الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركيكتاب القضَاءِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتابُ القَضاءِ فائدة: القَضاءُ واحِدُ الأقْضِيَةِ.
والقَضاءُ يُعَبَّرُ به عن مَعانٍ كثيرةٍ، والأصْلُ فيه

الجزء: 28 - الصفحة: 255

وَهُوَ فَرْضُ كِفَايةٍ.
قَال أحْمَدُ، رَحِمَهُ اللهُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِم، أتذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ!  الحَتمُ، والفَراغُ مِن الأمْرِ.
ويَجْرِي على هذا جميع ما في القُرْآنِ من لَفْظِ القَضاءِ.
والمُرادُ به في الشَّرْعِ الإلْزامُ.
وولايةُ القَضاءِ رُتْبَة دِينيَّة ونَصْبَة شَرْعِيَّة.
قوله: وهو فَرْضٌ كِفايَةٍ.
هذا المذهبُ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ»، و «تَذكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وصحّحه في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»،

الجزء: 28 - الصفحة: 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «تَجْريدِ العِنايةِ»، وغيرِهم.
وعنه، سُنَّة.
نصَرَه القاضي وأصحابُه.
وقدَّمه ناظِمُ «المُفْرَداتِ» وهو منها.
وعنه، لا يُسَنُّ دُخولُه فيه.
نقَل عَبْدُ اللهِ، لا يُعْجِبُنِي، هو أسْلَمُ.
فائدة: نَصْبُ الإمامَةِ 1 فَرْضٌ على الكِفايَةِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعليه الأصحابُ.
بشُروطِه المُتَقَدِّمَةِ في أوَّلِ بابِ قِتالِ أهْلِ البَغْي.
وذكَرَ في «الفُروعِ» رِوايةً، أنَّه ليس فَرْضَ كِفايةٍ.
وهو ضعيفٌ جِدًّا، ولم أرَه لغيرِه.

الجزء: 28 - الصفحة: 258

فَيَجِبُ عَلَى الْإمَامِ أنْ يُنَصِّبَ في كُلِّ إقْلِيم قَاضِيًا، وَيَخْتَارَ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يجِدُ وَأَوْرَعَهُمْ،  قوله: فيَجِبُ -يعْنِي على القَوْلِ بأنَّه فَرْضُ كِفايَةٍ- على الإِمامِ أنْ يُنَصِّبَ في كُل إقلِيم قاضِيًا.
وقال في «الرِّعايةِ»: يَلْزَمُه على الأصحِّ.
والظَّاهِرُ أنَّه مَبْنِيٌّ على الوُجوبِ والسُّنِّيَّةِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 259

وَيَأْمُرَهُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَإيثارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ، والْاجْتِهَادِ في إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَأنْ يَسْتَخْلِفَ في كُلِّ صُقعٍ أصْلَحَ مَن يَقْدِرُ عَلَيهِ لَهُمْ.
قوله: ويَخْتارَ لذلِكَ أفْضَلَ مَن يَجِدُ وأوْرَعَهم.
قاله الأصحابُ.
وفي «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ البَغْدادِيِّ»، على الإمامِ نَصْبُ مَنْ يُكْتَفَى به.
قال في

الجزء: 28 - الصفحة: 260

وَيَجبُ على مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، إِذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ، الدُّخُولُ فِيهِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالامْتِنَاعِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بهِ؛ قَال: لَا يَأْثَمُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ليسَ بِوَاجِبٍ.
«الرِّعايةِ»: يَلْزَمُه أنْ يُوَلِّيَ قاضِيًا مِن أفْضَلِ وأصْلَحِ مَنْ يجدُ عِلْمًا ودِينًا.
وعنه، ووَرَعًا ونَزاهَةً وصِيانَةً وأمانَةً.
قوله: ويَجِبُ على مَن يَصلُحُ له، إذا طُلِبَ ولم يُوجَدْ غَيرُه مِمَّن يُوثَقُ به، الدُّخُولُ فيه.
يعْنِي على القَوْلِ بأنه فَرْضُ كِفايَةٍ.
ومُرادُه، إذا لم يَشْغَلْه عمَّا هو أهَمُّ

الجزء: 28 - الصفحة: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منه.
وهذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وصحَّحه في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، وغيرِهم.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه، أنَّه سُئِلَ، هل يأْثَمُ القاضي بالامْتِناعِ إذا لم يُوجَدْ غيرُه ممَّنْ يُوثَقُ به؟ قال: لا يأْثَمُ.
وهذا يدُلُّ على أنَّه ليسَ بواجِبٍ.
قال في «الفُروعِ»:

الجزء: 28 - الصفحة: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعنه، لا يُسَنُّ دُخولُه فيه.
نقَل عَبْدُ اللهِ، لا يُعْجِبُنِي، هو أسْلَمُ.
وذكَر ما رَواه عن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، مَرْفُوعًا: «لَيَأتِيَنَّ على القاضي العَدْلِ سَاعَةٌ يتَمَنَّى أنَّه لم يَقْضِ بينَ اثْنَين في تَمْرَةٍ» 2. قال في «الحاوي» عن الرِّوايةِ الثَّانيةِ: هذه الروايةُ مَحْمُولَة على مَن لا يأْمَنُ على نفْسِه الضَّعْفَ فيه، أو على أنَّ ذلك الزَّمانَ كان الحُكَّامُ يُحْمَلُون فيه 3 على ما لا يَحِل 4، ولم يُمْكِنْهم الحُكْمُ بالحَقِّ.
انتهى.
تنبيه: ظاهرُ قوْلِه: ويجِبُ على مَن يصْلُحُ له إذا طُلِبَ.
أنَّه لا يجِبُ عليه الطَّلَبُ.
وهو صحيح.
وهو المذهبُ.
قدَّمه في «الرِّعايةِ»، و «الفُروعِ».
وقيل: يَلْزَمُه الطَّلَبُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الشَّارِحِ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ المُصَنِّفِ هنا.

الجزء: 28 - الصفحة: 263

فَإِنْ وُجِدَ غَيرُهُ، كُرِهَ لَهُ طَلبهُ، بِغَيرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
وقيل: يَحْرُمُ الطَّلَبُ 5؛ لخَوْفِه مَيلًا.
فائدة: قال في «الفُروعِ»: وإنْ وُثِقَ بغيرِه، فيَتَوَجَّهُ أنَّه كالشَّهادَةِ، وظاهرُ كلامِهم مُخْتَلِفٌ.
قوله: فإِنْ وُجِدَ غَيرُه، كُرِهَ له طَلبه، بِغَيرِ خِلافٍ في المذهبِ.
يعني، فيما

الجزء: 28 - الصفحة: 264

وَإِنْ طُلِبَ، فَالأفْضَلُ أنْ لَا يُجيبَ إِلَيهِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: الأَفْضَلُ الإجَابَةُ إلَيهِ إِذَا أَمِنَ نَفْسَهُ.
إذا اطَّلَعَ عليه.
وهو المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
وقطَع به كثير منهم.
وعنه، لا يُكْرَهُ طَلَبُه لقَصْدِ الحقِّ ودَفْعِ غيرِ المُسْتَحِقِّ.
وقيل: يُكْرَهُ مع وُجودِ أصْلَحَ منه، أو غِنَاه عنه، أو شُهْرَتِه.
ذكَرَه في «الرِّعايَةِ».
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ وجْهٌ، بل يُسْتَحَبُّ طَلَبُه لقَصْدِ الحقِّ ودَفْعِ غيرِ المُسْتَحِقِّ، وقال 6 الماوَرْدِي: ويتَوَجَّهُ وَجْهٌ، يَحْرُمُ بدُونِه.
قوله: وإنْ طُلِبَ، فالأَفْضَلُ أنْ لا يُجِيبَ إليه، في ظاهِرِ كلامِ أحْمَدَ.

الجزء: 28 - الصفحة: 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يعْنِي، إذا وُجِدَ غيرُه وطُلِبَ هو.
وهو المذهبُ مُطْلَقًا.
جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهم.
واخْتارَه القاضي وغيرُه.
وقال ابنُ حامِدٍ: الأفْضَلُ الإجابَةُ إذا أمِنَ نَفْسَه.
ذكَرَه المُصَنِّفُ هنا.
وأَطْلَقهما في «المُحَرَّرِ».
وقيل: الأفضَلُ الإجابَةُ إليه مع خُمولِه.
قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، والشَّارِحُ: وقال ابنُ حامِدٍ: إنْ كان رَجُلًا خامِلًا لا يُرْجَعُ إليه في الأحْكام، فالأوْلَى له التَّوْلِيَةُ ليُرْجَعَ إليه في ذلك، ويقُومَ الحَقُّ به، ويَنتفِعَ به المُسْلِمُون، وإنْ كان مَشْهورًا في النَّاسِ بالعِلْمِ، ويُرْجَعُ إليه في تَعْليمِ العِلْمِ والفَتْوَى، فالأوْلَى 7 له الاشْتِغالُ بذلك.
انتهيا.
فلعَلَّ ابنَ حامِدٍ له قوْلان.
وقد حكاهُما في «الفُروعِ» وغيرِه قَوْلَين.
وقيل:

الجزء: 28 - الصفحة: 266

وَلَا تَثْبُتُ ولَايةُ الْقَضَاءِ إلَّا بِتَوْلِيَةِ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.
وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّى كَوْنَ الْمُوَلَّى عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ،  الإجابَةُ أفْضَلُ مع خُمولِه وفَقْرِه.
فائدتان؛ إحْداهما، يَحْرُمُ بَذْلُ المالِ في ذلك، ويَحْرُمُ أخْذُه وطَلَبُه وفيه مُباشِرٌ أهْل له.
قال في «الفُروعِ»: وظاهرُ تَخْصِيصِهم 8 الكَراهَةَ بالطلَبِ، أنَّه لا يُكْرَهُ توْلِيَةُ الحَريصِ، ولا ينْفِي أنَّ غيرَه أوْلَى.
قال: ويتَوَجَّهُ وَجْهٌ.
قلتُ: هذا التَّوْجِيهُ هو الصَّوابُ.
الثَّانيةُ، تَصِحُّ ولايةُ المفْضُولِ مع وجُودِ الأَفْضَلِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهَبِ.
وقيل: لا تصِحُّ إلَّا لمَصْلَحَةٍ.
قوله: ومِن شَرْطِ صِحَّتِها مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي كَوْنَ المُوَلَّى على صِفَةٍ تصْلُحُ

الجزء: 28 - الصفحة: 267

وَتَعْيِينُ مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنَ الْأعْمَالِ وَالبُلْدَانِ، وَمُشَافَهَتُهُ بِالْولَايةِ أَوْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا، وَإشْهَادُ شَاهِدَينِ على تَوْلِيَتهِ.
وَقَال الْقَاضِي: تَثْبُتُ بِالاسْتِفَاضَةِ، إِذَا كَانَ بَلَدُهُ قَرِيبًا تَسْتَفِيضُ فِيهِ أخْبَارُ بَلَدِ الْإِمَامِ.
للْقَضَاءِ، وتَعْيِينُ ما يُوَلِّيهِ الحُكْمَ فِيه مِن الأَعْمالِ والْبُلْدانِ، ومُشافَهَتُه بالْولايةِ أو مُكاتَبَتُه بها، واسْتِشْهادُ شاهِدَين على تَوْلِيَته.
قدَّم المُصَنِّفُ، أنَّه يُشْتَرَطُ في ولايته؛ إمَّا المُكاتَبَةُ، وإمَّا المُشافَهَةُ، واسْتِشْهادُ شاهِدَين على ذلك فقطْ.
وهذا أحدُ الوَجْهَين.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وهو ظاهرُ ما جزَم به ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وقال القاضي: تَثْبُتُ بالاسْتِفاضَةِ إذا كان بَلَدُه قرِيبًا فتَسْتَفِيضُ فيه أخْبارُ بَلَدِ الإمامِ.
وهذا المذهبُ.
قال في «الفروعِ»: والأصحُّ، وتَثْبُت بالاسْتِفاضَةِ.
وجزَم به

الجزء: 28 - الصفحة: 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في «المُحَرَّرِ»، و «نِهايَةِ ابنِ رَزِينٍ»، و «النَّظْمِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَب الأدَمِيِّ»، و «الوَجيزِ»، و «الشَّرْحِ».
وهو عجِيب منه، إلَّا أنْ تكونَ النُّسخَةُ مغْلُوطَةً.
وجزَم به المُصَنِّفُ في أوَّلِ كتابِ الشَّهاداتِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تنبيهان؛ أحدُهما، حَدَّ الأصحابُ البَلَدَ القرِيبَ بخَمْسَةِ أيَّامٍ فما دُونَ.
وأطْلَقَ الأدَمِيُّ الاسْتِفاضَةَ، وظاهِرُه مع البُعْدِ.
قال في «الفُروعِ»: وهو مُتَّجِهٌ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، والعَمَلُ عليه في الغالبِ، وهو قولُ أصحابِ أبي حَنِيفَةَ.
الثَّاني، ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّه لا تصِحُّ الولايَةُ بمُجَرَّدِ الكِتابَةِ إليه بذلك 9 مِن غيرِ إشْهادٍ.
وهو صحيحٌ.
وهو المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
وقال في «الفُروعِ»: وتَتَوَجَّهُ صِحَّتُها بِناءً على صِحَّةِ الإقْرارِ بالخَطِّ.
وهو احْتِمالٌ للقاضي في «التَّعْليقِ».
ذكَرَه في بابِ صَرِيحِ الطَّلاقِ وكِنايته.

الجزء: 28 - الصفحة: 270

وَهَلْ تُشْتَرَطُ عَدَالةُ الْمُوَلِّي؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
قوله: وهل تُشْتَرَطُ عَدالةُ المُوَلِّي؟ -بكَسْرِ اللَّامِ، اسْمُ فاعِلٍ- على رِوايَتَينِ.
وأطْلَقَهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ»، في نائبِ الإمامِ.
قال في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي» بعدَ أنْ أطْلَقُوا الخِلافَ: وقيل: الرِّوايَتَان في نائبِ الإمامِ دُونَه.
إحْداهما، لا تُشْتَرَطُ.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ» وغيرِه.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهما.
وَقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وهو ظاهرُ ما جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «النظْمِ» في الإمامِ.
وصححه في «النَّظْمِ» وغيرِه.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ 10، تُشْترَطُ.
وعنه، تُشْترَطُ العَدالةُ في سِوَى الإمامِ.
وتقدَّم كلامُه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي».
ثم قال في «الرِّعايةِ»: إنْ قُلْنا: الحاكِمُ نائِبُ الشَّرْعِ.
صَحَّتْ منهما، وإلَّا فلا.
قلتُ: في الإمامِ وَجْهان، هل تَصَرُّفُه بطَريقِ الوَكالةِ أو الولايَةِ؟ اخْتارَ القاضي الأوَّلَ.
وقال في «الوَجيزِ»: وإذا كان المُوَلِّي نائِبَ الإمامِ، لم تُشْتَرَطْ عَدَالتُه.

الجزء: 28 - الصفحة: 271

وَأَلفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةِ سَبْعَةٌ: وَلَّيتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ، وَاسْتَنَبْتُكَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيكَ، وَفَوَّضْتُ إِلَيكَ، وَجَعَلْتُ لَكَ الْحُكْمَ.
فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا وَالْقَبُولُ مِنَ الْمُوَلَّى، انْعَقَدَتِ الْولَايةُ.
وَالْكِنَايةُ نَحْوُ: اعْتَمَدْتُ عَلَيكَ، وَعَوَّلْتُ عَلَيكَ، وَوَكَّلْتُ إِلَيكَ، وَأسْنَدْتُ إِلَيكَ الْحُكْمَ.
فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا  قوله: وأَلفَاظُ التوْلِيَةِ الصَّرِيحَةِ سَبْعَة: وَليتُكَ الْحُكْمَ، وقَلَّدْتُكَ، واسْتَنَبْتُكَ، واسْتَخْلَفْتُكَ، ورَدَدْتُ إليكَ، وفوضْتُ إليكَ، وجَعَلْتُ إليكَ الحُكْمَ.
زاد في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، واسْتَكْفَيتُكَ.
وذكَرَها في «الخُلاصةِ»، ولم يذْكُرِ، اسْتَنَبْتُكَ.
وقيل: ردَدْتُه و 11 فوضْتُه وجعَلْتُه إليكَ كِناية.
قوله: فإذا وُجِدَ لَفْظٌ منها والْقَبُولُ مِن المُوَلَّى، انْعَقَدَتِ الْولايَةُ.
وكذا قال في

الجزء: 28 - الصفحة: 272

حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ، نَحْوُ: فَاحْكُمْ، أو فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيكَ فِيهِ.
وَمَا أَشْبَهَهُ.
«الوَجيزِ».
وقال في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»: فإذا وُجِدَ أحدُ هذه الأَلْفاظِ وجَوابُها مِن المُوَلَّى بالقَبُولِ، انْعَقَدَتِ الولايةُ.
وهو قريبٌ مِن الأوَّلِ.
وفي «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، وغيرِهم، فإذا وُجِدَ لَفْظٌ منها، وقَبُولُ المُوَلَّى في المَجْلِسِ إن كان حاضِرًا، أو فيما بعدَه إنْ كانَ غائبًا، انْعَقَدَتِ الولايةُ.
وفي «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، فإذا أَتَى بواحِدٍ منها واتَّصَلَ القَبُولُ، انْعَقَدَتِ الولايةُ.
زادَ في «الشرْحِ»، كالبَيعِ والنِّكاحِ وغيرِ ذلك.
وفي «مُنْتَخَبِ الأدَمِي»، تُشْتَرَطُ فَوْرِيَّةُ القَبُولِ مع الحُضورِ.
وفي «المُنَوِّرِ»، وفَوْرِيَّةُ القَبُولِ.
هذه عِباراتُهم.
فيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مُرادُ صاحبِ «الهِدايةِ»، ومَن تابعَه، ما قاله صاحِبُ «المُحَرَّرِ»، ومَن تابعَه، أنَّه يُشْتَرَطُ للحاضِرِ القَبُولُ في المَجْلِسِ.
وأنَّ مُرادَه -في «الكافِي»، و «الشرْحِ» - بالاتصالِ المَجْلِسُ، بدَليلِ قوْلِه: كالبَيعِ والنِّكاحِ.
وأمَّا «المُنْتَخَبِ»، و «المُنَورِ» فمُخالِفٌ لهم، وكلامُه في «الكافِي»، و «الشَّرْحِ» يَقْرُبُ مِن ذلك.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ كلامُ صاحبِ

الجزء: 28 - الصفحة: 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الهِدايةِ»، ومَن تابعَه على ظاهِرِه، وأنَّه لا يُشْتَرَطُ للقَبُولِ المَجْلِسُ، ولم نَرَه صَرِيحًا، فيَكونُ في المَسْأَلَةِ وَجْهان، وكلامُه في «المُنْتَخَبِ»، و «المُنَوِّرِ» وَجْهٌ ثالثٌ، وقد قال كثير مِن الأصحابِ: هلِ القُضاةُ نُوَّابُ الإمامِ أو نُوَّابُ المُسْلِمِين؟ فيه وَجْهان.
وقد قال القاضي: عَزْلُ القاضي نفْسَه يتَخَرجُ على رِوايتَين؛ بِناءً 12 على أنَّه، هل هو وَكِيل للمُسْلِمِين أمْ لا؟ فيه رِوايَتان.
وقال كثيرٌ مِن الأصحابِ: هل ينْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه بالعَزْلِ؟ على وَجْهَين؛ بِناءً على الوَكيلِ.
وقد قال الأصحابُ: لا يُشْتَرَطُ للوَكِيلِ القَبُولُ في المَجْلِسِ.
واللهُ أعلمُ.
تنبيه: قولُه: والْقَبُولُ مِن الْمُوَلَّى.
إنْ قَبِلَ باللَّفْظِ، فلا نِزاعَ في انْعِقادِ ما، وإنْ قَبِلَ بالشُّروعِ في العَمَلِ إنْ كانَ غائبًا، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، انْعِقادُ الولايَةِ بذلك.
قال في «الفُروعِ»: والأصح، أو شَرَعَ غائِبٌ في العَمَلِ [انْعَقَدَتْ] 13. وقدَّمه في «الرِّعايتَين».
وقيل: لا يَنْعَقِدُ بذلك.
وقال في «الرِّعايتَين»: قلتُ: وإنْ قُلْنا: هو نائِبُ الشَرْعِ.
كَفَى الشُّروعُ في العَمَلِ، وإنْ قُلْنا: هو نائبُ مَن وَلَّاهُ.
فلا.
وحكَى القاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ» في ذلك احْتِمالين وجعَل مأَخْذَهما، هل يَجْرِي الفِعْلُ مَجْرَى النُّطْقِ لدَلالتِه عليه؟ قال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والخَمْسِينَ»: ويَحْسُنُ بِناؤهما على أنَّ ولايَةَ القَضاءِ عَقْدٌ جائزٌ أو لازِمٌ.
قوله: والْكِنايَةُ نَحْوُ، اعْتَمَدْتُ عليكَ، وعَوَّلْتُ عليكَ، ووَكَّلْتُ اليكَ،

الجزء: 28 - الصفحة: 274

فصلٌ: وَإذَا ثَبَتَتِ الْولَايةُ وَكَانَتْ عَامَّةً، اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ في عَشَرَةِ أَشْيَاءَ؛ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ، وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيهِ وَدَفْعُهُ إلَى رَبِّهِ، والنَّظَرُ في أَمْوَالِ الْيَتَامَى والْمَجَانِينِ والسُّفَهَاءِ، وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ في عَمَلِهِ، بِإجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَتَنْفِيذُ الْوَصَايَا، وَتزْويجُ النِّسَاءِ اللَّاتي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ، وَإقَامَةُ الْحُدُودِ، وَإقَامَةُ  وأَسْنَدْتُ إليكَ الْحُكْمَ.
فلا ينْعَقِدُ بها حَتَّى يَقْتَرِنَ بها قَرِينَة نَحْوُ، فاحْكُمْ، أو فتَوَلَّ ما عَوَّلْتُ عليكَ، وما أشْبَهَه.
وتقدَّم قولٌ) 14: إنَّ في: رَدَدْتُه، وفَوضْتُه، وجعَلْتُه إليكَ، كِنايَة.
فلابُدَّ أيضًا مِن القَرِينَةِ على هذا القولِ.
قوله: وإذا ثَبَتَتِ الْولايةُ وكانَتْ عامَّة، اسْتَفادَ بها النَّظَرَ في عَشَرَةِ أَشْياءَ؛ فَصْلُ الْخُصُوماتِ، واسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ هو عليه ودَفْعُه إلى رَبِّه، والنَظَرُ في أمْوالِ اليَتامَى والمَجانِينِ والسُّفَهاءِ، والْحَجْرُ على مَن يَرَى الْحَجْرَ عليه لِسَفَهٍ أو فَلَس، والنَّظَرُ

الجزء: 28 - الصفحة: 275

الْجُمُعَةِ، والنَّظَرُ في مَصَالِحِ عَمَلِهِ، بِكَفِّ الأذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتهِمْ، وَتَصَفُّحُ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، والْاسْتِبدَالُ بِمَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ.
فَأَمَّا جِبَايةُ الْخَرَاجِ، وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
في الْوُقُوفِ في عَمَلِه، بإجْرَائِها على شَرْط الْواقِفِ، وتَنْفِيذُ الْوَصايا، وتزْويجُ النِّساءِ الَّلاتِيَ لا وَلِي لَهُنَّ، وإقامَةُ الْحُدُودِ، وإقامَةُ الْجُمُعَةِ.
وكذا إقامَةُ العيدِ.
وهذا المذهبُ بلا رَيبٍ.
وعليه الأصحابُ.
وقَطَعُوا به في الْجُمْلَةِ.
وقال النَّاظِمُ: وقَبْضُ خَراجٍ والزَّكاةِ أجِزْ 15 وأنْ … يَلِي جُمْعَة والعِيدَ في المُتَجَوِّدِ فظاهِرُه إجْراءُ الخِلافِ في الجُمُعَةِ والعيدِ، ولم أرَه لغيرِه، ولعَلَّ الخِلافَ عائدٌ إلى قَبْضِ الخَراجِ والزَّكاةِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تنبيهان؛ أحدُهما، مَحَلُّ ذلك إذا لم يُخَصَّا بإمامٍ.
الثَّاني، قوْلُه: وإقامَةُ الجُمُعَةِ.
وتَبِعَه على ذلك ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وصاحِبُ «المَذْهَبِ الأحْمَدِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «المُنَوِّرِ».
وقال القاضي: وإمامَةُ الجُمُعَةِ.
بالمِيمِ بدَلَ القافِ.
وتَبِعَه صاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم.
وتَقَدَّمَ عِبارَةُ النَّاظِمِ.
قال الحارِثِيُّ: قال الشَّيخُ: وإقامَةُ الجُمُعَةِ.
بالقَافِ، وعلَّلَ بأنَّ الأئمَّةَ كانُوا يُقِيمُونَها والقاضي يَنُوبُ عنهم 16، والإقامَةُ قد يُرادُ بها ولايةُ الإذْنِ في إقامَتِها، ومُباشَرةُ الإمامَةِ فيها، وقد يُرادُ بها 17 نَصْبُ الأئمَّةِ مع عدَمِ ولايةِ أصْلِ الإذْنِ، وقال في «المُغْنِي» إمامَةٌ -بالميمِ- كقَوْلِ أبي الخَطَّابِ وغيرِه، وكذا القاضي، فيَحْتَمِلُ إرادَةَ نَصْبِ الأئمَّةِ، وهذا أظْهَرُ، وفيه جَمْعٌ بينَ العِبارَتَين؛ فإن النَّصْبَ فيهما إقامَةٌ لهما، وعلى هذا نَصْبُ أئمَّةِ المَساجدِ، ويَحْتَمِلُ إرادَةَ فصلِ الإمامَةِ، كما صرَّح به بعْضُ شُيوخِنا في مُصَنَّفِه.
قال: وأنَّ يَومَّ في الجُمُعَةِ والعيدِ مع عدَمِ إمامٍ خاصٍّ لهما، إلَّا أنَّ الحَمْلَ على هذا يَلْزَمُ مَنه أنْ لا يكونَ له الإقامَةُ أو 18 الإمامَةُ إلَّا في بُقْعَةٍ مِن عَمَلِه لا في جميعِ عَمَلِه؛ إذْ لا يُمْكِنُ منه الفِعْلُ إلا في بُقعَةٍ واحدةٍ منه، وهو خِلافُ الظَّاهِرِ مِن إطْلاقِ أنَّ له فِعْل ذلك في عَمَلِه.
انتهى.
قلتُ: عِبارَتُه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، وأنْ يَؤمَّ في الجُمُعَةِ والعيدِ.
كما نَقَلَه الحارِثِيُّ عن

الجزء: 28 - الصفحة: 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بعْضِ مَشايخِه.
فائدة: مِن جُمْلَةِ ما نسْتَفِيدُه ممَّا 19 ذكَرَه المُصَنفُ هنا، النَّظَرُ في عمَلِ مصالحِ عمَلِه، بكَفى الأذَى عن طُرُقاتِ المُسْلِمين وأفْنِيَتهم، وتَصَفحُ حالِ شُهودِه وأُمَنائِه والاسْتِبْدالُ ممَّنْ ثَبَتَ جَرْحُه منهم.
ويَنْظُرُ أيضًا في أمْوالِ الغائِبِين.
على ما يأْتِي في أواخِرِ بابِ أدبِ القاضي.
قوله: فأمَّا جِبايَةُ الخَراجِ وأخْذُ الصَّدَقَةِ، فعلى وَجْهَين.
ومحَلُّهما، إذا لم يُخَصَّا بعامِلٍ.
وأطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الهادِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، يُسْتَفادان بالولايةِ.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، كما تقدَّم.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
وتدَّمه في «الفُروعِ».
والوَجْهُ الثَّاني، لا يُسْتَفادان بها.
وهو ظاهِرُ كلامِه في «المُنَورِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِي».
وقيل: لا يُسْتَفادُ الخَراجُ فقطْ.
تنبيه: مفْهومُ قوْلِه: اسْتَفادَ بها النَّظَرَ في عَشَرَةِ أشْياءَ.
أنَّه لا يسْتَفِيدُ غيرَها.
وهو المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقال في «التَّبصِرَةِ»: ويسْتَفِيدُ أيضًا الاحْتِسابَ على الباعَةِ والمُشْتَرِين، وإلْزامَهم بالشَّرْعِ 20. وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: ما يسْتَفِيدُه بالولايةِ لا حدَّ له شَرْعًا، بل يُتَلَقَّى مِن الأَلْفاظِ والأحْوالِ والعُرْفِ.
ونقَل أبو طالِبٍ، أمِيرُ البَلَدِ إنَّما هو مُسَلَّطٌ على الأدَبِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 278

وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ.
فَأمَّا مَعَ عَدَمِهَا، فَعَلَى وَجْهَينِ.
وليسَ المَوارِيثُ والوَصايا والفُروجُ والحُدودُ، والرَّجْمُ 21، إنَّما يكونُ هذا إلى القاضي.
قوله: وله طَلَبُ الرِّزْقِ لنَفْسِه وأُمَنائِه وَخُلفائِه مع الْحاجَةِ.
هذا المذهبُ مُطْلَقًا.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الهادِي»، و «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ

الجزء: 28 - الصفحة: 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «الحاوي».
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه، يجوزُ مع الحاجَةِ بقَدْرِ عَمَلِه.
قوله: فأمَّا مع عَدَمِها، فعلى وجْهَين.
وأطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِي»، و «الكافِي»، و «المُحَررِ»؛ أحدُهما، له ذلك وأخْذُه.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»،

الجزء: 28 - الصفحة: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «النَّظْمِ»، و «التَّصْحيحِ»، و «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ»، وغيرِهم.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغير.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه» وغيرُه.
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
قال في «الفُروع»: واخْتارَ جماعَةٌ،

الجزء: 28 - الصفحة: 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وبدُونِ حاجَةٍ.
والوَجْهُ الثَّاني، ليسَ له ذلك، ولا أخْذُه.
وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: له الأخْذُ إنْ لم يَتَعَيَّنْ عليه.
وعنه، لا يأْخُذُ أُجْرَةً على أعْمالِ البِرِّ.
فائدتان؛ إحْداهما، إذا لم يَكُنْ له ما يكْفِيه، ففي جَوازِ أخْذه مِن الخَصْمَينِ وَجْهان.
وأطلَقَهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؛ أحدُهما، يجوزُ.
قال في «الكافِي»: وإذا قُلْنا بجَوازِ أخْذِ الرِّزْقِ، فلم يُجْعَلْ له شيءٌ، فقال: لا أقْضِي بينَكما إلَّا بجُعْلٍ.
جازَ.
وقال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: فإنْ لم يكُنْ للقاضي رِزْقٌ، فقال للخَصْمَين 22: لا أقْضِي بينَكما حتى تجْعَلا لي عليه جُعْلًا.
جازَ، ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يجوزَ.
انتهيا.
والوَجْهُ الثَّاني، لا يجوزُ.
اخْتارَه في «الرِّعايتَين»، و «النَّظْمِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
ويأْتِي حُكْمُ الهَدِيَّةِ في البابِ الذي يَليه.
الثَّانيةُ، لو تعَيَّنَ عليه أنْ يُفْتِيَ وله كِفايَةٌ، فهل يجوزُ له الأخْذُ؛ فيه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «آدابِ المُفْتِي»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «أُصُولِ ابنِ مُفلِحٍ»، و «فُروعِه».
واخْتارَ ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَه اللهُ، في «إعْلامِ المُوَقعِين» عدَمَ الجوازِ.
ومَن أخَذ رِزْقًا مِن بَيتِ المالِ 23، لم يَأْخُذْ أُجْرَةً لفُتْياه.
وفي أُجْرَةِ خَطِّه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، لا يجوزُ.
قدَّمه ابنُ مُفْلِحٍ في «أُصُولِه».
واخْتارَه الشيخُ ابنُ القيِّمِ، رَحِمَه اللهُ، في «إعْلام المُوَقِّعِينَ».
والثَّاني، يجوزُ 24. ونقَل المَرُّوذيُّ في من يُسْألُ عن العِلْمِ، فرُبَّما أُهْدِي له؟

الجزء: 28 - الصفحة: 282

فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ في عُمُومِ الْعَمَلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ خَاصًّا في أَحَدِهمَا أو فِيهِمَا، فيُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ في بَلَدٍ أَوْ مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ، فَيَنْفُذَ قَضَاؤهُ في أَهْلِهِ وَمَنْ طَرأَ إِلَيهِ، أَوْ يَجْعَلَ إليهِ الْحُكْمَ في الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةً، أَوْ فِي قَدْرٍ مِنَ الْمَالِ لَا يَتَجَاوَزُهُ، أَوْ يُفَوِّضَ إِلَيهِ عُقُودَ الأَنْكِحَةِ دُونَ غَيرِهَا.
قال: لا يَقْبَلُ، إلَّا أنْ يُكافَأَ.
ويأْتِي أيضًا حُكْمُ هَدِيةِ المُفْتِي عندَ ذِكْرِ هَدِيَّةِ القاضي.
قوله: ويَجُوزُ أنْ يُوَليِّهَ عُمُومَ النَّظَرِ في عُمُومِ العَمَلِ، ويَجُوزُ أنْ يُوَلِّيَه خاصًّا في أَحَدِهما أو فيهما، فيُوَلِّيَه عُمُومَ النظَرِ في بَلَدٍ أو مَحَلَّةٍ خاصَّةٍ.
بلا نِزاعٍ.
قوله: فَيَنْفُذَ قَضاؤه في أهْلِه ومَن طَرَأ إليه.
بلا نِزاع أيضًا.
لكِنْ لا يسْمَعُ بَينة في غيرِ عَمَلِه، وهو محَلُّ حُكْمِه، وتجِبُ إعادَةُ الشهادَةِ.
ذكَرَه القاضي، وأبو

الجزء: 28 - الصفحة: 283

وَيَجُوزُ أنْ يَوَلِّيَ قَاضِيَينِ أَوْ أَكْثَرَ في بَلَدٍ وَاحِدٍ؛ يَجْعَلُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ عَمَلًا، فَيَجْعَلُ إلَى أحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَينَ النَّاسِ، لَيالى الْآخَرِ عُقُودَ الْأنْكِحَةِ دُونَ غَيرِهَا.
الخَطَّابِ، وغيرُهما كتَعْدِيلِها 25. قاله في «الفُروعِ».
وقال في «الرِّعايةِ»: يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
ويأْتِي في آخرِ البابِ الذي لَلِيه، إخبْارُ الحاكمِ لحاكِم آخَرَ بحُكْم أو ثُبوتٍ في عَمَلِهما أو في غيرِه.
قوله: ويَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قاضِيَين أو أكثر في بَلَدٍ واحِدٍ، يَجْعَلُ إلى كُلِّ واحِدٍ -مِنْهُما- عَمَلًا، فيَجْعَلُ إلى أَحَدِهما الحكْمَ بَينَ النَّاسِ، وإلى الآخَرِ عُقُودَ الأنْكِحَةِ دُوْنَ غَيرِها.
وهذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به أكثرُهم.
وقيل: إنِ اتَّحَدَ الزَّمَنُ أو المَحَلُّ، لم يَجُزْ توْلِيَةُ قاضِيَين فأكثرَ، وإلَّا جازَ.

الجزء: 28 - الصفحة: 284

فَإِنْ جَعَلَ إِلَيهِمَا عَمَلًا وَاحِدًا، جَازَ.
وَعِنْدَ أَبِي الْخطَّابِ لَا يَجُوزُ.
قوله: فإن جعَلَ إليهما عَمَلًا واحِدًا، جازَ.
هذا المذهبُ.
صحَّحه المصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والنَّاظِمُ، وغيرُهم.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال أبو الخَطَّابِ في «الهِدايةِ»: والأقْوَى عندِي، أنَّه لا يجوزُ.
وصحَّحه في «الخُلاصَةِ».
وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ».
وقيل: إنِ اتَّحَدَ عمَلُهما، أو الزَّمَنُ، أو المَحَلُّ، لم يَجُزْ، وإلَّا جازَ.
وأطْلَقهما في «الرِّعايةِ الكُبْرى».
فوائد؛ الأولَى، حيثُ جوَّزْنا جعْلَ قاضِيَين فأكثرَ في عمَلٍ واحدٍ، لو تَنازَع الخَصْمان في الحُكْمِ عندَ أحَدِهم، قُدِّمَ قولُ صاحبِ الحقِّ؛ وهو الطَّالِبُ، ولو طَلَبَ حُكْمَ النَّائبِ، أُجِيبَ؛ فلو كانَا مُدَّعِيَين اخْتلَفا في ثَمَن مَبِيع باقٍ، اعْتُبِرَ أقْرَبُ الحَكَمَين ثم القُرْعَةُ.
وقيل: يُعْتَبَرُ اتِّفاقُهما.
وقال في «الرِّعايةِ»: يُقَدَّمُ منهما مَن طَلَبَ حُكْمَ المُسْتَنِيبِ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: إنْ تَنازَعا، أُقْرِعَ.
قال في «القاعِدَةِ الأخِيرَةِ»: لو اخْتَلَفَ خَصْمانِ في مَن يحْتَكِمان

الجزء: 28 - الصفحة: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إليه، قُامَ المُدَّعِي، فإنْ تَساويا في الدَّعْوَى، اعْتُبِرَ أقْرَبُ الحاكِمَين 26 إليهما، فإنِ اسْتَويا، أُقْرِعَ بينَهما.
وقيل: يُمْنَعان مِن التَّخاصُمِ حتى يتَّفِقا على أحَدِهما.
قال القاضي: والأوَّلُ أشْبَهُ بقَوْلِنا.
الثَّانيةُ، قال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: ويجوزُ لكُل ذِي مَذهَبٍ أنْ يُوَلِّيَ مِن غيرِ مذهَبِه.
ذكَرَه في مَكانَين مِن هذا البابِ.
وقال: فإنْ نَهاه عن الحُكْمِ في مَسْألَةٍ، احْتَمَلَ وَجْهَين.
انتهى.
قلتُ: الصَّوابُ الجوازُ.
وقال ذلك في «الرِّعايةِ

الجزء: 28 - الصفحة: 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصُّغْرى» أيضًا، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
قال النَّاظِمُ: وتَوْليَةَ المَرْءِ المُخالفِ مذْهَبَ الـ … ـمُوَلِّي أجِزْ مِن غيرِ شَرْطٍ مُقَيِّدِ وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: ومتى اسْتَنابَ الحاكِمُ مِن غيرِ أهْلِ مذْهَبِه؛ إنْ كان لكَوْنِه أرْجَحَ، فقد أحْسَنَ مع صِحَّةِ ذلك، وإلَّا لم يصِحَّ.
قال في «الفُروعِ»، في بابِ الوَكالةِ: ويتَوَجَّهُ جَوازُها إذا جازَ له الحُكْمُ ولم يَمْنَعْ منه مانِعٌ، وذلك مَبْنِيٌّ على جَوازِ تقْلِيدِ غيرِ إمامِه، وإلَّا انْبَنَى على أنَّه، هل يسْتَنِيبُ فيما لا يَمْلِكُه، كتَوْكِيلِ مُسْلِم ذِمِّيًّا في شراءِ خَمْر ونحوه؟ انتهى.
وقال القاضي جمالُ الدِّينِ المَرْدَاويُّ، صاحِبُ «الانْتِصارِ»، في الحديثِ في الرَّدِّ على مَن جوَّزَ المُناقَلَةَ: لا يجوزُ أنْ يسْتَنِيبَ مِن غيرِ أهلِ مذْهَبِه.
قال: ولم يَقُلْ بجَوازِ ذلك مِن الأصحابِ إلَّا ابنُ حَمْدانَ في «رِعايَتِه».
انتهى.
الثَّالِثَةُ، قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: لا يجوزُ أنْ يُقَلِّدَ القَضاءَ لواحدٍ على أنْ يحْكُمَ بمَذهَب بعَينه.
قالا: وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَه اللهُ، ولا نعلمُ فيه خِلافًا.
وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: مَن أوْجَبَ تقْلِيدَ إمامٍ بعَينه

الجزء: 28 - الصفحة: 287

وَإِنْ مَاتَ الْمُوَلِّي، أَوْ عُزِلَ الْمُوَلَّى مَعَ صَلَاحِيَتهِ، لَمْ تَبْطُلْ ولَايتُهُ في أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَبْطُلُ في الْآخَرِ.
اسْتُتِيبَ، فإنْ تابَ، وإلا قُتِلَ.
قال: وإنْ قال: يَنْبَغِي.
كان جاهِلًا ضالًّا.
قال: ومَنْ كان مُتَّبِعًا لإمام، فخالفَه في بعْضِ المَسائلِ لقُوَّةِ الدَّليلِ، أو لكَوْنِ أحدِهما أعْلَمَ أو أتْقَى، فقد أحْسَنَ، ولم يُقْدَحْ في عدالتِه، بلا نِزاع.
قال: وهذه الحالُ تجوزُ عندَ أئمَّةِ الإسْلام.
وقال أيضًا: بل تجِبُ، وإن الإمامَ أحمدَ، رَحِمَه اللةُ، نصَّ عليه.
انتهى.
ويأْتِي قريبًا في أحْكامِ المُفْتِي والمُسْتَفْتِي.
قوله: فإنْ ماتَ المُوَلى -بكَسْرِ اللامِ- أو عُزِلَ المُوَلَّى -بفَتْحِها- مع صَلاحِيَته، لم تَبْطُلْ ولايتُه في أَحَدِ الْوَجْهَين.
إذا ماتَ المُوَلى -بكَسْرِ اللامِ-

الجزء: 28 - الصفحة: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فهل ينْعَزِلُ المُوَلَّى؟ فيه وَجْهان.
أطْلَقهما المُصَنِّفُ هنا، وأطْلَقهما ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»؛ أحدُهما، لا ينْعَزِلُ.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «التَّرْغيبِ»، و «النَّظْمِ»، و «التَّصْحيحِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِي»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرِّرِ»، و «الشَّرْحِ»،

الجزء: 28 - الصفحة: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال الشَّارِحُ: والأولَى، إنْ شاءَ اللهُ تعالى، أنَّه لا ينْعَزِلُ، قوْلًا واحدًا.
انتهى.
قال الزَّرْكَشِيُّ في بابِ نِكاحِ أهْلِ الشِّرْكِ، في مَسْألَةِ نِكاحِ المُحْرِمِ: المَشْهورُ لا ينْعَزِلُ بمَوْتِه.
والوَجْهُ الثَّاني، ينْعَزِلُ، كما لو كان المَيِّتُ أو العازِلُ قاضِيًا.
وقال في «الرِّعايةِ»: إنْ قُلْنا: الحاكِمُ نائِبُ الشَّرْعِ.
لم ينْعَزِلْ، وإنْ قُلْنا: هو نائِبُ مَن وَلَّاه.
انْعَزَلَ.
وأمَّا إذا عزَلَ الإِمامُ أو نائِبُه القاضِي المُوَلَّى مع صلاحِيَته، فهل ينْعَزِلُ وتَبْطُلُ ولايَتُه؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحدُهما، لا تَبْطُلُ ولايتُه ولا ينْعَزِلُ.
وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ.
جزَم به الأدَمِيُّ في «مُنْتَخَبِه».
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ».
واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ.
والوَجْهُ الثَّاني، تَبْطُلُ ولايتُه وينْعَزِلُ.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ»،

الجزء: 28 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «النَّظْمِ».
وإليه مَيلُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، وابنِ مُنَجَّى في «شَرْحِه».
وهو ظاهرُ ما جزَم.
به في «المُنَوِّرِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
قال في «الفُروع»: واخْتارَه جماعة.
قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» 27: كالوَلِيِّ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: كعَقْدِ وَصِيٍّ وناظِر عَقْدًا جائزًا؛ كوَكالةٍ، وشَرِكَةٍ، ومُضارَبَةٍ.
انتهى.
ومَنْشَأُ الخِلافِ، أنَّ القُضاةَ، هل هم نُوَّابُ الإمامِ أو المُسْلِمين؟ فيه وَجْهان معْروفان، ذكَرَهما في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ» وغيرُه؛ أحدُهما، هم نُوَّابُ المُسْلِمين.
فعليه، لا ينْعَزِلُون بالعَزْلِ.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ.
والثَّاني، هم نُوَّابُ الإمامِ، فيَنْعَزِلُون بالعَزْلِ.
فوائد؛ الأولَى، مِثْلُ ذلك في الحُكْمِ كل عَقْدٍ لمَصْلَحَةِ المُسْلِمين؛ كوالٍ، ومَن يُنَصَّبُ 28 لجِبايَةِ مالٍ وصَرْفِه، وأميرِ الجِهَادِ، ووَكيلِ بَيتِ المالِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمُحْتَسِبِ.
ذكَرَه الشَّيخ تَقِيُّ الذين، رَحِمَه اللهُ.
وقال في «الفُروعِ»: وهو ظاهرُ كلامِ غيرِه.
وقال أيضًا في الكُلِّ: لا ينْعَزِلُ بانْعِزالِ المُسْتَنِيبِ ومَوْتِه حتى يقُومَ غيرُه مَقامَه.
وقال في «الرِّعايةِ»: في نائبِه في الحُكْمِ، وقَيِّمِ الأيتامِ، وناظِرِ الوَقْفِ، ونحوهم أوْجُهٌ؛ ثالِثُها، إنِ اسْتَخْلَفَهم بإذْنِ مَن وَلَّاه، وقيل: وقال: اسْتَخْلِفْ عنكَ.
انْعَزَلُوا.
انتهى.
ولا يَبْطُلُ ما فَرَضَه فارِضٌ في المُسْتَقْبَلِ، وفيه احْتِمالٌ.
الثَّانيةُ، لو كانَ المُسْتَنِيبُ قاضِيًا، فزالتْ ولايتُه بمَوْتٍ أو عَزْلٍ أو غيرِه، كما لو اخْتَلَّ فيه بعْضُ شُروطِه، انْعَزَلَ نائِبُه، وإنْ لم ينْعَزِلْ في المسائلِ التي قبلَها.
هذا الصَّحيحُ مِن المذهب.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه.
وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: وكلُّ قاضٍ ماتَ أو عَزَلَ نفْسَه -وصحَّ عَزْلُه في الأصحِّ- أو عَزَلَه 29 مَن وَلّاه -وصحَّ عَزْلُه- أو انْعزَلَ بفِسْقٍ أو غيره، انْعَزَلَ نائِبُه في شُغْل مُعَيَّن؛ كسَماعِ بَيِّنَةٍ خاصَّةٍ، وبَيعِ ترِكَةِ مَيِّتٍ خاصٍّ 30. وقال: وفي خُلَفائِه ونائبِه في الحُكْمِ في كلِّ ناحِيَةٍ وبَلَدٍ وقَرْيَةٍ، وقيمِ الأيتام، وناظِرِ الوُقوفِ، ونحوهم أوْجُهٌ؛ العَزْلُ وعدَمُه، وهو بعيدٌ، والثَّالِثُ، إنِ اسْتَخْلَفَهم بإذْنِ مَن وَلَّاه انْعَزَلُوا، والرَّابعُ، إنْ قال للمُوَلِّي: اسْتَخْلِفْ عنكَ.
انْعَزَلُوا 31، وإنْ قال: اسْتَخْلِفْ عنِّي.
فلا، كما تقدَّم.
انتهى.
وحكَى ابنُ عَقِيلٍ عن الأصحابِ، ينْعَزِلُ نُوَّابُ القاضي؛ لأنَّهم نُوَّابُه، ولا ينْعَزِلُ القُضاةُ؛ لأنَّهم

الجزء: 28 - الصفحة: 292

وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ؟ عَلَى وَجْهَينِ، بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ.
نُوَّابُ المُسْلِمين.
وفي «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: لا ينْعَزِلُ نُوَّابُ القُضاةِ.
واخْتارَه في «التَّرْغيبِ».
وجزَم في «التَّرْغيبِ» أيضًا، أنَّه ينْعَزِلُ نائِبُه في أمْرٍ مُعَيَّن؛ مِن سَماعِ شَهادَةٍ مُعَيَّنَةَ، وإحْضارِ مُسْتَعْدًى عليه.
وقاله في «الرِّعايةِ».
فعلى هذا الوَجْهِ؛ لو عزَلَه في حَياتِه، لم ينْعَزِلْ.
قاله في «الفُروعِ».
الثَّالثةُ، له عَزْلُ نفْسِه في أصحِّ الوَجْهَين.
قاله في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «الفُروعِ».
وقدَّمه في [«الرِّعايةِ الصُّغْرى».
وقال في] 32 «الرِّعايةِ الكُبْرى»، مِن عنْدِه: ومَن لَزِمَه قَبُولُ توْليَةِ القَضاءِ، ليسَ له عزْلُ نفْسِه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وقال في «الرِّعايةِ» أيضًا: له عزْلُ نائبِه بأفْضَلَ منه.
وقيل: بمِثْلِه.
وقيل: بدُونِه لمَصْلَحَةِ الدِّينِ.
وقال القاضي: عزْلُ نفسِه يتَخَرَّجُ على رِوايتَين؛ بِناءً على أنَّه، هل هو وَكِيلٌ للمُسْلِمين أمْ لا؛ فيه رِوايَتان.
نصَّ عليهما في خَطَأَ الإمامِ.
فإنْ قيل: في بَيتِ المالِ.
فهو وَكيل، فله عَزْلُ نفْسِه، وإنْ قُلْنا: على عاقِلَتِه.
فلا.
وذكَر القاضي، هل لمَن وَلَّاه عزْلُه؛ فيه الخِلافُ السَّالِفُ.
وقال في «الفُروعِ» في بابِ العاقِلَةِ: وخطَأُ إمام وحاكِم في حُكْم في بَيتِ المالِ، وعليها، للإمامِ عزْلُ نفْسِه.
ذكَرَه القاضي وغيرُه.
انتهى.
وتقدَّم في أوَّلِ بابِ قِتالِ أهْلِ البَغْي الخِلافُ في تصَرُّفِ الإمامِ على النَّاسِ، هل هو بطَرِيقِ الوَكالةِ أو الولايةِ؟ فَلْيُعاوَدْ.
قوله: وهل يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِه بالْعَزْلِ؟ على وَجْهَين، بِناءً على الْوَكِيلِ.
وبِناءُ

الجزء: 28 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخِلافِ هنا على رِوايَتَيْ عَزْلِ الوَكيلِ قبلَ عِلْمِه بانْعِزالِه.
قاله القاضي.
وقاله 33

الجزء: 28 - الصفحة: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في «الهِدايةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وغيرُهم.
فيَكونُ المُرَجَّحُ [على قولِ] 34 هؤلاءِ عَزْلَه، على ما تقدَّم في بابِ الوَكالةِ.
وذكَرَهما مِن غيرِ بناءٍ في «المُذْهَبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وأطْلَقَ الخِلافَ في «المُذْهَبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرَ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، ينْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وهو المذهبُ على المُصْطَلَحِ في الخُطْبَةِ.
والوَجْهُ الثَّاني، لا ينْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه.
صحَّحه في «الرِّعايةِ»، وهو الصوابُ الذي لا يسَعُ الناسَ غيرُه.
وقال في «التَّلْخيصِ»: لا ينْعَزِلُ قبلَ العِلْمِ بغيرِ خِلافٍ وإنِ انْعَزَلَ الوَكِيلُ.
ورَجَّحَه الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، وقال: هو المَنْصوصُ عن الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
قال: لأنَّ في ولايَته حقًّا للهِ تعالى، وإنْ قيلَ: إنَّه وَكيل، فهو شَبِيهٌ بنَسْخِ الأحْكامِ، لا تثْبُتُ قبلَ بلُوغِ النَّاسِخِ، على الصَّحيحِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 295

وَإذَا قَال الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ في الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَهُوَ خَلِيفَتِي، أَوْ: قَدْ وَلَّيتُهُ.
لَمْ تَنْعَقِدِ الْولَايةُ لِمَنْ يَنْظُرُ.
بخِلافِ الوَكالةِ المَحْضَةِ، وأيضًا فإنَّ ولايةَ القاضي العُقودُ والفُسوخُ، فتَعْظُمُ البَلْوَى بإبْطالِها قبلَ العِلْمِ، بخِلافِ الوَكالةِ.
قلتُ: وهذا الصَّوابُ.
قال في «الرِّعايةِ»، بعدَ أنْ أطْلَقَ الوَجْهَين: أصحُّهما بَقاؤُه حتى يعْلَمَ به.
فائدة: لو أُخْبِرَ بمَوْتِ قاضي بَلَدٍ، فوَلَّى غيرَه، فَبَانَ حيًّا، لم ينْعَزِلْ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: ينْعَزِلُ.
قوله: وإذا قال المُوَلِّي: مَن نَظَرَ في الحُكْمِ في الْبَلَدِ الْفُلانِيِّ مِن فُلانٍ وفُلانٍ،

الجزء: 28 - الصفحة: 296

وَإِنْ قَال: وَلَّيتُ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَمَنَ نَظرَ مِنْهُمَا، فَهُوَ خَلِيفَتِي.
انْعَقَدَتِ الْولَايةُ.
فَصْلٌ: وَيُشْتَرَط في الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ؛ أنْ يَكُونَ  فهو خَلِيفَتِي.
أو: قَدْ وَلَّيتُه.
لم تَنْعَقِدِ الْولايةُ لِمَن يَنْظُرُ.
وهو المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
وذلك لجَهالةِ المُوَلَّى منهما.
ذكَرَه القاضي وغيرُه.
وعلَّلَه المُصَنِّفُ، وتَبعَه الشَّارِحُ بأنَّه علَّق الولايةَ بشَرْطٍ، ثم ذكَر احْتِمالًا بالجَوازِ؛ للخَبَرِ 35: «أمِيرُكُمْ زَيدٌ».
قال في «الفُروعِ»: والمَعْروفُ صِحَّةُ الولايَةِ بشَرْطٍ.
وهو كما قال، وعليه الأصحابُ.
قال في «المُحَرَّرِ» وغيرِه: ويصِحُّ تعْليقُ القَضاءِ والإمارَةِ بالشَّرْطِ.
وأمَّا إذا وُجِدَ الشرْطُ بعدَ مَوْتِه، فسبَق ذلك في بابِ المُوصَى إليه.
تنبيه: قوْلُه: وإنْ قال: وَلَّيتُ فُلانًا وفلانًا، فَمَن نَظَرَ منهما، فهو خَلِيفَتِي.
انْعَقَدَتِ الولايَةُ.
لأنَّه وَلَّاهما، ثم عيَّن مَنْ سَبَقَ، فَتَعَيَّنَ.
قوله: ويُشْتَرَطُ في القاضِي عَشْرُ صِفاتٍ؛ أَنْ يَكُونَ بالِغًا.
وهو المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به أكثرُهم، وقدَّمه في «الفُروعِ».
ولم يذْكُرْ

الجزء: 28 - الصفحة: 297

بَالِغًا، عَاقِلًا، ذَكَرًا، حُرًّا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُتَكَلِّمًا، مُجْتَهِدًا.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
أبو الفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ في كتُبِه «بالِغًا».
فظَاهِرُه عدَمُ اشْتِراطِه.
قوله: حُرًّا.
هذا المذهبُ بلا رَيبٍ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به أكثرُهم.
وقيل: لا تُشْتَرَطُ الحُرِّيّةُ، فيَجوزُ أنْ يكونَ عَبْدًا.
قاله ابنُ عَقِيلٍ، وأبو الخَطَّابِ.
وقال أيضًا: يجوزُ بإذْنِ السَّيِّدِ.
فائدة: تصِحُّ ولايةُ العَبْدِ إمارةَ السَّرايا، وقَسْمَ الصَّدَقاتِ والفَىْءِ، وإمامَةَ

الجزء: 28 - الصفحة: 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّلاةِ.
ذكَرَه القاضي محَلَّ وفاقٍ.
قوله: مُسْلِمًا.
هذا المذهبُ بلا رَيبٍ.
وعليه الأصحابُ.
وقطَعُوا به.
وقال في «الانْتِصارِ» في صِحَّةِ إسْلامِه: لا نعْرِفُ فيه رِوايَةَ: فإن سَلِمَ.
وقال في

الجزء: 28 - الصفحة: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «عُيونِ المَسائلِ»: يَحْتَمِلُ المَنْعَ وإنْ سَلِمَ.
قوله: عَدْلًا.
هذا المذهبُ، ولو كان تائِبًا مِن قَذْفٍ.
نصَّ عليه.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: إن فُسِّقَ بشُبْهَةٍ، فوَجْهان.
ويأْتي بَيانُ العَدالةِ في بابِ شُروطِ مَن تُقْبَلُ شهادَتُه.
وقد قال الزَّرْكَشِيُّ: العَدالةُ المُشْتَرَطَةُ هنا؛ هل هي العَدالةُ ظاهِرًا وباطِنًا، كما في الحُدودِ، أو ظاهِرًا فقطْ، كما في إمامَةِ الصَّلاةِ والحاضِنِ ووَلِيِّ اليَتِيمِ ونحو ذلك؟ وفيها الخِلافُ، كما في العَدالةِ في الأمْوالِ، ظاهِرُ إطْلاقاتِ الأصحابِ، أنَّها كالذي في الأَمْوالِ.
وقد يُقال: إنَّها كالذي في الحُدودِ.
انتهى.
قوله: سَمِيعًا، بَصِيرًا.
هذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيلَ: لا يُشْتَرَطان.

الجزء: 28 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قوله: مُجْتَهِدًا.
هذا المذهبُ المَشْهورُ.
وعليه مُعْظَمُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال ابنُ حَزْم: يُشْتَرَطُ كوْنُه مُجْتَهِدًا إجْماعًا.
وقال: أجْمَعُوا أنَّه لا يحِلُّ لحاكم ولا لمُفْتٍ تقْليدُ رجُل، فلا يحْكُمُ ولا يُفْتِي إلَّا بقَوْلِه.
وقال في «الإِفْصاحِ»: الإِجْماعُ انْعَقَدَ على تقْليدِ كل مِن المذاهبِ الأرْبَعَةِ، وأنَّ الحقَّ لا يخْرُجُ عنهم.
قال المُصَنِّفُ في خُطبةِ «المُغْنِي» 36: النِّسْبَةُ إلي إمامٍ في الفُروعِ، كالأئمَّةِ الأرْبعَةِ ليستْ بمَذْمُومَةٍ، فإنَّ اخْتلافَهم رَحْمَة، واتِّفاقَهم حُجَّةٌ قاطِعَةٌ.
قال بعْضُ الحَنَفِيَّةِ: وفيه نَظَر؛ فإنَّ الإجْماعَ ليسَ عِبارَةً عنِ الأئمَّةِ الأرْبَعَةِ وأصحابِهم.
قال في «الفُروعِ»: وليسَ في كلامِ الشَّيخِ ما فَهِمَه هذا الحَنَفِيُّ.
انتهى.
واخْتارَ في

الجزء: 28 - الصفحة: 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «التَّرْغيبِ»: ومُجْتَهِدًا في مذهبِ إمامِه للضَّرُورَةِ.
واخْتارَ في «الإفْصاحِ»، و «الرِّعايةِ»: أو مُقَلِّدًا.
قلتُ: وعليه العَمَلُ مِن مُدَّةٍ طويلةٍ، وإلَّا تعَطَّلَتْ أحْكامُ النَّاسِ.
وقيلَ في المُقَلِّدِ: يُفْتِي ضَرُورَةً.
وذكَر القاضي، أنَّ ابنَ شَاقْلا اعْتَرَضَ عليه بقولِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ: لا يكونُ فَقِيهًا حتى يَحْفَظَ أرْبَعَمِائَةِ ألْفِ حديثٍ.
فقال: إنْ كنتُ لا أحْفَظُه، فإنِّي أُفْتِي بقولِ مَن يَحْفَظ أكثرَ منه.
قال القاضي: لا يقْتَضِي هذا أنَّه كان يُقَلِّدُ الإمامَ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، لمَنْعِه الفُتْيَا بلا عِلْمٍ.
قال بعْضُ الأصحابِ: ظاهِرُه تقْلِيدُه، إلَّا أنْ يُحْمَلَ على أخْذِه طُرُقَ العِلْمِ عنه 37. وقال ابنُ بَشَّارٍ، مِن الأصحابِ: ما أعِيبُ 38 على مَن يَحْفَظُ خَمْسَ

الجزء: 28 - الصفحة: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَسائِلَ للإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، يُفْتِي بها.
قال القاضي: هذا مِنْه مُبالغَةٌ في فَضْلِه.
وظاهرُ نَقْلِ عَبْدِ اللهِ، يُفْتِي غيرُ مُجْتَهِدٍ.
ذكَرَه القاضي.
وحَمَله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، على الحاجَةِ.
فعلى هذا، يُراعِي أَلْفاظَ إمامِه ومُتَأخِّرَها، ويُقَلِّدُ كِبارَ مذهَبِه في ذلك.
قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُه أنَّه يحْكُمُ ولو اعْتَقَدَ

الجزء: 28 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خِلافَه؛ لأنَّه مُقَلِّدٌ، وأنَّه لا يخْرُجُ عن الظَّاهرِ عنه، فيَتَوَجَّهُ، مع الاسْتِواءِ، الخِلافُ في مُجْتَهِدٍ.
انتهى.
وقال في «أُصُولِه»: قال بعْضُ أصحابِنا: مُخالفَةُ المُفْتِي نصَّ إمامِه الذي قلَّدَه كمُخالفَةِ المُفْتِي نصَّ الشَّارِعِ.
فائدة: يَحْرُمُ الحُكْمُ والفُتْيَا بالهَوَى إجْماعًا، وبقَوْلٍ أو وَجْهٍ مِن غيرِ نظَر في التَّرْجيحِ إجْماعًا، ويجِبُ أنْ يعملَ بمُوجِبِ اعْتِقادِه فيما له أو عليه إجْماعًا.
قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله.
ويأْتِي قريبًا شيءٌ مِن أحْكامِ المُفْتِي.
قوله: وهل يُشْتَرَطُ كَوْنُه كاتِبًا؟ على وَجْهَينِ.
وأطْلَقَهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِي»، و «المُحَررِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، و «الزَّرْكَشِىيِّ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، لا يُشْتَرَطُ ذلك.
وهو المذهبُ؛ صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «تَصْحيحِ المُحَرِّرِ»، وغيرِهم.
وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»؛ لكَوْنِهم لم يذْكُروه في الشووطِ.
قال ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»: والكاتِبُ أوْلَى.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، [و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»] 39، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثَّاني، يُشْتَرَطُ.
قدَّمه في

الجزء: 28 - الصفحة: 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، لكِنْ صحَّحَ الأوَّلَ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنفِ، أنَّه لا يُشْتَرَطُ فيه غيرُ ما تقدَّم.
وهو المذهبُ.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى».
وهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِن الأصحابِ؛ لكَوْنِهم لم يذْكُرُوه.
وقال الْخِرَقِيُّ، وصاحِبُ «الرَّوْضَةِ»، والحَلْوانِيُّ، وابنُ رَزِينٍ، والشَّيخُ تَقِيُّ الذينِ، رَحِمَهُم اللهُ: يُشْتَرَطُ كوْنُه وَرِعًا.
وهو الصَّوابُ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ، على ما حَكاه أبو بَكْرٍ في «التنبِيهِ».
وقيل: يُشْتَرَطُ كوْنُه وَرِعًا زاهِدًا.
وأطلَقَ في «التَّرْغيبِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايةِ» فيهما وَجْهَين.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا مُغَفَّلًا.
قال مَشايخِنا: الذي يظْهَرُ الجَزْمُ به.
وهو كما قال.
والذي يظْهَرُ، أنَّه مُرادُ الأصحابِ، وأنه يُخَرجُ مِن كلامِهم.
وقال القاضي في مَوْضِعٍ: لا بَلِيدًا.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وقال القاضي أيضًا: لا نافِيًا للقِياسِ.
وجعَله ظاهِرَ كلامِ الإمامِ أحمدَ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الولايةُ لها رُكْنان؛ القُوَّةُ، والأمانَةُ؛ فالقُوَّةُ في الحُكْمِ ترْجِعُ إلى العِلْمِ بالعَدْلِ وتَنْفيذِ الحُكْمِ، والأمانَةُ ترْجِعُ إلى خَشْيَةِ اللهِ عز وجَلَّ.
قال: وهذه الشروطُ تُعْتبَرُ حسَبَ الإمْكانِ، وتَجِبُ توْلِيَةُ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ.
وقال: على هذا يدُلُّ كلامُ الإمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ، وغيرِه؛ فيُوَلَّى للعَدَمِ أنْفَعُ الفاسِقَين، وأَقلُّهما شرًّا، وأعْدَلُ المُقَلِّدَين وأعْرَفُهما بالتَّقْليدِ.
قال في «الفُروعِ»: وهو كما قال؛ فإن

الجزء: 28 - الصفحة: 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَرُّوذِيَّ نقَل في مَن قال: لا أسْتَطِيعُ الحُكْمَ بالعَدْلِ.
يصِيرُ الحُكْمُ إلى أعْدَلَ منه.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: قال بعْضُ العُلَماءِ: إذا لم يُوجَدْ إلَّا فاسِقٌ عالِمٌ و 40 جاهِلٌ دَيِّنٌ، قُدِّمَ ما الحاجَةُ إليه أكثرُ إذَنْ.
انتهى.
تنبيه: لا يُشْتَرَطُ غيرُ ما تقدَّم، ولا كراهَةَ فيه، فالشَّابُّ المُتَّصِفُ بالصِّفاتِ المُعْتَبَرَةِ كغيرِه، لكِنَّ الأَسَنَّ أوْلَى مع التَّساوي، ويُرَجَّحُ أيضًا بحُسْنِ الخُلُقِ وغيرِ ذلك، ومَن كانَ أكمَلَ 41 في الصفاتِ، ويوَلَّى المُوَلى مع أهْلِيَّته.
فائدتان؛ إحْداهما، كل ما يمنعُ مِن توْليَةِ القَضاءِ ابْتِداءً يَمْنَعُها دَوامًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
فيَنْعَزِلُ إذا طَرَأ ذلك عليه مُطْلَقًا.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وجزَم به في «الرِّعايةِ» وغيرِه.
وقال في «المُحَرَّرِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، و «الوَجيزِ»، ومَن تابعَهم: ما فُقِدَ مِن الشُّروطِ في الدَّوامِ أزال الولايةَ، إلَّا فَقْدَ السَّمْعِ والبَصَرِ فيما يثْبُتُ عندَه ولم يحْكُمْ به؛ فإنَّ ولايةَ حُكْمِه باقِيَةٌ فيه.
وقاله في «الانْتِصارِ» في فَقْدِ البَصَرِ فقطْ.
وقيل: إنْ تابَ فاسِقٌ، أو أفاقَ مَن جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه، وقُلْنا: يَنْعَزِلُ بالإِغْماءِ، فولايَتُه باقِيَةٌ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: إنْ جُنَّ، ثم أفاقَ، احْتَمَلَ وَجْهَين.
وقال في «المُعْتَمَدِ»: إنْ طرَأ جُنون، فقيل: إنْ لم يكُنْ مُطْبقًا، لم يُعْزَلْ، كالإغْماء، وإنْ أطْبَقَ به، وَجَبَ عَزْلُه.
وقال: الأثْمبَهُ بقوْلِنا: يُعْزَلُ.
إنْ أطْبَقَ شَهْرًا؛ لَأنَّ الإِمامَ أحمدَ، رحِمَه اللهُ تعالى، أجازَ شهادَةَ مَن يُخْنَقُ في الأحْيانِ، وقال: في الشهْرِ مَرَّةً.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.

