مُسْتَقِر في الذِّمةِ؛ مِن ثَمَنِ مَبِيع، أو غيرِه، أو صَداقٍ، أو قِيمَةِ مُتْلَفٍ، ونحوه، فإذا تَلِفَتْ هذه الأعْيانُ في يَدِ مَن قَبَضَها، ثم اسْتُحِقَّتْ، فللمُسْتَحِقِّ الرُّجوعُ على القابِضِ ببَدَلِ العَينِ والمَنْفَعَةِ، على ما تَقرَّرَ.
قال: ويتَخَرَّجُ وَجْهٌ، أنْ لا مُطالبَةَ له عليه.
وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ أبِيِ مُوسى في الصداقِ.
والباقي مِثْلُه على القَوْلِ بالتَّضْمِينِ، فَيرْجِعُ على الغاصِبِ بما غرِمَ مِن قِيمَةِ المَنافِعِ؛ لتَغْرِيرِه، إلَّا بما انْتفَعَ به، فإنَّه مُخَرَّجٌ على الرِّوايتَين.
وأما قِيَم الأعْيانِ، فمُقْتَضَى ما ذكَرَه القاضي ومَنِ اتَّبَعه، أنَّه لا يَرْجِعُ بها.
ثم إنْ كان القَبْضُ وَفاءً عن دَين ثابتٍ في الذمةِ، فهو باقٍ بحالهِ، وإنْ كانَ عِوَضًا مُتَعيِّنًا في العَقْدِ، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، ها هنا باسْتِحْقاقِه، ولو قُلْنا: إنَّ النِّكاحَ على المَغْصُوبِ لا يصِحُّ.
لأنَّ القَوْلَ بانْتِفاءِ الصِّحَّةِ مُخْتَصٌّ بحالةِ العِلْمِ.
ذكَرَه ابنُ أبِي مُوسى.
ويَرْجِعُ على الزَّوْجِ بقِيمَةِ المُسْتَحَقِّ في المَنْصُوصِ.
وهو قَوْلُ القاضي في «خِلافِه»، وقال في «المُجَرَّدِ»: ويجِبُ مَهْر المِثْلِ.
وأمَّا عِوَضُ الخُلْعِ، والعِتْقُ، والصُّلْحُ عن دَمِ العَمْدِ، ففيها وجْهان؛ أحدُهما، يجِبُ الرُّجوعُ فيها بقِيمَةِ العِوَضِ المُسْتَحَقِّ.
وهو المَنْصوصُ، وهو قَوْلُ القاضي في أكْثرَ كُتُبِه.
وجزَم به صاحِبُ «المُحَررِ».
الجزء: 15 - الصفحة: 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني، يجبُ قِيمَةُ المُسْتَحَقِّ في الخُلْعِ، والصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، بخِلافِ العِتْقِ، فإنَّ الواجِبَ فيه قِيمَةُ العَبْدِ.
وهو قَوْلُ القاضي في البُيوعِ مِن «خِلافِه»، ويُشْبِهُ قَوْلَ الأصحابِ، فيما إذا جعَل عِتْقَ أمَتِه صَداقَها، وقُلْنا: لا ينْعَقِدُ به النِّكاحُ فأبَتْ أنْ تتَزَوَّجَه على ذلك، أنَّ عليها قِيمَةَ نفْسِها لا قِيمَةَ مَهْرِ مِثْلِها.
وعلى الوَجْهِ المُخَرَّج في البَيعِ؛ أنَّ المَغْرورَ يرْجِعُ بقِيمَةِ العَينِ، فهُنا كذلك.
اليَد السابعةُ، يد قابِضَة بمُعاوَضَةٍ؛ وهي يَد المُسْتَأجِرِ.
فقال القاضي والأكْثَرون: إذا ضُّمِّنَتِ المَنْفَعَةَ، لم يَرْجِعْ بها.
ولو زادَتْ أجْرَةُ المِثْلِ على الأجْرَةِ المُسمَّاةِ، ففيه ما مَر مِن زِيادَةِ قِيمَةِ العَينِ على الثمنِ.
وإذا ضُمِّنَتْ قِيمَةَ العَينِ، رَجَعَتْ بها على الغاصِبِ؛ لتَغْرِيرِه.
وفي «تَعْلِيقَةِ المَجْدِ»، يتَخَرَّجُ لأصحابِنا وَجْهان؛ أحدُهما 22، أنَّ المُسْتَأجِرَ لا ضَمانَ عليه بحالٍ؛ لقَوْلِ الجُمْهورِ: يضْمَن العَينَ.
وهل القَرارُ عليه؛ لنا وَجْهان؛ أحدُهما، عليه.
والثَّاني، علي الغاصِبِ.
وهو الذي ذكَرَه القاضي في «خِلافِه».
انتهى.
اليَد الثامِنَةُ، يد قابِضَة للشَرِكَةِ؛ وهي المُتَصَرِّفَةُ في المالِ بما يُنَمِّيه بجُزْءٍ مِنَ النماءِ؛ كالشَّرِيكِ، والمُضارِبِ، والمُزارِعِ، والمُساقِي، ولهم الأجْرَةُ على الغاصِبِ؛ لعَمَلِهم له بعِوَض [لم يُسْلَمْ.
فأمَّا المُضارِبُ، والمُزارِعُ بالعَينِ المَغْصُوبَةِ، وشَرِيكُ العِنانِ] 23، فقد دَخَلُوا على أنْ لا ضَمانَ عليهم بحالٍ، فإذا ضُمِّنُوا على المَشْهورِ، رَجَعُوا بما ضُمِّنُوا، إلَّا حِصَّتهم مِنَ الرِّبْحِ، فلا يَرْجعُون بضَمانِها.
ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيل، في المُساقِي.
والمُزارِعُ نَظِيرُه.
أَمَّا المُضارِبُ، والشرِيكُ، فلا نَبْغِي أنْ يَسْتَقِر عليهم ضَمانُ شيء بدُونِ القِسْمَةِ مُطْلقًا.
وحكَى الأصحابُ، في
الجزء: 15 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُضارِبِ 24 بغيرِ إذْنٍ وَجْهًا آخَرَ، أنْه يَرْجِعُ بما ضُمِّنَه؛ بِناءً على الوَجْهِ المذْكُورِ باسْتِقْرارِ الضمانِ على مَن تَلِفَ المالُ بيَدِه.
ويتَخَرجُ وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَمْلِكُ المالِكُ تَضْمِينَهم بحالٍ، وإنَّما أعادَ حُكْمَ الشَّرِيكِ والمُضارِبِ لذِكْرِ النَّماءِ.
وأما المُساقِي إذا ظهَر الشَّجَرُ مُسْتَحَقًّا بعدَ تَكْمِلَةِ العَملِ، فللعامِلِ أُجْرَةُ المِثْلِ لعَملِه على الغاصِبِ، وإذا تَلِفَ الثَّمَرُ، فله حالتَان؛ إحْداهما، أنْ يَتْلَف بعدَ القِسمَةِ، فللمالِكِ تَضْمِينُ كل مِنَ الغاصِبِ والعامِلِ ما قبَضَه، وله أنْ يُضَمِّنَ الكُلَّ للغاصِبِ، فإذا ضَمَّنَه الكُلَّ رجَع على العامِلِ بما قَبَضَه لنَفْسِه.
وفي «المُغْنِي» احْتِمال، لا يَرْجِعُ عليه.
وهل للمالِكِ تَضْمِين العامِلِ جميعَ الثَّمرَةِ؟ ذكَر القاضي فيه احْتِمالين؛ أحدُهما، نعم.
ثم يَرْجِعُ العامِلُ على الغاصِبِ بما قبَضَه مِنَ الثَّمَرِ، على المَشْهورِ، وبالكُلِّ على الاحْتِمالِ المذْكُورِ.
والثَّاني، لا.
والحالةُ الثَّانيةُ، أنْ يتْلَف الثَّمرُ قبلَ القِسْمَةِ؛ إمَّا على الشَّجَرِ، وإلَا بعدَ جَذِّه.
ففي «التَّلْخيصِ»، في مُطالبَةِ العاملِ بالجميع، احْتِمالان.
وكذا لو تَلِفَ بعضُ الشَّجَرِ.
قال ابنُ رَجَبٍ: وهو مُلْتَفَتٌ إلى أنَّ يَدَ العاملِ، هل تَثْبُتُ على الشَّجَرِ والثمَرِ، أم لا؟ والأظْهرُ، أنْ لا؛ لأنَّ الضمانَ عندَنا لا ينْتَقِل في الثَّمَرِ المُعَلَّقِ على شَجَرِه بالتَّخْلِيةِ.
ولو اشْتَرَى شَجَرَةً بثَمَرِها، فهل تدْخُل الثَّمرَةُ في ضَمانِه تبَعًا للشَجَرَةِ؟ قال ابنُ عَقِيل في «فُنونِه»: لا تدخُل.
والمذهبُ دُخُولُه تبَعًا.
اليدُ التَّاسعةُ، يد قابِضةٌ تَمَلُّكًا لا بعِوَض؛ إمَّا للعَيِن بمَنافِعِها؛ كالهبَةِ والوقْفِ، والصَّدَقَةِ، والوَصيَّةِ، أو للمَنْفَعَةِ؛ كالمُوصَى له بالمنافِعِ.
والمَشْهورُ أنَّها تَرْجِعُ بما ضُمِّنَتْه بكل حالٍ، إلَّا ما يحْصُلُ لها به نَفْعٌ، ففي رُجُوعِها بضَمانِه الروايَتان.
ويتَخَرَّجُ وَجْه آخَرُ، أنَّها لا تُضمَّن ابْتِداءً، ما لم يَسْتَقِرَّ ضَمانُها عليه.
الجزء: 15 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذكَر القاضي، وابنُ عَقِيل رِوايةً، أنَّها لا تَرْجِعُ بما ضُمِّنَتْه بحالٍ.
ثم اخْتلَفَ الأصحابُ في مَحَلِّ الرِّوايتَين، في الرُّجوعِ بما انْتفَعَتْ به على طُرُقٍ ثَلاثةٍ؛ إحْداهُنَّ، أنَّ مَحَلَّهما إذا لم يقُلِ الغاصِبُ: هذا مِلْكِي.
أو ما يدُلُّ عليه، فإنْ قال ذلك، فالقَرارُ عليه، بغيرِ خِلافٍ.
وهي طَرِيقةُ المُصَنِّفِ في «المُغْنِي».
والطَّريقةُ الثَّانيةُ؛ إنْ ضمَّنَ المالِكُ القابِضَ ابْتِداءً، ففي رُجوعِه على الغاصِبِ الرِّوايتَان مُطْلَقًا.
وإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ ابْتِداءً، فإنْ كان القابِضُ قد أقَرَّ له بالمِلْكِيَّةِ، لم يَرْجِعْ على القابضِ.
رِوايَةً واحدَةً، وهي طريقةُ القاضي.
والطَّريقةُ الثَّالثةُ، الخِلافُ في الكُلِّ مِن غيرِ تَفْصِيلٍ.
وهي طريقةُ أبِي الخَطَّابِ وغيرِه.
اليَدُ العاشِرَةُ، يدٌ مُتْلِفة للمالِ نِيابَةً عنِ الغاصِبِ؛ كالذَّابِحِ للحَيوانِ، والطَّابِخِ له، فلا قَرارَ عليها بحالٍ، وإنَّما القَرارُ علي الغاصِبِ.
قاله القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والأصْحابُ.
قال ابنُ رَجَبٍ: ويَتَخرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ بالقَرارِ عليها فيما أتْلَفَتْه، كالمُوْدَعِ، إذا تَلِفَتْ تحتَ يدِه، وأوْلَى؛ لمُباشَرتِها للإتلافِ.
قال: ويتَخَرَّجُ وجْهٌ آخَرُ، لا ضَمانَ عليها بحالٍ مِن نصِّ أحمدَ، في مَن حفَر لرَجُل بِئْرًا في غيرِ مِلْكِه، فوقَعَ فيها إنْسان، فقال الحافِرُ: ظَنَنْتُ أنَّها في مِلْكِه.
فلا شيءَ عليه.
وبذلك جزَم القاضي، وابنُ عَقِيل، في كتابِ الجِناياتِ.
وأمَّا إذا أتْلَفَتْه على وَجْهٍ مُحَرَّم شَرْعًا، عالِمةً بتَحْريمِه؛ كالقاتِلَةِ للعَبْدِ المَغْصُوبِ، والمُحْرِقَةِ للمال بإذْنِ الغاصِبِ فيهما، ففي «التَّلْخيصِ»، يَسْتَقِرُّ عليها الضَّمانُ؛ لأنَّها عالِمَةٌ بالتَّحْريمِ، فهي كالعالِمةِ بأنه مال الغيرِ، ورَجَّح الحارِثِي دُخولها في قِسْم المَغْرورِ.
انتهى كلامُ ابنِ رَجَبٍ في «القواعدِ» مُلَخَّصًا , ولقد أجادَ، فرَحِمَه الله تَعالى.
الجزء: 15 - الصفحة: 241
وَإذَا اشْتَرَى أرْضًا فَغَرَسَهَا أوْ بَنَى فِيهَا، فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، فَقُلِعَ غَرْسُهُ وَبِنَاؤُهُ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائعِ بمَا غَرِمَهُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي في الْقِسْمَةِ.
قوله: وإن اشْتَرَى أرْضًا، فغَرَسَها، أو بَنَى فيها، فخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، فقَلعَ غَرْسَه وبِنائه، رَجَعَ المُشْتَرِي على البائِعِ بما غَرِمَه.
ذكَرَه القاضي في القِسْمَةِ.
وهذا بلا نِزاعٍ، على القَوْلِ بجَوازِ القَلْعِ.
وأفادَنا كلام المُصَنِّفِ، أنَّ للمالِكِ قَلْعَ الغرْسِ والبِناءِ.
وهذا المذهبُ مُطْلَقًا.
أعْنِي، مِن غيرِ ضَمانِ النَّقْصِ، ولا الأخْذِ بالقِيمَةِ، وعليه جماهير الأصحابِ.
وجزَم به في «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجيزِ»، وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي»، وقال: هو الأصحُّ.
قال في «القواعِدِ»: هذا الذي ذكَرَه ابنُ أبِي مُوسى، والقاضي في «المُجرَّدِ»، وتَبِعَه عليه المُتَأخرون.
وعنه، لرَبِّ الأرْضِ قَلْعُه، إنْ ضَمِنَ نقصَه، ثم يَرْجِعُ به على البائعِ.
قاله في «المُحَرَّرِ» وغيرِه.
وقال الحارِثِيُّ: وعن أحمدَ، لا يَقْلَعُ، بل يَأخُذُه بقِيمَتِه.
وذكَر النَّصَّ مِن رِوايةِ حَرْب.
وقدَّمه في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والسَّبْعِين»، في غَرْسِ المُشْتَرِي مِنَ الغاصبِ، وقال: نَقَله عنه حَرْب، ويَعْقُوبُ بنُ بخْتانَ.
وذكَر النَصَّ، وقال:
الجزء: 15 - الصفحة: 242
وإنْ أطْعَمَ الْمَغْصُوبَ لِعَالِم بِالْغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيهِ،
وكذلك نقَل عنه [محمدُ بنُ أبِي حَرْبٍ الجَرجَرائيُّ] 25، وقال: وهذا الصَّحيحُ، ولا يَثْبُتُ عن أحمدَ سِوَاه، ونَصَره بأدِلّةٍ.
وتقدَّم التنبِيهُ على بعضِ ذلك، في أوَّلِ البابِ، عندَ غَرْسِ الغاصبِ وبِنائه، ولكِنَّ كلامَه هنا أعَمُّ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو بنَى فيما يَظنُّه مِلْكَه، جازَ نَقْضُه؛ لتَفْرِيطِه، ويَرْجِعُ على مَن غرَّه.
ذكَرَه في «الانْتِصارِ»، في الشَّفِيعِ، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ».
الثَّانيةُ، لو أخَذ منه ما اشْتَراه بحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ، ردَّ بائعُه ما قبَضَه منه.
على المذهب.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: إنْ سبَقَ المِلْكُ الشِّراءَ، وإلَّا فلا.
ذكَرَه في «الرعايةِ» في الدَّعْوَى.
قوله: وإنْ أطْعَمَ المغْصُوبَ لعالِم بالغَصْبِ، استَقَرَّ الضَّمانُ عليه -يعنِي، على الآكِلِ.
وهذا بلا نِزاع- وإنْ لم يَعْلَمْ، وقال له الغَاصِبُ: كُلْه، فإنَّه طَعامِي.
اسْتَقَرَّ الضَّمانُ على الغاصِبِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «النَّظْمِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 243
وإنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَقَال لَهُ الْغَاصِبُ كُلْهُ، فَإنَّهُ طَعَامِي.
اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإنْ لَمْ يَقُلْ، فَفِي أيِّهِمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيهِ الضَّمَانُ وَجْهَانِ.
و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروع»، و «الخُلاصَةِ».
وقيل: الضَّمانُ على الآكِلِ.
وأطْلَقهما في «الرعايتَين»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
ويأتِي كلام القاضي، وأبِي الخَطَّابِ، وغيرِهما.
قوله: وإنْ لم يَقُلْ -يعْنِي، وإنْ لم يقُلْ: هو طَعامِي.
بل قال له: كُلْ- ففي أيِّهما يَسْتَقِرُّ عليه الضَّمانُ، وَجْهان.
أكثر الأصحاب يحْكُون الخِلافَ وَجْهَين، وحَكاهما في «المُغْنِي» رِوايتَين.
وأطْلَقهما في «الشَّرْحِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغيرِ»، و «الفائقِ»، و «الحارِثِي»؛ أحدُهما، يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الغاصِبِ.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «النَّظْمِ»، و «التَّصْحيحِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الفُروعِ».
وهو ظاهرُ كلام الخِرَقِيِّ.
والوَجْهُ الثَّاني، يَسْتَقِر على الآكِلِ.
وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»، والسَّامَرِّيُّ في «المُسْتَوْعِب»، وابن الجَوْزِيِّ في «المُذْهَب»: إنْ ضُمِّنَ الغاصِبُ، اسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، وَجْهًا واحِدًا، وإنْ ضُمنَ الآكِلُ، ففي رُجوعِه على الغاصِبِ وَجْهان مَبْنِيَّان على رِوايَتَي المَغْصوبِ.
لكِنَّ القاضيَ قال: ذلك فيما إذا قال: هو طَعامِي، فكُلْه.
وغيرُه ذكَرَه في المَسْألتين.
الجزء: 15 - الصفحة: 244
وَإنْ أطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ ولَمْ يَعْلَمْ، لَمْ يَبْرأ.
نَصَّ عَلَيهِ، في رَجُلٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ تَبِعَةٌ، فَأوْصَلهَا إِليهِ، عَلَى أنهَا صِلَةٌ، أَوْ
قوله: وإنْ أطْعَمَه لمالِكِه، ولم يَعْلَمْ، لم يَبْرَأ.
نَصَّ عليه في رَجُل له عندَ رَجُل تَبِعَةٌ، فأوْصَلَها إليه على أنها صِلَة أو هَدِيَّة، ولم يَعْلَمْ: كيف هذا.
قال المُصَنِّفُ: يَعْنِي، أنَّه لا يَبْرأُ.
اعلمْ أنَّه إذا أطْعَمه لمالِكِه، فأكَلَه عالِمًا أنَّه طَعامُه، بَرِئ غاصِبُه.
وكذا لو أكَلَه بلا إذْنِه.
فإذ لم يَعْلَمْ، وقال له الغاصِبُ: كُلْه، فإنَّه طَعامِي.
لم يبرَأ الغاصِبُ أَيضًا.
وإنْ لم يقُلْ ذلك، بل قدَّمه إليه، وقال: كُلْه.
فجزَم المُصَنِّفُ هنا، أنَّه لا يَبْرأ، وهو ظاهر النَّص المذْكُورِ.
قال الحارِثِيُّ: نصَّ عليه مِن وُجُوه، وذكَرَها.
وهو المذهبُ، جزَم به في «الوَجيزِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 245
هَدِيَّةٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ: كَيفَ هَذَا؟ يَعْنِي أنَّهُ لا يَبْرأ.
و «الفائقِ»، و «ناظِمِ المُفْرَداتِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ».
وقدَّمه في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الحارِثِيِّ».
وهو مِن مُفْرداتِ المذهبِ.
قال المُصَنِّفُ، وتَبِعَه الشَّارِحُ: ويتَخَرَّجُ أنْ يَبرَأ؛ بِناءً على ما إذا أطْعَمَه لأجْنَبِيّ، فإنَّه يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الأكِلِ في أحَدِ الوَجْهَين؛ تقدَّم.
وذكَرَه ابنُ أبِي مُوسى تخْرِيجًا.
فائدتان؛ إحْداهما، لو أطْعَمَه لدابةِ المَغْصُوبِ منه، أو لعَبْدِه، لم يَبْرَأ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وجزَم به في «التَّلْخيصِ».
قال في «الفائقِ»: ولو أطْعَمَه لدابَّتِه مع عِلْمِه، بَرِئ مِنَ الغَصْبِ، وإلا فلا.
نص عليه.
وقدَّمه في
الجزء: 15 - الصفحة: 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الرعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
قَال في الفُرُوعِ: لغَيرِ عالِم بغَصْبِه.
قال جماعَة: أو لدابَّتِه، استَقَرَّ ضَمانُه عليه: وقال في «الرعايةِ الكُبْرى»: إنْ جَهِلَ مالِكُه، ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ الثَّالِثُ، لا يَبْرَأ، إنْ قال: هو لي.
وإلَّا بَرِئ.
انتهى.
الثَّانيةُ، قال المصَنِّفُ، والشَّارِحُ: لو وَهَبَ المَغصُوبَ لمالِكِه، أو أهْداه إليه، بَرِئ.
على الصَّحيحِ؛ لأنَّه سلَّمه إليه تَسْلِيمًا تامًّا.
وكذا إنْ باعَه أَيضًا، وسلَّمه إليه، أو أقْرَضَه إيَّاه.
وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ.
قال في «الفُروعِ»: وجزَم به جماعَةٌ.
وصحَّحه في «الكافِي» وغيره.
وقال في «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ والسِّتِّين»: والمَشْهورُ في الهِبَةِ، أنَّه لا يَبْرَأ، نصَّ عليه أَحْمد، معَلِّلًا بأنه تحَمّل مِنَّته، ورُبما كافأه على ذلك، واختارَ القاضي في «خِلافِه»، وصاحِبُ «المُغْنِي»، أنَّه يَبْرأ 26؛ لأنَّ المالِكَ تسَلَّمه تسَلُّمًا تامًّا، وعادَتْ سُلْطَتُه إليه.
انتهى.
وقدَّم في «الفُروعِ»، أنَّ أخْذَه بهِبَةٍ، أو شِراءٍ، أو
الجزء: 15 - الصفحة: 247
وإِن رَهَنَهُ عِنْدَ مَالِكِهِ، أوْ أوْدَعَهُ إيَّاهُ، أوْ أجَرَهُ، أو اسْتَأجَرَهُ عَلَى قِصَارَتِهِ وَخِيَاطَتِهِ، لَمْ يبرَأ إلَّا أنْ يَعْلَمَ.
صَدَقةٍ، أنَّه كإطعامِه لرَبِّه، على ما تقدَّم.
وقال في «الرِّعايةِ الكبْرى»: إن أهْداه إليه، أو جعَلَه صَدَقَةً، لم يبرأ، على الأصح.
قال الحارِثِي: والمَنْصوصُ عدَمُ البَراءَةِ.
اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى، والقاضِيان؛ أبو يَعْلَى، ويَعْقُوبُ بنُ إبْراهِيمَ.
انتهى.
قوله: وإنْ رهَنَه عندَ مالكه، أو أوْدَعَه إيَّاه، أو أجَره، أو اسْتَأجَرَه على قِصارَتِه وخِياطَتِه، لم يبرأ، إلَّا أنْ يَعْلَمَ.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ»، و «الفائقِ».
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».
قال الحارِثِي: فالنَّصُّ قاضٍ بعَدَمِ البَراءَةِ.
انتهى.
وقدَّمه في «الكافِي»، في غيرِ الرَّهْنِ.
وقيل: يبرأ.
قال في «الفُروعِ»: وقال جاعَة: يَبْرأ في وَدِيعَةٍ، ونحوها.
قال الشَّارِحُ: وقال بعض أصحابِنا: يَبْرأ.
[قلتُ: وَرأيتُه في نُسْخَةٍ قُرِئَتْ على المُصَنِّفِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَبْرأ] 27.
الجزء: 15 - الصفحة: 248
وإنْ أعَارَهُ إيَّاهُ، بَرِئ، عَلِمَ أوْ لَمْ يَعْلَمْ.
فائدة: لو أباحَه مالِكُه للغاصبِ، فأكَلَه قبلَ عِلْمِه، ضَمِنَ.
ذكَرَه في «الانْتِصارِ»، فيما إذا حلَف: لا خرَجْتِ إلَّا بإذْنِي.
قال في «الفرُوع»: ويتَوَجَّهُ الوَجْهُ.
يعْنِي، بعَدَمِ الضَّمان.
قال: والظَّاهِرُ أن مُرادَهم غير الطَّعامِ كهو في ذلك، ولا فَرْقَ.
قال في «الفُنونِ»، في مَسْألةِ الطعامِ: يَبْقَى الضَّمانُ؛ بدَليلِ ما لو قدَّم له شَوْكَه الذي غصَبَه منه، فسَجَرَه وهو لا يعْلَمُ.
انتهى.
وما ذكَرَه في «الانْتِصارِ» ذكَرَه القاضي يَعْقُوبُ في «تَعْلِيقِه»، في المَكانِ المذْكُورِ، ولم يخُصَّه بالطعامِ، بل قال: كلُّ تصَرُّفٍ تَصَرَّفَ به الأجْنَبِيُّ في مالِ غيرِه، وقد أذِنَ فيه مالِكُه ولم يَعْلَمْ، فعليه الضَّمانُ.
انتهى.
ولم يَرْتَضِه بعضُ المُتَأخِّرين.
قلتُ: قال في «القاعدَةِ الرَّابِعَةِ والسِّتِّين»: وما ذكره في «الانْتِصارِ» بعيدٌ جِدًّا، والصوابُ الجَزْمُ بعَدَمِ الضَّمانِ؛ لأنَّ الضَمانَ لا يَثْبُت بمُجَردِ الاعْتِقادِ فيما ليس بمَضْمُونٍ، كمَن وَطِئ أمْرأةً يظُنُّها أجْنَبِيَّةً، فَتبَينَّتْ زَوْجَتَه، فإنَّه لا مَهْرَ عليه، [ولا غيرَه] 28، وكما لو أكَل في الصَّوْمِ يظُنُّ أنَّ الشمس تَغرُبْ، فَتَبَيَّنَ أنها كانتْ غربَت، فإنه لا يَلْزَمُه القَضاءُ.
انتهى.
وهو الصوابُ.
قوله: وإنْ أعَارَه إيَّاه، بَرِئ؛ عَلم أو لم يَعْلَم.
هذا المذهبُ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنجَّى»، و «الفُروعِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقيل: إذا لم يَعْلَمْ، لم يَبْرَأ.
جزَم به في
الجزء: 15 - الصفحة: 249
وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأعْتَقَهُ، فَادَّعَى رَجُلٌ أنَّ الْبَائِعَ غصَبَهُ منه، فَصَدَّقَهُ أحَدُهُمَا، لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْآخَرِ.
وإن
«التَّلْخيصِ».
قال الحارِثِيُّ: ومُقْتَضَى النَّص الضَّمانُ، وبه قال ابنُ عَقِيل، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ».
انتهى.
وقدَّمه في «الكافِي»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، وقال: اخْتارَه الشَّيخُ.
يعْنِي به المُصَنِّفَ.
والظَّاهِرُ أنَّه أَرادَ ما قدَّمه في «الكافِي»، ولم يُعاودِ 29 «المُغْنِي»، و «المُقْنِعِ»؛ فإنَّ المُصَنِّفَ جزَم بالبَراءَةِ فيهما.
وأمَّا صاحِبُ «الفُروعِ»، فإنَّه تابَعَ المُصَنِّفَ في «المُغْنِي»، ولو أعادَ النَّظَرَ، لحكَى الخِلافَ، كما حَكاه غيرُه.
[فائدة: لو باعَه إيَّاه، أو أقْرضَه، فقَبَضَه جاهِلًا، لم يَبْرَأ، على المَنْصُوصَ.
قاله الحارِثِيُّ.
واخْتارَ المُصَنِّفُ، أنَّه يَبْرأ] 30.
قوله: ومَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فأعْتَقَه، فادَّعى رَجُل أنَّ البائعَ غصَبَه منه، فصَدَّقه أحَدُهما، لم يُقْبَلْ على الآخَرِ -بلا نِزاع- وإنْ صَدَّقاه مع العَبْدِ، لم يَبْطُلِ العِتْقُ،
الجزء: 15 - الصفحة: 250
صَدَّقَاهُ مَعَ الْعَبْدِ، لَم يَبْطُلِ الْعِتْقُ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ إذا صَدَّقُوهُ كُلُّهُمْ.
ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على المُشْتَرِي.
وهو المذهبُ، وعليه أكثر الأصحابِ؛ منهم القاضي وغيرُه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافي»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الحارثي».
وقال أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»، والمُصَنِّفُ، وجماعَةٌ: ويَحْتَمِلُ أنْ يبطُلَ العِتْقُ، إذا صَدَّقُوه كُلهم.
يعْنِي، إذا اتَّفَقُوا عليه كُلهم، ويعُودُ العَبْدُ إلى المُدَّعِي.
الجزء: 15 - الصفحة: 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: الضمانُ هنا هو ثَمَنُه.
قدَّمه في «الرعايةِ الكُبْرى».
وقيل: بل قِيمَتُه حينَ العَقْدِ.
قال في «الرعايةِ الكُبْرى»: قلتُ: إنْ أجازَ البَيعَ، وقُلْنا: يصحُ بالإجازَةِ.
فله الثمَنُ، وإنْ ردَّه، فله القِيمَةُ.
فعلى المذهبِ، في أصْلِ المَسْألَةِ، لو ماتَ العَبْدُ، وخلَّفَ مالًا، فهو للمُدَّعِي إلَّا أنْ يُخَلِّفَ وارِثًا، فَيأخذَه، وليس له عليه وَلاء.
الجزء: 15 - الصفحة: 252
فَصْلٌ: وإنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، إنْ كَانَ مَكِيلًا أوْ مَوْزُونًا.
قوله: وإنْ تَلِفَ المَغْصُوبُ، لَزِمَه مِثْلُه، إنْ كانَ مَكِيلًا، أوْ مَوْزُونًا.
وكذا لو أتْلَفَه.
وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، سوءٌ تَماثلَتْ أجْزاؤه، أو تَفاوَتَتْ؛ كالأثْمانِ، والحُبوبِ، والأدْهَانِ، وغيرِ ذلك، وجزَم به في «العُمْدَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «التَّسْهيلِ»، وغيرِهم.
وقدُّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وحَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ إجْماعًا في المَأكُولِ، والمَشْرُوبِ.
وعنه، يَضْمَنُه بقِيمَتِه.
قال الحارِثِيُّ: ذكَرَها القاضي أبو الحُسَينِ في كِتابِه «التمامِ»، وأبو الحَسَنِ ابنُ
الجزء: 15 - الصفحة: 254
وَإنْ أعْوَزَ الْمِثْلُ، فَعَلَيهِ قِيمَةُ مِثْلِهِ يَوْمَ إعْوَازِهِ.
وَقَال الْقَاضِي: يَضْمَنُهُ.
بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ.
وَعنه، تَلْزَمُهُ قيمَتُهُ يَوْمَ تَلَفِهِ.
بَكْروس في «رُءوسِ المَسائلِ»، وذكَرَه القاضي أَيضًا.
وذكَرَ أَيضًا أخْذَ القِيمَةِ في نُقْرَةٍ 31، وسَبِيكَةٍ للأثْمانِ، وعِنَب، ورُطَب، وكُمَّثْرَى.
قال المُصَنفُ، والشَّارِحُ: ويَحْتَمِلُ أنْ يضْمنَ النُقْرَةَ بقِيمَتِها.
تنبيه: مَحَل هذا إذا كان باقِيًا على أصْلِه، فأمَّا مُباح الصِّناعَةِ؛ كمَعمُولِ الحديدِ، والنُّحاس، والرَّصاصِ، والصوفِ , والشعَرِ المَغْزولِ، ونحو ذاك، فإنَّه يُضْمَنُ بقِيمَتِه؛ لأنَّه خرَج عن أصْلِه.
جزَمْ به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قوله: وإنْ أعْوزَ المِثْلُ، فعليه قِيمَةُ مثْلِه يَوْمَ إعْوازِه.
هذا المذهبُ، وعليه
الجزء: 15 - الصفحة: 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جماهير الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُحَررِ»، و «ناظِمِ المُفْرَداتِ»، و «المُنَوَّرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ» و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ» و «الكافي» و «المُغْنِي» و «الشرْحِ»، و «التلْخيصِ» و «الفُروعِ» و «الفائقِ» وغيرِهم.
وهو مِن مُفْرداتِ المذهبِ.
وقال القاضي في «الخِصالِ»: يَضمَنُه بقِيمَتِه يومَ القَبضِ.
يعْني يومَ قَبْضِ البَدَلِ.
قال في «التلْخيصِ»: وذكَرَه ابنُ عَقِيل.
قال الحارِثي: اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ.
وعنه، تَلْزَمُه قِيمَتُه يَوْمَ تَلَفِه.
وقيل: أكثرُهما.
يعْنِي أكثرُ القِيمَتَين؛ قِيمَتُه يَوْمَ البَدَلِ، وقِيمَتُه يومَ التَّلَفِ.
وعنه، يَوْمَ المُحاكَمَةِ.
وعنه؛ يَلْزَمُه قِيمَتُه يوم غَصْبِه.
وقيل: يَلْزَمُه أكثر القِيمَتَين؛ قِيمَتُه يوم الإعْوازِ، وقِيمَتُه يومَ الغصْبِ.
وهو تَخْرِيجٌ في «الهِدايَةِ» وغيرِها.
الجزء: 15 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد، إحْداها، إنْ قَدَرَ على المِثْل قبلَ أخْذِ القِيمَةِ، وَجَبَ ردُّ المِثْلِ.
قاله الأصحابُ.
وقال في «القاعِدَةِ السَّادِسَة عَشْرَةَ»: يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كلامُهم على ما إذا قَدَرَ على المِثْلِ عندَ الإِتْلافِ، ثم عَدِمَه.
أمَّا إنْ عَدِمَه ابْتِداءً، فلا يبْعُدُ أن يُخَرجَ في وُجوبِ أداءِ المِثْلِ خِلافٌ.
انتهى.
وإنْ كان بعدَ أخْذِها، أجْزَأتْ، ولا يَلْزَمُه ردُّها، وأخْذُ المِثْلِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: لم يَرُدَّ القِيمَةَ في الأصح.
قال في «التَّلْخيصِ»: لم يَرُدَّ القِيمَةَ على الأظْهَرِ.
وجزَم به في «الفائقِ»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقيل: يرُدُّه، ويأخُذُ المِثْلَ.
الثَّانيةُ، الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أن المِثْلِي هو المَكِيلُ والمَوزُونُ.
قال الحارِثِي: المذهبُ أنَّه كالمَكيلِ والمَوْزونِ.
كذلك نصَّ عليه، مِن رِوايَةِ إبْراهِيمَ بنِ هانِئ , وحَرْبِ بنِ إسْماعِيلَ.
وتقدَّم كلامُ القاضي، في السَّبِيكَةِ، ونحوها.
وقال في «المُجَرَّدِ»: الحَطَبُ، والخَشَبُ،
الجزء: 15 - الصفحة: 257
وَإنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ في بَلَدِهِ مِنْ نَقْدِهِ.
والحديدُ، والنحاسُ، والرصاصُ، ليس مِثْلِيًّا؛ لأنَّه 32 يَخْتَلِفُ.
قال الحارِثِي: وعُمومُ نصِّ أحمدَ على خِلافِه، وهو الصحيحُ.
انتهى.
وذكَر في «المُسْتَوْعِبِ»، أنَّ كلَّ ما لا يُضْبَطُ بالضِّفَةِ؛ كالربَويَّاتِ، والأشْرِبَةِ، والغالِيَةِ 33، غيرُ مِثْلِيٍّ؛ لاخْتِلافِه باخْتِلافِ المُرَكَباتِ والتَرْكيبِ.
قال الحارِثِي: والصَّوابُ إدْراجُه في المَنْصُوصِ؛ لأنَّه مَوْزون.
وقال الحارِثِي أَيضًا: ولَعَمْرِي، إنَّ اعتِبارَ المِثْلِيِّ بكلِّ ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ حسَن، والتَّشابُهُ في غيرِ المَكيلِ والمَوْزونِ مُمْكِن، فلا مانِعَ منه، وكذلك ما انْقَسَم بالأجْزاءِ بينَ الشَّرِيكَين مِن غيرِ تَقْويم، مُضافًا إلى هذا النَّوْعِ؛ لوُجودِ التماثُلِ، وانْتِفاءِ التَّخالُفِ.
انتهى.
الثَّالثةُ، الدَّراهِم المَغْشُوشَةُ الرائجَةُ مِثْلِيَّة؛ لتماثُلِها عُرْفًا , ولأنَّ أخْلاطَها غيرُ مَقْصُودَةٍ.
قاله الحارِثِي.
قوله: وإنْ لم يَكُنْ مِثْلِيًّا، ضَمِنَه بقِيمَتِه.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحاب.
وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
قال الحارِثِيُّ: هو قَوْلُ الأكْثَرِين.
وقد نصَّ عليه في الأَمَةِ مِن رِوايَةِ صالح، وحَنْبَل، ومُوسى بنِ سَعِيدٍ، ومحمدِ بنِ يَحْيى
الجزء: 15 - الصفحة: 258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكَحَّالِ، وفي الدَّابَّةِ مِن رِوايَةِ مُهَنَّا، وفي الثِّيابِ مِن رِوايَةِ الكَحَّالِ أَيضًا، وابنِ مُشَيش، ومُهَنَّا.
وعنه في الثَّوْبِ والعَصَا والقَصْعَةِ، ونحوها، يَضْمَنُها بالمِثْلِ، مُراعِيًا للقِيمَةِ.
اخْتارَه الشَّيخُ تَقِي الدِّين، وصاحِبُ «الفائقِ».
قال في رِوايَةِ مُوسى بنِ سعيدٍ: المِثْلُ في العَصا، والقَصْعَةِ إذا كُسِرَ، وفي الثوْبِ، وصاحِبُ الثَّوْبِ مُخَيَّر؛ إنْ شاءَ شقَّ الثَّوْبَ، وإنْ شاءَ مِثْلَه.
قال المُصَنِّفُ:
الجزء: 15 - الصفحة: 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَعْناه، والله أعلمُ؛ إنْ شاءَ أخَذ أرْش الشَّق.
قال الحارِثِيُّ: وفيه نظَر؛ فقد قال في رِوايَةِ الشَّالنْجِي: يَلْزَمُه المِثْلُ في العَصا، والقَصْعَةِ، والثَّوْبِ.
قلتُ: فلو كان الشَّقُّ قليلًا؟ قال: صاحِبُ الثَّوْبِ بالخِيارِ؛ قليلًا كان أو كثيرًا، وذكَر ذلك في «الفائقِ» وغيرِه.
وقال في «الفُروعِ» وعنه، يضْمَنُه بمِثْلِه.
[ذكَرَها ابنُ أبِي مُوسى، واخْتارَها شيخُنا.
قال في «الاخْتِياراتِ»: وهو المذهبُ عندَ ابنِ أبِي مُوسى.
قال الحارِثِيُّ: هو المذهبُ عندَ ابنِ أبِي مُوسى، واخْتارَه، وذكَر لَفْظَه في «الإرْشادِ».
قال الحارِثيُّ: وهو الحقُّ.
وعنه، يَضْمَنُه بمِثْلِه] 34. وعنه،
الجزء: 15 - الصفحة: 260
وَيَتَخَرَّجُ أنْ يَضْمَنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصَبَهُ.
يضمَنُه 35 في غيرِ الحَيوانِ بمِثْلِه.
ذَكره جماعة.
وذكَر في «الواضِح»، و «المُوجَزِ»، أنَّه ينْقُصُ عنه عَشَرةُ دَراهِمَ.
وذكَر في «الانْتِصارِ»، و «المُفْرَداتِ»، لو حكَم حاكِمٌ بغيرِ المِثْلِ في المِثْلِيِّ، وبغيرِ القِيمَةِ في المُتقَوَّمِ، لم ينْفُذْ حُكْمُه، ولم يَلْزَمْه قبُولُه.
ونقلَ ابنُ مَنْصُورٍ، في مَن كسَر خَلْخَالًا، أنَّه يُصْلِحُه.
قوله: ضَمِنَه بقِيمَتِه يَوْمَ تَلَفِه في بَلَدِه مِن نَقْدِه.
وهذا المذهبُ.
نقلَه الجماعَةُ عن أحمدَ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيح والمَشْهورُ.
وقال الزَّرْكَشِيُّ: هذا
الجزء: 15 - الصفحة: 261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَشْهورُ والمُخْتارُ عندَ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «نَظْم المُفْرَداتِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الحارِثِيِّ»، وغيرِهم.
ويتَخَرَّجُ أنْ يَضمَنَه بقِيمَتِه يومَ غَصْبِه.
وهو رِوايَة عن أحمدَ.
قال الحارِثِي: أوْرَدَ المُصَنِّف، وأبو الخَطَابِ هذا التَّخْريجَ مِن قَوْلِ أحمدَ، في حَوائجِ البَقَّالِ؛ يُعْطِيه على سِعْرِ يومِ أخَذَ.
وفرَّقَ بينَهما بأنَّ الحَوائجَ يَمْلِكُها الآخِذُ بأخْذِها، بخِلافِ المَغْصُوبِ.
انتهى.
وعنه، أكثَرِهما، يعْنِي أكثَرَ القِيمَتَينِ؛ قيمَتُه يَوْمَ تَلَفِه، ويَوْمَ غَصبِه.
قال الحارِثِيُّ: ومِنَ الأصحابِ مَن حكَى رِوايَةً بوجوبِ أقْصَى القِيَمِ؛ مِن يَوْم الغَصْبِ إلى يوم التَّلَفِ.
ونُسِبَ إلى الخِرَقِيِّ مِن قَوْلِه: ولو غصَبَها حامِلًا، فوَلَدَتْ في يَدِه، ثم ماتَ الوَلَدُ، أَخَذَها سيِّدُها، وقِيمَةَ وَلَدِها أكْثَرَ ما كانتْ قِيمَتُه.
وهو اخْتِيار السَّامَرِّي.
قال القاضي في «الروايتَين»: وما وَجَدْتُ رِوايَةً
الجزء: 15 - الصفحة: 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بما قال الخِرَقِي، وهو عندِي غيرُ مُنافٍ للأوَّلِ؛ فإنَّ قِيمَةَ الوَلَدِ بعدَ الولادَةِ تتَزايَدُ بتَزايُدِ تَرْبيَته؛ فيَكونُ يومَ مَوْتِه أكثر ما كانتْ، وعلى هذا يتَعَيَّنُ حَمْلُ ما قال؛ لأنَّه المَعْروفُ مِن نصِّ أحمدَ، وما عَداه مِن ذلك لا يُعْرَفُ مِن نصه.
انتهى.
فائدة: حُكْم المَقْبُوضِ بعَقْدٍ فاسِدٍ، وما جَرَى مَجْراه، حُكْم المَغْصُوبِ في اعْتِبارِ الضَّمانِ بيَوْمِ التَلَفِ، وكذا المتْلَفُ بلا غَصْبٍ، بغيرِ خِلافٍ.
قاله الحارِثِي.
وتقدَّمَتِ الإحالةُ على هذا المكانِ في آواخِر خِيارِ البَيعِ.
وقولُه: في بَلَدِه.
هو الصَّحِيحُ مِنَ المذهبِ.
أي في بَلَدِ غَصْبِه.
جزَم به في
الجزء: 15 - الصفحة: 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وعنه، تُعْتَبر القِيمَةُ مِن نَقْدِ البَلَدِ الذي تَلِفَ فيه؛ لأنَّه مَوْضِعُ ضَمانِه.
جزَم به في «الكافِيِ».
قال الحارِثِيُّ عنِ القَوْلِ الأوَّلِ: كذا قال أبو الخَطَّابِ، ومَن تابعَه.
وعلَّلَ بأنَّه مَحَل الضّمانِ، فاخْتَصَّ به دُونَ غيرِه.
قال: وفي هذا نَظر؛ فإنَّه إنَّما يتَمَشَّى على اعْتِبارِ الضَّمانِ بيَوْمِ الغَصْبِ؛ لأنَّه إذَنْ مَحِل الضَّمانِ، أمَّا على اعْتِبارِه بيَوْمِ التَّلَفِ، كما هو الصَّحيحُ، فالاعْتِبارُ إذَنْ إنَما هو بمَحِلِّ التَّلفِ؛ لأنَّه مَحِلُّ الضَّمانِ، حيثُ وُجِدَ
الجزء: 15 - الصفحة: 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سبَبُه فيه، فوَجَبَ الاعْتِبارُ به.
وقد أشارَ صاحِبُ «التَلْخيصِ» إلى ما قُلْنا؛ فإنَّه قال: لو غُصِبَ في بَلَدٍ، وتَلِفَ في بَلَدٍ آخَرَ، ولَقِيَه في ثالثٍ، كان له المُطالبَةُ بقِيمَةِ أيِّ البَلَدَين شاءَ؛ مِن بَلَدِ الغَصبِ والتَّلَفِ، إلا أنْ نقولَ: الاعْتِبارُ بيَوْمِ القَبْضٍ.
فيُطالبَ بالقِيمَةِ في بَلَدِ الغَصبِ.
انتهى.
قلت: قد صرَّح في «التَّلْخيصِ»، بأنه تُعْتَبر القِيمَةُ في بَلَدِ الغَصبِ، في هذا المَحَل في «كِتابِه»، فقال: وتُعْتَبر القِيمَةُ في بَلَدِ الغَصْبِ.
وعلى كِلا القَوْلَين؛ إنْ كان في البَلَدِ، نَقْدٌ، أخَذ منه، وإنْ كان فيه نُقود، أخَذ مِن غالِبِها.
صرح به الأصحابُ، إلَّا أن يكونَ من جِنْس المَغْصُوبِ؛ مِثْلَ المَصُوغِ، ونحوه، على ما يَأتِي.
فوائد؛ الأولَى، لو نُسِجَ غَزْلًا، أو عُجِنَ دَقيقًا، فقيل: حُكْمُه كذلك.
جزَم به في «الفائقِ».
وقيل: حُكْمُه كذلك، أو القِيمَةُ.
قال في «التَّلْخيص»: وهو أوْلَى عنْدِي.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
الثانيةُ، لا قِصاصَ في المال؛ مثل
الجزء: 15 - الصفحة: 265
فَإِنْ كَانَ مَصُوغًا أَوْ تِبْرًا تُخَالِفُ قِيمَتُهُ وَزْنَهُ، قَوَّمَهُ بِغَيرِ جِنْسِهِ.
شَقِّ ثَوْبِه، ونحوه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
ونقَل إسْماعِيلُ، ومُوسى بنُ سَعِيدٍ، والشَّالنْجِيُّ، وغيرُهم، أنَّه مُخَيَّر في ذلك.
واخْتارَه الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، وصاحِبُ «الفائقِ»، وابن أبِي مُوسي، وتقدم النَّقْل في ذلك قريبًا، في قَوْلِه: وإنْ لم يَكُنْ مِثْلِيًّا.
ويأتِي: هل يقْتَصُّ مِنَ اللطْمَةِ، ونحوها؟ في بابِ ما يُوجِبُ القِصاصَ.
الثالثةُ، لو غصَبَ جماعَة مُشاعًا، فرَدَّ واحِدٌ منهم سَهْمَ واحِدٍ إليه، لم يَجُزْ له؛ حتَّى يُعْطِيَ شُرَكاءَه.
نصَّ عليه.
وكذا لو صالحُوه عنه بمالٍ.
نقَلَه حَرْبٌ.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ أنَّه بَيعُ المُشاعِ.
الرَّابعةُ، لو زكَّاه رَبُّه، رجَع بها.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال: وظاهرُ كلامِ أبِي المَعالِي، لا يَرْجِعُ.
قال في «الفُروعِ»: وهو أظْهَرُ.
واخْتارَ صاحِبُ «الرِّعايةِ»، أنَّه كمَنْفَعَةٍ.
قوله: فإنْ كانَ مَصُوغًا أو تِبْرًا تُخالِفُ قِيمَتُه وَزْنَه، قَوَّمَه بغيرِ جِنْسِه.
هذا المذهبُ.
قال في «الرِّعايتَين»، و «النَّظْمِ»: قوَّمَه بغيرِ جِنْسِه، في الأصحِّ.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، وقال: قاله الشَّيخُ وغيرُه.
قال الحارِثِيُّ: هذا المَشْهورُ.
وقال القاضي: يجُوزُ تَقْويمُه بجِنْسِه.
واخْتارَه في «الفائقِ».
قال الحارِثِي: وهو قوْلُ القاضي، وابنِ
الجزء: 15 - الصفحة: 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقِيلٍ.
قال: وهو الأظْهَرُ.
وقال الحارِثِي: إذا اسْتَهْلَكَ ذهَبًا أو فِضَّةً، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكُونا مَضْرُوبَين، أوْ لا، فإنْ كانا مَضْرُوبَين، فمِثْلِيَّان، وإنْ كانا غيرَ مَضْرُوبَين، فلا يَخْلُو؛ إما أنْ يكُونا مَصُوغَين، أوْ لا، فإنْ لم يكُونا مَصُوغَين، فإنْ قيلَ بمِثْلِيّتِه، كما هو الصَوابُ، فيُضْمَنا بالمِثْلِ.
وإنْ قيلَ بتَقْويمِه، وهو الوارِدُ في الكتابِ، فإنْ كانَ مِن جِنْسِ نَقْدِ البَلَدِ، واسْتَوَيا زِنَةً وقِيمَةً، فمَضْمُونٌ بالزِّنَةِ مِن نَقْدِ البلَدِ.
وإنِ اخْتلَفا، وهي مَسْألةُ الكِتابِ، فمَضمُونٌ بغيرِ الجِنْسِ.
وذكَرَه القاضي أَيضًا، وابنُ عَقِيل، وغيرُهما.
وإنْ كان
الجزء: 15 - الصفحة: 267
فَإِنْ كَانَ مُحَلّى بِالنَّقْدَينِ مَعًا، قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا، وَأعْطَاهُ بِقِيمَتِهِ عَرْضًا.
مُغايِرًا لجِنْسِ نَقْدِ البَلَدِ، بأنْ كان المُتْلَفُ ذَهَبًا، ونَقْد البَلَدِ دَراهِمَ، أو بالعَكْسِ، ضُمِنَ بغالبِ نَقْدِ البَلَدِ.
وإنْ كانا مَصُوغَينِ؛ فإنْ قيلَ بالمِثْلِيَّةِ في مِثْلِه، كما تقدَّم، وجَب المِثْلُ زِنَةً وصُورَةً.
وإنْ قيلَ بالتَّقْويمِ، كما هو المَشْهورُ، فإنِ اتَّحَدا قِيمَةً ووَزْنًا لسُوءِ الصناعَةِ، ضُمِنَ بزِنَتِه مِن نَقْدِ البَلَدِ كيف كان، وإنِ اخْتلَفا، وَجَبَتِ القِيمَةُ مِن غيرِ الجِنْسِ.
وقال القاضي، وابنُ عَقِيل: يجوزُ أداءُ القِيمَةِ مِنَ الجِنْسِ.
وهو الأظْهَرُ.
انتهى.
تنبيه: مَحَلُّ هذا إذا كان مُباحَ الصناعَةِ، فأما مُحَرَّم الصناعَةِ؛ كالأوانِي وحَلْي الرِّجالِ المُحَرَّمِ، فإنَه لم يَجُزْ ضَمانُه بأكثْر مِن وَزْنِه، وَجْهًا واحِدًا.
قاله المُصَنِّفُ، والشارِحُ، والحارِثِي، وغيرُهم.
وعنه، يُضْمَنُ بقِيمَتِه.
ذكَرَها في «الرِّعايتَين»، وزادَ في «الكُبْرَى»، فقال: وقيلَ: إنْ جازَ اتِّخاذُه، ضُمِنَ كالمُباحَ، وإلَّا فلا.
قوله: فإن كانَ مُحَلّى بالنقْدَين مَعًا، قَوَّمَه بما شاءَ منهما، وأعْطاه بقِيمَتِه عَرْضًا.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «النَّظْمِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 268
وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَغْصُوب، فَنَقَصَتْ قِيمَةُ بَاقِيهِ؛ كَزَوْجَيْ خُفٍّ تَلِفَ أَحَدُهُمَا، فَعَلَيهِ رَدُّ الْبَاقِي وَقِيمَةُ التَّالِفِ وَأَرْشُ النَّقْصِ.
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ النَّقْصِ.
و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
قال الحارِثِيُّ: فالواجِبُ القِيمَةُ مِن غيرِ الجِنْسِ، وهو العَرْضُ مُقَوَّمًا بأيِّهما شاءَ.
وعلَّلَه، وقال: هذا على أصلِ المُصَنِّفِ ومُوافَقَتِه في المسْأَلةِ الأُولَى.
أمَّا على أصلِ القاضي ومَن وافَقَه، فجائزٌ تَضْمِينُه بالجِنْسِ، على ما مَرَّ.
انتهى.
قوله: وإنْ تَلِفَ بعضُ المَغْصُوبِ، فنَقَصَتْ قِيمَةُ باقِيه، كزَوْجَيْ خُفٍّ تَلِفَ
الجزء: 15 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحَدُهما، فعليه رَدُّ الباقِي، وقِيمَةُ التَّالِفِ، وأَرْشُ النَّقْصِ.
[هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
ونصَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما.
وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ» وغيرِها.
وقيل: لا يَلْزَمُه أَرْشُ النَّقْصِ] 36. قال الحارِثِيُّ: وهذا الوَجْهُ لا أصْلَ له، ولوَهائِه أعْرَضَ عنه غيرُ واحدٍ مِنَ الأصحابِ، مع الاطَّلاعِ على إيرادِ أبِي الخَطَّابِ له.
وأطْلَقهما في
الجزء: 15 - الصفحة: 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ».
الجزء: 15 - الصفحة: 271
وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا، فَأَبَقَ، أَوْ فَرَسًا فَشَرَدَ، أَوْ شَيئًا تَعَذَّرَ رَدُّهُ مَعَ بَقَائِهِ، ضَمِنَ قِيمَتَهُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيهِ بَعْدُ، رَدَّهُ وَأَخَذَ الْقِيمَةَ.
قوله: وإنْ غَصَبَ عَبْدًا فأبَقَ، أو فَرَسًا فشَرَدَ، أو شَيئًا تَعَذَّرَ رَدُّه مع بَقائِه، ضَمِنَ قِيمَتَه، فإنْ قدَر عليه بعدُ، رَدَّه، وأخَذَ القِيمَةَ.
وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقالوا: يرُدُّ القِيمَةَ للغاصِب بعَييها، إنْ كانتْ باقِيَةً، ويرُدُّ زَوائِدَها المُتَّصِلَةَ؛ مِن سِمَنٍ، ونحوه، ولا يَرُدُّ المُنْفَصِلَةَ.
بلا نِزاعٍ.
وإنْ كانتْ تالِفَةً، فمِثْلُها، إنْ كانتْ مِثْلِيَّةً، أو قِيمَتُها، إنْ كانت مُتَقَوَّمَةً.
وهل للغاصِبِ حَبْسُ العَينِ لاسْتِرْدادِ القِيمَةِ؟ قال في «التَّلْخيصِ»: يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
قال: وكذلك إذا اشْتَرَى شِراءً فاسِدًا، هل يَحْبِسُ المُشْتَرِي المَبِيعَ على ردِّ الثَّمَنِ؟ والصَّحِيحُ أنَّه لا يَحْبِسُ، بل يَدْفَعان إلى عَدْلٍ، ليُسْلِمَ إلى كلِّ واحدٍ ماله.
انتهى.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايةِ».
الجزء: 15 - الصفحة: 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: إذا أخَذَ المالِكُ القِيمَةَ مِنَ الغاصِبِ، مَلَكَها.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قاله المُصَنِّفُ وغيرُه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرهِ.
قال الحارِثِيُّ: قاله أصحابُنا.
وقال في «عُيونِ المَسائلِ» وغيرِها: لا يَمْلِكُها، وإنَّما حصَل بها الانْتِفاعُ في مُقابلَةِ ما فوَّتَه الغاصِبُ، فما اجتَمعَ البَدَلُ والمُبْدَلُ منه.
نقَلَه عنه في «الفُروعِ».
وقال الزَّرْكَشِيُّ: وقال القاضي في «التَّعْليقِ»: لا يَمْلِكُها، وإنَّما يُباحُ له الانْتِفاعُ بها بإزاءِ ما فاتَه مِن مَنافِعِ العَينِ المَغْصُوبَةِ.
قال القاضي يَعْقُوبُ في «تَعْليقِه»: لا يَمْلِكُها، وإنَّما جُعِلَ الانْتِفاعُ بها عِوَضًا 37 عمَّا فوَّته الغاصِبُ.
قال الحارِثِيُّ: يجبُ اعْتِبارُ القِيمَةِ بيَوْمِ التَّعَذُّر.
قال في «التَّلْخيصِ»: ولا يُجْبَرُ
الجزء: 15 - الصفحة: 274
وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ، فَعَلَيهِ قِيمَتُهُ.
فَإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا، رَدَّهُ، وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ.
المالِكُ على أخْذِها، ولا يصِحُّ الإِبراءُ منها، ولا يتَعلَّقُ الحقُّ بالبَدَلِ، فلا ينْتَقِلُ إلى الذِّمَّةِ، وإنَّما ثبَتَ جَوازُ الأخْذِ دَفْعًا للضَّرَرِ، فتوَقَّفَ على خِيَرَتِه.
فائدة: لا يَمْلِكُ الغاصِبُ العَينَ المَغْصُوبَةَ بدَفْعِ القِيمَةِ؛ فلا يَمْلِكُ أكسابَه، ولا يَعْتِقُ عليه لو كان قَرِيبَه، ويَسْتَحِقَه المالِكُ بنَمائِه المُتَّصِلِ والمُنْفَصِلِ.
وكذلك أُجْرَةُ مِثْلِه إلى حينِ دَفْعِ البدَلِ، على ما يأْتِي.
قوله: وإِنْ غصَب عَصِيرًا فتَخَمَّرَ، فعليه قِيمَتُه.
رأَيتُ في نُسْخَةٍ مَقْروءَةٍ على المُصَنِّف، وعليها خطُّه: فعليه قِيمَتُه.
وهو أحدُ الوَجْهَين.
جزَم به في
الجزء: 15 - الصفحة: 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الهِدايَةِ»، و «المُذْهَب»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
قال الحارِثِيُّ: وليس بالجَيِّدِ.
قلتُ: وهو بعيدٌ جِدًّا؛ لأنَّ له مِثْلًا.
والوَجْهُ الثَّاني، يَلْزَمُه مِثْلُه.
ورأَيتُ في نُسَخٍ: فعليه مِثْلُه.
وعليها شَرَحَ الشَّارِحُ، والحارِثِيُّ، وابنُ مُنَجَّى، وهو المذهبُ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «شَرْء الحارِثِيِّ»، و «الفائقِ».
وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
قوله: وإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا، رَدَّه، وما نقَص مِن قِيمَةِ العَصِيرِ.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحاب.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 276
فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَغْصُوب أُجْرَةٌ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ في يَدِهِ.
وَعَنْهُ، التَّوَقُّفُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ:
و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهما.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
وقال في «عُيونِ المَسائلِ»: لا يَلْزَمُه قِيمَةُ العَصِيرِ؛ لأنَّ الخَلَّ عينُه، كحَمَلٍ صارَ كَبْشًا.
وقال الحارِثِيُّ: وللشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ، يَمْلِكُه الغاصِبُ.
وهو الأقْوَى.
ونصَرَه بأدِلَّةٍ كثيرةٍ.
فائدة: لو غلَّى العَصِيرَ، فنقَصَ، غَرِمَ أرْشَ نَقْصِه، وكذا يَغْرَمُ نقْصَه.
علِى المذهبِ، وقاله الأصحابُ.
قال في «الفُروعِ»: وَيحْتَمِلُ أنَّه لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه ماءٌ.
قوله: وإنْ كانَ للمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ، فعلى الغاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِه مُدَّةَ مُقَامِه في يَدِه.
الجزء: 15 - الصفحة: 277
هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.
يَعْنِي، إذا كانتْ تصِحُّ إجارَتُه 38 هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه في قَضايا كثيرةٍ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، وغيرِه.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارثِيِّ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه التَّوَقُّفُ عن ذلك.
قال أبو بَكْرٍ: هذَا قَوْلٌ قديمٌ رجَع عنه؛ لأنَّ الرَّاويَ لها عنه محمدُ بنُ الحَكَمِ، وقد ماتَ قبلَ الإِمامِ أحمدَ بعِشْرين سَنةً.
قلتُ: مَوْتُه قبلَ الإِمامِ أحمدَ لا يدُلُّ على رُجوعِه، بل لا بُدَّ مِن دَليل يدُلُّ على رُجوعِه غيرِ ذلك.
ثم وَجَدْتُ الحارِثِيَّ قال قرِيبًا مِن ذلك، فقال: الاسْتِدْلالُ على الرُّجوعِ بتَقَدُّمِ وَفاةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ لا يصِحُّ، فإنَّ مَن تأَخَّرَتْ وَفاتُه مِنَ الجائزِ أنْ يكونَ منهم مَن سمِعَ قبلَ سَماعِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، لا سِيَّما أبو طالِبٍ، فإنَّه
الجزء: 15 - الصفحة: 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قديمُ الصُّحْبَةِ لأحمدَ.
قال: وأحْسَنُ منه التَّأَنُّسُ بما رُوِيَ أنَّ ابنَ مَنْصورٍ بلَغَه أنَّ أحمدَ رجَع عن بعضِ المَسائلِ التي علَّقَها، فجمَعَها في جِرابٍ وحمَلَها على ظَهْرِه، وخرَج إلى بَغْدادَ، وعرَضَ خُطُوطَ أحمدَ عليه في كلِّ مسْأَلَةٍ، فأَقَرَّ له بها ثانيًا.
فالظَّاهِرُ أنَّ ذلك كان بعدَ مَوْتِ ابنِ الحَكَمِ، وقبلَ وَفاةِ أحمدَ بيَسِيرٍ، وابنُ مَنْصورٍ ممَّن روَى الضَّمانَ، فيَكُونُ مُتَأخِّرًا عن رِوايَةِ ابنِ الحَكَمِ.
انتهى.
وتقدَّم نَظيرُ ذلك في البابِ عندَ قوْلِه: وإنْ غصَبَ ثَوْبًا فقَصَرَه، أو غَزْلًا فنَسَجَه.
قال في «الفُروعِ» هنا: ونقَل ابنُ الحَكَمِ، لا أُجْرَةَ مُطْلَقًا، يعْنِي، سواءٌ انْتَفَع
الجزء: 15 - الصفحة: 279
وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ إلَى وَقْتِ تَلَفِهِ.
وَإِنْ غَصَبَ شَيئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ، فَأَدَّى قِيمَتَهُ، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ إلى وَقْتِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ وَجْهَانِ.
به أوْ لا.
وظاهرُ «المُبْهِجِ» التَّفْرِقَةُ.
يعْنِي، إنِ انْتفَعَ به، فعليه الأُجْرَةُ، وإلَّا فلا.
واخْتارَه بعضُ الأصحابِ.
وجعَلَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ ظاهِرَ ما نُقِلَ عنه.
وقد نقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ، إنْ زرَع بلا إذْنٍ، فعليه أُجْرَةُ الأرْضِ بقَدْرِ ما اسْتعْمَلَها إلى ردِّه، أو إتْلافِه، أو رَدِّ قِيمَتِه.
فائدتان؛ إحْداهما، لو كانَ العَبْدُ ذا صنائِعَ، لَزِمَه أُجْرَةُ أعْلاها فقط.
الثَّانيةُ، مَنافِعُ المَقْبوضِ بعَقْدٍ فاسدٍ، كَمنافعِ المَغْصُوبِ؛ تُضْمَنُ بالفَواتِ والتَّفْويتِ.
تنبيه: قال الحارِثِيُّ: «أبو بَكْرٍ» المُبْهَمُ في الكِتابِ هو الخَلَّالُ.
وإطْلَاقُ «أبِي بَكْرٍ» في عُرْفِ الأصحابِ إنَّما هو أبو بَكْرٍ عَبْدُ العزيزِ، لا الخَلَّالُ، وإنْ كانَ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مِن كلامِ أبِي بَكْرٍ عَبْدِ العزِيزِ، كما قال، فإنَّه أدْخَلَ في «جامعِ الخَلَّالِ» شيئًا مِن كلامِه، فرُبَّما اشْتَبَه بكَلامِ الخَلَّالِ، إلَّا أنَّ القاضيَ، وابنَ عَقِيلٍ، وغيرَهما مِن أهْلِ المذهبِ، إنَّما حَكَوه عنِ الخَلَّالِ.
انتهى.
قوله: وإنْ غَصَبَ شَيئًا، فعَجَز عن رَدِّه فأَدَّى قِيمَتَه، فعليه أُجُرَتُه إلى وَقْتِ أَداءِ
الجزء: 15 - الصفحة: 280
فصْلٌ: وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ؛ كَالْحَجِّ، وَسَائِرِ
القِيمَةِ، وفيما بعدَه وَجْهان.
إنْ كانَ قبلَ أداءِ القِيمَةِ، فحُكْمُه حُكْمُ المَسْألةِ التي قبلَها، خِلافًا ومذهبًا.
وإنْ كانَ بعدَ أدائِها، فأطْلَقَ في وُجوبِها الوَجْهَين، وأطْلَقهما في «التَّلْخيص»، وقال: ذكَرَهما القاضي، وابنُ عَقِيلٍ؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه.
وهو الصّحيحُ مِنَ المذهبِ.
صحَّحه في «المُسْتَوْعِبِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «التَّصْحيحِ»، وغيرُهم.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
والوَجْهُ الثَّاني، يلْزَمُه؛ لأنَّ العَينَ باقيةٌ على مِلْكِ المغْصُوبِ منه والمَنْفَعَةَ.
فعلى هذا الوَجْهِ، تَلْزَمُه الأُجْرَةُ إلى ردِّه مع بَقائِه.
فائدة: قال في «الفُروعِ»: وظاهرُ كَلامِ الأصحابِ، أنَّه يضْمَنُ رائحةَ المِسْكِ ونحوَه، خِلافًا «للانْتِصارِ»، لا نقْدًا لتِجارَةٍ.
قلتُ: الذي يَنْبَغِي أنْ يُقْطَعَ بالضَّمانِ في ذَهابِ رائحةِ المِسْكِ، ونحوه.
قوله: وتَصرُّفَاتُ الغَاصِبِ الحُكْمِيَّةُ؛ كالحَجِّ وسائِرِ العِباداتِ، والعُقُودِ؛ كالبَيعِ والنِّكاحِ، ونحوها باطِلَةٌ في إحْدَى الروَايتَين.
وهي المذهبُ.
قال
الجزء: 15 - الصفحة: 281
الْعِبَادَاتِ، وَالْعُقُودِ؛ كَالْبَيعِ، وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوهَا، بَاطِلَةٌ في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، وَالْأُخْرَى صَحِيحَة.
الشَّارِحُ: هذا أظْهَرُ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ.
وصَحَّحه في «التَّصْحيحِ» وغيرِه.
قال في «التَّلْخيصِ»، في بابِ البَيعِ: وإنْ كثُرَتْ تَصرُّفاتُه في أعْيانِ المَغْصُوباتِ، يُحْكَمُ ببُطْلانِ الكُلِّ، على الأصحِّ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكْثَرُ.
ذكَرَه في كتابِ البَيعِ، في الشَّرْطِ السَّابعِ.
والأُخْرى، صحيحةٌ.
وعنه، تصِحُّ
الجزء: 15 - الصفحة: 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَوْقُوفَةً على الإِجازَةِ.
وأطْلَقهُنَّ في «الفائقِ»، وقال: وقيل: الصِّحَّةُ مُقَيَّدَةٌ بما لم يُبْطِلْه المالِكُ مِنَ العُقودِ.
انتهى.
قلتُ: قال الشَّارِحُ: وقد ذكَر شيخُنا في الكتابِ المَشْروحِ رِوايةً، أنَّها صحيحةٌ.
وذكَرَها أبو الخَطَّابِ، قال: وهذا يَنْبَغِي أن يَتَقيَّدَ في العُقودِ بما إذا لم يُبْطِلْه المالِكُ.
فأمَّا إنِ اخْتارَ المالِكُ إبْطاله، فأَخَذَ المَعْقُودَ عليه، فلا نعْلَمُ فيه خِلافًا.
وأمَّا ما لم يُدْرِكْه المالِكُ، فوَجْهُ التَّصْحيحِ فيه، أن الغاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُه وتكْثُرُ تصَرُّفاتُه، ففي القَضاءِ ببُطْلانِها ضرَرٌ كثيرٌ، ورُبَّما عادَ الضَّرَرُ على المالِكِ.
انتهى.
وقال ما قاله الشَّارِحُ، والقاضي في «خِلافِه»، وابنُ عَقِيلٍ.
نقَلَه عنهما في «الفائِدَةِ العِشْرِين»، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وأطْلَقَ الرِّوايَةَ مرَّةً كما هنا، ومرَّة قال: يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ, كما قال الشَّارِحُ.
وقال: وهو أشْبَهُ مِنَ الإِطْلاقِ.
قال الحارِثِيُّ: وهذه الرِّوايةُ لم أرَ مَن تقدَّم المُصَنِّفَ وأبا الخطَّابِ في إيرادِها.
وقال أيضًا: وأمَّا الصِّحَّةُ على الإِطْلاقِ، فلا أعْلَمُ به أيضًا، سِوَى نَصِّه على مِلْكِ المالِكِ، كرِبْحِ المالِ المَغْصُوبِ, كما سنُورِدُه في مسْألَةِ الرِّبْحِ.
وقال عن كلامِ المُصَنِّفِ في تَقْيِيدِ الرِّوايةِ: أمَّا طُولُ مُدَّةِ الغَصْبِ، وكَثْرةُ تصرُّفاتِ الغاصِبِ، فلا يَطَّرِدُ، بل كثيرٌ مِنَ المَغْصُوبِ لا يُتَصَرَّفُ فيه بَعقْدٍ أصْلًا، وبتَقْديرِ الاطِّرادِ غالِبًا.
تنبيهان؛ أحدُهما، بنَى المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وجماعةٌ، تصَرُّفَ الغاصِبِ، على تَصُّرفِ الفُضُولِيِّ، فأثْبَتَ فيه ما في تَصرُّفِ الفُضُولِيِّ، مِن رِوايةِ الانْعِقادِ مَوْقُوفًا على إجازَة المالِكِ.
قال الحارِثِيُّ: ومِن مُتَأَخِّرِي الأصحابِ مَن جعَل هذه التَّصَرُّفاتِ مِن نَفْسِ تصَرُّفاتِ الفُضُولِيِّ.
قال: وليس بشيءٍ.
ثم قال: ولا يصِحُّ إلحْاقُه بالفُضُولِيِّ.
وفرَّق بينَهما بفُروقٍ جيِّدَةٍ.
الثَّاني، هذا الخِلافُ المَحْكِيُّ في أصْلِ المَسْأَلةِ مِن حيثُ الجُمْلَةُ، وقد قَسَمَها المُصَنِّفُ
الجزء: 15 - الصفحة: 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِسْمَين؛ عِباداتٌ، وعُقُودٌ.
فالعِباداتُ فيها مَسَائلُ؛ منها، الوُضُوءُ بماءٍ مَغْصُوبٍ، والوُضُوءُ مِن إناءٍ مَغْصُوبٍ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ بماءٍ مَغْصوبٍ، وسَتْرُ العَوْرَةِ بثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، والصَّلاةُ في مَوْضِعٍ مَغْصوبٍ.
وقد تقدَّم ذلك مُسْتَوْفًى في كتابِ الطَّهارَةِ، والآنِيَةِ، وإزالةِ النَّجَاسةِ، وسَتْرِ العَوْرَةِ، واجْتِنابِ النَّجاسَةِ.
ومنها، الحَجُّ بمالٍ مَغْصُوبٍ, كما قال المُصَنِّفُ، والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يصِحُّ.
نصَّ عليه.
قال ابنُ أبِي مُوسى: وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
قال في «الخُلاصَةِ»: باطِلٌ على الأصحِّ.
قال الشَّارِحُ: باطِلٌ على الأظْهَرِ.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ.
قال في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: يَبْطُلُ في كلِّ عِبادَةٍ على الأصحِّ.
وصحَّحه النَّاظِمُ وغيرُه.
وقدَّمه الحارِثِيُّ وغيرُه.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: عنه، يُجْزِئُه مع الكَراهَةِ.
قاله ابنُ أبِي مُوسى.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ.
قال الحارِثِيُّ: وهو أقْوَى.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، فيَجِبُ بَدَلُ المالِ دَينًا في ذِمَّتِه.
ومنها، الهَدْيُ المَغْصُوبُ لا يُجْزِئُ.
صرَّح به الأصحابُ.
ونصَّ عليه في رِوايةِ عليِّ بنِ سَعِيدٍ.
وعنه، الصِّحَّةُ مَوْقُوفَةٌ على إجازَةِ المالِكِ.
ونصَّ الإِمامُ أحمدُ على الفَرْقِ بينَ أنْ يَعْلَمَ أنَّها لغيرِه، فلا يُجْزِئُه، وبينَ أنْ يظُنَّ أنَّها لنَفْسِه، فيُجْزِئَه، في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ، وسِنْدِيٍّ.
وسوَّى كثيرٌ مِنَ الأصحابِ بينَهما في حِكَايةِ الخِلافِ.
قال في «الفائِدَةِ العِشْرِين»: ولا يصِحُّ.
وإنْ كان الثَّمَنُ مَغْصُوبًا، لم يُجْزِئْه أيضًا؛ اشْتَراه بالعَينِ، أو في الذِّمَّةِ.
قاله الحارِثِيُّ.
قلتُ: لو قيلَ بالإِجْزاءِ إذا اشْتَراه في الذِّمَّةِ، لكانَ مُتَّجِهًا.
ومنها، لو أوْقَع الطَّوافَ، أو السَّعْيَ، أو الوُقوفَ على الدَّابَّةِ
الجزء: 15 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَغْصُوبَةِ، ففي الصِّحَّةِ رِوايتَا الصَّلاةِ 39 في البُقْعَةِ المَغْصُوبَةِ.
قاله الحارِثِيُّ.
قلتُ: النَّفْسُ تمِيل إلى صِحَّةِ الوُقوفِ على الدَّابَّةِ المَغْصُوبَةِ.
ومنها، أداءُ المالِ المَغْصُوبِ في الزَّكاةِ غيرُ مُجْزِئُ.
قال الحارِثِيُّ: ثم إنَّ أبا الخَطَّابِ صرَّح بجَرَيانِ الخِلافِ في الزَّكاةِ، وتَبِعَه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وغيرُه مِنَ الأصحابِ, كما انْتَظَمَه عُمومُ إيرادِ الكِتابِ.
فإنْ أُرِيدَ به ما ذكَرْنا مِن أداءِ المَغْصُوبِ عنِ الغاصِبِ، وهو الصَّحيحُ، فهذا شيءٌ لا يقْبَلُ نِزاعًا أَلْبَتَّةَ؛ لما فيه مِنَ النَّصِّ، فلا يُتَوَهَّمُ خِلافُه.
وإنْ أُرِيدَ به الأداءُ عنِ المالِكِ، بأنْ أخْرَجَ عنه مِنَ النِّصابِ المَغْصُوبِ، وهو بعيدٌ جدًّا، فإنَّ الواقِع مِنَ التَّصَرُّفِ للعِبادَةِ إنَّما يكونُ عنِ الغاصِبِ نَفْسِه؛ فلا يُقْبَلُ أَيضًا، خِلافًا لاتِّفاقِنا على اعْتِبارِ نِيَّةِ المالِكِ، إلَّا أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الأداءِ، فيَقْهَرَه الإِمامُ على الأخْذِ منه، فيُجْزِئَ في الظَّاهِرِ، وليس هذا بواحِدٍ مِنَ الأَمْرَين، فلا يُجْزِئُ بوَجْهٍ.
ومنها، كلُّ صَدَقَةٍ؛ مِن كفَّارَةٍ، أو نَذْرٍ، أو غيرِهما، كالزَّكاةِ سَواءً.
ومنها، عِتْقُ المَغْصوبِ لا يَنْفُذُ، بلا خِلافٍ في المذهبِ.
ونصَّ عليه.
قاله الحارِثِيُّ.
ومنها، الوَقْفُ لا ينْفُذُ في المَغْصُوبِ، قَوْلًا واحِدًا.
لكِنْ لو كان ثَمَنُ المُعْتَقِ أو الموْقُوفِ مَغْصوبًا؛ فإنِ اشْتَرَى بعَينِ المالِ، لم يَنْفُذْ، [وإنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، ثم نقَدَه، فإنْ قيلَ بعَدَمِ إفادَةِ المِلْكِ، لم يَنْفُذْ] 40، وإنْ قيلَ بالإِفادَةِ، نفَذ العِتْقُ والوَقْفُ.
قاله الحارِثِيُّ.
وأمَّا العُقودُ؛ مِنَ البَيعِ، والإِجارَةِ، والنَّكاحِ، ونحوها، فالعَقْدُ باطِلٌ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، ونصَّ عليه.
وعليه الأصحابُ.
وتقدَّم حِكايَةُ الرِّوايةِ بالصِّحَّةِ، والكلامُ عليها، والرِّوايَةُ بالوَقْفِ على الإِجازَةِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 285
وَإِنِ اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فَالرِّبْحُ لِمَالِكِهَا.
[تنبيه: قوْلُه: وتَصَرُّفاتُ الغاصِبِ الحُكْمِيَّةُ.
أي التي يُحْكَمُ عليها بصِحَّةٍ أو فَسادٍ.
احْتِرازًا مِن غيرِ الحُكْمِيَّةِ، كإتْلافِ المَغْصُودبِ، كأكْلِه الطَّعامَ، أو إشْعالِه الشَّمْعَ، ونحوهما، وكَلُبْسِه الثَّوْبَ، ونحوه، فإن هذا لا يُقالُ فيه صحيحٌ ولا فاسِدٌ.
واللهُ أعلمُ.
قال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ 41»: وقوْلُه: الحُكْمِيَّةُ احْتِرازٌ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الصُّورِيَّةِ.
فالحُكْمِيَّةُ؛ ما له حُكْمٌ من صِحَّةٍ وفَسادٍ؛ كالبَيعِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، ونحوه.
والصُّورِيَّةُ، كطَحْنِ الحَبِّ، ونَسْجِ الغَزْلِ، ونَجْرِ الخَشَبِ، ونحوه.
انتهى.
وهو كالذي قبلَه] 42.
قوله: وإِن اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فالرِّبْحُ لمالِكِها.
يعْنِي، إذا اتَّجَرَ بعَينِ المالِ، أو بثَمَنِ الأعْيانِ المَغْصُوبَةِ، فالمالُ ورِبْحُه لمالِكِها.
وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، ونصَّ عليه، ونقَلَه الجماعَةُ، وعليه الأصحابُ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: قال أصحابُنا: الرِّبْحُ للمالِكِ، والسِّلَعُ المُشْتَراةُ له.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
واحْتَجَّ أحمدُ بخَبَرِ
الجزء: 15 - الصفحة: 286
وَإِنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِهِ ثُم نَقَدَهَا، فَكَذَلِكَ.
وَعَنْهُ، الرِّبْحُ لِلْمُشْتَرِي.
عُرْوَةَ بنِ الجَعْدِ 43. ونقَل حَرْبٌ في خَبَرِ عُرْوةَ، إنَّما جازَ؛ لأنَّه، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، جوَّزَه له.
وقيَّد جماعةٌ؛ منهم صاحِبُ «الفُنونِ»، و «التَّرْغيبِ» الرِّبْحَ للمالِكِ، إنْ صحَّ الشِّراءُ، وأطْلَقَ الأكْثَرُ.
وقال الحارِثِيُّ: ويتَخَرَّجُ مِنَ القَوْلِ ببُطْلانِ التَّصُّرفِ رِوايَةٌ بعَدَمِ المِلْكِ للرِّبْحِ، وهو الأقْوَى.
انتهى.
وعنه، يتَصَدَّقُ به.
وقيل: لا يصِحُّ بعَينه، إنْ قُلْنا: النُّقودُ تَتَعيَّنُ بالتَّعْيِينَ.
قوله: وإنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه، ثم نقَدَها، فكذلك.
يعْنِي، الرِّبْحُ للمالِكِ أيضًا.
واعْلمْ أنَّه إذا اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، أو باعَ سَلَمًا، ثم أقْبَضَ المَغْصُوبَ ورَبِحَ، فالعَقْدُ صحيحٌ، على المذهب، والإقْباضُ فاسِدٌ.
بمَعْنَى، أنَّه غيرُ مُبْرِئُ، وصِحَّةُ العَقْدِ نصَّ عليها في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ.
وحكَى القاضي في «التَّعْليقِ الكبيرِ» وَجْهًا، يكونُ العَقْدُ مَوْقوفًا على إجازَةِ المالِكِ؛ إنْ أجازَه، صحَّ، وإلَّا بَطَلَ.
الجزء: 15 - الصفحة: 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: وهو أصحُّ ما يُقالُ في المَسْأَلَةِ.
قال الحارِثِيُّ: وهو مأْخُوذٌ مِن مِثْلِه في مَسْألَةِ المفُضولِيِّ.
قال: وهو مُشْكِلٌ؛ إذْ كيف يَقِفُ تصَرُّفُ الإِنْسانِ لنَفْسِه على إجازَةِ غيرِه؟ انتهى.
وأمَّا الرِّبْحُ، فقدَّم المُصَنِّفُ هنا أنَّه للمالِكِ، وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال الشَّارِحُ: هذا المَشْهورُ في المذهبِ.
قال الحارِثِيُّ: هو ظاهِرُ المذهبِ.
وجزَم به جماهيرُ الأصحابِ، حتى أبو الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ».
انتهى.
وجزَم به في «الإرْشادِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهم.
وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وقال في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»: إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه بنِيَّةِ نقْدِها، فالرِّبْحُ للمالِكِ.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
وعنه، الرِّبْحُ للمُشْتَرِي.
وهو احْتِمالٌ في «الشَّرْحِ»، وهو قِياسُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأَقْوَى.
فعليها، يجوزُ له الوَطْءُ.
ونقَلَه المَرُّوذِيُّ.
وعلى هذا، إنْ أرادَ التَّخَلُّصَ مِن شُبْهَةٍ بيَدِه،
الجزء: 15 - الصفحة: 288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اشْتَرى في ذِمَّتِه، ثم نقَدَها.
وقاله القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
وذكَرَه عن أحمدَ.
فوائد؛ الأُولَى، لو اتَّجَرَ بالوَدِيعَةِ، فالرِّبْحُ للمالِكِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، ونصَّ عليه في رِوايَةِ الجماعةِ.
ونقَل حَنْبَلٌ، ليس لواحِدٍ منهما، ويتَصَدَّقُ به.
قال الحارِثِيُّ: وهذا مِن أحمدَ مُقْتَضٍ لبُطْلانِ العَقْدِ، وذلك وَفْقَ المذهبِ المُخْتارِ في تَصَرُّفِ الغاصِبِ، وهو أقْوَى.
انتهى.
الثَّانيةُ، لو قارَضَ بالمَغْصوبِ، أو الوَدِيعَةِ، فالرِّبْحُ على ما تقدَّم، ولا شيءَ للعامِلِ على المالِكِ، وإنْ عَلِمَ، فلا شيءَ له على الغاصِبِ أيضًا، وإلَّا فله عليه أُجْرَةُ المِثْلِ.
الثَّالثةُ، إجارَةُ الغاصِبِ للمَغْصُوبِ.
وهو كالبَيعِ, تقدَّم، وهو داخِلٌ في كلامِ المُصَنِّفِ، والأُجْرَةُ للمالِكِ.
نصَّ عليه.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ المُسَمَّى هو الواجِبُ للمالِكِ.
قاله الحارِثِيُّ.
وقال المُصَنِّفُ وغيرُه: إنَّ الواجِبَ أُجْرَةُ المِثْلِ.
قال
الجزء: 15 - الصفحة: 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحارِثِيُّ: وهو أقْوَى.
الرَّابعةُ، لو أنْكَحَ الأَمَةَ المَغْصوبَةَ، ففي البُطْلانِ والصِّحَّةِ ما قاله المُصَنِّفُ في المَتْنِ.
قال الحارِثِيُّ: والتَّصْحيحُ لا أصْلَ له؛ فإنَّه مُقْتَضٍ لنَفْي اشْتِراطِ الوَلِيِّ في النِّكاحِ، وهو خِلافُ المذهبِ.
لكِنْ قد يقْرُبُ إجْراؤُه مَجْرَى الفُضُولِيِّ، فتأْتِي رِوايَةُ الانْعِقادِ مع الإِجازَةِ.
الخامسةُ، لو وَهَبَ المَغْصُوبَ، ففيه الخِلافُ السَّابِقُ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ البُطْلانُ، على ما تقدَّم.
السَّادِسَةُ، تذْكِيَةُ الغاصبِ الحَيوانَ المَأْكُولَ.
وفي إفادتِها لحِلِّ الأكْلِ رِوايَتان؛ إحْداهما، هو مَيتَةٌ، لا يَحِلُّ أكْلُه مُطْلَقًا.
جزَم به أبو بَكْرٍ في «التنبِيهِ».
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يحِلُّ.
قال الحارِثِيُّ: وهو قَوْلُ الأَكْثَرِين.
انتهى.
وهذا المذهبُ، وهو قَوْلُ غيرِ أبِي بَكْرٍ مِنَ الأصحابِ.
قاله في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ بعدَ المِائَةِ».
[وقد نبَّهَ عليه المُصَنِّفُ قبلَ ذلك، فيما إذا ذَبَحَ الشَّاةَ وشَواها] 44. ويأْتِي نَظِيرُ ذلك في ذَبْحِ السَّارِقِ الحَيوانَ المَسْروقَ، في بابِ القَطْعِ في السَّرِقَةِ.
ومِن جُمْلَةِ المَسائلِ المُتَعَلِّقَةِ بذلك؛ التَّذْكِيَةُ بالآلةِ المَغْصُوبَةِ، وكذلك التَّزَوُّجُ بمالٍ مَغْصُوبٍ.
وفي كل واحِدٍ منهما خِلافٌ يأْتِي.
الجزء: 15 - الصفحة: 290
وَإِنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ صِنَاعَةٍ فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ.
قوله: وإنِ اخْتَلَفا في قِيمَةِ المَغْصُوبِ، أو قَدْرِه، أو صِناعَةٍ فيه، فالقَوْلُ قَوْلُ الغاصِبِ.
لا أعلمُ فيه خِلافًا.
فائدة: لو اخْتَلَفا في تَلَفِ المَغْصُوبِ، فالقَوْلُ قَوْلُ الغاصِبِ في تَلَفِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: قُبِلَ قَوْلُ الغاصِبِ في الأصحِّ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما.
وقدَّمه الحارِثِيُّ.
وقيل: القَوْلُ قَوْلُ المالِكِ.
اخْتارَه الحارِثِيُّ.
وهما احْتِمالان مُطْلَقان في «التَّلْخيصِ».
فعلى المذهبِ، للمَغْصُوبِ منه أنْ يُطالِبَ الغاصِبَ ببَدَلِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الفرُوعِ».
وصحّحه الحارِثِيُّ، واخْتارَه المُصَنِّفُ.
وقيل: ليس له مُطالبَتُه؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه.
الجزء: 15 - الصفحة: 291
وَإِنِ اخْتَلَفَا في رَدِّهِ، أَوْ عَيبٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.
قوله: وإِنِ اخْتَلَفا في رَدِّه، أو عَيبٍ، فالقَوْلُ قَوْلُ المالِكِ.
بلا نِزاعٍ أعْلَمُه.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الوَجيز»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
لكِنْ لو شاهَدَتِ البَيِّنَةُ العَبْدَ مَعِيبًا عندَ الغاصِبِ، فقال.
المالِكُ: حدَثَ عندَ الغاصِبِ.
وقال الغاصِبُ: بل كانَ فيه قبلَ غَصْبِه.
فالقَوْلُ قَولُ الغاصِبِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «المُغْنِي» وغيرِه.
وقدَّمه في «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الشَّرْحِ»، وقال: ويتَخَرَّجُ أنَّ القَوْلَ قوْلُ المالِكِ.
كما لو تَبايَعا واخْتلَفا في عَيبٍ؛ هل كان عندَ البائعِ، أو حدَثَ عندَ المُشْتَرِي؟ فإنَّ فيه رِوايةً، أنَّ القَوْلَ قَولُ البائعَ.
كذلك هذا؛ إذِ الأصْلُ السَّلامَةُ، وتأَخَّرَ
الجزء: 15 - الصفحة: 292
وَإِنْ بَقِيَتْ في يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يَعْرفُ أَرْبَابَهَا، تَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ، بِشرْطِ الضَّمَانِ، كَاللُّقَطَةِ.
الحُدوثُ عن وَقْتِ الغَصْبِ.
انتهى.
قلتُ: هذه الرِّوايةُ اخْتارَها جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ هناك، على ما تقدَّم في الخِيارِ في العَيبِ.
قوله: وإِنْ بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوبٌ لا يَعْرِفُ أَرْبابَها، تَصَدَّقَ بها عنهم، بشَرْطِ الضَّمانِ، كاللُّقَطَةِ.
إذا بَقِيَ في يَدِه غُصُوبٌ لا يَعْرِفُ أصحابَها، فسَلَّمَها إلى الحاكمِ، بَرِئَ من عُهْدَتِها، بلا نِزاعٍ.
ويجوزُ له الصَّدَقَةُ بها عنهم بشَرْطِ ضَمانِها، ويَسْقُطُ عنه إثْمُ الغَصْبِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه
الجزء: 15 - الصفحة: 293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابُ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
قال في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والتِّسْعِين»: لم يذكُرْ أصحابُنا فيه خِلافًا.
وقال في «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ بعدَ المِائَةِ»: ويتَصَدَّقُ بها عنه، على الصَّحيحِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهما.
نقَل المَرُّوذِيُّ، يُعْجِبُنِي الصَّدقَةُ بها.
وقال في «الغُنْيَةِ»: عليه ذلك.
ونقَل أيضًا، على فُقراءِ مَكانِه، إنْ عرَفَه.
ونقَل صالِحٌ، أو بقِيمَتِه.
وله شِراءُ عَرْضٍ بنَقْدٍ، ويتَصَدَّق به، ولا تجوزُ مُحاباةُ قَريبٍ وغيرِه.
نصَّ عليهما.
وظاهرُ نَقْلِ حَرْبٍ، في الثَّانِيَةِ، الكَراهَةُ.
قال في «الفُروعِ» وهو ظاهرُ كلامِهم في غيرِ مَوْضِعٍ.
انتهى.
وعنه، ليس له الصَّدَقَةُ بها.
ذكَرَها القاضي في كتابِ «الرِّوايتَين».
وهو تخْرِيج في «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ».
فائدتان؛ إحْداهما، قال الحارِثِيُّ وغيرُه: وكذا الرُّهونُ، والوَدائِعُ، وسائرُ الأماناتِ، كالأَمْوالِ المُحَرَّمَةِ فيما ذكَرْنا.
وذكَر نُصوصًا في ذلك.
وتقدَّم حُكْمُ الرُّهونِ في آخِرِ الرَّهْنِ، ويأْتِي قريبًا مِن ذلك، في بابِ أدَبِ القاضي، عندَ حُكْمِ الهَدِيَّةِ، والرِّشْوَةِ، وتأْتِي مسْأَلةُ الوَدِيعَةِ في بابِها، وهل يَلْزَمُ الحاكِمَ الأخْذُ، أم
الجزء: 15 - الصفحة: 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا؟ الثَّانيةُ، لا يجوزُ لمَن هذه الأشْياءُ في يَدِه، وقُلْنا: له الصَّدَقَةُ بها.
أنْ يأْخُذَ منها لنَفْسِه إذا كان مِن أهْلِ الصَّدَقَةِ.
نصَّ عليه.
وخرَّج القاضي جَوازَ الأكْلِ منها إذا كان فَقِيرًا، على الرِّوايتَين في شِراءِ الوَصِيِّ مِن نَفْسِه.
نقَلَه عنه ابنُ عَقِيلٍ في «فُنونِه»، وأفْتَى به الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في الغاصِبِ إذا تابَ.
تنبيه: ظاهرُ قوْلِه: لا يعْرِفُ أرْبابَها.
أنَّه لا يتَصَدَّقُ بها إلَّا مع عدَمِ مَعْرِفَةِ أرْبابِها، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا، وهو المذهبُ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
ونقَل الأثْرَمُ وغيرُه، له الصَّدَقَةُ بها إذا عَلِمَ ربَّها، وشَقَّ دَفْعُه إليه، وهو يَسِيرٌ، كحَبَّةٍ.
وقطَع به في «القاعِدَةِ السَّابعَةِ والتِّسْعِين»، فقال: له الصَّدقَةُ به عنه.
نصَّ عليه في مَواضِعِ.
وقال الحارِثِيُّ: إذا عَلِمَ الغاصِبُ المالِكَ، فهنا حالتان؛ إحْداهما، انْقِطاعُ خبَرِه لغيبَةٍ؛ إمَّا ظاهِرُها السَّلامَةُ؛ كالتِّجارَةِ، والسِّياحَةِ، ومضَتْ مُدَّةُ الإياسِ، ولا وارِثَ له، تصَدَّقَ بها كما لو جَهِلَ.
نصَّ عليه.
وإمَّا ظاهِرها الهَلاكُ؛ كالمَفْقُودِ مِن بينِ أهْلِه، أو في مَهْلَكَةٍ، أو بينَ الصَّفَّين، ونحوه، وكذلك أرْبَعُ سِنِين، وأربعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، ولا وارِثَ له، تصَدَّقَ به أيضًا.
نصَّ عليه.
وإنْ كان له وارِثٌ، سلَّمَ إليه.
وأنْكَرَ أبو بَكْرٍ الزِّيادَةَ على الأرْبَعِ سِنِين، وقال: لا مَعْنًى للأرْبعَةِ أشْهُرٍ في ذلك.
قال القاضي وغيرُه: أصْلُ المَسْأَلةِ، هل يُقْسَمُ مالُ المَفْقُودِ للمُدَّةِ التي تُباحُ زَوْجَتُه فيها، أو لأرْبَعِ سِنِين فقط؟ على رِوايتَين.
وإنْ لم تَمْضِ المُدَّةُ المُعْتَبَرَةُ، ففي المالِ المُحَرَّمِ يتَعَيَّنُ التَّسْليمُ إلى الحاكمِ مِن غيرِ انْتِظارٍ.
وأمَّا ما اؤْتُمِنَ عليه؛ كالوَدِيعَةِ، والرَّهْنِ، فليس عليه الدَّفْعُ إليه.
الحالةُ الثَّانيةُ، أنْ يعْلَمَ وُجودَه، فإنْ كان غائِبًا، سلَّمَ إلى وَكِيلِه، وإلَّا فإلى الحاكمِ، وإنْ كان حاضِرًا، فإليه أو إلى وَكِيلِه.
وإنْ عَلِمَ مَوْتَه، فإلى وَرَثَتِه، فإن لم يكُنْ له وَرَثَةٌ، تصَدَّقَ به.
نصَّ عليه.
ولا يكون لبَيتِ المالِ فيه شيءٌ.