الجزء: 28 - الصفحة: 306

وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ الله تِعَالى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، وَالأمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ، وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَتَوَاتُرَهَا مِنْ آحَادِهَا، وَمُرْسَلَهَا وَمُتَّصِلَهَا، وَمُسْنَدَهَا وَمُنْقَطِعَهَا، مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالأحْكَامِ خَاصَّةً،  الثَّانيةُ، لو مَرِضَ مرَضا يَمْنَعُ القَضاءَ، تعيَّن عزْلُه.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال المُصَنِّفُ، والشُّارِحُ: ينْعَزِلُ.
قوله: والمُجْتَهِدُ مَن يَعْرِفُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى وسُنَّةِ رَسُولِه عليه الصلاةُ

الجزء: 28 - الصفحة: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والسَّلامُ الْحَقِيقَةَ والْمَجازَ، والأَمْرَ والنَّهْيَ، والمُجْمَلَ والمُبَيَّنَ، والمُحْكَمَ والمُتَشابِهَ، والْخاصَّ والعامَّ، والمُطْلَقَ والمُقَيَّدَ، والنَّاسِخَ والمنْسُوخَ، والمُسْتَثْنَى والمسْتَثْنَى منه، ويَعْرِفُ مِن السُّنَّةِ صَحِيحَها مِن سَقِيمِها، وتَواتُرَها مِن آحادِها، ومُرْسَلَها ومُتَّصِلَها، ومُسْنَدَها ومُنْقَطِعَها، ممَّا له تَعَلُّقٌ بالأحْكامِ خاصَّةٌ، ويَعْرِفُ ما أُجْمِعَ عليه ممَّا اخْتُلِفَ فيه، والقِياسَ وحُدُودَه وشُرُوطَه

الجزء: 28 - الصفحة: 308

ويَعْرِفُ مَا أُجْمِعَ عَلَيهِ ممَّا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْقِيَاسَ وَحُدُودَهُ وَشُرُوطَهُ وَكَيفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ، وَالْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمَا يُوَالِيهِمْ.
وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيهِ وَرُزِقَ فَهْمَهُ، صَلُحَ لِلْقَضَاءِ، وَالْفُتْيَا، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
وكَيفِيَّةَ اسْتِنْباطِه، والْعَرَبِيَّةَ المُتَداوَلَةَ بالْحِجازِ والشَامِ والْعِراقِ وما يُوالِيهِمْ، وكُلُّ ذلك مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ وفُرُوعِه، فمَن وَقَفَ عليه ورُزِقَ فهْمَه، صَلُحَ للْفُتْيا والْقَضاءِ، وباللهِ التَّوْفِيقُ.
وكذا قال كثير مِن الأصحابِ.
وقال في «الفُروعِ»:

الجزء: 28 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فمَن عَرَفَ أكثره، صَلُحَ للفُتْيا والقَضاءِ.
وقال في «الوَجيزِ»: فمَن وَقَفَ على أكْثَرِ ذلك وفَهِمَه، صَلُحَ للفُتْيا والقَضاءِ.
وقال في «المُحَرَّرِ»: فمَن وَقَفَ عليه أو على أكْثَرِه، ورُزِقَ فهْمَه، صَلُحَ للفُتْيا والقَضاءِ.
انتهى.
وقيل: يُشْتَرَطُ أنْ يعْرِفَ أكْثَرَ الفِقْهِ.
وقال في «الواضِحِ»: يجِبُ معْرِفَةُ جميعِ أُصُولِ الفِقْهِ، وأدَلّةِ الأحْكامِ.
وقال أبو محمدٍ الجَوْزِيُّ: مَن حصَّلَ أُصُولَ الفِقْهِ وفرُوعَه، فمُجْتَهِدٌ.
انتهى.
وقال ابنُ مُفْلِح في «أُصُولِه»: والمُفْتِي؛ العالِمُ بأُصُولِ الفِقْهِ وما يُسْتَمَدُّ منه، والأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مُفَصَّلَةً، واخْتِلافِ مَراتِبِها غالِبًا، واعْتَبَرَ بعْضُ أصحابِنا معْرِفَةَ أكْثَرَ الفِقْهِ، والأشْهَرُ، لا.
انتهى.
وقال في «آدابِ المُفْتِي»: لا يضُرُّ جَهْلُه ببَعْضِ ذلك لشُبْهَةٍ أو إشْكالٍ، لكِنْ يكْفِيه معْرِفَةُ وُجوهِ دَلالةِ الأدِلَّةِ، ويكْفِيه أخْذُ الأحْكامِ مِن لَفْظِها ومَعْناها.
زادَ ابنُ عَقِيلٍ في «التّذْكِرَةِ»، ويعْرِفُ الاسْتِدْلال، واسْتِصْحابَ الحالِ، والقُدْرَةَ على إبْطالِ شُبْهَةِ المُخالِفِ، وإقامَةَ الدَّلائِلِ على مذهَبِه.
انتهى.
وقال في «آدابِ المُفْتِي» أيضًا: وهل يُشْتَرَطُ معْرِفَةُ الحِسابِ ونحوه مِن المَسائلِ المُتَوَقِّفَةِ عليه؟ فيه خِلافٌ.
ويأْتي -بعدَ فَراغِ الكتابِ- أقْسامُ المُجْتَهِدِين، وتقدَّم قريبًا عندَ قوْلِه: مُجْتَهِدًا.
أنَّه لا يُفْتِي إلَّا مُجْتَهِدٌ، على الصَّحيحِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فوائد؛ منها، لو أدَّاه اجْتِهادُه إلى حُكْم، لم يَجُزْ له تقْلِيدُ غيرِه إجْماعًا.
ويأْتي هذا في كلامِ المُصَنِّفِ في أوَّلِ الباب الذي يَلِيه، في قوْلِه: ولا يُقَلِّدُ غيرَه وإنْ كان أعْلَمَ منه.
وإنْ لم يَجْتَهِدْ، لم يَجُزْ.
أَنْ يُقَفد غيرَه أيضًا مُطْلَقًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
ونصَّ عليه في رِوايةِ الفَضْلِ بنِ زِيادٍ.
قال ابنُ مُفْلِحٍ في «أُصُولِه»: قاله أحمدُ وأكثرُ أصحابِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، يجوزُ.
اخْتارَه الشِّيرَازِي فقال: مذهَبُنا جوازُ تقْليدِ العالِم للعالِمِ.
قال أبو الخَطَّابِ: وهذا لا نعْرِفُه 42 عن أصحابِنا.
نقَلَه في «الحاوي الكَبِيرِ» في الخُطْبَةِ.
وعنه، يجوزُ مع ضِيقِ الوَقْتِ.
وقيل: يجوزُ لأعلَمَ منه.
وذكَر أبو المَعالِي، عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ: يُقَلِّدُ صحابِيًّا، ويُخَيَّرُ فيهم،

الجزء: 28 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومِن التَّابعِين عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ فقطْ.
وفي هذه المَسْألَةِ للعُلَماءِ عِدَّةُ 43 أقْوالٍ غيرِ ذلك.
وتقدَّم نظِيرُها في بابِ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ.
وقال في «الرِّعايةِ»: يجوزُ له التقْلِيدُ؛ لخَوْفِه على خُصوم مُسافِرين فَوْتَ رُفْقَتِهم، في الأصحِّ.
ومنها، يتَحَرَّى الاجْتِهادَ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه الأصحابُ.
وقال ابنُ مُفْلِحٍ في «أُصُولِه»: قاله أصحابُنا.
وصحَّحه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقطَع به المُصَنِّفُ في «الرَّوْضَةِ» وغيرُه.
وقيل: لا يتَحَرَّى.
وقيل: يتَحَرَّى في بابٍ، لا 44 في مسْألَةٍ.
ومنها، وتَشْتَمِلُ على مَسائِلَ كثيرةٍ في أحْكامِ المُفْتِي والمُسْتَفْتِي؛ تقدَّم قريبًا

الجزء: 28 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تحْريمُ الحُكْمِ والفُتْيا بالهَوَى، وبقَوْلٍ أو وَجْهٍ مِن غيرِ نظَو في التَّرْجيحِ إجْماعًا.
واعلمْ أنَّ السَّلَف الصَّالِحَ، رَحِمَهُم اللهُ، كانُوا يَهابُون الفُتْيا، ويُشَدِّدُونَ فيها، ويتَدافَعُونَها، وأنْكَرَ الإِمامُ أحمدُ، رحِمَه اللهُ، وغيرُه على مَنْ تهَجَّمَ في الجَوابِ.
وقال: لا يَنْبَغِي أنْ يُجيبَ في كل ما يُسْتَفْتَى.
وقال: إذا هابَ الرَّجُلُ شيئًا، لا ينْبَغِي أنْ يُحْمَلَ على أَنْ يقولَ.
إذا عَلِمْتَ ذلك، ففي وُجوبِ تقْديمِ معْرِفَةِ الفِقْهِ 45 على أصُولِه وَجهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، يجِبُ تقْديمُ معْرِفَةِ 46 الفِقْهِ.
اخْتارَه القاضي وغيرُه.
قال في «آدابِ المُفْتِي»: وهو أوْلَى.
والثَّاني، يجِبُ تقْديمُ معْرِفَةِ أُصُولِ الفِقْهِ.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ وابنُ البَنَّا، وغيرُهما.
قال في «آدابِ المُفْتِي»: وقد أوْجَبَ ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه، تقْدِيمَ معْرِفَةِ أُصُولِ الفِقْهِ على فُروعِه؛ ولهذا ذكَرَه أبو بَكْرٍ، وابنُ أبي مُوسى، والقاضي، وابنُ البَنَّا في أوَائلِ كُتُبِهم الفُرُوعِيَّةِ، وقال أبو البَقَاءِ العُكْبَرِيُّ: أبْلَغُ ما تُوُصِّلَ به إلى إحْكامِ الأحْكامِ، إتْقانُ أُصُولِ الفِقْهِ، وطَرَفٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ.
انتهى.
وقال

الجزء: 28 - الصفحة: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنُ قاضِي الجَبَلِ في «أُصُولِه»، تبَعًا لـ «مُسَوَّدَةِ ابنِ 47 تَيمِيَّةَ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»: تقْدِيمُ معْرِفَتِها أوْلَى مِن الفُروعِ عندَ ابنِ عَقِيلٍ وغيرِه.
قلتُ: في غيرِ فَرْضِ العَينِ.
وعندَ القاضي عكْسُه.
انتهى 48. فظاهِرُ كلامِهم، أنَّ الخِلافَ في الأوْلَويَّةِ، ولعَلَّه أولَى 49، وكلامُ غيرِهم في الوُجوبِ.
وتقدَّم: هل للمُفْتِي الأخْذُ مِن المُسْتَفْتِي إذا كان له كِفايَة، أمْ لا؟ ويأْتي: هل له أَخْذُ الهَدِيَّةِ، أمْ لا؟ عندَ أحْكام هَدِيَّةِ الحاكِمِ.
والمُفْتِي؛ مَن يُبَيِّنُ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، ويُخْبِرُ به مِن غيرِ إلْزامٍ.
والحاكِمُ؛ مَن يُبَيِّنُه ويُلْزِمُ به.
قاله شيخُنا في «حَواشِي الفُروعِ».
ولا يُفْتِي في حالٍ لا يُحْكَمُ فيها، كغَضَبٍ ونحوه، على ما يأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ.
قال ابنُ مُفْلِحٍ في

الجزء: 28 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «أُصُولِه»: فظاهِرُه، يَحْرُمُ كالحُكْمِ.
وقال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: لا يُفْتِي في هذه الحالِ، فإنْ أَفْتَى وأصابَ، صح وكُرِهَ.
وقيل: لا يصِحُّ.
ويأْتِي نظِيرُه في قَضاءِ الغَضْبانِ ونحوه.
وتصِحُّ فَتْوَى العَبْدِ والمَرْأةِ والقَريبِ ويأْتِي والأخْرَسِ المَفْهُومِ الإشارَةِ أو الكِتابَةِ، وتصِحُّ مع جَرِّ النفْعِ ودَفْعِ الضرَرِ، وتصِحُّ مِن العَدُوِّ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الرِّعايةِ»، و «آدابِ المُفْتِي»، و «الفُروعِ» في بابِ أدَبِ القاضي.
وقيل: لا تصِحُّ، كالحاكِمِ والشَاهِدِ.
ولا تصِحُّ مِن فاسِقٍ لغيرِه وإنْ كان مُجْتَهِدًا، لكِنْ يُفْتِي نفْسَه، ولا يسْألُ غيرَه.
وقال الطُّوفِيُّ في «مُخْتَصَرِه» وغيرُه: لا تُشْتَرَطُ عَدالته في اجْتِهادِه، بل في قَبُولِ فُتْياه وخَبَرِه.
وقال ابنُ القَيِّمِ، رحِمَه اللهُ في «إعْلامِ المُوَقعينَ»: قلتُ: الصَّوابُ جوازُ اسْتِفْتاءِ الفاسِقِ، إلا أنْ يكونَ مُعْلِنًا بفِسْقِه، داعِيًا إلى بدْعَتِه، فحُكْمُ اسْتِفْتائِه حكمُ إمامَتِه وشَهادَتِه.
ولا تصِحُّ مِن مَسْتُورِ الحالِ أيضًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ»، وغيره مِن الأصُولِيِّينَ.
وقيل: تصِحُّ.
قدَّمه في «آدابِ المُفْتِي».
وعملُ النَّاسِ عليه.
وصححه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
[واخْتارَه في «إعْلامِ المُوَقعينَ»] 50. وقيل: تصِحُّ إنِ اكْتَفَينا بالعَدالةِ الظاهِرَةِ، وإلَّا فلا.
والحاكِمُ كغيرِه في الفُتْيا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: تُكْرَهُ له 51 مُطْلَقًا.
وقيل: تُكْرَهُ في مَسائِلِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ به، دُونَ الطَّهارَةِ والصَّلاةِ ونحوهما.
ويَحْرُمُ تَساهُلُ مُفْتٍ، وتَقْلِيدُ مَعْرُوفٍ به.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: لا يجوزُ اسْتِفْتاءُ إلا مَن يُفْتِي بعِلْم وعَدْلٍ.
ونقَل المَروذِيُّ، لا يَنْبَغِي أنْ يُجِيبَ في كُل ما يُسْتَفْتَى فيه.
ويأْتِي: هل له قَبُولُ الهَدِيَّةِ، أمْ لا؟

الجزء: 28 - الصفحة: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وليسَ لمَنِ انْتَسَبَ إلى مذهبِ إمام في مسْألَةٍ ذاتِ قوْلَين أو وَجْهَين أنْ يتَخَيَّرَ، فَيَعْمَلَ أو يُفتِيَ بأيِّهما شاءَ، بل إنْ عَلِمَ تارِيخَ القَوْلَين، عَمِلَ بالمُتَأَخِّرِ إنْ صرَّح برُجُوعِه عن الأوَّلِ، وكذا إنْ أطْلَقَ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ فيهما.
وقيل 52: يجوزُ العَمَلُ بأحَدِهما إذا ترَجَّحَ أنَّه مذَهبٌ لقائِلِهما.
وقال في «آدابِ المُفْتِي»: إذا وَجَدَ مَن ليسَ أهْلًا للتَّخْريجِ والتَّرْجيحِ بالدَّليلِ، اخْتِلافًا بينَ أئمَّةِ المذاهبِ، في الأصحِّ مِن القَوْلَينِ أو الوَجْهَين، فيَنْبَغِي أنْ يرْجِعَ في التَّرْجيحِ إلى صِفَاتِهم المُوجِبَةِ لزِيادَةِ الثِّقَةِ بآرَائِهم، فيَعْمَلَ بقَوْلِ الأكثرِ، والأعْلَمِ، والأوْرَعِ، فإنِ اخْتُصَّ أحدُهما بصِفَةٍ منها، والآخَرُ بصِفَةٍ أُخْرَى، قدَّم الذي هو أحْرَى منهما بالصَّوابِ، فالأعْلَمُ الوَرِعُ 53، مُقَدَّئم على الأوْرَعِ العالِمِ.
وكذلك إذا وَجَد قوْلَين أو وَجْهَين.
لم يَبْلُغْه عن أحدٍ مِن أئمَّتِه بَيانُ الأصحِّ منهما، اعْتَبَرَ أوْصافَ [ناقِلِيهما وقابِلِيهما] 54، ويُرَجِّحُ ما وافَقَ منهما أئمَّةَ أكثرِ المذاهبِ المَتْبُوعَةِ، أو أكثر العُلَماءِ.
انتهى.
قلتُ: وفيما قاله نظر.
وتقدَّم في آخِرِ الخُطْبَةِ تحْريرُ ذلك.
وإذا اعْتَدَلَ عندَه قوْلان -وقُلْنا: يجوزُ- أفْتَى بأَيِّهما شاءَ.
قاله القاضي في «الكِفايةِ»، وابنُ حَمْدانَ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم.
كما يجوزُ للمُفْتِي أنْ يعْمَلَ بأيِّ القَوْلَين شاءَ.
وقيلَ: يُخَيَّرُ المُسْتَفْتِي، وإلَّا تعَيَّنَ الأحْوَطُ.
ويَلْزَمُ المُفْتِيَ تَكْرِيرُ النَّظرَ عندَ تكَرُّرِ 55 الواقِعَةِ مُطْلَقًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
جزَم به القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وقال: وإلَّا كان مُقَلِّدًا لنَفْسِه؛

الجزء: 28 - الصفحة: 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لاحْتِمالِ تغَيُّرِ اجْتِهادِه.
وقدَّمه ابنُ مُفْلِح في «أُصُولِه».
وقيل: لا 56 يَلْزَمُه؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما اطَّلَعَ عليه وعدَمُ غيرِه.
ولُزومُ السُّؤالِ ثانيًا فيه الخِلافُ.
وعندَ أبي الخَطَّابِ، والآمِدِي، إنْ ذكَر المفْتِي طرِيقَ الاجْتِهادِ، لم يَلْزَمْه، وإلَّا لَزِمَه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وإنْ حَدَثَ ما لا قَوْلَ فيه، تكَلَّم فيه حاكِمٌ ومُجْتَهِدٌ ومُفْتٍ.
وقيل: لا يَجوزُ.
وقيل: لا يجوزُ في أُصُولِ الدِّينِ.
قال في «آدابِ المُفْتِي»: ليسَ له أنْ يُفْتِيَ في شيءٍ مِن مَسائلِ الكَلامِ مُفَصِّلًا، بل يَمْنَعُ السَّائِلَ وسائِرَ العامَّةِ مِن الخَوْضِ في ذلك أصْلًا.
وقدَّمه في «مُقْنِعِه».
[وجزَم به في «الرِّعايةِ الكُبْرى»] 57. وقدَّم 58 ابنُ مُفْلِح في «أُصُولِه»، أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ في الأَفْضَلِيَّةِ، لا في الجوازِ وعدَمِه.
وأطْلَقَ الخِلافَ.
وقال في خُطْبَةِ «الإرْشادِ»: لابُدَّ مِن الجوابِ.
وقال في «إعْلامِ المُوَقعينَ»، بعدَ أنْ حكَى الأقْوال: والحقُّ التَّفْصِيلُ، وأنَّ ذلك يجوزُ بل يُسْتَحَبُّ، أو يجِبُ عندَ الحاجَةِ وأهْلِيَّةِ المُفْتِي والحاكمِ، فإنْ عُدِمَ الأمْران، لم يَجُزْ، وإنْ وُجِدَ أحدُهما، احْتَمَلَ الجوازَ والمَنْعَ، والجَوازُ عندَ الحاجَةِ دُونَ عدَمِها.
انتهى.
وله تخْيِيرُ مَنِ اسْتَفْتاه بينَ قوْلِه وقول مُخالِفِه.
رُوِيَ ذلك عن الإمام أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وقيل: يأْخُذُ به إنْ لم يَجدْ غيرَه، [أو كان] 59 أرْجَحَ، وسأَلَه [أبو داودَ] 60، الرجُل يسْأَلُ عن المَسْأَلَةِ، أدُلُّه على إنْسانٍ يسْأَلُه؟ قال: إذا كان الذي أرْشَدَ إليه يتَّبعُ ويُفْتِي بالسُّنَّةِ.
فقيلَ له: إنَّه يريدُ الاتِّباعَ، وليسَ كل قوْلِه يُصِيبُ.
قال: ومَنْ يُصِيبُ في كل شيءٍ؟!

الجزء: 28 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وتقدَّم في آخِرِ الخُلْعِ التنبِيهُ على ذلك.
ولا يَلْزَمُ جَوابُ ما لم يقَعْ، لكِنْ تُسْتَحبُّ إجابَتُه.
وقيل: تُكْرَهُ.
قلتُ: وهو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله.
ولا يجبُ جَوابُ ما لا يَحْتَمِلُه كلامُ 61 السَّائلِ، ولا ما لا نَفْعَ فيه.
ومَن عَدِمَ مُفْتِيًا في بَلَدِه وغيرِه، فحُكْمُه حُكْمُ ما قبلَ الشَّرْعِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «آدابِ المُفْتِي»: وهو أقْيَسُ.
وقيل: متى خَلَتِ البَلْدَةُ مِن مُفْتٍ، حَرُمَتِ 62 السكْنَى فيها.
ذكَرَه في «آدابِ المُفْتِي».
وله ردُّ الفُتْيا إنْ كان في البَلَدِ مَنْ يقُومُ مَقامَه، وإلَّا لم يَجُزْ.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيل، وغيرُهما.
وقطَع به مَنْ بعدَهم.
وإنْ كان مَعْروفًا عندَ العامَّةِ بفُتْيا، وهو جاهِل، تعَين الجوابُ على العالمِ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رحِمَه اللهُ: الأظْهَرُ، لا يجوزُ في التي قبلَها، كسُؤالِ عامِّيّ عمَّا لم يقَعْ.
قال، في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ مِثْلُه، حاكم في البَلَدِ غيرُه، لا يَلْزَمُه الحُكْمُ، وإلَّا لَزِمَه.
وقال في «عُيونِ المَسائلِ» في شَهادَةِ العَبْدِ: الحُكْمُ يتَعَينُ بولايته؛ حتى لا يُمْكِنَه ردُّ مُحْتَكِمَينِ إليه، ويُمْكِنَه ردُّ مَن يسْتَشْهِدُه، وإنْ كان مُتَحَمِّلًا لشَهادَةٍ، فنادِر أنْ لا يكونَ سِواه، وفي الحُكْمِ لا ينُوبُ البَعْضُ عنِ البَعْضِ، ولا يقولُ لمَنِ ارْتَفَعَ إليه: امْضِ إلى غيرِي مِن الحُكامِ.
انتهى.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ تخْرِيج مِن الوَجْهِ، في إثْمِ مَن دُعِيَ لشهادَةٍ، قالوا: لأنه تعَيَّنَ عليه بدُعائِه.
لكِنْ يَلْزَمُ عليه إثْمُ مَن عُينَ في كل فَرْضِ كِفايةٍ فامْتَنَعَ.
قال: وكلامُهم في الحاكمِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ودَعْوَةِ الوَلِيمَةِ، وصَلاةِ الجِنازَةِ، خِلافُه.
انتهى.
ومَن قَوِيَ عندَه مذهَبُ غيرِ إمامِه، أفْتَى به وأعْلَمَ السَّائِلَ.
ومَن أرادَ كتابَةً على فُتْيا أو شَهادَةٍ، لم يَجُزْ أنْ يُكَبِّرَ خَطَّه؛ لتَصرُّفِه في مِلْكِ غيرِه بلا إذْنِه ولا حاجَةَ، كما لو أباحَه قَمِيصَه، فاسْتَعْملَه فيما يُخْرِجُه عن العادَةِ بلا حاجَةٍ.
ذكَرَه ابنُ عَقِيل في «المَنْثُورِ» 63 وغيرِه.
وكذا قال في «عُيونِ المَسائلِ»: إذا أرادَ أنْ يُفْتِيَ أو يكْتُبَ شَهادةً، لم يَجُزْ أنْ يُوسِّعَ الأسْطُرَ، ولا يُكْثِرَ إذا أمْكَنَ الاخْتِصارُ؛ لأنه تَصَرُّف في مِلْكِ غيرِه بلا إذْنِه، ولم تَدْعُ الحاجَةُ إليه.
واقْتَصَرَ على ذلك في «الفُروعِ».
وقال في «أصُولِه»: ويتَوَجَّهُ مع قَرِينَةٍ خِلاف، ولا يجوزُ إطْلاقُه في الفُتْيا في اسْم مُشْتَرَكٍ إجْماعًا، بل عليه التَّفْصِيلُ؛ فلو سُئِلَ: هل له الأكْلُ بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ؛ فلابُدَّ أنْ يقولَ: يجوزُ بعدَ الفَجْرِ الأوَّلِ، لا الثَّاني.
ومسْألةُ أبي حَنِيفَةَ مع أبي يُوسُفَ وأبي الطَّيِّبِ مع قَوْم معْلُومَة.
واعلمْ أنَّه قد تقدَّم، أنَّه لا يُفْتِي إلَّا مُجْتَهِد.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وتقدَّم هناك قولٌ بالجَوازِ؛ فيُراعِي ألفاظَ إمامِه ومُتَأخِّرَها، ويُقَلِّدُ كِبارَ أئمَّةِ مذهَبِه.
والعامِّيُّ يُخْبِرُ 64 في فَتْواه فقطْ، فيقولُ: مذهَبُ فُلانٍ كذا.
ذكرَه ابنُ عَقِيل وغيرُه.
وكذا قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: النَّاظِرُ المُجَرَّدُ يكونُ حاكِيًا، لا مُفْتِيًا.
وقال في «آدابِ عُيونِ المسَائلِ»: إنْ كان الفَقِيهُ مُجْتَهِدًا، يعْرِفُ صِحةَ الدَّليلِ، كتَب الجوابَ عن نفْسِه، وإنْ كان ممَّن 65 لا يعْرِفُ الدليلَ، قال: مذهبُ أحمدَ كذا، مذهَبُ الشَّافِعِي كذا.
فيَكونُ

الجزء: 28 - الصفحة: 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُخْبِرًا 66، لا مُفْتِيًا.
ويُقَلِّدُ العامي مَن عرَفَه عالِمًا عدْلًا، أو رَآه مُنْتَصِبًا مُعَظَّمًا، ولا يُقَلِّدُ مَن عَرَفَه جاهِلًا عندَ العُلَماءِ.
قال المُصَنفُ في «الرَّوْضَةِ» وغيرِها: يكْفِيه قولُ عدْلٍ.
ومُرادُه خَبِيرٌ.
واعْتَبَرَ بعْضُ الأصحابِ الاسْتِفاضَةَ بكَوْنِه عالِمًا، لا مُجَرَّدَ اعْتِزائِه إلى العِلْمِ ولو بمَنْصِبِ تَدْرِيس.
قلتُ: وهو الصّوابُ.
وقال ابنُ عَقِيل: يجِبُ سُؤالُ أهْلِ الثقَةِ والخَيرِ.
قال الطُّوفِيُّ في «مخْتَصَرِه»: يُقَلِّدُ مَن عَلِمَه أو ظَنَّه أهْلًا بطرَيق ما اتِّفاقًا، فإنْ جَهِلَ عدالتَه، ففي جَوازِ تقْلِيدِه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، عدَمُ الجوازِ.
وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ.
نَصَرَه المُصَنِّفُ في «الرَّوْضَةِ».
وقدَّمه ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»، والطُّوفِيُّ في «مُخْتَصَرِه»، وغيرُهما.
والثَّاني، الجوازُ.
قدَّمه في «آدابِ المُفْتِي».
وتقدَّم: هل تصِحُّ فُتْيا فاسِقٍ أو مَسْتُورِ الحال، أمْ لا؟ ويُقَلِّدُ مَيِّتًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه الأصحابُ.
وهو كالإجماعِ في هذه الأعْصارِ.
وقيل: لا يُقَلَّدُ مَيِّتٌ.
وهو ضعيفٌ.
واخْتارَه في «التَّمْهِيدِ»، في أن عُثْمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، لم يُشْتَرَطْ عليه 67 تقْلِيدُ أبي بَكْر وعمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما؛ لمَوْتِهما.
ويَنْبَغِي للمُسْتَفْتِي أنْ يحْفَظَ الأدبَ مع المُفْتِي ويُجِلَّه، فلا يقولُ أو يفْعَلُ ما جرَتْ عادَةُ العَوام به؛ كإيماء بيَدِه في وَجْهِه، أو: ما مذهَبُ إمامِكَ في كذا؛ أو: ما تحْفَظُ في كذا؛ أو: أفْتاني غيرُك -أو فلانٌ- بكذا أو كذا.
قلتُ أنا: أو: وَقِّعْ لي.
أو: إنْ كانَ جوابُك مُوافِقًا فاكْتُبْ.
لكِنْ إنْ عَلِمَ غرَضَ السَّائلِ في شيء، لم يَجُزْ أنْ يكْتُبَ بغيرِه، أو يسْألهُ [في حالِ] 68 ضَجَر، أو هَمٍّ، أو قِيامِه،

الجزء: 28 - الصفحة: 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونحوه، ولا يُطالِبُه بالحُجَّةِ.
ويجوزُ تقْلِيدُ المَفْضولِ مِن المُجْتَهِدينَ.
على الصحيحِ مِن المذهب.
قال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: قاله أكثرُ أصحابِنا؛ القاضي، وأبي الخَطَّابِ، وصاحِبِ «الرَّوْضَةِ»، وغيرِ هم 69. وقدَّمه هو وغيرُه.
قال في «فُروعِه»، في اسْتِقْبال القِبْلَةِ: لا يجِبُ تقْليدُ الأوْثَقِ، على الأصح.
قال في «الرعايةِ»: على الأقيَسِ.
وعنه، يجِبُ عليه.
قال ابنُ عَقِيل: يَلْزَمُه الاجْتِهادُ فيهما، فيُقَدمُ الأرْجَحَ.
ومَعْناه قولُ الْخِرَقِيِّ: كالقِبْلَةِ في الأعْمَى والعامِّيِّ.
قال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: أمَّا لو بانَ للعاميِّ الأرْجَحُ منهما، لَزِمَه تقْلِيدُه.
زادَ بعْضُ أصحابِنا، في الأظْهَرِ.
قلتُ: ظاهرُ كلامِ كثير مِن الأصحابِ مُخالفِ لذلك.
وقال في «التَّمْهِيدِ»: إنْ رجحَ دِينَ واحدٍ، قدمه في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، لا؛ لأنَّ العُلَماءَ لا تُنْكِرُ على العامي ترْكَه.
وقال أيضًا: في تقْديمِ الأدينِ على الأعْلَمِ وعكْسِه وَجْهان.
قلتُ.: ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، تقْدِيمُ الأدينِ؛ حيثُ قيلَ له: مَن نسْألُ بعدَك؟ قال: عَبْدَ الوَهَّابِ الوَرَّاقَ؛ فإنَّه صالِح، مِثْلُه يُوَفَّقُ للحَق.
قال في «الرعايةِ»: ولا يكْفِيهِ مَن لم تسْكُنْ نفْسُه إليه، وقدَّم الأعْلَمَ على الأوْرَعِ.
انتهى.
فإنِ اسْتَوَى مُجْتَهِدان، تَخَيَّرَ.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه مِن الأصحابِ.
وقال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: وقال بعْضُ الأصحابِ: هل يَلْزَمُ المُقَلِّدَ التَّمَذْهُبُ 70 بمَذهَبٍ، والأخْذُ برُخَصِه وعَزائمِه؟ فيه وَجْهان.
قلتُ: قال في «الفُروعِ»، في أثْناءِ بابِ شُروطِ من تُقْبَلُ شهادَتُه: وأمَّا لُزومُ التَّمَذْهُبِ بمَذْهَب، وامْتِناعُ الانْتِقالِ إلى غيرِه في مَسْألةٍ، ففيه وَجْهان، وِفاقًا لمالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُما اللهُ، وعَدَمُه أشْهَرُ.

الجزء: 28 - الصفحة: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  انتهى.
قال في «إعْلامِ المُوَقِّعِينَ»: وهو الصَّوابُ المَقْطُوعُ به.
وقال في «أصُولِه»: عدَمُ اللُّزومِ قولُ جُمْهورِ العُلَماءِ، فَيَتَخَيَّرُ.
وقال في «الرِّعايةِ الكبرى»: يَلْزَمُ كلَّ مُقَلِّدٍ أنْ يَلْتَزِمَ بمَذهَبٍ مُعَين في الأشْهَرِ، فلا يُقَلِّدُ غيرَ أهْلِه.
وقيلَ: بلَى.
وقيل: ضَرُورَةً.
فإنِ الْتَزَمَ فيما يُفْتِي به، أو عَمِلَ 71 به، أو ظَنَّه حقَّا، أو لم يجِدْ مُفْتِيًا آخَرَ، لَزِمَ قَبُولُه، وإلَّا فلا.
انتهى.
واخْتارَ الآمِدِي مَنْعَ الانْتِقالِ فيما عَمِلَ به.
وعندَ بعْضِ الأصحابِ، يَجْتَهِدُ في أصحِّ المذاهبِ فيَتَبِعُه.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الذينِ، رَحِمَه اللهُ: في الأخْذِ برُخَصِه وعَزائِمِه طاعَةُ غيرِ الرَّسُولِ، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، في كلِّ أمْرِه ونَهْيِه، وهو خِلافُ الإجْماعِ.
وتوَقَّفَ أيضًا في جَوازِه، وقال أيضًا: إنْ خالفَه لقُوَّةِ دَليل، أو زِيادَةِ عِلْمٍ أو تَقْوَى، فقد أحْسَنَ، ولا يَقْدَحُ في عَدالتِه، بلا نِزاع.
وقال أيضًا: بل يجِبُ في هذه الحالِ، وأنَّه نصُّ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ هُبَيرَةَ.
وقال في «آدابِ المُفْتِي»: هل للعاميِّ أنْ يتَخَيَّرَ ويُقَلِّدَ أيَّ مَذهبٍ شاءَ، أم لا؟ فإنْ كان مُنْتَسِبًا إلى مذهبٍ مُعَيَّن، بنَينَا ذلك على أنَّ العامِّيَّ هل له مذهب، أمْ لا؟ وفيه مذهَبان، أحدُهما، لا مذهبَ له، فله أنْ يسْتَفْتِيَ مَن شاءَ مِن أرْبابِ المذاهب، سِيَّما إنْ قُلْنا: كلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.
والوَجْهُ الثَّاني، له مذَهب؛ لأنه اعْتَقَدَ أنَّ المذهبَ الذي انْتَسَبَ إليه هو الحقُّ، فعليه الوَفاءُ بمُوجَبِ اعْتِقادِه، فلا يسْتَفْتِي مَن يُخالِفُ مذهبَه.
وإنْ لم يكُن انْتَسَبَ إلى مذهبٍ مُعَيَّن، انْبَنَى على أنَّ العامِّيَّ، هل يَلْزَمُه أنْ يتَمَذْهَبَ بمَذْهَبٍ مُعَيَّن يأخُذُ برُخَصِه وعَزائمِه؟ وفيه مذهَبان؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه، كما لم يَلْزَمْ في عَصْرِ أوائلِ الأمَّةِ أنْ

الجزء: 28 - الصفحة: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَخُصَّ العامِّي 72 عالِمًا مُعَيَّنًا يُقَلِّدُه، سِيَّما إنْ قُلْنا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصيبٌ.
فعلى هذا، هل له أنْ يسْتَفْتِيَ على أيِّ مذهَبٍ شاءَ، أم يَلْزَمُه أنْ يبْحَثَ حتى يعْلَمَ -عِلْمَ مِثْلِه- أسَدَّ المَذاهبِ، وأصَحَّها أصْلًا؟ فيه مَذهبان.
والثَّاني، يَلْزَمُه 73 ذلك، وهو جارٍ في كل مَن لم يبلُغ درَجَةَ الاجْتِهادِ مِنَ الفُقَهاءِ وأرْبابِ سائرِ العُلومِ.
فعلى هذا الوَجْهِ، يَلْزَمُه أنْ يَجْتَهِدَ في اخْتِيارِ مذهَبٍ يُقَلدُه على التَّعْيِينِ، وهذا أوْلَى بإلْحاقِ الاجْتِهادِ فيه على العامي ممَّا سَبَقَ في الاسْتِفْتاءِ.
انتهى.
ولا يجوزُ للعامِّي تَتَبُّعُ الرُّخَصِ.
ذكَرَه ابنُ عَبْدِ البَر إجْماعًا.
ويَفْسُقُ عندَ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله، وغيرِه.
وحَمَلَه القاضي على مُتَأوِّلٍ أو مقَلِّدٍ.
قال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: وفيه نظر.
قال: وذكَر بعْضُ أصحابِنا في فِسْقِ مَن أخَذَ بالرُّخَصِ رِوايتَين، وإنْ قَوِيَ دَليلٌ أو كان عاميًّا، فلا.
كذا قال.
انتهى.
وإذا اسْتَفْتَى واحِدًا أخَذ بقَوْلِه.
ذكَرَه ابنُ البَنَّا وغيرُه.
وقدَّمه ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه».
وقال: والأشْهَرُ، يَلْزَمُه 74 بالْتِزامِه.
وقيل: وبظَنِّه حقا.
وقيل: وبعَمَل 75 به.
وقيل: يَلْزَمُه إنْ ظنَّه حقا.
وإنْ لم يجِدْ مُفْتِيًا آخَرَ، لَزِمَه، كما لو حكَمَ به حاكِم.
وقال بعْضهم: لا يَلْزَمُه مُطْلَقًا إلَّا مع عدَمِ غيرِه.
ولو سألَ مُفْتِيَين، واخْتَلفا عليه، تَخَيَّرَ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
اخْتارَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم.
قال أبو الخَطَّابِ: هو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله.
وذكَر 76 ابنُ البَنَّا وَجْهًا، أنَّه يأخُذُ بقَوْلِ الأرْجَحِ.
واخْتارَه بعْضُ الأصحابِ.
وقدَّم في «الرَّوْضَةِ»، أنه

الجزء: 28 - الصفحة: 323

فَصْل: وَإنْ تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَجُل يَصْلُحُ للقَضَاءِ، فَحَكَّمَاهُ بَينَهُمَا، فَحَكَمَ، نَفَذَ حُكمُهُ في الْمَالِ.
يَلْزَمُه الأخْذُ بقوْلِ الأفْضَلِ في عِلْمِه ودِينه.
قال الطوفِيُّ في «مُخْتَصَرِه»: وهو الظاهِرُ 77. وذكَر [ابنُ البَنَّا أيضًا] 78 وَجْهًا آخَرَ، يأخُذُ بأغْلَظِهما.
وقيل: يأخُذ بالأخَفِّ.
وقيل: يسْألُ مُفْتِيًا آخَرَ.
وقيل: يأخُذُ بأرْجَحِهما دَلِيلًا.
وقال في «الفُروعِ»، في باب.
اسْتِقْبال القِبْلَةِ: ولو سألَ مُفْتِيَين، فاخْتَلَفا، فهل يأخُذُ بالأرْجَحِ، أو الأخَفِّ، أو الأشدّ، أو يُخيَّرُ؟ فيه أوْجُهٌ في المذهبِ، وأطْلَقَهُن.
وإنْ سألَ، فلم تسْكُنْ نفْسُه، ففي تَكْرارِه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ» في بابِ اسْتِقْبالِ القِبْلةِ.
وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ»: أظْهَرُهما، لا يَلْزَمُه.
فهذه جملة صالحة نافعةٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
قوله: وإنْ تَحاكَمَ رَجُلان إلى رَجُل يَصْلُحُ للْقَضاءِ، فحَكَّماه بينَهُما،

الجزء: 28 - الصفحة: 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فحَكَمَ، نَفَذَ حُكْمُه في المالِ، ويَنْفُذُ في الْقِصاصِ والْحَدِّ، والنِّكاحِ، واللِّعانِ في

الجزء: 28 - الصفحة: 325

ويَنْفُذُ في الْقِصَاصِ، والْحَدِّ، وَالنِّكَاحِ، واللِّعَانِ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
ذَكَرَهُ أبو الْخَطَّابِ.
وَقَال الْقَاضِي: لا يَنْفُذُ إلا في الاموالِ خَاصَّةً.
ظاهِرِ كلامِه، ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ -في «الهِدايةِ».
وهو المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الخُلاصةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ» - وقال القاضي: لا ينْفُذُ إلَّا في الأمْوالِ خاصَّةً.
وقدَّمه في «النَّظْمِ».
وقال في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما: وعنه، لا ينْفُذُ في قَوَدٍ، وحَدِّ قَذْفٍ، ولِعانٍ، ونِكاح.
وأطْلَقَ الرِّوايتَين في «المُحَرَّرِ».

الجزء: 28 - الصفحة: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأطلَقَ الخِلافَ في «الكافِي».
وقال في «الفُروعِ»: وظاهرُ كلامِه، ينْفُذُ في غيرِ فَرْجٍ، كتَصَرُّفِه ضَرُورَةً في تَرِكَةِ مَيِّتٍ [في غيرِ فَرْجٍ] 79. ذكَرَه ابنُ عَقِيل في «عُمدِ الأدِلَّةِ».
واخْتارَ الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، نُفُوذَ حُكْمِه بعدَ حُكْمِ حاكم، لا إمام.
وقال: إنْ حَكَّم أحدُهما خَصْمَه، أو حكَّما مُفْتِيًا في مسْألَةٍ اجْتِهادِيَّةٍ، جازَ.
وقال: يكْفِي وَصْفُ القِصَّةِ له.
قال في «الفُروعِ»: يُؤيِّدُه قولُ أبي طالِب: نازَعَنِي ابنُ عَمِّي الأذانَ، فتَحاكَمْنا إلى أبي عَبْدِ الله، قال: اقْتَرِعا.
وقال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: خَصُّوا اللِّعانَ؛ لأنَّ فيه دَعْوَى وإنْكارًا، وبَقِيَّةُ الفُسوخِ كإعْسارٍ قد يتَصادَقَان، فيَكونُ الحُكْمُ إنْشاءً لا إبْدَاءً 80، ونظيرُه، لو حكَّماه في التَّداعِي بدَين وأقَرَّ به الوَرَثَةُ.
انتهى.
فعلى المذهبِ، يَلْزَمُ مَنْ يكْتُبُ إليه بحُكْمِه القَبُولُ وتنْفِيذُه، كحاكِمِ الإمامِ، وليسَ له حَبْسٌ في عُقُوبَةٍ، ولا اسْتِيفاءُ قَوَدٍ، ولا ضَرْبُ دِيَةِ الخَطَأ على عاقِلَةِ مَنْ رَضِيَ 81 بحُكْمِه.
قاله في «الرعايتَين».
وزادَ في «الصُّغْرى»: وليسَ له أنْ يُحِدَّ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو رجَعَ أحدُ الخَصْمَينِ قبلَ شُروعِه في الحُكْمِ، فله ذلك، وإنْ رجَعَ بعدَ شُروعِه، وقبلَ تَمامِه، ففيه وَجْهان.
وأطْلَقهما في

الجزء: 28 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرعايةِ الكُبْرى»؛ أحدُهما، له ذلك.
[الثاني، ليسَ له ذلك.
انتهى] 82. قلتُ: وهو الصوابُ.
وصحَّحه في «النَّظْمِ».
واخْتارَ في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: إنْ أشْهَدا عليهما بالرضا بحُكْمِه قبلَ الدخولِ في الحُكْمِ، فليسَ لأحَدِهما الرجوعُ.
الثَّانيةُ، قال في «عُمدِ الأدِلَّةِ» -بعدَ ذِكْرِ التَّحْكيمِ-: وكذا يجوزُ أنْ يتَولَّى مُتَقَدِّمُو الأسْواقِ والمَساجدِ الوَساطاتِ، والصُّلْحَ عندَ الفَوْرَةِ والمُخاصَمَةِ، وصلاةَ الجِنازَةِ، وتفْويضَ الأمْوالِ إلى الأوْصِياءِ، وتفْرِقَةَ زَكاتِه بنَفْسه، وإقامَةَ الحُدودِ على رَقيقِه، وخُروجَ طائفَةٍ إلى الجِهادِ تَلَصُّصًا وبَياتًا، وعِمارَةَ المساجدِ، والأمْرَ بالمَعْروفِ والنَّهْيَ عن المُنْكَرِ، والتَّعْزِيرَ لعَبِيدٍ وإماءٍ، وأشْباهَ ذلك.
انتهى.

الجزء: 28 - الصفحة: 328

بَابُ أدبِ الْقَاضِي

يَنْبَغِي أن يَكُونَ قَويًّا مِنْ غَيرِ عُنْفٍ، صليَنا مِنْ غَيرِ ضَعْفٍ، حَلِيمًا، ذَا أنَاةٍ وَفِطْنَةٍ، بَصِيرًا بِأحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ، وَرِعًا، عَفِيفًا.
بابُ أدَبِ القاضي قوله: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَويا مِن غَيرِ عُنْفٍ، ليِّنًا من غَيرِ ضَعْفٍ.
هذا المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
قال في «الفُروعِ»: وظاهرُ «الفُصولِ»، يجِبُ ذلك.
قوله: حَلِيمًا، ذا أناةٍ وفِطةٍ.
قد تقدَّم أنَّ القاضيَ قال في مَوْضِع مِن كلامِه: إنَّه يُشْترَطُ في الحاكمِ أنْ لا يَكونَ بَلِيدًا.
وهو الضوابُ.
قوله: بَصِيرًا بأحْكامِ الحُكَّامِ قَبْلَه.
بلا نِزاع.
وقوله: ورِعًا، عَفِيفًا.
هذا مِنه بِناءً على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، مِن أنه لا يُشْتَرَطُ في القاضي أنْ يكونَ وَرِعًا، وإنما يُسْتَحَبُّ ذلك فيه 83. وتقدَّمَ أن

الجزء: 28 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الخِرَقِيَّ وجماعَةً مِن الأصحابِ اشْتَرَطُوا ذلك فيه.
وهو الصوابُ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو افْتاتَ عليه خَصْمٌ، فقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: له تأدِيبُه والعَفْوُ عنه.
وقال في «الفُصولِ»: يزبُرُه 84، فإنْ عادَ، عزَّرَه واعْتَبَرَه بدَفْعِ الصائلِ والنُّشوزِ.
وقال في «الرِّعايةِ»: ويَنْتَهِرُه، ويَصِيحُ عليه قبلَ

الجزء: 28 - الصفحة: 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك.
قال في «الفُروعِ»، بعدَ أنْ ذكَر ذلك: وظاهِرُه، ولو لم يثْبُتْ ببَينةٍ، لكِنْ هل 85 ظاهِرُه يخْتَصُّ بمَجْلِسِ الحُكْمِ؛ فيه نظَر، كالإقْرارِ فيه وفي غيرِه، أو لأنَّ الحاجَةَ داعِيَة إلى ذلك؛ لِكَثْرَةِ المُتَظَلِّمِين على الحُكامِ وأعْدائِهم، فجازَ فيه وفي غيرِه، ولهذا شَقَّ رَفْعُه 86 إلى غيرِه، فأدَّبه بنَفْسِه، حتى إنه حق له.
قلتُ: فيُعايَى بها.
وقد ذكر ابنُ عَقِيلٍ في «أغْصانِ الشَّجَرَةِ»، عن أصحابِنا: [إنَّ ما] 87 يشُقُّ رَفْعُه إلى الحاكمِ، لا يُرْفعُ.
الثَّانيةُ، قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: له أنْ ينْتَهِرَ الخَصْمَ إذا الْتَوَى، ويَصِيحَ عليه، وإنِ استَحَق التعْزِير، عزَّرَه بما يرَى.

الجزء: 28 - الصفحة: 331

وَإذَا وُلِّيَ فِي غَيرِ بَلَدِهِ، سَألَ عَمَّنْ فِيهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْفُضَلَاءِ والْعُدُولِ.
وَيُنْفِذُ عِنْدَ مَسِيرِهِ مَنْ يُعْلِمُهُمْ يَوْمَ دُخُولِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ.
وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ يَوْمَ الْاثْنَينِ أو الْخَمِيسِ أو السَّبْتِ لَابِسًا أجْمَلَ ثِيَابِهِ،  قوله: ويُنْفِذُ عِنْدَ مَسِيرِه مَن يُعْلِمُهُم يَوْمَ دُخُولِه ليَتَلَقَّوْه.
هذا المذهبُ.
أعْنِي أنَّه يُرْسِلُ إليهم يُعْلِمُهم بدُخولِه مِن غيرِ أنْ يأمُرَهم بتَلَقيه.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال جماعَة مِن الأصحابِ: يأمُرُهم بتَلَقِّيه.
قلتُ: منهم صاحِبُ «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ».
قوله: ويَدْخُلُ البَلَدَ يَوْمَ الاثْنَين أو الخَمِيسِ أو السبْتِ.
وهو المذهبُ.
يعْنِي

الجزء: 28 - الصفحة: 332

فَيَأتِي الْجَامِعَ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَينِ، وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
أنَّه بالخِيَرَةِ في الدُّخولِ في هذه الأيَّامِ.
وجزَم به في «المُحَرُّرِ»، و «النظْمِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي»، و «الوَجيزِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهم.
وقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وذكَر جماعَةٌ مِن الأصحابِ، يدْخُلُ يَوْمَ الاثْنَينِ، فإنْ لم يقْدِرْ، فيَوْمَ الخميسِ، منهم صاحِبُ «المُذْهَبِ».
وقال في «الهِدايةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم: فإنْ لم يقدرْ أنْ يدْخُلَ يَوْمَ الاثْنَينِ، فيَوْمَ الخميس أو السَّبْتِ.
قال في «التبصِرَةِ»: يدْخُلُ ضَحْوَة، لاسْتِقْبالِ الشهْرِ.
قال في «الفُروعِ»: وكانَ استِقْبالُ الشَّهْرِ تفَاؤلًا، كأوَّلِ النَّهارِ، ولم يَذْكُرْهما 88 الأصحابُ.
قوله: لابِسًا أجْمَلَ ثِيابِه.
قال في «التبصِرَةِ»: وكذا أصحابُه.
وقال أيضًا:

الجزء: 28 - الصفحة: 333

فَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أمر بِعَهْدِهِ فَقُرِئَ عَلَيهِمْ، وَأمرَ مَنْ يُنَادِي: مَنْ لَهُ حَاجَة، فَلْيَحْضُرْ يَوْمَ كَذَا.
ثُمَّ يَمْضِي إِلَى مَنْزِلِهِ، ويُنْفِذ فَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الحُكْمِ مِنَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ.
تكونُ ثِيابُهم كلُّها سُودًا، وإلَّا فالعِمامَةُ.
وقال في «الفُروعِ»: وظاهرُ كلامِهم، غيرُ السوادِ أوْلَى؛ للأخْبارِ 89. فوائد؛ الأولَى، لا يَتَطيَّرُ بشيء، وإنْ تَفَاءَلَ فحَسَنٌ.
الثانيةُ، قولُه: ويَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فإذا اجْتَمَعَ الناسُ، أمَرَ بعَهْدِه فقُرِئ عليهم.
بلا نِزاعٍ.
قال في «التبصِرَةِ»: وَلْيُقِلَّ مِن كلامِه إلَّا لحاجَة.
الثَّالثةُ، قولُه: ويُنْفِذُ فيَتَسَلَّمُ دِيوانَ الحُكْمِ مِن الَّذِي كانَ قَبْلَه.
بلا نِزاع.
قال في «التبصِرَةِ»: وَلْيَأمُرْ كاتِبًا ثِقَة يُثْبِتُ ما تَسَلَّمَه بمَحْضَرِ عَدْلَين.

الجزء: 28 - الصفحة: 334

ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَعَدَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ، عَلَى أعدَلِ أحْوَالِهِ، غيرَ غَضْبَانَ، وَلَا جَائِعٍ، وَلَا شَبْعَان، وَلَا حَاقِنٍ، وَلَا مَهْمُوم بِأمْر يَشْغَلُهُ عَنِ الفَهْمِ، فَيُسَلِّمُ عَلَى  الرابعةُ، دِيوانُ الحُكْمِ؛ هو ما فيه محاضِرُ وسِجِلات وحُجَج وكُتُبُ وَقْفٍ، ونحوُ ذلك ممَّا يتعَلقُ بالحُكْمِ.
تنبيه: ظاهرُ قوْلِه: ويُسَلِّمُ على مَن يمُرُّ به.
ولو كانُوا صِبْيانًا.
وهو صحيحٌ.
صرَّح به الأصحابُ.

الجزء: 28 - الصفحة: 335

مَنْ يَمُرُّ بِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ فِي مَجْلِسِهِ، وَيُصَلِّي تَحِيَّةَ المَسْجِدِ إنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ، وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ،  فائدتان؛ إحْداهما، قولُه: ويُصَلي تَحِيةَ المسْجِدِ إنْ كانَ في مَسْجِدٍ.
بلا نِزاع.
فإنْ كانَ في غيرِه خُيِّرَ، والأفْضَلُ الصَّلاةُ.
الثانيةُ، أفادَنا المُصَنفُ أنه يجوزُ القَضاءُ في الجَوامِعِ والمَساجِدِ.
وهو صحيحٌ، ولا يُكْرَهُ.
قاله الأصحابُ.
قوله: ويَجْلِسُ على بِساطٍ.
ونحوه.
وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: والأشْهَرُ، ويجْلِسُ على بِساطٍ ونحوه.
وجزَم به في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقال في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما: على

الجزء: 28 - الصفحة: 336

وَيَسْتَعِينُ بِاللهِ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَيَدْعُوهُ سِرًّا أن يَعْصِمَهُ مِنَ الزَّلَلِ، وَيُوَفِّقَهُ لِلصَّوَابِ، ولِمَا يُرْضِيهِ مِنَ القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَيَجْعَلُ مَجْلِسَهُ فِي مَكَانٍ فسِيحٍ؛ كَالْجَامِعِ، وَالْفَضَاءِ، وَالدَّارِ الْوَاسِعَةِ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ إنْ أمْكَنَ.
بِساطٍ.
وقال في «الهِدايَةِ» وغيره: على بِساطٍ أو لِبْدٍ 90 أو حَصِيرٍ.
فائدة: قولُه: ويَجْعَلُ مَجْلِسَه في مَكانٍ فَسِيحٍ؛ كالجامِعِ، والفَضاءِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والدَّارِ الواسِعَةِ.
بلا نِزاع، ولكِنْ يصُونُه عمَّا يُكْرَهُ فيه.
ذكَره في «المُوجَزِ» 91، وهو كما قال.

الجزء: 28 - الصفحة: 338

وَلَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا، إلَّا فِي غَيرِ مَجْلِس الحُكْمِ إن شَاءَ.
قوله: ولا يَتخِذُ حاجِبًا ولا بَوابًا، إلا في غيرِ مَجْلِس الحُكْمِ إنْ شاءَ.
مُرادُه، إذا لم يكُنْ عُذْرٌ، فإنْ كانَ ثَمَّ عُذْرٌ، جازَ اتخاذُهما.
إذا عَلِمْتَ

الجزء: 28 - الصفحة: 339

وَيَعْرِضُ الْقَصَصَ، فَيَبْدأ بِالأوَّلِ فَالأوَّلِ، وَلَا يُقَدِّمُ السَّابِقَ فِي أكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ حَضَروا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا، قَدَّمَ أحدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ.
ذلك 92، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنه لا يتَّخِذُهما في مَجْلِسِ الحُكْمِ مِن غيرِ عُذْرٍ.
قال ابنُ الجَوْزِيِّ في «المُذْهَبِ»: يتْرُكُهما نَدْبًا.
وقال في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: ليسَ له تأخِيرُ الحُضورِ إذا تَنازَعُوا إليه بلا عُذْر، ولا له أنْ يحْتَجِبَ إلا في أوْقاتِ الاسْتِراحَةِ.
فائدة: قولُه: ويَعْرِضُ القَصَصَ، فيَبْدَأ بالأوَّلِ فالأوَّلِ.
قال في «المُسْتَوعِبِ»: يَنْبَغِي أنْ يكونَ على رَأسِه مَن يُرَتِّبُ النَّاسَ.
فائدة: قولُه: ولا يُقَدِّمُ السَّابِقَ في أكْثَرَ مِن حُكُومَةٍ واحِدَةٍ.
واعلمْ أنَّ تقْدِيمَ السَّابِقِ على غيرِه واجِبٌ.
على الصحيحِ مِن المذهبِ.
جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
ليقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وجزَم في «عُيونِ المَسائلِ» بتَقْديم مَنْ له بَينة، لِئَلا تُضْجَرَ بَيِّنتُه.
وجَعَله في «الفُروعِ» توْجِيهًا.
وقال في «الرّعايةِ»: ويُكْرَهُ تقْديمُ مُتَأخّر.
قوله: فإنْ حَضَرُوا دَفْعَة واحِدَة وتَشاحُّوا، قَدمَ أحَدَهم بالقُرْعَةِ.
هذا المذهبُ

الجزء: 28 - الصفحة: 340

وَيَعْدِلُ بَينَ الْخَصْمَينِ فِي لَحْظِهِ، وَلَفْظِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَالدُّخُولِ عَلَيهِ، إلَّا أنْ يَكُونَ أحَدُهُمَا كَافِرًا، فَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ عَلَيهِ فِي الدُّخُولِ، وَيَرْفَعُهُ فِي الجُلُوسِ.
وَقِيلَ: يُسَوِّي القُرْعَةُ.
مُطْلَقًا.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «مُنْتَخَبِ الأَدَمِي».
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وذكَر حماعَة مِن الأصحابِ، يُقَدِّمُ المُسافِرَ المُرْتَحِلَ.
قلتُ: منهم صاحِبُ «المُحَررِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وقال ذلك في «الكافِي»، مع قِلتِهم.
زادَ في «الرِّعايةِ»، والمَرْأةَ لمَصْلَحَةٍ.
قوله: ويَعْدِلُ بينَ الخَصْمَين في لَحْظِه، ولَفْظِه، ومَجْلِسِه، والدُّخُولِ عليه.
يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مُرادُه أنَّ ذلك واجِبٌ عليه.
وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»:

الجزء: 28 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَلْزَمُه، في الأصح، العَدْلُ بينَهما في لَحْظِه، ولَفْظِه، ومَجْلِسِه والدُّخولِ عليه.
وجزَم به في «الشرْحِ».
وقيلَ: لا يَلْزَمُه، بل يُسْتَحَبُّ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ المُصَنفِ.
وقدَّمه في «الرعايةِ الكُبْرى».
قوله: إلَّا أنْ يَكُونَ أحَدُهما كافِرًا، فيُقَامُ المُسْلِمَ في الدُّخُولِ، ويَرْفَعُه في الجُلُوسِ.
هذا المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»: والأشْهَرُ، يُقَدم مُسْلِمٌ على كافر، دُخُولًا وجُلُوسًا.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا أوْلَى.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِي»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، وغيرِهم.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «المُنَورِ» في الدُّخولِ.
وجزَم به في «الخُلاصةِ»، في المَجْلِس، وصحَّحَه في الرَّفْعِ.
وقدَّمه فيهما في «الشَّرْحِ».
وصححه في «النَّظْمِ».
وقدَّمه في الدُّخولِ فقطْ في «الرعايةِ الصُّغْرى».
وقيل: يُسَوي بينَهما في ذلك أيضًا.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وقدَّمه في «الهِدايةِ» في الجُلُوسِ.
وأطْلَقَهما في رَفْعِه في «المُحَرَّرِ»، و «الرعايةِ الصُّغْرى»،

الجزء: 28 - الصفحة: 342

بَينَهُمَا.
وَلَا يُسَارُّ أحَدَهُمَا، وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ، وَلَا يُضِيفُهُ،  وأطْلَقَهما فيهما في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقال في «المُغْنِي» 93: يجوزُ تقْدِيمُ المُسْلِمِ على الكافِرِ في الجُلُوسِ.
وظاهِرُ كلامِه، أنَّه يُسَوِّي بينَهما في الدُّخولِ.
وفي «الرِّعايةِ» قولٌ عكْسُه.
قالي ابنُ رَزِين في «مُخْتَصَرِه»: يُسَوِّي بينَ الخَصْمَينِ في مَجْلِسِه ولَحْظِه ولَفْظِه ولو ذِمِّي، في وَجْهٍ.
فظاهِرُه دُخولُ اللَّحْظِ واللَّفْظِ في الخِلافِ.
فتلَخَّصَ لنا في المَسْألةِ ثَلاثة أقْوالٍ؛ التقْدِيمُ مُطْلَقًا، ومَنْعُه مُطْلَقًا، والتَّقْدِيمُ في الدخولِ دُونَ الرَّفْعِ.
وظاهِرُ «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي» قَوْلٌ رابعٌ، وهو التَّقْديمُ في الرَّفْعِ دُونَ الدُّخولِ.
فائدة: لو سلم أحَدُ الخَصْمَين على القاضي، رَدَّ عليه.
وقال في «التَّرْغيبِ»: يصْبِرُ حتى يُسلمَ الآخَرُ ليَرُدَّ عليهما معًا، إلى أنْ يتَمادى عُرْفًا.
وقال في «الرعايةِ»: وإنْ سلَّما معًا، رَدَّ عليهما معًا، وإنْ سلَّم أحَدُهما قبلَ دُخولِ خَصْمِه أو معه، فهل يَرُدُّ عليه قبلَه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
انتهى.
وله القِيامُ السَّائِغُ وتَرْكُه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: يُكْرَهُ القِيامُ لهما، فإنْ قامَ لأحَدِهما، قامَ للآخَرِ، أو اعْتَذَرَ إليه.
قاله في «الرعايةِ».
تنبيه: قولُه: ولا يُسَارُّ أحَدَهما، ولا يُلَقنُه حُجَّتَه، ولا يُضِيفُه.
يعْنِي، يَحْرُمُ

الجزء: 28 - الصفحة: 343

وَلَا يُعَلِّمُهُ كَيفَ يَدَّعِي، فِي أحدِ الوَجْهَينِ.
وَفِي الآخَرِ، يَجُوزُ لَهُ تَحْرِيرُ الدَّعْوَى لَهُ، إِذَا لَمْ يُحْسِنْ تَحْرِيرَهَا.
وَلَهُ أنْ يَشْفَعَ إلَى خَصْمِهِ لِيُنْظِرَهُ، أوْ لِيَضَعَ عَنْهُ، وَيَزِنَ عَنْهُ.
عليه ذلك.
قاله الأصحابُ.
قوله: ولا يُعَلمُه كَيفَ يدعِي، في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الرعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الحاوي».
وفي الآخَرِ، يجوزُ له تحْرِيرُ الدَّعْوَى إذا لم يُحْسِنْها.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشرْحِ»، و «النظْمِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».

الجزء: 28 - الصفحة: 344

وَيَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ،  تنبيه:.
مَحَل الخِلافِ، إذا لم يَلْزَمْ ذِكْرُه، فأمَّا إنْ لَزِمَ ذِكْرُه في الدَّعاوَى -كشَرْطِ عَقْدٍ، أو سبَب ونحوه- ولم يذْكُرْه المُدَّعِي، فله أنْ يسْألَ عنه ليَتَحَرَّزَ عنه.
قوله: وله أنْ يَشْفَعَ إلى خَصْمِه ليُنْظِرَه، أو يَضَعَ عَنْه، ويَزِنَ عنه.
يجوزُ للقاضي أنْ يشْفَعَ إلى خَصْمِ المُدَّعَى عليه لينظِرَه، بلا خِلافٍ أعْلَمُه، ويجوزُ له أنْ يشْفَعَ ليَضَعَ عنه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قال في «الفُروع»: له ذلك على الأصحِّ.
قال في «تَجْريدِ العِنايةِ»: له ذلك على الأظْهَرِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «شرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الشَّرْحِ»، و «لهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ».
وعنه، ليسَ له ذلك.
وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الكافِي».
ويجوزُ له أنْ يَزِنَ عنه أيضًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه الأصحابُ.
وقطَع به كثير منهم.
وفيه احْتِمال لصاحبِ «الرِّعايةِ الكُبْرى»، لا يجوزُ ذلك.
وما هو ببَعيدٍ.
قوله: ويَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَه الفُقَهاءَ مِن كُلِّ مذهب، إنْ أمْكَنَ، ويُشاورَهم فِيما يُشْكِلُ عليه -لاستِخْراجِ الأدِلَّةِ، وتعَرُّفِ الحقِّ بالاجْتِهادِ.
قال

الجزء: 28 - الصفحة: 345

إنْ أمْكَنَ، وَيُشَاورَهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيهِ،  الإمامُ أحمدُ: ما أحْسَنَه لو فعَلَه الحُكَّامُ، يُشاورُونَ وينْتَظِرونَ -فإنِ اتَّضَحَ له،

الجزء: 28 - الصفحة: 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَكَمَ، وإلَّا أخَّرَه.

الجزء: 28 - الصفحة: 347

فَإن اتَّضَحَ لَهُ، حَكَمَ، وَإلَّا أخَّرَهُ.
وَلَا يُقَلِّدُ غَيرَهُ وإنْ كَانَ أعلَمَ مِنْهُ.
قوله: ولا يُقَلدُ غيرَه وإنْ كانَ أعْلَمَ منه.
يَحْرُمُ عليه أنْ يقَلِّدَ غيرَه -على الصحيحِ مِن المذهبِ- وإنْ كان أعْلَمَ منه.
نقَل ابنُ الحَكَمِ، عليه أنْ يَجْتَهِدَ.
ونقَل أبو الحارِثِ، لا تُقَلِّدْ أمْرَكَ أحدًا، وعليكَ بالأثرِ.
وقال الفَضْلُ بنُ زِيادٍ: لا تقَلدْ دِينَكَ الرِّجال؛ فإنهم لنْ يسْلَمُوا أنْ يغْلَطُوا.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْح ابنِ مُنَجَّى»، و «االوَجيزِ»، و «المُحَررِ»، و «النَّظْمِ»، و «المُنَورِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِي»، و «تَذْكِرَةِ

الجزء: 28 - الصفحة: 348

وَلَا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبانُ، ولَا حَاقِن، وَلَا فِي شِدَّةِ الْجُوعِ،  ابنِ عَبْدُوس»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وعنه، يجوزُ.
قال أبو الخَطَّابِ: وحكَى أبو إسْحَاقَ الشِّيرازِيُّ: إنَّ مذهَبَنا جَوازُ تقْليدِ العالِمِ للعالِمِ 94. قال: وهذا لا نعْرِفُه عن أصحابِنا.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ، إنْ كانتِ العِبادَةُ ممَّا لا يجوزُ تأخِيرُها -كالصَّلاةِ- فَعَلَها بحسَبِ حالِه، ويُعيدُ إذا قَدَرَ، كمَنْ عَدِمَ الماءَ والتُّرابَ، فلا ضَرُورَةَ إلى التَّقْليدِ.
وقال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: وإنْ كان الخَصْمُ مُسافِرًا يَخافُ فَوْتَ رُفْقَتِه، احْتَمَلَ وَجْهَين.
وتقدَّم ذلك في أوائلِ أحْكامِ المُفْتِي، في البابِ الذي قبلَه.
فائدة: لو حَكَمَ ولم يجْتَهِدْ، ثم بانَ أنَّه حَكَمَ بالحقِّ، لم يصِحَّ.
ذكَرَه ابنُ عَقِيل في القَصْرِ مِنَ «الفُصولِ».
قلتُ: لو خرَّج الصِّحةَ على قولِ القاضي أبي الحُسَينِ، فيما إذا اشْتَبَهَ الطاهِرُ بالطَّهُورِ، وتوَضأ مِن واحدٍ فقطْ، فظَهَرَ أنه الطهُورُ، لَكانَ له وَجْه.
تنبيه: قولُه: ولا يَقْضِي وهو غَضْبانُ، ولا حاقِنٌ -وكذا أو حاقِبٌ 95 - ولا

الجزء: 28 - الصفحة: 349

وَالْعَطَشِ، وَالْهَمِّ، وَالْوَجَعِ، والنُّعَاسِ، وَالبَردِ المُؤلِمِ، وَالحَرِّ المُزْعِجِ.
فَإِنْ خَالفَ، وَحَكَمَ فَوَافَقَ الْحَق، نفَذَ حُكْمُهُ.
وَقَال القَاضِي: لَا يَنْفُذُ.
وَقِيلَ: إِنْ عَرَضَ ذَلِكَ بَعْدَ فَهْمِ الْحُكْمِ، جَازَ، وَإلَّا فَلَا.
في شِدةِ الجُوعِ، والعَطَشِ، والهَمِّ، والوَجَعِ، والنُّعاسِ، والبَرْدِ المُؤلِمِ، والحَرِّ المُزْعِجِ.
وكذا في شِدةِ المرَضِ والخَوْفِ، والفَرَحِ الغالبِ، والمَلَلِ، والكَسَلِ، ونحوه.
ومُرادُه بالغَضَبِ، الغضَبُ الكثيرُ.
وكلامُ الأصحابِ في ذلك مُحْتَمِل للكراهَةِ والتَّحْريمِ.
وصرح أبو الخَطَّابِ في «انْتِصارِه» بالتَّحْريمِ.
قلتُ: والدَّليلُ في ذلك يقْتضِيه، وكلامُهم إليه أقْرَبُ.
وقال

الجزء: 28 - الصفحة: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الزَّرْكَشِي: وظاهرُ كلامِ الخِرَقِي وعامَّةِ الأصحابِ، أنَّ المَنْعَ مِن ذلك على سَبِيلِ التَّحْريمِ.
وذكَر ابنُ البَنا في «الخِصَالِ» الكراهَةَ، فقال: إنْ كان غَضْبانَ، أو جائِعًا، كُرِهَ له القَضاءُ.
وقال في «المُغْنِي» 96: لا خِلافَ نَعْلَمُه 97، أنَّ القاضيَ لا يَنْبَغِي له أنْ يقْضِيَ وهو غَضْبانُ.

الجزء: 28 - الصفحة: 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فائدة: كانَ للنَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أنْ يقْضِيَ في حالِ الغضَبِ دُونَ غيرِه.
ذكَره ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ» في كتابِ الطلاقِ.
قوله: فإنْ خالفَ وحَكَمَ فوافَقَ الحَقَّ، نَفَذَ حُكْمُه.
وهذا المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: نفَذَ في الأصحِّ.
قال في «تَجْريدِ العِنايةِ»: نفَذَ في الأظْهَرِ.
واخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، جزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَورِ» 98، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشرْحِ» ونَصَراه، و «المُحَررِ»، و «النظْمِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجى»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، وغيرِهم.
وقال القاضي: لا ينْفُذُ -وهذا ممَّا يُقَوِّي التَّحْرِيمَ- وقيل:.
إنْ عرَض له بعدَ أنْ فَهِمَ الحُكْمَ، نفَذ، وإلَّا فلا.
وتقدَّم نظِيرُ ذلك في المُفْتِي، في البابِ الذي قبلَه، في أوائلِ (1) أحْكامِ المُفْتِي.

الجزء: 28 - الصفحة: 352

وَلَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَرْتَشيَ، وَلَا يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ إلا مِمَّنْ كَانَ يُهْدِي إلَيهِ قَبْلَ ولايتهِ، بِشرْطِ أنْ لَا يَكُونَ لَهُ حُكُومَة.
قوله: ولا يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ إلا مِمَّنْ كانَ يُهْدِي إليه قَبْلَ ولايته، بشَرْطِ أنْ لا يكُونَ له حُكُومَة.
وهذا المذهبُ.
قاله في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعليه جماهيرُ

الجزء: 28 - الصفحة: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأصحابِ.
قال في «القاعِدَةِ الخَمْسِين بعدَ المِائَةِ»: منَع الأصحابُ مِن قَبُولِ القاضي 99 الهَدِيّةَ 100. وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النظْمِ»، و «الرعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الرّعايةِ الكُبْرى».
وقيل:

الجزء: 28 - الصفحة: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  له أنْ يقْبَلَها ممَّنْ كان يُهْدِي إليه قبلَ ولايته، ولو كان له حُكُومَة.
قلتُ: وهو بعيدٌ جِدًّا.
وقال أبو بَكْر في «التنبِيهِ»: لا يقْبَلُ الهَدِيَّةَ 101. وأطْلَقَ.
وذكَر جماعَة مِن الأصحابِ، لا يقْبَلُ الهَدِيَّةَ ممنْ كانَ يُهْدِي إليه قبلَ ولايته إذا أحَسَّ أنَّ له حُكُومَةً.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرعايةِ»، وغيرِهم.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»: ولا يقْبَلُ الهَدِيَّةَ إلا مِن ذِي رَحِم مَحْرَم منه.
وما هو ببَعِيدٍ.
وقال القاضي في «الجامِعِ الصغِيرِ»: يَنْبَغِي أنْ لا يقْبَلَ هَدِيَّةً إلَّا مِن صَديق كانَ يُلاطِفُه قبلَ ولايته، أو ذِي رَحِم مَحْرَم منه، [بعدَ أنْ لا] 102 يكونَ له (3) خَصْم.
انتهى.
وعِبارَتُه في «المُسْتَوْعِبِ» قرِيبة مِن هذه.
وذكَر في «الفُصولِ» احْتِمالًا، أن القاضيَ في غيرِ عَمَلِه كالعادَةِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فوائد؛ الأولى، حيثُ قُلْنا بجَوازِ قبولِها، فرَدُّها أوْلَى، بل يُسْتَحَبُّ.
صرَّح به القاضي وغيرُه.
قال في «الفُروعِ»: ردُّها أوْلَى.
وقال ابنُ حَمْدانَ: يُكْرَهُ أخْذُها.
الثانيةُ، لَا يَحْرُمُ على المُفْتِي أخْذُ الهَدِيَّةِ.
جزَم به في «الفُروعِ» وغيرِه.

الجزء: 28 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال في «آدابِ المُفْتِي»: وأمَّا الهَدِيَّةُ، فله قَبُولُها.
وقيلَ: يَحْرُمُ إذا كانتْ رِشْوَةً على أنْ يُفْتِيَه بما يريدُ.
قلتُ: أو يكونُ له فيه نَفْعٌ، مِن جَاهٍ أو مالٍ، فيُفْتِيه لذلك بما لا يُفْتِي به غيرَه ممَّنْ لا ينْتَفِعُ به كنَفْعِ الأوَّلِ.
انتهى.
وقال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: وله قَبُولُ هَدِيةٍ.
والمُرادُ، لا ليُفْتِيَه بما يريدُه، وإلا حَرُمَتْ.
زادَ بَعْضُهم: أو لنَفْعِه بجَاهِه أو مالِه.
وفيه نظَرٌ.
ونقَل المَرُّوذِي، لا يقْبَلُ هَدِيةً إلَّا أنْ يُكافِئ.
وقال: لو جعَل للمُفْتِي أهْلُ بَلَدٍ رِزْقًا ليَتَفَرَّغَ لهم، جازَ.
وقال في «الرِّعايةِ»: هو بعيدٌ، وله أخْذُ الرزْقِ مِن بَيتِ المالِ.
وتقدَّم أن للحاكمِ طَلَبَ الرِّزْقِ له ولأمَنائِه، وهل يجوزُ له الأخْذُ، إذا لم يَكُنْ له ما يكْفِيه، أم لا؟ وكذلك المُفْتِي، في أوائلِ بابِ القَضاءِ.
الثَّالثةُ، الرشْوَةُ؛ ما يُعْطَى بعدَ طَلَبِه، والهَدِيَّةُ؛ الدَّفْع إليه ابْتِداءً.
قاله في «التَّرْغيبِ».
ذكَرَه عنه في «الفُروعِ» في بابِ حُكْمِ الأرَضِين المَغْنُومَةِ.
الرَّابعةُ، حيثُ قُلْنا: لا يقْبَلُ الهَدِيَّةَ.
وخالفَ وفَعَل، أخِذَتْ منه لبَيتِ المالِ

الجزء: 28 - الصفحة: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على قولٍ؛ لخَبَرِ ابنِ اللُّتْبِيَّةِ.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقيل: تُرَدُّ إلى صاحِبِها، كمَقْبُوض بعَقْدٍ فاسدٍ.
وهو الصَّحيحُ.
قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقيل: يَمْلِكُها 103 إنْ عجَّلَ مُكافَأتها.
وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ».
فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، تُؤخَذُ هَدِيَّةُ العامِلِ للصدَقاتِ.
ذكَرَه القاضي.
واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ»، وقال: فدَل أنَّ في انْتِقالِ المِلْكِ في الرشْوَةِ والهَدِيَّةِ وَجْهَين.
قال: ويتَوَجَّهُ، أنَّ ما في «الرعايةِ»، أنَّ الساعِيَ يعْتَد لرَب المالِ بما أهْدَاه إليه، نصَّ عليه.
وعنه، لا.
مأخَذُه ذلك: ونقَل مُهَنَّا في مَن اشْتَرَى مِن وَكيل، فوَهَبَه شيئًا، أنَّه للمُوَكلِ.
وهذا يدُلُّ لكلامِ القاضي المُتَقَدمِ، ويتَوَجهُ فيه، في نَقْلِ المِلْك الخِلافُ.
وجزَم به ابنُ تَمِيم في عامِلِ الزَّكاةِ، إذا ظَهَرَتْ خِيانته برِشْوَةٍ أو هَدِيةٍ، أخَذَها الإمامُ [لا أرْبابُ] 104 الأمْوالِ.
وتَبِعَه في «الرعايَةِ»، ثم قال: قلتُ: إنْ عُرِفُوا، رُدَّ إليهم.
قال الإمامُ

الجزء: 28 - الصفحة: 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أحمدُ، في مَن وَلِيَ شيئًا مِن أمْرِ السُّلْطانِ: لا أحِبُّ له أنْ يقْبَلَ شيئًا؛ يُرْوَى: «هَدَايا الأمَراء غُلُول» 105. والحاكِمُ خاصَّةً لا أُحِبُّه له، إلَّا ممَّنْ كانَ له به خُلْطَة ووُصْلَةٌ ومُكافَأَة قبلَ أنْ يلِيَ.
واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحِمَه اللهُ، في مَن كسَبَ مالًا مُحَرَّمًا برِضَى الدَّافِعِ، ثم تابَ؛ كثَمَنِ خمْر ومَهْرِ بَغِيّ، وحُلْوانِ كاهِن، أنَّ له ما سَلَفَ.
وقال أيضًا: لا ينْتَفِعُ به ولا يرُدُّه، لقَبْضِه عِوَضَه، ويتَصَدَّقُ به، كما نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، رحِمَه اللهُ، في حامِلِ الخَمْرِ.
وقال في مالٍ مُكْتَسَبٍ مِن خمْر ونحوه: يتَصَدَّقُ به، فإذا تصَدَّقَ به، فلِلْفَقِيرِ أكلُه، ولوَلِيِّ الأمْرِ أنْ يُعْطِيَه لأعْوانِه.
وقال أيضًا في مَن تابَ: إنْ عَلِمَ صاحِبَه، دفَعَه إليه، وإلَّا دفَعَه في مَصالحِ المُسْلِمين، وله -مع حاجَتِه- أخْذُ كِفايته.
وقال في الرَّدُّ على الرَّافِضِي، في بَيع سَلاح في فِتْنَةٍ وعِنَبٍ لخَمْرٍ: يتَصَدَّق بثَمَنِه.
وقال: هو قولُ مُحَققِي الفُقَهاءِ.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال، وقوْلُه مع الجماعَةِ أوْلَى.
وتقدَّم ما يقْرُبُ مِن ذلك في بابِ الغصْبِ، عندَ قوْلِه: وإنْ بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوب لا يعْرِفُ أرْبابَها.
الخامسةُ، لا يجوزُ إعْطاءُ الهَدِيَّةِ لمَن يشْفَعُ عندَ السُّلْطانِ ونحوه.
ذكَرَه القاضي، وأوْمَأ إليه؛ لأنها كالأجْرَةِ، والشَّفاعَةُ مِن 106 المَصالحِ العامَّةِ، فلا يجوزُ أخْذُ الأجْرَةِ عليها 107، وفيه حدِيث صَرِيحٌ في السُّنَنِ 108. ونصُّ الإمامُ أحمدُ،

الجزء: 28 - الصفحة: 359

وَيُكْرَهُ أنْ يَتَوَلَّى الْبَيعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ، وَيُستَحَبُّ أنْ يُوَكِّلَ فِي ذلِكَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أنَّهُ وَكِيلُهُ.
رحِمَه اللهُ، في مَن عندَه وَدِيعَة فأدَّاها فأهْدِيَتْ إليه هَدِّيةٌ، أَنه لا يقْبَلُها إلَّا بنِيَّةِ المكافَأةِ.
وحُكْمُ الهَديةِ عندَ سائرِ الأماناتِ كحُكْمِ الوَدِيعَةِ.
قاله في «القاعِدَةِ الخَمْسِين بعدَ المِائَةِ».
قوله: ويُكْرَهُ أنْ يَتَوَلَّى الْبَيعَ والشراءَ بنَفْسِه، ويُسْتَحَبُّ أنْ يُوكِّلَ في ذلكَ مَن لا يُعْرَفُ أنه وَكِيلُه.
وهذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»،

الجزء: 28 - الصفحة: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «الشَّرْح»، و «الوَجيزِ»، وغيرُهم مِن الأصحابِ.
وقدمه في «الفُروعِ».
وجعَلَها الشَّرِيفُ وأبو الخَطَّابِ كالهَدِيَّةِ.
وجزَم به في

الجزء: 28 - الصفحة: 361

وَيُسْتَحَبُّ لَهُ عِيَادَةُ المَرضَى، وَشُهودُ الجَنَائِزِ، مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنَ الحُكْمِ.
«الرِّعايةِ»، كالوَالِي.
وسأله حَرْبٌ: هل للقاضي والوالِي أنْ يَتَّجِرَ؟ قال: لا.
إلَّا أنَّه شدَّدَ في الوالِي.
فائدة: قولُه: ويُسْتَحَبُّ له عِيادَةُ المَرْضَى، وشُهُودُ الجَنائزِ، ما لم يَشْغَلْه عن الحُكْمِ.
بلا نزاعٍ.
وذكَر في «التَّرْغيبِ»، ويُوَدِّعُ الغازِيَ، والحاجَّ.
قاله في «الرِّعايةِ».
وزادَ، وله زِيارَةُ أهْلِه وإخْوانِه الصُّلَحاءِ، ما لم يشْتَغِلْ عن الحُكم.

الجزء: 28 - الصفحة: 362

وَلَه حُضُورُ الوَلَائِم، فَإِنْ كَثُرَتْ، تَرَكَهَا كُلَّهَا، وَلَمْ يُجِبْ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْض.
قوله: وله حُضُورُ الوَلائِمِ.
يعْنِي، مِن غيرِ كراهَةٍ.
وهو المذهبُ.
قال في «المُحَرر»، و «الفروعِ»، وغيرِهما: هو في الدَّعَواتِ كغيرِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: تُكْرَهُ له المُسارَعَةُ إلى غيرِ وَلِيمَةِ عُرْس، ويجوزُ له ذلك.
وقال في «التَّرْغيبِ»: يُكْرَهُ.
قال في «الرِّعايةِ»: كما لو قصد رِياءً، أو كانتْ لخَصْمٍ.
وقدَّم في «التَّرْغيبِ»، لا يَلْزَمُه حُضورُ وَليمَةِ العُرْسِ.
قوله: فإنْ كَثُرَتْ، ترَكَها كلَّها، ولم يُجِبْ بَعْضَهم دُونَ بعض.
قال القاضي وغيرُه: لا يُجِبْ بعْضَهم دُونَ بعْض بلا عُذْرٍ.
وهو صحيحٌ.
وذكَر المُصَنِّفُ، وصاحِبُ «التَرْغيبِ»، وجماعَة: إنْ كَثُرَتِ الوَلائِمُ، صانَ نفسَه

الجزء: 28 - الصفحة: 363

وَيُوصِي الوُكَلَاءَ وَالْأعْوَانَ عَلَى بَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالخُصُومِ، وَقِلَّةِ الطَّمَعِ، وَيَجْتَهِدُ أن يَكُونُوا شُيُوخًا أوْ كُهُولًا، مِنْ أهْلِ الدِّينِ والعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ.
وَيَتَّخِذُ كَاتِبًا مُسْلِمًا، مُكَلَّفًا، عَدْلًا، حَافِظًا، عَالِمًا، يُجْلِسُهُ بِحَيثُ يُشَاهِدُ مَا يَكتُبُهُ، وَيَجْعَلُ الْقِمَطْرَ مَخْتُومًا بَينَ يَدَيهِ.
وترَكَها.
قال في «الفُروعِ»: ولم يذْكُروا، لو تَضَيَّفَ رَجُلًا.
قال: ولعَل كلامَهم يجوزُ، ويتَوَجَّهُ، كالمُقْرِضِ، ولعَلَّه أوْلَى.
قوله: ويتخِذُ كاتِبًا مُسْلِمًا مُكَلفًا، عَدْلًا، حافِظًا، عالمًا.
ولم يذْكُرْ في

الجزء: 28 - الصفحة: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الفُروعِ»، مُكَلَّفًا.
وقال: ويتَوَجَّهُ فيه ما 109 في عامِلِ الزَّكاةِ.
وقال في «الكافِي»: عارِفًا.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: ويَنْبَغِي أنْ يكونَ وافِرَ العَقْلِ، وَرِعًا، نزِهًا، ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ فَقِيهًا، جَيِّدَ الخَطِّ، حُرا، وإن كانَ عَبْدًا، جازَ.

الجزء: 28 - الصفحة: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فائدة: اتِّخاذُ الكاتِبِ على سَبِيلِ الإباحَةِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
ويَحْتَمِلُه كلامُ المُصنفِ هنا.
واخْتارَ

الجزء: 28 - الصفحة: 366

وَيُسْتَحَبُّ أنْ لَا يَحْكُمَ إلا بحَضْرَةِ الشهُودِ.
وَلَا يَحكُمُ لِنَفْسِهِ، وَلا لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَيَحْكُمُ بَينَهُمْ بَعْضُ خُلَفَائِهِ.
وَقَال أبو بَكْر: يَجُوزُ ذَلِكَ.
المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ أن ذلك مُسْتَحَب.
وجزَم به الزَّرْكَشِي.
قَوله: ولا يَحْكُمُ لنَفْسِه، ولا لمَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له، ويَحْكُمُ بَينَهُمْ بَعْضُ

الجزء: 28 - الصفحة: 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خُلَفائِه.
حُكْمُه لنَفْسِه لا يجوزُ ولا يصِحُّ، بلا نِزاع.
وحُكْمُه لمَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له لا يجوزُ أيضًا، ولا ينْفُذُ.
على الصّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وحكَاه القاضي عِيَاض 110 إجماغا.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال أبو بَكْر: يجوزُ له ذلك.
وهو رِوائة عن الإمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ.
ذكَرها في «المُبْهِجِ».
وقيل: يجوزُ بينَ والِدَيه ووَلَدَيه.
وما هو ببَعيد.
وأطْلَقَ في «المُحَررِ» في جَوازِ حُكْمِه لمَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له وَجْهَين.

الجزء: 28 - الصفحة: 368

فَصْل: وَأوَّلُ مَا يَنظُرُ فِيهِ أمْرُ الْمُحْبَسِينَ، فَيَبْعَثُ ثِقَةً إِلَى  فوائد؛ الأولَى، يَحْكُمُ ليَتيمِه، على قَوْلِ أبي بَكْر.
قاله في «التَّرْغيبِ».
وقيل: وعلى قَوْلِ غيرِه أيضًا.
قال في «الرِّعايةِ»: فإنْ صارَ وَصِيُّ اليَتيمِ حاكِمًا، حَكَمَ له بشُروطِه.
وقيل: لا.
الثَّانيةُ، يجوزُ أنْ يسْتَخْلِفَ والِدَه ووَلَدَه، كحُكْمِه لغيرِه بشَهادَتِهما.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ، وابنُ الراغُونِيِّ، وأبو الوَفاءِ.
وزادَ، إذا لم يتَعَلَّقْ عليهما مِن ذلك تُهْمَة، ولم يُوجِبْ لهما بقَبُولِ شَهادَتِهما رِيبَة، ولم يثْبُتْ بطَريقِ التَّزْكِيَةِ.
وقيل: ليسَ له اسْتِخْلافُهما.
قال في «الرِّعايةِ»: قلتُ: إنْ جازَتْ شَهادَته لهما وتزْكِيَتُهما، جازَ، وإلَّا فلا.
الثَّالثةُ، ليسَ له الحُكْمُ على عَدُوِّه، قوْلًا واحدًا، وله أنْ يُفْتِيَ عليه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيلَ: ليسَ له ذلك.
كما تقدَّم في أحْكامِ المُفْتِي.

الجزء: 28 - الصفحة: 369

الْحَبْسِ، فَيَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ مَحْبُوس، وَمَنْ حَبَسَهُ، وَفِيمَ حَبَسَهُ، فِي رُقْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، ثُمَّ يُنَادِي فِي البلَدِ: إِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي أمرِ الْمُحْبَسِينَ غَدًا، فَمَنْ لَهُ مِنْهُمْ خَصْمٌ فَلْيَحْضُرْ.
فَإذا كَانَ الغَدُ، وَحَضَرَ القَاضِي، أحضَرَ رُقْعَةً، فَقَال: هَذِهِ رُقْعَةُ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، فَمَنْ خَصْمُهُ؟ فَإِنْ حَضَرَ خَصْمُهُ، نَظَرَ بَينَهُمَا.
الرّابعةُ، قولُهْ: فإنْ حَضَرَ خَصْمُه، نَظَرَ بَينَهما.
بلا نِزاع.
فإنْ كانَ حُبِسَ لتُعَدَّلَ البَينةُ، فإعادَتُه مَبْنِيَّة على حَبْسِه في ذلك.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ

الجزء: 28 - الصفحة: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إعادَتُه.
وقال في «الرعايةِ»: تُعادُ 111 إنْ كانَ الأوَّلُ حَكَمَ به، مع أنَّه ذكَر أنَّ إطْلاقَ المَحْبُوسِ حُكْمٌ.
قال في «الفروعِ»: ويتَوَجَّهُ أنَّه كفِعْلِه، وأنَّ مِثْلَه

الجزء: 28 - الصفحة: 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تقْدِيرُ مُدَّةِ حَبسه ونحوُه.
قال: والمُرادُ، إذا لم يأمُرْ ولم يأذَنْ بحَبْسِه وإطْلاقِه، وإلَّا فأمْرُه وإذنهْ حُكْم يرْفَعُ الخِلافَ.
كما يأتِي.

الجزء: 28 - الصفحة: 372

وَإنْ كَانَ حُبِسَ فِي تُهْمَةٍ، أو افْتِيَاتٍ عَلَى القَاضِي قَبْلَهُ، خَلَّى سَبِيلَهُ.
قوله: فإنْ كانَ حُبِس في تُهْمَةٍ، أو افْتِياتٍ على القاضِي قَبْلَه، خلَّى سَبِيلَه.

الجزء: 28 - الصفحة: 373

وَإنْ لَمْ يَحْضُرْ لَهُ خَصْم، وَقَال: حُبِسْتُ ظُلْمًا، وَلَا حَقَّ عَلَيَّ، وَلَا خَصْمَ لِي.
نَادَى بِذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإنْ حَضَرَ لَهُ خَصْم وإلَّا احْلَفَهُ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، وغيرِهم.
قال المُصَنِّفُ، والشارِحُ: لأنَّ المَقْصُودَ بحَبْسِه التأدِيبُ، وقد حصَل.
وقال ابنُ مُنَحى: لأنَّ بَقاءَه في الحَبْس ظُلْم.
قلتُ: في هذا نظَر.
وقال في «المُحَرَّرِ» وغيرِه: وإنْ حَبَسه تَعْزيرًا أو تُهمَةً، خَلَّاه، أو بَقاه بقَدْرِ ما يرَى.
وكذا قال في «الفُروعِ» وغيرِه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
ولعَلَّه مُرادُ مَن أطْلَقَ، وتعْلِيلُ الشارِحِ يدُلُّ عليه.
قوله: وإنْ لم يَحْضُرْ له خَصْم، وقال: حُبِسْتُ ظُلْمًا، ولا حَقَّ عليَّ، ولا خَصْمَ لي.
نادَى بذلك ثَلًالا، فإنْ حضَر له خَصْم وإلَّا أحلَفَه، وخَلَّى سَبِيلَه.
وكذا قال في «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي»، وغيرهم.
وأقَره الشارحُ، وابنُ مُنَجَّى على ذلك.
وقال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُحَررِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم:

الجزء: 28 - الصفحة: 374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نُودِيَ بذلك.
ولم يذْكُروا ثَلًاثًا.
قلتُ: يَحْتَمِلُ أن مُرادَ مَن قيد بالثلاثِ، أنه يَشْتَهِرُ بذلك، ويظْهَرُ له 112 غَرِيمٌ -أنْ كانَ- في الغالِبِ.
ومُرادُ مَن لم يُقَيِّدْ، أنه يُنادَى عليه حتى يغْلِبَ على الظنِّ أنه ليسَ له غَرِيم، ويحْصُلُ ذلك في الغالِبِ في ثَلاثٍ، فيَكونُ المَعْنَى في الحَقِيقَةِ واحِدًا، وكَلامُهم 113 مُتفِق.
لكِنْ حكَى في «الرِّعايتَين» القَوْلَين، وقام عدَمَ التَّقْيِيدِ بالثلاثِ، فظاهِرُه التنافِي بينَهما.
فوائد؛ الأولَى، لو كان خَصْمُه غائِبًا، أبْقاهُ حتى يَبْعَثَ إليه.
على الصحيحِ مِن المذهبِ.
قدمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين».
وقيل: يُخَلِّي سَبِيلَه، كما لو جَهِلَ مَكانَه، أو تَأخرَ بلا عُذْر.
قلتُ: وهو ضعيفٌ.
وقال في «الفُروعِ»: والأوْلَى أنْ لا يُطْلِقَه إلا بكَفِيلٍ.
واخْتارَه في «الرِّعايَةِ».
قلتُ: وهو عَينُ الصوابِ، إذا قُلْنا: يُطْلَقُ.
الثانيةُ، لو حُبِسَ بقِيمَةِ كَلْبٍ، أو خَمْرِ ذِمِّيٍّ، فقيلَ: يُخَلَّى سَبِيلُه.
وقدمه في «الرعايةِ الكُبْرى»، وقال: إنْ صدَّقَه غَرِيمُه.
واخْتارَه القاضي وغيرُه.
وقدَّمه الشارِحُ.
وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «المُغْنِي».
وقيل: يُبَقَّى.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
وقيل: يَقِفُ ليَصْطَلِحا على شيءٍ.
وجزَم في «الفُصولِ»، أنَّه يرْجِعُ إلى رَأيِ الحاكمِ الجديدِ.
الثالثةُ، إطْلاقُ الحاكمِ المحْبوسَ مِن الحَبْسِ أو غيرِه حُكْم.
جزَم به في «الرِّعايةِ»، و «الفُروعِ».
وكذا أمْرُه بإراقَةِ نَبِيذٍ.
ذكَرَه في «الأحْكامِ السُّلْطانِيةِ»، في المُحْتَسِبِ.
وتقدَّم في بابِ الصُّلْعِ، أن إذنه في مِيزابٍ وبِناءٍ

الجزء: 28 - الصفحة: 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وغيرِه يمْنَعُ الضَّمانَ؛ لأنه كإذْنِ الجميعِ.
ومَن منَع؛ فلأنه ليسَ له عندَه أنْ يأذَنَ، لا لأنَّ إذنه لا يرْفَعُ الخِلافَ، ولهذا يرْجِعُ بإذْنِه في قَضاءِ دَين ونفَقَةٍ، وغيرِ ذلك، ولا يضْمَنُ بإذْنِه في النَّفَقَةِ على لَقِيطٍ وغيرِه، بلا خِلافٍ، وإنْ ضَمِنَ لعدَمِها؛ ولهذا إذْنُ الحاكمِ في أمْر مُخْتَلَفٍ فيه، كافٍ بلا خِلاف.
وسَبَق كلامُ الشَّيخِ تَقِيِّ الدينِ، رحِمَه اللهُ، أنَّ الحاكِمَ ليسَ هو الفاسِخَ، وإنَّما يأذَنُ له، ويحْكُمُ به، فمتَى أذِنَ أو حكَمَ لأحَد باسْتِحْقاقِ عَقْدٍ أو فَسْخ، فعَقَدَ أو فَسَخَ، لم يحْتَجْ بعدَ ذلك إلى حُكْم بصِحَّتِه، بلا نِزاعٍ، لكِنْ لو عقَدْ هو أو فسَخَ، فهو فِعْلُه.
وهل فِعْلُه حُكْم؟ فيه الخِلافُ المَشْهورُ.
انتهى.
وقال في «الرِّعايةِ»: وإنْ ثَبَتَ عليه قَوَدٌ لزَيدٍ، فأمَر بقَتْلِه، ولم يقُلْ: حَكَمْتُ به.
أو أمَر رَبَّ الدَّينِ الثابتِ أنْ يأخُذَه مِن مالِ المَدْيونِ، ولم يقُلْ: حكَمْتُ به.
احْتَمَلَ وَجْهَين.
وكذا حَبْسُه، وإذنه في القَتْلِ وأخْذِ الدَّينِ.
انتهى.
الرابعةُ، فِعْلُه حُكْم.
قاله في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقد ذكَر الأصحابُ في حِمَى الأئمةِ، أن اجْتِهادَ الإمامِ لا يجوزُ [نقْضُه، كما لا يجوزُ] 114 نقْضُ حُكْمِه.
وذَكروا -خَلا 115 المُصَنِّفِ- أن المِيزابَ ونحوَه يجوزُ بإذْن، واحْتَجُّوا بنَصْبِه -عليه أفْضَلُ الصلاةِ والسَّلامِ- مِيزابَ العَبَّاسِ، رَضِيَ الله عنْه 116. وقال المُصَنفُ في «المُغْنِي» 117 وغيرِه، في بَيعِ ما فُتِحَ عَنْوَة: إنْ باعَه الإمامُ لمَصْلَحَة رَآها، صحَّ؛ لأنَّ فِعْلَ الإمامِ كحُكْمِ الحاكمِ.
وقال في

الجزء: 28 - الصفحة: 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «المُغْنِي» 118 أيضًا: لا شُفْعَةَ فيها، إلا أنْ يحْكُمَ ببَيعِها حاكِم، أو يفْعَلَه الإمامُ أو نائبُه.
وقال في «المُغْنِي» (1) أيضًا: إنَّ ترْكَها بلا قِسْمَةٍ وَقْفٌ لها، وأنَّ ما فَعَلَه الأئِمَّةُ ليس لأحَدٍ نقْضُه.
واخْتارَ أبو الخَطابِ رِوايةً، أن الكافِرَ لا يَمْلِكُ مال مُسْلِم بالقَهْرِ.
وقال: إنَّما منْعُه منه بعدَ القِسْمَةِ؛ لأنَّ قِسْمَةَ الإمامِ تجْرِي مَجْرَى الحُكْمِ.
انتهى.
وفِعْلُه حُكْم؛ كتَزْويجِ يَتيمَةٍ، وشِراءِ عَين غائبَةٍ، وعَقْدِ نِكاحٍ بلا وَلِيٍّ.
وذكَرَه المُصَنِّفُ في عَقْدِ النِّكاح بلا وَلِيٍّ، وغيرُه.
وذكَرَه الشيخُ تَقِي الدينِ، رحِمَه اللهُ، أصحَّ الوَجْهَين.
وذكَر الأزَجِيُّ -في مَن أقَر لزَيدٍ، فلم يُصَدِّقْه، وقُلْنا: يأخُذُه الحاكِمُ.
ثم ادَّعَاه المُقِرُّ- لم يصِح؛ لأنَّ قَبْضَ الحاكمِ بمَنْزِلَةِ الحُكْمِ بزَوالِ مِلْكِه عنه.
وذكَر الأصحابُ في القِسْمَةِ المُطْلَقَةِ المَنْسِيةِ، أنَّ قُرْعَةَ الحاكِمِ كحُكْمِه لا سَبِيلَ إلى نقْضِه.
وقال القاضي في «التَّعْليقِ»، والمَجْدُ في «المُحَررِ»: فِعْلُه حُكْم -إنْ حكَم به هو أو غيرُه وفاقًا- كفُتْيَاه.
فإذا قال: حَكَمْتُ بصِحَّتِه.
نفَذَ حُكْمُه باتِّفاقِ الأئِمةِ.
قاله الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رحِمَه اللهُ.
وقال [ابنُ القَيِّمِ] 119 في «إعْلامِ المُوَقِّعِينَ»: فُتْيا الحاكِمِ ليستْ حُكْمًا منه، فلو حكَم غيرُه بغيرِ ما أفْتَى، لم يكُنْ نقْضًا لحُكْمِه، ولا هي كالحُكْمِ، ولهذا يجوزُ لنْ يُفْتِيَ للحاضِرِ والغائبِ، ومَن يجوزُ حُكْمُه له ومَن لا يجوزُ.
انتهى.
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»: حُكْمُه يَلْزَمُ بأحَدِ ثلاثةِ ألْفاظٍ: ألزَمْتُكَ.
أو: قَضَيتُ له به عليكَ.
أو: أخْرِجْ إليه منه.
وإقْرارُه ليسَ كحُكْمِه.

الجزء: 28 - الصفحة: 377

ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الأَيتَامِ وَالْمَجَانِينِ وَالوُقُوفِ،  الخامسةُ، قولُه: ثم يَنْظُرُ في أَمْرِ الأَيتامِ والمَجانِينِ والوُقُوفِ.
بلا نِزاعٍ، وكذا الوَصايا.
فلو نفَّذَ الأَوَّلُ وَصِيَّتَه، لم يَعْزِلْه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ معْرِفَةُ أهْلِيَّتِه، لكِنْ يُراعِيه.
قال في «الفُروعِ»: فدَلَّ أنَّ إثْباتَ ضِفَةٍ؛ كعَدالةٍ وجَرْحٍ وأهْلِيَّةِ وَصِيَّةٍ وغيرِها، حُكْمٌ -خِلافًا لمالِكٍ، رحِمَه اللهُ- يقْبَلُه حاكمٌ خِلافًا لمالِكٍ، وأنَّ له إثْباتَ خِلافِه.
وقد ذكَر الأصحابُ أنَّه إذا بانَ فِسْقُ الشَّاهِدِ، يعْمَلُ بعِلْمِه في عَدالتِه، أو يحْكُمُ.
وقال في «الرِّعايتَين» هنا: وينْظُرُ في أمْوالِ الغُيَّابِ.
زادَ في «الكُبْرى»، وكُلِّ ضالَّةٍ ولُقَطَةٍ، حتى الإِبِلِ ونحوها.
انتهى.
وقد ذكَرَ الأصحابُ -منهم المُصَنِّفُ في هذا الكِتابِ، في أواخِرِ البابِ الذي بعدَ هذا- إذا

الجزء: 28 - الصفحة: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ادَّعَى أنَّ أباه ماتَ عنه، وعن أَخٍ له غائبٍ، وله مالٌ في ذِمَّةِ فُلانٍ، أو دَينٌ عليه، وثَبَتَ ذلك، أنَّه يأْخُذُ مال الغائبِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
ويدْفَعُ إلى الأخِ الحاضِرِ نَصِيبَه.
وتقدَّم في بابِ مِيراثِ المَفْقودِ، أنَّ الشَّيخَ تَقِيَّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، قال: إذا حصَل لأَسِيرٍ مِن وَقْفٍ شيءٌ، تَسَلَّمَه وحَفِظَه وَكِيلُه ومَن ينْتَقِلُ إليه جميعًا.
واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ».
السَّادِسَةُ، مَن كانَ مِن أُمَناءِ الحاكمِ للأَطْفالِ، أو الوَصايا التي لا وَصِيَّ لها، ونحوه بحالِه، أقَرَّه؛ لأنَّ الذي قبْلَه وَلَّاه، ومَن فسَقَ، عزَلَه، ويضُمُّ إلى الضَّعِيفِ

الجزء: 28 - الصفحة: 379

ثُمَّ حَال القَاضِي قَبْلَهُ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، لَمْ يَنْقُضْ مِنْ أَحْكَامِهِ إلا مَا خَالفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا.
أمِينًا.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ أنَّها مسْأَلَةُ النَّائبِ.
وجعَل في «التَّرْغيبِ» أُمَناءَ الأَطْفالِ كنائبِه في الخِلافِ، وأنَّه يضُمُّ إلى وَصِيٍّ فاسِقٍ أو ضَعِيفٍ أمينًا، وله إبدْالُه.
تنبيه: ظاهرُ قوْلِه: ثم -يَنْظُرُ في- حالِ القاضِي قبلَه.
وُجوبُ النَّظَرِ في أحْكامِ مَن قبْلَه؛ لأنَّه عطَفَه على النَّظَرِ في أمْرِ الأَيتامِ والمَجانِينِ والوُقوفِ، وتابَع في ذلك صاحِبَ «الهِدايةِ» فيها وغيرَه.
وهو ظاهِرُ «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى».
وقيل: له النَّظَرُ في ذلك مِن غيرِ وُجوبٍ.
وهو المذهبُ.

الجزء: 28 - الصفحة: 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال في «الفُروعِ»: وله -في الأصحِّ- النَّظَرُ في حالِ مَن قبْلَه.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وقُوَّةُ كلامِ الخِرَقِيِّ تقْتَضِي أنَّه لا يجِبُ عليه تتَبُّعُ قَضايا مَن قبْلَه.
وهو ظاهرُ «المُحَرَّرِ».
وقدَّمه الزَّرْكَشِيُّ.
وجزَم به في «الشَّرْحِ».
وقيل: ليسَ له النَّظَرُ في حالِ مَن قبْلَه ألْبَتَّةَ.

الجزء: 28 - الصفحة: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قوله: فإنْ كانَ مِمَّن يَصْلُحُ للقَضاءِ، لم يَنْقُضْ مِن أَحْكامِه إلا ما خالفَ نَصَّ

الجزء: 28 - الصفحة: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كِتابٍ أو سُنَّةً.
كقَتْلِ المُسْلِمِ بالكافِرِ.
نصَّ عليه.
فيَلْزَمُه نقْضُه.
نصَّ عليه.
إذا عَلِمْتَ ذلك، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه ينْقُضُ حُكْمَه إذا خالفَ سُنَّةً، سواءٌ

الجزء: 28 - الصفحة: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كانتْ مُتَواتِرَةً أو آحادًا.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»

الجزء: 28 - الصفحة: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: لا ينْقُضُ حُكْمَه إذا خالفَ سُنَّةً غيرَ مُتَواتِرَةٍ.
قوله: أو إِجْمَاعًا.
الإِجْماعُ إجْماعَان؛ إجْماعٌ قَطْعِيٌّ، وإجْماعٌ ظَنِّيٌّ؛ فإذا خالفَ حُكْمُه إجْماعًا قَطْعِيًّا، نقَضَ حُكْمَه قَطْعًا، وإنْ [كان ظَنِّيًّا] 120، لم يَنْقُضْ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «الفُروعِ».
وقيل: يَنْقُضُ.
وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وكلامِ «الوَجيزِ»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهم مِن الأصحابِ.
تنبيه: صرَّح المُصَنِّفُ، أنَّه لا يُنْقَضُ الحُكْمُ إذا خالفَ القِياسَ.
وهو صحيحٌ.
وهو المذهبُ مُطْلَقًا.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به أكثرُهم.
وقيل: يُنْقَضُ إذا خالفَ قِياسًا جَلِيًّا.
وفاتًا لمالِكٍ والشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُما اللهُ.
واخْتارَه في «الرِّعايتَين».
وقال: أو خالفَ حُكْمَ غيرِه قبْلَه.
قال: وكذا يُنْقَضُ مَن حَكَّمَ نَفْسَه 121، وحاكم مُتَوَلٍّ غيرَه.
وقيل: إنْ خالفَ قِياسًا، أو سُنَّةً، أو

الجزء: 28 - الصفحة: 385

وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ، نَقَضَ أَحْكَامَهُ وَإِنْ وَافَقَتِ الصَّحِيحَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَنْقُضَ الصَّوَابَ مِنْهَا.
إجْماعًا في حُقوقِ اللهِ تعالى -كطَلاقٍ وعِتْقٍ- نقَضَه.
وإنْ كانَ في حقِّ آدَمِيٍّ، لم ينْقُضْه إلَّا بطَلَبِ رَبِّه.
وجزَم به في «المُجَرَّدِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
فائدة: لو حكَمَ بشاهِدٍ ويَمِينٍ، لم يُنْقَضْ.
وذكَرَه القَرَافِيُّ إجْماعًا.
ويُنْقَضُ حُكْمُه بما لم يعْتَقِدْه، وفاقًا للأئمَّةِ الأرْبَعَةِ.
وحكاه القَرَافِيُّ أيضًا إجْماعًا.
وقال في «الإِرْشادِ»: وهل يُنْقَضُ بمُخالفَةِ قوْلِ صَحابِيٍّ 122؟ يتَوَجَّهُ نقْضُه إنْ جُعِلَ حُجَّةً كالنَّصِّ، وإلَّا فلا؟ قال في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والسِّتِّين»: لو حكَم في مسْألَةٍ مُخْتَلَفٍ فيها بما يرَى أنَّ الحقَّ في غيرِه، أَثِمَ وعَصَى بذلك، ولم يُنْقَضْ حُكْمُه، إلَّا أنْ يكونَ مُخالِفًا لنَصٍّ صَريحٍ.
ذكَرَه ابنُ أبي مُوسى.
وقال السَّامَرِّيُّ: يُنْقَضُ حُكْمُه.
نقَل ابنُ الحَكَمِ، إنْ أخَذ بقَوْلِ صَحابِيٍّ، وأخَذَ آخَرُ بقَوْلِ تابِعِيٍّ، فهذا يُرَدُّ حُكْمُه؛ لأنَّه حُكْمٌ تجَوَّزَ وتأَوَّلَ الخَطَأَ.
ونقَل أبو طالِبٍ، فأمَّا إذا أخْطَأَ بلا تأْويلٍ، فليَرُدَّه، ويَطْلُبْ صاحِبَه حتى يَرُدَّه فيَقْضِيَ بحقٍّ.
قوله: وإِنْ كانَ مِمَّن لا يَصْلُحُ، نَقَضَ أَحْكامَه.
هذا المذهبُ.
وعليه أكثرُ

الجزء: 28 - الصفحة: 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأصحابِ.
نقَل عَبْدُ اللهِ، إنْ لم يكُنْ عَدْلًا، لم يُجِزْ حُكْمَه.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال في «تَجْريدِ العِنايةِ»: هذا الأشْهَرُ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَنْقُضَ الصَّوابَ منها.
واخْتارَه المُصَنِّفُ، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وغيرُهم.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه في «التَّرْغيبِ».
وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وأبي بَكْرٍ، وابنِ عَقِيلٍ، وابنِ البَنَّا، حيثُ أَطْلَقوا أنَّه لا يَنْقُضُ مِن الحُكْمِ إلَّا ما خالفَ كِتابًا أو سُنَّةً أو إجْماعًا.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، وعليه عَمَلُ النَّاسِ مِن مُدَدٍ، ولا يسَعُ النَّاسَ غيرُه.
وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، رحِمَهُما اللهُ.
وأمَّا إذا خالفَتِ الصَّوابَ، فإنَّها تُنْقَضُ بلا نِزاعٍ.
قال في «الرِّعايةِ»: ولو ساغَ فيها الاجْتِهادُ.
فائدتان؛ إحْداهما، حُكْمُه بالشَّيءِ حُكْمٌ بلازِمِه.
ذكَرَه الأصحابُ في المَفْقُودِ.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ وَجْهٌ.
يعْنِي؛ أنَّ الحُكْمَ بالشَّيءِ لا يكونُ حُكْمًا بلازِمِه.
وقال في «الانْتِصارِ»، في لِعانِ عَبْدٍ: في إعادَةِ فاسِقٍ

الجزء: 28 - الصفحة: 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  شَهادَتُه لا تُقْبَلُ؛ لأنَّ رَدَّه لها حُكْمٌ بالرَّدِّ، فقَبُولُها نقْضٌ له فلا يجوزُ، بخِلافِ رَدِّ صَبِيٍّ وعَبْدٍ، لإِلْغاءِ قوْلِهما.
وقال في «الانْتِصارِ» أيضًا في شَهادَةٍ في نِكاحٍ: لو قُبِلَتْ، لم يكُنْ نَقْضًا للأَوَّلِ، فإنَّ سَبَبَ الأَوَّلِ الفِسْقُ، وزال ظاهِرًا، لقَبُولِ سائرِ شَهاداتِه.
وإذا تَغَيَّرَتْ صِفَةُ الواقِعَةِ فتَغَيَّرَ القَضاءُ بها، لم يكُنْ نقْضًا للقَضاءِ الأوَّلِ، بل رُدَّتْ للتُّهْمَةِ؛ لأنَّه صارَ خَصْمًا فيه، فكأَنَّه شَهِدَ لنَفْسِه، أو لوَلِيَّه.
وقال في «المُغْنِي»: ردُّ شهادةِ الفاسقِ باجتهادِه.
فقبولُها نقضٌ له.
وقال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في رَدِّ عَبْدٍ: لأنَّ الحُكْمَ قد مضَى، والمُخالفَةُ في قَضِيَّةٍ واحدَةٍ نقْضٌ مع العِلْمِ.
وإنْ حكَم ببَيِّنَةِ خارِجٍ، أو جَهِلَ عِلْمَه ببَيِّنَةِ داخِلٍ، لم يُنْقَضْ؛ لأنَّ الأَصْلَ جَرْيُه على العَدْلِ والصِّحَّةِ.
ذكَرَه المُصنِّفُ في «المُغْنِي» في آخِرِ فُصولِ مَنِ ادَّعَى شيئًا في يَدِ غيرِه 123. قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ وَجْهٌ.
يعْنِي بنَقْضِه.
الثَّانيةُ، ثُبوتُ الشيءِ عندَ الحاكمِ ليسَ حُكْمًا به.
على ما ذكَرُوه في صِفَةِ السِّجِلِّ، وفي كتابِ القاضي، على ما يأْتِي.
وكلامُ القاضي هناك يُخالِفُه.
قال ذلك في «الفُروعِ» وقد دلَّ كلامُه في «الفُروعِ» في بابِ كتابِ القاضِي إلى القاضِي، أنَّ في الثُّبوتِ خِلافًا؛ هل هو حُكْمٌ، أمْ لا؟ بقَوْلِه في أوائلِ البابِ: فإنْ حكَم المالِكِيُّ للخِلافِ في العَمَلِ بالخَطِّ، فلحَنْبَلِيٍّ تنْفِيذُه، وإنْ لم يحْكُمِ

الجزء: 28 - الصفحة: 388

وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى القَاضِي خَصْمٌ لَهُ، أَحْضَرَهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُحْضِرُهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا.
المالِكِيُّ، بل قال: ثَبَتَ كذا.
فكذلك؛ لأنَّ الثُّبوتَ عندَ المالِكِيِّ حُكْمٌ.
ثُمَّ إنْ رأَى الحَنْبَلِيُّ الثُّبوتَ حُكْمًا، نفَّذَه، وإلَّا فالخِلافُ.
ويأْتِي في آخرِ البابِ الذي يَلِيه، هل تنْفِيذُ الحاكمِ حُكْمٌ، أمْ لا؟.
قوله: وإِذا اسْتَعْداه أَحَدٌ على خَصْمٍ له، أَحْضَرَه.
يعْنِي، يَلْزَمُه إحْضارُه.
وهذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال في «الهِدايةِ»: هذا اخْتِيارُ عامَّةِ شُيوخِنا.
قال في «الخُلاصةِ»: وهو الأصحُّ.
قال النَّاظِمُ: وهو الأَقْوَى.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: وهو المذهبُ.
واخْتارَه أبو بَكْرٍ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ».
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.

الجزء: 28 - الصفحة: 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعنه، لا يُحْضِرُه حتى يعْلَمَ أنَّ لِما ادَّعاه أصْلًا.
وقدَّمه في «الحاوي».
وهو ظاهرُ ما قدَّمه في «الرِّعايةِ الصُّغرى».
وصحَّحه في «النَّظْمِ».
وأَطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «المُحَرَّرِ».
فلو كان لِما ادَّعاه أصْلٌ، بأَنْ كانَ بينَهما مُعامَلَةٌ، أحْضَره.
وفي اعْتِبارِ تحْريرِ الدَّعْوَى لذلك قبلَ إحْضارِه وَجْهان.
وأَطْلَقهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى».
قال في «الفُروعِ»: ومَنِ اسْتَعْداهُ على خَصْمٍ في البَلَدِ، لَزِمَه إحْضارُه.
وقيل: إنْ حرَّر دَعْواه.
وقال في «المُحَرَّرِ»: ومَن اسْتَعْداهُ على خَصْمٍ حاضرٍ في البَلَدِ، أحْضَرَه، لكِنْ في اعْتِبارِ تحْريرِ الدَّعْوى وَجْهان.
فظاهِرُ كلامِ صاحبِ «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، أنَّ المَسْألتَين مسْألَةٌ واحدةٌ، وجَعَلا الخِلافَ فيها وَجْهَين.
وحكَى صاحِبُ «الهِدايَةِ»،

الجزء: 28 - الصفحة: 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «المُذْهَبِ»، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم، هل يُشْتَرَطُ في حُضورِ الخَصْمِ أنْ يعْلَمَ أنَّ لِما ادَّعاه الشَّاكِي أصْلًا، أمْ لا؟ ولم يَذْكُروا تحْرِيرَ الدَّعْوَى، فالظَّاهِرُ أنَّ هذه مسْألَةٌ وهذه مسْأَلَةٌ.
فعلى القَوْلِ بأنَّه يُشْتَرَطُ أنْ يعْلَمَ أنَّ لِما ادَّعاه أصْلًا، يُحْضِرُه، لكِنَّ في اعْتِبارِ تحْرِيرِ الدَّعْوى قبلَ إحْضارِه الوَجْهَين.
وذكَرهما في «الرِّعايةِ الكُبْرى» مسْأَلَتَين، فقال: وإنِ ادَّعَى على حاضِرٍ في البَلَدِ، فهل له أنْ يُحْضِرَه قبلَ أنْ يعْلَمَ أنَّ بينَهما مُعامَلَةً فيما ادَّعاه؟ على رِوايتَين، وإنْ كان بينَهما مُعامَلَةٌ، أحْضَرَه أو وَكِيلَه.
وفي اعْتِبارِ تحْريرِ الدَّعْوى لذلك قبلَ إحْضارِه وَجْهان.
انتهى.
وهو الصَّوابُ.
وذكَرَ في «الرِّعايةِ الصُّغْرى» و «الحاوي الصَّغِيرِ» المَسْألَةَ الثَّانيةَ طريقَةً.
فائدتان؛ إحْداهما، لا يُعْدَى حاكمٌ في مِثْلِ ما لا تَتْبَعُه الهِمَّةُ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقال في «عُيونِ المَسائلِ»: ولا يَنْبَغِي للحاكمِ أنْ يسْمَعَ شَكِيَّةَ أحَدٍ إلَّا ومعه خَصْمُه، هكذا وَرَدَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - 124.

الجزء: 28 - الصفحة: 391

وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى القَاضِي قَبْلَهُ، سَأَلَهُ عَمَّا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ قَال: لِي عَلَيهِ دَينٌ مِنْ مُعَامَلَةٍ، أَوْ رِشْوَةٌ.
رَاسَلَهُ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ، أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ، وَقَال: إِنَّمَا يُرِيدُ تَبْذِيلِي.
فَإِنْ عَرَفَ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا، أَحْضَرَه، وَإِلَّا فَهَلْ يُحْضِرُه؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
الثَّانيةُ، متى لم يَحْضُرْ، لم يُرَخِّصْ له في تَخَلُّفِه، وإلَّا أعْلَمَ به الوالِيَ، ومتى حضَرَ، فله تأْدِيبُه بما يراه.
تنبيه: مُرادُ المُصَنِّفِ هُنا وغيرِه، إذا اسْتَعْداه على حاضِرٍ في البَلَدِ.
أمَّا إنْ كانَ المُدَّعَى عليه غائبًا، فيَأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، في أوَّلِ الفَصْلِ الثَّالثِ مِن البابِ الآتِي بعدَ هذا.
وكذا إذا كان غائبًا عنِ المَجْلِسِ، ويأْتِي هناك أيضًا.
قوله: وإِنِ اسْتَعْداه على الْقاضِي قَبْلَه، سَأَلَه عَمَّا يَدَّعِيه، فإِنْ قال: لي عليه دَينٌ

الجزء: 28 - الصفحة: 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن مُعامَلَةٍ، أو رِشْوَةٍ.
راسَلَه، فإنِ اعْتَرَفَ بذلكَ، أَمَرَه بالخُرُوجِ منه، وإِنْ أَنْكَرَه، وقال: إنَّما يُرِيدُ -بذلك- تَبْذِيلي.
فإن عَرَفَ لِما ادَّعاه أَصْلًا، أَحْضَرَه، وإِلَّا فهل يُحْضِرُه؟ على رِوايتَين.
يعْنِي، وإنْ لم يَعْرِفْ لِمَا ادَّعاه أصْلًا.
واعلمْ أنَّه إذا ادَّعى على القاضِي المَعْزُولِ، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه يُعْتَبَرُ تحْرِيرُ الدَّعْوَى في حقِّه.
جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الرِّعايتَين».
قال في «الفُروعِ»: ويُعْتَبَرُ تحْرِيرُها في حاكمٍ مَعْزُولٍ في الأصحِّ.
وقيلَ: هو كغيرِه.
قال في «الشَّرْحِ»: وإنِ ادَّعَى عليه الجَوْرَ في الحُكْمِ، وكان للمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، أحْضَرَه وحكَم بالبَيِّنَةِ، وإنْ لم يكُنْ معه بَيِّنَةٌ، ففي إحْضارِه وَجْهان.
انتهى.
وعنه، متى بَعُدَتِ الدَّعْوَى عُرْفًا، لم يُحْضِرْه حتى يُحَرِّرَها، ويتَبَيَّنَ 125 أَصْلَها.
وزاد في «المُحَرَّرِ» في هذه الرِّوايةِ فقال: وعنه، كلُّ مَن يُخْشَى بإحْضارِه ابْتِذَالُه إذا بَعُدَتِ الدَّعْوى عليه في العُرْفِ، لم يُحْضِرْه، حتى يُحَرِّرَ ويُبَيِّنَ أصْلَها.
وعنه، متى تَبَيَّنَ، أحْضَرَه، وإلَّا فلا.
تنبيه: لابُدَّ مِن مُراسَلَتِه قبلَ إحْضارِه على كلِّ قَوْلٍ.
على الصَّحيحِ مِن

الجزء: 28 - الصفحة: 393

وَإِنْ قَال: حَكَمَ عَلَيَّ بِشَهَادَةِ فَاسِقَينِ.
فَأَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيرِ يَمِينٍ.
المذهبِ.
صحَّحه في «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ».
قال في «الفُروعِ»: ويُراسِلُه في الأصحِّ.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: ومُراسَلَتُه أظْهَرُ.
قال النَّاظِمُ: وراسِلْ 126 في الاقْوَى.
وجزَم به كثيرٌ مِن الأصحابِ، منهم صاحِبُ «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى».
وقيل: يُحْضِرُه مِنْ غير مُراسَلَةٍ.
وهو رِوايةٌ في «الرِّعايةِ»، وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ في «المُغْنِي»، فإنَّه لم يذْكُر المُراسَلَةَ، بل قال: إنْ ذكَر المُسْتَعْدِي 127 أنَّه يدَّعِي عليه حقًّا مِن دَينٍ أو غَصْبٍ، أعْداه عليه، كغيرِ القاضِي.
وأَطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
قوله: فإنْ قال: حَكَمَ عليَّ بشَهادَةِ فاسِقَين.
فأَنْكَرَ، فالقَوْلُ قَوْلُه بغَيرِ

الجزء: 28 - الصفحة: 394

وَإِنْ قَال الحَاكِمُ الْمَعْزُولُ: كُنْتُ حَكَمْتُ فِي ولَايَتِي لِفُلَانٍ  يَمِينٍ.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايةِ»، و «الحاوي»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقيل: لا يُقْبَلُ قولُه إلَّا بيَمِينِه.
فائدة: قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رحِمَه اللهُ: تخْصِيصُ الحاكمِ المَعْزولِ بتَحْريرِ الدَّعْوَى في حقِّه لا مَعْنَى له، فإنَّ الخَلِيفَةَ ونحوَه في مَعْناه، وكذلك العالِمُ الكَبِيرُ والشَّيخُ المَتْبوعُ.
قلتُ: وهذا عَينُ الصَّوابِ.
وكلامُهم لا يُخالِفُ ذلك، والتَّعْلِيلُ يدُلُّ على ذلك.
وقد قال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: وكذلك الخِلافُ والحُكْمُ في كلِّ مَن خِيفَ تَبْذِيلُه، ونَقْصُ حُرْمَتِه بإحْضارِه، إذا بَعُدَتِ الدَّعْوى عليه عُرْفًا.
قال 128: كَسُوقِيٍّ ادَّعَى أنَّه تزَوَّجَ بِنْتَ سُلْطانٍ كبيرٍ، أو اسْتَأْجرَه لخِدْمَتِه.
وتقدَّم أنَّ ذلك رِوايةٌ عن الإِمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ.
قال في «الخُلاصةِ»، بعدَ أنْ ذكَر حُكْمَ القاضي المَعْزولِ: وكذلك ذَوُو الأَقْدارِ.
قوله: وإنْ قَال الحاكِمُ المعْزُولُ: كُنْتُ حَكَمْتُ في ولايَتِي لفُلانٍ بحَقٍّ.
قُبِلَ.

الجزء: 28 - الصفحة: 395

عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ.
قُبِلَ قَوْلُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ.
هذا المذهبُ، سواءٌ ذكَر مُسْتَنَدَه، أوْ لا.
جزَم به القاضي في «جامِعِه»، وأبو الخَطَّابِ في «خِلافَيه» 129 الكبيرِ والصَّغيرِ، وابنُ عَقِيلٍ في «تَذْكِرَتِه»، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، وغيرُهم.
واخْتارَه الخِرَقِيُّ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قال في «تَجْريِدِ العِنايةِ»: وكذا يُقْبَلُ بعدَ عَزْلِه، في الأَظْهَرِ.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
[وقيَّده في «الفُروعِ» بالعَدْلِ.
وهو أَوْلَى.
وأَطْلَقَ أكثرُهم] 130.

الجزء: 28 - الصفحة: 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يُقْبَلَ.
وهو لأبي الخَطَّابِ.
قال المُصَنِّفُ: وقولُ القاضي في فُروعِ هذه المَسْأَلَةِ يقْتَضِي أنْ لا يُقْبَلَ قوْلُه هنا.
فعلى هذا الاحْتِمالِ، هو كالشَّاهِدِ.
قال في «المُحَرَّرِ»: ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُقْبَلَ إلَّا على وَجْهِ الشَّهادَةِ إذا كان عن إقْرارٍ.
وقال في «الرِّعايةِ»: ويَحْتَمِلُ ردُّه، إلَّا إذا اسْتَشْهَدَ مع عَدْلٍ آخَرَ عندَ حاكمٍ غيرِه، أنَّ حاكِمًا حكَمَ به، أو أنَّه حُكْمُ حاكمٍ جائزِ الحُكْمِ، ولم يذْكُرْ نفْسَه.
ثم حكَى احْتِمال «المُحَرَّرِ» قوْلًا.
انتهى.
وقيل: ليسَ هو كشَاهِدٍ.
وجزَم به في «الرَّوْضَةِ»، فلابُدَّ مِن شاهِدَين سِواه.
ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، إذا أخْبَرَ الحاكِمُ في حالِ ولايَتِه أنَّه حكَمَ لفُلانٍ بكذا، في آخِرِ البابِ الآتِي بعدَ هذا؛ وهو قوْلُه: وإنِ ادَّعَى إنْسانٌ أنَّ الحاكِمَ حكَمَ له، فصَدَّقَه، قُبِلَ قولُ الحاكمِ.
فعلى المذهبِ، مِن شَرْطِ قَبُولِ قَوْلِه أنْ لا يُتَّهَمَ.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وغيرُه.
نقَله الزَّرْكَشِيُّ.
تنبيه: قال القاضي مَجْدُ الدِّينِ: قَبُولُ قوْلِه مُقَيَّدٌ بما إذا لم يشْتَمِلْ على إبْطالِ حُكْمِ حاكمٍ آخَرَ، فلو حَكَمَ حَنَفِيٌّ برُجوعِ واقِفٍ على نفْسِه، فأَخْبَرَ حاكِمٌ حَنْبَلِيٌّ أنَّه كان حَكَمَ قبلَ حُكْمِ الحَنَفِيِّ بصِحَّةِ الوَقْفِ المَذْكورِ، لم يُقْبَلْ.
نقَله القاضي مُحِبُّ الدِّينِ في «حَواشِي الفُروعِ»، وقال: هذا تقْيِيدٌ حسَنٌ يَنْبَغِي اعْتِمادُه.
وقال القاضي مُحِبُّ الدِّينِ: ومُقْتَضَى إطْلاقِ الفُقَهاءِ قَبُولُ قوْلِه، ولو كانَتِ العادَةُ تَسْجِيلَ أحْكامِه وضَبْطَها بشُهودٍ، ولو قيَّد ذلك بما إذا لم يكُنْ عادَةً، كان مُتَّجِهًا؛ لوُقوعِ الرِّيبَةِ، لمُخالفَتِه للعادَةِ.
انتهى.
قلتُ: ليسَ الأمْرُ كذلك، بل يُرْجَعُ إلى صِفَةِ الحاكمِ.
ويدُلُّ عليه ما قاله أبو الخَطَّابِ وغيرُه، على ما تقدَّم.
فوائد؛ الأُولَى، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ تعالى: كِتابُه في غيرِ عَمَلِه

الجزء: 28 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أو بعدَ عَزْلِه، كخَبَرِه.
ويأْتِي ذلك أيضًا.
الثَّانيةُ، نَظِيرُ مسْألَةِ إخْبارِ الحاكمِ في حالِ الولايَةِ والعَزْلِ، أمِيرُ الجِهادِ وأمِينُ الصَّدَقَةِ وناظِرُ الوَقْفِ.
قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رحِمَه اللهُ، واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ».
قال في «الانْتِصارِ»: كلُّ مَن صحَّ منه إنْشاءُ أمْرٍ، صحَّ إقْرارُه به.
الثَّالثةُ، لو أخْبَرَه حاكِمٌ آخَرُ بحُكْمٍ أو ثُبوتٍ في عَمَلِهما، عَمِلَ به في غَيبَةِ المُخْبِرِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «الرِّعايةِ»: عَمِلَ به مع غَيبَةِ المُخْبِرِ عن المَجْلِسِ.
الرَّابعةُ، يُقْبَلُ خَبَرُ الحاكمِ لحاكمٍ آخَرَ في غيرِ عَمَلِهما، وفي عَمَلِ أحَدِهما.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتارَه ابنُ حَمْدانَ، وصحَّحه في «النَّظْمِ».
قال الزَّرْكَشِيُّ: وإليه مَيلُ أبي محمدٍ.
وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وابنُ رَزِينٍ، والزَّرْكَشِيُّ.
وعندَ القاضي لا

الجزء: 28 - الصفحة: 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُقْبَلُ في ذلك كلِّه إلَّا أنْ يُخْبِرَ في عَمَلِه حاكِمًا في غيرِ عَمَلِه، فيَعْمَلَ به إذا بلَغ عَمَلَه وجازَ حُكْمُه بعِلْمِه.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين».
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «التَّرْغيبِ».
ثمَّ قال: وإنْ كانَا في ولايةِ المُخْبِرِ، فوَجْهان.
وفيه أيضًا، إذا قال: سَمِعْتَ البَيِّنَةَ فاحْكُمْ.
لا فائدَةَ له مع حَياةِ البَيِّنَةِ، بل عندَ العَجْزِ عنها.
فعلى قولِ القاضي ومَن تابَعَه، يفَرَّقُ بينَ هذه المَسْألَةِ وبينَ ما إذا قال الحاكِمُ المَعْزولُ: كنتُ حَكَمْتُ في ولايَتِي لفُلانٍ بكذا.
أنَّه يُقْبَلُ هناك، ولا يُقْبَلُ هنا.
فقال الزَّرْكَشِيُّ: وكأَنَّ الفَرْقَ ما يحْصُلُ مِن الضَّرَرِ

الجزء: 28 - الصفحة: 400

وَإِنِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ غَيرِ بَرْزَةٍ، لَمْ يُحْضِرْهَا، وَأَمَرَهَا بِالتَّوْكِيلِ، وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيهَا اليَمِينُ، أَرْسَلَ إِلَيهَا مَنْ يُحْلِفُهَا.
بتَرْكِ قَبُولِ قولِ المَعْزُولِ، بخِلافِ هذا.
قوله: وإِنِ ادَّعَى على امْرَأَةٍ غيرِ بَرْزَةٍ، لم يُحْضِرْها، وأَمَرَها بالتَّوْكِيلِ.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به الأكثرُ.
وأَطْلَقَ ابنُ شِهَابٍ وغيرُه إحْضارَها؛ لأنَّ حقَّ الآدَمِيِّ مَبْناه على الشُّحِّ والضِّيقِ، ولأنَّ مَعَها أمِينَ الحاكِمِ، فلا يحْصُلُ معه خِيفَةُ الفُجورِ، والمُدَّةُ يسِيرَةٌ، كسَفَرِها مِن مَحَلَّةٍ إلى مَجَلَّةٍ، ولأنَّها لم تُنْشِئْ هي إنَّما أُنْشِئَ بها.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ، إنْ تعَذَّرَ حُصولُ الحقِّ بدُونِ إحْضارِها، أحْضَرها.
وذكَر القاضي أنَّ الحاكِمَ يَبْعَثُ مَن يقْضِي بينَها وبينَ خَصْمِها.
فوائد؛ الأُولَى، لا يُعْتَبَرُ لامْرَأَةٍ بَرْزَةٍ في حُضورِها مَحْرَمٌ.
نصَّ عليه.
وجزَم به الأصحابُ.
وغيرُها تُوَكِّلُ، كما تقدَّم.
وأَطْلَقَ في «الانْتِصارِ» النَّصَّ في

الجزء: 28 - الصفحة: 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَرْأَةِ، واخْتارَه إنْ تعَذَّرَ الحقُّ بدُونِ حُضورِها، كما تقدَّم.
الثَّانيةُ، البَرْزَةُ؛ هي التي تَبْرُزُ لحَوائِجِها.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والنَّاظِمُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم.
وقال في «المُطْلِعِ»: هي الكَهْلَةُ التي لا تحْتَجِبُ احْتِجَابَ الشَّوَابِّ.
والمُخْدَرَةُ بخِلافِها.
وقال في «التَّرْغيبِ»: إنْ خَرَجَتْ للعَزاءِ والزِّياراتِ 131 ولم تُكْثِرْ، فهي مُخْدَرَةٌ.
الثَّالثةُ، المَرِيضُ يُوَكِّلُ كالمُخْدَرَةِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 402

وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ عَنِ البَلَدِ فِي مَوْضِعٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ، كَتَبَ إِلَى ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَتَوَسَّطُوا بَينَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوا، قِيلَ لِلْخَصْمِ: حَقِّقْ مَا تَدَّعِيهِ.
ثُمَّ يُحْضِرُهُ وَإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ.
قوله: وإنِ ادَّعَى على غائِبٍ عن البَلَدِ في مَوْضِعٍ لا حاكِمَ فيه، كَتَبَ إلى ثِقَاتٍ مِن أَهْلِ ذلك الْمَوْضِعِ، ليَتَوَسَّطُوا بَينَهُما، فإِنْ لم يَقْبَلُوا، قِيلَ للخَصْمِ: حَقِّقْ ما تَدَّعِيه.
ثُمَّ يُحْضِرُه، وإنْ بَعُدَتِ المَسافَةُ.
وهذا المذهبُ.
وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ» -ونَصَرَاه- و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُحْضِرُه مِن مَسافَةِ قَصْرٍ فأَقَلَّ.
وقيل: لا يُحْضِرُه

الجزء: 28 - الصفحة: 403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا إذا كانَ لدُونِ مَسَافَةِ القَصْرِ.
وعنه، لدُونِ يومٍ.
جزَم به في «التَّبْصِرَةِ»، وزادَ، بلا مُؤْنَةٍ ولا مَشَقَّةٍ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وقيل: إنْ جاءَ وعادَ في يومٍ، أُحْضِرَ ولو قبلَ تحْرِيرِ الدَّعْوى.
وقال في «التَّرْغيبِ»: لا يُحْضِرُه مع البُعْدِ حتى تَتَحَرَّرَ دَعْواه.
وفي «التَّرْغيبِ» أيضًا: يَتَوَقَّفُ إحْضارُه على سَماعِ البَيِّنَةِ إن كان ممَّا لا يُقْضَى فيه بالنُّكولِ.
قال: وذكَر بعْضُ أصحابِنا، لا يُحْضِرُه مع البُعْدِ، حتى يصِحَّ عندَه ما ادَّعاه.
وجزَم به في «التَّبْصِرَةِ».

الجزء: 28 - الصفحة: 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تنبيه: مَحَلُّ هذا إذا كانَ الغائِبُ في مَحَلِّ ولايَتِه.
فائدتان؛ إحْداهما، لو ادَّعَى قبلَه شَهادَةً، لم تُسْمَعْ دَعْواه، ولم يُعْدَ عليه، ولم يُحَلَّفْ عندَ الأصحابِ.
خِلافًا للشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ، رحِمَه اللهُ، في ذلك.
قال: وهو ظاهرُ نَقْلِ صالحٍ، وحَنْبَلٍ.
وقال: لو قال: أَنا أَعْلَمُها 132 ولا أُؤَدِّيها.
فظاهِرٌ، ولو نَكَلَ، لَزِمَه ما ادَّعَى به إنْ قيلَ: كِتْمانُها مُوجِبٌ لضَمانِ ما تَلِفَ.
ولا يَبْعُدُ، كما يضْمَنُ في تَرْكِ الإِطْعامِ الواجِبِ.
الثَّانيةُ، لو طَلَبَه خَصْمُه، أو حاكمٌ ليَحْضُرَ مَجْلِسَ الحُكْمِ، لَزِمَه الحُضورُ، حيثُ يَلْزَمُ إحْضارُه بطَلَبِه منه.

الجزء: 28 - الصفحة: 405

بَابُ طَرِيقِ الحُكْمِ وَصِفَتِهِ

إِذَا جَلَسَ إِلَيهِ خَصْمَانِ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: مَنِ المُدَّعِي مِنْكُمَا؟ وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى، قَدَّمَهُ،  بابُ طَريقِ الحُكْمِ وصِفَتِه قوله: إذا جَلَسَ إليه خَصْمان، فله أَنْ يَقُولَ: مَن المُدَّعِي مِنْكما؟ وله أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئا.
الصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه إذا جلَسَ إليه خَصْمان 133، فله 134 أنْ يقولَ: مَن المُدَّعِي مِنْكما؟ وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: وله

الجزء: 28 - الصفحة: 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أنْ يسْكُتَ حتى يَبْدَآ، والأَشْهَرُ، وأنْ يقولَ: أيُّكُما المُدَّعِي؟ وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايةِ»، و «الحاوي»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
وقيلَ: لا يقُولُه حتى يَبْتَدِآ بأَنْفُسِهما، فإنْ سكَتا، أو سكَتَ الحاكِمُ، قال القائِمُ على رَأْسِ القاضِي: مَن المُدَّعِي مِنْكُما؟.
فائدتان؛ الأُولَى، لا يقُولُ الحاكِمُ ولا القائمُ على رَأْسِه لأحَدِهما: تَكَلَّمْ.
لأنَّ في إفْرادِه بذلك تَفْضِيلًا له وتَرْكًا للإِنْصافِ.
الثَّانيةُ، لو بدَأَ أحدُهما فادَّعَى، فقال خَصْمُه: أَنا المُدَّعِي.
لم يُلْتَفَتْ إليه،

الجزء: 28 - الصفحة: 408

وَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا، قَدَّمَ أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
فَإِذَا انْقَضَتْ حُكُومَتُهُ، سَمِعَ دَعْوَى الْآخَرِ.
ويُقالُ له: أَجِبْ عن دَعْواه، ثم ادَّعِ بما شِئْتَ.
قوله: وإنِ ادَّعَيا مَعًا، قَدَّمَ أَحَدَهما بالْقُرْعَةِ.
هذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال الشَّارِحُ: قِياسُ المذهبِ، أنْ يُقْرِعَ بينَهما.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الوَجيزِ»،

الجزء: 28 - الصفحة: 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُقَدِّمُ الحاكِمُ مَن شاءَ منهما.
فائدتان؛ إحْداهما، لا تُسْمَعُ الدَّعْوَى المَقْلُوبَةُ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه الأصحابُ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، وقال: وسَمِعَها بعْضُهم واسْتَنْبَطَها.
قلتُ: الذي يظْهَرُ، أنَّه اسْتَنْبَطَها مِن الشُّفْعَةِ؛ فيما إذا ادَّعَى الشَّفِيعُ على شَخْصٍ أنَّه اشْتَرَى الشِّقْصَ، وقال: بلِ اتَّهَبْتُه.
أو: وَرِثْتُه.
فإنَّ القولَ قولُه مع يَمِينِه، فلو نَكَلَ عنِ اليَمِينِ، أو قامَتْ للشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ بالشِّراءِ، فله أخْذُه ودَفْعُ ثَمَنِه.
فإنْ قال: لا أَسْتَحِقُّه.
قيل له: إمَّا أنْ تقْبَلَ، وإمَّا أنْ تُبْرِئَه.
على أحَدِ الوُجوهِ.
وقطَع به المُصَنِّفُ هناك.
فلو ادَّعَى الشَّفِيعُ عليه ذلك، ساغَ، وكانتْ شَبِيهَةً بالدَّعْوَى المَقْلُوبَةِ.
ومِثْلُه في الشُّفْعَةِ أيضًا، لو أقرَّ البائعُ بالبَيعِ وأنْكَرَ المُشْتَرِي -وقُلْنا: تجِبُ الشُّفْعَةُ- وكان البائعُ مُقِرًّا بقَبْضِ الثَّمَنِ مِن المُشْتَرِي، فإنَّ الثَّمَنَ الذي في يَدِ الشَّفيعِ لا يدَّعِيه أحدٌ، فيُقالُ للمُشْتَرِي: إمَّا أنْ تقْبِضَ، وإمَّا أنْ تُبْرِئَ.
على أحَدِ الوُجوهِ.
وتقدَّم ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ.
وقال الأصحابُ -ونصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: لو جاءَه بالسَّلَمِ قبلَ مَحِلِّه، ولا ضرَر في قَبْضِه، لَزِمَه ذلك، فإنِ امْتَنَعَ مِن القَبْضِ، قيلَ له: إمَّا أنْ تقْبِضَ حقَّكَ، أو تُبْرِئَ منه.
فإنْ

الجزء: 28 - الصفحة: 410

ثُمَّ يَقُولُ لِلْخَصْمِ: مَا تَقُولُ فِيمَا ادَّعَاهُ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ سُؤَالهُ حَتَّى يَقُولَ المُدَّعِي: اسْأَلْ سُؤَالهُ عَنْ ذَلِكَ.
أبَى، رُفِعَ الأمْرُ إلى الحاكِمِ، على ما تقدَّم في بابِ السَّلَمِ.
وكذا في الكِتابةِ.
فيُسْتَنْبَطُ مِن ذلك كلِّه صِحَّةُ الدَّعْوَى المَقْلُوبَةِ.
الثَّانيَةُ، لا تصِحُّ الدَّعْوى والإِنْكارُ إلَّا مِن جائزِ التَّصَرُّفِ.
وقد صرَّح به المُصَنِّفُ في أوَّلِ بابِ الدَّعاوَى والبَيِّناتِ في قوْلِه: ولا تصِحُّ الدَّعْوَى والإِنْكارُ إلَّا مِن جائزِ التَّصَرُّفِ.
انتهى.
وتصِحُّ الدَّعْوَى على السَّفِيهِ فيما يُؤْخَذُ به في 135 حالِ حَجْرِه 136 لسَفَهٍ، وبعْدَ فَكِّ حَجْرِه، ويُحلَّفُ إذا أنْكَرَ.
قوله: ثمَّ يَقُولُ للْخَصْمِ: ما تَقُولُ فيما ادَّعاه؟ هذا المذهبُ.
قال في «المُحَرَّرِ» وغيرِه: هذا أصحُّ.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ» ونصَراه.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَمْلِكَ سُؤاله حتى يقولَ المُدَّعِي: واسْأَلْ سُؤاله عن ذلك.
وفي

الجزء: 28 - الصفحة: 411

فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ، لَمْ يَحْكُمْ لَهُ حَتَّى يُطَالِبَهُ المُدَّعِي بِالْحُكْمِ.
«المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وَجْهان.
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّ الدَّعْوى تُسْمَعُ في القَليلِ والكثيرِ.
وهو كذلك، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «التَّرْغيبِ»: لا تُسْمَعُ في مِثْلِ ما لا تَتْبَعُه الهِمَّةُ، ولا يُعْدَى حاكِمٌ في مِثْلِ ذلك.
قوله: فإنْ أَقَرَّ له، لم يَحْكُمْ له حَتَّى يُطالِبَه المدَّعِي بالْحُكْمِ.
هذا المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: ولا يَحْكُمُ له إلَّا بسُؤالِه، في الأصحِّ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.

الجزء: 28 - الصفحة: 412

وَإِنْ أَنْكَرَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ المُدَّعِي: أَقْرَضْتُهُ أَلْفًا.
أَوْ: بِعْتُهُ.
فَيَقُولَ: مَا أَقْرَضَنِي وَلَا بَاعَنِي.
أَوْ: مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ،  قال المُصَنِّفُ: هكذا ذكَرَه أصحابُنا.
قال: ويَحْتَمِلُ أنْ يجوزَ 137 له الحُكْمُ قبلَ مَسْألَةِ المُدَّعِي؛ لأنَّ الحال يدُلُّ على إرَادَتِه ذلك، فاكْتَفى بها كما اكْتَفَى في مسْألَةِ المُدَّعَى عليه الجَوابَ؛ ولأنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ لا 138 يعْرِفُ مُطالبَةَ الحاكِمِ 139 بذلك.
انتهى.
ومال إليه في «الكافِي».
وقال في «الفُروعِ» أيضًا: فإنْ أقَرَّ، حَكَمَ.
قاله جماعَةٌ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: إنْ أقَرَّ، فقد ثَبَتَ، ولا يَفْتَقِرُ إلى قولِه: قَضَيتُ.
في أحَدِ الوَجْهَين، بخِلافِ قِيامِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّه يتعَلَّقُ باجْتِهادِه.
قال في «الرِّعايةِ»: وقيلَ: يَثْبُتُ الحقُّ بإقْرارِه وبدُونِ حُكْمٍ.
فائدة: لو قال الحاكِمُ للخَصْمِ: يَسْتَحِقُّ عليك كذا؟ فقال: نعمْ.
لَزِمَه.
ذكَرَه في «الواضِحِ» في قولِ الخاطِبِ للوَلِيِّ: أزَوَّجْتَ؟ قال: نعم.
قوله: وإنْ أَنْكَرَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ المُدَّعِي: أَقْرَضْتُه أَلْفًا.
أو: بِعْتُه.
فَيَقُولَ:

الجزء: 28 - الصفحة: 413

وَلَا شَيئًا مِنْهُ.
أَوْ: لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ.
صَحَّ الجَوَابُ.
ما أَقْرَضَنِي ولا باعَنِي.
أو: ما يَسْتَحِقُّ عليَّ ما ادّعاه، ولا شَيئًا منه.
أَو: لا حَقَّ له عليَّ.
صَحَّ الْجَوَابُ.
مُرادُه، ما لم يعْتَرِفْ بسَبَبِ الحقِّ، فلو اعْتَرَفَ بسَبَبِ الحقِّ، مِثْلَ ما لو ادَّعَتْ مَن تعْتَرِفُ بأَنَّها زَوْجَتُه المَهْرَ، فقال: لا تَسْتَحِقُّ عليَّ شيئًا.
لم يصِحَّ الجوابُ، ويَلْزَمُه المَهْرُ، إنْ لم [يُقِمْ بَيِّنَةً] 140 بإسْقاطِه، كجَوابِه في دَعْوَى قَرْضٍ اعْتَرَفَ به، لا يَسْتَحِقُّ عليَّ شيئًا.
ولهذا لو أقَرَّتْ في مرَضِها، لا مَهْرَ لها عليه، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنَةٍ أنَّها أخَذَتْه.
نقَله مُهَنَّا.
قال في «الفُروعِ»: والمُرادُ، أو 141 أنَّها أسْقَطَتْه في الصِّحَّةِ.
وهو كما قال.
فائدتان؛ إحْداهما، لو قال لمُدَّعٍ 142 دِينارًا: لا تَسْتَحِقُّ عليَّ حَبَّةً.
فعندَ ابنِ عَقِيلٍ، أنَّ هذا ليسَ بجَوابٍ؛ لأنَّه لا يُكْتَفَى في دَفْعِ الدَّعْوَى إلَّا بنَصٍّ، ولا يُكْتَفَى بالظَّاهِرِ، ولهذا لو حلَفَ: واللهِ إنِّي لَصادِقٌ فيما ادَّعَيتُه عليه.
أو حَلَفَ المُنْكِرُ: إنَّه لَكاذِبٌ فيما ادَّعاه عليَّ.
لم يُقْبَلْ.
وعندَ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ، رحِمَه اللهُ، يَعُمُّ الحَبَّاتِ، وما لم ينْدَرِجْ في لَفْظِ حَبَّةٍ، مِن بابِ الفَحْوَى، إلَّا أنْ يُقال: يعُمُّ حقِيقَةً عُرْفِيَّةً.
وقد تقدَّم في اللِّعانِ وَجْهان؛ هل يُشْترَطُ قوْلُه: فيما رَمَيتُها به؟.
الثَّانيةُ، لو قال: لِي عليكَ مِائَةٌ.
فقال: ليسَ لكَ عليَّ مِائَةٌ.
فلا بُدَّ أنْ يقُولَ: ولا شيءٌ منها.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، كاليَمِينِ.
وقيل: لا يُعْتَبَرُ.
فعلى

الجزء: 28 - الصفحة: 414

وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ: لِي بَيِّنَةٌ.
فَإِنْ لَمْ يَقُلْ، قَال الْحَاكِمُ: أَلَكَ  الأَوَّلِ، لو نَكَلَ عمَّا دُونَ المِائَةِ، حكَمَ عليه بمِائَةٍ إلَّا جُزْءًا.
وإنْ قُلْنا برَدِّ اليَمِينِ، حَلَفَ المُدَّعِي على ما دُونَ المِائَةِ، إذا لم يُسْنِدِ المِائَةَ إلى عَقدٍ؛ لكَوْنِ اليَمِينِ 143 لا تَقَعُ إلَّا مع ذِكْرِ النِّسْبَةِ، لتُطابِقَ الدَّعْوَى.
ذكَره في «التَّرْغيبِ».
وإنْ أجابَ مُشْتَرٍ لمَن يسْتَحِقُّ المَبيعَ بمُجَرَّدِ الإِنْكارِ: رجَعَ عليَّ البائعُ بالثَّمَنِ.
وإنْ قال: هو مِلْكِي اشْتَرَيتُه مِن فُلانٍ، وهو مِلْكُه.
ففي الرُّجوعِ وَجْهان.
وأَطْلَقَهما في «الفُروعِ».
وإنِ انْتُزِعَ المَبِيعُ مِن يَدِ مُشْتَرٍ ببَيِّنَةِ مِلْكٍ مُطْلَقٍ، رجَع على البائعِ، في ظاهرِ كلامِهم.
قاله في «الفُروعِ»، كما يرْجِعُ في بَيِّنَةِ مِلْكٍ سابِقٍ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: يَحْتَمِلُ عندِي أنْ لا يرْجِعَ؛ لأنَّ المُطْلَقَةَ تقْتَضِي الزَّوال مِن وَقْتِه، لأنَّ ما قبلَه غيرُ مَشْهُودٍ به.
قال الأَزَجِيُّ: ولو قال: لكَ عليَّ شيءٌ.
فقال: ليسَ لي عليكَ شيءٌ، إنَّما لِي عليكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ.
لم تُقْبَلْ منه دَعْوَى الأَلْفِ؛ لأنَّه نَفَاها بنَفْيِ الشَّيْءِ.
ولو قال: لك عليَّ دِرْهَمٌ.
فقال: ليسَ لي 144 عليك في دِرْهَمٌ ولا دانِقٌ، إنَّما لي عليكَ أَلْفٌ.
قُبِلَ منه دَعْوَى الأَلْفِ؛ لأنَّ معْنَى نفْيِه.
ليسَ حقِّي هذا القَدْرَ.
قال: ولو قال: ليسَ لكَ عليَّ شيءٌ إلَّا دِرْهَمٌ.
صحَّ ذلك.
ولو قال: ليسَ له عليَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةٌ.
فقِيلَ: لا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لتَخَبُّطِ اللَّفْظِ.
والصَّحيحُ أنَّه 145 يَلْزَمُه ما أَثْبَتَه، وهي الخَمْسَةُ؛ لأنَّ التَّقْدِيرَ، ليسَ له عليَّ عَشَرَةٌ، لكِنْ خَمْسَةٌ.
ولأنَّه اسْتِثْناءٌ مِن النَّفْي، فيَكونُ إثْباتًا.
قوله: وللْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ: لِي بَيِّنَةٌ.
وإنْ لم يَقُلْ، قال الحاكِمُ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟

الجزء: 28 - الصفحة: 415

بَيِّنَةٌ؟ فَإِنْ قَال: لِي بَيِّنَةٌ.
أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا.
وله قولُ ذلك قبلَ أنْ يقُولَ المُدَّعِي: لي بَيِّنَةٌ.
فإنْ قال: لي بَيِّنَةٌ.
أمَرَه بإحْضارِها.
ومَعْناه، إنْ شِئْتَ فأَحْضِرْها.
وهذا المذهبُ مُطْلَقًا.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
قال في «الهِدايةِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهما: وإنْ أنْكَرَ، سأَلَ المُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ وقال في «المُحَرَّرِ»: لا يقولُ الحاكِمُ للمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ إلَّا إذا لم يَعْرِفْ 146 أنَّ هذا مَوْضِعُ البَيِّنَةِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ».
قال في «الرِّعايةِ»، و «الحاوي»: فإنْ قال المُدَّعِي: لي بَيِّنَةٌ.

الجزء: 28 - الصفحة: 416

فَإِنْ أَحْضَرَهَا، سَمِعَهَا الحَاكِمُ، وَحَكَمَ بِهَا إِذَا سَأَلَهُ المُدَّعِي.
وأحْضَرَها، حكَمَ بها، وإنْ جَهِلَ أنَّه مَوْضِعُها، قال له: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فإنْ قال: نعم.
طَلَبَها، وحكَمَ بها.
وكذا إنْ قال: إنْ كانتْ لكَ بَيِّنَةٌ فأَحْضِرْها إنْ شِئْتَ.
فَفَعَلَ.
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»: لا يأْمُرُه بإحْضارِها؛ لأنَّ ذلك حقٌّ له، فله أنْ يفْعَلَ ما يَرَى.
قوله: فإذا أَحْضَرَها، سَمِعَها الحاكِمُ.
بلا نِزاعٍ.
لكِنْ لا يسْأَلُها الحاكِمُ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».
وقال: ويتَوَجَّهُ وَجْهٌ.
فائدة: لا يقُولُ الحاكِمُ لهما: اشْهَدا.
وليسَ له أنْ يُلَقِّنَهما.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»: ولا يَنْبَغِي ذلك.
وقال في «المُوجَزِ»:

الجزء: 28 - الصفحة: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُكْرَهُ ذلك، كتَعَنُّتِهما 147 وانْتِهارِهما.
وظاهِرُ «الكافِي» في التَّعَنُّتِ والانْتِهارِ، يَحْرُمُ.
قوله: فإذا أَحْضَرَها، سَمِعَها الْحاكِمُ، وحَكَمَ بها إِذا سَأَلَه الْمُدَّعِي.
الصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه لا يحْكُمُ إلَّا بسُؤالِ المُدَّعِي، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الشَّرْحِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: له الحُكْمُ قبْلَ سُؤالِه.
وهي شَبِيهَةٌ بما إذا أَقَرَّ له، على ما تقدَّم.
فائدة: إذا شَهِدَتِ البَيِّنَةُ، لم يَجُزْ له تَرْدِيدُها، ويَحْكُمُ في الحالِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «الرِّعايةِ»: إنْ ظَنَّ الصُّلْحَ، أَخَّرَ الحُكْمَ.
وقال في «الفُصولِ»: وأَحْبَبْنا له أمْرَهما بالصُّلْحِ، ويُؤَخِّرُه، فإنْ أبَيا، حَكَمَ.
وقال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: يقولُ له الحاكِمُ: قد شَهِدا عليكَ، فإنْ كانَ قادِحٌ فبَيِّنْه عندِي.
يعْنِي، يُسْتَحَبُّ ذلك.
وذكَره غيرُهما، وذكَره 148 في «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، فيما إذا ارْتَابَ فيهما.
قال في «الفُروعِ»: فدَلَّ أنَّ له الحُكْمَ مع الرِّيبَةِ 149. [قلتُ: الحُكْمُ مع الرِّيبَةِ] 150 فيه نَظَرٌ بَيِّنٌ.
وقال في «التَّرْغيبِ» وغيرِه: لا يجوزُ الحُكْمُ 151 بضِدِّ ما يعْلَمُه، بل يتَوَقَّفُ، ومع اللُّبْسِ يأْمُرُ بالصُّلْحِ، فإنْ عجِلَ فحكَمَ قبلَ البَيانِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حَرُمَ، ولم يصِحَّ.
تنبيه: ظاهِرُ قولِه: فإذا أحْضَرَها، سَمِعَها الحاكِمُ وحكَمَ.
أنَّ الشَّهادَةَ لا تُسْمَعُ قبلَ الدَّعْوَى 152. واعلمْ أنَّ الحقَّ حقَّان؛ حقٌّ لآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، وحقٌّ للهِ، فإنْ كان الحقُّ لآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّها لا تُسْمَعُ قبلَ الدَّعْوَى.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ذكَراه في أثْناءِ كِتابِ الشَّهاداتِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وسَمِعَها القاضي في «التَّعْليقِ»، وأبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ»، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، إنْ لم يعلَمْ به.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: وهو غَرِيبٌ.
وذكَر الأصحابُ أنَّها تُسْمَعُ بالوَكالةِ مِن غيرِ خَصْمٍ.
ونقَله مُهَنَّا.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رحِمَه اللهُ: تُسْمَعُ ولو كان في البَلَدِ.
وبَناه القاضي، وغيرُه، على جَوازِ القَضاءِ على الغائبِ.
انتهى.
والوَصِيَّةُ مثْلُ الوَكالةِ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رحِمَه اللهُ: الوَكالةُ إنَّما تُثْبِتُ اسْتِيفَاءَ حقٍّ أو إبْقاءَه، وهو ممَّا لا حَقَّ للمُدَّعَى عليه فيه 153، فإنَّ دفْعَه إلى الوَكيلِ وإلى غيرِه سَواءٌ، ولهذا لم يشْتَرِطْ فيها رِضاه.
وإنْ كانَ الحقُّ للهِ تعالى؛ كالعِباداتِ، والحُدودِ، والصَّدَقَةِ، والكفَّارَةِ، لم تصِحَّ به الدَّعْوى، بل ولا تُسْمَعُ.
وتُسْمَعُ البَيِّنَةُ مِن غيرِ تقدُّمِ دَعْوَى.
وهذا المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
وجزَم به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «التَّعْليقِ»: شَهادَةُ الشُّهودِ دَعْوَى.
قيل للإِمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ، في بَيِّنَةِ الزِّنى: تحْتاجُ إلى مُدَّعٍ؟ فذَكَرَ خَبَرَ أبي بَكْرَةَ 154، - رَضِيَ اللهُ عنه-، وقال: لم يكُنْ مُدَّعٍ.
وقال في «الرِّعايةِ»: تصِحُّ دَعْوَى حِسْبَةٍ

الجزء: 28 - الصفحة: 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن كلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ في حقِّ اللهِ تعالى؛ كعِدَّةٍ، وحَدٍّ، ورِدَّةٍ، وعِتْقٍ، واسْتِيلادٍ، وطَلاقٍ، وكفَّارَةٍ، ونحو ذلك، وبكُلِّ حقٍّ لآدَمِيٍّ غيرِ مُعَيَّنٍ، وإنْ لم يَطْلُبْه مُسْتَحِقُّه.
وذكَر أبو المَعالِي، لنائبِ الإِمامِ مُطالبَةُ رَبِّ مالٍ باطِنٍ بزَكاةٍ، إذا ظَهَرَ له تقْصِيرٌ.
وفيما أوْجَبَه مِن نَذْرٍ وكفَّارَةٍ ونحوه، وَجْهان.
وقال القاضي في «الخِلافِ» في مَن تَرَكَ الزَّكاةَ: هي آكَدُ؛ لأنَّ للإِمامِ أنْ يُطالِبَ 155 بها، بخِلافِ الكفَّارَةِ والنَّذْرِ.
وقال في «الانْتِصارِ» في حَجْرِه على مُفْلِسٍ: الزَّكاةُ، كَمَسْألَتِنا، إذا ثَبَتَ وُجوبُها عليه، لا الكفَّارَةُ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: ما شَمِلَه حقُّ اللهِ والآدَمِيِّ، كسَرِقَةٍ، تُسْمَعُ الدَّعْوَى في المالِ، ويُحَلَّفُ مُنْكِرٌ.
ولو عادَ إلى مالِكِه، أو مَلَكَه سارِقُه، لم تُسْمَعْ؛ لتَمَحُّضِ حقِّ اللهِ.
وقال في السَّرِقَةِ: إنْ شَهِدَتْ بسَرِقَةٍ قبلَ الدَّعْوى، فأصحُّ الوَجْهَين، لا تُسْمَعُ، وتُسْمَعُ إنْ شَهِدَتْ أنَّه أباعَه فُلانٌ.
وقال في «المُغْنِي»: كسَرِقَةٍ، وزِناه بأَمَتِه لمَهْرِها، تُسْمَعُ، ويُقْضَى على ناكِلٍ بمالٍ.
وقاله ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه.
فائدة: تُقْبَلُ بَيِّنَةُ عِتْقٍ ولو أنْكَرَ العَبْدُ.
نقَله المَيمُونِيُّ.
وذكَرَه في «المُوجَزِ»، و «التَّبْصِرَةِ»، واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ».
تنبيه: وكذا الحُكْمُ في أنَّ الدَّعْوى لا تصِحُّ ولا تُسْمَعُ، وتُسْمَعُ البَيِّنَةُ قبلَ الدَّعْوَى في كلِّ حَقٍّ لآدَمِيٍّ غيرِ مُعَيَّنِ؛ كالوَقْفِ على الفُقَراءِ، أو على مَسْجِدٍ، أو رِباطٍ، أو وَصِيَّةٍ لأحَدِهما.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: وكذا عُقوبَةُ كذَّابٍ مُفْتَرٍ على النَّاسِ، والمُتَكَلِّمِ فيهم.
وتقدَّم في التَّعْزِيرِ كلامُ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، والأصحابِ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، في حِفْظِ

الجزء: 28 - الصفحة: 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَقْفٍ وغيرِه بالثَّباتِ عن خَصْمٍ مُقَدَّرٍ: تُسْمَعُ الدَّعْوى والشَّهادَةُ فيه بلا خَصْمٍ.
وهذا قد يدْخُلُ في كتابِ القاضي، وفائِدَتُه كفائِدَةِ الشَّهادَةِ، وهو مثْلُ كتابِ القاضي إذا كان فيه ثُبوتٌ مَحْضٌ، فإنَّه هناك يكونُ مُدَّعٍ فقط بلا مُدَّعىً عليه حاضِرٍ.
لكِنْ هنا المُدَّعَى عليه مُتَخَوِّفٌ، وإنَّما المُدَّعِي يَطْلُبُ مِن القاضي سَماعَ البَيِّنَةِ أو الإِقْرارِ، كما يسْمَعُ ذلك شُهودُ الفَرْعِ، فيقولُ القاضِي: ثَبَتَ ذلك عندِي، بلا مُدَّعىً عليه.
قال: وقد ذكَره قومٌ مِن الفُقَهاءِ، وفَعَله طائفَةٌ مِن القُضاةِ 156، ولم يَسْمَعْها طَوائِفُ 157 مِن الحَنَفِيَّةِ والشَّافِعِيَّةِ والحَنابِلَةِ؛ لأنَّ القَصْدَ بالحُكْمِ فَصْلُ الخُصُومَةِ.
ومَنْ قال بالخَصْمِ المُسَخَّرِ، نصَبَ الشَّرَّ، ثم قطَعَه.
وذكَر الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، ما ذكَره القاضي، مِن احْتِيالِ 158 الحَنَفِيَّةِ على سَماعِ البَيِّنَةِ مِن غيرِ وُجودِ مُدَّعىً عليه؛ فإنَّ المُشْتَرِيَ المُقَرَّ له بالبَيعِ قد قَبَضَ المَبِيعَ وسلَّم الثَّمَنَ، فهو لا يدَّعِي شيئًا، ولا يُدَّعَى عليه شيءٌ، وإنَّما غرَضُه تَثْبِيتُ الإِقْرارِ والعَقْدِ، والمَقْصودُ سَماعُ القاضي البَيِّنَةَ، وحُكْمُه بمُوجَبِها مِن غيرِ وُجودِ مُدَّعىً عليه، ومِن غيرِ مُدَّعٍ على أحَدٍ، لكِنْ خَوْفًا مِن حُدوثِ خَصْمٍ مُسْتَقْبَلٍ، فيكونُ هذا الثُّبوتُ حُجَّةً بمَنْزِلَةِ الشَّهادَةِ، فإنْ لم يكُنِ القاضي يسْمَعُ البَيِّنَةَ بلا هذه الدَّعْوَى، وإلَّا امْتَنَعَ مِن سَماعِها مُطْلَقًا، وعطَّل هذا 159 المَقْصودَ الذي احْتَالُوا له.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: وكلامُه يقْتَضِي أنَّه هو لا يحْتاجُ إلى هذا الاحْتِيالِ، مع أنَّ جَماعَاتٍ مِن القُضَاةِ [المُتأَخِّرين مِن] 160 الشَّافِعِيَّةِ

الجزء: 28 - الصفحة: 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والحَنابِلَةِ دَخلُوا مع الحَنَفِيَّةِ في ذلك، وسَمَّوْه الخَصْمَ المُسَخَّرَ.
قال: وأمَّا على أصْلِنا الصَّحيحِ، وأصْلِ مالِكٍ، رَحِمَه اللهُ؛ فإمَّا أنْ نمْنَعَ الدَّعْوى على غيرِ خَصْمٍ مُنازِعٍ، فتَثْبُتُ الحُقوقُ بالشَّهاداتِ على الشَّهاداتِ، كما ذكَره مَن ذكَره مِن أصحابِنا، وإمَّا أنْ نسْمَعَ الدَّعْوَى والبَيِّنَةَ بلا خَصْمٍ، كما ذكَره طائِفَةٌ مِن المالِكِيَّةِ والشَّافِعِيَّةِ.
وهو مُقْتَضَى كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، وأصحابِنا في مَواضِعَ؛ لأنَّا نَسْمَعُ الدَّعْوَى والبَيِّنَةَ على الغائبِ والمُمْتَنِعِ، وكذا على الحاضِرِ في البَلَدِ في المَنْصوصِ، فمع عدَمِ خَصْمٍ أَوْلَى.
قال: وقال أصحابُنا: كِتابُ الحاكِمِ كشُهودِ الفَرْعِ.
قالوا: لأنَّ المَكْتُوبَ إليه يحْكُمُ بما قامَ مَقامَه غيرُه؛ لأنَّ إعْلامَ القاضِي للقاضِى قائِمٌ مَقامَ الشَّاهِدَين.
فجعَلُوا كلَّ واحدٍ مِن كتابِ الحاكِمِ، وشُهودِ الفَرْعِ قائِمًا مَقامَ غيرِه، وهو بَدَلٌ عن شُهودِ الأَصْلِ، وجعَلُوا كِتابَ القاضِي كخِطابِه.
وإنَّما خَصُّوه بالكِتابِ؛ لأنَّ العادَةَ تَباعُدُ الحاكِمَين، وإلَّا فلو كانا في مَحَلٍّ واحدٍ، كانَ مُخاطَبَةُ أحَدِهما للآخَرِ أبْلَغَ مِن الكِتابِ.
وبنَوْا ذلك على أنَّ الحاكِمَ ثَبَت عندَه بالشَّهادَةِ ما لم يحْكُمْ به، وأنَّه يُعْلِمُ به حاكِمًا آخَرَ ليَحْكُمَ به، كما يُعْلِمُ الفُروعَ بشَهادَةِ الأُصُولِ.
قال: وهذا كلُّه إنَّما يصِحُّ إذا سُمِعَتِ الدَّعْوى والبَيِّنَةُ في غيرِ وَجْهِ خَصْمٍ.
وهو يُفيدُ أنَّ كُلَّ ما يثْبُتُ بالشَّهادَةِ على الشَّهادَةِ، يُثْبِتُه القاضِي بكِتابِه.
قال: ولأَنَّ النَّاسَ بهم حاجَةٌ إلى إثْباتِ حُقوقِهم بإثْباتِ القُضاةِ، كإثْبَاتِها بشَهادَةِ الفُروعِ، وإثْباتُ القُضاةِ أنْفَعُ؛ لكَوْنِه كَفَى مُؤْنَةَ النَّظَرِ في الشُّهودِ، وبهم حاجَةٌ إلى الحُكْمِ فيما فيه شُبْهَةٌ أو خِلافٌ لرَفْعٍ 161، وإنَّما يخافُون مِن خَصْمٍ حادِثٍ.