ويأْتِي
الجزء: 15 - الصفحة: 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا كسَبَ مالًا حَرامًا برِضَا الدَّافِعِ، ونحوُه، في بابِ أدَبِ القاضي، عندَ الكلامِ على الهَدِيَّةِ للحاكمِ.
تنبيه: قوْلُ المُصَنِّف: كاللُّقَطَةِ.
قال الحارِثِيُّ: الأَلْيَقُ فيه التَّشْبِيهُ بأصْلِ الضَّمانِ، لا في مَضْمُونِ الصَّدَقَةِ والضَّمانِ، فإنَّ المذهبَ في اللُّقَطَةِ التَّمَلُّكُ لا التَّصَدُّقُ.
انتهى.
قلتُ: بل الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ جَوازُ التَّصَدُّقِ باللُّقَطَةِ التي لا تُمْلَكُ بالتَّعْريفِ، على ما يأْتِي مِن كلامِ المُصَنِّفِ في اللُّقَطَةِ.
قال الشَّارِحُ هنا: وعنه في اللُّقَطَةِ، لا تجوزُ الصَّدَقَةُ بها.
فيتَخَرَّجُ هنا مِثْلُه.
فوائد؛ إحْداها، قال في «الفُروعِ»: لم يذْكُرِ الأصحابُ في ذلك سِوَى الصَّدَقَةِ بها.
ونقَل إبْراهِيمُ بنُ هانِئٍ، يتَصَدَّقُ بها، أو يَشْتَرِي بها كِراعًا، أو سِلاحًا يُوقَفُ، هو مَصْلَحَةٌ للمُسْلِمين.
انتهى.
قلتُ: قد ذكَر ذلك الحارِثِيُّ، وقال عن ذلك: يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصَّدَقَةِ.
انتهى.
قال في «الفُروعِ»: وسألَه جَعْفَرٌ 45 عن مَن ماتَ، وكان يدْخُلُ في أُمُورٍ تُكْرَهُ، فيُرِيدُ بعضُ وَلَدِه التَّنَزُّهَ؟ فقال إذا دفَعَها إلى المَساكِينِ، فأيُّ شَيءٍ بَقِيَ عليه؟ واسْتَحْسَنَ أنْ يُوقِفَها على المَساكِينِ.
ويتَوَجَّهُ على أفْضَلِ البِرِّ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تُصْرَف في المصَالِحِ.
وقاله في وَديعَةٍ، وغيرِها، وقال: قاله العُلَماءُ، وأنَّه مذهبُنا، ومذهبُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالكٍ.
وهذا مُرادُ أصحابِنا؛ لأنَّ الكُلَّ صَدَقَةٌ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَن تَصَرَّفَ فيه بولايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، لم يضْمَنْ.
وقال: ليس لصاحِبِه، إذا عُرِفَ، ردُّ المُعاوَضَةِ؛ لثُبوتِ الولايَةِ عليها شَرْعًا للحاجَةِ، كمَن ماتَ ولا وَلِيَّ له ولا حاكِمَ.
مع أنَّه ذكَر أنَّ مذهبَ أحمدَ وَقْفُ العَقْدِ للحاجَةِ؛ لفَقْدِ المالكِ،
الجزء: 15 - الصفحة: 296
فَصْلٌ: وَمَنْ أَتْلَفَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيرِه، ضَمِنَهُ.
ولغيرِ حاجَةٍ، الرِّوايَتان.
وقال في مَنِ اشْتَرَى مال مُسْلِمٍ مِنَ التَّتَرَ لمَّا دخَلُوا الشَّامَ: إنْ لم يُعْرَفْ صاحِبُه، صُرِفَ في المَصالِحِ، وأُعْطِيَ مُشْتَرِيه ما اشْتَراه به؛ لأنَّه لم يَصِرْ لها إلَّا بنَفقَتِه، وإنْ لم يقْصِدْ ذلك.
كما رجَّحه في مَنِ اتَّجَرَ بمالِ غيرِه، ورَبِحَ.
ونصَّ في وَدِيعَةٍ، تُنْتَظَرُ, كمالِ مَفْقُودٍ، وأنَّ جائزَةَ الإِمامِ أحَبُّ إليه مِنَ الصَّدَقَةِ.
قال القاضي: إنْ لم يعْرِفْ أنَّ عَينَه مَغْصوبٌ، فله قَبُولُه.
وسوَّى ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه بينَ وَدِيعَةٍ وغَصْبٍ، وذكَرَهما الحَلْوانِيُّ، كرَهْنٍ.
الثَّانيةُ، إذا تصدَّقَ بالمالِ، ثم حضَر المالِكُ، خُيِّرَ بينَ الأَجْرِ وبينَ الأخْذِ مِنَ المُتَصَدِّقِ؛ فإنِ اخْتارَ الأَجْرَ، فذاك وإنِ اخْتارَ الأخْذَ، فله ذلك، والأَجْرُ للغارِمِ.
نصَّ عليه في الرَّهْنِ، قاله الحارِثِيُّ.
الثَّالثةُ، إذا لم يَبْقَ دِرْهَمٌ مُباحٌ، فقال في «النَّوادِرِ»: يأْكُلُ عادَتَه، لا ما له عنه غُنْيَةٌ؛ كحَلْواءَ، وفاكِهَةٍ.
قوله: ومَن أَتْلَفَ مالًا مُحْتَرَمًا لغيرِه، ضَمِنَه.
سواءٌ كان عَمْدًا أو سَهْوًا.
ومَفْهومُه، أن غيرَ المُحْتَرَمِ لا يضْمَنُه؛ كمالِ الحَرْبِيِّ، والصَّائلِ، والعَبْدِ في حالِ قَطْعِه الطَّرِيقَ، ونحوه.
وهو كذلك.
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن قوْلِه: ومَن أتْلَفَ مالًا مُحْتَرَمًا، ضَمِنَه.
الحَرْبِيُّ إذا أتْلَفَ مال المُسْلِم، فإنَّه لا يضْمَنُه.
الجزء: 15 - الصفحة: 297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ منها، قال في «الفائقِ»: قلتُ: ولو أتْلَفَ لغيرهِ وَثِيقَةً بمالٍ، لا يثْبُتُ ذلك المالُ إلَّا بها ففي إلْزامِه ما تضَمَّنَتْه احْتِمالان؛ أحدُهما، يَلْزَمُه، كقْولِ المالِكِيَّةِ.
انتهى.
قلتُ: وهذا الصَّوابُ.
وقال في «الفُروعِ»، في بابِ القَطعِ في السَّرِقَةِ: وإنْ سَرَق فَرْدَ خُفٍّ، قِيمَةُ كلِّ واحدٍ منهما مُنْفرِدًا دِرْهَمان، ومعًا عَشَرَةٌ، ضَمِنَ ثَمانِيةً؛ قِيمَةُ المُتْلَفِ خَمْسَةٌ، ونقْصُ التَّفْرِقَةِ ثَلاثةٌ.
وقيل: دِرْهَمَين، ولا قَطْعَ.
قال: وضَمانُ ما في وَثِيقَةٍ أتْلَفَها، إنْ تعَذَّرَ، يتَوَجَّهُ تخْرِيجُه عليها.
انتهى.
وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ»: وقد يُخرَّجُ الضَّمانُ للوَثيقَةِ مِن مَسْألَةِ الكَفالةِ؛ فإنَّها تَقْتَضِي إحْضارَ المَكْفُولِ، أو ضَمان ما عليه، وهنا؛ إمَّا أنْ يُحْضِرَ الوَثِيقَةَ، أو يَضْمَنَ ما فيها، إنْ تعَذَّرَتْ.
ومنها، لو أُكْرِهَ على إتْلافِ مالِ الغيرِ، فقيل: يضْمَنُه مُكْرِهُه.
قطَع به القاضي في كِتابِه «الأمْرُ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عنِ المُنْكَرِ»، وابنُ عَقِيل في «عُمَدِ الأدِلَّةِ».
قاله في «القَواعِدِ».
وقيل: هو كمُضْطَرٍّ.
قال في «التَّلْخيصِ»: يجِبُ الضَّمانُ عليهما.
واقْتَصَر عليه الحارِثِيُّ.
وهو احْتِمالٌ للقاضي، في بعضِ تَعالِيقِه.
وأطْلَقهما في «الفرُوعِ»، و «القَواعِدِ».
وقال في «الرِّعايةِ»: وإنْ أُكْرِهَ على إتْلافِه، ضَمِنَه.
يعْنِي المُباشِرَ، وقطَع به.
انتهى.
فإذا ضَمِنَ المُباشِرُ، إنْ كان جِاهلًا، رجَع على مُكْرِهِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «الرِّعايةِ».
وصحَّحه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يَرْجِعُ.
وإنْ كان عالِمًا، لم يرْجِعْ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يَرْجِعُ؛ لإِباحَةِ إتْلافِه ووُجوبه بخِلافِ الإِكْراهِ على القَتْلِ.
ولم يَخْتَرْه، بخِلافِ مُضْطَرٍّ.
وهل لمالِكِه مُطالبَةُ مُكْرِهِه إذا كان المُكْرَهُ، بفتْحِ الرَّاءِ، عالِمًا، وقُلْنا: له الرُّجوعُ عليه؟ فيه وَجْهان.
وقال في «الرعايتَين»: يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
قلتُ: له مُطالبَتُه.
فإنْ قُلْنا: له
الجزء: 15 - الصفحة: 298
وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرِهِ، أَوْ حَلَّ قَيدَ عَبْدِهِ، أَوْ رِبَاطَ فَرَسِهِ،
مُطالبَته.
وطالبَه، رجَع على المُتْلِفِ، إنْ لم يَرْجِعْ عليه.
وقيل: الضَّمانُ بينَهما.
ومنها، لو أذِنَ رَبُّ المالِ في إتْلافِه، فأَتْلَفَه، لم يَضْمَنِ المُتْلِفُ مُطْلَقًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنْ عيَّن الوَجْهَ المأْذُونَ فيه، مع غَرضٍ صحيحٍ، لم يضْمَنْ.
وقال في «الفُنونِ»: لو أذِنَ في قَتْلِ عَبْدِه، فقَتَلَه، لَزِمَه كفَّارَةٌ للهِ، وأَثِمَ، ولو أذِنَ في إتْلافِ مالِه، سقَطَ الضَّمانُ والمَأْثَمُ، ولا كفَّارَةَ.
وقال بعدَ ذلك: يُمْنَعُ مِن تَضْيِيعِ الحَبِّ والبَذْرِ في الأرْضِ السَّبِخَةِ بما يقْتَضِي أنَّه محَلُّ وفاقٍ.
قال في «الفُروعِ»: وسبَقَ أنَّه يَحْرُمُ، في الأشْهَرِ، دَفْنُ شيءٍ مع الكَفَنَ.
قوله: وإنْ فتَح قَفَصًا عن طائرِه، أو حَلَّ قَيدَ عَبْدِه، أو رِباطَ فَرسِه، ضَمِنَه.
هذا المذهبُ مُطْلَقا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمة في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «التَّلْخيصِ»: قال أصحابُنا: يَلْزَمُه الضَّمانُ في جميعِ ذلك، سواءٌ تعَقَّبَ ذلك فِعْلَه، أو تَراخَى عنه.
قال في «القَواعِدِ»: ذكَرَه القاضي، والأكْثَرون.
الجزء: 15 - الصفحة: 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الحارِثِيُّ: لا يخْتَلِفُ فيه المذهبُ.
وقال في «الفُنونِ»: إنْ كان الطائِرُ مُتَأَلِّفًا، لم يَضْمَنْه.
وقال أيضًا: الصَّحيحُ التَّفْرِقَةُ بينَ ما يُحالُ الضَّمانُ على فِعْلِه؛ كالآدَمِيِّ، وبينَ ما لا يُحالُ عليه الضَّمانُ؛ كالحَيواناتِ والجَماداتِ، فإذا حلَّ قَيدَ العَبْدِ، لم يَضمَنْ.
وقيل: لا يضْمَنُ إلَّا إذا ذهَبُوا عَقِبَ الفَتْحِ.
والحَلِّ.
فعلى المذهبِ، يَضْمَنُه، سواءٌ ذهَبَ عَقِبَ فِعْلِه، أو مُتَراخِيًا عنه، وسواءٌ هيَّجَ الطَّائِرَ والدَّابَّةَ حتى ذهَبا، أو لم يُهَيِّجْهما.
قاله الأصحابُ.
فوائد؛ إحْداها، لو بَقِيَ الطَّيرُ والفَرَسُ بحالِهما، حتى نفَّرَهما آخَرُ، ضَمِنَهما المُنَفِّرُ.
جزَم به في «المُغْنِي» , و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الرعايةِ»، وغيرِهم.
الثَّانيةُ، لو دفَع مِبْرَدًا إلى عَبْدٍ فبَرد به قَيدَه، فهل يضْمَنُه، أم لا؟ وحكَى في «الفُضولِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايةِ» فيه احْتِمَالين، وحَكاهما في «الفُروعِ» وَجْهَين، وأطْلَقُوهما.
قلتُ: الصَّوابُ الضَّمانُ.
وهو ظاهرُ ما قدَّمه الحارِثِيُّ.
ولو دفَع مِفْتاحًا إلى لِصٍّ، لم يَضمَنْ.
الثَّالثةُ، لو حَلَّ قَيدَ أسيرٍ، ضَمِنَ، كحَلِّ قَيدِ العَبْدِ، وكذا لو فتَح الإِصْطَبْلَ، فضاعَتِ الدَّابَّةُ، وكذا لو حَلَّ رِباطَ سَفِينَةٍ، فغَرِقَتْ، وسواءٌ كان لعُصُوفِ رِيحٍ، أو لا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعلى قَوْلِ القاضي: لا يضْمَنُ العُصُوفَ.
الرَّابعةُ، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لو غَرِمَ بسَبَبِ كَذِبٍ عليه، عندَ وَلِيِّ الأمْرِ، رجَع على الكاذِبِ.
قلتُ: وهو صَحيحٌ.
وتقدَّم ذلك وغيرُه في بابِ الحَجْرِ.
الخامسةُ، لو كانتِ الدَّابَّةُ المَحْمُولَةُ عَقُورًا وجَنَتْ، ضَمِنَ جنايَتَها.
ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه، واقْتَصَر عليه في «شَرْحِ الحارِثِيِّ» , كما لو حلَّ سِلْسِلَةَ فَهْدٍ، أو ساجُورَ كَلْبٍ، فعقَرَ.
وإنْ أفْسَدَتْ زَرْعَ إنْسانٍ، فكإفسادِ دابَّةِ نفْسِه، على ما سيَأْتِي.
السَّادِسَةُ، لو وثَبَتْ هِرَّةٌ على الطَّائرِ بعدَ الفَتْحِ، ضَمِنَه.
وقد تضَمَّنَه كلامُ المُصَنِّفِ.
وكذا لو كسَر الطَّائرُ في خُروجِه قارُورَة، ضَمِنَها.
الجزء: 15 - الصفحة: 301
أَوْ وكَاءَ زِقِّ مَائِعٍ، أَوْ جَامِدٍ فَأذَابَتْهُ الشَّمْسُ، أَوْ بَقِيَ بَعْدَ حَلِّهِ قَاعدًا فَأَلقَتْهُ الرِّيحُ فَانْدَفَقَ، ضَمِنَهُ.
وَقَال الْقَاضِي: لَا يَضْمَنُ مَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ.
قوله: أو حَلَّ وكاءَ زِقِّ مائعٍ أو جامِدٍ، فأذابَتْه الشَّمْسُ، أو بَقِيَ بعدَ حَلِّه قاعِدًا، فأَلْقَتْه الرِّيحُ، فانْدَفَقَ، ضَمِنَه.
إذا حَلَّ وكاءَ زِقِّ مائعٍ فانْدفَقَ، ضَمِنَه، بلا نِزاعٍ أعْلَمُه.
وإنْ كان مُنْتَصِبًا، فسَقَطَ برِيحٍ، أو زَلْزَلَةٍ، أو طائر، ضَمِنَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الحارِثِيِّ»، ونَصرَه المُصَنِّفُ.
وقال القاضي: لا يَضمَنُ ما ألْقَتْه الرِّيحُ.
وكذا قال أبو الخَطَّابِ وغيرُه.
وقال
الجزء: 15 - الصفحة: 302
وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً في طَرِيقٍ فَأَتْلَفَتْ، أَو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فَعَقَرَ، أَوْ خَرَقَ ثَوْبًا ضَمِنَ.
الحارِثِيُّ: وعنِ القاضي، وابنِ عَقِيلٍ، لا يَضْمَنُ.
وقدَّمه في «التَّلْخيصِ».
وإنْ ذابَ بالشَّمْسِ وانْدفَقَ، ضَمِنَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال الحارِثِيُّ: وافَقَ على ذلك القاضي، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ».
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، وغيرِهما.
وقال في «الفائقِ»: قال القاضي: لا يَضْمَنُ، فلعَلَّ له قولَين.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: عندِي، لا فَرْقَ بينَ حَرِّ الشَمْسِ وهُبوبِ الرِّيحِ؛ فإمَّا أنْ يسْقُطَ الضَّمانُ في المَوْضِعَين، أو يجِبَ فيهما.
واخْتارَ أنَّه لا ضَمانَ هنا أيضًا.
وقال في «الفُروعِ»: وإنْ حَلَّ وعاءً فيه دُهْنٌ جامِدٌ، فذَهَبَ برِيحٍ ألْقَتْه، أو شَمْسٍ، فوَجْهان.
قوله: وإنْ ربَط دَابَّةً في طَرِيقٍ فأَتْلَفتْ، ضَمِنَ.
شَمِلَ مَسْأَلتَين؛ إحْداهما،
الجزء: 15 - الصفحة: 303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنْ يكونَ الطَّرِيقُ ضَيقًا، فيَضْمَنَ ما أتْلَفَتْ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم.
وقاله ابنُ عَقِيلٍ، وابنُ البَنَّا، ولو كان ما أتْلَفَتْه بنَفْحِ رِجْلِها.
نصَّ عليه.
ومَن ضرَبَها، فرفَسَتْه، فماتَ، ضَمِنَه.
ذكَرَه في «الفُنونِ».
والمَسْألَةُ الثَّانيةُ، أنْ تكونَ الطَّرِيقُ واسِعَةً.
فظاهرُ ما قطَع به المُصَنِّفُ هنا، أنَّه يَضْمَنُ.
قال الحارِثِيُّ: وكذا أوْرَدَه ابنُ أبِي مُوسى، وأبو الخَطَّابِ، مُطْلَقًا، ونصَّ عليه أحمدُ.
انتهى.
قلتُ: وهو ظاهرُ ما جزَم به في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»؛ لإطْلاقِهم الضَّمانَ.
وقدَّمه في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّمانِين»، وقال: هذا المَنْصوصُ.
وذكَر النُّصوصَ في ذلك.
والروايةُ الثَّانيةُ، لا يَضْمَنُ إذا لم تَكُنْ في يَدِه.
ذكَرَها القاضي في «المُجَرَّدِ».
وهو ظاهرُ ما جزَم به في «الوَجيزِ».
وقدمه في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وأطْلَقهما في «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الفُروعِ»، و «القَواعدِ
الجزء: 15 - الصفحة: 304
إلَّا أَنْ يَكُونَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغيرِ إِذْنِهِ.
الأُصُولِيَّةِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».
وقال القاضي في كتابِ «الرِّوايتَين» وغيرِه: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يَضْمَنُ إذا كان واقِفًا لحاجَةٍ، والطَّرِيقُ واسِعٌ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأَقْوَى نظَرًا.
فائدة: لو تَرَكَ طِينًا في طَرِيقٍ، فزَلَقَ فيه إنْسانٌ، أو خَشَبَةً، أو عَمُودًا، أو حجَرًا، أو كِيسَ دَراهِمَ.
نصَّ عليه، أو أسْنَدَ خَشَبَةً إلى حائطٍ، فتَلِفَ به شيءٌ، ضَمِنَه.
جزَم به في «الفُروعِ» وغيرِه.
ويأتِي في أوَّلِ كتابِ الدِّياتِ؛ إذا صبَّ ماءً في طَريقٍ، أو بالتْ فيها دابَّتُه، أو رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ، فتَلِفَ به إنْسانٌ، في كلامِ المُصَنِّفِ.
قوله: أَو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فعَقَر، أو خرَق ثَوْبًا، إلَّا أَنْ يكونَ دخَل مَنْزِلَه بغيرِ إذْنِه.
إذا دخَل بَيتَه بإذْنِه، فعَقَرَه، أو خرَق ثَوْبَه، أو فعَل ذلك خارِجَ البَيتِ، ضَمِنَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال الحارِثِيُّ: يَضْمَنُ بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ، إذا فعَل ذلك خارِجَ المَنْزِلِ.
وقال: إذا دخَل بإذْنِه، يَنْبَغِي تَقْيِيدُه بما، إذا لم يُنَبِّهْه على الكَلْبِ، أو على
الجزء: 15 - الصفحة: 305
وَقِيلَ: في الْكَلْب رِوَايَتَانِ في الْجُمْلَةِ.
كوْنِه غيرَ مُوثَقٍ، أمَّا إنْ نبَّه، فلا ضَمانَ.
قال في «الرِّعايةِ»: إنْ عقَر خارِجَ الدَّارِ، ضَمِنَ، إنْ لم يَكُفَّه رَبُّه، أو يُحَذِّرْ منه.
انتهى.
وعنه، لا يَضْمَنُ.
اخْتارَه الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ.
وإنْ دخَلَ بَيتَه بغيرِ إذْنِه، ففَعل ذلك به، لم يَضْمَنْ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وعنه، يَضْمَنُ أيضًا.
اخْتارَه القاضي في «الجامعِ».
نقلَ حَنْبَلٌ، إذا كان الكَلْبُ مُوثَقًا، لم يَضْمَنْ ما عقَر.
قوله: وقِيلَ: في الكَلْبِ رِوايَتان في الجُمْلَةِ.
يعْنِي رِوايتَين مُطْلقَتين، سواءٌ دخَل بإذْنٍ، أو لا، وسواءٌ كان في مَنْزِلِ صاحِبِه، أو خارِجًا عنه.
ذكَرَه الشَّارِحُ.
قال الحارِثِيُّ: أوْرَدَ المُصَنِّفُ في «كِتابَيه»، وابنُ أبِي مُوسى، والقاضي في «المُجَرَّدِ»، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ» ذلك مِن غيرِ خِلافٍ في شيءٍ مِن ذلك.
وحكَى القاضي في «الجامعِ الصَّغِيرِ»، في الضَّمانِ مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقيِيدٍ
الجزء: 15 - الصفحة: 306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بإذْنٍ، رِوايتَين، وهو ما حكَى أبو الخَطَّابِ في «كِتابَيه» عنِ القاضي، وأوْرَدَه المُصَنِّفُ هنا.
وجرَى كل حِكايَةِ هذا الخِلافِ جماعَةٌ مِن أئِمَّةِ المذهبِ؛ الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطَّابِ، وأبو الحَسَنِ بنُ بَكْرُوسٍ، في «كُتُبِهم الخِلافيَّةِ»، واخْتَلَفُوا؛ فمنهم مَن صحَّح الضَّمانَ، وهو القاضي في «الجامعِ»، ومنهم مَن عكَس، وهو قَوْلُ الشَّرِيفِ، والظَّاهِرُ مِن كلامِ أبِي الخَطَّابِ، وابنِ بَكْرُوسٍ.
قال: وقَوْلُ المُصَنِّفِ.
وقيلَ: في الكَلْبِ رِوايَتان.
قال شيخُنا ابنُ أبِي عُمَرَ في «شَرْحِه»: سواءٌ كان في مَنْزِلِ صاحبِه، أو خارِجًا، وسواءٌ دخَلَ بإذْنِ صاحبِ المَنْزِلِ، أو لا.
قال: وليس كذلك، فإنَّ كلامَ أبِي الخَطَّابِ، الذي أخَذ منه المُصَنِّفُ ذلك، إنَّما هو وارِدٌ في حالةِ الدُّخولِ، والإِجْمالُ فيه عائلٌ على الإِذْنِ وعدَمِه.
وكذلك أوْرَدَ السَّامَرِّيُّ في «كِتابِه»؛ فقال: إنِ اقْتَنَى في مَنْزِلِه كَلْبًا عَقُورًا، فعَقَر فيه إنْسانًا؛ إنْ كان دخَل بغيرِ إذْنِه، فلا ضَمانَ، وإنْ كان بإذْنِه، فعليه الضَّمانُ.
قال: وخرَّجَها القاضي على رِوايتَين؛ الضَّمانُ، وعدَمُه، فإنْ عقَر خارِجَ المَنْزِلِ، ضَمِنَ.
ذكَرَه ابنُ أبِي مُوسى.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: فخَصَّصَ الخِلافَ بحالةِ العَقْرِ داخِلَ المَنْزلِ دُونَ خارِجِه.
وهو الصَّحيحُ.
انتهى.
وهذا قطَع به ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه».
فوائد؛ الأُولَى، إفْسادُ الكَلْبِ بما عَدا العَقْرَ؛ كبوْلِه ووُلُوغِه في إناءِ الغيرِ، لا يُوجِبُ ضَمانًا.
ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه، واقْتَصَر عليه الحارِثِيُّ.
وكذلك
الجزء: 15 - الصفحة: 307
وَإِنْ أَجَّجَ نَارًا فِي مِلْكِهِ، أَوْ سَقَى أَرْضَهُ، فَتَعَدَّى إلَى مِلْكِ
لا يَضْمَنُ ما أتْلَفَه غيرُ العَقُورِ ليلًا ونَهارًا.
قاله المُصَنِّفُ وغيرُه، وهو ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ؛ لتَقْيِيدِهم الكَلْبَ بالعَقُورِ.
قال الحارِثِيُّ: وكلامُ المُصَنِّفِ مَحْمولٌ على ما يُباحُ اقْتِناؤُه، وأمَّا ما يَحْرُمُ، كالكَلْبِ الأسْوَدِ، فيَجِبُ الضَّمانُ؛ لأنَّه في مَعْنَى العَقُورِ في مَنْعِ الاقْتِناءِ، واسْتِحْقاقِ القَتْلِ.
وكذلك ما عَدا كَلْبَ الصَّيدِ والحَرْثِ والماشِيَةِ؛ لأنَّه في مَعْنَى ما تقدَّم، فيَحْصُلُ العُدْوانُ بإمْساكِه.
انتهى.
الثَّانيةُ، لو اقْتَنَى أسَدًا أو نَمِرًا أو ذِئْبًا، ونحوَ ذلك مِنَ السِّباعِ المُتَوَحِّشَةِ، فكالكَلْبِ العَقُورِ فيما تقدَّم؛ لأنَّه في مَعْناه وأوْلَى؛ لعدَمِ المَنْفَعَةِ.
الثَّالثةُ، لو اقْتَنَى هِرَّةً تأْكُلُ الطُّيورَ، وتَقْلِبُ القُدورَ في العادَةِ، فعليه ضَمانُ ما تُتْلِفُه ليلًا ونَهارًا، كالكَلْبِ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وقالُوا، إلَّا صاحِبَ «الفُروعِ»: قاله القاضي.
قال الحارِثِيُّ: ذكَرَه أصحابُنا.
فإنْ لم يكُنْ مِن عادَتِها ذلك، فلا ضَمانَ.
قاله الأصحابُ.
ولو حصَلَ عندَه كَلْبٌ عَقُورٌ، أو سِنَّوْرٌ ضارٌّ مِن غيرِ اقْتِناءٍ واخْتِيارٍ، وأفْسَدَ، لم يَضمَنْ.
الرَّابعةُ، يجوزُ قَتْلُ الهِرِّ بأَكْلِ لَحْمٍ، ونحوه.
على الصَّحيحِ بِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «الفُصولِ»: له قَتْلُها حينَ أَكْلِها فقط.
واقْتصَرَ عليه الحارِثِيُّ، ونصَرَه.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: له قَتْلُها إذا لم تَنْدَمعْ إلَّا به، كالصَّائلِ.
قوله: وإِنْ أجَّجَ نارًا في مِلْكِه، أو سَقَى أَرْضَه فتَعَدَّى إلى مِلْكِ غيرِه فأَتْلَفَه، ضَمِنَه، إذا كانَ قد أَسْرَفَ فيه، أو فرَّطَ، وإلَّا فلا.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
قال في «الفُروعِ»: والمُرادُ، لا بطَرَيانِ رِيحٍ.
ولهذا قال في
الجزء: 15 - الصفحة: 308
غَيرِهِ فَأَتْلَفَهُ، ضَمِنَ إِذَا كَانَ قَدْ أَسْرَفَ فِيهِ، أوْ فَرَّطَ، وَإلَّا فَلَا.
«عُيونِ المَسائلِ»: لو أجَّجَها على سَطْحِ دارٍ، فَهبَّتِ الرِّيحُ، فأطارَتِ الشَّرَرَ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه في مِلْكِه، ولم يُفَرِّطْ، وهُبوبُ الرِّيحِ ليس مِن فِعْلِه، بخِلافِ
الجزء: 15 - الصفحة: 309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما لو أوْقَفَ في دابَّته في طَريقٍ فبالتْ، أو رَمَى فيها قِشْرَ بِطِّيخٍ؛ لأنَّه في غيرِ مِلْكِه، فهو مُفَرِّطٌ.
قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُه، لا يَضْمَنُ في الأُولَى مُطْلقًا.
انتهى.
وقال في «الرِّعايةِ»، بعدَ ذِكْرِ المَسْألَةِ: قلتُ: وإنْ كان المَكانُ مَغْصُوبًا، ضَمِنَ مُطْلَقًا.
يعْنِي، سواءٌ فرَّطَ أو أسْرَفَ، أو لا، إنْ لم يكُنْ للسَّطْحِ سُتْرَةٌ وبقُرْبِه زَرْعٌ، ونحوُه، والرِّيحُ هابَّةٌ، أو أرْسَلَ في الماءِ ما يَغْلِبُ ويَفِيضُ، ضَمِنَ.
وقيل: مَن أجَّجَ نارًا في مِلْكٍ بيَدِه له أو لغيرِه بإيجارٍ أو إعارَةٍ، وأسْرَفَ، ضَمِنَ، وإلَّا فلا، وإنْ مُنِعَ مِن ذلك لأَذَى جارِه، ضَمِنَ، وإنْ لم يُسْرِف.
انتهى.
فائدة: قال الحارِثِيُّ: قوْلُه: أسْرَفَ فيه أو فَرَّطَ.
يُغْنِي الاقْتَصارُ على لَفْظِ «التَّفْرِيطِ»؛ لدُخولِ الإِسْرافِ فيه.
انتهى.
قلتُ: الذي يَظْهَرُ، أنَّ الأمْرَ ليس
الجزء: 15 - الصفحة: 310
وَإِنْ حَفَرَ في فِنَائِهِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا.
كذلك، وأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَنْفَكُّ عنَ الآخَرِ؛ لأنَّ الإِسْرافَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ عَمْدًا عُدْوانًا.
وأمَّا التَّفْريطُ فهو التَّقْصِيرُ في المأْمُورِ.
ولذلك قال بعضُ المُحَققِين مِنَ الأصحابِ: فرَّطَ أو أفْرَطَ.
قوله: وإنْ حفَر في فِنائِه بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها.
هذا المذهبُ، بلا رَيب، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.
وجوَّزَ بعضُ الأصحابِ حَفْرَ بِئْرٍ لنَفْسِه في فِنائِه بإذْنِ الإِمامِ.
ذكَرَه القاضي.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نَقْلتُه مِن خَطِّه، في مَسْألَةٍ حدَثَتْ في زَمَنِه.
قال في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّمانِين»: وفي «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، له التَّصَرُّفُ في فِنائِه بما شاءَ مِن حَفْرٍ وغيرهِ، إذا لم يَضُرَّ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ومَن لم يسُدَّ بِئْرَه سَدًّا يَمْنَعُ مِنَ الضَّرَرِ، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها.
ويأْتِي ذلك أيضًا في أوَّلِ كتابِ الدِّياتِ.
فائدة: لو حفَر الحُرُّ بِئْرًا بأُجْرَةٍ، أو لا، وثبَتَ عِلْمُه أنَّها في مِلْك غيرِه، نصَّ
الجزء: 15 - الصفحة: 311
وَإِنْ حَفَرَهَا في سَابِلَةٍ؛ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَضْمَنْ، في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
عليه، ضَمِنَ الحافِرُ.
قاله القاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، وقال: ونصُّه، هما.
وقدَّمه الحارِثِيُّ، وقال: هو مُقْتَضَى إيرادِ ابنِ أبِي مُوسى، يَعْنِي، أنَّهما ضامِنان، وإنْ جَهِلَ، ضَمِنَ الآمِرُ.
وقيل: الحافِرُ، ويرْجِعُ على الآمِرِ.
قوله: وإنْ حفَرَها في سابِلَةٍ؛ لنَفْعِ المُسْلِمِين، لم يَضْمَنْ في أصَحِّ الرِّوايتَين.
يعْنِي، إذا لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ.
وهذا المذهبُ بهذا الشَّرْطِ.
قال في «الوَجيزِ» وغْيرِه: إنْ كانتِ السَّابِلَةُ واسِعَةً.
وهو قيدٌ حَسنٌ, كما يأْتِي.
جزَم به ابنُ أبي
الجزء: 15 - الصفحة: 312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُوسى، والقاضي في «الجامعِ الصَّغِيرِ»، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، وغيرُهم.
قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَب»، و «الخُلاصَةِ»: لم يضْمَنْ في أصحِّ الرِّوايَتْين.
وصحَّحه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ أيضًا، والنَّاظِمُ.
وقدَّمه في «الفروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «المُحَرَّرِ».
وعنه، يضْمَنُ.
ولم يذْكُرِ القاضي غيرَ هذه الرِّوايَةِ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا له قُوَّةٌ، وإنْ كان المُصَنِّفُ، وأبو الخَطَّابِ صحَّحا غيرَه.
وعنه، لا يضْمَنُ إنْ كانَ بإذْنِ الإِمامِ، وإلَّا ضَمِنَ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: قال بعضُ أصحابِنا: لا يَضْمَنُ إذا كانَ بإذْنِ الإِمامِ.
قال
الجزء: 15 - الصفحة: 313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحارِثِيُّ: وهذه طريقَةُ القاضي في «المُجَرَّدِ»، وكتابِ «الرِّوايتَين»، وابنِ عَقِيلٍ، والسَّامَرِّي، وصاحبِ «التَّلْخيصِ»، وغيرِهم.
انتهى.
وهي طريقَةُ صاحبِ «المُحَرَّرِ» أيضًا.
وقال بعضُ الأصحابِ: يَنْبَغِي أنْ يتَقَيَّدَ سقُوطُ الضَّمانِ عنه فيما إذا حفَرَها في مَوْضِعٍ مائلٍ عنِ القارِعَةِ، بَشْرطِ أنْ يجْعَلَ عليه حاجِزًا يُعْلَمُ به؛ ليُتَوَقَّى.
تنبيهان؛ أحدُهما، محَلُّ الخِلافِ، إذا كانتِ السَّابِلَةُ واسِعَةً، فإنْ كانتْ ضَيِّقَةً، ضَمِنَ، بلا نِزاعٍ.
قال الحارِثِيُّ: لو حفَر في سابلَةٍ ضَيِّقَةٍ، وجَب الصَّمانُ؛ لأنَّه لا يَخْتَلِفُ المذهبُ فيه، وليس بداخِلٍ فيما أَوْرَدَه المُصَنِّفُ مِنَ
الجزء: 15 - الصفحة: 314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِلافِ، وإنَّ ظاهِرَ الإِيرادِ يشْمَلُه، ومحَلُّ الخِلافِ أيضًا، إذا حفَر في غيرِ مَكانٍ يَضُر بالمارَّةِ.
فأمَّا إنْ حفَر في طَريقٍ، اسِعٍ، في مَكانٍ منه يَضُرُّ بالمارَّةِ، فهو كما لو كانَ الطَّريقُ نفْسُه ضَيِّقًا.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِه لمَصْلَحَةٍ عامَّةٍ، أو خاصَّةٍ، بإذْنِ الإِمامِ أو غيرِه.
الثَّاني، مَفْهومُ قوْلِه: لنَفْعِ المُسْلِمِين.
أنَّه لو حفَر لنَفْعِ نَفْسِه، أنَّه يضْمَنُ.
وهو كذلك، أذِنَ فيه الإِمامُ أو لم يأْذَنْ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو حفَرَها في مَواتٍ؛ للتَّمَلُّكِ، أو الارْتِفاقِ بها، أو الانْتِفاعِ العامِّ، فلا ضَمانَ، نصَّ عليه.
وقطَع به الحارِثِيُّ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم، ذكَراه في كتابِ الدِّياتِ.
الثَّانيةُ، حُكْمُ ما لو بنَى فيها مَسْجِدًا أو غيرَه، كالخانِ، ونحوه، لنَفْعِ المُسْلِمين حُكْمُ حَفْرِ البِئْرِ في سابِلَةٍ لنَفْعِ المُسلِمين.
نقَل إسْماعِيلُ بنُ سَعِيدٍ، في المَسْجِدِ، لا بَأْسَ به إذا لم يَضُرَّ بالطَّريقِ.
ونقَل عَبْدُ اللهِ، أكْرَهُ الصَّلاةَ فيه، إلَّا أنْ يكونَ بإذْنِ إمامٍ.
ونقلَ المَرُّوذِيُّ، حُكْمُ هذه المَساجِدِ التي بُنِيَتْ في الطَّرِيقِ، تُهْدَمُ.
وسأَلَه محمدُ بنُ يَحْيَى الكَحَّالُ: يَزِيدُ في المَسْجِدِ مِن الطَّريقِ؟ قال: لا يُصَلَّى فيه.
ونقَل حَنْبَلٌ، أنَّه سُئِلَ عنِ المَساجِدِ على الأنْهارِ؟ قال: أخْشَى أنْ يكونَ مِنَ الطرَّيقِ.
وسألَه ابنُ إبْراهِيمَ، عن ساباطٍ فوْقَه مَسْجِدٌ، أَيُصَلَّى فيه؟ قال: لا يُصَلَّى فيه، إذا كان مِنَ الطَّريقِ.
قال في «القَواعِدِ»: الأكْثَرُ منَ الأصحابِ قالُوا: إنْ كان
الجزء: 15 - الصفحة: 315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بإذْنِ الإِمام، جازَ، وإلَّا فروايَتان، ما لم يَضُرَّ بالمَارَّةِ.
وفهم مَن أطْلَقَ الرِّوايتَين.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُعْتَبرَ إذْنُ الإِمامِ في البِناءِ لنَفْعِ المُسْلِمين دُونَ الحفْرِ؛ لدَعْوَى الحاجَةِ إلى الحَفْرِ لنَفْعِ الطَّريقِ وإصْلاحِها، وإزالةِ الطِّينِ والماءِ منها، فهو كتَنْقِيَتِها، وحَفْرِ هِدْفَةٍ فيها، وقَلْعِ حجَرٍ يضُرُّ بالمارَّةِ، ووَضْعِ الحَصَى في حُفْرَةٍ؛ ليَمْلأَها، وتَسْقيفِ ساقِيَةٍ فيها، ووَضْعِ حجَرٍ في طِينٍ فيها؛ ليَطَأَ النَّاسُ عليه.
فهذا كلُّه مُباحٌ، لا يضْمَنُ ما تَلِفَ به، لا نعْلَمُ فيه خِلافًا.
قالا: وكذلك يَنْبَغِي أنْ يكونَ في بِناءِ القَناطِرِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُعْتَبرَ إذْنُ الإِمامِ فيها؛ لأنَّ مَصْلَحَتَه لا تعُمُّ.
انتهى كلامُهما.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: حُكْمُ ما بُنِيَ وَقْفًا على المَسْجِدِ في هذه الأمْكِنَةِ، حُكْمُ بِناءِ المَسْجِدِ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو فعَل العَبْدُ ذلك بأمْرِ سيِّدِه، كان كفِعْلِ نَفْسِه؛ أعْتَقَه، أو لا.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ.
وقال الحارِثِي: إنْ كان ممَّن يجْهَلُ الحال، فلا إشْكال في إطْلاقِ الأصحابِ، وإنْ كان ممَّن يَعْلَمُه، ففيه ما في مَسْألَةِ القَتْلِ بأمْرِ السَّيِّدِ، إنْ عَلِمَ
الجزء: 15 - الصفحة: 316
وَإِنْ بَسَطَ في مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أَوْ عَلَّقَ فِيهِ قِنْدِيلًا، لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ.
الحُرْمَةَ، وفيها رِوايَتان؛ إحْداهما، القَوَدُ على السَّيِّدِ فقط.
والأُخْرَى، على العَبْدِ.
فيتَعَلَّقُ الضَّمانُ هنا برَقَبتِه, كما لو لم يأْمُرِ السَّيِّدُ.
وإنْ حفرَ بغيرِ أمْرِ السَّيِّدِ، تعَلَّقَ الضَّمانُ برَقَبتِه، ثم إنْ أعْتَقَه، فما تَلِفَ بعدَ عِتْقِه، فعليه ضَمانُه.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأصحُّ.
وقال صاحِبُ «التَّلْخيصِ» وغيرُه: الضَّمانُ على المُعْتِقِ بقَدْرِ قِيمَةِ العَبْدِ، فما دُونَه.
الثَّانيةُ، لو أمَرَه السُّلْطانُ بفِعْلِ ذلك، ضَمِنَ السُّلْطانُ وحدَه.
قوله: وإنْ بسَط في مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أو علَّقَ فيه قِنْدِيلًا، لم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكْثَرُ.
قال الحارِثِيُّ: هذا ما حكَى المُصَنِّفُ، والقاضي في «الجامِعِ الصَّغِيرِ»، وأبو الخَطَّابِ، والشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَرٍ وأبو القاسِمِ الزَّيدِيُّ، والسَّامَرِّيُّ، في آخَرِين، عنِ المذهبِ.
انتهى.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفائقِ» وغيرِه.
وقيل: يضْمَنُ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وهو تخْرِيجٌ لأبِي
الجزء: 15 - الصفحة: 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ» مِنَ التي قبلَها؛ وهي حَفْرُ البِئْرِ.
وكذلك خرَّجَه أبو الحَسَنِ بنُ بَكْروسٍ.
قال الحارِثِيُّ: ولا يصِحُّ؛ لأنَّ الحَفْرَ عُدْوانٌ لإِبطْالِ حقِّ المُرورِ، ولا كذلك ما نحنُ فيه.
وذكَر القاضي في «المُجَرَّدِ»، وكتابِ «الرِّوايتَين»، إنْ أذِنَ الإمامُ 46، فلا ضَمانَ، وإلَّا فعلى وَجْهَين؛ بِناءً على البِئْرِ.
وتَبِعَه على ذلك ابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ»، مع أنَّهما قالا: قال أصحابنُا، في بَوارِيِّ المَسْجِدِ: لا ضَمانَ على فاعِلِه، وَجْهًا واحِدًا، بإذْنِ الإِمامِ أو غيرِ إذْنِه؛ لأنَّ هذا مِن تَمامِ مَصْلَحَتِه.
فائدة: لو نصَب فيه بابًا، أو عُمُدًا، أو سقَفَه، أو جعَل فيه رَفًّا؛ لينْتَفِعَ به النَّاسُ، أو بنَى جِدارًا، أو أوْقَدَ مِصْباحًا، فلا ضَمانَ عليه 47.
الجزء: 15 - الصفحة: 318
وَإِنْ جَلَسَ في مَسجِدٍ أوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ، لَمْ يَضْمَنْ، في أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
قوله: وإنْ جلَس في مَسْجِدٍ، أو طَرِيقٍ واسِعٍ، فعَثَر به حَيَوانٌ، لم يَضْمَنْ في أَحَدِ الوَجْهَين.
وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: والأصحُّ، لا يضْمَنُ.
قال الشَّارِحُ: وهو أوْلَى.
قال في «الفائقِ»، فيما إذا جلَس في طريقٍ واسعٍ: لم يضْمَنْ في أصحِّ الوَجْهَين.
وصحَّحه في «النَّظْمِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
والوَجْهُ الثَّاني، يضْمَنُ.
وقدَّمه في «الرِّعايتَين».
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، في الجالِسِ في الطَّريقِ.
وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».
تنبيه: قال الحارِثِيُّ: أوْرَدَ المُصَنِّفُ الوَجْهَين في المَتْنِ؛ أخْذًا مِن إيرادِ أبِي الخَطَّابِ.
قال: ولم أرَهما لأحَدٍ قبلَه.
وأصْلُ ذلك، واللهُ أعلمُ، ما مَرَّ مِنَ الرِّوايتَين، في رَبْطِ الدَّابَّةِ بالطَّريقِ.
ومحَلُّه ما لم يَكُنِ الجُلُوسُ مُباحًا، كالجُلوسِ في المَسْجِدِ مع الجَنابَةِ والحَيضِ، أو للبَيعِ والشِّراءِ، ونحو ذلك.
أمَّا ما هو مَطْلُوبٌ؛ كالاعْتِكافِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ، والجُلُوسِ لتَعْليمِ القُرآنِ والسُّنةِ، فلا يتَأَتَّى الخِلافُ فيه بوَجْهٍ.
وكذا ما هو مُباحٌ مِنَ الجُلُوسِ فيه، وفي
الجزء: 15 - الصفحة: 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَوانِبِ الطُّرُقِ الواسِعَةِ؛ كبَيعِ مأْكُولٍ، ونحوه، لامْتِناعِ الخِلافِ فيه؛ لأنَّه جلَس فيما يسْتَحِقُّه بالاخْتِصاصِ، فهو كالجُلُوسِ في مِلْكِه، مِن غيرِ فَرْقٍ.
وقد حكَى القاضي الجَزْمَ بنَفْي الضَّمانِ في المَسأَلَةِ، في الطَّريقِ الواسِعِ.
وهذا التَّقْيِيدُ حَكاه بعضُ شُيوخِنا في كُتُبِه عن بعضِ الأصحابِ، ولا بُدَّ منه، لكِنَّه يقْتَضِي اخْتصِاصَ الخِلافِ بالمَسْجِدِ دُونَ الطَّريقِ؛ لأنَّ الجُلُوسَ بالطَّريقِ الواسِعَةِ؛ إمَّا مُباحٌ, كما ذكَرْنا، فلا ضَمانَ بحالٍ.
وإمَّا غيرُ مُباحٍ، كالجُلُوسِ وَسْطَ الجادَّةِ، فالضَّمانُ واجِبٌ، ولابُدَّ.
انتهى كلامُ الحارِثِيِّ.
فائدة: حُكْمُ الاضْطِجاعِ في المَسْجِدِ، والطَّريقِ الواسِعَةِ، حُكْمُ الجُلُوسِ فيهما، على ما تقدَّم.
وأمَّا القِيامُ، فلا ضمانَ به بحالٍ؛ لأنَّه مِن مَرافِقِ الطُّرُقِ، كالمُرورِ.
تنبيه: مَفْهومُ كلامِه، أنَّه لو جلَس في طَريقٍ ضَيِّقَةٍ، أنَّه يضْمَنُ.
وهو كذلك، ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، في أوائلِ كتابِ الدِّياتِ، في مَسْألَةِ الاصْطِدامَ.
الجزء: 15 - الصفحة: 320
وَإِنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا أَوْ مِيزَابًا إِلَى الطَّرِيقِ، فَسَقَطَ عَلَى شَيْءٍ أَتْلَفَهُ، ضَمِنَ.
قوله: وإنْ أَخْرَجَ جَناحًا، أو مِيزابًا إلى الطَّرِيقِ -قال في «الرِّعايةِ»: نافِذًا أو غيرَ نافِذٍ، يعْنِي، بغيرِ إذْنِ أهْلِه- فسَقَط على شَيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِنَ.
وهذا قاله أكثرُ الأصحابِ.
وتقدَّم الكلامُ في ذلك مُحَرَّرًا، في بابِ الصُّلْحِ، عندَ قوْلِه: ولا يَجُوزُ أنْ يشْرَعَ إلى طَريقٍ نافِذ جَناحًا.
قال في «الفُروعِ»: ولو بعدَ بَيعٍ، وقد طُولِبَ بنَقْضِه، لحُصُولِه 48 بفِعْلِه.
انتهى.
الجزء: 15 - الصفحة: 321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقاله القاضي وغيرُه.
وقال في «الرِّعايةِ»، بعدَ أنْ ذكَر الأوَّلَ: ولا يضمَنُ ما تَلِفَ بما يُباحُ؛ مِن جَناحٍ، وساباطٍ، ومِيزاب.
فعُلِمَ من ذلك، أنَّ مُرادَ المُصَنِّفِ وغيرِه ممَّن أطْلَقَ، إذا كان ذلك لا يُباحُ فِعْلُه.
وقد صرَّح بذلك المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، في إخْراجِ الجَناحِ في غيرِ الدَّرْبِ النَّافِذِ بإذْنِ أهْلِه، أنَّه لا يضْمَنُ.
قال الحارِثِيُّ: ومَبْنَى هذا الأصْلِ، أنَّ الإِخْراجَ؛ هل يُباحُ، أم لا؟
الجزء: 15 - الصفحة: 322
وَإِنْ مَال حَائِطُهُ، فَلَمْ يَهْدِمْهُ حَتَّى أَتْلَفَ شَيئًا، لَمْ يَضْمَنْهُ، نَصَّ عَلَيهِ.
وَأَوْمَأَ في مَوْضِعٍ، أَنَّهُ إِنْ تُقُدِّمَ إِلَيهِ بِنَقْضِهِ وَأُشْهِدَ عَلَيهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ضَمِنَ.
قوله: وإن مال حائطُه فلم يَهْدِمْه حتى أَتْلَفَ شيئًا، لم يَضْمَنْه، نصَّ عليه.
وهو المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ في «شَرْحِه»: والذي عليه مُتَأَخِّرُو الأصحابِ؛ القاضي ومَن بعدَه، أنَّ الأصحَّ مِنَ المذهبِ عدَمُ الضَّمانِ.
قال: وأصْلُ ذلك قوْلُ القاضي في «المُجَرَّدِ»: المَنْصوصُ عنه في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، لا ضَمانَ عليه؛ سواءٌ طُولِبَ بنَقْضِه، أو لم يُطالبْ.
انتهى.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وصحَّحه النَّاظِمُ.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وأوْمَأَ في مَوْضِعٍ، أنَّه إنْ تُقُدِّمَ إليه بنَقْصه، وأُشْهِدَ عليه، فلم يَفْعَلْ، ضَمِنَ.
وهذا الإِيماءُ ذكَرَه ابنُ بخْتانَ، وابنُ هانِئٍ، ونصَّ على
الجزء: 15 - الصفحة: 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك، في رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ مَنْصُورٍ.
ذكَرَه أبو بَكْرٍ في «زادِ المُسافِرِ».
قال الحارِثِيُّ: وهذه الرِّوايَةُ هي المذهبُ.
ولم يُورِدِ ابنُ أبِي مُوسى سِواها، وكذلك قال في «رُءوسِ المَسائلِ»، وهو مِن كُتُبِه القَديمَةِ.
وذكَر أبو الخَطَّابِ، والقاضي أبو الحُسَينِ، وابنُ بَكْروسٍ، وغيرُهم، أنَّه اخْتِيارُ طائفَةٍ مِنَ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: وعنه، إنْ طالبَه مُسْتَحِقٌّ بنَقْضِه، فأبَى مع إمْكانِه، ضَمِنَه.
اخْتارَه جماعَةٌ.
وقدَّمه في «النَّظْمِ».
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وأمَّا إنْ طُولِبَ بنَقْضه، فلم يَفْعَلْ، فقد توَقَّفَ أحمدُ عنِ الجَوابِ فيها.
وقال أصحابُنا: يضْمَنُ.
وقد أوْمَأَ إليه أحمدُ، والتَّفْرِيعُ عليه.
وأطْلَقَهما في «الرِّعايةِ الكُبْرى».
وقيل: يضْمَنُ مُطْلَقًا.
وخرَّجه أبو الخَطَّابِ، والمَجْدُ،
الجزء: 15 - الصفحة: 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهًا.
قال الشَّارِحُ: ذكَر بعضُ أصحابِنا وَجْهًا بالضَّمانِ مُطْلَقًا.
انتهى.
وهذا اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأقْوَى.
وتقدَّم التَّنْبِيهُ على بعضِ ذلك، في أواخِرِ بابِ الصُّلْحَ.
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ، إذا عَلِمَ بمَيَلانِه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
ولم يذْكُرْ في «التَّرْغِيب» العِلْمَ بمَيَلانِه.
وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وجماعَةٍ.
فوائد؛ إحْداها، كيفِيَّةُ الإِشْهادِ: اشْهَدُوا أَنِّي طالبْتُه بنَقضِه.
أو: تقَدَّمتُ إليه بنَقْضِه.
ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، وذكَر القاضي بعضَه، وكذلك كلُّ لَفْظٍ أدَّى
الجزء: 15 - الصفحة: 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إليه.
ثم المَيلُ إلى السَّابلَةِ فيَسْتَقِلُّ بها الإِمامُ، ومَن قامَ مَقامَه، وكذا الواحِدُ مِنَ الرعِيَّةِ؛ مُسْلِمًا كان أوَ ذِمِّيًّا.
ولو كان إلى دَرْبٍ مُشْتَركٍ، فكذلك يسْتَقِلُّ به الواحِدُ مِن أهْلِه.
ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم.
وإنْ كانَ إلى دارِ مالكٍ مُعَيَّنٍ، اسْتَقَلَّ به.
وإنْ كانَ ساكِنُها الغيرَ، فكالمالِكِ.
وإنْ كانَ السَّاكِنُ جماعَةً، اسْتَقَلَّ به أحدُهم.
وإنْ كانَ غاصِبًا، لم يَمْلِكْه، وما تَلِفَ له، فغيرُ مَضْمُونٍ.
الثَّانيةُ، لو سقَطَ الجِدارُ مِن غيرِ مَيَلانٍ، لم يضْمَنْ ما توَلَّدَ منه، بلا خِلافٍ.
وإنْ بَناه مائِلًا إلى مِلْكِ الغيرِ بإذْنِه، أو إلى مِلْكِ نَفْسِه، أو مال إليه بعدَ البِناءِ، لم يضْمَنْ.
وإنْ بَناه مائِلًا إلى الطرَّيقِ، أو إلى مِلْكِ الغيرِ بغيرِ إذْنِه، ضَمِنَ.
قال المُصَنِّفُ: لا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
ومَسْألَةُ المُصَنِّفِ، بَناه مُسْتَويًا، ثم مال.
الجزء: 15 - الصفحة: 326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّالثةُ، لا أثَرَ لمُطالبَةِ مُسْتَأْجِرِ الدَّارِ، ومُسْتَعِيرِها، ومُسْتَوْدِعِها، ومُرْتَهِنِها، ولا ضَمانَ عليهم، فلو طُولِبَ المالِكُ في هذه الحالِ؛ فإنْ لم يُمْكِنْه اسْتِرْجاعُها، أو نَقْضُ الحائطِ، فلا ضَمانَ، وإنْ أمْكَنَه؛ كالمُعيرِ، والمُودِعِ، والرَّاهِنِ، إذا أمْكَنَه فِكاكُ الرَّهْنِ، ولم يَفْعَلْ، ضَمِنَ.
ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم.
وإنْ حُجِرَ على المالِكِ؛ لسَفَهٍ، أو صِغَرٍ، أو جُنونٍ، فطُولِبَ، لم يضْمَنْ، وإنْ طولِبَ وَلِيُّه، أو وَصِيُّه، فلم يَنْقُضْه، ضَمِنَ المالِكُ.
قاله القاضي في «المُجَرَّدِ»، والمُصَنِّف في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، والحارِثِيُّ، وغيرُهم.
قال في «الفُروعِ»: ولا يضْمَنُ وَلِيٌّ فَرَّطَ، بل مُوَلِّيه، ذكَرَه في «المُنْتَخَبِ»، ويتَوجَّهُ عكْسُه.
وكأنَّه لم يطَّلِعْ على كلامِ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، والحارِثِيِّ.
[وقال ابنُ عَقِيل: الضَّمان على الوَلِيِّ.
قال الحارِثِيُّ] 49: وهو الحَقُّ؛ لوُجودِ التَّفْريطِ، وهو التَّوجِيهُ الذي ذكَرَه في «الفُروعِ».
الرَّابعةُ، لو كان المَيَلانُ إلى مِلْكِ مالِكٍ مُعَيَّنٍ؛ إمَّا واحدٍ أو
الجزء: 15 - الصفحة: 327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جماعةٍ، فأمْهَلَه المالِكُ، أو أبْرَأَه، جازَ، ولا ضَمانَ.
وإنْ أمْهَلَه ساكِنُ المِلْكِ، أو أبْرَأَه، فكذلك.
ذكَرَه القاضي، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وقدَّمه الحارِثِيُّ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يسْقُطُ، ولا يتَأَجَّلُ، إلَّا أنْ يجْتَمِعا، أعْنِي السَّاكِنَ والمالِكَ.
قال الحارِثِيُّ: والذي قاله: أنَّه لا يَبْرَأُ بالنِّسْبَةِ إلى المُبْرِئ.
فليس كما قال؛ لأنَّ مَن
الجزء: 15 - الصفحة: 328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ملَكَ حَقًّا، ملك إسْقاطَه، وإنْ كان بالنِّسْبَةِ إلى مَن لم يَبرَأْ، فنَعم، وذلك على سَبيلِ التَّفْصِيلِ لا يقْبَلُ خِلافًا.
وإنْ كان المَيَلانُ إلى دَرْبٍ لا ينْفُذُ، أو إلى سابِلَةٍ، فأبْرأه البعضُ، أو أمْهَلَه، بَرِئ، بالنِّسْبَةِ إلى المُبْرِيء، أو المُمْهِلِ.
الخامسةُ، لو كان المِلْكُ مُشْتَرَكًا، فطُولِبَ أحدُهم بنَقْضِه، فقال المُصنِّفُ، والشَّارِحُ: احْتَمَلَ وَجْهَين.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه شيءٌ.
والثَّاني، يَلْزَمُه بحِصَّتِه.
وهو ظاهرُ ما جزَم به النَّاظِمُ.
السَّادسةُ، لو باعَ الجِدارَ مائِلًا بعدَ التَّقَدُّمِ إليه، فقال القاضي في «المُجَرَّدِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والسَّامَرِّيُّ في «فُروقِه»: لا ضَمانَ عليه؛ لزوالِ التَّمَكنِ مِنَ الهَدْمِ حالةَ السُّقُوطِ.
قال المُصَنِّفُ: ولا على المُشْتَرِي؛ لانْتِفاءِ التَّقَدُّمِ إليه.
وكذا الحُكْمُ لو وهَبَه وأقْبضَه.
وإنْ قُلْنا بلُزومِ الهِبَةِ، زال الضَّمانُ عنه بمُجَرَّدِ العَقْدِ.
انتهى.
وقال ابنُ
الجزء: 15 - الصفحة: 329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقِيلٍ في «الفُصولِ»: إنْ باعَه فِرارًا، لم يسْقُطِ الضَمانُ؛ لأنَّ الحِيَلَ لا تُسْقِطُ الحُقوقَ بعدَ وُجوبِها.
انتهى.
وقال الحارِثِيُّ: والأوْلَى، إنْ شاءَ الله، وجُوبُ الضَّمانِ عليه مُطْلَقًا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، بعدَ كلامِه المُتَقدِّمِ: وكذا لو باعَ فَخًّا أو شبَكَةً مَنْصُوبَين، فوَقَعَ فيهما صَيدٌ في الحَرَمِ، أو مَمْلُوكٌ للغيرِ، لم يسْقُطْ عنه ضَمانُه.
قال ابنُ رَجَبٍ: والظَّاهِرُ أنَّ القاضيَ لا يُخالِفُ في هذه الصُّورَةِ.
قاله في «القاعِدَةِ الرَّابِعَةِ والعِشْرِين».
وقال في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والثَّمانِين»: وهل يجِبُ الضَّمانُ على مَنِ انْتَقَلَ المِلْكُ إليه إذا اسْتَدامَه، أم لا؟ الأَظهَرُ وُجوبُه عليه، كمَنِ اشْتَرَى حائِطًا مائِلًا، فإنَّه يقُومُ مَقامَ البائعِ فيه، فإذا طُولِبَ بإزالتِه، فلم يفْعَلْ، ضَمِنَ على رِوايَةٍ.
انتهى.
السَّابعةُ، إذا تشَقَّقَ الحائِطُ طُولًا،، لم يُوجِبْ
الجزء: 15 - الصفحة: 330
وَمَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا، إلا أنْ تَكُونَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ؛ كَالرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ وَالْقَائِدِ، فَيَضْمَنُ مَا جَنَت يَدُهَا أوْ فَمُهَا دُونَ مَا جَنتْ رِجْلُهَا.
نقْضَه، وحُكْمُه حُكْمُ الصَّحيحِ، وإنْ تشَقَّقَ عَرْضًا، فحُكْمُه حُكْمُ المائلِ، على ما تقدَّم.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والحارِثِيُّ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرُهم.
قوله: وما أَتْلَفَتِ البَهِيمَةُ، فلا ضَمانَ على صاحِبِها.
وهذا المذهبُ بشَرْطِه الآتِي، وعليه الأصحابُ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ، وسواءٌ كان التَّالِفُ صَيدَ حَرَم أو غيرَه.
قال في «الفُروعِ»: أطْلَقَه الأصحابُ.
قال: ويتَوَجَّهُ، إلَّا الضَّارِيَةَ، ولعَلَّه مُرادُهم.
وقد قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، في مَن أمَرَ رَجُلًا بإمْساكِها: ضَمِنَه، إنْ لم يُعْلِمْه بها.
وقال في «الفُصولِ»: مَن أطْلَقَ كَلْبًا عَقُورًا، أو دابَّةً رَفُوسًا، أو
الجزء: 15 - الصفحة: 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَضُوضًا على النَّاسِ، وخَلَّاه في طُرُقِهم ومَصاطبِهم ورِحابِهم، فأَتْلَفَ مالًا، أو نَفَسًا، ضَمِنَ؛ لتَفْرِيطِه.
وكذا إنْ كانَ له طائرٌ جارِحٌ؛ كالصَّقْرِ والبازِيِّ، فأَفْسَدَ طُيورَ النَّاسِ وحَيواناتِهم.
انتهى.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
فائدة: قال في «الانْتِصارِ»: البَهِيمَةُ الصَّائِلَةُ يَلْزَمُ مالِكَها وغيرَه إتْلافُها.
وكذا قال في «عُيونِ المَسائلِ»: إذا عُرِفَتِ البهِيمَةُ بالصَّوْلِ، يجِبُ على مالِكِها قَتْلُها، وعلى الإِمامِ وغيرِه، إذا صالتْ على وَجْهِ المَعْروفِ، ومَن وجَب قَتْلُه على وَجْهِ المَعْروفِ، لم يُضْمَنْ، كمُرْتَدٍّ.
وتقدَّم إذا كانتِ البَهِيمَةُ مغْصُوبَةً، وأتْلَفَتْ، عندَ قوْلِه: وإنْ جنَى المَغْصُوبُ، فعليه أَرشُ جِنايَتِه.
قوله: إلَّا أنْ تَكُونَ في يَدِ إنْسانٍ؛ كالرَّاكِبِ، والسَّائِقِ، والقائدِ -يعْنِي، إذا كان قادِرًا على التَّصَرُّفِ فيها- فيَضْمَنَ ما جنَتْ يدُها أو فَمُها دُونَ ما جَنَتْ
الجزء: 15 - الصفحة: 332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِجْلُها.
وهذا المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ: هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «خِلافِه الصَّغِيرِ»، والشَّرِيفُ أبو جَعْفَر، وابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وعنه، يضْمَنُ السَّائقُ جِنايَةَ رِجْلِها.
قال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: وهي أصحُّ؛ لتَمَكُّنِ السَّائقِ مِن مُراعاةِ الرِّجْلِ، بخِلافِ الرَّاكِبِ والقائدِ.
وعنه، يضْمَنُ ما جنَت برِجْلِها؛ سواءٌ كان سائِقًا أو قائدًا، أو راكِبًا.
ذكَرَها في «المُغْنِي» وغيرِه.
قال الحارِثِيُّ: وأوْرَدَ في «المُغْنِي» هذا الخِلافَ مُطْلَقًا في القائدِ والسَّائقِ والرَّاكِبِ، والصَّوابُ ما حَكاه في «الكافِي» وغيرِه مِنَ التَّقْيِيدِ بالسَّائقِ؛ فإنَّه مأُخُوذ مِنَ القاضي، والقاضي إنَّما
الجزء: 15 - الصفحة: 333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكَرَه في السَّائقِ فقط.
انتهى.
قلتُ: هذا غيرُ مُؤثِّر فيما أوْرَدَه المُصَنِّفُ مِنَ الإِطْلاقِ؛ لأنَّ جماعَةً مِنَ الأصحابِ حَكَوا الرِّواياتِ الثَّلاثَ، والنَّاقِلُ مُقَدَّمٌ على النَّافِي.
وقال في «المُحَرَّرِ»: يضْمَنُ إذا كان معها راكِبٌ أو قائدٌ أو سائقٌ ما جنَتْ بيَدِها وفَمِها ووَطْءِ رِجْلِها، دُونَ نَفْحِها ابْتِداءً.
انتهى.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
وقال ابنُ البَنَّا: إنْ نفَحَتْ برِجْلِها، وهو يَسِيرُ عليها، فلا ضَمانَ، وإنْ كان سائقًا، ضَمِنَ ما جنَتْ برِجْلِها.
فوائد؛ منها، لو كبَحَها باللِّجامِ زِيادَةً على المُعْتادِ، أو ضرَبَها في الوَجْهِ، ضَمِنَ ما جنَتْ برِجْلِها أيضًا، ولو لمَصْلَحَةٍ.
قال الحارِثِيُّ: لا يخْتَلِفُ الأصحابُ في وُجوبِ الضَّمانِ وَطْئًا ونَفْحًا.
وظاهِرُ نَقْلِ ابنِ هانِئٍ في الوَطْءِ؛ لا يضْمَنُ.
[ونقَل أبو طالِبٍ، لا يضْمَنُ] 50 ما أصابَتْ برِجْلِها، أو نفَحَت بها؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على حَبْسِها.
وهو ظاهرُ كلامِ جماعَةٍ.
قاله في «الفُروعِ».
الجزء: 15 - الصفحة: 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنها، لا يضْمَنُ ما جنَتْ بذَنَبِها.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كرِجْلِها.
قال في «الفُروعِ»: ولا ضَمانَ بذَنَبِها في الأصحَّ.
جزَم به في «التَّرْغِيبِ» وغيرِه، وجزَم به أيضًا في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم، مع ذِكْرِهم الخِلافَ في الرِّجْلِ.
وقيل: يضْمَنُ.
قال الحارِثِيُّ: والذَنَبُ كالرِّجْلِ، يَجْرِي فيه الخِلافُ في السَّائقِ، ولا يضْمَنُ به الرَّاكِبُ والقائدُ، كما لا يضْمَنُ بالرِّجْلِ، وجْهًا واحِدًا.
كذا أوْرَدَه في «الكافِي».
انتهى.
ومنها، لو كان السَّبَبُ مِن غيرِ السَّائقِ والقائدِ والرَّاكِبِ؛ مثْلَ أنْ نخَسَها أو نفَّرَها غيرُه، فالضَّمانُ على مَن فعَل ذلك.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
ومنها، لو جنَى وَلَدُ الدَّابَّةِ، ضَمِنَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهب، نصَ عليه.
واخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى، والسَّامَرِّيُّ، وقطَعا به.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارثِيِّ».
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَضْمَنُ إنْ فرَّطَ؛ نحوَ أنْ يَعْرِفَه شَمُوصًا، وإلَّا فلا.
وقيل: لا يَضْمَنُ مُطْلَقًا.
واخْتارهَ المُصنِّفُ، والشَّارِحُ.
وقدَّمه في «الفائقِ»، ومنها، لو كان الرَّاكِبُ اثْنان، فالضَمانُ على الأوَّلِ، إلَّا أنْ يكونَ صَغِيرًا أو
الجزء: 15 - الصفحة: 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَرِيضًا، ونحوَهما، وكان الثَّانِي مُتَوَلِّيًا تَدْبِيرَها، فيَكونَ الضَّمانُ عليه.
وقال الحارثِيُّ: وإنِ اشْتَركا في [التَّصَرُّفِ، اشْتَرَكا في] 51 الضَّمانِ.
وإنْ كان مع الدَّابَّةِ سائق وقائدٌ، فالضَّمانُ عليهما، على المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
قال الحارِثِيُّ: وعن بعضِ المالِكِيَّةِ، الضَّمانُ على القائدِ وحدَه.
قال: وهذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
وإنْ كان معهما، أو مع أحَدِهما راكِبٌ، اشْتَرَكُوا في الضَّمانِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، الضَّمانُ على الراكِبِ فقط.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفائقِ».
وقيل: يضْمَنُ القائدُ فقط.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي».
ومنها، الإبِلُ والبِغالُ المُقْطَرَةُ كالبَهِيمَةِ الواحِدَةِ، على قائدِها الضَّمانُ، وإنْ كان معه سائقٌ، شارَكَه في ضَمانِ الأخِير منها دُونَ ما قبلَه.
هذا إذا كان في آخِرِها.
فإنْ كان في أوَّلِها، شارَكَ في الكُلِّ، وإنْ كان فيما عَدا الأوَّلَ، شارَكَ في ضَمانِ ما باشَرَ سَوْقَه، دُونَ ما قبلَه، وشارَكَ فيما بعدَه.
وإنِ انْفَرَدَ راكِبٌ بالقِطار، وكان على أوَّلِه، ضَمِنَ جِنايَةَ الجَميعِ.
قاله الحارِثِيُّ.
وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» 52، ومَن تَبعَه: المَقْطورُ على الجَمَلِ المَرْكوبِ، يضْمَنُ جِنايَتَه؛ لانَّه في حُكْمِ القائدِ له، فأَمَّا المَقْطورُ على الجَمَلِ الثَّانِي، فيَنْبَغِي أنْ لا تُضْمَنَ جِنايَتُه؛ لأنَّ الرَّاكِبَ الأوَّلَ لا يُمْكِنُه حِفْظُه عنِ الجِنايَةِ.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: وليس بالقَويِّ؛ فإنَّ ما بعدَ الراكبِ إنَّما يَسِيرُ بسَيرِه، ويَطَأُ بوَطْئِه، فأمْكَنَ حِفْظُه عنِ الجِنايَةِ، فضَمِنَ، كالمَقْطُورِ على ما تحتَه.
انتهى.
ومنها، لو انْفَلَتَتِ الدَّابةُ ممَّن هي في يَدِه، وأفْسدَتْ، فلا ضمانَ.
نصَّ عليه، فلو اسْتَقْبَلَها إنْسانٌ فرَدَّها، فقِياسُ قوْلِ
الجزء: 15 - الصفحة: 336
وَمَا أفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ لَيلًا، وَلَا يَضْمَنُ مَا أفْسَدَتْ مِنْ ذَلِكَ نَهَارًا.
الأصحابِ الضمانُ.
قاله الحارثِي.
ومنها، لا فَرْقَ في الرِّاكبِ والسَّائقِ والقائدِ، بينَ المالِكِ، والأجِيرِ، والمُسْتَأجِرِ، والمُسْتَعيرِ، والمُوصَى إليه بالمَنْفَعةِ.
وعُمومُ نُصوصِ أحمدَ تقْتَضِيه.
قوله: وما أفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ والشجَرِ لَيلًا.
يعْنِي، يَضْمَنُه رَبُّها.
وهذا بلا نِزاعٍ.
لكِن ظاهِرَ كلامِ المُصَنفِ الضَّمانُ؛ سواءٌ انْفلَتَتْ باخْتِيارِه، أو بغيرِ اخْتِيارِه.
وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ.
نقَلَها جماعَةٌ؛ منهم ابنُ مَنْصُورٍ، وابنُ هانِئ.
وقطَع به المُصَنِّفُ.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: صرَّح به المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وغيرُه مِنَ الأصحابِ.
انتهى.
وقدَّمه في «الفائقِ».
قال الزَّرْكَشِي: كذا قال جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم القاضي في «الجامِعِ الصَّغِيرِ»، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ في «خِلافَيهما»، والشيرازِيُّ، وابنُ البَنَّا، وابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، وغيرُهم.
انتهى.
الجزء: 15 - الصفحة: 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يَضْمَن إذا لم يُفَرِّطْ.
قدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وقال: جزَم به جماعَةٌ.
قال ابنُ مُنَجَّى: وكلامُه هنا مُشْعِرٌ به؛ لأنَّه عطَفَه على ضَمان ما جَنَتْ يَدُها أو فَمُها، بعدَ اشْتِراطِ كوْنِها في يَدِ إنْسانٍ مَوصوفٍ بما ذكَر.
انتهى.
قال الحارِثِي: إنَّما يَضْمَنُ إذا فرَّط، أمَّا إذا لمُ يُفَرِّطْ، فإنه لا يَضْمَنُ.
قاله القاضِيان؛ أبو يَعْلَى، وابنُه أبو الحُسَينِ، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي يَعْقُوبُ، والسَّامَرِّيُّ، والمُصَنِّفُ في «الكافِي»، وغيرُهم.
انتهى.
الجزء: 15 - الصفحة: 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال في «الفائقِ»: ولو كَسَرتِ البابَ، أو فتَحَتْه، فهَدَرٌ، ولو فتَحَه آدَمِيُّ، ضَمِنَ.
تنبيه: قوْلُه: وما أَفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ والشَّجَرِ ليلًا، يضمَنُه رْبُّها.
خصَّصَ الضَّمانَ بالأمْرَين.
وهكذا قال في «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، وجماعَةٌ.
قال في «الفُروعِ»: جزَم به المُصَنِّفُ.
ولعَلَّه أرادَ في هذا الكِتابِ.
وذكَرَه أيضًا رِوايَةً عن أحمدَ.
وجزَم في «المُغْنِي»، و «الوَجيزِ»، أنَّه لا يضْمَنُ سِوَى الزَّرْعِ.
فقال في «المُغْنِي» 53: إنْ أتْلَفَتْ غيرَ الزَّرْعِ، لم يضْمَنْ مالِكُها؛ نَهارًا كان أو لَيلًا.
قال الحارِثِيُّ، وابنُ مُنَجَّى: ولم أجِدْه لأحَدٍ غيرَه.
انتهيا.
قلتُ: هو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لاقْتِصارِه عليه.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يَضْمَنُ جميعَ
الجزء: 15 - الصفحة: 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما أتْلَفَتْه مُطْلَقًا.
قال الحارِثِيُّ: وكافةُ الأصحابِ على التَّعْميمِ لكُلِّ مالٍ، بل منهم مَن صرَّح بالتَّسْويَةِ بينَ الزَّرْعِ وغيرِه؛ منهم القاضي في «المُجَرَّدِ»، والسَّامَرِّيُّ في «المُسْتَوْعِبِ».
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: خصَّ المُصَنِّفُ الحُكْمَ بالزَّرْعِ والشَّجَرِ، وليس كذلك عندَ الأصحابِ.
انتهى.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، وقال: نصَّ عليه، وجزَم به جماعةٌ.
انتهى.
وقدَّمه في «الفائقِ» أيضًا.
وقال في «الواضِحِ»: يضْمَنُ ما أتْلَفَتْ لَيلًا مِن سائرِ المالِ، بحيثُ لا يُنْسَبُ واضِعُه إلى تَفْرِيطٍ.
فائدة: لو ادَّعَى صاحِبُ الزَّرْعِ، أنَّ غَنَمَ فُلانٍ نفَشَتْ ليلًا، ووُجِدَ في الزَّرعِ أَثرُ غَنَمٍ، قُضِيَ بالضَّمانِ على صاحِبِ الغَنَمِ.
نصَّ عليه في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
الجزء: 15 - الصفحة: 340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجعَل الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ هذا مِنَ القِيافَةِ في الأمْوالِ، وجعَلَها مُعْتَبرَةً كالقِيافَةِ في الأنْسابِ.
قاله في «القاعِدَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ».
ويتَخَرَّجُ وَجْهٌ، لا يُكْتَفَى بذلك.
قلتُ: ومحَلُّ الخِلافِ إذا لم يكُنْ هناك غَنَمٌ لغيرِه.
قوله: ولا يَضْمَنُ ما أَفْسَدَتْ مِن ذلك نَهارًا.
ظاهِرُه؛ سواءٌ أرْسَلَها بقُرْبِ ما تُفْسِدُه عادَةً، أو لا.
وهو أحَدُ القَوْلَين، وهو ظاهرُ كلامِه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وجماعةٍ.
وقدَّمه في «الفرُوعِ».
قال الحارِثِيُّ: وهو الحَقُّ، وهو ظاهرُ كلامِ الأكْثَرِين مِن أهْلِ المذهبِ، وصرَّح به المُصَنِّفُ في «المُغْنِي».
وقال القاضي، وجماعةٌ مِنَ الأصحابِ: لا يَضْمَنُ إلَّا أنْ يُرْسِلَها بقُرْبِ ما تُتْلِفُه عادَةً، فيَضْمَنَ.
وذكَرَه الحارِثِيُّ وغيرُه رِوايَةً.
وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وقاله القاضي في مَوْضِعٍ.
نقَلَه الزَّرْكَشِيُّ.
الجزء: 15 - الصفحة: 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ الأُولَى، قال الحارِثِي: لو جرَتْ عادَةُ بعضِ النَّواحِي برَبْطِها نَهارًا، وبإرْسالِها وحِفْظِ الزَّرْعِ لَيلًا، فالحُكْمُ كذلك؛ لأنَّ هذا نادِرٌ، فلا يُعْتَبَرُ به في التَّخْصيصِ.
الثَّانيةُ، إرْسالُ الغاصِبِ، ونحوه، مُوجبْ للضَّمانِ؛ نَهارًا كان أو لَيلًا، وإرْسالُ المُودَعِ كإرْسالِ المالِكِ في انْتِفاءِ الضَّمانِ.
قاله الحارِثِيُّ أيضًا، والمُسْتَعِيرُ، والمُسْتَأْجِرُ 54 كذلك.
ولو اسْتَأْجرَ أجِيرًا لحِفْظِ دَوابِّه، فأرْسَلَها نَهارًا، فكذلك، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يَشْتَرِطَ الكَفَّ عنِ الزَّرْعِ، فيَضْمَنَ، فهو كاشْتِراطِ المالِكِ على المُودَعِ ضبْطَها نَهارًا.
الثَّالثةُ، لو طردَ دابَّةً مِن مَزْرَعَتِه، لم يَضْمَنْ ما جنَتْ، إلَّا أنْ يُدْخِلَها مَزْرَعَةَ غيرِه، فيَضْمَنَ.
وإنِ اتَّصَلَتِ المَزارِعُ، صَبَرَ؛ ليَرْجِعَ على صاحِبِها.
ولو قَدَرَ أنْ يُخْرِجَها، ولهُ منْصَرَفٌ غيرَ المَزارِعِ فتَرَكَها، فهَدَرٌ.
الرَّابِعَةُ، الحَطَبُ الذي على الدَّابَّةِ، إذا خرَقَ ثَوْبَ آدَمِيٍّ بَصِير عاقل، يَجِدُ مُنْحَرَفًا، فهو هَدَرٌ.
كذا لو كانَ مُسْتَدْبِرًا، وصاحَ به مُنَبِّهًا له، وإلَّا ضَمِنَه فيهما.
ذكَرَه في «التَّرْغِيب»، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ».
الخامسةُ، لو أرْسَلَ طائِرًا فأفْسَدَ، أو لقَط حَبًّا، فلا ضَمانَ.
قاله الحارِثِيُّ.
[وقيل: يضْمَنُ مُطْلَقًا.
وهو الصَّحيحُ.
صحَّحَه ابنُ مُفْلِح في «الآدابِ»، وضعَّف الأوَّلَ، وكذلك صحَّحه ابنُ القَيِّمِ في «الطُرُقِ الحُكْمِيَّةِ»، ولم يذْكُرْها في «الفُروعِ»] 55.
الجزء: 15 - الصفحة: 342
وَمَنْ صَال عَلَيهِ آدَمِيٌّ أَوْ غَيرُهُ، فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
قوله: ومَن صال عليه آدَمِي أو غيرُه، فقتَله دَفْعًا عن نَفْسِه، لم يَضْمَنْه.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وقال في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والعِشْرِين»: لو دفَع صائلًا عليه بالقَتْلِ، لم يَضْمَنْه، ولو دَفَعَه عن غيرِه بالقَتْلِ، ضَمِنَه.
ذكَرَه القاضي.
وفي «الفَتاوَى الرَّجَبِيَّاتِ» عن ابن عَقيلٍ، وابنِ الرَّاغُونِيِّ، لا ضَمانَ عليه أيضًا.
قال الحارِثِيُّ: وعن أحمدَ رِوايَةٌ بالمَنْعِ مِن قِتالِ اللصوصِ في الفِتْنَةِ، فيتَرتَّبُ عليه وُجوبُ الضَّمانِ بالقَتْلِ؛ لأنَّه مَمْنوعٌ منه إذَنْ، وهذا لا عَملَ عليه.
انتهى.
قلتُ: أمَّا وُرودُ الرِّوايَةِ بذلك،
الجزء: 15 - الصفحة: 343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَمُسَلَّمٌ، وأمَّا وُجوبُ الضَّمانِ بالقَتْلِ، ففي النَّفْسِ مِن هذا شيءٌ.
وخرَّج الحارِثِيُّ وغيرُه قَوْلًا بالضَّمانِ بقَتْلِ البَهيمِ الصَّائلِ؛ [بِناءً على ما قاله أبو بَكْر في الصَّيدِ الصَّائلِ] 56 على المُحْرِمِ.
ويأْتِي ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ أيضًا، في آخِرِ بابِ المُحارِبِين، بأَتَمَّ مِن هذا، ومَسائلُ أُخَرُ.
إنْ شاءَ الله تعالى.
فائدة: لو حالتْ بَهِيمَة بينَه وبينَ مالِه، ولم يَصِلْ إليه إلَّا بقَتْلِها، فقَتَلَها، فيَحْتَمِلُ أنْ يَضْمَنَ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَضْمَنَ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وأطْلَقهما الحارِثِيُّ.
قلتُ: قد يقْرُبُ مِن ذلك ما لو انْفَرَشَ الجَرادُ في طَريقِ المُحْرِمِ، بحيثُ إنَّه لا يقْدِرُ على المُرورِ إلَّا بقَتْلِه، هل يَضْمَنُه، أم لا؟ على ما تقدَّم.
ويأْتِي نَظيرُها في آخِرِ كِتابِ الدِّياتِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 344
وَإِنِ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ فَغَرِقَتَا، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَفِينَةَ الْآخَرِ وَمَا فِيهَا.
قوله: وإنِ اصْطَدَمَه سَفِينَتان، فغَرِقَتا، ضَمِنَ كل واحِدٍ منهما سَفينَة الآخَرِ وما فيها.
[هكذا أطْلَقَ كثير مِنَ الأصحابِ.
قال المُصَنِّفُ وغيرُه: محَلُّه إذا فرَّط.
قال الحارِثِي: إنْ فرَّط، ضَمِنَ كل واحدٍ سَفِينَةَ الآخَرِ وما فيها] 57، وإنْ لم يُفَرِّطْ، فلا ضَنمانَ على واحدٍ منهما.
حَكاه المُصَنِّفُ في «كِتابَيه»، ومَن عَداه مِنَ الأصحابِ.
ونصَّ أحمدُ على نحوه مِن رِوايَةِ أبِي طالِبٍ.
مع أنَّ إطْلاقَ المَتْنِ لا يَقْتَضِيه، غيرَ أنَّ الإطْلاقَ مُقَيَّدٌ بحالةِ التَّفْريطِ التي قدَّمْناها، على ما ذهَب إليه الأصحابُ مِن غيرِ خِلافٍ عَلِمْتُه بينَهم.
انتهى.
وقال في «الفُروعِ»: وإنِ
الجزء: 15 - الصفحة: 345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اصْطَدَمَتْ سَفِينَتان فغَرِقَتا، ضَمِنَ كلُّ واخدٍ منهما مُتْلَفَ الآخَرِ.
وفي «المُغْنِي»، إنْ فرَّطا.
وقاله في «المُنْتَخَبِ»، وأنَّه ظاهِرُ كلامِه.
انتهى.
وجزَم بما قاله الحارِثِيُّ في «الرِّعايَةِ» وغيرِها.
تنبيه: حيثُ قُلْنا بالضَّمانِ، فيَضمَنُ كلُّ واحدٍ منهما سَفِينَةَ الآخَرِ وما فيها، كما قال المُصَنفُ.
وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال الحارِثِيُّ: قال الشَّافِعِيُّ: على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ الضَّمانِ؛ لاشْتِراكِهما في السَّبَبِ؛ فإنه حصَل مِن كل واحِدٍ بفِعْلِه وفِعْلِ صاحبِه، فكان مُهْدَرًا في حقِّ نَفْسِه، مضمُونًا في حق الآخَرِ، كما في التَّلَفِ مِن جِراحَةِ نَفْسِه وجِراحَةِ غيرِه.
قال الحارِثِيُّ: وهذا له قُوَّةٌ.
الجزء: 15 - الصفحة: 346
فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مُنْحَدِرَةً، فَعَلَى صَاحِبِهَا ضَمَانُ الْمُصْعِدَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَلَبَهُ رِيحٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِهَا.
قوله: وإنْ كانَتْ إحْداهما مُنْحَدِرَةً، فعلى صاحِبِها ضَمانُ المُصْعِدَةِ، إلَّا أنْ يكونَ غلَبَه رِيحٌ، فلم يَقْدِرْ على ضَبْطِها.
وهذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الحارِثِي»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ.
وفي «الواضِحِ» وَجْهٌ، لا تُضْمَنُ مُنْحدِرَة.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: السَّفِينَةُ كدابَّةٍ، والمَلَّاحُ كراكِبٍ.
تنبيه: قال الحارِثِيُّ: وسواءٌ فرطَ المُصْعِدُ في هذه الحالةِ أو لا، على ما صرَّح به في «الكافِي».
وأطْلَقه الأصحابُ، وأحمدُ.
وقال في «المُغْنِي» 58: إن فرَّط المُصْعِدُ؛ بأنْ أمْكَنَه العُدولُ بسَفِينَتِه، والمُنْحَدِرُ غيرُ قادِرٍ ولا مُفَرِّطٍ، فالضَّمانُ على المُصْعِدِ؛ لأنَّه المُفَرِّطُ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا صَريحٌ في أنَّ المُصْعِدَ يُؤاخَذُ بتَفْريطِه.
الجزء: 15 - الصفحة: 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، يُقْبَلُ قَوْلُ المَلَّاحِ: إنَّ تلَفَ المالِ بغَلَبَةِ رِيحٍ.
ولو تعَمَّدا الصَّدْمَ، فشَرِيكان في إتْلافِ كلَّ منهما، ومَن فيهما.
فإنْ قُتِلَ في الغالِبِ، فالقَوَدُ، وإلَّا شِبْهُ عَمْدٍ، ولا يسقُطُ فِعْلُ المُصادِمِ في حقِّ نَفْسِه مع عَمْدٍ.
ولو حرَقَها عَمْدًا أو شِبْهَه، أو خَطَأ، عُمِلَ على ذلك.
قاله في «الفُروعِ».
وقال الحارِثِي: إنْ عمَد ما لا يُهلِكُ غالِبًا، فشِبْهُ عَمْدٍ.
وكذا ما لو قصَد إصْلاحَها، فقلَع لَوْحًا، أو أصْلَحَ مِسْمارًا، فخَرَقَ مَوْضِعًا.
حَكاه القاضي وغيرُه.
وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» 59: والصَّحيحُ أنَّه خطَأٌ محْضٌ؛ لأنَّه قصَدَ فِعْلًا مُباحًا.
وهل يَضْمَنُ مَن ألْقَى عِدْلًا مَمْلُوءًا بسَفِينَةٍ، فغَرَّقَها، ما فيها، أو نِصْفَه، أو بحِصَّتِه؟ قال في «الفُروعِ»: يَحْتَمِلُ أوْجُهًا.
قلتُ: هي شَبيهَةٌ بما إذا جاوَزَ بالدَّابَّةِ مَكانَ الإجارةِ، أو حمَلَها زِيادَةً على المأْجُورِ، فتَلِفَتْ، أَو زادَ على الحَدِّ
الجزء: 15 - الصفحة: 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَوْطًا، فقتَلَه.
والصَّحيحُ مِنَ المذهب، هناك، أنَّه يضْمَنُه جميعَه على ما تقدَّمَ.
ويأتِي في كلام المُصَنِّفِ، في كتابِ الحُدودِ، فكذلك هنا.
وجزَم في «الفُصولِ»، أنَّه يَضْمَنُ جميعَ ما فيها.
ذكَرَه في أثْناءِ الإِجارَةِ، وجعَلَه أصْلًا لما إذا زادَ على الحدِّ سَوْطًا، في وُجوبِ الدِّيِة كامِلَةً.
وكذلك المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» جعَلَها أصْلًا في وُجوبِ ضَمانِ الدَّابَّةِ كامِلَةً، إذا جاوَزَ بها مَكانَ الإجارَةِ، أو زادَ على الحدِّ سَوْطًا.
ولو أشْرَفَتْ على الغَرَق، فعلى الرُّكْبانِ إلْقاءُ بعضِ الأمْتِعَةِ حسَبَ الحاجَةِ، ويَحْرُمُ إلْقاءُ الدَّوابِّ، حيث أمْكَنَ التَّخْفيفُ بالأمْتِعَةِ، وإنْ ألْجَأت ضَرُورَةٌ إلى إلْقائِها، جازَ؛ صَوْنًا للآدَميِّين.
والعَبِيدُ كالأحْرارِ.
وإنْ تقاعَدُوا عنِ الإلْقاءِ مع الإِمْكانِ، أثِمُوا.
وهل يجبُ الضَّمانُ؟ فيه وَجْهان، اخْتارَ المُصَنِّفُ
الجزء: 15 - الصفحة: 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرُه عدَمَه.
والثَّاني، يضمَنُ.
وأطْلَقهما الحارِثِيُّ.
ولو ألْقَى مَتاعَه، ومَتاعَ غيرِه، فلا ضَمانَ على أحدٍ.
ذكَرَه الأصحابُ.
قاله الحارِثِيُّ.
وإنِ امْتَنَع مِن إلْقاءِ مَتاعِه، فللغيرِ إلْقاؤْه مِن غير رِضاه، دَفْعًا للمَفْسَدَةِ، لكنْ يضْمَنُه.
قاله القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ»، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وغيرُهم.
قال الحارِثِي: وعن مالِكٍ، لا يَضْمَنُ؛ اعْتِبارًا بدَفْعِ الصَّائلِ.
قال: ويتَخَرَّجُ لنا مِثْلُه، بِناءً على انْتِفاءِ الضَّمانِ بما لو أرْسَلَ صَيدًا مِن يَدِ مُحْرِم.
قلتُ: وهذا الصَّوابُ.
وتقدَّمَ في آخِرِ الضَّمانِ بعضُ ذلك، ومَسائِلُ أُخَرُ تَتعَلَّقُ بهذا، فليُعاوَدْ.
الثَّانيةُ، لو كانتْ إحْداهما واقِفَةً، والأخْرَى سائِرَةً،
الجزء: 15 - الصفحة: 350
وَمَنْ أَتْلفَ مِزْمَارًا، أوْ طُنْبُورًا، أَوْ صَلِيبًا،
فعلى قَيِّمِ السَّائِرَةِ ضَمانُ الواقِفَةِ، إنْ فرَّط، وإلَّا فلا.
ذكَرَه المُصَنِّفُ، والقاضي، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم.
ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، في أوائلِ كتابِ الدِّيات، إذا اصْطَدَمَ نَفْسان، أو أرْكَبَ صَبِبَّيْن فاصْطَدَما، ونحوُهما.
قوله: ومَنِ أتْلَفَ مِزْمارًا، أو طُنْبُورًا، أو صَلِيبًا، أو كسَر إناءَ فِضَّةٍ، أو ذَهَب، أو إِناءَ خمْرٍ، لم يَضْمَنْه.
وكذا العُودُ، والطَّبلُ، والنَّرْدُ، وآلةُ السِّحْرِ، والتَّعْزيمِ، والتَّنْجيمِ، وصُوَرُ خَيالٍ، والأوْثانُ، والأصْنامُ، وكُتُبُ المُبْتَدِعَةِ المُضِلَّةُ، وكتُبُ الكُفْرِ، ونحوُ ذلك.
وهذا المذهبُ في ذلك كلِّه.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ، في الثَّلاثَةِ الأوَلِ، وقدَّمُوه في الباقي مِن كلامِ المُصَنِّفِ، وصحَّحُوه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه، في الجميعِ.
قال ناظِمُ «المُفْرَداتِ»: لا ضَمانَ في
الجزء: 15 - الصفحة: 351
أَوْ كسَرَ إِناءَ فِضَّةٍ أَوْ ذهَبٍ،
المَشْهُورِ.
وهو منها.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، يضْمَنُ غيرَ الصَّلِيبِ ممَّا ذكَرَه المُصَنِّفُ.
وأطْلَقَ في «المُحَرَّرِ»، في ضَمانِ كَسْرِ آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَمْرِ، رِوايتَين.
وأطْلَقَ في «التَّلْخيصِ»، في ضَمانِ كَسْرِ أوانِي الِخَمْرِ وشق ظُروفِه، رِوايتَين.
قال في «المُغْنِي» 60: حكَى أبو الخَطَّابِ رِوايَةً بأنَّه يضْمَنُ، إذا كسَر أوانِيَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
قال الحارِثِيُّ: وحَكاها القاضي يَعْقُوبُ في «تَعْليقِه»، وأبو الحُسَينِ في «التَّمامِ»، وأبو يَعْلَى الصَّغيرُ في «المُفْرَداتِ»، وغيرُهم.
قال الحارِثِيُّ: إنْ أْرِيدَ ضَمانُ الإجْزاءِ، وهو ظاهرُ إيرادِهم؛ فإنَّ بعضَهم علَّلَه بجَوازِ المُعاوَضَةِ عليها، والقَطْعِ بسَرِقَتِها، فمُسَلَّم، ولكِنْ ليس محَلَّ النِّزاعِ؛ لأنَّه لا خِلافَ فيه.
وإنْ أرِيدَ ضَمانُ الأرْشِ، وهو فَرْضُ
الجزء: 15 - الصفحة: 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَسْألةِ، فلا أعْلَمُ له وَجْهًا.
وذكَر مأْخذَهم مِنَ الرِّوايَةِ، ورَدَّه.
وعنه، يضْمَنُ آنِيَةَ الخَمْرِ، إنْ كان يُنْتَفَعَ بها في غيرِه.
وعنه، يضْمَنُ غيرَ آلةِ اللَّهْو ممَّا ذكَرَه المُصَنِّفُ.
وعنه، لا يضْمَنُ غيرَ الدُّفِ.
وأطْلَقَ في «الرِّعايةِ»، في ضمانِ دُفِّ الصُّنوجِ رِوايتَين.
وعنه، لا يضْمَنُ دُفَّ العُرْسِ، أعْنِي، التي ليس فيها صُنُوجٌ، ذكَرَها الحارِثِيُّ.
وحكَى القاضي في كتابِ «الروايتَين» رِوايَةً بجَوازِ إتْلافِه في اللَّعبِ بما عَدا النِّكاحِ.
ورَدَّه الحارِثِيُّ.
وقال في «الفُنونِ»: يَحْتَمِلُ أنْ يَضمَنَ آلةَ اللَّهْو، إذا كان يُرْغبُ في مادَّتِها؛ كعُودٍ، وداقورَةٍ.
الجزء: 15 - الصفحة: 353
أوْ إِنَاءَ خَمْرٍ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَعَنْهُ، يَضْمَنُ آنِيَةَ الْخَمْرِ أنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي غَيرِهِ.
تنبيه: مَحلُّ الخِلافِ في آنِيَةِ الخَمْرِ، إذا كانَ مَأمُورًا بإراقَتِها.
واعلمْ أنَّ ظاهِرَ كلامِ المُصَنِّف في آنِيَةِ الخَمْرِ، أنَّه سواءٌ قدَر على إراقَتِها بدُونِ تَلَفِ الإِناءِ، أو لا.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ.