الجزء: 28 - الصفحة: 422

وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ فِي مَجْلِسِهِ، إِذَا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ، أَوْ سَمِعَهُ معه شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَلَهُ الْحُكْمُ بِهِ، نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال القَاضِي: لَا يَحْكُمُ بِهِ.
قوله: ولا خِلافَ في أَنَّه يَجُوزُ له الْحُكْمُ بالإِقْرارِ والْبَيِّنَةِ في مَجْلِسِه، إذا سَمِعَه معه شاهِدان -بلا نِزاعٍ- فإنْ لم يَسْمَعْه معه أَحَدٌ، أو سَمِعَه معه شاهِدٌ واحِدٌ، فله الْحُكْمُ به، نَصَّ عليه.
في رِوايةِ حَرْبٍ.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم.
وقال القاضِي: لا يَحْكُمُ به.
وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وجزَم به في «الرَّوْضَةِ».
قال في «الخُلاصةِ»: لم يحْكُمْ به، في الأصحِّ.
وقال في «تَجْريدِ العِنايةِ»: والأظْهَرُ عنْدي، إنْ سَمِعَه معه 162 شاهِدٌ واحدٌ، حكَم به، وإلَّا فلا.

الجزء: 28 - الصفحة: 423

وَلَيسَ لَهُ الحُكْمُ بِعِلْمِهِ، مِمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الأَصْحَابِ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حَدٍّ أَوْ غَيرِهِ.
قوله: ولَيسَ له الحُكْمُ بعِلْمِه، مِمَّا رآه أو سَمِعَه -[يَعْنِي في غيرِ مَجْلِسِه] 163 - نصَّ عليه، وهو اخْتِيارُ الأصحابِ.
وهو المذهبُ بلا رَيبٍ.
وعليه الأصحابُ.
قال في «الهِدايةِ»: اخْتارَه عامَّةُ شُيوخِنا.
قال في «الفُروعِ»

الجزء: 28 - الصفحة: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وغيرِه: هذا المذهبُ.
قال في «المُحَرَّرِ»: فلا يجوزُ في الأَشْهَرِ عنه.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ [المَشْهورُ المَنْصوصُ] (1) والمُخْتارُ لعامَّةِ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وعنه ما يَدُلُّ عَلى جوازِ ذلك، سَواءٌ كانَ في حَدٍّ أو غيرِه.
وعنه، يجوزُ في غيرِ

الجزء: 28 - الصفحة: 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحُدودِ.
ونقَل حَنْبَلٌ، إذا رآه على حدٍّ، لم يكُنْ له أنْ يُقِيمَه إلَّا بشَهادَةِ مَن شَهِدَ

الجزء: 28 - الصفحة: 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  معه؛ لأنَّ شَهادَتَه شَهادَةُ رَجُلٍ.
ونقَل حَرْبٌ، فيَذْهَبان إلى

الجزء: 28 - الصفحة: 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حاكِمٍ، فأمَّا إنْ شَهِدَ عندَ نفْسِه، فلا.

الجزء: 28 - الصفحة: 428

وَإِنْ قَال المُدَّعِي: مَا لِي بَيِّنَةٌ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ اليَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ، وإِنْ سَأَلَ إِحْلَافَهُ، أَحْلَفَهُ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
قوله: وإنْ قَال: ما لِي بَيِّنَةٌ.
فالْقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ مع يَمِينِه، فَيُعْلِمُه أَنَّ له الْيَمِينَ على خَصْمِه، وإِنْ سأَلَ إِحْلافَه، أَحْلَفَه، وخَلَّى سَبِيلَه.
وليسَ له اسْتِحْلافُه قبلَ سُؤالِ المُدَّعِي؛ لأنَّ اليمينَ حقٌّ له.
وقال في «الفُروعِ»: وإنْ قال المُدَّعِي: ما لِي بَيِّنَةٌ.
أعْلَمَه الحاكِمُ بأنَّ له اليمينَ على خَصْمِه.
قال: وله تحْلِيفُه مع عِلْمِه قُدْرَتَه على حقِّه.
نصَّ عليه.
نقَل ابنُ هانِئٍ، إنْ عَلِمَ عندَه مالًا لا يُؤَدِّي إليه حقَّه، أرْجُو أنْ لا يأْثَمَ.
وظاهِرُ رِوايةِ أبي طالِبٍ، يُكْرَهُ.
وقاله شيخُنا، ونقَله مِن «حَواشِي تعْليقِ القاضي».
وهذا يدُلُّ على تحْريمِ تَحْليفِ البَرِئِ دُونَ الظَّالمِ.
انتهى.
فائدة: يكونُ تَحْلِيفُه على صِفَةِ جَوابِه لخَصْمِه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نصَّ عليه.
وجزَم به في «الرِّعايةِ»، و «الوَجيزِ»، و [«المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
ذكَراه في آخِرِ بابِ اليمينِ في الدَّعاوَى] 164. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه 165. وعنه، يحلِفُ على صِفَةِ الدَّعْوى.
وعنه، يَكْفِي تحْلِيفُه: لا حَقَّ لكَ عليَّ.
تنبيه: ظاهرُ قوْلِه: أَحْلَفَه وخَلَّى سَبِيلَه.
أنَّه لا يُحَلِّفُه ثانيًا بدَعْوى أُخْرى.
وهو صحيحٌ.
وهو المذهبُ مُطْلَقًا؛ فَيَحْرُمُ تحْلِيفُه.
أَطْلَقَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما 166. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّرْغيبِ»، و «الرِّعايةِ»: له تحْلِيفُه عندَ مَن جَهِلَ حَلِفَه عندَ غيرِه؛ لبَقاءِ الحقِّ، بدَلِيلِ أخْذِه ببَيِّنَةٍ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو أمْسَكَ عن تحْلِيفِه، وأرادَ تحْلِيفَه بعدَ ذلك بدَعْواه المُتَقَدِّمَةِ، كانَ له ذلك.
ولو أَبْرَأَه مِن يَمِينِه، بَرِئَ منها في هذه الدَّعْوى، فلو جدَّد الدَّعْوى وطَلَبَ اليَمِينَ، كان له ذلك.
جزَم به في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم (3). الثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ يَمِينٌ في حقِّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ إلَّا بعدَ الدَّعْوى عليه وشَهادَةِ الشَّاهِدِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال في «الرِّعايةِ»: إلَّا بعدَ الدَّعْوى، وشَهادَةِ الشَّاهِدِ، والتَّزْكِيَةِ.
وقال في

الجزء: 28 - الصفحة: 430

وَإِنْ أَحْلَفَهُ، أَوْ حَلَفَ هُوَ مِنْ غَيرِ سُؤَالِ المُدَّعِي، لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ.
«التَّرْغيبِ»: يَنْبَغِي أنْ تتَقدَّمَ شَهادَةُ الشَّاهِدِ، وتَزْكِيَتُه 167 اليَمِينَ.
قوله: وإِنْ أَحْلَفَه، أو حَلَفَ مِن غَيرِ سُؤَالِ الْمدَّعِي، لم يُعْتَدَّ بيَمِينِه.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايةِ»، و «الحاوي»، و «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ».
وعنه، يَبْرَأُ بتَحْليفِ المُدَّعِي، وعنه، يَبْرَأُ بتَحْليفِ المُدَّعِي وحَلِفِهِ له أيضًا وإنْ لم يُحَلِّفْه.
ذكَرَهُما الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ مِن رِوايةِ مُهَنَّا، أنَّ رَجُلًا اتَّهَمَ رجُلًا بشيءٍ، فحَلَفَ له، ثم قال: لا أَرْضَى إلَّا أنْ تحْلِفَ لي عندَ السُّلْطانِ.
أَلَه ذلك؟ قال: لا، قد ظَلَمَه وتعَنَّتَه.
واخْتارَ أبو حَفْصٍ تَحْلِيفَه، واحْتَجَّ برِوايةِ مُهَنَّا.
فوائد؛ الأُولَى، يُشْتَرَطُ في اليَمِينِ أنْ لا يَصِلَها باسْتِثْناءٍ.
وقال في «المُغنِي»: وكذا بما لا يُفْهَمُ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ يُزيلُ حُكْمَ اليمينِ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: هي يَمِينٌ كاذِبَةٌ.
وقال في «الرِّعايةِ»: لا ينْفَعُه الاسْتِثْناءُ إذا لم يَسْمَعْه الحاكِمُ المُحَلِّفُ له.

الجزء: 28 - الصفحة: 431

وَإِنْ نَكَلَ، قَضَى عَلَيهِ بِالنُّكُولِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا.
فَيَقُولُ لَهُ: إِنْ حَلَفْتَ، وَإِلَّا قَضَيتُ عَلَيكَ.
ثَلَاثًا، فَإِنْ  الثَّانيةُ، لا يجوزُ التَّوْرِيَةُ والتَّأْويلُ إلَّا لمَظْلومٍ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: ظُلْمًا ليسَ بجارٍ في مَحَلِّ الاجْتِهادِ.
فالنِّيَّةُ على نِيَّةِ الحاكمِ المُحَلِّفِ، واعْتِقادِه؛ فالتَّأْويلُ على خِلافِه لا ينْفَعُ.
وتقدَّم ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ، في أوَّلِ بابِ التَّأْويلِ في الحَلِفِ.
الثَّالثةُ، لا يجوزُ أنْ يحْلِفَ المُعْسِرُ: لا حَقَّ له عليَّ.
ولو نَوَى السَّاعَةَ، سواءٌ خافَ أنْ يُحْبَسَ أوْ لا.
نقَله الجماعَةُ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، وجوَّزَه صاحِبُ «الرِّعايةِ» بالنِّيَّةِ.
قال في «الفُروعِ»: وهو مُتَّجِهٌ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ إنْ خافَ حَبْسًا.
ولا يجوزُ أيضًا أنْ يحْلِفَ مَن عليه دَينٌ مُؤَجَّلٌ، إذا أرادَ غَرِيمُه مَنْعَه مِن سَفَرٍ.
نصَّ عليه.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ كالتي قبلَها.
قوله: وإِنْ نَكَلَ، قَضَى عليه بالنُّكُولِ، نَصَّ عليه، واخْتارَه عامَّةُ شُيُوخِنا.

الجزء: 28 - الصفحة: 432

لَمْ يَحْلِفْ، قَضَى عَلَيهِ إِذَا سَأَلَ المُدَّعِي ذَلِكَ.
وهو المذهبُ.
نقَله الجماعَةُ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، مَرِيضًا كان أو غيرَه.
قال في «الفُروعِ»: نقَله واخْتارَه الجماعَةُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال في «المُحَرَّرِ»: ويتَخَرَّجُ حَبْسُه، ليُقِرَّ أو يحْلِفَ.
وعندَ أبي الخَطَّابِ، تُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِي، وقال: قد صوَّبَه الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ.
وقال 168: ما هو ببعيدٍ، يحْلِفُ ويأْخُذُ.
نقَل أبو طالِبٍ، ليسَ له أنْ يَرُدَّها.
ثم قال بعدَ ذلك: وما هو ببعيدٍ، يُقالُ له: احْلِفْ وخُذْ.
قال في «الفُروعِ»: يجوزُ رَدُّها.
وذكَرها جماعَةٌ، فقالوا: وعنه، تُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِي.
قال: ولعَلَّ ظاهِرَه يجِبُ.
ولهذا 169 قال الشَّيخُ -يَعْنِي المُصَنِّفَ- واخْتارَه أبو الخَطَّابِ: إنَّه لا يحْكُمُ بالنُّكُولِ، ولكِنْ يَرُدُّ اليَمِينَ على خَصْمِه.
وقال: قد صوَّبَه الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، وقال: ما هو ببعيدٍ، يَحْلِفُ ويَسْتَحِقُّ.
وهي رِوايةُ أبي طالِبٍ المذْكُورَةُ، وظاهِرُها جَوازُ الرَّدِّ.
واخْتارَ المُصَنِّفُ، في «العُمْدَةِ» ردَّها، واختارَه في «الهِدايةِ»، وزادَ، بإِذْنِ النّاكِلِ فيه.
واخْتارَه ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَه

الجزء: 28 - الصفحة: 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهُ، في «الطُّرُقِ الحُكْمِيَّةِ».
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: مع عِلْمِ مُدَّعٍ وحدَه بالمُدَّعَى به، لهم ردُّها، وإذا لم يَحْلِفْ لم يأْخُذْ، كالدَّعْوَى على وَرَثَةِ مَيِّتٍ حقًّا عليه يَتَعَلَّقُ بتَرِكَتِه.
وإنْ كان المُدَّعَى عليه هو العالِمَ بالمُدَّعَى به دُونَ المُدَّعِي، مثْلَ أنْ يدَّعِيَ الوَرَثَةُ أو الوَصِيُّ على غريمٍ للمَيِّتِ، فيُنْكِرَ، فلا يحلِفُ المُدَّعِي.
قال: وأمَّا إنْ كان المُدَّعِي يدَّعِي العِلْمَ، والمُنْكِرُ يدَّعِي العِلْمَ، فهُنا يتَوَجَّهُ القَوْلان.
يعْنِي الرِّوايتَين.
فائدتان؛ إحْداهما، إذا رُدَّتِ اليَمِينُ على المُدَّعِي، فهل تكونُ يَمِينُه كالبَيِّنَةِ، أمْ كإقْرارِ المُدَّعَى عليه؟ فيه قوْلان.
قال ابنُ القَيِّمِ في «الطُّرُقِ الحُكْمِيَّةِ»: أَظْهَرُهما عندَ أصحابِنا، أنَّها كإقْرارٍ.
فعلَى هذا، لو أقامَ المُدَّعَى عليه بَيِّنَةً بالأَداءِ أو الإِبْراءِ بعدَ حَلِفِ المُدَّعِي، فإنْ قيلَ: يَمِينُه كالبَيِّنَةِ.
سُمِعَتْ للمُدَّعَى عليه.
وإنْ قيلَ: هي كالإِقْرارِ.
لم يُسْمَعْ؛ لكَوْنِه مُكَذِّبًا للبَيِّنَةِ بالإِقْرارِ.
الثَّانيةُ، إذا قَضَى بالنُّكولِ، فهل يكونُ كالإِقْرارِ، أو 170 كالبَذْلِ؟ فيه وَجْهان.
قال أبو بَكْرٍ في «الجامِعِ»: النُّكُولُ إقْرارٌ.
وقاله في «التَّرْغيبِ» في القَسامَةِ، على ما يأْتِي.
ويَنْبَنِي عليهما ما إذا ادَّعَى نِكاحَ امْرَأَةٍ، واسْتَحْلَفْناها، فنَكَلَتْ 171، فهل يُقْضَى عليها بالنُّكول، وتُجعَلُ زوْجَتَه؟ إذا قُلْنا: هو إقْرارٌ.
حُكِمَ عليها بذلك، وإنْ قُلْنا: بَذْلٌ.
لم يُحْكَمْ بذلك؛ لأنَّ الزَّوْجِيَّةَ لا تُسْتَباحُ بالبَذْلِ.
وكذلك لو ادَّعَى رِقَّ مَجْهولِ النَّسَبِ، وقُلْنا: يُسْتَحْلَفُ.
فنَكَلَ عنِ اليَمِينِ.
وكذلك لو ادَّعَى قَذْفَه، واسْتَحْلَفْناه، فنَكَلَ، فهل يُحَدُّ للقَذْفِ؟ يَنْبَنِي على

الجزء: 28 - الصفحة: 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك.
ثم قال ابنُ القَيِّمِ في «الطُّرُقِ الحُكْمِيَّةِ»: والصَّحيحُ، أنَّ النُّكُولَ يقُومُ مَقامَ الشَّاهِدِ والبَيِّنَةِ، لا مَقامَ الإِقْرارِ والبَذْلِ؛ لأنَّ النَّاكِلَ قد صرَّحَ بالإِنْكارِ، وأنَّه لا يَسْتَحِقُّ المُدَّعَى به، وهو يُصِرُّ على ذلك، فتَوَرَّعَ عنِ اليَمِينِ، فكيفَ يقالُ: إنَّه مُقِرٌّ مع إصْرارِه على الإِنْكارِ، ويُجْعَلُ مُكَذِّبًا لنَفْسِه؟ وأيضًا؛ لو كانَ مُقِرًّا، لم يُسْمَعْ منه 172 نُكُولُه بالإِبْراءِ والأَداءِ، فإنَّه يكونُ مُكَذِّبًا لنَفْسِه.
وأيضًا؛ فإنَّ الإِقْرارَ إخْبارٌ، وشَهادَةُ المَرْءِ على نفْسِه، فكيفَ يُجْعَلُ مُقِرًّا شاهِدًا على نفْسِه بسُكُوتِه؟ والبَذْلُ إباحَةٌ وتَبَرُّعٌ، وهو لم يقْصِدْ ذلك، ولم يَخْطُرْ على قَلْبِه، وقد يكونُ المُدَّعَى عليه مَرِيضًا مرَضَ المَوْتِ، فلو كانَ النُّكُولُ بَذْلًا وإباحَةً، اعْتُبِرَ خُروجُ المُدَّعَى به 173 مِن الثُّلُثِ.
قال، رَحِمَه اللهُ: فتَبَيَّنَ أنَّه لا إقْرارَ ولا إباحَةَ، بل هو جارٍ مَجْرَى الشَّاهِدِ والبَيِّنَةِ.
انتهى.
قوله: فيَقُولُ: إنْ حَلَفْتَ وإِلَّا قَضَيتُ عليكَ.
ثَلاثًا.
يُسْتَحَبُّ أنْ يقولَ ذلك له (2) ثَلاثًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: يقُولُه مَرَّةً.
قال في «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: ثَلاثًا، أو مَرَّةً.
وقال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: مَرَّةً.
وقيلَ: ثَلاثًا.
انتهى.
والذي قاله

الجزء: 28 - الصفحة: 435

وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، تُرَدُّ اليَمِينُ عَلَى المُدَّعِي.
وَقَال: قَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ، وَقَال: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ، يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ.
فَيُقَالُ لِلنَّاكِلِ: لَكَ رَدُّ اليَمِينِ عَلَى المُدَّعِي.
فَإِنْ رَدَّهَا، حَلَفَ المُدَّعِي، وَحَكَمَ لَهُ.
الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: إذا نَكَلَ، لَزِمَه الحقُّ.
قوله: فإنْ لم يَحْلِفْ، قَضَى عليه، إِذا سأَلَه المدَّعِي ذلك.
وهو المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وصحَّحه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: يَحْكُمُ له قبلَ سُؤالِه.
وتقدَّم نَظِيرُ ذلك أيضًا.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: فيُقالُ للنَّاكِلِ: لَكَ رَدُّ الْيَمِينِ على المدَّعِي.
فإنْ رَدَّها، حَلَفَ المدَّعِي وحَكَم له.
أنَّه يُشْتَرَطُ إذْنُ النَّاكِلِ في ردِّ اليَمِينِ.
وهو قولُ أبي

الجزء: 28 - الصفحة: 436

وَإِنْ نَكَلَ أَيضًا صَرَفَهُمَا، فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَبَذَلَ الْيَمِينَ، لَمْ يَسْمَعْهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حَتَّى يَحْتَكِمَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ.
الخَطَّابِ، كما تقدَّم عنه في «الهِدايةِ».
والصَّحيحُ أنَّه لا يُشْتَرَطُ -على القَوْلِ بالرَّدِّ- إذْنُ النَّاكِلِ في الرَّدِّ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قوله: وإِنْ نَكَلَ أَيضًا صَرَفَهُما، فإنْ عادَ أَحَدُهُما فبَذَلَ الْيَمِينَ، لم يَسْمَعْها في ذلك المَجْلِسِ، حَتَّى يَحْتَكِما في مَجْلِسٍ آخَرَ.
قال في «المُحَرَّرِ»: ومَن بذَلَ منهما اليَمِينَ بعدَ نُكُولِه، لم تُسْمَعْ منه 174 إلَّا في مَجْلِسٍ آخَرَ، بشَرْطِ عدَمِ الحُكْمِ.
وكذا قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»،

الجزء: 28 - الصفحة: 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «الحاوي»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
قال في «الفُروعِ»: والأشْهَرُ، قبلَ الحُكْمِ بالنُّكُولِ.
وقيل: تُسْمَعُ ولو بعدَ الحُكْمِ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ المُصَنِّفِ.
قال ابن نَصْرِ الله في «حَواشِي الفُروعِ»: وهو بعيد.
ولم يذْكُرْه في «الرِّعايةِ».
انتهى.
وقال المُصَنفُ، والشَّارِحُ: إذا نَكَلَ المُدَّعِي، سُئِلَ عن سبَبِ نُكولِه؛ فإنْ قال: امْتَنَعْتُ لأنَّ لي بَينةً أقِيمُها.
أو: حِسَابًا أنْظُرُ فيه.
فهو على حقه مِن اليَمِينِ، ولا يُضَيَّقُ عليه في اليَمِينِ؛ بخِلافِ المُدَّعَى عليه، وإنْ قال: لا أرِيدُ أنْ أحْلِفَ.
فهو ناكِل.
وقيل: يُمْهَلُ ثلاثَةَ أيام في المالِ.
ذكَره في «الرعايةِ».
فوائد؛ متى تعَذَّرَ ردُّ اليَمِينِ، فهل يُقْضَى بنُكُولِه، أو يَحْلِفُ وَلِيٌّ، أو إنْ باشَرَ ما ادَّعاه، أو لا يَحْلِفُ حاكِم؟ فيه أوْجُة.
وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ».
قطَع في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، بأنَّ الأبَ، والوَصِيَّ، والأمِينَ، لا يحْلِفُون.
وقال في «الحاوي الصَّغِيرِ»: وكل مالٍ لا تُرَدُّ فيه اليَمِينُ، يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ، كالإمامِ إذا ادَّعَى لبَيتِ المالِ، أو وَكيلِ الفُقَراءِ، ونحو ذلك.
انتهى.
وقَدَّمه 175 في «الرعايةِ الصُّغْرى»، وقال: وكذا الأبُ، ووَصِيُّه، وأمِينُ الحاكِمِ، إذا ادَّعَوا حقا لصَغِير، أو مَجْنُونٍ، وناظِرُ الوَقْفِ، وقَيمُ المَسْجِدِ.
وقال في «الكُبْرى»: قُضِيَ بالنُّكُولِ، في الأصح.
وقيل: على الأصح.
وقيل: يُحْبَسُ حتى يُقِرَّ، أو يَحْلِفَ.
وقيل: بل يَحْلِفُ المُدَّعِي منهم، ويأخُذُ ما ادَّعاه.
وقيل: إنْ كانَ قد باشَرَ ما ادَّعاه، حَلَفَ عليه، وإلَّا فلا.
قلتُ: لا يَحْلِفُ إمام ولا حاكِم.
انتهى.
وقطَع المُصَنِّفُ، أنَّة يحْلِفُ إذا عَقَلَ وبَلَغَ، ويكْتُبُ الحاكِمُ مَحْضَرًا بنُكُولِه.
فإنْ قُلْنا: يحْلِفُ.
حَلَفَ لنَفْيِه، إنِ ادَّعَى عليه وُجوبَ

الجزء: 28 - الصفحة: 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَسْليمِه مِن مُوَلِّيه، فإنْ أبَى، حَلَفَ المُدَّعِي وأخَذَه، إنْ جُعِلَ النُّكُولُ مع يَمِين المُدَّعِي كَبَينةٍ، لا كإقْرارِ خَصْمِه، على ما تقدَّم.
وقال في «التَّرْغيبِ»: لا خِلافَ بينَنا، أنَّ ما لا يُمْكِنُ ردُّها يُقْضَى بنُكُولِه؛ بأنْ يكونَ صاحِبُ الدَّعْوى غيرَ مُعَيَّن، كالفُقَراءِ، أو يكونَ الإِمامَ، بأن يدَّعِيَ لبَيتِ المالِ دَينًا، ونحوَ ذلك.
وقال في «الرِّعايةِ»، في صُورَةِ الحاكِمِ: يُحْبَسُ حتى يُقِر أو يحْلِفَ.
وقيل: يُحْكَمُ عليه.
وقيل: أو يحْلِفُ الحاكِمُ.
وقال في «الانْتِصارِ»: نَزَّلَ أصحابُنا نُكولَه منْزِلَةً بينَ مَنْزِلَتَين، فقالوا: لا يُقْضَى به في قَوَدٍ وحد.
وحَكَمُوا به في حق مَرِيض، وعَبْدٍ وصَبِي مأذُونٍ لهما.
وقال في «التَّرْغيبِ» في القسامَةِ: مَن قُضِيَ عليه بنُكُولِه بالديةِ، ففي مالِه؛ لأنَّه كإقْرارٍ.
وفيها قال أبو بَكْر في «الجامِعِ»: لأنَّ النُّكولَ إقْرار.
واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ المُدَّعِيَ يحْلِفُ 176 ابْتِداءً مع اللَّوْثِ، وأنَّ الدَّعْوَى في التُّهْمَةِ كبسَرِقَةٍ، يُعاقَبُ المُدَّعَى عليه الفاجِرُ، وأنَّه لا يجوزُ إطْلاقُه، ويُحْبَسُ المَسْتُورُ، ليَبِينَ أمْرُه ولو ثلاثًا، على وَجْهَين.
نقَل حَنْبَل، حتى يبينَ أمْرُه.
ونصَّ الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، ومُحَقِّقُو أصحابِه على حَبْسِه.
وقال: إن تَحْلِيفَ كل مُدَّعًى عليه، وإرْساله مَجَّانًا، ليسَ مذهبَ الإمامِ.
واحْتَجَّ في مَبهانٍ آخَرَ بأنَّ قَوْمًا اتَّهَمُوا ناسًا في سَرِقَةٍ، فَرَفَعُوهم إلى النُّعْمانِ بنِ بَشِير، رَضِيَ اللهُ عنهما، فحَبَسَهم أيامًا، ثم أطْلَقهم، فقالوا له: خَلَّيتَ سَبيلَهم بغيرِ ضَرْبٍ لي لا امْتِحانٍ؟ فقال: إنْ شِئْتُم ضَرَبْتُهم، فإنْ ظَهَرَ مالُكم، وإلا ضَرَبْتُكُم مِثْلَه.
فقالوا: هذا حُكْمُكَ؟ فقال: حُكْمُ الله ورسُولِه 177. قال في

الجزء: 28 - الصفحة: 439

وَإنْ قَال المُدَّعِي: لِي بَيَنةٌ.
بَعدَ قَوْلِهِ: مَا لِي بَيَنةٌ.
لَمْ تُسْمَعْ.
ذَكَرَهُ الخِرَقِيّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُسْمَعَ.
«الفُروعِ»: وظاهِرُه أنَّه قال به، وقال به شيخُنا الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وقال في «الأحْكامِ السُّلطانِيَّةِ»: يَحْبِسُه وَالٍ.
قال: وظاهِرُ كلامِ الإِمام أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، وقاض أيضًا، وأنه يَشْهَدُ له: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ 178. حَمَلْنا على الحَبْسِ؛ لقُوَّةِ التُّهْمَةِ.
وذكَر الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، الأوَّلُ قولُ أمصرِ العُلَماءِ.
واخْتارَ تعْزِيرَ مدعٍ بسَرِقَةٍ ونحوها على مَن يعْلَمُ براءَتَه، واخْتارَ أنَّ خَبَرَ مَنِ [له رَئِيٌّ جِنِّيٌّ] 179 بأن فلانًا سَرَقَ كذا، كخَبَرِ إنْسِيٍّ مَجْهُولٍ، فيُفِيدُ تُهْمَةً، كما تقدَّم.
وقال في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: يضْرِبُه الوَالِي مع قُوَّةِ التُّهْمَةِ تعْزِيرًا، فإنْ ضُرِبَ ليُقِرَّ، لم يصِح، وإنْ ضُرِبَ ليَصْدُقَ عن حالِه، فأقَرَّ تحتَ الضرْبِ، قُطِعَ ضَرْبُه، وأعِيدَ إقْرارُه، ليُؤخَذَ به، ويُكْرَهُ الاكتِفاءُ بالأوَّلِ.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
قال الشَّيخ تَقِيُّ الذينِ، رَحِمَه الله: إذا كانَ مَعْروفًا بالفُجورِ المُناسِبِ للتُهْمَةِ، فقالتْ طائفَة: يضْرِبُه الوَالِي والقاضِي.
وقالت طائفَة: يضْرِبُه الوَالِي عندَ القاضِي.
وذكَر ذلك طوائِفُ مِن أصحابِ مالِكٍ، والشافِعِيِّ، وأحمدَ، رَحِمَهُم اللهُ.
قوله: وإنْ قال المُدَّعِي: لي بَينة.
بَعْدَ قَوْلِه: ما لي بَينة.
لم تُسْمَعْ، ذَكَرَه

الجزء: 28 - الصفحة: 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الْخِرَقِيُّ.
وهو المذهبُ.
نصَّ عليه.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «التَّرْغيبِ»، و «الوَجيز»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ تُسْمَعَ.
وهو وَجْه اخْتارَه ابنُ عَقِيل وغيرُه.
قال في «الفُروعِ»: وهو مُتَّجِه، حَلَّفَه أوْ لا.
وجزَم في «التَّرْغيبِ» بالأوَّلِ.
وقال: وكذا قولُه: كَذَبَ شُهودِي.
وأوْلَى، ولا تَبْطُلُ دَعْواه بذلك، في الأصحِّ، ولا تُرَدُّ بذِكْرِ السَّبَبِ، بل [بذِكْرِ سبَبِ] 180 المُدَّعِي غيرَه.
وقال في «التَّرْغيبِ»: إنِ ادَّعَى مِلْكا مُطْلَقا، فشَهِدَتْ به وبسَبَبِه، وقُلْنا: تُرَجَّحُ بذِكْرِ السَّبَبِ.
لم تُفِدْه إلَّا أنْ تُعادَ بعدَ الدَّعْوى.
فوائد؛ إحْداها، لو ادَّعَى شيئًا، فشَهِدَتْ له البَينةُ بغيرِه، فهو مُكَذِّبٌ لهم.
قاله الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، وأبَو بَكْر.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
واخْتارَ في «المُسْتَوْعِبِ»، تُقْبَلُ البَيَنةُ، فيَدَّعِيه ثم يُقِيمُها.
وفي «المُسْتَوْعِبِ» أيضًا، و «الرِّعايةِ»، إنْ قال: أسْتَحِقُّه وما شَهِدَتْ به، وإنَّما ادَّعَيتُ بأحَدِهما، لأدَّعِيَ الآخَرَ وَقْتًا آخَرَ.
ثم شَهِدَتْ به، قُبِلَتْ.
الثَّانيةُ، لو ادَّعَى شيئًا، فأقَرَّ له بغيرِه، لَزِمَه إذا صدَّقَه المُقَر له، والدَّعْوى

الجزء: 28 - الصفحة: 441

وَإنْ قَال: مَا أعْلَمُ لِي بَينةً.
ثُمَّ قَال: قَدْ عَلِمتُ لِي بَيَنةً.
سُمِعَتْ.
وإنْ قَال شَاهِدَانِ: نَحْنُ نَشْهَدُ لَكَ.
فَقَال: هَذَانِ بَيِّنتِي.
سُمِعَتْ.
وَإنْ قَال: مَا أرِيدُ أن تَشْهَدَا لِي.
لَمْ يُكَلَّفْ إِقَامَةَ البَينةِ.
بحالِها.
نصَّ عليه.
الثَّالثةُ، لو سألَ مُلازَمَتَه حتى يُقِيضها، أجِيبَ في المَجْلِسِ، على الأصحِّ من الرِّوايتَين.
فإنْ لم يُحْضِرْها في المَجْلِسِ، صَرَفَه.
وقيل: يُنْظَرُ ثَلاثا.
وذكَر المُصَنِّفُ وغيرُه، ويُجابُ مع قُرْبِها.
وعنه، وبُعْدِها، ككَفِيل.
فيما ذكَر في «الإرْشادِ»، و «المُبْهِج»، و «التَّرْغيبِ»، وأنَّه يَضْرِبُ له أجَلًا، متى مَضَى، فلا كَفالةَ.
ونَصُّه: لا يُجابُ إلى كَفِيل 181، كحَبْسِه.
وفي مُلازَمَتِه حتى يَفْرَغَ له الحاكِمُ مِن شُغْلِه، مع غَيبَة ببَينة وبُعْدِها، يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
قاله في «الفُروعِ».
قال المَيمُونِي: لم أرَهُ يذهبُ إلى المُلازَمَةِ إلى أنْ يُعَطِّلَه مِن عَمَلِه، ولا يُمَكِّنُ أحدًا مِن عَنَتِ خَصْمِه.

الجزء: 28 - الصفحة: 442

وَإنْ قَال: لِي بَيَنةٌ وَأرِيدُ يَمِينَهُ.
فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً، فَلَهُ إحْلَافُهُ.
وَإنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَإن حَلَفَ المُنْكِرُ ثُمَّ أحْضَرَ المُدَّعِي بَيَنةً، حُكِمَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنِ اليَمِينُ مُزيلَةً لِلْحَقِّ.
قوله: وإنْ قال: لي بَينة وأرِيدُ يَمِينَه.
فإنْ كانَتْ غائِبَةً -يعْنِي، عنِ المَجْلِسِ- فله إحْلافُه.
وهذا المذهبُ، سواءٌ كانتْ قريبةً أو بعيدةً.
وجزَم به في الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاص»، و «الكافِي»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَورِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِي»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»،

الجزء: 28 - الصفحة: 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: القَرِيبَةُ كالحاضرَةِ في المَجْلِسِ.
قال في «المُحَررِ»: وقيلَ: لا يَمْلِكُها إلا إذا كانتْ غائبةً عن البَلَدِ.
وقيل: ليس له إحلافُه مُطْلَقًا، بل يُقِيمُ البَينةَ فقطْ.
وقَطَعُوا به في كُتُبِ الخِلافِ.
قوله: وإنْ كانَتْ حاضرَةً، فهل له ذلك؟ على وجْهَين.
وأطْلَقهما في

الجزء: 28 - الصفحة: 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحدُهما، له إقامَةُ البَيِّنَةَ، أو تحْلِيفُه إذا كانتْ حاضِرَةً في المَجْلِسِ.
وهو المذهبُ.
نَصَرَه المُصَنفُ، والشارِحُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثاني، يَمْلِكُهما، فيُحَلِّفُه ويُقِيمُ البَينةَ بعدَه.
وقيل: لا يَمْلِكُ إلَّا إقامَةَ البَينةِ فقطْ.
قال في «الفُروعِ»: قَطَعُوا به في كتُبِ الخِلافِ.
كما تقدَّم.

الجزء: 28 - الصفحة: 445

وَإنْ سَكَتَ المُدَّعَى عَلَيهِ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، قَال لَهُ الْقَاضِي: إِنْ أَجَبْتَ، وَإلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَقَضَيتُ عَلَيكَ.
وَقِيلَ: يَحْبِسُه حَتَّى يُجِيبَ.
فائدة: لو سألَ تحْلِيفَه ولا يُقِيمُ البَينةَ، فَحَلَفَ، ففي جَوازِ إقامَتِها بعدَ ذلك وَجْهان.
قاله القاضي.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايتَين»، و «الزَّرْكَشي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم، أحدُهما، ليسَ له إقامَتُها بعدَ تَحْليفِه.
صحَّحه النَّاظِمُ.
والثَّاني، له إقامَتُها.
قدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه».
قوله: وإنْ سَكَتَ المُدَّعَى عليه فلم يُقِرَّ ولم يُنْكِرْ، قال له الْقاضِي: إنْ أجَبْتَ، وإلَّا جَعَلْتُك ناكِلًا، وقَضَيتُ عليك.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، وغيرِهم.
واخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وغيرُه.
وقيل: يَحْبِسُه حتى يُجِيبَ.
اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ».
وقدَّمه في

الجزء: 28 - الصفحة: 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الشَّرْحِ».
وذكَره في «التَّرْغيب» عن الأصحابِ.
ومُرادُهم بهذا الوَجْهِ، إذا لم يَكُنْ للمُدَّعِي بَيِّنة، فإنْ كانَ له بيِّنة، قَضَى بها، وَجْهًا واحدًا.
فائدتان؛ إحْداهما، مثْلُ ذلك في الحُكْمِ، لو قال: لا أعْلَمُ قَدْرَ حقِّه.
ذكَره في «عُيونِ المَسائلِ»، و «المُنْتَخَبِ».
واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ».
الثَّانيةُ، قولُه: يقولُ له القاضي: إنْ أجَبْتَ، وإلَّا جَعَلْتُكَ ناكِلًا.
ثَلاثَ مرَّاتٍ.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ حَمْدانَ، وغيرُهم.

الجزء: 28 - الصفحة: 447

وَإنْ قَال: لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعَاهُ.
لَمْ يَكُنْ مُجِيبًا.
وَإنْ قَال: لِي حِسَابٌ أرِيدُ أن أنْظُرَ فِيهِ.
لَمْ يَلْزَمِ المُدَّعِيَ إِنْظَارُهُ.
قوله: وإنْ قال: لِي حِساب أرِيدُ أنْ أنْظُرَ فيه.
لم يَلْزَمِ الْمُدَّعِيَ إنْظارُه.
هذا أحدُ الوَجْهَين.
جزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ».
وقدمه في «الرعايتَين»،

الجزء: 28 - الصفحة: 449

وَإنْ قَال: قَدْ قَضَيتُهُ.
أوْ: أبْرَأَنِي، وَلِي بَيَنةٌ بِالقَضَاءِ.
أَو: الإبْرَاءِ.
وَسَألَ الإِنْظَارَ، أنْظِرَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُه،  و «الحاوي».
وقيل: يَلْزَمُه 182 إنْظارُه ثَلاثًا.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ».
قال في «الفُروعِ»: لَزِمَ إنْظارُه -في الأصحِّ- ثَلاثَةَ أيام.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
وجزَم به في «الكافِي»، و «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ».
فائدة: لو قال: إنِ ادَّعَيتَ ألفًا برَهْنِ كذا لي بيَدِكَ، أجَبْتُ.
أو: وإنِ ادَّعَيتَ هذا ثَمَنَ كذا بِعْتَنِيه ولم تُقْبِضْنيه، فَنَعم، وإلَّا فلا حقَّ لكَ عليَّ.
فهو جَوابٌ صحيحٌ.
قاله في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
قوله: وإنْ قال: قَدْ قَضَيتُه.
أوْ -قَدْ- أبْرأنِي، ولِي بَينة بالْقَضاءِ.
أوْ: بِالإبراءِ.
وسَألَ الإنْظَارَ، انْظِرَ ثَلاثًا، ولِلْمُدَّعِي مُلازَمَتُه.
وهو المذهبُ.
جزَم به

الجزء: 28 - الصفحة: 450

فَإِنْ عَجَزَ، حَلَفَ المُدَّعِي عَلَى نَفْي مَا ادَّعَاهُ، وَاسْتَحَقَّ.
في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشّرْح»، و «الوَجيزِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ».
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يُنْظَرُ، كقَوْلِه: لي بَينةٌ تدْفَعُ دَعْواه.
تنبيه: مَحَلُّ الخِلافِ، إذا لم يَكُنِ الخَصْمُ أنْكَرَ أوَّلًا سَبَبَ الحق، أمَّا إنْ كانَ أنْكَرَ أوَّلًا سبَبَ الحقِّ، ثم ثَبَتَ، فادَّعَى قَضاءً أو إبْراء سابِقًا، لم تُسْمَعْ منه وإنْ أتَى ببَينةٍ.
نصّ عليه.
ونقَله ابنُ مَنْصُور.
وقدَّمه في «المُحَرّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ».
وقيل: تُسْمَعُ بالبَينةِ.
وتقدَّم نَظِيرُه في أواخِرِ بابِ الوَدِيعَةِ.
فائدة: مِثْلُ ذلك في الحُكْمِ، لو ادَّعَى القَضاءَ أو الإبراءَ، وجعَلْناه مُقِرا بذلك.
قاله في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما.
قوله: فإنْ عَجَزَ -يعْنِي 183، عن إقامَةِ البَينةِ بالقَضاءِ أو الإبراءِ- حَلَفَ الْمُدَّعِي على نَفْي ما ادَّعاه، واسْتَحَقَّ.
بلا نِزاع.
لكِنْ لو نَكَلَ المُدَّعِي، حُكِمَ عليه.
وإنْ قيلَ برَدِّ اليَمِينِ، فله تحْليفُ خَصْمِه، فإنْ أبَى حُكِمَ عليه.
فائدة: لو ادَّعَى أنَّه أقاله في بَيع، فله تَحْليفُه، ولو قال: أبْرَأنِي مِنَ الدعْوى.

الجزء: 28 - الصفحة: 451

فَإِن ادَّعَى عَلَيهِ عَينًا فِي يَدِهِ، فَأقَرَّ بِهَا لِغَيرِهِ، جُعِلَ الخَصْمَ فِيهَا، وَهَلْ يَحْلِفُ المُدَّعَى عَلَيهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَإِنْ كَانَ المُقَرّ لَهُ وَأخَذَهَا، وَإنْ أقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي، سُلِّمَتْ إِلَيهِ، وَإنْ قَال: لَيسَتْ لِي، وَلَا أعْلَمُ لِمَنْ هِيَ.
سُلمَتْ إِلَى المُدَّعِي، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الآخَرِ، لَا تُسَلَّمُ إِلَيهِ إلا بِبَيِّنَةٍ، وَيَجْعَلُهَا الحَاكِمُ عِنْدَ أمين.
وَإنْ أقرَّ بِهَا لِغَائِبٍ، أو صَبِيٍّ، أوْ مَجْنُونٍ، سَقَطَتْ عَنْهُ الدَّعْوَى، ثُمَّ إِنْ كَإنَ لِلْمُدَّعِي بَيَنةٌ، سُلِّمتْ إِلَيهِ، وَهَلْ  فقال في «التَّرْغيبِ»: انْبَنَى على الصلْحِ على الإِنْكارِ، والمذهبُ صِحتُه.
وإنْ قُلْنا: لا يصِحُّ.
لم تُسْمَعْ.
قوله: وإنِ ادَّعَى عليه عَينًا في يَدِه، فأقَرَّ بها لغَيرِه، جُعِلَ الخَصْمَ فيها، وهل يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عليه؟ -وهو المُقِر- على وجْهَين.
وأطْلَقهما في «الرعايتَين»،

الجزء: 28 - الصفحة: 452

يَحْلِفُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيَنةٌ، حَلَفَ المُدَّعَى عَلَيهِ أنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إِلَيهِ، وَأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ، إلا أنْ يُقِيمَ بَيِّنةً أنَّهَا لِمَنْ سَمَّى، فَلَا يَحْلِفُ.
و «شَرْحِ ابنِ مُنَجى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؛ أحدُهما، يحْلِف.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».

الجزء: 28 - الصفحة: 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والوَجْهُ الثَّاني، لا يحْلِف.
فعلى المذهبِ، إن نَكَلَ، أخِذَ منه بدَلُها.
قوله: فإنْ كانَ المُقَرُّ له حاضِرًا مُكَلَّفًا، سُئِلَ، فإنِ ادَّعاها لنَفْسِه ولم تَكُنْ -له- بَيِّنة، حَلَفَ وأخذها.
فإذا أخَذَها وأقامَ الآخَرُ بَينةً، أخذَها منه.
قال في «الرَّوْضَةِ»: وللمُقَرِّ له قِيمَتُها على المُقِرِّ.
قوله: وإنْ قال: لَيسَتْ لي، ولا أعْلَمُ لمَنْ هي.
سُلِّمَتْ إلى المدَّعِي، في أحَدِ الْوَجْهَين.
وإنْ كانا اثْنَين، اقْتَرَعا عليها.
وهو المذهبُ.
صحَّحه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والنَّاظِمُ، وصاحِبُ «التَّصْحيحِ»، وغيرُهم.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، وغيرِهم.
وفي الآخَرِ: لَا تُسَلَّمُ إليه إلَّا ببَينةٍ، ويَجْعَلُها الْحاكِمُ عِنْدَ أمين.
ذكَره

الجزء: 28 - الصفحة: 454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القاضي.
وقيل: تُقَر بيَدِ رَبِّ اليَدِ.
وذكَره في «المُحَرَّرِ»، و «المُذْهَبِ».
وضعَّفَه في «التَّرْغيبِ».
ولم يذْكُرْه في «المُغْنِي».
فعلى الوَجْهَين الآخَرَين، يحْلِفُ للمُدَّعِي، وعلى الوَجْهِ الأوَّل، يحْلِفُ إنْ قُلْنا: تُرَدُّ اليَمِينُ.
جزَم به في «الفُروعِ».
وقال المُصَنفُ، والشّارِحُ: ويتَخَرَّجُ لنا وَجْه، أنَّ المُدَّعِيَ يحْلِفُ أنها له، وتُسَلَّمُ إليه، بِناءً على القَوْلِ برَدِّ اليَمِينِ إذا نَكَلَ المُدَّعَى عليه.
فتَلَخصَ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ؛ تُسَلمُ للمُدعِي، أو ببَينة، أو تُقَرُّ بيَدِ رَبِّ اليَدِ، أو يأخُذُها المُدعِي ويحْلِفُ إنْ قُلْنا: تُرَدُّ اليَمِينُ.
فائدتان؛ إحْداهما، وكذا الحُكْمُ لو كذَّبَه المُقَرُّ له، وجُهِلَ لمَنْ هي.
الثَّانيةُ، لو عادَ فادَّعاها لنَفْسِه أو لثالِثٍ، لم يُقْبَلْ.
على ظاهرِ ما في «المُغْنِي» وغيرِه.
وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «المُحَرَّرِ» وغيرِه: تُقْبَلُ على الوَجة الثَّالِثِ، وهو الذي قال: إنَّه المذهبُ.
وجزَم به الزَّرْكَشِيُّ.
ثم إنْ عادَ

الجزء: 28 - الصفحة: 455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُقَرُّ له أوَّلًا إلى دَعْواه، لم تُقْبَلْ، وإنْ عادَ قبلَ ذلك، فوَجْهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
وإنْ أقَرَّتْ برِقِّها لشَخْص، و 184 كان المُقَرُّ به عَبْدًا، فهو كَمالِ غيرِه.
وعلى الذي قبلَه، يَعْتِقَان.
وذكَر الأزَجِيُّ في أصْلِ المَسْألَةِ، أنَّ القاضيَ قال: تَبْقَى على مِلْكِ المُقِرّ.
فتَصِيرُ وَجْهًا خامِسًا.
قوله: وإنْ أقَرَّ بها لغائبٍ، أو صَبِي، أو مَجْنُونٍ، سَقَطَتْ عنه الدَّعْوَى، ثم إِنْ كانَ للْمُدَّعِي بَيَنةٌ، سُلمَتْ إليه، وهل يَحْلِفُ؟ على وَجْهَين.
وذكَرَهما في «الرِّعايتَين» رِوايتَين.
وأطلَقهما في «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرعايتَين»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؟ أحدُهما، لا يحْلِفُ.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «التَّصحيحِ»، و «النَّظْمِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
والثَّاني، يحْلِفُ مع البَيِّنةِ.
قال ابنُ رَزِين في «مُخْتَصَرِه»: ويَحْلِفُ معها، على رَأيٍ.
وقيل: إنْ جعَل قَضاءً على

الجزء: 28 - الصفحة: 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غائبٍ، حَلَفَ، وإلَّا فلا.
قاله في «الرِّعايةِ».
قوله: وإنْ لم يَكُنْ له بَيِّنَةٌ، حَلَفَ المُدَّعَى عليه أنَّه لا يَلْزَمُه تَسْلِيمُها إليه، وأُقِرت في يَدِه.
وهو صحيحٌ.
لكِنْ لو نَكَلَ، غَرِمَ بدَلَها.
فإنْ كان المُدَّعِي اثْنَين، لَزِمَه لهما عِوَضان.
قوله: إلَّا أنْ يُقِيمَ بَينةً أنها لمَنْ سَمى، فلا يَحْلِفُ.
وتُسْمَعُ البَيَنةُ؛ لفائِدَةِ زَوالِ التُهْمَةِ وسُقوطِ اليَمِينِ عنه، ويُقْضى بالمِلْكِ إِنْ قُدِّمَتْ بَينةُ داخِل، وكان 185 للمُودِعِ والمُسْتَأجِرِ والمُسْتَعِيرِ المُحاكَمَةُ.
قدمه في «الفُروعِ».

الجزء: 28 - الصفحة: 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال الزَّرْكَشِيُّ: وخُرِّجَ 186 القَضاءُ بالمِلْكِ، بِناءً على أنَّ للمُودِعِ ونحوه المُخاصَمَةَ فيما في يَدِه.
وقدَّم المُصَنفُ، أنَّه لا يُقْضَى بالمِلْكِ؛ لأنَّه لم يَدَّعها الغائِبُ ولا وَكِيلُه.
وجزَم به الزَّرْكَشِيُّ.
تنبيهان؛ أحدُهما، قال في «الفُروعِ»: وتقدَّم أنَّ الدَّعْوَى للغائبِ لا تصِح إلَّا تَبَعًا.
وذكَرُوا أنَّ الحاكِمَ يقْضِي عنه، ويَبِيعُ ماله، فلابُدَّ مِن معْرِفَتِه أنَّه للغائبِ، وأعْلَى طَرِيقَةٍ البَينةُ، فتَكونُ مِنَ المُدَّعِي 187 للغائبِ تَبَعًا أو مُطْلَقًا؛ للحاجَةِ إلى

الجزء: 28 - الصفحة: 458

وَإنْ أقَرَّ بِهَا لمَجْهُولٍ، قِيلَ لَهُ: إِمَّا أنْ تُعَرِّفَهُ، أوْ نَجْعَلَكَ نَاكِلًا.
إيفاءِ الحاضِرِ وبَراءَةِ ذِمَّةِ الغائبِ.
الثَّاني، تولُه: وإنْ أقر بها لمجْهُول، قيلَ له: إمَّا أن تُعَرفَه، أو نَجْعَلَكَ ناكِلًا.
وهذا بلا نِزاعٍ.
لكِنْ لو عادَ فادَّعَاها لنَفْسِه، فقيلَ: تُسْمَعُ؛ لعدَمِ صِحَّةِ قوْلِه.
قال في «الرعايةِ الكبْرى»: قُبِلَ قولُه، في الأشْهَرِ.
وقيل: لا تُسْمَعُ؛ لاعْتِرافِه أنَّه لا يَمْلِكُها.
صحَّحه في «تَصْحبحِ المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ» في هذا البابِ.
وأطلَقهما في بابِ الدَّعاوَى، وأطْلَقهما في «الكافِي»، و «المُحَررِ»، و «الفُروعِ»، و «الرعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الزَّرْكَشِي».
وقال في «التَّرْغيبِ»: إنْ أصَرَّ حُكِمَ عليه بنُكُولِه، فإن قال بعدَ ذلك: هي لي.
لم يُقْبَلْ، في الأصح.
قال: وكذا تُخَرَّجُ إذا أكْذَبَه المُقَرُّ له، ثم ادَّعاها لنَفْسِه، وقال: غَلِطْتُ.
ويَدُه باقِيَة.
تنبيه: بعْضُ الأصحابِ يذْكُرُ هذه المَسائِلَ في بابِ الدَّعاوَى، وبعْضُهم يذْكُرُها هنا، وذكَر المُصَنفُ هناك ما يتَعَلَّقُ بذلك.

الجزء: 28 - الصفحة: 459

فَصْل: وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلا مُحَرَّرَةً تَحْرِيرًا يُعْلَمُ بِهِ المُدَّعَى، إلا فِي الوَصِيَّةِ وَالإِقْرَارِ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِالْمَجْهُولِ.
قوله: ولا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً تَحْرِيرًا يُعْلَمُ به المدَّعَى.
هذا المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
إلَّا ما اسْتَثْنى.
واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ مسْألةَ الدَّعْوَى وفُروعَها ضَعِيفَة؛ لحَدِيثِ الحَضْرَمِيِّ 188، وٍ أنَّ الثُّبوتَ المَحْضَ يصِحُّ بلا مُدَّعى عليه.
وقال: إذا قيلَ: لا تُسْمَعُ إلَّا مُحَرَّرَة، فالواجِبُ أنَّ مَن ادَّعَى مُجْمَلًا، اسْتَفْصَلَه الحاكِمُ.
وقال: المُدَّعَى عليه قد يكونُ مُبْهَمًا، كدَعْوَى الأنْصارِ قَتْلَ صاحِبِهم 189، ودَعْوَى المَسْرُوقِ منه على بَنِي أبَيرقٍ 190. ثم المَجْهول قد يكونُ مُطْلَقًا، وقد يَنْحَصِرُ في قَوْم؛ كقَوْلِها: نَكَحَنِي أحدُهما.
وقو لِه: زَوْجَتِي (3) إحْدَاهما.
انتهى.
والتَّفْرِيعُ على الأوَّلِ.
فعلى المذهبِ، يُعْتَبَرُ التَّصْرِيحُ بالدَّعْوى، فلا يكْفِي قوْلُه: لي عِندَ فُلانٍ كذا.
حتى يقولَ: وأنا الآنَ مُطالِب له به.
ذكَره في «التَّرْغيبِ»، و «الرِّعايةِ»،

الجزء: 28 - الصفحة: 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وغيرِهما.
وقدَّمه في الفُروعِ، وقال: وظاهرُ كلامِ جماعَةٍ، يَكْفِي الظَّاهِرُ.
قلتُ: وهو أظْهَرُ.
فائدتان؛ إحْداهما، قال في «الرعايةِ»: لو كان المُدَّعَى به مُتَمَيِّزًا، مَشْهورًا عندَ الخَصْمَين والحاكمِ، كَفَتْ شُهْرَتُه عن تحْديدِه.
وقال في «الفُروعِ»: وتَكْفِي شُهْرَتُه عِندَهما، و 191 عندَ الحاكمِ عن تحْديدِه؛ لحَدِيثِ الحَضْرَمِي، والكِنْدِي.
قال: وظاهِرُه عَمَلُه بعِلْمِه أنَّ مَوْرُوثَه 192 ماتَ ولا وارِثَ له سِواه.
انتهى.
الثَّانيةُ، لو قال: غَصَبْتَ ثَوْبِيَ؛ فإنْ كان باقِيًا فلِي رَدُّه، وإلَّا فقِيمَتُه 193. صحَّ اصْطِلاحًا.
وقيلَ: يدَّعِيه، فإنْ خَفِيَ 194، ادَّعَى قِيمَتَه.
وقال في

الجزء: 28 - الصفحة: 461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «التَّرْغيبِ»: لو أعْطىَ دَلَّالًا ثَوْبًا قِيمَتُه عَشَرَة ليَبِيعَه بعِشْرِين، فجَحَدَه، فقال: أدَّعِي ثَوْبًا، إنْ كانَ باعَه فلِي عِشْرُون، وإنْ كان باقِيًا، فلي عَينُه، وإنْ كانَ تالِفًا فلِي عشَرَة.
قال في «الفُروعِ»: فقد اصْطَلَحَ القُضاةُ على قَبُولِ هذه الدَّعْوَى المُرَدَّدَةِ 195 للحاجَةِ.
قال في «الرِّعايةِ»: صحَّ اصْطِلاحًا 196. انتهى.
وإنِ ادَّعَى أنَّه 197 له الآنَ، لم تُسْمَعْ بَينتُه أنَّه 198 كانَ له أمْسِ، أو في يَدِه، في الأصح من الوَجْهَين، حتى يبيِّنَ سبَبَ يَدِ الثَّاني نحوَ غاصِبِه، بخِلافِ ما لو شَهِدَتْ أنَّه كان مِلْكَه بالأمْسِ، اشْتَرَاه مِن رَبِّ اليَدِ، فإنَّه يُقْبَلُ.
وقال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، إنْ قال: ولا أعْلَمُ له مُزِيلًا.
قُبِلَ كعِلْمِ الحاكمِ أنَّة يُلمسُ عليه.
وقال أيضًا: لا يُعْتَبَرُ في أداءِ الشَّهادَةِ قوْلُه: وأنَّ الدَّينَ باقٍ في ذِمَّةِ الغَريمِ إلى الآنَ.
بل يَحْكُمُ الحاكِمُ باستِصْحابِ الحال، إذا ثَبَتَ عِندَه سبْقُ الحقِّ إجْماعًا.
وقال أيضًا في مَن بيَدِه عَقار، فادَّعَى رجُل بمَثْبُوتٍ عندَ الحاكمِ، أنَّه كانَ لجَده إلى مَوْتِه، ثم لوَرَثَتِه، و [لم يثبِ] 199 أنَّه مُخَلَّف عن مَوْرُوثِه: لا يُنْزَعُ منه بذلك؛ لأنَّ أصْلَين تَعارَضا، وأسْبابَ انْتِقالِه أكثرُ مِن الإرْثِ، ولم تَجْرِ العادَةُ بسُكُوتِهم المُدَّةَ الطَّويلَةَ، ولو فُتِحَ هذا لانْتُزِعَ كثير مِن عَقَارِ النَّاسِ بهذه الطَّريقِ.
وقال في مَن بيَدِه عَقارٌ، فادَّعَي آخَرُ أنه كانَ مِلْكًا لأبِيه، فهل يُسْمَعُ مِن غيرِ بَينةٍ؟ قال: لا يُسْمَعُ إلَّا بحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، أو إقْرارِ مَنْ هو في يَدِه، أو تحتَ حُكْمِه.
وقال في بَينةٍ شَهِدَتْ له بمِلْكِه إلى حينِ وَقْفِه، وأقامَ الوارِثُ بَينةً، أن مَوْرُوثَه اشْتَراه مِن الواقِفِ قبلَ

الجزء: 28 - الصفحة: 462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَقْفِه: قدِّمَتْ بَينةُ وارِثٍ؛ لأنَّ معها مَزِيدَ عِلْم؛ لتَقْديمِ 200 مَنْ شَهِدَ بأنه وَرِثَه مِن أبِيه، وآخَرَ أنه باعَه.
انتهى.
قوله: إلا في الوَصِيةِ والإقْرارِ، فإنَّها تَجُوزُ بالْمَجْهُولِ.
وكذلك في العَبْدِ المُطْلَقِ في المَهْرِ، إذا قُلْنا: يصِحُّ.
وهذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال في «الرِّعايتَين»: كوَصِيَّةٍ، وعَبْدٍ مُطْلَقٍ في مَهْر، أو نحوه.
وقيل: أو إقْرار.
وقال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»: ولا تصِحُّ إلَّا مُحَررَةً، يُعْلَمُ بها المُدَّعَى، إلَّا في الْوَصِيَّةِ خاصَّةً، فإنَّها تصِحُّ بالمَجْهولِ.
وقاله غيرُهم.
وقال في «عُيونِ المَسائلِ»: يصِحُّ الإقْرارُ بالمَجْهولِ؛ لِئَلَّا يسْقُطَ حقُّ المقَرِّ له، ولا تصِحُّ الدَّعْوى؛ لأنَّها حق له، فإذا رُدَّتْ عليه عُدِلَ إلى مَعْلوم.
واخْتارَ في «التَّرْغيبِ» أنَّ دَعْوى الإقْرارِ بالمَعْلومِ لا تصِحُّ؛ لأنَّه ليسَ بالحقِّ ولا مُوجبِه، فكيفَ بالمَجْهولِ؟ وقال في «التَّرْغيبِ» أيضًا: لو ادَّعَى دِرْهَمًا، وشَهِدَ الشُّهودُ على إقْرارِه، قُبِلَ، ولا يدعِي الإقْرارَ، لموافَقَتِه لَفْظَ الشُّهودِ، بل لو ادَّعَى لم تُسْمَعْ: وفي «التَّرْغيب»، في اللُّقَطَةِ: لا تُسْمَعُ.
وقال الآمِدِيّ: لو ادَّعَتِ امْرَأة أنَّ زوْجَها أقَرَّ أنَّها اخْتُه مِن الرَّضاعِ، أو ابْنَتُه، وأنْكَرَ الزَّوْجُ، فأقامَتْ بَينةً على إقْرارِه بذلك، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّها شهادَة على الإقْرارِ على الرَّضاعِ.
قال الشَّيخُ تَقِي الدينِ، رَحِمَه الله تُعالى: لعَل مأخَذَه أنَّها ادعَتْ بالإقْرارِ لا بالمُقَر به.
ولكِنَّ هذه الشَّهادَةَ تُسْمَعُ 201 بغيرِ دَعْوى؛ لِمَا فيها مِن حق اللهِ، على أنَّ الدَّعْوى بالإقْرارِ

الجزء: 28 - الصفحة: 463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فيها نظَرٌ، فإنَّ الدعْوى بها تصْدِيقُ المُقِرِّ.
فوائد؛ الأولَى، مِن شَرْطِ صِحةِ الدَّعْوى، أنْ تكونَ مُتَعَلقَةً بالحالِّ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقدمه في «الفُروعِ».
وقيل: تُسْمَعُ بدَين مُؤجل؛ لإِثْباتِه.
قال في «التَّرْغيبِ»: الصحيحُ أنَّها تُسْمَعُ، فيَثْبُتُ أصْلُ الحق لِلُّزُومِ في المُسْتَقْبَلِ، كدَعْوَى تَدْبِير، وأنَّه يَحْتَمِلُ في قوْلِه: قَتَلَ أبي أحدُ هؤلاءِ الخَمْسَةِ.
أنَّها تُسْمَعُ للحاجَةِ؛ لوُقِوعِه كثيرًا، ويحْلِفُ كلّ منهم.
وكذا دَعْوَى غَصْبٍ وإتْلافٍ وسَرِقَةٍ، لا إقْرارٍ وبَيع، إذا قال: نَسِيتُ.
لأنَّه مُقَصرٌ.
وقال في «الرعايةِ الكُبْرى»: تُسْمَعُ الدَعْوى بدَين مُؤجل؛ لإثْباتِه، إذا خافَ سفَرَ الشُّهودِ أو 202 المَدْيُونِ مُدَةً بغيرِ أجَل 203. الثَّانيةُ، يُشْترَطُ في الدعْوى انْفِكاكُها عمَّا يُكَذِّبُها؛ فلو ادعَى عليه أنَّه قتَل أبَاه مُنْفَرِدًا، ثم ادَّعَى على آخَرَ المُشارَكَةَ فيه، تُسْمَعِ الثَّانيةُ ولو أقَر الثَّاني، إلَّا أنْ يقولَ: غَلِطْتُ.
أو: كَذَبْتُ في الأولَى.
فالأظْهَرُ، تُقْبَلُ.
قاله في «التَّرْغيبِ».
وقدَّمه في «الفُروعِ»؛ لإِمْكانِه، والحقُّ لا يَعْدُوهما.
وقال في «الرعايةِ»: مَنْ أقَرَّ لزَيدٍ بشيءٍ، ثم ادَّعاه، وذكَرَ تَلَقِّيَه منه، سُمِعَ، وإلا فلا، وإنْ أخِذَ منه بِبَينةٍ، ثم ادعاه، فهل يَلْزَمُ ذِكْرُ تَلَقِّيه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
الثَّالثةُ، لو قال: كان بيَدِكَ.
أو: لكَ أمْسِ، وهو مِلْكِي الآنَ.
لَزِمَه سبَبُ زَوالِ يَدِه.
على أصح الوَجْهَين.
والوَجْهُ الثاني، لا يَلْزَمُه.
وقيل: يَلْزَمُه في الثانيةِ دُونَ الأولَى.
قال في «الفُروعِ»: فيَتَوَجهُ على الوَجْهَين، لو أقامَ المُقِر بَينةً أنَّه

الجزء: 28 - الصفحة: 464

فَإِنْ كَانَ المُدَّعَى عَينًا حَاضِرَةً، عَيَّنَهَا، وَإنْ كَانَتْ غَائِبَةً، ذَكَرَ صِفَاتِهَا، إِنْ كَانتْ تَنْضَبِطُ بهَا، وَالأوْلَى ذِكْرُ قِيمَتِهَا.
له، ولم يُبَيِّنْ سبَبًا، هل تُقْبَلُ؟.
وتقدَّم الكِفايَةُ بشُهْرَتِه عندَ الخَصْمَين و 204 الحاكمَ قريبًا.
الرَّابعةُ، لو أحْضَرَ ورَقَةً فيها دَعْوَى مُحَررَة، وقال: أدَّعِي بما فيها.
مع حُضورِ خَصْمِه، لم تُسْمَعْ.
قاله في «الرِّعايةِ».
وقال في «الفُروعِ»: لا يَكْفِي قوْلُه عن دَعْوَى في ورَقَةٍ: أدَّعِي بما فيها.
الخامسةُ، تُسْمَعُ دَعْوَى اسْتِيلادٍ وكِتابَةٍ وتَدْبِير.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: تُسْمَعُ في التَّدْبِيرِ إنْ جُعِلَ عِتْقًا بصِفَةٍ.
وقال في «الفُصولِ»: دَعْواه سبَبًا قد يُوجِبُ مالًا -كضَرْبِ عَبْدِه ظُلْمًا- يَحْتَمِلُ أنْ لا تُسْمَعَ حتى يجبَ المالُ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: لا تُسْمَعُ [إلا دَعْوَي] 205 مُسْتَلْزِمَة، لا كَبَيعِ خِيارٍ ونحوه، وأنَّه لو ادعى بَيعًا أو هِبَةً، لم تُسْمَعْ إلَّا أنْ يقولَ: ويَلْزَمُه التَّسْلِيمُ إليَّ.
لاحْتِمالِ كوْنِه قبلَ اللُّزومِ.
ولو قال: بَيعًا لازِمًا.
أو: هِبَةً مَقْبُوضَة.
فوَجْهان؛ لعدَمِ تَعَرضِه للتَّسْليمِ.
قوله: وإنْ كانَ الْمُدَّعَى عَينًا حاضِرَةً، عَيَنها، وإنْ كانتْ غائِبَةً، ذَكَرَ صِفاتِها، إنْ كانَتْ تَنْضَبِطُ بها، والأوْلَى ذِكْرُ قِيمَتِها.
وجزَم به الشَّارِحُ، وابنُ

الجزء: 28 - الصفحة: 465

وَإنْ كَانَتْ تَالِفَةً مِنْ ذَوَاتِ الأمْثَالِ، ذَكَرَ قَدْرَهَا وَجِنْسَهَا وَصِفَتَهَا، وَإنْ ذَكَرَ قِيمَتَهَا كَانَ أوْلَى، وَإنْ لَمْ تَنْضَبِطْ بِالصِّفَاتِ، فَلابُدَّ مِنْ ذِكْرِ قِيمَتِهَا.
مُنَجَّى، و [«الفُروعِ»، وغيرُهم] 206. قوله: وإنْ كانَتْ تالِفَةً مِن ذَواتِ الأمْثالِ -أو في الذِّمَّةِ- ذَكَرَ قَدْرَها وجنْسَها وصِفَتَها.
فيَذْكُرُ هنا ما يذكُرُ في صِفَةِ السلَمِ، وإنْ ذكرَ قِيمَتَها، كان أولَى.
يعْنِي، الأوْلَى أنْ يذْكُرَ قِيمَتَها مع ذِكْرِ صِفَةِ السلَمِ.
قاله الأصحابُ؛ لأنه

الجزء: 28 - الصفحة: 466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أضْبَطُ.
وكذا إنْ كانَ غيرَ مِثْلِي.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنفِ، وغيرِه.
وقال في «التَّرْغيبِ»: يَكْفِي ذِكْرُ قِيمَةِ غيرِ المِثْلِيِّ.
فائدة: قولُه: وإنْ لم تَنْضَبِطْ بالصِّفاتِ، فلا بُد مِن ذِكْرِ قِيمَتِها.
كالجَواهِرِ ونحوها، بلا نِزاعٍ.
لكِنْ يكْفِي ذِكْرُ قَدْرِ نَقْدِ 207 البَلَدِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «المُحَررِ»، و «النظْمِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي

الجزء: 28 - الصفحة: 467

وَإنِ ادَّعَى نِكَاحًا، فَلَابُدَّ مِنْ ذِكْرِ المَرأةِ بِعَينها إِنْ حَضَرَتْ، وَإلَّا ذَكَرَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا، وَذَكَرَ شُرُوطَ النِّكَاحِ، وَأنَهُ تَزَوَّجَهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَرِضَاهَا، فِي الصَّحِيحِ مِنَ المَذْهَبِ.
الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: ويَصِفُه أيضًا.
قوله: وإنِ ادَّعَى نِكاحًا، فلابُدَّ مِن ذِكْرِ الْمَرْأةِ بعَينها إنْ حَضَرَتْ، وإلَّا ذَكَرَ اسْمَها ونَسَبَها، وَذَكَرَ شُرُوطَ النِّكاحِ، وأنه تَزَوَّجَها بوَلِي مُرْشِدٍ وشاهِدَيْ عَدْلي، وبرِضاها، في الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وهو المذهبُ، كما قال.
يعْنِي، يُشْتَرَطُ في صِحَّةِ الدَّعْوى بالنِّكاحِ، ذِكْرُ شُروطِه.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهم.
وصحَّحه في «الفُروعِ» وغيرِه، فقال: يُعْتَبَرُ ذِكْرُ شُروطِه، في الأصح.
واخْتارَه

الجزء: 28 - الصفحة: 468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المُصَنفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما.
وقدَّمه في «الرعايةِ» وغيرِه.
وقال في «التَّرْغيبِ»: يُعْتَبَرُ في النكاحِ وَصْفُه بالصحَّةِ.
انتهى.
وقيل: لا يُعْتَبَرُ ذِكْرُ شُروطِه.
فعلى المذهبِ، لو ادَّعَى اسْتِدامَةَ الزَّوْجِيةِ، ولم يَدَّعِ العَقْدَ، فهل يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُروطِه في صِحَّةِ الدَّعْوى، أمْ لا؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، لا يُشْترَطُ.
وهو الصَّحيحُ.
صحَّحه في «البُلْغَةِ»، و «الرعايتَين».
وإليه مَيلُ

الجزء: 28 - الصفحة: 469

وَإنِ ادَّعَى بَيعًا، أو عَقْدًا سِوَاهُ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ؟  المُصَنفِ، والشارِحِ.
وهو ظاهرُ كلامِه في «الوَجيزِ».
والثاني، يُشْترَطُ.
فائدتان؛ إحْداهما، قال المُصَنفُ، والشَّارِحُ: لو كانتِ المَرْأةُ أمَةً، والزَّوْجُ حُرًّا، فَقِياسُ ما ذكَرْنا، أنَّه يحْتاجُ إلى ذِكْرِ عدَمِ الطَّوْلِ وخَوْفِ العَنَتِ.
الثَّانيةُ، لو ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأةٍ، فأقَرَّتْ، فهل يُسْمَعُ إقْرارُها -وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وصحَّحه المَجْدُ -أو لا يُسْمَعُ؟ وإنِ ادَّعَى زَوْجِيتَّهَا واحِد، قُبِلَ، وإنِ ادعاها 208 اثْنان، لم يُقْبَلْ.
قطع به المُصَنفُ في «المُغْنِي».
فيه ثلاثُ رِوَاياتٍ.
قوله: وإنِ ادَّعَى بَيعًا، أو عَقْدًا سِواه، فهل يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِه؟ يَحْتَمِلُ

الجزء: 28 - الصفحة: 470

يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.
وَجهين.
وكذا في «التَّرْغيبِ».
يعْنِي، إذا اشْترَطْنا ذِكْرَ ذلك في النِّكاحِ.
وأطْلَقهما ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»؛ أحدُهما، يُشْترَطُ ذِكْرُ شُروطِه.
وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: اعْتُبِرَ ذِكْرُ شُروطِه، في الأصحِّ.
قال في «الرِّعايةِ الصُّغْرى»: ذِكْرُ شُروطِ صِحتِه، في الأصحِّ.
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «تَجْريدِ

الجزء: 28 - الصفحة: 471

وَإنِ ادَّعَتِ امْرأة نِكَاحًا عَلَى رَجُل، وَادَّعَتْ مَعَهُ نَفَقَةً أو مَهْرًا، سُمِعَتْ دَعْوَاهَا، وَإنْ لَمْ تَدَّعِ سِوَى النِّكَاحِ، فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
العِنايةِ»، و «النّظْمِ».
والوَجْهُ الثَّاني، لا يُشْترَطُ.
اخْتارَه المُصَنفُ، والشَّارِحُ.
وقيل: يُشْترَطُ ذِكْرُه في مِلْكِ الإماءِ والنِّكاحِ، ولا يُشْترَطُ ذِكْرُه في غيرِهما.
قوله: وإنِ ادَّعَتِ المَرْأةُ نِكاحًا على رَجُل، وادَّعَتْ معه نَفَقَةً أو مَهْرًا، سُمِعَتْ دَعْواها -بلا نِزاع- وإنْ لم تَدَّعِ سِوَى النكاحِ، فهل تُسْمَعُ دَعْواها؟

الجزء: 28 - الصفحة: 472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  على وجْهَين.
وأطلَقهما في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفُروعِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، لا تُسْمَعُ.
وهو المذهبُ.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ.
وصحَّحه في «التصْحيحِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «النّظْمِ».
والوَجْهُ الثَّاني، تُسْمَعُ.
جزَم به القاضي.
فعليه، هي في الدَّعْوَى كالزَّوْجِ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو نَوَى بجُحودِه الطَّلاقَ، لم تَطْلُقْ.
على الصحيحَ مِن المذهبِ، خِلافًا للمُصَنِّفِ في «المُغْنِي».
واخْتارَه في «التَّرْغيبِ».
وقال: المَسْألةُ مَبْنِيَّة على رِوايةِ صِحَّةِ إقْرارِها به إذا ادَّعاه واحدٌ.
قاله في «الفُروعِ».