نقلَه المَرُّوذِيُّ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
ونقَل الأَثْرَمُ وغيرُه: إنْ لم يَقْدرْ على إراقَتِها إلَّا بتَلَفِها، لم يضمَنْ، وإلَّا ضَمِنَ.
فوائد؛ منها، لا يَضمَنُ مَخْزنَ الخَمْرِ إذا أحْرَقَه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
نقَلَه ابنُ مَنْصورٍ، واخْتارهَ ابنُ بَطَّةَ وغيرُه.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
ونقَل حنْبَلٌ، يَضْمَنُه.
وجزَم به المُصَنِّفُ.
وقال في «الهَدْي»: يجوزُ تَحْرِيقُ أماكِنِ المَعاصِي وهَدْمُها، كما حرَّقَ رسُولُ اللهِ، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، مَسْجِدَ الضِّرارِ، وأمرَ بهَدْمِه.
ومنها، لا يضْمَنُ كِتابًا فيه أحاديثُ رَدِيئَةٌ حرَّقه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهب.
نقَلَه المَرُّوذِيُّ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
قال في «الانتِصارِ»: فجعَلَه كآلَةِ لَهْوٍ ثم سلَّمَه، على نَصِّه في رِوايَةِ المَرُّوذِيِ، في سِتْرٍ فيه تَصاويرُ.
الجزء: 15 - الصفحة: 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونصَّ على تَخْرِيقِ الثِّيابِ السُّودِ.
قال في «الفُروعِ»: فيَتَوجَّهُ فيهما رِوايَتان.
ومنها، لا يضْمَنُ حَلْيًا مُحَرَّمًا علي الرِّجالِ لم يَسْتَعْمِلُوه، يصْلُحُ للنِّساءِ.
قاله في «الفُروعِ».
ومنها، قال صاحِبُ «الفُروعِ»: ظاهرُ كلامِ الأصحابِ، أنَّ الشِّطْرَنجَ مِن آلةِ اللَّهْو.
قلتُ: بل هي مِن أعْظَمِها، وقد عَمَّ البَلاءُ بها.
ونقَل أبو داودَ، لا شيءَ عليه فيه.
الجزء: 15 - الصفحة: 355
بَابُ الشُّفْعَةِ
وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الْإِنْسَانِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيهَا.
كِتابُ الشُّفْعَةِ
قوله: وهي اسْتِحْقاقُ الإِنْسانِ انتِزاعَ حِصَّةِ شَرِيكِه مِن يَدِ مُشْتَرِيها.
وكذا قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْاهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهبِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهم، و «الخُلاصَةِ»، وزادَ، قَهْرًا.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو غيرُ جامِعٍ؛ لخُروجِ الصُّلْحِ بمَعْنَى البَيعِ، والهِبَةِ بشَرْطِ الثَّوابِ، ونحو ذلك منه.
قلتُ: ويُمْكِنُ الجوابُ عن ذلك بأن الهِبَةَ بشَرْطِ الثَّوابِ، بَيعٌ على الصَّحيح منَ المذهبِ، على ما يأْتِي، فالمَوْهوبُ له مُشْتَر.
وكذلك الصُّلْحُ يُسَمَّى فيه بائعًا ومُشْتَرِيًا؛ لأنَّ الأصحابَ قالوا فيهما: هو بَيعٌ.
فهو إذَنْ جامِعٌ.
وقال في «المُغْنِي» 61: هي اسْتِحْقاقُ الشَّريكِ انْتِزاعَ حِصَّةِ شَرِيكِه المُنْتَقِلَةِ عنه مِن
الجزء: 15 - الصفحة: 358
وَلَا يَحِلُّ الاحْتِيَال لإسْقَاطِهَا.
يَدِ مَنِ انْتَقَلتْ إليه.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو غيرُ مانِعٍ؛ لدُخُولِ ما انْتقَلَ بغيرِ عِوَض؛ كالأَرْش، والوَصِيَّةِ، والهِبَةِ بغيرِ ثَوابٍ، أو بغيرِ عِوَض مالِيٍّ، على المَشْهورِ، كالخُلْعِ ونحوه.
قال: فالأجْوَدُ إذَنْ أنْ يُقال: مِن يَدِ مَنِ انْتقَلَتْ إليه بعِوَض مالِيٍّ، أو مُطْلَقًا.
انتهى.
فائدتان؛ إحْداهما، قال الحارِثِيُّ: ولا خَفاءَ بالقُيودِ في حدِّ المُصَنِّف؛ فقَيدُ الشَّرِكَةِ مُخْرِج للجِوارِ، والخُلْطَةِ بالطَّريقِ، وقَيدُ الشِّراءِ مُخْرِج للمَوْهوبِ، والمُوصَى به، والمَوْروثِ، والمَمْهورِ، والعِوَضِ في الخُلْعِ، والصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ.
وفي بعضِه خِلافٌ.
قال: وأوْرَدَ على قَيدِ الشَّرِكَةِ، أنْ لو كان مِن تَمامِ الماهِيَّةِ، لما حَسُن أنْ يُقاقَ: هل تثْبتُ الشُّفْعَةُ للجارِ، أم لا؟ انتهى.
الثَّانيةُ، قولُه: ولا يحِلُّ الاحْتِيالُ لإِسْقاطِها.
بلا نِزاعٍ في المذهبِ، نصَّ عليه.
الجزء: 15 - الصفحة: 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا تسْقُطُ بالتَّحَيُّلِ أَيضًا.
نصَّ عليه.
وقد ذكَر الأصحابُ للحِيلَةِ في إسْقاطِها صُوَرًا، الأُولَى، أنْ تكونَ قِيمَةُ الشِّقْصِ مِائَةً، وللمُشْتَرِي عَرْضٌ قِيمَتُه مِائَة، فيَبِيعَه العَرْضَ بمِائَتَين، ثم يشْتَرِيَ الشقْصَ منه بمِائَتَين، ويَتقاصَّان، أو يتَواطَآن على أنْ يدْفَعَ إليه عَشَرَةَ دَنانِيرَ عنِ المِائَتَين، وهي أقَلُّ مِنَ المِائَتَين، فلا يُقْدِمُ الشَّفِيعُ عليه؛ لنُقْصانِ قِيمَتِه عنِ المِائتَيْن.
الثَّانيةُ، إظْهارُ كَوْنِ الثَّمَنِ مِائَةً، ويكون
الجزء: 15 - الصفحة: 360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَدْفوعُ عِشْرِين فقط.
الثَّالِثَةُ، أنْ يكونَ كذلك، ويُبْرِئَه مِن ثَمانِين.
الرَّابعة، أنْ يهَبَه الشَّقْصَ، ويهَبَه المَوْهوبُ له الثَّمَنَ.
الخامسةُ، أنْ يبيعَه الشِّقْصَ بصُبْرَةِ دَراهِمَ معْلُومة بالمُشاهَدَةِ، مَجْهولَةِ المِقْدارِ، أو بجَوْهَرٍ، ونحوها.
فالشَّفْيعُ على شُفْعَتِه في جميعِ ذلك، فيَدْفَعُ في الأُولَى قِيمَةَ العَرْضِ مِائَة، أو مِثْلَ العَشَرَةِ دَنانِيرَ.
وفي الثَّانيةِ عِشْرِين.
وفي الثَّالِثَةِ كذلك؛ لأنَّ الإبراءَ حِيلَةٌ.
قاله في «الفائقِ»، وقاله القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: يأْخُذُ الجُزْءَ المَبِيعَ مِنَ الشِّقْصِ بقِسْطِه مِنَ الثَّمَنِ، ويحْتَمِلُ أنْ يأْخُذَ الشِّقْصَ
الجزء: 15 - الصفحة: 361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كُلَّه بجميعِ الثَّمَنِ.
وجزَم بهذا الاحْتِمالِ في «المُسْتَوْعِبِ».
قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيحُ.
وفي الرَّابعَةِ، يرْجِعُ في الثَّمَنِ المَوْهوبِ له.
وفي الخامسةِ، يدْفَعُ مِثْلَ الثَّمَنِ المَجْهولِ، أو قِيمَتَه، إنْ كان باقِيًا.
ولو تعَذَّرَ بتَلَفٍ أو مَوْتٍ، دفَع إليه قِيمَةَ الشقْصِ.
ذكَر ذلك الأصحابُ.
نقَلَه في «التَّلْخيصِ».
وأمَّا إذا تعَذَّرَ مَعْرِفَةُ
الجزء: 15 - الصفحة: 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّمَنِ مِن غيرِ حِيلَةٍ؛ بأنْ قال المُشْتَرِي: لا أعْلَمُ قَدْرَ الثَّمَنِ.
كان القَوْلُ قوْلَه مع يمِينه، وأنَّه لم يَفْعَلْه حِيلَةً، وتسْقُطُ الشُّفْعَةُ.
وقال في «الفائقِ»: قلتُ: ومِن صُوَرِ التحَيُّلِ؛ أنْ يقِفَه المُشْتَرِي، أو يهَبَه حِيلَةً، لإِسْقاطِها، فلا تسْقُط بذلك عندَ الأئمةِ الأرْبَعَةِ، ويغْلَطُ مَن يحْكُمُ بهذا ممَّن ينْتَحِل مذهبَ أحمدَ، وللشَّفِيعِ الأخْذُ بدونِ حُكْم.
انتهى.
قال في «القاعِدَةِ الرَّابِعَةِ والخَمسِين»: هذا الأظهَرُ.
الجزء: 15 - الصفحة: 363
وَلَا تَثْبُتُ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أَحَدُهَا، أنْ يَكُونَ مَبِيعًا.
وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا انْتَقَلَ بِغَيرِ عِوَضٍ بِحَالٍ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 15 - الصفحة: 364
وَلَا فِيمَا عِوَضُهُ غَيرُ الْمَالِ؛ كَالصَّدَاقِ، وَعِوَض الْخُلْعَ، وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
قوله: ولا شُفْعَةَ فيما عِوَضُه غيرُ المالِ؛ كالصَّداقِ، وعِوَضِ الخُلْعِ، والصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
وظاهِرُ «الشَّرْحِ» الإِطْلاقُ؛ أحدُهما، لا شُفْعَةَ في ذلك.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال في «الكافِي»: لا شُفْعَةَ فيه في ظاهِرِ المذهبِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا أشْهَرُ الوَجْهَين عندَ القاضي، وأكثرِ
الجزء: 15 - الصفحة: 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصحابِه.
قال ابنُ مُنَجَّى: هذا أوْلَى.
قال الحارِثِيُّ: أكثرُ الأصحابِ قال بانْتِفاءِ الشُّفْعَةِ؛ منهم أبو بَكْر، وابنُ أبِي مُوسى، وأبو عليِّ بنُ شِهابٍ، والقاضي، وأبو الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ»، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي يَعْقُوبُ، والشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَر، وأبو القاسِمِ الزَّيدِيُّ، والعُكْبَرِيُّ، وابنُ بَكْروس، والمُصَنِّفُ.
وهذا هو المذهبُ، ولذلك قدَّمه في المَتْنِ.
انتهى.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وصحَّحه في «التَّصحيحِ»، و «النَّظْمِ».
وجزَم به في «العُمْدَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهها.
والوَجْهُ الثَّاني، فيه الشُّفْعَةُ.
اخْتارَه ابنُ حامِدٍ، وأبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ»، وابنُ حَمْدانَ في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى».
وقدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه».
فعلى هذا القَوْلِ، يأْخُذُه بقِيمَتِه.
على الصَّحيحِ.
اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه»، وصاحِبُ «الفائقِ».
وصحَّحه النَّاظِمُ.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وجزَم به في «الهِدايَةِ».
وقيل: يأْخُذُه
الجزء: 15 - الصفحة: 366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بقِيمَةِ 62 مُقابِلِه؛ مِن مَهْرٍ ودِيَةٍ.
حَكاه الشَّريفُ أبو جَعْفَر عنِ ابنِ حامِدٍ.
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».
وسيأْتِي ذلك في كلام المُصَنِّفِ؛ في آخِرِ الفَصْلِ السَّادِسِ.
فوَائد؛ منها، قال في «الفُروعِ»: وعلى قِياسِ هذه المَسْأَلةِ؛ ما أُخِذَ أُجْرَةً، أو ثَمَنًا في سَلَمٍ، أو عِوَضًا في كِتابَةٍ.
وجزَم به في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
قال في
الجزء: 15 - الصفحة: 367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الكافِي»: ومِثْلُه ما اشْتَراه الذميُّ بخَمْر، أو خِنْزِير.
قال الحارِثِيُّ: وطرَد أصحابُنا الوَجْهَين في الشِّقْصِ المَجْعُولِ أُجْرَةً في الإجارَةِ، ولكِنْ نقولُ: الإِجارَةُ
الجزء: 15 - الصفحة: 368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَوْعٌ مِنَ البَيعِ، فيَبْعُدُ طَرْدُ الخِلافِ [إذَنْ.
فالصَّحيحُ على أصْلِنا، جرَيانُ الشُّفْعَةِ، قوْلًا واحِدًا.
ولو كان الشِّقْصُ جُعْلًا في جَعالةٍ، فكذلك مِن غيرِ فَرْقٍ.
وطرَد صاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وغيرُه مِنَ الأصحابِ الخِلافَ] 63 أيضًا في الشِّقْصِ المأْخُوذِ عِوَضًا عن نُجومِ الكِتابَةِ.
ومنهم مَن قطَع بنَفْي الشفْعَةِ فيه، وهو القاضي يَعْقُوبُ.
ولا أعْلَمُ لذلك وَجْهًا.
وحكَى بعضُ شُيوخِنا، فيما قرأْتُ عليه، طَرْدَ الوَجْهَين أيضًا في المَجْعولِ رأْسَ مالٍ في السَّلَمِ.
وهو أيضًا بعيدٌ؛ فإنَّ السَّلَمَ نَوْعٌ مِنَ البَيعِ.
انْتَهى كلامُ الحارِثِيِّ، ثم قال: إذا تقَرَّرَ ما قُلْنا في
الجزء: 15 - الصفحة: 369
فَصْلٌ: الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ شِقْصًا مُشَاعًا مِنْ عَقَارٍ يَنْقَسِمُ، فَأَما الْمَقْسُومُ الْمُحَادُ فَلَا شُفْعَةَ لِجَارِهِ فِيهِ.
المأْخُوذِ 64 عِوَضًا عن نُجومِ الكِتابَةِ، فلو عجَز المُكاتَبُ بعدَ الدَّفْعِ ورَقَّ، هل تجِبُ الشُّفْعَةُ إذَنْ؟ قال في «التَّلْخيصِ»: يحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، نعم.
والثَّاني، لا، وهو أوْلَى.
الثَّانيَةُ، لو قال لأمِّ وَلَدِه: إنْ خدَمْتِ أوْلادِي شَهْرًا، فلك هذا الشِّقْصُ.
فخَدَمَتْهم، اسْتَحَقَّتْه، وهل تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ؟ يحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، نعم.
وهذا على القَوْلِ بالشُّفْعَةِ في الإِجارَةِ.
والثَّاني، لا؛ لأنَّها وَصِيَّة.
قاله الحارِثِيُّ.
وهذا الثَّاني هو الصَّوابُ.
الثَّالثةُ، إذا قيلَ بالشفْعَةِ في المَمْهُورِ، فطَلَّقَ الزَّوْجُ قبلَ الدُّخولِ، وقبلَ الأخْذِ، فالشُّفْعَةُ مُسْتَحَقَّةٌ في النِّصْفِ بغيرِ إشْكالٍ، وما بَقِيَ؛ إنْ عفَا عنه الزَّوْجُ، فهِبَةٌ مُبْتَدَأة لا شُفْعَةَ فيه، على الصَّحيحِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يسْتَحِقُّه الشَّفِيعُ.
وإنْ لم يَعْفُ، فلا شُفْعَةَ فيه أيضًا.
على الصَّحيحِ؛ لدُخُولِه في مِلْكِ الزَّوْجِ قبلَ الأخْذِ.
قدَّمه في «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
وذكَر القاضي، وابنُ عَقِيلٍ احْتِمالين، والمُصَنِّفُ وَجْهَين.
قال الحارِثِيُّ: والأخْذُ هُنا بالشُّفْعَةِ لا يتَمَشَّى على أصُولِ أحمدَ.
وإنْ أخَذ الشَّفِيعُ قبلَ الطَّلاقِ، فالشُّفْعَةُ ماضِيَة، ويرْجِعُ الزَّوْجُ إلى نِصْفِ قِيمَةِ الشِّقْصِ.
قال القاضي وغيرُه: يرْجِعُ بأقَلِّ الأمْرَين؛ مِن نِصْفِ قِيمَتِه يَوْمَ إصْداقِها، ويَوْمَ إقْباضِها.
قوله: الثَّاني، أَنْ يكونَ شِقْصًا مُشاعًا مِن عَقارٍ يَنْقَسِمُ -يعْنِي قِسْمَةَ إجْبارٍ -
الجزء: 15 - الصفحة: 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأمَّا المَقْسُومُ المَحْدُودُ، فلا شُفْعَةَ لجارِه فيه.
وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: تثْبُتُ الشُّفْعَةُ للجارِ.
وحكاه القاضي يَعْقُوبُ في «التَّبْصِرَةِ»، وابنُ الزَّاغُونِيِّ عن قَوْم مِنَ الأصحابِ رِوايَةً.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وصحَّحه ابنُ الصَّيرَفِيِّ، واخْتارَه الحارِثِيُّ، فيما أظُنُّ، وأخَذ الرِّوايَةَ مِن نَصِّه في رِوايَةِ أبِي طالِبٍ، ومُثَنَّى، لا يحْلِفُ أنَّ الشُّفْعَةَ تُسْتَحَقُّ بالجِوارِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الحارِثِيُّ: والعَجَبُ ممَّن يُثْبِتُ بهذا رِوايَةً عن أحمدَ.
قال في «الفائقِ»: وهو مأخَذٌ ضعيفٌ.
وقيل: تجِبُ الشُّفْعَةُ بالشَّرِكَةِ في مَصالحِ عَقارٍ.
اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وصاحِبُ «الفائقِ».
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ أبي طالِبٍ،
الجزء: 15 - الصفحة: 372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد سأَلَه عنِ الشُّفْعَةِ؟ فقال: إذا كان طَريقُهما واحِدًا شُرَكاءَ، لم يقْتَسِمُوا، فإذا صُرِّفَتِ الطُّرُقُ، وعُرِفَتِ الحُدودُ، فلا شُفْعَةَ.
وهذا هو الذي اخْتارَه الحارِثِيُّ.
لا كما ظَنَّه الزَّرْكَشِي، مِن أنَّه اخْتارَ الشُّفْعَةَ للجارِ مُطْلَقًا، فإنَّ الحارِثِيَّ قال: ومِنَ النَّاسِ مَن قال بالجَوازِ، لكِنْ بقَيدِ الشَّرِكَةِ في الطَّريقِ.
وذكَر ظاهِرَ كلامِ أحمدَ المُتقَدِّمِ، ثم قال: وهذا الصَّحيحُ الذي يتَعَيَّنُ المَصِيرُ إليه.
ثم ذكَر أدِلَّتَه، وقال: وفي هذا المذهبِ جَمْعًا بينَ الأخْبارِ دُونَ غيرِه، فيكونُ أوْلَى بالصَّوابِ.
فوائد؛ منها، شَرِيكُ المَبِيعِ أوْلَى مِن شَرِيكِ الطَّريقِ، على القَوْلِ بالأخْذِ.
قاله الحارِثِيُّ.
ومنها، عدَمُ الفَرْقِ في الطَّرِيقِ بينَ كَوْنِه مُشْتَرَكًا بمِلْكٍ، أو باخْتِصاص.
قدَّمه الحارِثِيُّ، وقال: ومِنَ النَّاسِ مَن قال: المُعْتَبَرُ شَرِكَةُ المِلْكِ، لا شَرِكَةُ الاخْتِصاصِ.
وهو الصَّحيحُ.
ومنها، لو بِيعَتْ دارٌ في طَرِيقٍ، لها دَرْبٌ في طريقٍ لا ينْفُذُ، فالأَشْهَرُ تجِبُ، إنْ كان للمُشْتَرِي طَرِيق غيرَه، أو أمْكَنَ فَتْحُ
الجزء: 15 - الصفحة: 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بابِه إلى شارِعٍ.
قاله في «الفُروعِ».
وجزَم به في «التَّلْخيصِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الشَّرْحِ» وغيرِه.
وقيل: لا شُفْعَةَ بالشَّرِكَةِ فيه فقط.
ومال إليه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وقيل: بلى.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
وإنْ كان نَصِيبُ المُشْتَرِي فوقَ حاجَتِه، ففي الزَّائدِ وَجْهان.
اخْتارَ القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وُجوبَ الشُّفْعَةِ في الزَّائدِ.
وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» 65: والصّحيحُ، لا شُفْعَةَ.
وصحَّحه
الجزء: 15 - الصفحة: 374
وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ، كَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ، وَالْبِئْرِ،
الشَّارِحُ.
وأطْلَقَهما الحارِثِيُّ في «شَرْحِه»، و «الفُروعِ».
وكذا دِهْلِيزُ الجارِ، وصَحْنُ دارِه.
قاله في «الفُروعَ»، والحارِثِيُّ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
ومنها، لا شُفْعَةَ بالشَّرِكَةِ في الشِّرْبِ مُطْلَقًا؛ وهو النَّهْرُ، أو البئْرُ، يسْقِي أرْضَ هذا وأرْضَ هذا، فإذا باعَ أحدُهما أرْضَه، فليس للآخَرِ الأخْذُ بحَقِّه مِنَ الشِّرْبِ.
قاله الحارِثِيُّ وغيرُه.
ونصَّ عليه.
قوله: ولا شُفْعَةَ فيما لا تجِبُ قِسْمَتُه؛ كالحَمَّامِ الصَّغيرِ، والبِئْرِ، والطُّرُقِ، والعِراصِ الضَّيِّقَة، ولا ما ليس بعَقارٍ؛ كالشَّجَرِ، والحَيَوانِ، والبِناءِ المُفْرَدِ -
الجزء: 15 - الصفحة: 375
وَالطُّرُقِ، وَالعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ،
وكالجَوْهَرَةِ، والسَّيفِ، ونحوهما- في إحْدَى الرِّوايتَين.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الرعايَةِ الكُبْرَى»؛ إحْداهما، لا شُفْعَةَ فيه.
وهو الصحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحاب.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ.
قال في «الرعايَةِ الكُبْرَى»: أَظْهَرُهما، لا شُفْعَةَ فيه.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الفُروعِ» و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: لا شُفْعَةَ فيه، في أصحِّ الروايتَين.
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ».
وجزَم به في «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما.
وقدَّمه في «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، وغيرِهم.
والروايَةُ الثَّانيةُ، فيه الشُّفْعَةُ.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، وأبو محمدٍ الجَوْزِيُّ، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الحقُّ.
وعنه، تجِبُ في كلِّ مالٍ، حاشا
الجزء: 15 - الصفحة: 376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَنْقُولًا لا 66 ينْقَسِمُ.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وقيل: تجِبُ في زَرْعٍ وثَمَر مُفْرَدٍ.
فعلى المذهبِ، يُؤْخَذُ البِناءُ والغرِاسُ تبَعًا للأرْضِ، كما تقدَّم.
قال المُصَنِّفُ: قال الحارِثِيُّ: لا خِلافَ فيهما على كِلْتا الرِّوايتَين.
زادَ في «الرِّعايَةِ»، ممَّا يدْخُلُ تبَعًا؛ النَّهْرُ، والبِئْرُ، والقَناةُ، والرَّحَى، والدُّولابُ.
فائدة: المُرادُ بما ينْقَسِمُ، ما تجِبُ قِسْمَتُه إجْبارًا، وفيه رِوايَتان؛ إحْداهما، ما يُنْتَفَعُ به مَقْسُومًا منْفَعَتُه التي كانتْ، ولو على تَضايُقٍ، كجَعْلِ البَيتِ بَيتَين.
قال في «التَّلْخيصِ»: وهو الأظْهَرُ.
[قال الخِرَقِيُّ: ويَنْتَفِعان به مَقْسُومًا] 67.
الجزء: 15 - الصفحة: 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الحارِثِيُّ: وإيرادُ المُصَنِّفِ هنا يقْتَضِي التَّعْويلَ على هذه الرِّوايَةِ، دُونَ ما عَداها؛ لأنَّه مثَّل ما لا تَجِبُ قِسْمَتُه بالحَمَّامِ والبِئْرِ الصَّغِيرَين، والطَّرُقِ والعِراصِ الضيِّقَةِ.
وكذلك أبو الخَطَّابِ في «كِتابِه».
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: وهو أشْهَرُ عن أحمدَ وأصحُّ.
وجزَم به في «العُمْدَةِ»، في بابِ القِسْمَةِ.
قال في «التَّلْخِيصِ»: ويحْتَمِلُ أنْ يكونَ أيَّ مَنْفَعَةٍ كانتْ، [ولو كانتْ] 68 بالسُّكْنَى.
وهو ظاهِرُ إطْلاقِه في «المُجَرَّد».
انتهى.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، ما ذكَرْنا، وأنْ لا تنْقُصَ القِيمَةُ بالقِسْمَةِ نَقْصًا بَيِّنًا.
نقلَه المَيمُونِيُّ.
واعْتِبارُ النَّقْصِ، هو ما مال إليه المُصَنِّفُ، وأبو الخَطَّابِ، في بابِ القِسْمَةِ، وأطْلَقَهما في «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
ويأْتِي ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ، في بابِ القِسْمَةِ بأَتَمَّ مِن هذا مُحَرَّرًا.
الجزء: 15 - الصفحة: 378
وَمَا لَيسَ بِعَقَارٍ؛ كَالشَّجَرِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبِنَاءِ الْمُفْرَدِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
إلَّا أنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يُؤخَذُ تَبَعًا لِلْأرْضِ، وَلَا تُؤخَذُ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ تَبَعًا، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
قوله: ولا تُؤْخَذُ الثمَرَةُ والزَّرْعُ تَبَعًا، في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو المذهبُ، اخْتارَه القاضي، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو قَوْلُ أبِي الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ»، وابنِ عَقِيلٍ، والشَّرِيفِ أبِي جَعْفَر في آخَرَين.
انتهى.
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الكافِي»، و «الرعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ».
والوَجْهُ الثَّاني، تُؤْخَذُ تَبَعًا؛ كالبِناءِ، والغِراسِ.
وهو احْتِمالُ في «الهِدايَةِ».
قال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»: وقال أبو الخَطابِ: تُؤْخَذُ الثِّمارُ.
وعليه يُخَرَّجُ الزَّرْعُ.
قال الحارِثِيُّ: واخْتارَه القاضي قديمًا في «رُءوسِ المَسائلِ».
وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الفائقِ».
وظاهِرُ «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، الإطْلاقُ.
وأكْثَرُهم إنَّما حكَى الاحْتِمال، أو الوَجْهَ، في الثَّمَرِ، وخرَج منه إلى الزَّرْعِ.
وقيَّد المُصَنِّفُ الثَّمَرَةَ بالظَّاهِرَةِ، وأنَّ غيرَ الظَّاهِرَةِ تدْخُلُ تبَعًا، مع أنَّه قال في «المُغْنِي» 69: إنِ اشْترَاه وفيه طَلْعٌ لم يُؤْبَرْ، فأَبرَه، لم يأْخُذِ الثَّمَرَةَ، وإنَّما يأْخُذُ الأرْضَ والنَّخْلَ بحِصَّتِه، كما في شِقْصٍ وسَيفٍ.
وكذا ذكَر غيرُه، إذا لم يدْخُلْ، فإنَّه يأْخُذُ الأَصْلَ بحِصَّتِه.
الجزء: 15 - الصفحة: 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو كان السُّفْلُ لشَخْصٍ، والعُلْوُ مُشْتَرَكًا، والسَّقْفُ مُخْتَصًّا بصاحِبِ السُّفْلِ، أو مُشْترَكًا بينَه وبينَ أصحابِ العُلْو، فلا شُفْعَةَ في السَّقْفِ؛ لأنَّه لا أرْضَ له، فهو كالأَبْنِيَةِ المُفْرَدَةِ.
وإنْ كان السَّقْفُ لأصحابِ العُلْو، ففيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّ قَرارَه كالأرْضِ.
قدَّمه في «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفائقِ».
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه لا شُفْعَة فيه؛ لأنَّه غيرُ مالِكٍ للسُّفلِ، وإنَّما
الجزء: 15 - الصفحة: 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
له عليه حقٌّ، فأشْبَهَ مُسْتَأْجِرَ الأرْضِ.
خرَّجه بعضُ الأصحابِ.
قاله في «التَّلْخيصِ»، وقال: فاوَضْتُ فيها بعضَ أصحابِنا، وتَقرَّرَ حُكْمُها بينِي وبينَه على ما بَيَّنْتُ.
وهذا الوَجْهُ قدَّمه في «المُغْنِي»، فقال 70: وإنْ بِيعَتْ حِصَّةٌ مِن
الجزء: 15 - الصفحة: 383
فصلٌ: الثَّالِثُ، الْمُطَالبَةُ بِهَا عَلى الْفَوْرِ سَاعَةَ يَعْلَمُ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال الْقَاضِي: لَهُ طَلبُهَا فِي الْمَجْلِسِ وَإنْ طَال فَإنْ أخَّرَهُ، سَقَطَتْ شُفعَتُهُ.
عُلْو دارٍ مُشْتَرَكٍ، نظَرْتَ؛ فإنْ كان السَّقْفُ الذي تحتَه لصاحِبِ السُّفْلِ، فلا شُفْعَةَ في العُلْو؛ لأنَّه بِناغ مُنْفَرِدٌ، وإنْ كان لصاحِبِ العُلْو، فكذلك؛ لأنَّه بناءٌ مُنْفَرِدٌ، لكَوْنِه لا أرْضَ له، فهو كما لو لم يكُنِ السَّقْفُ له.
ويَحْتَمِلُ ثُبوتَ الشُّفْعَةِ؛ لأن له قَرارًا، فهو كالسُّفْلِ.
انتهى.
وقدَّمه أيضًا الشَّارِحُ، وابنُ رَزِين.
وأطْلَقَهما في «شَرْح الحارِثِي».
ولو باعَ حِصَّتَه مِن عُلْو مُشْتَرَكٍ على سَقْفٍ لمالِكِ السُّفْلِ، فقال في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «التلْخيصِ»، وغيرِهم: لا شُفْعَةَ لشَرِيكِ العُلْو؛ لانْفِرادِ البِناءِ.
وَاقْتَصَرَ عليه الحارِثِيُّ.
وإنْ كان السَّقْفُ مُشْتَرَكًا بينَه وبينَ أصحابِ العُلْو، فكذلك.
قاله في «التَّلْخيصِ» وغيرِه.
وإنْ كان السُّفْلُ مُشْتَرَكًا، والعُلْوُ خالِصًا لأحَدِ الشَّرِيكَين، فباعَ العُلْوَ ونَصِيبَه مِنَ السُّفْلِ، فللشَّرِيكِ الشُّفْعَةُ في السُّفْلِ، لا في العُلْو؛ لعدَمِ الشرِكَةِ فيه.
قوله: الثَّالِثُ، المطالبَةُ بها على الفَوْرِ.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم، ونصَّ عليه.
بل هو المَشْهورُ عنه.
وعنه، أنَّها على التَّراخِي ما لم يَرْضَ، كخِيارِ العَيبِ.
اخْتارَه القاضي يَعْقُوبُ،
الجزء: 15 - الصفحة: 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قاله الحارِثِيُّ وغيرُه.
قال الحارِثِيُّ وغيرُه: وحكَى جماعَةٌ، وعَدَّهم، رِوايَةً بثُبوتِها على التَّراخِي، لا تسْقُطُ ما لم يُوجَدْ منه ما يدُلُّ على الرِّضَا أو دَلِيله؛ كالمُطالبَةِ بقِسْمَةٍ، أو بَيعٍ، أو هِبَةٍ، نحوَ: بِعْنيِه.
أو: هَبْه لي.
أو: قاسِمْنِي.
أو: بِعْه لفُلانٍ.
أو: هَبْه له.
انتهى.
والتَّفْريعُ على الأوَّلِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: ساعَةَ يعْلَمُ.
نصَّ عليه.
هذا المذهبُ.
أعْني، أنَّ المُطالبةَ على الفَوْرِ ساعَةَ يعْلَمُ.
نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
جزَم به ابنُ البَنَّا في «خِصالِه»، و «العُمْدَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «مُنتخَبِ الأزَجِيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، و «الهادِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرعايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «شَرْح ابنِ مُنَجَّى»، و «الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ»، وغيرِهم.
نقَل ابنُ
الجزء: 15 - الصفحة: 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَنْصُورٍ، لا بُدَّ مِن طَلَبِها حينَ يسْمَع؛ حتى يُعْلَمَ طَلبُه، ثم له أنْ يُخاصِمَ ولو بعدَ أيَّام.
قاله في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال القاضي: له طَلَبُها في المَجْلِسِ، وإنْ طال.
وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ، واخْتارَها ابنُ حامِدٍ أيضًا، وأكثرُ أصحابِ القاضي؛ منهم الشَّرِيفَان؛ أبو جَعْفَر، والزَّيدِيُّ، وأبو الخَطابِ في «رُءوسِ المَسائلِ»، وابنُ عَقِيلٍ، والعُكْبَرِيُّ، وغيرُهم.
قال الحارِثِيُّ: وهذا يتَخَرَّجُ مِن نصِّ أحمدَ على مِثْلِه في خِيارِ المُجْبَرةِ، ومن غيرِه.
قال: وهذا مُتَفرِّعٌ على القَوْلِ بالفَوْرِيَّةِ،
الجزء: 15 - الصفحة: 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما في «التَّمامِ»، وفي «المُغْنِي»؛ لأنَّ المَجْلِسَ كلَّه في مَعْنَى حالةِ العَقْدِ، بدَليلِ التَّقابُضِ فيه لما يُعْتَبرُ له القَبْضُ، يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ حالةِ العَقْدِ، ولكِن إيرادَه هنا مُشعِرٌ بكَوْنِه قَسيمًا للفوْرِيَّةِ.
انتهى.
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه الخِرَقِيُّ، وابنُ حامِدٍ، والقاضي، وأصحابُه.
قلتُ: ليس كما قال عنِ الخِرَقِيِّ، بل ظاهِرُ كلامِه، وُجوبُ المُطالبَةِ ساعَةَ يعْلَمُ؛ فإنه قال: ومَن لم يُطالِبْ بالشُّفْعَةِ في وَقْتِ عِلْمِه بالبَيعِ، فلا شُفْعَةَ له.
انتهى.
وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ».
الجزء: 15 - الصفحة: 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهان؛ أحدُهما، قال الحارِثِيُّ: وفي جَعْلِ هذا شَرْطًا إشْكالٌ؛ وهو أنَّ المُطالبَةَ بالحقِّ فرْعُ ثُبوتِ ذلك الحقِّ، ورُتبةُ ذلك الشَّرْطِ تَقدُّمُه على المَشْرُوطِ، فكيفَ يقالُ بتَقَدُّمِ المُطالبَةِ على ما هو أصْلٌ له؟ هذا خِلْفٌ.
أو نقولُ: اشْتِراطُ المُطالبَةِ يُوجِبُ تَوقُّفَ الثُّبوتِ عليها، ولا شَكَّ في توَقُّفِ المُطالبَةِ على الثُّبوتِ، فيكونُ دَوْرًا.
والصَّحيحُ، أنَّه شَرْطٌ لاسْتِدامَةِ الشُّفْعَةِ، لا لأَصْلِ ثُبوتِ الشُّفْعَةِ؛ ولهذا قال: فإنْ أخَّرَه، سقَطَتْ شُفْعَتُه.
انتهى.
الثَّاني، كلامُ المُصَنِّفِ وغيره، مُقَيَّدٌ بما إذا لم يكُنْ عُذْرٌ، فإنْ كان عُذْرٌ؛ مثْلَ أنْ لا يعْلَمَ، أو عَلِمَ ليلًا فأخَّرَه إلى الصُّبْحِ، أو أخَّرَه لشِدَّةِ جُوعٍ، أو عَطَشٍ حتى أكلَ أو شَرِبَ، أو أخَّرَه لطَهارَةٍ، أو إغْلاقِ بابٍ، أو ليَخْرُجَ مِنَ الحمَّامِ، أو ليَقْضِيَ حاجَتَه، أو ليُؤَذِّنَ ويُقِيمَ ويأْتِيَ بالصَّلاةِ وسُنَّتِها، أو ليَشْهَدَها في جماعَةٍ يخَافُ فوْتَها، ونحو ذلك.
وفي «التَّلْخيصِ» احْتِمالٌ بأنَّه يقْطَعُ الصَّلاةَ، إلَّا أنْ تكونَ فَرْضًا.
قال الحارِثِيُّ: وليس بشيءٍ.
وهو كما قال، فلا تسْقُطُ إلَّا أنْ يكونَ المُشْتَرِي حاضِرًا عندَه في هذه الأحْوالِ، فمُطالبَتُه مُمْكِنَةٌ، ما عدَا الصَّلاةَ، وليس عليه تَخْفِيفُها، ولا الاقْتَصارُ على أقَلِّ ما يُجْزِئُ.
ثم إنْ كان غائبًا عنِ المَجْلِسِ، حاضِرًا في البَلَدِ، فالأَوْلَى أن يُشْهِدَ على الطَّلَبِ، ويُبادِرَ إلى المُشْتَرِي بنَفْسِه، أو بوَكِيلِه، فإنْ بادَر هو أو وَكِيلُه مِن غيرِ إشْهادٍ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه على شُفْعَتِه.
صحَّحه في «التَّلْخيصِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهما.
قال الحارِثِيُّ: وهو ظاهِرُ إيرادِ المُصَنِّفِ في آخَرَين.
وقيل: يُشترَطُ الإِشْهادُ.
اخْتارَه القاضي في «الجامِع الصَّغِيرِ».
ويأْتِي، هل يمْلِكُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بمُجَرَّدِ المُطالبَةِ، أمْ لا؟ عندَ قوْلِه: وإنْ ماتَ الشَّفيعُ، بطَلَتِ الشُّفْعَةُ.
أمَّا إنْ تعَذَّر الإِشْهادُ، سقَطَ، بلا نِزاعٍ، والحالةُ هذه؛ لانْتِفاءِ التَّقْصيرِ.
وإنِ اقْتْصرَ على الطَّلَبِ مُجَرَّدًا عن مُواجَهَةِ
الجزء: 15 - الصفحة: 389
إلا أَنْ يَعْلَمَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَيُشْهِدَ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا، ثُمَّ إِنْ أخَّرَ الطَّلَبَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ عِنْدَ إِمْكَانِهِ، أَوْ لَمْ يُشْهِدْ وَلَكِنْ سَارَ فِي طَلَبِهَا، فَعَلَى وَجْهَينِ.
المُشْتَرِي، قال الحارِثِيُّ: فالمذهبُ الإِجْزاءُ.
قال: وكذلك قال أبو الحَسَنِ بنُ الزَّاغُونِيِّ في «المَبْسُوطِ»، ونقَلْتُه مِن خطِّه، فقال: الذي نذْهَبُ إليه، أنَّ ذلك يُغْنِي عنِ المُطالبَةِ بمَحْضرِ الخَصْمِ؛ فإنَّ ذلك ليس بشَرْطٍ في صِحَّةِ المُطالبَةِ.
وهو ظاهِرُ ما نقلَه أبو طالِبٍ عن أحمدَ، وهو قِياسُ المذهبِ أيضًا، وهو ظاهِرُ كلامِ أبِي الخَطَّابِ في «رُءوسِ مَسائلِه»، والقاضي أبِي الحُسَينِ في «تَمامِه».
وصرَّحَ به في «المُحَرَّرِ»، لكِنْ بقَيدِ الإِشْهادِ.
وهو المَنْصُوصُ عن أحمدَ مِن رِوايَةِ أبِي طالِبٍ، والأَثْرَمِ.
وهذا اخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ.
وإيرادُ المُصَنِّفِ هنا يقْتَضِي عدَمَ الإِجْزاءِ، وأنَّ الواجِبَ المُواجَهَةُ، ولهذا قال: فإنْ ترَكَ الطَّلَبَ والإشْهادَ لعَجْزِه عنهما؛ كالمَرِيضِ، والمَحْبُوسِ، فهو على شُفْعَتِه.
ومَعْلُومٌ أنَّهما لا يعْجِزان عن مُناطَقَةِ أنْفُسِهما بالطَّلَبِ.
وقد صرَّحِ به في «العُمْدَةِ»؛ فقال: إنْ أخَّرَها، يعْنِي المُطالبَةَ، بطَلَتْ شُفْعَتُه، إلَّا أنْ يكون عاجِزًا عنها لغَيبَةٍ، أو حَبْسٍ، أو مَرَضٍ، فيكُونَ على شُفْعَتِه متى قَدَرَ عليها.
انتهى كلامُ الحارِثِيِّ.
قوله: فإنْ أخَّره، سقَطَتْ شُفْعَتُه.
يعْنِي، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقد تَقدَّمَتْ رِوايَة بأنَّه على التَّراخِي.
قوله: إلَّا أنْ يعْلَمَ وهو غائِبٌ، فيُشْهِدَ على الطَّلَبِ بها، ثم إنْ أخَّرَ الطَّلَبَ بعدَ
الجزء: 15 - الصفحة: 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإِشْهادِ عندَ إمْكانِه، أو لَمْ يُشْهِدْ، لَكِنَّه سارَ في طَلَبِها، فعلى وَجْهَين.
شَمِلَ كلامُه مَسْألَتَين؛ إحْداهما، أنْ يُشْهِدَ على الطَّلَبِ حين يَعْلَمُ، ويُؤخِّرَ الطَّلَبَ بعدَه، مع إمْكانِه.
فأطْلَقَ في سُقُوطِ الشُّفْعَةِ بذلك وَجْهَين، وأطْلَقَهما في «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحَدُهما، لا تسْقُطُ الشُّفْعَةُ بذلك.
وهو المذهبُ، نصَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الحارِثِيِّ»، وقال: هذا المذهبُ.
والوَجْهُ الثَّاني، تسْقُطُ إذا لم يكُنْ عُذْرٌ.
اخْتارَه القاضي، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وهو احْتِمالٌ في «الهِدايَةِ».
تنبيهان؛ أحدُهما، حكَى المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، ومَن تَبِعَه، أنَّ السُّقُوطَ قَوْلُ القاضي.
قال الحارِثِيُّ: ولم يحْكِه أحدٌ عن القاضي سِواه، والذي عرَفْتُ مِن كلامِ القاضي خِلافُه.
ونقَل كلامَه مِن كُتُبِه، ثم قال: والذي حكاه في «المُغْنِي» عنه، إنَّما قاله في «المُجَرَّدِ» فيما إذا لم يكُنْ أشْهَدَ على الطَّلَبِ وليس
الجزء: 15 - الصفحة: 391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالمَسْأَلةِ نبَّهْتُ عليه خشْيَةَ أنْ يكونَ أصْلًا لنَقْلِ الوَجْهِ الذي أوْرَدَه.
انتهى.
الثاني قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: واعلمْ أنَّ المُصَنِّفَ قال في «المُغْنِي» 71: وإنْ أخَّرَ القُدومَ بعدَ الإشْهادِ.
بدَل قوْلِه: وإنْ أخَّرَ الطَّلَبَ بعدَ الإشْهادِ.
وهو صحيحٌ؛ لأنَّه لا وَجْهَ لإسْقاطِ الشُّفْعَةِ بتَأْخيرِ الطَّلَبِ بعدَ الإشْهادِ؛ لأنَّ الطَّلَبَ حِينَئذٍ لا يُمْكِنُ، بخِلافِ القُدومِ، فإنَّه مُمْكِنٌ، وتأُخِيرُ ما يُمْكِنُ، لإِسْقاطِ الشُّفْعَةِ، وَجْهٌ، بخِلافِ تأْخيرِ ما لا يُمْكِنُ.
انتهى.
وكذلك الحارِثِيُّ مَثَّلَ بما لو تَراخَى السَّيرُ.
انتهى.
فعلى كِلا الوَجْهَين، إذا وُجِدَ عُذْرٌ؛ مثلَ أنْ لا يجِدَ مَن يُشْهِدُه، أو وجَد مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه؛ كالمرْأةِ، والفاسِقِ، ونحوهما، أو وجَد مَن لا يقْدُمُ معه إلى مَوْضِعِ المُطالبَةِ، لم تسْقُطِ الشُّفْعَةُ.
وإنْ لم يجِدْ إلَّا مَسْتُورَى الحالِ،
الجزء: 15 - الصفحة: 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلم يُشْهِدْهما، فهل تبْطُلُ شُفْعَتُه، أمُّ لا؟ فيه احْتِمالان.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ».
قلتُ: الصَّوابُ أنَّها لا تسْقُطُ شُفْعَتُه؛ لأنَّ الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ، أنَّ شَهادَةَ مَسْتُورَى الحالِ لا تُقْبَلُ؛ فهما كالفاسِقِ بالنِّسْبَةِ إلى عدَمِ قَبُولِ شَهادَتِهما، فإنْ أشْهَدَهما، لم تبْطُلْ شُفْعَتُه، ولو لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما.
وكذلك إنْ لم يقْدِرْ إلَّا على شاهدٍ واحدٍ، فأَشْهَدَه أو ترَك إشْهادَه.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قال الحارِثِيُّ: وإنْ وجَدَ عَدْلًا واحِدًا، ففي «المُغنِي» 72، إشْهادُه وترْكُ إشْهادِه سواءٌ، قال: وهو سَهْوٌ، فإنَّ شَهادَةَ الواحدِ مَعْمُولٌ بها مع يَمِينِ الطَّالِبِ، فتعَيَّنَ اعْتِبارُها.
ولو قدَر على التَّوْكيلِ، فلم يُوَكِّلْ، فهل تسْقُطُ شُفْعَتُه؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، لا تبْطُلُ.
وهو المذهبُ، نصَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
والوَجْهُ الثَّاني، تبْطُلُ.
اخْتارَه القاضي، وهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لفْظُ الطَّلَبِ: أنا طالِبٌ.
أو: مُطالِبٌ.
أو: آخِذٌ بالشُّفْعَةِ.
أو: قائمٌ على الشُّفْعَةِ.
ونحوُه ممَّا يُفِيدُ مُحاوَلَةَ الأخْذِ؛ لأنَّه مُحَصِّلٌ للغرَضِ.
المسْأَلَةُ الثَّانيةُ، إذا كان غائِبًا، فسارَ حينَ عَلِمَ في طَلَبِها، ولم يُشْهِدْ، مع القُدْرَةِ على الإِشْهادِ، فأطْلَقَ المُصَنِّفُ في سُقُوطِها وَجْهَين، وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، تسْقُطُ الشُّفْعَةُ.
وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، في رِوايَةِ أبِي طالِبٍ.
واخْتارَه الخِرَقِيُّ، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
قال الحارِثِيُّ: عليه أكثرُ الأصحابِ.
وقدَّمه في «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونصَراه.
وجزَم به في «العُمْدَةِ».
والوَجْهُ الثَّاني، لا تسْقُطُ، بل هي باقيةٌ.
قال القاضي: إنْ سارَ عَقِبَ عِلْمِه إلى البَلَدِ الذي فيه المُشْتَرِي، مِن غيرِ إشْهادٍ، احْتَمَلَ أنْ لاتبْطُلَ شُفْعَتُه.
فعلى هذا الوَجْهِ؛ يُبادِرُ إليها بالمُضِيِّ المُعْتادِ، بلا نِزاعٍ، ولا يلْزَمُه قَطْعُ حمَّامٍ، وطَعامٍ، ونافِلةٍ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل:
الجزء: 15 - الصفحة: 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بلى.
وكذا الحُكْمُ لو كان غائبًا عنِ المَجْلِسِ، حاضِرًا في البَلَدِ.
تنبيهان؛ أحدُهما، قال الحارِثِيُّ: حكَى المُصَنِّفُ الخِلافَ وَجْهَين، وكذا أبو الخَطَّابِ، وإنَّما هما رِوايَتان.
ثم قال: وأصْلُ الوَجْهَين في كَلامِهما احْتِمالان، أوْرَدَهما القاضي في «المُجَرَّدِ»، والاحْتِمالان إنَّما أوْرَدَهما في الإِشْهادِ على السَّيرِ للطَّلَبِ، وذلك مُغايِرٌ للإِشْهادِ على الطَّلَبِ حينَ العِلْمِ، ولهذا قال: ثم إنْ أخَّرَ الطَّلَبَ بعدَ الإِشْهادِ عندَ إمْكانِه، أي السَّيرُ للطَّلَبِ مُواجَهَةً.
فلا يصِحُّ إثْباتُ الخِلافِ في الطَّلَبِ الأوَّلِ مُتَلَقًّى عنِ الخِلافِ في الطَّلَبِ الثَّاني.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: ولم يعْتَبِرْ في «المُحَرَّرِ» إشْهادًا فيما عَدا هذا، والإِشْهادُ على الطَّلَبِ عندَه عِبارَةٌ عن ذلك، وهو خِلافُ ما قال الأصحابُ.
وأيضًا فالإِشْهادُ على ما قال ليس إشْهادًا على الطَّلَبِ في الحَقيقَةِ، بل هو إشْهادٌ على فِعْل يتَعَقَّبُه الطَّلَبُ.
الثَّانِي، اسْتَفَدْنا مِن قُوَّةِ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه إذا عَلِمَ، وأشْهَدَ عليه بالطَّلَبِ، وسارَ في طَلَبِها عندَ إمْكانِه، أنَّها لا تسْقُطُ.
وهو صحيحٌ.
وكذا لو أشْهَدَ عليه، وسارَ وَكِيلُه، وكذا لو تَراخَى السَّيرُ لعُذْرٍ.
فوائد؛ إحْداها، لو لَقِيَ المُشْتَرِيَ، فسَلَّم عليه، ثم عَقَّبَهُ بالطَّلَبِ، فهو على شُفْعَتِه.
قاله الأصحابُ.
وكذا لو قال بعدَ السَّلامِ: بْارَك اللهُ لك في صَفْقَتِك.
الجزء: 15 - الصفحة: 395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكَرَه الآمِدِيُّ، والمُصَنِّفُ، وغيرُ واحدٍ.
وصحَّحه في «الرِّعايَةِ».
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وكذا لو دَعا له بالمَغْفِرَةِ ونحوه.
وفيهما احْتِمالٌ، تسْقُطُ بذلك.
الثَّانيةُ، الحاضِرُ المَريضُ، والمَحْبُوسُ، كالغائبِ في اعْتِبارِ الإِشْهادِ، فإنْ ترَك، ففي السُّقُوطِ ما مرَّ مِنَ الخِلافِ.
الثَّالثةُ، لو نَسِيَ المُطالبَةَ أو البَيعَ، أو جَهِلَها، فهل تسْقُطُ الشُّفْعَةُ؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
قال في «المُغْنِي» 73: إذا ترَكَ الطَّلَبَ نِسْيانًا له، أو للبَيعِ، أو ترَكَه جَهْلًا باسْتِحْقاقِه، سقَطَتْ شُفْعَتُه.
وقدَّمه في «الشَّرْحِ».
وقاسَه هو، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي» على الرَّدِّ بالعَيبِ، وفيه نظَرٌ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها لا تسْقُطُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيحُ.
وقال: يَحْسُنُ بِناءُ الخِلافِ على الرِّوايتَين في خِيارِ المُعْتَقَةِ تحتَ العَبْدِ، إذا مَكَّنَتْه مِنَ الوَطْءِ جَهْلًا بمِلْكِها للفَسْخِ، على ما يأْتِي.
وإنْ أخَّرَه جَهْلًا بأنَّ التَّأْخِيرَ مُسْقِطٌ؛ فإنْ كان مِثْلُه لا يجْهَلُه، سقَطَتْ لتَقْصِيرِه، وإنْ كان مِثْلُه يجْهَلُه، فقال في «التَّلْخيصِ»: يحْتَمِلُ وَجْهَين.
الجزء: 15 - الصفحة: 396
وَإِنْ تَرَكَ الطَّلَبَ وَالْإِشْهَادَ لِعَجْزِهِ عَنْهُمَا؛ كَالْمَرِيضِ، وَالْمَحْبُوسِ، وَمَنْ لَا يَجِدُ مَنْ يُشْهِدُهُ،
أحدُهما، لا تسْقُطُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيحُ.
وجزَم به في «الرِّعايَةِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
والوَجْهُ الثاني، تسْقُطُ.
ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ: إذا باعَ الشَّفِيعُ مِلْكَه قبلَ عِلْمِه.
ولو قال له: بكم اشْتَرَيتَ؟ أو: اشْتَرَيتَ رَخِيصًا.
فهل تسْقُطُ الشُّفْعَةُ؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ».
قلتُ: قواعدُ المذهبِ تقْتَضِي سُقوطَها، مع عِلْمِه.
الجزء: 15 - الصفحة: 397
أَوْ لإِظهَارِهِمْ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ، أُوْ نقصًا فِي المَبِيعِ، أَوْ أَنَّهُ مَوْهُوبٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 15 - الصفحة: 398
لَهُ، أو أَنَّ الْمُشْتَرِىَ غَيرُهُ، أَوْ أَخْبَرَهُ مَن لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ يُقْبَلُ خبَرُهُ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، أَوْ قَال لِلْمُشْتَرِي: بِعْنِي مَا اشْتَرَيتَ.
أَوْ: صَالِحْنِي.
سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ.
قوله: وإنْ ترَك الطَّلَبَ لكَوْنِ المُشْتَرِي غيرَه، فتَبَيَّنَ أنَّه هو، فهو على شُفْعَتِه.
وهذا المذهبُ، جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «ابنِ مُنَجَّى»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تسْقُطُ، وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
قوله: وَإنْ أخْبَرَه مَن يُقْبَلُ خَبَرُه، فلم يُصَدِّقْه، سقَطَتْ شُفْعَتُه.
إذا أخْبَرَه عَدْلان فلم يُصَدِّقْهما، سقَطَتْ شُفْعَتُه، وإنْ أخْبَره عَدْلٌ واحدٌ فلم يُصَدِّقْه سقَطَتْ شُفْعَتُه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وقيل: لا تسْقُطُ.
وهو وَجْهٌ ذكَرَه الآمِدِيُّ، والمَجْدُ، وصحَّحه النَّاظمُ، وهما احْتِمالان لابنِ عَقِيلٍ، والقاضي.
قال في «التَّلْخيصِ»:
الجزء: 15 - الصفحة: 399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِناءً على اخْتِلافِ الرِّوايتَين في الجَرْحِ والتَّعْديلِ والرِّسَالةِ؛ هل يُقْبَلُ فيها خبرُ الواحدِ، أم يُحْتاجُ إلى اثْنَين؟ قلتُ: الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لابُدَّ فيها مِنَ اثْنَين، على ما يأْتِي في بابِ طَريقِ الحُكْمِ وصِفَتِه، في كلامِ المُصَنِّفِ.
والذي يظْهَرُ، أنَّهما ليس مَبْنِيَّيْن عليهما؛ لأنَّ الصَّحيحَ هنا غيرُ الصَّحيحِ هناك.
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعَ».
تنبيهان؛ أحدُهما، المَرْأَةُ كالرَّجُلِ، والعَبْدُ كالحُرِّ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقال القاضي: هما كالفاسِقِ.
وقدَّمه في
الجزء: 15 - الصفحة: 400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفائقِ».
قال الحارِثِيُّ: وإلْحاقُ العَبْدِ بالمرْأَةِ والصَّبِيِّ غَلَطٌ؛ لكَوْنِه مِن أهْلِ الشَّهادَةِ، بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ.
انتهى.
وإنْ أخْبَرَه مَسْتُورُ الحالِ، سقَطَتْ.
قدَّمه في «الفائقِ».
وقيلَ: لا تسْقُطُ.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
وإنْ أخْبَرَه فاسِقٌ أو صَبِيٌّ، لم تسْقُطْ شُفْعَتُه.
إذا عَلِمْتَ ذلك، فإذا ترَك -تكْذِيبًا للعَدْلِ أو العَدْلَين على ما مَرَّ- بطَلَتْ شُفْعَتُه.
قال الحارِثِيُّ: هذا ما أطْلَقٍ المُصَنِّفُ هنا، وجمهورُ الأصحابِ.
قال: ويتَّجِهُ التَّقْيِيدُ بما إذا كانتِ العَدالةُ معْلُومَةً
الجزء: 15 - الصفحة: 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو ظاهِرَةً لا تخْفَى على مِثْلِه، أمَّا إنْ جَهِلَ، أو كانتْ بمَحَلٌ الخَفاءِ أو التَّرَدُّدِ، فالشُّفْعَةُ باقِيَةٌ؛ لقِيامِ العُذْرِ.
هذا كلُّه إذا لم يبْلُغِ الخَبَرُ حدَّ التَّواتُرِ، أمَّا إنْ بلَغ، فتَبْطُلُ الشُّفْعَةُ بالتَّرْكِ ولابُدَّ، وإنْ كانوا فسَقَةً، على ما لا يخْفَى.
انتهى.
التَّنبِيهُ الثَّاني، محَلُّ ما تقدَّم، إذا لم يُصَدِّقْه.
أمَّا إنْ صدَّقَه، ولم يُطالِبْ بها، فإنَّها تسْقُطُ؛ سواءٌ كان المُخْبِرُ ممَّن لا يُقْبَلُ خبَرُه، أو يُقْبَلُ؛ لأنَّ العِلْمَ قد يحْصُلُ بخَبَرِ مَن لا يُقْبَلُ خبَرُه لقَرائِنَ.
قطَع به المُصنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما.
الجزء: 15 - الصفحة: 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: أو قال للمُشْتَرِي: بِعْنِي ما اشْتَرَيتَ.
أو: صالِحْنِي.
سقَطَتْ شُفْعَتُه.
[إذا قال للمُشْتَرِي: بِعْنِي ما اشْتَرَيتَ] 74. أو: هَبْه لي.
أو: ائْتَمِنِّي عليه.
سقَطَتْ شُفْعَتُه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وقطَع به الأصحابُ؛ منهم صاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «المُذهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم، والحارِثِيُّ، وقال: يقْوَى عندِي انْتِفاءُ السُّقُوطِ، كقَوْلِ أشْهَبَ صاحِبِ مالكٍ.
وإنْ قال: صالِحْنِي عليه.
سقَطَتْ شُفْعَتُه أيضًا، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قطَع به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه هنا.
وجزَم به في «الشَّرْحِ»، في بابِ الصُّلْحِ.
وكذا جزَم به هناك صاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وغيرُه.
قال في «الرِّعايتين»، و «الحاويَيْن»: تسْقُطُ الشُّفْعَةُ في أصحِّ الوَجْهَين.
وقيل: لا تسْقُطُ.
اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
قاله الحارِثِيُّ.
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ» هناك، وأطْلَقهما في «النَّظْمِ» أيضًا.
وتقدَّم ذلك في بابِ الصُّلْحَ.
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ في سُقُوطِ الشُّفْعَةِ.
وهو واضِحٌ، أمَّا الصُّلْحُ عنها بعِوَضٍ، فلا يصِحُّ، قوْلًا واحِدًا.
قاله الأصحابُ.
وجزَم به المُصَنِّفُ وغيرُه في بابِ الصُّلْحَ.
الجزء: 15 - الصفحة: 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو قال: بِعْه ممَّن شِئْتَ.
أو: وَلِّه إيَّاه.
أو: هَبْه له.
ونحوَ هذا، بطَلَتِ الشُّفْعَةُ.
وكذا لو قال: أكْرِنِي.
أو: ساقِنِي.
أو اكْتَرَى منه، أو ساقاه.
وإنْ قال: إنْ باعَنِي، وإلَّا فِليَ الشُّفْعَةُ.
فهو كما لو قال: بِعْنِي.
قدَّمه الحارِثِيُّ، وقال: ويحْتَمِلُ أنَّه إنْ لم يبِعْه، أنَّها لا تسْقُطُ.
ولو قال له المُشْتَرِي: بِعْتُك.
أو: وَلَّيتُك.
فقَبِلَ، سقَطَتْ.
الجزء: 15 - الصفحة: 405
المقنع دَلَّ فِي الْبَيعِ، أَوْ تَوَكَّلَ لأَحَدِ الْمُتَبَايِعَينِ،
قوله: وإنْ دَلَّ في البَيعِ، أو تَوَكَّلَ لأحَدِ المُتَبايِعَين، فهو على شُفْعَتِه.
[وإنْ دلَّ في البَيعِ، أي صارَ دَلَّالًا؛ وهو السَّفِيرُ في البَيعِ، فهو على شُفْعَتِه، قوْلًا واحِدًا، وإنْ توَكَّلَ لأحَدِ المُتَبايعَين، فهو على شفْعَتِه] 75 أيضًا، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 406
أَوْ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ فَاخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيعِ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ.
جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم واخْتارَه الشَّرِيفُ وغيرُه.
قال الحارِثِيُّ: قال الأصحابُ: لا تبْطُلُ شُفْعَتُه.
منهم؛ القاضي في «المُجَرَّدِ»، وغيرُه.
قال في «الفُروعِ»: لا تسْقُطُ بتَوْكِيلِه في الأصحِّ.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونصَراه.
وقيل: تسْقُطُ الشُّفْعَةُ بذلك.
وقيل: لا تسْقُطُ، إذا كان وَكِيلًا للبائعِ.
وقيل: لا تسْقُطُ، إذا كان وَكِيلًا للمُشْتَرِي.
اخْتارَه القاضي.
قاله المُصَنِّفُ.
قال الحارِثِيُّ: وحِكايَةُ القاضي يَعْقُوبَ، عدَمُ السُّقوطِ.
وكذا هو في «المُجَرَّدِ» وغيرِه.
وهذا وأمْثالُه غَريبٌ مِنَ الحارِثِيِّ، فإنَّه إذا لم يطَّلِعْ على المَكانِ الذي نقَل منه المُصَنِّفُ، تكَلَّم في ذلك، واعْترَض على المُصَنِّفِ، وهذا غيرُ لائِقٍ؛ فإنَّ المُصَنِّفَ ثِقَةٌ، والقاضي وغيرُه له أقْوالٌ كثيرةٌ في كُتُبِه، وقد تكونُ في غيرِ أماكِنِها.
وقد تقدَّم له نَظِيرُ ذلك في مَسائِلَ.
قال الحارِثِيُّ: ومِنَ الأصحابِ مَن قال في صُورَةِ البَيعِ: ينْبَنِي على اخْتِلافِ الرِّوايَةِ في الشِّراءِ مِن نَفْسِه؛ إنْ قُلْنا: لا.
فلا شُفْعَةَ.
وإنْ قُلْنا: نعَم.
فنعَم.
الجزء: 15 - الصفحة: 407
وَإِنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيعِ، لَمْ تَسْقُطْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَسْقُطَ.
قوله: وإنْ أسْقَطَ الشُّفْعَةَ قبلَ البَيعِ، لم تسْقُطْ.
هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُغْنِي»،
الجزء: 15 - الصفحة: 408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهم.
قال الزَّرْكَشِيُّ: عليه الأصحابُ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ تَسْقُطَ.
وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ.
ذكَرها أبو بَكْرٍ في «الشَّافِي».
واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وصاحِبُ «الفائقِ».
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «القواعِدِ».
الجزء: 15 - الصفحة: 409
وَإنْ تَرَكَ الْوَلِيُّ شُفْعَةً لِلصَّبِيِّ فِيهَا حَظٌّ، لَمْ تَسْقُطْ، وَلَهُ الْأَخْذُ بِهَا إِذَا كَبِرَ، وَإِنْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ الْحَظِّ فِيهَا، سَقَطَتْ.
ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
وَقَال الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَلَّا تَسْقُطَ.
قوله: وإنْ ترَك الوَلِيُّ شُفْعَةً للصَّبِيِّ فيها حَظٌّ، لم تسْقُطْ، وله الأخْذُ بها، إذا كَبِرَ، وإنْ ترَكَها لعَدمِ الحَظِّ فيها، سقَطَتْ.
هذا أحدُ الوُجوهِ.
اخْتارَه ابنُ حامِدٍ، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
وقدَّمه في «النَّظْمِ».
قال الحارثِيُّ: هذا ما قاله الأصحابُ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: اخْتارَه ابنُ حامدٍ، وتَبِعَه القاضي، وعامَّةُ أصحابِه.
وقيل: تسْقُطُ مُطْلَقًا، وليس للوَلَدِ الأخْذُ، إذا كَبِرَ.
اخْتارَه ابنُ بَطَّةَ، وكان يُفْتِي به.
نقَلَه عنه أبو حَفْصٍ.
وجزَم به في «المُنَوِّرِ».
وقيل: لا تسْقُطُ مُطْلَقًا، وله
الجزء: 15 - الصفحة: 410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأَخْذُ بها، إذا كَبِرَ.
وهو المذهبُ، نصَّ عليه، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
قال في «المُحَرَّرِ»: اخْتارَه الخِرَقِيُّ.
قال في «الخُلاصَةِ»: وإذا عَفا وَلِيُّ الصَّبِيِّ عن شُفْعَتِه، لم تسْقُطْ.
وقدَّمَه في «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ».
قال الحارِثيُّ: هذا المذهبُ عندِي، وإنْ كان الأصحابُ على خِلافِه؛ لنَصِّه في خُصوصِ المَسْألَةِ، على ما بيَّنَّا.
قال في «الفُروعِ»: فنَصُّه، لا تَسْقُطُ.
وقيل: بلى.
وقيل: مع عدَمِ الحَظِّ.
وأطْلَقَهُنَّ الزَّرْكَشِيُّ.
فوائد؛ منها، لو بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ حَمْلٍ، فالأَخْذُ له مُتَعَذِّرٌ؛ إذْ لا يدْخُلُ في مِلْكِه بذلك.
قاله الحارِثِيُّ، وقدَّمه.
قال في «القاعِدَةِ الرَّابِعَةِ والثَّمانِين»:
الجزء: 15 - الصفحة: 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنها، الأخْذُ للحَمْلِ بالشُّفْعَةِ، إذا ماتَ مُوَرِّثُه بعدَ المُطالبَةِ، قال الأصحابُ: لا يُؤْخَذُ له، ثم منهم مَن علَّلَ بأنَّه لا يتَحَقَّقُ وُجودُه، ومنهم مَن علَّلَ بانْتِفاءِ مِلْكِه.
قال: ويتَخَرَّجُ وَجْه آخَرُ بالأَخْذِ له بالشُّفْعَةِ؛ بِناءً على أنَّ له حُكْمًا ومِلْكًا.
انتهى.
وقال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: إذا وُلِدَ وكَبِرَ، فله الأخْذُ، إذا لم يأْخُذْ له الوَلِيُّ، كالصَّبِيِّ.
ومنها، لو أخذَ الوَلِيُّ بالشُّفْعَةِ، ولا حظَّ فيها، لم يصِحَّ الأخْذُ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهب والرِّوايتَين، وإلَّا اسْتقَرَّ أخْذُه.
ومنها، لو كان الأخْذُ أحَظَّ للوَلَدِ، لَزِمَ وَلِيَّه الأَخْذُ.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وقطَع به في
الجزء: 15 - الصفحة: 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم، ذكَرُوه في آخِرِ بابَ الحَجْرِ.
قال الحارِثِيُّ: عليه الأصحابُ.
وقال الزَّرْكَشِيُّ: وقال غيرُ المُصَنِّفِ: له الأخْذُ مِن غيرِ لُزومٍ.
وكأنَّه لم يطَّلِعْ على ما قالُوه في الحَجْرِ، في المَسْأَلَةِ بخُصُوصِها.
وعلى كِلا القَوْلَين يسْتَقِرُّ أخْذُه، ويَلْزَمُ في حقِّ الصَّبِيِّ.
ولو ترَكَها الوَلِيُّ مصْلَحَةً؛ إمَّا لأنَّ الشِّراءَ وقع بأكثَرَ مِنَ القِيمَةِ، أو لأنَّ الثَّمَنَ يُحْتاجُ إلى إنْفاقِه أو صَرْفِه فيما هو أهَمُّ، أو لأنَّ مَوْضِعَه لا يُرْغَبُ في مِثْلِه، أو لأنَّ أخْذَه يُؤَدِّي إلى بَيعِ ما إبْقاؤُه أوْلَى، أو إلى اسْتِقْراضِ ثَمَنِه، ورَهْنِ مالِه، أو إلى ضَرَرٍ وفِتْنَةٍ، ونحو ذلك، فالتَّرْكُ مُتَعَيِّنِّ.
وهل يسْقُطُ به الأخْذُ عندَ البُلوغِ، وهو مقْصودُ المَسْألَةِ؟ قال المُصَنِّفُ، عنِ ابنِ حامدٍ: نعَم.
واخْتارَه ابنُ بَطَّةَ، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، ومال إليه في «المُسْتَوْعِبِ».
قال ابنُ عَقِيلٍ: وهو أصحُّ عندِي.
قال في «الفُروعِ»: لم يصِحَّ على الأصحِّ.
قال القاضي في «المُجَرَّدِ»: ويحْتَمِلُ عدَمَ السُّقُوطِ.
ومال إليه، وقال: هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
وقال أبو بَكْرٍ في «التَّنْبِيهِ»: يُحْكَمُ للصَّغيرِ بالشُّفْعَةِ، إذا بلَغ.
ونحوُه عِبارَةُ ابنِ أبِي مُوسى، وتقدَّم مَعْنَى ذلك قبلَ ذلك.
ومنها، لو عَفا الوَلِيُّ عنِ
الجزء: 15 - الصفحة: 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشُّفْعَةِ التي فيها حَظٌّ له، ثم أرادَ أخْذَها، فله ذلك في قِياسِ المذهبِ.
قالة المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قلتُ: فقد يُعايَى بها.
ولو أرادَ الوَلِيُّ الأخْذَ في ثانِي الحالِ، وليس فيها مصْلَحَةٌ، لم يمْلِكْه؛ لاسْتِمْرارِ المانِعِ.
وإنْ تجَدَّدَ الحظُّ؛ فإنْ قيلَ بعَدَمِ السُّقوطِ، أخَذ؛ لقِيامِ المُقْتَضِي، وانْتِفاءِ المانِعِ.
وإنْ قيلَ بالسُّقوطِ، لم يأْخُذْ بحالٍ؛ لانْقِطاع الحقِّ بالتَّرْكِ.
ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه.
ومنها، حُكْمُ وَلِيِّ المَجْنونِ المُطْبقِ، والسَّفيهِ، حُكْمُ وَلِيِّ الصَّغيرِ.
قاله الأصحابُ.
الجزء: 15 - الصفحة: 414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: المُطْبِقُ؛ هو الذي لا تُرْجَى إفاقَتُه.
حكاه ابنُ الزَّاغُونِيِّ، وقال: هو الأشْبَهُ بالصِّحَّةِ، وبأُصُولِ المذهبِ؛ لأنَّ شُيوخَنا الأوَائِلَ قالُوا في المَعْضُوبِ الذي يُجْزِئُ أنْ يُحَجَّ عنه: هو الذي لا يُرْجَى بُرْؤُه.
وحُكِيَ عن قَوْمٍ تحْديدُ المُطبِقِ بالحَوْلِ فما زادَ؛ قِياسًا على ترَبُّصِ العُنَّةِ، وعن قَوْمٍ، التَّحْديدُ بالشَّهْرِ، وما نقَص مُلْحَقٌ بالإغْماءِ.
ذكر ذلك الحارِثِيُّ.
ومنها، حُكْمُ المُغْمَى عليه، والمَجْنونِ غيرِ المُطبِقِ، حُكْمُ المَحْبوسِ، والغائبِ، يُنْتَظرُ إفاقَتُهما.
ومنها، للمُفْلِسِ الأخْذ بها، والعَفْوُ عنها، وليس للغُرَماءِ إجْبارُه على الأخْذِ بها، ولو كان فيها حَظٌّ.
قطَع به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما.
قال الحارِثِيُّ: ويتَخرَّجُ مِن إجْبارِه على التَّكَسُّبِ، إجْبارُه على الأخْذِ، إذا كان أحَظَّ للغُرَماءِ.
انتهى.
وليس لهم الأخْذ
الجزء: 15 - الصفحة: 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بها.
ومنها، للمُكاتَبِ الأخْذُ والتَّرْكُ، وللمَأْذُونِ له مِنَ العَبِيدِ الأَخْذُ دونَ التَّرْكِ، وإنْ عَفا السَّيِّدُ، سقَطَتْ.
ويأْتِي آخِرَ البابِ، هل يأْخُذُ السَّيِّدُ بالشُّفْعَةِ مِنَ المُكاتَبِ والعَبْدِ المَأْذُونِ له؟
الجزء: 15 - الصفحة: 416
فَصْل: الرَّابعُ، أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ، فَإِنْ طَلَبَ أَخْذَ الْبَعْضِ، سَقَطَتْ شُفعَتُهُ.
فائدة: قولُه: الشَّرْطُ الرَّابعُ، أنْ يأْخُذَ جَميعَ المَبِيعِ.
قال الحارِثِيُّ: هذا الشَّرْطُ كالذي قبلَه، مِن كَوْنِه ليس شرْطًا لأصْلِ اسْتِحْقاقِ الشُّفْعَةِ؛ فإنَّ أخْذَ الجميعِ أمْرٌ يتَعَلَّقُ بكَيفِيَّةِ الأخْذِ، والنَّظَرُ في كيفِيَّةِ الأخْذِ فَرْعُ اسْتِقْرارِه، فيَسْتَحِيلُ جعْلُه شَرْطًا لثُبوتِ أصْلِه.
قال: والصَّوابُ، أنْ يُجْعَلَ شَرْطًا
الجزء: 15 - الصفحة: 418
فَإِنْ كَانَا شَفِيعَينِ، فَالشُّفْعَةُ بَينَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيهِمَا.
وَعَنْهُ، عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ.
للاسْتِدامَةِ، كما في الذي قبلَه.
انتهى.
قوله: فإنْ كانا شَفيعَين، فالشُّفْعَةُ بينَهما على قَدْرِ مِلْكَيهما.
هذا المذهبُ، نصَّ عليه، في رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ مَنْصُورٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، والشَّارِحُ، وغيرُهم: هذا ظاهِرُ المذهبِ.
قال الحارِثِيُّ: المذهبُ عندَ الأصحابِ جميعًا، تَفاوُتُ الشُّفْعَةِ بتَفاوُتِ الحِصَصِ، قال
الجزء: 15 - الصفحة: 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الفائقِ»: الشُّفْعَةُ بقَدْرِ الحَقِّ، في أصحِّ الرِّوايتَين.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا الصَّحيحُ المَشْهورُ مِنَ الرِّوايتَين.
وجزَم به ابنُ عَقِيلٍ في «تَذْكِرَتِه»، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، وغيرُهما.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، وقال: اخْتارَه الأكثرُ.
قلتُ: منهم الخِرَقيُّ، وأبو بَكْرٍ، وأبو حَفْصٍ، والقاضي.
قال الزَّرْكَشِي، وجُمْهورُ أصحابِه: وعنه، الشُّفْعَةُ على عدَدِ الرُّءوسِ.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، فقال في «الفُصولِ»: هذا الصَّحيحُ عندِي.
وروَى الأَثْرَمُ عنه الوَقفَ في ذلك.
حكاه الحارِثِيُّ.
الجزء: 15 - الصفحة: 420
فَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ إلا الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ.
فائدة: قولُه: فإنْ ترَك أحَدُهما شُفْعَتَه، لم يَكُنْ للآخَرِ أنْ يأْخُذَ إلَّا الكُلَّ، أو يتْرُكَ.
وهذا بلا نِزاعٍ.
وحكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.
وكذا لو حضَر أحدُ الشُّفَعاءِ وغابَ الباقُون، فقال الأصحابُ: ليس له إلَّا أخْذُ الكُلِّ، أو التَّرْكُ.
قال الحارِثيُّ:
الجزء: 15 - الصفحة: 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإطْلاقُ نصِّ أحمدَ، ينْتَظرُ بالغائبِ، مِن رِوايَةِ حَنْبَلٍ، يقْتَضِي الاقْتِصارَ على حِصَّتِه.
قال: وهذا أقْوَى، والتَّفْرِيعُ على الأوَّلِ؛ فقال في «التَّلْخيصِ»: ليس له تأْخِيرُ شيءٍ مِنَ الثَّمَنِ إلى حُضُورِ الغائبين.
وحكَى المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ وَجْهَين، وأطْلَقاهما؛ أحدُهما، لا يُؤَخِّرُ شيئًا، فإنْ فعَل، بطَل حَقُّه مِنَ الشُّفْعَةِ.
والوَجْهُ الثَّاني، له ذلك، ولا يبْطُلُ حَقُّه.
وهو ما أوْرَدَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
فإنْ كان الغائبُ اثْنَين، وأخَذ الحاضِرُ الكُلَّ، ثم قَدِمَ أحدُهما، أخَذ النِّصْفَ مِنَ الحاضِرِ، أو العَفْوَ.
فإنْ أخَذ، ثم قَدِمَ الآخرُ، فله مُقاسَمَتُهما؛ يأْخُذُ مِن كلٍّ
الجزء: 15 - الصفحة: 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهما ثُلُثَ ما في يَدِه.
هكذا قال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم.
وقدَّمه الحارِثِيُّ.
وقال ابنُ الزَّاغُونِيِّ: القادِمُ بالخِيارِ بينَ الأخْذِ مِنَ الحاضِرِ، وبينَ نَقْضِ شُفْعَتِه في قَدْرِ حَقِّه؛ فيَأْخُذُ مِنَ المُشْتَرِي، إنْ تَراضَوا على ذلك، وإلَّا نقَض الحاكِمُ، كما قُلْنا، ولم يُجْبَرِ الحاضِرُ على التَّسْلِيمِ إلى القادِمِ.
قال: وهذا ظاهِرُ المذهبِ فيما ذكَر أصحابُنا.
حكاه في كتابِ الشُّروطِ.
ثم إنْ ظهَر الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا، فعُهْدَةُ الثَّلاثَةِ على المُشْتَرِي.
قاله القاضي، وابنُ عَقِيلٍ،
الجزء: 15 - الصفحة: 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمُصَنِّفُ، وغيرُهم.
وكلامُ ابنِ الزَّاغُونِيِّ يقْتَضِي أنَّ عُهْدَةَ كلِّ واحدٍ ممَّن تسَلَّمَ منه.
وإذا أخَذ الحاضِرُ الكُلَّ، ثم قَدِمَ أحدُهما، وأرادَ الاقْتِصارَ على حِصَّتِه، وامْتَنَع مِن أخْذِ النِّصْفِ، فقال الأصحابُ: له ذلك.
فإذا أخَذَه، ثم قَدِمَ الغائبُ الثَّاني؛ فإنْ أخَذ مِنَ الحاضِرِ سَهْمَين، ولم يتَعَرَّضْ للقادِمِ الأوَّلِ، فلا كلامَ، وإنْ تعَرَّض،
الجزء: 15 - الصفحة: 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال الأصحابُ.
منهم القاضي، والمُصَنِّفُ: له أنْ يأْخُذَ منه ثُلُثَي سَهْمٍ؛ وهو ثُلُثُ ما في يَدِه.
قال الحارِثِيُّ: وللشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ، يأْخُذُ الثَّانِي مِنَ الحاضرِ نِصْفَ ما في يَدِه؛ وهو الثُّلُثُ.
قال: وهو أظْهَرُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
الجزء: 15 - الصفحة: 426
فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا، فَالشُّفْعَةُ بَينَهُ وَبَينَ الْآخَرِ،
قوله: فإنْ كان المُشْتَرِي شَرِيكًا، فالشُّفْعَةُ بينَه وبينَ الآخَرِ.
مِثالُ ذلك، أنْ تكونَ الدَّارُ بينَ ثَلاثَةٍ، فيَشْتَرِيَ أحدُهم نَصِيبَ شَرِيكِه، فالشِّقْصُ بينَ المُشْتَرِي وشَرِيكِه.
قاله الأصحابُ، [ولا أعلمُ فيه نِزاعًا، لكِنْ قال الحارِثِيُّ: عبَّر في المَتْنِ عن هذا بقَوْلِه: فالشُّفْعَةُ بينَه وبينَ الآخَرِ] 76. وكذا عبَّر أبو الخَطَّابِ وغيرُه، وفيه تجَوُّزٌ؛ فإنَّ حَقِيقَةَ الشُّفْعَةِ انْتِزاعُ الشِّقْصِ مِن يَدِ مَنِ انْتقَلَتْ إليه، وهو مُتَخَلِّفٌ في حقِّ المُشْتَرِي؛ لأنَّه الذي انْتقَلَ إليه هذا.
الجزء: 15 - الصفحة: 427
فَإِنْ تَرَكَ شُفْعَتَهُ؛ لِيُوجِبَ الْكُلَّ عَلَى شَرِيكِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 15 - الصفحة: 428
وَإذَا كَانَتْ دَارٌ بَينَ اثْنَينِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِأجْنَبِيٍّ صَفْقَتَينِ، ثُمَّ عَلِمَ شَرِيكُهُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذ بِالْبَيعَينِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَخَذَ بِالثَّانِي، شَارَكَهُ الْمُشْتَرِي فِي شُفْعَتِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ، لَمْ يُشَارِكْهُ، وَإِنْ أَخَذَ بِهِمَا، لَمْ يُشَارِكْهُ فِي شُفْعَةِ الْأَوَّلِ، وَهَلْ يُشَارِكُهُ فِي شُفْعَةِ الثَّانِي؟ عَلَى وَجْهَينَ.
قوله: وإذا كانَتْ دَارٌ بينَ اثْنَين، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه لأَجْنَبيٍّ صَفْقَتَين، ثم عَلِمَ شَرِيكُه، فله أنْ يأْخُذَ بالبَيعَين، وله أنْ يأْخُذَ بأحَدِهما.
قَاله الأصحابُ؛ منهم القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وغيرُهما.
وهي تعَدُّدُ العَقْدِ.
قوله: فإنْ أخَذ بالثَّاني، شارَكَه المُشْتَرِي في شُفْعَتِه، في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
صحَّحه في «النَّظْمِ» و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «التَّصْحيحِ».
وجزَم به في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «الفائقِ».
وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
والوَجْهُ الثَّاني، لا يُشارِكُه فيها.
اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
وفيه وَجْهٌ ثالثٌ، وهو إنْ عَفا الشَّفِيعُ عنِ الأوَّلِ، شارَكَه في الثَّاني.
وأطْلَقَهُنَّ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».
الجزء: 15 - الصفحة: 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: وإنْ أخَذ بهما، لم يُشارِكْه في شُفْعَةِ الأَوَّلِ -بلا نِزاعٍ- وهل يُشارِكُه في شُفْعَةِ الثَّاني؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»؛ أحدُهما، يُشارِكُه.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
والوَجْهُ الثَّاني، لا يُشارِكُه.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأصحُّ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
الجزء: 15 - الصفحة: 431
وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ حَقِّ أَحَدِهِمَا.
قوله: وإنِ اشْتَرَى اثْنان حَقَّ واحِدٍ، فَللشَّفِيعِ أَخْذُ حَقِّ أحَدِهما.
إذا تعَدَّدَ المُشْتَرِي، والبائعُ واحِدٌ؛ بأَنِ ابْتاعَ اثْنان أو جماعَةٌ شِقْصًا مِن واحدٍ، فقال ابنُ الزَّاغُونِيِّ في «المَبْسُوطِ»: نصَّ أحمدُ على أنَّ شِراءَ الاثْنَين مِنَ الواحدِ عَقْدان وصَفْقَتان، فللشَّفِيعِ، إذَنْ، أخْذُ نَصِيبِ أحَدِهما 77، وتَرْكُ الباقِي، كما قال المُصَنِّفُ وغيرُه مِنَ الأصحابِ.
وقطَع به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحارثِيِّ»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ»، و «الفائقِ».
وقيل: هو عَقْدٌ واحدٌ، فلا يأْخُذُ إلَّا الكُلَّ، أو يتْرُكُ.
الجزء: 15 - الصفحة: 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، لو اشْتَرَى الواحِدُ لنَفْسِه ولغيرِه بالوَكالةِ شِقْصًا مِن واحدٍ، فالحُكْمُ كذلك؛ لتعَدُّدِ مَن وقَع العَقْدُ له.
وكذا ما لو كان وَكِيلًا لاثْنَين واشْتَرَى لهما.
وقيل: الاعْتِبارُ بوَكِيلِ المُشْتَرِي.
ذكَرَه في «الرِّعايَةِ».
الثَّانيةُ، لو باعَ أحدُ الشَّرِيكَين نَصِيبَه مِن ثَلاثَةٍ صَفْقَةً واحِدَةً، فللشَّفِيعِ الأخْذُ مِنَ الجميعِ، ومِنَ
الجزء: 15 - الصفحة: 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَعضِ؛ فإنْ أخَذَ مِنَ البَعضِ، فليس لمَن عَداه الشَّرِكَةُ في الشُّفْعَةِ.
وإنْ باعَ كُلًّا منهم على حِدَةٍ، ثم عَلِمَ الشَّفِيعُ، فله الأخْذُ مِنَ الكُلِّ، ومِنَ البَعضِ، فإنْ
الجزء: 15 - الصفحة: 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخَذَ مِنَ الأوَّلِ، فلا شَرِكَةَ للآخَرَين، وإنْ أخَذَ مِنَ الثَّاني، فلا شَرِكَةَ للثَّالثِ، وللأَوَّلِ الشَّرِكَةُ في أصحِّ الوَجْهَين.
قاله الحارِثِيُّ.
وجزَم به في «التَّلْخيصِ» وغيرِه.
وفي الآخَرِ، لا.
وإنْ أخَذَ مِنَ الثَّالثِ، ففي شَرِكَةِ الأَوَّلَين الوَجْهان.
وإنْ أخَذَ مِنَ الكُلِّ، ففي شَرِكَةِ الأوَّلِ في الثَّاني والثَّالثِ، والثَّاني في الثَّالثِ وَجْهان.
فإنْ قيلَ بالشَّرِكَةِ، والمَبِيعُ مُتَساوٍ، فالسُّدْسُ الأوَّلُ للشَّفِيعِ، وثَلاثَةُ أرْباعِ الثَّاني، وثَلاثةُ أخْماسِ الثَّالثِ، وللمُشْتَرِي الأوَّلِ رُبْعُ السُّدْسِ الثَّانِي، وخُمْسُ الثَّالثِ، وللمُشْتَري الثَّاني الخُمْسُ الباقِي مِنَ الثَّالثِ.
وتصِحُّ مِن مائَةٍ وعِشرِين؛ للشَّفِيعِ مِائَةٌ وسَبْعَةٌ، وللمُشْتَرِي الأوَّلِ تِسْعَةٌ، والثَّاني أرْبَعَةٌ.
وإنْ قيلَ بالرُّءوسِ؛
الجزء: 15 - الصفحة: 435
وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ حَقَّ اثْنَينِ، أَو اشْتَرَى وَاحِدٌ شِقْصَينِ مِنْ أَرْضَينِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحدِهِمَا، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَينَ.
فللمُشْتَرِي الأوَّلِ نِصْفُ السُّدْسِ الثَّانِي، وثُلُثُ 78 الثَّالثِ، وللثَّانِي الثُّلُثُ الباقِي مِنَ الثَّالثِ، فتَصِحُّ مِن سِتَّةٍ وثَلاثِينَ؛ للشَّفِيعِ تِسْعَةٌ وعِشْرُون، وللثَّانِي خَمْسَةٌ، وللثَّالثِ اثْنان.
ذكَر ذلك المُصَنِّفُ وغيرُه.
واقْتَصَرَ عليه الحارِثِيُّ.
قوله: وإنِ اشْتَرَى واحِدٌ حَقَّ اثْنَين، أو اشْتَرَى واحِدٌ شِقْصَين مِن أرْضَين صَفْقَةً واحِدَةً -والشَّرِيكُ واحِدٌ- فللشَّفِيعِ أخْذُ أحَدِهما، في أصَحِّ الوَجْهَين.
ذكَر المُصَنِّفُ هنا مَسْألتَين؛ إحْداهما، تعَدُّدُ البائعِ، والمُشتَرِى واحدٌ؛ بأنْ باعَ اثْنان نَصِيبَهما مِن واحدٍ صفْقَةً واحدةً.
فللشَّفيعِ أخْذُ أحَدِهما، على الصَّحيحِ مِنَ
الجزء: 15 - الصفحة: 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال الحارِثِيُّ: عليه الأصحابُ حتى القاضي في «المُجَرَّدِ»؛ لأنَّهما عَقْدان، لتوَقُّفِ نَقْلِ المِلْكِ عن كلِّ واحدٍ مِنَ البائعَين على عَقْدٍ، فمَلَكَ الاقْتِصارَ على أحَدِهما، كما لو كانا مُتَعاقِبَين، أو المُشْتَرِي اثْنين.
وجزَم به في «الكافِي»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما.
وصحَّحه في «الخُلاصَةِ»، و «شَرْحِ حَفيدِه 79»، وغيرِهما.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثَّاني، ليس له إلَّا أخْد الكُلِّ، أو التَّرْكُ.
اخْتارَه القاضي في «الجامعِ الصَّغِيرِ»، و «رُءوسِ المَسائلِ».
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقيل: له أخْذُ أحَدِهما هنا دُونَ التي بعدَها.
جزَم به في «الفُنونِ»، وقاسَه على تعَدُّدِ المُشْتَرِي،
الجزء: 15 - الصفحة: 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بكلامٍ 80 يقْتَضِي أنَّه محَلُّ وفاقٍ.
وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ»، وهي تعَدُّدُ البائعِ.
المَسْأَلةُ الثَّانيةُ، التَّعَدُّدُ بتَعَدُّدِ المَبِيعِ؛ فإنْ 81 باعَ شِقْصَين مِن دارَين صَفقَةً واحدةً مِن واحدٍ، فللشَّفيعِ أخْذُهما جميعًا، وإنْ أخَذ أحَدَهما، فله ذلك.
على الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ.
قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وصحَّحه في «الخُلاصةِ»، وحفيدُه في «شَرْحِه»، وغيرُهما.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه، وغيرِهم.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ،
الجزء: 15 - الصفحة: 438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جزَم به ناظِمُها.
والوَجْهُ الثَّاني، ليس له أخْذُ أحَدِهما.
وهو احْتِمالٌ في «الهِدايَةِ».
قال بعضُهم: اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ»، وهي تعَدُّدُ المَبيعِ.
فعلى هذا الوَجْهِ، إنِ اخْتارَ أحَدَهما، سقَطَتِ الشُّفْعَةُ فيهما؛ لتَرْكِ البَعضِ مع إمْكانِ أخْذِ الكُلِّ، وكما لو كان شِقْصًا واحدًا.
تنبيه: هذا إذا اتَّحَدَ الشَّفِيعُ، فإنْ كان لكُلِّ واحدٍ منهما شَفِيعٌ، فلهما أخْذُ الجميعِ، وقِسْمَةُ الثَّمَنِ على القِيمَةِ، وليس لواحدٍ منهما الانْفرِادُ بالجميعِ، في أصحِّ الوَجْهَين.
ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه، نعمْ، له الاقْتصِارُ على ما هو شَرِيكٌ فيه بحِصَّتِه مِنَ الثَّمَنِ؛ وافَقَه الآخَرُ في الأخْذِ، أو خالفَه.
وخرَّج المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ انْتِفاءَ الشُّفْعَةِ بالكُلِّيَّةِ مِن مَسْأَلَةِ الشِّقْصِ، والسَّيفِ.
فائدة: بَقِيَ معنا للتَّعَدُّدِ صُورْةٌ؛ وهي أنْ يَبِيعَ اثْنان نَصِيبَهما مِنَ اثْنَين صفْقَةً واحدَةً، فالتَّعَدُّدُ واقِعٌ مِنَ الطَّرَفَين، والعَقْدُ واحدٌ.
قال الحارِثِيُّ: ولهذا قال أصحابُنا: هي بمَثابَةِ أرْبَعِ صَفَقاتٍ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وقالا: هي أرْبعَةُ عُقُودٍ؛ إذْ عقْدُ الواحدِ مع الاثْنَين عَقْدان، فللشَّفيعِ أخْذُ الكُلِّ، أو ما شاءَ منهما، وذلك خَمْسَةُ أخْيرَةٍ؛ أخْذُ الكُلِّ، أخْذُ نِصْفِه ورُبْعِه منهما، أخْذُ نِصْفِه منهما، أخْذُ نِصْفِه مِن أحَدِهما، أخْذُ رُبْعِه مِن أحَدِهما.
ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وغيرُهما.
وقيل: ذلك عَقْدان.
قدَّمه في «الرعايَةِ».
قال في «الفائقِ»: ولو تعَدَّدَ البائعُ والمَبِيعُ، واتَّحَدَ العَقْدُ والمُشْتَرِي، فعلى وَجْهَين.
الجزء: 15 - الصفحة: 439
وَإنْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيفًا، فَلِلشَّفِيعِ أخْذُ الشِّقْص بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَجُوزَ.
قوله: وإنْ باعَ شِقْصًا وسَيفًا، فللشَّفِيعِ أخْذُ الشِّقْصِ بحِصَّتِه مِنَ الثَّمَنِ -هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ- ويحتَمِلُ أنْ لا يجُوزَ.
وهو تخْريجٌ لأبِي الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»، ومَن بعدَه؛ بِناءً على تَفْريقِ الصَّفْقَةِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 440
وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ، فَلَهُ أخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ تَلَفُهُ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالى، فَلَيسَ لَهُ أَخْذُهُ إلا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
فائدة: أخْذُ الشَّفيعِ للشِّقْصِ لا يُثْبِتُ خِيارَ التَّفْريقِ للمُشْتَرِي.
قاله في «التَّلْخيصِ» وغيرِه.
واقْتصَرَ عليه الحارِثِيُّ.
قوله: وإنْ تَلِفَ بَعضُ المَبِيعِ، فله أخْذُ الباقِي بحِصَّتِه مِنَ الثَّمَنِ.
هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ، إلَّا أنَّ ابنَ حامِدٍ اخْتارَ أنَّه إنْ كان تَلَفُه بفِعْلِ الله تِعالى، فليس له أخذُه إلَّا بجَميعِ الثَّمَنِ، كما نقَلَه المُصَنِّفُ عنه.
فائدة: لو تعَيَّبَ المَبِيعُ بعَيبٍ مِنَ العُيوبِ المُنْقِصَةِ للثَّمَنِ، مع بَقاءِ عَينِه، فليس له الأخْذُ إلَّا بكُلِّ الثَّمَنِ، أو التَّرْكُ.
قطَع به المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وفيه وَجْه آخَرُ، له الأخْذُ بالحِصَّةِ.
اخْتارَه القاضي يَعْقُوبُ.
قال الحارِثِيُّ: وأظُنُّ، أو أجْزِمُ، أنَّه قوْلُ القاضي في «التعْليقِ».
قال: وهو الصَّحيحُ.
الجزء: 15 - الصفحة: 441
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ مِلْكٌ سَابِقٌ.
قوله: الخامسُ، أنْ يكونَ للشَّفِيعِ مِلْكٌ سابِقٌ، فإنِ اشْتَرَى اثْنان دارًا صَفْقَةً واحِدَةً، فلا شُفْعَةَ لأحَدِهما على صاحِبِه -بلا نِزاعٍ- فإنِ ادَّعَى كُلُّ واحِد منهما السَّبْقَ، فتحالفا أوْ تَعارَضَتْ بَيِّنَتاهما، فلا شُفْعَةَ لهما.
هذا المذهبُ في تَعارُضِ البَيِّنَتَين، على ما يأْتِي في بابِه.
فإنْ قيلَ باسْتِعْمالِهما بالقُرْعَةِ، فمَن قرَعَ، حلَف، وقُضِيَ له.