الجزء: 28 - الصفحة: 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قلتُ: قد تقدَّم في كتابِ الطَّلاقِ، في قوْلِه: ليسَ لِي امْرَأة.
أو: ليستْ لي بامْرَأةٍ.
رِوايَةُ أنَّه لَغْوٌ.
قال في «الفُروع»: والأصحُّ، كِنايَةٌ.
وقال في «المُحَررِ» هناك: إذا نَوَى الطَلاقَ بذلك، وقَعَ.
وعنه، لا يقَعُ شيء.
فالجُحُودُ هنا لعَقْدِ النكاحِ، لا لكَوْنِها امْرَأته.
الثَّانيةُ، لو عَلِمَ أنَّها ليستِ امْرَأته، وأقامَتْ بَينةً أنها امْرَأته، فهل يُمَكَّنُ منها ظاهِرًا؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».
قلتُ: الذي يُقْطَعُ به، أنَّه لا يُمَكنُ منها، وكيفَ يُمَكَنُ منها

الجزء: 28 - الصفحة: 474

وَإنِ ادَّعَى قَتْلَ مَوْرُوثِهِ، ذَكَرَ الْقَاتِلَ، وَأنَهُ انْفَرَدَ بِهِ، أوْ شَارَكَ غَيرَهُ، وَأنَهُ قَتَلَهُ عَمْدًا، أوْ خَطَأً، أوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَيَصِفُهُ.
وإنِ ادَّعَى الإرْثَ، ذَكَرَ سبَبَهُ.
وهو يعْلَمُ مِن نفْسِه ويتَحَققُ أنَّها ليستْ له بزَوْجَةٍ، حتى ولو حَكَمَ به حاكِم؛ لأنَّ حُكْمَه لا يُحِلُّ حَرامًا.
قوله: وإنِ ادعَى قَتْلَ مَوْرُوثِه، ذَكَرَ القاتِلَ، وأنَّه انْفَرَدَ به، أو شارَكَ غَيرَه، وأنه قَتَلَه عَمْدًا، أو خَطَأ، أو شِبْهَ عَمْدٍ، ويَصِفُه.
وهذا بلا.
نزاع.
وإنْ لم يذْكُرِ الحياةَ في ذلك، فوَجْهان.
وأطلَقهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى».
قلتُ: الأوْلَى عدَمُ اشْتِراطِ ذِكْرِ الحَياةِ.
فائدتان؛ إحْداهما، قولُه: وإنِ ادعَى الإرْثَ، ذَكَرَ سَبَبَه.
بلا نِزاع.
ولو ادعَى دَينًا على أبِيه، ذكَرَ مَوْتَ أبِيه، وحَرَّرَ الدينَ والترِكَةَ.
على الصحيحِ مِن المذهبِ.
اخْتارَه القاضي [وغيرُه] 209. وهو ظاهرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ».

الجزء: 28 - الصفحة: 475

وَإنِ ادَّعَى شَيئًا مُحَلًّى، قَوَّمَهُ بِغَيرِ جِنْسِ حِلْيَتهِ، فَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِلْحَاجَةِ.
فَصْلٌ: وَتُعْتَبَرُ فِي البَينةِ العَدَالةُ ظَاهِرًا وبَاطِنًا، فِي اخْتِيَارِ أبي بَكْرِ وَالقَاضِي.
وَعَنْهُ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِم لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ.
واخْتارَ المُصَنِّفُ، أنَّه يكْفِي 210 [أنْ يقولَ] 211: إنَّه وصَلَ إليه مِن تَرِكَةِ أبِيهِ ما يَفِي بدَينه.
الثَّانيةُ، قولُه: وإنِ ادَّعَى شَيئًا مُحَلًّى، قوَّمَه بغَيرِ جِنْسِ حِلْيَته، فَإنْ كانَ مُحَلًّى بذَهَبٍ وفِضَّةٍ، قوَّمَهَ بما شاءَ مِنْهُما للْحاجَةِ.
بلا نِزاعٍ.
ولو ادَّعَى دَينًا أو عَينًا، لم يُشْتَرَطْ ذِكْرُ سبَبِه، وَجْهًا واحدًا؛ لكَثْرَةِ سَبَبِه، وقد يَخفى على المُدَّعِي.
قوله: وتُعْتَبَرُ في الْبَينةِ الْعَدالةُ ظاهِرًا وباطِنًا، في اخْتِيارِ أبِي بَكْر والقاضِي.
وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: تُعْتَبَرُ عَدالةُ البَينةِ ظاهِرًا وباطِنًا، أطْلَقَه الإمامُ

الجزء: 28 - الصفحة: 476

اخْتارَهَا الخِرَقِيُّ.
وإنْ جَهِلَ إِسْلَامَهُ، رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ.
والْعَمَلُ عَلَى الأوَلِ.
والأصحابُ.
قال الزَّرْكَشِي: هذا المذهبُ عندَ أكثرِ الأصحابِ؛ القاضي وأصحابِه، وأبي محمدٍ، والْخِرَقِيِّ، فيما قاله أبو البَرَكاتِ.
انتهى.
قلتُ: وحكاه في «الهِدايةِ» عن الْخِرَقِيِّ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدمه في «المُحَرَّرِ» وغيرِه.
قال في «المُحَرَّرِ»: واخْتارَه الْخِرَقِيُّ.
وأخذَه مِن قوله: وإذا شَهِدَ عندَه مَن لا يعْرِفُه، سألَ عنه.
وفي «الواضِحِ»، و «المُوجَزِ»: كَبَيِّنةِ حدٍّ وقَوَدٍ.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: العَدالةُ المُعْتبَرةُ في شُهودِ الزِّنَى، هي العَدالةُ المُعْتَبَرَةُ ظاهِرًا وباطِنًا، وَجْهًا واحدًا، وإنِ اخْتُلِفَ في ذلك في الأمْوالِ؛ لتَأكُّدِ الزِّنَى.
انتهى.
وعنه، تُقْبَلُ شَهادَةُ كُل مُسْلِم لم تظْهَرْ منه رِيبَة، اخْتارَها الْخِرَقِي.
قاله المُصنِّفُ في هذا الكتابِ هُنا، وأخذَها مِن قوْلِه: والعَدْلُ؛ مَنْ لم تظْهَرْ منه رِيبة.

الجزء: 28 - الصفحة: 477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكذا قال القاضي وغيرُه.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وليسَ بالبَيِّن؛ لِما تقَدَّم له مِن أنَّه إذا شَهِدَ عندَه مَن لا يعْرِفُ حاله، سألَ عنه.
فدَلَّ على أن كلامَه هنا في مَن عرَفَ حاله.
انتهى.
واخْتارَ هذه الروايةَ أبو بَكْر، وصاحِبُ «الرَّوْضَةِ».
قاله في «الفُروعِ».
فعليها، إنْ جَهِلَ إسْلامَه، رجَعَ إلى قوْلِه.
وفي جَهْلِ حُريته -حيثُ اعْتَبَرْناها- وَجْهان؛ أحدُهما، لا يرجِعُ إليه.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ».
وقال: جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وأوْرَدَه

الجزء: 28 - الصفحة: 478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في «النَّظْمِ» مذهبًا.
والثَّاني، يرجِعُ إليه.
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ».
وإنْ جَهِلَ عَدالتَه، لم يَسْأل عنه، إلَّا أنْ يَجْرَحَه الخَصْم.
وقال في «الانْتِصارِ»: يُقْبَلُ مِن الغَريبِ قولُه: أنا حُر عَدْل.
للحاجَةِ، كما قَبِلْنا قولَ المَرْأةِ، أنَّها ليستْ مُزَوَّجَةً، ولا مُعْتَدة.

الجزء: 28 - الصفحة: 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فائدة جليلَة: وهي أنَّ المُسْلِمَ، هل الأصْلُ فيه العَدالةُ، أو الفِسْقُ؟ اخْتُلِفَ فيها في زَمَنِنا، فأحبَبْتُ أنْ أنْقُلَ ما اطلَعْتُ عليه فيها مِن كُتُبِ الأصحابِ، فأقولُ، وباللهِ التَّوْفيقُ: قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» 212 عندَ قوْلِ الْخِرَقِيِّ: وإذا شَهِدَ عندَه مَن لا يعْرِفُه، سأل عنه.
وتابعَه الشَارِحُ عندَ قولِ المُصَنِّفِ: وتُعْتَبَرُ في البَينةِ

الجزء: 28 - الصفحة: 480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العَدالةُ ظاهِرًا وباطِنًا.
لمَّا نَصَرَا 213 أنَّ العَدالةَ تُعْتَبَرُ ظاهِرًا وباطِنًا، وحكَيَا 214 القولَ بأنه لا تُعْتَبَرُ العَدالةُ إلّا ظاهِرًا، وعللاه بأنْ قالا: ظاهِرُ حالِ المُسْلِمِين العَدالةُ.

الجزء: 28 - الصفحة: 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واحْتَجَّا له بشَهادَةِ الأعْرابِي برُؤيَةِ الهِلالِ وقَبُولِها، وبقَوْلِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه: المُسْلِمُون عُدول بعْضُهم على بَعْض.
ولمَّا نصَرا 215 الأوَّلَ قالا: العَدالةُ شَرْط، فَوَجَبَ العِلْمُ بها كالإسْلامِ.
وذكَرا 216 الأدِلةَ، وقالا: وأمَّا قولُ عمرَ، رَضِيَ اللهُ

الجزء: 28 - الصفحة: 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تعالى عنه، فالمُرادُ به ظاهِرُ العَدالةِ.
وقَالا: هذا بَحْث يدُل على أنَّه لا يُكْتَفَى بدُونِه.
فظاهِرُ كلامِهما، أنَّهما سلَّما أنَّه ظاهِرُ العَدالةِ، ولكِنْ تُعْتَبَرُ معْرِفَتُها باطِنًا.
وقالا في الكَلامِ على أنه لا يُسْمَعُ الجَرْحُ إلا مُفَسَّرًا: لأنَّ الجَرْحَ ينْقُلُ عن الأصْل؛ فإنَّ الأصْلَ في المُسْلِمين العَدالةُ، والجَرْحُ ينْقُلُ عنها.
فصَرحا هنا بأن

الجزء: 28 - الصفحة: 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأصْلَ في المُسْلِمين العَدالةُ.
وقال ابنُ مُنَجى في «شَرْحِه»، لمَّا نَصَرَ أنَّه تُعْتَبَرُ العَدالةُ ظاهِرًا وباطِنًا: وأمَّا دَعْوَى أنَّ ظاهِرَ 217 حالِ المُسْلِمين 218

الجزء: 28 - الصفحة: 484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العَدالةُ، فَممْنُوعَةٌ، بلِ الظَّاهِرُ عكْسُ ذلك.
فصَرّحَ أنّ الأصْلَ في ظاهرِ حالِ المُسْلِمِ عَكْسُ العَدالةِ.
وقال في قولِه: ولا يُسْمَعُ الجَرْحُ إلَّا مُفَسرًا.
والفَرْقُ بينَ التَّعْديلِ وبينَ الجَرْحِ، أنَّ التعْدِيلَ إذا قال: هو عَدْل.
يُوافِقُ الظَّاهِرَ، فحَكَم بأنه عَدْل في الظَّاهِرِ، فخالفَ ما قال أوَّلًا.
وقال ابنُ رَزِين في «شرحه» في أولَ كتابِ النِّكاحِ: وتصِحُّ الشَّهادَةُ مِن مَسْتُورِي الحالِ، رِوايةً واحدةً؛ لأن الأصْلَ العَدالةُ.
وقال الطوفِيُّ في «مُخْتَصَرِه» في الأصولِ، في أواخِرِ التَّقْليدِ: والعَدالةُ أصْلِيَّة في كل مُسْلِم.
وتابعَ ذلك في «شَرْحِه» على ذلك.
فظاهِرُ كلامِه، أنَّ الأصْلَ العَدالةُ.
وقال في «الرَّوْضَةِ»، في هذا المَكانِ: لأنَّ الظَّاهِرَ مِن حالِ العالِمِ العَدالةُ.
وقال الزرْكَشِي عندَ قولِ الْخِرَقِي: وإذا شَهِدَ عندَه مَن لا يعْرِفُه، سألَ عنه: ومنْشَأ الخِلافِ أن العَدالةَ، هل هي شَرْط لقَبولِ الشَّهادَةِ -والشَّرْطُ لا بد مِن تَحَقُّقِ وُجودِه، وإذَنْ لا يُقْبَلُ مَسْتُورُ الحالِ، لعدَمِ تحَققِ الشَّرْطِ فيه- أو 219 الفِسْقُ مانِعٌ؟ فيُقْبَلُ مَسْتُوري الحالِ، إذِ الأصْلُ عدَمُ الفِسْقِ.
ثم قال بعدَ ذلك بأسْطُر: فإنْ قيلَ بأنَّ الأصْلَ في المُسْلِمين العَدالةُ.
قيلَ: لا نُسَلِّمُ هذا، إذِ العَدالةُ أمْر زائدٌ على الإسْلامِ، ولو سُلمَ هذا فُمعارَض بأن الغالِبَ -ولاسِيَّما

الجزء: 28 - الصفحة: 485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في زَمَنِنا هذا- الخُروجُ عنها.
وقد يَلْزَمُ أنَّ الفِسْقَ مانِع، ويقالُ: المانِعُ لا بدَّ مِن تحَقُّقِ ظَنِّ عدَمِه، كالصبِيِّ والكُفْرِ.
وقال الشّيخُ تَقِيّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: مَنْ قال: إنّ الأصْلَ في الإنْسانِ العَدالةُ.
فقد أخْطَأ، وإنما الأصْلُ فيه الجَهْلُ والظُّلْمُ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ 220. وقال ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَه اللهُ، في أواخِرِ «بَدائِع الفَوائدِ»: إذا شكَّ في الشاهِدِ، هل هو عَدْلٌ أم لا؟ لم يحْكُمْ بشَهادَتِه 221؛ إذِ الغالِبُ في النَّاسِ عدَمُ العَدالةِ، وقولُ مَن قال: الأصْلُ في النّاسِ العَدالةُ.
كَلام مُسْتَدْرَك، بلِ العَدالةُ حادِثَة تتَجَدَّدُ، والأصْلُ عدَمُها، فإنَّ خِلافَ العَدالةِ مُسْتَنَدُه جَهْلُ الإنْسانِ وظُلْمُه، والإنْسانُ جَهُول ظَلُوم، فالمُؤمِنُ يَكْمُلُ بالعِلْمِ والعَدالةِ، وهما جِماعُ الخَيرِ، وغيرُه يَبْقَى على الأصْلِ.
وقال بعْضُهم: العَدالةُ والفِسْقُ مَبْنِيَّان على قَهُولِ شَهادَتِه، فإنْ قُلْنا: تُقْبَلُ شَهادَةُ مَسْتُورِ 222 الحالِ.
فالأصْلُ فيه العَدالةُ، ؤإنْ قُلْنا: لا تُقْبَلُ.
فالأصْلُ فيه الفِسقُ.
قلتُ: الذي يَظْهَرُ أن المُسْلِمَ ليسَ الأصْلُ فيه الفِسْقَ، لأن الفِسْقَ قَطْعًا يَطْرأ، والعَدالةُ أيضًا -ظاهِرًا وباطِنًا- تَطْرأ، لكِن الظَّنَّ في المُسْلِمِ العَدالةَ أوْلَى مِن الظَّنِّ به الفِسْقَ.
وممَّا يُسْتَأنَسُ به -على القَوْلِ بأنَّ الأصْلَ في المُسْلِمِ العَدالةُ- قوْلُه عليه أفْضَلُ الصِّلاةِ والسّلام: «ما مِنْ مَوْلُود يُولَدُ إلَّا على الفِطْرَةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِه أو يُنَصِّرَانِه أو يُمَجِّسانِه» 223.

الجزء: 28 - الصفحة: 486

وَإذَا عَلِمَ الحَاكِمُ عَدَالتَهُمَا، عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا،  قوله: وإذا عَلِمَ الْحاكِمُ عَدالتَهُما، عَمِلَ بعِلْمِه.
هكذا عِبارَةُ غالبِ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: وفي عِبارَةِ غيرِ واحدٍ، ويَحْكُمُ بعلْمِه في عَدالةِ الشَّاهِدِ وجَرْحِه للتَّسَلْسُلِ.
قال في «عُيونِ المَسائلِ»: ولأنه يُشْرِكُه فيه غيرُه، فلا تُهْمَةَ.
وقال هو والقاضي وغيرُهما: هذا ليسَ بحُكْم؛ لأنه يُعَدلُ هو ويَجْرَحُ غيرُه، ويَجْرَحُ هو ويُعَدِّلُ غيرُه، ولو كان حُكْمًا، لم يَكُنْ لغيرِه نقْضُه.
قال في «التَّرْغيبِ»: إنَّما الحُكْمُ بالشَّهادَةِ، لا بِهما.
إذا عَلِمْتَ ذلك، فَعَمَلُ الحاكِمِ بعِلْمِه في الشهودِ، وحُكْمُه بعِلْمِه في العَدالةِ والجَرْحِ هو المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: يعْمَلُ في جَرْحِه بعِلْمِه فقطْ.
وعنه، لا يعْمَلُ بعِلْمِه فيهما، كالشَّاهِدِ، على أصح الوَجْهَين فيه.
قال الزَّرْكَشِي: وحكَى ابنُ حَمْدانَ في «رِعايته» قوْلًا بالمَنْعِ.
وهو مَرْدود، إنْ صحَّ ما حَكاه القُرْطُبِيُّ؛ فإنَّه حكَى اتفاقَ الكُلِّ على الجَوازِ.
انتهى.
فائدتان؛ إحْداهما، لا يجوزُ الاعْتِراضُ عليه لتَرْكِه تَسْمِيَة الشُّهودِ.
ذكَرَه

الجزء: 28 - الصفحة: 487

إِلَّا أَنْ يَرْتَابَ بِهِمَا، فَيُفَرقَهُمَاْ وَيَسْأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ: كَيْفَ تَحَمَّلْتَ الشَّهَادَةَ؟ وَمَتَى؟ وَفِى أَيَّ مَوْضِعٍ؟ وَهَلْ كُنْتَ وَحْدَكَ أَوْ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنِ اخْتَلَفَا، لَمْ يَقْبَلْهَا، وَإِنِ اتَّفَقَا، وَعَظَهُمَا وَخَوَّفَهُمَا، فَإِنْ ثَبَتَا، حَكَمَ بِهِمَا إِذَا سَأَلَهُ المُدَّعِى.
القاضى وغيرُه فى مَسْألَةِ المُرْسلِ، وابنُ عَقِيل.
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وذكَر الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ له طَلَبَ تَسْمِيَةِ البَينةِ، ليَتَمَكَّنَ مِن القَدْحِ، بالاتِّفاقِ.
قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ مِثْلُه لو قال: حكَمْتُ بكذا.
ولم يذْكُرْ مُسْتَنَدَه.
الثَّانيةُ، قال فى «الرِّعايةِ»: لو شَهِدَ أحدُ الشَّاهِدَيْن ببَعْضِ الدَّعْوى، قال: شَهِدَ عنْدِى بما وضَعَ به خَطُّه فيه، أو عادةَ حُكَّامِ بلَدِه.
وإنْ كانَ الشَّاهِدُ عدْلاً، كتَب تحتَ خطِّه: شَهِدَ عنْدِى بذلك.
وإنْ قَبِلَه كتَب: شَهِدَ بذلك عنْدِى.
وإنْ قَبِلَه غيرُه أو أخْبَرَه بذلك، كتَبَ: وهو مَقْبولٌ.
وإنْ لم يَكُنْ مَقْبُولًا، كتَبَ: شَهِدَ بذلك.
وقال للمُدَّعِى: زِدْنِى شُهودًا.
أو: زَكِّ شاهِدَيْكَ.
وقيل: إنْ طلَبَ خَصْمُه التَّزْكِيَةَ، وإلَّا فلا.
انتهى.
قوله: إلَّا أنْ يَرْتابَ بهما، فيُفَرِّقَهُما ويَسْأَلَ كُلَّ واحِدٍ: كَيْفَ تَحَمَّلْتَ الشَّهادَةَ؟ ومَتَى؟ وفى أىِّ مَوْضِعٍ؟ وهل كُنْتَ وحْدَكَ أو أنْتَ وصاحِبُكَ؟ فإنِ

الجزء: 28 - الصفحة: 488

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اخْتَلَفا، لم يَقْبَلْهُما، وإِنِ اتَّفَقا، وعَظَهُما وخَوَّفَهُما، فإنْ ثَبَتا، حَكَمَ

الجزء: 28 - الصفحة: 489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بهما إذا سَأَلَه المُدَّعِى.
يَلْزَمُ الحاكمَ سُؤالُ الشُّهودِ، والبَحْثُ عن صِفَةِ تَحَمُّلِهما، وغيرُه، إذا ارْتابَ فيهما.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه جماهيرُ

الجزء: 28 - الصفحة: 490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأصحابِ.
وجزَم به فى «الوَجيزٍ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وظاهرُ كلام القاضى فى «الخِلافِ»، وُجوبُ التوَقفِ حتى يَبِينَ وَجْهُ الطعْنِ.
وقال فى «التَّرْغيبِ»: لوِ ادَّعَى جَرْحَ البَيَّنَةِ، فليسَ له تحْليفُ المُدَّعِى، فى

الجزء: 28 - الصفحة: 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأصحِّ.
وقال فى «الرَّعايةِ»: إنِ اخْتَلَفَا، توَقَّفَ فيها.
وقيل: تسْقُطُ شَهادَتُهما.

الجزء: 28 - الصفحة: 492

وَإِنْ جَرَحَهُمَا المَشْهُودُ عَلَيْهِ، كُلِّفَ البَيَّنَةَ بِالْجَرْحِ، فَإنْ سَأَلَ الْإنْظَارَ، أُنْظِرَ ثَلَاثًا.
وَلِلْمُدَّعِى مُلَازَمَتُهُ، فَان لَمْ يُقِمْ بَينّةَ، حُكِمَ عَلَيْهِ.
قوله: وإِنْ جَرَحَهُما المشْهُودُ عليه، كُلِّفَ- إقامَةَ- الْبَيِّنَةِ بالجَرْحِ، فإنْ سألَ الإنْظارَ، أنْظِرَ ثَلاثًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قال فى «الرِّعايةِ»: يُمْهَلُ الجارِحُ ثَلاَثةَ أيَّامٍ- فى الأصحِّ- إنْ طَلَبَه.
وجزَم به كثيرٌ مِن الأصحابِ.
وقيل:

الجزء: 28 - الصفحة: 494

وَلَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِى العَدَالَةِ، إِمَّا أَنْ يَرَاهُ، أَوْ يَسْتَفِيضَ عَنْهُ.
وعنه، [332 و] أَنَّهُ يَكْفِى أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ فَاسِقٌ، وَلَيْسَ بِعَدْلٍ.
لا يُمْهَلُ.
قوله: ولا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إلا مُفَسَّرًا بما يَقْدَحُ فى العَدالَةِ، إمَّا أَنْ يَراه، أو يَسْتَفِيضَ عنه.
فلا يَكْفِى مُطْلَقُ الجَرْحِ، وهذا المذهبُ.
قالَه فى «الفُروعِ»، و «الزرْكَشِىِّ»، وغيرِهما 224. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى

الجزء: 28 - الصفحة: 495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «المُحَرَّرِ» وغيرِه.
وقيل: يُقْبَلُ الجَرْحُ مِن غيرِ تَبْيِينِ سبَبِه.
وعنه، يَكْفِى أنْ يَشْهَدَ أَنَّه فاسِقٌ ولَيْسَ بعَدْلٍ.
كالتَّعْديلِ، فى أصحِّ الوَجْهَيْن فيه.
وقيل: إنِ اتَّحَدَ مذِهبُ الجارِحِ والحاكمِ، أو عرَفَ الجارِحُ أسْبابَ الجَرْحِ، قُبِلَ إجْمالُه، وإلَّا فلا.
قال الزرْكَشِىُّ: وهو حسَنٌ.
وقيل: يَكْفِى قوْلُه: اللهُ أعلمُ به.
ونحوُه.
ذكَرَهما فى «الرِّعايةِ».
تنبيه: قولُه: أو يَسْتَفِيضَ عنه.
اعلمْ أنَّ له أنْ يشْهَدَ بجَرْحِه بما يقْدَحُ فى العَدالَةِ

الجزء: 28 - الصفحة: 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  [باسْتِفاضَةِ ذلك عنهْ] 225. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه جاهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: ليسَ له ذلك، كالتَّزْكِيَةِ، فى أصحِّ الوَجْهَيْن فيها.
وفى التَّزْكِيَةِ وَجْهٌ، اخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، وقال: المُسْلِمُون يشْهَدُون 226 فى مِثْلِ عمرَ بنِ عَبْدِ العَزيزِ، والحَسَنِ [البَصْرِىِّ، رَضِىَ اللهُ تعالَى عنهما] 227، بما لا 228 يعْلَمُونَه إلاَّ

الجزء: 28 - الصفحة: 497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بالاسْتِفاضَةِ.
وقال: لا نعْلَمُ فى الجَرْحِ بالاسْتِفاضَةِ نِزاعًا بينَ النَّاسِ.
وقال فى «التَّرْغيبِ»: لا يجوزُ الجَرْحُ بالتَّسَامُعِ.
نَعَم، لو زُكِّيَ جازَ التَّوَقُّفُ بتَسامُعِ الفِسْقِ.
فائدتان؛ إحْداهما، قال فى «المُحَرَّرِ»: الجَرْحُ المُبَيِّنُ؛ أنْ يذْكُرَ ما يقْدَحُ

الجزء: 28 - الصفحة: 498

وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسِقٌ يَعْرِفُ حَالَهُ، قَالَ لِلْمُدَّعِى: زِدْنِى شُهُودًا.
فى العَدالَةِ، عن رُؤْيَةٍ أو 229 اسْتِفاضَةٍ.
والمُطْلَقُ؛ أنْ يقولَ: هو فاسِقٌ.
أو (5): ليسَ بعَدْلٍ.
قال الزرْكَشِىُّ: هذا هو المَشْهورُ.
وقال القاضى فى «خِلافِه»: هذا هو المُبَيِّنُ، والمُطْلَقُ أنْ يقولَ: اللهُ أعلمُ.
ونحوُه.
الثَّانيةُ، يُعَرِّضُ الجارِحُ بالزِّنَى، فإنْ صرَّح ولم يأْتِ بتَمامِ أرْبَعَةِ شُهودٍ 230،

الجزء: 28 - الصفحة: 499

وَإِنْ جَهِلَ حَالَهُ، طَالَبَ المُدَّعِىَ بِتَزْكِيَتَهِ.
وَيَكْفِى فِى التَّزْكِيَةِ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا، وَلَا يَحْتَاجُ أنْ يَقُولَ: عَلَىَّ وَلِىَ.
حُدَّ، خِلافًا للشَّافِعِىِّ.
تنبيه: قولُه 231: وِإنْ جَهِلَ حالَه، طالَبَ المدَّعِىَ بتَزْكِيَتَه.
بِناءً على اعْتِبارِ العَدالَةِ ظاهِرًا وباطِنًا.
وهو المذهبُ، كما تقدَّم.
فائدة: التَّزْكِيَةُ حقٌّ للشَّرْعِ، يَطْلُبُها الحاكِمُ وإنْ سكَتَ عنها الخَصْمُ.
هذا الصَّحيحُ مِن المذهبِ.
وقيل: بل هى حقٌ للخَصْمِ، فلو أقَرَّ بها، حكمَ عليه بدُونِها.
وعلى الأوَّلِ، لا بُدَّ منها.
ويأْتِى بأعَمَّ مِن هذا قريبًا.
قوله: ويَكْفِى فى التَّزْكِيةِ شاهِدان يَشْهَدان أنَّه عَدْلٌ رِضًا.

الجزء: 28 - الصفحة: 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يُشْتَرَطُ فى قَبُولِ المُزَكِّيَيْن، مَعْرِفَةُ الحاكمِ خِبْرَتَهما الباطِنَةَ بصُحْبَةٍ ومُعامَلَةٍ، ونحوِهما.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قطَع به فى «الرِّعايةِ الكُبْرى».
وقدَّمه فى

الجزء: 28 - الصفحة: 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: يُقْبَلان مع جَهْلِ الحاكمِ خِبْرَتَهما الباطِنَةَ.
وقال فى «الرِّعايةِ»، وغيرِها: ولا يُتَّهَمُ بعَصَبِيَّةٍ أو غيرِها.
قولُه: يَشْهَدان أَنَّه عَدْلٌ رِضًا.
وكذا لو شَهِدا أنَّه عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ.
بلا نِزاعٍ.
ويكْفِى قَوْلُهما (4): عَدْلٌ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه فى «الفُروعِ».
قال الزَّرْكَشِىُّ: ظاهِرُ كلامِ أبى محمدٍ، الجَوَازُ، وظاهِرُ كلامِ أبى البَرَكاتِ، المَنْعُ.
وقال فى «التَّرْغيبِ»: هل يكْفِى قوْلُهما 232: عَدْلٌ؟ فيه

الجزء: 28 - الصفحة: 502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَجْهان.
وأَطْلَقَهما فى «الرِّعايةِ».
فوائد؛ الأُولَى، لا يكْفِى قوْلُهما: لا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا.
الثَّانيةُ، قال جماعَةٌ مِن الأصحابِ: لا يَلْزَمُ المُزَكِّىَ الحُضُورُ للتَّزْكِيَةِ.
وجزَم به فى «الرَّعايةِ» [وغيرِه] 233. وقال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ وَجْةٌ.
الثَّالثةُ، لا تجوزُ التَّزْكِيَةُ إلَّا لمَنْ له خِبْرَةٌ باطِنَةٌ.
قطَع به الأصحابُ.
وزادَ فى «التَّرْغيبِ»، ومَعْرِفَةُ الجَرْحِ والتَّعْديلِ.
الرَّابعةُ، هل تَعْدِيلُ المَشْهُودِ عليه وحدَه تعْديلٌ فى حقِّه، وتَصْديقُ الشُّهودِ تعْديلٌ؟ وهل تصِحُّ التَّزْكِيَةُ فى واقِعَةٍ واحدَةٍ؟ فيه وَجْهان.
وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ»، [و «الرِّعايةِ»] (3). قال الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: لا يُعْجِبُنِى أنْ يُعَدَّلَ؛ إنَّ النَّاسَ يتَغَيَّرُون.
وقال: قيلَ لشُرَيْحٍ: قد أحْدَثْتَ فى قَضائِكَ؟ فقال: إنَّهم أحْدَثُوا، فأَحْدَثْنا.
قال فى «الرِّعايةِ الكُبْري»: وإنْ أقَرَّ الخَصْمُ بالعَدالَةِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 503

وَإنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ وَجَرَحَهُ اثْنَانِ، فَالجَرْحُ أوْلَى.
فقال: هما عَدْلان فيما شَهِدَا به علىَّ.
أو: صادِقان.
حَكَمَ عليه بلا تَزْكِيَةٍ.
وقيل: لا.
وقال: هل تصْديقُ الشُّهودِ تَعْديلٌ لهم؟ فيه وَجْهان.
وقال فى «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»: والتَّزْكِيَةُ حقٌّ للهِ، فتُطْلَبُ وإنْ سكَتَ الخَصْمُ، فإنْ أقَرَّ بالعَدالَةِ، حَكَمَ عليه.
وقيل: لا يحكُمُ.
وأَطْلَقَ المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ- فيما إذا عدَّلَ المَشْهودُ عليه الشَّاهِدَ- الوَجْهَيْن-.
وأَطْلَقَ فى «الرِّعايةِ» - فى صِحَّةِ التَّزْكِيَةِ فى واقِعَةٍ واحدَةٍ - الوَجْهَيْن، وقال: وقيل: إنْ تَبَعَّضَتْ، جازَ، وإلَّا فلا تَزْكِيَةَ.
تنييه: قولُه: وإنْ عَدَّلَه اثْنان، وجَرَحَه اثْنان، فالجَرْحُ أَوْلَى.
بلا نِزاعٍ.
وإذا قُلْنا: يُقْبَلُ جَرْحُ واحدٍ.
فجَرَحَه واحدٌ، وزَكَّاه اثْنان، فالتَّزْكِيَةُ أوْلَى، على أصحِّ الوَجْهَيْن.
قالَه فى «الفُروعِ».
وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «المُنَوِّرِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، وغيرِهم.
وقيلَ: الجَرْحُ

الجزء: 28 - الصفحة: 504

وَإنْ سَأَلَ المُدَّعِى حَبْسَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ حَتَّى يُزَكِّىَ شُهُودَهُ، فَهَلْ يُحْبَس؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَوْلَى.
وهو أوْلَى.
وقال الزَّرْكَشِىُّ: ولو عدَّلَه ثَلاَثَةٌ، وجَرَحَه اثْنان، وبَيَّنا السَّبَبَ، [فالجَرْحُ أَوْلَى، وإنْ لم يُبَيِّنا السَّبَبَ] 234، فالتَّعْدِيلُ أَوْلَى.
قوله: وإنْ سأَلَ المُدَّعِى حَبْسَ المشْهُودِ عليه حَتَّى يُزَكِّىَ شُهُودَه، فهل يُحْبَسُ؟ على وَجْهَيْن.
وأَطْلَقَهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحدُهما، يُجابُ ويُحْبَسُ.
وهو المذهبُ.
صحَّحه.
فى «التَّصْحيحِ».
وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِير»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»: احْتَمَلَ أنْ يَحْبِسَه.
واقْتَصَرَا عليه.
قال فى «الخُلاصةِ»: وفى حَبْسِه احْتِمالٌ.
واقْتَصَرَ عليه.
والوَجْهُ الثَّانى، لا يُحْبَسُ.
وقيلَ: لا يُحْبَسُ إلَّا فى المالِ.
ذكرَه فى «الرِّعايةِ».
فائدتان؛ إحْداهما، مُدَّةُ حَبْسِه ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
جزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه، وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»،

الجزء: 28 - الصفحة: 505

وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَسَأَلَ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الآخَرَ، حَبَسَهُ إِنْ كَانَ فِى المَالِ، وَإنْ كَانَ فِى غَيْرِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُحْبَسُ إلى أنْ يُزَكِّىَ شُهودَه.
وقدَّمه فى «الرِّعايةِ».
وقيلَ: القَوْلُ بإطْلاقِ ذلك ظاهِرُ الفَسادِ.
وهو كما قالَ.
وقطَع 235 جماعَةٌ مِن الأصحابِ؛ منهم، المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، بأَنَّه يُحالُ فى قِنٍّ أو امْرَأَةٍ، ادَّعَى عِتْقًا، أو طَلاقًا بينَهما بشاهِدَيْن.
وفيه بواحِدٍ فى قِنٍّ وَجْهان.
الثَّانيةُ، مِثْلُ ذلك فى الحُكْمِ، لو سأَلَ كَفِيلًا به، أو تَعْدِيلَ عَيْنٍ مُدَّعاةٍ قبلَ التَّزْكِيَةِ.
قالَه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعَ»، وغيرِهم.
قوله: وإِنْ أَقَامَ شاهِدًا وسَأَلَ حَبْسَه حتى يُقِيمَ الآخَرَ، حَبَسَه إنْ كانَ فِى

الجزء: 28 - الصفحة: 506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الْمالِ.
وهو المذهبُ.
جزَم به فى «الوَجيزِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: لا يُحْبَسُ.
قوله: وإنْ كانَ فى غَيْرِه، فعلى وَجْهَيْن.
وأطْلَقَهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّي»؛ أحدُهما، لا يُحْبَسُ.
وهو المذهبُ.
وقدَّمه فى «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».
وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ».
والوَجْهُ الثَّاني، يُحْبَسُ.
وهو ظاهرُ ما جزَم به فى «الوَجيزِ».
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»،

الجزء: 28 - الصفحة: 507

وَإِنْ حَاكَمَ إلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُ، تَرْجَمَ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ لِسَانَهُ.
و «الحاوِى»، و «النَّظْمَ».

الجزء: 28 - الصفحة: 508

وَلَا يَقْبَلُ فِى التَّرْجَمَةِ، وَالجَرْحِ، وَالتَّعْدِيلِ، وَالتَّعْرِيفِ، وَالرِّسَالَةِ، إِلَّا قَوْلَ عَدْلَيْنِ.
وعنه، يَقْبَلُ قَوْلَ وَاحِدٍ.
قوله: ولا يَقْبَلُ فى التَّرْجَمَةِ، والْجَرْحِ، والتَّعْدِيلِ، والتَّعْرِيفِ، والرِّسالَةِ، إلَّا قَوْلَ عَدْلَيْن.
هذا المذهبُ بلا رَيْبٍ.
قالَه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به الْخِرَقِىُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرُهم.
وقدَّمه فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِى

الجزء: 28 - الصفحة: 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم مِن الأصحابِ.
وعنه، يَقْبَلُ قوْلَ واحدٍ.
اخْتارَه أبو بَكْرٍ.
وأَطْلَقَهما فى «الرِّعايةِ الكُبْرى».
فعلى المذهبِ، يكونُ ذلك شَهادَةً تفْتَقِرُ إلى العدَدِ والعَدالَةِ، ويُعْتَبَرُ فيها مِن الشُّروطِ ما يُعْتَبَرُ فى الشهادَةِ على الإِقْرارِ بذلك الحقِّ؛ فإنْ كانَ ممَّا يتَعَلقُ بالحُدودِ والقِصاصِ، اعْتُبِرَ فيه الحُرِّيَّةُ، ولم يَكْفِ إلَّا شاهِدان ذكَران، وإن كان مالًا، كَفَى فيه رجُلٌ وامْرَأَتان، ولم تُعْتَبَرِ الحُرِّيَّةُ، وإنْ كان فى حدِّ زِنى، فالأَصَحُّ

الجزء: 28 - الصفحة: 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أرْبَعَةٌ.
وقيلَ: يكْفِى اثْنان؛ بِناءً 236 على الرِّوايتَيْن فى الشَّهادَةِ على الإقْرارِ بالزِّنَى على ما تقدَّمَ.
ويعْتَبَرُ فيه لَفْظُ الشهادَةِ.
وعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، يصِحُّ بدُونِ لَفْظِ الشَّهادَةِ، ولو كانَ امْرَأَةً، أو والِدًا، أو وَلَدًا، أو أعْمَى لمَن خَبَرُه بعدَ عَماه.
ويُقْبَلُ مِن العَبْدِ أيضًا.
ويُكْتَفَى بالرُّقْعَةِ مع الرَّسُولِ، ولا بُدَّ مِن عَدالَتِه.
وعلى المذهبِ، تجِبُ المُشافَهَةُ.
قال القاضى: تَعْدِيلُ المَرْأةِ، هل هو مَقْبولٌ؛ مَبْنيٌّ على أصْلٍ؛ وهو، هل الجَرْحُ والتَّعْديلُ شَهادَةٌ أو خَبَرٌ؟ على قَوْلَيْن؛ فإنْ قُلْنا: هو خَبَرٌ.
قُبِلَ تعْدِيلُهُنَّ.
وإنْ قُلْنا بقَوْلِ الْخِرَقِىِّ، وأَنَّه شَهادَةٌ، فهل يُقْبَلُ تعْدِيلُهُنَّ؟ مَبْنِىٍّ على أصْلٍ آخَرَ؛ وهو، هل تُقْبَلُ شَهادَتُهُنَّ فيما لا يُقْصَدُ به المالُ ويَطَّلِعُ عليه

الجزء: 28 - الصفحة: 511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الرِّجالُ، كالنِّكاحِ؟ وفيه رِوايَتان؛ إحْداهما، تُقْبَلُ، فيُقْبَلُ تَعْدِيلُهُن.
والثَّانيةُ، لا تُقْبَلُ.
وهذا الصَّحيحُ، فلا يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُنَّ.
انتهى.
فوائد؛ الأُولَى، مَن رَتَّبَه الحاكِمُ يَسْأَلُ سِرًّا عن الشُّهودِ لتَزْكِيَةٍ أو جَرْحٍ، فقيلَ: تُعْتَبَرُ شروطُ الشَّهادَةِ فيهم.
قدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرحِ»، فَقالا: ويُقْبَلُ قولُ أصحابِ 237 المَسائلِ.
قال فى «الكافِي»: ويجِبُ أن يكونُوا عُدُولًا، ولا يَسْأَلُوا عَدُوًّا ولا صَدِيقًا.
وهذا ظاهِرُ ما جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ».

الجزء: 28 - الصفحة: 512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقيل: تُشْتَرَطُ شُروطُ الشَّهادةِ فى المَسْئُولين، لا فى مَن رَتَّبَهم الحاكمُ.
وأَطْلَقَهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفروعِ» و «الزَّرْكَشِىِّ».
وقال فى «التَّرْغيبِ»: وعلى قَوْلِنا: التَّزْكِيَةُ ليستْ شَهادَةً.
لا يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشّهادَةِ والعدَدُ [فى الجميعِ] 238. الثَّانيةُ، مَن سأَلَه حاكمٌ عن تَزْكِيَةِ مَن شَهِدَ عندَه، أَخبَرَه، وإلَّا لم يجِبْ.
الثَّالثةُ، مَن نُصِبَ للحُكْمِ بجَرْحٍ وتَعْديلٍ، وسَماعِ بَيِّنةٍ، قَنِعَ الحاكمُ بقَوْلِه وحدَه، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ عندَه.
الرَّابعةُ، قال فى «المُطْلِعِ»: المُرادُ بالتَّعْريفِ تَعْريفُ الحاكمِ، لا تَعْريفُ الشَّاهدِ المَشْهُودَ عليه.
قال أحمدُ: لا يجوزُ أنْ يقولَ الرَّجُلُ للرَّجُلِ: أَنا أَشْهَدُ أنَّ هذه فُلانَةُ.
ويَشْهَدَ على شَهادَتِه.
قال: والفَرْقُ بينَ الشُّهودِ والحاكمِ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ [الحاجَةَ للحاكِمِ] 239 أكثرُ مِن الشُّهودِ.
والثَّانى، أنَّ الحاكِمَ يحْكُمُ 240 بغَلَبَةِ الظَّنِّ، والشَّاهِدَ لا يجوزُ له أنْ يشْهَدَ غالِبًا إلَّا على العِلْمِ.
انتهى.
وقال فى «الفُروعِ»، فى كتابِ الشَّهاداتِ: ومَن جَهِلَ رَجُلًا حاضِرًا، شَهِدَ فى حَضْرَتِه لمَعْرِفَةِ عَيْنِه، وإنْ كان غائِبًا، فَعَرَّفَه به مَن يَسْكُنُ إليه- وعنه 241، اثْنانِ.
وعنه، جماعَةٌ - شَهِدَ، وإلَّا فلا.
وعنه، المَنْعُ.
وحَمَلَها القاضى على الاسْتِحْبابِ.
والمَرْأَة كالرَّجُلِ.
وعنه، إنْ عرَفَها كما يعْرِفُ نفْسَه.
وعنه، أو نظَرَ إليها، شَهِدَ، وإلَّا فلا.
ونقَل حَنْبَلٌ، يَشْهَدُ بإذْنِ زَوْجٍ.
وعلَّلَه

الجزء: 28 - الصفحة: 513

وَمَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً، فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَي تَجْدِيدِ البَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بأنَّه أمْلَكُ بعِصْمَتِها.
وقطَع به في «المُبْهِجِ»؛ للخَبَرِ.
وعلَّله بَعْضُهم بأنَّ النَّظَرَ حقُّه.
قال فى «الفُروعِ»: وهو سَهْوٌ.
ويأْتِى ذلك أيضًا فى كتابِ الشَّهاداتِ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: التَّعْريفُ يتَضَمَّنُ تَعْريفَ عَيْنِ المَشْهودِ عليه، والمَشْهودِ له، والمَشْهودِ به، إذا وَقَعَتْ على الأسْماءِ، وتعْرِيفَ المَحْكُومِ له والمَحْكُومِ عليه، والمَحْكُومِ به، وتَعْرِيفَ المُثْبَتِ عليه، والمُثْبَتِ له، ونفْسِ المُثْبَتِ فى كتابِ القاضِى إلى القاضِى، والتَّعْريفُ مثْلُ التَّرْجَمَةِ سواءً، فإنَّه بَيانُ مُسَمَّى هذا الاسْمِ، كما أنَّ التَّرْجَمَةَ كذلك؛ لأنَّ التَّعْرِيفَ قد يكونُ فى أسْماءِ الأَعْلامِ، والتَّرْجَمَةَ فى أسْماءِ الأجْناسِ.
وهذا التَّفْسِيرُ لا يَختَصُّ بشَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ.
انتهى.
ذكرَه فى «شَرْحِ المُحَرَّرِ» عندَ قوْلِه: ولا يُقْبَلُ فى التَّرْجَمَةِ وغيرِها إلَّا عَدْلان.
قوله: ومَن ثَبَتَتْ عَدالَتُه مَرةً، فهل يَحْتاجُ الى تَجْدِيدِ البَحْثِ عَن عَدالَتِه مَرةً أُخْرَى؟ على وجْهَيْن.
يعْنِى، مع تَطاوُلِ المُدَدِ.
وهما رِوايَتان.
قال فى

الجزء: 28 - الصفحة: 514

فَصْلٌ: وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غائِبٍ، أَوْ مُسْتَتِرٍ فِى البَلَدِ، أَوْ مَيِّتٍ، أوْ صَبِىٍّ، [332 ظ] أَوْ مَجْنُونٍ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ، سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِهَا.
«الرِّعايةِ»: فيه وَجْهان.
وقيل: رِوايَتان.
وأَطْلَقَهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايةِ الكُبْري»؛ أحدُهما، يُحْتاجُ إلى تجْديدِ البَحْثِ عن عَدالَتِه مع تَطاوُلِ المُدَدِ، ويجِبُ.
وهو المذهبُ.
قال في «المُحَرَّرِ»: وهو المَنْصوصُ.
قال فى «الفُروعِ»: لَزِمَ البَحْثُ عنها، على الأصحِّ، مع طُولِ المُدَّةِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ».
والوَجْهُ الثَّاني، لا يجِبُ، بل يُسْتَحَبُّ.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايةِ الصُّغرى»، [و «الحاوِى الصَّغِيرِ»] 242. قوله: وإِنِ ادَّعَى على غائبٍ، أو مُسْتَتِر فى البَلَدِ، أو مَيِّتٍ، أو صَبِيٍّ، أو مَجْنُونٍ، وله بَيِّنَةٌ، سَمِعَها الْحاكِمُ وحَكَمَ بها وهو المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وليس تقَدُّمُ الإِنْكارِ هُنا شَرْطًا، ولو فُرِضَ إقْرارُه، فهو تَقْوِيةٌ 243؛ لثُبوتِه بالبَيِّنةِ.
قال في «التَّرْغيبِ» وغيرِه: لا تفْتَقِرُ البَيِّنَةُ إلى جُحُودٍ؛ إذِ الغَيْبَةُ كالسُّكُوتِ، والبَيِّنَةُ تُسْمَعُ على ساكتٍ.
وكذا جعَل فى «عُيونِ المَسائلِ»

الجزء: 28 - الصفحة: 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وغيرِها هذه المَسْأَلةَ أصْلًا على الخَصْمِ.
وعنه، لا يحْكُمُ على غائبٍ، كحَقِّ اللهِ تعالَى.
فيَقْضِى فى السَّرقَةِ بالغُرْمِ فقطْ.
اخْتارَه ابنُ أبى مُوسى.
قالَه 244 فى «الكافِى».
وعنه، يحكُمُ على الغائبِ تَبَعًا، كشَرِيكٍ حاضِرٍ.

الجزء: 28 - الصفحة: 516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تنبيهات؛ الأَوَّلُ، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّه إذا حكمَ له، أنَّه يُعْطَى العَيْنَ المُدَّعَاةَ مُطْلَقًا.
وهو ظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ».
قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا أَشْهَرُ الوَجْهَيْن.
وقيل: يُعْطَى بكَفِيلٍ.
وما هو ببعيدٍ.
وأَطْلَقَهما في «الحاوِى»، و «الرِّعايتَيْن».
الثَّانى، مُرادُه بالمُسْتَتِرِ هنا، المُمْتَنِعُ مِن الحُضورِ، على ما يأْتِي بعدَ ذلك قريبًا.

الجزء: 28 - الصفحة: 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّالثُ، الغَيْبَةُ هنا، مَسافَةُ القَصْرِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: ومَسِيرَةُ يومٍ أيضًا.
وقيل: أو فوقَ نِصْفِ يومٍ.
قالَه فى «الرِّعايةِ الكُبْري».
الرَّابعُ، ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، صِحَّةُ الدَّعْوى على الغائبِ فى جميعِ الحُقوقِ.
وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، وأبى الخَطَّابِ، والمَجدِ، وغيرِهم.
وقال ابنُ البَنَّا، والمُصَنِّفُ، وابنُ حَمْدانَ، وغيرُهم: إنَّما يُقْضَى على الغائبِ فى

الجزء: 28 - الصفحة: 518

وَهَلْ يَحْلِفُ المُدَّعِى أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَىْءٍ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
حُقوقِ الآدَمِيِّينَ، لا فى حُقوقِ اللهِ، كالزِّنَى والسَّرِقَةِ.
نَعَمْ، فى السَّرِقَةِ يُقْضَى بالمالِ فقطْ، وفى حدِّ القذْفِ وَجْهان؛ بِناءً على أنَّه حَقٍّ للهِ، أو لآدَمِىٍّ، على ما تقدَّم فى أوَّلِ بابِ القَذْفِ.
قوله: وهل يَحْلِفُ المُدَّعِى أَنَّه لم يَبْرَأْ إليه منه، ولا مِن شَىْءٍ منه؟ على رِوايتَيْن.
وأَطْلَقهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»،

الجزء: 28 - الصفحة: 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الهادِى»، وغيرِهم؛ إحْداهما، لا يَحْلِفُ.
وهو المذهبُ.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكثرُ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: لم يُسْتَحْلَفْ فى أشْهَرِ الرِّوايتَيْن.
وقالَا: هى ظاهِرُ المذهبِ.
وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
وجزَم به ناظِمُ «المُفْرَداتِ»، وهو منها.
وقدَّمه فى «الكافِى»، و «الفُروعِ»، و «خِلافِ أبى الخَطَّابِ»، [ونَصَرَه] 245. قال الزَّرْكَشِىُّ: هى اخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ، والشَّرِيفِ، والشِّيرَازِىِّ، وغيرِهم.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يسْتَحْلِفُه على بَقاءِ حقِّه.
قال فى «الخُلاصةِ»: حَلَف مع بَيِّنَتِه، على الأصحِّ.
قال فى «الرِّعايتَيْن»: وحلَفَ معها، على الأصحِّ، على بَقاءِ حقِّه.
وجزَم به فى

الجزء: 28 - الصفحة: 520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وهو ظاهرُ كلامِه فى «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ، فى «تَذْكِرَتِه»، وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
ومالَ إليه المُصَنفُ.
ذكَرَه عنه الشَّارِحُ فى بابِ الدَّعاوَى، عندَ قولِه: وإنْ كانَ لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حكمَ له بها.
فعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، لا يَتَعَرَّضُ فى يَمِينِه لصِدْقِ البَيِّنةِ، على الصَّحيحِ [مِن المذهبِ] 246. وهو ظاهرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «التَّرْغيبِ»: لا يَتَعَرَّضُ فى يَمِينِه؛ لصِدْقِ البَيِّنَةِ إنْ كانتْ كامِلَةً، ويجبُ تعَرُّضُه إذا أقامَ شاهِدًا وحَلَفَ معه.
فوائد؛ الأُولَى، لا يَمِينَ مع بَيِّنَةٍ كامِلَةٍ - كمُقِرٍّ له- إلَّا هنا.
وعنه، بلَى، فعلَه علىُّ بنُ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه.
وعنه-، يَحْلِفُ مع رِيبَةٍ فى البَيِّنَةِ.
وتقدَّم فى بابِ الحَجْرِ أنَّه إذا شَهِدَتْ بَيِّنَة بنَفادِ مالِه، أنَّه يَحْلِفُ معها.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وإذا شَهِدَتْ بإعْسارِه، أنَّه لا يَحْلِفُ معها.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
ولَنا وَجْهٌ، أنَّه يَحْلِفُ معها أيضًا.
الثَّانيةُ، قال فى «المُحَرَّرِ»: ويخْتَصُّ اليَمِينُ بالمُدَّعَى عليه دُونَ المُدَّعِى، إلَّا فى القَسامَةِ ودَعاوَى الأُمَناءِ المَقْبولَةِ، وحيثُ يُحْكَمُ باليمينِ مع الشَّاهِدِ، أوِ نقولُ برَدِّها.
وقالَه فى «الرِّعايةِ»، وغيرِه، وقالَه كثيرٌ مِن الأصحابِ، مُفرَّقًا فى أَماكِنِه.
وتقدَّم بعْضُ ذلك.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينٍ، رَحِمَه اللهُ: أمَّا دَعْوَى الأُمَناءِ المَقْبولَةُ، فغيرُ مُسْتَثْناةٍ، فيَحْلِفُون؛ وذلك لأَنَّهم أُمَناءُ لا ضَمانَ عليهم إلَّا بتَفْرِيطٍ أو عُدْوانٍ، فإذا ادُّعِىَ عليهم ذلك فأَنْكَرُوه، فهم مُدَّعًى عليهم، واليمينُ على المُدَّعَى عليهم.
انتهى.
قلتُ: صرَّح المُصَنِّفُ وغيرُه فى بابِ الوَكالَةِ، أنَّه لو ادَّعَى الوَكيلُ الهَلاكَ ونَفَى التَّفْرِيطَ، قُبِلَ قولُه مع يَمِينِه.
وكذا فى المُضارَبَةِ،

الجزء: 28 - الصفحة: 521

ثُمَّ إِذَا قَدِمَ الغَائِبُ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِىُّ، أوْ أفَاقَ المَجْنُونُ، فَهُوَ عَلَى حُجَّتِه.
والوَدِيعَةِ، وغيرِهما.
الثَّالثةُ، قولُه: ثم إذا قَدِمَ الغائبُ، أو بَلَغ الصَّبِىُّ- يعْنِى، رَشِيدًا- أوْ أفَاقَ المجْنُونُ، فهو على حُجَّتِه.
وهو صحيحٌ، لكِنْ لو جرَحَ البَيِّنَةَ بأَمْرٍ بعدَ أداءِ الشَّهادَةِ أو مُطْلَقًا، لم تُقْبَلْ؛ لجَوازِ كوْنِه بعدَ الحُكْمِ، فلا يقْدَحُ فيه، وإلَّا قُبِلَ.

الجزء: 28 - الصفحة: 522

وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ فِى البَلَد غَائِبًا عَنِ المَجْلِسِ، لَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةُ حَتَّى يَحْضُرَ، فَإنِ امْتَنَعَ عَنِ الحُضُورِ، سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ وَحُكِمَ بِهَا،  قوله: وإنْ كانَ الْخَصْمُ فى البَلَدِ غائبًا عَن المجَلِسِ، لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ حتى

الجزء: 28 - الصفحة: 523

فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن.
وَفِي الأُخْرَى، لَا تُسْمَعُ حَتَّى يَحْضُرَ، فَإِنْ أَبَى، بَعَثَ إِلَى صَاجِبِ الشُّرَطَةِ لِيُحْضِرَهُ، فَإِن تَكَرَّرَ مِنْهُ الاسْتِتَارُ، أَقْعَدَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ فِى دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ حَتَّى يَحْضُرَ.
يَحْضُرَ.
ولا تُسْمَعُ أيضًا الدَّعْوى.
وهو المذهبُ.
جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجيزِ».
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «تَجْريد العِنايةِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُسْمَعانِ، ويحْكُمُ عليه.
وأَطْلَقَهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، في سَماعِ البَيِّنَةِ.
ونقَل أبو طالِبٍ، يُسْمَعان، ولا يحْكُمُ عليه حتى يَحْضُرَ.
قال فى «المُحَرَّرِ»: وهو الأصحُّ.
واخْتارَه النَّاظِمُ.
وجزَم به فى «المُنَورِ».
وأَطْلَقَهُنَّ الزَّرْكَشِىُّ.

الجزء: 28 - الصفحة: 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قوله: فإنِ امْتَنَعَ مِن الْحُضُورِ، سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ وحُكِمَ بها، فى إِحْدَى الرِّوايتَيْن.
وهو المذهبُ.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، والشُّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وهو ظاهرُ ما جزَم به فى «الرَّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
والأُخْرى: لا تُسْمَعُ حتى يَحْضُرَ.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ».
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وأطْلَقَهما ابنُ مُنَجُّى فى «شَرْحِه».
فعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، إنْ أَبَى مِن الحُضورِ، بعَثَ إلى صاحبِ الشُّرَطَةِ ليُحْضِرَه، فإنْ تكَرَّرَ منه الاسْتِتارُ، أقْعَدَ على بابِه مَن يُضَيِّقُ عليه فى دُخولِه وخُروجِه حتى يَحْضُرَ.
كما قال المُصَنِّفُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهما، وليسَ له دُخولُ بَيْتِه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدُّمه في «الفُروعِ».
وقال فى «التَّبصِرَةِ»: إنْ صحَّ

الجزء: 28 - الصفحة: 525

وَإِنَ ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَنْهُ وَعَنْ أَخٍ لَهُ غَائِبٍ، وَلَهُ مَالٌ فِى يَدِ  عندَ الحاكمِ أنَّه فى مَنْزِلِه، أَمَرَ بالهُجومِ عليه وإخْراجِه.
فعلى الأوَّلِ، إنْ أصَرَّ على الاسْتِتارِ، حكَمَ عليه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
نصَّ عليه.
قال فى «المُحَرَّرِ»: فإنْ أصَرَّ على التَّغَيُّبِ، سُمِعَتِ البَيِّنَةُ، وحَكَم بها عليه، قوْلًا واحدًا.
وقالَه غيرُه مِن الأصحابِ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وهو مُرادُ المُصَنِّفِ بقَوْلِه قبلَ ذلك بيَسِيرٍ: وإنِ ادَّعى على مُسْتَتِرٍ وله بَيِّنَةٌ، سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بها.
قال فى «الفُروعِ»: ونصُّه: يَحْكُمُ عليه بعدَ ثَلَاَثةِ أيَّامٍ.
وجزَم به فى «التَّرْغيبِ» وغيرِه.
وظاهِرُ نَقْلِ الأَثْرَمِ، يحْكُمُ عليه إذا خرَجَ.
قال: لأنَّه صارَ فى حُرْمَةٍ، كمَنْ لَجَأَ إلى الحَرَمِ.
انتهى.
وحكَى الزَّرْكَشِىُّ كلامَه فى «المُحَرَّرِ»، وقال: وفى «المُقْنِعِ» إذا امْتَنَعَ مِن الحُضورِ، هل تُسْمَعُ البَيِّنَةُ، ويحْكُمُ بها عليه؟ على رِوايتَيْن.
مع أنَّه قطَع بجَوازِ الحُكْمِ على الغائبِ، وفيه نظَرٌ؛ فكَلامُه مُخالِفٌ لكَلامِ أبى البَرَكاتِ.
فعلى المذهبِ، إنْ وَجدَ له مالًا، وَفَّاه الحاكِمُ منه، وإلَّا قال للمُدَّعِى: إنْ عرَفْتَ له مالًا، وثَبَتَ عنْدِى، وَفَّيْتُكَ منه.
قوله: وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ أَباه ماتَ عنه وعَن أَخٍ له غائبٍ، وله مالٌ فى يَدِ فُلانٍ، أو

الجزء: 28 - الصفحة: 526

فُلَانٍ، أَوْ دَيْنٌ عَلَيْهِ، فَأَقَرَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، سُلِّمَ إِلَى المُدَّعِى نَصِيبُهُ، وَأَخَذَ الحَاكِمُ نَصِيبَ الغَائِبِ فَيَحْفَظُهُ لَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ المَالُ دَيْنًا، أَنْ يُتْرَكَ نَصِيبُ الغَائِبِ فِى ذِمَّةِ  دَيْنٌ عليه، فأَقَرَّ المدَّعَى عليه، أو ثَبَت ببَيِّنَةٍ، سُلِّمَ إلَى المدَّعِى نَصِيبُه، وأخَذَ الْحاكِمُ نَصِيبَ الغائبِ يَحْفَظُه له.
اعلمْ أنَّ الحُكْمَ للغائبِ مُمْتَنِعٌ.
قال فى «التَّرْغيبِ»: لامْتِناعِ سَماعِ البَيِّنَةِ له والكِتابةِ له إلى قاضٍ آخَرَ ليَحْكُمَ له بكِتابِه، بخِلافِ الحُكْمِ عليه.
إذا عَلِمْتَ ذلك، فيُتَصَوَّرُ الحُكْمُ له لكن على سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ، كما مثَّل المُصَنِّفُ هنا.
وكذا لو كانَ الأخُ الآخَرُ غيرَ رَشِيدٍ.
فإذا حكَم 247 في هذه المَسْألَةِ وأشْباهِها، وأخذَ الحاضِرُ حِصَّتَه، فالحاكِمُ يأْخُذُ نَصِيبَ الغائبِ، وغيرِ الرَّشِيدِ يَحْفَظُه له.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قال الشَّارِحُ: هذا أوْلَى.
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروع وغيرِهم.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا كانَ المالُ دَيْنًا، أنْ يتْرُكَ نَصِيبَ الغائبِ فى ذِمَّةِ الغَريمِ، حتى يقْدَمَ الغائِبُ، ويَرْشُدَ السَّفِيةُ 248. وهو وَجْهٌ لبعْضِ الأصحابِ.
قلتُ:

الجزء: 28 - الصفحة: 527

الغَرِيمَ حَتَّى يَقْدَمَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه 249 يُتْرَكُ إذا كان مَلِيًّا.
فائدة: تُعادُ البَيِّنَةُ فى غيرِ الإِرْثِ.
قدَّمه فى «الفُروعِ».
وذكرَه فى «الرِّعايةِ»، وزادَ، ولو أقامَ الوارِثُ البَيِّنَةَ- نقَله عنه فى «الفُروعِ».
ولم أرَ هذه الزِّيادةَ فى «الرِّعايةِ» - وبَقِيَّةُ الوَرَثَةِ غيْرُ رَشِيدٍ، انْتُزِعَ المالُ مِن يدِ المُدَّعَى عليه لهما، بخِلافِ الغائبِ، فى أصحِّ الوَجْهَيْن.
وفى الآخَرِ، يُنْتَزَعُ أيضًا.
وقال

الجزء: 28 - الصفحة: 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فى «المُغْنِى» 250: إنِ ادَّعَى أحدُ الوَكِيلَيْن الوَكالَةَ، والآخَرُ غائبٌ، وثَمَّ بَيِّنَة، حكَمَ لهما، فإنْ حضَرَ، لم تُعَدِ البَيِّنَةُ، كالحُكْمِ بوَقْفٍ ثبَتَ لمَن لم يُخْلَقْ، تَبَعًا لمُسْتَحِقه الآنَ.
وتقدَّم أن سُؤالَ بعْضِ الغُرَماءِ الحَجْرَ كالكُل.
قال فى «الفُروعِ»: فيَتَوَجَّهُ أنْ يفيدَ أنَّ القَضِيَّةَ الواحِدَةَ المُشْتَمِلَةَ على عدَدٍ أو 251 أَعْيانٍ - كَوَلَدِ الأبوَيْن فى المشَرَّكَةِ- أنَّ الحُكْمَ على واحدٍ أوْ لَه، يعُمُّه وغيرَه.

الجزء: 28 - الصفحة: 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وذكرَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، المَسْألَةَ، وأخذَها مِن دَعْوى مَوْتِ مَوْرُوثِه وحُكْمِه بأنَّ هذا يَسْتَحِقُّ هذا، أو لأن مَن وَقَفَ بشَرْطٍ شامِلٍ يَعُمُّ.
وهل حُكْمُه لطبَقَةٍ حُكْمٌ للثَّانيةِ والشَّرْطُ واحدٌ؛ رُدِّدَ النَّظَرُ على وَجْهَيْن، ثمَّ مَن أبْدَى ما يجوزُ أنْ يَمْنَعَ الأوَّلَ مِن الحُكْمِ عليه لو عَلِمَه، فَلِثانٍ الدَّفْعُ به، وهل هو نَقْضٌ للأوَّلِ

الجزء: 28 - الصفحة: 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كحُكْمٍ مُغَيًّى بغايَةٍ هل هو فَسْخٌ؟.

الجزء: 28 - الصفحة: 531

وَإذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أنَّ الحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ، فَصَدَّقَهُ، قُبِلَ قَوْلُ الْحَاكِمٍ وَحْدَهُ، وَإنْ لَمْ يَذْكُرِ الْحَاكِمُ ذَلِكَ، [333 و] فَشَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا، وَأمْضَى القَضَاءَ.
وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا شَهِدَا عِنْدَكَ بِكَذَا، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا.
قوله: وإِنِ ادَّعَى إنسانٌ أنَّ الْحاكِمَ حَكَمَ له بِحَقٍّ، فَصدَّقَه، قُبِلَ قَوْلُ الحاكِمِ وَحْدَه.
إذا قال الحاكمُ المَنْصوبُ: حَكَمْتُ لفُلانٍ على فلانٍ بكَذا.
ونحوُه، وليسَ أباه ولا ابْنَه، قُبِلَ قولُه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقَطَعُوا به.
ونصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، وسَواءٌ ذكرَ مُسْتَندَه، أوْ لا.
وقيل: لا يُقْبَلُ قِوْلُه.
وقال الشيْخُ تَقِى الذينِ، رَحِمَه اللهُ: قولُهم فى كتابِ القاضى: إخْبارُه بما ثَبَتَ بمَنْزِلَةِ شُهودِ الفَرْعِ.
يُوجِبُ أنْ لا يُقْبَلَ قولُه فى الثُّبوتِ المُجَرَّدِ؛ إذ لو قُبِلَ خبَرُه لقُبِلَ كِتابُه، وأوْلَى.
قال: ويجِبُ أنْ يقالَ: إنْ قال: ثَبَتَ عنْدِى.
فهو كقَوْلِه: حَكَمْتُ فى الإِخْبارِ والكِتابِ.
وإنْ قال: شَهِدَ.
أو: أقَرَّ عنْدِى فُلانٌ.
فكالشَّاهِدَيْن سَواءٌ.
انتهى.
وتقدَّم ما إذا أخْبَرَ

الجزء: 28 - الصفحة: 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بعدَ عَزْلِه، أنَّه كانَ حكَمَ لفُلانٍ بكذا فى وِلاِيَتِه، فى آخِرِ بابِ أدَبِ القاضى.
وهناك بعْضُ فُروعٍ تتعَلَّقُ بهذا.
قوله: وإِنْ لم يَذْكُرِ الْحاكِمُ ذلك، فَشَهِدَ عَدْلان أَنَّه حَكَمَ له به، قَبِلَ شَهادَتَهُما، وأمْضَى القَضاءَ.
وهو المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَعُوا به؛ منهم صاحِبُ «الوَجيزِ» وغيرُه.
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وذكَر ابنُ عَقِيلٍ، أنَّ الحاكِمَ إذا شَهِدَ عندَه اثْنان أنه حَكَمَ لفُلانٍ، أنَّه لا يقْبَلُهما.
تنبيه: مُرادُ الأصحابِ على الأوَّلِ، إذا لم يتَيَقَّنْ صَوابَ نفْسِه، فإنْ تيَقَّنَ صَوابَ نَفْسِه، لم يقْبَلْهُما، ولم يُمْضِه.
قالَه فى «الفُروعِ».
وقال: لأنَّهم احْتَجُّوا بقِصَّةِ ذِى اليَدَيْن 252، وذكَرُوا هناك؛ لو تيَقَّنَ صَوابَ نفْسِه، لم يقْبَلْهما.
واحْتَجُّوا أيضًا بقَوْلِ الأصْلِ المُحَدِّثِ للرَّاوِى 253 عنه: لا أدْرِى.
وذكَرُوا هناك، لو كذَّبَه، لم يقْدَحْ فى عَدالَتِه، ولم يعْمَلْ به.
ودلَّ أنَّ قولَ ابنِ عَقِيلٍ هنا 254، قِياسُ الرِّوايَةِ المذْكُورَةِ فى الدَّلِيلَيْنِ.
قوْله: وكذلِكَ إنْ شَهِدَا أنَّ فُلانًا وفُلانًا شَهِدا عنْدَكَ بكذا- وكذا- قَبِلَ

الجزء: 28 - الصفحة: 534

وَإنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ أَحَدٌ، لكِنْ وَجَدَهُ فِى قِمَطْرِهِ فِى صَحِيفَةٍ تَحْتَ خَتْمِهِ بِخَطِّهِ، فَهَلْ يُنْفِذُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
شَهادَتَهُما- بلا نِزاعٍ- وإِنْ لم يَشْهَدْ به أحَدٌ، لَكِنْ وَجَدَه فى قِمَطْرِه فى صَحِيفَةٍ تَحْتَ خَتْمِه بخَطِّه، فهل يُنْفِذُه؟ على رِوايتَيْن.
وأَطْلَقهما فى «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»؛ إحْداهما، ليسَ له تنْفِيذُه.

الجزء: 28 - الصفحة: 535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو المذهبُ.
ذكره القاضى وأصحابُه، وذكَر فى «التَّرْغيبِ»، أنَّه الأَشْهَرُ، كخَطِّ أبِيه بحُكْمٍ أو شَهادَةٍ، لم يشْهَدْ ولم يحْكُمْ بها إجْماعًا.
وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الحاوِى»، و «الرِّعايتَيْن».
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يُنْفِذُه.
وعنه، يُنْفِذُه سواءٌ كان فى قِمَطْرِه، أوْ لا.
اخْتارَه فى «التَّرْغيبِ».
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ البَغْدادِىِّ (4)»، و «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه فى

الجزء: 28 - الصفحة: 536

وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ إِذَا رَأَى خَطَّهُ فِى كِتَابٍ بِشَهَادَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا، فَهَلْ لَهُ أنْ يَشْهَدَ بِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
«المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ».
قلتُ: وعليه العَمَلُ.
قوله؛ وكذلكَ الشَّاهِدُ إذا رأى خَطَّه فى كِتابٍ بشَهَادَةٍ، ولم يَذْكُرْها، فهل له أنْ يَشْهَدَ بها؟ على رِوايتَيْن.
وأطْلَقهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»؛ إحْداهما، ليسَ له أنْ يشْهَدَ.
وهو الصَّحيح مِن المذهبِ.
وذكَره القاضى وأصحابُه، المذهبَ.
وذكَرَ فى «التَّرْغيبِ»، أنَّه الأَشْهَرُ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الحاوِى»، و «الرِّعايتَيْن».
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، له أنْ يشْهَدَ إذا حرَّرَه، وإلَّا فلا.
وعنه، له أنْ يشْهَدَ مُطْلَقًا، اخْتارَه فى «التَّرْغيبِ».
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمَ».
فائدة: مَن علِمَ الحاكمُ منه أنَّه لا يُفَرقُ بمنَ أنْ يُذَكَّرَ، أو يعْتَمِدَ على معْرِفَةِ الخَطِّ، يتَجَوَّزُ ذلك 255، لم يَجُزْ قَبُولُ شَهادَتِه، ولهما حُكْمُ المُغَفَّلِ، أو 256 المُخْرَقِ، وإنْ لم يتَحَقَّقْ، لم يَجُزْ أنْ يسْأَلَه عنه، ولا يجِبُ أنْ يُخْبِرَه بالصِّفَةِ.

الجزء: 28 - الصفحة: 537

فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ عَلَى مَالٍ لَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا.
ذكَره ابنُ الزَّاغُونِىِّ، وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَلْزَمُ الحاكِمَ سُؤالُهما عن ذلك، ولا يَلْزَمُهما جَوابُه.
وقال أبو الوَفَاءِ: إذا علِمَ تجَوُّزَهما، فهما كمُغَفَّلٍ، ولم يَجُزْ قَبُولُهما.
قوله: ومَن كانَ له على إنسانٍ حَقٌّ، ولم يُمْكِنْه أخْذُه بالْحاكمِ، وقَدَرَ له على مالٍ، لم يَجُزْ له أنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّه.
نَصَّ عليه.
واخْتارَه عامَّةُ شُيوخِنا.
وهو

الجزء: 28 - الصفحة: 538

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ مِنَ المُحْدَثِينَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ، أَخَذَ قَدْرَ حَقِّهِ، وَإلَّا قَوَّمَهُ وَأَخَذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ، مُتَحَرِّيًا  المذهبُ.
نقَله الجماعَةُ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا المَشْهورُ فى المذهبِ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المذهبُ المَنْصوصُ المَشْهورُ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، والخِرَقِىُّ، وغيرُهما.
وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وذهَبَ بعْضُهم مِن المُحْدِّثِين إلى جَوازِ ذلك.
وحكاه ابنُ عَقِيلٍ عن المُحْدَثِين مِن الأصحابِ.
وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وخرَّجه أبو الخَطَّابِ-

الجزء: 28 - الصفحة: 539

لِلْعَدْلِ فِى ذَلِكَ؛ لحَدِيثِ هِنْدٍ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».
وَلِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ».
وتَبِعَه جماعَةٌ مِن الأصحابِ- مِن قولِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ تعالَى، فى المُرْتَهِنِ: يرْكَبُ ويحْلِبُ بقَدْرِ ما يُنْفِقُ، والمَرْأةُ تأْخُذُ مُؤْنَتَها، والبائعُ للسِّلْعَةِ يأْخُذُها 257 مِن مالِ المُفْلِسِ بغيرِ رِضاه.
وخرَّجه فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه، مِن تَنْفيذِ الوَصِىِّ الوَصِيَّةَ ممَّا فى يَدِه إذا كتَمَ الوَرَثَةُ بعْضَ التَّرِكَةِ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو أظْهَرُ فى التَّخْريجِ.
فعلى هذا، إنْ قَدَرَ على جِنْسِ حقِّه، أخَذَ بقَدْرِه، وإلَّا قوَّمَه وأخذَ بقَدْرِه مُتَحَرِّيًا للعَدْلِ فى ذلك، لحديثِ [رسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّم لهِنْدٍ زَوْجِ أبى سُفْيانَ، رَضِىَ اللهُ عنهما] 258: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ»؛ ولقَوْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ» 259. وجزَم به فى «الهِدايةِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهما.
وذكَرَ فى

الجزء: 28 - الصفحة: 540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الواضِحِ»، أنَّه لا يأْخُذُ إلَّا مِن جِنْسِ حقِّه.
وهما احْتِمالان فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، مُطْلَقانِ.
قال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: وخرَّج بعْضُ أصحابِنا الجوازَ، رِوايةً عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، مِن جَوازِ أخْذِ الزَّوْجَةِ مِن مالِ زوْجِها نَفَقَتَها ونَفَقَةَ وَلَدِهَا بالمَعْروفِ، وقد نصَّ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، على = 6/ 38. وأبو نعيم، فى: حلية الأولياء 5/ 45.كلهم من حديث أبى هريرة مرفوعا.
وقال البيهقى: ورواه الجماعة عن الأعمش موقوفا على أبى هريرة.
وانظر: فتح البارى 5/ 143. وأخرجه عبد الرزاق، فى: المصنف 8/ 244. موقوفا على أبى هريرة.
وانظر ما تقدم تخريجه فى 12/ 491.