وإنْ قيلَ باسْتِعْمالِهما بالقِسْمَةِ، فلا أثَرَ لها ها هنا؛ لأنَّ العَينَ بينَهما مُنْقَسِمَةٌ، إلَّا أنْ تتَفاوَتَ الشَّرِكَةُ، فيُفِيدَ التَّنْصِيفَ، ولا يَمِينَ إذًا، على ما يأْتِي إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
الجزء: 15 - الصفحة: 443
فَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ دَارًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلَا شُفْعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ، مِنْهُمَا السَّبْقَ، فَتَحَالفَا، أَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَاهُمَا، فَلَا شُفْعَةَ لَهُمَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 15 - الصفحة: 444
وَلَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الْوَقْفِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
قوله: ولا شُفْعَةَ بشَرِكَةِ الوَقْفِ، في أحَدِ الوَجْهَين.
إذا بِيعَ طِلْقٌ في شَرِكَةِ وَقْفٍ، فهل يسْتَحِقُّه المَوْقوفُ عليه؟ لا يخْلُو؛ إمَّا أنْ نقولَ: يمْلِكُ المَوْقوفُ عليه الوَقْفَ، أو لا.
فإنْ قُلْنا: يمْلِكُه.
وهو المذهبُ على ما يأْتِي، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ هنا، أَنه لا شُفْعَةَ له.
جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقطَع به أيضًا ابنُ أبِي مُوسى، والقاضي وابنُه، وابنُ عَقِيلٍ، والشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَرٍ، والزَّيدِيُّ، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ في آخَرين.
واخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه.
وصحَّحه
الجزء: 15 - الصفحة: 445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الخُلاصةِ»، و «النَّظْمِ».
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
وقال أبو الخَطَّابِ: له الشُّفْعَةُ.
قال الحارِثِيُّ: وُجُوبُ الشُّفْعَةِ، على قَوْلِنا بالمِلْكِ، هو الحقُّ.
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الكافِي».
وإنْ قُلْنا: لا يملِكُ المَوْقوفُ عليه الوَقْفَ.
فلا شُفْعَةَ أيضًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، قطَع به الجُمْهورُ؛ منهم القاضي، وأبو الخَطَّابِ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، ومَن تقدَّم ذِكْرُه في المَسْأَلَة الأُولَى، وغيرُهم.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقيل: له الشُّفْعَةُ.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وقيلَ: إنْ قُلْنا: القِسْمَةُ إفْرازٌ.
وَجَبَتْ، وإلَّا فلا.
انتهى.
اخْتارَ في «التَّرْغيبِ»، إنْ قُلْنا: القِسْمَةُ إفْرازٌ.
وجَبَتْ هي، والقِسْمَةُ بينَهما.
فعلى هذا، الأصحُّ، يُؤْخَذُ بها مَوْقُوفٌ جازَ بَيعُه.
قال في «التَّلْخيصِ»، بعدَ أنْ حكَى كلامَ أبِي الخَطَّابِ المُتقَدِّمِ: ويتَخَرَّجُ عندِي، وإنْ قُلْنا: يَمْلِكُه في الشُّفْعَةِ، وَجْهان مَبْنِيَّان على أنَّه، هل يُقْسَمُ الوَقْفُ، والطَّلَقُ، أمْ لا؟ فإنْ قُلْنا: القِسْمَةُ إفُرازٌ.
قُسِمَ، وتجِبُ الشُّفْعَةُ، وإنْ قُلْنا: بَيْعٌ.
فلا قِسْمَةَ، ولا شُفْعَةَ.
انتهى.
قال في «القواعِدِ»، بعدَ أنْ حكَى الطَّرِيقتَين: هذا كلُّه مُفَرَّعٌ على المذهبِ في جَوازِ قِسْمَةِ الوَقْفِ، مِنَ الطَّلَقِ.
أمَّا على الوَجْهِ الآخَرِ بمَنْعِ القِسْمَةِ، فلا شُفْعَةَ؛ إذْ لا شُفْعَةَ في ظاهرِ المذهبِ، إلَّا فيما يقْبَلُ القِسْمَةَ مِنَ العَقارِ.
وكذلك بنَى صاحِبُ «الْتخيصِ» الوَجْهَين على الخِلافِ في قَبُولِ القِسْمَةِ.
انتهى.
تنبيه: هذه الطَّريقةُ التي ذكَرْناها وهي؛ إنْ قُلْنا: المَوْقوفُ عليه يمْلِكُ الوَقْف.
وجَبَتِ الشُّفْعَةُ.
أو: لا يمْلِكُ.
فلا شُفْعَةَ، هي طريقةُ أبِي الخَطَّابِ، وجماعةٍ.
الجزء: 15 - الصفحة: 446
فَصْلٌ: وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الطَّلَبِ بِوَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ.
نَصَّ عَلَيهَا.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: لَا تَسْقُطُ.
وللأَصحاب طريقةٌ أُخْرَى؛ وهي أنَّ الخِلافَ جارٍ، سواءٌ قُلْنا: يمْلِكُ المَوْقوفُ عليه الوَقْفَ.
أمْ لا.
وهي طريقَةُ الأكْثَرِين، وهي طريقةُ المُصَنِّفِ هنا وغيرِه.
ومنهم مَن قال: إنْ قُلْنا بعَدَم المِلْكِ، فلا شُفْعَةَ، وإنْ قيلَ بالمِلْكِ، فوَجْهان.
وهي طريقةُ صاحبِ «المُحَرَّرِ».
واخْتارَه في «التَّلْخيصِ»، لكِنْ بَناه على ما تقدَّم.
قوله: وإنْ تَصَرَّفَ المُشْتَرى في المَبيعِ قبلَ الطَّلَبِ بوَقْفٍ أوْ هِبَةٍ -وكذا
الجزء: 15 - الصفحة: 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بصَدَقَةٍ- سقَطَتْ -وكذا لو أَعْتَقَه- نصَّ عليه.
[وقُلْنا: فيه الشُّفْعَةُ، على ما تقدَّم] 82. وهذا المذهبُ في الجميعِ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال الحارِثِيُّ: وقال أصحابُنا: إنْ تصَرَّفَ بالهِبَةِ أو الصَّدَقَةِ أو الوَقْفِ، بطَلَتِ الشُّفْعَةُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وصحَّحه في «الخُلاصةِ» وغيرِها.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوك الذَّهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «ناظِمِ المُفْرَداتِ»، وهو منها؛ فقال، بعدَ أنْ ذكَر الوَقْفَ، والهِبَةَ، والصَّدَقَةَ: جمهورُ الأصحابِ على هذا النَّمَطِ.
والقاضي قال: النَّصُّ في الوَقْفِ فقط.
وقال أبو بَكْرٍ في «التَّنْبِيهِ»: ولو بنَى حِصَّتَه مَسْجِدًا، كان البِناءُ باطِلًا؛ لأنَّه وقَع في غيرِ مِلْكٍ تامٍّ له.
هذا لفْظُه.
قال المُصَنِّفُ: القِياسُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ.
واخْتارَه في «الفائقِ».
قال الحارِثِيُّ: وهو قَويٍّ جدًّا.
وقال: حكَى القاضي أنَّ أبا بَكْرٍ قال في «التَّنْبِيهِ»: الشَّفِيعُ بالخِيارِ بينَ أنْ يُقِرَّه على ما تصَرَّفَ، وبينَ أنْ ينْقُضَ التَّصَرُّفَ؛ فإنْ كان وَقْفًا على قَوْمٍ، فسَخَه، وإنْ كان مَسْجِدًا، نقَضَه؛ اعْتِبارًا به لو تصَرَّفَ بالبَيعِ.
قال: وتَبِعَه الأصحابُ عليه، ومِن ضَرُورَتِه عدَمُ السُّقُوطٍ
الجزء: 15 - الصفحة: 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُطْلَقًا كما ذكَرَه المُصَنِّفُ هنا عنه، قال: ولم أرَ هذا في «التَّنْبِيهِ»، إنَّما فيه ما ذكَرْنا أوَّلًا، مِن بُطْلَانِ أصْلِ التَّصَرُّفِ، وبينَهما مِنَ البَوْنِ ما لا يخْفَى.
انتهى.
وقال في «الفائقِ»: وخصَّ القاضي النصَّ بالوَقْفِ، ولم يجْعَلْ غيرَه مُسْقِطًا، اخْتارَه شيخُنا.
انتهى.
قال في «الفُصولِ»: وعنه، لا تسْقُطُ؛ لأنَّه شَفِيعٌ.
وضعَّفَه بِوقْفِ غَصْبٍ أو مَريضٍ مَسْجِدًا.
تنبيه: قال في «القاعِدَةِ الرَّابعَةِ والخَمْسِين»: صرَّح القاضي بجَوازِ الوَقْفِ، والإقْدامِ عليه، وظاهِرُ كلامِه في مَسْأَلةِ التَّحَيُّلِ على إسْقاطِ الشُّفْعَةِ، تَحْرِيمُه، وهو الأظهَرُ.
انتهى.
قلتُ: قد تقدم كلامُ صاحبِ «الفائقِ» في ذلك، في أوَّلِ البابِ.
فائدتان؛ إحْداهما، لا يُسْقِطُ رَهْنُه الشُّفْعَةَ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وإنْ سقَطَتْ بالوَقْفِ والهِبَةِ والصَّدَقَةِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
ونصَرَه الحارِثِيُّ.
وقيل: الرَّهْنُ كالوقْفِ والهِبَةِ والصَّدَقَةِ.
جزَم به في «الكافِي»، و «المُغْنِي»،
الجزء: 15 - الصفحة: 449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
قال الحارِثِيُّ: ألْحَقَ المُصَنِّفُ الرَّهْنَ بالوَقْفِ، والهِبَةِ، وهو بعيدٌ عن نصِّ أحمدَ؛ فإنَّه أَبْطَلَ في الصَّدَقَةِ والوَقْفِ بالخُروجِ عنِ اليَدِ والمِلْكِ، والرَّهْنُ غيرُ خارِج عنِ المِلْكِ، فامْتنَعَ الإلْحاقُ.
انتهى.
وقال في «الفائقِ»: وخصَّ القاضي النَّصَّ بالوَقْفِ، ولم يجْعَلْ غيرَه مُسْقِطًا.
اخْتارَه شيخُنا، يعْنِي الشَّيخَ تَقِيَّ الدِّينِ، وكلامُ الشَّيخِ، يعْنِي به المُصَنِّفَ، يقْتَضِي مُساواةَ الرَّهْنِ، والإِجارَةِ، وكل عَقْدٍ لا تجِبُ الشُّفْعَةُ فيه للوَقْفِ.
قال، يعْني المُصَنِّفَ: ولو جعَلَه صَداقًا، أو عِوَضًا عن خُلْعٍ، انْبَنَى على الوَجْهَين في الأخْذِ بالشُّفْعَةِ.
انتهى.
وقدَّم في «الرِّعايَةِ» سقوطَها بإجارَةٍ وصدَقَةٍ.
الثَّانيةُ، لو أوْصَى بالشِّقْصِ؛ فإنْ أخَذ الشَّفِيعُ قبلَ القَبُولِ، بطَلَتِ الوَّصِيَّةُ، واسْتَقَرَّ الأخْذُ.
ذكَرَ المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والحارِثي، وغيرُهم.
وإنْ طلَبَ ولم يأخُذْ بعدُ، بطَلَتِ الوَصِيَّةُ أيضًا، ويدْفَعُ الثَّمَنَ إلى الوَرَثَةِ؛ لأنَّه مِلْكُهم، وإنْ كان المُوصَى له قَبِلَ قبلَ أخْذِ الشَّفِيعِ أو طَلَبِه، فكما مَرَّ في الهِبَةِ؛ تنْقَطِعُ الشُّفْعَةُ بها على المذهبِ.
قال الحارِثِيُّ: وعلى المَحْكِيِّ عن أبِي بَكْرٍ، وإنْ كان لا يثْبُتُ عنه، لا تَنْقَطِعُ، وهو الحقُّ.
انتهى.
وهو مُقْتَضَى إطْلاقِ المُصَنِّفِ في «المُغْنِي».
الجزء: 15 - الصفحة: 450
وَإِنْ بَاعَ فَلِلشَّفِيعِ الأْخْذُ بأْيِّ الْبَيعَينِ شَاءَ، فَإِن أَخَذَ بِالأَوَّلِ، رَجَعَ الثَّانِي عَلَى الأَوَّلِ.
قوله: وإنْ باعَ، فللشَّفِيعِ الأَخْذُ بأيِّ البَيعَين شاءَ.
هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، والمَشْهورُ عند الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقال ابنُ أبِي مُوسى: يأخُذُه ممَّن هو في يَدِه.
وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»؛ لأنَّه قال: إذا خرَج مِن يَدِه ومِلْكِه، كيفَ يُسْلَمُ؟ وقيل: البَيعُ باطِلٌ.
وهو ظاهِرُ
الجزء: 15 - الصفحة: 451
وَإنْ فُسِخَ الْبَيعُ بِعَيبٍ أوْ إِقَالةٍ أَوْ تَحَالُفٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ،
كلامِ أبِي بَكْرٍ في «التَّنْبِيهِ».
قاله في «القاعِدَةِ الرَّابِعَةِ والعِشْرِينِ».
وقال في آخِرِ «القاعِدَةِ الثَّالثَةِ والخَمْسِين»: وذكَر أبو الخَطَّابِ أن تَصرُّفَ المُشْتَرِي في الشقْصِ المَشْفُوعِ يصِحُّ، ويقِفُ على إجازَةِ الشَّفِيعِ.
قوله: وإنْ فُسِخَ البَيعُ بعَيبِ أوْ إقالةٍ، فللشَّفِيعِ أخْذُه.
إذا تقايَلا الشِّقْصَ، ثم
الجزء: 15 - الصفحة: 452
وَيَأْخُذُهُ فِي التَّحَالفِ بِمَا حَلَفَ عَلَيهِ الْبَائِعُ.
عَلِمَ المُشْتَرِي؛ إنْ قُلْنا: الإِقالةُ بَيعٌ.
فله الأخْذُ مِن أَيِّهما شاءَ؛ فإنْ أخَذ مِنَ المُشْتَرِي، نقَض الإِقالةَ؛ ليَعُودَ الشَّقْصُ إِليه، فيأْخُذَ منه، وإنْ قُلْنا: فَسْخٌ.
فله الشُّفْعَةُ أيضًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال الحارِثيُّ: ذكَرَه الأصحابُ؛ القاضي، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ في آخَرين.
انتهى.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «النَّظْمِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال الحارِثِي: ثم ذكَر القاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ في «كِتابَيه»، أنَّه يفْسَخُ الإقالةَ؛ ليَرْجِعَ الشَّقْصُ إلى المُشْتَرِي، فيَأْخُذَ منه.
قال المُصَنِّفُ: لأنَّه لا يُمْكِنُه الأَخْذُ معها.
وقال ابنُ أبِي مُوسى: للشَّفِيعِ انْتِزاعُه مِن يَدِ البائعِ.
قال الحارثِيُّ: والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الاسْتِشْفاعَ الانْتِزاعُ مِن يَدِ المُشْتَرِي، وهذا معْنَى قوْلِهَ: لا يُمْكِنُ الأَخْذُ معها.
وقد نصَّ أحمدُ، في رِوايَةِ ابنِ الحَكَمِ، على بُطْلانِ الشُّفْعَةِ، وحمَلَه القاضي على أن الشَّفِيعَ عَفا ولم يُطالِبْ، وتَبِعَه ابنُ عَقِيلٍ.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»: وعندِي أنَّ الكلامَ على ظاهِرِه، ومتى تَقايَلا قبلَ المُطالبَةِ
الجزء: 15 - الصفحة: 453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالشُّفْعَةِ، لم تجِبِ الشُّفْعَةُ.
وكذا قال صاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وزادَ: فيكونُ على رِوايتَين.
قال الحارِثِيُّ: والبُطْلانُ هو الَّذي يصِحُّ عن أحمدَ.
فائدة: لو تَقايَلا بعدَ عَفْو الشفِيعِ، ثم عَنَّ له المُطالبَةُ، ففي «المُجَرَّدِ»، و «الفُصولِ»، إنْ قيلَ: الإقَالةُ فَسْخٌ.
فلا شيءَ له، وإنْ قيلَ: هي بَيعٌ.
تجَدَّدَتِ الشُّفْعَةُ، وأخَذ مِنَ البائعِ، لتَجَدُّدِ السَّبَبِ، فهو كالعَوْدِ إليه بالبَيعِ الصَّريحِ.
واقْتصَرَ عليه الحارِثِيُّ.
وإنْ فُسِخَ البَيعُ بعَيبٍ قديمٍ، ثم عَلِمَ الشَّفِيعُ وطالبَ مُقدِمًا على العَيب، فقال المُصَنِّفُ هنا: له الشفْعَةُ.
وكذا قال الأصحابُ، القاضي، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيل في آخَرين.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الْشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه، ليس له الأخْذُ، إذا فُسِخَ بعَيبٍ.
ذكَره في «المُسْتَوْعِب»، و «التَّلْخيصِ» أخْذًا مِن نَصِّه في رِوايَةِ ابنِ الحَكَمِ في المُقايَلَةِ.
وأَكْثَرُهم حكاه قوْلًا، ومال إليه الحارِثِيُّ.
الجزء: 15 - الصفحة: 454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ منها، لو باعَ شِقْصًا بعَبْدٍ، ثم وجَد العَبْدَ مَعِيبًا، فقال في «المُغْنِي»، و «المُجَرَّدِ»، و «الفُصولِ»، وغيرِهم: له رَدُّ العَبْدِ واسْتِرْجاعُ الشِّقْصِ، ولا شيءَ للشَّفيعِ.
واخْتارَ الحارِثِي ثُبوتَ الشُّفْعَةِ له.
انتهى.
قال الأصحابُ: وإنْ أخَذ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، ثمُ وجَد البائِعُ العَيبَ، لم يمْلِكِ اسْتِرْدادَ الشِّقْصِ؛ لأنَّه يلْزَمُ عنه بُطْلَانُ عَقْدٍ آخَرَ.
قلتُ: فيُعايَى بها.
ولكِنْ يرْجِعُ بقِيمَةِ الشِّقْصِ، والمُشْتَرِي قد أخَذ مِنَ الشَّفيعِ قِيمَةَ العَبْدِ؛ فإنْ ساوَتْ قِيمَةَ العَبْدِ فذاك، وإنْ زادَتْ إحْداهما على الأخْرَى، ففي رُجوعِ باذلِ الزِّيادَة؛ مِنَ المُشْتَرِي، والشَّفِيعِ؛ على صاحِبِه وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»؛ أحدُهما، يرجِعُ بالزِّيادَةِ.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
اخْتارَه القاضي، وابنُ
الجزء: 15 - الصفحة: 455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقِيلٍ، والمَجْدُ.
وجزَم به في «الكافِي».
وصححَّه في «الفُروعِ».
والوَجْهُ الثَّانِي، لا يرْجِعُ.
وإنْ عادَ الشِّقْصُ إلى المُشْتَري بعدَ دَفْعِ قِيمَتِه ببَيعٍ، أو إرْثٍ، أو هِبَةٍ أو غيرِها، ففي «المُجَردِ»، و «الفُصولِ»، لا يلْزَمُه الرَّدُّ على البائعِ، ولا للبائعِ اسْتِرْدادُه.
قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: ليس للشَّفِيعِ أخْذُه
الجزء: 15 - الصفحة: 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالبَيعِ الأوَّلِ.
انتهيا.
وإنْ أخَذ البائعُ الأرْشَ، ولم يرُدَّ؛ فإنْ كان الشَّفِيع أخَذ بقِيمتِه صحيحًا، فلا رُجوعَ للمُشْتَرِي عليه 83، وإنْ أخَذ بقِيمَتِه مَعِيبًا، فللمُشْتَرِي الرُّجوعُ بما أدَّى مِنَ الأرْشِ.
ذكَرَه الأصحابُ.
ولو عَفا البائعُ مجَّانًا بالقِيمَةِ صحيحًا، ففي «المغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، لا يرْجِعُ الشَّفِيعُ على المُشْتَرِي بشيءٍ: اقْتَصَر عليه الحارِثِي.
[وقيل: يَرْجِعُ على المُشْتَرِي بالأرْشِ.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»] 84. ومنها، لو اشْتَرَى شِقْصًا بعَبْدٍ أو بثَمَن مُعَيَّن، وظهَر مُسْتَحَقًّا، فالبَيعُ باطِل، ولا شُفْعَةَ، وعلى الشَّفِيعِ ردُّ الشِّقْصِ، إنْ أخَذَه، وإنْ ظهَر البَعْضُ مُسْتَحَقًّا، بطَل البَيعُ فيه، وفي الباقِي روايَتا تَفريقِ الصَّفْقَةِ.
ومها، لو كان الشِّراءُ بثَمَنٍ في الذِّمَّةِ ونقَدَه، فخَرَجَ مُسْتَحَقًّا، لم يبْطُل البَيعُ، والشُّفْعَةُ بحالِها، ويرُدُّ الثَّمَنَ إلى مالِكِه، وعلى المُشْتَرِي ثَمَنٌ صحيحٌ، فإنْ تعَذَّرَ؛ لإعْسارٍ أو غيرِه، ففي «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، للبائعِ فَسْخُ البَيعِ، ويُقَدَّمُ حقُّ الشَّفيعِ.
ومها، لو كان الثَّمَنُ مَكِيلًا أو مَوْزونًا، فتَلِفَ
الجزء: 15 - الصفحة: 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبلَ قبْضِه، بطَل البَيعُ، وانْتَفَتِ الشُّفْعَةُ، فإنْ كان الشَّفِيعُ أخَذ الشُّفْعَةَ، لم يكُنْ لأحَدٍ اسْتِرْدادُه.
ذكَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
ومنها، لو ارْتَدَّ المُشْتَرِي، وقُتِلَ أو ماتَ، فللشَّفِيعِ الأَخْذُ مِن بَيتِ المالِ.
قاله الشَّارِحُ، واقْتَصَرَ عليه الحارِثِيُّ.
قوله: أوْ تَحالفا.
يعْنِي، إذا اخْتلَفَ المُتَبايعان في قَدْرِ الثَّمَنِ، ولا بَيِّنَةَ، وتَحالفا، وتَفاسَخا، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ قبلَ أخْذِ الشَّفِيعِ أو بعدَه؛ فإنْ كان قبلَ أخْذِ الشَّفِيعِ، وهي مَسْأْلةُ المُصَنِّفِ، فللشَّفِيعِ الأَخْذُ.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَعُوا به.
قال الحارِثِيُّ: ويتَخَرَّجُ انْتِفاءُ الشُّفْعَةِ مِن مِثْلِه في الإِقالةِ، والرَّدِّ بالعَيبِ على الرِّوايَةِ المَحْكِيَّةِ، وأوْلَى.
فعلى المذهبِ، يأْخُذُه بما
الجزء: 15 - الصفحة: 458
وَإنْ أَجَرَهُ، أخَذَهُ الشَّفِيعُ، وَلَهُ الأُجْرَةُ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ،
حلَفَ عليه البائعُ؛ لأنَّه مُقِرٌّ بالبَيعِ بالثَّمَنِ الَّذي حلَفَ عليه، ومُقِرٌّ له بالشُّفْعَةِ، وإنْ وُجِدَ التَّفاسُخُ بعدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، أُقِرَّ بيَدِ الشَّفيعِ، وكان عليه للبائعِ ما حلَفَ عليه.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: وإنْ أجَرَه، أخَذَه الشَّفِيعُ، وله الأُجْرَةُ مِن يَوْمِ أخْذِه.
الجزء: 15 - الصفحة: 459
وَإِنِ اسْتَغَلَّهُ، فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَإِنِ أخَذَهُ الشَّفِيعُ وَفِيهِ زَرْعٌ
أنَّ الإجارَةَ لا تنْفَسِخُ، ويسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ الأُجْرَةَ مِن يوم أخْذِه بالشُّفْعَةِ.
وهو أحدُ الوُجوهِ.
جزَم به في «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «النَّظْمِ».
قال الحارِثِيُّ: وفيه إشْكالٌ.
والوَجْهُ الثَّانِي، تنْفسِخُ مِن حينِ أخْذِه.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «المُحَررِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين».
قال في «الفُروعِ»: وفي الإِجارَةِ، في «الكافِي»، الخِلافُ في هِبَةٍ.
انتهى.
وأطْلَقَهما في «الحاوي الصَّغِيرِ».
والوَجْهُ الثَّالثُ، للشَّفِيعِ الخِيارُ بينَ فَسْخِ الإِجارَةِ وتَرْكِها.
قال في «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ والثَّلاثين»: وهو ظاهِرُ كلامِ القاضي في «خِلافِه»، في مَسْأْلَةِ إعارَةِ العارِيَّةِ.
قال: وهو أظْهَرُ.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: ويتَخَرَّجُ مِنَ الوَجْهِ الَّذي نقولُ: تتَوَقَّفُ صِحَّةُ الإِجارَةِ على إجازَةِ البَطْنِ الثَّانِي في الوَقْفِ.
إجازَةُ الشَّفيعِ هنا؛ إنْ أجازَ، صحَّ 85، وإلَّا بطَلَ في حقِّه بالأَولَى.
قال: وهذا أقْوَى.
انتهى.
وأطْلَقَ الأَوْجُهَ الثَّلَاثةَ في «القواعِدِ»، ولم يذْكُرِ الوَجْهَ الثَّالِثَ في «الفُروعِ».
قوله: وإنِ اسْتَغَله، فالغلَّةُ له -بلا نِزاعٍ- وإنْ أخَذَه الشَّفِيعُ وفيه زَرْعٌ، أو ثَمَرَةٌ ظاهِرَةٌ، فهي للمُشْتَرِي، مُبَقَّاةٌ إلى الحَصادِ والجَدادِ.
يعْنِي، بلا أُجْرَةٍ.
وهذا المذهبُ.
قال المَجْدُ في «شَرْحِ الهِدايَةِ»: هذا أصحُّ الوَجْهَين لأصحابِنا.
الجزء: 15 - الصفحة: 460
أو ثَمَرٌ ظَاهِرٌ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي مُبَقًّى إلَى الْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النظْمِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي».
وقيل: تجِبُ في الزَّرْعِ الأُجْرَةُ، مِن حينِ أخْذِ الشَّفِيعِ.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
قال ابنُ رَجَبٍ في «القواعدِ»: وهو أظْهَرُ.
قلت: وهو الصَّوابُ.
وهذا الوَجْهُ ذكَرَه أبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ».
قال في «الفُروعِ»: فيتَوجَّهُ منه تخرِيجٌ في الثَّمَرَةِ.
قلتُ: وهو ظاهِرُ بَحْثِ ابنِ مُنَجَّى في «شَرْحِه».
قال الحارِثِيُّ، لمَّا علَّلَ بكَلامِه في «المُغْنِي»: وهذا بالنسْبَةِ إلى وُجوبِ الأُجْرَةِ [للشَّفِيعِ في المُؤْجَرِ مُشْكِلٌ جِدًّا، فينْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ وُجوبُ الأُجْرَةِ] 86 هنا مِن وُجُوبِها هناك.
تنبيه: مفْهومُ قوْلِه: أوْ ثَمَرَةٌ ظاهِرَةٌ.
أنَّ ما لم يظْهَرْ يكونُ مِلْكًا للشَّفِيعِ؛ وذلك كالشَّجَرِ إذا كَبِرَ، والطَّلْعِ إذا لم يُؤبَّرْ، ونحوهما.
وهو كذلك.
قاله الأصحابُ؛ منهم القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيلٍ فِي «الفُصولِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمُصَنِّفُ في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، وغيرُهم.
فائدة: لو تأبَّرَ الطَّلْعُ المَشْمولُ بالبَيعِ في يَدِ المُشْتَرِي، كانتِ الثَّمَرَةُ له، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قطَع به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما.
وقدَّمه الحارِثِيُّ.
وفيه وَجْهٌ آخرُ 87، هي للشَّفِيعَ.
الجزء: 15 - الصفحة: 462
وَإنْا قَاسَمَ الْمُشْتَرِي وَكِيل الشَّفِيعِ، أو قَاسَم الشَّفِيعَ؛ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ لَهُ زِيَادَةً في الثَّمَنِ أوْ نَحْوهِ، وَغرَسَ أَوْ بَنَى، فَلِلشَّفِيعِ أنْ يَدْفَعَ إِلَيهِ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَيَمْلِكَهُ، أوْ يَقْلَعَهُ وَيَضْمَنَ النَّقْصَ.
فَان اخْتَارَ أخْذَهُ وَأرَادَ الْمُشْتَرِي قَلْعَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ.
قوْله: وإنْ قَاسَمَ المُشْتَرِي وَكيلَ الشَّفِيعِ، أو قَاسَمَ الشَّفيعَ؛ لكَوْنِه أظْهَرَ له زِيادَةً في الثَّمَنِ، أو نحوه، وغرَس، أو بنَى، فللشَّفِيعِ أنْ يدْفعَ إليه قِيمَةَ الغرِاسِ والبِناءِ، ويمْلِكَه، أو يقْلَعَه، ويضمَنَ النَّقْصَ.
إذا أربى المُشْتَرِي أخْذَ غَرْسِه وبِنائِه، كان للشَّفيعِ أخْذُ الغِراسِ والبِناءِ، والحالةُ هذه، وله القَلْعُ، وضَمانُ النَّقْصِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «الانْتِصارِ»: أو أقَرَّه بأُجْرَةٍ، فإنْ أَبَى فلا شُفْعَةَ.
قال الحارِثِيُّ: إذا لم يقْلَعِ المُشْتَرِي، ففي الكِتابِ تخْيِيرُ الشَّفيعِ بينَ أخْذِ الغِراسِ والبِناءِ بالقِيمَةِ، وبينَ قَلْعِه وضَمانِ نَقْصِه.
وهذا ما قاله القاضي وجُمْهورُ أصحابِه،
الجزء: 15 - الصفحة: 463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: ولا أعْرِفُه نَقْلًا عن أحمدَ، وإنَّما المَنْقُولُ عنه رِوايَتا التَّخْيِيرِ مِن غيرِ أرْشٍ، والأُخْرَى، وهي المَشْهورَةُ عنه، إيجابُ القِيمَةِ مِن غيرِ تَخْيِيرٍ.
وهو ما ذكَرَه الخِرَقِيُّ وابنُ أبِي مُوسى، وابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ.
وهو المذهبُ.
زادَ ابنُ أبِي مُوسى، ولا يُؤمَرُ المُشْتَرِي بقَلْعِ بِنائِه.
انتهى.
قال في «الفُروعِ»: ونقَل الجماعَةُ، له قِيمَةُ البِناءِ، ولا يقْلَعُه.
ونقَل سِنْدِيٌّ، أله قِيمَةُ البِناءِ، أم قِيمَةُ النَّقْصِ؟ قال: لا، قِيمَةُ البِناءِ.
فائدة: إذا أخَذَه بالقِيمَةِ، قال الحارِثِيُّ: يُعْتَبَرُ بذْلُ البِناءِ أو الغِراسِ بما يُساويه حينَ التَّقْويمِ، لا بما أنْفَقَ المُشْتَرِي؛ زادَ على القِيمَةِ أو نقَص.
ذكَرَه أصحابُنا.
الجزء: 15 - الصفحة: 464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
انتهى.
وقال في «المُغْنِي»، وتَبِعَه الشَّارِحُ: لا يُمْكِنُ إيجابُ قِيمَتِه باقِيًا؛ لأنَّ البَقاءَ غيرُ مُسْتَحَقٌّ، ولا قيمَتِه مقْلُوعًا؛ لأنَّه لو كانَ كذلك، لملَك القَلْعَ مجَّانًا؛ ولأنَّه قد يكونُ لا قِيمَةَ له إذا قُلِعَ.
قالا: ولم يذْكُرْ أصحابُنا كيفِيَّةَ وُجوبِ القِيمَةِ، والظَّاهِرُ أنَّ الأرْضَ تُقَوَّمُ مغْرُوسَةً ومَبْنِيَّةً، ثم تُقَوَّمُ خالِيَةً، فيكون ما بينَهما قِيمَةَ الغَرْسِ والبِناءِ.
وجزَم بهذا ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ:
الجزء: 15 - الصفحة: 465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويحْتَمِلُ أنْ يُقَوْمَ الغَرْسُ والبِناءُ مُسْتَحِقًّا للتَّرْكِ بِالأُجْرَةِ، أو لأخْذِه بالقِيمَةِ، إذا امْتَنَعا مِن قَلْعِه.
انتهيا.
قوله: فإنِ اخْتارَ أخْذَه، فأرَادَ المُشْتَرِي -وهو صاحِبُه- قَلْعَه، فله ذلك، إذا لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ.
هذا أحدُ الوَجْهَين.
اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وجزَم به الخِرَقِيُّ، وابنُ عَقِيل في «التَّذْكِرَةِ»، والآدَمِيُّ البَغْدادِيُّ، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وصاحِبُ «الوَجيزِ».
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ له القَلْعَ؛ سواءٌ كان فيه ضرَرٌ، أوْ لا، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
قال الحارِثِيُّ: ولم يَعْتَبِرِ القاضي وأصحابُه الضرَرَ وعدَمَه.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو ظاهِرُ كلامِ الأَكْثَرِين، بل الَّذي جزَمُوا به، له ذلك سواءٌ أضَرَّ بالأرْضِ، أو لم يُضِرَّ.
انتهى.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الفَائقِ».
الجزء: 15 - الصفحة: 466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: قال الحارِثِيُّ: وهذا الخِلافُ الَّذي أوْرَدَه مَن أوْرَدَه مِنَ الأصحاب مُطْلَقًا ليس بالجَيِّدٍ، بل يتَعَيَّنُ تنْزِيلُه؛ إمَّا على اخْتِلافِ حالين، وإمَّا على ما قبلَ الأَخْذِ، وإنَّما أوْرَدَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ» على هذه الحالةِ، لا غيرُ.
وحيث قيلَ باعْتِبارِ عدَمِ الضَّرَرِ، ففيما بعدَ الأخْذِ، وهو ظاهِرُ ما أوْرَدَه في «التذْكِرَةِ».
فائدتان؛ إحْداهما، لو قلَعَه المُشْتَرِي، وهو صاحِبُه، لم يضْمَنْ نَقْصَ الأرْضِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، اخْتارَه القاضي وغيرُه.
قال في «الفُروعِ»: لا يضْمَنُ نقْصَ الأرْضِ في الأصحِّ.
وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ».
وجزَم به في «الكافِي»، وعلَّلَه بانْتِفاءِ عُدْوانِه، مع أنَّه جزَم في بابِ العارِيةِ بخلافِه.
وقيل: يَلْزَمُه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، ومال إليه الحارِثِيُّ، وقال: والكَلامُ في تَسْويَةِ الحَفْرِ، كالكَلامِ في ضَمانِ أرْشِ النَّقْصِ.
وأطْلَقَهما في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والسَّبْعِين».
الثَّانيةُ، يجوزُ للمُشْتَرِي التَّصَرفُ في الشِّقْصِ الَّذي اشْتَراه بالغرْسِ والبِناءِ في الجُمْلةِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الأصحاب.
قال في رِوايَةِ سِنْدِيٍّ: ليس هذا بمَنْزِلَةِ الغاصِبِ.
وقال في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: لأَنَّه عمَر، وهو يظُنُّ أنَّه مِلْكُه، وهو ليس؛ إذا زرَع بغيرِ إذْنِ أهْلِه.
قال الحارِثِيُّ:
الجزء: 15 - الصفحة: 467
وَإنْ بَاعَ الشَّفِيعُ مِلْكَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَلِلْمُشْتَرِي الشُّفْعَةُ فيمَا بَاعَهُ الشَّفِيعُ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينَ.
إنَّما هذا بعدَ القِسْمَةِ والتَّمْيِيزِ؛ ليكونَ التَّصَرُّفُ في خالصِ مِلْكِه، أمَّا قبلَ القِسْمَةِ، فلا يَمْلِكُ الغَرْسَ والبناءَ، وللشَّفيعِ إذًا قَلْعُ الغرْسِ والبِناءِ مجَّانًا؛ للشَّرِكَةِ لا للشُّفْعَةِ، فإنَّ أحدَ الشَّرِيكَين إذا انْفَرَدَ بهذا التَّصَرُّفِ، كان للآخَرِ القَلْعُ مجَّانًا.
قال جَعْفَرُ بنُ محمدٍ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن رجُلٍ غرَسَ نَخْلًا في أرْضٍ بينَه وبينَ قَوْمٍ مُشاعًا؟ قال: إنْ كان بغيرِ إذْنِهم، قُلِعَ نخْلُه.
انتهى.
قلتُ: وهذا لا شَكَّ فيه.
قوله: وإنْ باعَ الشَّفيعُ مِلْكَه قبلَ العِلْمِ، لم تسْقُطْ شُفْعَتُه في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو المذهبُ.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
قال الحارِثِيُّ: هذا أظْهَرُ الوَجْهَين.
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ».
والثاني، تسْقُطُ.
اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ».
وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الفروعِ»، و «الفائقِ».
فعلى المذهبِ، للبائعِ الثَّاني، وهو الشَّفِيعُ، أخْذُ الشِّقْصِ مِنَ المُشْتَرِي الأوَّلِ،
الجزء: 15 - الصفحة: 468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنْ عَفا عنه، فللمُشْتَرِي الأَوَّلِ أخْذُ الشِّقْصِ مِنَ المُشْتَرِي الثَّاني، فإنْ أخَذ منه فهل للمُشْتَرِي الأَخْذُ مِنَ الثاني؟ على الوَجْهَين، وهو قوْلُه: وللمُشْتَرِي الشُّفْعَةُ فيما باعَه الشَّفِيعُ، في أصحِّ الوَجْهَين.
وهو المذهبُ.
صححه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والنَّاظِمُ، وصاحِبُ «الفائقِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
والوَجْهُ الثَّاني، لا شُفْعَةَ له.
وأطْلَقَهما في «شَرْحِ الحارثِيِّ».
وعلى الوَجْهِ الثَّاني، في المَسْأْلَةِ الأُولَى، لا خِلافَ في ثُبوتِ الشُّفْعَةِ للمُشتَرِي الأوَّلِ على المُشْتَرِي الثاني
الجزء: 15 - الصفحة: 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مَبِيعِ الشَّفِيعِ؛ لسَبْقِ شَرِكَتِه على المَبِيعِ، واسْتِقْرارِ مِلْكِه.
تنبيه: مَفْهومُ كلامِه، أنَّ الشَّفِيعَ لو باعَ مِلْكَه بعدَ عِلْمِه، أنَّ شُفْعَتَه تَسْقُطُ.
وهو صحيحٌ، لا خِلافَ فيه أعْلَمُه.
لكِنْ لو باعَ بعضَه عالِمًا، ففي سُقُوطِ الشُّفْعَةِ وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»؛ أحدُهما، تسْقُطُ.
والثَّاني: لا تسْقُطُ؛ لأنَّه قد بَقِيَ مِن مِلْكِه ما يسْتَحِقُّ به الشُّفْعَةَ في جميعِ المَبِيعِ لو انْفَرَدَ، فكذلك إذا بَقِيَ.
قال الحَارِثِيُّ: وهو أصحُّ إنْ شاءَ اللهُ، تعالى؛
الجزء: 15 - الصفحة: 470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقِيامِ المُقْتَضِي، وهو الشَّرِكَةُ، وللمُشْتَرِي الأوَّلِ الشُّفْعَةُ على المشْتَرِي الثَّاني في المَسْأْلَةِ الأُولَى، وفي الثَّانيةِ، إذا قُلْنا بسُقُوطِ شُفْعَةِ البائعِ الأوَّلِ، وإنْ قُلْنا: لا تسْقُطُ شُفْعَةُ البائعِ.
فله أخْذُ الشِّقْصِ مِنَ المُشْتَرِي الأوَّلِ.
وهل للمُشْتَرِي الأوَّلِ شُفْعَة على المُشْتَرِي الثَّاني؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»؛ أحدُهما، له الشُّفْعَةُ.
قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»: وهو القِياسُ.
والوَجْهُ الثَّاني، لا شُفْعَةَ له.
فعلى الأوَّلِ، للمُشْتَرِي الأوَّلِ الشُّفْعَةُ على المُشْتَرِي الثَّاني؛ سواءٌ أخَذ منه المَبِيعَ بالشُّفْعَةِ، أو لم يَأَخُذْ، وللبائعِ الثَّاني، إذا باعَ بعضَ الشِّقْصِ، الأخْذُ مِنَ المُشْتَرِي الأوَّلِ في أَحَدِ الوَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
فائدة: لو باعَ بعضَ الحِصَّةِ جاهِلًا؛ فإنْ قيلَ بالشُّفْعَةِ فيما لو باعَ الكُلَّ في هذه الحالِ، فلا كَلامَ، وإنْ قيلَ بسُقُوطِها فيه، فهنا وَجْهان أوْرَدَهما القاضي، وابنُ عَقِيل، ووَجْهُهما ما تقدَّم في أصْلِ المَسْأْلَةِ.
قال الحارِثِيُّ: والأصحُّ جَرَيانُ الشُّفْعَةِ بالأوْلَى.
الجزء: 15 - الصفحة: 471
وَإنْ مَاتَ الشَّفِيعُ بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ إلا أنْ يَمُوتَ بَعْدَ طَلَبِهَا، فَتَكُونَ لِوَارِثِهِ.
قوله: وإنْ ماتَ الشَّفِيعُ، بطَلَتِ الشُّفْعَةُ، إلَّا أنْ يَمُوت بعدَ طلَبِها، فتكونَ لوارِثِه.
إذا ماتَ الشَّفِيعُ فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ قد ماتَ قبلَ طَلَبِها أو بعدَه؛ فإنْ ماتَ قبلَ طَلَبِها، لم يَسْتَحِقَّ الوَرَثَةُ الشُّفْعَةَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحَابُ، ونصَّ عليه مِرارًا.
قال في «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: لا تُورَثُ مُطالبَةُ الشُّفْعَةِ مِن غيرِ مُطالبَةِ رَبِّها.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وله مأْخَذان؛ أحدُهما، أنَّه حقٌّ له، فلا يَثْبُتُ بدُونِ مُطالبَتِه، ولو عُلِمَتْ رَغْبَتُه مِن غيرِ مُطالبَتِه، لكَفَى في الإرْثِ.
ذكَرَه القاضي في «خِلافِه».
والمأْخَذُ الثَّاني، أنَّ حقَّه سقَط بتَرْكِه وإعْراضِه، لا سِيَّما على قوْلِنا: إنَّها على الفَوْرِ.
فعلى هذا، لو كان غائبًا، فللوَرَثَةِ المُطالبَةُ، وليس ذلك على الأوَّلِ.
انتهى.
وقيل: للورَثَةِ المُطالبَةُ.
وهو تخرِيجٌ
الجزء: 15 - الصفحة: 472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأبِي الخَطَّابِ.
ونقَل أبو طالبٍ، إذا ماتَ صاحِبُ الشُّفْعَةِ، فلولَدِه أنْ يَطْلُبوا الشُّفْعَةُ لمُوَرِّثِهم.
قال في «القواعِدِ»: وظاهِرُ هذا، أنَّ لهم المُطالبَةَ بكُلِّ حالٍ.
انتهى.
وإنْ ماتَ بعدَ أنْ طالبَ بها، اسْتَحَقَّها الورَثَةُ.
وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ولا أعلمُ فيه خِلافًا.
وقد توقَّفَ في رِوايَةِ ابنِ القاسمِ، وقال: وهو مَوْضِعُ نظَرٍ.
وتقدَّم نَظيرُ ذلك في آخِرِ فصْلِ خِيارِ الشَّرْطِ.
قال الحارِثِيُّ: ثم
الجزء: 15 - الصفحة: 473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مِنَ الأصحابِ مَن يُعَلِّلُ بإفادَةِ الطَّلَبِ للمِلْكِ، فيكونُ الحقُّ مَوْرُوثًا بهذا الاعْتِبارِ، وهي طريقةُ القاضي، وأبِي الخَطَّابِ، ومَن وافَقَهما على إفادَةِ المِلْكِ، ومنهم مَن يُعَلِّلُ بأنَّ الطَّلَبَ مُقَرِّرٌ للحَقِّ، ولهذا لم تسْقُطْ بتَأْخيرِ الأَخْذِ بعدَه، وتسْقُطُ قبلَه، وإذا تَقرَّرَ الحقُّ، وجَب أنْ يكونَ مَوْروثًا، وهي طريقةُ المُصَنِّفِ، ومَن وافَقَه على
الجزء: 15 - الصفحة: 474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ الطَّلَبَ لا يُفِيدُ المِلْكَ، وهو مُقْتَضَى كلامِ أحمدَ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ الشَّفِيعَ لا يَمْلِكُ الشِّقْصَ بمُجَردِ المُطالبَةِ.
وهو أحدُ الوُجوهِ، فلابُدَّ للتَمَلُّكِ مِن أخْذِ الشِّقْصِ، أو يأْتِي بلَفْظٍ يدُلُّ على أخْذِه بعدَ المُطالبَةِ؛ بأنْ يقولَ: قد أخَذْتُه بالثَّمَنِ.
أو: تَمَلَّكْتُه بالثَّمَنِ.
ونحوَ ذلك.
وهو اخْتِيارُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ.
وقدَّمَه الحارِثِيُّ، ونصَرَه، وقال: اخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه مِنَ الأصحابِ.
وقيل: يَمْلِكُه بمُجَرَّدِ المُطالبَةِ إذا كان مَلِيئًا
الجزء: 15 - الصفحة: 475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالثَّمَنِ.
وهو المذهبُ.
اخْتارَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
قال الحارِثِيُّ: وهو قَولُ القاضي، وأكثرِ أصحابِه،
الجزء: 15 - الصفحة: 476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصاحبِ «التَّلْخيصِ».
فيَصِحُّ تصَرُّفُه قبلَ قَبْضِه فيه.
وقيل: لا يمْلِكُه إلا بمُطالبَتِه وقَبْضِه.
وقيل: لا يَمْلِكُه إلَّا بحُكْمِ حاكمٍ.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، وقطَع به في «تَذْكِرَتِه».
قال الحارِثِيُّ: ويحْصُلُ المِلْكُ بحُكْمِ الحاكمِ أيضًا.
ذكَرَه ابنُ الصَّيرَفيِّ في «نوادِرِه»، وقال به غيرُ واحدٍ.
انتهى.
وقيل:
الجزء: 15 - الصفحة: 477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يمْلِكُه إلا بدَفْعِ ثَمَنِه، ما لم يَصْبِرْ مُشْتَرِيه.
واخْتارَه ابنُ عَقِيل أيضًا.
حَكاه، في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ» قال في «القواعِدِ»: ويَشْهَدُ له نصُّ أحمدَ، إذا لم يُحْضِرِ المال مُدَّةً طويلةً، بطَلَتْ شُفْعَتُه.
وقال في «الرِّعايَةِ»: الأصحُّ أنَّ له التَّصَرفَ قبلَ قَبْضِه وتمَلُّكِه.
وقال في «التَّلْخيصِ» و «التَّرْغيبِ»:
الجزء: 15 - الصفحة: 478
فَصْلٌ: وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أوْ عَنْ بَعْضِهِ، سَقَطَتْ شُفعَتُهُ.
للمُشْتَرِي حَبْسُه على ثَمَنِه؛ لأنَّ المِلْكَ بالشُّفْعَةِ قَهْرِيٌّ؛ كالمِيراثِ، والبَيعِ عن رِضًا.
ويُخالِفُه أيضًا في خِيارِ الشَّرْطِ، وكذا خِيارُ مَجْلِسٍ مِن جِهَةِ شَفيعٍ بعدَ تَمَلُّكِه؛ لنُفُوذِ تصَرُّفِه قبلَ قَبْضِه بعدَ تمَلُّكِه بإرْثٍ.
فوائد؛ منها، تنْتَقِلُ الشُّفْعَةُ إلى الوَرَثَةِ كلِّهم على حسَبِ مِيراثِهم.
ذكَرَه غيرُ واحدٍ؛ فهم المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والسَّامَرِّيُّ، وابنُ رَجَبٍ، وغيرُهم.
ومنها، لا فَرْقَ في الوارِثِ بينَ ذَوي الرَّحِمِ والزَّوْجِ والمَوْلَى وبَيتِ المالِ، فيَأْخُذُ الإِمامُ بها.
صرَّح به الأصحابُ.
قاله في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والأرْبَعِين بعدَ المِائَةِ».
ومنها، إشْهادُ الشَّفيعِ على الطَّلَبِ حالةَ العُذْرِ يقُومُ مَقامَ الطَّلَبِ في الانْتِقالِ إلى الوَرَثَةِ.
ومنها، شَفِيعان في شِقْصٍ، عَفا أحدُهما، وطالبَ الآخَرُ، ثم ماتَ، فوَرِثَه العافِي، له أخْذُ الشِّقْصِ بالشُّفْعَةِ.
ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه.
قال المُصَنِّفُ: وكذا لو قذَف رَجُلٌ أُمَّهما المَيتَةَ، فعَفا أحدُهما، وطالبَ الآخرُ، ثم ماتَ، فوَرِثَه العافِي، كان له اسْتِيفاءُ الحدِّ بالنِّيابَةِ عن أخِيه، إذا قيلَ بوُجُوبِ الحدِّ بقَذْفِها.
تنبيه: قولُه: ويَأْخُذُ الشَّفِيعُ بالثَّمَنِ الَّذى وقَع عليه العَقْدُ.
قال الحارِثِيُّ: فيه مُضْمَر حُذِفَ اخْتِصارًا، وتقْديرُه، مِثْلُ الثَّمَنِ، أو قَدْرُه؛ لأنَّ الأخْذَ بعَينِ الثَّمَنِ المأْخُوذِ به للمُشْتَرِي غيرُ مُمْكِنٍ، فتعَيَّنَ الإِضْمارُ.
وإذَنْ فالظَّاهِرُ إرادَةُ
الجزء: 15 - الصفحة: 479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّاني، وهو القدْرُ؛ لأنَّه تعرَّض لوَصْفِ التَّأْجيلِ، والمِثْلِيَّةِ والتَّقْويمِ فيما بعدُ، فلو كانَ المِثْلُ مُرادًا، لَكانَ تَكْرِيرًا؛ لشُمولِ المِثْلِ للصِّفَةِ والذَّاتِ.
انتهى.
قوله: وإنْ عجَز عنه أو عن بعضِه، سقَطَتْ شُفْعَتُه.
ولو أتَى برَهْنٍ أو ضامِنٍ، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ، ولكِنْ يُنْظَرُ ثَلَاثًا، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ حتَّى يتَبَيَّنَ عَجْزُه.
نصَّ عليه.
وجزَم به في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «المُحَررِ»، وعنه، لا يُنْظَرُ إلَّا يوْمَين.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
وعنه، يُرْجَعُ في ذلك إلى رَأْي الحاكمِ.
قلتُ: وهذا الصَّوابُ في وَقْتِنا هذا.
فإذا مضَى الأجَلُ، فسَخ المُشْتَرِي.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
اخْتارَه القاضي، والمُصَنِّفُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو أصحُّ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
الجزء: 15 - الصفحة: 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: إنَّما يفْسَخُه الحاكِمُ.
قدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الفائقِ».
وقيل: يُتَبَيَّنُ بُطْلانُه.
اخْتاره ابنُ عَقِيلٍ.
قال الحارِثِيُّ: والمَنْصُوصُ مِن روايَةِ الحَمَّالِ، بُطْلانُ الشُّفْعَةِ مُطْلَقًا.
وهو ما قال في «التَّلْخيصِ»، و «المُحَررِ» 88.
فوائد؛ الأُولَى، المذهبُ أنَّ الأَخْذَ بالشُّفْعَةِ نَوْعُ بَيعٍ؛ لأنَّه دَفْعُ مالٍ لغَرَضِ التَّمَلُّكِ، ولهذا اعْتُبِرَ له العِلْمُ بالشِّقْصِ وبالثَّمَنِ، فلا يصِحُّ مع جَهالتِهما.
ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه، قال: وله المُطالبَةُ بالشُّفْعَةِ مع الجَهالةِ: ثمْ يتَعَرَّفُ مِقْدارَ
الجزء: 15 - الصفحة: 481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّمَنِ.
وذكَرَ احْتِمالًا بجَوازِ الأخْذِ مع جَهالةِ الشِّقْصِ؛ بِناءً على جوازِ بَيعِ الأعْيانِ الغائِبَةِ.
الثَّانيةُ، قال المُصَنِّفُ وغيرُه: إذا أخَذ بالشُّفْعَةِ، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الشِّقْصِ حتَّى يقْبِضَ الثَّمَنَ.
وقاله في «التَّلْخيصِ» وغيرِه، وفرَّق بينَه وبينَ البَيعِ.
الثَّالثةُ، لو تسَلَّم الشِّقْصَ، والثَّمَنُ في الذِّمَّةِ، فأَفْلَسَ، فقال المُصَنِّفُ
الجزء: 15 - الصفحة: 482
وَمَا يُحَطُّ مِنَ الثَّمَنِ أوْ يُزَادُ فِيهِ في مُدَّةِ الْخِيَارِ يُلْحَقُ بِهِ، وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُلْحَقُ بِهِ.
وغيرُه: المُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بينَ الفَسْخِ والضَّرْبِ مع الغُرَماءِ بالثَّمَنِ، كالبائعِ إذا أفْلَسَ المُشْتَرِي.
الرَّابعةُ، في رُجوعِ شَفِيعٍ بأرْشٍ على مُشْتَرٍ، عَفا عنه بائعٌ، وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ».
قلتُ: الصَّوابُ عدَمُ الرُّجوعِ، وهو ظاهِرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ.
ثم وَجَدْتُه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزينٍ»، و «الحارِثِيِّ»، قطَعُوا بذلك.
وتقدَّم ذلك بعدَ قوْلِه: وإن فُسِخَ البَيعُ بعَيبٍ أو إقالةٍ.
الجزء: 15 - الصفحة: 483
وَإنْ كَانَ مُؤْجَّلًا، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِالأَجَلِ إِنْ كَانَ مَلِيًّا، وَإلَّا أَقَامَ كَفِيلًا مَلِيًّا وَأَخَذَ بِهِ.
قوله: وإنْ كان مُؤجَّلًا، أخَذَه الشَّفيعُ بالأجَلِ إنْ كان مَلِيئًا، وإِلَّا أقامَ كَفِيلًا مَلِيئًا وأخَذ به.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ونصَّ عليه.
لكِنْ شرَط القاضي في «الجامِعِ الصَّغِيرِ» وغيرِه، ووَلَدُه أبو الحُسَينِ، والقاضي يَعْقُوبُ، وأبو
الجزء: 15 - الصفحة: 484
وَإنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرْضًا، أعْطَاهُ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ ذَا مِثْلٍ، أوْ قِيمَتَهُ.
الحَسَنِ بنُ بَكْروسٍ، وَصْفَ الثِّقَةِ مع المَلاءَةِ، فلا يسْتَحِقُّ.
بدُونِهما.
قال الحارِثِيُّ: وليس ببعيدٍ مِنَ النَّصِّ.
فائدة: لو أخَذ الشَّفِيعُ بالأجَلِ، ثم ماتَ هو أو المُشْتَرِي، وقُلْنا: يحِلُّ الدَّينُ بالمَوْتِ.
حلَّ الثَّمَنُ عليه، ولم يحِلَّ على الحَيِّ منهما.
ذكَره المُصَنِّفُ وغيرُه.
فائدة: قال الحارِثِي: إطْلاقُ قَوْلِ المُصَنِّفِ: إنْ كانَ مُؤجَّلًا، أخَذَه بالأَجَلِ، إنْ كان مَلِيئًا.
يُفِيدُ ما لو لم يتَّفِقْ طَلَبُ الشَّفِيعِ إلَّا عندَ حُلولِ الأجَلِ أو بعدَه، أنْ يثْبُتَ له اسْتِئْنافُ الأجَلِ.
وقطَع به ونصَرَه.
قوله: وإنْ كان الثَّمَنُ عَرْضًا، أعْطاه مِثْلَه إنْ كان ذا مِثْلٍ، وَإلَّا قيمَتَه.
اعلمْ
الجزء: 15 - الصفحة: 485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ الثَّمَنَ لا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ مِثْلِيًّا، أو مُتَقَوَّمًا، فإنْ كان مِثْلِيًّا، انْقسَمَ إلى نَقْدٍ وعَرْض، وأيًّا ما كانَ، فالمُماثَلَةُ فيه تتَعلَّقُ بأُمورٍ؛ أحدُها، الجِنْسُ.
فيَجِبُ مِثْلُه مِنَ الجِنْسِ؛ كالذهَبِ، والفِضَةِ، والحِنْطَةِ، والشعِيرِ، والزَّيتِ، ونحوه، وإنِ انْقطَعَ المِثْلُ حالةَ الأخْذِ، انْتقَلَ إلى القِيمَةِ، كما في الغَصْبِ، حَكاه ابنُ الزَّاغُونِي محَلَّ وفِاقٍ.
وفي أصْلِ المَسْأْلَةِ رِوايَةٌ، أنَّه يأْخُذُ بقِيمَةِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ؛
الجزء: 15 - الصفحة: 486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تعَذَّرَ المِثْلُ، أوْ لا.
وأمَّا المَذْرُوعُ، كالثِّياب، فقال ابنُ الزَّاغُونِيِّ في شُروطِه: القَوْلُ فيه كالقَوْلِ في المَكِيلِ والمَوْزونِ، إلَّا أنَّ القَوْلَ فيه هنا مَبْنِيٌّ على السَّلَمَ فيه؛ فحيثُ صحَّحْنا السَّلَمَ فيه، أخَذ مِثْلَها، إلَّا على الرِّوايَةِ في أنَّها مَضْمُونَةٌ بالقِيمَةِ، فيأخُذُ الشَّفيعُ بالقِيمَةِ، وحيثُ قُلْنا: لا يصِحُّ.
يأخُذُ القِيمَةَ، والأَوْلَى القِيمَةُ.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: والقِيمَةُ اخْتِيارُ المُصَنِّفِ، وعامَّةِ الأصحابِ.
وأمَّا المَعْدُودُ، كالبَيضِ ونحوه، فقال ابنُ الزَّاغُونِيِّ: ينْبَنِي على السَّلَمِ فيه؛ إنْ قيلَ بالصِّحَّةِ، ففيه ما في المَكِيلِ والمَوْزُونِ، وإلَّا فالقِيمَةُ.
الثَّاني، المِقْدارُ.
فيَجِبُ مِثْلُ الثَّمَنِ قَدْرًا مِن غيرِ زِيادَةٍ ولا نَقْص؛ فإنْ وقَع العَقْدُ على ما هو مُقَدَّر بالمِعْيارِ الشَّرْعِيِّ، فذاكَ، وإنْ كان بغيرِه؛ كالبَيعِ بألفِ رَطْلٍ مِن حِنْطَةٍ، فقال في «التَّلْخيصِ»: ظاهِرُ كلام أصحابِنا، أنَّه يُكالُ ويُدْفَعُ إليه مِثْلُ مَكِيِلِه؛ لأنَّ الرِّبَويَّاتِ تَماثُلُها بالمِعْيارِ الشَّرْعِيِّ.
وكذلك إقْراضُ الحِنْطَةِ بالوَزْنِ.
وقال:
الجزء: 15 - الصفحة: 487
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، إلا أَنْ تَكُونَ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ.
يَكْفِي عندِي الوَزْنُ هنا؛ إذِ المَبْذُولُ في مُقابَلَةِ الشِّقْصِ، وقَدْرُ الثَّمَنِ، مِعْيارُه لا عِوَضُه.
انتهى.
تنبيه: تقدَّم في الحِيَلِ، إذا جَهِلَ الثَّمَنَ، ما يأْخُذُ.
الثَّالثُ، الصِّفَةُ في الصِّحاحِ، والمُكَسَّرَةِ، والسُّودِ، ونَقْدِ البَلَدِ، والحُلُولِ، وضِدَّها.
فيَجِبُ مِثْلُه صِفَةً.
وإنْ كان مُتَقَومًا؛ كالعَبْدِ، والدَّارِ، ونحوهما، فالواجِبُ اعْتِبارَه بالقِيمَةِ يوْمَ البَيعِ.
وقال في «الرِّعايَةِ»: يأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بما اسْتقَر عليه العَقْدُ؛ مِن ثَمَنِ مِثْلِيٍّ، أو قِيمَةِ غيرِه وَقْتَ لُزومِ العَقْدِ.
وقيل: بل وَقْتَ وُجوبِ الشُّفْعَةِ.
انتهى.
فائدة: لو تَبايَعَ ذِمِّيَّان بخَمْرٍ؛ إنْ قُلْنا: ليسَتْ مالًا لهم.
فلا شُفْعَةَ بحالٍ.
اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم، واقْتَصَر عليه الحارِثِيُّ.
وإنْ قُلْنا: هي مالٌ لهم.
فأطْلَقَ أبو الخَطَّابِ وغيرُه وُجوبَ الشُّفْعَةِ، وكذا قال القاضي وغيرُه.
ثم قال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَلْخيصِ»: يأْخُذُ بقِيمَةِ الخَمْرِ، كا لو أتْلَفَ على ذِمِّيٍّ خَمْرًا.
قوله: وَإِنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ الثَّمَنِ، فالقوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، إلا أنْ يكونَ للشَّفيعِ بَيِّنَةٌ.
وهذا بلا نِزاعٍ، وعليه الأصحابُ.
لكِنْ لو أقامَ كلُّ واحدٍ مِنَ الشَّفيعِ
الجزء: 15 - الصفحة: 488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمُشْتَرِي بَيِّنَةً بثَمَنِه، فقال القاضي، وابنُه أبو (1) الحُسَينِ، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، والشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو القاسِمِ الزَّيدِيُّ، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الشَّفيعِ.
قال الحارِثِيُّ: ويَقْتَضِيه إطْلاقُ الخِرَقِيِّ، والمُصَنِّفِ هنا.
وجزَم به في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ».
وقيل: يتَعارَضان.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي».
وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
وقيل باسْتِعْمالِهما بالقُرْعَةِ.
وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ».
ووَجَّه الحارِثِيُّ قَوْلًا، أنَّ القَوْلَ قَوْلُ المُشْتَرِي؛ لأنَّه قال: قَوْلُ الأصحابِ هنا مُخالِفٌ لِمَا قالُوه في بَيِّنَةِ البائِعِ
الجزء: 15 - الصفحة: 489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمُشْتَرِي، حيثُ قدَّموا بَيِّنَةَ البائعِ؛ لأنَّه مُدَّعٍ بزِيادَةٍ، وهذا بعَينِه مَوْجُودٌ في المُشْتَرِي هنا، فيَحْتَمِلُ أنْ يُقال فيه بمِثْلِ ذلك.
انتهى.
فوائد؛ إحْداها، لو قال المُشْتَرِي: لا أعْلَمُ قَدْرَ الثَّمَنِ.
فالقَوْلُ قوْلُه.
ذكَرَه الأصحابُ؛ القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم.
قال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: فيَحْلِفُ أنَّه لا يعْلَمُ قَدْرَه، لأنَّ ذلك وَفْقَ الجَوابِ، وإذَنْ لا شُفْعَةَ؛ لأنَّها لا تُسْتَحَقُّ بدُونِ البَدَلِ، وإيجابُ البَدَلِ مُتَعَذِّرٌ للجَهالَةِ.
ولو ادَّعَى المُشْتَرِي جَهْلَ قِيمَةِ العَرْضِ، فكدَعْوَى جَهْلِ الثَّمَنِ.
ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه.
وتقدَّم التَّنْبِيهُ على ذلك، بعدَ ذِكْرِ الحِيَلِ، أوَّلَ البابِ.
الثَّانيةُ، لو قال البائعُ: الثَّمَنُ ثلَاثةُ آلافٍ.
وقال المُشْتَرِي: ألفان.
وقال الشَّفِيعُ.
ألْفٌ.
وأقامُوا البَيِّنةَ،
الجزء: 15 - الصفحة: 490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالبَيِّنَةَ للبائِع، على ما تقدَّم؛ لدَعْوَى الزِّيادَةِ.
الثَّالثةُ، لو كان الثَّمَنُ عَرضًا، واخْتلَفَ الشَّفِيعُ والمُشْتَرِي في قِيمَتِه، فإنْ وُجِدَ، قُوِّم، وإنْ تَعذَّرَ، فالقَوْلُ قوْلُ المُشْتَرِي مع يَمِينِه.
قاله المُصَنِّفُ وغيرُه.
وإنْ أقامَا بَيِّنَةً بقِيمَتِه، قال الحارِثِيُّ: فالأظْهَرُ التَّعارُضُ.
ويَحْتَمِلُ تقْديمَ بَيِّنَةِ الشَّفيعِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 491
وَإِنْ قَال الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيتُهُ بِأَلْفٍ.
وَأقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفَينِ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِأَلْفٍ.
وَإنْ قَال الْمُشْتَرِي: غَلِطْتُ.
فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
قوله: وإنْ قال المُشْتَرِي: اشْتَرَيتُه بأَلْفٍ.
وأقامَ البائعُ بَيِّنَة أنَّه بَاعَه بأَلْفَين، فللشَّفِيعِ أخذُه بألْفٍ -بلا نِزاعٍ- وإنْ قال المُشْتَرِي: غَلِطْتُ -أو نَسيت، أو كَذَبْتُ- فهل يُقْبَلُ قَولُه مع يمينه؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»،
الجزء: 15 - الصفحة: 492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»؛ أحدُهما، يُقْبَلُ قَوْلُه.
قال القاضي: قِياسُ المذهبِ عندِي، يُقْبَلُ قوْلُه، كما لو أخْبرَ في المُرابحَةِ.
ثم قال: غَلِطْتُ.
بل هنا أوْلَى؛ لأنَّه قد قامَتْ بَيِّنَةُ بكَذِبِه.
قال الحارِثِيُّ: هذا الأقْوَى.
قال فِي «الهِدْايَةِ»، لمَّا أطْلَقَ الوَجْهَين؛ بِناءً على المُخْبِرِ في المُرابَحَةِ، إذا قال: غَلِطْتُ.
وقد تقدَّم أنَّ أَكْثرَ الأصحابِ قَبِلُوا قوْلَه في ادِّعائِه غلَطًا في المُرابحَةِ.
وصحَّحه هنا في «التَّصحيحِ»، و «النَّظْمِ».
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
والوَجْهُ الثَّاني، لا يُقْبَلُ.
قدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
وجزَم به في «الكافِي».
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ.
وهذا المذهبُ على
الجزء: 15 - الصفحة: 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما اصْطَلَحْناه.
ونقَل أبو طالِبٍ في المُرابحَةِ، إنْ كان البائِعُ مَعْرُوفًا بالصِّدْقِ، قُبِلَ قوْلُه، وإلَّا فلا.
قال الحارِثِيُّ: فيُخَرَّجُ مِثْلُه هنا.
قال: ومِنَ الأصحاب مَن أَبَى الإِلْحَاقَ بمَسْأْلَةِ المُرابحَةِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: عنْدِي أنَّ دَعْواه لا تُقْبَلُ؛ لأنَّ مذهبَنا أنَّ الذَّرائِعَ مَحْسُومَةٌ، وهذا فَتْحٌ لبابِ الاسْتِدْراكِ لكُلِّ قَوْلٍ يُوجِبُ حقًّا.
ثم فرَّق بأنَّ المُرابحَةَ كان فيها أمِينًا، حيثُ رُجِعَ إليه في الإِخْبارِ بالثَّمَنِ، وليس المُشْتَرِي أمِينًا للشَّفيعِ، وإنَّما هو خَصْمُه، فافْتَرَقا.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وقيلَ: يتَحالفان، ويُفْسَخُ البَيعُ، ويأْخُذُه بما حلَف عليه البائعُ لا المُشْتَرِي.
الجزء: 15 - الصفحة: 494
وَإِنِ ادَّعَى أَنَّكَ اشتَرَيتَهُ بِأَلْفٍ، قال: بَلَ اتَّهَبْتُهُ.
أَوْ: وَرثْتُهُ.
فَالْقَولُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا، أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تَقْبَلَ الثَّمَنَ، وَإِمَّا أنْ تُبْرِئَ مِنْهُ.
قوله: وَإِنِ ادَّعَى أَنَّكَ اشتَرَيتَهُ بِأَلْفٍ، قال: بَلَ اتَّهَبْتُهُ.
أَوْ: وَرثْتُهُ.
فَالْقَولُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ -بلا نِزاعٍ- فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا، أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تَقْبَلَ الثَّمَنَ، وَإِمَّا أنْ تُبْرِئَ مِنْهُ.
اعلمْ أنَّه إذا ادَّعَى الشَّفِيعُ على بعضِ الشُّركاءِ دَعْوَى مُحَرَّرَةً بأنَّه اشْتَرَى نَصِيبَه، فله أخْذُه بالشُّفْعَةِ، وأنْكَرَ الشَّرِيكُ، وقال: إنَّما اتَّهَبْتُه.
أو: وَرِثْتُه.
فالقَوْلُ قوْلُه مع يَمِينِه، فإنْ نكَل عنِ
الجزء: 15 - الصفحة: 496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليَمِينِ، أو قامَتْ بَيِّنَةٌ للشَّفِيعِ بالشِّراءِ، فللشَّفِيعِ أخْذُه ودَفْعُ الثَّمَنِ إليه.
فإنْ قال: لا أسْتَحِقُّه.
فجزَم المُصَنِّفُ هنا، أنْ يُقال للمُشْتَرِي: إمَّا أنْ تقْبَلَ الثَّمَنَ، وإمَّا أنْ تُبْرِيء منه، كالمُكاتَبِ إذا جاءَ بالنَّجْمِ قبلَ وَقْتِه.
وهذا أحدُ الوُجوهِ.
اخْتارَه القاضي، وابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
وجزَم به في «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، على ما يأتِي قريبًا.
وقيل: يَبْقَى في يَدِ الشَّفيعِ إلى أنْ يدَّعِيَه المُشْتَرِي، فيَدْفَعَه إليه.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وهذا أوْلَى.
قال الحارِثِيُّ: ونقَل غيرُه أنَّه المذهبُ.
وقيل: يأْخُذُه الحاكِمُ يحْفَظُه لصاحِبِه
الجزء: 15 - الصفحة: 497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى أنْ يدَّعِيَه، فمتى ادَّعاه المُشْتَرِي، دفَع إليه.
وأطْلَقهُنَّ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وأطْلَقَ الأخِيرَتَين في «التَّلْخيصَ».
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ عندَ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، وصاحِبِ «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم، حيثُ أصرَّ على الهِبَةِ أو الإِرْثِ، وقامَتْ بَيِّنَةٌ بالشِّراءِ.
ومحَلُّ الخِلافِ عندَ صاحبِ «الرِّعَايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، على قَوْلِ القاضي، فقَطَع هؤلاء بأنْ
الجزء: 15 - الصفحة: 498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُقال: إمَّا أنْ تَقْبَلَ الثَّمَنَ أو تُبْرِئَ.
فإنْ أبى مِن ذلك، فيأْتِي الخِلافُ؛ وهو أنَّه هل يكونُ عندَ الشَّفيعِ أو الحاكِمِ؟ فقدَّم في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، أنَّه يكونُ عندَ الشَّفيعِ.
وقطَع ابنُ عَبْدُوسٍ، أنَّه يكونُ عندَ الحاكِمِ يَحْفَظُه له.
الجزء: 15 - الصفحة: 499
وَإنْ كَانَ عِوَضًا في الْخُلْعِ أو النِّكَاحِ أَو عَنْ دَمٍ عَمْدٍ، فَقَال الْقَاضِي: يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ.
وَقَال غيرُهُ: يَأْخُذُهُ بالدِّيَةِ وَمَهْرِ الْمِثْلَ.
قوله: وإنْ كانَ عِوَضًا في الخُلْعِ، أو النِّكاحِ، أو عن دَمِ العَمْدِ، فقال القاضي: يأْخُذُه بقِيمَتِه.
قال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: قِياسُ قَوْلِ ابنِ حامدٍ الأخْذُ بقِيمَةِ الشِّقْصِ.
وهو الصَّحيحُ.
اخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فِي «تَذْكِرَتِه»، وصاحِبُ «الفائقِ».
وصحَّحه في «النَّظْمِ».
وقدَّمه في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقطَع به في «الهِدايَةِ».
وقال غيرُه:
الجزء: 15 - الصفحة: 502
فَصْلٌ: وَلَا شُفْعَةَ في بَيعِ الْخِيَارِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أن تَجِبَ.
يأْخُذُه بالدِّيَةِ ومَهْرِ المِثْلِ.
اختارَه ابنُ حامِدٍ، حَكاه عنه الشَّرِيفُ أبو جَعْفرٍ وغيرُه.
ومُقْتَضَى قوْلِ المُصَنِّفِ أن غيرَ القاضي مِنَ الأصحابِ قال ذلك.
وفيه نظَرٌ.
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».
تنبيه: هذا الخِلافُ مُفَرَّغٌ على القَوْلِ بثُبوتِ الشُّفْعَةِ في ذلك.
وهو قَوْلُ ابنِ حامِدٍ، وجماعةٍ.
على ما تقدَّم أوَّلَ الباب.
وتقدَّم التَّنْبِيهُ أيضًا على الخِلافِ هناك، وأمَّا على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، فلا يأْتِي الخِلافُ.
فائدة: تقْويمُ الشِّقْصِ، أو تقْويمُ مُقابِلِه، على كِلا الوَجْهَين، مُعْتَبَرٌ في المَهْرِ بيَوْمِ النِّكاحِ، وفي الخُلْعِ بيَوْمِ البَينُونَةِ.
وإنْ كان مُتْعَةً في طَلاقٍ، فعلى الأوَّلِ، يأْخُذُ بقِيمَتِه.
وعلى الثانِي، يأْخُذُ بمَهْرِ المِثْلِ.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، كما في الخُلْعِ به.
قال الحارِثِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يأْخُذَ بمُتْعَةِ مِثْلِها.
قال: وهو الأقْرَبُ.
قوله: ولا شُفْعَةَ في بَيعِ الخيارِ قبلَ انْقِضائِه، نصَّ عليه.
وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ»
الجزء: 15 - الصفحة: 503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِه.
قال في «القواعِدِ»، في الفائدَةِ الرَّابعَةِ: وأمَّا الشُّفْعَةُ، فلا تَثْبُتُ في مُدَّةِ الخِيارِ على الرِّوايتَين، عندَ أكثَرِ الأصحابِ، ونصَّ عليه في رِوايةِ حَنْبَلٍ.
فمِنَ الأصحابِ مَن علَّلَ بأنَّ المِلْكَ لم يسْتَقِرَّ.
وعلَّلَ القاضي، في «خِلافِه» بأنَّ الأخْذَ بالشُّفْعَةِ يُسْقِطُ حقَّ البائعِ مِنَ الخِيارِ، ولذلك لم تَجُزِ المُطالبةُ في مُدَّتِه.
فعلى هذا، لو كان الخِيارُ للمُشْتَرِي وحدَه، ثبَتَتِ الشُّفْعَةُ.
انتهى.
ويَحْتَمِلُ أنْ تجِبَ مُطْلَقًا، وهو تخريجٌ لأبِي الخَطَّابِ.
يعْنِي، إذا قُلْنا بانْتِقالِ المِلْكِ.
وقيلَ: تجِبُ في خِيارِ الشَّرْطِ، إذا كان الخِيارُ للمُشَترِي.
وهو مُقْتَضَى تعَليلِ القاضي في «خِلافِه»، كما قاله في «الفوائِدِ» عنه.
وتقدَّم ذلك في الخِيارِ في البَيعِ، بعدَ قوْلِه: وينْتَقِلُ المِلْكُ إلى المُشْتَرِي بنَفْسِ العَقْدِ.
فائدة: حُكْمُ خِيارِ المَجْلِسِ، حُكْمُ خِيارِ الشَّرْطِ.
قاله في «الفُروعِ» وغيرِه.
الجزء: 15 - الصفحة: 504
وَإنْ أقرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيعِ، وَأنكَرَ الْمُشْتَرِي، فَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ؟ عَلَى وَجهَينَ.
قوله: وإنْ أقرَّ البائعُ بالبَيعِ، وأنْكَرَ المُشْتَرِي، فهل تجِبُ الشُّفْعَةُ؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»،
الجزء: 15 - الصفحة: 509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الفائق»؛ أحدُهما، تجِبُ.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، ونصَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
واخْتارَه القاضي، وابنُه، وابنُ عَقِيل، وابنُ بَكْروس، واخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وابنُ الزَّاغُونِيِّ.
قال في «المُسْتَوعِبِ» 89: هذا قِياسُ المذهبِ، ذكَرَه شُيوخُنا الأوائِلُ.
قال: ولأنَّ أصحابَنا قالوا: إذا اخْتلَفَ البائِعُ والمُشْتَرِي في الثَّمَنِ، تَحالفا، وفُسِخَ البَيعُ، وأخَذَه الشَّفيعُ بما حلَف عليه البائعُ.
فأثْبَتُوا الشُّفْعَةَ مع بُطْلانِ البَيعِ في حقِّ المُشْتَرِي.
انتهى.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي
الجزء: 15 - الصفحة: 510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ».
والوَجْهُ الثَّاني، لا تجِبُ.
اخْتارَه الشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَر، وأبو القاسِمِ الزَّيدِيُّ.
قال في «التَّلْخيصِ»: اخْتارَه جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا أقْوَى.
فعلى المذهبِ، يقْبِضُ الشَّفِيعُ مِنَ البائعِ.
وأمَّا الثَّمَنُ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أن يُقِرَّ البائعُ بقَبْضِه، أوْ لا، فإن لم يُقِرَّ بقَبْضِه، فإنَّه يُسْلَمُ إلى البائعِ، والعُهْدَةُ عليه، ولا عُهْدَةَ على المُشْتَرِي.
قاله الأصحابُ؛ منهم القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيل في «الفُصولِ»، والمُصَنِّفُ فهي «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الوَجيزِ»، والزَّرْكَشِيُّ، وغيرُهم.
قال الحارِثِيُّ: وهذا يقْتَضِي تلَقِّيَ المِلْكِ عنه، وهو مُشْكِلٌ.
وكذا أخْذُ البائعِ للثَّمَنِ مُشْكِل؛ لاعْتِرافِه بعدَمِ اسْتِحْقاقِه عليه.
ثم قال القاضي، وابنُ
الجزء: 15 - الصفحة: 511
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، وجماعَةٌ: ليس للشفيعِ ولا للبائعِ مُحاكَمَةُ المُشْتَرِي؛ ليُثْبِتَ البَيعَ في حقِّه، وتجِبَ العُهْدَةُ عليه؛ لأنَّ مقْصودَ البائِعِ الثَّمَنُ، وقد حصَل مِنَ الشَّفيعِ، ومَقْصودَ الشَّفيعِ أخْذُ الشِّقْصِ، وضَمانُ العُهْدَةِ، وقد حصَلا مِنَ البائعٍ، فلا فائدَةَ في المُحاكَمَةِ.
انتهى.
وقد حكَى في «التَّلْخيصِ» وغيرِه وَجْهًا، بأنَّه يدْفَعُ إلى نائبٍ يُنَصِّبُه الحاكِمُ عنِ المُشْتَرِي.
قال: وهو مُشْكِلٌ؛ لأنَّ إقامَةَ نائب عن مُنْكِر بعيدٌ.
انتهى.
وإنْ كان البائعُ مُقِرًّا بقَبْضِ الثَّمَنِ مِنَ المُشْتَرِي، و 90 بَقِيَ الثَّمَنُ على الشَّفيعِ لا يدَّعِيه أحدٌ، ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يُقالُ للمُشْتَرِي 91: إمَّا أن تقْبِضَه، وإمَّا أن تبْرِئ منه.
قِياسًا على نُجومِ الكِتابةِ إذا قال السَّيِّدُ: هي غَصْبٌ.
اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيل.
وجزَم به في «النَّظْمِ».
والوَجْهُ الثَّاني، يَبقى في ذِمَّةِ الشَّفِيعِ.
قدَّمه في «الرِّعايتَين»،
الجزء: 15 - الصفحة: 512
وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَعُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِع.
و «الحاوي الصَّغِيرِ».
والوَجْهُ الثَّالِثُ، يأخُذُه الحاكِمُ عندَه.
وهي كالمَسْألةِ التي قبلَها، حُكْمًا وخِلافًا.
وأطْلَقهُنَّ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: وفي جميعِ ذلك، متى ادّعاه البائعُ أو المُشْتَرِي، دُفِعَ إليه؛ لأنَّه لأحَدِهما.
قال الحارِثيُّ: وفيه نظَر وبَحْث.
وإن ادَّعَياه جميعًا، وأقَرَّ المُشْتَرِي بالبَيعِ، وأنْكَرَ البائعُ القَبْضَ، فهو للمُشْتَرِي.
فائدة: قولُه: وعُهْدَةُ الشَّفيعِ على المُشْتَرِي، وعُهْدَةُ المُشْتَرِي على البائعِ.
وهذا بهِ نِزاعٍ.
لكِنْ يُسْتَثْنَى مِن ذلك، إذا أقَر البائعُ بالبَيعِ، وأنْكَرَ المُشْتَرِي، وقُلْنا بثُبوتِ الشُّفْعَةِ، على ما تقدَّم، فإن العُهْدَةَ على البائعِ؛ لحُصُول المِلْكِ له مِن جِهَتِه.
قاله الزرْكَشِي، وهو واضِحٌ.
و «العُهْدَةُ» فُعْلة مِنَ العَهْدِ، وهي
الجزء: 15 - الصفحة: 513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الأصْلِ كِتابُ الشِّراءِ.
وتقدَّم الكَلامُ على ضَمانِ العُهْدَةِ، وعلى مَعْناها في بابِ الضَّمانِ.
والمُرادُ هنا، رُجُوع مَنِ انْتقَلَ المِلْكُ إليه على مَنِ انْتقَلَ عنه بالثَّمَنِ أو بالأرْش، عندَ اسْتِحْقاقِ الشِّقْصِ أو عَيبِه، فيكونُ وَثِيقَةً للبَيعِ لازِمَةً للمُتَلَقَّى عنه، فيَكونُ عُهْدَةً بهذا الاعْتِبارِ.
فلو عَلِمَ المُشْتَرِي العَيبَ عندَ البَيعِ، ولم يعْلَمْه الشَّفِيعُ عندَ الأخْذِ، فلا شيءَ للمُشْتَرِي، وللشَّفيعِ الرَّدُّ وأخْذُ الأرْش.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وذكَر المُصَنِّفُ وَجْهًا بانْتِفاءِ الأرْشِ.
وإنْ عَلِمَه الشَّفِيعُ، ولم يعْلَمْه المُشْتَرِي، فلا رَدَّ لواحدٍ منهما ولا أرْش.
قدَّمه الحارِثِي.
وفي «الشَّرْحِ» وَجْهٌ بأنَّ المُشْتَرِيَ يأخُذُ الأرْش.
وهو ما قال القاضي، وابنُ عَقِيل، والسَّامَرِّيُّ.
فعليه، إنْ أخَذَه، سقَط عنِ الشَّفيعِ ما قابَلَه مِنَ الثَّمَنِ، تَحْقِيقًا
الجزء: 15 - الصفحة: 514
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لمُماثَلَةِ الثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ العَقْدُ عليه.
وإن عَلِماه، فلا رَدَّ لواحدٍ منهما ولا أرْش.
وفي صُورَةِ عدَم عِلْمِهما، إنْ لم يَرُدَّ الشَّفيعُ، فلا ردَّ للمُشْتَرِي، وإنْ أخَذ الشَّفِيعُ أرشَه منَ المُشْتَرِي، أخَذَه المُشْتَرِي مِنَ البائعِ، وإنْ لم يأخُذْه الشَّفيعُ، ففي أخْذِ المُشْتَرِي الوَجْهان.
وعلى الوَجْهِ بالأخْذِ، إنْ لم يُسْقِطْه الشَّفِيعُ عنِ المُشْتَرِي، سقَط عنه بقَدْرِه مِنَ الثَّمَنِ، وإنْ أسْقَطَه، توَفَّر على المُشْتَرِي.
الجزء: 15 - الصفحة: 515
فَإِنْ أبَى الْمُشْتَرِي قَبْضَ الْمَبِيع، أجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيهِ.
وَقَال أبو الْخَطَّابِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَأخُذَهُ الشَّفِيعُ مِنْ يَدِ الْبَائِعَ.
قوله: فإن أبَى المُشْتَرِي قَبْضَ المَبيعِ، أجْبَرَه الحاكِمُ عليه.
وهو المذهبُ.
اخْتارَه القاضي، وابنُه أبو الحُسَينِ، والشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَر، والزَّيدِيُّ، والقاضي يَعْقُوبُ، والشيرازِيُّ، وأبو الحَسَنِ بنُ بَكْروس، وغيرُهم.
وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».
وقال أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»: قِياسُ المذهبِ، أن يأخُذَه الشَّفِيعُ مِن يَدِ البائع.
واخْتارَه المُصَنِّفُ، وقال: هو قِياسُ المذهبِ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأصحُّ؛ لأنَّ الأصحَّ أو المَشْهورَ لُزُومُ العَقْدِ في بَيعِ العَقارِ قبلَ قَبْضِه، وجَواز
الجزء: 15 - الصفحة: 517
وَإذَا وَرِثَ اثْنَانِ شِقْصًا عَنْ أبِيهِمَا، فَبَاعَ أحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، فَالشُّفْعَةُ بَينَ أخِيهِ وَشَرِيكِ أبِيهِ.
التَّصَرُّفِ فيه بنَفْسِ العَقْدِ، والدُّخُولُ في ضَمانِه به.
وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ».
الجزء: 15 - الصفحة: 518
وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِر عَلَى مُسْلِم.
قوله: ولا شُفْعَةَ لكافِر على مُسْلِم.
نصَّ عليه مِن وُجوهٍ كثيرةٍ.
وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: له الشُّفْعَة.
ذكَرَه ناظِمُ المُفْرَداتِ.
تنبيه: مَفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ، ثُبوتُ الشُّفْعَةِ لكافِر على كافر؛ وسواءٌ كان البائِعُ مُسْلِمًا أو كافِرًا.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه
الجزء: 15 - الصفحة: 519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهما.
قال في «التَّلْخيصِ»: هذا قِياسُ المذهبِ.
وقيل: لا شُفْعَةَ له، إذا كان البائِعُ مُسْلِمًا.
وهو ظاهرُ كلامِ أبِي الخَطَّابِ فيه «الهِدايَةِ».
وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ».
ومَفْهومُ كلامِه أيضًا، ثُبُوتُها للمُسْلِمِ على الكافرِ.
وهو مِن بابٍ أوْلَى.
فائدة: لو تَبايَعَ كافِران بخَمْر، وأخَذ الشَّفِيعُ بذلك، لم ينقَضْ ما فعَلُوه، وإنْ جرَى التَّقابُضُ بينَ المُتَبايِعَين دُونَ الشَّفيعِ، وتَرافَعُوا إلينا، فلا شُفْعَةَ له، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كما لو تَبايَعا بخِنْزِير، وعليه أكثر الأصحابِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: إنْ تَبايَعُوا بخَمْر، وقُلْنا: هي مالٌ لهم.
حكَمْنا له بالشُّفْعَةِ.
وتقدَّم التَّنبِيهُ على بعضِ ذلك قبلَ قوْلِه: وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ الثَّمَنِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 520
وَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمُضَارِبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، أوْ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمُضَارِبِ فِيمَا يَشتَرِيهِ لِلْمُضَارَبَةِ؟ عَلَى وَجهَينِ.
قوله: وهل تجِبُ الشُّفْعَةُ للمُضارِبِ على رَبِّ المالِ، أو لرَبِّ المالِ على المضارِبِ فيما يَشْتَرِيه للمُضارَبَةِ؟ على وَجْهَين.
ذكَر المُصَنِّفُ هنا مَسْألتَين؟ إحْداهما، هل تجبُ الشُّفْعَةُ للمُضاربِ على ربِّ المالِ، أمْ لا؟ مثالُه؛ أن يكونَ للمُضارِبِ شِقْصٌ فيما تجِبُ فيه الشُّفْعَةُ، ثم يَشْتَرِيَ مِن مالِ المُضارَبَةِ شِقْصًا مِن شَرِكَةِ
الجزء: 15 - الصفحة: 523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُضارِبِ، فهل تجِبُ للمُضارِبِ شُفْعَة فيما اشْتَراه مِن مالِ المُضارَبَةِ؟ أطْلَقَ المُصَنِّفُ فيه وَجْهَين، وأطْلَقَهما تخْرِيجًا في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»؛ أحدُهما، لا تجِبُ الشُّفْعَةُ له.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
صحَّحه في «الخُلاصَةِ»، و «التَّصْحيحِ».
واخْتارَه أبو الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ»، وأبو المَعالِي في «النِّهايَةِ».
والوَجْهُ الثَّاني، تجِبُ.
خرَّجه أبو الخَطَّابِ مِن وُجوبِ الزَّكاةِ عليه في حِصَّتِه.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأوْلَى.
قال ابنُ رَجَب في «القواعِدِ»، بعدَ تخْرِيجِ أبِي الخَطَّابِ: فالمَسْألةُ مُقَيَّدَة بحالةِ ظُهورِ الرِّبح، ولابد.
انتهى.
واعلمْ أنَّ في محَلِّ الخِلافِ طَريقَين للأصحابِ؛ أحدُهما، أنَّهما جاريان؛ سواءٌ ظهَر رِبْحٌ أمْ لا؛ وسواءٌ قُلْنا: يَمْلِكُ المُضارِبُ حِصَّتَه بالظُّهورِ.
أم لا.
وهي طَرِيقَةُ
الجزء: 15 - الصفحة: 524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبِي الخَطابِ فهي «الهِدايَةِ»، وصاحبِ «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، والمُصَنِّفِ هنا، وغيرِهم.
وقدَّمَها
الجزء: 15 - الصفحة: 525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحارِثِي.
الطَّريقُ الثَّاني، وهي طَرِيقةُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، والنَّاظِمِ، وجماعَة؛ إنْ لم يَظْهَرْ رِبْحٌ في المالِ، أو كان فيه رِبْحٌ، وقُلْنا: لا يَمْلِكُه بالظُّهورِ، فله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ المِلْكَ لغيرِه، فله الأخْذُ منه.
وإنْ كان فيه رِبْحٌ، وقُلْنا: يَمْلِكُه بالظُّهورِ.
ففي وُجُوبِ الشُّفْعَةِ له وَجْهان؛ بِناءً على شِراءِ العامِلِ مِن مالِ المُضارَبَةِ بعدَ مِلْكِه مِنَ الربْحِ، على ما سبَق في المُضارَبَةِ، بعدَ قوْلِه: وليس لرَبِّ المالِ أن يشْتَرِيَ مِن مالِ المُضارَبَةِ شيئًا.
وصحَّح هذه الطَّريقةَ في «الفُروعِ»، وقدَّم عدَمَ الأخْذِ، ذكَر ذلك في بابِ المُضارَبَةِ.
المَسْألةُ الثَّانيةُ، هل تجبُ الشُّفْعَةُ لرَبِّ المالِ على المُضارِبِ فيما يشْتَرِيه للمُضارَبَةِ؟ مِثالُه؛ أن يشْتَرِيَ المُضارِبُ بمالِ المُضارَبَةِ شِقْصًا في شرِكَةِ ربِّ المالِ، فأطْلقَ المُصَنِّفُ فيه وَجْهَين، وأطْلَقَهما
الجزء: 15 - الصفحة: 526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الحارِثِيِّ»؛ أحدُهما، لا تجِبُ الشُّفْعَةُ.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
صححه أبو المَعالِي في «نِهايته»، و «خُلاصَتِه»، والنَّاظِمُ، وصاحِبُ «التَّصْحيحِ»، وغيرُهم.
قال الحارِثيُّ: اخْتارَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، ذكَرَه في المُضارَبَةِ.
والوَجْهُ الثاني،
الجزء: 15 - الصفحة: 527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تجِبُ فيه الشُّفْعَةُ.
اخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
وبنَى المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والحارِثِيُّ، وغيرُهم هذَين الوَجْهَين على الرِّوايتَين في شِراءِ رَبِّ المالِ مِن مالِ المُضارَبَةِ.
وتقدَّم الخِلافُ في ذلك، وأن الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا 92 يصِحُّ، في بابِ المُضارَبَةِ.
الجزء: 15 - الصفحة: 528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ إحْداها، لو بِيعَ شِقْصٌ مِن شَرِكَةِ مالِ المُضارَبَةِ، فللعامِلِ الأخْذُ بها إذا كان الحَظُّ فيها، فإن ترَكَها، فلرَبِّ المالِ الأخْذُ؛ لأنَّ مال المُضارَبَةِ مِلْكُه، ولا ينْفُذُ عَفْوُ العامِلِ.
ولو كان العَقارُ لثَلاثةٍ، فقارَضَ أحدُهم أحَدَ شَرِيكَيه بألفٍ،
الجزء: 15 - الصفحة: 529
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فاشْتَرَى به نِصْفَ نَصِيبِ الثَّالثِ، فلا شُفْعَةَ فيه، فهي أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ أحَدَهما مالِكُ المالِ، والآخَرَ عامِل فيه، فهُما كشَرِيكَين في مُشاع؛ لا يسْتَحِقُّ أحدُهما على الآخَرِ شُفْعَةً.
ذكَرَه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «الحارثِيِّ».
قلتُ: وهذا هو الصَّوابُ.
والوَجْهُ الآخرُ، فيه الشُّفْعَةُ.
قالوا: ولو باعَ الثَّالثُ بقِيَّةَ نَصِيبِه لأجْنَبِيّ، ثبَتَتِ الشُّفْعَةُ بينَهم أخْماسًا؛ للمالِكِ خُمْساها، وللعاملِ مِثْلُه، ولمالِ المُضارَبَةِ خُمْسُها بالسُّدْسِ الذي له؛ جَعْلًا لمالِ المُضارَبَةِ كشَرِيكٍ آخَرَ.
الثَّانيةُ، لو باعَ المُضارِبُ مِن مالِ المُضارَبَةِ شِقْصًا في شَرِكَةِ نَفْسِه، لم يأخُذْ بالشُّفْعَةِ؛ لأَنه منهم، فأشْبَهَ الشِّراءَ مِن نفْسِه.
ذكَرَه المُضَنِّفُ وغيرُه.
الثَّالثةُ، تثْبُتُ الشُّفْعَةُ للسَّيِّدِ على مُكاتَبِه.
ذكره القاضي، والمُصَنِّفُ، وغيرُهما؛
الجزء: 15 - الصفحة: 530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ ما في يَدِه، ولا يُزَكِّيه، ولهذا جازَ أن يشْتَرِيَ منه، وأمَّا العَبْدُ المأذُونُ له؛ فإن كان لا دَينَ عليه، فلا شُفْعَةَ بحالٍ لسَيِّدِه، وإنْ كان عليه دَينٌ، فالشُّفْعَةُ عليه تَنْبَنِي على جَوازِ الشِّراءِ منه، على ما تقدَّم في أوَاخِرِ الحَجْرِ.
والله أعلمُ بالصَّوابِ.
وتقدَّم أخْذُ المُكاتَبِ، والعَبْدِ المأذُونِ له بالشُّفْعَةِ، قبلَ قوْلِه: فإن كانا شَفِيعَين، فالشُّفْعَةُ بينَهما.
الجزء: 15 - الصفحة: 531
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
الجزء: 16 - الصفحة: 2
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
الجزء: 16 - الصفحة: 3
بسم الله الرحمن الرحيم
باب الوَدِيعَةِ
بابُ الوَدِيعَةِ
فائدة: الوَدِيعَةُ عِبارَة عن توَكُّلٍ لحِفْظِ مالِ غيرِه تبَرُّعًا بغيرِ تصَرُّفٍ.
قاله في «الفائقِ».
وقال في «الرِّعاية الصغرَى»: وهي عَقْدُ تَبَرُّعٍ بحِفْظِ مالِ غيرِه بلا تصَرفٍ فيه.
وقال في «الكُبْرَى»: والإيداعُ توْكِيلٌ، أو اسْتِنابَة في حِفْظِ مالِ
الجزء: 16 - الصفحة: 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زَيدٍ تَبَرُّعًا.
ومَعانيها مُتَقارِبَة، ويُعْتَبرُ لها أرْكانُ الوَكالةِ، وتبْطُلُ بمُبْطِلاتها.