الجزء: 28 - الصفحة: 541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّفْريقِ بينَهما، فلا يصِحُّ التَّخْريجُ.
وأشارَ إلى الفَرْقِ بأنَّ المَرْأة تأْخُذُ مِن بَيْتِ زَوْجِها.
يعْنِى، أنَ لها يَدًا وسُلْطانًا على ذلك، وسبَبُ النَّفَقَةِ ثابِتٌ وهو الزَّوْجِيَّةُ، فلا تُنْسَبُ بالأَخْذِ إلى خِيانَةٍ؛ ولذلك أباحَ فى رِوايةٍ عنه أخْذَ الضَّيْفِ مِن مالِ مَن نزَلَ به ولم يَقْرِه بقَدْرِ قِراه.
ومتى ظَهَرَ السَّبَبُ، لم يُنْسَبِ الآخِذُ إلى خِيانَةٍ.
وعكَسَ ذلك بعْضُ الأصحابِ، وقال: إذا ظَهَرَ السَّبَبُ، لم يَجُزِ الأخْذُ بغيرِ

الجزء: 28 - الصفحة: 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذْنٍ؛ لإِمْكانِ إقامَةِ البَيِّنَةِ عليه، بخِلافِ ما إذا خَفِىَ.
وقد ذكَرَ المُصَنِّف، والشَّارِحُ فى ذلك أرْبَعَةَ فُروقٍ.
فائدة: قال القاضى أبو يَعْلَى، فى قَوْلِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - لهِنْدٍ 260: «خُذِى ما يَكْفِيكِ ووَلَدِكِ بالمَعْرُوفِ»: هو حُكْمٌ لا فُتْيا.
واخْتَلَفَ كلامُ المُصَنِّفِ فيه؛ فَتارَةً قطَع بأنَّه حُكْمٌ، وتارَةً قطَع بأَنَّه فُتْيا.
قال الزَّرْكَشِىُّ: والصَّوابُ أنَّه فُتْيا.
تنبيهات؛ أحدُها، حيثُ جوَّزْنا الأخْذَ بغيرِ إذْنٍ، فيَكونُ فى الباطِنِ.
قالَه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما.
وظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، جَوازُ الأخْذِ ظاهِرًا وباطِنًا.
والأصولُ التى خرَّج عليها أبو الخَطَّابِ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهما، مِن حديثِ هِنْدٍ، وحَلْبِ الرَّهْنِ ورُكُوبِه، تَشْهَدُ لذلك، والأُصولُ التى خرَّج عليها صاحِبُ «المُحَرَّرِ» تقتَضِى ما قالَه.
الثَّانى، مفْهومُ قولِه: ولم يُمْكِنْه أخْذُه بالْحاكمِ.
أنَّه إذا قَدَرَ على أخْذِه بالحاكمِ، لم يَجُزْ له أخْذُ قَدْرِ حقِّه إذا قَدَرَ عليه.
وهو صحيحٌ.
وهو المذهبُ.
وعنه، فى الضَّيْفِ، يأْخُذُ وإنْ قَدَرَ على أخْذِه بالحاكمِ.
[وظاهِرُ «الواضِحِ»، يأْخُذُ الضَّيْفُ وغيرُه وإنْ قَدَرَ على أخْذِه بالحاكمِ] 261. قال فى

الجزء: 28 - الصفحة: 543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الفُروعِ»: [وهو] 262 ظاهِرُ ما خرَّجه أبو الخَطَّابِ فى نفَقَةِ الزَّوْجَةِ، «والرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ»، وأخْذِ سِلْعَتِه مِن المُفْلِسِ.
واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، جَوازَ الأخْذِ ولو قَدَرَ على أخْذِه بالحاكمِ، فى الحق الثَّابِتِ بإقْرار أو بَيِّنَةٍ، أو كان سَبَبُ الحقِّ ظاهِرًا.
قال فى «الفُروعِ»: وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ شِهَابٍ وغيرِه.

الجزء: 28 - الصفحة: 544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّالثُ، مَحَلُّ الخِلافِ فى هذه المَسْألَةِ، إذا لم يَكُنِ الحقُّ الذى 263 فى ذِمَّتِه قد أخَذَه قَهْرًا، فأمَّا إنْ كانَ قد غصَبَ مالَه، فيَجُوزُ له الأخْذُ بقَدْرِ حقِّه.
ذكَرَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، وغيرُه.
وقال: ليسَ هذا مِن هذا البابِ.
وقال فى «الفُنونِ»: مَن شَهِدَتْ له بَيِّنَةٌ بمالٍ - لا عندَ حاكمٍ- أخَذَه.
وقيلَ: لا، كقَوَدٍ، فى الأصحِّ.
ومَحَل الخِلافِ أيضًا، إذا كانَ عَيْنُ مالِه قد تعَذَّرَ أخْذُه، فأمَّا إنْ قَدَرَ على عَيْنِ مالِه، أخَذَه قَهْرًا.
زادَ فى «التَّرْغيبِ»، ما لم يُفْضِ إلى فِتْنَةٍ.
قال: ولو كانَ لكُلِّ واحدٍ منهما على الآخَرِ دَيْنٌ مِن غيرِ جنْسِه، فجَحَدَ أحدُهما، فليسَ للآخَرِ أنْ يَجْحَدَ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّهَ كَبَيْعِ دَيْنٍ بدَيْنٍ؛ لا يجوزُ، ولو رَضِيا.
انتهى.
[فائدة: لو كانَ له دَيْنٌ على شَخصٍ، فجَحَدَه، جازَ له أخْذُ قَدْرِ حقِّه، ولو مِن غيرِ جِنْسِه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وهو مِن «المُفْرَداتِ».
قال ناظِمُها: ومعْ جُحُودِ الدَّيْنِ لا بالظَّفَرِ … يُؤْخَذُ مِن جِنْسِه فى الأشْهَرِ] 264

الجزء: 28 - الصفحة: 545

وَحُكْمُ الحَاكِمِ لا يُزِيلُ الشَّىْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِى البَاطِنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِى مُوسَى عَنْهُ رِوَايَةً، أَنَّهُ يُزِيلُ العُقُودَ وَالفُسُوخَ.
قوله: وحُكْمُ الْحَاكِمِ لا يُزِيلُ الشَّىْءَ عَن صِفَتِه فى الباطِنِ- وهو المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ- وذكَرَ ابْنُ أبِى مُوسَى رِوايَةً عنه، أنَّه يُزِيلُ الْعُقُودَ وَالْفُسُوخَ.
وذكَرَها أبو الخَطَّابِ.
قال فى «الفُروعِ»: وحُكِىَ عنه، يُحِيلُه فى

الجزء: 28 - الصفحة: 546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَقْدٍ وفَسْخٍ مُطْلَقًا.
وأطْلَقَهما فى «الوَسِيلَةِ».
قال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: الأَهْلُ أكثرُ مِن المالِ.
وقال فى «الفُنونِ»: إنَّ حَنْبَلِيًّا نَصَرَها، فاعْتَبَرَها باللِّعانِ.
وعنه، يُزِيلُه 265 فى مُخْتَلَفٍ فيه قبلَ الحُكْمِ.
قطَع به فى «الواضِحِ» وغيرِه.
قال فى «المُحَرَّرِ»: وحُكْمُ الحاكمِ لا يُحِيلُ الشَّئَ عن صِفَتِه فى الباطِنِ، إلَّا فى أَمْرٍ

الجزء: 28 - الصفحة: 547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُخْتَلَفٍ فيه قبلَ الحُكْمِ؛ فإنَّه على رِوايتَيْن.
قال فى «الرِّعايتَيْن»، بعدَ أنْ حكَى الرِّوايتَيْن فى 266 الأولِ: وقيلَ: هما فى أمْرٍ مُخْتَلَفٍ فيه قبلَ الحُكْمِ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، لو حَكَمَ حَنَفِىٌّ لحَنْبَلِىٍّ أو لشافِعِىٍّ بشُفْعَةِ جِوارٍ، فَوَجهان.
وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ».
ومَن حكَمَ لمُجْتَهِدٍ، أو عليه بما يُخالِفُ اجْتِهادَه، عَمِلَ باطِنًا بالحُكْمِ.
ذكَره القاضى.
وقيلَ: باجْتِهادِه.
وإنْ باعَ حَنْبَلِىٌّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ، فحكَمَ بِصحَّتِه شافِعِىٌّ، نَفَذَ عندَ أصحابِنا خِلافًا لأبى الخَطَّابِ.
قال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِيه»: قولُ أبى الخَطَّابِ أَظْهَرُ؛ إذْ كيفَ يحكُمُ له بما لا يَسْتَحِلُّه، فإنَّه إنْ كانَ مُجْتَهِدًا، لَزِمَه العَمَلُ باجْتِهادِه، وإنْ كانَ مُقَلِّدًا، لَزِمَه العَمَلُ بقَوْلِ مَن قلَّده؛ فكيفَ يَلْزَمُه شئٌ ولا يلْتَزِمُه، فيَجْتَمِعَ الضِّدَّان، إلَّا أنْ يُرادَ، يَلْزَمُه الانْقِيادُ للحُكْمِ ظاهِرًا، والعَمَلُ بضِدِّه باطِنًا، كالمَرْأةِ التى تَعْتَقِدُ أنَّها مُحَرَّمَة على زَوْجِها، وهو يُنْكِرُ ذلك.
لكِنْ فى جَوازِ إقْدامِ الحاكمِ على الحُكْمِ بذلك، لمَن

الجزء: 28 - الصفحة: 548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَعْتَقِدُ تحْرِيمَه، نظَرٌ؛ لأنَّه إلْزامٌ له بفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، لاسِيَّما على قَوْلِ مَن يقولُ: كلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.
انتهى.
فوائد؛ الأُولَى، قال فى «الانْتِصارِ»: متى عَلِمَ البَيِّنَةَ كاذِبَةً، لم يُنْفِذْ.
وإنْ باعَ مالَه فى دَيْن ثَبَتَ ببَيِّنَةِ زُورٍ، ففى نُفُوذِه مَنْعٌ وتَسْلِيمٌ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: هل يُباحُ له بالحُكْمِ ما اعْتَقَدَ تحْرِيمَه قبلَ الحُكْمِ؟ فيه رِوايَتان.
وفى حِلِّ ما أخَذَه وغيرِه بتَأْوِيلٍ، أو مع جَهْلِه، رِوايَتان 267. وإنْ رجَع المُتَأَوِّلُ، فاعْتَقَدَ التَّحْريمَ، رِوايَتان؛ بِناءً على ثُبوتِ الحُكْمِ قبلَ بُلوغِ الخِطابِ.
قال: أصَحُّهما حِلُّه، كالحَرْبِىِّ بعدَ إسْلامِه وأوْلَى.
وجعَل مِن ذلك، وَضْعَ طاهِرٍ فى اعْتِقادِه فى مائعٍ لغيرِه.
قال فى «الفُروعِ»: وفيه نظَرٌ.
وذكَر جماعَةٌ، إنْ أسْلَمَ بدارِ الحَرْبِ، وعامَلَ برِبًا جاهِلًا، ردَّه.
وقال فى «الانْتِصارِ»: ويُحَدُّ لِزِنًى.
الثَّانيةُ، مَن حُكِمَ له- ببَيِّنَةِ زُورٍ- بزَوْجِيَّةِ امْرَأةٍ، حلَّتْ له حُكْمًا، فإنْ وَطِئَ مع العِلْمِ، فكَزِنًى.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: لا حَدَّ.
ويصِحُّ

الجزء: 28 - الصفحة: 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نِكاحُها لغيرِه، خِلافًا للمُصَنِّفِ.
وإنْ حكَمَ بطَلاقِها ثَلاثًا بشُهودِ زُورٍ، فهى زَوْجَتُه باطِنًا، ويُكْرَهُ له اجْتِماعُه بها ظاهِرًا، خَوْفًا مِن مَكْرُوهٍ يَنالُه، ولا يصِحُّ نِكاحُها غيرَه ممَّن يعْلَمُ الحالَ.
ذكَره الأصحابُ، ونَقَلَه أحمدُ بنُ الحَسَنِ.
قال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» 268: إنِ انْفَسَخ باطِنًا، جازَ.
وكذا قال فى «عُيونِ المَسائلِ»، على الرِّوايةِ الثَّالثةِ: تَحِلُّ للزوْجِ الثانى، وتَحْرُمُ على الأوَّلِ بهذا الحُكْمِ ظاهِرًا وباطِنًا.
الثَّالثةُ، لو رَدَّ الحاكِمُ شَهَادَةَ واحِدٍ برَمَضَانَ، لم يُؤَثِّرْ، كمِلْكٍ مُطْلَقٍ، وأَوْلَى؛ لأنَّه لا مَدْخَلَ لحُكْمِه فى عِبادَةٍ ووَقْتٍ، وإنَّما هو فَتْوَى، فلا يقالُ: حكَمَ بكَذِبِه، أو بأنَّه لم يَرَه.
ولو سلَّمَ أنَّ له مَدْخَلًا، فهو مَحْكُومٌ به فى حقِّه مِن رَمَضَانَ، فلم يُغَيِّرْه حُكْمٌ، ولم تُؤَثِّرْ شُبْهَةٌ؛ لأنَّ الحُكْمَ يُغيِّرُ إذا اعْتَقَدَ المَحْكومُ عليه أنَّه حُكْمٌ، وهذا يُعْتَقَدُ خَطَؤُه؛ كمُنْكِرَةٍ نِكاحَ مُدَّعٍ تتَيَقَّنُه، فشَهِدَ له فاسِقان، فرُدَّا.
ذكَره فى «الانْتِصارِ».
وقال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» 269: رَدُّه ليسَ بحُكْم هنا؛ لتَوقفِه فى العَدالَةِ.
ولهذا لو ثَبَتَ، حَكَمَ.
قال الشيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: أُمورُ الدِّينِ والعِباداتِ المُشْتَرَكَةِ بين المُسْلِمين لا يحْكُمُ فيها إلَّا اللهُ ورَسُولُه إجْماعًا.
وذكَرَه القرافِىُّ.
قال فى «الفُروعِ»: فدَلَّ أنَّ إثْباتَ

الجزء: 28 - الصفحة: 550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سبَبِ الحُكْمِ كرُؤْيَةِ الهلالِ، والزَّوالِ، ليسَ بحُكْمٍ، فمَن لم يَرَه سَبَبًا، لم يَلْزَمْه شئٌ.
وعلى ما ذكَرَ الشَيْخُ [تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ] 270، وغيرُه فى رُؤْيَةِ الهِلالِ، أنَّه حُكْمٌ.
وقال القاضى فى «الخِلافِ»: يجوزُ أنْ يَختَصَّ الواحِدُ برُؤْيَةٍ، كالبَعْضَ.
الرَّابعةُ، لو رُفِعَ إليه حُكْمٌ فى مُخْتَلَفٍ فيه، لا يَلْزَمُه نَقْضُه ليُنْفِذَه، لَزِمَه تَنْفِيذُه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قال فى «الفُروعِ»: لَزِمَه فى الأصحِّ.
وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «المُنَوِّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
قال فى «الرِّعايةِ الكُبْرى»: لَزِمَه ذلك.
قلتُ: مع عدَمِ نَصَّ يُعَارِضُه.
وقيل: لا يَلْزَمُه.
وقيل: يَحْرُمُ تنْفِيذُه إنْ لم يَرَه.
وكذا الحُكْمُ لو كان نفْسُ الحُكْمِ مُخْتَلَفًا فيه، كحُكْمِه بعِلْمِه، ونُكُولِه، وشاهِدٍ ويَمِينٍ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «المُحَرَّرِ»: فإنْ كانَ المُخْتَلَفُ فيه نفْسَ الحُكْمِ، لم يَلْزَمْه تنْفِيذُه، إلَّا أنْ يحْكُمَ به حاكِمٌ آخَرُ قبلَه.
وجزَم به فى «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
قال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِى الفُروعِ»: الحُكْمُ بالنُّكولِ، والشَّاهدِ واليَمينِ هو المذهبُ، فكيفَ لا يَلْزَمُه تنْفِيذُه على قولِ «المُحَرَّرِ»؟ إذْ لو كان أصْلُ الدَّعْوى عندَه، لَزِمَه الحكْمُ بها، وإنَّما يتوَجَّهُ ذلك- وهو عدَمُ لُزومِ التَّنْفيذِ لحُكْم مُخْتَلَفٍ فيه-[إذا كانَ الحاكمُ الذى رُفِعَ إليه الحُكْمُ المُخْتَلَفُ فيه] 271 لا

الجزء: 28 - الصفحة: 551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يرَى صِحَّةَ الحكْمِ، كالحُكْمِ بعِلْمِه؛ لأنَّ التَّنْفيذَ يتَضَمَّنُ الحُكْمَ بصِحَّةِ الحكْمِ المُنَفَّذِ؛ وإذا كانَ لا يرَى صِحَّتَه، لم يَلْزَمْه 272 الحكْمُ بصِحَّتِه.
انتهى.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: إذا صادَفَ حُكْمُه مُخْتَلَفًا فيه لم يعْلَمْه، ولم يَحْكُمْ فيه، جازَ نقْضُه.
الخامسةُ، قال شارِحُ «المُحَرَّرِ» هنا: نفْسُ الحُكْمِ فى شئٍ لا يكونُ حُكْمًا بصِحَّةِ الحُكْمِ فيه، لكِنْ لو نفَّذَه حاكِمٌ آخَرُ، لَزِمَه إنْفاذُه؛ لأنَّ الحُكْمَ المُخْتَلَفَ فيه صارَ محْكومًا به، فلَزِمَ تنْفِيذُه كغيرِه.
قال شيْخُنا الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ ابنُ قندسٍ البَعْلِىُّ، رَحِمَه اللهُ: قد فُهِمَ مِن كلامِ الشَّارِحِ أنَّ الإِنْفَاذَ حُكْمٌ؛ لأنَّه قال: لو نفَّذَه حاكمٌ آخَرُ، لَزِمَه 273 تنْفيذُه؛ لأنَّ الحُكْمَ المُخْتَلَفَ فيه صارَ محْكومًا به، وإنَّما صارَ محْكومًا به بالتَّنْفيذِ؛ لأنَّه لم يحْكُمْ به، وإنَّما نفَّذَه.
فَجَعَلَ التَّنْفيذَ حُكْمًا.
وكذلك فسَّر التَّنْفيذَ بالحُكْمِ فى «شَرْحِ المُقْنِعِ الكَبِير»؛ فإنَّه قال عندَ قولِ المُصَنِّفِ: فهل يُنْفِذُه؛ على رِوايتَيْن؛ إحْداهما، يُنْفِذُه.
وعللَه بأنَّه حُكْمُ حاكمٍ لم يعْلَمْه، فلم يَجُزْ إنْفاذُه إلَّا ببيِّنَةٍ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يحْكُمُ به.
ففَسَّرَ رِوايةَ التَّنْفيذِ بالحُكْمِ.
لكِنْ قال فى مسْأَلَةِ ما إذا ادَّعَى أنَّ الحاكِمَ حكَمَ له بحقٍّ، فذَكَرَ الحاكمُ حُكْمَه: أَمْضاه، وأَلْزَمَ خَصْمَه بما حكَمَ به عليه.
وليسَ هذا حُكْمًا بالعِلْمِ، وإنَّما هو إمْضاءٌ لحُكْمِه السَّابقِ.
فصرَّح أنَّه ليسَ حُكْمًا، مع أنَّ رِوايةَ التَّنْفيذِ المُتَقَدِّمَةَ التى فسَّرها بالحُكْمِ، إنَّما هى إمْضاءٌ

الجزء: 28 - الصفحة: 552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لحُكْمِه الذى وجَدَه فى قِمَطْرِه، فهما بمَعْنًى واحدٍ.
وقد ذكَرُوا فى السِّجِلِّ أنَّه لإِنْفاذِ ما ثَبَتَ عندَه والحُكْم به، وأنَّه 274 يكْتُبُ: وإنَّ القاضىَ أمْضاه وحكَمَ به على ما هو الواجِبُ فى مِثْلِه، ونفَّذَه، وأشْهَدَ القاضى فُلانٌ على إنْفاذِه وحُكْمِه وإمْضائِه مَن حضَرَه مِن الشُّهودِ.
فذَكَرُوا الإِنْفاذَ والحُكْمَ والإِمْضاءَ، وذكَرُوا أنَّه يكْتُبُ على كلِّ نُسْخَةٍ مِن النُّسْخَتَيْن، أنَّها حُجَّةٌ فيما أنْفَذَه فيهما.
فدَلَّ على أنَّ الإِنْفاذَ حُكْمٌ؛ لأنَّهم اكْتَفَوْا به عن الحُكْمِ والإِمْضاءِ، والمُرادُ الكُلُّ.
انْتَهى كلامُ شيْخِنا.
وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِى الفُروعِ»: لم يتَعَرَّضِ الأصحابُ للتَّنْفيذِ، هل هو حُكْمٌ، أمْ لا؟ والظَّاهِرُ، أنَّه ليسَ بحُكْمٍ؛ لأنَّ الحُكْمَ بالمَحْكُومِ به تحْصِيلُ الحاصِلِ، وهو مُحالٌ، وإنَّما هو عمَلٌ بالحُكْمِ وإمْضاءٌ له، كَتَنْفيذِ الوَصِيَّةِ، وإجازَةٌ له، فكأَنَّه يُجيزُ هذا المَحْكومَ به بعَيْنِه لحُرْمَةِ الحُكْمِ، وإنْ كانَ [ذلك المَحْكومُ به مِن] 275 جِنْسٍ غيرِ جائزٍ عندَه.
انتهى.
وقال فى مَوْضِعٍ آخَرَ: لأنَّ التَّنْفيذَ يَتَضَمَّنُ الحُكْمَ بصِحَّةِ الحُكْمِ 276 المُنَفَّذِ.
انتهى.
وتقدَّم فى آخِرِ البابِ الذى قبلَه، هل الثُّبوتُ حُكْمٌ، أمْ لا؟.
السَّادسةُ، لو رفَع إليه خَصْمان عَقْدًا فاسِدًا عندَه فقطْ، وأقَرَّا بأنَّ نافِذَ الحُكْمِ حكَم بصِحَّتِه، فله إلْزامُهما ذلك ورَدُّه، والحُكْمُ بمَذْهَبِه.
ذكَرَه القاضى.
واقْتَصَرَ عليه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: قد يقالُ: قِياسُ المذهبِ، أنَّه كالبَيِّنَةِ.
ثم ذكَر أنَّه كالبَيِّنَةِ إنْ

الجزء: 28 - الصفحة: 553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عيَّنا الحاكِمَ.
السَّابعةُ، لو قلَّد 277 فى صِحَّةِ نِكاحٍ، لم يُفارِقْ بتَغيُّرِ اجْتِهادِه، كحُكْمٍ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: بلَى، كمُجْتَهِدٍ نكَحَ ثم رأَى بُطْلانَه، فى أصحِّ الوَجْهَيْن فيه.
وقيل: ما لم يحْكُمْ به حاكِمٌ.
ولا يَلْزَمُه إعْلامُه بتَغَيُّرِه، فى أصحِّ الوَجْهَيْن.
الثَّامنةُ، لو بانَ خطَؤُه فى إتْلافٍ بمُخالَفَةِ دَليلٍ قاطِعٍ، ضَمِنَ، لا مُسْتَفْتِيه.
وفى تَضْمِينِ مُفْتٍ ليسَ أهْلًا وَجْهان.
وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ».
واخْتارَ ابنُ حَمْدانَ، فى كتابه «أدَبِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى»، أنَّه لا ضَمانَ عليه.
قال ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَه اللَّهُ، فى «إعْلامِ المُوَقِّعِين» فى الجزء الأخيرِ: ولم أعْرِفْ هذا القَوْلَ لأحَدٍ قبلَ ابنِ حَمْدان.
ثم قال: قلتُ: خطَأُ المُفْتِى كخَطَأ الحاكمِ أو الشَّاهدِ.
التَّاسِعَةُ، لو بانَ بعدَ الحُكْمِ كُفْرُ الشُّهودِ أو فِسْقُهم، لَزِمَه نقْضُه، ويرجِعُ بالمالِ أو 278 بدَلِه، وبدَلِ قَوَدٍ مُسْتَوْفًى على المَحْكُومِ له، وإنْ كانَ الحُكْمُ للهِ بإتْلافٍ حِسِّىٍّ، أو بما سَرَى إليه، ضَمِنَه مُزَكُّون.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، وغيرِهم.
وقال القاضى وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»: يضمَنُه

الجزء: 28 - الصفحة: 554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحاكِمُ، كعَدَمِ مُزَكٍّ وفِسْقِه.
وقيل: يضْمَنُ أيَّهما شاءَ، وقَرَارُه على مُزَكٍّ.
وعندَ أبى الخَطَّاب؛ يَضْمَنُه الشُّهودُ.
وذكَر ابنُ الزَّاغُونِى، أنَّه لا يجوزُ له نقْضُ حُكْمِه بفِسْقِهما إلًّا بثبوتِه ببَيِّنَةٍ، إلَّا أنْ يكونَ حكَمَ بعِلْمِه فى عَدالَتِهما، أو بظاهرِ عَدالَةِ الإِسْلامِ.
ويمَنْعُ ذلك فى المَسْألتَيْن فى إحْدَى الرِّوايتَيْن، وإنْ جازَ فى الثَّانيةِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْن؛ فإنْ وافَقَه المَشْهودُ له على ما ذكَرَ، ردَّ مالًا أخَذَه، ونقَضَ الحُكْمَ بنَفْسِه دُونَ الحاكمِ، وإنْ خالَفَه فيه، غَرِمَ الحاكمُ.
وأجابَ أبو الخَطَّابِ، إذا بانَ له فِسْقُهما وَقْتَ الشَّهادَةِ، أو 279 أنَّهما كانا كاذِبَيْن، نقَضَ الحُكْمَ الأوَّلَ، ولم يَجُزْ له تَنْفِيذُه.
وأجابَ أبو الوَفَاءِ، لا يُقْبَلُ قولُه بعدَ الحُكْمِ.
وعنه، لا يُنْقَضُ بفِسْقِهم.
وذكَر ابنُ رَزِينٍ [فى «شَرْحِه»] 280، أنَّه الأَظْهَرُ، فلا ضَمانَ.
وفى «المُسْتَوْعِب» وغيرِه، يضْمَنُ الشُّهودُ.
انتهى.
وإنْ بانُوا عَبِيدًا، أو والِدًا، أو وَلَدًا، أو عَدُوًّا؛ فإنْ كانَ الحاكِمُ الذى حكَمَ به يرَى الحُكْمَ به، لم ينْقُضْ حُكْمَه، وإنْ كانَ لا يرَى الحُكْمَ به، نقَضَه، ولم يُنْفِذْ؛ لأنَّ الحاكمَ يعْتَقِدُ بُطْلانَه.
قالَه فى «الفُروعِ».
وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِيه»: إذا حَكَمَ بشَهادَةِ شاهدٍ، ثم ارْتابَ فى شَهادَتِه، لم يَجُزْ له الرُّجوعُ فى حُكْمِه.
وقال فى مَوْضِعٍ آخَرَ: تحَرَّرَ فيما إذا كانَ لا يرَى الحُكْمَ به ثَلاَثَةُ أقوالٍ؛ لُزومُ النَّقْضِ، وجَوازُه، وعدَمُ جَوازِ نقْضِه، كما هو مُقتَضَى ما فى «الإرْشادِ».
انتهى.
وقال فى «المُحَرَّرِ»: مَن حكَمَ بقَوَدٍ، أو حَدٍّ ببَيِّنَةٍ، ثم بانُوا عَبيدًا، فله نقْضُه إذا كانَ لا يرَى قَبُولَهم فيه.
قال: وكذا مُخْتَلَفٌ فيه صادَف مَا حكَمَ فيه وجَهِلَه.
وتقدَّم كلامُه فى «الإِرْشادِ»، أنَّه إذا حكَمَ فى مُخْتَلَفٍ فيه

الجزء: 28 - الصفحة: 555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بما لا يرَاه مع عِلْمِه، لا ينْقُضُ.
فعلى الأوَّلِ، إنْ شكَّ فى رَأْىِ الحاكمِ، فقد تقدَّم، إذا شكَّ هل علِمَ الحاكِمُ بالمُعارِضِ، كمَن حكَمَ ببَيِّنَةِ خارِجٍ، وجَهِلَ عِلْمَه ببَيِّنَةِ داخِلٍ، لم ينْقُضْ.
قال فى «الفُروعِ»: وقد عُلِمَ ممَّا تقدَّم وممَّا ذكَرُوا فى نقْضِ حُكْمِ الحاكمِ، أنَّهَ لا يُعْتَبَرُ فى نَقْضِ حُكْمِ الحاكمِ عِلْمُ الحاكمِ بالخِلافِ، خِلافًا لمالِكٍ، رَحِمَه اللهُ تعالَى.
وإنْ قال: عَلِمْتُ وَقْتَ الحُكمِ أنَّهما فَسَقَةٌ، أو زُورٌ، وأكْرَهَنِى السُّلْطانُ على الحُكْمِ بهما.
فقال ابنُ الزَّاغُونِىِّ: إنْ أضافَ فِسْقَهما إلى عِلْمِه، لم يَجُزْ له نَقْضُه، وإنْ أضافَه إلى غيرِ عِلْمِه، افْتَقَرَ إلى بَيِّنَةٍ بالإِكْراهِ، ويَحْتَمِلُ، لا.
وقال أبو الخَطَّابِ، وأبو الوَفاءِ: إنْ قال: كُنْتُ عالِمًا بفِسْقِهما.
يُقْبَلُ قولُه.
قال فى «الفروعِ»: كذا وَجَدْتُه.

الجزء: 28 - الصفحة: 556

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

الجزء: 29 - الصفحة: 2

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

الجزء: 29 - الصفحة: 3

بسم الله الرحمن الرحيم [333 ظ]

بَابُ حُكْمِ كِتَابِ القَاضِى إِلَى القَاضِى

بابُ حُكْمِ كِتابِ القاضى إلى القاضى

الجزء: 29 - الصفحة: 5

يُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِى إلَى القَاضِى فِى المَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ  قوله: يُقْبَلُ كِتابُ القاضِى إلَى القاضِى فى المالِ، وما يُقْصَدُ به المالُ؛

الجزء: 29 - الصفحة: 6

المَالُ؛ كَالْقَرْضِ، وَالْغَصْبِ، وَالْبَيْعِ، وَالإِجَارَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالصُّلْحِ، وَالوَصِيَّةِ لَهُ، وَالجِنَايَةِ المُوجِبَةِ لِلْمَالِ، وَلَا يُقْبَلُ فِى حَدٍّ للهِ تَعَالَى.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ؛ مِثْلَ القِصَاصِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالخُلْعِ، وَالعِتْقِ، وَالنَّسَبِ، وَالكِتَابَةِ، وَالتَّوْكِيلِ، وَالوَصِيَّةِ إلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَأَمّا حَدُّ القَذْفِ، فَان قُلْنَا: هُوَ لِلهِ تَعَالَى.
فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ.
وَإنْ قُلْنَا: لِلْآدَمِىِّ.
فَهُوَ كَالْقِصَاصَ.
كالْقَرْضِ، والْغَصْبِ، والْبَيْعِ، والْإِجارَةِ، والرَّهْنِ، والصُّلْحِ، والْوصِيَّةِ له، والْجِنايَةِ المُوجِبَةِ للْمالِ.
بلا نِزاعٍ.
قوله: ولا يُقْبَلُ فى حَدٍّ للهِ تعالَى.
وهو المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
وقطَعُوا به.
وذكَر فى «الرِّعايةِ» رِوايةً، يُقْبَلُ.

الجزء: 29 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قوله: وهل يُقْبَلُ فِيما عَدا ذلك؛ مِثْلَ القِصاصِ، والنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والخُلْعِ، والْعِتْقِ، والنَّسَبِ، والْكِتابَةِ، والتَّوْكِيلِ، والْوَصِيَّةِ إليه؟ على رِوايتَيْن.
قال فى «الهِدايةِ»: يُخَرّجُ على رِوايتَيْن.
وقال فى «الخُلاصةِ»: فيه

الجزء: 29 - الصفحة: 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وَجْهان.
وأطْلَقهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحدُهما، يُقْبَلُ.
وهو المذهبُ.
وهو ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: يَحْتَمِلُه كلامُ الْخِرَقِىِّ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ».
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْم»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ».
نقَل جماعَةٌ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، يُقْبَلُ حتى فى قَوَدٍ.
ونَصَرَه القاضى وأصحابُه.
وجزَم به فى «الرَّوْضَةِ»

الجزء: 29 - الصفحة: 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وغيرِها.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ فى ذلك.
قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو مُخْتارُ كثيرٍ مِن أصحابِ القاضى.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: والمذهبُ، أنَّها لا تُقْبَلُ فى القِصاص،.
قال فى «العُمْدَةِ»: ويُقْبَلُ فى كل حقٍّ، إلاَّ فى الحُدودِ والقِصاصِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: لا يُقْبَلُ فى النِّكاحِ.
ونحوُه قولُ أبى بَكْرٍ.
وعنه ما يدُلُّ على

الجزء: 29 - الصفحة: 10

وَيَجُوزُ كِتَابُ القَاضِى فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنْفِذَهُ فِى المَسَافَةِ القَرِيبَةِ وَمَسَافَةِ القَصْرِ، وَيَجُوزُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ليَحْكُمَ بِهِ فِى الْمَسَافَةِ  قبولِه، إلَّا فى الدِّماءِ والحُدودِ.
قال فى «الفُروعِ» وغيرِه: وعنه، لا يُقْبَلُ فيما لا يُقْبَلُ فيه إلَّا رَجلان.
فائدة: قال فى «الفُروعِ»: وفى هذه المَسْألَةِ ذكَرُوا، أنَّ كِتابَ القاضى [إلى القاضى] 281، حُكْمُه كالشَّهادَةِ على الشَّهادَةِ؛ لأنَّه 282 شَهادَةٌ على شهادةٍ.
وذكَرُوا، فيما إذا تغَيَّرَتْ حالُه، أنَّه أصْل، ومَن شَهِدَ عليه فَرْعٌ- وجزَم به ابنُ 283 الزَّاغُونِىِّ وغيرُه- فلا يجوزُ نقْضُ الحُكْمِ بإنْكارِ القاضى الكاتِبِ، ولا يقْدَحُ فى عَدَالَةِ البَيِّنَةِ، بل يمْنَعُ إنْكارُه الحُكْمَ، كما يَمْنَعُ رُجوعُ شُهودِ الأَصْلِ الحُكْمَ.
فدَلَّ ذلك على أنه فَرْعٌ لمَنِ شَهِدَ عندَه، وهو أصْل لمَن شَهِدَ عليه، ودلَّ ذلك، أنَّه يجوزُ أنْ يكونَ شُهودُ فرْعٍ فَرْعًا لأَصْل، يؤَيِّدُه قولُهم فى التَّعْليلِ: إنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذلك.
وهذا المَعْنَى مَوْجُودٌ فى فَرْعِ الفَرْعِ.
انتهى.
قوله: ويَجُوزُ كِتابُ الْقَاضِى فيما حَكَمَ به ليُنْفِذَه فى المسافَةِ القَرِيبَةِ ومَسَافَةِ القَصْرِ.
ولو كانا ببَلَدٍ واحدٍ، بلا نِزاعٍ.
وعندَ الشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ،

الجزء: 29 - الصفحة: 11

البَعِيدَةِ دُونَ الْقَرِيبَةِ.
وفى حقِّ اللهِ تعالَى أيضًا.
وتقدَّم قريبًا، هل التَّنْفِيذُ حُكْمٌ، أمْ لا؟.

الجزء: 29 - الصفحة: 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قوله: ويَجُوزُ فيما ثَبَتَ عِنْدَه ليَحْكُمَ به فى المسافَةِ الْبَعِيدَةِ، دُونَ الْقَرِيبَةِ.
وهذا المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
وعنه، فوقَ يَوم.
وهو قولٌ فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه، وعندَ الشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، وقال: خرَّجْتُه فى المذهبِ، وأقَلُّ مِن يومٍ، كخَبَرٍ.
انتهى يعْنِى، إذا أَخْبَرَ حاكِمٌ لآخَرَ بحُكْمِه، يجبُ العمَلُ به.
فلَوْلَا أنّ حُكْمَ الحاكمِ كالخَبَرِ، لَما اكْتَفَى فيه بخَبَرِه، ولَما جازَ

الجزء: 29 - الصفحة: 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للحاكم الآخر العَمَلُ به حتى يشْهَدَ به شاهِدان.
قالَه ابنُ نَصْرِ اللهِ.
وقال القاضى: ويكونُ فى كتابه «شَهِدا عنْدِى بكذا» ولا يكْتُبُ «ثَبَتَ عنْدِى» لأنَّه حُكْمٌ بشَهادَتِهما، كبَقِيَّةِ الأحْكامِ.
وقالَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه.
قال الشيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: والأَوَّلُ أشْهَرُ- أنَّه 284 خَبَرٌ بالثُّبوتِ، كشُهودِ الفَرْعِ- لأنَّ الحُكْمَ أمْرٌ ونَهْىٌ يتَضَمَّنُ إلْزامًا.
انتهى.
فعليه، لا يمْتَنِعُ كِتابَتُه «ثَبَتَ عنْدِى» قال فى «الفُروعِ»: فيَتَوَجَّهُ، لو أَثْبَتَ حاكِمٌ مالِكِىٌّ وقْفًا لا يراه- كوَقْفِ الإِنْسانِ على نفْسِه- بالشَّهادَةِ.
على الخَطِّ، فإنْ 285 حَكَمَ للخِلافِ فى العَمَلِ بالخَط، كما هو المُعْتادُ، فلحاكمٍ حَنْبَلِىٍّ يرَى صِحَّةَ الحُكْمِ، أنْ ينفِذَه فى مَسافَةٍ قَرِيبَةٍ، وإنْ لم يَحْكُمِ المالِكِىُّ، بل قال: ثَبَتَ كذا.
فكذلك؛ لأنَّ الثُّبوتَ عندَ المالِكِىِّ حُكْمٌ.
ثم إنْ رأَى الحَنْبَلِىُّ الثُّبوتَ حُكْمًا، أنْفَذَه 286، وإلَّا فالخِلافُ فى قُرْبِ المَسافَةِ، ولُزومِ الحَنْبَلِىِّ تَنْفِيذُه، يَنْبَنِى على لُزومِ تَنْفيذِ الحُكْمِ المُخْتَلَفِ فيه، على ما تقدَّم.
وحُكْمُ المالِكِىِّ، مع عِلْمِه باخْتِلافِ العُلَماءِ فى الخَطِّ، لا يمْنَعُ كوْنَه مُخْتَلَفًا فيه، ولهذا لا يُنْفِذُه الحَنَفِيَّةُ حتى يُنْفِذَه حاكِمٌ.
وللحَنْبَلِىِّ الحُكْمُ بصِحَّةِ الوَقْفِ المذْكورِ مع بُعْدِ المَسافَةِ، ومع قُرْبِها الخِلافُ؛ لأنَّه نَقَلَ إليه ثُبوتَه مُجَرَّدًا.
قالَه ابنُ نَصْرِ اللهِ.
وقال: ومِثْلُ ذلك، لو ثَبَتَ عندَ حَنْبَلِىٍّ وَقْفٌ على النَّفْسِ، ولم يحْكُمْ به، ونَقَلَ الثُّبوتَ إلى حاكمٍ شافِعِىٍّ، فله الحُكْمُ وبُطْلانُ الوَقْفِ.
وأمْثِلتُه كثيرةٌ.
فائدة: لو سَمِعَ البَيِّنَةَ، ولم يُعَدِّلْها، وجعَلَه إلى الآخَرِ، جازَ مع بُعْدِ

الجزء: 29 - الصفحة: 14

وَيَجُوزُ أنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَإلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ كِتَابِى هَذَا مِنْ قُضَاةِ المُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ.
وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ، يُحْضِرُهُمَا القَاضِى الكَاتِبُ فَيَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ يَقُولُ: أُشْهِدُكُمَا أن هَذَا كِتَابِى إِلَى  المَسافَةِ.
قالَه فى «التَّرْغيبِ».
واقْتَصَرَ عليه فى «الفُروعِ».
تنبيه: قولُه: ويَجُوزُ أن يَكْتُبَ إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ، وإلى مَن يَصِلُ إليه كِتابِى هذا مِن قُضاةِ المسْلِمِين وحُكَّامِهِمْ.
قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: وتَعْيِينُ القاضى الكاتِبِ، كشُهودِ الأَصْلِ، وقد يُخْبِرُ 287 المَكْتُوبَ إليه.
قال الأصحابُ فى شُهودِ الأصْلِ: يُعْتَبَرُ تَعْيِينُهم لهم 288. قال القاضى: حتى لو قال تابِعِيَّان: أَشْهَدَنا صَحابِيَّان.
لم يَجُزْ حتى يُعَيِّناهُما.

الجزء: 29 - الصفحة: 15

فُلانِ بْنِ فُلانٍ.
وَيَدْفَعُهُ [334 و] إلَيْهِمَا، فَإذَا وَصَلَا إلَى المَكْتُوبِ إلَيْهِ، دَفَعَا إِلَيْهِ الكِتَابَ وَقَالَا: نَشْهَدُ أنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إلَيْكَ، كَتَبَهُ مِنْ عَمَلِهِ، وَأشْهَدَنَا عَلَيْهِ.
وَالاحْتِيَاطُ أَنْ يَشْهَدَا عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ، وَيَخْتِمَهُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ خَتْمُهُ.
قوله: فاذا وصلا إلى الْمكْتُوبِ إِليه، دَفَعا إليهِ الكِتابَ، وقالا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كِتابُ فُلانٍ إليْكَ، كَتَبَه مِن عَمَلِه، وأشْهَدَنا عليه.
والاحْتِياطُ أنْ يَشْهَدا بما فيه.
فيَقُولَان 289: وأشْهَدَنا عليه.
قالَه الْخِرَقِىُّ وجماعَةٌ واعْتَبَر الْخِرَقِىُّ أيضًا، وجماعةٌ، قوْلَهما: قُرِئ علينا.
وقولَ الكاتبِ: اشْهَدا عَلَىَّ.
والذى قدَّمه فى «الفُروعِ»، أنَّهما إذا وَصَلا، قالا: نَشْهَدُ أنَه كِتابُ فُلانٍ إليكَ، كَتَبَه بعَمَلِه 290. مِن غيرِ زِيادَةٍ على ذلك.
قال الزَّرْكَشِىُّ: الذى يَنْبَغِى قَبُولُ شَهادَةِ مَن شَهِدَ، أنَ هذا كِتابُ فُلانٍ إليكَ، كَتَبَه مِن عَمَلِه، إذا جَهِلا ما فيه، قوْلًا واحدًا؛ لانتِفاءِ الجَهالَةِ.
انتهى.
وفى كلامِ أبى الخَطَّابِ، كَتَبَه بحَضْرَتِنا، وقال لنا: اشْهَدا علَىَّ أَنِّى 291 كَتَبْتُه فى عَمَلِى بما ثَبَتَ عندِى، وحَكَمْتُ به مِن كذا وكذا.
فيَشْهَدان بذلك.
قال الزَّرْكَشِىُّ: وقال القاضى: يكْفِى أنْ يقولَ: هذا كِتابِى إلى فُلانٍ.
مِن غيرِ أنْ يقولَ: اشْهَدا علىَّ.
انتهى.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: كِتابُه فى غيرِ عَمَلِه أو بعدَ عَزْلِه، كخَبَرِه.
على ما تقدَّم.

الجزء: 29 - الصفحة: 16

وَإِنْ كَتَبَ كِتَابًا وَأَدْرَجَهُ وَخَتَمَهُ، وَقَالَ: هَذَا كِتَابِى إِلَى  فائدة: قال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِى الفُروعِ»: هل يجوزُ أنْ يشْهَدَ على القاضى- فيما أَثْبَتَه وحَكَمَ به- الشاهِدان اللَّذان شَهِدا عندَه بالحقِّ المَحْكُومِ به؟ لم أجِدْ لأصحابِنا فيها نصًّا، ومُقْتَضَى قاعِدَةِ المذهبِ، أنَّها لا 292 تُقْبَلُ؛ لأنَّها تَتَضَمَّنُ الشَّهادةَ عليه بقَبُولِه شَهادَتَهما، وإثْباتِه بها الحَقَّ والحُكْمَ؛ فالثُّبوتُ والحُكْمُ مَبْنِيَّان على قَبُولِ شَهادَتِهما، وشَهادَتُهما عليه 293 بقَبُولِه شَهادَتَهما نَفْعٌ لهما، فلا يجوزُ قبولُها، وإذا بَطَلَتْ بعْضُ الشَّهادَةِ، بَطَلَتْ؛ لأنَّها لا تَتَجَزَّأُ.
وفى «رَوْضَةِ الشَّافِعِيَّةِ» عن أبى طاهِرٍ، يجوزُ أنْ يكونَ الشَّاهِدان بحُكْمِ القاضى هما اللَّذانِ شَهِدا عندَه وحكَم بشَهادَتِهما؛ لأنَّهما الآنَ يشْهَدان على فِعْلِ القاضى.
قال أبو طاهِرٍ: وعلى هذا تَفَقَّهْتُ، وأدْرَكْتُ القُضاةَ.
انتهى.
وهذا فيما إذا كانتْ شَهادَتُهما على الحُكْمِ رُبَّما تَحْتَمِلُ قَبُولَه على ما فيه، وأما على الثُّبوتِ، فهذا فى غايَةِ البُعْدِ.
وقد أَفْتَى بالمَنْعِ قاضِى القُضاةِ بَدْرُ الدِّينِ العَيْنِىُّ الحَنَفِىُّ 294، وقاضى القُضاةِ البِساطِىُّ المالِكِىُّ.
ويأْتِى التَّنْبِيهُ على ذلك فى مَوانِعِ الشَّهادَةِ.
قوله: وإنْ كَتَبَ كِتابًا، وأدْرَجَه وخَتَمَه، وقالَ: هذا كِتابِى إلى فُلانٍ 295، اشْهَدا عَلَىَّ بما فيه.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ أحمدَ- رَحِمَه اللهُ- قال فى مَن كَتَبَ وَصِيَّةً

الجزء: 29 - الصفحة: 17

فُلَانٍ، اشْهَدَا عَلَىَّ بِمَا فِيهِ.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ أحْمَدَ قَالَ فِى مَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً وَخَتَمَهَا، ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَى مَا فِيهَا: فَلَا، حَتَّى يُعْلِمَهُ مَا فِيهَا.
وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ لِقَوْلِهِ: اذَا وُجِدَتْ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةً عِنْدَ رَأْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَكُونَ أشْهَدَ، أوْ أعْلَمَ بِهَا أحَدًا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَعُرِفَ خَطُّهُ وَكَانَ مَشْهورًا، فَإنَّهُ يَنْفُذُ مَا فِيهَا.
وَعَلَى هَذَا، إذَا عَرَفَ المَكْتُوبُ الَيْهِ أَنَّهُ خَطُّ القَاضِى الكَاتِبِ وَخَتْمُهُ، جَازَ قَبُولُهُ.
وَالعَمَلُ عَلَى الأَوَّلِ.
وخَتَمَها، ثُمَّ أَشْهَد على ما فيها: فلا، حَتَّى يُعْلِمَ ما فيها.
وهذا المذهبُ.
قال المُصَنِّفُ هنا: والعَمَلُ عليه.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال الزَّركَشِىُّ: هذا المذهبُ المَشْهورُ.
وهو مُقْتَضَى قولِ الْخِرَقِىِّ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
ويَتَخَرَّجُ الْجَوازُ لقَوْلِه: إذا وُجِدَتْ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةً عِنْد رَأْسِه، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ أَشْهَدَ، أو أَعْلَمَ بها أحَدًا عِنْدَ مَوْتِه، وعُرِفَ خَطُّه وكَانَ

الجزء: 29 - الصفحة: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَشْهُورًا، فإنَّه يَنْفُذُ ما فيها.
وهذا روايةٌ مخرِّجةٌ، خرَّجَها الأصحابُ.
واخْتارَ هذه الرِّوايةَ المُخَرِّجةَ فى الوَصِيَّةِ المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفائقِ»،

الجزء: 29 - الصفحة: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وغيرُهم.
على ما تقدَّم فى أوَّلِ كتابِ الوَصايَا.

الجزء: 29 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعلى هذا، إذا عَرَفَ الْمَكْتُوبُ إليه أَنه خَطُّ الْقاضِى الْكاتِبِ وخَتْمُه، جازَ قَبُولُه.
على الصَّحيحِ، على هذا التَّخْريجِ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ»،

الجزء: 29 - الصفحة: 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «الرِّعايةِ».
وقيل: لا يقْبَلُه.
ذكَرَه فى «الرِّعايةِ».
قال الزَّرْكَشِىُّ: ظاهرُ هذا، أنَّ على هذه الرِّوايةِ، يُشْتَرَطُ لقَبُولِ الكتابِ أنْ يعْرِفَ المكْتُوبُ إليه أنَّه خَطُّ القاضِى الكاتِبِ وخَتْمُه.
وفيه نظَرٌ.
وأشْكَلُ منه حِكايَةُ ابنِ حَمْدانَ قَوْلًا بالمَنْعِ؛ فإنَّه إذَنْ تَذْهبُ فائدةُ الرِّوايةِ.
والذى يَنْبَغِى على هذه الرِّوايةِ، أنْ لا يشْتَرِطَ شيئًا مِن ذلك.
وهو ظاهرُ كلامِ أبى البَرَكاتِ، وأبى محمدٍ فى «المُغْنى».
نعم، إذا قيلَ بهذه 296 الرِّوايةِ، فهل يُكْتَفَى بالخَطِّ المُجَرَّدِ مِن غيرِ شهادَةٍ؟ فيه وَجْهان، حكاهُما أبو البَرَكاتِ.
وعلى هذا يُحْمَلُ كلامُ ابنِ حَمْدانَ وغيرِه.
انتهى.
وعندَ الشيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، مَن عُرِفَ خطُّه بإقْراِر، أو إنْشاءٍ، أو عَقْدٍ أو شَهادَةٍ؛، عُمِلَ به كَمَيِّتٍ، فإنْ حضَر وأنْكَرَ مضْمُونه، فكاعْتِرافِه بالصَّوْتِ وإنْكارِ مضْمُونِه.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، فى كتابٍ

الجزء: 29 - الصفحة: 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أصْدَرَه الى السُّلْطانِ، فى مَسْأَلَةِ الزِّيارَةِ 297: وقد تَنازَعَ الفُقَهاءُ فى كتابِ الحاكمِ، هل يحْتاجُ الى شاهِدَيْنِ على لَفْظِه، أم واحدٍ؟ أو 298 يُكْتَفَى بالكِتابِ المَخْتومِ، أم يُقْبَلُ الكِتابُ بلا ختْمٍ ولا شاهِدٍ؟ على أرْبَعَةِ أقْوالٍ معْروفَةٍ فى مذهبِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، وغيرِه.
نقَله ابنُ خَطِيبِ السَّلَامِيَّةِ فى «تَعْلِيقِه» 299. وذكَر الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، قوْلًا فى المذهبِ، أنَّه يَحْكُمُ بخَطِّ شاهدٍ مَيِّتٍ، وقال: الخَطُّ كاللَّفْظِ، إذا عرَفَ أنَّه خطُّه.
وقال: أنَّه مذهبُ جُمْهورِ العُلَماءِ، وهو يعْرفُ أنَّ هذا خطُّه، كما يعْرِفُ أنَّ هذا صَوْتُه.
واتَّفَقَ العُلَماءُ على أنَّه يشْهَدُ على الشَّخْصِ إذا عرَفَ صَوْتَه مع إمْكانِ الاشْتِباهِ، وجوَّزَ الجُمْهورُ، كالإِمامِ مالِكٍ والإِمامِ أحمدَ، رَحِمَهُما اللهُ تعالَى، الشَّهادَةَ على الصَّوْتِ مِن غيرِ رُؤْيَةِ المَشْهودِ عليه، والشَّهادَةُ على الخَطِّ أضْعَفُ، لكِنَّ جَوازَه قَوِىٌّ، أَقْوَى مِن مَنْعِه.
انتهى.
فوائد؛ الأُولَى، قال فى «الرَّوْضَةِ»: لو كَتَبَ 300 شاهِدان الى شاهِدَيْن مِن بَلَدِ المَكْتُوبِ إليه بإِقامَةِ الشَّهادَةِ عندَه عنهما، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الشَّاهِدَ إنَّما يصِحُّ أنْ

الجزء: 29 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يشْهَدَ على غيرِه إذا سمِعَ منه لَفْظَ الشهادَةِ، وقال: اشْهَدْ علَىَّ.
فأمَّا أنْ يشْهَدَ عليه بخَطِّه، فلا؛ لأنَّ الخُطُوطَ يدْخُلُ عليها العِلَلُ، فإنْ قامَ بخطِّ كلِّ واحدٍ مِن الشاهِدَيْن شاهِدان، ساغَ له الحُكْمُ به.
الثَّانيةُ، يُقْبَلُ كتابُ القاضِى فى الحَيوانِ بالصِّفَةِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
جزَم به فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه.
قال فى «الفُروعِ»: ويُقْبَلُ كِتابُه فى حَيوانٍ فى الأصحِّ.
وقيل: لا يُقْبَلُ.
وأطْلَقَهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
فعلى المذهبِ، لو كتَبَ القاضِى كِتابًا فى عَبْدٍ، أو حَيوانٍ بالصِّفَةِ، ولم يَثْبُتْ له مُشارِكٌ فى صِفَتِه، سُلِّمَ إلى المُدَّعِى، فإنْ كانَ غيرَ عَبْدٍ وأمَةٍ، سُلِّمَ إليه مَخْتومًا، وإنْ كان عَبْدًا أو أمَةً، سُلِّمَ إليه مَخْتومَ العُنُقِ بخَيْطٍ لا يخْرُجُ مِن رَأْسِه، وأُخِذَ منه كَفِيلٌ؛

الجزء: 29 - الصفحة: 24

فَإِذَا وَصَلَ الكِتَابُ، فَأَحضَرَ المَكْتُوبُ الَيْهِ الْخَصْمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ فِى الْكِتَابِ، فَقَالَ: لَسْتُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَإنْ ثَبَتَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ،  ليَأْتِىَ به إلى الحاكمِ الكاتِبِ، ليَشْهَدَ الشُّهودُ عندَه على عَيْنِه دُون حِلْيَتِه، ويقْضِى له به، ويكْتُبُ له بذلك كِتابًا آخَرَ إلى مَن أنْفَذَ 301 العَيْنَ المُدَّعاةَ إليه، ليَبْرَأَ كَفِيلُه.
وإنْ كانَ المُدَّعَى 302 جارِيَةً، سُلمَتْ إلى أمِينٍ يُوَصِّلُها.
وإنْ لم يَثْبُتْ له ما ادَّعاه، لَزِمَه ردُّه ومُؤْنته منذُ تَسَلمَه، فهو فيه كالغاصِبِ سَواءٌ، فى ضَمانِه، وضَمانِ نَقْصِه، ومَنفَعَتِه.
قال فى «الفُروعِ»: فَكَمَغْصُوبٍ؛ لأنَّه أخَذه بلا حَقٍّ.
وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما.
وقدمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «الرِّعايةِ»: لا يرُدُّ نفْعَه.
قال فى «الفُروعِ»: ولم يَتَعَرضُوا لهذا فى المَشْهودِ عليه، فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُه، فالمُدَّعَى عليه ولا بَيِّنَةَ أَوْلَى.
انتهى.
وهذا كلُّه على المذهبِ، وعليه الأكْثَرُ.
وقيل: يحْكُمُ القاضِى الكاتِبُ بالعَيْنِ الغائِبَةِ بالصِّفَةِ المُعْتَبَرَةِ إذا ثَبَتَتْ هذه الصِّفَةُ التَّامَّةُ؛ فإذا وصَلَ الكِتابُ إلى القاضِى المَكْتُوبِ إليه، سلَّمَها إلى المُدَّعِى، ولا ينفِذْها إلى الكاتِبِ لتَقُومَ البَيِّنَةُ على عَيْنِها.
وقال فى «الرِّعايةِ»: وتَكْفِى الدَّعْوى بالقِيمَةِ.
وقال فى «التَّرْغيبِ»، على الأوَّلِ: لو ادَّعَى على رَجُلٍ

الجزء: 29 - الصفحة: 25

فَقَالَ: المَحْكُومُ عَلَيْهِ غَيْرِى.
[334 ظ] لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةَ تَشْهَدُ أَنّ فِى الْبَلَدِ مَنْ يُسَاوِيهِ فِيمَا سُمِّىَ وَوُصِفَ بِهِ، فَيَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ حَتَّى يَعْلَمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.
دَيْنًا صِفَتُه كذا، ولم يذْكُرِ اسْمَه ونَسَبَه، لم يحْكُمْ- عليه، بل يكْتُبُ إلى قاضِى البَلَدِ الذى فيه المُدَّعَى عليه-كما قُلْنا فى المُدَّعَى به- ليَشْهَدَ على عَيْنِه.
وكذا قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالَى فيه: هل يحْضُرُ ليَشْهَدَ الشُّهودُ على عَيْنِه، كما فى

الجزء: 29 - الصفحة: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المَشْهُودِ به؟ قال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» 303: إنْ كتَبَ بثُبوتٍ، أو إقْرارٍ بدَيْنٍ، جازَ، وحَكَمَ به المَكْتُوبُ إليه، وأخَذَ به المَحْكُومُ عليه، وكذا عَيْنًا، كَعَقارٍ مَحْدُودٍ، أو عَيْنٍ مَشْهورَةٍ لا تَشْتَبِهُ، وإنْ كان غيرَ ذلك، فالوَجْهان.
وقالَه الشَّارِحُ أيضًا.
الثَّالثةُ، قال فى «الفُروعِ»: وظاهرُ كلامِهم، أنَّه لا يُعْتَبَرُ ذِكْرُ الجَدِّ فى

الجزء: 29 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النَّسَبِ بلا حاجَةٍ.
قال فى «المُنْتَقَى» فى صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: فيه أنَّ المَشْهودَ عليه إذا عُرِفَ باسْمِه واسْمِ أبِيه، أَغْنَى عن ذِكْرِ الجَدِّ.
وكذا ذكَرَه غيرُه.
وقال فى «الرِّعايةِ»: ويكْتُبُ فى الكِتابِ اسْمَ الخَصْمَيْن واسْمَ أبوَيْهِما وجدَّيْهما وحِلْيَتَيهما.
قال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِى الفُروعِ»: ولو لم يُعْرَفْ

الجزء: 29 - الصفحة: 28

وَإنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ القَاضِى الكَاتِبِ بِعَزْلٍ، أوْ مَوْتٍ، لَمْ يَقْدَحْ فى كِتَابِهِ، وَإنْ تَغَيَّرَتْ بِفِسْقٍ، لَمْ يَقْدَحْ فِيمَا حَكَمَ بِهِ، وَبَطَلَ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بهِ، وَإنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ المَكْتُوبِ إلَيْهِ، فَلِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ قَبُولُ اَلكِتَابِ، وَالعَمَلُ بِهِ.
بذِكْرِ جَدِّه، ذُكِرَ مَن يُعْرَفُ به، أو ذُكِرَ له مِن الصِّفاتِ ما يَتَمَيَّزُ به عمَّنْ يُشارِكُه فى اسْمَ جَدِّه.
قوله: وإنْ تَغيَّرَتْ حالُ الْقاضِى الْكاتِبِ بعَزْلٍ، أو مَوْتٍ، لم يَقْدَحْ فِى كِتابِه.
هذا الصَّحيحُ مِن المذهبِ.
وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ» - ونَصراه- و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظمِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «الرِّعايةِ»، و «الفُروعِ».
وقيل: حُكْمُه كما لو فسَقَ،

الجزء: 29 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَيَقْدَحُ خاصَّةً فيما ثَبَتَ عندَه ليَحْكُمَ به، فأمَّا ما حَكَمَ به، فلا يقْدَحُ فيه.
قوْلًا

الجزء: 29 - الصفحة: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واحدًا، كما قال المُصَنِّفُ.

الجزء: 29 - الصفحة: 31

فَصْلٌ: وَإذَا حَكَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ إلَى الحَاكِمِ  قوله: وإذا حَكَمَ عليه، فَقال لَه: اكْتُبْ - لى - إلى الحاكمِ الْكاتِبِ أَنَّكَ حَكَمْتَ علىَّ، حَتَّى لا يَحْكُمَ علىَّ ثَانِيًا.
لم يَلْزَمْه ذلكَ، ولَكِنَّه يَكْتُبُ له مَحْضَرًا

الجزء: 29 - الصفحة: 32

الْكَاتِبِ أَنَّكَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، حَتَّى لَا يَحْكُمَ عَلَيَّ ثَانِيًا.
لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ مَحْضَرًا بِالْقَضِيَّةِ.
وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ حَاكِمٍ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ، مِثْلَ أَنْ أَنْكَرَ وَحَلَّفَهُ الحَاكِمُ، فَسَأَلَ الحَاكِمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا  بالقَضِيَّةِ 304. فيَلْزَمُه أنْ يُشْهِدَ عليه بما جَرَى؛ لِئَلَّا يحْكُمَ عليه الكاتِبُ.
قوله: وكُلُّ مَن ثَبَتَ له عِنْدَ حاكِمٍ حَقٌّ، أو ثَبَتَتْ بَراءَتُه، مِثْلَ أنْ أنْكَرَ وحَلَّفَه الْحاكِمُ، فَسَأَلَ الْحاكِمَ أنْ يَكْتُبَ له مَحْضَرًا بما جَرَى؛ ليُثْبِتَ حَقَّهُ أو بَرَاءَتَه،

الجزء: 29 - الصفحة: 33

بِمَا جَرَى، لِيُثْبِتَ حَقَّهُ أَوْ بَرَاءَتَهُ، لَزِمَهُ إجَابَتُهُ.
لَزِمَه إِجابَتُه.
هذا المذهبُ مُطْلَقًا.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال في «الرِّعايتَيْن»: وإنْ قال: أشْهِدْ لى عليكَ بما جرَى لى عنْدَك في ذلك وفى غيرِه؛ مِن حقٍّ، وإقْرَارٍ، وإنْكارٍ، ونُكُولٍ، ويَمِينٍ ورَدِّها، وإبْراءٍ، ووَفاء، وثُبوتٍ، وحُكْمٍ، وتنْفِيذٍ، وجَرْحٍ، وتَعْدِيلٍ، وغيرِ ذلك.
أو: احْكُمْ 305 بما ثَبَتَ عنْدَك.
لَزِمَه.
انتهى.
وقيل: إنْ ثَبَتَ حقُّه

الجزء: 29 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بِبَيِّنَةٍ، لم يَلْزَمْه ذلك.
وأطلَقهما في «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
فائدتان؛ إحْداهما، لو سأَلَه، مع الإشْهادِ، كِتابَةَ ما جرَى، وأتاه بوَرَقَةٍ، إمَّا مِن عنْدِه أو مِن بَيْتِ المالِ، لَزِمَه ذلك.
على الصَّحيحِ مِن المذهب.
قال في «الفُروعِ»: لَزِمَه ذلك في الأصحِّ.
وصحُّحه فى «المُغْنِى»، و «الشَرْحِ»، و «تَصْحيحِ المُحَرِّرِ».
وقدَّمه في «النَّظْمِ» وغيرِه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وأَطْلَقَهما في «المُحَرِّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، وغيرِهم.
وعنْدَ الشَيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، يَلْزَمُه إنْ تضَرَّرَ بتَرْكِه.
الثَّانيةُ، ما تَضَمَّنَ الحُكْمَ بِبَيِّنَةٍ يُسَمَّى سِجِلًّا، وغيرُه يُسَمَى مَحْضَرًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
جزَم به في «المُحَرَّرِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»،

الجزء: 29 - الصفحة: 35

وَإنْ سَأَلَ مَنْ ثَبَتَ مَحْضَرُهُ عِنْدَ الحَاكِمِ، أَنْ يُسَجِّلَ بِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وَجَعَلَهُ نُسْخَتَيْنِ؛ نُسْخَةً يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، وَالأُخْرَى يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ، وَالْوَرَقُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ، فَمِنْ مَالِ المَكْتُوبِ لَهُ.
وَصِفَةُ المَحْضَرِ: بِسْمِ الله اِلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،  و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال المُصَنِّفُ هنا: وأمَّا السِّجِلُّ، فهو لأنْفاذِ ما ثَبَتَ عندَه والحُكْمِ به.
وقال في «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّرْغيبِ»: المَحْضَرُ شَرْحُ ثُبوتِ الحَقِّ عندَه، لا الحُكْمُ بثُبوتِه.
قال في «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»: وما تضَمَّنَ الحُكْمَ بِبَيِّنَةٍ، سِجِلٌ - وقيل: هو إنْفاذُ ما ثَبَتَ عندَه والحُكْمُ به - وما سِوَاه مَحْضَرٌ، وهو شَرْحُ ثُبوتِ الحقِّ عندَ الحاكمِ بدُونِ حُكْمٍ.

الجزء: 29 - الصفحة: 36

حَضَرَ [335 و] القَاضِىَ فُلَانَ بْنَ فُلانٍ الفُلَانِىَّ، قَاضِىَ عَبْدِ اللهِ الإِمَامِ، عَلَى كَذَا وَكَذَا.
وَإِنْ كَانَ نَائِبًا، كَتَبَ: خَلِيفَةُ القَاضِى فُلانٍ، قَاضِى عَبْدِ اللهِ الإِمَامِ، في مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، بِمَوْضِعِ كَذَا، مُدَّعٍ، ذَكَرَ أنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَأحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ، ذَكَرَ أنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا، فَأقَرَّ لَهُ،  قوله في صِفَةِ المَحْضَرِ: في مَجْلِسِ حُكْمِه.
هذا إذا ثَبَتَ الحقُّ بغيرِ إقْرارٍ،

الجزء: 29 - الصفحة: 37

أو فَأَنْكَرَ، فَقَالَ القَاضِى لِلْمُدَّعِى: أَلَكَ بَيِّنَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَأَحْضَرَهَا، وَسَأَلَهُ سَمَاعَهَا، فَفَعَلَ، أَوْ فَأَنكَرَ، وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَسَأَلَ إِحْلَافَهُ، فَأَحْلَفَهُ.
وَإنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، ذَكَرَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِنُكولِهِ.
وَإِن رَدَّ اليَمِينَ فحَلَّفَهُ، حَكَى ذَلِكَ.
فأمَّا إنْ ثَبَتَ الحقُّ بالإقْرارِ، لم يَذْكُرْ «في مَجْلِسِ حُكْمِه».

الجزء: 29 - الصفحة: 38

وَسَأَلهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، في يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا.
وَيُعْلِمُ فِي الإِقْرَارِ وَالإِحْلَافِ: جَرَى الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِى الْبَيِّنَةِ: شَهِدَ عِنْدِى بذَلِكَ.
وَأمَّا السِّجِلُّ، فَهُوَ لانْفَاذِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمِ بِهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الجزء: 29 - الصفحة: 39

وَصِفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ: هَذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْه القَاضِى فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ - وَيَذْكُرُ مَا تَقَدَّمَ - مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ، [335 ظ] أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفَهُمَا بِمَا رَأى مَعَهُ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا، بِمَحْضَر مِنْ خَصْمَيْنِ.
ويَذْكُرُهُمَا إِنْ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ، وَإلَّا قَالَ: مُدَّع وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، جَازَ حُضُورُهُمَا، وَسَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْ أحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ، مَعْرِفَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ.
وَيَذْكُرُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، وَإقْرَارَهُ طَوْعًا في صِحَّةٍ مِنْهُ، وَسَلَامَةٍ، وَجَوَازِ أمْرٍ بِجَمِيعِ مَا سُمَىَ وَوُصِفَ بِهِ، في كِتَابٍ نسَخْتُهُ.
وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ المُثْبَتَ،  وقولُه في صِفَةِ السِّجِلِّ: بمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْن.
يفْتَقِرُ الأمْرُ إلى حُضُورِهما.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه الأَصْحابُ.
وقَطَعُوا به.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ

الجزء: 29 - الصفحة: 40

أَوِ الْمَحْضَرَ جَمِيعَهُ، حَرْفًا بِحَرْفٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قال: وَإنَّ القَاضِىَ أَمْضَاهُ، وَحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الوَاجِبُ عَلَيْهِ في مِثْلِهِ، بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ وَالإِشْهَادَ بِهِ، الْخَصْمُ المُدَّعِى - وَيَذْكُرُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ - وَلَمْ يَدْفَعْهُ الْخَصْمُ الحَاضِرُ مَعَهُ بِحُجَّةٍ، وَجَعَلَ كُلَّ ذِى حجَّةٍ عَلَى حجَّتِهِ، وَأَشْهَدَ القَاضِى فُلَانٌ عَلَى إِنْفَاذِهِ وَحُكْمِهِ وَإمْضَائِهِ، مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ في مَجْلِسِ حُكْمِهِ، في الْيَوْمِ المُؤَرَّخِ في أعْلَاهُ، وَأَمَرَ بِكَتْبِ.
هَذَا السِّجلِّ نُسْختَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ.
يُخَلِّدُ نُسْخَةً مِنْهُمَا دِيوانَ الْحُكْمِ، وَيَدْفَعُ الأُخْرَى إِلَى مَنْ كَتَبَهَا لَهُ، وَكُلُّ  الدِّينِ: الثُّبوتُ المُجَرَّدُ لا يفْتَقِرُ إلى حُضُورِهما، بل إلى دَعْواهما، لكِنْ قد تَكونُ الباءُ باءَ السَّبَبِ لا الظَّرْفِ، كالأُولَى.
وهذا يَنْبَنِى على أنَّ الشُّهادةَ، هل تفْتَقِرُ إلى حُضورِ الخَصْمَيْن؟ فأمَّا التَّزْكِيَةُ، فلا.
قال: وظاهِرُه أنْ لا حُكْمَ فيه بإقْرارٍ ولا

الجزء: 29 - الصفحة: 41

وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ وَوَثِيقَة فِيمَا أَنْفَذَهُ فِيهِمَا.
وَهَذَا يُذْكَرُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ.
وَلَوْ قَالَ: إِنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مَا في كِتَابٍ نُسْخَتُه كَذَا.
وَلَمْ يَذْكُرْ: بِمَحْضَرٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ، سَاغَ ذَلِكَ؛ لِجَوَازِ القَضَاءِ عَلَى الغَائِبِ.
وَمَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مِنَ الْمَحَاضِرِ والسِّجِلَّاتِ في كُلِّ أُسْبُوعٍ، أَوْ شَهْرٍ، عَلَى قِلَّتِهَا وَكَثْرتِهَا، يَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا: مَحَاضِرُ وَقْتِ كَذَا، في سَنَةِ كَذَا.
نُكُولٍ ولا رَدٌّ، وليسَ كذلك.
قالَه في «الفُروعِ».