ولو عزَل نفْسَه، فهي بعدَه أمانَةٌ شَرْعِيَّةٌ، حُكْمُها في يَدِه حُكْمُ الثَّوْبِ إذا أطارَتْه الرِّيحُ إلى دارِه، يجِبُ ردَّه إلى مالِكِه.
وقال القاضي في مَوضِعِ مِن «خِلافِه»، في مسْألةِ الوَكالةِ: الوَدِيعَةُ لا يلْحَقُها الفَسْخُ بالقَوْلِ، وإنَّما تنْفسِخُ بالرَّد إلى صاحِبِها، أو بأنْ يتعَدَّى المُودَعُ فيها.
قال في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والستين»: فإمَّا أن يكونَ هذا
الجزء: 16 - الصفحة: 6
وَهِيَ أمَانةٌ لَا ضَمَانَ عَلَيهِ فِيهَا، إلَّا بَعْدَ أن يَتَعَدَّى.
وإنْ تَلِفَتْ مِنْ بَينِ مَالِهِ، لَمْ يَضْمَنْ، فِي أصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
تَفْرِيقًا بينَ فَسْخ المُودِعِ والمُودَعِ، أو يكونَ اخْتِلافًا منه في المَسْألةِ، والأوَّلُ أشْبَهُ.
انتهى.
وقال في «الرِّعايَةِ»: إنْ بطَل حُكْمُ الوَدِيعَةِ، بَقِيَ المال في يَدِه أمانَة؛ فإن تَلِفَ قبلَ التَّمَكُّنِ مِن ردِّه، فهَدَرٌ، وإن تَلِفَ بعدَه، فوَجْهان.
وقال أيضًا: يكْفِي القَبْضُ، قوْلًا واحدًا.
وقيل: لا.
قوله: وإنْ تَلِفَتْ مِن بينِ مالِه، لم يَضْمَنْ، في أصحِّ الرِّوايتَين.
يعْنِي، إذا لم يتعَدَّ.
وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
قال الحارِثِيُّ: هذا اختيارُ أكثرِ الأصحابِ.
وصرَّح المُصَنِّفُ في آخَرين، أنَّه أصح.
قال القاضي: هذا أصحُّ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ.
قال في «الكافِي»: هذا أظْهَرُ الرِّوايتَين.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «شَرْح ابنِ مُنَجَّى»، و «الحارِثِيِّ»، وغيرِهم.
والرِّوايَةُ الثَّانيَةُ، يَضْمَنُ.
نصَّ عليها.
قال الزَّركشيُّ: ينْبَغِي أن يكونَ محَلُّ الرِّوايَةِ، إذا ادَّعَى التَّلَفَ، أمَّا إنْ ثبَتَ التَّلَف، فإنَّه ينْبَغِي انْتِفاءُ الضَّمانِ، رِوايَة واحدةً.
الجزء: 16 - الصفحة: 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو تَلِفَتْ مع مالِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه.
بلا نِزاع في المذهبِ، وقد تواترَ النَّصُّ عن أحمدَ بذلك.
وإنْ تَلِفَت بتَعَدِّيه، وتَفْرِيطِه، ضَمِنَ، بلا خِلافِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 8
وَيَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا.
قوله: ويَلْزمُه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها.
يعْنِي، عُرْفًا، كالحِرْزِ في السَّرِقةِ، على ما يأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
هذا إذا لم يُعَيِّنْ له صاحِبُها حِرْزًا.
الجزء: 16 - الصفحة: 9
وإنْ عَيَّنَ صَاحِبُهَا حِرْزًا، فَجَعَلَهَا فِي دُونِهِ، ضَمِنَ.
قوله: فإن عَيَّنَ صاحِبُها حِرْزًا، فجَعَلَها في دُونِه، ضَمِنَ.
هذا المذهبُ مُطْلَقًا.
أعْنِي، سواءٌ ردَّها إلى حِرْزِها الذي عيَّنه له، أوْ لا.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرُهم مِن الأصحابِ.
وقيل: إنْ ردَّها إلى حِرْزِها الذي عيَّنه له، فتَلِفَتْ 93، لم يَضْمَنْ.
حكاه في «الفُروعِ».
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: فإن عيَّن رَبُّها حِرْزًا، فأحْرَزَها بدُونِه، ضَمِنَ.
قلتُ: ولم يرُدَّها إلى حِرْزِه.
انتهى.
الجزء: 16 - الصفحة: 10
وإن أحْرَزَهَا بِمِثْلِهِ، أوْ فَوْقَهُ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَكِيلَ: يَضْمَنُ إلَّا أن يَفْعَلَهُ لِحَاجَةٍ.
قوله: وإنْ أحْرَزَها بمِثْلِه، أو فوقَه، لم يَضْمَنْ.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيل.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «الكافِي»، وغيرِهما.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، في المَسْألةِ الأولَى.
وقدَّمه فيهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفائقِ».
وجزَم به في الثَّانيَةِ في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
وقيل: يضْمَنُ فيهما، إلَّا أن يفْعَلَه لحاجَة.
ذكَرَه الآمِدِيُّ، وأبو حَكِيم، وهو رِوايَة في «التَّبْصَرَةِ».
قال المُصَنِّفُ: وهو [ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وهو ظاهِرُ] 94 كلام أحمدَ في رِوايَةِ حَرْبٍ.
وجزَم به في «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه في «المُحَررِ».
وقيلَ: يضْمَنُ، إنْ أحْرَزَها بمِثْلِه، ولا
الجزء: 16 - الصفحة: 11
وَإنْ نَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا، فَأخْرَجَهَا لِغَشَيَانِ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ التَّوَى، لَمْ يَضْمَنْ.
وَإنْ تَرَكَهَا فَتَلِفَتْ، ضَمِنَ.
وإن أخْرَجَهَا لِغَيرِ خوْفٍ، ضَمِنَ.
يضْمَنُ، إنْ أحْرَزَها بأعْلَى منه.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وهو أقْيَسُ.
وأطْلَقَهُنَّ فيها 95.
تنبيه: قال الحارِثِي: لا فرْقَ، فيما ذكَر، بينَ الجَعلِ أولًا، في غيرِ المُعَيَّنِ، وبينَ النَّقْلِ إليه.
قال في «التَّلْخيصِ»: وأصحابُنا لم يُفَرِّقوا بينَ تَلَفِها بسَبَبِ النَّقْلِ، وبينَ تَلَفِها بغيرِه، وعندِي، إذا حصَل التَّلَفُ بسَبَبِ النَّقْلِ؛ كانْهِدامِ البَيتِ المَنْقُولِ إليه، ضَمِنَ.
قوله: وإنْ نهاه عن إخْراجِها، فأخْرَجَها لغَشَيانِ شَيءٍ، الغالِبُ فيه التَّوَى، لم يَضْمَنْ.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ولا أعلمُ فيه خِلافًا.
لكِنْ إذا أخْرَجَها
الجزء: 16 - الصفحة: 12
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلا يُحرِزُها إلَّا في حِرْزِ مِثْلِها أو فوْقَه، فإن تعَذَّرَ، والحالةُ هذه، ونقَل إلى أدْنَى، فلا ضَمانَ.
ذكَرَه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، واقتصَر عليه الحارِثِيُّ؛ لأنَّه إذَنْ أحْفَظُ، وليس في الوُسْعِ سِواه.
قلتُ: فيُعايىَ بها.
قوله: وإنْ ترَكَها فتَلِفَتْ، ضَمِنَ.
هذا المذهبُ؛ لأنَّه يَلْزَمُه إخْراجُها، والحالةُ هذه.
قال في «الكافِي»: هذا المذهبُ.
قال الحارِثيُّ: هذا أصحُّ.
قال في «الفُروعِ»: لَزِمَه إخْراجُها في الأصحِّ.
قال في «الفائقِ»: ضَمِنَ في أصحِّ الوَجْهَين.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ» و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُغنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، وغيرِهم.
وقيل: لا يضْمَنُ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أمْرَ رَبِّها.
الجزء: 16 - الصفحة: 13
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[فائدة: لو تعَذَّرَ الأمْثلُ والمُماثِلُ، والحالةُ هذه، فلا ضَمانَ.
ذكَرَه المُصَنِّفُ في «المُغنِي»] 96.
قوله: وإنْ أخْرَجَها لغيرِ خَوْفٍ، ضَمِنَ.
هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: ويحْرُمُ إخْراجُها لغيرِ خَوْفٍ في الأصحِّ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهما.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، وغيرِهما.
وقيل: لا يضْمَنُ.
اختارَه القاضي، قاله في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
الجزء: 16 - الصفحة: 14
فَإن قَال: لَا تُخْرِجْهَا وإن خِفْتَ عَلَيهَا.
فَأخْرَجَهَا عِنْدَ الْخَوْفِ، أوْ تَرَكَهَا، لَمْ يَضْمَنْ.
قوله: وإنْ قال: لا تُخْرِجْها، وإنْ خِفْتَ عليها.
فأخْرَجَها عندَ الخَوْفِ، أو تَرَكَها، لم يضْمَنْ.
وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به أكثرهم؛ منهم صاحِبُ «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «شَرْحِ الحارثِي»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِي»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: إنْ وافَقَه أو خالفَه، ضَمِنَ.
قلتُ: وهو ضعيف جِدًّا.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِه، أنَّه لو أخْرَجَها مِن غيرِ خَوْفٍ، أنَّه يَضْمَنُ.
وهو صحيحٌ.
صرَّح به الأصحابُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 16
وَلَوْ أوْدَعَهُ بَهِيمَةً، فَلَمْ يَعْلِفْهَا حَتَّى مَاتَتْ، ضَمِنَ، إلَّا أن يَنْهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ عَلْفِهَا.
قوله: وإنْ أوْدَعَه بَهِيمَةً، فلم يَعْلِفْها حتَّى ماتَتْ، ضَمِنَ.
هذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به كثير منهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي»، و «الفُروع»، وغيرِهم.
وقيل: لا يضْمَنُها.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي».
قلتُ: لكِنْ يَحْرُمُ تَرْكُ عَلْفِها.
ويأثَمُ حتَّى ولو قال له: لا تَعْلِفْها على ما يأتِي.
الجزء: 16 - الصفحة: 17
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ منها، لو أمَرَه بعَلْفِها، لَزِمَه ذلك مُطْلَقًا؛ على الصَّحيح مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا يلْزَمُه إلَّا مع قبوله.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْني».
ومنها، لو نَهاه عن عَلْفِها، انْتَفَى وُجوبُ الضَّمانِ بالنِّسْبَةِ إلى حَظِّ المالِك، وأمّا بالنِّسْبَةِ إلى الحُرمَةِ، فلا أثرَ لنَهْيِه، والوُجوبُ باقٍ بحالِه.
قال في «الحاوي الصَّغِيرِ»: ويقوَى عندِي إنَّه يَضْمَنُ.
ومنها، إنْ كان إنْفاقُه عليها بإذْنِ رَبِّها، فلا كلامَ.
وإنْ تعذَّرَ إذنه؛ فإن أنْفَقَ بإذْنِ حاكمٍ، رجَع به، وإنْ كان بغيرِ إذْنِه؛ فإن كان مع تعَذُّره، وأشْهَدَ
الجزء: 16 - الصفحة: 18
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الإنْفاق، فله الرُّجُوعُ.
قال الحارِثِيُّ: رِوايَةً واحدةً.
حكاه الأصحابُ.
وإنْ كان مع إمْكانِ إذْنِ الحاكمِ، ولم يسْتَأذِنْه، بل نوَى الرُّجُوعَ فقط، لم يرجِعْ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ» هنا.
وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «المُحَرَّرِ»، في بابِ الرَّهْنِ، و «المُنَوِّرِ».
وقيل: يَرْجِعُ.
جزَم به في «المُنْتَخَبِ».
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
وصحَّحه الحارِثِي، وصاحِبُ «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وظاهِرُ «الفُروعِ»، في بابِ الرَّهْنِ، إطْلاقُ الخِلافِ.
وقال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والسَّبْعِين»: إذا أنْفَقَ المُودَعُ 97 علي الحَيوانِ المُسْتَوْدَعِ ناويًا للرُّجوعِ؛ فإن تَعذَّر اسْتِئْذانُ مالِكِه، رجَع، وإنْ لم يتعَذَّرْ، فطَرِيقَتان؛ إحْداهما، أنَّه على الرِّوايتَين في قَضاءِ الدَّينِ وأوْلَى؛ لأنَّ للحَيوانِ حُرْمَةً في نفْسِه تُوجِبُ تقْدِيمَه على قَضاءِ الدَّينِ أحْيانًا، وهي طريقةُ صاحب «المُغْنِي».
والثَّانيةُ، لا يَرْجِعُ، قوْلًا واحدًا، وهي طريقةُ صاحب «المُحَرَّرِ»، مُتابَعَةَ لأبي الخَطابِ.
انتهى.
وهذه الطرِيقَةُ هي المذهبُ.
وهي طريقَةُ صاحِبِ «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وتقدَّم حُكْمُ المسْألةِ في كلامِ المُصَنِّفِ، في بابِ الرَّهنِ أيضًا.
ومنها، لو خِيفَ على الثَّوْبِ العَثُّ، وجَب عليه نَشْرُه، فإن لم يَفْعَلْ وتَلِفَ، ضَمِنَ.
الجزء: 16 - الصفحة: 20
فَإِنْ قَال: اتْرُكِ الْوَدِيعَةَ فِي جَيبِكَ.
فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ، ضَمِنَ.
وَإنْ قَال: اتْرُكْهَا فِي كُمِّكَ.
فَتَرَكَهَا فِي جَيبِهِ، لَمْ يَضْمَنْ.
فَإن تَرَكَهَا فِي يَدِهِ، احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
قوله: وإن قال: اتْرُكْها في كُمِّك.
فترَكَها في جَيبهِ، لم يَضْمَنْ.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
ويتَخَرَّج على الوَجْهِ المُتقَدِّمِ بالضَّمانِ بالإحْرازِ فيما فوقَ المُعَيَّنِ 98، وُجُوبُ الضَّمانِ هنا.
قاله الحارِثِيُّ.
قوله: وإنْ ترَكَها في يدِه، احْتَمَل وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الهادِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»؛ أحَدُهما، لا يضْمَنُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الحارِثِي: وهو الأظْهَرُ عندَ القاضي، وابنِ عَقِيل.
[وجزَم به في «الوَجيزِ»] 99. والثَّاني، يَضْمَنُ.
وهو الصَّحيحُ.
صحّحه في «التَّصْحيحِ».
وقدَّمه في «الكافِي».
قال الحارِثِي: وإليه مَيلُ المُصَنِّفِ في «كِتابَيه».
وقدَّمه في «إدْراكِ الغايَةِ».
وفي «التَّلْخيصِ» وجْهٌ ثالث، إنْ تَلِفَتْ بأخْذِ غاصِب، لم يَضمَنْ؛ لأنَّ اليَدَ بالنِّسْبَةِ إليه أحْرَزُ.
وإنْ تَلِفَتْ لنَوْم أو نِسْيان، ضَمِنَ؛ لأنَّها لو كانتْ في الكُمِّ مَرْبوطَةً، لَما ذهَبَتْ.
فوائد؛ الأولَى، وكذلك الحُكْمُ والخِلافُ لو قال: اتْرُكْها في يَدِك.
فترَكَها في كُمه.
قال في «الفُروعِ» وغيرِه: وقال القاضي: اليَدُ أحْرَزُ عندَ المُغالبَةِ، والكُمُّ أحْرَزُ عندَ عدَمِ المُغالبَةِ.
فعلى هذا، إنْ أمَرَه بتَرْكِها في يَدِه، فشَدَّها في
الجزء: 16 - الصفحة: 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كُمِّه في غيرِ حالِ المُغالبَةِ، فلا ضَمانَ عليه، وإنْ فعَل ذلك عندَ المُغالبَةِ، ضَمنَ.
الثَّانيةُ، لو جاءَه إلى السُّوق وأمَرَه بحِفْظِها في بَيته، فترَكَها عندَه إلى مُضِيِّه إلى مَنْزِلِه، ضَمِنَ.
جزَم به في «المسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرِهما.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال الحارِثِيُّ: فقال الأصحابُ: يَضْمَنْ مُطْلَقًا.
وقيل: لا يضْمَنُ والحالةُ هذه.
وهو احْتِمالٌ في «المُغنِي»، ومال إليه.
قال الحارِثِيُّ:
الجزء: 16 - الصفحة: 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا الصَّحيحُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
قال في «الفُروعِ»: وهو الأظْهَرُ.
قلتُ: وهو الصوابُ.
الثَّالثةُ، لو دفَعَها إليه، وأطْلَقَ، ولم يُعَيِّن مَوْضعًا، فترَكَها بجَيبِه أو يَدِه، أو شَدَّها في كُمِّه، أو ترَك في كُمِّه ثقِيلًا بلا شَدٍّ، أو ترَكَها في وسَطِه، وشدَّ عليها سَراويلَه، لم يَضْمَنْ.
جزَم به في «المُغْني»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثي».
وكذا لو شدَّها على عَضُدِه.
وهذا المذهبُ في ذلك كله.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال القاضي: إنْ شدَّها على عَضُدِه مِن جانِبِ الجَيبِ، لم يضْمَنْها، وإنْ شاهدٌ مِن الجانِبِ الآخَرِ، ضَمِنَ.
وقال ابنُ عَقِيل، في [«الفُصولِ»: إنْ] 100 ترَكَها في جَيبٍ أو كُمٍّ، ضَمِنَ، على الرِّوايَةِ التي تقولُ: إنَّ الطَّرَّارَ لا يقْطَعُ.
وقال أيضًا: إنْ ترَكَه في رَأسِه، أو غرَزه في عِمامَتِه، أو تحتَ قَلَنْسُوَتِه، احْتَمَلَ أَنَّه حِرْزُ مِثلِه.
الرَّابعَةُ، إذا اسْتَوْدَعَه خاتَمًا، وقال: اجْعَلْه في
الجزء: 16 - الصفحة: 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِنْصَرِ.
فلَبِسَه في البِنْصَرِ، فلا ضَمانَ.
ذكَرَه الأصحابُ؛ القاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم؛ لأنَّها أغْلَظُ، فهي أحْرَزُ.
وفيه الوَجْهُ المُخَرَّجُ المُتقَدِّمُ.
لكِنْ إنِ انْكَسَرَ لغِلَظِها، ضَمِنَ.
ذكَرَه الأصحابُ أيضًا.
وإنْ قال: اجْعَلْه في البِنْصَرِ، فجعَلَه في الخِنْصَرِ، ضَمِنَ.
ذكَرَهْ القاضي، وابنُ عَقِيل، واقْتَصرَ عليه الحارِثِي أيضًا.
وإنْ جعَلَه في الوُسْطَى، وأمْكَنَ إدْخالُه في جَمِيعِها، لم يَضْمَنْ.
ذكَرَه في «الكافِي»، واقتصَرَ عليه الحارِثِي أيضًا.
وإن لم يدْخُلْ في جميعِها، فجعَلَه في بعضِها، ضَمِنَ؛ لأنَّه أدْنَى مِنَ المَأمُورِ به.
الخامسَةُ، لو قال: احْفَظْها في هذا البيتِ، ولا تُدْخِلْه أحدًا.
فخالفَ وتَلِفَتْ بحَرْقٍ، أو
الجزء: 16 - الصفحة: 25
وَإنْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالهُ؛ كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ، لَمْ يَضْمَنْ.
غَرَقٍ، أو سَرِقةِ غيرِ الدَّاخل، ففي الضَّمانِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا يضْمَنُ.
اخْتارَه القاضي.
والثَّاني، يضْمَنُ.
اخْتارَه ابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ، ومال إليه الشَّارِحُ.
قوله: وإنْ دفَع الوَدِيعَةَ إلى مَن يَحْفَظُ ماله؛ كزَوْجَتِه، وعَبْدِه، لم يضْمَنْ.
وكذا خادِمُه.
وهذا المذهبُ بلا رَيب، ونصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «المُحَرّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الفُروع»، و «الفائقِ»، و «الحارِثِيِّ»، ونصَرَه، وغيرِهم.
وقيل: يَضْمَنُ.
ذكَرَه ابنُ أبِي مُوسى.
قال الحارِثِيُّ: وأوْرَدَه السَّامَرِّيُّ، عن ابنِ أبِي مُوسى وَجْهًا، ولم أجِدْه في «الإرْشادِ».
فوائد؛ منها، ألْحَقَ في «الرّوْضَةِ» الوَلَدَ ونحوَه بالزّوْجَةِ والعَبْدِ.
قلتُ: إنْ كان ممَّن يحْفَظُ ماله، فلا إشْكال في إدْخالِه، وإلَّا فلا في الجَميعِ، حتَّى الزَّوْجَةِ والعَبْدِ والخادِمِ، فلا حاجَةَ إلى الإلْحاقِ، وكذلك قال الحارِثِيُّ.
الجزء: 16 - الصفحة: 26
وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى أجْنَبِي أَوْ حَاكِم، ضَمِنَ، وَلَيسَ لِلْمَالِكِ مطَالبَةُ الْأجْنَبِيِّ.
وَقَال الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ.
وقوله: إلى مَن يحْفَظُ ماله؛ كزَوْجَتِه، وعَبْدِهْ.
اعْتبارٌ لوُجودِ وَصْفِ الحِفْظِ لمَالِه في مَن ذكَر، على ما تقدَّم، فإن لم يُوجَدْ، ضَمِنَ، إذا دفَع إليه.
وهو كما قال.
انتهى.
ومنها، لو رَدَّ الوَديعَةَ إلى مَن جَرَتِ العادَةُ بأنْ يَحْفَظَ مال المُودِعِ، بكَسْرِ الدَّالِ، كزَوْجَتِه، وأمَتِه، وعَبْدِه، فتَلِفَتْ، لم يَضْمَنْ.
نصّ عليه.
وقيل: يَضْمَنُ.
حكاه ابنُ أبِي مُوسى وَجْهًا.
قال الحارِثِي: وهو الصَّحيحُ.
وتقدّم نظِيرُ ذلك في العارِيَّةِ.
ومنها، لو دفَعَها إلى الشَّرِيك، ضَمِنَ، كالأجْنَبي المَحْضِ.
ومنها، له الاسْتِعانَةُ بالأجانِبِ في الحَمْلِ، والنَّقْلِ، وسَقْي الدَّابَّةِ، وعَلْفِها.
ذكَرَه المُضَنِّفُ وغيرُه، واقْتَصَرَ عليه الحارِثِي.
قوله: وإنْ دفَعَها إلى أجْنَبِيٍّ، أو حاكِم، ضَمِنَ، وليس للمالِكِ مُطالبَةُ الأجْنَبِي، وقال القاضي: له ذلك.
إذا أوْدَعَ المُودَعُ، بفَتْحِ الدَّالِ، الوَدِيعَةَ لأجْنَبِي، أو حاكِم، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكون لعُذْرٍ أو غيرِه؛ فإن كان لعُذْرٍ، جازَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ في الجُمْلَةِ.
وقال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ تخْرِيجُ رِوايَةٍ مِن توْكِيلِ الوَكِيلِ، له الإيداعُ بلا عُذْرٍ،
الجزء: 16 - الصفحة: 27
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنْ كان لغيرِ عُذْرٍ، لم يَجُزْ، ويَضْمَنُ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وقيل: يجوزُ إيداعُها للحاكِمِ، مع الإقامَةِ وعدَمِ العُذْرِ.
وتقدّم تخْرِيجُه في «الفُروع»، فهو أعَمُّ.
فعلى المذهبِ، إنْ كان الثَّاني عالِمًا بالحالِ، اسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، وللمالِك مُطالبَتُه، بلا نِزاعٍ، وإنْ كان جاهِلًا، لم يلْزَمْه.
وقدَّم المُصَنِّفُ هنا، أنَّه ليس له مُطالبَتُه، أي تَضْمِينُه.
وهو اخْتِيارُ القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابنِ عَقِيل في «الفُصولِ»، وقالا: إنَّه ظاهِرُ كلامِه.
قال في
الجزء: 16 - الصفحة: 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»: ليس للمالِكِ مُطالبَةُ الأجْنَبِيِّ، على المَنْصوصِ.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «الفائقِ».
واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قال في «التَّلْخيصِ»: وهو ضعيفٌ.
وقال القاضي: له ذلك.
يعْنِي مُطالبَتَه.
قال في «المُغْنِي» 101: ويَحْتَمِلُ أن له تَضْمِينَ الثَّانِي أيضًا، لكِنْ يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الأوَّلِ.
وهو رِوايَةٌ في «التَّعْليقِ الكَبِيرِ»، و «رُءوسِ المَسائلِ».
وهذا المذهبُ.
قال في «التَّعْليقِ»: هذا المذهبُ.
واخْتارَه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي».
قال الشَّارِحُ: وهذا القَوْلُ أقْرَب إلى الصَّوابِ.
قال الحارِثيّ: اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وعامَّةُ الأصحابِ، وهو الصَّحيحُ.
انتهى.
وقدَّمه في «التَّلْخيصِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 29
وإنْ أرَادَ سَفَرًا، أوْ خَافَ عَلَيهَا عِنْدَهُ، رَدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا.
و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»؛ فقال في «الفُروعِ»: وإن أودَعَها بلا عُذْرٍ، ضَمِنا 102، وقَرارُه عليه، فإن عَلِمَ الثَّانِي، فعليه.
وعنه، لا يضْمَنُ الثَّاني، إنْ جَهِلَ.
اخْتارَه شيخُنا كمُرْتَهِن، في وَجْهٍ، واخْتارَه شيخُنا.
انتهى.
قوله: وإنْ أرادَ سَفَرًا، أو خافَ عليها عندَه، رَدَّها إلى مالِكِها -وكذا إلى وَكِيله في قَبْضِها، إنْ كان- فإن لم يَجِدْه، حمَلَها معه، إنْ كان أحْفَظَ لها.
مُرادُه، إذا لم يَنْهَه عن حَمْلِها معه.
واعْلمْ أَنَّه إذا أرادَ سَفَرًا، وكان مالِكُها غائِبًا ووَكِيلُه، فله السَّفَرُ بها، إنْ كان أحْفَظَ لها، ولم يَنْهَه عن حَمْلِها.
وإنْ كان حاضِرًا، أو وَكِيلُه في قَبْضِها، فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، إنّه لا يَحْمِلُها إلَّا بإذْنٍ، فإن فعَل، ضَمِنَ.
وهو أحدُ الوَجْهَين.
قال في «المُغْنِي» 103: ويقْوَى عندِي أنَّه متى سافَرَ بها مع القُدرةِ على مالِكِها أو نائبِهِ بغيرِ إذْنٍ، إنّه مُفَرِّط عليه الضَّمانُ.
انتهى.
قلتُ: وهو ظاهِرُ كلامِه في «الهِدايَةِ»، و «المذْهَبِ»، و «المُستَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَتَين»،
الجزء: 16 - الصفحة: 30
فَإن لَمْ يَجِدْهُ، حَمَلَهَا مَعَهُ إنْ كَانَ أحفَظَ لَهَا، وَإلَّا دَفَعَهَا إلَى الْحَاكِمَ.
و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ» و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وهو الصَّوابُ.
والوَجْهُ الثَّاني، له السَّفَرُ بها، أَنْ كان أحْفَظَ لها، ولم يَنْهَه عنه.
وهو المذهبُ.
نصَّ عليه، واختارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، ونصَراه.
تنبيهان؛ أحدُهما، ظاهِر قوْلِه فإن لم يجِدْه، حمَلَها معه، إنْ كان أحْفَظَ لها.
أن له السَّفَرَ بها بشَرْطِه، ولا يَضْمَنُ.
وهو صحيحٌ.
وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقال القاضي في «رُءوسِ المَسائلِ»: إذا سافَرَ بها، ضَمِنَ.
الثَّاني، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه إذا اسْتَوَى عندَه الأمْران، في الخَوْفِ مع الإقامَةِ والسَّفَرِ، أنَّه لا يحْمِلُها معه.
وهو أحدُ الوَجْهَين، وظاهِرُ النَّصِّ.
قلتُ: وهو
الجزء: 16 - الصفحة: 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهِرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ، وهو الصَّوابُ.
وقال في «المُبْهِج»: لا يُسافِرُ بها إلَّا إذا كان الغالِبُ السَّلامَةَ.
والوَجْهُ الثَّانِي، له حَمْلُها.
وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «شَرْح الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
فوائد؛ منها، جَوازُ السَّفَرِ بها مَشْروط بما إذا لم يَنْهَه عن حَمْلِها معه، فإن نَهاه، امْتَنَعَ، وضَمِنَ، إنْ خالفَ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكونَ السَّفَرُ بها لعُذْرٍ 104؛ كجلاءِ أهْلِ البَلَدِ، أو هُجُومِ عَدُوّ، أو حَرْقٍ، أو غَرَقٍ، فلا ضَمانَ.
وهل يَجِبُ الضَّمانُ بالتَّرْكِ؟ تقدَّم نَظيرُه في كلامِ المُصَنِّفِ، وأنَّ الصَّحيحَ إنَّه يَضْمَنُ، إذا ترَك فِعْلَ الأصْلَح والحالةُ هذه.
ومنها، لو أوْدَعَ مُسافِرًا فسافَرَ 105 بها وتَلِفَتْ بالسَّفَرِ، فلا ضَمانَ عليه.
ومنها، لو هجَم قُطَّاعُ الطَّرِيقِ عليه، فألقَى المَتاعَ؛ إخْفاءً له، وضاعَ، فلا ضَمانَ عليه.
ومنها، له الرُّجوعُ بما أنْفَقَ عليها بنيَّةِ الرُّجوعِ.
ذكَرَه القاضي.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، وقال: ويتَوَجَّهُ فيه كنَظائرِه، ويَلْزَمُه مُؤنته.
وفي مُؤنَةِ ردِّ مَن بَعُدَ خِلاف في «الانْتِصارِ».
قاله في «الفُروعِ».
الجزء: 16 - الصفحة: 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: وإلَّا دفَعَها إلى الحاكِمِ.
يعْنِي، إذا خافَ عليها بحَمْلِها، ولم يَجِدْ مالِكَها ولا وَكِيلَه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أَنَّه يتَعَيَّنُ عليه دَفْعُها إلى الحاكِمِ، إنْ قدَرَ عليه.
قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال الحارِثِي: وعليه الأصحابُ.
قال الزَّرْكَشِي: قطَع به الأصحابُ.
وقيل: يجوزُ دَفْعُها إلى ثِقَةٍ.
حَكاه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وذكَرَه الحَلْوانِيُّ رِوايَةً.
قال في «الفائقِ»: ولو خافَ عليها، أوْدَعها حاكِمًا أو أمِينًا، وقيل: لا تُودَعُ.
انتهى.
قلتُ: الصَّوابُ هنا أن يُراعِيَ الأصْلَحَ في دَفْعِها إلى الحاكِمِ، أو الثِّقَةِ، فإنِ اسْتَوَى الأمْران، فالحاكِمُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 33
فَإِنْ تعَذَّرَ ذَلِكَ، أوْدَعَهَا ثِقَةً، أوْ دَفَنَهَا وَأعْلَمَ بِهَا ثِقَةً يَسْكُنُ تِلْكَ الدَّارَ، وَإنْ دَفَنَهَا وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أحَدًا، أو أعْلَمَ بِهَا مَنْ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ، ضَمِنَهَا.
فائدة: الوَدائعُ التي جُهِلَ مُلَّاكُها يجوزُ التَّصَرُّفُ فيها بدُونِ حاكم.
نصَّ عليه.
وكذا إنْ فُقِدَ، ولم يُطَّلَعْ على خَبَرِه، وليس له وَرَثَة، يتَصَدَّقُ بها.
نصَّ عليه، ولم يَعْتَبِرْ حاكِمًا.
ويحْتَمِلُ إنّه ليس له الصَّدَقَةُ بها إلَّا إذا تعَذَّرَ إذْنُ الحاكِمِ، ذكَرَه القاضي، وتقدَّم نَظيرُ ذلك في الغَصْبِ، وآخِرِ الرَّهْنِ.
ويلْزَمُ الحاكِمَ قَبُولُ الوَدائعِ، والغُصُوبِ، ودَينِ الغائبِ، والمالِ الضَّائعِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «التَّلْخيصِ»: الأصحُّ اللُّزومُ في قَبُولِ الوَدِيعَةِ، والغُصُوبِ، والدَّين.
وقيل: لا يلْزَمُه.
وأطْلَقَهما في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ».
قوله: وإنْ تَعَذَّرَ ذلك -يَعْني، إذا تعَذَّرَ دفْعُها إلى الحاكمِ- أوْدَعَها ثِقَة.
الجزء: 16 - الصفحة: 34
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا الصحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال في «الخُلاصَةِ»، و «الفُروعِ»: دفَعَها 106 إلى ثِقَةٍ في الأصحِّ.
وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم، واخْتارَه القاضي وغيرُه.
وقيل: لا تُودَعُ لغيرِ الحاكِمِ.
وقطَع به أبو الخَطابِ في «رُءوسِ المَسائلِ».
قال القاضي، وابنُ عَقِيل: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ الدَّفْعُ إلى غيرِ الحاكمِ لعُذْرٍ أو غيرِ عُذْرٍ.
ثم أوَّلا ذلك على الدَّفْعِ لغيرِ حاجَةٍ، أو مع القُدْرَةِ على الحاكمِ.
قال الحارِثيُّ: وفيه نظَر، بل النَّصُّ صريحٌ في ذلك.
وذكَرَه.
وقيل: لا تُودَعُ مُطْلَقًا.
ونقَلَه الأَثْرَمُ نصًّا.
قال في «الرِّعايَةِ»: ونصُّه مَنْعُه.
وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وقدَّمه في «المُذْهَبِ».
وقال في «النَّوادِرِ»: وأطْلَقَ أحمدُ الإيداعَ عندَ غيرِه لخَوْفِه عليها، وحمَلَه القاضي على المُقيمِ لا المُسافِرِ.
فائدة: حُكْمُ مَن حضَرَه المَوْتُ حُكْمُ مَن أراد سَفَرًا، على ما تقدّم مِن أحْكامِه،
الجزء: 16 - الصفحة: 35
وَإنْ تَعَدَّى فِيهَا، فَرَكِبَ الدَّابَّةَ لِغَيرِ نَفْعِهَا، وَلَبِسَ الثّوْبَ، وَأَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا، ثُمَّ رَدَّهَا،
إلَّا في أخْذِها معه.
قوله: أو دفَنَها وأعْلَمَ بها ثِقَةً يسْكُنُ تلك الدَّارَ.
يعْنِي، إذا تعَذَّرَ دَفْعُها إلى الحاكمِ، فهو بالخيارِ بينَ دَفْعِها إلى ثِقَةٍ، وبينَ دَفْنِها وإعلامِ ثِقَةٍ يسْكُنُ تلك الدَّارَ بها.
قال الحارِثِيُّ: وقاله القاضي، وابنُ عَقِيل، وغيرُهما.
وقطَع به في «الشّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».
قال في «الفُروعِ»: وإنْ دَفَنَها بمَكانٍ، وأعْلَمَ بها ساكِنَه، فكإيداعِه.
وقال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»: ولو دفَنَها بمَكانٍ، وأعْلَمَ السَّاكِنَ، فعلى وَجْهَين.
وقيل: إعْلامُه كإيداعِه.
انتهوا.
وأطْلَقَ في ضَمانِها، إذا دَفَنَها وأعْلَمَ بها ثِقَةً، وَجْهَين في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه مِنَ الأصحابِ، أنَّه إذا تبَرَّمَ بالوَدِيعَةِ، فليس له الدَّفْعُ إلى غيرِ المُودِعِ أو وَكِيلِه؛ سواءٌ قَدَرَ عليهما أوْ لا، وسواءٌ الحاكِمُ وغيرُه، وهو كذلك.
ونصّ على المَنْعِ مِن إيداعِ الغيرِ.
واخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وغيرُهما.
وقدَّمه الحارِثِي.
وقال في «الكافِي»: إنْ لم يجِدِ المالِكَ، دفَع إلى الحاكِمِ.
واخْتارَه صاحِبُ «التَّلْخيصِ».
قوله: وإنْ تعَدَّى فيها، فرَكِبَ الدَّابَّةَ لغيرِ نَفْعِها، ولَبِسَ الثَّوْبَ، وأخْرَجَ
الجزء: 16 - الصفحة: 36
أوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أقَرَّ بِهَا.
الدَّراهِمَ ليُنْفِقَها -أو لشَهْوَةِ رُؤْيَتِها- ثم رَدَّها أو جحَدَها، ثم أقَرَّ بها، أو كسَر خَتْمَ كِيسِها -وكذا لو حَلَّه- ضَمِنَها.
إذا تعَدَّى فيها، ففعَل ما ذكَر غيرَ جُحُودِها، ثم إقرارُه بها، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يَضْمَنُها، وعليه الأصحابُ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «التلْخيصِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقال في «الفائقِ»: ونقَل البَغَويُّ ما يدُلُّ على نَفْي الضَّمانِ.
وقيل: لا يَضْمَنُ، إذا أخْرَجَ الدَّراهِمَ لينفِقَها، أو لشَهْوَةِ رُؤْيَتِها، ثم ردَّها.
اخْتارَه ابنُ الزَّاغُونِيِّ.
وعنه، لا يَضْمَنُ، إذا كسَر خَتْمَ كِيسِها، أو حلَّه.
فعلى المذهبِ، لا يعُودُ عَقْدُ الوَدِيعَةِ بغيرِ عَقْدٍ مُتَجَدِّدٍ.
وأمَّا إذا جحَدَها، ثم أقَرَّ بها، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يضْمَنُها مِن حيثُ الجُمْلَةُ.
جزَمَ به في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفائقِ» وغيرِه، وقال: ونقَل البَغَويُّ ما يدُلُّ على نَفْي الضَّمانِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 37
أوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيسِهَا، أوْ خَلَطَهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ، ضمِنَهَا،
قوله: أو خلَطها بما لا تَتَمَيَّزُ منه، ضَمِنَها.
وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
قال في «التَّلْخيصِ»: ومع عدَمِ التَّمْييزِ، يَضْمَنُ، رِوايَةً واحدةً.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، وقال: ظاهِرُ نَقْلِ البَغويِّ، لا يَضْمَنُ.
ولم يتَأوَّلْه في «النَّوادِرِ».
وذكَرَهْ الحَلْوانِيُّ ظاهِرَ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وجزَم به في «المَنْثُورِ» عن أحمدَ، قال: لأنَّه خلَطَه بمالِه.
وجزَم به في «المُبْهِجِ» في
الجزء: 16 - الصفحة: 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوَكِيلِ، كوَدِيعَتِه، في أحَدِ الوَجْهَين.
قال الحارِثِيُّ: وعن أحمدَ، لا يضْمَنُ بخَلْطِ النُّقودِ.
ونقَلَه عبدُ اللهِ البَغويُّ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، لو تَلِفَ بعضُ المُخْتَلِطِ بغيرِ عُدْوانٍ، جُعِلَ التَّلَفُ كلُّه مِن مالِه، وجُعِلَ الباقِي مِنَ الوَدِيعَةِ.
نصَّ عليه.
فائدة: لو اخْتلَطَتِ الوَديعَةُ بغيرِ فِعْلِه، ثم ضاعَ البعضُ، جُعِلَ مِن مالِ المُودَعِ
الجزء: 16 - الصفحة: 39
وَإنْ خَلَطَهَا بِمُتَمَيِّزٍ، أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَسْقِيَهَا، لَمْ يَضْمَنْ.
في ظاهِرِ كلامِه.
ذكَرَه المَجْدُ في «شَرْحِه».
وذكَر القاضي في «الخِلافِ» أنَّهما يَصِيران شَرِيكَين.
قال المَجْدُ: ولا يبْعُدُ على هذا، أنْ يكونَ الهالِكُ منهما.
ذكَرَه في «القاعِدَةِ الثَّانيَةِ والعِشْرِين».
قوله: وإنْ خلَطها بمُتَميِّزٍ، لم يَضْمَنْ.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.
وعنه، يَضْمَنُ.
وحمَلَها المُصَنِّفُ على نَقْصِها بالخَلْطِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 40
وَإنْ أَخَذَ دِرْهَمًا ثُمَّ رَدَّهُ، فَضَاعَ الْكُلُّ، ضَمِنَهُ وَحْدَهُ.
وَعَنْهُ، يَضْمَنُ الْجَمِيعَ.
قوله: وإنْ أخَذ دِرْهَمًا ثم رَدَّه، فضاعَ الكلُّ، ضَمِنَه وحْدَه.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه.
وجزَم به الخِرَقِيُّ، وصاحِبُ «التَّعْليقِ»، و «الفُصولِ»، و «المُغْنِي»، و «الكافِي»؛ و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرُهم.
وهو عَجِيبٌ مِنَ الشارِحِ؛ إذِ الكِتابُ المَشْرُوحُ حكَى الخِلافَ، لكِنَّه تَبعَ «المُغْنِي».
وصحَّحه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، يَضْمَنُ الجميعَ.
وأطْلَقَهما في «التلْخيصِ»، و «الفائقِ».
وقيل: يَضْمَنُه وحدَه، إنْ لم يَفْتَحِ الوَدِيعَةَ.
وقيل: لا يَضْمَنُ شيئًا.
الجزء: 16 - الصفحة: 41
وَإنْ رَدَّ بَدَلَهُ مُتَمَيِّزًا، فَكَذَلِكَ، وَإنْ كَانَ غَيرَ مُتَمَيِّزٍ، ضَمِنَ الْجَمِيعَ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَضْمَنَ غَيرَهُ.
قوله: وإنْ رَدَّ بدَلَه مُتَمَيِّزًا، فكذلك.
يعْنِي، أن الحُكْمَ فيه كالحُكْمِ فيما إذا رَدَّ المأْخُوذَ بعَينِه.
جزَم به في «الفُصولِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، وغيرِهم.
وكذا الحُكْمُ لو أذِنَ صاحِبُها له في الأخْذِ منها، فأخَذ ثم ردَّ بدَلَه بلا إذْنِه.
قوله: وإنْ كان غيرَ مُتَمَيِّزٍ، ضَمِنَ الجميعَ -وهو المذهبُ.
جزَم به في «المُجَرَّدِ»، و «الفُصولِ»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في
الجزء: 16 - الصفحة: 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ» -ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَضْمَنَ غيرَه.
وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ.
وجزَم به القاضي في «التَّعْليقِ»، وذكَر أنَّ أحمدَ نصَّ عليه في رِوايَةِ الجماعَةِ.
وحُكِيَ عنه مِن رِوايةِ الأثْرَمِ، أنَّه أنْكَرَ القَوْلَ بتَضْمِينِ الجميعِ،، وأنَّه قال: هو قوْلُ سوءٍ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وقطَع به ابنُ أبِي مُوسى، والقاضي أبو الحُسَينِ، وأبو الحَسَنِ بنُ بَكْروسٍ، وغيرُهم.
واخْتارَه أبو بَكْرٍ.
وقدَّمه الحارِثِيُّ في «شَرْحِه»، وقال: هو المذهبُ.
ومال إليه في «المُغني».
وأطْلَقَ الرِّوايتَين في «المُحَرَّرِ».
فعلى الرِّوايَةِ الثانيةِ، إنْ لم يَدْرِ أيَّهما ضاعَ، ضَمِنَ.
نقَلَه البَغويُّ، وذكَرَه جماعَةٌ، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ».
فائدة: لو كان الدِّرْهَمُ أو بدَلُه غيرَ مُتَمَيِّزٍ، وتَلِفَ نِصْفُ المالِ، فقِيل: يَضْمَنُ نِصْفَ دِرْهَمٍ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يلْزَمَه شيءٌ؛ لاحْتِمالِ بَقاءِ الدِّرْهَمِ أو بدَلِه، ولا يجِبُ مع الشَّكِّ.
قاله الحارِثِيُّ.
الجزء: 16 - الصفحة: 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهات؛ الأوَّلُ، قال الزَّرْكَشِيُّ: إذا رَدَّ بدَلَ ما أخَذ، فللأصحابِ في ذلك طُرُقٌ؛ أحدُها، لا يلْزَمُه إلَّا مِقْدارُ ما أخَذَ؛ سواءٌ كان البَدَلُ مُتَمَيِّزًا أو غيرَ مُتَمَيِّزٍ.
وهذا مُقْتَضَى كلامِ الخِرَقِيِّ، وبه قطَع القاضي في «التَّعْلِيقِ»، وذكَر أن أحمدَ نصَّ عليه في رِوايَةِ الجماعَةِ.
وأنْكَرَ في رِوايَةِ الأَثْرَمِ على مَن يقولُ بتَضْمِينِ الجميعِ.
الطَّريقُ الثَّاني، إنْ تمَيَّزَ البدَلُ، ضَمِنَ قَدْرَ ما أخذَ فقط، وإنْ لم يتَمَيَّزْ، فعلى رِوايتَين.
وهي طريقةُ المُصَنِّفِ في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، والمَجْدِ.
الطَّريقُ الثَّالثُ، في المَسْأَلةِ رِوايَتان فيهما.
وهي ظاهِرُ كلامِ أبِي الخَطَّابِ في «الهِدايةِ».
الطرِيقُ الرَّابِعُ، إنْ تمَيَّزَ البدَلُ، فعلى رِوايتَين، وإنْ لم يتَمَيَّزْ، ضَمِنَ، رِوايةً واحدةً.
قاله في «التَّلْخيصِ».
ويقْرُبُ منه كلامُ المُصَنِّفِ في «المُقْنِعِ»، وكلامُ القاضي على ما حَكاه في «المُغْنِي».
وبالجُمْلَةِ، هذه الطرِيقَةُ، وإنْ كانتْ حَسَنَةً، لكِنها مُخالِفَةٌ لنُصوصِ أحمدَ.
انتهى.
الثَّاني، شرَط القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيلٍ، وأبو الخَطَّابِ، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، والمُصَنِّفُ، والمَجْدُ، والشَّارِحُ، وجماعةٌ، أنْ تكونَ الدَّراهِمُ ونحوُها غيرَ مَخْتُومَةٍ ولا مشْدُودَةٍ، فلو كانتْ كذلك، فحلَّ الشَّدَّ، أو فكَّ الخَتْمَ، ضَمِنَ الجميعَ، قوْلًا واحدًا.
قال القاضي في «التعْلِيقِ»: هو قِياسُ قوْلِ الأصحابِ، ممَّا إذا فتَح قَفَصًا عن طائرٍ، فطارَ.
وقاله أبو الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ».
قال الحارِثِيُّ: ولا يصِحُّ هذا القِياسُ؛ لأنَّ الفَتْحَ عنِ الطائرِ إضاعَةٌ له، فهو كحَلِّ الزِّقِّ.
ونقَل مُهنَّا، أنَّه لا يَضْمَنُ إلَّا ما أخَذَ.
قال في «التَّلْخيصِ»: وروَى البَغَويُّ عن أحمدَ ما يدُلُّ على ذلك، ويَنْبَنِي على ذلك، لو خرَقَ الكِيسَ؛ فإنْ كان مِن فوقِ الشَّدِّ، لم يضْمَنْ إلَّا الخَرْقَ، وإنْ كان مِن تحتِ الشَّدِّ، ضَمِنَ الجميعَ، على المَشْهورِ
الجزء: 16 - الصفحة: 44
وَإنْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ وَدِيعَةً، ضَمِنَهَا، وَلَمْ يَبْرَأْ إلا بِالتَّسْلِيمِ إِلى وَلِيِّهِ.
عندَ الأصحابِ.
قاله الزرْكَشِيُّ.
الثَّالثُ، قُوةُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه تَقْتَضِي أنَّه لا يَضْمَنُ بمُجَردِ نِيَّةِ التَّعَدِّي، بل لا بُدَّ مِن فِعْلٍ أو قَوْلٍ.
وهو صحيحٌ، وهو المَقْطوعُ به عندَ الأصحابِ.
وقال القاضي: وقد قيل: إنه يَضْمَنُ بالنِّيَّةِ؛ لاقْتِرانِها بالإمْساكِ، وهو فِعْلٌ كمُلْتَقِطٍ نوَى التَّمَلُّكَ في أحدِ الوَجْهَين.
وفي «التَّرْغيبِ»، قال الحارِثِيُّ: وحكَى القاضي في «تَعْليقِه» وَجْهًا بالضَّمانِ.
قال الزرْكَشِيُّ: وقد يَنْبَنِي هذا الوَجْهُ، على أنَّ الذي لا يُؤُاخَذُ به هو الهَمُّ، أما العَزْمُ، فيُؤاخَذُ به على أحَدِ القَوْلَين.
انتهى.
وتأْتِي مَسْأَلةُ اللُّقَطَةِ في بابِها، عندَ قوْله: ومَن أمِنَ نَفْسَه عليها.
قوله: وإنْ أوْدَعَه صَبِيٌّ وَدِيعَةً، ضَمِنَها، ولم يَبْرَأْ إلَّا بالتَّسْلِيمِ إلى وَلِيِّه.
إنْ كان الصَّبِيُّ غيرَ مُمَيِّزٍ، فالحُكْمُ؛ قال المُصَنِّفُ، وكذا إنْ كان مُمَيِّزًا، ولم يكُنْ مأْذونًا له.
وإنْ كان مأْذونًا له، صحَّ إيداعُه فيما أُذِنَ له بالتَّصَرُّفِ فيه.
قاله المُصنِّفُ والشَّارِحُ.
فائدة: لو أخَذَ الوَدِيعَةَ مِنَ الصَّبِيِّ تخْلِيصًا لها مِنَ الهَلاكِ، على وَجْهِ الحِسْبَةِ، فقال في «التَّلْخيصِ»: يَحْتَمِلُ أنْ لا يضْمَنَ، كالمِلْكِ الضَّائعِ إذا حَفِظَه
الجزء: 16 - الصفحة: 45
وَإِنْ أوْدَعَ الصَّبِيَّ وَدِيعَةً، فَتَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَإِنْ أتْلَفَهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَقَال الْقَاضِي: يَضْمَنُ.
لصاحبِه.
وهو الأصحُّ: ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَ؛ لأنَّه لا ولايةَ له عليه.
قال: وهكذا يُخَرَّجُ إذا أخَذ المال مِنَ الغاصِبِ تخْلِيصًا؛ ليَرُدَّه إلى مالِكِه.
انتهى.
واقْتَصَر الحارِثِيُّ على حِكايةِ كلامِه، وقدَّم ما صحَّحَه في «التَّلْخيصِ» في «الرِّعايَةِ»، [وقطَع به في «الكافِي»] 107.
قوله: وإنْ أوْدَعَ الصَّبِيَّ وَدِيعَةً، فتَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، لم يَضْمَنْ.
وكذلك المَعْتُوهُ.
وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ الحارثِيِّ»، وغيرِهم.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَضْمَنُ.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، في أوَّلِ بابِ الحَجْرِ.
قوله: وإن أتْلَفَها، لم يَضْمَنْ.
هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
قال
الجزء: 16 - الصفحة: 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الهِدايةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»: وقال غيرُ القاضي مِن أصحابِنا: لا يضْمَنُ.
انتهوا.
قال الحارِثِيُّ: قال ابنُ حامِدٍ: هذا قِياسُ المذهبِ.
وإليه صارَ القاضي آخِرًا، وذكَرَه ولَدُه أبو الحُسَينِ، ولم يَذْكُرِ القاضي في «رُءُوسِ المَسائلِ» سِواه.
وكذا القاضي أبو الحُسَينِ، وأبو الحَسَنِ بنُ بَكْروسٍ.
قال ابنُ عَقِيل: وهو أصحُّ عندِي.
وقامه في «الخُلاصَةِ».
وقال القاضي: يَضْمَنُ.
اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قال الحارِثِيُّ: واخْتارَه أبو عليِّ بنُ شِهابٍ، ولم يُورِدِ الشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَرٍ، والزَّيدِيُّ؛ وأبو المَواهِبِ الحُسَينُ بنُ محمدٍ العُكْبَرِيُّ، والقاسِمُ بنُ الحَسَنِ الحدَّادُ، سِواه.
انتهى وصحَّحه النَّاظِمُ.
وهذا المذهبُ، على ما اصْطَلَحْناه.
وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ».
فائدة: المَجْنونُ كالصَّبِيِّ.
وكذا السَّفِيهُ عندَ المُصَنِّفِ، والشَّارِحَ، وجماعَةٍ، ففيه الخِلافُ.
وقيل: إتْلافُه مُوجِبٌ للضَّمانِ كالرَّشيدِ.
قطَع به القاضي في «المُجَرَّدِ»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ».
قال الحارِثِيُّ: وإلْحاقُه بالرَّشيدِ أقْرَبُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 47
وَإنْ أوْدَع عَبْدًا وَدِيعَةً فَأتْلَفَهَا، ضَمِنَهَا في رَقَبَتِهِ.
قوله: وإنْ أوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً، فأتْلَفَها، ضَمِنَها في رَقَبَتِه.
هذا المذهبُ.
جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «شَرْحِ ابن مُنَجَّى».
وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ».
قال الحارِثِيُّ: وبه قال الأكْثَرَون مِن الأصحابِ؛ أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، وأبو الحُسَينِ، والشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَرٍ، والزَّيدِيُّ، وابنُ بكْروسٍ، والسَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ».
انتهى.
والوَجْهُ الثَّاني، يَضْمَنُها في ذِمَّتِه.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».
ولنا وَجْهٌ في المذهبِ، ذكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ» وغيرِه، بعدَمِ الضَّمانِ مُطْلَقًا، تخرِيجًا مِن مِثْلِه في الصَّبِيِّ، وردَّه الحارِثِيُّ.
تنبيه: قيلَ: إنَّ الوَجْهَين اللذين في العَبْدِ مَبْنِيَّان على الوَجْهَين في الصَّبِيِّ.
وهو قوْلُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، والقاضي، وصاحبِ «الفائقِ»، ورَدَّه الحارِثِيُّ.
وقال في «المُسْتَوْعِب»، و «التَّلْخيصِ»: ويَضْمَنُ، ويكونُ في رَقَبَتِه؛ سواءٌ كان مَحْجُورًا عليه، أوَ مأْذونًا له.
قال الحارِثِيُّ: صرح به غيرُ واحدٍ، وهو مُقْتَضَى إطْلاقِ المُصَنِّفِ، كما في الجِنايَةِ على النَّفْسِ.
انتهى.
وهي طريقَتُه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
الجزء: 16 - الصفحة: 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: المُدَبَّرُ، والمُكاتَبُ، والمُعَلُّقُ عِتْقُه على صِفَةٍ، وأُمُّ الوَلَدِ، كالقِنِّ فيما تقدَّم.
قاله الحارِثِيُّ وغيرُه.
الجزء: 16 - الصفحة: 49
فَصْلٌ: وَالْمُودَعُ أمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ وَتَلَفٍ وَإذْنٍ في دَفْعِهَا إِلَى إِنْسَانٍ، وَيُدَّعَى عَلَيهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَتَفْرِيطٍ.
قوله: والمُودَعُ أمِينٌ، والقَوْلُ قَوْلُه فيما يَدَّعيه مِن رَدٍّ وتَلَفٍ.
يعنِي، مع يَمِينِه.
هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
قال في «التَّلْخيصِ» وغيرِه: هذا المذهبُ.
وعنه، إن دفَعَها المُودِعُ، بكَسْرِ الدَّالِ، إلى المُودَعِ ببَيِّنةٍ، لم تُقْبَلْ دَعْوَى الردِّ إلَّا ببيِّنةٍ.
نصَّ عليه في روايةِ أبِي طالبٍ، وابنِ مَنْصُورٍ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا ما قاله ابنُ أبِي مُوسى في «الإرْشادِ».
وخرَّجها ابنُ عَقِيلٍ
الجزء: 16 - الصفحة: 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على أنَّ الإشْهادَ على دفْعِ الحُقوقِ الثَّابتَةِ بالبَيِّنةِ واجِبٌ، فيَكونُ ترْكُه تفْرِيطًا، فيَجِبُ فيه الضَّمانُ.
وقيل؛ لا يَحْتاجُ إلى يَمِينٍ مع دَعْوَى التَّلَفِ قال الحَارِثِيُّ: المذهبُ لا يحْلِفُ مُدَّعِي الرَّدِّ والتَّلَفِ، إذا لم يُتَّهَمْ.
وتأْتِي المَسْأَلةُ قريبًا بأتَمَّ مِن هذا.
تنبيه: محَلُّ هذا إذا لم يتَعرَّضْ لذِكْرِ سبَبِ التَّلَفِ؛ فإنْ أَبْدَى 108 سبَبًا خَفِيًّا؛ مِن سَرِقَةٍ، أو ضياعٍ ونحوه، قُبِلَ أيضًا.
ذكَرَه الأصحابُ.
وإنْ أبْدَى (1) سبَبًا ظاهِرًا؛ مِن حريقِ منْزِلٍ أو غَرَقِه، أو هُجومِ غارَةٍ، ونحو ذلك، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنه لا يُقْبَلُ قوْلُه إلَّا ببَيِّنةٍ بوُجودِ ذلك السَّبَبِ في تلك النَّاحِيَةِ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ منهم ابنُ أبِي مُوسى، والقاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ في «الكافِي»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»،
الجزء: 16 - الصفحة: 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرُهم.
وفي كلام أحمدَ ما يُشْعِرُ به.
قال في «التَّلْخيصِ» وغيرِه: ويَكْفِي في ثُبوتِ السَّبَبِ الاسْتِفاضَةُ.
وقاله في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقال في «المُغْنِي»، وجماعةٌ مِنَ الأصحابِ: يُقْبَلُ قوْلُه أيضًا.
وتقدَّم نَظِيرُ ذلك في الوَكالةِ.
فائدة: لو مَنع المُودَعُ -بفَتْحِ الدَّالِ- صاحِبَ الوَدِيعَةِ منها، أو مَطَلَه بلا عُذْرٍ، ثم ادَّعَى تلَفًا، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنةٍ؛ لخُروجِه بذلك عن الأمانةِ.
قوله: وإذنٍ في دَفْعِها إلى إنْسانٍ.
يعْنِي، إذا قال المُودَعُ، بفَتْحِ الدَّالِ، للمُودِعِ: أذِنْتَ لي في دَفْعِها إلى فُلانٍ فدَفَعْتُها.
فأنْكَرَ الإذْنَ، فالقَوْلُ قوْلُ المُودَعِ، بفَتْحِ الدالِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
كما قال المُصَنِّفُ، ونصَّ عليه في روايةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
وقطَع به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: لا يُقْبَلُ قوْلُه.
قال الحارِثِيُّ: وهو قَويٌّ وقيل: ذلك كوَكالةٍ في قَضاء دَينٍ.
ولا يلْزَمُ المُدَّعَى عليه للمالِكِ غيرُ اليَمِينِ، ما لم يُقِرَّ بالقَبْض.
وذكَر الأَزَّجِيُّ، إنِ ادَّعَى الرَّدَّ إلى رسولِ مُوَكَّلٍ 109 ومُودِعٍ، فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، ضَمِنَ؛ لتعَلُّقِ الدَّفْعِ بثالثٍ، ويَحْتَمِلُ لا.
وإنْ أقَرَّ، وقال: قَصَّرتُ لتَرْكِ الإِشْهادِ.
احْتَمَلَ وَجْهَين.
قال: واتفَقَ الأصحابُ أنه لو وَكَّلَه بقَضاءِ دَينِه، فقَضاه في غَيبَتِه، وترَكَ الإشْهادَ، ضَمِنَ؛ لأن مَبْنَى الدَّينِ على الضَّمانِ، ويَحْتَمِلُ، إن أمْكَنَه الإشْهادَ فترَكَه، ضَمِنَ.
انتهى.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
فائدتان؛ إحْداهما، لو ادَّعَى الأداءَ إلى وارثِ المالكِ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنةٍ.
قاله في «التَّلْخيصِ»، واقْتَصرَ عليه الحارِثِيُّ.
وكذا دَعْوَى الأداءِ إلى الحاكمِ.
الثَّانيةُ، لو ادَّعى الأداءَ على يَدِ عَبْدِه، أو زَوْجَتِه، أو خازِنِه، فكدَعْوَى الأداءِ بنَفْسِه.
الجزء: 16 - الصفحة: 54
وَإِنْ قَال: لَمْ تُودِعْنِي.
ثُمَّ أقَرَّ بِهَا، أوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنةٍ، فَادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ أقَامَ بِهِ بَيِّنةً.
وَيَحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ بَيِّنتُهُ.
قوله: وما يُدَّعَى علية مِن خِيانَةٍ أو تَفْرِيطٍ.
يعْنِي، القَوْلُ قوْلُه.
وهذا بلا نِزاعٍ.
فائدة: هل يَحْلِفُ مُدَّعِي الردِّ والتَّلَفِ والإذْنِ في الدَّفْعَ إلى الغيرِ، ومُنْكِرُ الجِنايَةِ والتَّفْرِيطِ، ونحوُ ذلك؟ قال الحارِثِيُّ: المذهبُ لا يَحْلِفُ إلَّا أن يكونَ مُتَّهَمًا.
نصَّ عليه مِن وُجوهٍ.
وكذا قال الخِرَقِيُّ، وابنُ أبِي مُوسى في الوَكِيلِ.
وأطْلَقَ المُصَنِّفُ في «كتابَيه»، وكثيرٌ مِنَ الأصحابِ، وُجوبَ التَّحْلِيفِ، قال: ولا أعْلَمُه عن أحمدَ نصًّا ولا إيماءٌ.
انتهى.
والمذهبُ عندَ أكثرِ الأصحابِ المُتأَخِّرِين، ما قاله المُصَنِّفُ وغيرُه.
وتقدَّم التَّنْبِيهُ على بعضِه قريبًا.
قوله: وإنْ قال: لم تُودِعْنِي.
ثم أقَرَّ بها، أو ثَبَتَتْ ببَيِّنَةٍ فادَّعَى الرَّدَّ، أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ، وإنْ أقامَ بذلك بَيِّنةً.
نصَّ عليه.
مُرادُه، إذا ادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ قبلَ جُحُودِه؛ بأنْ يدَّعِيَ عليه الوَدِيعَةَ يومَ الجُمُعَةِ فيُنْكِرَها، ثم يُقِرَّ، أو تقُومَ بَيِّنةٌ بها، فيقِيمَ بَيِّنةً بأنَّها تلِفتْ، أو ردِّها يومَ الخمِيسِ، أو قبله مثَلًا، فالمذهبُ في هذا، كما قال المُصَنِّفُ، مِن أنَّه لا يُقْبَلُ قوْلُه ولا بَيِّنتُه.
نصَّ عليه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه، وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما.
ويحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ بَيِّنتُه.
قال الحارِثِيُّ: وهو المنْصُوصُ مِن روايةِ أبِي طَالِبٍ، وهو الحقُّ.
وقال: هذا
الجزء: 16 - الصفحة: 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبُ عندِي.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وأما إنِ ادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ بعدَ جُحُودِه بها؛ بأنْ يدَّعِيَ عليه يومَ الجُمُعَةِ فيُنْكِرَ ثم يُقرَّ، أو تقومَ البَيِّنةُ بها، فيُقِيمَ بَيِّنتَه بتَلَفِها أو رَدِّها يومَ السَّبْتِ، أو بعدَه مثلًا، فهذا تُقْبَلُ فيه البَيِّنةُ بالرَّدِّ، قوْلًا واحدًا.
وتُقْبَلُ في التَّلَفِ على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ».
قال في «الفُروعِ»: والأصحُّ، وتُسْمَعُ بتَلَفٍ.
وقيل: لا تُقْبَلُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وأبِي الخَطَّابِ، والسَّامَرِّيِّ، وصاحِبِ «التَّلْخيصِ»، وجماعَةٍ؛ لأنَّهم أطْلَقوا.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو شَهِدَتْ بَيِّنةٌ بالتَّلَفِ أو الردِّ، ولم تُعَيِّنْ؛ هل ذلك قبلَ جُحُودِه أو بعدَه؟ واحْتَملَ الأمْرَين، لم يَسْقُطِ الضَّمانُ.
قلتُ: ويَحْتَمِلُ السُّقوطَ؛ لأنه الأصْلُ.
الثَّانيةُ، لو قال: لك وَدِيعَةٌ.
ثم ادَّعى ظنَّ بَقائِها، ثم عَلِمَ تلَفَها، أو ادَّعَى الرَّدَّ إلى رَبِّها، فأنْكَرَه ورَثتُه، فهل يُقْبَلُ قوْلُه؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، وأطْلَقَهما في الأولَى في «الرِّعايةِ الكُبْرَى»؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ قَوْلُه في المسْأَلةِ الأُولَى.
قدَّمه في «المُغْنِي»، عندَ قوْلِ الخِرَقِيِّ: وإذا
الجزء: 16 - الصفحة: 56
وَإنْ قَال: مَالكَ عِنْدِى شَيْءٌ.
قُبِلَ قَوْلُهُ في الرَّدِّ والتَّلَفِ.
قال: عندِي عشَرَةُ دَراهِمَ.
ثم قال: وَدِيعَةً.
وقدَّمه الشَّارِحُ في بابِ ما إذا وصَلَ بإقْرارِه ما يُغَيِّرُه.
وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ رَزِين في «شَرْحِه».
وقال القاضي: يُقْبَلُ قوْلُه؛ لأنَّ أحمدَ قال، في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا قال: لك عندِي وَدِيعَةٌ دَفَعْتُها إليك.
صُدِّقَ.
انتهى.
قلتُ: وهذا الصَّوابُ.
وأمَّا إذا ادَّعَى الرَّدَّ إلى رَبِّها، وأنْكَرَه ورَثَتُه، فالصَّحيحُ أنَّه يُقْبَلُ قوْلُه، كما لو كان حَيًّا.
ثم وَجَدْتُه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» قطَع بأنَّه لا يُقْبَلُ قولُه إلا ببَيِّنةٍ.
قوله: وإنْ قال: ما لك عندِي شيءٌ.
قُبِلَ قولُه في الرَّدِّ والتَّلَفِ.
بلا نِزاعٍ
الجزء: 16 - الصفحة: 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكِنْ إنْ وقَع التَّلَفُ بعدَ الجُحودِ، وجَبَ الضَّمانُ؛ لاسْتِقْرارِ حُكْمِه بالجُحودِ، فيُشْبِهُ الغاصِبَ.
ذكَرَه الشَّارِحُ، واقْتَصرَ عليه الحارِثيُّ، وقال: والإطلاقُ هنا محْمولٌ عليه.
وقال الزَّرْكَشيُّ: يُقْبَلُ قوْلُه في الرَّدِّ والتَّلَفِ.
ولا فَرْقَ بينَ قبلَ الجُحودِ وبعدَه، على ظاهِرِ إطْلاقِ جماعةٍ.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: وقد
الجزء: 16 - الصفحة: 58
وَإِنْ مَاتَ الْمُودَعُ، وَادَّعَى وَارِثُهُ الرَّدَّ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنةٍ.
وَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ.
قَبْلَ إِمْكَانِ رَدِّهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا، وَبَعْدَهُ يَضْمَنُهَا، في أحَدِ الْوَجْهَينِ.
قيل: إنْ شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بالتَّلَفِ بعدَ الجُحودِ، فعليه الضَّمانُ، وإِنْ شَهِدَتْ بالتَّلَفِ قبلَه، فلا ضَمانَ.
قوله: فإنْ ماتَ المُودَعُ فادَّعَى وارِثُه الرَّدَّ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنةٍ.
بلا نِزاعٍ.
وكذا حُكْمُ دَعْوَى المُلْتَقِطِ، ومَن أطارَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثَوْبًا، الرَّدُّ إلى المالِكِ.
قال في «القَواعِدِ»: ويتَوَجَّهُ قبولُ دَعْواه في حالةٍ لا يضْمَنُ فيها بالتَّلفِ؛ لأنَّه مُؤْتَمَنٌ شَرعًا في هنه الحالةِ.
ولو ادَّعَى الوارِثُ أن مُوَرِّثَه.
ردَّها، لم يُقْبَلْ أيضًا إلَّا ببَيِّنةٍ عندَ الأصحابِ.
قال الحارِثِيُّ: وقد يتَخَرَّجُ لنا قولٌ بالقَبُولِ مِن أحَدِ الوَجْهَين، فيما إذا كان عندَه وَدِيعَة في حَياتِه، لم تُوجَدْ بعَينِها، ولا يُعْلَمُ بقاؤُها؛ لأنَّ الأصْلَ عدَمُ الحُصولِ في يَدِ الوارِثِ، وكذلك ما لو ادَّعَى التَّلَفَ في يَدِ مُوَرِّثه.
انتهى.
قال في «القاعِدَةِ الرَّابعَةِ والأرْبَعِين»: ولا حاجَةَ إلى التَّخْرِيجِ إِذَنْ؛ لأنَّ الضَّمانَ على هذا الوَجْهِ مُنْتَفٍ؛ سواءٌ ادَّعَى الوارِثُ الرَّدَّ أو التَّلَفَ، [أو لم يَدَّعِ شيئًا] 110.
قوله: وانْ تَلِفَتْ عندَ الوارِثِ قبلَ إمْكانِ رَدَّها، لم يَضْمَنْها -بلا نِزاعٍ-
الجزء: 16 - الصفحة: 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبعدَه يَضْمَنُها، في أحدِ الوَجْهَين.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «التصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
قال في «القاعِدَةِ الثَّالثَةِ والأرْبَعِين»: والمَشْهورُ الضَّمانُ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِي»، و «الوَجيزِ» وغيرِهم.
وقدَّمه في «التَّلْخيصِ»، وقال: ذكَرَه أكثرُ الأصحابِ.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
والوَجْهُ الثَّاني، لا يَضْمَنُها.
قال الحارِثِيُّ: وهذا لا أعْلَمُ أحدًا ذكَرَه إلَّا المُصَنِّفَ.
قلتُ: قد أشارَ إليه في «التَّلْخيصِ» وغيرِه.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَىْ».
وقيل: يَضْمَنُها، إنْ لم يعْلَمْ بها صاحِبُها.
جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس».
قال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»: وهو أوْلَى.
وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
فائدة: إذا حصَل في يَدِه أمانَةٌ بدُونِ رِضَا صاحبِها، وجَبَتِ المُبادَرَةُ إلى رَدِّها، مع العِلْمِ بصاحبِها والتَّمَكُّنِ منه، ودخَلَ في ذلك اللُّقَطَةُ.
وكذا الوَدِيعَةُ، والمُضارَبَةُ، والرَّهْنُ، ونحوُها، إذا ماتَ المُؤْتَمَنُ وانْتَقَلَتْ إلى وارِثِه.
وكذا لو أطارَتِ الرِّيحُ ثَوْبًا إلى دارِه لغيرِه.
ثم إنَّ كثيرًا مِنَ الأصحابِ قالُوا هنا: الواجِبُ الرَّدُّ.
وصرَّح كثيرٌ منهم بأنَّ الواجِبَ أحدُ شَيئَين؛ إمَّا الرَّدُّ، أو الإعْلامُ، كما في «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، وذكَر نحوَه
الجزء: 16 - الصفحة: 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنُ عَقِيلٍ، وهو مُرادُ غيرِهم.
ثم إنَّ الثَّوْبَ؛ هل يحْصُلُ في يَدِه؛ لسُقُوطِه في دارِه مِن غيرِ إمْساكٍ له أمْ لا؟ قال القاضي: لا يحْصُلُ في يَدِه بذلك.
وخالفَ ابنُ عَقِيلٍ.
والخِلافُ هنا مُنَزَّلٌ على الخِلافِ فيما حصَل في أرْضِه مِنَ المُباحاتِ؛ هل يَمْلِكُها بذلك أمْ لا؟ على ما تقدَّم في كتابِ البَيعِ.
وكذا حُكْمُ الأماناتِ إذا فسَخَها المالِكُ؛ كالوَدِيعَةِ، والوَكالةِ، والشَّرِكَةِ، والمُضارَبَةِ، يجِبُ الردُّ على الفَوْرِ لزَوالِ الائْتِمانِ.
صرَّح به القاضي في «خِلافِه».
وسواءٌ كان الفَسْخُ في حَضْرَةِ الأمينِ، أو غَيبَتِه.
وظاهِرُ كلامِه، أنَّه يجِبُ فِعْلُ الرَّدِّ.
وعلى قِياسِ ذلك، الرَّهْنُ بعدَ اسْتِيفاءِ الدَّينِ، والعَينُ المُؤْجَرَةُ بعدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ.
وذكَر طائفةٌ مِنَ الأصحابِ في العَينِ المُؤْجَرَةِ، لا يجِبُ على المُسْتَأْجِرِ فِعْلُ الرَّدِّ، ومنهم مَن ذكَر في الرَّهْنِ كذلك.
ذكَر مَعْنَى ذلك في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والأرْبَعِين».
وأمَّا إذا ماتَ المُودَعُ، ولم يُبَيِّنِ الوَدِيعَةَ، ولم تُعْلَمْ، فهي دَينٌ في تَرِكَتِه.
تقدَّم ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ، في أواخِرِ المُضارَبَةِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة جليلة: تَثْبُتُ الوَدِيعَةُ بإقْرارِ المَيِّتِ، أو ورَثَتِه، أو بَيِّنتِه.
وإنْ وجَدَ خطِّ مَوْرُوثِه: لفُلانٍ عندِي وَدِيعَةٌ.
أو على كِيسٍ: هذا لفُلانٍ.
عَمِلَ به وُجُوبًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: ويُعْمَلُ به على الأصحِّ.
قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ.
نصَّ عليه مِن رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ إبْراهِيمَ، في الوَصِيَّةِ، ونصَرَه، وردَّ غيرَه.
وقال: قاله القاضي أبو الحُسَينِ، وأبو الحَسَنِ بنُ بَكْروسٍ.
وقدَّمه في «المُستَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ».
وهو الذي ذكَرَه القاضي في «الخِلافِ».
وقيل: لا يُعْمَلُ به، ويكونُ تَرِكَةً.
اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابن عَقِيل، والمُصَنِّفُ.
وقدَّمه الشارِحُ، ونصَرَه، وجزَم به
الجزء: 16 - الصفحة: 62
وَإذَا ادَّعَى الْوَدِيِعَةَ اثْنَانِ، فَأقَرَّ بِهَا لِأحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَحْلفُ الْمُودَعُ أيضًا.
في «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ».
وإنْ وجَد خطَّه بدَينٍ له على فُلانٍ، حلَفَ الوارِثُ، ودُفِعَ إليه.
قطَع به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «إعْلام المُوَقِّعِين».
وإنْ وجَد خطَّه بدَينٍ عليهم، فقيل: لا يُعْمَل به، [ويكونُ تَرِكًة مَقْسُومَةٌ.
اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وجزَم به في «الفُصولِ»، و «المُذْهَبِ»، وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ».
وقيل: يعْمَلُ به] (2)، ويُدْفَعُ إلى مَن هو مكْتُوبٌ باسْمِه.
قال القاضي أبو الحُسَينِ: المذهبُ وُجوبُ الدَّفْعِ إلى مَن هو مكْتُوبٌ باسْمِه.
أوْمَأ إليه، وجزَم به في «المُسْتَوْعِبِ».
وهو الذي ذكَرَه القاضي في «الخِلافِ»، [وهو ظاهِرُ ما قطَع به في «إعْلامِ المُوَقِّعِين»] 111. وقدَّمه في «التَّلْخيصِ».
وصحَّحه في «النَّظْمِ»، وهو المذهبُ عندَ الحارِثِيِّ؛ فإنَّه قال: والكتابَةُ بالدُّيونِ عليه كالكِتابةِ بالوَدِيعَةِ، كما قدَّمْنا.
حَكاه غيرُ واحدٍ؛ منهم السَّامَرِّيُّ، وصاحبُ «التَّلْخيصِ».
انتهى.
وقد تقدَّم كلامُه في المَسْأَلةِ الأُولَى.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ».
قوله: وإنِ ادَّعَى الوَدِيعَةَ اثْنان، فأقَرَّ بها لأحَدِهما، فهي له مع يَمِينِه.
بلا نِزاعٍ
الجزء: 16 - الصفحة: 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أعْلَمُه.
لكِنْ قال الحارِثِيُّ: وهذا اللَّفْظُ ليس على ظاهِرِه؛ مِن جِهَةِ أنَّه مُشْعِرٌ بأنَّ كمال الاسْتِحْقاقِ يتَوَقَّفُ على اليَمِينِ، وهي إنَّما تُفِيدُ الاسْتِحْقاقَ حال ردِّها على المُدَّعِي عندَ مَن قال به، أو حال تعَذُّرِ كمالِ البَيِّنةِ.
وما نحنُ فيه ليس واحدًا مِنَ الأمْرَين.
لا يُقالُ: المُودَعُ شاهدٌ.
إذْ لو كان كذلك، لاعْتُبِرَ له العَدالةُ، وصِيغَةُ الشَّهادَةِ، والأمْرُ بخِلافِه، فتعَيَّنَ تأْويلُه على حَلِفِه للمُدَّعِي.
انتهى.
قوله: ويحْلِفُ المُودَعُ -بفَتْحِ الدَّالِ أيضًا- للمُدَّعِي الآخَرِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به هنا في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي»، و «الرِّعايَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
قال في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»: حلَف في الأصح.
ذكَراه في بابِ الدَّعاوَى.
وقيل: لا يلْزَمُه يَمِينٌ.
فعلى المذهبِ، إنْ نكَل، فعليه البدَلُ للثَّاني، بلا نِزاعٍ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو تبَيَّنَ للمُقِرِّ بعدَ الاقْتِرِاعِ أنَّها للمَقْروعِ، فقال الإمامُ أحمدُ: قد مضَى الحُكْمُ.
أي، لا تُنْزَعُ مِنَ القارِعِ، وعليه القِيمَةُ للمَقْروعِ.
الثَّانيةُ، لو دفَع الوَديعَةَ إلى مَن يظُنُّه صاحِبَها، ثم تبَيَنَ خطَؤُه، ضَمِنَها لتَفْريطِه.
صرَّح به القاضي.
وخرج في «القَواعِدِ» وَجْهًا بعدَمِ الضَّمانِ عليه، وإنَّما هو على المُتْلِفِ وحدَه.
الجزء: 16 - الصفحة: 64
وَإِنْ أَقَرَّ بهَا لَهُمَا، فَهِيَ لَهُمَا، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ قَال: لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا.
حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَيُقْرَعُ بَينَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا.
قوله: وإنْ أقَرَّ بها لهما، فهي لهما، ويَحْلِفُ لكُلِّ واحِدٍ منهما.
بلا نِزاعٍ أعْلَمُه.
فإنْ نكَل، فعليه بذْلُ نِصْفِها لكُلِّ واحدٍ مهما، ويلْزَمُ كل واحدٍ منهما الحَلِفُ لصاحبِه، كما تقدَّم.
ولم يذْكُرْه المُصَنِّفُ، وكأنَّه اكْتَفَى بالأوَّلِ.
قوله: فإنْ قال: لا أعْرِف صاحِبَها.
حلف أنه لا يَعْلمُ.
يعْني، يمينًا واحدةً.
الجزء: 16 - الصفحة: 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا أقَرَّ بها لأحَدِهما، وقال: لا أعْرِفُ عينَه.
فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يُصَدِّقاه، أوْ لا؛ فإنْ صدَّقاه، فلا يَمِينَ عليه؛ إذْ لا اخْتِلافَ، وعليه التَّسْلِيمُ لأحَدِهما بالقُرعَةِ مع يَمِينِه.
[ذكَرَه في «التَّلْخيصِ»، واقْتَصرَ عليه الحارِثِيُّ، وقال: هو المذهبُ، وفي نصُوصِ أحمدَ ما يقْتَضِيه.
وإنْ لم يُصَدِّقاه، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يُكَذِّباه، أو يسْكُتا؛ فإنْ سكَتا، قُبِلَ قوْلُه بغيرِ يَمِينٍ] 112. ذكَرَه غيرُ واحدٍ؛ منهم أبو الخَطَّابِ، وأبو الحُسَينِ، والشرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، واقْتَصَرَ عليه الحارِثِيُّ.
وذكَر عنِ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهًا آخَرَ، وعلَّلَه.
قال الحارِثِي: وهذا بمُجَرَّدِه حقٌّ، إنْ لم يَقُمْ دليلٌ على اعْتِبارِ صَريحِ الدَّعْوَى لوُجوبِ اليَمِينِ.
انتهى.
ثم قال القاضي وغيرُه: يُقْرَعُ بينَ المُتَداعِيَين، فمَن أصابَتْه القُرْعَةُ، حلَف أنَّها له، وأُعْطِيَ.
وإنْ كذَّباه، حلَف أنَّه لا يَعْلَمُ، كما قال المُصَنِّفُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو قولُ القاضي، ومَن بعدَه مِنَ الأصحابِ.
وتقدَّم أن المذهبَ لا يَمِينَ على مُدَّعِي التَّلَفِ ومُنْكِرِ الخِيانَةِ والتَّفْرِيطِ، ونحوه، إلَّا أنْ يكونَ مُتَّهَمًا.
وهذا كذلك، فلا يَمِينَ على المذهبِ؛ نظَرًا إلى أنَّ المالِكَ ائْتَمَنَه.
وعلى القولِ بالحَلِفِ، يحْلِفُ يمينًا واحدةً.
على الصَّحيحِ
الجزء: 16 - الصفحة: 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وقال الحارِثِيُّ، خِلافًا لأبِي حَنيفَةَ: لتَغايُرِ الحَقَّين، كما في إنْكارِ أصْلِ الإيداعِ.
قال: وهذا قَويٌّ.
انتهى.
وإذا تحَرَّرَ هذا، فيُقْرَعُ بينَهما، فمَن قرَع صاحِبَه، حلَف وأخَذ.
كما قال المُصَنِّفُ، ونصَّ عليه في أصْلِ المَسْأَلةِ مِن وُجوهٍ كثيرةٍ.
وإنْ نكَل المُودَعُ عنِ اليَمين،، فقال في «المُجَردِ»: يُقْضَى عليه بالنُّكولِ، فيُلْزِمُه الحاكمُ بالإقْرارِ لأحَدِهما، فإنْ أُبى، فقِياسُ المذهبِ، يُقْرَعُ بينَهما.
ولم يَذْكُرْ غُرْمًا.
وقال في «التَّلْخيصِ»: يقوَى عندِي أنَّ مِن جُمْلَةِ القَضايا لنُكولِ غُرْمِ القِيمَةِ، فيَغْرَمُ القِيمَةَ.
قال الحارِثِيُّ: وكذا قال غيرُه.
وجزَم به في «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِي».
فعلى هذا، يُؤْخَذُ بالقِيمَةِ مع العَينِ، فيَقْتَرِعان عليهما 113 أو يتَّفِقان.
هذه طَريقَةُ صاحبِ «المُحَرَّرِ»، [وجماعةٍ، وقدَّمها الحارِثِيُّ، وقال: وفي كلامِ غيرِ صاحبِ «المُحَررِ»] 114 ما يقْتَضِي الاقْتِراع على العَينِ، فمَن أخَذَها بالقِيمَةِ، تعَيَّنتِ القِيمَةُ للآخَرِ.
قال: وهو أوْلَى؛ لأنَّ كلًّا منهما يسْتَحِق ما يدَّعِيه في هذه الحالةِ، أو بدَلَه عندَ التَّعَذُّرِ، والتَّعَذُّرُ لا يتَحَققُ بدونِ الأخْذِ، فتَعَيَّنَ الاقْتِراعُ.
انتهى.
قال في «التَّلْخيصِ»: وكذلك إذا قال: أعْلَمُ المُسْتَحِقَّ، ولا أحْلِفُ.
ويأْتِي الكلامُ بأَتمَّ مِن هذا، في بابِ الدَّعاوَى والبَيِّناتِ، في القِسْمِ الثَّالثِ، إنْ شاءَ الله تعالى.
فائدة: إذا قامَتِ البَيِّنةُ بالعَينِ لأخْذِ القِيمَةِ، سُلِّمَتْ إليه، ورُدَّتِ القِيمَةُ إلى المُودَعِ، ولا شيءَ للقارِعِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 67
وَإِنْ أوْدَعَهُ اثْنَانِ مَكِيلًا أوْ مَوْزُونًا، فَطَلَبَ أحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، سَلَّمَهُ إلَيهِ.
وَإنْ غُصِبَتِ الْوَدِيعَةُ، فَهَلْ لِلْمُودِعِ الْمُطَالبَةُ بِهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
قوله: وإنْ أوْدَعَه اثْنان مَكِيلًا، أو مَوْزُونًا، فطلَب أحَدُهما نَصِيبَه، سَلَّمَه إليه.
مُرادُه، إذا كان ينْقَسِمُ.
وهو معْنَى قولِ بعضِ الأصحابِ: لا ينْقُصُ بتَفَرُّقِه.
وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهم.
وقيل: لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ إلَّا بإذْنِ شَرِيكِه أو الحاكِمِ.
اخْتارَه القاضي، والنَّاظِمُ.
وكذا الحُكْمُ لو كان الشَّرِيكُ حاضِرًا، وامْتنَعَ مِنَ المُطالبَةِ بنَصِيبِه، والإِذْنِ في التَّسْليمِ إلى صاحبِه.
قوله: وإنْ غُصبَتِ الوَدِيعَةُ، فهل للمُودِعِ المُطالبَةُ بها؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «المُذهَبِ»، و «المُغنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؛ أحدُهما، له المُطالبَةُ بها.
وهو المذهبُ.
اخْتارَه أبو
الجزء: 16 - الصفحة: 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخَطَّابِ في «الهِدايةِ».
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين».
والوَجْهُ الثَّاني، ليس له ذلك.
اخْتارَه القاضي.
وصحَّحه في «البُلْغةِ».
وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «التَّلْخيصِ».
ومال إليه الحارِثِيُّ.
فوائد؛ إِحْداها، حُكْمُ المُضارِبِ، والمُرْتَهِنْ، والمسْتَأْجِرِ في المُطالبَةِ، إذا غُصِبَ منهم ما بأيدِيهم، حُكْمُ المُودَعِ.
قالهَ أكثرُ الأصحابِ، وقدَّم في «الخُلاصَةِ» أنَّه ليس له بالمُطالبَةِ في «الوَديعَةِ».
وجزَم بالجَوازِ في المُرْتَهِنِ، والمُسْتَأْجِرِ.
ومال إليه الحارِثِيُّ.
وقال المُصَنِّفُ في المُضارِبِ: لا يلْزَمُه المُطالبَةُ مع حُضورِ رَبِّ المالِ.
الثَّانيةُ، لو أُكْرِهَ على دفْعِ الوَدِيعَةِ لغيرِ رَبِّها، لم يَضْمَنْ.
قَاله الأصحابُ.
ذكَره الحارِثِيُّ.
قلتُ: منهم القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ»، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، والشَّارِحُ، وغيرُهم.
قال المَجْدُ في «شَرْحِه»: المذهبُ لا يضْمَنُ.
انتهى.
وفي «الفَتاوَى الرَّجَبِيَّاتِ»، عن أبِي الخَطَّابِ، وابنِ عَقِيلٍ، الضَّمانُ مُطْلَقًا؛ لأنَّه افْتَدَى به ضَرَرَه 115. وعنِ ابنِ الزَّاغُونِيِّ، إنْ أُكْرِهَ على
الجزء: 16 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التسْلِيمِ بالتَّهْديدِ والوَعيدِ، فعليه الضَّمانُ، ولا إثْمَ، وإنْ ناله العَذابُ، فلا إثْمَ، ولا ضَمانَ.
[ذكَرَه في «القاعِدَةِ السَّابعَةِ والعِشْرِين بعدَ المائةِ».
وإنْ صادَرَه السُّلْطانُ، لم يَضْمَنْ، على الصحيحِ مِنَ المذهبِ] 116. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال أبو الوَفاءِ: يَضْمَن، إنْ فرَّط.
وإنْ أخَذَها منه قَهْرًا، لم يَضْمَنْ عندَ أبِي الخَطَّابِ.
وقطَع به في «التَّلْخيصِ»، و «الفائقِ».
وعندَ أبِي الوَفاءِ، إنْ ظنَّ أخْذَها منه بإقْرارِه، كان دالًا، ويَضْمَنُ.
وقال القاضي في «الخِلافِ»، وأبو الخَطَّاب في «الانْتِصارِ»: يَضْمَنُ المال بالدَّلالةِ.
وهو المُودَعُ.
وفي «فَتاوَى ابنِ الزَّاغُونِيِّ»، مَن صادرَه سُلْطانٌ، ونادَى بتَهْديدِ مَن عندَه وَدِيعَةٌ، فلم يحْمِلْها، إنْ لم يُعَيِّنْه، أو عيَّنه وتهَدَّدَه، ولم ينَلْه، أثِمَ وضَمِنَ، وإلَّا فلا.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: وإذا قيلَ: التوَعُّدُ ليس إكْراهًا.
فتوَعَّدَه السُّلْطانُ حتى سلَّمَ، فجوابُ أبِي الخَطَّابِ، وابنِ عَقِيلٍ، وابنِ الزَّاغُونِيِّ، وُجوبُ الضَّمانِ، ولا إثْمَ.
وفيه بَحْث.
وإذا قيلَ: إنه إكْراهٌ.
فنادَى السُّلْطانُ، مَن لم يحْمِلْ وَدِيعَةَ فُلانٍ، عُمِل به كذا وكذا.
فحمَلَها مِن غيرِ مُطالبَةٍ، أثِمَ وضَمِنَ.
وبه أجابَ أبو الخطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ في «فَتاويهما».
وإنْ آلَ الأمْرُ إلى اليَمينِ، ولا بُدَّ، حلَف مُتأوِّلًا.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: له جَحْدُها.
فعلى المذهبِ، إنْ لم يحْلِفْ حتى أُخِذَتْ منه، وجَب الضَّمانُ؛ للتَّفْريطِ، وإِنْ حلَف ولم يتَأوَّلْ، أثِمَ.
وفي وُجوبِ الكفَّارَةِ رِوايَتان.
حَكاهما أبو الخَطَّابِ في «الفَتاوَى».
قلتُ: الصَّوابُ وُجوبُ الكفَّارَةِ مع إِمْكانِ التَّأْويلِ وقُدْرَته عليه، وعِلْمِه بذلك، ولم
الجزء: 16 - الصفحة: 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَفْعَلْه.
[ثم وجَدْتُه في «الفُروعِ»، في بابِ جامعِ الأيمانِ، قال: ويُكَفِّرُ على الأصحِّ] 117. وإنْ أُكْرِهَ على اليَمينِ بالطلاقِ؟ فأجابَ أبو الخَطَّابِ، بأنَّها لا تنْعَقِدُ، كما لو أُكْرِهَ على إيقاعِ الطَّلاقِ.
قال الحارِثِيُّ: وفيه بحثٌ، وحاصِلُه؛ إنْ كان الضَّرَرُ الحاصِلُ بالتَّغْريمِ كثيرًا يُوازِي الضَّرَرَ في صُوَرِ الإِكْراهِ، فهو إكْراهٌ لا يقَعُ، وإلَّا وقَع على المذهبِ.
انتهى.
[وعندَ ابنِ عَقِيل، لا يسْقُطُ لخَوفِه مِن وُقوعِ الطَّلاقِ، بل يَضْمَنُ بدَفْعِها افْتِداءً عن يَمِينِه.
وفي «فَتاوَى ابنِ الزَّغُوانِيِّ»، إنْ أَبى اليَمِينَ بالطَّلاقِ، أو غيرِه، فصارَ ذَرِيعَةً إلى أخْذِها، وكإقْرارِه طائِعًا، وهو تفْرِيطٌ عندَ سُلْطانٍ جائرٍ.
نقَلَه في «الفُروعِ»، في جامعِ الأيمانِ] (1). الثَّالثةُ، لو أخَّر ردَّ الوَدِيعَةِ بعدَ طَلَبِها بلا عُذْرٍ، ضَمِنَ، وبعُذْرٍ، لا يَضْمَنُ؛ كالخَوْفِ في الطرِيقِ، والعَجْزِ عنِ الحَمْلِ، وعنِ الوُصولِ إليها؛ لسَيلٍ أو نارٍ، ونحو ذلك.
وفي معْنَى ذلك؛ إتْمامُ المَكْتُوبةِ، وقَضاءُ الحاجَةِ، ومُلازمَة الغَريم يُخافُ فَوْتُه، ويُمْهَلُ لأكْلٍ، ونَوْمٍ، وهَضْمِ طَعامٍ، والمطَرِ الكثيرِ، والوَحْلِ الغزيرِ، أو لكَوْنِه في حمَّامٍ حتى يخْرُجَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
قال في «المُغْنِي» 118 وغيرِه: إنْ قال: أمْهِلُونِي حتى آكُلَ، فإنِّي جائعٌ.
أو: أنامَ، فإنِّي ناعِسٌ.
أو: ينْهَضِمَ الطعامُ عنِّي، فإنِّي مُمْتَلِئُ.
أُمْهِلَ بقَدْرِ ذلك.
قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيحُ.
وقال: والظَّاهِرُ مِن كلامِ غيرِ واحدٍ، منْعُ التَّأْخيرِ اعْتِبارًا بإمْكانِ الدَّفْعِ.
قلتُ: وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وقال في «التَّرْغيبِ»، و «التَّلْخيصِ»: إنْ أخَّرَ لكَوْنِه في حمَّامٍ، أو على طَعامٍ إلى قَضاءِ
الجزء: 16 - الصفحة: 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غرَضِه، ضَمِنَ، وإنْ لم يأْثَمْ، على وَجْهٍ.
واختاره الأزَجِيُّ، فقال: يجِبُ الرَّدُّ بحسَبِ العادَةِ، إلَّا أنْ يكونَ تأْخِيرُه لعُذْرٍ، ويكونَ سبَبًا للتَّلَفِ، فلم أرَ نصًّا.
ويقْوَى عندِي أنه يضْمَنُ؛ لأنَّ التَّأْخِيرَ إنَّما جازَ بشَرْطِ سلامَةِ العاقِبَةِ.
انتهى.
الرَّابعةُ، لو أمرَه بالرَّدِّ إلى وَكِيلِه فتمكَّنَ وأبَى، ضَمِنَ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، ولو لم يَطْلُبْها وَكِيلُه.
قاله في «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ».
وقيل: لا يَضْمَنُ إلَّا إذا طلَبَها وَكِيلُه، وأبَى الرَّدَّ.
وإذا دفَعَها إلى الوَكِيلِ، ولم يُشْهِدْ، ثم جحَد الوَكِيلُ، لم يَضْمَنْ بتَرْكِ الإِشْهادِ، [بخِلافِ الوَكِيلِ في قَضاءِ الدَّينِ، فإنَّه يَضْمَنُ بتَرْكِ الإشْهادِ] 119؛ لأنَّ شأْنَ الوَدِيعَةِ الإخْفاءُ.
قاله في «التَّلْخيصِ» وغيرِه.
وتقدَّم إذا ادَّعَى الإذْنَ في دفْعِها إلى إنْسانٍ، في كلامِ المُصَنِّفِ، وهناك ما يتعَلَّقُ بهذا.
الخامسةُ، لو أخَّرَ دفْعَ مالٍ أُمِرَ بدَفْعِه بلا عُذْرٍ، ضَمِنَ، كما تقدَّم نَظِيرُه في الوَدِيعَةِ.
وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقيل: لا يَضْمَنُ.
واخْتارَه أبو المَعالِي، بِناءً على اخْتِصاصِ الوُجوبِ بأمْرِ الشَّرْعِ.
قلتُ: الأمْرُ المُجَرَّدُ عنِ القَرينَةِ، هل يَقْتَضِي الوُجوبَ، أمْ لا؟ فيه خَمْسَةَ عَشَرَ قوْلًا للعُلَماءِ؛ مِن جُمْلَتِها، أنَّ أمْرَ الشَّارِعِ للوُجوبِ دُونَ غيرِه، كما اخْتارَه أبو المَعالِي.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنه للوُجوبِ مُطْلَقًا.
ذكَر الأَقْوال، ومَن قال بكُلِّ قوْلٍ في «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»، في «القاعِدَةِ الثالِثَةِ والأرْبَعِين».
السَّادِسَةُ، لو قال: خُذْ هذا وَدِيعَةً اليومَ لا غدًا، وبعدَه يعودُ وَدِيعَةً.
فقيل: لا تَصِحُّ الوَدِيعَةُ مِن أصْلِها.
وقيل: تصِحُّ في اليومِ الأوَّلِ دُونَ غيرِه.
وقيل: تصِحُّ في اليومِ الأوَّلِ،
الجزء: 16 - الصفحة: 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي بعدِ الغدِ.
قال القاضي في «التَّعْليقِ»: هي وَدِيعَةٌ على الدَّوامِ.
ذكَرَه عنه الحارثِيُّ.
وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ».
وإنْ أمَرَه برَدِّه في غَدٍ، وبعدَه يعُودُ وَدِيعَةً، تعَيَّنَ رَدُّه.
السَّابعةُ، لو قال له: كلَّما خُنْتَ، ثم عُدْتَ إلى الأمانةِ، فأنْتَ أمِينٌ.
صحّ؛ لصِحَّةِ تعْليقِ الإيداعِ على الشرْطِ، كالوَكالةِ.
صرَّح به القاضي.
قاله في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والأرْبَعِين».
الجزء: 16 - الصفحة: 73
بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
وَهِيَ الْأرْضُ الدَّاثِرَةُ الَّتِي لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا مُلِكَتْ.
بابُ إحْياءِ المَواتِ
قوله: وهي الأرْضُ الدَّاثِرَةُ التي لا يُعْلَمُ أنَّها مُلِكَتْ.
قال أهْلُ اللُّغَةِ: المَواتُ مِنَ الأرْضِ؛ هي التي لم تُسْتَخْرَجْ ولم تُعَمَّرْ.
قال الحارِثِيُّ: وظاهِرُ إيرادِ
الجزء: 16 - الصفحة: 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُصَنِّفِ، تعْرِيفُ المَواتِ بمَجْموعِ أمْرَين؛ الانْدِراسُ، وانْتِفاءُ العِلْمِ، تحْصِيلًا للمَعْنَى المُتَقَدِّمِ عن أهْلِ اللغَةِ؛ أنَّه الذي لم يُسْتَخْرَجْ، ولم يُعَمَّرْ.
وعليه نصَّ أحمدُ، وذكَرَه.
قال: ولو اقْتَصَر المُصَنِّفُ على ما قالُوا، لكانَ أوْلَى وأبْيَنَ، فإنَّ الدُّثورَ يقْتَضِي حُدوثَ العُطْلِ بعدَ أنْ لم يكُنْ؛ حيثُ قالوا: قَدُمَ ودرَسَ.
وذلك يسْتَلْزِمُ تقَدُّمَ عِمارَةٍ، وهو مُنافٍ لانْتِفاءِ العِلْمِ بالمِلْكِ.
قال: ويَحْتَمِلُ أنْ يُريدَ بالدَّاثِرَةِ، التي لم تُسْتَخْرَجْ، ولم تُعَمَّرْ.
وهو الأظْهَرُ مِن إيرادِه؛ لقَوْلِه بعدَه: فإنْ كان فيها آثارُ المِلْكِ.
فعلى هذا يكونُ وَصْفُ انْتِفاءِ العِلْمِ بالمِلْكِ تعْرِيفًا لِما يُمْلَكُ بالإحْياءِ مِنَ المَواتِ، لا لماهِيَّةِ المواتِ.
وذلك حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ.
ثم ما يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، لا يكْفِي فيه ما قال، فإنَّ حَرِيمَ العامِرِ، وما كان حِمًى أو مُصَلَّى، لا يُمْلَكُ، مع أنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ.
ويرِدُ أيضًا على ما قال، ما عُلِمَ مِلْكُه لغير
الجزء: 16 - الصفحة: 76
فَإنْ كَانَ فِيِهَا آثارُ الْمِلْكِ وَلَا يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
مَعْصُومٍ، فإنَّه جائزُ الإحْياءِ.
قال: والأضْبَطُ في هذا ما قيلَ: الأرْضُ المُنْفَكَّةُ عن الاخْتِصاصاتِ، ومِلْكِ المَعْصومِ.
فيَدْخُلُ كلُّ ما يُمْلَكُ بالإحْياءِ.
ويخرُجُ كلُّ ما لا يُمْلَكُ به.
انتهى.
قوله: فإنْ كان فيها آثارُ المِلْكِ، ولا يُعْلَمُ لها مالِكٌ، فعلى رِوايتَين.
إنْ كان المَواتُ لم يَجْرِ عليه مِلْكٌ لأحَدٍ، ولم يُوجَدْ فيه أثَرُ عِمارَةٍ، مُلِكَ بالإحْياءِ، بلا خِلافٍ، ونصَّ عليه مِرارًا.
وإنْ عُلِمَ له مالِكٌ بشِراءٍ أو عَطِيَّةٍ، والمالِكُ مَوْجودٌ، هو أو أحَدٌ مِن ورَثَتِه، لم يُمْلَكْ بالإحْياءِ، بلا خِلافٍ، بل هو إجْماعٌ.
حَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُه.
وإنْ كان قد مُلِكَ بالإحْياءِ، ثم تُرِكَ حتى دَثَر وعادَ مَواتًا، فهذا أيضًا لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ كذلك، إذا كان لمَعْصُومٍ.
وإنْ عُلِمَ مِلْكُه لمُعَيَّنٍ غيرِ مَعْصومٍ، فإذا أحْياه بدارِ الحَرْبِ وانْدَرَسَ، كان كمَواتٍ أصْلِيٍّ، يمْلِكُه المُسْلِمُ بالإِحْياءِ.
قاله في «المُحَرَّرِ».
وقدَّمه الحارِثِيُّ.
وقال القاضي، وابنُ
الجزء: 16 - الصفحة: 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقِيلٍ، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ: لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ.
قال الحارِثِيُّ: ويقْتَضِيه مُطْلَقُ نُصوصِه.
وإنْ كان لا يُعْلَمُ له مالِكٌ، فهو أرْبعَةُ أقْسام؛ أحدُها، ما أثَرُ المِلْكِ فيه غيرُ جاهِلِيٍّ كالقُرَى الخَرِبَةِ، التي ذهَبَتْ أنْهارُها، ودرَسَتْ آثارُها، وقد شَمِلَها كلامُ المُصنِّفِ، ففي مِلْكِها بالإحْياءِ رِوايَتان، وأطْلَقَهما الحارِثِيُّ وغيرُه؛ إحْداهما، لا تُمْلَكُ بالإحْياءِ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، تُمْلَكُ بالإحْياءِ.
وصحَّحه في «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «النَّظْم»، وأطْلَقُوا.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ التَّفْرِقَةُ بينَ دارِ الحَرْبِ والإسْلامِ، كما يَأْتِي قريبًا.
الجزء: 16 - الصفحة: 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: لفْظُ المُصَنِّفِ وغيرِه، يقْتَضِي تعْمِيمَ الخِلافِ في المُنْدَرِسِ بدارِ الإسْلامِ وبدارِ الحَرْبِ، وقد صرح به في كلٌّ منهما؛ القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي أبو الحُسَينِ، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، وغيرُهم.
قال الحارِثِيُّ: وبالجُمْلَةِ، فالصَّحيحُ المَنْعُ في دارِ الإسْلامِ.
وكذا قال الأصحابُ.
بخِلافِ دارِ الحَرْبِ، فإن الأصحَّ فيه الجَوازُ.
ولم يذْكُرِ ابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ» سِواه.
قال في «الرِّعايتَين»: وتُمْلَكُ بالإحْياءِ، على
الجزء: 16 - الصفحة: 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحِّ، قَريَةٌ خَرابٌ، لم يمْلِكْها معْصومٌ.
وإذا قيلَ بالمَنْعِ في دارِ الإسْلامِ، كان للإِمامِ إقْطاعُه.
قاله الأصحابُ؛ القاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم.
القِسْمُ الثَّاني، ما أثَرُ المِلْكِ فيه جاهِلِيٌّ قديمٌ؛ كدِيارِ عادٍ، ومَسكِنِ ثَمودَ، وآثارِ الرُّومِ، وقد شَمِلَها أيضًا كلامُ المُصَنِّفِ، وكذا كلامُ القاضي، وابنِ عَقِيلٍ، وغيرِهم مِنَ الأصحابِ.
ولم يذْكُرِ القاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ» خلافًا في جَوازِ إحْيائِه، وكذلك المُصَنِّفُ في «المُغنِي».
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وهي طريقة صاحِبِ «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما.
قال الحارِثِيُّ: وهو الحقُّ، والصَّحيحُ
الجزء: 16 - الصفحة: 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنَ المذهبِ؛ فإنَّ أحمدَ وأصحابَه لا يخْتَلِفُ قوْلُهم في البِئْرِ العادِيَةِ، وهو نصٌّ منه في خُصوصِ النَّوْعِ.
وصحَّح المِلْكَ فيه بالإحْياءِ صاحِبُ «التَّلْخيصِ»، و «الفائقِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «التَّصْحيح»، وغيرُهم.
القِسْمُ الثَّالثُ، ما لا أثرَ فيه، جاهِلِيٌّ قريبٌ، وقد شَمِلَه كلامُ المُصَنِّفِ، والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُمْلَكُ بالإحْياءِ.
قاله الحارِثِيُّ وغيرُه.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يُمْلَكُ.
القِسْمُ الرَّابعُ، ما ترَدد في جَرَيانِ المِلْكِ عليه، وفيه رِوايَتان، ذكَرَهما ابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، والسَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم.
وقالوا: الأصحُّ الجَوازُ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، عدَمُ الجَوازِ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو مَلَكَها مَن له حُرْمَةٌ، أو مَن يُشَكُّ فيه ولم يُعْلَمْ، لم يَمْلِكْ بالإحْياءِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأنَّها فَىْءٌ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو المَشْهورُ عنه، وهو مُقْتَضَى كلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ أبي بَكْرٍ، والقاضي، وعامَّةِ أصْحابِه؛ كالشَّرِيفِ، وأبي الخَطَّابِ، والشِّيرازِيِّ.
انتهى.
وصحَّحه في «التَّصْحيح» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، تُمْلَكُ بالإحْياءِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 81
وَمَنْ أحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ، مُسْلِمًا كَانَ أو كَافِرًا، في دَارِ الإسْلَامِ وَغَيرِهَا.
قال في «الفائقِ»: ملَكَ في أظْهَرِ الرِّواياتِ.
وعنه، تُمْلَكُ مع الشَّكِّ في سابقِ العِصْمَةِ.
اخْتارَه جماعَةٌ.
قاله في «الفُروعِ»، منهم؛ صاحِبُ «التَّلْخيصِ».
وأطْلَقهُنَّ في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «النَّظْمِ».
الثَّانيةُ، لو عُلِم مالِكُها، ولكِنه ماتَ ولم يُعْقِبْ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّها لا تُمْلَكُ بالإِحْياءِ.
[وعنه، تُمْلَكُ بالإِحْياءِ] 120. وأطلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ».
فعلى المذهبِ، للإِمامِ إقْطاعُه مَن شاءَ.
قوله: ومَن أحْيا أرْضًا مَيتَةً، فهي له، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا، بإذْنِ الإمام أو غيرِ إذْنِه، في دارِ الإِسْلامِ وغيرِها، إلَّا ما أحْياه مُسْلِمٌ في أرْضِ الكُفارِ التي صُولِحُوا عليها، وما قَرُبَ مِنَ العامِرِ، وتَعَلَّقَ بمَصالِحِه، لم يُمْلَكْ بالإحْياء.
ذكَر المُصَنِّفُ هنا مَسائلَ؛ إحْداها، ما أحْياه المُسْلِمُ مِنَ الأرْضِ المَيتَةِ، فلا خِلافَ في أنَّه يَمْلِكُه
الجزء: 16 - الصفحة: 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بشُروطِه الآتيةِ.
الثَّانيةُ، ما أحْياه الكُفَّارُ، وهم صِنْفان؛ صِنْفٌ أهْلُ ذِمَّةٍ، فيَمْلِكُون ما أحْيَوْه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وصحَّحَه في «الخُلاصَةِ» وغيرِها.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هو المَنْصوصُ، وعليه الجُمهورُ.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْح الحَارِثِيِّ»، وغيرِهم.
وقيل: لا يَمْلِكُه.
وهو ظاهِرُ قولِ ابنِ حامِدٍ، لكِنْ حَمل أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»، ومَن تَبِعَه، ذلك على دارِ الإسْلام.
قال الحارِثِيُّ: وذهَب فريقٌ مِنَ الأصحابِ إلى المَنْعِ، منهم ابنُ حامِدٍ، [أَخْذًا مِنِ امْتِناعِ شُفْعَتِه على المُسْلِمِ، ورُدَّ، وفرَّقَ الأصحابُ بينَهما.
وقيل: لا يمْلِكُه بالإحْياءِ في دارِ الإسْلامِ.
قال القاضي: هو مذهبُ جماعَةٍ مِنَ الأصحابِ، منهم ابنُ حامِدٍ] 121. قال في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»: يَمْلِكُه الذِّمِّيُّ في دارِ الشِّرْكِ، وفي دارِ الإسْلامِ وَجْهان.
فعلى المذهبِ المنْصوصِ، إنْ أحْيا عَنْوةً، لَزِمَه عنه الخَراجُ، وإنْ أحْيا غيرَه، فلا شيءَ عليه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا
الجزء: 16 - الصفحة: 83
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أشْهَرُ الرِّوايتَين.
وعنه، عليه عُشْرُ ثَمَرِه وزَرْعِه.
والصِّنْفُ الثَّاني، أهْلُ حَرْبٍ، فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّهم كأَهْلِ الذِّمَّةِ في ذلك.
وهو ظاهرُ كلامِ جماعَةٍ، مِنهم صاحِبُ «الوَجيزِ»، وهو أحدُ الوَجْهَين.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يَمْلِكُه بالإحْياءِ، وهو ظاهرُ كلامِه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، وغيرهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
قلتُ 122: ويُمْكِنُ حَمْلُ كلامِ مَن أطْلَقَ على أهْلِ الذِّمَّةِ، وأن الألِفَ واللَّامَ للعَهْدِ؛ لأنَّ الأحْكامَ جارِيَةٌ عليهم.
لكِنْ يرَدُ على ذلك، كَوْنُ المَسْأَلةِ ذاتَ خِلافٍ، فيكونُ الظَّاهِرُ مُوافِقًا لأحَدِ القَوْلَين.
ويَرُدُّه كَوْنُ المُصَنِّفِ لم يَحْكِ في كُتُبِه خِلافًا.
قال الحارِثِيُّ: والكافِرُ، على إطْلاقِه، صحيحٌ في أراضِي الكُفَّارِ؛ لعُمومِ الأدِلَّةِ.
وهذا
الجزء: 16 - الصفحة: 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّوابُ.
الثَّالثةُ، إنْ كان الإحْياءُ بإذْنِ الإمامِ، فلا خِلافَ أنَّه يَمْلِكُه بذلك، وإنْ كان بغيرِ إذْنِه، ملَكَه أيضًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
كما جزَم به المُصَنِّفُ هنا، فلا يُشْتَرطُ إذْنُه في ذلك، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: عليه الأصحابُ.
ونصَّ عليه، وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه، وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: لا يَمْلِكُه إلَّا بإذْنِه.
وهو وَجْهٌ في «المُبْهِجِ»، وروايَةً في «الإقْناعِ»، و «الواضِحِ».
الرَّابعةُ، ما أحْياه المُسْلِمُ مِن أرْضِ الكُفَّارِ التي صُولِحُوا عليها على أنَّها لهم، فهذه لا تُمْلَكُ بالإحْياءِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كما قطَع به المُصَنِّفُ هنا، وعليه الأصحابُ.
وفيه احْتِمالٌ، أنَّها تُمْلَكُ بالإحْياءِ كغيرِها.
الخامسةُ، ما قَرُبَ مِنَ العامِرِ، وتعَلَّقَ بمَصالحِه، كطُرُتِه وفِنائِه، ومَسِيلِ مائِه، ومَطْرَحِ قِمامَتِه، ومَلْقَى تُرابِه، وآلاتِه، ومَرْعاه، ومُحْتَطَبِه، وحَرِيمِ البِئْرِ والنَّهْرِ، ومُرْتَكضِ الخَيلِ، ومَدْفَنِ الأمْواتِ، ومُناخِ الإبلِ، ونحوها، فهذا لا يُمْلَكُ بالإحْياء.
وعليه الأصحابُ، ونصَّ عليه مِن روايةِ غيرِ واحدٍ، ولا يُقْطِعُه الإمامُ؛ لتعَلُّقِ حقِّه به.
وقيل: لمِلْكِه له.
تنبيه: ظاهِرُ قَوْلِ المُصَنِّفِ: في دارِ الإسْلامِ وغيرِها.
أنَّ مَواتَ أرْضِ العَنْوَةِ كغيرِه.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ.
جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ».
وقدَّمه في
الجزء: 16 - الصفحة: 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ» 123، و «الشرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
قال الحارِثِيُّ: وهو أَقْوَى.
وعنه، لا تُمْلَكُ بالإحْياءِ، لكِنْ تُقَرُّ بيَدِه بخَراجِه 124، كما لو أحْياه 125 ذِمِّيٌّ.
قال الحارِثِيُّ: وهو المذهبُ عندَ ابنِ أبِي مُوسى، وأبي الفَرَجِ الشِّيرازِيِّ.
قال أبو بَكْرٍ في «زادِ المُسافِرِ»: وبه أقولُ.
انتهى.
وعنه، إنْ أحْياه مُسْلِمٌ، فعليه عُشْرُ ثَمَرِه وزَرْعِه.
وعنه، على ذِمِّيٍّ أحْيَا غيرَ عَنْوَةٍ عُشْرُ ثَمَرهِ وزَرْعِه.
وقيل: لا مَواتَ في أرْضِ السَّوادِ.
وحمَلَه القاضي على عامِرِه.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وقيل: لا مَواتَ في عامِرِ السَّوادِ.
وقيل: ولا غامِرِه.
فائدة: هل يَمْلِكُ المُسْلِمُ مَواتَ الحَرَمِ وعَرَفاتٍ بإحْيائِه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ».
قلتُ: الأوْلَى أنَّه لا يَمْلِكُ ذلك بالإِحْياءِ، ثم وَجَدْتُ الحارِثِيَّ قال: هذا الحقُّ.
الجزء: 16 - الصفحة: 86
بإِذْنِ الإِمَام أوْ غَيرِ إذْنِهِ إلا مَا أحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أرْضِ الْكُفَّارِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيهَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 16 - الصفحة: 87
وَمَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ، لَمْ يُمْلَكْ بِالْإحْيَاءِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
قوله: وإنْ لم يتَعَلَّقْ بمَصالِحِه، فعلى رِوايتَين.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهم؛ إحْداهما، يَمْلِكُه بالإحْياءِ.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهب.
قال في «الكافِي»: هذا المذهبُ.
وصحَّحه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «النَّظْمِ»، و «التَّصْحيحِ»، و «الحارِثِيِّ»، وغيرِهم.
قال الزرْكَشِيُّ: هي أنَصُّهما وأشْهَرُهما عندَ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
والثانيةُ، لا يَمْلِكُه بإحْيائِه.
وقيل: يَمْلِكُه صاحِبُ العامِرِ دُونَ غيرِه.
فوائد؛ إحْداها، حُكْمُ إقْطاعِ ذلك حُكمُ إحْيائِه.
الثَّانيةُ، قال في «الفُروعِ»: لو اخْتَلفُوا في الطَّريقِ وَقْتَ الإحْياءِ، جُعِلَتْ سَبْعَةَ أذْرُعٍ للخَبَرِ،
الجزء: 16 - الصفحة: 89
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا تُغَيَّرُ بعدَ وَضْعِها، وإنْ زادَتْ على سَبْعَةِ أذْرُعٍ؛ لأنها للمُسْلِمين.
نصَّ عليه.
واخْتارَ ابنُ حامِدٍ 126 أنَّ الخَبَرَ ورَد في أرْبابِ مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ أرادُوا قِسْمَتَه، واخْتَلفُوا في قَدْرِ حاجَتِهم.
قلتُ: قال الجُوزَجانِيُّ في «المُتَرْجَمِ» عن قولِ الإمام أحمدَ: لا بَأْسَ ببِناءِ مَسْجِدٍ في طَرِيقٍ واسِع، إذا لم يَضُرَّ بالطَّريقِ: عَنَى الإمامُ أَحمدُ مِنَ الضَّرَرِ بالطَّريقِ ما وَقَّتَ النَّبيُّ، - صلى الله عليه وسلم -، مِنَ السَّبْعِ الأذْرُعِ.
قال في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثمانِين»: كذا قال.
قال: ومُرادُه أنَّه يجوزُ البناءُ إذا فضَلَ مِنَ الطَّريقِ سَبْعَةُ أذْرُعٍ.
والمَنْصوصُ عن أحمدَ، أنَّ قولَ النبيِّ، - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اخْتَلَفْتُم في الطَّرِيقِ، فَاجْعَلُوه سَبْعَةَ أذْرُعٍ» 127. في أرْض مَمْلوكَةٍ لقوم أرادُوا البِناءَ، وتَشاحُّوا في
الجزء: 16 - الصفحة: 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِقْدارِ ما يَتْرُكُونه منها للطَّريقِ.
وبذلك فَسَّرَه ابنُ بَطَّةَ، وأبو حَفْص العُكْبَرِيُّ، والأصحابُ، وأنْكَروا جَوازَ تَضْيِيقِ الطَّريقِ الواسِعِ إلى أنْ يَبْقَى سبْعَةَ أذْرُعٍ.
انتهى.
وقدَّم ما قدَّمه في «الفُروعِ»، في «التَّلْخيصِ» وغيرِه.
الثَّالثةُ، إذا نضَبَ
الجزء: 16 - الصفحة: 91
وَلَا تُمْلَكُ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ، كَالْمِلْحِ، وَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ، وَالْجَصِّ، بِالْإحْيَاءِ، وَلَيسَ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ.
الماءُ عن جَزيرَةٍ، فلها حُكمُ المَواتِ؛ لكُلِّ أحدٍ إحْياوها، بَعُدَتْ أو قَرُبَتْ.
ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، والشارِحُ، والحارِثِيُّ، وغيرُهم.
ونصَّ عليه.
قال الحارِثِيُّ: هذا مع عدَمِ الضَّرَرِ.
ونصَّ عليه.
انتهى.
الرَّابعةُ، ما غلَب الماءُ عليه مِنَ الأمْلاكِ واسْتَبْحَرَ، باقٍ على مِلْكِ مُلَّاكِه، لهم أخْذُه إذا نضَبَ عنه.
نصّ عليه.
قاله الحارِثِيُّ وغيرُه.
وقال في «الفُروعِ»: ولا يُمْلَكُ ما نضَبَ ماؤُه.
وفيه رِوايَةٌ.
تنبيهان؛ أحدُهما، مفْهومُ قولِه: ولا تُمْلَكُ المَعادِنُ الظَّاهِرَةُ؛ كالمِلْحِ، والقارِ، والنِّفْطِ، والكُحْلِ، والجَصِّ.
وكذلك الماءُ، والكِبْرِيتُ، والمُومْيا،
الجزء: 16 - الصفحة: 92
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والبِرامِ، والياقُوتِ، ومَقاطِعِ الطِّينِ، ونحوه.
أنَّ المَعادِن الباطِنَةَ تُمْلَكُ.
وهو وَجْهٌ واحْتِمالٌ للمُصَنِّفِ، وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ.
قال الحارِثِيُّ: ونصَّ عليه في رِوايَةِ حَرْبٍ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّها كالمَعادِنِ الظاهِرَةِ، فلا تُمْلَكُ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرُهم: هذا ظاهِرُ المذهبِ.
قال الحارِثِيُّ: قال الأصحابُ: لا يُمْلَكُ بذلك، ولا يجوزُ إقْطاعُه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
الجزء: 16 - الصفحة: 93
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: حُكْمُ المَعادِنِ الباطِنَةِ إذا كانتْ ظاهِرَةً، حُكْمُ المَعادِنِ الظَّاهِرَةِ الأصْلَ.
التَّنْبيهُ الثَّاني، مفْهومُ قوْلِه عن المَعادِنِ الظَّاهِرَةِ: وليس للإمامِ إقْطاعُه.
أن للإمامِ إقْطاعُ المَعادِنِ الباطِنَةِ.
وهو اخْتِيارُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ.
وذكَر الحارِثِيُّ أدِلَّةَ ذلك، وقال: هذا قاطِعٌ في الجَوازِ، فالقَوْلُ بخِلافِه باطِل.
وصححه المُصَنِّفُ
الجزء: 16 - الصفحة: 94
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرُه، وقد هَداهم اللهُ إلى الصَّوابِ.
انتهى.
قال في «الفائقِ»: ولا يجوزُ إقْطاعُ ما لا يُمْلَكُ مِنَ المَعادِنِ.
نصَّ عليه.
وقال الشَّيخُ: يجوزُ.
فظاهرُ عِبارَتِه، إدْخالُ الظَّاهِرَةِ والباطِنَةِ في اخْتِيارِ الشَّيخِ، والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه ليس للإِمامِ إقْطاعُه، كالمَعادِنِ الظَّاهِرَةِ.
قال المُصَنِّفُ، والشارِحُ: قاله أصحابُنا.
وكذا قال الحارِثِيُّ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهما.
تنبيه: مثَّلَ المُصَنِّفُ وجماعَةٌ، رَحِمَهم اللهُ، مِنَ المَعادِنِ الظَّاهِرَةِ بالمِلْحِ.
قال الحارِثِيُّ: وليس على ظاهرِه، فإنَّ منه ما يحْتاجُ إلى عمَلٍ وحَفْرٍ، وذلك مِن قَبيلِ الباطِنِ.
والصَّوابُ أنَّ المَائِيَّ منه مِنَ الظَّاهرِ، وكذا الظَّاهِرُ مِنَ الجَبَلِ، وما احْتاجَ إلى كَشْفٍ يسيرٍ.
وأمَّا المُحْتاجُ إلى العَمَلِ والحَفْرِ، فمِن قَبيلِ الباطِنِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 95
فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ إِذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا، مَلَكَهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ.
قوله: فإن كان بقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ إذا حصَل فيه الماءُ صار مِلْحًا، مُلِكَ بالإِحْياءِ.
هذا المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: والأصحُّ أنَّه يَمْلِكُه مُحْيِيه.
قال في «الرِّعايَةِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: مُلِكَ بالإِحْياءِ في أصحِّ الوَجْهَين.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقيل: لا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 96
وَإِذَا مَلَكَ الْمُحْيَا مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
قوله: وإذا مَلَك المُحْيَا، مَلَكَه بما فيه مِنَ المعادِنِ الباطِنَةِ، كمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
إذا ملَكَ الأرْضَ بالإِحْياءِ، ملَكَها بما ظهَر فيها مِنَ المَعادِنِ، ظاهِرًا كان أو باطِنًا.
قاله الأصحابُ؛ منهم القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، والشارِحُ، والحارِثِيُّ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم.
قال الحارِثِيُّ: وعِبارَةُ المُصَنِّفِ هنا لا تَفِي بذلك؛ فإنَّه اقْتَصَر في مَوْضِعِ الجامِدِ على لَفْظِ: الباطِنِ.
وهو عِبارَةُ القاضي في «المُجَرَّدِ»، فيَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ به ما قاله في «المُغْنِي» وغيرِه، وفي الإِيرادِ قَرِينةٌ تقْتَضِيه، وهو جَعْلُ الجارِي قِسْمًا للباطِنِ.
ويَحْتَمِلُ إرادَةَ الظَّاهِرِ دُونَ الباطِنِ ممَّا هو جامِدٌ لا يَدْخُلُ في المِلْكِ.
انتهى.
الجزء: 16 - الصفحة: 97
وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَينُ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٌ جَارٍ أَوْ كَلَأٌ أَوْ شَجَرٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
قوله: وإنْ ظهَر فيه عَينُ ماءٍ، أو مَعْدِنٌ جارٍ، أو كَلأٌ، أو شَجَرٌ، فهو أحَقُّ به، وهل يَمْلِكُه؟ على رِوايتَين.
إذا ظَهَر فيه عَينُ ماءٍ، فهو أحقُّ بها، وهل يَمْلِكُه؟ أطْلَقَ المُصَنِّفُ فيه رِوايتَين، وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»؛ إحْداهما، لا يمْلِكُ.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
صحَّحه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّصْحيحِ»، وغيرِهم.
[قال الحارِثِيُّ] 128: وهذه عندَ المُصَنِّفِ وكثيرٍ مِنَ الأصحابِ، أصحُّ.
قال في «الهِدايَةِ»: وعنه، في الماءِ والكَلَأ لا يُمْلَكُ.
وهو اخْتِيارُ عامَّةِ أصحابِنا.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يمْلِكُ.
قدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ».
واخْتارَه أبو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيزِ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الحقُّ.
قال في «القواعِدِ»: وأكثرُ النُّصوصِ تدُلُّ
الجزء: 16 - الصفحة: 98
وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيرِهِ.
على المِلْكِ وإذا ظهَر فيه مَعْدِنٌ جارٍ، فهو أحقُّ به، وهل يَمْلِكُ بذلك؟ فيه الرِّوايَتان.
قال الحارِثِيُّ: مَأْخُوذَتان مِن رِوايَتَيْ مِلْكِ الماءِ، ولهذا صحَّحُوا عدَمَ المِلْكِ هنا؛ لأنَّهم صحَّحُوه هناك.
انتهى.
وهذا المذهبُ، أعْنِي، عدَمَ مِلْكِه بذلك، وصحَّحه مَن صحَّحه في عدَمِ المِلْكِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهما.
وعنه، يَمْلِكُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيحُ.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم.
قال الحارِثِيُّ: وهذا المَنْصوصُ، فيكونُ المذهبَ.
وإنْ ظهَر كَلَأٌ أو شجَرٌ، فهو أحقُّ به، وهل يَمْلِكُه به؟ أطْلَقَ المُصَنِّفُ فيه رِوايتَين، وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»؛ إحْداهما، لا يَمْلِكُ.
وهو المذهبُ، نصَّ عليه في رِوايَةِ إسْحَاقَ ابنِ إبْراهِيمَ.
قال في «الهِدايَةِ»: عليه عامَّةُ أصحابِنا.
قال الحارِثِيُّ: وهذا أصحُّ عندَ الأصحابِ؛ منهم المُصَنِّفُ، والشارِحُ 129، قاله في البَيعِ، مِن كِتابِه الكَبِيرِ، ولم يُورِدْ أبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ سِواه.
وصحَّحه في «الشَّرْحِ»، و «التَّصْحيحِ»، وغيرِهما.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهما.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يَمْلِكُه.
قدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ».
قوله: وما فَضَل مِن مائِه، لَزِمَه بَذْلُه لبَهائمِ غيرِه.
هذا صحِيحٌ، لكِنْ بشَرْطِ أنْ لا تجِدَ البَهائِمُ ماءً مُباحًا، ولم يتَضَرَّرْ بذلك.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ واعْتَبرَ
الجزء: 16 - الصفحة: 99
وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ لِزَرْعِ غَيرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ»، وجماعَةٌ اتِّصاله بالمَرْعَى.
وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وأبى الخَطَّابِ، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهم، عدَمُ 130 اشْتِراطِ ذلك.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وهو المذهبُ.
وبذْلُ ما فضَلَ مِن مائِه لُزومًا مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
قوله: وهل يَلْزَمُه بَذْلُه لِزَرْعِ غيرِه؟ على رِوايتَين.
وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»؛ إحْداهما، يلْزَمُه.
وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: يَلْزَمُه على الأصحِّ، لكِنْ قال الإِمامُ أحمدُ: إلَّا أنْ
الجزء: 16 - الصفحة: 101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُؤْذِيَه بالدُّخولِ، أو له فيه ماءُ السَّماءِ، فيَخافَ عطَشًا، فلا بأْسَ أنْ يَمْنعَه.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
قال الحارِثِيُّ: هذا الصَّحيحُ، واخْتِيارُ أكثرِ الأصحابِ؛ منهم أبو الخطابِ، والقاضي أبو الحُسَينِ، والشِّيرازِيُّ، والشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَرٍ، والزَّيدِيُّ، وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
قال الإِمامُ أحمدُ: ليس له أنْ يمْنَعُ فضْلَ ماءٍ يمْنَعُ به الكَلَأَ؛ للخَبَرِ.
قال في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والتِّسْعِين»: هذا الصَّحيحُ.
والرِّوايهُّ الثَّانيةُ، لا يَلْزَمُه.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، والقاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، وابنُ عَقِيلٍ.
قال الحارِثِيُّ: ومال إليه المُصَنِّفُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ».
وقال في «الرَّوْضَةِ»: يُكْرَهُ مَنْعُه فَضْلَ مائِه ليُسْقَ به؛ للخَبَرِ.
فوائد؛ الأُولَى، حيثُ قُلْنا: لا يَلْزَمُه بذْلُه.
جازَ له بَيعُه بكَيلٍ، أو وَزْنٍ معْلُومٍ، ويحْرُمُ بَيعُه مُقَدَّرًا بمُدَّةٍ معْلومةٍ، خِلافًا لمالِكٍ.
ويحْرُمُ أيضًا بيعُه مُقَدَّرًا بالرِّيِّ، أو جِزافًا.
قاله القاضي وغيرُه، واقْتَصَرَ عليه في «الفروعِ».
قال
الجزء: 16 - الصفحة: 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القاضي: وإنْ باعَ آصُعًا مَعْلُومَةً مِن سائحٍ، جازَ، كماءِ عَينٍ؛ لأنَّه معْلومٌ، وإنْ باعَ كلَّ الماءِ، لم يَجُزْ؛ لاخْتِلاطِه بغيرِه.
الثَّانيةُ، إذا حفَر بِئْرًا بمَواتٍ للسَّابِلَةِ، فالناسُ مُشْتَرِكُون في مائِها، والحافِرُ كأحَدِهم في السَّقْي، والزَّرْعِ، والشِّرْبِ.
قاله الأصحابُ.
ومع الضِّيقِ يُقدَّمُ الآدَمِيُّ، ثمَّ الحَيوانُ.
قاله الأصحابُ؛ منهم صاحِبُ «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرُهم.
زادَ في «الفائقِ»، ثمَّ الزَّرْعُ.
وهو مُرادُ غيرِه.
الجزء: 16 - الصفحة: 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في «التَّلْخيصِ»: ومع الضِّيقِ للحَيوانِ، ومع الضِّيقِ للآدَمِيِّ.
والظاهِرُ أنَّ النُّسْخَةَ مغْلُوطةٌ.
الثَّالثةُ، لو حفَرَها ارْتِفاقًا؛ كحَفْرِ السُّفَّارَةِ في بعضِ المَنازِلِ، وكالأَعْرابِ 131 والتُّركُمانِ ينْتَجِعُونَ أرْضًا فيَحْتَفِرُون لشُرْبِهم، وشُرْبِ دَوابِّهم، فالبِئْرُ مِلْكٌ لهم.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وقدَّمه الحارِثِيُّ، وقال: هو أصحُّ.
وهو الصَّوابُ.
وقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، وجماعَةٌ: لا يَمْلِكُونَها.
وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: فهم أحقُّ بمائِها ما أقامُوا.
وفي «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: وعليهم بذْلُ الفاضِلِ لشارِبِه فقط.
وتَبِعَه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «التَّرْغيبِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهم.
وبعدَ رَحيلِهم تكونُ سابِلَةً للمُسْلِمين، فإنْ عادَ المُرْتَفِقُون إليها، فهل يخْتَصُّون بها، أم هم كغيرِهم؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، والحارِثِيُّ في «شَرْحِه»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، هم كغيرِهم.
اخْتارَه القاضي في «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ».
والوَجْهُ الثَّاني، هم أحقُّ بها مِن غيرِهم.
اخْتارَه أبو الخَطابِ في بعضِ تَعاليقِه.
قال السَّامَرِّيُّ: رأَيتُ بخَطِّ أبي الخَطَّابِ، على هامشِ نُسْخَةٍ مِنَ «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، قال: مَحْفوظٌ، يعْنِي نفْسَه: الصَّحيحُ، أنَّهم إذا عادُوا
الجزء: 16 - الصفحة: 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كانُوا أحقَّ بها؛ لأنَّها مِلْكُهم بالإِحْياءِ، وعادَتُهم أنْ يرْحَلوا في كلِّ سنَةٍ، ثمَّ يُعودُون، فلا يزُولُ مِلْكُهم عنها بالرَّحيلِ.
انتهى.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وقدَّمه
الجزء: 16 - الصفحة: 105
فَصْلٌ: وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ، أَوْ يُجْرِيَ لَهَا مَاءً.
في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفائقِ».
قال في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: فهو أوْلَى بها في أصحِّ الوَجْهَين.
الرَّابعةُ: لو حفَر تَمَلُّكًا، أو بمِلْكِه الحَيِّ، فنَفْسُ البِئْرِ مِلْكٌ له.
جزَم به الحارِثِيُّ وغيرُه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «الرِّعايَةِ»: ملَكَها في الأقْيَسِ.
قال في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: إنِ احْتاجَتْ طيًّا، ملَكَها بعدَه.
وتَبِعه في «المُسْتَوْعِبِ»، وقال هو وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»: وإنْ حفَرَها لنَفْسِه تَمَلُّكًا 132، فما لم يخْرُجِ الماءُ، فهو كالشَّارِعِ في الإحْياءِ، وإنْ خرَجَ الماءُ، اسْتَقَرَّ مِلْكُه، إلَّا أنْ يحْتاجَ إلى طَيٍّ، فتَمامُ الإِحْياءِ بطَيِّها.
انتهيا.
وتقدَّم، هل يَمْلِكُ الذي يظْهَرُ فيها، أم لا؟
قوله: وإحْياءُ الأرْضِ؛ أنْ يَحُوزَها بحائِطٍ، أو يُجْرِيَ لها ماءً، أو يَحْفُرَ فيها بِئْرًا.
مُرادُه بالحائطِ، أنْ يكونَ مَنِيعًا، وظاهِرُ كلامِه، أنَّه سواءٌ أرادَها للبِناءِ، أو للزَّرْعِ، أو حَظِيرَةً للغَنَمِ والخشَبِ، ونحوهما.
وهذا هو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه.
وقطَع به الخِرَقِيُّ، وابنُ أبِي مُوسَى، والقاضي، والشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ.
قاله الزَّرْكَشِيُّ، وصاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرُهم، وقدَّمَه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِهم.
وقيل: إحْياءُ الأرْضِ، ما عُدَّ إحْياءٌ؛ وهو عِمارَتُها بما تَتَهيَّأُ به لما يُرادُ منها مِن زَرْعٍ أو بِناءٍ، أو إجْراءِ ماءٍ.
وهو رِوايةٌ عن أحمدَ.
اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والشِّيرازِيُّ في «المُبْهِجِ»، وابنُ الزَّاغُونِيِّ، والمُصَنِّفُ في «العُمْدَةِ»، وغيرُهم.
وعلى هذا قالوا: يختَلِفُ باخْتِلافِ غَرَضِ المُحْيِي؛ مِن مَسْكَنٍ، وحَظِيرةٍ، وغيرِهما، فإنْ كان مسْكَنًا، اعْتُبِرَ بِناءُ حائطٍ بما هو مُعتادُ أنْ يسْقُفَه.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وعلى هذه الرِّوايَةِ، لا يُعْتَبرُ أنْ يزْرَعَها ويَسْقِيَها، ولا أنْ يُفَصِّلَها
الجزء: 16 - الصفحة: 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تفْصِيلَ الزَّرْعِ، ويَحُوطَها مِنَ التُّرابِ بحاجِزٍ، ولا أنْ يُقَسِّمَ البُيوتَ إنْ كانت للسُّكْنَى، في أصَحِّ الرِّوايتَين وأشْهَرِهما.
والأُخْرَى، يُشْترَطُ جميعُ ذلك.
ذكَرَها القاضي في «الخِصالِ».
انتهى.
وذكَر القاضي رِوايَةً بعدَمِ اشْتِراطِ التَّسْقِيفِ، وقطَع به في «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ».
قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيحُ.
قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحَ».
لا يُعْتَبرُ في إحْياءِ الأرْضِ للسُّكْنَى نَصْبُ الأبْوابِ على البُيوتِ.
وقيل: ما يتكَرَّرُ كلَّ عامٍ؛ كالسَّقْي، والحَرْثِ، فليس بإحْياءٍ، وما لا يتَكَرَّرُ، فهو إحْياءٌ.
قال الحارِثِيُّ: ولم يُورِدْ في «المُغْنِي» خِلافَه.
تنبيه: قوله: أو يُجْرِيَ لها ماءً.
يعْنِي إحْياءَ الأرْضِ، أنْ يُجْرِيَ لها ماءً، إنْ كانتْ لا تُزْرَعُ إلَّا بالماءِ.
ويحْصُلُ الإِحْياءُ أيضًا بالغِراسِ ويَمْلِكُها به.
قال في «الفُروعِ»: ويَمْلِكُه بغَرْسٍ وإجْراءِ ماءٍ.
نصَّ عليها 133.
الجزء: 16 - الصفحة: 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: فإنْ كانتِ الأرْضُ ممَّا لا يُمْكِنُ زَرْعُها إلَّا بحَبْسِ الماءِ عنها، كأَرْضِ البَطائِحِ، ونحوها، فإحْياؤُها بسَدِّ الماءِ عنها، وجَعْلِها بحالٍ يُمْكِنُ زَرْعُها.
وهذا مُسْتَثْنَى مِن كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، ممَّن لم يَسْتَثْنِه.
ولا يحْصُلُ الإِحْياءُ بمُجَرَّدِ الحَرْثِ، والزَّرْعِ.
قيل لأحمدَ: فإنْ كرَب حوْلَها؟ قال: لا يسْتَحِقُّ ذلك حتى يُحِيطَ.
الجزء: 16 - الصفحة: 109
وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا عَادِيَّةً، مَلَكَ حَرِيمَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادِيَّةً، فَحَرِيمُهُا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا.
قوله: وإنْ حفَر بِئْرًا عادِيَّةً، ملَك حَريمَها، خَمْسِين ذِراعًا، وإنْ لم تَكُنْ عادِيَّةً، فحَريمُها خمسةٌ وعشْرون ذِراعًا يعْنِي، مِن كلِّ جانِبٍ فيهما.
وهذا المذهبُ فيهما.
نصَّ عليه في روايةِ حَرْبٍ، وعبدِ اللهِ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: اخْتارَه أكثرُ الأصحابِ.
قال في «التَّلْخيصِ»: هذا المَشْهورُ.
قال الحارِثِيُّ: هذا المَشْهورُ عن أبِي عبدِ اللهِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال الزَّرْكَشِيُّ: نصَّ عليه.
واخْتارَه الخِرَقِيُّ، والقاضي في «التَّعْليقِ»، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ في «خِلافَيهما»، والشِّيرازِيُّ، والشَّيخان، وغيرُهم.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
قال ناظِمُها:
الجزء: 16 - الصفحة: 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بحَفْرِ بِئْرٍ في مَواتٍ يُمْلَكُ … حَرِيمُها معها بذَرْعٍ يُسْلَكُ
فخَمْسَةٌ تُمْلَكُ والعِشْرون … وإنْ تكُنْ عادِيَّةً خَمْسون
وعنه، التَّوَقُّفُ في التَّقْديرِ.
نقَلَه حَرْبٌ.
قاله القاضي، وأبو الخَطَّابِ، ومَن تَبِعَهم.
قال الحارِثِيُّ: وهو غلَطٌ.
قال: ولو تأَمَّلُوا النَّصَّ بكَمالِه مِن مَسائِلِ حَرْبٍ، والخَلَّالِ، لما قالوا ذلك.
وعندَ القاضي، حَرِيمُها 134 قَدْرُ مَدِّرِ شائها مِن كلِّ جانبٍ.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، وذكَر أنَّه الصَّحيحُ.
قال في «التَّلْخيصِ»: اخْتارَه القاضي 135، وجماعَةٌ.
قال الحارِثِيُّ: وأخْشَى أنْ يكونَ كلامُ القاضي هنا ما حَكَيناه في «المُجَرَّدِ» الآتِي المُوافِقِ لاخْتِيارِ أبي الخَطَّابِ.
وقيل: قَدْرُ ما يحْتاجُ إليه في تَرْقِيَةِ مائِها.
واخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وأبو
الجزء: 16 - الصفحة: 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ».
قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، والشَّارِحُ: وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: ليس هذا الذَّرْعُ المذْكُورُ على سَبيلِ التَّحْديدِ، بل حَرِيمُها، على الحقيقَةِ، ما تَحْتاجُ إليه مِن ترْقِيَةِ مائِها منها؛ فإنْ كان بدُولابٍ، فقَدْرُ مَدارِ الثَّوْرِ أو غيرِه، وإنْ كان بسانِيَةٍ، فقَدْرُ طُولِ البِئْرِ، وإنْ كان يَسْتَقِي منها بيَدِه، فبِقَدْرِ ما يحْتاجُ إليه الواقِفُ عندَها.
وهو روايَةٌ عن أحمدَ.
وقيل: إنْ كان قَدْرُ الحاجةِ أكْثَرَ، فهو حَرِيمُها، وإنْ كان التَّحْديدُ المذكورُ أكْثَرَ، فهو حَرِيمُها.
ذكَرَه القاضي في «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ».
واخْتارَه القاضي أبو الحُسَينِ، وأبو الحَسَنِ بنُ بكْروسٍ.
وعندَ أبِي محمدٍ الجَوْزِيِّ، إنْ حفَرَها
الجزء: 16 - الصفحة: 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مَواتٍ، فحَرِيمُها خَمْسَةٌ وعِشْرون ذِراعًا مِن كلِّ جانبٍ، وإنْ كانت كبيرةً، فخَمْسون ذِراعًا.
فائدة: البِئْرُ العادِيَّةُ، بتَشْديدِ الياءِ؛ وهي القَدِيمَةُ.
نقَلَه ابنُ مَنْصُورٍ، منْسُوبَةً إلى عادٍ، ولم يُرِدْ عادًا بعَينِها، لكن لمَّا كانت عادٌ في الزَّمَنِ الأوَّلِ، وكانتْ لها آبارٌ في الأَرْضِ، نُسِبَ إليها كلُّ قديمٍ.
وعندَ الشَّيخِ تَقِيِّ الدّينِ، العادِيَّةُ؛ هي التي أُعِيدَتْ.
ونقَل حَرْبٌ وغيرُه، العادِيَّةُ؛ هي التي لم تَزُلْ، وأنَّه ليس لأحَدٍ دُخولُه؛ لأنَّه قد ملَكَه.
فوائد؛ منها، حريمُ العَينِ خَمْسُمِائَةِ ذِراعٍ.
نصَّ عليه مِن روايةِ غيرِ واحِدٍ.
وقاله القاضي في «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، وابنُه أبو الحُسَينِ، وابنُ بكْروسٍ، وصاحبُ «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم.
قاله الحارِثِيُّ.
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقيل: قَدْرُ
الجزء: 16 - الصفحة: 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحاجَةِ، ولو كان ألْفَ ذِراعٍ.
اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وأبو الخَطَّابِ، والمُصَنِّفُ في «الكافِي»، وغيرُهم.
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه جماعةٌ.
ومنها، حَرِيمُ النَّهْرِ مِن جانِبَيه، ما يحْتاجُ إليه لطَرْحِ كِرايَتِه، وطَرِيقٌ شَاويَّة، وما يسْتَضِرُّ صاحِبُه بتمَلُّكِه عليه، وإنْ كَثُرَ 136. قال في «الرِّعايَةِ»: وإنْ كان بجَنْبِه مُسَنَّاةٌ لغيرِه، ارْتفَقَ في ذلك ضَرورَةً، وله عمَلُ أحْجارِ طَحْنٍ على النَّهْرِ، ونحوه، ومَوْضِعِ غَرْسٍ، وزَرْعٍ، ونحوهما.
انتهى.
وقال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»: ومَن حفَر عَينًا، ملَك حرِيمَها خَمْسَمِائَةِ ذِراعٍ.
وقيل: بل قَدْرُ الحاجَةِ.
قلتُ: وكذا النَّهْرُ.
وقيل: بل ما يحْتاجُه لتَنْظيفِه.
انتهى.
ومنها، حريمُ القَناةِ، والمذهبُ أنَّه كحَريمِ العَينِ خَمْسُمِائَةِ ذِراعٍ.
قاله الحارِثِيُّ، وقال: واعْتَبرَه القاضي في «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ» بحريمِ النَّهْرِ.
ومنها، حريمُ الشَّجَرِ قَدْرُ مَدِّ أغْصانِها.
قاله المُصَنِّفُ وغيرُه.
ومنها، حريمُ الأرْضِ التي للزَّرْعِ، ما
الجزء: 16 - الصفحة: 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يحْتاجُه في سَقْيِها، ورَبْطِ دَوابِّها، وطَرْحِ سَبَخِها، وغيرِ ذلك.
وحريمُ الدَّارِ مِن مَواتٍ حوْلَها، مَطْرَحُ التُّرابِ، والكُناسَةِ والثَّلجِ، وماءِ المِيزابِ، والمَمَرِّ إلى البابِ.
ولا حريمَ لدارٍ مَحْفوفَةٍ بمِلْكِ الغيرِ.
ويتَصَرَّفُ كلُّ واحدٍ في مِلْكِه، ويَنْتَفِعُ به، على ما جرَتِ العادَةُ عُرْفًا، فإنْ تعَدَّى، مُنِعَ.
فائدتان؛ إحْداهما، قال في «المُغْنِي» 137، ومَن تابَعه: إنْ سبَق إلى شجَرٍ مُباحٍ؛ كالزَّيتُونِ، والخَرُّوبِ، فَسَقاه وأصْلَحَه، فهو أحقُّ به، كالمُتحَجِّرِ الشَّارِعِ في الإِحْياءِ، فإنْ طَعِمَه، ملَكَه، وحَرِيمُه تَهَيُّؤُه لما يُرادُ منه.
الثَّانيةُ، لو أذِنَ لغيرِه في عمَلِه في مَعْدِنِه، والخارِجُ له، بغيرِ عِوَضٍ، صحَّ؛ لقَوْلِ أحمدَ: بِعْه بكذَا، فما زادَ فلك.
وقال المَجْدُ: فيه نظَرٌ؛ لكَوْنِه هِبَةَ مَجْهولٍ.
ولو قال: على أنْ يُعْطِيَهم ألْفًا ممَّا لَقِيَ، أو مُناصَفَةً، والبَقِيَّةُ له.
فنقَلَ حَرْبٌ، أنَّه لم يُرَخِّصْ فيه.
ولو قال: على أنَّ ما رزَق اللهُ بينَنا.
فوَجْهانِ.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»؛ أحدُهما، يصِحُّ 138. قدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
قال الحارِثِيُّ: أظْهَرُهما الصِّحَّةُ.
قال القاضي: هو قِياسُ المذهبِ.
ولم يُورِدْ سِواه، وذكَر فيه نصَّ أحمدَ، إذا قال: صُفَّ لي هذا الزَّرْعَ، على أنَّ لك ثُلُثَه، أو رُبْعَه.
أنَّه يصِحُّ.
انتهى.
والوَجْهُ الثَّاني، لا يصِحُّ 139.
الجزء: 16 - الصفحة: 116
وَعِنْدَ الْقَاضِي، حَرِيمُهَا قَدْرُ مَدِّ رِشَائِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
وَقِيلَ: بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيهِ فِي تَرْقِيَةِ مَائِهَا.
وَقِيلَ: إِحْيَاءُ الْأَرْضِ مَا عُدَّ إِحْيَاءً، وَهُوَ عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ.
وَقِيلَ: مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ؛ كَالسَّقْي، وَالْحَرْثِ، فَلَيسَ بِإِحْيَاءٍ، وَمَا لَا يَتَكَرَّرُ فَهُوَ إِحْيَاءٌ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 16 - الصفحة: 117
وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَوَارِثُهُ بَعْدَهُ، وَمَنْ يَنْقُلُهُ إِلَيهِ، وَلَيسَ لَهُ بَيعُهُ.
وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ.
قوله: ومَن تَحَجَّرَ مَواتًا، لم يَمْلِكْه.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
نصَّ عليه.
قال الحارِثِيُّ: المَشْهورُ عن أحمدَ، عدَمُ الاسْتِقْلالِ.
انتهى.
وعليه الأصحابُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الحارِثِيُّ: وعن أحمدَ رِوايةٌ بإفادَةِ 140 المِلْكِ.
وهو الصَّحيحُ.
انتهى.
قوله 141: وهو أحقُّ به، ووارِثُه بعدَه ومَن ينَقُلُه إليه.
بلا نِزاعٍ.
وقوله: وليس له بَيعُه.
هو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «ابنِ مُنَجَّى»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقيل: يجوزُ له بيعُه.
وهو احْتِمالٌ لأبِي الخَطَّابِ.
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
تنبيه: قال الحارِثِيُّ عن القَوْلِ الذي حَكاه المُصَنِّفُ: قد يُرادُ به إفادَةُ التَّحَجُّرِ للمِلْكِ، وقد يُرادُ به الجَوازُ مع عدَمِ المِلْكِ، وهو ظاهِرُ إيرادِ الكِتابِ، وإيرادِ أبِي الخَطَّابِ، في كِتابِه.
قال: والتَّجْويزُ مع عدَمِ المِلْكِ مُشْكِلٌ جِدًّا.
وهو كما قال.
الجزء: 16 - الصفحة: 121
فَإِنْ لَمْ يُتِمَّ إِحْيَاءَهُ، قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ أَوْ تَتْرُكَهُ.
فائدة: تحَجُّرُ المَواتِ؛ هو الشُّروعُ في إحْيائِه، مثلَ أنْ يُديرَ حَوْلَ الأرْضِ تُرابًا أو أحْجارًا، أو يُحيطَها بجِدارٍ صغيرٍ، أو يحْفرَ بِئْرًا لم يصِلْ إلى مائِها.
نقلَه حَرْبٌ، وقاله الأصحابُ.
أو يَسْقِيَ شَجَرًا مُباحًا، ويُصْلِحَه، ولم يَرْكَبْه، فإنْ رَكِبَه، مَلَكَه، كما تقدَّم.
وملَك حَرِيمَه، وكذا لو أُقْطِعَ 142 مَواتًا، لم يملِكْه، على ما يأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ.
قوله: فإنْ لم يتِمَّ إحْياؤُه.
يعْنِي 143، وطالتِ المُدَّةُ، كما صرَّح به القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وغيرُهم، قيل له: إمَّا أنْ تُحْيِيَه أو تَتْرُكَه.
فإنْ طلَب الإِمْهال، أُمْهِلَ الشَّهْرَين والثَّلاثَةَ.
وهكذا قال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفُروعِ».
وقال في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»: ويُمْهَلُ شَهْرَين.
وقيل: ثلاثَةً.
وقال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 122
فَإِنْ طَلَبَ الْإِمْهَال، أُمْهِلَ الشَّهْرَينِ، وَالثَّلَاثَةَ، فَإِنْ أَحْيَاهُ غَيرُهُ فَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، وجماعَةٌ: أُمْهِلَ الشَّهْرَ والشَّهْرَين.
قال الحارِثِيُّ: عليه المُعْظَمُ.
وقال في «الوَجيزِ»: ويُمْهَلُ مدَّةً قرِيبَةً بسُؤالِه.
انتهى.
قلتُ: فلعَلَّ ذلك يرْجِعُ إلى اجْتِهادِ الحاكمِ.
ثمَّ وَجَدْتُ الحارِثِيَّ قال: وتقْدِيرُ مُدَّةِ الإِمْهالِ يرْجِعُ إلى رأْي الإِمامِ، مِنَ الشَّهْرِ والشَّهْرَين والثَّلاثَةِ، بحسَبِ الحالِ.
قال: والثَّلاثَةُ انْفرَدَ بها المُصَنِّفُ هنا.
وكأنَّه ما راجَعَ «المُسْتَوْعِبَ»، و «الشَّرْح».
تنبيه: فائدَةُ الإِمْهالِ انْقِطاعُ الحَقِّ بمُضِيِّ المُدَّةِ على التَّرْكِ.
قال في «المُغْنِي» 144: وإنْ لم يكُنْ له عُذْرٌ في التَّرْكِ، قيلَ له: إمَّا أنْ تَعْمُرَ، وإمَّا أنْ ترْفَعَ يدَك.
فإنْ لم يَعْمُرْها، كان لغيرِه عِمارَتُها.
قال الحارِثِيُّ: وهذا يقْتَضِي أنَّ ما تقدَّمَ مِن الإِمْهالِ مَخْصوصٌ بحالةِ العُذْرِ، أو الاعتذارِ، أمَّا إنْ عُلِمَ انْتِفاءُ العُذْرِ، فلا مُهْلَةَ.
قال: ويَنْبَغِي تقْيِيدُ الحالِ بوُجودِ مُتَشَوِّفٍ إلى الإِحْياءِ، أمَّا مع عدَمِه، فلا اعْتِراضَ، سوى تَرْكٍ لعُذْرٍ أوْ لا.
انتهى.
قوله: فإنْ أحْياه غيرُه، فهل يمْلِكُه؟ على وَجْهَين.
يعْنِي، لو بادَر غيرُه في
الجزء: 16 - الصفحة: 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُدَّةِ الإِمْهالِ، وأحْياه.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الحارِثِيِّ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»؛ أحدُهما، لا يَمْلِكُه.
صحَّحه في «المُذْهَبِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «النَّظْمِ»، و «التَّصْحيحِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
والوَجْهُ الثَّاني، يَمْلِكُه.
اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
قال الناظِمُ: وهو بعيدٌ.
[فائدتان؛ الأُولَى] 145، لو أحْياه غيرُه قبلَ ضَرْبِ مُدَّةِ المُهْلَةِ، لم يَمْلِكْه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ»، وهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ.
وقيل: يَمْلِكُه.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: حُكْمُ الإِحياءِ قبلَ ضَرْبِ مُدَّةِ المُهْلَةِ حُكْمُ الإِحْياءِ في مُدَّةِ المُهْلَةِ، على ما 146 تقدَّم.
ويَحْتَمِلُه كلامُ المُصَنِّفِ.
وأمَّا إذا أحْياه الغيرُ بعدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ (2) المُهْلَةِ، فإنَّه يَمْلِكُه، لا أعلمُ فيه خِلافًا، وتقدَّم ذلك.
الثَّانيةُ 147، قال في «الفُروعِ»، بعدَ أنْ ذكَر الخِلافَ المُتَقَدِّمَ: ويَتَوَجَّهُ مِثْلُه في نُزولِه عن وَظِيفَةٍ لزَيدٍ، هل يتَقَرَّرُ غيرُه فيها؟ وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، في مَن نزَل عن وَظِيفَةِ الإِمامَةِ: لا يتَعَيَّنُ المَنْزولُ له، [ويُوَلِّي مَن إليه الولايَةُ، مَن يَسْتَحِقُّ التَّوْلِيَةَ شَرْعًا.
وقال ابنُ أبِي المَجْدِ: لا يصِحُّ تَوْلِيَةُ غيرِ المَنْزُولِ له] 148، فإنْ لم يُقَرِّرْه الحاكِمُ، وإلَّا فالوَظِيفَةُ باقيَةٌ للنَّازِلِ.
انتهى.
قلتُ:
الجزء: 16 - الصفحة: 125
فَصْلٌ: وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ، بَلْ يَصِيرُ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ.
[وقريبٌ منه ما قاله المُصَنِّفُ، وتَبِعَه الشَّارِحُ وغيرُه، فيما إذا آثَرَ شَخْصًا بمَكانِه، فليس لأحَدٍ أنْ يَسْبِقَه إليه؛ لأنَّه قامَ مَقامَ الجالِسِ في اسْتِحْقاقِ مَكانِه، أشْبَهَ مَا لو تحَجَّرَ مَواتًا، ثمَّ آثَرَ به غيرَه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يجوزُ؛ لأنَّ القائِمَ أسْقَطَ حقَّه بالقِيامِ، فبَقِيَ على الأصْلِ، فكان السَّابِقُ إليه أحقَّ به، كمَن وسَّعَ لرَجُلٍ في طريقٍ، فمَرَّ غيرُه، والصَّحيحُ الأَوَّلُ.
ويُفارِقُ التَّوْسِعَةَ في الطَّريقِ؛ لأنَّها جُعِلَتْ للمُرورِ فيها، كمَنِ انْتقَلَ مِن مَكانٍ فيها لم يَبْقَ له حقٌّ حتى يُؤْثِرَ به، والمَسْجِدُ جُعِلَ للإِقامَةِ فيه، ولذلك لا يَسْقُطُ حقُّ المُنْتَقِلِ منه إذا انْتقَلَ لحاجَةٍ، وهذا إنَّما انْتقَلَ مُؤْثِرًا لغيرِه، فأَشْبَهَ النَّائِبَ الذي بعَثَه إنْسانٌ ليَجْلِسَ في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له.
انتهى.
قلتُ] 149: الذي يتَعَيَّنُ، ما قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، إلَّا إذا كان المَنْزولُ له أهْلًا، ويُوجَدُ [غيرُه أهلًا] 150، فإنَّ المَنْزولَ له أحَقُّ، مع أنَّ هذا لا يَأْباه كلامُ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ.
قوله: وللإِمامِ إقْطاعُ مَواتٍ لمَن يُحْيِيه، ولا يَمْلِكُه بالإِقْطاعِ، بل يكونُ
الجزء: 16 - الصفحة: 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ في الإِحْياءِ.
وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
قال الحارِثِيُّ: وقال مالِكٌ: يَثْبُتُ المِلْكُ بنَفْسِ الإِقْطاعِ؛ يَبِيعُ، ويَهَبُ، ويتَصَرَّفُ، ويُورَثُ عنه.
قال: وهو الصَّحيحُ؛ إعْمالًا لحقيقَةِ الإِقْطاعِ؛ وهو التَّمْلِيكُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، للإِمامِ إقْطاعُ غيرِ المَواتِ تَمْلِيكًا وانْتِفاعًا، للمَصْلَحَةِ دُونَ غيرِها.
الثَّانيةُ، قسَّم الأصحابُ الإِقْطاعَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ إقْطاعُ تَمْلِيكٍ، وإقْطاعُ اسْتِغْلالٍ، وإقْطاعُ إرْفاقٍ.
وقسَّم القاضي إقْطاعَ التَّمْليكِ إلى، مَواتٍ، وعامرٍ، ومَعادِنَ؛ وجعَل إقْطاعَ الاسْتِغلالِ على ضَرْبَين؛ عُشْرٍ، وخَراجٍ، وإقْطاعَ الإرْفاقِ، ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 128
وَلَهُ إِقْطَاعُ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقِ الوَاسِعَةِ وَرِحَابِ الْمَسْجِدِ، مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ.
وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِالْإِحْيَاءِ، وَيَكُونُ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا.
قوله: وله إقْطاعُ الجُلُوسِ في الطُّرُقِ الواسِعَةِ ورِحابِ المَسْجِدِ، ما لم يُضَيِّقْ على النَّاسِ.
فيحْرُمُ.
ولا تُمْلَكُ بالإِحْيَاءِ.
بلا نِزاعٍ.
ويكونُ المُقْطَعُ أحَقَّ بالجُلُوسِ فيها.
ما لم يَعُدْ فيه الإِمامُ.
تنبيه: تَجْويزُ المُصَنِّفِ إقْطاعَ الجُلوسِ برِحابِ المَسْجِدِ، اخْتِيارٌ منه؛ لكَوْنِها ليست مَسْجِدًا؛ لامْتِناعِ ذلك في المَسْجِدِ، واخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، والمَجْدِ، قاله الحارِثِيُّ.
وتقدَّم، هل رَجْبَةُ المَسْجِدِ مِنَ المَسْجِدِ، أوْ لا؟ في بابِ الاعْتِكافِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 130
فَإِنْ لَمْ يُقْطِعْهَا، فَلِمَنْ سَبَقَ إِلَيهَا الْجُلُوسُ فِيهَا، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا.
قوله: فإنْ لم يُقْطِعْها، فلمَن سبَق إليها الجُلوسُ فيها، ويكونُ أحَقَّ بها، ما لم يَنْقُلْ قُماشَه عنها.
هذا المذهبُ.
أعْنِي، أنَّها مِنَ المَرافِقِ، وأنَّ له الجُلوسَ فيها ما بَقِيَ قُماشُه.
قال في «الفُروعِ»: ومع عدَمِ إقْطاعٍ، للسَّابقِ الجُلوسُ، على
الجزء: 16 - الصفحة: 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحِّ، ما بَقِيَ قُماشُه.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهم.
وعنه، ليس له ذلك.
وعنه، له ذلك إلى اللَّيلِ.
قال الحارِثِيُّ: ونقَل القاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، رِوايَةً بالمَنْعِ مِنَ الجُلوسِ في الطُّرُقِ الواسِعَةِ؛ للتَّعامُلِ فيها، فلا تكونُ مِنَ المَرافِقِ.
قال:
الجزء: 16 - الصفحة: 132
فَإِنَ أَطَال الْجُلُوسَ فِيهَا، فَهَلْ يُزَالُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
والأوَّلُ أصحُّ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لا يفْتَقِرُ في الجُلوسِ في هذه الأمْكِنَةِ إلى إذْنِ الإِمامِ في ذلك.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ.
قال في «القواعِدِ»: هذا قَوْلُ الأكثرِ.
قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ.
وقيل: يفْتَقِرُ إلى إذْنٍ.
وهو رِوايَة حَكاها في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ».
ذكَرَه في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّمانِين»، وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
فائدتان؛ إحْداهما، لو أجْلَسَ غُلامَه أو أجْنَبِيًّا، ليَجْلِسَ هو إذا عادَ إليه، فهو كما لو ترَك المَتاعَ فيه؛ لاسْتِمْرارِ يَدِه بمَن هو في جِهَتِه.
ولو آثَرَ به رجُلًا، فهل للغيرِ السَّبْقُ إليه؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا.
اخْتارَه المُصَنِّفُ.
والثَّانِي، نعم.
قال الحارِثِيُّ: وهو أظْهَرُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وتُشْبِهُ هذه المَسْأَلَةُ ما ذكَرْنا في آخرِ بابِ الجُمُعَةِ، لو آثَرَ بمَكانِه شخْصًا، فسبَقَه غيرُه إليه 151. على ما تقدَّم هناك.
الثَّانيةُ، له أنْ يُظلِّلَ على نفْسِه بما لا ضرَرَ فيه، مِن بارِيَةٍ وكِساءٍ، ونحوه، وليس له أنْ يَبْنِيَ دَكَّةً ولا غيرَها.
قوله: فإنْ أطال الجُلوسَ فيها، فهل يُزالُ؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 133
فَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ أُقْرِعَ بَينَهُمَا، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الإِمَامُ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا.
و «الفائقِ»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، لا يُزالُ.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ»، وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «المُنَوِّرِ».
قال الحارِثِيُّ: [وهذا الَّلائِقُ بأُصولِ الأصحابِ؛ حيث قالوا بالإِقْطاعِ.
والوجهُ الثَّاني، يُزالُ.
قال الحارِثِيُّ] 152: هذا أظْهَرُهما عندَهم.
قال في «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: مُنِعَ في أصحِّ الوَجْهَين.
قال في «القَواعِدِ»: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في رِوايَةِ حَرْبٍ.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ».
قوله: فإنْ سبَق 153 اثْنان، أُقْرِعَ بينَهما.
هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، وجزَم به في
الجزء: 16 - الصفحة: 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في [«الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»] 154، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»، وغيرِهم.
قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ.
وقيل: يُقَدِّمُ الإِمامُ مَن يَرَى منهما.
وهو وَجْهٌ حَكاه القاضي فمَن بعدَه.
وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الشَّرْحِ».
وكذا الحُكْمُ لو اسْتَبَقا إلى مَوْضِعٍ في رِباطِ مَسْبَلٍ أو خانٍ، أو اسْتَبقَ فَقِيهان إلى مَدْرَسَةٍ، أو صُوفِيَّان إلى خانِقاهٍ 155. ذكَرَه الحارِثِيُّ، وتَبِعَه في «القواعِدِ»، وقال: هذا يتَوَجَّهُ على أحَدِ الاحْتِمالين اللَّذَين 156 ذكَرَهما في المدارِسِ والخَوانِقِ المُخْتَصَّةِ 157 بوَصْفٍ مُعَيَّنٍ؛ لأنَّه لا يتَوقَّفُ الاسْتِحْقاقُ فيهما على تَنْزِيلِ ناظِرٍ.
فأما على الوَجْهِ الآخَرِ؛ وهو توَقُّفُ الاسْتِحْقاقِ على تَنْزِيلِه، فليس إلَّا تَرْجيحُه له بنَوْعٍ مِنَ التَّرْجِيحاتِ.
وقد يُقالُ: إنَّه يُرَجَّحُ 158 بالقُرْعَةِ مع التَّساوي.
انتهى.
الجزء: 16 - الصفحة: 135
وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَعْدِنٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُ مِنْهُ.
وَهَلْ يُمْنَعُ إِذَا طَال مُقَامُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
قوله: ومَن سبَق إلى مَعْدِنٍ، فهو أحَقُّ بما يَنالُ منه.
هذا المذهبُ.
جزَم به في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقيل: مَن أخَذ مِن مَعْدِنٍ فوقَ حاجَتِه، مُنِعَ منه.
ذكَرَه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: فإنْ أخذَ قَدْرَ حاجَتِه، وأرادَ الإِقامَةَ فيه، بحيثُ يَمْنَعُ غيرَه، مُنِعَ مِن ذلك.
قوله: وهل يُمْنَعُ إذا طال مُقامُه؟ - يعْنِي الآخِذَ - على وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»،
الجزء: 16 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»؛ أحدُهما، لا يُمْنَعُ.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»: والصَّحيحُ أنَّه لا يُمْنَعُ ما دامَ آخِذًا.
قال الحارِثِيُّ: أصَحُّهما لا يُمْنَعُ.
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
والوَجْهُ الثَّاني، يُمْنَعُ.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي» 159. وقيل: يُمْنَعُ مع ضِيقِ المَكانِ.
قال الحارِثِيُّ: قطَع به ابنُ عَقِيلٍ.
فائدة: لو اسْتَبَق اثْنانِ فأكْثَرُ إلى مَعْدِنٍ مُباحٍ، وَضاقَ المَكانُ عن أخْذِهم جُمْلَةً واحِدةً، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُقْرَعُ بينَهم.
قال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»: وإنْ سبَق إليه اثنْان معًا، وضاقَ بهما، اقْتَرَعا.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ».
وقيل: يُقَدِّمُ الإِمامُ منَ شاءَ.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقيل: بالقِسْمَةِ.
قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: وذكَر القاضي وَجْهًا رابِعًا، وهو أنَّ الإِمامَ يَنْصِبُ مَن يَأْخُذُ ويقْسِمُ بينَهما.
وقال القاضي
الجزء: 16 - الصفحة: 137
وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مُبَاحٍ؛ كَصَيدٍ، وَعَنْبَرٍ، وَحَطَبٍ، وَثَمَرٍ، وَمَا يَنْبِذُهُ النَّاسُ، رَغْبَةً عَنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.
وَإِنْ سَبَقَ إِلَيهِ اثْنَانِ، قُسِمَ بَينَهُمَا.
أيضًا: إنْ كان أحدُهما للتِّجارَةِ، هايَأَها الإمامُ بينَهما باليومِ أو السَّاعَةِ بحسَبِ ما يرَى؛ لأنَّه يطُولُ، وإنْ كان للحاجَةِ، فاحْتِمالاتٌ؛ أحدُها، القُرْعَةُ.
والثَّاني، يَنْصِبُ مَن يَأْخُذُ لهما، ثُم يَقْسِمُ.
والثَّالثُ، يُقَدِّمُ مَن يراه أحْوَجَ وأوْلَى.
وقال في «الرِّعايةِ الكُبْرَى»: وإنْ سبَق أحدُهما، قُدِّمَ، فإنْ أخَذ فوقَ حاجَتِه، مُنِعَ.
وقيل: لا.
وقيل: إنْ أخَذَه للتِّجارَةِ هايَأَ الإِمامُ بينَهما، وإنْ أخَذَه لحاجَةٍ، فأرْبَعَةُ أوْجُهٍ؛ المُهايَأَةُ، والقُرْعَةُ، وتقْديمُ مَن يرَى الإِمامُ، وأنْ يَنْصِبَ مَن يَأْخُذُه، ويقْسِمَه بينَهما.
انتهى.
وذكَر في «الفُروعِ» وغَيرِه الأَوْجُهَ الأَرْبعَةَ مِن تَتِمَّةِ قوْلِ القاضي.
قوله: ومَن سبَق إلى مُباحٍ؛ كصَيدٍ، وعَنْبَرٍ -وسَمَكٍ، ولُؤْلُؤٍ، وَمَرْجَانٍ-
الجزء: 16 - الصفحة: 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَحطَبٍ، وثَمَرٍ، وما يَنْتَبذُه النَّاسُ، رغْبَةً عنه، فهو أحَقُ به.
وكذا لو سبَق إلى ما ضاعَ مِن النَّاسِ ممَّا لا تَتْبَعُه الهِمَّةُ، وكذا اللَّقيطُ، وما يسْقُطُ مِنَ الثَّلْجِ والمَنِّ، وسائِرِ المُباحاتِ، فهو أحقُّ به.
وهذا بلا نِزاعٍ.
وقوله: وإن سبَق إليه اثْنان، قُسِمَ بينَهما.
هذا المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: وهو الأصحُّ.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
قال في «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: فأمَّا إنْ وقَعَتْ أيدِيهما على المُباحِ، فهو بينَهما بغيرِ خِلافٍ، وإنْ كان في كلامِ بعضِ الأصحابِ ما يُوهِمُ خِلافَ ذلك، فليس بشيءٍ.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقيل: يَقْتَرِعان.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: يُقَدِّمُ الإِمامُ أيَّهما شاءَ.
وقال الحارِثِيُّ: ثمَّ إنَّ أبا الخَطَّابِ في كِتابِه، قيَّد اقْتِسامَهما بما إذا كان الأخْذُ للتِّجارَةِ.
ثمَّ قال: وإنْ كان للحاجَةِ، احْتَمَلَ ذلك أيضًا، واحْتَمَلَ أنْ يُقْرَعَ بينَهما.
واحْتَمَلَ أنْ يُقَدِّمَ الإِمامُ مَن يرَى منهما.
وتابعَه عليه السَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التَّلْخِيصِ»، وغيرُهما.
وهذا عندِي غلَطٌ، فإنَّ المُباحَ إذا اتَّصَلَ به الأخْذُ، اسْتقَرَّ المِلْكُ عليه، ولا بُدَّ؛ لوُجودِ السَّبَبِ المُقيَّدِ له، مع أنَّ القُرْعَةَ لم تَرِدْ في هذا النَّوْعِ، ولا في 160 شيءٍ منه.
وكيف يخْتَصُّ به أحدُهما مع قِيامِ السَّبَبِ بكلِّ واحدٍ منهما؟ نعم قد يجْرِي ما قال فيما إذا ازْدَحَما عليه ليَأْخُذاه.
ثمَّ قال: والصَّوابُ ما اقْتَصَر عليه المُصَنِّفُ، مِنَ الاقْتِسامِ مع عدَمِ الفَرْقِ بينَ التِّجارَةِ، والحاجَةِ.
انتهى.
تنبيه: فعلى المذهبِ، قال الحارِثِيُّ: إنَّما يتَأتَّي هذا في المُنْضَبِطِ الدَّاخِلِ تحتَ
الجزء: 16 - الصفحة: 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليَدِ؛ كالصَّيْدِ، والسَّمَكِ، والُّلْؤلُؤِ، والمَرْجانِ، والمَنْبُوذِ.
أمَّا ما لا ينْضَبِطُ، كالشَّعْراءِ 161، وثَمَرِ الجَبَلِ، فالمِلْكُ فيه مقْصورٌ على القَدْرِ المَأْخوذِ، قلَّ أو كَثُرَ.
انتهى.
فائدة: وكذا الحُكْمُ في السَّبْقِ إلى الطَّرِيقِ.
قاله في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال الأدَمِيُّ البَغْدادِيُّ بالقِسْمَةِ هنا.
فائدتان؛ إحْداهما، لو ترَك دابَّتَه بفَلاةٍ، أو مَهْلَكَةٍ؛ ليَأْسِه منها، أو عَجْزِه عن عَلْفِها، مَلَكَها آخِذُها.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
نصَّ عليه مِن رِوايةِ صالِحٍ، وابنِ مَنْصُورٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به في «المُحَرَّرِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ» وغيرِهما.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: لا يَمْلِكُها.
وهَو وَجْهٌ، خرَّجه ابنُ أبِي مُوسى، كالرَّقيقِ، وتَرْكِ المَتاعِ عَجْزًا، بلا نِزاعٍ فيهما.
ويرْجِعُ بالنَّفَقَةِ على الرَّقيقِ، وأُجْرَةِ حَمْلِ المَتاعِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقيل: لا يرْجِعُ.
وهو وَجْهٌ ذكَرَه القاضي؛ أخْذًا مِنَ انْتِفاءِ الأخْذِ في اللُّقَطَةِ.
وهو رِوايَةٌ في العَبْدِ، ذكَرَها أبو بَكْرٍ.
الثَّانيةُ، لو ألْقَى مَتاعَه في البَحْرِ خَوْفَ الغرَقِ، فقال الحارِثِيُّ: نصُّ أحمدَ في المَتاعِ يقْتَضِي أنَّ ما يُلْقِيه رُكابُ السَّفينَةِ مَخافَةَ الغَرقِ باقٍ على مِلْكِهم.
انتهى.
وهو أحد الوَجْهَين.
وقيل: يَمْلِكُه آخِذُه.
قدَّمه في «الفائقِ».
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي».
وصحَّحه في «النَّظْمِ».
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، وذكَرَه في آخِرِ اللُّقَطَةِ.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، لآخِذِه الأُجْرَةُ، على
الجزء: 16 - الصفحة: 140
وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي نَهْرٍ غَيرِ مَمْلُوكٍ؛ كَمِيَاهِ الْأَمْطَارِ، فَلِمَنْ فِي أَعْلَاهُ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَ الْمَاءَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِ.
الصَّحيحِ.
وقيل: لا أُجْرَةَ له.
قوله: وإذا كان الماءُ في نَهْرٍ غيرِ ممْلُوكٍ؛ كمياهِ الأمْطارِ، فلمَن في أعْلاه أنْ يَسْقِيَ ويَحْبِسَ، حتى يَصِلَ الماءُ إِلى كَعْبِه، ثمَّ يُرْسِلَ إلى مَن يَلِيه.
الماءُ إذا كان جارِيًا، وهو غيرُ مَمْلوكٍ، لا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ نَهْرًا عَظِيمًا؛ كالنِّيلِ، والفُراتِ، ودِجْلَةَ، وما أشْبَهَها، أوْ لا، فإنْ كان نَهْرًا عَظيمًا، فهذا لا تَزاحُمَ فيه، ولكُلِّ أحدٍ 162 أنْ يسْقِيَ منه ما شاءَ، متى شاءَ، كيفَ شاءَ، وإنْ كان نَهْرًا صَغيرًا،
الجزء: 16 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يزْدَحِمُ النَّاسُ فيه، ويتَشاحُّون في مائِه، أو سَيلًا يتَشاحُّ فيه أهلُ الأرَضِين الشَّارِبَةِ
الجزء: 16 - الصفحة: 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منه، فإنَّه يُبْدَأُ بمَن في أوَّلِ النَّهْرِ، فيَسْقِي ويَحْبِسُ الماءَ حتى يصِلَ إلى كَعْبِه.
نصَّ عليه، ثمَّ يُرْسِلُ إلى مَن يَلِيه كذلك.
وعلى هذا إلى أنْ تَنْتَهِيَ الأراضِي كلُّها، فإنْ لم يفْضُلْ عنِ الأوَّلِ شيءٌ، أو عنِ الثَّاني، أو مَن يَلِيهم، فلا شيءَ للباقِين.
فإنْ كانتْ أرْضُ صاحبِ الأعْلَى مُخْتَلِفَةً؛ منها ما هو مُسْتَعْلٍ، ومنها ما هو مُسْتَفِلٍ، سقَى كلَّ واحِدَةٍ منهما على حِدَتِها.
قاله في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهم، وقطَعُوا به.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: إنْ كانتِ الأرْضُ العُلْيا مُسْتَفِلَةً، سدَّها إذا سقَى، حتى يصْعَدَ إلى الثَّاني.
فائدتان؛ إحْداهما، لو اسْتَوَى اثْنان في القُرْبِ مِن أوَّلِ النَّهْرِ، اقْتَسما الماءَ بينَهما.
إنْ أمْكَنَ، وإنْ لم يُمْكِنْ، أُقْرِعَ بينَهما، فيُقدَّمُ مَن قرَع، فإنْ كان الماءُ
الجزء: 16 - الصفحة: 144
فَإِذَا أَرَادَ إِنْسَانٌ إِحْيَاءَ أَرْضٍ بسَقْيِهَا مِنْهُ، جَازَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ.
لا يفْضُلُ عن أحَدِهما، سقَى مَن تقَعُ له القُرْعَةُ بقَدْرِ حقِّه مِنَ الماءِ، ثمَّ يتْرُكُه للآخَرِ، وليس له أنْ يَسْقِيَ بجميعِ الماءِ؛ لمُساواةِ الآخَرِ له، وإنَّما القُرْعَةُ للتَّقَدُّمِ، بخِلافِ الأعْلَى مع الأسْفَلِ؛ فإنَّه ليس للأسْفَلِ حقٌّ إلَّا في الفاضِلِ عنِ الأَعْلَى.
قاله المُصَنِّفُ وغيرُه.
وهو واضِحٌ.
وإنْ كانتْ أرْضُ أحَدِهما أكثرَ مِن أرْضِ الآخَرِ، قُسِمَ الماءُ بينَهما على قَدْرِ الأرْضِ.
الثَّانيةُ، لو احْتاجَ الأعْلَى إلى الشُّرْبِ ثانيًا، قبلَ انْتِهاءِ سَقْي الأراضِي، لم يَكُنْ له ذلك.
قدَّمه الحارِثِيُّ، ونصَرَه.
وقال القاضي: له ذلك.
قوله: فإنْ أرادَ إنْسانٌ إحْياءَ أرْضٍ، بسَقْيِها منه، جازَ، ما لم يَضُرَّ بأهْلِ
الجزء: 16 - الصفحة: 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأرْضِ الشارِبَةِ منه.
إذا كان لجماعَةٍ رَسْمُ شِرْبٍ مِن نَهْرٍ غيرِ مَمْلوكٍ، أو سَيلٍ، فجاءَ إنْسانٌ ليُحْيِيَ مَواتًا أقْرَبَ إلى رأْسِ النَّهْرِ مِن أرْضِهم، لم يَكُنْ له أنْ يسْقِيَ قبلَهم، على المذهبِ.
واخْتارَ الحارِثِيُّ، أنَّ له ذلك، قال: وظاهِرُ الأخْبارِ المُتقَدِّمَةِ وعُمومُها، يدُلُّ على اعْتِبارِ السَّبْقِ إلى أعْلَى النَّهْرِ مُطْلَقًا.
قال: وهو الصَّحيحُ.
وهل لهم مَنْعُه مِن إحْياءِ ذلك المَواتِ؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»؛ أحَدُهما، ليس لهم مَنْعُه مِن ذلك.
قال الحارِثِيُّ: وهو أظْهَرُ.
وقدَّمه ابنُ رَزينٍ في «شَرْحِه».
وجزَم به في «الكافِي».
والوَجْهُ الثَّاني، لهم مَنْعُه.
قال الحارِثِيُّ: وهو المَفْهومُ مِن إيرادِ الكِتابِ.
فعلى الأوَّلِ، لو سَبق إلى مَسِيلِ ماءٍ، أو نَهْرٍ غيرِ مَمْلوكٍ، فأحْيَى في أسْفَلِه مَواتًا، ثمَّ أحْيَا آخَرُ فوْقَه، ثمَّ أحْيَا ثالِثٌ فوقَ الثَّاني، كان للذي أحْيَا أوَّلًا 163 السَّقْيُ أوَّلًا، ثمَّ الثَّاني، ثمَّ الثَّالِثُ، فيُقَدَّمُ السَّبْقُ إلى الإِحْياءِ على السَّبْقِ إلى أوَّلِ النَّهْرِ، وعلى ما اخْتارَه الحارِثِيُّ 164 ينْعَكِسُ ذلك.
الجزء: 16 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو كانَ الماءُ بنَهْرٍ مَمْلوكٍ، كمَن حفَر نَهْرًا صَغيرًا ساقَ إليه الماءَ مِن نَهْرٍ كبيرٍ، فما حصَل فيه ملَكَه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
ويَجِئُ على قوْلِنا: إنَّ الماءَ لا يُمْلَكُ.
أنَّ حُكْمَ هذا الماءِ في هذا النَّهْرِ، حُكْمُه في نَهْرٍ غيرِ مَمْلوكٍ.
قلتُ: وفيه نظَرٌ؛ لأنَّه بدُخولِه في نَهْرِه، كدُخولِه في قَرْيَتِه، وراويَتِه، ومصْنَعِه.
وعندَ القاضي ومَن وافقَه، أنَّ الماءَ باقٍ على الإِباحَةِ، كما قبلَ الدُّخولِ، إلَّا أنَّ مالِكَ
الجزء: 16 - الصفحة: 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّهْرِ أحقُّ به.
فعلى المذهبِ، لو كان لجماعَةٍ، فهو بينَهم، على حسَبِ العمَلِ والنَّفَقَةِ؛ فإنْ كفَى جَمِيعَهم، فلا كلامَ، وإنْ لم يَكْفِهم وتَراضَوْا على قِسْمَتِه بالمُهايَأَةِ أو غيرِها، جازَ، وإنْ تَشاحُّوا في قِسْمَتِه، قسَمَه الحاكِمُ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهم؛ فيَأْخُذُ خشبَةً صُلْبَةً، أو حجَرًا مُسْتَوى الطَّرفَين والوَسطِ، فيُوضَعُ على موْضِعٍ مُسْتَوٍ مِنَ الأرْضِ في مَصْدَمِ الماءِ، فيه حزوزٌ، أو ثُقوبٌ مُتَساويةٌ في السَّعَةِ على قَدْرِ حُقوقِهم، يخرُجُ من حَزٍّ أو ثُقْبٍ إلى ساقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لكلِّ واحدٍ منهم، فإذا حصَل في ساقِيَتِه، فله أنْ يسْقِيَ به ما شاءَ مِنَ الأرْضِ، سواءٌ كان لها رَسْمُ شِرْبٍ مِن هذا النَّهْرِ أو لم يَكُنْ، وله أنْ يُعْطِيَه مَن يسْقِي به.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه، وقدَّمه أيضًا في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم، في بابِ القِسْمَةِ.
ويَأْتِي بعضُ ذلك مصَرَّحًا به في كلامِ المُصَنِّفِ، في بابِ القِسْمَةِ.
وقال القاضي: ليس له سَقْيُ أرْضٍ ليس لها رَسْمُ شِرْبٍ مِن هذا الماءِ.
انتهى.
ولكُلِّ واحدٍ مِنَ الشُّركاءِ أنْ
الجزء: 16 - الصفحة: 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يتَصرَّفَ في ساقِيَتِه المُخْتَصَّةِ به بما أحبَّ؛ مِن عمَلِ رَحىً عليها، أو دُولابٍ، أو عَبَّارَةٍ؛ وهي خشَبةٌ تُمَدُّ على طريقِ النَّهْرِ، أو قنْطَرَةٍ يعْبُرُ الماءُ فيها، وغيرِ ذلك مِنَ التَّصَرُّفاتِ.
فأمَّا النَّهْرُ المُشْتَرَكُ؛ فليس لواحدٍ منهم أنْ يتَصرَّفَ
الجزء: 16 - الصفحة: 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيه بشيءٍ مِن ذلك.
قاله المُصَنِّفُ، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي، والشَّارِحُ، وغيرُهم.
وقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: هل له أنْ ينْصِبَ عبَّارَةً يجْرِي الماءُ فيها
الجزء: 16 - الصفحة: 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن مَوْضِعٍ آخَرَ؟ على رِوايتَين.
نصَّ عليهما في مَن أرادَ أنْ يُجْرِيَ ماءَه في أرْضِ غيرِه ليَسْقِيَ زَرْعَه، وكان به حاجَةٌ إليه، كل يجوزُ؟ على رِوايتَين.
زادَ ابنُ عَقِيلٍ،
الجزء: 16 - الصفحة: 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحُّ المَنْعُ.
وكذا قال المُصَنِّفُ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: والصَّحيحُ أنَّه لا يجوزُ هنا، ولا يصِحُّ قِياسُ هذا على إجْراءِ الماءِ في أرْضِ غيرِه.
الجزء: 16 - الصفحة: 152
وَلِلامَامِ أنْ يُحْييَ أرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ، تَرْعَى فِيهَا دَوَابُّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِحِفْظِهَا، مَا لمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ.
وَلَيس ذَلِكَ لِغَيرِهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 16 - الصفحة: 155
وَمَا حَمَاهُ النبِي - صلى الله عليه وسلم - فَلَيسَ لِأحَدٍ نَقْضُهُ.
قوله: وما حَماه النبي، - صلى الله عليه وسلم -، فليس لأحَدٍ نَقْضُه.
بلا نِزاع.
وسواء كان النبي - صلى الله عليه وسلم - 165، حَماه لنَفْسِه أو لغيرِه، وهذا مع (5) بَقاءِ الحاجَةِ إليه، ومَن أحْيا
الجزء: 16 - الصفحة: 158
وَمَا حَمَاهُ غَيرُهُ مِنَ الْأئِمَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ نَقْضُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
منه شبيئًا، لم يَمْلِكْه، لكِنْ لو زالتِ الحاجَةُ إليه، فهل يجوز نقْضُه؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يجوزُ.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وصححه المُصَنفُ، والشارِح، وصاحِبُ «الفائقِ».
وقيل: يجوزُ نقْضُه.
والحالةُ هذه.
قوله: وما حَماه غيرُه مِنَ الأئمةِ، فهل يجوزُ نَقْضُه؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْني»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؛ أحدُهما، يجوزُ نقْضُه.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
صحَّحه في «التصْحيحِ»، و «الفائقِ».
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في تَذْكِرَتِه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ».
والوَجْهُ الثاني، لا يجوزُ نقْضُه.
فعلى هذا الوَجْهِ، يَمْلِكُه مُحْيِيه.
على الصحيحِ.
صحَّحه في
الجزء: 16 - الصفحة: 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفائق».
وجزَم به في «الكافِي».
[قال الشارِحُ: وهو أوْلَى] 166. وقيل: لا يمْلِكُه.
وأطْلَقَهما [في «المُغنِي»، و «المُحَرَّرِ»] (1)، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ».
قال في «الفُروعِ»: ويتَوجهُ في بَعْضِ الإطْلاقاتِ الخِلافُ ونقَل حَرْبٌ، القَطائعُ جائزة، وأنْكَرَ شدِيدًا قوْلَ مالك: لا بأسَ بقَطائعِ الأمَراءِ.
وقال: يزعُمُ أنَّه لا بأسَ بقطائِعِهم.
وقال في رِوايَةِ يَعْقُوبَ: قَطائِعُ الشامِ، والجَزيرَةِ، مِنَ المَكْروهَةِ، كانت لبَني أمَيَّةَ، فأخذَها هؤلاءِ.
ونقَل محمدُ بنُ داود 167، ما أدْري ما هذه القَطائِعُ؟ يُخْرِجُونَها ممَّن شاءوا.
قال أبو بَكْر: لأنه يَمْلِكُها مَن أقطعها، فكيف تخرُجُ منه؟
الجزء: 16 - الصفحة: 160
بَابُ الجَعَالةِ
بابُ الجَعالةِ
الجزء: 16 - الصفحة: 161
وَهِيَ أنْ يَقولَ: مَنْ رَد عَبْدِي، أوْ لُقَطَتِي، أوْ بَنَى لِيَ هَذَا الْحَائطَ، فَلَهُ كَذَا.
فائدة: قولُه، وهي أنْ يقولَ: مَن رَد عَبْدِي، أو لُقَطَتِي، أو بنَى لي هذا الحائطَ، فله كذا.
قال في «الرعايَةِ»: وهي أنْ يجْعَلَ زَيدٌ شيئًا مَعْلومًا لمَن يعْمَلُ له عَمَلًا مَعْلومًا، أو مَجْهولًا مُدةً مَجْهولَةً.
قال الحارِثِي: وهي في اصْطِلاح الفُقَهاءِ، جَعْلُ الشيءِ مِن المالِ لمَن يفْعَلُ أمْرَ كذا.
قال: وهذا أعَمُّ مما قال المُصَنفُ؛ لتَناوُلِه الفاعِلَ المُبْهَمَ والمُعَيَّن، وما قال لا يتَناوَلُ المُعَيَّنَ.
انتهى.
قلتُ: لكِنه يدْخُلُ بطَريق أوْلَى.
تنبيه: قولُه: مَن ردَّ عَبْدِي.
يقْتَضِي صحَّةَ العَقْدِ في ردِّ الآبِقِ.
وسيأتِي آخِرَ البابِ، أن لرَدِّ الآبِقِ جُعْلًا مُقَارًا بالشرْعِ.
فالمُستفادُ إذَنْ بالعَقْدِ، ما زادَ على
الجزء: 16 - الصفحة: 162
فَمَنْ فَعَلَهُ بَعْدَ أنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ اسْتَحَقهُ.
المُقَدرِ المَشْروعِ.
فوجودُ الجَعالةِ يُوجِبُ أكثرَ الأمْرَين مِنَ المُقَدرِ والمَشْروطِ، قاله الحارِثِي.
[وظاهِرُ كلامِ الأكثرِ، أنه لا يسْتَحِقُّ إلَّا ما شرَطَه له، وإنْ كان أقل مِن دِينار، وهو ظاهِرُ ما قدمه في «الفُروعِ»] 168.
فائدة: الجعالةُ نَوْعُ إجارَةٍ؛ لوُقوعِ العِوَضِ في مُقابلَةِ مَنْفَعَة، وإنما تُمَيَّزُ بكَوْنِ الفاعِلِ لا يلْتَزِمُ الفِعْلَ، وبكَوْنِ العَقْدِ قد يقَعُ مُبْهَمًا لا مع مُعَيَّن، ويجوزُ في الجَعالةِ الجَمْعُ بينَ تَقْديرِ المُدَّةِ والعَمَلِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا.
كالإجارَةِ.
وتقدَّم ذلك في الإجارَةِ أيضًا.
قوله: فمَن فعَلَه بعدَ أنْ بلَغه الجُعْلُ، اسْتَحَقَّه.
بلا نِزاع.
فإنْ كانوا جماعَة، فهو بينَهم بالسَّويَّةِ.
وإنْ بلَغه في أثْنائِه، اسْتَحَقَّ بالقِسْطِ.
فإنْ تَلِفَ الجُعْلُ، كان له مِثْلُه إنْ كان مِثْلِيًّا، وإلَّا قِيمَتُه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال في «التبصِرَةِ»: إذا عيَّن عِوَضًا، ملَكَه بفَراغِ العَمَلِ، فلو تَلِفَ، فله أجْرَةُ المِثْلَ.
فائدة: لو ردَّه مِن نِصْف الطَّريقِ المُعَينةِ، أو قال: مَن ردَّ عبْدَيَّ.
فردَّ أحدَهما، فله نِصفُ الجُعْلِ، [وإنْ ردَّه مِن ثُلُثِ الطَّريقِ، اسْتَحَقَّ الثلُثَ، ومِن ثُلُثَي الطريقِ، اسْتَحَقَّ الثُّلُثَين.
فيسْتَحِق، إذا رده مِن أقْرَبَ مِنَ المَوْضِعِ الذي عَيَّنه، بالقِسْطِ] 169، وإنْ رده مِن مَسافَة أبعَدَ مِن المُعَينةِ، فله المُسَمَّى لا غيرُ.
ذكَرَه في «التَّلْخيصِ»، وتَبِعَه في «الرعايَةِ» وغيرِه، واقتصرَ عليه في «الفُروعِ».