الجزء: 29 - الصفحة: 42

بَابُ القِسْمَةِ

وَقِسْمَةُ الأَمْلَاكِ جَائِزَةٌ.
وَهِىَ نَوْعَانِ؛ قِسْمَةُ تَرَاضٍ  بابُ القِسْمَةِ قوله: وقِسْمَةُ الأمْلاكِ جائِزَةٌ.
وهي نَوْعان؛ قِسْمَةُ تَراضٍ، وهي ما فيها ضَرَرٌ، أَوْ رَدُّ عِوَضٍ مِن أحَدِهِما، كالدُّورِ الصِّغَارِ، والْحَمَّامِ، والْعَضائِدِ

الجزء: 29 - الصفحة: 45

وَهِىَ نَوْعَانِ؛ قِسْمَةُ تَرَاضٍ، وَهِىَ مَا فِيهَا ضَرَرٌ، أَوْ رَدُّ عِوَضٍ مِنْ أحَدِهِمَا؛ كَالدُّورِ الصِّغَارِ، وَالحَمَّامِ، والعَضَائِدِ المُتَلَاصِقَةِ اللَّاتِى لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ عَيْنٍ مُفْرَدَةٍ، والأرْضِ الَّتِى في بَعْضِهَا بِئْرٌ أَوْ بِنَاءٌ وَنَحْوُهُ، لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ بِالأَجْزَاءِ وَالتَّعْدِيلِ، إِذَا رَضُوا بِقِسْمَتِها أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ، جَازَ.
وَهَذِهِ جَارِيَةٌ مَجْرَى البَيْعِ، فِي أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا المُمْتَنِعُ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا مَا يَجُوزُ فِي البَيْعِ.
الْمتَلاصِقَةِ اللَّاِتى لا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلٍّ عَيْنٍ مُفْرَدَةٍ.
والأَرْضِ الَّتى في بَعْضِها بِئْرٌ أو بِناءٌ ونَحْوُه، ولا يُمْكِنُ قِسْمَتُه بالأَجْزاءِ والتَّعْدِيلِ، إذا رَضُوا بقِسْمَتِها أَعْيانًا بالْقِيمَةِ، جازَ.
بلا نِزاعٍ.
وقوله: وهذه جارِيَةٌ مَجْرَى الْبَيْعِ، لا يُجْبَرُ عليها الْمُمْتَنِعُ منها، ولا يَجُوزُ فيها

الجزء: 29 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إلَّا ما يَجُوزُ في الْبَيْعِ.
فلو قال أحدُهما: أَنا آخُذُ الأدْنَى، ويَبْقَى لى في الأَعْلَى تَتِمَّةُ حِصَّتِى.
فلا إجْبارَ.
قالَه في «التَّرْغيبِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «الرَّوْضَةِ»: إذا كانَ بينَهم مَواضِعُ مُخْتَلِفَةٌ، إذا أخَذَ أحدُهم مِن كلِّ مَوْضِعٍ منها حقَّه لم ينْتَفِعْ به، جُمِعَ له حقُّه مِن كل مَكانٍ، وأخَذَه 306، فإذا كان له سَهْمٌ

الجزء: 29 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَسِيرٌ لا يمْكِنُه الانْتِفاعُ به إلَّا بإدْخالِ الضَّرَرِ على شُرَكائِه وافْتِياتِه عليهم، مُنِعَ مِن التَّصَرُّفِ فيه، وأُجْبِرَ على بَيْعِه.
قال في «الفُروعِ»: كذا قالَ.
وقال القاضي في «التَّعْليقِ»، وصاحِبُ «المُبْهِجِ»، والمُصَنِّفُ فِي «الكافِى»: البَيْعُ ما فيه رَدُّ عِوَضٍ، وإنْ لم يَكُنْ فيها 307 رَدُّ عِوَضٍ، فهي إفْرازُ النَّصِيبَيْن، وتَمَيُّزُ الحَقَّيْن، وليستْ بَيْعًا.
واخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ.
فائدة: مَن دَعا شَرِيكَه إلى البَيْعِ في قِسْمَةِ التَّراضِى، أُجْبِرَ، فإنْ أَبَى، بِيعَ عليهما وقُسِمَ الثَّمَنُ.
نقَله المَيْمُونِىُّ، وحَنْبَلٌ.
وذكرَه القاضي وأصحابُه.
وذكَرَه في «الإِرْشادِ»، و «الفُصولِ»، و «الإِيضاحِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّرْغيبِ»، وغيرِها.
وجزَم به في «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ والسَّبْعِين»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
وقدَّمه في «الفُروعِ».
قال في «الفُروعِ»: وكلامُ الشَّيْخِ - يعْنِى به المُصَنِّفَ - والمَجْدِ، يقْتَضِى المَنْعَ، وكذا حُكْمُ الإِجارَةِ، ولو في وَقْفٍ.
ذكَرَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، في الوَقْفِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 48

وَالضَّرَرُ المَانِعُ مِنَ الْقِسْمَةِ، هُوَ نَقْصُ القِيمَةِ  قوله: والضَّرَرُ المانِعُ مِن الْقِسْمَةِ - يعْنِى قِسْمَةَ الإجْبارِ - هو نَقْصُ القِيمَةِ

الجزء: 29 - الصفحة: 49

بِالْقَسْمِ، في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
أَوْ لَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا، فِي ظَاهِرِ كَلَامَ الخِرَقِىِّ.
بالقِسْمَةِ في ظاهِرِ كلامِه.
يعْنِى 308، في رِوايَةِ المَيْمُونِيِّ.
وكذا قال في «الهِدايةِ»، و «المُحَرِّرِ»، وغيرِهما.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه فى «الخُلاصةِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
أو لا يَنْتَفِعان به مَقْسُومًا في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو رِوايَةٌ عن الإمام أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، اخْتارَه المُصَنِّفُ.
وجزَم به في «العُمْدَةِ».
وأطْلَقَهُما في «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
وقال: ظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، اعْتِبارُ النَّفْعِ، وعدَمُ نَقْصِ قِيمَتِه ولو انْتَفَعَ

الجزء: 29 - الصفحة: 50

فَإنْ كَانَ الضَّرَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ، كَرَجُلَيْنِ لِأحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ، وَلِلآخَرِ الثُّلُثُ، يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ  به.
وتقدَّم التَّنْبِيهُ على بعْضِ ذلك، في بابِ الشُّفْعَةِ.
قوله: فإنْ كانَ الضَّرَرُ على أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ، كَرَجُلَيْن لأحَدِهِما الثُّلُثان،

الجزء: 29 - الصفحة: 51

بِقَسْمِهَا، وَيَتَضَرَّرُ الآخَرُ، فَطَلَبَ مَنْ لا يَتَضَرَّرُ الْقَسْمَ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ الْآخَرُ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْآخَرُ، أُجْبِرَ الأوَّلُ.
وَقَالَ القَاضِى: إنْ طَلَبَهُ الْأَوَّلُ أُجْبِرَ الْآخَرُ، وَإِنْ طَلَبَهُ المَضْرُورُ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ.
وللآخَرِ الثُّلُثُ، يَنْتَفِعُ صاحبُ الثُّلُثَيْنِ يِقَسْمِها، ويَتَضَرَّرُ الآخَرُ، فَطَلَبَ مَن لا يَتَضَرَّرُ الْقَسْمَ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ عليه، وإنْ طَلَبَهُ الآخَرُ، أُجْبِرَ الأوَّلُ.
هذا اخْتِيارُ

الجزء: 29 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جماعَةٍ مِن الأصحابِ؛ منهم أبو الخَطَّابِ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، ونَصراه.
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَهِ ابنِ عَبْدُوسٍ» وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن».
قال

الجزء: 29 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الزَّركَشِىُّ: وإليه مَيْلُ الشَّيْخَيْن.
وقال القاضي؛ إنْ طَلَبَه الأوَّلُ، أُجْبِرَ الآخَرُ، وإنْ طَلَبَه المَضْرُورُ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ.
وهو رِوايَةٌ عن الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: وفيه بُعْدٌ.
وأَطْلَقَهما في «الحاوِى».
والصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه لا إجْبارَ على المُمْتَنِعِ مِن القِسمَةِ منهما.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وحكاه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ من الأصحابِ، وقالُوا: هو المذهبُ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
قال الزَّرْكَشِىُّ: جزَم به القاضي في «الجامعِ»، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ في «خَلافَيْهما»،

الجزء: 29 - الصفحة: 54

وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبِيدٌ، أَوْ بَهَائِمْ، أَوْ ثِيَابٌ وَنَحْوُهَا، فَطَلَبَ  والشيرَازِيُّ.
وهو ظاهرُ روايةِ حَنْبَلٍ.
قوله: وإنْ كانَ بَيْنَهُما عَبِيدٌ، أو بَهائمُ، أو ثِيابٌ ونَحْوُها، فَطَلَبَ أَحَدُهُما

الجزء: 29 - الصفحة: 55

أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا أَعْيَانًا بِالقِيمَةِ، لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يُجْبَرُ.
قَسْمَها أعْيانًا بالْقِيمَةِ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ - هذا أحدُ الوُجوهِ، وإليه مَيْلُ أبى الخَطَّابِ، وهو احْتِمالٌ له في «الهِدايةِ» - وقال القاضي: يُجْبَرُ.
وظاهِرُه، أنَّه سواءٌ تَساوَتِ القِيمَةُ أمْ لا.
وهو ظاهرُ ما قدَّمه في «الخُلاصةِ»، وظاهرُ كلامِه في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
والمذهبُ، إنْ تَساوَتِ القِيمَةُ، أُجْبِرَ،

الجزء: 29 - الصفحة: 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإلَّا فلا.
نصَّ عليه.
قال في «الفُروعَ»: أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ في المَنْصوصَ إنْ تَساوَتِ القِيمَةُ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ القاضي ومَن تابعَه.
تنبيه: مَحَلُّ الخِلافِ، إذا كانتْ مِن جِنْسٍ وَاحدٍ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: إذا كانت مِن نوْعٍ واحدٍ.

الجزء: 29 - الصفحة: 57

وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ، لَمْ يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِنْ قِسْمَتِهِ، وَإِنِ اسْتهْدمَ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَسْمِ عَرْصَتِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ  فائدة: الآجُرُّ واللَّبِنُ المُتَساوِى القَوالِبِ مِن قِسْمَةِ الأَجْزاءِ، والمُتَفَاوِتُ من قِسْمَةِ التَّعْديلِ.
قوله: وإنْ كانَ بَيْنَهُما حائطٌ، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِن قِسْمَتِه، فَإِنِ اسْتَهْدَمَ - يعْنى حتَّى بَقِىَ عَرْصَةٌ - لم يُجْبَرْ على قَسْمِ عَرْصَتِه.
هذا أحدُ الوَجْهَيْن، والمذهبُ منهما.
وجزَم به في «المُنَوِّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
وصحَّحه في

الجزء: 29 - الصفحة: 58

طَلَبَ قَسْمَهُ طُولًا، بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ نِصْفُ الطُّولِ فِي كَمَالِ العَرْضِ، أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ، وَإنْ طَلَبَ قَسْمَهُ عَرْضًا، وَكَانَت تَسَعُ حَائِطَيْنِ، أُجْبِرَ، وَإِلَّا فَلَا.
«المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الشَّرْحَ»، و «الرِّعايتَيْن».
[واخْتارَه المُصَنِّفُ] 309. وقال أصحابُنا: إنْ طَلَبَ قِسْمَتَه طُولًا، بحيثُ يكونُ له نِصْفُ الطُّولِ في كَمالِ العَرْضِ، أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ، وإنْ طَلَبَ قَسْمَه عَرْضًا، وكانتْ تَسَعُ حائِطَيْن، أُجْبِرَ، وإلَّا فلا.
ونسَبَه في «الفُروعِ» إلى القاضِى فقطْ.
وجزَم به في «الوَجيزِ».
قال

الجزء: 29 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأدَمِىُّ في «مُنْتَخَبِه»: ولا إجْبارَ في حائطٍ، إِلَّا أنْ يتَسِعَ لحائِطيْن.
وقال أبو الخَطَّابِ في الحائطِ: لا يُجْبَرُ على قَسْمِها بحالٍ.
وقال في العَرْصَةِ كقَوْلِ الأصحابِ.
وقالَه في «المُذْهَبِ».
وقيل: لا إجْبارَ في الحائطِ والعَرْصَةِ، إِلَّا في قِسْمَةِ العَرْصَةِ طُولًا في كَمالِ العَرْضِ خاصَّةً.
وأطْلَقَهُنَّ في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ».
فائدتان؛ إحْداهما، حيثُ قُلْنا بجَوازِ القِسْمَةِ في هذا، فقيلَ: لكُلِّ واحدٍ ما يَلِيه.
وقدَّمه في «الرِّعايتَيْن».
قال في «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»: وإنْ حصَلَ له ما يُمْكِنُ بناءُ حائطٍ فيه 310، أُجْبِرَ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُجْبَرَ؛ لأنَّه لا تدْخُلُه

الجزء: 29 - الصفحة: 60

وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ لَهَا عُلْوٌ وَسُفْلٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا، لأَحَدِهِمَا [337 و] العُلْوُ وَلِلآخَرِ السُّفْلُ، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَنَافِعُ، لَم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا، وَإِن تَرَاضَيَا عَلَى قَسْمِهَا كَذَلِكَ، أَوْ عَلَى قَسْمِ المنَافِعِ بالمُهَايَأَةِ، جَازَ.
القُرْعَةُ، خَوْفًا مِن أنْ يحْصُلَ لكُلِّ واحدٍ منهما ما يَلى مِلْكَ الآخَرِ.
انتهيا.
وقيل: بالقُرْعَةِ.
قلتُ: وهو ظاهرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ وأطْلَقهمَا في «الفُروعِ».
الثَّانيةُ، قولُه: وإنْ كانَ بَيْنَهُما دارٌ لها عُلْوٌ وسُفْلٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُما قَسْمَها؛ لأحَدِهِما الْعُلْوُ، و [للآخَرِ السُّفْلُ، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِها.
بلا نِزاعٍ وكذا لو طلَبَ قِسْمَةَ] 311 السُّفْلِ دُونَ العُلْوِ، أو العَكْسَ، أو قِسْمَةَ كلِّ واحدٍ على حِدَةٍ.
ولو طلَبَ أحدُهما قِسْمَتَها معًا ولا ضَرَرَ، وَجَبَ، وعدَّلَ بالقِيمَةِ، لا ذِراعَ سُفْلٍ بذِرَاعَىْ عُلْوٍ، ولا ذِراعٌ بذِراعٍ.

الجزء: 29 - الصفحة: 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قوله: وإنْ كانَ بيْنَهما مَنافِعُ، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِن قَسْمِها.
هذا المذهبُ مُطْلَقا.
وجزَم به في «المُذْهَبِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوَّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال فى «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ والسَّبْعِين»: هذا المَشْهورُ، ولم يذْكُرِ القاضي وأصحابُه في المذهبِ سِواه.
وفرَّقُوا بينَ المُهايَأَةِ [والقِسْمَةِ] 312، بأْنَّ القِسْمَةَ إفْرازُ أحَدِ المِلْكَيْن مِن الآخَرِ، والمُهايَأَةَ مُعاوَضَةٌ، حيثُ كانتِ اسْتِيفاءً للمَنْفَعَةِ مِن مِثْلِها في زَمَنٍ آخَرَ.

الجزء: 29 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفيها تأْخِيرُ أحَدِهما عنِ اسْتِيفاءِ حقِّه، بخِلافِ قِسْمَةِ الأَعْيانِ.
وعنه، يُجْبَرُ.
واخْتارَ في «المُحَرَّرِ»، يُجْبَرُ في القِسْمَةِ بالمَكانِ إذا لم يكُنْ فيه ضَرَرٌ، ولا يُجْبَرُ بقِسْمَةِ الزَّمانِ.
قوله: وإنْ تَراضَيا على قَسْمِها كَذَلِكَ، أو على قَسْمِ الْمنافعِ بالْمُهَايأةِ، جازَ.
إذا اقْتَسَما المَنافِعَ بالزَّمانِ أو المَكانِ، صحَّ، وكانَ ذلك جائزًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وجزَم به في «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «التَّرْغيبِ».
وقدَّمه في «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
واخْتارَ فى «المُحَرَّرِ» لُزومَه إنْ تَعَاقَدا مُدَّةً معْلومَةً.
وجزَم به فى «الوَجيزِ».
وذكَر ابنُ البَنَّا في «الخِصالِ»، أنَّ الشُّرَكاءَ إذا

الجزء: 29 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اخْتَلَفُوا.
في مَنافِعِ دارٍ بينَهما، أنَّ الحاكِمَ يُجْبِرُهم على قَسْمِها بالمُهَايَأَةِ، أو يُؤْجِرُها عليهم.
قال في «الفُروعِ»: وقيل: لازِمًا بالمكانِ مُطْلَقًا.
فعلى المذهبِ، لو رجَع أحدُهما قبلَ اسْتِيفاءِ نَوْبَتِه، فله ذلك، وإنْ رجَع بعدَ الاسْتِيفاءِ، غَرِمَ 313 ما انْفَرَدَ به.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: لا تَنْفسِخُ حتَّى يَنْقَضِىَ الدُّوْرُ، ويَسْتَوْفِىَ كلُّ واحدٍ حقَّه.
انتهى.
ولوِ اسْتَوْفَى أحدُهما نوْبَتَه، ثم تَلِفَتِ المَنافِعُ في مُدَّةِ الآخَرِ قَبْلَ تَمَكُّنِه مِن القَبْضِ، فأَفْتَى الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، بأَنَّه يرْجِعُ على الأَوَّلِ ببَدَلِ حِصَّتِه مِن تلك المُدَّةِ، ما لم يَكُنْ رَضِىَ بمَنْفَعَةِ 314 الزَّمَنِ المُتَأخِّرِ على أيِّ حالٍ كانَ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو انْتَقَلَتْ، كانْتِقالِ 315 وَقْفٍ، فهل تَنْتَقِلُ مقْسُومَةً، أمْ لا؟ فيه نظرٌ.
فإنْ كانتْ إلى مُدَّةٍ، لَزِمَتِ الوَرَثَةَ والمُشْتَرِىُ.
قال ذلك الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ.
وقال أيضًا: معْنَى القِسْمَةِ هنا قَرِيبٌ من مَعْنَى البَيْعِ.
فقد يقالُ: يجوزُ التَّبْديلُ، كالحَبِيسِ والهَدْىِ.
وقال أيضًا: صرَّح الأصحابُ بأَنَّ الوَقْفَ إنَّما تجوزُ قِسْمَتُه إذا كان على جِهَتَيْن، فأمَّا الوَقْفُ على جِهَةٍ واحِدَةٍ، فلا

الجزء: 29 - الصفحة: 64

وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أرْضٌ ذَاتُ زَرْعٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا دُونَ الزَّرْعَ، قُسِمَت.
تُقْسَمُ عَيْنُه قِسْمَةً لازِمَةً اتِّفاقًا؛ لتعَلُّقِ حقِّ الطَّبقَةِ الثَّانيةِ والثَّالثةِ، لكِنْ تجوزُ المُهَايَأةُ، وهى قِسْمَةُ المَنافعِ، ولا فرْقَ في ذلك بينَ مُناقَلَةِ المَنافعِ وبينَ تَرْكِها على المُهَايَأةِ بلا مُناقَلَةٍ.
انتهى.
قال في «الفُروعِ»: والظَّاهِرُ، أن ما ذكَر شيْخُنا عن الأصحابِ وَجْهٌ.
وظاهِرُ كلامِهم، لا فَرْق، وهو أظْهَرُ.
وفى «المُبْهِجِ»، لُزومُها إذا اقْتَسَمُوا بأَنْفُسِهم.
قال: وكذا إنْ تَهايَئُوا.
ونقَل أبو الصَّقْرِ في مَن وَقَفَ ثُلُثَ قَرْيَتِه، فأَرادَ بعْضُ الوَرَثَةِ بَيْعَ نَصِيبِه، كيفَ يبيعُ؟ قال: يُفْرِزُ الثَّلُثَ ممَّا للوَرَثَةِ؛ فإنْ شاءُوا باعُوا، أو ترَكُوا.
الثَّانيةُ، نفَقَةُ الحَيوانِ؛ مُدَّةُ كلٌ واحدٍ عليه، وإنْ نقَصَ الحادِثُ عن العادَةِ، فلِلآخَرِ الفَسْخُ.
قوله: وإنْ كانَ بَيْنَهُما أرْضٌ ذَاتُ زَرْعٍ، فطَلَبَ أحَدُهُما قَسْمَها دُونَ

الجزء: 29 - الصفحة: 65

وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَهَا مَعَ الزَّرْعِ، أَوْ قَسْمَ الزَّرْعِ مُفْرَدًا، لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ.
الزَّرْعِ، قُسِمَتْ.
هذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به أكثرُهم.
قال في «الرِّعايتَيْن»: قُسِمَتْ في الأصحِّ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال المُصَنِّفُ في «الكافِى»: والأوْلَى أنْ لا يجبَ.
قوله: وإنْ طَلَبَ قَسْمَها مع الزَّرْعِ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ.
هذا المذهبُ.
وجزَم به فِى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الهادِى»، و «الوَجيزِ»، و «المُحَرِّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ

الجزء: 29 - الصفحة: 66

وَإنْ تَرَاضَوْا عَلَيْهِ وَالزَّرْعُ قَصِيلٌ أَوْ قُطْنٌ، جَازَ، وَإِنْ كَانَ  الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».
وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِى»، و «الكافِى»: يُجْبَرُ، سواءٌ اشْتَدَّ حَبُّه أو كانَ قَصِيلًا؛ لأنَّ الزَّرْعَ كالشَّجَرِ في الأرْضِ، والقِسْمَةُ إفْرازُ حَقٍّ، وليستْ بَيْعًا، وإنْ قُلْنا: هي بَيْعٌ، لم يَجُزْ ولو اشْتَدَّ الحَبُّ؛ لتَضَمُّنِه بَيْعَ السُّنْبُلِ بعْضِه ببَعْضٍ.
ويَحْتَمِلُ الجوازَ إذا اشْتَدَّ الحَبُّ؛ لأنَّ السَّنابِلَ هنا دخَلَتْ تَبَعًا للأرْضِ، وليستِ المَقْصُودَ، فأَشْبَهَ بَيْعَ 316 النَّخْلَةِ المُثْمِرَةِ بمِثْلِها.
قوله: فإنْ تَراضَوْا عليه والزَّرْعُ قَصِيلٌ، أَوْ قُطْنٌ، جازَ، وإِنْ كانَ بَذْرًا أو

الجزء: 29 - الصفحة: 67

بَذْرًا أَوْ سَنَابِلَ قَدِ اشْتَدَّ حَبُّها، فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يَجُوزُ في السَّنَابِلِ، وَلَا يَجُوزُ في الْبَذْرِ.
سَنَابِلَ قَدِ اشْتَدَّ حَبُّها، فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وأطْلَقَهما في «الهِدايةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «المُذْهَبِ» أحدُهما، لا يجوزُ.
وهو المذهبُ.
قال في «الخُلاصةِ»: لم يَجُزْ، في الأصَحِّ.
وصححه في «النَّظْمِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ».
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعَ»، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثَّانى، يجوزُ مع تَراضِيهما.
وقال القاضي: يجوزُ في السَّنابِلِ، ولا يجوزُ في البَذْرِ.
وجزَم به في «الكافِى» في السَّنابِلِ، وقدَّم في البَذْرِ، لا يجوزُ.
وقال فى «التَّرْغيبِ»: مأْخَذُ الخِلافِ، هل هي إفْرازٌ، أو بَيْعٌ؟.

الجزء: 29 - الصفحة: 68

وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ قَناةٌ، أَوْ عَيْنٌ يَنْبُعُ مَاؤُهَا، فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا عِنْدَ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ.
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى قَسْمِهِ بِالمُهَايَأْةِ، جَازَ.
وَإِنْ أرَادَا قَسْمَ ذَلِكَ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ، أَوْ حَجَر مُسْتَوٍ في مَصْدَمِ المَاءِ، فيه ثُقْبَانِ عَلَى قَدْرِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا،  قوله: وإنْ كانَ بَيْنَهُما نَهْرٌ، أو قَناةٌ، أو عَيْنٌ يَنْبُعُ ماؤُها، فالْماءُ بَيْنَهُما على ما اشْتَرَطاه عِنْدَ اسْتِخْراجِ ذلك، فإنِ اتَّفَقا على قَسْمِه بالْمُهايأَةِ - بزَمَنٍ - جازَ، وإنْ أَرادا قَسْمَ ذلك بنَصْبِ خَشَبَةٍ، أو حَجَرٍ مُسْتَوٍ في مَصْدَم الْماءِ، فيه ثُقْبان على قَدْرِ حَقِّ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُما، جازَ.
بلا نِزاعٍ أعْلَمُه.
وتقدَّم هذا وغيرُه في بابِ

الجزء: 29 - الصفحة: 69

جَازَ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْقِىَ بِنَصِيبهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شِرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، جَازَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجوزَ.
وَيَجِئُ عَلَى [337 ظ] أَصْلِنَا، أَنَّ المَاءَ لَا يُمْلَكُ، وَيَنْتَفِعُ كُلُّ وَاحِدٍ  إحْياءِ المَواتِ، فَلْيُراجَعْ.
قوله: فإنْ أَرادَ أَحَدُهُما أَنْ يَسْقِىَ بنَصِيبِه أرْضًا ليس لها رَسْمُ شِرْبٍ مِن هذا النَّهْرِ، جازَ.
هذا المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يجوزَ، وهو وَجْهٌ اخْتارَه القاضي.
وأطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى».
وقال المُصَنِّفُ هنا: ويَجِئُ على أصْلِنا، أنَّ الماءَ لا يُمْلَكُ، ويَنْتَفِعُ كلُّ واحدٍ

الجزء: 29 - الصفحة: 70

مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ.
فَصْلٌ: النَّوْعُ الثَّانِى، قِسْمَةُ الإِجْبَارِ، وَهِىَ مَا لَا ضَرَرَ فِيهَا، وَلَا رَدَّ عِوَضٍ، كَالْأرْضِ الْوَاسِعَةِ، وَالقُرَى، وَالبَسَاتِينِ، والدُّورِ الكِبَارِ، وَالدَّكَاكِينِ الوَاسِعَةِ، وَالْمَكِيلَاتِ وَالمَوْزُونَاتِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، كَالدِّبْسِ وَخَلِّ التَّمْرِ، أَوْ لَمْ تَمَسَّهُ، كَخَلِّ العِنَب وَالأَدْهَانِ وَالأَلبَانِ، فَإذَا طَلَبَ أحَدُهُمَا قَسْمَهُ وَأَبَى  منهما على قَدْرِ حاجَتِه.
وكذا قال في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ».
قال في «الفُروعِ»: وقيلَ: له ذلك 317، إذا قُلْنا: لا يُمْلَكُ الماءُ بمِلْكِ الأرْضِ.
فلِكُلِّ منهما أنْ ينْتَفِعَ بقَدْرِ حاجَتِه.
وتقدَّم ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ في كِتابِ البَيْعَ.
وذكَرْنا ما فيه مِن الخِلافِ، وتقدَّم أيضًا هذا في بابِ إحْياءِ المَواتِ، وفُروعٌ أُخَرُ كثيرةٌ، فَلْيُعاوَدْ.
قوله: النَّوْعُ الثَّانِى، قِسْمَةُ الإِجْبارِ؛ وهي ما لا ضَرَرَ فيها، ولا رَدَّ عِوَضٍ؛

الجزء: 29 - الصفحة: 71

الْآخَرُ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ.
كالأرْضِ الْواسِعَةِ، والْقُرَى، والْبَساتِينِ، والدُّورِ الْكِبارِ، والدَّكاكِينِ الْواسِعَةِ، والْمَكِيلاتِ والْموْزُوناتِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، سَواء كانَ مِمَّا مَسَّتْه النَّارُ، كالدِّبْسِ وخَلِّ التَّمْرِ، أو لم تَمَسُّه، كَخَلِّ العِنَبِ، والأَدْهانِ، والأَلبانِ.
ونَحْوِها.
بلا نِزاعٍ.

الجزء: 29 - الصفحة: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقوله: فإذا طَلَبَ أحَدُهُما قَسْمَه وأبَى الآخَرُ، أُجْبِرَ عليه.
بلا نِزاعٍ.
وكذا يُجْبَرُ وَلِىُّ مَن ليسَ أهْلًا للقِسْمَةِ، لكِنْ مع غَيْبَةِ الوَلِىِّ، هل يقْسِمُ الحاكمُ عليه؟ فيه وَجْهان.
ذكرهما في «التَّرْغيبِ».
واقْتَصَرَ عليهما مُطْلَقَيْن في «الفُروعِ»؛ أحدُهما: يقْسِمُه الحاكِمُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ؛ لأنَّه يقُومُ مَقامَ الوَلىِّ.
قال في «المُحَرَّرِ»: ويَقْسِمُ الحاكِمُ على الغائبِ في قِسْمَةِ الإِجْبارِ.
وكذا في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقال في «الرِّعايةِ»: ويَقْسِمُ الحاكِمُ على الغائبِ في قِسْمَةِ الإِجْبارِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقيلَ: إنْ كانَ له وَكِيلٌ حاضِرٌ 318، جازَ، وإلَّا فلا.
وقال: ووَلِىُّ المُوَلَّى عليه في قِسْمَةِ الإِجْبارِ كَهُوَ.
وهذا يدُلُّ على أنَّ الحاكِمَ يقْسِمُ 319 مع غَيْبَةِ الوَلىِّ.
وقال في «القاعِدَةِ الثَّالِثَةِ والعِشْرِين»: فإنْ كانَ المُشْتَرَكُ مِثْلِيًّا في قِسْمَةِ الإِجْبارِ، وهو المَكِيلُ والمَوْزُونُ، فهل يجوزُ للشَّرِيكِ أخْذُ قَدْرِ حقِّه [بدُونِ إذْنِ الحاكِمِ] 320، إذا امْتَنَعَ الآخَرُ أو غابَ؟ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، الجوازُ.
وهو قولُ أبى الخَطابِ.
والثَّانى، المَنْعُ.
وهو قولُ القاضِى؛ لأنَّ القِسْمَةَ مُخْتَلَفٌ في كَوْنِها بَيْعًا، وإذْنُ الحاكمَ يرْفَعُ النِّزاعَ، والثانى لا يقْسِمُه.
فائدة: قال جماعَةٌ، عن قَسْمِ الإِجْبارِ: يقْسِمُ الحاكِمُ إنْ ثَبَتَ مِلْكُهما عندَه.

الجزء: 29 - الصفحة: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  منهم الْخِرِقِى، وأقَرَّه المُصَنِّفُ عليه.
وقالَه في «الرِّعايةِ الكُبْرى» بخَطِّه مُلْحَقًا.
ولم يذْكُرْه آخَرُون؛ منهم أبو الخَطَّابِ، وصاحِبُ «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرُهم.
وجزَم به في «الرَّوْضَةِ».
واخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، كَبَيْعِ مَرْهُونٍ، وعَبْدٍ جانٍ.
وقال: كلامُ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في بَيْعِ ما لا يُقْسَمُ، وقَسْمِ ثَمَنِه عام فيما ثَبَتَ أنَّه مِلْكُهما، وما لم يَثْبُتْ، كجَمِيعَ الأمْوالِ التي تُباعُ.
قال: ومِثْلُ ذلك، لو جاءَتْه امْرَأَةٌ، فَزَعَمَتْ أنَّها خَلِيَّة لا وَلِىَّ لها، هل يُزَوِّجُها بلا بَيِّنَةٍ؟ ونقَل حَرْبٌ، في مَنْ أقامَ بَيِّنَةً بسَهْمٍ مِن ضَيْعَةٍ بيَدِ قَوْمٍ فهَرَبُوا منه، يَقْسِمُ عليهم، ويَدْفَعُ إليه حقَّه.
قال الشَّيْخُ تقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: وإنْ لم يَثْبُتْ مِلْكُ الغائبِ.
قال في «الفُروعِ»: فَدَلَّ أنَّه يجوزُ ثُبوتُه، وأنَّه أوْلَى.
وهو مُوافِق لما يأْتِى في الدَّعْوى.
قال في «المُحَرَّرِ»:

الجزء: 29 - الصفحة: 75

وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ إفْرَازُ حَقِّ أحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ فِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا، فَتَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ نِصْفُ العَقَارِ طِلْقًا وَنِصْفُهُ وَقْفًا، جَازَتْ قِسْمَتُه، وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الثِّمَارِ خَرْصًا، وَقِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَزْنًا، وَمَا يُوزَنُ كَيْلًا، وَالتَّفَرُّقُ فِي قِسْمَةِ ذَلِكَ قَبْلَ القَبْضِ، وَإذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فقَسَمَ، لَم يَحْنَثْ.
وَحُكِىَ عَنْ أَبِى عَبْدِ اللهِ ابْنِ بَطَّةَ مَا يَدُلُّ  ويقْسِمُ حاكِمٌ على غائب قِسْمَةَ إِجْبارٍ.
وقال في «المُبْهِجِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»: بل مع وَكِيلِه فيها الحاضِرِ.
واخْتارَه في «الرِّعايةِ» في عَقارٍ بيَدِ غائبٍ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، في قَرْيَةٍ مُشاعَةٍ قَسَمَهَا فلَّاحُوها، هل يصِحُّ؟ قال: إذا تَهايَئُوها، وزَرَعَ كلٌّ منهم حِصَّتَه، فالزَّرْعُ له، ولرَبِّ الأرْضِ نَصِيبُه، إِلَّا أنَّ مَن تَرَكَ نَصِيبَ مالِكِه، فله أخْذُ أُجْرَةِ الفَضْلَةِ أو مُقاسَمَتُها.
قوله: وهذه الْقِسْمَةُ إفْرازُ حَقِّ أَحدِهِما مِن الآخَرِ، في ظاهِرِ المذهبِ، ولَيْسَتْ بَيْعًا.
وكذا قال في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ».
وهو المذهبُ، كما قالَ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.، وقدَّمه في

الجزء: 29 - الصفحة: 76

أَنَّهَا كَالْبَيْعِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ، بَعْضُهَا يُسْقَى [338 و] سَيحًا، وَبَعْضُهَا بَعْلًا، أَوْ في بَعْضِهَا نَخْلٌ، وَفِى بَعْضِهَا شَجَرٌ، فَطَلبَ أحَدُهُمَا قَسْمَ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ، وَطَلَبَ الْآخَرُ قَسْمَهَا أَعْيَانًا بِالقِيمَةِ، قُسِمَتْ كُلُّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ إذَا أَمْكَنَ.
«المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِى»، و «الكافِي»، و «الهادِى»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن» و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «إدْراكَ الغايةِ»، و «الفُروعِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، وغيرِهم.
قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المذْهبُ المَشْهورُ المُخْتارُ لعامةِ الأصحابِ.
وحُكِىَ عن أبى عَبْدِ اللهِ ابن بَطَّةَ ما يدُلُّ على أنها بَيْعٌ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: وقَع في تَعاليقِ أبى حَفْصٍ العُكْبَرِى، عن شيْخِه ابنِ بَطَّةَ، أنَّه منَع قِسْمَةَ الثِّمارِ التي يَجْرِى فيها الرِّبا خَرْصًا، وأخَذَ مِن هذا، أنَّها عندَه بَيْعٌ.
انتهى.
وحكَى الآمِدِيُّ فيه رِوايتَيْن.
قال الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ: الَّذي تحَرَّرَ عنْدِى فيما فيه ردٌّ، أنَّه بَيْعٌ فيما يُقابِلُ الرَّدِّ، وإفْرازٌ في الباقِى؛ لأنَّ أصحابَنا قالُوا في قِسْمَةِ الطِّلْقِ، عن الوَقْفِ: إذا كانَ فيها رَدٌّ مِن جِهَةِ صاحبِ

الجزء: 29 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوَقْفِ، جازَ؛ لأنَّه يشْتَرِى به الطِّلْقَ، وإنْ كانَ مِن صاحبِ الطِّلْقِ، لم يَجُزْ.
انتهى.
ويَنْبَنِى على هذا الخِلافِ فَوائدُ كثيرَةٌ، ذكَر المُصَنِّفُ بعْضَها هنا، وذكَره غيرُه، وذكَرُوا فَوائِدَ أُخَرَ؛ فمنها، أنَّه يجوزُ قَسْمُ الوَقْفِ، على المذهبِ.
أعْنِى، بلا رَدِّ عِوَضٍ.
وعلى الثانى، لا يجوزُ.
وجزَم به في «الفُروعِ».
وقال في «القَواعِدِ»: هل يجوزُ قِسْمَتُه؟ فيه طَرِيقان؛ أحدُهما، أنَّه كإفْراز الطِّلْقِ مِن الوَقْفِ.
وهو المَجْزومُ به في «المُحَرَّرِ».
قلتُ: وفى غيرِه.
والطريقُ الثَّانى، أنَّه لا يصِحُّ قِسْمَتُه على الوَجْهَيْن جميعًا، على الأصحِّ.
وهي طرِيقَةُ صاحبِ «التَّرْغيبِ».
وعلى القَوْلِ بالجَوازِ، فهو مُخْتَصُّ بما إذا كانَ وَقْفًا على جِهَتَيْن، لا على جِهَةٍ واحِدَةٍ.
صرَّح به الأصحابُ.
نقَله الشيْخُ تَقِى الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ.
انتهى.
قلتُ: تقَدّمَ لَفْظُه قبلَ

الجزء: 29 - الصفحة: 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك في الفائِدَةِ الأُولَى، بعدَ قوْلِه: وإنْ تَراضَيا على قَسْمِها كذلك.
فَلْيُراجَعْ.
وكلامُ صاحِبِ «الفُروعِ» هناك أيضًا.
ومنها، إذا كانَ نِصْفُ العَقارِ طِلْقًا ونِصْفُه وَقْفًا، جازَتْ قِسْمَتُه، على المذهبِ، لكِنْ بلا رَدٍّ مِن ربِّ الطَّلْقِ.
وقال في «المُحَرَّرِ» عليهما: إنْ كانَ الرَّدُّ مِن ربِّ الوَقْفِ لرَبِّ الطِّلْقِ، جازَتْ قِسْمَتُه بالرِّضَا، في الأصحِّ.
انتهى.
وإنْ قُلْنا: هي بَيْعٌ.
لم يَجُزْ.
ومنها، جَوازُ قِسْمَةِ الثِّمارِ خَرْصًا، وقِسْمَةِ ما يُكالُ وَزْنًا، وما يُوزَنُ كَيْلًا، وتَفَرُّقِهما قبلَ القَبْضِ فيهما، على المذهبِ.
وقطَع به أكثرُهم.
ونصَّ عليه في رِوايةِ الأَثْرَمِ، في جَوازِ القِسْمَةِ بالخَرْصِ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: يجوزُ في الأصحِّ فيهما.
وقال في «القَواعِدِ»: وكذلك لو تَقاسَمُوا التَّمَرَ على الشَّجَرِ قبلَ صَلاحِه، بشَرْطِ التَّبْقِيَةِ.
انتهى.
وإنْ قُلْنا: هي بَيْعٌ.
لم يصِحَّ في ذلك كلِّه.
ومنها، إذا حَلَفَ لا يَبِيعُ، فَقَاسَم، لم يَحْنَثْ على المذهبِ.
ويَحْنَثُ إنْ قُلْنا: هي بَيْعٌ.
قال في «القَواعِدِ»: وقد يُقالُ: الأيْمانُ مَحْمولَةٌ على العُرْفِ، ولا تُسَمى القِسْمَةُ بَيْعًا في العُرْفِ؛ فلا يَحْنَثُ بها ولا بالحَوالَةِ والإِقَالَةِ، وإنْ قيلَ: هي بُيوعٌ.
ومنها ما قالَه في «القَواعِدِ»: لو حَلَفَ لا يَأَكُلُ مما اشْتَراه زَيْدٌ، فاشْتَرَى زَيْدٌ وعَمْرٌو طَعامًا مُشاعًا - وقُلْنا: يَحْنَثُ بالأكْلِ منه - فتَقاسَماه، ثم أكَلَ الحالِفُ مِن نَصِيبِ عَمْرٍو، فذَكَرَ الآمِدِيُّ أنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ القِسْمَةَ إفْرازُ حقٍّ لا بَيْعٌ.
وهذا يقْتَضِى أنَّه يَحْنَثُ إذا قُلْنا: هي بَيْعٌ.
وقال القاضي: المذهبُ أنَّه يَحْنَثُ مُطْلَقًا؛ لأنَّ القِسْمَةَ لا تُخْرِجُه عن أنْ يكونَ زَيْدٌ اشْتَراه، ويَحْنَثُ عندَ أصحابِنا

الجزء: 29 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بأكْلِ ما اشْتَرَاه زَيْدٌ، ولو انْتَقَلَ المِلْكُ عنه إلى غيرِه.
وفى «المُغْنِى» احْتِمالٌ، لا يَحْنَثُ هنا.
وعليه يتَخَرَّجُ، أنَّه لا يَحْنَثُ إذا قُلْنا: القِسْمَةُ بَيْعٌ.
ومنها، لو كانَ بينَهما ماشِيَةٌ مُشْترَكَةٌ، فاقْتَسَماها في أثْناءِ الحَوْلِ، واسْتَدَاما خُلْطَةَ الأوْصافِ، فإنْ قُلْنا: القِسْمَةُ إفْرازٌ.
لم ينْقَطِعِ الحَوْلُ بغيرِ خِلافٍ، وإنْ قُلْنا: بَيْعٌ.
خُرِّجَ على بَيْعِ الماشِيَةِ بجِنْسِها في أثْناءِ الحَوْلِ، هل يقْطَعُه أمْ لا؟ ومنها، إذا تَقَاسَما وصرَّحا بالتَّراضِى، واقْتَصَرَا على ذلك، إنْ قُلْنا: إفْرازٌ.
صحَّتْ، وإنْ قُلْنا: بَيْعٌ.
فوَجْهان في «التَّرْغيبِ».
وكأنَ ماْخَذَهما الخِلافُ في اشْتِراطِ الإِيجابِ والقَبُولِ.
وظاهرُ كلامِه، أنَّها تصِحُّ بلَفْظِ القِسْمَةِ على الوَجْهَيْن.
ويتَخَرَّجُ أنْ لا تصِحَّ مِن الرِّوايةِ التي حكاها في «التَّلْخيصِ» باشْتِراطِ لَفْظِ البَيْعِ والشِّراءِ.
ومنها، قِسْمَةُ المَرْهُونِ، كلِّه أو نِصْفِه، مُشاعًا، إنْ قُلْنا: هي إفْرازٌ.
صحَّتْ، وإنْ قُلْنا: بَيْعٌ.
لم تصِحَّ.
ولو اسْتَقَرَّ بها المُرْتَهَنُ، بأنْ رهَنَه أحدُ الشَّرِيكَيْن حِصَّتَه مِن حقٍّ مُعَيَّنٍ مِن دارٍ ثم اقْتَسَمَا، فحَصَلَ البَيْتُ في حِصَّةِ شَرِيكِه، فظاهرُ كلامِ القاضي، لا يُمْنَعُ منه على القَوْلِ بالإِقْرارِ.
وقال صاحِبُ «المُغْنِى»: يُمْنَعُ منه.
ومنها، ثُبوتُ الخِيارِ.
وفيه طَرِيقان؛ أحدُهما، بِناؤُه على الخِلافِ.
فإنْ قُلْنا: إفْرازٌ.
لم يثْبُتْ فيها خِيارٌ.
وإنْ قُلْنا: [بَيْعٌ.
ثَبَتَ] 321. وهو المذْكُورُ فِي «الفُصولِ»، و «التَّلْخيصِ».
وفيه ما يُوهِمُ اخْتِصاصَ الخِلافِ في خِيارِ المَجْلِسِ.
فأمَّا خِيارُ الشَّرْطِ، فلا يَثْبُتُ فيها على الوَجْهَيْن.
والطَّريقُ الثَّانى،

الجزء: 29 - الصفحة: 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَثْبُتُ فيها خِيارُ المَجْلِسِ وخِيارُ الشَّرْطِ، على الوَجْهَيْن.
قالَه القاضي في «خِلافِه».
ومنها، ثُبوتُ الشُّفْعَةِ بالقِسْمَةِ.
وفيه طَرِيقان؛ أحدُهما، بِناؤُه على الخِلافِ.
إنْ قُلْنا: إفْرازٌ.
لم يثْبُتْ، وإلَّا ثَبَتَ.
وهو الَّذي ذكَره في «المُسْتَوْعِبِ»، في بابِ الرِّبا.
والطَّرِيقُ الثَّانى، لا يُوجِبُ الشُّفْعَةَ على الوَجْهَيْن.
قالَه القاضي، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ».
وقدَّمها في «الفُروعِ»؛ لأنَّه لو ثَبَتَ لأحَدِهما على الآخَرِ لَثَبَتَ لِلْآخَرِ عليه، فيَتنافَيان.
قلتُ: وهذه الطَّرِيقَةُ هي الصَّوابُ.
ومنها، قِسْمَةُ المُتَشارِكَين في الهَدْىِ والأَضاحِى اللَّحْمَ.
فإنْ قُلْنا: إفْرازُ حَقٍّ.
جازَ، وإنْ قُلْنا: بَيْعٌ.
لم يَجُزْ.
وهو ظاهِرُ كلام الأصحاب.
قلتُ: لو قيلَ بالجَوازِ على القَوْلَيْن، لَكانَ أَوْلَى.
والذي يظهَرُ، أنَّه مُرادُهم.
ومنها، لو ظَهَرَ في القِسْمَةِ غَبْنٌ فاحِشٌ.
فإنْ قُلْنا: هي إفْرازٌ.
لم تَصِحَّ؛ لتَبَيُّنِ فَسادِ الإِفْرازِ، وإنْ قُلْنا: هي بَيْعٌ.
صحَّتْ، وثَبَتَ خِيارُ الغَبْنِ.
ذكَرَه في «التَّرْغيبِ» 322، و «المُسْتَوْعِبِ» 323، و «البُلْغَةِ».
ومنها، إذا ماتَ رَجُلٌ وزَوْجَتُه حامِلٌ، وقُلْنا: لها السُّكْنَى.
فأَرادَ الوَرَثَةُ قِسْمَةَ المَسْكَنِ قبلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ مِن غيرِ إضْرارٍ بها، بأنْ يُعَلِّمُوا الحُدودَ بخَطٍّ أو نحوِه مِن بناءٍ، فقال في «المُغْنِى» 324: يجوزُ ذلك.
ولم يَبْنِه على الخِلافِ في القِسْمَةِ، مع أَنه قال: لا يصِحُّ بَيْعُ المَسْكَنِ في هذه الحالِ؛ لجَهالَةِ مدَّةِ الحَمْلِ المُسْتَثْناةِ فيه حُكْمًا.
وهذا يدُلُّ على أن هذا يُغتَفَرُ في القِسْمَةِ على الوَجْهَيْن.
ويَحْتَمِلُ أنْ يقالَ:

الجزء: 29 - الصفحة: 81

فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَنْصِبُوا قَاسِمًا يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ، وَأَنْ يَسْأَلُوا الْحَاكِمَ نَصْبَ قَاسِمٍ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ.
وَمِنْ شَرْطِ  متى قُلْنا: القِسْمَةُ بَيْعٌ، وأنَّ بَيْعَ هذا المَسْكَنِ يصِحُّ.
لم تصِحَّ القِسْمَة.
قالَه في «الفَوائِدِ».
ومنها، قِسْمَةُ الدَّيْنِ في ذِمَمِ الغُرَماءِ.
وتقدَّم ذلك مُسْتَوْفًى في أوَائلِ كتابِ الشَّرِكَةِ، في أثْناءِ شَرِكَةِ العِنَانِ، عندَ قوْلِه: وإنْ تَقَاسَما الدِّينَ في الذِّمَّةِ.
ومنها، قَبْضُ أحَدِ الشَّرِيكَيْن نَصِيبَه مِن المالِ المُشْتَرَكِ المِثْلِىِّ مع غَيْبَةِ الآخَرِ، أو امْتِناعِه مِن الإِذْنِ بدُونِ إذْنِ حاكمٍ، وفيه وَجْهان.
وهما على قَولِنا: هي إفْرازٌ.
وإنْ قُلْنا: بَيْعٌ.
لم يَجُزْ، وَجْهًا واحدًا.
فأمَّا غيرُ المِثْلِىِّ، فلا يُقْسَمُ إلَّا مع الشَّرِيكِ، أو مَن يقُومُ مَقامَه.
ومنها، لو اقْتَسَمَا أرْضًا، أو دارَيْن، ثم اسْتُحِقَّتِ الأرْضُ، أو أَحَدُ الدَّارَيْن بعدَ البِناءِ.
ويأْتِى ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ في آخِرِ البابِ.
ومنها، لو اقْتَسَمَ الوَرَثَةُ العَقارَ، ثم ظهَر على المَيِّتِ دَيْنٌ أو وَصيَّةٌ.
ويأتِى في كلام المُصَنِّفِ أيضًا في آخِرِ البابِ.
ومَنها، لو اقْتَسَمَا دَارًا، فحَصَلَ الطَّرِيقُ في نَصِيبِ أحَدِهما، ولم يَكُنْ للْآخَرِ مَنْفَذٌ.
ويأتِى ذلك أيضًا في كلامِ المُصَنِّفِ فى آخِرِ البابِ.
قوله: ويَجُوزُ للشُّرَكاءِ أنْ يَنْصِبُوا قاسِمًا يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ، وأنْ يَسْأَلُوا الْحاكِمَ

الجزء: 29 - الصفحة: 82

مَنْ يُنْصَبُ أنْ يَكُونَ عَدْلًا عَارِفًا بِالْقِسْمَةِ.
نَصْبَ قاسِمٍ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ.
بلا نِزاعٍ.
قوله: ومِن شَرْطِ مَن يُنْصَبُ، أنْ يَكُونَ عَدْلًا عارِفًا بالْقِسْمَةِ.
وكذا يُشْترَطُ إسْلامُه.
وهذا المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والزَّرْكشِىُّ: يعْرِفُ الحِسابَ؛ لأنَّه كالخَطِّ للكاتِبِ.
وقال في «الكافِى»، و «التَّرْغيبِ»: تُشْترَطُ عَدالَةُ قَاسِمِهم، لِلُّزومِ.
وقال في «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»: تُشْترَطُ عَدالَةُ قاسِمِهم ومَعْرِفَتُه، لِلُّزومِ.
وقيلَ: إنْ نصَبُوا غيرَ عَدْلٍ، صحَّ.

الجزء: 29 - الصفحة: 83

فَمَتَى عُدِّلَتِ السِّهَامُ وَأُخْرِجَتِ القُرْعَةُ، لَزِمَتِ القِسْمَةُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَلْزَمَ فِيمَا فِيهِ رَدٌّ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ حَتَّى يَرْضَيَا بِذَلِكَ.
قوله: فمتى عُدِّلَتِ السِّهامُ وخَرَجَتِ الْقُرعَةُ، لَزِمَتِ الْقِسْمَةُ.
هذا المذهبُ مُطْلَقًا.
نصَّ عليه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ.
وقدَّمه في «الهِدايةِ»، و «المُذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَلْزَمَ فيما فيه ردٌّ بخُروجِ القُرْعَةِ حتَّى يَرْضَيا بذلك.
وهو لأبى الخَطَّابِ في «الهِدايةِ».
وقيل: لا تَلْزَمُ فيما فيه رَدُّ حقٍّ 325 أو ضرَرٌ، إِلَّا بالرضا بعدَها.
وقيل: لا تَلْزَمُ إلَّا بالرضا بعدَ القِسْمَةِ.
وقال في «المُغْنِى»، و «الكافِى»: لا تَلْزَمُ إِلَّا بالرِّضا بعدَ القِسْمَةِ، إنِ اقْتَسَمَا بأنْفُسِهما.
وقال في «الرِّعايةِ»: وللشُّرَكاءِ القِسْمَةُ بأَنْفُسِهم، ولا تَلْزَمُ بدُونِ رِضاهم، ويُقاسِمُ عالِمٌ بها ينْصِبُونَه، فإنْ كانَ عدْلًا، لَزِمَتْ قِسْمَتُه بدُونِ رِضَاهم، وإلَّا فلا، أو بعَدْلٍ

الجزء: 29 - الصفحة: 84

وَإِذَا كَانَ في القِسْمَةِ تَقْويمٌ، لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ وَإِنْ خَلَتْ مِنْ تَقْوِيم، أَجْزَاَ قَاسِمٌ وَاحِدٌ.
عارِفٍ بالقِسْمَةِ ينْصِبُه حاكِمٌ بطَلَبِهم، وتَلْزَمُ قِسْمَتُه وإنْ كان عَبْدًا، ومع الرَّدِّ فيها وَجْهان.
انتهى.
فائدة: لو خيَّر أحدُهما الآخَرَ، لَزِمَ برِضاهما وتفَرُّقِهما.
ذكَرَه جماعَةٌ مِن الأصحابِ.
واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ».
قوله: وإذا كانَ في الْقِسْمَةِ تَقْوِيمٌ، لم يَجُزْ أقَلُّ مِن قاسِمَيْن.
هذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْنِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُرُوعِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُجْزِئ قاسِمٌ واحِدٌ، كما لو خَلَتْ مِن تَقْويمٍ.
فائدتان؛ إحْداهما، تُباحُ أُجْرَةُ القاسِمِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعنه، هي كقُرْبَةٍ.
نقَل صالِحٌ، أكْرَهُه.
ونقَل عَبْدُ اللهِ، أتَوَقَّاه.
والأُجْرَةُ على قَدْرِ

الجزء: 29 - الصفحة: 85

وَإذَا سَأَلُوا الْحَاكِمَ قِسْمَةَ عَقَارٍ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَهُمْ، قَسَمَهُ، وَذَكَرَ في كِتَابِ القِسْمَةِ أَنَّ قَسْمَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمْ بِمِلْكِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى طَلَبِ  الأمْلاكِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
نصَّ عليه.
وعليه الأصحابُ.
وقطَع به كثيرٌ منهم.
زادَ في «التَّرْغيبِ»، إذا أطْلَقَ الشُّرَكاءُ العَقْدَ، وأنَّه لا ينْفَرِدُ واحِدٌ بالاسْتِئْجارِ بلا إذْنٍ.
وقيلَ: بعَدَدِ المُلَّاكِ.
وقال في «الكافِى»: هي على ما شَرَطاه.
فعلى المذهبِ المَنْصوصِ، أُجْرَةُ شاهِدٍ يخْرُجُ لقَسْمِ البِلادِ، ووَكِيلٍ، وأَمِينٍ للحِفْظِ، على مالِكٍ، وفَلَّاحً كأمْلاكٍ.
ذكَره الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ.
قال: فإذا مانَهم الفَلَّاحُ بقَدْرِ ما عليه أو يسْتَحِقُّه الضَّيْفُ، حلَّ لهم.
قال: وإنْ لم يأْخُذِ الوَكيلُ لنَفْسِه إلَّا قَدْرَ أُجْرَةِ عمَلِه بالمَعْروفِ، والزِّيادَةُ يأْخذُها المُقْطِعُ، فالمُقْطِعُ هو الَّذي ظلَم الفَلَّاحِين، فإذا أَعْطَى الوَكيلُ المُقْطِعَ مِن الضَّرِيبةِ ما يزيدُ على أُجْرَةِ مِثْلِه، ولم يأْخُذْ لنَفْسِه إلَّا أُجْرَةِ عَمَلِه، جازَ له ذلك.
وقال ابنُ هُبَيْرَةَ في «شَرْحِ البُخَارِىِّ»: اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في أجْرِ القَسَّامِ؛ فقال قومٌ: على المُزارِعِ.
وقال قومٌ: على بَيْتِ المالِ.
وقال قومٌ: عليهما.
الثَّانيةُ: قولُه: وَإذَا سَأَلُوا الْحَاكِمَ قِسْمَةَ عَقَارٍ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَهُمْ، قَسَمَهُ، وَذَكَرَ في كِتَابِ القِسْمَةِ أَنَّ قَسْمَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمْ

الجزء: 29 - الصفحة: 86

الْقِسْمَةِ، لَمْ يَقْسِمْهُ.
فَصْلٌ.
وَيُعَدِّلُ القَاسِمُ السِّهَامَ بِالْأَجْزَاءِ إِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً، وَبِالقِيمَةِ إِنْ كَانتْ مُخْتَلِفَةً، وَبِالرَّدِّ إِنْ كَانَتْ تَقْتَضِيهِ،  بمِلْكِهِمْ.
هذا بلا نِزاعٍ.
قال القاضِى: عليهما بإقْرارِهما، لا على غيرِهما.
قوله: ويُعَدِّلُ الْقاسِمُ السِّهامَ بالأجْزاءِ إنْ كانَتْ مُتَساوِيَةً، وبالْقِيمَةِ إِنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً، وبالرَّدِّ إنْ كانَتْ تَقْتَضِيه، ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَهُم، فَمَن خَرَجَ له سَهْمٌ، صارَ

الجزء: 29 - الصفحة: 87

ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ خَرَجَ [338 ظ] لَهُ سَهْمٌ، صَارَ لَهُ، وَكَيْفَمَا أَقْرَعَ، جَازَ، إِلَّا أَنَّ الأَحْوَطَ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ في رُقْعَةٍ، ثُمَّ يُدْرِجَها في بَنَادِقِ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مُتَسَاوِيَةِ الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ، وتُطْرَحَ في حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ، وَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا السَّهْمِ.
له.
بلا نِزاعٍ فِي الجُمْلَةِ.
قوله: وكَيْفَما أقْرَعَ، جازَ، إلَّا أَنَّ الأَحْوَطَ أنْ يَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ واحِدٍ مِن

الجزء: 29 - الصفحة: 88

فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ، كَانَ لَهُ، ثُمَّ الثَّانِى كَذَلِكَ، وَالسَّهْمُ البَاقِى لِلثَّالِثِ إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً وَسِهَامُهُمْ مُتَسَاويَةً.
وَإِنْ كَتَبَ اسْمَ كُلِّ سَهْمٍ في رُقْعَةٍ، وَقَالَ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً بِاسْمِ فُلَانٍ، وَأَخْرِجِ  الشُّرَكاءِ في رُقْعَةٍ، ثُمَّ يُدْرِجَها في بَنادِقِ شَمْعٍ أو طِينٍ مُتَساوِيَةِ الْقَدْرِ والْوَزْنِ، وتُطْرَحَ في حِجْرِ مَن لم يَحْضُرْ ذلكَ، ويُقالُ له: أخْرِجْ بندُقَةً على هذا السَّهْمِ.
فمن خرَجَ اسْمُه، كانَ له، ثُمَّ الثَّانِى كذلكَ، والسَّهْمُ الْباقِى للثَّالِثِ إذا كانُوا ثَلَاثَةً وسِهامُهُمْ مُتَساوِيَةً.
وَإِنْ كَتَبَ اسْمَ كُلِّ سَهْمٍ في رُقْعَةٍ، وقالَ: أخْرِجْ بُنْدُقَةً باسْمِ فُلانٍ وأَخْرِجِ الثَّانِيَةَ باسْمِ الثَّانى، والثَّالِثَةَ للثَّالِثِ.
جازَ.
والأَوَّلُ أحْوَطُ.
وهذا المذهبُ في ذلك كلِّه.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: يُخَيَّرُ في هاتَيْن الصِّفَتَيْن.
وهو ظاهرُ كلامِه في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم.
قال الشَّارِحُ: واخْتارَ أصحابُنا في القُرْعَةِ، أنْ يكْتُبَ رِقاعًا 326 مُتَساوِيَةً بعَدَدِ السِّهامِ، وهو ههُنا مُخَيَّر بينَ أنْ يُخْرِجَ السِّهامِ على الأسْماءِ، أو يُخْرِجَ الأَسْماءَ على السِّهامِ.
انتهى.
وذكَرَ أبو بَكْرٍ، أنَّ البَنادِقَ تُجْعَلُ طِينًا، وتُطْرَحُ في ماءٍ، ويُعيِّنُ واحِدًا، فأىُّ البَنادِقِ انْحَلَّ الطِّينُ عنها، وخَرَجَتْ رُقْعَتُها على الماءِ، فهي له، وكذلك الثَّانى والثَّالثُ ومْا بعدَه، فإنْ خرَج اثْنان معًا، اُعِيدَ الإقْراعُ.
انتهى.

الجزء: 29 - الصفحة: 89

الثَّانِيَةَ بِاسْمِ الثَّانِى، وَالثَّالِثَةَ لِلثَّالِثِ، جَازَ.
وَإِن كَانَتِ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً كثَلَاثَةٍ، لأَحَدِهِمُ النِّصْفُ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ، وَلِلْآخَرِ السُّدْسُ؛ فَإنَّه يُجَزِّئُهَا سِتَّةَ أجْزَاءٍ، وَيُخْرِجُ الأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ لَا غَيْرُ، فَيَكْتُبُ بِاسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثًا،  قوله: فإنْ كانَتِ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً، كَثَلَاثَةٍ، لأَحَدِهم النِّصْفُ، وللآخَرِ

الجزء: 29 - الصفحة: 90

وَبِاسْمِ صَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَتَيْنِ، وَبِاسْمِ صَاحِبِ السُّدْسِ وَاحِدَةً، وَيُخْرِجُ بُنْدُقَةً عَلَى السَّهْمِ الأَوَّلِ، فَإنْ خَرَجَ اسْمُ  الثُّلُثُ، وللآخَرِ السُّدْسُ؛ فإِنَّه يُجَزِّئُها سِتّةَ أجْزاءٍ، ويُخْرِجُ الأَسْمَاءَ على السِّهَامِ لا غيرُ، فيَكْتُبُ باسْمِ صاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةً، وباسْمِ صاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَيْن،

الجزء: 29 - الصفحة: 91

صَاحِبِ النِّصْفِ، أَخَذَهُ وَالثَّانِىَ وَالثَّالِثَ، وَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ الثُّلُثِ، أخَذَهُ [339 و] وَالثَّانِىَ، ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَ الآخَرَيْنِ، وَالبَاقِى لِلثَّالِثِ.
وباسْمِ صاحِب السُّدْسِ واحِدَةً، ويُخْرِجُ بُنْدُقَةً على السَّهْمِ الأوَّلِ، فإنْ خَرَجَ اسْمُ صاحِبِ النِّصفِ، أخَذَه، والثَّانِىَ والثَّالِثَ، وإِنْ خَرَجَ اسْمُ صاحِبِ الثُّلُثِ، أخَذه والثانِيَ، ثُم يُقْرِعُ بَيْنَ الآخَرَيْن، والباقِى للثَّالِثِ.
اعلمْ أنَّ الصَّحيحَ مِن المذهبِ، أنه يكْتُبُ باسْمِ صاحبِ النِّصْفِ ثَلاَثةً، وباسْمِ صاحبِ الثُّلُثِ اثنَيْن، وباسْمِ صاحبِ السُّدْسِ واحِدَةً.
كما قالَ المُصَنِّفُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، [و «الكافِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الوَجيزِ»] 327، وغيرِهم.

الجزء: 29 - الصفحة: 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقدَّم فى «المُغْنِى»، أنْ يكْتُبَ باسْم كلِّ واحدٍ رُقْعَةً؛ لحُصُولِ المَقْصودِ.
وقدَّمه فى «الشَّرْحِ» أيضًا.
واخْتارَ الشيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه لا قُرْعَةَ فى مَكِيلٍ ومَوْزُونٍ، إلَّا 328 لِلابْتداءِ، فإنْ خَرَجَتْ لرَبِّ

الجزء: 29 - الصفحة: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأكثرِ، أخَذَ كلَّ حَقِّه.
فإنْ تَعَدَّدَ سَبَبُ اسْتِحْقاقِه، توَجَّهَ وَجْهان.
فائدة: قِسْمَةُ الإجْبارِ تنْقَسِمُ أرْبَعَةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، أنْ تكونَ السِّهامُ مُتَساوِيَةً، وقِيمَةُ الأجْزاءِ مُتَساوِيَةً.
وهى مسْألةُ المُصَنِّفِ الأُولَى.
الثَّاني، أنْ تكونَ السِّهامُ مُخْتَلِفَةً، وقِيمَةُ الأجْزاءِ مُتَساوِيَةً.
وهى مَسْألَةُ المُصَنِّفِ الثَّانيةُ.

الجزء: 29 - الصفحة: 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّالثُ، أنْ تكونَ السِّهامُ مُتَساوِيَةً، وقِيمَةُ الأجْزاءِ مُخْتَلِفَةً.
الرابعُ، أنْ تكونَ السِّهامُ مُخْتَلِفَةً، والقِيمَةُ مُخْتَلِفَةً.
فأَمَّا الأوَّلُ والثَّانِى، فقد ذكَرْنا حُكْمَهما فى كلامِ المُصَنِّفِ، وأما القِسْمُ الثَّالِثُ- وهو أنْ تكونَ السِّهامُ مُتَساوِيَةً والقِيمَةُ مُخْتَلِفَةً- فإنَّ الأَرْضَ تُعَدَّلُ بالقِيمَةِ، وتُجْعَلُ سِتَّةَ أَسْهُم مُتَساوِيَةِ القِيمَةِ، ويُفْعَلُ

الجزء: 29 - الصفحة: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فى إخْراجِ السِّهامِ مِثْلُ الأوَّلِ.
وأمَّا القِسْمُ الرَّابعُ -[وهو ما] 329 إذا اخْتَلَفَتِ السَّهامُ والقِيمَةُ- فإنَّ القاسِمَ يُعْدِّلُ السِّهامَ بالقِيمَةِ، ويجْعَلُها سِتَّةَ أسْهُمٍ مُتَساوِيَةِ القِيَمِ، ثم يُخْرِجُ الرِّقاعَ فيها الأسْماءُ على السِّهامِ، كالقِسْمِ الثَّالثِ سَواءً، إلَّا أنَّ

الجزء: 29 - الصفحة: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  التَّعْديلَ هنا بالقِيَمِ، وهناك بالمِسَاحَةِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 97

فَصْلٌ: فَإنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ غَلَطًا فِيمَا تَقَاسَمُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَشْهَدُوا عَلَى تَرَاضِيهِمْ بِهِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ فِيمَا  قوله: [3/ 238 و] فإنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ غَلَطًا فِيما تَقاسَمُوه بأَنْفُسِهِمْ، وأشْهَدُوا

الجزء: 29 - الصفحة: 99

قَسَمَهُ قَاسِمُ الْحَاكِمِ، فَعَلَى المُدَّعِى البَيِّنَةُ، وَإلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمَهُ قَاسِمُهُمْ الَّذِى نَصَبُوهُ، وَكَانَ فِيمَا اعْتَبَرْنَا فِيهِ الرِّضَا بَعْدَ القُرْعَةِ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَإلَّا فَهوَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ.
على تَراضِيهِمْ به، لَمْ يُلْتَفَتْ إليه.
وهو المذهبُ.
جزَم به فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: يُقْبَلُ قوْلُه [مع التَّنْبِيهِ.
اخْتارَه المُصَنِّفُ.
وقال فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»: لم يُقْبَلْ قوْلُه و] 330 إنْ أقامَ بَيِّنةً، إلَّا أنْ يكونَ

الجزء: 29 - الصفحة: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مُسْتَرْسِلًا.
زادَ فى «الكُبْرى»: أو مَغْبُونًا بما لا يُسامَحُ به عادَةً، أو بالثُّلُثِ أو بالسُّدْسِ، كما سَبَق.
قوله: وإنْ كانَ فيما قَسَمَه قاسِمُ الْحاكِمِ، فعلى الْمُدَّعِى الْبَيِّنَةُ، وإلَّا فالْقَوْلُ

الجزء: 29 - الصفحة: 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَوْلُ الْمُنْكِرِ مع يَمِينِه، وإنْ كانَ فيما قَسَمَه قاسمُهُم الَّذِى نَصَبُوه، وكانَ فيما اعْتَبَرْنا فيه الرِّضا بَعْدَ القُرْعَةِ، لم تُسْمَعْ دعْواه، وإلَّا فهو كَقاسِمِ الْحاكِمِ.
بلا نِزاعٍ.

الجزء: 29 - الصفحة: 102

وَإِنْ تَقَاسَمُوا ثُمَّ اسْتُحِقَّ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا شَىْءٌ مُعَيَّنٌ، بَطَلَتْ.
وَإنْ كَانَ شَائِعًا فِيهِمَا، فَهَلْ تَبْطُلُ القِسْمَةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
قوله: وإنْ تَقَاسَمُوا ثُم اسْتُحِقَّ مِن حِصَّةِ أحَدِهِما شَئٌ مُعَيَّنٌ، بَطَلَتْ.
هذا المذهبُ مُطْلَقًا.
وجزَم به فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الهادِى»، و «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
وقال فى «القَواعِدِ»: ومِن الفَوائدِ، لو اقْتَسَمَا دارًا نِصْفَيْن، ظهَر بعْضُها مُسْتَحَقًّا؛ فإنْ قُلْنا: القِسْمَةُ إفْرازٌ.
انْتَقَضَتِ القِسْمَةُ لفَسادِ الإفْرازِ، وإنْ قُلْنا: بَيْعٌ.
لم تنْتَقِضْ، ويرْجِعُ على شَريكِه بقَدْرِ حقِّه

الجزء: 29 - الصفحة: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فى المُسْتَحَقِّ،؛ إذا قُلْنا بذلك [فى تفْريقِ] 331 الصَّفْقَةِ، كما لو اشْتَرَى دارًا، فبانَ بعْضُها مُسْتَحَقَّا.
ذكَره الآمِدِىُّ.
وحكَى فى «الفوائدِ»، عن صاحِبِ «المُحَرَّرِ»، أنَّه حكَى فيه فى هذه المَسْأَلةِ ثلاَثَةَ أوْجُهٍ، وظاهِرُ ما فى «المُحَرَّرِ» يُخالِفُ ذلك.
فائدة: لو كانَ المُسْتَحَقُّ مِن الحِصَّتَيْن، وكان مُعَينًا، لم تَبْطُلِ القِسْمَةُ فيما بَقِىَ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ».
وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «القَواعِدِ».
وقيل: تَبْطُلُ.
وهو احْتِمالٌ فى «الكافِى»، بِناءً على عدَمِ تفْريقِ الصَّفْقَةِ، إذا قُلْنا: هى بَيْعٌ.
قوله: وإِنْ كانَ شائِعًا فيهما، فهل تَبْطُلُ القِسْمَةُ؟ على وجْهَيْن.
وأطْلَقَهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»؛ أحدُهما، تَبْطُلُ.
وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ.
اخْتارَه القاضى، وابنُ عَقِيلٍ.
قال في «الخُلاصةِ»: بَطَلَتْ فى الأصحِّ.
وصحَّحه في

الجزء: 29 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «التَّصْحيحِ».
وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثَّاني، لا تَبْطُلُ فى غيرِ المُسْتَحَقِّ.
قدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
فائدتان؛ إحْداهما، لو كانَ المُسْتَحَقُّ مُشاعًا فى أحَدِهما، فهى كالتى قبلَها، خِلافًا ومذهبًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقدَّمه فى «المُحَررِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيلَ: تبْطُلُ هنا وإنْ لم تَبْطُلْ فى التى قبلَها.
وظاهرُ كلامِه فى «القَواعِدِ»، أنَّ ذلك كلَّه مَبْنِىٌّ على أنَّ القِسْمَةَ إفْرازٌ أو 332 بَيْعٌ.
وتقدَّم لَفْظُه.
الثَّانيةُ، قال المَجْدُ: الوَجْهان الأَوَّلان فَرْعٌ على قَوْلِنا بصِحَّةِ تفْريقِ الصَّفْقَةِ فى المبَيعِ.
وهو المذهبُ، على ما تقدَّم.
فأمَّا إنْ قُلْنا: لا تَتَفَرَّقُ هناك.
بَطَلَتْ هُنا وَجْهًا واحِدًا.
وقال فى «البُلْغَةِ»: إذا ظَهَرَ بعْضُ حِصَّة أحَدِهما مُسْتَحَقًّا، انْتَقَضَتِ القِسْمَةُ، وإنْ ظَهَرَتْ حِصَّتُهما على اسْتِواءِ النِّسْبَةِ، وكان مُعَيَّنًا، لم تَنْتَقِصْ إذا علَّلْنا بفَسادِ تفْريقِ الصَّفْقَةِ بالجَهالَةِ، وإنْ علَّلْناه باشْتِمالِها على ما لا يجوزُ، بَطَلَتْ، وإنْ كان المُسْتَحَقُّ مُشاعًا، انْتَقَضَتِ القِسْمَةُ فى الجميعِ، على

الجزء: 29 - الصفحة: 105

وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارَيْنِ قِسْمَةَ تَرَاضٍ، فَبَنَى أَحدُهُمَا فِى نَصِيبِهِ، ثُمَّ خَرَجَتِ الدَّارُ مُسْتَحَقَّةً، وَنُقِضَ بِنَاؤُهُ، رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ عَلَى شَرِيكِهِ.
أصحِّ الوَجْهَيْن.
قوله: وإذا اقْتَسَما دارَيْن قِسْمَةَ تَراضٍ، فبَنَى أحَدُهُما فى نَصِيبِه، ثُمَّ خَرَجَتِ الدَّارُ مُسْتَحَقَّةً، ونُقِضَ بِناؤُه، رَجَعَ بنِصْفِ قِيمَتِه على شَرِيكِه.
وقال فى «الهِدايةِ»: فقال شيْخُنا: يرْجِعُ على شرِيكِه بنِصْفِ قِيمَةِ البِناءِ.
واقْتَصَرَ عليه.
وجزَم به فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصغِيرِ»، و «مُنتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
قال الشَّارِحُ: هكذا ذكَرَه الشَّرِيفُ أبو

الجزء: 29 - الصفحة: 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جَعْفَرٍ، وحكاه أبو الخَطَّاب عن القاضى.
وجزَم به الشَّارِحُ ونَصَرَه، وقال: هذه قِسْمَة بمَنْزِلَةِ البَيْعِ؛ فإنًّ الدَّارَيْن لا يُقْسَمان قِسْمَةَ إجْبارٍ، وإنَّما يُقْسَمان بالتَّراضِى، فتكونُ جارِيَةً مَجْرَى البَيْعِ.
قال: وكذلك يُخَرَّجُ فى كلِّ قِسْمَةٍ جارِيَةٍ مَجْرَى البَيْعِ، وهى قِسْمَةُ التَّراضِى كالذى 333 فيه رَدُّ عِوَضٍ، وما لا يُجْبَرُ على قِسْمَتِه لضَرَرٍ فيه، فأمَّا قِسْمَةُ الإجْبارِ، إذا ظَهَرَ نصِيبُ أحَدِهما مُسْتَحَقًّا بعدَ البناءِ والغِراسِ فيه، فنُقِضَ البِناءُ، وقُلِعَ الغِراسُ، فإنْ قُلْنا: القِسْمَةُ بَيْعٌ.
فكَذلك.
وإنْ قُلْنا: ليستْ بَيْعًا.
لم يرْجِعْ به، هذا الذى يقْتَضِيهَ قولُ الأصحابِ.
انتهى.
وقال فى «القَواعِدِ»: إذا اقْتَسَما أرْضًا، فَبَنَى أحدُهما فى نَصِيبِه وغرَسَ، ثم اسْتَحِقَّتِ الأرْضُ، فَقَلَعَ غرْسَه وبِناءَه، فإنْ قُلْنا: هى إفْرازُ حقٍّ.
لم يرْجِعْ على شَريكِه.
وإنْ قُلْنا: بَيْعٌ.
رجَع عليه بقِيمَةِ النَّقْصِ، إذا كانَ

الجزء: 29 - الصفحة: 107

وَإنْ خَرَجَ فِى نَصِيبِ أحَدِهِمَا عَيْبٌ، فَلَهُ فَسْخُ القِسْمَةِ.
عالِمًا بالحالِ دُونَه.
وقال: ذكَرَه فى «المُغْنِى».
ثم ذكَرَ قولَ القاضِى المُتَقَدِّمَ.
وقال فى «الفُروعِ»: وإنْ بنَى أو غَرَسَ، فخرَج مُسْتَحَقًّا، فقلَع، رجَع على شَريكِه بنِصْفِ قِيمَتِه فى قِسْمَةِ الإِجْبارِ إنْ قُلْنا: هى بَيْعٌ.
كقِسْمَةِ تَراضٍ، وإلَّا فلا.
وأَطْلقَ فى «التَّبْصِرَةِ» رُجوعَه، وفيه احْتِمالٌ.
انتهى.
قال النَّاظِمُ: وإنْ بانَ فى الإجْبارِ لم يَغْرَمِ البِنَا … ولا الغَرْسَ إذْ هى مَيْزُ حقٍّ بأجْوَدِ وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: إذا لم يرْجِعْ، حيثُ لا يكونُ بَيْعًا، فلا يرْجِعُ بالأُجْرَةِ، ولا بنِصْفِ قِيمَةِ الوَلَدِ فى الغُرورِ، إذا اقْتَسَمَا الجَوارِىَ أعْيانًا، وعلى هذا، فالذى لم يسْتَحِق شيئًا مِن نَصِيبِه يرْجِعُ الآخَرُ عليه بما فوَّتَه 334 مِن المَنْفَعَةِ هذه المُدَّةَ، وهنا احْتِمالَاتٌ؛ أحدُها، التَّسْوِيَة بينَ القِسْمَةِ والبَيْعِ.
والثاني، الفَرْقُ مُطْلَقًا.
والثَّالثُ، إلْحاقُ ما كانَ مِن القِسْمَةِ بَيْعًا بالبَيْعِ.
قوله: وإِنْ خَرَجَ فى نَصِيبِ أحَدِهِما عَيْبٌ، فله فَسْخُ الْقِسْمَةِ.
[يعْنِى، إذا كانَ جاهِلًا به، وله الإِمْساكُ مع الأرْشِ] 335. هذا المذهبُ.
جزَم به فى «الهِدايةِ»،

الجزء: 29 - الصفحة: 108

وَإِذَا اقْتَسَمَ الوَرَثَةُ الْعَقَارَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى المَيِّت دَيْنٌ، فَإِنْ قُلْنَا: هِىَ إفْرَازُ حَقٍّ.
لَمْ تَبْطُلِ القِسْمَةُ.
وَإِنْ قُلْنَا: هِىَ بَيْعٌ.
انْبَنَى عَلَى بَيْعِ التَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، هَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرِهم.
[وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم] 336. ويَحْتَمِلُ أنْ تَبْطُلَ القِسْمَةُ؛ لأنَّ التَّعْديلَ فيها شَرْطٌ، ولم يُوجَدْ 337، بخِلافِ البَيْعِ.
قوله: وإِذا اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ الْعَقارَ، ثُمَّ ظَهَرَ على الْميِّتِ دَيْنٌ، فإنْ قُلْنَا: هى إفْرازُ حَقٍّ.
لم تَبْطُلِ الْقِسْمَةُ، وإنْ قُلْنَا: هى بَيْعٌ.
انْبنَى على بَيْعِ التَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ

الجزء: 29 - الصفحة: 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدَّيْنِ، هل يَجُوزُ؟ على وجْهَيْن.
اعلمْ أنَّه إذا قُلْنا: القِسْمَةُ إفْرازُ حقٍّ.
فإنَّها لا تَبْطُلُ، ولا تفْرِيعَ عليه.
وإنْ قُلْنا: هى بَيْعٌ.
انْبَنَى على صِحَّةِ بَيْعِ التَّرِكَةِ قبلَ قَضاءِ الدَّيْنِ، هل يصِحُّ أمْ لا؟ فأطْلَقَ المُصَنِّفُ هنا وَجْهَيْن، وهما رِوايَتان، وأطْلَقهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»؛ أحدُهما، يصِحُّ بَيْعُها قبلَ قَضاءِ الدَّيْنِ.
وهو المذهبُ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا المذهبُ، وهو أوْلَى.
قال فى «الفُروعِ»: ويصِحُّ البَيْعُ، على الأصحِّ، إنْ قُضِىَ.
قال فى «المُحَرَّرِ»: أصحُّ الرِّوايتَيْن الصِّحَّةُ.
وصحَّحَه

الجزء: 29 - الصفحة: 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النَّاظِمُ 338، وصاحِبُ «التَّصْحيحِ».
قال فى «القاعِدَةِ الثَّالِثَةِ والخَمْسِينَ»: أصحُّهما، يصِحُّ.
والوَجْهُ الثَّاني، لا يصِحُّ.
فعليه، يصِحُّ العِتْقُ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقدَّمه فى «القَواعِدِ».
واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ فى «نَظَرِيَّاتِه»، لا ينْفُذُ إلَّا مع يَسارِ الوَرَثَةِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ؛ لأنَّ تَصَرُّفهم تبَعٌ لتَصَرُّفِ المَوْرُوَثِ

الجزء: 29 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فى مرَضِه.
وهذا مُتَوَجِّهٌ على قوْلِنا: إنَّ حقَّ الغُرَماءِ مُتعَلِّقٌ 339 بالتَّرِكَةِ في المَرَضِ.
وعلى المذهبِ، النَّماءُ للوارِثِ، كنَماءِ جَانٍ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، لا كَمَرْهُونٍ.
قال فى «التَّرْغيب» وغيرِه: هو المَشْهورُ.
وقيلَ: النَّماءُ تَرِكَةٌ.
وقال فى «الانْتِصارِ»: مَن أدَّى نَصِيبَه مِنَ الدَّيْنِ، انْفَكَّ نَصِيبُه منها، كجَانٍ.
فائدة: لا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الذى على المَيِّتِ نَقْلَ تَرِكَتِه إلى الوَرَثَةِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ منهم، أبو بَكْر، والقاضى، وأصحابُه.
قال ابنُ عَقِيل: هى المذهبُ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المَنْصوصُ المَشْهورُ المُخْتارُ للأصحابِ.
وقد نصَّ الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ المُفْلِسَ [إذا ماتَ] 340 سقَطَ حقُّ البائعِ مِن عَيْنِ مالِه؛ لأنَّ المالَ انْتَقَلَ إلى الوَرَثَةِ.
قال فى «القَواعِدِ

الجزء: 29 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفِقْهِيَّةِ»: أشْهَرُ الرِّوايتَيْن الانْتِقالُ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه رِوايَةٌ ثانيةٌ، يَمْنَعُ الدَّيْنُ نقْلَها بقَدْرِه.
ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ، لا يَرِثُون شيئًا حتى يؤدُّوه.
وذكَرَها جماعَةٌ، وصحَّح النَّاظِمُ المَنْعَ، ونَصَرَه فى «الانْتِصارِ».
وتقدَّم فوائدُ الخِلافِ فى بابِ الحَجْرِ بعدَ قوْلِه: ومَن ماتَ وعليه دَيْنٌ مُؤجَّلٌ.
وهى فوائدُ جليلَة، فَلْتُراجَعْ.
قال فى «الفُروعِ»: والرِّوايَتَان فى وَصِيَّةٍ بمُعَيَّنٍ.
ونصَر في «الانْتِصارِ» المَنْعَ، وذكَر عليه، إذا لم يَسْتَغْرِقِ التَّرِكَةَ، أو كانتِ الوَصِيَّةُ

الجزء: 29 - الصفحة: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بمَجْهُولٍ مَنْعًا، ثم سلَّم لتَعَلُّقِ الإرْثِ بكُلِّ التَّرِكَةِ، بخِلَافِهما، فلا مُزاحَمَةَ.
وذكَرَ مَنْعًا وتَسْلِيمًا، هل للوَارِثِ- والدَّيْنُ مُسْتَغْرِقٌ - الإيفاءُ مِن غيرِها؟ وقال فى «الرَّوْضَةِ»: الدَّيْنُ على المَيِّتِ لا يَتَعَلَّقُ بتَرِكَتِه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وفائِدَتُه، أنَّ لهم أداءَه وقِسْمَةَ التَّرِكَةِ بينَهم.
قال: وكذا حُكْمُ مالِ المُفْلِسِ.
وقال فى «القَواعِدِ»: ظاهرُ كلامِ طائفةٍ مِن الأصحابِ، اعْتِبارُ كوْنِ الدَّيْن مُحِيطًا بالتَّرِكَةِ، حيثُ فرَضُوا المَسْألةَ فى الدَّيْنِ المُسْتَغْرِقِ، ومنهم مَن صرَّح بالمَنْعِ مِن الانْتِقالِ، وإنْ لم يكَنْ مُسْتَغْرِقًا.
ذكَره فى مَسائلِ الشُّفْعَةِ.
وقال فى «القَواعِدِ» أيضًا: تعَلُّقُ حقِّ الغُرَماءِ بالتَّرِكَةِ، هل يَمْنَعُ انْتِقالَها؟ على رِوايتَيْن.
وهل هو كَتَعَلُّقِ الجِنايَةِ أو الرَّهْنِ؟ اخْتَلَفَ كلامُ الأصحابِ فى ذلك، وصرَّح الأكْثَرون، أنَّه كتعَلُّقِ الرَّهْنِ.
قال: ويُفَسَّرُ بثَلاَثَةِ أشْياءَ؛ أحدُها، أنَّ تعَلُّقَ

الجزء: 29 - الصفحة: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدَّيْنِ بالتَّرِكَةِ وبكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزائِها، فلا يُنْقَلُ منها شئٌ حتى يُوَفَّى الدَّيْنُ كلُّه.
وصرَّح بذلك القاضى فى «خِلافِه» إذا كانَ الوارِثُ واحِدًا.
قال: وإنْ كانُوا جماعةً، انْقَسَمَ عليهم بالحِصَصِ، وتتَعَلَّقُ كل حِصَّةٍ مِن الدَّيْنِ بنَظِيرِها مِن التَّرِكَةِ وبكُلِّ جُزْءٍ منها، فلا ينْفُذُ منها شئٌ حتى يُوَفَّى جميعُ تلك الحِصَّةِ، ولا فَرْقَ فى ذلك بينَ أنْ يكونَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا للتَّركَةِ، أمْ لا.
صرَّحِ به جماعَةٌ، منهم صاحِبُ «التَّرْغيبِ» فى المُفْلِسِ.
الثَّاني، أنَّ الدَّيْنَ فى الذِّمَّةِ ويتَعَلَّقُ

الجزء: 29 - الصفحة: 115

وَإنِ اقْتَسَمَا [339 ظ] فَحَصَلَتِ الطرِيقُ فِى نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَلَا مَنْفَذَ لِلْآخَرِ، بَطَلَتِ الْقِسْمَةُ.
بالتَّرِكَةِ، وهل هو باقٍ فى ذِمَّةِ المَيِّتِ، أو انْتَقَلَ إلى ذِمَمِ الوَرَثَةِ، أو هو مُتعَلِّقٌ بأعْيانِ التَّرِكَةِ لا غيرُ؟ فيه ثَلاَثَةُ أوْجُهٍ؛ الأوَّلُ، قوْلُ الآمِدِىِّ 341، وابنِ عَقِيلٍ فى «الفُنونِ».
والثَّاني، قولُ القاضى فى «خِلافِه»، وأبي الخَطَّابِ فى «انْتِصارِه»، وابنِ عَقِيلٍ فى مَوْضِعٍ آخَرَ، وكذلك القاضى فى «المُجَرَّدِ»، لكِنَّه خصَّه بحالَةِ تأْجِيلِ الدَّيْنِ لمُطالَبَةِ الوَرَثَةِ بالتَّوْثِقَةِ.
والثَّالثُ، قولُ ابنِ أبي مُوسَى.
التَّفْسِيرُ الثَّالثُ مِن تَفْسيرِ تعَلُّقِ حقِّ الغُرَماءِكتعَلُّقِ الرَّهْنِ، أنَّه يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ، وفيه وَجْهان.
وهل تعَلُّقُ حقِّهم بالمالِ مِن حينِ المَرَضِ أمْ لا؟ ترَدَّد الأصحابُ فى ذلك.
انتهى.
وتقدَّم بعْضُ ذلك فى بابِ الحَجْرِ.
قوله: وإذا اقْتَسَما، فحَصَلَتِ الطرِيقُ فى نَصِيبِ أَحَدِهِما، ولا مَنْفَذَ للآخَرِ، بَطَلَتِ الْقِسْمَةُ.
لعدَمِ التَّعْديلِ والنَّفْعِ.
وهذا المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
وجزَم به فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «القَواعِدِ»،

الجزء: 29 - الصفحة: 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «النَّظْمِ»، وغيرِهم.
وخرَّج المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» وَجْهًا، أنَّها تصِحُّ، ويَشتَرِكانِ فى الطَّريقِ، مِن نَصِّ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، على اشْتِراكِهما فى مَسيلِ 342 الماءِ.
قال فى «القَواعِدِ»: ويتَوَجَّهُ إنْ قُلْنا: القِسْمَةُ إِفْرازٌ.
بَطَلَتْ.
وإنْ قُلْنا: بَيْعٌ.
صَحَّتْ، ولَزِمَ الشَّرِيكَ تَمْكِينُه مِن الاسْتِطْراقِ، بِناءً على قولِ الأصحابِ: إذا باعَه 343 بَيْتًا فى وَسَطِ دارِه ولم يذْكُرْ طَرِيقًا، صحَّ البَيْعُ، واسْتَتْبَعَ طرِيقَه.؛ ذكَرَه القاضى فى «خِلافِه»، لو اشْتَرَطَ عليه الاسْتِطراقَ فى القِسْمَةِ، صحَّ.
قال المَجْدُ: هذا قِياسُ مذهبِنا فى جَوازِ بَيْعٍ.
وفى «مُنْتَخَبِ الآدَمِىِّ البَغْدادِىِّ»، يَفْسَخُ بعَيْبٍ.
وسَدُّ المَنْفَذِ عَيْبٌ.
فوائد؛ الأُولَى، مِثْلُ ذلك فى الحُكْمِ، لو حصَل طَرِيقُ الماءِ فى نَصِيبِ أحَدِهما.
قالَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ.
وقال فى «الفُروعِ»: ونصُّه، هو لهما ما لم يَشْتَرِطا ردَّه.
وهو المذهبُ.
وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
والمُصَنَّفُ قاسَ المَسْأَلةَ الأُولَى على هذه، كما تقدَّم فى التَّخْريجِ.
ونقَل أبو طالِبٍ فى مَجْرَى الماءِ، لا يُغَيِّرُ مَجْرَى الماءِ ولا يضُرُّ بهذا، إلَّا أنْ يَتَكَلَّفَ له النَّفَقَةَ حتى يُصْلِحَ

الجزء: 29 - الصفحة: 117

وَيَجُوزُ لِلْأَب وَالْوَصِىِّ قَسْمُ مَالِ الْمُولَّى عَلَيْهِ مَعَ شَرِيكِهِ.
مَسِيلَه 344. الثَّانيةُ، لو كانَ للدَّارِ ظُلَّةٌ، فَوَقَعَتْ فى حقِّ أحَدِهما، فهى له بمُطْلَقِ العَقدِ.
قالَه الأصحابُ.
الثَّالثةُ، لو ادَّعَى كلُّ واحدٍ أنَّ هذا البَيْتَ مِن سَهْمِى، تَحالَفا [ونُقِضَتِ القِسْمَةُ] 345. الرَّابعَةُ، قولُه: ويَجُوزُ للْأبِ والْوَصِىِّ قَسْمُ مالِ الْمُوَلَّى عليه مع شَرِيكِه.
بلا نِزاعٍ.
ويُجْبَران فى قِسْمَةِ الإجْبارِ، ولهما أنْ يُقاسِما فى قِسْمَةِ التَّراضِى إنْ رأيَا المصْلَحَةَ.
وتقدُّم حُكْمُ ما إذا غابَ الوَلِىُّ فى قِسْمَةِ الإجْبارِ، هل يقْسِمُ الحاكِمُ؟ وتقدَّم، إذا غابَ أحدُ الشَّرِيكَيْن.
فى فصْلِ قِسْمَةِ الإجْبارِ.
واللهُ أعلَمُ.