الجزء: 16 - الصفحة: 163
وَإنْ فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ، فَهُوَ بَينَهُمْ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 16 - الصفحة: 164
وَمَنْ فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِك لَمْ يَسْتَحِقَّهُ، سَواء رَدَّهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْجُعْل أوْ بَعْدَهُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 16 - الصفحة: 166
وَتَصِحُّ عَلَى مُدةٍ مَجْهُولَةٍ، وَعَمَل مَجْهُولٍ، إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا.
قوله: وتصِحُّ على مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ، وعَمَل مَجْهُولٍ، إذا كان العِوَضُ مَعْلومًا.
يُشْتَرطُ أنْ يكونَ العِوَضُ مَعْلومًا، كالأجْرَةِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» 170: ويحْتَمِلُ أنْ تصِح الجَعالةُ مع الجَهْلِ بالعِوَضِ، إذا كان الجَهْلُ لا يمْنَعُ التسْليمَ، نحوَ أنْ يقولَ: مَن رد عبْدِي الآبِقَ، فله نِصْفُه، ومَن ردَّ ضالَّتِي، فله ثُلثها.
قال الإمامُ أحمدُ: إذا قال الأمِيرُ في الغزْو: مَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوس فله رأس.
جازَ.
وقالوا: إذا جعَل جُعْلًا لمَن يدُله على قَلْعَةٍ أو طَريقٍ سَهْل، وكان الجُعْلُ مِن مالِ الكُفَّارِ، كجارِيَةٍ بعَينها، جازَ.
فيُخَرَّجُ هنا مِثْلُه.
انتهى.
وقال الحارِثِيُّ: يُشْتَرَطُ كَوْنُ
الجزء: 16 - الصفحة: 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجُعْلِ مَعْلومًا، فإنْ شرَط عِوَضًا مَجْهولا فسَد العَقْدُ.
وإنْ قال: فلَك ثُلُثُ الضالَّةِ، أو رُبْعُها.
صح، على ما نص عليه في الثَّوْبِ يُنْسَجُ بثُلُثِه.
والزَّرْعِ يُحْصَدُ، والنَّخْلِ يُصْرَمُ بسُدْسِه، لا بَأسَ به، وفي الغزْو: مَن جاءَ بعَشَرَةِ أرْوس، فله رأس.
جازَ.
وعندَ المُصَنِّفِ، لا يصِحُّ، وللعامِلِ أجْرَةُ المِثْلِ.
والأوَّلُ المذهبُ.
وذكَر المُصَنِّفُ في أصْلِ المَسْألةِ وَجْهًا بجَوازِ الجَهالةِ التي لا تمْنَعُ التَّسْليمَ، ونظَّر بمَسْألةِ الثُلُثَ، واسْتَشْهَدَ بنَصِّه الذي حَكَيناه في الغزْو، وبما إذا جعَل جُعْلًا لمَن يدُله على قَلْعَةٍ، أو طريق سَهْل، وكان الجُعْلُ مِن مالِ الكُفَّارِ، جازَ أنْ يكونَ مَجْهولًا، كجارِيَةٍ يُعَينها للعامِلِ.
قال: فيُخَرَّجُ هنا
الجزء: 16 - الصفحة: 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِثْلُه.
انتهى.
[وقد قطَع في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، مع اشْتِراطِهم أنْ يكونَ الجُعْلُ مَعْلومًا، فظاهِرُه، أن جَعْلَ جُزْءٍ مُشاعٍ مِنَ الضالة، ليس بمَجْهُول] (2).
فائدة: إذا كانتِ الجَهالةُ تَمْنَعُ التسْلِيمَ، لم تصِح الجَعالةُ، قوْلًا واحدًا، ويسْتَحِقُّ أجْرَةَ المِثْلِ مُطْلَقًا، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبَ.
وقيل في رَدِّ الآبِقِ، المُقَدرُ شَرْعًا.
[وكذا إن كانتْ لا تمْنَعُ التسْلِيمَ.
على المذهبِ، كما تقدَّم، وله أجْرَةُ المِثْلَ] 171.
الجزء: 16 - الصفحة: 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو قال: مَن داوَى لي هذا حتى يبرَأ مِن جُرْحِه أو مَرَضِه أو رَمَدِه، فله كذا.
لم يصِح مُطْلَقًا.
على الصحِيحِ مِنَ المذهبِ.
قدمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
واخْتارَه القاضي.
وقيل: تصِحُّ جَعالةً.
اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى، والمُصَنِّفُ.
نقَلَه الزرْكَشي في الإجارَةِ.
وقيل: تصِح إجارَةً.
الجزء: 16 - الصفحة: 170
وَهِيَ عَقْد جَائِز، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا.
فَمَتَى فَسَخَهَا الْعَامِلُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيئًا، وَإنْ فَسَخَهَا الْجَاعِلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، فَعَلَيهِ لِلْعَامِلِ أجْرَةُ عَمَلِهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 16 - الصفحة: 171
وإنِ اخْتَلَفَا فِي أصْلِ الْجُعْلِ، أوْ قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجاعِلَ.
قوله: وإنِ اخْتَلَفا في أصْلِ الجُعْلِ أو قَدْرِه، فالقَوْلُ قَوْلُ الجاعِلِ.
هذا المذهبُ في قَدْرِه، وعليه جمهورُ الأصحابِ.
قال القاضي: هذا قِياسُ المذهبِ.
وجزَم به في «الوَجِيزِ» وغيرِه.
وقدمه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: يتَحالفان في قَدْرِ الجُعْلِ؛ قِياسا على اخْتِلافِ الأجيرِ والمُسْتَأجِرِ في قَدْرِ الأجْرَةِ.
وهو احْتِمال للقاضي، وتَبِعَه مَن بعدَه على ذلك، وهو تخْريجٌ في «الرعايَةِ».
فعليه 172، يُفْسَخُ العَقْدُ، وتجِبُ أجْرَةُ المِثْلِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 172
وَمَنْ عَمِلَ لِغَيرِهِ عَمَلًا بِغَيرِ جُعْل، فَلَا شَيْءَ لَهُ، إلا فِي رَدِّ الآبِقِ،
تنبيه: قال الحارِثِي في «شَرْحِه»، في قوْلِ المُصَنِّفِ: فالقَوْلُ قَوْلُ الجاعِلِ: تجَوُّز منه؛ فإنه ليس بجاعِل فيما إذا اخْتَلَفا في أصْلِ الجَعالةِ.
انتهى.
قلتُ: [إنما حُكِمَ] 173 بكَوْنِه جاعِلًا في المَسْألتَين في الجُمْلَةِ.
أما في اخْتِلافِهم في قَدْرِ الجُعْلِ، فهو جاعِلٌ بلا رَيبٍ.
وأما في اخْتِلافِهم في أصْلِ الجُعْلِ، فليس بجاعِل بالنِّسْبَةِ إلى نَفْسِه، وهو جاعِل بالنِّسْبَةِ إلى زَعْمِ غَرِيمِه.
فعلى الأولِ، يكونُ مِن بابِ إطْلاقِ اللفْظِ المُتَواطئ إذا أرِيدَ به بعضُ مَحالِّه، وهو كثير شائع في كَلامِهم، على ما تقدم في كتابِ الطهارَةِ.
فائدة: وكذا الحُكْمُ لو اخْتَلَفا في قَدْرِ المَسافَةِ.
تنبيه: ظاهِرُ قَوْلِه: ومَن عَمِلَ لغيرِه عَمَلًا بغيرِ جُعْل، فلا شيءَ له.
ولو كان العَمَلُ تخْلِيصَ مَتاعِ غيرِه مِن فَلاةٍ، ولو كان هَلاكُه فيه مُحَققًا، أو قريبًا منه؛ كالبَحْرِ، وفَمِ السَّبُعِ، وهو قَوْلُ القاضي في «المُجَردِ»، وله احْتِمال بذَلك.
في غيرِ «المُجَرَّدِ»، وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ مِنَ الأصحابِ.
والصحيح مِنَ المذهبِ المَنْصُوصِ عن أحمدَ، أنه يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ مِثْلِه في ذلك، بخِلافِ اللُّقَطَةِ، وعليه الأصحابُ.
وكذلك لو انْكَسَرتِ السَّفينَةُ، فخَلّصَ قَوْمٌ الأمْوال مِنَ البَحْرِ، فإنه يجِبُ لهم الأجْرَةُ على المُلاكِ.
ذكَرَه في «المُغْنِي»،
الجزء: 16 - الصفحة: 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الشرْحِ»، و «شَرْح ابنِ رَزِين»، وغيرِهم.
وألْحَقَ القاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ، وجماعة بذلك، العَبْدَ إذا خَلصَه مِن فَلاةٍ مُهْلِكَةٍ.
وقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
ذكَرَه في بابِ إحْياءِ المَواتِ.
وتقدمَتِ الإشارَةُ إلى ذلك هناك.
وحكَى القاضي احْتِمالًا في العَبْدِ، بعَدَمِ الوُجوبِ، كاللقَطَةِ، وأوْرَدَ في «المُجَرَّدِ» على نصِّ أحمدَ، في مَن خلصَ مِن فَمِ السبعِ شاةً، أو خَرُوفًا، أو غيرَهما، أنه لمالِكِه الأولِ، ولا شيءَ للمُخَلِّصِ.
وقال المَجْدُ في «مُسَودَتِه»: وعندِي أن كلامَ أحمدَ، على ظاهِرِه في وُجوبِ الأجْرَةِ على تخْليص المَتاعِ مِنَ المَهالِكِ، دُونَ الآدَمِيِّ؛ لأن الآدَمِي أهْل في الجُمْلَةِ لحِفْظِ نَفسِه.
قال في «القاعِدَةِ الرابعَةِ والسَّبْعِين» 174: وفيه نظَرٌ، فقد يكونُ صغيرًا أو عاجِزًا، وتخْليصُه أهَم وأوْلَى مِنَ المَتاعِ، وليس في كلامِ أحمدَ تفْرِقة.
انتهى.
فائدتان؛ إحْداهما، لو تَلِفَ ما خلَّصَه مِن هَلَكَةٍ، لم يضْمَنْه مُنْقِذُه.
على الصحِيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يضْمَنُه.
حَكاه في «التَّلْخيصِ».
قال في «القاعِدَةِ الثالثَةِ والأرْبَعِين»: وفيه بُعْد.
الثَّانيةُ، متى كان العَمَلُ في مالِ الغيرِ إنْقاذًا له مِنَ التَّلَفِ المُشْرِفِ عليه، كان جائِزًا، كذَبْحِ الحَيوانِ المأكُولِ إذا خِيفَ مَوْتُه.
صرَّح به في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزين»، وغيرِهم.
واقْتَصَر عليه في آخِرِ «القاعِدَةِ الرَّابِعَةِ والسَّبْعِين»، وقال: ويفيدُ هذا أنه لا يضْمَنُ ما نقَص بذَبْحِه.
الجزء: 16 - الصفحة: 174
فَإِنَّ لَهُ بِالشَّرْعِ دِينَارًا أو اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا.
تنبيه: مُرادُ المُصَنِّف وغيرِه، بقَوْلِهم: ومَن عَمِلَ لغيرِه عمَلًا بغيرِ جُعْل، فلا شيءَ له.
غيرُ المُعَدِّ لأخْذِ الأجْرَةِ.
فأما المُعَدُّ لأخْذِها، فله الأجْرَةُ قَطْعًا؛ كالمَلاحِ، والمُكارِي، والحَجَّامِ، والقَصَّارِ، والخَيَّاطِ، والدلالِ، ونحوهم ممن يرْصُدُ نَفْسَه للتكَسُّبِ.
بالعَمَلِ، فإذا عَمِلَ، اسْتَحَق أجْرَةَ المِثْلِ.
نصَّ عليه.
وتقدّم بعضُ ذلك في بابِ الإجارَةَ.
قوله: إلا في رَدِّ الآبِقِ.
هذا الصحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، ونص عليه.
وعنه، لا شيءَ لرادِّه مِن غيرِ جَعالة.
اخْتارَه المُصَنِّفُ، وقال: هو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ.
ونازَعَ الزرْكشِي المُصَنِّف في كوْنِ هذا رِوايَة عن أحمدَ، وأنه ظاهِرُ كَلام الخرَقِي.
قوله: فَإنّ له بالشرْعِ دِينارًا، أو اثْنَي عَشَرَ دِرْهَمًا 175. هذا المذهبُ.
قال في «الرِّعايَةِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي»، وغيرِهما: وسواء كان يُساويهما أوْ لا، وسواء كان زَوْجًا أو ذا رَحِم في عِيالِ المالِكِ أوْ لا.
قال الحارِثِيُّ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، وغيرِه.
وقدمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصةِ»، و «المُحَرر»، و «الرِّعايَتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه، إنْ ردَّه مِن خارِج
الجزء: 16 - الصفحة: 175
وَعَنْهُ، إنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ فَلَهُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
المِصْرِ، فله أرْبَعُون دِرْهَمًا، قَرُبَتِ المَسافَةُ أو بَعُدَتْ.
قال المُصَنِّف، وتَبِعَه الشارِحُ، و «الفائِقِ»: اخْتارَه الخَلالُ.
وعنه، ومِنَ المِصْرِ عشَرَة.
قال
الجزء: 16 - الصفحة: 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخَلالُ: اسْتَقَرتْ عليه الرِّوايَةُ.
قال القاضي: هذا رِوايَة واحِدة.
وجزَم به ابنُ البَنا في «خِصالِه»، وصاحِبُ «عُيونِ المَسائلِ»، وقال: الرِّوايَةُ الصحيحةُ مِن خارِج المِصْرِ، دينار، أو عَشَرةُ دَراهِمَ.
قال في «الفائقِ»: ولو ردَّ الآبِقَ، قله، بغيرِ شَرْطٍ، عًشَرةُ دَراهِمَ.
وعنه، اثْنا عَشَرَ.
وعنه، أرْبَعُون دِرْهمًا مِن خارِج النِصْرِ.
قال الزَّرْكَشِي: في «المُغْنِي»، إذا ردَّه مِنَ المِصْرِ دِينار، أو عَشَرَةُ دَراهِمَ، وفي «الكافِي»، دِينار، أو اثْنا عَشَرَ دِرْهَمًا، في رِوايَةٍ، وفي أخْرَى، دينار.
وفي «خِلافَي الشريفِ، وأبي الخَطابِ»، و «الجامعِ الصَّغيِرِ»، دِينار، أو اثْنا عَشَرَ دِرْهَمًا في رِوايَةٍ، وفي أخْرَى، عَشَرَةُ دَراهِمَ.
انتهى.
وتقام كلامُ القاضي، وابنِ البَنَّا، والحَلْوانِيِّ.
وقال الحارِثِي: إذا رده مِن داخِلِ المِصْرِ، فله عَشَرَةُ دَراهِمَ، قَوْلًا واحدًا.
نص عليه في رِوايَةِ حَرْبٍ.
قال: ولا أعْلَمُ نَصًّا بخِلافِه.
وفي كتابِ «الرِّاويَتَين» للقاضي، لا تخْتَلِفُ الروايَةُ، إذا جاءَ به مِنَ المِصْرِ، أن له عَشَرةَ دَراهِمَ.
وقاله ابنُ أبي مُوسى في
الجزء: 16 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الإرْشادِ».
ونقَلَه أبو بَكْر في «زادِ المُسافِرِ»، و «التنبِيهِ».
وقاله القاضي أيضًا في «المُجَردِ»، وابنُ عَقِيل في «الفُصولِ»، ولم يُورِدُوا سِواه.
قال: فأما ما 176 في «المُقْنِعِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الفُروعِ» لأبِي الحُسَينِ، و «الأعْلامِ» لابن بَكْروس، و «المُحَررِ»، وغيرِهم، مِنَ التقْديرِ بالدينارِ أو اثْنَي عَشَرَ، وفي داخِلِ المِصْرِ، كما في خارِجِه، فلا يثْبُتُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأصْلُ ذلك كلِّه، قوْلُ القاضي في «الجامِعِ الصغِيرِ»: مَن رد آبِقًا، اسْتَحَق دِينارًا، أو اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، سواء جاءَ به مِنَ المِصرِ أو خارِجِ المِصْرِ، في إحْدَى الرِّواتتَين.
والأخْرَى، إنْ جاءَ به مِنَ المِصْرِ، اسْتَحَق عَشَرةَ دَراهِمَ، وإنْ جاءَ به مِن خارِجِ المِصْرِ، اسْتَحَق أرْبَعِين دِرْهَمَا.
فمنهم مَن حكَى ذلك كله، ومنهم مَنِ اخْتَص العَشَرَةَ في المِصْرِ؛ بِناءً على أنها معْنَى الدِّينارِ، وأن الدِّينارَ قد يُقَومُ بالعَشَرةِ والاثْنَي عَشَرَ، فيكونُ داخِلًا في الرِّوايَةِ الأولَى 177. قال: وهذا الذي قاله القاضي مِنِ اسْتِحْقاق الدِّينارِ، أو الاثْنَي عَشَرَ في المِصْرِ، لا أصْلَ له في كَلامِ أحمدَ، ألْبَتَّةَ، ولا دَلِيلَ عليه.
انتهى كلامُ الحارِثِيِّ.
قلتُ: وفيه نظر؛ لأن ناقِلَ هذه الرِّوايَةِ هو 178 القاضي، وهو الثِّقَةُ الأمِينُ في النقْلِ، بل هو ناقِلُ غالِبِ رِواياتِ المذهبِ، ولا يَلْزَمُ مِن عدَمِ اطِّلاعِ الحارِثِي على هذه الروايَةِ أنْ لا (2) تكونَ نُقِلَتْ عنِ الإمامِ أحمدَ، خُصوصًا وقد تابَعَه عليها 179 الأعْلامُ المُحَقِّقُون.
الجزء: 16 - الصفحة: 179
وَيَأخذ مِنْه مَا أنْفقَ عَلَيهِ فِي قُوتِهِ، وإنْ هَرَبَ مِنْه فِي طَرِيقِهِ.
تنبيه: دخَل في عُمومِ كلامِ المُصَنِّفِ، لو رده الإمامُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ، وهو ظاهِرُ ما قدمه في «الفُروعِ».
ونقَل حَرب، إنْ ردَّه الإمامُ، فلا شيءَ له.
وجَزم به ابنُ رَجَب في «قواعِدِه»، وقال: وذلك 180 لانْتِصابِه للمَصالِح، وله حَق في بَيتِ المالِ على ذلك.
وكذا قال الحارِثِي، وقطَع به.
وتقدم نَظيرُها في عامِلِ الزَّكاةِ.
قوله: ويأخُذُ مِنه ما أنْفَقَ عليه في قوتِه.
هذا المذهبُ، نص عليه، سواء قُلْنا باسْتِحْقاق الجُعْلِ أم لا.
جزَم به في «الوَجِيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ»
الجزء: 16 - الصفحة: 180
فَإنْ مَاتَ السَّيِّدُ، اسْتُحِقَّ ذَلِك فِي تَرِكَتِهِ.
وغيرِه.
وقال ابنُ رَجَبٍ في «قَواعِدِه»: وجزَم به الأكْثَرون مِن غيرِ خِلافٍ.
قال الزَّرْكَشِي: هذا المَشْهُورُ.
وخرج المُصَنِّفُ قَوْلًا بأنه لا يرجِعُ.
وقيل: لا يرجِعُ إلَّا 181 إذا أنْفَقَ بنِيَّةِ الرُّجوعِ.
واخْتارَه في «الرِّعايَةِ».
واشْتَرَطَ أبو الخَطَّابِ، والمَجْدُ في «المُحَرَّرِ»، العَجْزَ عنِ اسْتِئْذانِ المالِكِ، وضعَّفَه المُصَنِّفُ، ولا يتَوقفُ الرُّجُوعُ على تَسْلِيمِه، بل لو أبقَ قبلَ ذلك، فله الرُّجُوعُ بما أنْفَقَ عليه.
نص عليه في رِوايَةِ عَبْدِ اللهِ، وصرَّح به الأصحابُ.
فوائد؛ إحْداها، علَفُ الدابَّةِ كالنَّفَقَةِ.
الثانيةُ، لو أرادَ اسْتِخْدامَه بَدَلَ النفَقَةِ، ففي جَوازِه رِوايَتان.
حَكاهما أبو الفَتْحِ الحَلْوانِي في «الكِفايَةِ»، كالعَبْدِ المَرْهُونِ، وذَكَرَهما في «المُوجَزِ»، و «التبصِرَةِ».
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنه لا يجوزُ ذلك في العَبْدِ المَرْهونِ، فكذا هنا بطَريق أوْلَى.
والله أعلمُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: أفادَنا المُصَنِّف جوازَ أخذِ الآبِقِ لمن وجَدَه.
وهو صحيحٌ؛ لأنه لا يُؤْمَنُ عليه أنْ يلْحقَ بدارِ الحَرْبِ ويرْتَد، أو يشْتَغِل بالفَسادِ في البلادِ، بخِلافِ الضوالِّ التي تحْفَظُ نفْسَها.
إذا عُلِمَ ذلك، فهو أمانة في يَدِه، إذا أَخَذَه، إنْ تَلِفَ بغيرِ تَفْريطٍ، فلا ضَمانَ عليه، وانْ وجَد صاحِبَه، دفَعَه إليه، إذا اعْتَرف العَبْدُ أنه سيِّدُه، أو أقامَ به بَيِّنةً، فإنْ لم يجِدْ سيِّدَه، دَفَعَه إلى الامامِ أو نائبهِ، فيحْفَظُه لصاحِبِه، أو بيعُه إنْ رأى المَصْلَحَةَ فيه، وليس لواجِدِه بَيعُه، ولا تمَلكُه بعدَ تَعْريفِه؛ لأنه ينْحَفِظُ بنَفْسِه، [فهو كضَوالِّ الإبلِ.
ذكَرَه المُصنِّفُ، والشارِحُ.
وقوْلُهما: ينْحَفِظُ بنَفْسِه] 182. دَليل على أنهما أرادا الكبيرَ؛ لأن الصغِيرَ لا ينْحَفِظُ بنَفْسِه.
ويأتِي في بابِ اللقَطَةِ.
فإنْ باعَه الامامُ أو نائبُه لمَصْلَحَةٍ
الجزء: 16 - الصفحة: 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رآها، فجاءَ سَيِّدُه، فاعْتَرَف أنه كان أعْتَقَه، قُبِلَ قوْلُه.
على الصحيع مِنَ المذهبِ.
قامه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين».
وقيل: لا يقبَلُ.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ».
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» و «الحارِثِيِّ»، ذكَرَه في اللقَطَةِ.
الثالثةُ، العَبْدُ وغيرُه أمانَة في يَدِه، لا ضَمانَ عليه إلا أن يتَعَدَّى.
نص عليه، على ما تقدم.
الرابَعةُ، أمُّ الوَلَدِ، والمُدَبرُ، كالقِنِّ فيما تقدم؛ إذا جاءَ بهما إلى السيِّدِ، فإنْ ماتَ قبلَ وُصُولهما إليه، فلا جُعْلَ؛ لأنهما يعْتِقان بالمَوْتِ، فالعَمَلُ لم يتم، بخِلافِ النَّفَقَةِ، فإنه يرْجِعُ بما أنْفَقَ حال الحياةِ.
واللهُ أعلمُ بالصوابِ.
وتقدم أن المَنْصُوصَ، أنه يسْتَحِقُّ الأجْرَةَ بتَخْليصِ مَتاعِ غيره مِن مَهْلَكَةٍ.
الجزء: 16 - الصفحة: 183
بَابُ اللُّقَطَةِ
وَهِيَ الْمَالُ الضائِعُ مِنْ رَبهِ.
بابُ اللُّقَطَةِ
فائدة: قوْلُه: وهي المالُ الضائِعُ مِن رَبه.
هو تعْريف لمَعْناها الشرْعِي.
وكذا قال غيرُه.
قال الحارِثي: وعلى هذا سُؤالان؛ أحدُهما، قد يكونُ المُلْتَقَط غيرَ ضائع؛ كالمَتْروكِ قَصْدًا لأمْر يقْتَضِيه، ومنه المالُ المَدْفونُ، والشيءُ الذي يُتْرَكُ
الجزء: 16 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثِقَةً به؛ كأحجارِ الطحْنِ، والخَشَبِ الكِبارِ.
والثَّاني، أنَّهم اخْتَلَفوا في التِقاطِ الكَلْبِ المُعَلَّمِ.
فعلى القَوْلِ بالتِقاطِه، يكونُ خارِجًا عمَّا ذُكِرَ.
ومَن قال مِنَ الأصحابِ: لا يُلْتَقَطُ.
إنما قال؛ لأجْلِ كَوْنِه مُمْتَنِعًا بنَابِه، لا لأنه غيرُ مالٍ.
قال الحارِثِي: ويعْصِمُ مِنَ السُّؤالِ، أنْ يُضافَ إلى الحَدِّ، ما جرَى مَجْرَى المالِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 186
وَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أقْسَامٍ: أحدُهَا، مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ، كَالسَّوْطِ، وَالشِّسْعِ، وَالرَّغِيفِ، فَيُمْلَكُ بِأخْذِهِ بِلَا تَعْرِيفٍ.
قوله: وتنْقَسِمُ ثَلاثةَ أقْسام؛ أحَدُها، ما لا تتْبَعُه الهِمةُ.
يَعْنِي، هِمةَ أوْساطِ الناسِ، ولو كثرُ.
وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
ومثلَه المُصَنِّفُ بالسوطِ،
الجزء: 16 - الصفحة: 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشِّسْعِ، والرغِيفِ.
ومثلَه في «الإرْشادِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَقِيل»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وجماعةٌ، بالتمْرَةِ، والكِسْرَةِ، وشسعِ النعْلِ، وما أشْبَهَه.
ومثلَه في «المُغْنِي» بالعَصا والحَبْلِ، وما قِيمَتُه كقِيمَةِ ذلك.
قال الحارِثي: ما لا تتبعُه الهِمةُ.
نص أحمدُ في رِوايَةِ عَبْدِ اللهِ وحَنبل، أنه ما كان مِثْلَ التمْرَةِ، والكِسْرَةِ، والخِرْقَةِ، وما لا خطَر له، فلا بأسَ.
وقال في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُور: الذي يُعَرفُ مِنَ اللُّقَطَةِ كل شيءٍ، إلا مالا
الجزء: 16 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِيمَةَ له.
وسُئِلَ في رِوايَةِ حَرْبٍ، الرجُلُ يُصِيبُ الشِّسْعَ في الطريقِ، أيأخُذُه؟ قال: إذا كان جَيِّدًا مما لا يُطْرَحُ مِثْلُه، فلا يُعْجِبُنِي أنْ يأخُذَه، وإنْ كان رَدِيئًا قد طرَحَه صاحِبُه، فلا بَأسَ.
قال الحارِثِي: فكلامُ أحمدَ لا يُوافِقُ ما قال في «المُغْنِي»، ولا شكَّ أن الحَبْلَ، والسَّوْطَ، والرغِيفَ يزِيدُ على التمْرَةِ،
الجزء: 16 - الصفحة: 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والكِسْرَةِ.
قال: وسائرُ الأصحابِ على ما قال الإمامُ أحمدُ في ذلك كله، ولا أعْلَمُ أحدًا وافَقَ المُصَنِّفَ، إلا أبا الخَطابِ في الشِّسْعِ فقط.
انتهى.
قال في «الرِّعايَةِ»: وما قل؛ كتَمْرَةٍ، وخِرْقَةٍ، وشسعِ نَعْل، وكِسْرَةٍ، وقيل: ورَغيفٍ.
انتهى.
فحكَى في الرغيفِ الخِلافَ.
وقيل: هو ما دُونَ نِصابِ السرِقَةِ.
قال في «الكافِي»: ويحْتَمِلُ أنْ لا يجِبَ تَعْريفُ ما لا يُقْطَعُ فيه السارِقُ.
وقيل: هو ما دُونَ قِيراطٍ؛ مِن عَين أو وَرِق.
اخْتارَه أبو الفَرَجِ في «المُبْهِجِ»، ورَدهْ المُصَنفُ.
وذكَر القاضي، وابنُ عَقِيل، لا يجِبُ تَعْريف الدَّانِقِ.
قال الحارِثِي: والظاهِرُ أنه عنَى دانِقًا مِن ذهَبٍ.
وكذا قال صاحِبُ «التلْخيصِ».
قال في «الرعايَةِ»: وقيلَ: بل ما فوقَ دانِقِ ذَهَبٍ.
وقال أيضًا: وعنه، يُعَرَّفُ الدِّرْهَمُ فأكثرُ.
فائدة: لو وجَد كَنَّاسٌ، أو نَخالٌ، أو مقلشٌ، قِطعًا صِغارًا مُفرَّقَةً، ملكَها بلا تَعْريفٍ، وإنْ كَثُرَتْ.
الجزء: 16 - الصفحة: 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: فيُمْلَكُ بأخْذِه بلا تَعْرِيض.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ونص عليه أحمدُ.
وعنه، يلْزَمُه تَعْريفُه.
ذكَرَها أبو الحُسَينِ.
وقيل: يلْزَمُه تَعْريفُه مُدَّة يظُنُّ طلَبَ رِّبه له.
اخْتارَه في «الرِّعايَةِ».
فوائد؛ منها ما قاله في «التبَّصَرَةِ»: إن الصدَقَةَ بذلك أوْلَى.
ومنها، أنَّه لا يلْزَمُه دَفْعُ بَدَلِه، إذا وجَد ربه.
على الصَّحيع مِنَ المذهبِ، وقُوةُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا تقْتَضِيه؛ لقَوْلِه: فيُمْلَكُ بأخْذِه بلا تَعْريفٍ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «التبصِرَةِ»: يلْزَمُه.
قال في «الفُروعِ»: وكلامُهم فيه يحْتَمِلُ وَجْهَين.
وقيل لأحمدَ في التَّمْرَةِ تجِدُها، أو يُلْقِيها عُصْفُوز: أيأكُلُها؟ قال: لا.
قال: أيطْعِمُها صَبِيًّا، أو يتَصَدقُ بها؟ قال: لا يعْرِضُ لها.
نقَلَها أبو طالب وغيرُه، واخْتارَه عَبدُ الوَهابِ الوَرَّاقُ.
ومنها: لا يُعَرِّفُ الكَلْبَ إذا وجَدَه، بل ينتفِعُ به، إذا كان مُباحًا.
على الصحيح مِنَ المذهبِ.
وقيل: يُعَرِّفُ سنَةً.
ويأتِي قريبًا.
الجزء: 16 - الصفحة: 191
الثَّانِي، الضوالُّ الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالْإبِل، وَالْبَقَرِ، وَالْخَيلِ، وَالْبِغَالِ، وَالظِّبَاءِ، وَالطَّيرِ، وَالفُهُودِ، وَنحْوهَا، فَلَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا، وَمَنْ أخذَهَا ضَمِنَهَا، فَإنْ دَفَعَهَا إِلَى نَائِبِ الإمَامِ زَال عَنْهُ الضَّمَانُ.
قوله: الثانِي، الضوالُّ التي تمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباعِ؛ كالأبِلِ، والبَقَرِ، والخَيلِ، والبِغالِ، والظباءِ، والطيرِ، والفُهُودِ، ونحوها، فلا يجوزُ التِقاطُها.
بلا نِزاع.
الجزء: 16 - الصفحة: 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ منها، الصحيحُ مِنَ المذهبِ، أن الحُمُرَ مما يمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباعِ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال المُصَنِّفُ، والشارِحُ، وغيرُهما: قاله الأصحابُ.
قال الحارِثِي: هو قوْلُ القاضي في آخرَين.
وجزَم به في «الرِّعايتَين» وغيرِهما.
وقدمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهما.
وألْحَقَ المُصَنِّفُ الحُمُرَ بالشاةِ ونحوها.
قال الحارِثِي: وهو أوْلَى.
ومنها، قال الحارِثِي: اخْتَلفَ الأصحابُ في الكَلْبِ المُعَلمِ؛ فأدْخَلَه المُصَنِّفُ فيما يمْتَنِعُ التِقاطُه، كما اقْتَضاه
الجزء: 16 - الصفحة: 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهِرُ لَفْظِه هنا، وصَريحُ لَفْظِه في «المُغْنِي»؛ اعْتِبارًا بمَنَعَتِه بنابِه.
وجوَّزَ التِقاطَه القاضي وغيرُه، وهو أصحُّ؛ لأنه لا نَصَّ في المَنْعِ، وليس في مَعْنَى المَمْنُوعِ، وفي أخْذِه حِفْظ على مُسْتَحِقِّه، أشْبَهَ الأثْمانَ وأوْلَى، مِن جِهَةِ أنه ليس مالًا، فيكونُ أخَفَّ.
وعلى هذا، هل يَنْتَفِعُ به بعدَ حَوْلِ التعْريفِ؟ فيه وَجْهان، وفيهما طَرِيقان؛ أحَدُهما، بِناءُ الخِلافِ على الخِلافِ في تَمَلك الشَّاةِ بعدَ الحَوْلِ.
وهي طَريقَةُ القاضي.
الآخَرُ، بِناءُ الانْتِفاعِ على التمَلك لما يتمَلَّكُ بعدَ الحَوْلِ، وبِناءُ مَنْعِ الانْتِفاعِ على أنه لا يضْمَنُ لما ضاعَ منه بالقِيمَةِ لو تَلِفَ؛ لانْتِفاءِ كوْنِه مالا، فيُؤدِّي إلى الانْتِفاعِ مجَّانًا، وهو خِلافُ الأصْلِ.
انتهى كلامُ الحارِثيِّ.
ومنها، يجوزُ للإمامِ ونائبِه أخْذُ ما يمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباع، وحِفْظُه لرَبِّه، ولا يلْزَمُه تَعْرِيفُه.
قاله الأصحابُ.
ولا يُكْتَفَى فيها بالصِّفَةِ.
قاله المُصَنِّفُ وغيرُه، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ».
ولا يجوزُ لغيرِهما أخْذُ شيء مِن ذلك لحِفْظِه لرَبه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال المُصَنِّفُ ومَن تَبِعَه: يجوزُ أخْذُها إذا خِيفَ عليها؛ كما لو كانتْ في أرْض مَسْبَعَةٍ، أو قريبًا مِن دارِ الحَرْبِ، أو بمَوْضِع يسْتَحِلُّ أهله أمْوال المُسْلِمين، أو في برِّيَّةٍ لا ماءَ فيها ولا مَرْعَى، ولا ضَمانَ على آخِذِها؛ لأنه إنْقاذ مِنَ الهَلاكِ.
قال الحارِثِي: وهو كما قال.
وجزَم به في «تَجْريدِ العِنايَةِ».
الجزء: 16 - الصفحة: 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلتُ: لو قيلَ بوُجوبِ أخْذِها، والحالةُ هذه، لكان له وَجْه.
ومنها، قطَع المُصَنِّفُ والشارِحُ بجَوازِ التِقاطِ الصيودِ المُتَوحِّشَةِ التي إذا تُرِكَتْ، رجَعَتْ إلى
الجزء: 16 - الصفحة: 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصحْراءِ، بشَرْطِ أنْ يعْجِزَ عنها صاحِبُها.
واقْتَصَر عليه الحارِثِي.
قلتُ: فيُعايَى بها.
وظاهِرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ»، عدَمُ الجَوازِ.
قلتُ: وهو ضعيف، [لكِنَّه إنما حُكِيَ ذلك عنه في طَير مُتَوَحِّشَةٍ.
وكلامُ المُصَنف أعَمُّ مِن ذلك] 183. ومنها، قال ابنُ عَقِيل في «الفُصولِ»، والمُصَنفُ، والشارِحُ، والزرْكَشِي، وجماعةٌ: أحْجارُ الطواحِينِ، والقُدورُ الضخْمَةُ، والأخْشابُ الكَبيرَةُ ونحوُها مُلْحَقَة بالإبِلِ في مَنْعِ الالتِقاطِ.
[قال المُصَنِّفُ والشَّارِحُ: بل أوْلَى] (1). قال الحارِثِي: فظاهِرُ كلامِ غيرِ واحدٍ مِنَ الأصحابِ، جوازُ الالتِقاطِ، وكذا نَصُّه في رِوايَةِ حَنْبَل.
[وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الفُروعِ» في الخَشَبَةِ الكَبيرةِ] (1).
قوله: ومَن أخَذَها، ضَمِنَها.
يعْنِي، إذا تَلِفَتْ، [ويضْمَنُ نَقْصَها] 184، إذا تعَيبتْ، لكِن إتْلافَها لا يخْلُو؛ إما أنْ يكونَ قد كتَمَها، أوْ لا؛ فإنْ كان ما كتَمَها وتَلِفَتْ، ضَمِنَها كغاصِبٍ، وإنْ كان كتَمَها حتى تَلِفَتْ، ضَمِنَها بقِيمَتِها مرَّتَين،
الجزء: 16 - الصفحة: 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على المذهبِ، نص عليه في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُور؛ إمامًا كان أو غيرَه.
وأخْتارَه أبو بَكْرْ وغيرُه.
وجزَم به في «المُحَررِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
قال الحارِثِي: وقال به غيرُ واحدٍ.
قال في «الفُروعِ»: ويضْمَنُه كغاصِبٍ، ونَصُّه، وقاله أبو بَكْر، يضمَنُ ضالةً مَكْتُومَةً بالقِيمَةِ مرَّتَين؛ للخَبَرِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، قوْلُه: فإنْ دفَعَها إلى نائبِ الإمامِ، زال عنه الضمانُ.
بلا نِزاعٍ.
قال الحارِثِي 185: هذا يَنْبَنِي على أن لنائبِ الإمامِ أخْذَها ابتداءً للحِفْظِ.
وهو شيء قاله مُتَأخرُو أهلِ المذهبِ؛ القاضي، وابنُ عَقيل، والسامَرِّي، والمُصَنِّف، وغيرُهم.
وكذا لو أمَرَه برَدِّها إلى مَوْضِعِها، ورَدها، بَرِئ.
قاله في «الفُروع» وغيرِه.
الثَّانيةُ، إذا أخَذَها الإمامُ أو نائبُه منه، لم يلْزَمْه تَعْريفُها.
قاله الأصحابُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 198
الثَّالِثُ، سَائِرُ الْأمْوَالِ؛ كَالْأثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ وَالْغَنَم وَالفصْلَانِ، وَالْعَجَاجِيلِ، وَالأفْلَاءِ.
قوله: الثالِثُ، سائرُ الأموالِ؛ كالأثْمانِ، والمَتاعِ، والغَنَمِ، والفُصْلانِ، والعَجاجِيلِ، والأفْلاءِ.
يعْنِي، يجوزُ التِقاطُها.
وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
قال في «الفائقِ»: قلتُ: وكذا مرِيض لا ينْبَعِثُ، ولو كان كبيرًا.
وعنه، في شاةٍ، وفَصِيل، وعِجْل، وفِلْو، لا يجوزُ التِقاطُه.
ذكَرَها المُصَنِّفُ وغيرُه.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وعنه، لأ يلْتَقِطُ الشاةَ ونحوَها إلا الإمامُ.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
وذكَر أبو الفَرَجِ في العَرْضِ رِوايَةً، لا يلْتَقِطُه.
الجزء: 16 - الصفحة: 203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: شَمِلَ كلامُ المُصَنِّفِ العَبْدَ الصغيرَ، والجارِيَةَ.
وهو صحيح.
قال في «الرِّعايَةِ»: والعَبْدُ الصغيرُ كالشَّاةِ.
وكذا كل جارِيَةٍ تحْرُمُ على المُلْتَقِطِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ».
قال الحارِثِي: وصِغارُ الرقيقِ مُطْلَقًا يجوزُ التِقاطُه.
ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيل، واقْتَصَر على ذلك.
وقيل: لا يُمْلَكُ بالتعْريفِ.
قال القاضي: هذا قِياسُ المذهبِ.
قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» 186: وهذه المَسْألةُ فيها نظَر؛ فإن اللقِيطَ مَحْكوثم بحُرِّيته، فإنْ كان ممَّن لا يُعَبِّرُ عن نَفْسِه، فأقَرَّ 187 بأنه مَمْلوك، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأن الطِّفْلَ لا قَوْلَ له، ولو اعْتُبِرَ قَوْلُه في ذلك، لاعْتُبِرَ في تعرِيفِه سيِّدَه.
انتهى.
وتقام كلامُ المُصَنِّفِ، في آخِرِ البابِ الذي قبلَه، وفيه إشارَة إلى أنَّ الصغيرَ يُمْلَكُ بالتعْريفِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 204
فَمَنْ لَا يَأمَنُ نَفْسَهُ عَلَيهَا، لَيس لَهُ أخْذُهَا، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا وَلَمْ يَمْلِكْهَا وَإنْ عَرَّفَهَا.
وَمَنْ أمِنَ نفْسَهُ عَلَيهَا.
وَقَوىَ عَلَى تَعْرِيفِهَا، فَلَهُ أخدهَا، وَالْأفْضَلُ تَرْكُهَا.
قوله: ومَن أمِنَ نَفْسَه عليها، وقَوىَ على تَعْريفِها، فله أخْذُها، والأفْضَلُ تَرْكُها.
هذا المذهبُ، نص عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في
الجزء: 16 - الصفحة: 206
وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: إن وَجَدَهَا بمَضْيَعَةٍ فَالْأفْضَلُ أخْذُهَا.
«الوَجيز» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وهو مِنَ المُفرَداتِ.
وعندَ أبِي الخَطَّابِ، إنْ وجَدَها بمَضْيَعَةٍ، فالافْضَلُ أخْذُها.
قال الحارِثِيُّ: وهذا أظْهَرُ الأقْوالِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وخرَّج بعضُ الأصحابِ مِن هذا القَوْلِ وُجوبَ أخْذِها، وهو قَوي في النَّظَرِ.
تنبيه: ظاهِرُ قَوْلِه: وقَوىَ على تَعْريفِها.
أنَّ العاجِزَ عنِ التعْريفِ ليس له أخْذُها.
وهو صَحيح.
وكذا الحُكْمُ إنْ لم يأمَنْ نَفْسَه عليها.
ولا يمْلِكُها بالتعْريفِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وفيه وَجْه، يمْلِكُها.
ذكَرَه في
الجزء: 16 - الصفحة: 207
وَمَتَى أخَذَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، أوْ فَرَّطَ فِيهَا، ضَمِنَهَا.
«المُغْنِي» وغيرِه.
فائدة: لو أخَذَها لنيةِ الأمانَةِ، ثم طرأ قَصْدُ الخِيانَةِ.
قال في «التلْخيصِ»: يحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يضْمَنُ، كما لا يضْمَنُ لو كان أوْدَعَه.
قال الحارِثِي: وهذا اخْتِيارُ المُصَنِّفِ، وهو الصَّحيحُ.
انتهى.
والثَّاني، يضْمَنُ.
قال في «التلْخيص»: وهو الأشْبَهُ بقَوْلِ أصحابِنا في التَّضْمِينِ بمُجَرَّدِ اعْتِقادِ الكِتْمانِ، ويُخالِفُ المُودَعَ، فإنَّه مُسَلَّط مِن جِهَةِ المالِك.
انتهى.
وتقدَّم نَظيرُ ذلك في الوَدِيعَةِ، قبلَ قوْلِه: وإنْ أوْدَعَه صَبِي وَدِيعَةً.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» حِكايَةً عن صاحِبِ «الترْغيبِ».
قوله: ومَتَى أخَذَها ثم رَدها إلى مَوْضِعِها، أو فَرَّطَ فيها، ضَمِنَها.
اعلمْ أنه إذا التقَطَها، ثم رَدها إلى مَوْضِعِها، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ تكونَ ممَّا يجوزُ التِقاطُه، أوْ لا؛ فإنْ كانتْ ممَّا يجوزُ التِقاطُه، ضَمِنَها، إلى أنْ يأمُرَه الحاكِمُ أو نائبُه بذلك، فإنه لا يضْمَنُ، بلا نِزاع، كما تقدّم.
وإنْ كانتْ مما لا يجوزُ التِقاطُه إذا رَدّه، فلا يخْلُو؛ إما أنْ يكونَ بإذْنِ الإمامِ أو نائبِه، أوْ لا؛ فإنْ كان بإذْنِ أحَدِهما، لم يضْمَنْ، وإنْ
الجزء: 16 - الصفحة: 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان بغيرِ إذْنٍ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يضْمَنُ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يضْمَنُ.
وهما احْتِمالان مُطْلَقان في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
فعلى المذهبِ، يزُولُ عنه الضَّمانُ لو أخَذَها ودَفعَها إلى الامامِ أو نائبِه.
الجزء: 16 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فائدة: لو أخَذ مِن نائمٍ شيئًا، لم يبْرَأ منه إلَّا بتسْليمِه له بعدَ انْتِباهِه، وكذلك السَّاهِي 188.
الجزء: 16 - الصفحة: 210
وَهِيَ عَلَى ثَلًاثَةِ أضْرُبٍ؛ حَيَوان، فَيُخَيَّرُ بَينَ أكْلِهِ وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، وَبَينَ بَيعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، وَبَينَ حِفْظِهِ والإنْفَاقِ عَلَيهِ مِنْ مَالِهِ.
قوله: وهي على ثَلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، حَيَوان، فيُخَيَّرُ بينَ أكلِه وعليهِ
الجزء: 16 - الصفحة: 217
وهل يَرجِعُ بِذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهينِ.
قِيمَتُه، وبينَ بَيعِه وحِفْظِ ثَمَنِه، وبينَ حِفْظِه والإنْفاق عليه مِن مالِه.
قال المُصَنِّف، وتَبعَه الشّارِحُ: لم يذْكُر أصحابُنا له تَعريفًا.
ومُرادُه، إذا اسْتَوَتِ الثَّلاثةُ عندَه، أَمَّا إذا كان أحدُهما أحظ، فإنه يلْزَمُه فِعلُه.
قال في «الفُروعِ»: ويفْعَلُ الأحظَّ لمالِكِه.
قال الحارِثِيُّ: وفي «المُجَردِ»، و «الفُصولِ» في بابِ الوَدِيعَةِ، أن كل مَوْضِعٍ وجَبَ عليه نَفَقَةُ الحَيَوانِ، فحُكْمُه حُكْمُ الحاكمِ؛ إنْ
الجزء: 16 - الصفحة: 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رأى مِنَ المصلَحَةِ بَيعَها وحِفْظَ ثَمَنِها، أو بَيعَ البَعضِ في مُؤنَةِ ما بَقِيَ، أو أنْ يسْتَقْرِضَ على المالِكِ، أو يُؤْجِرَ في المُؤْنَةِ، فعَل.
انتهى.
وقال في «التَّرغيب»: لا يبيعُ بعضَ الحَيوانِ.
وأفْتَى أبو الخَطَّابِ، وابنُ الزَّاغُونِي بأكْلِه بمَضْيَعَةٍ بشَرطِ ضَمانِه، وإلا يجُزْ تَعجيلُ ذَبْحِه؛ لأنّه يُطْلَبُ.
وقال أبو الحُسَينِ، وابنُ عَقِيل
الجزء: 16 - الصفحة: 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الفُصولِ»، وابنُ بَكْروسٍ: لا يتَصَرفُ قبلَ الحَوْلِ في شاةٍ ونحوها بأكْل ولا غيرِه، رِوايَةً واحِدَةً، ونحوُه قَوْلُ أبِي بَكْر، قال في «زادِ المُسافِرِ»: وضالةُ الغَنَمِ إذا أخَذَها يُعَرِّفُها سَنةً، وهو الواجِبُ، فإذا مَضتِ السَّنَةُ، ولم يعرِفْ صاحِبَها، كانتْ له مِثْلَ ما التَقَطَ مِن غيرِها.
قال الحارِثِيُّ: وقد قال الشَّرِيفان؛ أبو جَعفَر، والزيدِي: لا تُملَكُ الشاةُ قبلَ الحَوْلِ، رِوايَةً واحِدَةً.
وكذا حكَى السَّامري، قال: إنْ كانتِ اللُّقَطَةُ حَيَوانًا، يجوزُ أخْذُه كالغَنَمِ، وما حُكْمُه حُكْمُها، لم يملِكْها قبلَ الحَوْلِ.
قال الزَّركَشِيُّ: وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ الحَيَوانَ يُعَرَّفُ كغيرِه، وهو مُقْتَضَى كلامِ صاحِبِ «التلْخيصِ»، وأبِي البَرَكاتِ، وغيرِهما.
قال الحارِثِيُّ: وهذا يَنْفِي اخْتِيارَ الأكْلِ؛ لأنّه تَمَلُّكٌ عاجِلٌ.
قال 189: وهذا، أعنِي الحِفْظَ مِن غيرِ تَخْيِير، هو الصَّحيحُ، وكان قال قبلَ ذلك: أوْلَى الأمُورِ، الحِفْظُ مع الإنْفاقِ، ثم البَيعُ وحِفْظُ ثَمَنِه 190، ثم الأكْلُ وغُرمُ القِيمَةِ.
انتهى.
وقال ناظِمُ المُفْرَداتِ:
والشَّاةُ في الحالِ ولو في المِصْرِ.
. . . تُملَكُ بالضَّمانِ إنْ لم يُبْرِي
الجزء: 16 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: وهل يرجِعُ بذلك؟ على وَجْهين.
وهما رِوايَتان في «المُجَردِ»، و «الفُصول»، و «المُغْنِي»، و «الشّرحِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهم.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشرحِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الزركَشِي»؛ أحدُهما، يرجِعُ إذا نوَى الرُّجوعَ.
وهو المذهبُ، نصَّ عليه، وصحّحه في «التصحيحِ».
قال الحارِثِي: والأصَحُّ الرُّجوعُ.
والرُّجوعُ هو المَنْصوصُ في الآبِقِ، والآبِقُ مِن نحو الضَّالةِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «الإرشادِ».
قال أبو بَكْر: يرجِعُ مع تَركِ التعَدِّي، فإنْ تعَدَّى، لم يُحسبْ له.
والوَجْهُ الثاني، لا يرجِعُ.
قال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والسبْعِين»: إنْ كانتِ النفقَةُ بإذْنِ حاكِم، رجَع، وإنْ لم تَكُنْ بإذْنِه، ففيه الرِّوايَتان.
يعنِي اللَّتَين في مَن أدَّى حَقًّا واجِبًا عن
الجزء: 16 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غيرِه بغيرِ إذْنِه، ونوَى الرُّجوعَ، والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ الرُّجوعُ، على ما تقدم في بابِ الضمانِ، فكذا هنا.
قال ابنُ رَجَبٍ: ومنهم مَن رجَّحَ هنا عدَمَ الرُّجوعِ؛ لأنَّ حِفْظَها لم يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، بل كان مُخَيَّرًا بينَه وبينَ بَيعِها وحِفْظِ ثَمَنِها.
وذكَر ابنُ أبِي مُوسى، أن المُلْتَقِطَ إذا أنْفَقَ غيرَ مُتَطَوِّع بالنَّفَقَةِ، فله الرُّجوعُ بها، وإنْ كان مُحتَسبًا، ففي الرُّجوع رِوايَتان.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»: إنْ كان بإذْنِ
الجزء: 16 - الصفحة: 222
الثَّانِي، مَا يُخْشَى فَسادُهُ، فَيَتَخَيَّرُ بَينَ بَيعِهِ وَأكْلِهِ إلا أنْ يمكِنَ
حاكِم، فله الرُّجُوعُ، وإنْ أنْفَقَ بغيرِ إذْنِه، ولم يُشْهد بالرجوعِ، فهو مُتَطَوِّعٌ، وإنْ أنْفَقَ مُحتَسِبًا بها، وأشْهدَ على ذلك، فهل يملِكُ الرجوعَ؟ على رِوايتَين.
قوله: الثَّانِي، ما يُخْشَى فَسادُه، فيُخَيَّرُ بينَ بَيعِه وأكلِه.
يعنِي، إذا اسْتَوَيا، وإلا فعَل الأحظ، كما تقدّم.
قال في «الفُروعِ»: وله أكْلُ الحَيَوانِ، وما يُخْشَى فَسادُه بقِيمَتِه.
قاله أصحابُنا.
وقال في «المُغْنِي» 191: يقْتَضِي قوْلُ أصحابِنا: إن العُروضَ لا تُملَكُ.
أنه 192 لا يأكلُ، ولكِنْ يُخَيَّرُ بينَ الصدَقَةِ وبينَ بَيعِه.
الجزء: 16 - الصفحة: 223
تَجْفِيفُهُ؛ كَالْعِنَبِ، فَيَفْعَلَ مَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ لِمَالِكِهِ.
وذكَر نصًّا يدُلُّ على ذلك.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: ما لا يبْقَى، قال المُصَنِّفُ فيه، والقاضي، وابنُ عَقِيل: يتَخَيَّرُ بينَ بَيعِه وأكْلِه.
بهذا أوْرَدُوا مُطْلَقًا.
وقيَّد أبو الخَطابِ بما بعدَ التعريف؛ فإنه قال: عرفَه بقَدرِ ما يَخافُ فَسادَه، ثم هو بالخِيارِ.
قال: وقوْلُه: بقَدرِ ما يخَافُ فَسادَه.
وَهْمٌ، وإنَّما هو بقَدرِ ما لا يخافُ.
قلتُ: وتابَع أبا الخَطَّابِ على هذه العِبارَةِ في «المُذْهبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «التلْخيصِ»، وجماعة.
ومشَى على الصوابِ في «الخُلاصةِ»، فقال: عرَّفَه، ما لم يخْشَ فَسادَه.
قال الحارِثِيُّ: والمذهبُ الإبقاءُ، ما لم يفْسُد مِن غيرِ تَخْيِيرٍ، على ما مَر نصُّه في الشاةِ.
وهو الصحيحُ، فإذا دَنا الفَسادُ، فرِوايَتان؛ إحداهما، التصَدُّقُ بعَينه مَضْمُونًا عليه.
والثانيةُ، البَيعُ وحِفْظُ الثمَنِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وأطْلَقَهما الحارِثِي.
وقال ابنُ أبِي موسى: يتَصَدقُ بالثمَنِ.
انتهى.
ومنع تَعذر البَيعِ أو الصَّدَقَةِ يجوزُ له أكْلُه، وعليه القِيمَةُ.
تنبيه: حيثُ قُلْنا: يُباعُ.
فإن البائعَ المُلْتَقِطُ.
على الصّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ سواء كان يسيرًا أو كثيرًا؛ تَعذَّر الحاكِمُ أوْ لا.
وعنه، يبِيعُ اليَسِيرَ، ويرفَعُ الكَثِيرَ إلى الحاكِمِ.
وعنه، يبِيعُه كُله إنْ فقدَ الحاكِمَ، وإلَّا رفَعَه إليه.
فائدة: لو ترَكَه حتى تَلِفَ، ضَمِنَه.
قوله: إلا أنْ يُمكِنَ تَجْفِيفُه، كالعِنَبِ، فيفْعَلَ ما يرَى فيه الحَظَّ لمالِكِه.
أي مِنَ
الجزء: 16 - الصفحة: 224
وغَرَامَةُ التَّجْفِيفِ مِنْهُ.
وَعَنْهُ، يَبِيعُ الْيَسِيرَ، وَيَدفَعُ الْكَثِيرَ إِلَى الْحَاكِمِ.
التَّجْفيفِ والبَيعِ والأكلِ.
وصرَّح به المُصَنفُ في «المُغْنِي»، و «الكافِي».
ولم يجْعَلْ له القاضي، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيل، والسَّامَريُّ الأكلَ، لأنّه يملِكُ قبلَ انْقِضاءِ التَّعريفِ فيما يبْقَى، وهو خِلاف الأصلِ.
واقْتَصَروا على الأحَظِّ، مِنَ التجْفيفِ والبَيعَ.
قال الحارِثِي: وهو الأقْوَى.
وقال: وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، مِن رِوايَةِ مهنَّا، وإسحاقَ، التَّسْويَةُ بينَ هذا النوْعِ والذي قبلَه.
وكذا كلامُ ابنِ أبِي مُوسى، قال: فيجْرِي فيه 193 ما مَر مِنَ الخِلافِ.
انتهى.
الجزء: 16 - الصفحة: 225
الثَّالِثُ، سَائِرُ الْمَالِ، فَيَلْزَمُهُ حِفْظُهُ، وَيُعَرِّف الْجَمِيعَ بِالنِّدَاءِ عَلَيهِ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ؛ كَالْأَسْوَاقِ وَأبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فِي أوْقَاتِ قوله: ويُعَرِّف الجَمِيعَ -يعنِي وُجوبًا- بالنِّداءِ عليه في مَجامِعِ النَّاسِ؛ كالأسْواق، وأبوابِ المَساجِدِ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ، حَوْلًا كامِلا: مَن ضاعَ منه
الجزء: 16 - الصفحة: 226
الصَّلَوَاتِ، حَوْلًا كَامِلا: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيء أوْ نَفَقَةٌ.
وَأجْرَةُ الْمُنَادِي عَلَيهِ.
وَقَال أبو الْخَطَّابِ: مَا لَا يملَكُ بِالتّعرِيفِ، وَمَا يُقْصَدُ حِفْظُهُ لِمَالِكِهِ، يَرجِعُ بِالأجْرَةِ عَلَيهِ.
شيء أوْ نَفَقَة.
وهذا بلا نِزاع في الجُملَةِ.
ووَقْتُ التعريفِ النهارُ، ويكونُ في الأسْبُوعِ الأولِ، في كُلِّ يَوْم.
قال في «الترغيب»، و «التلْخيصِ»، و «الرّعايَةِ»، وغيرِهم: ثم مرة في كُلِّ أسْبُوع مِن شَهْر، ثم مَرةً في كلِّ شَهْر.
وقيل: على العادَةِ بالنِّداءِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ.
قلتُ: وهو
الجزء: 16 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصوابُ، ويكونُ ذلك على الفورِ.
وقيل: يُعَرفُها بقُربِ الصحراءِ، إذا وجَدَها فيها.
قال في «الرعايَةِ الكُبرَى»: قلتُ: في أقْرب البُلْدانِ منه.
تنبيه: شَمِلَ قوْلُه: ويُعَرف الجميعَ.
الحَيَوانَ وغيرَه.
وهو أحدُ القَوْلَين.
الجزء: 16 - الصفحة: 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وتقدَّم أن أبا بَكْر، وأبا الحُسَينِ، وابنَ عَقِيلٍ، وابنَ بَكْروسٍ، والشرِيفَين، وغيرَهم قالوا: لا يتَصَرفُ في شاةٍ ولا في غيرِها قبلَ الحَوْلِ، رِوايَةً
الجزء: 16 - الصفحة: 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحدةً.
ونقَل أبو طالِبٍ، تُعَرَّف الشاةُ.
وذكَرَه أبو بَكْر وغيرُه.
وقال في «الفُروع»: أكثرُ الأصحابِ لم يذكُروا للحَيَوانِ تَعرِيفًا.
وتقدّم أيضًا، أنَّ ما يُخْشَى فَسادُه، يُعَرفُ 194 بمِقْدارِ ما لا يُخافُ فَسادُه عندَ أبِي الخَطَّابِ، وابنِ الجوْزِي، والسامَري، وصاحِب «التلْخيصِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم.
الجزء: 16 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الحارِثِي: والأصَحُّ أنها تُعَرفُ حَوْلًا.
تنبيه: ظاهِرُ قَوْلِه: وأبوابِ المَساجِدِ.
أنه لا يُعَرِّفُها في نَفْسِ المَساجِدِ.
وهو صحيحٌ.
بل يُكْرَهُ، على الصحيح مِنَ المذهبِ.
قدمه في «الفُروعِ».
وقال في «عُيونِ المَسائلِ»: يحرُمُ.
وقاله ابنُ بَطةَ في إنْشادِها.
الجزء: 16 - الصفحة: 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو أخَّرَ التعريفَ عنِ الحَوْلِ الأولِ، مع إمكانِه، أثِمَ، وسقَط التعريفُ.
على الصّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصّ عليه، وعليه الأصحابُ.
وخرَّج عَدَمَ السُّقوطِ مِن نصه على تعريف وما يُوجَدُ مِن دِفْن المُسْلِمِين.
وهو وَجْهٌ ذكَرَه في «المُغنِي».
قال الحارِثِي: وهو الصحيحُ.
فيأتِي به في الحَوْلِ الثانِي، أو يُكمِلُه إنْ أخَلَّ ببَعضِ الأولِ.
وعلى كِلا القَولَين، لا يملِكُها بالتعريف فيما عَدا الحَوْلَ
الجزء: 16 - الصفحة: 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأوَّلَ.
وكذا لو ترَك التّعريفَ في بعضِ الحَوْلِ الأوَّلِ، لا يملِكُها بالتَّعريفِ بعدَه.
وفي الصَّدَقَةِ به الروايتَان اللَّتان في العُروضِ.
أمَّا إنْ ترَك التّعريفَ في الحَوْلِ الأوَّلِ لعَجزِه عنه؛ كالمَرِيضِ والمَحبُوسِ، أو لنِسْيان ونحوه، أو ضاعَتْ، فعَرَّفَها في الحَولِ الثَّانِي، فقيلَ: يسقُطُ التَّعريفُ، ولا يملِكُها.
قدَّمه في «الرعايتَين»،
الجزء: 16 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاوي الصغِيرِ»، و «شَرحِ ابنِ رَزِين».
وقيل: يملِكُها، ولا يسْقُط التّعريفُ.
وأطْلَقَهما في «المُغنِي»، و «الشرحِ»، و «شَرح الحارِثِي»، و «الفُروع»، و «الفائقِ».
قوله: وأجْرَةُ المُنادِى عليه.
يعنِي، على المُلْتَقِطِ.
وهذا المذهبُ، نصّ عليه، وعليه جمهورُ الأصحابِ.
قال الحارِثِي: هذا المذهبُ مُطْلَقًا.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقذمه في «المُغْنِي»، و «الشرح»، و «شرح الحارِثِي»، و «الفائق»، و «الفُروعِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصغِير»، وغيرِهم.
قوله: وقال أبو الخَطَّابِ: ما لا يُملَكُ بالتّعريف، وما يُقْصَدُ حِفْظُه لمالِكِه، يرجِعُ بالأجْرَةِ عليه.
قلتُ: وهو الصوابُ.
وقال ابنُ عَقِيل: ما لا يُملَكُ
الجزء: 16 - الصفحة: 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالتعريفِ، يرجِعُ عليه بأجْرَةِ.
وذكَر في «الفُنونِ» أنه ظاهِرُ كلامِ أصحابِنا.
وقيل: على رَبِّها مُطْلَقًا.
وعندَ الحَلْوانِي وابْنِه، الأجْرَةُ مِن نَفْسِ اللُّقَطَةِ، كما لو جفَّفَ العِنَبَ ونحوَه.
وقيل: مِن بَيتِ المالِ، فإنْ تعَذرَ، أخَذَها الحاكِمُ مِن ربها.
الجزء: 16 - الصفحة: 235
فَإِنْ لَم يُعرَفْ، دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بَعدَ الْحَوْلِ حُكْمًا، كَالْمِيرَاثِ.
وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، لَا يملِكُهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذَلِكَ.
قوله: فإنْ تُعرَفْ، دخَلَتْ في مِلْكِه بعدَ الحَوْلِ حُكْمًا كالمِيراثِ.
هذا
الجزء: 16 - الصفحة: 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبُ بلا رَيب، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه.
قال في «عُيونِ المَسائلِ»: هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وصححه في «النظْم» وغيرِه.
قال الزّركَشِي: نصَّ عليه في رِرايَةِ الجماعةِ، واخْتارَه الجُمهورُ.
قال الحارِثِيُّ: المذهبُ أنَّ المِلْكَ قَهْرِي، يثْبُتُ عندَ انْقِضاء الحَوْلِ، كالإرثِ.
وقدمه في «الكافِي»، و «شَرحِ ابنِ رَزِين»، و «الشَّرح»، و «التلْخيصِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفُروع»، وغيرِهم.
وجزَم به في «العُمدَة»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَور»، وغيرِهم.
وعندَ أبِي الخَطابِ، لا يملِكُه حتى يخْتارَ.
وهو رِوايَة ذكَرَها في «الواضِح»، فيتَوقفُ على الرّضا، كالشراءِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: قدم المُصَنفُ أن لُقَطَةَ الحَرَمِ كغيرِها.
وهو الصحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال الحارِثي: عدَمُ الفَرق هو المَشْهورُ في المذهبِ، واخْتِيارُ أكثرِ الأصحابِ، ونص عليه.
قال الزركَشِي: هو اخْتِيارُ الجمهورِ.
وقدَّمه في «المُحَررِ»، و «الشرح»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
واخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى، والمُصَنِّفُ، والشارِحُ، وصاحِبُ «النهايَة» وغيرُهم، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرقِي.
وعنه، لا تُملَكُ لُقَطَةُ الحَرَمِ بحال.
اخْتارَه الشيخُ تَقِيُّ الدينِ، وغيرُه مِن المُتَأخرِين.
قال في «الفائقِ» أيضًا: وهو المُخْتارُ.
قال الحارِثِي: وهو الصحيحُ.
وأطْلَقَهما في «المُحررِ».
قال في «الانْتِصارِ»: ونُقِلَ عنه ما يدُلُّ
الجزء: 16 - الصفحة: 238
وَعَنْ أحمَدَ، لَا تُملَكُ إلا الْأثْمَانُ.
وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذهبِ.
وَهل لَهُ الصَّدَقَةُ بِغَيرها؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
على أنَّ اللُّقَطَةَ لا تُملَكُ مُطْلَقًا.
قال الزَّركَشِي: قلتُ: وهو غريبٌ لا تفْرِيعَ عليه، ولا عَملَ.
وعنه، يتَمَلَّكُها فَقِير غيرَ ذَوي القُربَى.
قال في «الفائق»: وعنه، لا يملِكُ، لكِنْ يأكلُه بعدَ الحَوْلِ مع فَقْرِه.
نقَلَه حَنبل، وأنْكَرَه الخَلالُ.
تنبيه: قدَّم المُصَنفُ، أنَّ غيرَ الأثمانِ كالأثْمانِ.
وهو إحدَى الروايتَين، وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ.
قال في «عُيونِ المَسائلِ»: هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
وصحَّحه النَّاظِمُ، واخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى، والمُصَنِّفُ، وغيرُهما.
قال في «الفائقِ»: وهو المُختارُ.
قال ابنُ رَزِين: هذا الأظهرُ.
وقدَّمه في «الكافِي»، و «المُحَرر»، و «الشَّرح»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وجزم به في «العُمدَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَورِ».
وعن أحمدَ، لا يملِكُ إلَّا الأثمانَ.
وهي ظاهِرُ المذهبِ.
وكذا قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهب»، و «المستَوعبِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
قال في «الرعايَةِ الكُبرَى»: هذا أشهرُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال في «الخُلاصَةِ»، و «الرعايَةِ الصغْرَى»: وتُملَكُ الأثمانُ، ولا تُملَكُ العُروضُ، على الأصح.
انتهيا.
واخْتارَه أبو بَكْر، والقاضي، وابنُ عَقِيل، وغيرُهم.
قال المُصَنفُ، والشَّارِحُ، والحارِثِيُّ، وصاحِب «الفُروعِ»: اخْتارَه أكثرُ الأصحابِ.
قال القاضي: نصَّ عليه في رِوايَةِ الجماعَةِ.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ»، و «الحاوي الصَّغِير»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وجزَم به ناظِمُ المُفْرَداتِ، فقال:
مُلْتَقِطُ الأثْمانِ مُذْ عَرَّفَها … حَوْلا فقَهْرًا ذو الغِنَى يملِكُها
قال الزركَشِيُّ: وعنه، وهي المَشْهورَةُ في النَّقلِ، والمذهبُ عندَ عامَّةِ الأصحابِ، أنَّ الشاةَ ونحوَها تُملَكُ دونَ العُروضِ.
انتهى.
الجزء: 16 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: وهل له الصَّدقَةُ بغيرِها؟ على رِوايتَين.
يعنِي، على القَوْلِ بأنه لا يملِكُ غيرَ الأثْمانِ.
وعلى هذا، قال الأصحابُ؛ القاضي، وابنُ عَقِيل، والسَّامَري، وصاحِبُ «التلْخيصِ»، وغيرُهم: إنْ شاءَ، سلَّم إلى الحاكمِ وَبرِئ، وإنْ شاءَ، لم يُسَلّم، وعَرَّفَها أبدًا.
قال في «الفُروع»: وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ، لا تُدفَعُ إليه، وهل له الصَّدقَةُ بها؟ على رِوايتَين.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَة»، و «المُذْهبِ»،، و «الخُلاصةِ»، و «التلْخيص»، و «المُحَرَّر»، و «النظْم»، و «المُغْنِي»، و «الشّرحِ»، و «شَرحِ ابنِ مُنجى»، و «شَرحِ الحارِثِي» هنا؛ إحداهما، له الصَّدقَة به بشَرطِ الضمانِ.
وهو المذهبُ.
قال الخَلَّالُ: كلُّ مَن روَى عن أحمدَ روَى عنه أنَّه يُعَرِّفُها سنَةً، ويتَصَدَّقُ بها.
قال في «الفائقِ»: هو المَنْصوصُ أخِيرًا.
وقدَّمه في «المُسْتَوْعِب»، و «الفُروعِ».
قال في «القاعِدَةِ السادِسَةِ بعدَ المِائَةِ»: يتَصَدقُ به عنه، على الصحيحِ.
والروايةُ الثَّانيةُ، ليس له ذلك، بل يُعَرفُها أبدًا.
[نقَلَه عنه طاهِرُ بنُ محمدٍ] 195، واخْتارَه أبو بَكْر في «زادِ المُسافِر»، وابنُ عَقِيل.
وقدَّمه في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِير».
قال الحارِثِي في الغصبِ عندَ قولِه: وإنْ بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوبٌ: والمذهبُ أنه لا يتَصدقُ.
انتهى.
لكِنْ قال الخَلالُ: هذا قَوْل قديم رجَع عنه، وكل من روَى عنه، روَى عنه أنّه
الجزء: 16 - الصفحة: 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُعَرِّفُها سنَةً، [ويتَصَدَّقُ بها] 196. وذكَر أبو الخَطَّابِ رِوايَةً؛ أنَّه إنْ كان يسِيرًا، باعَه وتَصَدَّقَ به، وإنْ كان كثيرًا، رفَعَه إلى السُّلْطانِ، وقال: نقَلَه مهنَّا، ورَدَّه المَجْدُ.
ذكَرَه في «القاعِدَةِ السَّابعَةِ والتِّسْعِين».
وتقدَّمَتْ هذه المسْألةُ، في كلامِ المُصَنِّفِ، ونظائِرُها في أوَاخِرِ الغصبِ عند قَوْلِه: وإنْ بقِيَتْ في يَدِه غُصُوب لا يعرِفُ أربابَها.
تنبيه: تلَخَّصَ لنا ممَّا تقدَّم في هذه المَسْالةِ، أنَّ الصَّحيح مِنَ المذهبِ، أنَّ اللقَطَةَ تدخُلُ في مِلْكِه قَهْرًا، كالمِيراثِ، حيثُ قُلْنا: تُملَكُ.
وأنَّ الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ، التسْويَةُ بينَ لُقَطَةِ الحَرَمِ وغيرِها، وأنَّ أكثرَ الأصحابِ قالوا: لا يملِكُ غيرَ الأثْمانِ.
وهو المَشْهورُ عنه.
وهو المذهبُ.
لكِنْ على المُصطَلَحِ الذي تقدَّم في الخُطبةِ، يكونُ المذهبُ المِلْكَ في الكُلِّ قهْرًا.
فائدة: قال في «الفُروعِ»: يتَوَجَّهُ الرِّوايَتان المُتقَدِّمَتان اللَّتان في الصَّدَقةِ في غيرِ الأثْمانِ، أنْ يأتِيا في ما يأخُذُه السُّلْطانُ مِنَ اللصوصِ، إذا لم يُعرَفْ رُّبه.
فائدتان؛ إحداهما، لو الْتَقَطَ اثْنان، وعَرَّفا، ملَكاها.
وعلى القَوْلِ بالاخْتِيارِ، لو اخْتارَ أحدُهما فقط، ملَك النِّصفَ، ولا شيءَ لصاحِبِه.
الثَّانَيةُ، لو رأى اللقَطَةَ اثْنان، فقال أحدُهما للآخَرِ: هاتها، فأخَذَها لنَفْسِه، فهي للآخِذِ، وإنْ أخَذَها للآمِرِ، فهي له، أعنِي للآمِرِ، كما في التوْكِيلِ في الاصطِيادِ.
ذكرَ ذلك المُصَنِّفُ وغيرُه.
الجزء: 16 - الصفحة: 242
وَعَنْهُ، لَا تُمْلَكُ لُقَطَةُ الْحَرَمِ بِحَالٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 16 - الصفحة: 245
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي اللُّقَطَةِ حَتَّى يَعْرِفَ وعَاءَهَا، وَوكَاءَهَا، وَقَدْرَهَا، وَجنْسَهَا، وَصِفَتَهَا.
وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عِنْدَ وجْدَانِهَا، وَالإشْهَادُ عَلَيهَا.
قوله: ولا يجوزُ التَّصَرُّفُ في اللُّقَطَةِ حتى يعْرِفَ وعاءَها، ووكاءَها، وقَدْرَها، وجنْسَها، وصِفَتَها، ويُسْتَحَبُّ ذلك عندَ وجْدانِها.
الأَوْلَى مَعْرِفَةُ ذلك عندَ التِقاطِها، وإنْ أخَّرَ مَعْرِفَةَ ذلك إلى مَجِئِ صاحِبِها، جازَ، فإنْ لم يجِئْ، وأرادَ التَّصَرُّفَ فيها بعدَ الحَوْلِ، لم يجُزْ حتى يَعْرِفَ صِفَتَها، وكذلك إنْ أرادَ خَلْطَها بمالِه على وَجْهٍ لا تتمَيَّزُ.
وقال في «المُغْنِي» 197: تجِبُ حالةَ الأخْذِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، وحالةَ إرادَةِ التَّصَرُّفِ وُجُوبًا مُضَيَّقًا.
الجزء: 16 - الصفحة: 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: الوعاءُ هو ظَرْفُها.
والوكاءُ، هو الخَيطُ الذي تُشَدُّ به.
والعِفاصُ، قال في «المُسْتَوْعِبِ»: هو الشَّدُّ والعَقْدُ.
وقيل: هو صِمامُ القارُورَةِ.
وذكَر ابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، أنَّه الصُّرَّةُ، وهو ظَرْفُها.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هو الوعاءُ الذي تكونُ فيه؛ مِن خِرْقَةٍ أو غيرِها.
[وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: الوكاءُ، ما يُشَدُّ به.
والعِفاصُ، هو صِفَةُ شدِّه وعقْدِه.
وقيل: بل سِدادَةُ القارُورَةِ.
وقيل: بل الوعاءُ.
انتهى] 198. قال الحارثيُّ: العِفاصُ مَقُولٌ على الوعاءِ، وورَد، احْفَظْ عِفاصَها ووعاءَها.
والعِفاصُ في هذه الرِّوايَةِ، صِمامُ القارُورَةِ، أي الجِلْدُ المَجْعُولُ على رأْسِها، يُقالُ عليه أيضًا، فيَتَعَرَّفُ الوعاءَ، كِيسًا هو، أو غيرَ ذلك، وهل هو مِن خِرَقٍ أو جُلُودٍ أو وَرَقٍ؟ وقال ابنُ عَقِيلٍ: ويتَعَرَّفُ، هل هو إبْرَيسَمٌ، أو كَتَّانٌ؟ وإنْ كان ثِيابًا، تُعَرَّفُ لَفائِفُها، أو مائِعًا، يُتَعرَّفُ ظَرْفُه، خِرَقٌ، أو خَشبٌ، أو جِلْدٌ.
ويُتعَرَّفُ الوكاءُ، وهو ما يُرْبَطُ به، أَسَيرٌ، أم خَيطٌ، أم شَرَّابَةٌ؟ قال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وغيرُهما: ويُتَعَرَّفُ الرَّبْطُ، هل هو عُقْدَةٌ أو عُقْدَتان، وأُنْشُوطَةٌ أو غيرُها؟
الجزء: 16 - الصفحة: 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: والإشْهادُ عليها.
يعْنِي، يُسْتَحَبُّ الإشْهادُ عليها، ويكُونان عَدْلَين.
وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال الحارِثِيُّ: قاله.
كثيرٌ مِنَ الأصحابِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هو المَشْهورُ.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
ونصَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما.
وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائق»، وغيرِهم.
وقيل: يجِبُ الإشْهادُ.
اخْتارَ أبو بَكْرٍ في «التَّنْبِيهِ»، وابنُ أبِي مُوسى.
قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيحُ.
قال في «الفائقِ»: وهو المَنْصوصُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: يكونُ الإشْهادُ عليها لا على صِفَتِها.
على الصَّحيح مِنَ المذهبِ.
وقيل: يكونُ عليها وعلى صِفَتِها.
ويحْتَمِلُه كلامُ المُصَنِّفِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 250
فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهَا فَوَصَفَهَا، لَزِمَ دَفْعُهَا إِلَيهِ بِنَمَائِهَا الْمُتَّصِلِ، وَزِيَادَتُهَا الْمُنْفَصِلَةُ لِمَالِكهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، وَلوَاجِدِهَا بَعْدَهُ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينِ.
قوله: فمتى جاءَ طالِبُها فوصَفَها، لَزِمَه دَفْعُها إليه.
يعْنِي، مِن غيرِ بَيِّنَةٍ ولا يَمِينٍ، بلا نِزاعٍ، وسواءٌ غلَب على ظَنِّه صِدْقُه أوْ لا؟ على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يدْفَعُها إليه إذا وصَفَها إلَّا مع ظَنِّ صِدْقِه.
قدَّمه في «الرّعايَةِ الكُبْرَى».
وقال في «المُبْهِجِ»، و «التَّبْصِرَةِ»: جازَ الدَّفْعُ.
ونقَل ابنُ هانِيء، ويُوسُفُ بنُ مُوسى، لا بأْسَ به.
الجزء: 16 - الصفحة: 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ فيما إذا وصَفَها فقط، أمَّا إذا قامَتْ له بَيِّنَةٌ بذلك، لَزِمَه دَفْعُها.
وهو واضِحٌ.
فائدة: قال الحارِثِيُّ: إذا قُلْنا بوُجوبِ الدَّفْعِ إذا وصَفَها، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطَّابِ، والقاسِمُ بنُ الحَسَنِ بنِ الحدَّادِ، في كتُبِهم الخِلافِيَّةِ 199: إذا وصَف العِفاصَ والوكاءَ والعدَدَ، لَزِمَ الدَّفْعُ.
ونصَّ عليه في رِوايَةِ ابنِ مُشَيشٍ.
وقال أبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ: إذا جاءَ بالصِّفَةِ والوَزْنِ، جازَ الدَّفْعُ إليه.
الجزء: 16 - الصفحة: 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: وزِيادَتُها المُنْفَصِلَةُ لمالِكِها قبلَ الحَوْلِ، ولواجِدِها بعدَه، في أصَحِّ الوَجْهَين.
وهو المذهبُ.
وصحَّحه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الكافِي».
والوَجْهُ الثَّاني، تكونُ لصاحِبِها أيضًا.
اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى.
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِير».
وهما رِوايَتان في «التَّرْغيبِ»، و «التَّلْخيصِ».
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّر»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
قال في «الهِدايَةِ»، وتَبِعَه في «المُسْتَوْعِب»، بعدَ أنْ أطْلَقَ الوَجْهَين: بِناءً على
الجزء: 16 - الصفحة: 254
وَإنْ تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ، لَمْ يَضْمَنْهَا، وَإنْ كَانَ بَعْدَهُ ضَمِنَهَا.
الأبِ إذا اسْتَرْجَعَ العَينَ المَوْهوبَةَ.
وقال أبو الخَطَّابِ أيضًا، عن الوَجْهِ الثَّاني: بِناءً على المُفْلِسِ.
وقال الحارِثِيُّ: ما مَبْنِيَّان على الخِلافِ في مِثْلِه في المَبِيعِ المُرْتجَعِ مِنَ المُفْلِسِ، والمَوْهُوبِ المُرْتَجَعِ مِنَ الوَلَدِ.
انتهى.
قلتُ: أمَّا الزِّيادَةُ المُنْفَصِلَةُ في العَينِ المَوْهوبَةِ إذا رجَع فيها الأبُ، فإنَّها للوَلَدِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، على ما يأْتِي في الهِبَةِ.
وأمَّا الزِّيادَةُ المُنْفَصِلَةُ في المَبِيعِ المأْخُوذ مِنَ المُفْلِسِ، فالخِلافُ فيها قَويٌّ، والمذهبُ أنَّها للبائعِ.
واخْتارَ المُصَنفُ وغيرُه أنَّها للمُفْلِسِ، على ما تقدَّم.
وأمَّا الزِّيادَةُ المُتصِلَةُ فهي لمالِكِها على كلِّ حالٍ.
قوله: وإنْ تَلِفَتْ، أو نقَصَتْ قبلَ الحَوْلِ، لم يضْمَنْها.
مُرادُه، إذا لم يُفَرِّطْ؛
الجزء: 16 - الصفحة: 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّها أمانَةٌ في يَدِه.
وإنْ كان بعدَه، ضَمِنَها، ولو لم يُفَرِّطْ.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ونَصَرُوه.
وعنه، لا يضْمَنُها، إذا تَلِفَتْ.
حكَى ابنُ أبِي مُوسى، عن أحمدَ، أنَّه لَوَّحَ في مَوْضِعٍ، إذا أنْفَقَها بعدَ الحَوْلِ والتَّعْريفِ، لم يضْمَنْها؛ لحَديثِ عِياضِ بنِ حمارٍ.
وقيل: ولا يرُدُّها إنْ كانتْ باقِيَةً.
الجزء: 16 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: محَلُّ هذا، إذا قُلْنا: يمْلِكُها بعدَ الحَوْلِ.
فأمَّا على القَوْلِ بعدَمِ المِلْكِ، فإنَّه لا يضْمَنُها إذا لم يُفَرِّطْ، بل حُكْمُها حُكْمُ الحَوْلِ الأوَّلِ.
فوائد؛ الأُولَى، لو قال مالِكُ اللُّقَطَةِ، بعدَ التَّلَفِ، للمُلْتَقِطِ: أخَذْتَها لتَذْهَبَ بها.
وقال المُلْتَقِطُ: بل لأُعَرِّفَها.
فالقَوْلُ قولُ المُلْتَقِطِ.
ذكَرَه المَجْدُ في
الجزء: 16 - الصفحة: 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«شَرْحِه».
نقَلَه عنه الحارِثِيُّ، آخِرَ البابِ.
الثَّانيةُ، إذا تصَرَّفَ في اللُّقَطَةِ بعدَ الحَولِ؛ فإنْ كانَتْ مِثْليَّةً، ضَمِنَها بمِثْلِها، وإنْ لم تكُنْ مِثْلِيَّةً، ضَمِنَها بقِيمَتِها يومَ عرَف رَبَّها.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
اخْتارَه القاضي، وابنُ عَبْدُوسٍ، وغيرُهما.
وجزَم به في «المُحَرَّر» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: يضْمَنُها بقِيمَتِها يومَ ملَكَها.
قطَع به ابنُ أبِي مُوسى، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ».
وصحَّحه في «الفائقِ».
وقدَّمه في «الرَّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وأطْلَقَهما الحارثيُّ في «شرْحِه».
وقيل: يضْمَنُها بقِيمَتِها يومَ غَرِمَ بدَلَها.
الثَّالثةُ، لو أدْرَكَها ربُّها بعدَ الحَوْلِ مَبِيعَةً، أو مَوْهُوبَة، فليس له إلَّا البدَلُ، كما في التَّلَفِ، ولو أدْرَكَها في زَمَنِ الخِيارِ، فوَجْهان؛ أصحُّهما، وُجوبُ الفَسْخِ والرَّدِّ إليه.
قاله الحارِثيُّ.
وجزَم به في «الكافِي»، و «الرِّعايَةِ» والوَجْة الثَّاني، عدَمُ الوُجوبِ.
وهو قَويٌّ في النَّظَرِ؛ لأنَّ المِلْكَ ينْتَقِلُ إلى المُشتَرِي، زَمَنَ الخِيارِ.
على الصَّحيح مِنَ المذهبِ.
ولو كان عادَ إليه بفَسْخٍ أو شِراءٍ، أو غيرِ
الجزء: 16 - الصفحة: 258
وَإنْ وَصَفَهَا اثْنَانِ، قُسِمَتْ بَينَهُمَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وفَىِ الْآخَرِ يُقْرَعُ بَينَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا.
ذلك، أخَذَه المالِكُ.
قطَع به الحارِثِيُّ.
ولو أدْرَكَه مَرْهُونًا، ملَك انْتِزاعَه؛ لقِيامِ مِلْكِه، وانْتِفاءِ إذْنِه في الرَّهْنِ.
قاله الحارِثِيُّ.
قلتُ: يتَوَجَّهُ عدَمُ الانتِزاعِ؛ لتَعَلُّقِ حقِّ المُرْتَهِنِ به.
الرَّابعَةُ، تدْخُلُ اللُّقَطَةُ في مِلْكِ المُلْتَقِطِ مِن غيرِ عِوَض يثْبُتُ في الذِّمَّةِ، وإنَّما يتَجَدَّدُ وُجوبُ العِوَضِ بظُهورِ المالِكِ، كما يتَجَدَّدُ به زَوالُ المِلْكِ عن العَينِ.
ذكَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وقدَّمه الحارِثِيُّ، ونصَرَه.
وقال القاضي: إنَّما يمْلِكُ بعِوَضٍ كالقَرْضِ.
ثم قال: إنما تجِبُ القِيمَةُ بحُضورِ المالِكِ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا تَناقُضٌ.
وقال: ما قاله القاضي، وكثيرٌ مِن أصحابِه قاله الزَّرْكَشيُّ.
قوله: وإنْ وصَفَها اثْنان، قُسِمَتْ بينَهما، في أحَدِ الوَجْهين.
وكذا قال في
الجزء: 16 - الصفحة: 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُذْهَب»، وصحَّحه في «التَّصْحيحِ».
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «القَواعِدِ»، في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والتِّسْعِين».
وَفِي الآخَرِ، يُقْرَعُ بينَهما، فمَن قرَع صاحِبَه، حلَف وأخَذَها.
وهو المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ: والمذهبُ القُرْعَةُ، ودفْعُها إلى القارِعِ مع يَمِينِه.
نصَّ عليه.
وذكَرَه المُصَنِّفُ في «كِتابَيه».
وبه جزَم القاضي، وابنُ عَقِيل، كما في تَداعِي الوَدِيعَةِ.
قال الشَّارِحُ: وهذا أشْبَهُ بأصولِنا فيما إذا تَداعَيا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما.
انتهى.
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «الكافِي»، و «المُغْنِي».
وصحَّحه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه»، وقال: هذا أقْيَسُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، في «القاعِدَةِ السِّتِّينْ بعدَ المائَةِ».
تنبيه: محَلُّ هذا، إذا وصَفاها معًا، أو وصَفَها الثَّانيَ قبلَ دَفْعِها إلى الأوَّلِ، أمَّا إذا وصَفَها واحدٌ، ودُفِعَتْ إليه، ثم وصَفَها آخَرُ، فإنَّ الثَّاني لا يسْتَحِقُّ شيئًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قطَع به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «شَرْحِ الحارِثيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» غيرِه، وعليه الأصحابُ.
وقال أبو يَعلَى الصَّغِيرُ: إنْ زادَ في وَصْفِها، احْتَمَلَ تخْرِيجُه على بَيِّنةِ النِّتاجِ والنِّساجِ، فإنْ رجَّحْنا به هناك رجَّحْنا به هنا.
فائدتان؛ إحداهما، لو ادَّعاها كلُّ واحدٍ منهما، فوصَفَها أحدُهما دُونَ الآخَرِ، حلَف وأخَذَها.
ذكَرَه الأصحابُ.
قال في «الفُروعِ» ومِثْلُه وَصْفُه مَغصُوبًا
الجزء: 16 - الصفحة: 260
وَإنْ أَقَامَ آخَرُ بَيَّنةً أنَّهَا لَهُ، أَخَذَهَا مِنَ الْوَاصِفِ، فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَهَا مَنْ شَاءَ مِنَ الْوَاصِفِ أَوْ الدَّافِعِ إِلَيهِ،
ومَسْرُوقًا.
ذكَره في «عُيونِ المَسائل»، والقاضي، وأصحابُه على قِياسِ قَوْلِه: إذا اخْتَلَف المُؤْجِرُ والمُسْتَأْجِرُ في دِفْنٍ في 200 الدَّارِ، فمَن وصَفَه فهو له.
وقيل: لا.
كوَدِيعةٍ، وعارِيَّةٍ، ورَهْنٍ، وغيرِه؛ لأنَّ اليَدَ دليلُ المِلْكِ، ولا تتَعَذَّرُ البَيِّنَةُ.
الثَّانيةُ، يلْزَمُ مُدَّعِي اللُّقَطَةِ، مع صِفَتِها، أنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بالْتِقاطِ العَبْدِ لها.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأنَّ إقْرارَ العَبْدِ لا يصِحُّ فيما يتَعَلَّقُ برَقَبَتِه.
صحَّحه في «المُسْتَوْعِب».
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: لا يلْزَمُه.
قوله: وإنْ أقامَ آخَرُ بَيِّنَةً أنَّها له، أخَذَها مِنَ الواصِفِ، فإنْ تَلِفَتْ، ضَمَّنَها مَن شاءَ مِنَ الواصِفِ أو الدَّافِعِ إليه -وهو المُلْتَقِطُ- إلَّا أَنْ يدْفَعَها بحُكْمِ حَاكِمٍ، فَلا ضَمانَ علَيه.
إنْ دَفَعَها إلى الواصِفِ بحُكْمِ حاكِمٍ، فلا ضمانَ عليه، قوْلًا واحِدًا.
وإنْ لم يكُنْ بحُكْمِ حاكِمٍ، فقدَّم المُصَنِّفُ أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ تَضْمِينِ الواصِفِ
الجزء: 16 - الصفحة: 261
إلا أَنْ يَدْفَعَهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيهِ.
وَمَتَى ضَمِنَ الدَّافِعُ، رَجَعَ عَلَى الْوَاصِفِ.
والدَّافِعِ، وهو أحدُ الوَجْهَين.
قال الحارِثِيُّ: هو قَوْلُ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ.
قلتُ: منهم القاضي.
ذكَرَه في «القَواعِدِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ» [فإنْ ضَمَّنَ الدَّافِعَ، رجَع على الواصِفِ، إلَّا أنْ يكونَ قد أقَرَّ له بالمِلْك.
قاله في «القَواعِدِ»، وغيرِه] 201. وقيل: لا يلْزَمُ المُلْتَقِطُ شيءٌ، إذا قُلْنا بوُجوبِ الدَّفْعِ إليه.
وهو تَخْرِيجٌ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وهو المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه فعَل ما أُمِرَ به، ولا مَنْدُوحَةَ عنه، كما لو كان بقَضاءِ قاضٍ.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ»، وإليه مَيلُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحَ.
تنبيه: قوْلُه: ومتى ضَمِنَ الدَّافِعُ، رجَع على الواصِفِ.
مُرادُه، إذا لم يعْتَرِفْ له بالمِلْك.
فأمَّا إنِ اعْتَرفَ له بالمِلْكِ، فإنَّه لا يرْجِعُ عليه أَلْبَتَّةَ.
الجزء: 16 - الصفحة: 262
فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَينَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا أَو فَقِيرًا، مُسْلِمًا أَو كَافِرًا، عَدْلًا أَو فَاسِقًا، تَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيها.
وَقِيلَ: يُضَمُّ إِلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ فِي تَعْرِيفِهَا وَحِفْظِهَا.
قوله: ولا فرْقَ بينَ كَوْنِ المُلْتَقِطِ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا، مُسْلِمًا أوْ كافِرًا، عَدْلًا أوْ فاسِقًا، يأْمَنُ نَفْسَه عليها.
وهذا المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِير»، و «الفُروعِ».
قال ابنُ مُنْجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ.
قال
الجزء: 16 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الخُلاصَةِ»: فإنْ كان الفاسِقُ لا يُؤْمَنُ على تَعْريفِها، ضُمَّ إليه أمِينٌ.
انتهى.
وقيل: يُضَمُّ إلى الفاسِقِ أمِينٌ في تعْريفِها وحِفْظِها.
قطَع به القاضي، وابنُ عَقيلٍ، وأبو الحَسَنِ ابنُ البَنَّا، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»،
الجزء: 16 - الصفحة: 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الكافِي»، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ».
قال في «الفائقِ»: ويُضَمُّ إلى الفاسِقِ أمِينٌ في أصحِّ الوَجْهَين.
وقدَّمه الحارِثِيُّ.
قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ: وإنْ عَلِمَ الحاكِمُ أو السُّلْطانُ بها، أقَرَّها في يَدِه، وضمَّ إليه مُشْرِفًا يُشْرِفُ عليه، ويتَوَلَّى تعْرِيفَها وقيل: يُضَمُّ إلى الذِّمِّيِّ عَدْلٌ.
قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: إنْ عَلِمَ بها الحاكِمُ، أقَرَّها في يَدِه، وضمَّ إليه مُشْرِفًا عَدْلًا يُشْرِفُ عليه، ويُعَرِّفُها.
قال الحارِثِيُّ: ولابُدَّ مِن مُشْرِفٍ يُشْرِفُ عليه.
وقيل: تُنْزَعُ لُقَطَةُ الذِّمِّيِّ [مِن يَدِه] 202، وتُوضَعُ على يَدِ عَدْلٍ.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
الجزء: 16 - الصفحة: 267
وَإنْ وَجَدَهَا صَبِيٌّ أَوْ سَفِيهٌ، قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا، فَإِذَا عَرَّفَهَا، فَهِيَ لِوَاجِدِهَا.
قوله: وإنْ وجَدَها صَبِيٌّ أوْ سَفِيهٌ، قامَ وَليُّه بتَعْريفِها، فإذا عَرَّفَها، فهي
الجزء: 16 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لواجدِها.
وكذا المَجْنونُ.
قاله في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُنْتَخَبِ»، و «التَّرْغيبِ»، و «التَّبْصِرَةِ»، و «الحارِثِيِّ»، وغيرِهم.
الجزء: 16 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فائدتان؛ إحْداهما، قال الأصحابُ: يضْمَنُ الوَلِيُّ إنْ أبْقاها بيَدِ الصَّبِيِّ بعدَ عِلْمِه؛ وإنْ تَلِفَتْ في يَدِ أحَدِهما بغيرِ تَفْريطٍ، فلا ضَمانَ عليه، وإنْ تَلِفَتْ بتَفْريطِه،
الجزء: 16 - الصفحة: 270
وَإنْ وَجَدَهَا عَبْدٌ، فَلِسَيِّدِهِ أَخذُهَا مِنْهُ وَتَرْكُهَا مَعَهُ، يَتَوَلَّى تَعْرِيفَهَا إِذَا كَانَ عَدْلًا، وَإنْ لَمْ يَأْمَنِ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ عَلَيها، لَزِمَهُ سَتْرُهَا عَنْهُ، فَإِنْ أَتْلَفَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ، وَإنْ أَتلَفَهَا بَعْدَهُ، فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ.
ضَمِنَها في مالِه.
نصَّ عليه في صَبِيٍّ كإتْلافِه.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح».
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وفي «المُنْتَخَبِ» وغيرِه، لا يضْمَنُ.
الثَّانيةُ، لو كان الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا، فعَرَّفَ، قال الحارِثِيُّ: فظاهِرُ كلامِه في «المُغْنِي» عدَمُ الإجْزاءِ.
والأظْهَرُ الإجْزاءُ؛ لأنَّه يعْقِلُ التَّعْريفَ، فالمَقْصودُ حاصِلٌ.
واقْتَصرَ على كلامِهما في «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ».
قوله: وإنْ وجَدَها عَبْدٌ، فلسَيِّدِه أخْذُها منه وتَرْكُها معه، ويتَوَلَّى تَعْرِيفَها إذا كان عَدْلًا.
للعَبْدِ أنْ يلْتَقِطَ، وأنْ يُعَرِّفَها مُطْلَقًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهب.
قال في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»: له ذلك في الأَصحِّ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ».
قال الزَّرْكَشِيُّ: يصِحُّ
الجزء: 16 - الصفحة: 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التِقاطُه، على المذهبِ.
وقدَّمه في «المُسْتَوْعِب»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
وقيل: ليس له ذلك بغيرِ إذْنِ السَّيِّدِ.
اخْتارَه أبو بَكْرٍ، وهو رِوايَةٌ ذكَرَها الزَّرْكَشِيُّ وغيرُه.
وجزَم به في «البُلْغَةِ».
قال الحارِثِيُّ: وعن أبي بَكْرٍ، يتَوقَّفُ التِقاطُه على إذْنِ السَّيِّدِ.
ذكَرَه السَّامَريُّ؛ أخْذًا مِن قوْل في «التَّنْبِيهِ»: إذا الْتقَطَ العَبْدُ، فَضاعَتْ منه أو أتْلَفَها، ضَمِنَها.
قال: فسَوَّى بينَ الإتْلافِ والضَّياعِ، ولم يُفَرِّقْ بينَ الحَوْلِ وبعدَه، فدَلَّ على عدَمِ الصِّحَّةِ بدُونِ إذْنٍ.
قال الحارِثِي: وفي اسْتِنْباطِ السَّامَرِّي نظَرٌ 203.
قوله: فإنْ أتْلَفَها قبلَ الحَوْلِ، فهي في رَقَبَتِه -بلا نِزاعٍ- وانْ أتْلَفَها بعدَه، فهي في ذِمَّتِه.
هذا أحدُ القَوْلَين.
نصَّ عليه.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِير»، و «الفائقِ»، وغيرهم.
قال في «تَجْريدِ العِنايَةِ»: إذا أتْلَفَها بعدَ الحَولِ، ففي ذِمَّتِه، على الأظْهَرِ.
ويأْتِي كلامُ الزَّرْكَشِيِّ علي هذا القَوْلِ.
وقيل: إنْ أتْلَفَها بعدَ الحَوْلِ؛ فإنْ قُلْنا: يمْلِكُها.
فهي في ذِمَّتِه، وإن قُلْنا: لا يمْلِكُها.
فهي في رَقَبَتِه.
وهذا المذهبُ على ما يأْتِي.
واعلمْ
الجزء: 16 - الصفحة: 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ العَبْدَ، هل يحْصُلُ له المِلْكُ مِن غيرِ تَمْليكِ سيِّدِه، أم لا؟ فيه خِلافٌ سبَق في أوَّلِ كتابِ الزَّكاةِ، عندَ الفَوائدِ التي ذُكِرَتْ هناك.
فمتى أتْلَفَها، أو فرَّطَ حتى تَلِفَتْ؛ فإنْ كان قبلَ الحَوْلِ، فهي في رقَبَتِه.
نصَّ عليه، وعلى السَّيِّدِ الفِداءُ أو التَّسْلِيمُ، وإنْ كان بعدَه؛ فإن قُلنا: يمْلِكُها.
فهي في ذِمَّتِه، وإن قُلْنا: لا يمْلِكُها.
فهي في رَقَبَتِه.
هذا المذهبُ، نصَّ عليه.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ».
وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الفُروع».
قال الحارِثيُّ: وهذا إنَّما يتَّجِهُ على تَقْدِيرِ أنَّ السَّيِّدَ لم يمْلِكْ؛ لكَوْنِه لم يتَمَلَّكْ، اسْتِنادًا إلى تَوَقُّفِ المِلْكِ على التَّمَلُّك.
وفيه بُعْدٌ.
وقال في «الشَّرْحِ» أيضًا: ويصْلُحُ أنْ ينْبَنِي على اسْتِدانَةِ العَبْدِ، هل تتَعلَّقُ برَقَبَتِه أو ذمَّتِه؟ علي رِوايتَين.
قال الحارِثِيُّ: وهو تَخْريجٌ حَسَنٌ؛ لشِبْهِ الغُرْمِ بعدَ الإنْفاقِ بأداءِ المُقتَرَضِ.
وقال أبو بَكْرٍ، في «زادِ المُسافِرِ»: لأبي عَبْدِ اللهِ في ضَمانِ ما أتْلَفَه العَبْدُ قوْلان، أي رِوايَتان؛ إحْداهما، في رَقَبَتِه كالجِنايَةِ.
والأُخْرَى، في ذمَّتِه.
وبالأَوَّلِ أقولُ.
قال السَّامَرِّيُّ: ولم يُفَرِّقْ قبلَ الحوْلِ وبعدَه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يتَّجِهُ الفرْقُ في التَّعَلُّقِ
الجزء: 16 - الصفحة: 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالرَّقبَةِ بينَ ما قبلَ الحوْلِ وبعدَه.
قال الحارِثِيُّ: وهذا ضعيفٌ جدًّا.
انتهى.
وقال الزَّرْكَشِيُّ، عن كلامِ المُصَنِّفِ هنا، ومَن تابعَه: كلامُهم مُتَوَجِّهٌ، إنْ قُلْنا: إنَّ العَبْدَ يمْلِكُ.
وإنْ قُلنا: المِلْكُ للسَّيِّدِ، كما صرَّح به أبو محمدٍ، واقْتَضاه كلامُ صاحِبِ «التَّلْخيص» وغيرِه، فالجِنايَةُ على مالِ السَّيِّدِ، فلا تتَعَلَّقُ بذِمَّتِه، ولا
الجزء: 16 - الصفحة: 274
وَالْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَهِيَ بَينَهُ وَبَينَ سَيِّدِهِ، إلا أَنْ يَكُونَ بَينَهُمَا مُهَايَأَةٌ فَهَلْ تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأةِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
برَقبَتِه، بلِ الذي ينْبَغِي، أن تتعَلَّقَ بذِمَّةِ السَّيِّدِ، وإنْ قيل: إنَّ العَبْدَ لا يمْلِكُ ولا السَّيِّدَ.
تعَيَّنَ.
التَّعَلُّقُ برَقبَتِه، كجِنايَتِه 204. انتهى.
وقال في «الكافِي»: وإنْ أتْلفَها العَبْدُ، فحُكمُ ذلك حُكْمُ جِنابَتِه.
انتهى.
ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ، جِنايَتُه في رَقَبَتِه، وإنْ خرَق ثوْبَ رجُلٍ، فهو دينٌ عليه.
قوله: والمُكاتبُ كالحُرِّ.
بلا نِزاعٍ.
والمُدَبَّرُ، والمُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ، وأمُّ الوَلَدِ، كالعَبْدِ، بلا نِزاعٍ أيضًا.
قوله: ومَن بعضُه حُرٌّ، فهي بينَه وبينَ سَيِّدِه، إلَّا أنْ يكُونَ بينَهما مُهايَأَةٌ، فهل تدْخُلُ فِي المهايَأةِ؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوعِبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الحارِثِيِّ»، و «الفائقِ»؛ أحدُهما، لا تدْخُلُ في المُهايَأَةِ، بل تكونُ بينَه وبينَ سَيِّدِه.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ».
وقدَّمه في
الجزء: 16 - الصفحة: 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
والوَجْهُ الثَّاني، تدْخُلُ في المُهايَأَةِ، فإذا وجَدَها في نَوْبَةِ أحَدِهما، فهي له.
جزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ».
فائدة: وكذا الحُكْمُ في النَّادِرِ مِن 205 كَسْبِ المُعْتَقِ بعضُه؛ كالهِبَةِ، والهَدِيَّةِ، والوَصِيَّةِ، ونحوها، خِلافًا ومذهبًا.
تنبيه: الخِلافُ هنا، مَبْنِيٌّ على الخِلافِ في دُخولِ نَوادِرِ 206 الأكسابِ؛ كالوَصِيَّةِ، والهَدِيَّةِ، والرِّكازِ.
قال الحارِثِيُّ.
فوائد؛ منها، لو وجَد لُقَطَةً في غيرِ طريقٍ مَأْتِيٍّ، فهي لُقَطَةٌ.
على الصحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفائقِ».
واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ أنَّه كالرِّكازِ.
واخْتارَه في «الفائقِ»، وجعَلَه في «الفُروعِ» توْجيهًا له.
ومنها، لو أُخِذَ مَتاعُه، أو ثَوْبُه، وتُرِكَ له بدَلُه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ أنَّه لُقَطَةٌ.
نصَّ عليه في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ، وابنِ بخْتانَ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُغْني»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «ابنِ رَزِينٍ»، و «الفُروعِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقيل: لا يُعَرِّفُه مع قَرينَةِ سَرِقَةٍ.
وهو احْتِمالٌ للمُصنِّفِ.
قلتُ: وهو عَينُ الصَّوابِ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا حَسَن.
وقال: قد يُقالُ فيه بمَعْنى مسْأَلَةِ الظَّفَرِ.
ومذهبُ أحمدَ، منْعُ الأخْذِ فيها.
فعليها، هل يتَصَدَّقُ به 207 بعدَ تَعْرِيفِه؟ إنْ قُلْنا: يُعَرفُه، أو يأْخُذُ حَقَّه بنَفْسِه، أو بإذْنِ حاكِمٍ.
فيه أوْجُهٌ.
وأطْلَقَهُنَّ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ».
قال المُصَنِّفُ، وتابعَه الشَّارِحُ: القَوْلُ بأخْذِ حَقِّه بنَفْسِه أقْرَبُ إلى الرِّفْقِ بالنَّاسِ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا قَويٌّ على أصْلِ مَن يرَى أنَّ العَقْدَ لا يتَوَقَّفُ على اللَّفْظِ، أمَّا على التَّوَقُّفِ، فلا يُكْتَفَى بمِثْلِ هذا.
قال: وبالجُمْلَةِ، فالأظْهَرُ الجَوازُ.
ورجَّحَه المُصَنفُ.
ومنها، لو وجَد في جَوْفِ حَيوانٍ دُرَّةً، أو نَقْدًا، فهو لُقَطَة لواجِدِه.
على الصَّحيحِ مِنَ الِمذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وصحَّحه.
ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ، تكونُ لُقَطَةً 208 للبائعِ إنِ ادَّعَاه، إلا أنْ يدَّعىَ المُشْتَرِي أنَّه أكَلَه عندَه، فهو له.
فأمَّا إنْ كانتِ الدُّرَّةُ غيرَ مثْقُوبَةٍ في السَّمَكَةِ، فهي للصَّيَّادِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ ابْتلاعُها مِن مَعْدِنِها.
ومنها، لو وجَد لُقَظةً بدارِ الحَرْبِ وهو في الجَيشِ، عرَّفَها، ثم وضَعَها في المَغْنَمِ.
نصَّ عليه.
وإنْ كان دخَل بأمانٍ، عرَّفَها، ثم هي له، إلَّا أنْ يكونَ في جَيشٍ، فهي كالتي قبلَها.
وإنْ دخَل مُتَلَصِّصًا، عرَّفَها، ثم هي كالغنِيمَةِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
ويحْتَمِلُ أنْ تكونَ له مِن غيرِ تَعْريفٍ.
ذكَرَه المُصَنِّفُ.
قلتُ: وهذا هو الصَّوابُ، وكيفَ يُعَرِّفُ ذلك؟
الجزء: 16 - الصفحة: 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنها، مُؤْنَةُ رَدِّ اللُّقَطَةِ على رَبِّها.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقاله القاضي في «التَّعْلِيقِ»، وأبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ»، لتَبرُّعِه.
ومَعْناه في «شَرْحِ المَجْدِ»، في عدَمِ سُقوطِ الزَّكاةِ بتَلَفِ المالِ قبلَ التَّمَكُّنِ.
وقال في «التَّرْغيبِ»، و «الرِّعايَةِ»: مُؤْنَةُ الرَّدِّ على المُلْتَقِطِ.
ومنها، ضَمانُها بمَوْتِه، كالوَدِيعَةِ.
وقيل: به بعدَ الحَوْلِ، ووارِثُه كهُوَ.
ومنها، الالْتِقاطُ يشْتَمِلُ على أمانَةٍ واكْتِسابٍ.
قال الحارِثِيُّ: وللنَّاسِ خِلافٌ في المُغلَّبِ منهما؛ منهم مَن قال: الكَسْبُ.
ووَجَّه بأنَّه ملاكُ 209 الأمْرِ.
ومنهم مَن قال: الأمانَةُ.
وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ المَقْصودَ إيصالُ الشيءِ إلى أهْلِه، ولأجْلِه شُرِعَ الحِفْظُ والتَعْريف أوَّلًا والمِلْكُ آخِرًا، عندَ ضَعْفِ التَّرَجِّي للمالِكِ.
ومنها، لو اسْتَيقَظَ فوجَد في ثَوْبِه دَراهِمَ، لا يعْلَمُ مَن صَرَّها، فهي له، ولا تَعْريفَ.
ولأحمدَ نصٌّ يُوجِبُ التعْرِيفَ وينْفِي المِلْكَ.
ومنها، لو ألْقَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثَوْبَ إنْسانٍ؛ فإنْ جَهِلَ المالِكَ، فلُقَطَةٌ، وإنْ عَلِمَه، دفَعَه إليه، فإنْ لم يفْعَلْ، ضَمِنَ بحَبْسِ مالِ الغيرِ مِن غيرِ إذْنٍ ولا تَعْريفٍ.
ومنها، لو سقَط طائرٌ في دارِه، فقال في «المُغْنِي»: لا يلْزَمُه حِفْظُه ولا إعْلامُ صاحِبِه؛ لأنَّه مَحْفوظٌ بنَفْسِه، وهذا ما لم ينْقَطِعْ عنه، أمَّا إنِ انْقَطَع، وجَب حِفظُه والدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه ضائعٌ عنه.
الجزء: 16 - الصفحة: 278
بَابُ اللَّقِيطِ
وَهُوَ الطِّفْل الْمَنْبُوذُ.
بابُ اللَّقِيطِ
فائدة: قولُه: وهو الطِّفْلُ المَنْبُوذُ.
قال الحارِثِيُّ: تعْريفُ اللقِيطِ بالمَنْبوذِ يحْتاجُ إلى إضْمارٍ؛ لتَضادِّ ما بينَ اللَّقْطِ والنَّبْذِ، كما بُيِّنَ.
ومع هذا فليس جامِعًا؛
الجزء: 16 - الصفحة: 279
وَهُوَ حُرٌّ،
لأنَّ الطِّفْلَ قد يكونُ ضائعًا لا مَنْبُوذًا.
ومنهم مَن عرَّفَ بأنَّه الضَّائعُ.
وفيه ما فيه.
وقال في «الرِّعايتَين»: وهو كلُّ طِفْلٍ نُبِذَ، أو ضَلَّ.
تنبيه: قولُه: وهو الطِّفْلُ.
يعْنِي، في الواقِعِ في الغالِبِ، وإلَّا فهو لَقِيطٌ إلى سِنِّ التَّمْيِيزِ فقط.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الحارِثِي».
وقيلَ: والمُمَيِّزُ أيضًا إلى البُلُوغِ.
قال في «الفائقِ»: وهو المَشْهورُ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ قال في «التَّلْخيصِ»: والمُخْتارُ عند أصجابِنا أنَّ المُمَيِّزَ يكونُ لَقِيطًا؛ لأنَّهم قالوا: إذا الْتَقَطَ رجُلٌ وامْرأةٌ معًا مَن له أكَثرُ مِن سَبْعِ سِنِين، أُقْرِعَ بينَهما 210، ولم يُخَيَّرْ، بخِلافِ الأَبوَين.
قوله: وهو حُرٌّ.
يعْنِي 211، في جميعِ أحْكامِه.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيّ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: إلَّا في القَوَدِ.
ومِثْلُه دَعْوَى قاذِفِه رِقَّه 212، على ما يأْتِي.
الجزء: 16 - الصفحة: 280
يُنْفَقُ عَلَيهِ مِنْ بَيتِ الْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيهِ.
فائدة: يُسْتَحَبُّ للمُلْتَقِطِ الإِشهادُ عليه وعلى ما معه.
على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ.
وقيل: يِجبُ.
وتقدَّم نَظِيرُه في اللُّقَطَةِ.
تنبيه: قولُه: يُنْفَقُ عليه مِن بَيتِ المالِ، إنْ لم يكُنْ معه ما يُنْفَقُ عليه.
بلا نِزاعٍ.
لكِنْ إنْ تَعذَّرَ، اقْتَرَضَ 213 الحاكِمُ عليه.
قاله الحارِثِيُّ.
فإنْ تَعذَّرَ، فعلى مَن عَلِمَ حاله الإِنْفاقُ، فهي فَرْضُ كِفايَةٍ، كالْتِقاطِه 214. وهذا الإنْفاقُ يجِبُ مجَّانًا عندَ
الجزء: 16 - الصفحة: 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القاضي وجماعةٍ؛ منهم صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ».
واخْتارَه صاحِبُ «المُوجَزِ»، و «التبصِرَةِ»، وقالا: له أنْ يُنْفِقَ عليه مِنَ الزَّكاةِ.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ».
قال الحارِثِيُّ: وهو أصحُّ.
وقال: وكلامُ المُصَنِّفِ في «المُغْنِي»
الجزء: 16 - الصفحة: 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يقْتَضِي ثُبوتَ العِوَضِ للمُنْفِقِ 215، إنِ اقْتَرنَ بالإنْفاقِ قَصْدُ الرُّجوعِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»؛ لأنَّه جعَل الإِنْفاقَ عليه بنِيَّةِ الرُّجوعِ، كمَن أدَّى حَقًّا واجِبًا عن غيرِه.
على ما تقدَّم في بابِ إلضَّمانِ.
وقال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والسَّبْعِين»: نفَقَةُ اللَّقِيطِ خرَّجَها.
بعضُ الأصحابِ على الرِّوايتَين، في مَن أدَّي حَقًّا واجِبًا عن غيرِه، على ما تقدَّم في بابِ الضَّمانِ، ومنهم مَن قال: يرْجِعُ هنا، قوْلًا واحدًا.
وإليه ميلُ صاحِبِ «المُغْنِي»؛ لأنَّ له ولايةً على اللَّقِيطِ.
ونصَّ أحمدُ، أنَّه يرْجِعُ بما أنْفقَه على بَيتِ المالِ.
انتهى.
وقال النَّاظِمُ: إنْ نوَى الرُّجوعَ، واسْتَأْذَنَ الحاكِمَ، رجَع على الطِّفْلِ بعدَ الرُّشْدِ، وإلَّا رجَع على بَيتِ المالِ.
قال الحارِثِيُّ: وناقَضَ السَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، فقالا، بعدَ تَعذُّرِ الاقْتِراضِ على بَيتِ المالِ، وامْتِناعِ مَن وجَب عليه الإنْفاقُ مجَّانًا: إنْ أنْفَقَ المُلْتَقِطُ، رجَع على اللَّقِيطِ، في إحْدَى الرِّوايتَين، والأُخْرَى، لا يرْجِعُ ما لم يكُنِ الحاكِمُ أذِنَ له في الإنْفاقِ.
زادَ في «التَّلْخيصِ»، والأصحُّ أنَّه يرْجِعُ.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: والوُجوبُ مجَّانًا
الجزء: 16 - الصفحة: 283
وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، إلا أنْ يُوجَدَ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ، فَيَكُونَ كَافِرًا.
فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُسْلِمٌ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
واسْتِحْقاقُ العِوَضِ لا يجْتَمِعان، وإنَّما ذلك، واللهُ أعلمُ، ما إذا كان للَّقِيطِ مال تعَذَّر إنْفاقُه لمانعٍ، أو يُنْتَظَرُ حصُولُه مِن وَقْفٍ، أو غيرِه.
قوله: ويُحْكَمُ بإِسْلامِه -بلا نِزاعٍ- إلَّا أنْ يُوجَدَ في بَلَدِ الكُفَّارِ، ولا مُسْلِمَ فيه، فيَكُونَ كافِرًا.
وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
قال الحارِثِيُّ: فالمذهبُ عندَ الأصحابِ، الحُكْمُ بكُفْرِه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وقال القاضي: يُحْكَمُ بإسْلامِه أيضًا؛ لأنَّه يحْتَمِلُ أنْ يكونَ فيه مُؤْمِنٌ يكْتُمُ إيمانَه.
قال الحارِثِيُّ: وحكَى صاحِبُ «المُحَرَّرِ» وَجْهًا بأنَّه مُسْلِمٌ؛ اعْتِبارًا بفَقْدِ أبَوَيه.
الجزء: 16 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو كان في دارِ الإسْلامِ بَلدٌ، كلُّ أهْلِها أهْلُ 216 ذِمَّةٍ، ووُجِدَ فيها لَقِيط، حُكِمَ بكُفْرِه، وإنْ كان فيها مُسْلِمٌ، حُكِمَ بإسْلامِه، قوْلًا واحدًا فيهما، عندَ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، وغيرِهم.
وقيل: يُحْكَمُ بإسْلامِه إذا كان كل أهْلِها أهْلَ 217 ذِمَّةٍ.
قال الحارِثِيُّ: اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
قوله: فإنْ كان فيه مُسْلِمٌ، فعلى وَجْهَين.
يعْنِي، إذا كان في بلَدِ الكُفَّارِ مُسْلِمٌ ولو واحِدًا.
قاله في «التَّلْخيصِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغني»، و «الشَّرْحِ» و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الكافِي»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحدُهما، يُحْكَمُ بكُفْرِه.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 285
وَمَا وُجِدَ مَعَهُ، مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ، أوْ ثِيَابٍ، أوْ مَالٍ فِي جَيبِهِ أوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ، أوْ حَيَوَانٍ مَشْدُودٍ بِثِيَابِهِ، فَهُوَ لَهُ.
وَإنْ كَانَ مَدْفُونًا
و «الفائقِ».
والوَجْهُ الثَّاني، يُحْكَمُ بإسْلامِه.
جزَم به في «الوَجيزِ».
فائدتان؛ إحْداهما، قال الحارِثِيُّ: مَثَّل الأصحابُ في المُسْلِمِ هنا بالتَّاجِرِ والأسِيرِ، واعْتَبرُوا إقامتَه زَمَنًا ما، حتى صرَّح في «التَّلْخيصِ»، أنَّه لا يكْفِي مُرورُه مُسافِرًا.
وقال في «الرِّعايَةِ»: وإنْ كان فيها مُسْلِمٌ ساكِنٌ، فاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ.
الثَّانيةُ، قال في «الفائقِ»: لو كَثُرَ المُسْلِمون في بلَدِ الكُفَّارِ، فلَقِيطُها مُسْلِمٌ.
وقاله ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، وصاحِبُ «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرُهم.
ومثَّل مسْألَةَ الخِلافِ في «الرِّعايَةِ» بالمُسْلِمِ الواحِدِ.
قوله: وما وُجِدَ معه؛ مِن فِراشٍ تحتَه، أو ثِيابٍ، أو مالٍ في جَيبِه أو تحتَ فِراشِه، أوْ حَيَوانٍ مَشْدُودٍ بثِيابِه، فهو له.
وهذا بلا نِزاعٍ.
وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»،
الجزء: 16 - الصفحة: 286
تَحْتَهُ، أو مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
و «الكافِي»، والشَّارِحُ، وابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه»، وغيرُهم: وكذا لو كان مَدْفُونًا 218 في دارٍ، أو خَيمَةٍ، تكونُ له.
وظاهِرُ كلامِ المَجْدِ وجماعَةٍ خِلافُه.
قوله: وإنْ كان مَدْفُونًا تحتَه -يعْنِي، إذا كان الدِّفْنُ طَرِيًّا- أو مَطْرُوحًا قَرِيبًا منه، فعلى وَجْهَين.
ذكَر المُصَنِّفُ هنا مَسْألَتَين؛ إحْداهما، إذا كان مدْفُونًا تحتَه، والدِّفْنُ طَرِيًّا، فأطْلَقَ فيه وَجْهَين، وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الشَّرْحِ»؛ أحدُهما، يكونُ له.
وهو المذهبُ، صحَّحه 219 في «التَّصْحيحِ».
وقطَع به ابنُ عَقِيلٍ، وصاحِبُ «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيز»، و «المُنَوِّرِ»، و «تذكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
والوَجْهُ الثَّاني، لا يكونُ له.
قدَّمه في «الهِدايَةِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «النَّظْمِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ».
وهو المذهبُ، على المُصْطَلَحِ في الخُطةِ.
وحكَى في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ» وَجْهًا، أنَّه له، ولو لم يكُن الدِّفْنُ طَرِيًّا.
وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا.
وهو بعيدٌ جِدًّا.
ولم يذْكُره في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ» 220، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
الثَّانيةُ 221، إذا كان مَطْرُوحًا قريبًا منه، فأطْلَقَ المُصَنِّفُ فيه الوَجْهَين، وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي»،
و «ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 288
وَأوْلَى النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ وَاجِدُهُ إِنْ كَانَ أمِينًا.
و «الفائقِ»، و «النَّظْمِ»؛ أحدُهما، يكونُ له.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
صحَّحه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «التَّصْحيحِ».
وجزَم به في «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
والوَجْهُ الثَّاني، لا يكونُ له.
قدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ».
واخْتارَه ابنُ البَنَّا.
ولنا قَوْلٌ ثالثٌ في أصْلِ المَسْألتَين بالفَرْقِ بين المُلْقَى قريبًا منه وبينَ المَدْفُونِ تحتَه، فيكونُ المُلْقَى القريبُ له دُونَ المَدْفُونِ تحتَه.
قاله في «المُجَردِ»، وقطَع به.
قال الحارِثِيُّ: ويقْتَضِيه إيرادُه في «المُغْنِي».
قلتُ: قدم في «الكافِي»، و «النَّظْمِ»، أنَّه لا يمْلِكُ المَدْفُونَ.
وأطْلَقا في المُلْقَى القريبِ الوَجْهَين، كما تقدَّم.
الجزء: 16 - الصفحة: 289
وَلَهُ الإنفَاقُ عَلَيهِ مِمَّا وُجدَ مَعَهُ بِغَيرِ إِذْنِ حَاكِمٍ.
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
قوله: وله الإِنفْاقُ عليه مما وُجِدَ معه بغيرِ إذْنِ حاكِمٍ.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقطَع به ابنُ حامِدٍ، والمُصَنفُ في «الكافِي»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه ما يدُلُّ على أنَّهُ لا ينفِقُ إلَّا بإذْنِه.
الجزء: 16 - الصفحة: 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو وَجْهٌ في «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، ورَدَّ هذه الرِّوايَةَ المَجْدُ في «شرْحِه».
ذكَرَه في «القَواعِدِ»، وكذا المُصَنِّفُ، نقَلَه الزَّرْكَشِيُّ.
وتقدَّم قريبًا، إذا أنْفَقَ عليه مِن مالِه، ونوَى الرُّجوعَ.
الجزء: 16 - الصفحة: 291
وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا،
فوائد؛ منها، وكذا الحُكْمُ في حِفْظِ مالِه.
قطَع به في «المُغْنِي» وغيرِه.
وقال في «التَّلْخيصِ»: يحْتَمِلُ اعْتِبارَ إذْنِ الحاكِمِ فيه.
ومنها، قَبُولُ الهِبَةِ، والوَصِيَّةِ.
قال الحارِثِيُّ: مُقْتَضَى قَوْلِه في «المُغْنِي»، أنَّه للملتقِطِ، ومُقْتَضَى كلامِ صاحِبِ «التَّلْخيصِ»، أنَّه للحاكِمِ.
قلتُ: كلامُ صاحِبِ «المُغْنِي» مُوافِقٌ لقَواعِدِ المذهبِ في ذلك.
قوله: وإنْ كان فاسِقًا، أو رَقِيقًا، أو كافِرًا، واللَّقِيطُ مُسْلِمٌ، أوْ بَدَويًّا ينْتَقِلُ
الجزء: 16 - الصفحة: 292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في المَواضِعِ، أو وجَدَه في الحَضَرِ، فأرادَ نَقْلَه إلى البادِيَةِ، لم يُقَرَّ في يَدِه.
يُشْتَرَطُ في المُلْتَقِطِ أنْ يكونَ عَدْلًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقد قال المُصَنِّفُ قبلَ ذلك: وأوْلَى النَّاسِ بحَضانَتِه واجِدُه، إنْ كان أمِينًا.
واخْتارَه القاضي، وقال: المذهبُ علي ذلك.
واخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، وغيرُهم.
قال في «الفائقِ»: وتُشْتَرَطُ العَدالةُ في أصحِّ الرِّوايتين.
وجزَم باشتِراطِ الأمانَةِ في المُلْتَقِطِ في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِهم.
وقطَع في «الوَجيزِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهما، أنَّه لا يُقَرُّ بيَدِ فاسِقٍ.
وقدَّمه في «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُقَرُّ بيَدِ الفاسِقِ، إذا كان أمِينًا.
وقدمه في «الرِّعايَةِ» في مَوْضِعٍ، وابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه»، وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ، فإنَّه قال: وإنْ لم يكُنْ مَن وجَد اللَّقِيطَ أمِينًا، مُنِعَ مِنَ السَّفَرِ به.
فظاهِرُه، أنَّه إذا أقامَ به، كان أحَقَّ به، وإنْ كان فاسِقًا.
وأجْراه صاحِبُ «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهما على ظاهِرِه، وقال المُصَنِّفُ وتَبِعَه الشَّارِحُ على قَوْلِه: ينْبَغِي أنْ يُضَمَّ إليه مَن يُشْرِفُ عليه، ويُشْهِدَ عليه، ويُشِيعَ أمْرَه؛ ليُؤْمَنَ مِنَ التَّفْرِيطِ فيه.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: وإنْ كان فاسِقًا، لم يُقَرَّ في يَدِه.
أنَّ مَسْتُورَ الحالِ يُقَرُّ في
الجزء: 16 - الصفحة: 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَدِه.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
لكِنْ لو أرادَ السَّفَرَ به، فهل يُقَرُّ بيَدِه؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، لا يُقَرُّ بيَدِه.
جزَم به في «الكافِي».
وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
والثَّانِي، يُقَرُّ في يَدِه.
وأمَّا الرَّقيقُ؛ فليس له التِقاطُه إلَّا بإذْنِ سيِّدِه، اللَّهُمَّ إلَّا أن لا يجِدَ مَن يلْتَقِطُه، فيجِبَ التِقاطُه؛ لأنَّه تخْليصٌ له مِنَ الهَلَكَةِ.
أمَّا مع وُجودِ مَن هو أهْلٌ للالتِقاطِ، فقطَع كثيرٌ مِنَ الأصحابِ بمَنْعِه مِنَ الأخْذِ؛ مُعَلِّلًا بأنَّه لا يُقَرُّ في يَدِه، أو بأنَّه لا ولايةَ له.
قال الحارِثِيُّ: وفيه نظَرٌ؛ فإنَّ أخْذَ اللَّقِيطِ قُرْبَةٌ، فلا يخْتَصُّ بحُرٍّ، وعدَمُ الإقْرارِ بيَدِه دَوامًا لا يمْنَعُ أخْذَه ابْتِداءً.
فعلى المذهب، إنْ أذِنَ له سيِّدُه، فهو نائبُه، وليس له الرُّجوعُ في الإذْنِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 295
أوْ رَقِيقًا،
قاله ابنُ عَقِيلٍ.
واقْتَصرَ علمِه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
وجزَم به.
في «الفُروعَ».
فائدة: المُدَبَّرُ، وأمُّ الوَلَدِ، والمُعَلَّقُ عِتْقُه، كالقِنِّ؛ لقِيامِ الرِّقِّ، والمُكاتَبُ كذلك.
قاله في «المُغْني»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
ومَن بعضُه رَقيقٌ كذلك؛ لأنَّه لا يتَمَكَّنُ مِنِ اسْتِكْمالِ الحَضانَةِ.
وأمَّا الكافِرُ، فليس له التِقاطُ المُسْلِمِ، ولا يُقَرُّ بيَدِه.
ومُرادُه بالكافِرِ هنا، الذِّمِّيُّ، وإنْ كان الحَرْبِيَّ بطَرِيقٍ أوْلَى.
الجزء: 16 - الصفحة: 296
أَوْ كَافِرًا وَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ، أوْ بَدَويًّا يَنْتَقِلُ في الْمَوَاضِعِ،
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنفِ، أنَّ الكافِرَ إذا التقَطَ مَن حُكِمَ بكُفْرِه، أنَّه يُقَرُّ بيَدِه.
وهو صحيحٌ.
صرَّح به القاضي، وغيرُه مِنَ الأصحابِ.
لكِنْ لو التقَطَه مُسْلِمٌ وكافِرٌ، فقال الأصحابُ: هما سواءٌ.
وهو المذهبُ.
وقيل: المُسْلِمُ أحقُّ.
اخْتارَه المُصَنِّفُ، والنَّاظِمُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيحُ بلا ترَدُّدٍ.
ويأْتِي ذلك في عُمومِ كلامِ المُصَنِّفِ قريبًا.
فائدتان؛ إحْداهما، يُشْتَرَطُ في المُلْتَقِطِ أيضًا، أنْ يكونَ مُكَلفًا، فلا يُقَرُّ بيَدِ صَبِيٍّ، ولا مَجْنونٍ.
الثَّانيةُ، يُشْتَرَطُ الرُّشْدُ، فلا يُقَرُّ بيَدِ السَّفِيهِ.
جزَم به في «الهدايَةِ»، و «المُذْهَب»، و «المُسْتَوْعِب»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ»، ثم قال: قلت: والسَّفِيهُ كالفاسِقِ.
انتهى.
لأنَّه
الجزء: 16 - الصفحة: 297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا ولايَةَ له على نَفْسِه، فأَوْلَى أنْ لا 222 يكونَ وَلِيًّا على غيرِه.
وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وصاحِبِ «المُحَرَّرِ»، وغيرِهما، أنَّه يُقَرُّ بيَدِه؛ لأنَّه أهْلٌ للأمانَةِ والتَّرْبِيَةِ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا أصحُّ.
وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وأمَّا إذا التَقَطَه البَدَويُّ الذي ينْتَقِلُ في المَواضِعِ، فجزَم المُصَنِّفُ هنا أنَّه لا يُقَرُّ في يَدِه.
وهو أحدُ الوَجْهَين، وهو المذهبُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «شَرْحِ ابنَ مُنَجَّى».
قال الحارِثِيُّ: هذا أقْوَى.
والوَجْهُ الثَّاني، يُقَرُّ.
قدَّمه ابنُ رَزِينٍ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّر»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم، وقال في «التَّرْغيبِ»، و «التَّلْخيصِ»: متى وجَدَه في فَضاءٍ خالٍ، فله نقْلُه حيث شاءَ.
وأمَّا إذا التَقَطَه مَن في الحَضَرِ، فأرادَ نُقْلَتَه إلى البادِيَةِ، فجزَم المُصَنِّفُ أنَّه لا يُقَرُّ في يَدِه.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به الحارِثِيُّ في «شَرْحِه»، وصاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّر»، و «شَرْحِ ابنِ رَزينٍ»، و «الوَجيزِ»، والزَّرْكَشِيُّ، وغيرُهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيَل: يُقَرُّ.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وتقدَّم كلامُ صاحِبِ «التَّرْغيبِ».
الجزء: 16 - الصفحة: 298
أَوْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ فَأرَادَ نَقْلَهُ إلَى الْبَادِيَةِ، لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِه.
وَإنِ الْتَقَطَهُ فِي الْبَادِيَةِ مُقِيمٌ فِي حِلَّةٍ، أوْ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى الْحَضَرِ أُقِرَّ مَعَهُ.
وَإنِ الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَهَلْ يُقَرُّ فِي يَدِهِ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
قوله: وإنِ التَقَطَه في الحَضَرِ مَن يُرِيدُ النقلَةَ إلى بَلَدٍ آخَرَ، فهل يُقَرُّ في يَدِه؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي
الجزء: 16 - الصفحة: 299
وَإنِ الْتَقَطَهُ اثْنَانِ، قُدِّمَ الْمُوسِرُ مِنْهُمَا عَلَى الْمُعْسِرِ، وَالْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ.
الصَّغِيرِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، أحدُهما، لا 223 يُقَرُّ في يَدِه.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ».
والوَجْهُ الثَّاني، يُقَرُّ.
وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الوَجيزِ».
وصحَّحه النَّاظِمُ، وصاحِبُ «التَّصْحيحِ».
فوائد؛ إحْداها، وكذا الحُكْمُ لو نقَلَه مِن بلَدٍ إلى قَرْيَةٍ، فيه الوَجْهان.
قاله القاضي في «المُجَرَّدِ» وغيرِه.
الثَّانِيَةُ، وكذا الحُكْمُ لو نقَلَه مِن حِلَّةٍ إلى حِلَّةٍ.
تنبيه؛ يُسْتَثْنَى مِن هذه المَسائلِ، لو كان البَلَدُة وبيئًا؛ كغَوْرِ بَيسانَ ونحوه، فإنَّه يجوزُ النَّقْلُ إلى البادِيَةِ، لتعَيُّنِ المَصْلَحَةِ في النَّقْلِ.
قاله الحارِثِيُّ.
قلتُ: فيُعايىَ بها.
الثَّالثةُ، حيثُ يُقالُ بانْتِزاعِه مِنَ المُلْتَقِطِ، فيما تقدَّم مِنَ المَسائلِ، فإنَّما ذلك عندَ وُجودِ الأَوْلَى به.
أمَّا إذا لم يُوجَدْ، فإقْرارُه في يَده أوْلَى، كيف كان؛ لرُجْحانِه بالسَّبْقِ إليه.
قوله: وإنِ التَقَطَه اثْنان، قُدِّمَ المُوسِرُ منهما على المُعْسِرِ، والمُقِيمُ على
الجزء: 16 - الصفحة: 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسافِرِ.
لا أعلمُ فيه خِلافًا.
وظاهِرُ كلامِه، أنَّ البَلَدِيَّ وضِدَّه، والكرِيمَ وضِدَّه، وظاهِرَ العَدالةِ وضِدَّه، في ذلك على جَدٍّ سواء.
وهو كذلك.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقاله القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
وقال في «التَّلْخيصِ»، و «التَّرْغِيبِ»: يُقَدَّمُ البَلَدِيُّ على ضِدِّه.
وقال في «المُغْنِي» 224، ومَن تبِعَه: وعلى قِياسِ قوْلِهم في تقْديمِ المُوسِرِ، ينْبَغِي أنْ يُقَدَّمَ الجَوادُ على البَخيلِ.
انتهى.
وقيل: يُقَدَّمُ ظاهِرًا لعَدالةِ على ضِدِّه.
وهما احْتِمالان مُطْلَقان في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وأطْلَقَ الوَجْهَين الحارِثِيُّ.
الجزء: 16 - الصفحة: 301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: الشَّرِكَةُ في الالتِقاطِ أنْ يأْخُذاه جميعًا، ولا اعْتِبارَ بالقِيام المُجَرَّدِ عندَه؛ لأنَّ الالتِقاطَ حقيقَةُ الأَخْذِ، فلا يُوجَدُ بدُونِه، إلَّا أنْ يأْخُذَه الغيرُ بأَمْرِه، فالمُلْتَقِطُ هو الآمِرُ؛ لأنَّ المُباشِرَ نائبٌ عنه، فهو كاسْتِنابَتِه في أخْذِ المُباحِ.
تنبيه: دخَل في كلامِ المُصَنِّفِ، لو التَقَطَه مُسْلِمٌ وكافِرٌ.
وهو كذلك.
وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقيل: المُسْلِمُ أوْلَى.
اخْتارَه المُصَنِّفُ، والحارِثِيُّ، والنَّاظِمُ، وغيرُهم.
وتقدَّم ذلك أيضًا.
الجزء: 16 - الصفحة: 302
فَإِنْ تَسَاوَيَا وَتَشَاحَّا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
قوله: فإنْ تَشاحَّا؛ أُقرِعَ بينَهما.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به أكثرُهم؛ منهم صاحِبُ «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «القَواعِدِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرُهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
وقيل: يُسَلِّمُه الحاكِمُ إلى مَن شاءَ منهما أو مِن غيرِهما.
وقال الحارِثِيُّ: وذكَر
الجزء: 16 - الصفحة: 303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صاحِبُ «المُحَرَّرِ»، في بابِ الحَضانَةِ، أنَّ الرَّقيقَ إذا كان بعضُه حُرًّا تَهايَأ في حَضانَتِه سَيِّدُه ونَسِيبُه.
وحُكِيَ ذلك عن أبي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيزِ، قال: فيُخَرَّجُ هنا مِثْلُه، والمذهبُ الأوَّلُ.
انتهى.
الجزء: 16 - الصفحة: 304
فَإِنِ احْتَلَفَا فِي الْمُلْتَقِطِ مِنْهُمَا، قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ.
تنبيه: قولُه: وإنِ اخْتَلَفا في المُلْتَقِطِ منهما، قُامَ مَن له بَيَّنَةٌ.
بلا نِزاعٍ.
فإنْ كان لكُل واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهما تارِيخًا.
قاله في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
وإنِ اتَّحَدَ تارِيخُهما، أو أُطْلِقَتا، أو أرِّخَتْ إحْداهما وأُطْلِقَتِ الأُخْرَى، تَعارَضَتا،.
وهل يسْقُطان أو يُسْتَعْمَلان؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، يسْقُطان، فيصِيران كمَن لا بَيِّنَةَ لهما.
وجزَم به، فيما إذا تَساوَيا، في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
والثَّاني، يُسْتَعْمَلان ويُقْرَعُ بينَهما، فمَن قرَع صاحِبَه، كان أوْلَى به.
قال في «الكافِي»: وإن تَساوَيا في اليَدِ أو عدَمِها، سقَطَتا، وأُقْرِعَ بينَهما، فقُدِّمَ
الجزء: 16 - الصفحة: 305
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ،
بها أحدُهما.
وجزَم به ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
ومحَلُّهما إذا لم يَكُنْ في يَدِ أحَدِهما.
قال الحارِثِيُّ: وفي بَيِّنَةِ المالِ وَجْهٌ بتَقْديم المُطْلَقَةِ على المُؤَرَّخةِ، وهو ضَعيفٌ، بلِ الأَوْلَى تَقْدِيمُ المُؤَرَّخَةِ.
انتهى.
ويأْتِي ذلك في بابِ الدَّعاوَى مُحَرَّرًا.
فإنْ كان اللَّقِيطُ في يَدِ أحَدِهما، فهل تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الخارِجِ؟ فيه وَجْهان مَبْنِيَّان على الرِّوايتَين في دَعْوَى المالِ، على ما يأْتِي في بَيِّنةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ.
وقال في «الفُروعِ»: يُقَدَّمُ ربُّ اليَدِ مع بَيِّنَةٍ، وفي يَمِينِه وَجْهان.
قوله: فإنْ لم يكُنْ لهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ صاحِبُ اليَدِ.
بلا نِزاعٍ.
لكِنْ هل يحْلِفُ معها؟ فيه وَجْهان، وأطْلَقَهما في «الكافِي»، «الفُروعِ»؛ [أحدُهما، لا يحْلِفُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، والقاضي، وقال: هو قِياسُ المذهبِ] 225. وقدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه».
والوَجْهُ الثَّاني، يحْلِفُ.
قاله أبو الخَطَّابِ، ونصَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيحُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 306
فَإِنْ كَانَ فِي أَيدِيهِمَا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا يَدٌ فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا، قُدِّمَ،
فائدة: قوْلُه: فإنْ كان في أَيدِيهما، أُقْرِعَ بينَهما.
فمَن قرَع، سُلِّمَ إليه مع يَمِينِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قاله في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وقالا: وعلى قَوْلِ القاضي لا تُشْرَعُ اليَمِينُ هنا، ويُسَلَّمُ إليه بمُجَرَّدِ وُقوعِ القُرْعَةِ له.
وأطْلَقَهما في «الكافِي».
فائدة: لو ادَّعَى أحدُهما أنَّه أخَذَه منه قَهْرًا، وسألَ الحاكِمَ يَمِينَه، قال في «الفُروعِ»: فيتَوجَّهُ إحْلافُه.
وقال في «المُنْتَخَبِ»: لا يحْلِفُ؛ كطَلاقٍ ادُّعِيَ على الزَّوْجِ.
قوله: وإنْ لم يكُنْ لهما يَدٌ، فوصَفَه أحدُهما -يعْني، بعَلامَةٍ مَسْتورَةٍ في جَسَدِه- قُدِّمَ.
هذا المذهبُ.
جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «المُحَرَّرِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والتِّسْعِين»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وذكَر القاضي في «الخِلافِ»، وصاحِبُ «المُبْهِجِ»،
الجزء: 16 - الصفحة: 307
وَإلَّا سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ إِلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا أوْ مِنْ غَيرِهِمَا.
و «المُنْتَخَبِ»، و «الوَسِيلَةِ» أنَّه لا يُقَدَّمُ واصِفُه.
وذكَرَه في «الفُنونِ»، و «عُيونِ المَسائلِ» عن أصحابِنا، وإليه مَيلُ الحارِثِيِّ؛ فإنَّه نظَر على تعْليلِ الأصحابِ.
فائدة: لو وَصَفاه جميعًا، أُقْرِعَ بينَهما.
قاله في «التَّلْخيصِ»، واقْتَصرَ عليه الحارِثِيُّ.
قوله: وإلَّا سَلَّمَه الحاكِمُ إلى مَن يرَى منهما، أو مِن غيرِهما.
يعْنِي، إذا لم يكُنْ في أيدِيهما، ولا في يَدِ واحدٍ منهما، ولا بَيِّنَةَ لهما، ولا لأحَدِهما، ولا وصَفاه، ولا أحدُهما.
وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال الحارِثِيُّ: قال
الجزء: 16 - الصفحة: 308
فَصْلٌ: وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ وَدِيَتُهُ إِنْ قُتِلَ لِبَيتِ الْمَالِ.
الأصحابُ، والمُصَنِّفُ هنا: يُسَلِّمُه القاضي إلى مَن يرَى منهما، أو مِن غيرِهما.
قال في «القَواعِدِ»: قال القاضي، والأكْثَرون: لا حق لأحَدِهما فيه، ويُعْطِيه الحاكِمُ لمَن شاءَ منهما، أو مِن غيرِهما.
انتهى.
واخْتارَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفروع» وغيرِه.
وقال المُصَنِّفُ: الأوْلَى أنْ يُقْرَعَ بينَهما، كما لو كان في أيدِيهما.
فائدة: مَن أسْقَطَ حقه منه، سقَط.
قوله: ومِيراثُ اللَّقِيطِ ودِيَتُه إنْ قُتِلَ لبَيتِ المالِ.
هذ المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَع به كثير منهم.
وذكَر ابنُ أبي مُوسى في «الإرْشادِ»، أنَّ بعضَ شُيوخِه حكَى رِوايَةً عن أحمدَ، أنَّ المُلْتَقِطَ يرِثُه.
واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ونصَرَه، وصاحِبُ «الفائقِ».
قال الحارِثِيُّ: وهو الحقُّ.
الجزء: 16 - الصفحة: 309
وَإنْ قُتِلَ عَمْدًا، فَوَلِيُّهُ الإِمَامُ، إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ 226، وَإنْ شَاءَ أخَذَ الدِّيَةَ.
وإنْ قُطِعَ طَرَفُهُ عَمْدًا، انْتُطرَ بُلُوغُهُ، إلا أنْ يَكُونَ فَقِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، فَلِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يُنْفَقُ عَلَيهِ.
قوله: وإنْ قُتِلَ عَمْدًا، فوَلِيُّه الإمامُ؛ إنْ شاءَ اقْتَصَّ، وإنْ شاءَ أخَذ الدِّيَةَ.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَع به أبو الخَطابِ في «الهِدايَةِ» وغيرُه، وذكَر في «التَّلْخيصِ» وَجْهًا، أنَّه لا يجِبُ له حَقُّ الاقْتِصاصِ، وأنَّ أبا الخَطَّابِ خرَّجه، قال: ووَجْهُه أنَّه ليسِ له وارِثٌ مُعَيَّنٌ، فالمُسْتَحِقُّ جميعُ المُسْلِمين، وفيهم صِبْيانٌ ومَجانِينُ، فكيف يُسْتَوْفى؟ قال: وهذا يجْرِي في قَتْلِ كُلِّ مَن لا وارِثَ له.
انتهى.
قوله: وإنْ قُطِعَ طَرَفُه عَمْدًا، انْتُظِرَ بُلُوغُه.
يعْنِي، مع رُشْدِه.
هذا
الجزء: 16 - الصفحة: 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ: هذا الصَّحيحُ المَشْهورُ في المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: والأشْهَرُ، يُنْتَظَرُ رُشْدُه، إذا قُطِعَ طَرَفه.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الشَّرْحِ» وغيرِه.
وعنه، للإمامِ اسْتِيفاؤُه قبلَ البُلُوغِ.
نصَّ عليه في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
قال في «الفائقِ»: وهو المَنْصوصُ المُخْتارُ.
وأطْلَقَهما في «الفائقِ».
الجزء: 16 - الصفحة: 312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: إلَّا أنْ يكُونَ فَقِيرًا مَجْنُونًا، فللإمامِ العَفْوُ على مالٍ يُنْفَقُ عليه.
هذا المذهبُ.
جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «الفُروعِ»، [وغيرُهم مِنَ الأصحاب] 227. فعلى هذا، يجِبُ على الإمامِ فِعْلُ ذلك؛ لأنَّ عليه رِعايَةَ الأصْلَحِ، والتَّعْجيلُ هنا.
هو الأصْلَحُ.
قدَّمه الحارِثيُّ في «شَرْحِه».
وهو الصَّوابُ.
وقال القاضي، وابنُ عَقِيل: يُسْتَحَبُّ ذلك، ولا يجِبُ.
تنبيه: دخَلِ في عُمومِ قوْلِه: انْتُظِرَ بُلُوغُه.
أنَّه لو كان فِقيرًا عاقِلًا، فليس للإمامِ العَفْوُ علي مالٍ يُنْفقُ عليه.
وهو أحدُ الوَجْهَين، وهو ظاهِرُ ما قطَع به في «الهِدايَةِ»، و «المُذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم.
وجزَم به في «الشَّرْحِ» هنا، و «الفُصولِ»، و «المُغْنِي» هنا.
والوَجْهُ الثَّاني، للإِمام ذلك.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال القاضي، والمُصَنفُ، في بابِ القَوَدِ، عندَ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: إذا اشْتَركَ جماعَةٌ في القَتْلِ: هذا أصحُّ.
وكذا قال في «الكافِي»، في بابِ العَفْو عنِ القِصاصِ.
وصحَّحه في «الشَّرْحِ»، في بابِ اسْتِيفاءِ القِصاصِ.
وحكاه المَجْدُ عن نصِّ أحمدَ.
وفي بعض نُسَخِ «المُقْنِعِ»
الجزء: 16 - الصفحة: 313
وَإنِ ادَّعَى الْجَانِي عَلَيهِ أوْ قَاذِفُهُ رِقَّهُ، وَكَذَّبَهُ اللَّقِيطُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ اللَّقِيطِ.
هنا: إلَّا أنْ: يكونَ فِقيرًا أو مجْنونًا.
بـ «أو»، لا بـ «الواو».
وقد قال المُصَنِّفُ، في هذا الكِتابِ، في بابِ اسْتِيفاءِ القِصاصِ: فإنْ كانا مُحْتاجَين إلى النَّفَقَةِ، يعْني وكذا الصَّبِيَّ، والمَجْنونَ، فهل لوَلِيِّهما العَفْوُ عنِ الدِّيَةِ؟ يحْتَمِلُ وَجْهَين.
وكذا أبو الخَطابِ، في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرُهم هناك.
وأطْلَقهما أيضًا في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ».
ودخَل أيضًا في عُمومِ كلامِه، لو كان مَجْنونًا غَنِيًّا، فليس للإمامِ العَفْوُ على مالٍ، بل تُنْتَظَرُ إفاقَتُه.
وهو المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ.
وقطَع به في «الشَّرْحِ».
وذكَر في «التَّلْخيصِ» وَجْهًا، للإمامِ ذلك.
وجزَم به في «الفُصولِ»، و «المُغْنِي»، وهو ظاهِرُ كلامِه في «الوَجيزِ».
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ».
تنبيه: حيثُ قُلْنا: ينتَظَرُ البُلوغُ أو العقْلُ.
فإنَّ الجانِيَ يُحْبَسُ إلى أوانِ البُلوغِ والإفاقَةِ، وحيثُ قُلْنا بالتَّعْجِيلِ وأخْذِ المالِ، لو طلَب اللَّقِيطُ بعدَ بُلُوغِه وعقْلِه القِصاصَ، ورَدَّ المالِ، لم يجِبْ.
ذكَرَه في «التَّلْخيصِ» وغيرِه، وفرَّقُوا بينَه وبين الشُّفْعَةِ.
قوله: وإنِ ادَّعَى الجانِي عليه أو قاذِفُه رِقَّه، فكَذَّبَه اللَّقِيطُ بعدَ بُلُوغِه، فالقَوْلُ قَوْلُ اللَّقِيطِ.
وهو المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»
الجزء: 16 - الصفحة: 314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِه.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
ويحْتَمِلُ أنَّ القَوْلَ قَوْلُ القاذِفِ.
قاله المُصَنِّفُ.
قال الحارِثِيُّ: وذكَر صاحِبُ «المُحَرَّرِ»، في قَتْلِ مَن لا يُعْرَفُ إذا ادُّعِيَ رِقُّه، وَجْهًا،
الجزء: 16 - الصفحة: 315
وَإنِ ادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ، لَمْ يُقْبَلْ إلا بِبَيِّنةٍ تَشْهَدُ أنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ، وَيَحْتَمِلُ ألا يُعْتَبَرَ قَوْلُهَا فِي مِلْكِهِ.
أنَّ القَوْلَ قَوْلُه.
وعنِ القاضي، في كتابِ «الخِصالِ»، أنَّه جزَم به؛ لأنَّ الرِّقَّ مُحْتَملٌ، والأصْلُ البَراءَةُ.
وذكَر صاحِبُ «المُحَرَّرِ»، في قَذْفِ مَن لا يُعْرَفُ إذا ادُّعِيَ رِقُّه، رِوايةً بقبُولِ قَوْلِه؛ لأنَّ احْتِمال الرِّقِّ شُبْهَةٌ، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والأصْلُ البَراءَةُ.
فائدة: لو كان اللَّقِيطُ مُمَيِّزا، يَطأُ مِثْلُه، وجَب الحدُّ على قاذِفِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ نصَّ عليه.
وخُرِّجَ وَجْهٌ بانْتِفاءِ الوُجوبِ، وقيل: هو رِوايَةٌ.
فعلى المذهبِ، يُشترَطُ لإقامَتِه المُطالبَةُ بعدَ البُلُوغِ، وليس للوَلِيِّ المُطالبَةُ.
ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه.
ويأْتِي ذلك في أوائلِ بابِ القَذْفِ.
قوله: وإنِ ادَّعى إئسانٌ أنَّه مَمْلُوكُه، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنَةٍ تشْهَدُ أنَّ أَمَتَه ولَدَتْه في مِلْكِه.
إذا ادَّعَى إنْسانٌ أنَّه مَمْلُوكُه، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ له بَيِّنَةٌ، أو لا، فإنْ لم يكُنْ له بَيِّنَةٌ، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ في يَدِه، أو لا؛ فإنْ لم يكُنْ في يَدِه، فلا شيءَ لي.
وإنْ كان في يَدِه، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ المُلْتَقِطَ أو غيرَه، فإنْ
الجزء: 16 - الصفحة: 316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان المُلْتَقِطَ، فلا شيءَ له أيضًا.
ذكَرَه في «التَّلْخيصِ» وغيرِه.
وإنْ كان غيرَ المُلْتَقِطِ، صُدِّقَ.
قاله الحارِثِيُّ، وقاله في «التلْخيصِ» وغيرِه، لدِلالةِ اليَدِ على المِلْكِ.
قال الحارِثِيُّ: ومُقْتَضَى كلامِ المُصَنِّفِ في «المُغنِي»، و «الكافِي»، وُجوبُ يَمِينِه.
وهو الصَّوابُ؛ لإِمْكانِ عدَمِ المِلْكِ، فلا بُدَّ مِن يمَينٍ تُزِيلُ أثَرَ ذلك، ثم إذا بلَغ، وقال: أنا حُرٌّ.
لم يُقْبَل.
وإن كان له بَيِّنَةٌ، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ تشْهَدَ بيَدِه، أو بمِلْكِه، أو بسَبَبِ مِلْكِه، فإنْ شهِدَت بيَدِه، فإنْ كان غيرَ
الجزء: 16 - الصفحة: 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُلْتَقِطِ، حُكِمَ له بها، والقَوْلُ قَوْلُه مع يَميِنِه في المِلْكِ.
ذكَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والقاضي أيضًا؛ لدِلالةِ اليَدِ على المِلْكِ، زادَ القاضي، وأنَّه ضلَّ عنه، أو ذهَب، أو غُصِبَ.
وإنْ شَهِدَتْ أنَّ أمَتَه ولَدَتْه في مِلْكِه، فعندَ الأصحابِ، هو له.
وإنِ اقْتَصرَتْ على أنَّ أمَتَه ولَدَتْه، ولم تقُلْ: في مِلْكِه.
فقدَّم المُصَنِّفُ، أنَّه لابُدَّ أنْ تشْهَدَ أنَّ أمَتَه ولَدَتْه في مِلْكِه.
وهو المذهبُ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وصحَّحه النَّاظِمُ.
وجزَم به في «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ».
وقطَع به المُصَنِّفُ في هذا الكِتابِ، في أثْناءِ كتابِ الشَّهاداتِ.
ويحْتَمِلُ أنْ لا يُعْتَبرَ قوْلُ البَيِّنَةِ: في مِلْكِه.
بك يكْفِي الشَّهادَةُ بأنَّ أمَتَه ولَدَتْه.
وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَررِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وإنْ شهِدَتْ أنَّه مِلْكُه، أو مَمْلُوكُه، أو عَبْدُه، أو رَقِيقُه، ثبَت مِلْكُه بذلك.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قطَع به في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، والقاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وصاحبُ «المُحَرَّرِ»، وغيرُهم.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا بُدَّ مِن ذِكْرِ السَّبَبِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وأبي الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»، وصاحِبِ «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم؛
الجزء: 16 - الصفحة: 318
وَإنْ أقَرَّ بِالرِّقِّ بَعْدَ بُلُوغهِ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَعَنْهُ، يُقْبَلُ.
وَقَال الْقَاضِي: يُقْبَلُ فِيمَا عَلَيهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهَلْ يُقْبَلُ فِي غَيرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.
لاحْتِمالِ التَّعْويلِ على ظاهِرِ اليَدِ.
وأطْلَقَهما الحارِثِيُّ في «شَرْحِه».
وفيه وَجْهٌ ثالثٌ، بأنَّ البَيِّنَةَ لا تُسْمَعُ مِنَ المُلْتَقِطِ، وتُسْمَعُ مِن غيرِه؛ لاحْتِمالِ تعْوليها على يَدِ المُلْتَقِطِ، ويَدُه لا تقْبَلُ المِلْكَ.
اخْتارَه صاحِبُ «التَّلْخيصِ».
فائدة: قال في «المُغْنِي» 228: إنْ شهِدَتِ البَيِّنَةُ بالمِلْكِ، أو باليَدِ، لم يُقْبَلْ إلَّا رجُلان، أو رجُلٌ وامْرَأتان، وإنْ شهِدَتْ بالولادَة 229، قُبِلَ امْرأَةٌ واحدَةٌ، أو رجُلٌ واحدٌ؛ لأنَّه ممَّا لا يطلِعُ عليه الرِّجالُ.
وقال القَاضي: يُقْبَلُ فيه شاهِدان، وشاهِدٌ وامْرأَتان، ولا يُقْبَلُ فيه النِّساءُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو أشْبَهُ بالمذهبِ.
قوله: وإنْ أقَرَّ بالرِّقِّ بعدَ بُلُوغِه، لم يُقْبَلْ.
إذا أقَرَّ اللَّقِيطُ بالرِّقِّ بعدَ البُلوغِ، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يتقَدَّمَه تصَرُّفٌ، أو إقْرارٌ بحُرِّيَّةٍ، أو لا، فإنْ لم يتَقَدَّمْ إقرارَه تصَرُّفٌ ولا إقْرارٌ بحُرِّيَّةٍ، بل أقَرَّ بالرِّقِّ؛ جَوابًا أو ابْتِداءً، وصدَّقَه المُقَرُّ له، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يُقْبَلُ إقْرارُه بالرِّقِّ والحالةُ هذه.
صحَّحه المُصَنِّفُ
الجزء: 16 - الصفحة: 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «المُغْنِي»، وحكاه القاضي وَجْهًا.
وقطَع صاحِبُ «المُحَرَّرِ» بأنَّه يُقْبَلُ قوْلُه.
واخْتارَه في «التَّلْخيصِ»، ومال إليه الحارِثِيُّ، وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
وأطْلَقَهما في «الشَّرْحِ».
وإنْ تقَدَّم إقْرارَه بالرِّقِّ تصَرُّفٌ ببَيعٍ، أو شِراءٍ، أو نِكاحٍ، أو إصْداقٍ ونحوه، فهذا لا يُقْبَلُ إقْرارُه بالرِّقِّ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأكثرُ.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، يُقْبَلُ.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ».
وقال القاضي: يُقْبَلُ فيما عليه.
رِوايَةً واحدةً.
وهل يُقْبَلُ في غيرِه؟ على رِوايتَين.
قال الحارِثِيُّ: وحكَى أبو الخطَّاب في «كِتابِه»، والسَّامَرِّيُّ عن القاضي، اخْتِصاصَ الرِّوايتَين بما تضَمَّنَ حقًّا له، أمَّا ما تضَمَّنَ حقًّا
الجزء: 16 - الصفحة: 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه، فيُقْبَلُ، رِوايَةً واحدةً.
قال: وحكاه المُصَنِفُ هنا مُطْلَقًا عنه.
وإنْ تقدَّم إقْرارُه بالحُريَّةِ، ثم أقَرَّ بالرِّقِّ، لم يُقْبَلْ، قوْلًا واحدًا.
ولو أقَرَّ بالرِّقِّ لزَيدٍ، فلم يُصَدِّقْه، بطَل إقْرارُه، ثم إنْ أقَرَّ لعَمْرٍو، وقُلْنا بقَبْولِ الإقْرارِ في أصْلِ المَسْألَةِ، ففي قَبُولِه له 230 وَجْهان.
وأطْلَقَهما الحارِثِيُّ، و «الفُروعِ»، وذكَرَهما القاضي وغيرُه؛ أحدُهما، يُقْبَلُ.
اخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه.
والثاني، لا يُقْبَلُ.
الجزء: 16 - الصفحة: 321
وَإنْ قَال: إِنِّي كَافِرٌ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ.
وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُه إلا أنْ يَكُونَ قَدْ نَطَقَ بِالإسْلَامِ وَهُوَ يَعْقِلُهُ.
قوله: وإنْ قال: إنِّي كافِرٌ.
لم يُقْبَلْ قوْلُه، وحُكْمُه حُكْمُ المُرْتَدِّ.
إذا بلَغ اللَّقِيطُ سِنًّا يصِحُّ منه الإسْلامُ والرِّدَّة فيه، على ما يأْتِي في بابِ الرِّدَّةِ، فنَطق بالإسْلامِ،
الجزء: 16 - الصفحة: 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهو مُسْلِمٌ، ثم إنْ قال: إنِّي كافِرٌ.
فهو مُرْتَدٌّ، بلا نِزاعٍ.
وإنْ حكَمْنا بإسْلامِه تبَعًا للدَّارِ، وبلَغ، وقال: إنِّي كافِرٌ، وهي مَسْألةُ المُصَنِّفِ، لم يُقْبَلْ قوْلُه، وحُكْمُه حُكْمُ المُرْتَدِّ.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال الحارِثِيُّ: هذا الصَّحيحُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثَّاني، يُقَرُّ، على ما قاله القاضي، قال: إلَّا أنْ يكونَ قد نطَق بالإِسْلامِ وهوْ يعْقِلُه.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وهو وَجْهٌ بعيدٌ.
فعلى هذا الوَجْهِ، قال القاضي، وأبو الخَطَّابِ، وغيرُهما: إِنْ وصَف كُفْرًا يُقَرُّ عليه بالجِزْيَةِ، عُقِدَتْ له الذِّمَّةُ، وأُقِرَّ في الدَّارِ، وإن لم يبْذُلْها، أو كان كُفْرًا لا يُقَرُّ عليه، أُلحِقَ بمَأْمَنِه.
قال في «المُغْنِي» 231: وهو بعيدٌ جِدًّا.
الجزء: 16 - الصفحة: 326
فصْلٌ: وَإنْ أقَرَّ إنْسَانٌ أَنَّهُ وَلَدُهُ، أُلحِقَ بِهِ، مُسْلِمًا كَانَ أوْ كَافِرًا، رَجُلًا كَانَ أَو امْرَأةً، حَيًّا كَانَ اللَّقِيطُ أوْ مَيِّتًا.
قوله: وإنْ أقَرَّ إنْسانٌ أنَّه وَلَدُه، أُلْحِقَ به؛ مُسْلِمًا كان أو كافِرًا؛ رَجُلًا كان
الجزء: 16 - الصفحة: 327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو امْرأةً؛ حَيًّا كان اللَّقِيطُ أو مَيتًا.
إذا أقَرَّ به حرٌّ مُسْلِمٌ، يُمْكِنُ كوْنُه منه، لَحِقَ به، بلا نِزاعٍ.
ونصَّ عليه في رِوايَةِ جماعةٍ، وإنْ أقَرَّ به ذِمِّيٌّ، أُلْحِقَ به نَسَبًا، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، وهو داخِلٌ في عُمومِ نصِّ أحمدَ.
[وقيل: لا يَلْحَقُ به أيضًا في النَّسَبِ.
ذكَرَه في «الرِّعايَةِ»] 232. إذا علِمْتَ ذلك، فلا يلْحَقُه في الدِّينِ، بلا نِزاعٍ، على ما يأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، ويأْتِي حُكْمُ نفَقَتِه في النَّفَقاتِ.
قال القاضي وغيرُه: وإذا بلَغ، فوصَفَ الإسْلامَ، حكَمْنا بأنَّه لم يزَلْ مُسْلِمًا، وإنْ وصَفَ الكُفْرَ، فهل يُقَرُّ؟ فيه الوَجْهان المَذْكوران في المسْأَلَةِ التي قبلَها.
الجزء: 16 - الصفحة: 328
وَلَا يَتْبَعُ الْكَافِرَ فِي دِينِهِ إلا أنْ يُقِيمَ بَيَنةً أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُلْحَقُ بِامْرَأةٍ ذَاتِ زَوْجٍ، وَعَنْهُ، إِنْ كَانَ لهَا إِخْوَةٌ أوْ نَسَبٌ مَعْرُوف، لَمْ يُلْحَقْ بِهَا وَإلَّا لَحِقَ.
قوله: ولا يتْبَعُ الكافِرَ في دِينِه، إلَّا أنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّه وُلِدَ على فِراشِه.
هذا المذهبُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
قال الشَّارِحُ: هذا قَوْلُ بعضِ أصحابِنا، وقِياسُ المذهبِ، لا يلْحَقُه في الدِّينِ، إلَّا أنْ تشْهَدَ البَيِّنةُ أنَّه وُلِدَ بينَ كافِرَين حَيَّيْن؛ لأنَّ الطِّفْلَ يُحْكَمُ بإسْلامِه بإسْلامٍ أحَدِ أبوَيه، أو مَوْتِه.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: قال الأصحابُ: إنْ أقامَ الذِّمِّي بَيِّنَة بولادَتِه على فِراشِه، لَحِقَه في الدِّينِ أيضًا؛ لثُبوتِ أنَّه وُلِدَ بينَ 233 ذِمِّيَّين، فكما لو لم يكُنْ لَقِيطًا.
وهذا مُقَيَّدٌ باسْتِمْرارِ أبوَيه على الحياةِ والكُفْرِ، وقد أشارَ إليه في «الكافِي»؛ لأنَّ أحدَهما لو ماتَ، أو أسْلَم، لحُكِمَ
الجزء: 16 - الصفحة: 329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بإسْلامِ الطِّفْلِ، فلا بُدَّ فيما قالوا مِن ذلك.
انتهى.
وإنْ أقَرَّتْ به امْرَأةٌ، أُلْحِقَ بها.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ عندَ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
فعلى هذا، قال الأصحابُ: لا يسْرِي اللَّحاقُ إلى الزَّوْجِ بدُونِ تَصْديقِه، أو قيامِ بَيِّنَةٍ بولادَتِه على فِراشِه.
وعنه، لا يلْحَقُ بامْرأةٍ مُزَوَّجَةٍ 234. وعنه، لا يلْحَقُ بامُرأةٍ لها نسَبٌ معْروفٌ أو إخْوَةٌ.
وقيل: لا يُلْحَقُ بامْرأةٍ بحالٍ.
وهو احْتِمالٌ للمُصَنِّفِ، وحكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.
الجزء: 16 - الصفحة: 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: شمِلَ كلامُ المُصَنِّفِ، لو أقَرَّ به عَبْدٌ، أنَّه يلْحَقُ به.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
قال الحارِثِيُّ: اسْتِلْحاقُ العَبْدِ كاسْتِلْحاقِ الحُرِّ في لَحاقِ النَّسَبِ، قاله الأصحابُ.
انتهى.
ولا تجِبُ نفَقَتُه عليه، ولا على سيِّدِه؛ لأنَّه محْكومٌ بحُرِّيَّتِه، وتكونُ نَفَقَتُه مِن بَيتِ المالِ.
تنبيهٌ آخَرُ: شمِلَ قوْلُه: أو امْرأةً.
لو أقَرَّتْ أمَةٌ به.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
قال الحارِثِيُّ: والأمَةُ كالحُرَّة في دَعْوَى النَّسَبِ، على ما ذكَرْنا.
قاله الأصحابُ، إلَّا أنَّ الوَلَدَ لا يُحْكَمُ برِقِّه بدونِ بَيِّنَةٍ.
حكاه المُصَنِّفُ، ونصَّ عليه مِن رِوايَةِ ابنِ مُشَيشٍ.
فوائد؛ إحْداها، المَجْنونُ كالطِّفْلِ، إذا أمْكَنَ أنْ يكونَ منه، وكانْ مَجْهولَ النَّسَب.
الثَّانِيَةُ، كلُّ مَن ثبَت لحَاقُه بالاسْتِلْحاقِ، لو بلَغ وأنْكَرَ، لم يُلْتَفَتْ إليه.
قاله الأَصحابُ.
نقَلَه الحارِثِيُّ.
ويأْتِي حُكمُ الإرْثِ، في بابِ الإِقْرارِ بمُشارِكٍ في المِيراثِ، وكتابِ الإقْرارِ.
الثَّالثةُ، لو ادَّعَى أجْنَبِيٌّ نسَبَه، ثبَت، مع بَقاءِ مِلْكِ سيِّدِه، ولو مع بَيِّنَةٍ بنَسَبِه.
قال في «التَّرْغيبِ» وغيرِه: إلَّا أنْ يكونَ مُدَّعِيه امْرأَةً،
الجزء: 16 - الصفحة: 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتَثْبُتُ حُرِّيَّتُه، وإنْ كان رجُلًا عرَبِيًّا، فرِوايَتان، وفي مُمَيِّزٍ وَجْهان؛ أحدُهما، صِحَّةُ إسْلامِه.
واقْتَصرَ على ذلك في «الفُروعِ».
الجزء: 16 - الصفحة: 332
وَإنِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ أوْ أكْثَرُ، لِأَحَدِهِمْ بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ بهَا.
وَإنْ تَسَاوَوْا فِي الْبَيِّنَةِ أوْ عَدَمِهِا، عُرِضَ مَعَهُمَا عَلَى الْقَافَةِ أوْ مَعَ أقَارِبِهِمَا إِنْ مَاتَا.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: وإنِ ادَّعاه اثْنان أو أكْثَرُ، لأحَدِهم بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ بها، فإنْ تَساوَوا في بَيِّنَةٍ، أو عَدَمِها، عُرِضَ معهما على القافَةِ، أو مع أقارِبِهما إنْ ماتا.
سمَاعُ دَعْوَى الكافِرِ، ولو لم يكُنْ لهَ بَيِّنَةٌ.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وفي «الإرْشادِ» وَجْهٌ، لا تُسْمَعُ دَعْوَى الكافِرِ بلا بَيِّنَةٍ.
وقال في «التَّلْخيصِ»: إنْ كان لأحَدِهما يَدٌ غيرُ يَدِ الالتِقاطِ، وكان قد سبَق اسْتِلْحاقُه، فإنَّه يُقدَّمُ على مُسْتَلْحِقِه مِن بعدُ، وإنْ لم يُسْمَعِ اسْتِلْحاقُه إلَّا عندَ، دَعْوَى الثَّاني، ففي تقْديمِه بمُجَرَّدِ اليَدِ احْتِمالان.
انتهى.
الجزء: 16 - الصفحة: 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، لو كان في يَدِ أحَدِهما، وأقامَ كل واحدٍ منهما بَيِّنةً، قُدِّمَتْ بَيِّنةُ الخارِج.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، والرِّوايتَين.
وتقدَّم ذلك، ويأتي في الدَّعاوَى والبَيِّناتِ.
الثَّانيةُ، لو كان في يَدِ امْرأةٍ، قُدِّمَتْ على امْرأةٍ ادَّعَتْه بلا بَيِّنةٍ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وتقدَّم التنبِيهُ على ما هو أعَمُّ مِن ذلك.
الجزء: 16 - الصفحة: 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: قوْلُه: عُرِضَ معهما على القافَةِ، أو مع أقارِبِهما إنْ ماتا.
وذلك مِثْلُ؛ الأخِ، والأخْتِ، والعَمَّةِ، والخالةِ، وأولادِهم.
الجزء: 16 - الصفحة: 336
فَإِنْ ألحَقَتْهُ بِأحَدِهِمَا، لَحِقَ بِهِ، وَإنْ ألْحَقَتْهُ بِهِمَا لَحِقَ بِهِمَا.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: فإنْ ألحَقَتْه بأحَدِهما، لَحِقَ به.
أنَّها لو توَقَّفَتْ في إلْحاقِه بأحَدِهما، ونفَتْه عنِ الآخَرِ، أنَّه لا يلْحَقُ بالذي توَقَّفَتْ فيه.
وهو صحيح، وهو ظاهِرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ، وهو المذهبُ، وظاهِرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «المُحَرَّرِ»: يلْحَقُ به.
وتَبِعَه جماعَةٌ.
الجزء: 16 - الصفحة: 341
وَلَا يُلْحَقُ بِأكْثَرَ مِنْ أمٍّ وَاحِدَةٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 16 - الصفحة: 343
وَإنِ ادَّعَاهُ أكْثَرُ مِنِ اثْنَين فَألِحِقَ بِهِمْ، لَحِقَ بِهِمْ وإنْ كَثُرُوا.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُلْحَقُ بِأكثرَ مِنِ اثنَينِ.
قوله: وإنِ ادَّعاه أكثرُ مِنِ اثْنَين فالحِقَ بهم، لَحِقَ بهم، وإنْ كَثُرُوا.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه في رِوايَةِ جماعَةٍ.
قال في «الفائقِ»: اخْتارَه القاضي.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «نَظْمِ المُفْرَداتِ».
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْح الحارِثِيِّ»، ونصَرُوه، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ».
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ، قاله ناظِمُها.
وقال الحارِثِيُّ: قال أبو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ: يلْحَقُ بأكْثَرَ مِنِ اثْنَين.
لكِنْ عنده، لا يلحَقُ بأكْثَرَ مِن خَمْسَةٍ.
وقال ابنُ حامِدٍ: لا يلْحَقُ بأكْثَرَ مِنِ اثْنَين.
وعنه، يلْحَقُ بثَلاثةٍ فقط.
نصَّ عليه في رِوايَةِ مُهَنَّا.
واخْتارَه القاضي وغيرُه.
وذكَر في «المُسْتَوْعِبِ» وَجْهًا، أنَهم 235 إذا ألْحَقُوه بأكْثَرَ مِن ثلاثةٍ، لا يلْحَقُ بواحدٍ منهم؛ لظُهورِ خطَئِهم.
الجزء: 16 - الصفحة: 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: يرِثُ مِن 236 كلِّ مَن لَحِقَ به ميِراثَ وَلَدٍ كامل، ويرِثُونه ميِراثَ أبٍ واحدٍ، ولهذا لو أوصِيَ له، قَبِلُوا له جميعًا، ليحْصُلَ له.
وإنْ ماتَ وخَلَّفَ أحدَهم، فله ميِراثُ أبٍ كامِلٍ؛ لأَن نَسَبَه كامِلٌ مِنَ المَيتِ.
نصَّ عليه.
ولأمَّيْ أبوَيه اللذَين لَحِقَ بهما مع أُمِّ أُمِّ، نِصْفُ السُّدْسِ، ولأُمِّ الأُمِّ نِصْفُه.
قلتُ: فيُعايَى بها.
فائدة: امْرأةٌ ولَدَتْ ذكَرًا، وأُخْرَى أُنثَى، وادَّعَتْ كل واحِدَةٍ أنَّ الذكَرَ ولَدُها دُونَ الأُنثَى، فقال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: يحْتَمِلُ وَجْهين؛ أحدُهما، العَرْضُ على القافَةِ مع الوَلَدَين.
قال الحارِثِيُّ: قلتُ: وهذا المذهبُ على ما مَرَّ مِن نصِّه، مِن رِوايَةِ ابنِ الحَكَمِ.
والوَجْهُ الثَّاني، عَرْضُ لَبَنِهما على أهْلِ الطِّبِّ
الجزء: 16 - الصفحة: 347
وَإنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمْ، أوْ أشْكَلَ عَلَيهِمْ، أوْ لَمْ يُوجَدْ قَافَةٌ، ضَاعَ نسَبُهُ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ وَفِي الْآخَرِ، يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إِلَى مَنْ شَاءَ مِنهُمْ.
أَوْمَأ إِلَيهِ أَحْمَدُ.
والمَعْرِفَةِ؛ فإنَّ لبَنَ الذَّكرِ يُخالِفُ لبَنَ الأُنثَى في طَبْعِه وزِنَتِه.
وقيل: لبَنُ الذَّكَرِ ثَقِيلٌ، ولبَنُ الأنْثَى خفِيف، فيُعْتَبران بطَبْعِهما وزِنَتِهما، وما يخْتَلِفان به عندَ أهْلِ المَعْرِفَةِ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا الاعْتِبارُ إنْ كان مُطرِدًا في العادَةِ غيرَ مُخْتَلِفٍ، فهو إنْ شاءَ اللهُ أظْهَرُ مِنَ الأوَّلِ؛ فإنَّ أصولَ السُّنَّةِ قد تخفَى على القائِفِ.
قال في «المُغْنِي» 237: فإنْ لم يُوجَدْ قافَةٌ، اعْتُبِرَ باللَّبَنِ خاصَّةً.
وإنْ كان الوَلدَان ذكَرَين أو أُنثَيَين، وادَّعَتا أحَدَهما، تَعيَّنَ العَرْضُ على القافَةِ.
قوله: وإنْ نَفَتْه القافَةُ عنهم، أو أُشْكَلَ عليهم، أو لم يُوجَدْ قافَةٌ -أو اخْتلَفَ قائِفان- ضاعَ نَسَبُه في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو المذهبُ، نصَّ عليه في المَسْالةِ الأولَى.
وجزَم به في «الوَجيزِ».
واخْتارَه أبو بَكْرٍ.
قال المُصَنِّفُ: قوْلُ أبي
الجزء: 16 - الصفحة: 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَكْرٍ أقْرَبُ.
قال الحارِثِي: وهو الأشْبَهُ بالمذهبِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وفي الآخرِ، يُترَكُ حتى يبْلُغ، فينْتَسِبَ إلى مَن شاءَ منهم.
قال القاضي: وقد أوْمَأ إليه أحمدُ، واخْتارَه ابنُ حامِدٍ.
وقطَع به في «العُمْدَةِ»، و «التَّلْخيصِ».
وقدَّمه في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ».
قال الحارثيُّ: ويحْتَمِلُ أنْ يُقْبَلَ مِن مُمَيِّز أيضًا، تفْريعًا 238 على وَصِيَّته وطَلاقه، وعلى قَبُولِ شَهادَتِه، على رِوايَةٍ.
والمذهبُ خِلافُه.
وذكَر ابنُ عَقِيل وغيرُه، هو لمَن يمِيلُ بطَبْعِه إليه؛ لأن الفَرْعَ يمِيلُ إلى الأصْلِ، لكِنْ بشَرْطِ أنْ لا يتَقدَّمَه إحْسان.
وقيل: يلْحَقُ بهما.
اخْتارَه في «المُحَرَّرِ».
ونقَل ابنُ هانِئ، يُخَيَّرُ بينَهما، ولم يذْكُرْ قافَةً.
وعنه، يُقْرَعُ بينَهما، فيَلْحَقُ نَسَبُه بالقُرْعَةِ.
ذكَرَها في «المُغْنِي»، في كتابِ الفَرائضِ.
نقَلَه عنه في «القَواعِدِ».
الجزء: 16 - الصفحة: 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ منها، على قوْلِ ابنِ حامِدٍ ومَن تابعَه، لو ألْحَقَتْه القافَةُ، بعدَ انْتِسابِه، بغيرِ مَنِ انْتَسَبَ إليه، بطَل انْتِسابُه.
ومنها، ليس له الانْتِسابُ بالتّشَهِّي، بل بالمَيلِ الطبيعِيِّ الذي تُثِيرُه الولادَةُ.
ومنها، يسْتَقِرُّ نَسَبُه بالانْتِسابِ، فلو انْتَسَبَ إلى أحَدِهما، ثم عَنَّ له الانْتِسابُ إلى الثّاني، أو الانْتِفاءُ مِنَ الأولِ، لم يُقْبَلْ.
ومنها، لو انْتَسَبَ إليهما جميعًا لمَيلِه، لَحِقَ بهما.
قاله الحارِثِيُّ وغيرُه.
ومنها، لو بلَغ ولم ينْتَسِبْ إلى واحدٍ منهما، لعدَمِ مَيلِه، ضاعَ نسَبُه؛ لانْتِفاءِ دَليلِه، ولو انْتَسَبَ إلى مَن عَداهما، وادَّعاه ذلك المُنْتَسَبُ إليه، لَحِقَه.
ومنها، وُجوبُ النَّفَقَةِ عليهما مُدَّةَ الانْتِظارِ؛ لإقْرارِه بمُوجِبِها، وهو الولادَةُ، وكذلك في مُدَّةِ انْتِظارِ البَيِنةِ، أو القافَةِ.
الجزء: 16 - الصفحة: 350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: قوْلُه: أو لم يُوجَدْ قافَةٌ.
حَقِيقَةُ العَدَمِ، العدَمُ الكُلِّيُّ، فلو وُجِدَتْ بعيدةً، ذهَبُوا إليها.
ومنها، لو قتَلَه مَنِ ادَّعَياه، قبلَ أنْ يلْحَقَ بواحدٍ منهما، فلا
الجزء: 16 - الصفحة: 351
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ وَطِئ اثْنَانِ امْرأةً بِشُبْهَةٍ، أوْ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَينَهُمَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، أوْ وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُل أوْ أمُّ وَلَدِهِ بِشُبْهَةٍ، وَأتتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنْه، فَادَّعَى الزَّوْجُ أنهُ مِنَ الْوَاطِئ، أُرِيَ الْقَافَةَ جَمعَهُمَا.
قوَدَ على واحدٍ منهما، ولو رجَعا؛ لعدَمِ قَبُولِه.
ولو رجَع أحدُهما، انْتَفَى عنه، وهو كشَرِيكِ الأبِ، على ما يأتِي في آخِرِ كتابِ الجِناياتِ.
قوله: وكذلك الحُكْمُ إنْ وَطِئ اثْنان امْرَأةً بشُبْهَةٍ، أو جارِيَةً مُشْتَرَكَةً بينهما في طُهْرٍ واحِدٍ، أو وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ أو أُمُّ وَلَدِه بشُبْهَة، وأتتْ بوَلَدٍ يُمْكن
الجزء: 16 - الصفحة: 352
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إلا أن يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا، مُجَرَّبًا فِي الإصَابَةِ.
أنْ يكُونَ منه، فادَّعى الزوْجُ أنَّه مِن الواطِئ، أُرِيَ القافَةَ معهما.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وسواءٌ ادعياه أو جحَداه، أو أحدُهما.
ذكَرَه القاضي وغيرُه.
وشرَط أبو الخَطابِ، في وَطْءِ الزَّوْجَةِ، أنْ يدّعِيَ الزوْجُ أنَّه مِنَ الشُّبْهَةِ، فعلى قوْلِه، إنِ ادَّعاه لنَفْسِه، اخْتَصّ به لقُوَّةِ جانِبِه.
وفي «الانْتِصارِ»، رِوايَة مِثْلُ ذلك.
ونقَل أبو الحارِثِ، في امْرأةِ رَجُلٍ غُصِبَتْ، فوَلَدَتْ عندَه، ثم رجَعَتْ إلى زَوْجِها، كيفَ يكونُ الوَلَدُ للفِراشِ في مِثْلِ هذا؟ إنَّما يكونُ له إذا ادَّعاه، وهذا لا يدَّعِيه، فلا يلْزَمُه.
وقيل: إنْ عُدِمَتِ القافَةُ، فهو لرَبِّ الفِراش.
ويأتِي في آخِرِ اللِّعانِ، هل للزوْجِ أو للسيِّدِ نَفْيُه، إذا أُلحِقَ به، أو بهما؟
قوله: ولا يُقْبَلُ قَوْلُ القائفِ إلا أنْ يكونَ ذَكَرًا عَدْلًا مُجَرَّبًا في الإصابَةِ.
يُشْتَرَطُ في القائفِ أنْ يكونَ عَدْلًا مُجَربا في الإصابِة.
بلا نِزاع.
ومعْنَى كوْنِه عَدْلًا 239 مُجَربًا في الإصابَةِ، على ما قاله القاضي، ومن تابعَه، بأنْ يُترَكَ الصبِيُّ بينَ عَشَرَةِ
الجزء: 16 - الصفحة: 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِجالٍ مِن غيرِ مَن يدَّعِيه، ويُرِيَهم إيَّاه؛ فإنْ ألْحَقَه بواحدٍ منهم، سقَط قوْلُه لتَبَيُّنِ خطَئِه، وإنْ لم يُلْحِقْه بواحدٍ منهم، أريناه إيَّاه مع عِشْرِين فيهم مَن يدَّعِيه، فإنْ ألْحَقَه به، لَحِقَه.
ولو اعْتُبِرَ بأنْ يُرَى صَبِيًّا معْروفَ النَّسَبِ مع
الجزء: 16 - الصفحة: 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَوْمٍ فيهم أبوه أو أخوه؛ فإنْ ألْحَقَه بقَرِيبه، عُرِفَتْ إصابَتُه، وإنْ ألْحَقَه بغيرِه، سقَط قوْلُه، جاز.
وهذه التَّجْرِبَةُ عندَ عَرْضِه على القافَةِ للاحْتِياطِ في مَعْرِفَةِ إصابَته، ولو لم نُجَرِّبْه بعدَ أنْ يكونَ مشْهورًا بالإصابَةِ، وصِحَّةِ المَعْرِفَة في مرَّاتٍ كثيرةٍ، جازَ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنه لا يُشْترَطُ حُرِّيةُ القائفِ.
وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِه في «الكافِي»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
ذكَرُوه فيما يلْحَقُ مِنَ النَّسَبِ، وقدَّمه في «الفروعِ».
قال الحارِثِيُّ: وهذا أصحُّ.
وقيل: تُشْتَرَطُ حُريته.
جزَم به القاضي، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وذكَرَه في «الترْغيبِ» عنِ الأصحاب.
قال في «القَواعِدِ الأصُوليةِ»: الأكثرون على أنه كحاكِمٍ، فتُشْتَرَطُ حُريته.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الفائقِ»، و «الزرْكَشِيِّ».
فعلى الأوَّلِ، يكونُ بمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ، وعلى الثَّانِي، يكونُ 240 بمَنْزِلَةِ الحاكِمِ.
وجزَم في «التَّرْغِيبِ»، أنه تُعْتَبَرُ فيه شُروطُ الشهادَةِ.
فوائد؛ الأولَى، يكْفِي قائفٌ واحدٌ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه
الجزء: 16 - الصفحة: 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في رِوايَةِ أبي طالِبٍ، وإسْماعِيلَ بنِ سَعِيدٍ.
واخْتارَه القاضي، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ».
وصحَّحه في «النَّظْمِ».
وقدَّمه في «الرِّعايتين»،
الجزء: 16 - الصفحة: 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وعنه، يُشْتَرَطُ اثْنان.
نصَّ عليه، في رِوايَةِ محمدِ بنِ داودَ المصِّيصِيِّ، والاثْرَمِ، وجَعْفَرِ بنِ محمدٍ.
وقدَّمه في «الفائقِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزين».
وأطْلَقَهما في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ»، والحارِثِيُّ في «شَرْحِه»، و «الكَافِي»، و «الزَّرْكَشِيُّ»، وظاهِرُ «الشَّرْحِ» الإطْلاقُ.
وخرَّج الحارِثِيُّ الاكتِفاءَ بقائفٍ واحدٍ عندَ العدَمِ، مِن نَصِّه على الاكتِفاءِ بالطبيبِ والبَيطارِ، إذا لم يُوجَدْ سِواه، وأوْلَى؛ فإنَّ القائفَ أعَزُّ وُجودًا منهما.
تنبيه: هذا الخِلافُ مَبْنِيٌّ، عندَ كثير مِنَ الأصحابِ، على أنه؛ هل هو شاهِدٌ أو حاكِمٌ؟ فإنْ قُلْنا: هو شاهِدٌ.
اعْتَبرْنا العدَدَ، وإنْ قُلْنا: هو حاكِمٌ.
فلا.
وقال جماعَة مِنَ الأصحابِ: ليس الخِلافُ مَبْنِيًّا على ذلك، بلِ الخِلافُ جارٍ؛ سواء قُلْنا: القائفُ حاكِمٌ.
أو: شاهِدٌ؛ لأنَّا إنْ قُلْنا: هو حاكِمٌ.
فلا يَمْتَنِعُ التَّعَدُّدُ في الحُكْمِ، كما يُعْتَبرُ حاكِمان في جَزاءِ الصيدِ، وإنْ قُلْنا: شاهِدٌ.
فلا تَمْتنِعُ شَهادة الواحِدِ، كما في المَرْأةِ، حيثُ قَبِلْنا شَهادَتَها وشَهادَةَ الطَّبِيب، والبيطارِ.
وقالت طائِفَةٌ مِنَ الأصحاب: هذا الخِلافُ مَبْنِيٌّ على أنَّه شاهِدٌ، أوَ مُخْبِرٌ؛ فإنْ جعَلْناه شاهِدًا، اعْتَبرْنا التَّعَدُّدَ، وإنْ جعَلْناه مُخْبِرًا، لم نْعْتَبِرِ التعَدُّدَ، كالخَبَرِ في الأمُورِ
الجزء: 16 - الصفحة: 357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدِّينيَّةِ.
الثَّانيةُ، القائفُ كالحاكمَ.
عندَ أكثرِ الأصحابِ.
قاله في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ».
و «الحارِثِيِّ»، وقطَع به في «الكافِي».
وقيل: هو كالشّاهِدِ.
وهو الصَّحيحُ على ما تقدّم.
وأكثرُ مَسائلِ القائفِ مَبْنِيَّة على هذا الخِلافِ.
الثّالثةُ، هل يُشْترَطُ لَفْظُ الشهادَةِ مِنَ القائفِ؟ قال في «الفُروعِ»، بعدَ القَوْلِ باعْتِبارِ الاثْنَين: ويُعْتَبَرُ منهما لَفْظُ الشَّهادَةِ.
نصَّ عليه.
وكذا قال في «الفائقِ».
قال في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ»: وفيه نَظَرٌ؛ إذْ مِن أصْلِنا قَبُولُ شَهادَةِ الواحدِ في مَواضِعَ.
وعلى المذهبِ، يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشّهادَةِ.
انتهى.
قلتُ: في تَنْظيرِه نظَرٌ؛ لأن مَن نقَل عنِ الأصحابِ؛ كصاحِبِ «الفُروعِ» وغيرِه، إنَّما نقَلُوا ذلك عن الإمامِ أحمدَ.
وقد روَى الأثْرَمُ أنَّه قال: لا يُقْبَلُ قوْلُ واحدٍ، حتى يجْتَمِعَ اثْنان، فيَكُونا شاهِدَين.
وإذا شَهِدَ اثْنان مِنَ القافَةِ، أنه لهذا، فهو له.
وكذا قال في روايَةِ محمدِ بنِ داودَ المصِّيصِيِّ.
فالذي نقَل ذلك، قال: يُعْتَبَرُ مِنَ الاثْنَين لَفْظُ الشَهادَةِ.
وهو مُوافِقٌ للنصِّ، ولا يلْزَمُ مِن ذلك أنه لا يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشهادَةِ في الواحدِ، ولا عدَمُه، غايَتُه أنه اقْتَصرَ على النصِّ، فلا اعْتِراضَ عليه في ذلك.
وقال في «الانْتِصارِ»: لا يُعْتَبرُ لَفْظُ الشهادَةِ ولو كانا اثْنَين، كما في المُقَوِّمَين.
الرابعةُ، لو عارَضَ قوْلُ اثْنَين قوْلَ ثلاثةٍ فأكْثَرَ، أو تعارَضَ اثْنان، سقَط الكُل، وإنِ اتفَقَ اثْنان، وخالفَ ثالث،
الجزء: 16 - الصفحة: 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُخِذَ بقَوْلِ الاثْنَين.
نصَّ عليه، ولو رجَعا، فإنْ رجَع أحدُهما، لَحِقَ بالآخَرِ.
قال في «المُنْتَخَب»: ومِثْلُه بَيطاران وطَبِيبان، في عَيبٍ.
الخامسةُ، يُعْمَلُ بالقافَةِ في غيرِ بُنُوَّةٍ، كأخُوَّةٍ وعُمومَةٍ عندَ أصحابِنا، وعندَ أبي الخَطَّابِ، لا يُعْمَلُ بها في غيرِ البُنُوَّةِ، كإخْبارِ راعٍ بشَبَهٍ.
وقال في «عُيونِ المَسائلِ»، في التَّفْرِقَةِ بينَ الوَلَدِ والفَصِيلِ: لأنَّا وقَفْنا على مَوْرِدِ الشَّرْعِ، ولتَأكُّدِ النَّسَبِ، لثُبوتِه مع السُّكُوتِ.
السَّادسةُ، نفَقَةُ المَوْلودِ على الواطِئَين؛ فإذا لَحِقَ بأحَدِهما، رجَع على الآخَرِ بنَفَقَتِه.
ونقَل صالِحٌ، وحَنْبَلٌ، أرَى القُرْعَةَ، والحُكْمَ بها.
يُرْوَى عنه، عليه أفْضَلُ الصلاةِ والسَّلامِ، أنَّه أقْرَعَ في خَمْسَةِ مَواضِعَ، فذكَر منها؛ إقْراعَ عَلِيٍّ في الوَلَدِ بينَ الثلاثةِ الذين وَقَعُوا على الأمَةِ في طُهْرٍ واحِدٍ، ولم يُرَ هذا في رِوايَةِ الجماعَةِ، لاضْطِرابِه.
وقال ابنُ القَيِّمِ في «الهَدْي»: القُرْعَة تُسْتَعْمَلُ عندَ فُقْدانِ مُرَجِّحٍ سِواها؛ مِن بَينة، أو إقْرار، أو قافَةٍ.
قال: وليس ببعيدٍ تعْيينُ المُسْتَحِقِّ في هذه الحالِ بالقرْعَةِ؛ لأنها غايَةُ المَقدُورِ عليه مِن ترْجيحِ الدَّعْوَى، ولها دُخولٌ في دَعْوَى الأمْلاكِ التي لا تثْبُتُ بقَرِينة، ولا أمارَةٍ، فدُخولُها في النَّسَبِ الذي يثْبُتُ بمُجَرَّدِ الشَّبَهِ الخَفِيِّ المُسْتَنِدِ إلى قَوْلِ قائفٍ أوْلَى.
الجزء: 16 - الصفحة: 359