الجزء: 29 - الصفحة: 118

بَابُ الدَّعَاوَى وَالبيِّنَاتِ

بابُ الدَّعاوَى والبَيِّناتِ فائدة: واحِدُ الدَّعاوَى: دَعْوَى.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: مَعْناها فى اللُّغَةِ إضافَةُ الإنْسانِ إلى نفْسِه شيئًا؛ مِلْكًا، أو اسْتِحْقاقًا، أو صِفَةً، ونحوَه، وفى الشَّرْعِ، إضافَتُه إلى نفْسِه اسْتِحْقاقَ شئٍ فى يَدِ غيرِه، أو فى ذِمَّتِه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: الدَّعْوَى الطَّلَبُ؛ لقوْلِه تعالَى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ (2). زادَ ابنُ أبي الفَتْحِ، زاعِمًا مِلْكَه.
انتهى.
وقيلَ: هى طَلَبُ حقٍّ مِن خَصْمٍ عندَ حاكمٍ، وإخْبارُه 346 باسْتِحْقاقِه، وطَلَبُه منه.
وقال فى «الرِّعايةِ»: قلتُ: هى إخْبارُ 347 خَصْمٍ باسْتِحْقاقِ شئٍ مُعَيَّنٍ أو مَجْهولٍ؛ كوَصِيَّةٍ وإقْرارٍ عليه، أو عندَه له، أو

الجزء: 29 - الصفحة: 119

المُدَّعِى مَنْ إذَا سَكَتَ تُرِكَ، وَالمُنْكِرُ مَنْ إذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ.
لمُوَكِّلِه، أو توْكيلِه، أو للهِ حِسْبَةً، يطْلُبُه منه عندَ حاكمٍ.
قوله: المُدَّعِى مَن إِذا سكَت تُرِكَ، والمُنْكِرُ مَن إذا سكَت لم يُتْرَكْ.
هذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجِيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيلَ: المُدَّعِى مَن يدَّعِى خِلافَ الظَّاهرِ، وعكْسُه المُنْكِرُ.
وأطْلَقَهما فى «المُسْتَوْعِبِ».
وقال الشَّارِحُ: وقيل: المُدَّعِى مَن يلْتَمِسُ بقَوْلِه أخْذَ شئٍ مِن يَدِ غيرِه، وإثْباتَ حَقٍّ فى ذِمَّتِه، والمُدَّعَى عليه مَن يُنْكِرُ ذلك.
وقدَّم هو أيضًا والمُصَنِّفُ، أنَّ المُدَّعَى عليه مَن يُضافُ إليه اسْتِحْقاق شئٍ عليه.
وقد يكونُ كلُّ واحدٍ منهما مُدَّعيًا ومُدَّعًى عليه؛ بأنْ يخْتَلِفا فى العَقْدِ، فيَدَّعِى كلُّ واحدٍ منهما أنَّ الثَّمَنَ غيرُ الذى ذكَرَه صاحِبُه.
انتهى.
وقيل: هو مَن

الجزء: 29 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا سكَت تُرِكَ مع إمْكانِ صِدْقِه.
قال الزَّرْكَشِىُّ: ولا بُدَّ مِن هذا القَيْدِ.
وقيل: المُدَّعِى هو الطَّالِبُ، والمُنْكِرُ هو المَطْلوبُ.
وقيل: المُدَّعِى مَن يدَّعِى أمْرًا باطِنًا خَفِيًّا، والمُنْكِرُ مَن يدَّعِى أمْرًا ظاهِرًا جَلِيًّا.
ذكَرَها فى «الرِّعايةِ»، وذكَر أقْوالًا أُخَرَ، وأكْثَرُها يعُودُ إلى الأَوَّلِ.
ومِن فَوائدِ الخِلافِ، لو قال الزَّوْجُ: أسْلَمْنا معًا.
فالنِّكاحُ باقٍ.
وادَّعَتِ الزَّوْجَةُ أنَّها أسْلَمَتْ قبلَه، فلا نِكاحَ.
فالمُدَّعِى هى الزَّوْجَةُ.
على المذهبِ.
وعلى القولِ الثَّاني، المُدَّعِى هو الزَّوْجُ.
تنبيه: قال بعْضُهم: الحَدُّ الأوَّلُ فيه نظَرٌ؛ لأنَّ كُلَّ ساكِتٍ لا يُطالِبُ بشئٍ فإنَّه مَتْروك»، وهذا أعَمُّ مِن أنْ يكونَ مُدَّعِيًا أو مُدَّعًى عليه، فيُتْرَكُ مع قِيامِ الدَّعْوَى، فتَعْرِيفُه بالسُّكوتِ وعَدَمِه ليس بشئٍ، والأَوْلَى أنْ يُقالَ: المُدَّعِى مَن يُطالِبُ غيرَه بحَقٍّ يذْكُرُ اسْتِحْقاقَه عليه، والمُدَّعَى عليه المُطالَبُ؛ بدَليلِ قوْلِه، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ: «البَيِّنَةُ علَى المُدَّعِى» 348. وإنَّما تكونُ البَيِّنَةُ مع المُطالَبَةِ، وأمَّا مع عَدَمِها، فلا.
انتهى.
ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بأنْ يُقالَ: المُرادُ بتَعْريفِ المُدَّعِى والمُدَّعَى عليه حالُ المُطالَبَةِ؛ لأنَّهم ذكَروا ذلك ليُعْرفَ 349 مَن عليه البَيِّنَةُ ممَّنْ عليه اليَمِينُ، وإنَّما يُعْرَفُ ذلك بعدَ المُطالَبَةِ.
وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِى الفُروعِ»: قوْلُهم: المُدَّعِى مَن إذا سكَت تُرِكَ.
يَنْبَغِى أنْ يُقَيَّدَ ذلك إنْ لم تَتَضَمنْ دَعْواه شيئًا إنْ لم يُثْبتْه، لَزمَه حدٌّ أو تَعْزيزٌ، كَمَنِ ادَّعَى على إنْسانٍ أنَّه زَنَى بابْنَتِه، أو أنَّه سرَق له شيَئًا، فإنَّه قاذِفٌ فى الأُولَى، ثَالِبٌ 350 لعِرْضِه فى الثَّانيةِ؛ فإنْ لم تثْبُتْ دَعْواه، لَزِمَهُ حدُّ القَذْفِ فى الأُولَى، والتَّعْزِيرُ فى الثَّانيةِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 121

وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالإنْكَارُ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
وَإذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا، لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاَثةِ أقْسَام؛ أحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَهِىَ لَهُ مَعَ يَمِينهِ أَنَّهَا لَهُ، لاَ حَقَّ لِلْاَخَرِ فِيهَا، إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.
وقد يُجابُ بأنَّه مَتْروكٌ مِن حيثُ الدَّعْوَى، مَطْلوبٌ بما تَضَمَّنَتْه، فهو مَتْروكٌ مُطابقةً، مَطْلوبٌ تَضَمُّنًا.
فائدتان؛ إحْداهما، قولُه: ولا تَصِحُّ الدَّعْوَى والإنْكارُ إلَّا مِن جائزِ التَّصَرُّفِ.
وهو صحيحٌ، ولكِنْ تصِحُّ على السَّفيهِ فيما يُؤْخَذُ به حالَ سَفَهِه وبعدَ فَكِّ حَجْرِه، ويحْلِفُ إذا أنْكَرَ.
وتقدَّم ذلك أيضًا في أوَّلِ بابِ طَريقِ الحُكْمِ وصِفَتِه.
وقال في «الرِّعايةِ»: وكل منهما رَشِيدٌ يصِح تَبَرعُه وجَوابُه بإقْرارٍ أو إنْكارٍ، وغيرِهما.
الثَّانيةُ، قولُه 351: وإذا تَداعَيا عَينًا، لم تَخْلُ مِن أقْسام ثَلاَثةٍ؛ أحدُها، أنْ تكُونَ في يَدِ أحَدِهما، فهي له مع يَمِينِه أَنَّها له، لا حَق للآخَرِ فيها، إذا لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ.

الجزء: 29 - الصفحة: 122

وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً، أحَدُهُمَا رَاكِبُهَا، أوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ، وَالْآخَرُ آخِذٌ  بلا نِزاعٍ.
لكِنْ لا يثْبُتُ المِلْكُ له بذلك كثُبوتِه بالبَيِّنَةِ، فلا شُفْعَةَ له بمُجَردِ اليَدِ.
ولا تضْمَنُ عاقِلَةُ صاحبِ الحائطِ المائلِ بمُجَردِ اليَدِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ لا تثْبُتُ به الحُقوقُ، وإنَّما تُرَجحُ به الدَّعْوَى.
ثم في كلامِ القاضى، في مَسْأَلةِ النَّافِى للحُكْمِ، يَمِينُ المُدَّعَي عليه دَليلٌ.
وكذا قال فى «الرَّوْضَةِ».
وفيها أيضًا، إنَّما لم يَحْتَجْ إلى دَليلٍ؛ لأنَّ اليَدَ دَليلُ المِلْكِ.
وقال فى «التَّمْهيدِ»: يَدُه بَيَّنَةٌ.
وإنْ كان المُدَّعَى عليه دَيِّنًا، فَدَليلُ العَقْلِ على بَراءةِ ذِمَّتِه بَيِّنَةٌ؛ حتى يجُوزَ له أنْ يَدعُوَ الحاكِمَ إلى الحُكْمِ بثُبوتِ العَيْنِ له دُونَ المُدَّعِى وبَراءَةِ ذِمَّتِه مِن الدَّيْنِ: قال في «الفُروعِ»: كذا قالَ.
ثم قال: ويَنْبَغِى، على هذا، أنْ يحْكِىَ في الحُكْمِ صُورَةَ الحالِ، كما قالَه أصحابُنا في قِسْمَةِ عَقارٍ لم يثْبُتْ عندَه المِلْكُ، وعلى كلامِ أبي الخَطابِ، يُصَرِّحُ في القِسْمَةِ بالحُكْم، وأما على كلامِ غيرِه، فلا حُكْمَ، وإنْ سأَلَه المُدَّعَى عليه مَحْضرًا بما جرَى، أَجابَه، ويذْكُرُ فيه أن الحاكِمَ بَقَّى العَيْنَ بيَدِه؛ لأنَّه لم يثْبُتْ ما يرْفَعُها ويزيلُها.
قوله: وإنْ تَنازَعا دابَّةً؛ أحَدُهَما راكِبُها، أو له عليها حِمْلٌ، والآخَرُ آخِذٌ بزِمامِها، فهي للأَوَّلِ.
هذا المذهبُ مُطْلَقًا.
وعليه جماهيرُ الأَصحابِ.
وجزَم به

الجزء: 29 - الصفحة: 123

بِزِمَامِهَا، فَهِىَ لِلْأَوَّلِ.
فى «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ» و «الوَجيزِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم.
وقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: هي للثَّانِي إذا كانَ مُكارِيًا.
فائدتان؛ إحْداهما، لو كانَ لأحَدِهما عليها حِمْلٌ، والآخَرُ راكِبَها، فهي للرَّاكِبِ.
قالَه المُصَنفُ والشارِحُ.
فإنِ اخْتلَفا في الحِمْلِ، فادَّعاه الرَّاكِبُ وصاحِبُ الدَّابَّةِ، فهي للرَّاكِبِ، وإنْ تَنازَعا قَمِيصًا؛ أحدُهما لابِسُه، والآخَرُ آخِذٌ بكُمِّه، فهو للابسِه، بلا نِزاعٍ.
كما قالَ المُصَنفُ هنا.
فإنْ كان كُمُّه في يَدِ أحَدِهما وباقِيه مع الآخَرِ، أو تَنازَعا عِمامَة، طَرَفُها في يَدِ أحَدِهما، وباقِيها في يَدِ

الجزء: 29 - الصفحة: 124

وَإنْ تَنَازَعَا قَمِيصًا، أحَدُهُمَا لَابِسُهُ، وَالْآخَرُ آخِذ بِكُمِّهِ، فَهُوَ لِلَابِسِهِ.
الآخَرِ، فهما فيها سَواءٌ.
ولو كانتْ دارٌ فيها أرْبَعُ بُيوتٍ، في أحَدِها ساكِنٌ وفي الثلاَثةِ ساكِنٌ، واختَلَفا، فلِكُل واحدٍ منهما ما هو ساكِنٌ فيه.
وإنْ تَنازَعا السَّاحَةَ التي يُتَطَرَّقُ منها إلى البُيوتِ، فهي بينَهما نِصْفان.
الثانيةُ، لو ادَّعَيَا شاةً مسْلُوخَةً؛ بيَدِ أحَدِهما جِلْدُها ورَأسُها وسَواقِطُها، وبيَدِ الآخَرِ بَقِيَّتُها، وادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما كلَّها، وأقاما بينتَيْن بدَعْواهما؛ فلكُلِّ واحدٍ منهما ما بيَدِ صاحبِه.

الجزء: 29 - الصفحة: 125

وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّارِ وَالْخَيَّاطُ الإبرَةَ وَالمِقَصَّ، فَهُمَا لِلْخَيَّاطِ، وإنْ تَنَازَعَ هُوَ وَالقَرَّابُ القِرْبَةَ، فَهِىَ لِلْقَرَّابِ.
قوله: وإنْ تَنازَعَ صاحِبُ الدّارِ والخَيَّاطُ الإبرَةَ والمِقَصَّ، فهما للخَيَّاطِ، وإنْ تَنازَعَ هو والْقَرابُ القِرْبَةَ، فهي للقَرَّابِ.
بلا نِزاعٍ فيهما.

الجزء: 29 - الصفحة: 126

وَإنْ تَنَازَعَا عَرْصَةً فِيهَا شَجَرٌ، أَوْ بِنَاءٌ لأَحَدِهِمَا، فَهِىَ لَهُ.
وإنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أحَدِهِمَا وَحْدَهُ، أوْ مُتَّصِلًا بِهِ اتِّصَالًا لَا يُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ، أوْ لَهُ عَلَيْهِ أزَجٌ، فَهُوَ لَهُ، وَإنْ كَانَ [340 و] مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا، أَوْ مَعْقُودًا بِهِمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا،  وقوله: وإنْ تَنازَعا عَرْصَةً فيها شَجَرٌ، أو بِناءٌ لأحَدِهما، فهي لهُ.
هذا المذهبُ مُطْلَقًا.
وعليه جماهيرُ الأصْحابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «المُحَررِ»، و «الشرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: لا تكونُ له إلَّا ببَينةٍ.
قوله: وإنْ تَنازَعا حائِطًا مَعْقُودًا ببِناءِ أحَدِهما وحْدَه، أو مُتَّصِلًا به اتِّصَالًا

الجزء: 29 - الصفحة: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يُمْكِنُ إحْدَاثُه، أوله عليه أزَجٌ -وهو ضَرْب مِن البِناءِ، ويُقالُ له: طَاقٌ- فهو له.
يعْنِي، بِيَمِينه.
وهذا المذهبُ 352 بهذا الشَّرْطِ.
أعْنِي، إذا كان مُتَّصِلًا اتِّصَالًا لا يُمْكِنُ إحْداثُه.
وعليه الأصحابُ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وكذا لو كان له عليه سُتْرَةٌ، لكِنْ لو كانَ مُتَّصِلًا ببِناءِ أحَدِهما اتِّصالًا 353 يُمْكِنُ إحْداثُه، فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، أنَّه لا يُرَجَّحُ بذلك.
وهو ظاهِرُ كلامِه فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
وهو صحيح.
وهو المذهبُ.
اخْتارَه القاضى وغيرُه.
وقدمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: هو كما لو لم يُمْكِنْ إحْداثُه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ في آخِرِ بابِ الصُّلْحِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فائدة: لو كان له عليه جُذُوعٌ، لم يُرَجَّحْ بذلك.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدمه في «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن» , و «الحاوِى»، وغيرِهم.
ذكَرَه في «المُحَرَّرِ» وغيرِه في بابِ أحْكامِ الجوارِ.
قال في «عُيونِ المَسائِلِ»: لا يُقَدَّمُ صاحِبُ الجُذوعِ، ويُحْكَم لصاحبِ الأزَجِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ حُدوثُه بعدَ كَمَالِ البِناءِ، ولأَنَّا قُلْنا: له وَضْعُ خَشَبه على حائطِ جارِه ما لم يَضُرَّ؛ فلِهَذَا لم يَكُنْ دَلالَةً على اليَدِ، بخِلافِ الأزَجِ لا يجوزُ عمَلُه على حائطِ جارِه.
انتهى.
وقيل: يُرَجَّحُ بذلك أيضًا.
وتأْتِى المَسْأَلَةُ قريبًا بأعَمَّ مِن هذا.

الجزء: 29 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قوله: وإنْ كانَ مَحْلُولًا مِن بِنائِهِما -أيْ غيرَ مُتَّصِل ببِنائِهما- أو مَعْقُودًا بهما، فهو بينَهما.
بلا نِزاعٍ.
ويتَحالَفَان، فيَحْلِفُ كلُّ واحد منهما للآخَرِ أن نِصْفَه له.
على الصّحيحِ مِن المذهبِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «الفُروعَ».
وقال المُصَنفُ، والشَّارِحُ، والزركَشِىُّ: وإن حَلَفَ كلُّ واحدٍ منهما على جميعِ الحائطِ أنَّه له، جازَ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: قلتُ: والذي يَنْبَغِى، أنْ

الجزء: 29 - الصفحة: 130

وَلَا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بِوَضْعِ خَشَبِ أحَدِهِمَا عَلَيْهِ، وَلَا بِوُجُوهِ الآجُرِّ، وَالتَّزْوِيقِ، وَالتَّجْصِيصِ، وَمَعَاقِدِ الْقِمْطِ في الخُصِّ.
تجِبَ اليمِينُ على حَسَبِ الجوابِ.
قوله: ولا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بوَضْعِ خَشَبِ أحَدِهما عليه، ولا بوُجُوهِ الآجُرِّ، والتَّزْوِيقِ، والتَّجْصِيصِ، ومَعاقِدِ القِمْطِ في الْخُصِّ.
هذا الصَّحيحُ مِن المذهبِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعليه الأصحابُ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهمِ.
قال المُصَنفُ والشارِحُ: قال أصحابُنا: لا تُرَجَّحُ دَعْوَى أحَدِهما بوَضْعِ خشَبِه على الحائطِ.
وقَطَعا بذلك في وُجُوهِ الآجُرِّ، والتَّزْويقِ، والتَّجْصِيصِ، ومَعاقِدِ القِمْطِ في الخُصِّ 354،

الجزء: 29 - الصفحة: 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ونحوِها.
ويَحْتَمِلُ أنْ تُرَجحَ الدَّعْوَى بوَضْعِ خَشَبِ أحَدِهما عليه.
وإليه مَيْلُ المُصَنِّفِ والشَّارِحِ.
وتقدَّم كلامُه في «عُيونِ المَسائلِ» في الجُذوعِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 133

وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ في سُلَّمٍ مَنْصُوبٍ، أوْ دَرَجَةٍ، فَهِىَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ، إلَّا أنْ يَكُونَ تَحْتَ الدَّرَجَةِ مَسْكَنٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ تَنَازَعَا في السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
قوله: وإنْ تَنازَعَ صاحِبُ العُلْوِ والسُّفْلِ في سُلَّم مَنْصُوبٍ، أو دَرَجَةٍ، فهي لصاحِبِ العُلْوِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ تحتَ الدَّرَجَةِ مَسْكَنٌ لصاحِبِ السُّفْلِ، فيَكُونُ بينَهما.
بلا نِزاعٍ.
لكِنْ لو كان في الدَّرَجَةِ طاقَةٌ ونحوُها ممَّا يُرْتَفَقُ به، لم يَكُنْ ذلك له.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقدَّمه في «المُغْنِي» , و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».
وقيل: متى كانَ له في الدَّرَجَةِ طاقَةٌ أو نحوُها، كانت بينَهما.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وأطْلَقَ وَجْهَيْنِ في «المُحَرَّرِ» في بابِ أحْكامِ الجِوارِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قوله: وإنْ تَنازَعا في السَّقْفِ الَّذِى بينَهما، فهو بينَهما.
هذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ» , وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: هو لرَبِّ العُلْوِ.
فائدة: لو تَنازَعا الصَّحْنَ والدَّرَجَةُ في الصَّدْرِ، فبينَهما.
وإنْ كانتْ في الوَسَطِ، فما إليها بينَهما، وما وَراءَه لرَبِّ السُّفْلِ.
على الصَحَّيحِ مِن المذهبِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 136

وَإِنْ تَنَازَعَ الْمُؤجِرُ وَالمُسْتَأجِرُ في رَفٍّ مَقْلُوعٍ أَوْ مِصْرَاعٍ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ في الدَّارِ، فَهُوَ لِصَاحِبِهَا، وَإِلاَّ فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وقيلَ: بينَهما.
والوَجْهان؛ إنْ تَنازَعَ رَبُّ بابٍ بصَدْرِ الدَّرْبِ، ورَبُّ بابٍ بوَسَطِه في صَدْرِ البابِ.
قالَه في «التَّرْغيبِ» وغيرِه في الصُّلْحِ.
قوله: وإنْ تَنازَعَ المُوجِرُ والمُسْتَأجِرُ في رَفٍّ مَقْلُوعٍ أو مِصْراعٍ له شكْلٌ

الجزء: 29 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مَنْصُوبٌ في الدَّارِ، فهو لصاحِبِها.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه الأصحابُ.
وقطَع به أكثرُهم.
وقال في «الرِّعايةِ الكُبْرَى»: فهو للمُؤْجِرِ، في الأصحِّ، والاَّ فهو بينَهما.
يعْنى، وإنْ لم يَكُنْ له شَكْلٌ منْصوبٌ، فهو بينَهما.
وهذا المذهبُ.
جزَم به في «المُحَرَّرِ» و «الوَجيزِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
وقدَّمه في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى»، و «الفُروعِ».
والمَنْصوصُ عن الإمامِ أحمدَ،

الجزء: 29 - الصفحة: 138

وَإِنْ تَنَازَعَا دَارًا فِي أَيْدِيهِمَا، فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا، وَادَّعَى الآخَرُ  رَحِمَه اللهُ، أنَّه لرَبِّ الدَّارِ مُطْلَقًا.
وهو المُؤْجِرُ.
كما يدْخُلُ في البَيْعِ عندَ الإطْلاقِ.
ولعَلَّه المذهبُ.
وقيل: هو بينَهما مُطْلَقًا.
وهو ضَعيفٌ جِدًّا.
وقدَّم في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، أنَّه بينَهما نِصْفان ويَحْلِفان.
وقال فى «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، بعدَ أنْ قدَّم الأوَّلَ: وقيل: ما يدْخُلُ في مُطْلَقِ البَيْعِ لِلْمُؤْجِرِ، وما لا يدْخُلُ فيه ولا جَرتْ به العادَةُ فلِلْمُسْتَأْجِرِ، وفيما جَرَتْ به العادَةُ ولا يدْخُلُ في البَيْعِ أوْجُهٌ؛ الثَّالثُ، أنَّه مع شَكْلٍ له مَنْصُوبٍ في المَكانِ للمُؤْجِرِ، وإلَّا فلِلْمُسْتَأْجِرِ.
انتهى.
قوله: وإنْ تَنازَعا دَارًا في أَيْدِيهِما، فادَّعاها أَحَدُهُما، وادَّعَى الآخَرُ نِصْفَها،

الجزء: 29 - الصفحة: 139

نِصْفَهَا، جُعِلَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالْيَمِينُ عَلَى مُدَّعِى النِّصْفِ.
جُعِلَتْ بَيْنَهُما نِصْفَيْنِ، والْيَمِينُ على مُدَّعِى النِّصْفِ.
وهذا المذهبُ.
نصَّ عليه.

الجزء: 29 - الصفحة: 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجزَم به في «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «النَّظْمِ»، و «المُحَرَّرِ».
وقدَّمه فى «المُغْنِي»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى».
وذكَر أبو بَكْرٍ، وابنُ أبي مُوسى، وأبو الفَرَجِ، أنَّهما يتَحالَفان.
وكذا الحُكْمُ لو ادَّعَى أقَلَّ

الجزء: 29 - الصفحة: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن نِصْفِها، وادَّعَى الآخَرُ كلَّها أو أكثرَ ممَّا بَقِىَ.
وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهما إنَّما فرَضُوا المسْألةَ في ذلك.

الجزء: 29 - الصفحة: 142

وَإِنْ تَنَازَعِ الزَّوْجَانِ أَوْ وَرَثتهُمَا في قُمَاشِ البَيْتِ، فَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فهُوَ لِلرَّجُلِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَراةِ، وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
قوله: وإنْ تَنازَعَ الزَّوْجان أو وَرَثَتُهما في قُماشِ البَيْتِ، فما كانَ يَصْلُحُ للرِّجالِ فهُو للرَّجُلِ، وما يَصْلُحُ للنساءِ فهو للْمَرْأةِ، وما كان يَصْلُحُ لهما فهو بينَهما.
هذا المذهبُ.
نصَّ عليه.
وجزَم به في «الشَّرْحِ»، و «الْخِرَقِىِّ»، و «الوَجيزِ»،

الجزء: 29 - الصفحة: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، مع أنَّ كلامَهم مُحْتَمِلْ للخِلافِ.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم.
وقيل: الحُكْمُ كذلك إنْ لم تَكُنْ عادَةٌ.
فإنْ كانَ ثَمَّ عادَةٌ، عُمِلَ بها.
نقَل الأَثْرَمُ، المُصْحَفُ لهما، فإنْ كانت 355 لا تَقْرَأ أو لا تُعْرَفُ بذلك، فهو له.
وجزَم به الزَّرْكَشِيُّ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وقال القاضى: إن كان بيَدِهما

الجزء: 29 - الصفحة: 147

وَإِنِ اخْتَلَفَ صَانِعَانِ في قُمَاشِ دُكَّانٍ لَهُمَا، حُكِمَ بِآلةِ كُلِّ صِنَاعَةٍ لِصَاحِبِهَا، في ظَاهِرِ كَلَامِ [340 ظ] أحْمَدَ وَالْخِرَقِىِّ.
المُشاهَدَةِ، فبينَهما، وإن كانَ بيَدِ أحَدِهما المُشاهَدَةِ، فهو له.
كما يأْتِى عنه في المَسْألَةِ التي بعدَها.
قوله: وإنِ اخْتَلَفَ صانِعان في قُماشِ دُكًانٍ لهما، حُكِمَ بآلةِ كل صِناعَةٍ لصاحِبِها، في ظاهِرِ كَلامِ الإمامِ أحْمَدَ -رَحِمَه اللهُ- والْخِرَقِىِّ.
وهو

الجزء: 29 - الصفحة: 148

وَقَالَ القَاضِى: إنْ كَانَتْ أيْدِيهِمَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الحُكْمِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ طَرِيقِ المُشَاهَدَةِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال القاضى: إنْ كانتْ أيدِيهما عليه مِن طَريقِ الحُكْمِ، فكذلك، وإنْ

الجزء: 29 - الصفحة: 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كانتْ مِن طَريقِ المُشاهَدَةِ، فهو بينَهما على كلِّ حالٍ.
وتقدَّم كلامُه في المَسْألةِ التي قبلَها.
قلتُ: يَحْتَمِلُ أنْ تكونَ حِكايَةُ المُصَنِّفِ عن القاضِى راجِعَةً 356 إلى المَسْألتَيْنْ.
وهو أوْلَى.
لكِن الشارِحَ لم يذْكُرْه إلَّا في هذه المَسْأَلَةِ.
وتَنَبَّهَ ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه» لذلك، فقال: الخِلافُ عائدٌ إلى المَسْألتَيْن.
وصرَّح به المُصَنَّفُ فى «المُغْنِي».
وكذا فى «الفُروعِ».
قلتُ: وكلامُه في «الهِدايةِ»،

الجزء: 29 - الصفحة: 150

وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا: هُوَ لَهُ.
فَهُوَ مَعَ يَمِينِهِ، إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.
و «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى» مُحْتَمِلٌ أيضًا.
قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: وكلامُ القاضى فى «التَّعْليقِ» يقْتَضِى أنَّ المُدَّعَى به متى كان بيَدَيْهما، مثْلَ أنْ يكُونَا بدُكانٍ، فكالزَّوْجَيْنِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 151

وَإنْ كَانَ لِأحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بِهَا.
قوله: وإنْ كان لأحَدِهما بَيِّنَة، حُكِمَ له بها.
إن كانتِ البَيِّنَةُ للمُدَّعِى وحدَه، و 357 كانتِ العَيْنُ في يَدِ المُدَّعَى عليه، فإنَّه يُحْكَمُ له بها مِن غيرِ يَمِينٍ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه الأصحابُ.
قال المُصَنِّفُ: بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ.
ثم قال: قال الأصحابُ: لا فَرْقَ بينَ الحاضِرِ والغائبِ، والحَىِّ

الجزء: 29 - الصفحة: 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمَيِّتِ، والعاقِلِ والمَجْنونِ، والصَّغِيرِ والكَبِرِ.
وقال الشَّافِعِيُّ، رَحِمَه اللهُ: إذا كانَ المَشْهودُ عليه لا يُعَبِّرُ عن نفْسِه، أحْلِفَ المَشْهودُ له؛ لأنَّه يُعَبِّرُ عن نفْسِه في دَعْوَى القَضاءِ والإِبْراءِ، فَيَقُومُ الحاكِمُ مَقامَه.
قال المُصَنِّفُ: وهذا حسَنٌ.
ومالَ إليه.
قلتُ: قد تقدَّمَتِ المَسْألَةُ بأعَمَّ مِن هذا في قوْلِ المُصَنفِ في بابِ طَريقِ الحُكْمِ وصِفَتِه: وإنِ ادَّعَى على غائبٍ، أو مُسْتَتِرٍ في البَلَدِ، أو مَيِّتٍ، أوِ صَبِىٍّ، أو مَجْنُونٍ، وله بَيِّنَة، سَمِعَها الحاكِمُ وحكَم بها، وهل يحْلِفُ المُدَّعِى أنَّه لم يَبْرَأْ إليه منه ولا مِن شئٍ منه؟ على رِوايتَيْن.
وذكَرْنا الصَّحيحَ من المذهبِ منهما هناك،

الجزء: 29 - الصفحة: 153

وَإنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيَنةٌ، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِى، في ظَاهِرِ المَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، إِنْ شَهِدَتْ بَيَنةُ المُدَّعَى عَلَيْهِ أنَهَا لَه، نُتِجَتْ  ثم رأيْتُ الزرْكَشِى حكَى كلامَه في «المُغْنِي»، وقال: هذا عَجِيبٌ منه؛ فإنَّه ذكَر في «مُخْتَصَرِه» و «مُخْتَصَرِ» غيرِه، أن الدَّعْوى إذا كانتْ على غائبٍ أو غيرِ مُكَلَّفٍ، فهل يحْلِفُ مع البَينةِ؟ على رِوايتَيْن.
انتهى.
وإن كانتِ البَيِّنَةُ للمُدَّعَى عليه وحدَه، فلا يَمِينَ عليه.
على المذهبِ.
وفيه احْتِمالٌ، ذكَرَه المُصَنِّفُ.
قوله: وإنْ كان لكلِّ واحِدٍ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها للْمُدعى، في ظَاهِرِ الْمذهَبِ.
يعْنِي تُقدَّمُ بَيِّنَةُ الخارِجِ؛ وهو المُدَّعِى.
وهو المذهبُ كما قال.
وعليه جماهيرُ

الجزء: 29 - الصفحة: 154

في مِلْكِهِ، أوْ قَطِيعَة مِنَ الإمَامِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ، وإلَّا فَهِىَ لِلْمُدَّعِى بِبَينتِهِ.
وقَالَ الْقَاضِى فِيهِمَا: إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ بَيِّنةِ الدَّاخِلِ تَرْجِيحٌ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ أبُو الخَطَّابِ: فِيهِ رِوَايَةٌ أخْرَى، أنَهَا مُقَدَّمَة بِكُلِّ حَالٍ.
الأصحابِ، وسَواءٌ كانَ بعدَ زَوال يَدِه أو لا.
قال الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: البَيِّنَةُ للمُدَّعِى، ليس لصاحِبِ الدَّارِ بَيِّنَة.
قال فى «الانْتِصارِ»: كما لا تُسْمَع بَيِّنَةُ منكِرٍ أوَّلا.
قال الشارحُ: هذا المَشْهورُ.
قال الزرْكَشِيُّ: هذا المَشْهورُ مِن الرِّواياتِ، والمُختارُ للأَصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه، وقدَّمه في

الجزء: 29 - الصفحة: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال هو وغيرُه: هذا المذهبُ.
وهو مِن المُفْرَداتِ.
وعنه، إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ المُدَّعَى عليه أنَّها له، نُتِجَتْ في مِلْكِه، أو قَطِيعَةٌ مِنَ الإمامِ، قُدِّمَتْ بَيِّنتُه، وإلَّا فهي للمُدَّعِى ببَينتِه.
قال القاضى فيهما: إذا لم يَكُنْ مع بَيِّنةِ الدَّاخِلِ ترْجِيحٌ، لم يُحْكَمْ بها، رِوايَةً واحِدَةً.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوايَةٌ

الجزء: 29 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أخرَى، أنَّها مُقَدَّمَة بكُلِّ حالٍ.
يعْنِي، تُقَدَّمُ بَيِّنةُ الدَّاخِلِ بكُل حالٍ.
واخْتارَها أبو محمدٍ الجَوْزِىُّ.
وعنه، يُحْكَمُ بها للمُدَّعِى إنِ اخْتَصَّتْ بَيِّنتُه بسَبَبٍ أو سَبْقٍ.
فعلى هذه الرِّوايةِ والرِّوايةِ الثَّانيةِ، يَكفِى سَبَبٌ مُطْلَقٌ، على الصَّحيحِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وعنه، تُعْتَبَرُ إفادَتُه للسَّبْقِ.
وأطلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
ويأْتِى نقْلُه في «الوَسِيلَةِ».
فائدة: لو أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنةً أنَها نُتِجَتْ في مِلْكِه، تَعارَضَتَا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقدَّم في «الإرْشادِ»، أنَّ بَيِّنَةَ

الجزء: 29 - الصفحة: 157

فَإِنْ أقامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْخَارِجِ، وَأَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الدَّاخِلِ، فَقَالَ القَاضِى: تُقَدُّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَينّةَ الْخَارِجِ.
المُدَّعِى تُقَدَّمُ.
قوله: فإنْ أقامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةَ أنَّهُ اشْتَراها مِن الخَارِجِ، وأقامَ الخارِجُ بَيِّنَةَ أنَّه اشْتَراها مِن الدَّاخِلِ، فقال القاضِى: تُقَدَّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ.
كذا قال المُصَنِّفُ،

الجزء: 29 - الصفحة: 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه».
وقدَّمه في «الرَّعايتَيْن»، و «الحاوِى».
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «تَسْهِيلِ الحَلْوانِيِّ».
قالَه في «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ».
وقيل: تُقدَّمُ بَيِّنةُ الخارِجِ.
وقيل: يتَعارَضَان.
وأطْلَقَهُنَّ في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ».

الجزء: 29 - الصفحة: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فائدتان؛ إحْداهما، لو كانتْ في يَدِ أحَدِهما، وأقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاها مِن زَيْدٍ، أو 358 نَهَبَها منه، فعنه، أنَّه كَبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ على ما سَبَق.
وهي المذهبُ عندَ القاضِى.
وعنه، يتَعارَضان؛ لأنَّ سبَبَ اليَدِ نفْسُ المُتَنازَعِ فيه فلا تَبْقَى مُؤثِّرَةً، لأنَّهما اتَّفَقَا على أنَّ مِلْكَ هذه الدَّارِ لزَيْدٍ.
وهذه الرِّوايةُ اخْتِيارُ أبي بَكْرٍ، وابنِ أبي مُوسى، وصاحِبِ «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وهو المذهبُ.
ويأتِى معْنَى ذلك في أثْناءِ القِسْمِ الثَّالثِ.
واخْتارَ أبو بَكْر هنا وابنُ أبي مُوسى، أنَّه يُرَجَّحُ بالقُرْعَةِ.
ونصَّ عليه في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
واطْلَقَهما في «الفُروعِ».

الجزء: 29 - الصفحة: 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّانيةُ، لا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ قبلَ بَيِّنَةِ الخارِجِ وتعْدِيلِها.
على الصّحيحِ مِن المذهبِ.
وفيه احْتِمالٌ، وتُسْمَعُ بعدَ التَّعْديلِ قبلَ الحُكْمِ، وبعدَه قبلَ التَّسْليمِ، وأيُّهما 359 تُقَدِّمُ؟ فيه الرِّواياتُ.
وإن كانتْ بَيِّنَةُ أحَدِهما غائبةً حينَ رَفَعْنا يدَه،

الجزء: 29 - الصفحة: 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فجاءَتْ وقد ادَّعَى المُدَّعِى مِلْكًا مُطْلَقًا، فهي بَيِّنَةُ خارِجٍ.
وإنِ ادَّعاه مُسْتَنِدًا إلى ما قبلَ يَدِه، فهي بَيِّنَةُ داخِلٍ، كما لو أحْضَرَها بعدَ الحُكْمِ وقبلَ التسْليمِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 162

فَصْل: الْقِسْمُ الثَّانِي، أنْ تَكُونَ العَيْنُ في يَدَيْهِمَا، فَيَتَحَالَفَانِ، وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا.
قوله: القِسْمُ الثَّانِي، أنْ تَكُونَ العَيْنُ في أيْدِيهما، فيتَحالَفان، وتُقْسَمُ بَيْنَهُما.
لأنَّ يَدَ كلِّ واحدٍ منهما على نِصْفِها، والقَوْلُ قولُ صاحِبِ اليَدِ مع يَمِينِه، فيَمِينُ كلِّ واحدٍ منهما على النِّصْفِ الذي بيَدِه.
وهذا هو المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.

الجزء: 29 - الصفحة: 164

وإنْ تَنَازَعَا مُسَنَّاةً بَيْنَ نَهْرِ أحَدِهِمَا وَأرْضِ الْآخَرِ، [341 و] تَحَالَفَا، وَهِيَ بَيْنَهُمَا.
وإنْ تَنَازَعَا صَبِيًّا في يَدَيْهِمَا، فَكَذَلِكَ.
وقطَع به أكثرُهم.
وقال في «التَّرْغيبِ»: وعنه، يُقْرَعُ، فمَن قَرَع، أخَذَه بيَمِينِه.
فائدة: لو نَكَلا عن اليَمِينِ، فالحُكْمُ كذلك.
قوله: وإنْ تَنازَعا مُسَنَّاةً بَيْنَ نَهْرِ أحَدِهما وأرْضِ الآخَرِ، تَحالَفا، وهي بَيْنَهُما.
هذا المذهبُ.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النظْمِ»، و «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرَّعايةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ» , وغيرِهم.
وقيل: هي لرَبِّ النهْرِ.
وقيل: هي لرَبُّ الأرْضِ.
قوله: وإنْ تَنازَعا صَبِيًّا في أيْدِيهِما، فكذلك.
[يعْنِي، صَبيًّا] 360 دُونَ التَّمْييزِ،

الجزء: 29 - الصفحة: 165

وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا، فَقَالَ: إنِّي حُرُّ.
فَهُوَ حُرُّ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَة بِرِقِّهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَالطِّفْلِ.
فيتَحالَفَانِ، وهو بينَهما رَقِيقٌ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجِيزِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ».
قوله: وإنْ كانَ مُمَيِّزًا، فَقالَ: إنِّي حُرٌّ.
فهو حُرٌّ، إلَّا أنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ برِقِّه.
وهو المذهبُ.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ.
وجزَم به في «الوَجِيزِ».
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَرَاه.
وقدَّمه في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ».

الجزء: 29 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ كالطِّفْلِ.
وهو لأبِى الخَطَّابِ في «الهِدايةِ».

الجزء: 29 - الصفحة: 167

فَإنْ كَانَ لِأحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهُمَا تَارِيخًا، فَإنْ وُقِّتَتْ إحْدَاهُمَا، وَأطْلِقَتِ الأخْرَى، فَهُمَا سَوَاءٌ.
ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ المُطْلَقَةِ.
قوله: فإنْ كانَ لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها -بلا نِزاعٍ- وإنْ كان لكلِّ واحدٍ

الجزء: 29 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بَيِّنَة، قُدِّمَ أسْبَقُهمَا تارِيخًا.
مثْلَ أنْ [تَشْهَدَ إحْداهما] 361 أنَّها له منذُ سنَةٍ، وتَشْهَدَ الأخْرَى أنَّها للآخَرِ منذُ سَنَتَيْنِ، فتُقَدم أسْبَقُهما تارِيخًا.
وهذه رِوايَة عن الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
نَصَرَها القاضى وأصحابُه.
وقال: هذا قِياسُ المذهبِ.
وقطَع به في «الوَسِيلَةِ» وإذا كانتِ العَيْنُ بيَدِ ثالثٍ.
جزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «الشرْحِ».
وظاهرُ كلامِ الْخِرَقِى التَسْوِيَةُ بينَهما.
وهو المذهبُ.
وإليه مَيْلُ المُصَنفِ والشَّارِح.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعَايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروع».
قلتُ: وجزَم به في «الوَجيزِ» أيضًا، فقال أولًا: وإنْ كان لكِّل واحدٍ بَيِّنَةٌ، قُدِّم أسْبَقُهما تارِيخًا.
وقال ثانيًا: فإنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةَ أحدِهما بالمِلْكِ له منذُ سنَةٍ، وبَينةُ الآخَرِ بالمِلْكِ له منذُ شَهْر، فهما سَواءٌ.
ولا يظْهَرُ الفَرْقُ بينَ المَسْألتَيْن، والذي يظْهَرُ، أنَه تابَعَ المُصَنَّفَ في المَسْأَلَةِ الأولَى

الجزء: 29 - الصفحة: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وتابعَ «المُحَرَّرَ» في الثَّانيةِ، فحصَل الخَلَلُ والتَّناقُضُ بسبَبِ ذلك؛ لأنَّ المُصَنِّفَ لم يذْكُرِ الثانيةَ لأنَّها عَيْنُ الأولَى، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ» لم يذْكُرِ الأولَى؛ لأنها عَيْنُ الثَّانيةِ، وصاحبُ «الوَجِيزِ» جَمَع بينَهما.
وحصَل له نظِيرُ ذلك في كتابِ الصيْدِ، وبابِ الذَّكاةِ، فيما إذا رَماه فوَقَعَ في ماءٍ، أو ذَبَحَه ثم غَرِقَ في ماءٍ، كما تقدَّم التَّنْبِيهُ على ذلك هناك.
فائدة: مثْلُ ذلك في الحُكْمِ، لو شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ باليَدِ مِن سنَةٍ، وبَينةً باليَدِ مِن سَنَتَيْن.
قالَه في «الانْتِصارِ».
قوله: فإنْ وُقِّتَتْ إحْداهُما وأطْلِقَتِ الأخْرَى، فهما سَواءً.
اخْتارَه القاضى وغيرُه.
وجزَم به في «الوَجِيزِ».
ونَصَره المُصَنِّفُ والشَّارِحُ.
وهذا بِناءً مِن المُصَنِّفِ على ما قالَه قبلَ ذلك مِن تقْديمِ أسْبَقِهما تارِيخًا.
والصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّهما سَواءٌ، على ما تقدَّم في التي قبلَها، بل هنا أوْلَى.
وقدَّمه فى «الهِدايةِ»،

الجزء: 29 - الصفحة: 170

وَإِنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِالْمِلْكِ، وَالأخْرَى بِالْمِلْكِ وَالنِّتاَجِ أَوْ سَبَبٍ مِنْ أسْبَابِ الْمِلْكِ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْن.
و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الرِّعَايةِ»، و «النَّظْمِ».
وصحَّحه في «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ».
واخْتارَه القاضى وغيرُه.
ويَحْتَمِلُ تقْديمَ المُطْلَقَةِ.
قالَه أبو الخَطَابِ.
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ».
وفي «مُخْتَصَرِ ابنِ رَزِين»، تُقَدَّمُ المُؤقَّتَةُ.
قوله: وإنْ شَهِدَتْ إحْداهُما بالمِلْكِ، والأخْرَى بالمِلْك وَالنِّتاجِ، أو سَبَبٍ مِن أسْبابِ المِلكِ، فهل تُقَدَّمُ بِذلك؟ على وَجْهَيْن.
وأطْلَقَهما في «الشَّرْحِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»؛ أحدُهما، لا تُقدَّمُ بذلك، بل هما سَواءٌ.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ».
وجزَم به الخِرَقِى، وصاحِبُ «الوَجيزِ».
وقامه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الخُلاصةِ».

الجزء: 29 - الصفحة: 171

وَلَا تُقَدَّمُ إِحْدَاهُما بكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَلَا اشْتِهَارِ العَدَالَةِ، وَلَا الرَّجُلَانِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، في أحَدِ الْوَجْهَيْنَ.
والوَجْهُ الثَّانى، تُقَدَّمُ بذلك.
وهو قولُ القاضى وجماعَةٍ مِن أصحابِه، فيما إذا كانتِ العَيْنُ في يَدِ غيرِهما.
وعنه، تقَدَّمُ بسَبَبٍ مُفيدٍ للسَّبْقِ؛ كالنتاجِ والإقْطاعِ.
قال في «المُحَررِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما: فعليها والتي قبلَها المُؤقتَةُ والمُطْلَقَةُ سَواءٌ.
وقيل: تُقَامُ المُطْلَقَةُ.
فجَعَل الخِلافَ المُتَقدِّمَ في المَسْألةِ التي قبلَ هذه مَبْنِيًّا على هاتَيْن الروايتَيْن.
وفى «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ البَغْداديِّ»، تُقَدمُ ذاتُ السبَبَيْن على ذاتِ السبَبِ، وشُهودُ العَيْنِ على الإقْرارِ.
قوله: ولا تُقَدَّم إحْداهُما بكَثْرَةِ العَدَدِ.
وهو المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.

الجزء: 29 - الصفحة: 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال فى «الرِّعايةِ الصُّغْرى»: هذا الأشْهَرُ.
ويتَخَرَّجُ تقْديمُ أكْثَرِهما عَدَدًا.
قوله: ولا اشْتِهارِ الْعَدالَةِ.
وهو المذهبُ.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
ونصَّ عليه.
وجزَم به في «المُنَوِّرِ».
وصحَّحه في «النَّظْمِ»، و «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ».
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ».
وعنه، تُقَّدم مَن اشْتَهَرَتْ عَدالَتُه.
جزَم به فى «الوَجيزِ».
واخْتارَه ابنُ أبي مُوسى، وأبو الخَطَّابِ،

الجزء: 29 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأبو محمدٍ الجَوْزِىُّ، وقال: ويتَخَرجُ منه الترْجِيحُ بالعَدْلِ.
وحكاهُما في «المُحَررِ» وَجْهَيْن وأطْلَقَهما.
قوله: ولا الرَّجُلان على الرَّجُلِ من المَرْأتَينِ.
هذا المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرِهم.
وقامه في «المُحَرَّرِ»، و «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الرعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُقَدَّمُ الرجُلان على الرَّجُلِ والمَرْأتَيْن.
قال الشارِحُ بعدَ ذِكْرِ هذه المَسائلِ الثَّلاَثةِ، وقدَّم أنَّه لا تَرْجِيحَ بذلك: ويتَخَرَّجُ أنْ يُرَجَّحَ بذلك، مَأخوذًا مِن قولِ الْخِرَقِى: ويُقَدِّمُ الأعْمَى أوْثَقَهما في نفْسِه.
وقالَه أبو الخَطابِ في «الهِدايةِ»؛ لأنَّ أحَدَ الخَبَرْين يُرَجَّحُ بذلك، فكذلك الشَّهادَةُ، ولأنَّها خبَرٌ، ولأنَّ الشَّهادةَ إنَّما اعْتُبِرَتْ لغَلَبَةِ الظَّنِّ بالمَشْهودِ، وإذا كثرُ العَدَدُ أو قَوِيَتِ العَدَالَةُ، كان الظنُّ أقْوَى.
قالَه الشَّارِحُ.
قوله: ويُقَدَّمُ الشَّاهِدان على الشَّاهِدِ واليَمِينِ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «تَجْريدِ العِنايةِ».
وهما احْتِمالَانِ مُطْلَقَان في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ».
أحدُهما، لا يُقَدَّمُ الشَّاهِدان على الشَّاهدِ

الجزء: 29 - الصفحة: 174

وَإذاَ تًسَاوَتَا، تَعَارَضَتَا، وَقُسِمَتِ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَعَنْهُ، أنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا.
وَعَنْهُ، أنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ، حَلَفَ وَأخَذَهَا.
واليَمينِ.
وهو المذهبُ على ما اصْطَلَحْناه.
جزَم به في «المُنَورِ».
وصحَّحه في «النَّظْمِ»، و «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ».
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
والوَجْهُ الثاني، يُقَدَّمان على الشاهدِ واليَمينِ.
اخْتارَه المُصَنفُ، والشارِحُ.
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «الخُلاصَةِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ، وهو المذهبُ.
قوله: وإذا تَساوَتا، تَعارَضَتا.
بلا نِزاعٍ.
وقوله: وقُسِمَتِ العَيْنُ بينَهما بغيرِ يَمِينٍ.
يعْنِي، إذا كانتِ العَيْنُ في أيْدِيهما.

الجزء: 29 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا إحْدَى الرِّواياتِ؛ فتُستَعْمَلُ البَيِّنَتان بقِسْمَةِ العَيْن بينَهما بغيرِ يَمِينٍ.
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وصحّحه في «المُغْنِي»، و «الشَرْحِ».
وعنه، أنَّهما يتَحالَفَان، كَمَنْ لا بَيِّنَةَ لهما.
فيَسْقُطان بالتَّعارُضِ.
وهذه الرِّوايةُ هي المذهبُ.
وجزَم به في «العُمْدَةِ».
وعليها جماهيرُ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكثرُ، وهو الذي ذكَرَه الْخِرَقِىُّ.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرعايتَيْن»، و «الفُروعِ».
قال الزَّرْكَشِى: اخْتارَه كثيرٌ

الجزء: 29 - الصفحة: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِن الأصحابِ.
وقال: ولعَل مَنْشَأ الخِلافِ إذا تَعارضَ الدَّلِيلان، هل يَتَوَقفُ المُجْتَهِدُ أو يَتَخَيَّرُ في العَمَلِ بأحَدِهما؟ فيه خِلافٌ.
انتهى.
ويحْلِفُ كلُّ واحدٍ منهما على النِّصْفِ المَحْكُومِ له به.
قالَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم.
وقال الزَّرْكَشِيُّ في الصُّلْحِ، عندَ قَوْلِ الْخِرَقِى: وكذلك إنْ كان مَحْلولاً مِن بِناءَيْهما: وصِفَةُ اليَمِينِ، قال أبو محمدٍ: أنْ يحْلِفَ كلُّ واحدٍ منهما على نِصفِ الحائطِ أنَّه له، ولو حلَف كلُّ واحدٍ منهما على جميعِ الحائطِ أنَّه له دُونَ صاحبِه، جازَ، وكان بينَهما.
قال الزرْكَشِى: [قلتُ: الذي] 362 يَنْبَغِي أنْ تجِبَ اليَمِينُ على حسَبِ الجَوابِ.
[انتهى.
وتقدَّم هذا أيضًا] (1). وعنه، أنَّه يُقْرَعُ بينَهما، فَمَنْ قرَع صاحِبَه، حلَف وأخذَها.
فتُسْتَعْمَلُ البَيِّنَتَان بالقُرْعَةِ.
ونصَر فى «عُيونِ المسائلِ»، أنهما يَسْتَهِمان على مَن [يَحْلِفُ و] 363 تكونُ العَيْنُ له.
ونقَلَه صالِحٌ عن الإِمام أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
قال الزَّرْكَشِى، ورَدَّ رِواية بالقرْعَةِ: فيَحْتَمِل أنها بينَ البَيِّنَتَيْن.
وهو ظاهرُ ما في «الروايتَيْن» للقاضِي، ويَحْتَمِلُ أنها بينَ المُتَداعِيَيْن.
وهو الذي حَكاه الشرِيفُ، فقال: وعنه، يُقْرَعُ بينَهما 364. إلَّا أن شيْخَنا كان يقولُ: يُقْرَعُ بينَ المُتَداعِيَيْن لا البَيِّنَتَيْن.
انتهى.
وحكَى ابنُ شِهَاب في «عُيونِ المَسائل» رِوايةً، إنّه يُوقَفُ الأمْرُ حتى

الجزء: 29 - الصفحة: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَتَبَيَّنَ أو يصْطَلِحا عليه.
وذكَر في «الوَسِيلَةِ» الروايةَ الأولَى والثَّانيةَ، فيما إذا كانتِ العَيْنُ بيَدِ أحَدِهما.
وقال في «الفُروعِ»: وعلى الروايةِ الأولَى والثَّالثةِ، هل يحْلِفُ كل واحدٍ منهما للآخَرِ؟ فيه رِوايَتان.
قال شيْخُنا في «حَواشِيه» على «الفُروع»: أمَّا على رِوايَةِ القُرْعَةِ، فلا يظْهَرُ حَلِفُ كل واحدٍ منهما للآخَرِ، بل الذي يحْلِفُ، هو الذي تخْرُجُ له القُرْعَةُ، وهكذا ذكَرَها في «المُقْنِعِ»، و «الكافِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرعايةِ»، فلَعلَّ كلامَ المُصَنفِ وَهْمٌ.
انتهى.
تنبيه: قولُه في الرِّوايةِ الأولَى: قُسِمَتِ العَيْنُ بينَهما بغيرِ يَمِينٍ.
وهو الصَّحيحُ على هذه الرِّوايةِ.
وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهيَّةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وصححه المُصَنفُ في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ.
وقدَّمه في «الرِّعايةِ» في مَوْضِعٍ.
وعنه، يحْلِفُ كل واحدٍ منهما للآخَرِ.
اخْتارَه الْخِرَقِى وغيرُه.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، كما تقدَّم.
وقولُه في الرِّوايةِ الثَّانيةِ: كَمَنْ لا بَيِّنَةَ لهما.
تقَدَّم حُكْمُ ذلك في أوَّلِ هذا القِسْمِ، فَلْيُعاوَدْ 365.

الجزء: 29 - الصفحة: 178

فَإنِ ادَّعَى أحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ، لَمْ تُسْمَعِ البَينةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ: وَهِيَ مِلْكُهُ.
وَتَشْهَدَ [341 ظ] البَيِّنَةُ بِهِ.
قوله: فإنِ ادَّعَى أحَدُهما أنَّه اشْتَراها مِن زَيْدٍ، لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ على ذلك حتى يَقُولَ: وهي في مِلْكِه.
وتَشْهَدَ البَيِّنَةُ به.
فإذا قالَه وشَهِدَتِ البَيِّنَةُ به، حُكِمَ له بها، وكذا، إنْ شَهِدَتْ أنَّه باعَه إيَّاها وسلَّمَها إليه، حُكِمَ له بها، فإنْ لم يذْكُرْ إلاَّ التَّسْلِيمَ، لم يُحْكَمْ.
وقال في «الكافِى»: إذا كانتْ في يَدِ زَيْدٍ دارٌ، فادَّعَى آخَرُ أنَّه ابْتاعَها مِن غيرِه وهي مِلْكُه، وأقامَ بذلك بَيِّنةً، حُكِمَ له بها، وإنْ شَهِدَتْ أنَّه باعَه إيَّاها وسَلَّمَها إليه، حُكِمَ له بها, لأنَّه لم يُسَلِّمْها إليه إلَّا وهي في يَدِه، وإنْ لم يذْكُرِ المِلْكَ ولا التَّسْلِيمَ، لم يُحْكَمْ له بها؛ لأنَّه يُمْكِنُ أنْ يَبِيعَه ما لا يَمْلِكُه، فلا يُزالُ به صاحِبُ اليَدِ.
فظاهِرُ كلامِه، أنَّ الشهادةَ بالتَّسْليمِ كافِيَة في الحُكْمِ له بها.
وقال في «الفُروعِ»: وإنْ أقامَ كلُّ واحدٍ بَيِّنةً بشِرائِها مِن زَيْدٍ بكذا، وقيل أو لم يُقَلْ: وهي مِلْكُه، بل تحتَ يدِه وَقْتَ البَيْعِ.
فظاهِرُ ما قدَّمه اشْتِراطُ الشَّهادَةِ بالمِلْكِ، كما هو ظاهِرُ «المُقْنِعِ».
والقولُ الثَّانى مُوافِق لظاهِرِ «الكافِى».
واعلمْ أنَّ فَرْضَ هذه المَسْألَةِ فيما إذا كانتِ العَيْنُ في يَدِ غيرِ البائعِ، كما صرَّح به

الجزء: 29 - الصفحة: 179

فَإنِ ادَّعَىِ أحَدُهُمَا انَهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ، وَهِيَ مِلْكُهُ، وَادَّعَى الآخَرُ أنهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو، وَهِيَ مِلْكُهُ، وَأقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا.
فى «الكافِى» وغيرِه.
تنبيهات؛ أحدُها، قولُه: فإنِ ادَّعَى أحَدُهما أنَّه اشْتَراها مِن زَيْدٍ، وهي مِلْكُه، وادَّعَى الآخَرُ أنَّهُ اشْتراها مِن عَمْرو، وهي مِلْكُه، وأقاما بذلك بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا.
مُرادُه، إذا لم يُؤَرَّخا.
قالَه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
فإنْ كانتْ في يَدِ أحَدِهما، انْبَنَى ذلك على بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ، على ما تقدَّم.

الجزء: 29 - الصفحة: 180

وَإِنْ أَقَامَ أحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأقَامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، أَوْ اعْتَقَهُ، قُدِّمَتْ بَيِّنتُهُ.
وَلَوْ أقامَ رَجُل بَيِّنَةً أنَّ هَذِهِ الدَّارَ لأبِى، خَلَّفَهَا تَرِكَةً، وَأقَامَتِ  الثانى، قولُه: وإنْ أقامَ أحَدُهما بَيِّنَةً أنها مِلْكُه، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَراها منه، أو وَقَفَها عليه، أو أعْتَقَه، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُه.
بلا نِزاع.
قال في «المُحَررِ»، و «الرِّعايةِ»، وغيرِهما: قُدِّمَتْ بَينتُه؛ داخِلًا كانَ أو خارِجًا.
قال في «الفُروعِ»: قُامَتِ الثانيةُ.
ولم يرْفَعْ يدَه، كقَوْلِه: أبْرَأنِي مِن الدَّيْنِ.
الثَّالثُ، قولُه: ولَو أقامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أن هذه الدَّارَ لأبِى، خَلفَها تَرِكَة، وأقامَتِ امْرَأته بَيِّنَةً أنَّ أباه أصْدَقَها إيَّاهَا، فهي للْمَرْأةِ.
سواءٌ كانتْ داخِلَةً أو خارِجَةً.

الجزء: 29 - الصفحة: 181

امْرَأَتُهُ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا إِيَّاهَا، فَهِىَ لِلْمَرْأَةِ.
فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ، تَدَاعَيَا عَيْنًا فِى يَدِ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا.
قوله: القِسْمُ الثَّالِثُ، تَدَاعَيا عَيْنًا فى يَدِ غَيْرِهما.
اعلمْ أنَّهما إذا تَداعَيَا عَيْنًا فى يَدِ غيرِهما فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يُقِرَّ بها لهما، أو يُنْكِرَهما ولم يُنازِعْ فيها، أو يدَّعِيَها لنَفْسِه، أو يُقِرَّ بها لأحَدِهما بعَيْنِه، أو يُقِرَّ بها لأحَدِهما لا بعَيْنِه، فيقولَ: لا أعْلَمُ عَيْنَه منهما.
أو يُقِرَّ بها لغيرِهما؛ فإنْ أقَرَّ بها فما، [فهى لهما] 366؛ لكُلِّ واحدٍ منهما الجُزْءُ الذى أقَرَّ به.
جزَم به فى «الشَّرْحِ» وغيرِه.
وإنْ أقَرَّ بها لأحَدِهما وقال: لا أعْرِفُ عَيْنَه منهما.
فَتَارَةً يُصَدِّقانِه وتارَةً يُكَذِّبانِه، أو أحَدُهما.
فإَنْ صدَّقاه، لم يحْلِفْ، وإنْ كذَّباه أو أحدُهما، حلَف يَمِينًا واحدةً ويُقْرَعُ بينَهما، فَمَنْ قرَع، حلَف وهى له.
هذا المذهبُ.
نصَّ عليه.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وفيه وَجْةٌ آخَرُ، أنَّه لا يَحْلِفُ.
ذكَرَه فى «القاعِدَةِ الأخِيرَةِ».
قال الزَّرْكَشِىُّ: ولم يتَعرَّضِ الْخِرَقِىُّ لوُجوبِ اليَمِينِ على المُقِرِّ.
وكذلك الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، فى رِوايةِ

الجزء: 29 - الصفحة: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ابنِ مَنْصُورٍ، إذا قال: أَوْدَعَنِى أحدُهما لا أعْرِفُه عَيْنًا.
أُقْرِعَ بينَهما.
وحَمَلَه القاضى على ما إذا صدَّقاه فى عدَمِ العِلْمِ.
فعلى الأوَّلِ، إنْ عادَ بَيِّنَهُ.
فقِيلَ: كَتَبْييِنه ابْتِداءً.
ونقَل المَيْمُونِىُّ، إنْ أبَى اليَمِينَ مَن قرَع، أخَذَها أيضًا.
وقيلَ لجماعَةٍ مِن الأصحاب: لا يجوزُ أنْ يُقالَ: ثبَت الحقُّ لأحَدِهما لا بعَيْنِه بإقْرارِه.
وإلَّا لصَحَّتِ الشَّهادَةُ لأَحَدِهما لا بعَيْنِه.
فقالوا: الشَّهادَةُ لا تصِحُّ لمَجْهولٍ ولا به، ولهما القُرْعَةُ بعدَ تحْلِيفِة الواجِبِ وقبلَه.
فإنْ نَكَل، قُدِّمَتْ، ويحْلِفُ للمَقْروعِ إنْ كذَّبه، فإنْ نَكَل أخَذ منه بدَلَها، وإنْ أقَرَّ بها لأحَدِهما بعَيْنِه، حلَف وهى له، ويَحْلِفُ أيضًا المُقِرُّ للآخَرِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: لا يحْلِفُ له.
فعلى المذهبِ، إنْ نَكَلَ، أخَذ منه بدَلَها، وإذا أخَذَها 367 المُقَرُّ له، فأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً، أخَذَها منه.
قال فى «الرَّوْضَةِ»: وللمُقَرِّ له قِيمَتُها على المُقِرِّ.
وإنْ أنْكَرَهما ولم يُنازِعْ، فقال فى «الفُروعِ»: نقَل الجماعَةُ عن الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ- وجزَم به الأكثرُ- يُقْرَعُ بينَهما، كإقْرارِه لأحَدِهما لا بعَيْنِه.
وقال فى «الواضِحِ»: وحكَى أصحابُنا، لا يُقْرَعُ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ لهما حقٌّ، كشَهادَةِ

الجزء: 29 - الصفحة: 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البَيِّنَةِ بها لغيرِهما، وتُقَرُّ بيَدِه حتى يظْهَرَ ربُّها.
وكذا فى «التَّعْليقِ» مَنْعًا.
أوْمَأَ إليه الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، ثم تَسْلِيمًا.
فعلى الأوَّلِ، إنْ أخَذَها مَن قرَع، ثم عَلِمَ أنَّها للآخَرِ، فقد مَضَى الحُكْمُ.
نَقَلَه المَرُّوذِىُّ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «التَّرْغيبِ»، فى التى بيَدِ ثالثٍ غيرِ مُنازِعٍ ولا بَيِّنَةَ: كالتى بيَدَيْهما.
وذكَرَه ابنُ رَزِينٍ وغيرُه.
وقال فى «التَّرْغيبِ»: ولو ادَّعى أحدُهما الكُلَّ، والآخَرُ النِّصْفَ، فكالتى بيَدَيْهما؛ إذِ اليَدُ المُسْتَحِقَّةُ الوَضْعَ 368 كَمَوْضوعَةٍ.
وفى «التَّرْغيبِ» أيضًا، لو ادَّعى كلُّ واحدٍ نِصْفَها، فصَدَّقَ أحدَهما وكذَّب الآخَرَ ولم يُنازِعْ، فقيل: يُسَلِّمُ إليه.
وقيل: يحْفَظُه حاكِمٌ.
وقيل: يَبْقَى بحالِه.
ونقَل حَنْبَلٌ، وابنُ مَنْصُورٍ فى التى قبلَها، لمُدَّعِى كلِّها نِصْفُها، ومَنْ قرَع فى النِّصْفِ الآخَرِ، حلَف وأخذَه.
قال فى «القاعِدَةِ الأخيرةِ»: وإنْ قالَ مَنْ هى فى يَدِه: ليستْ لِى، ولا أعْلَمُ لمَنْ هى.
ففيها ثَلاَثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يقْتَرِعان عليها، كما لو أقَرَّ بها لأحَدِهما مُبْهَمًا.
والثَّانى، تُجْعَلُ عندَ أمِينِ الحاكمِ.
والثَّالثُ، تُقَرُّ فى يَدِ مَنْ هى فى يَدِه.
والأوَّلُ ظاهِرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، فى رِوايةِ صالحٍ، وأبى طالب، وأبى النَّضْرِ، وغيرِهم.
والوَجْهان الأخِيران مُخَّرجان مِن مسْألةِ مَنْ فى يَدِه شئٌ مُعْتَرِفٌ بأنَّه ليسَ له ولا يَعْرِفُ مالِكَه، فادَّعاه مُعَيَّنٌ، فهل يُدْفَعُ إليه أمْ لا؟ وهل يُقَرُّ فى يَدِ مَنْ هو فى يَدِه أمْ ينْتَزِعُه الحاكِمُ؟ فيه خِلافٌ.
انتهى.
وإنِ ادَّعاها لنَفْسِه، وهو قولُ المُصَنِّفِ: وإنِ ادَّعاها صاحِبُ اليَدِ لنَفْسِه.
فقال

الجزء: 29 - الصفحة: 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القاضى: يحْلِفُ لكُلِّ واحدٍ منهما، وهى له.
وهو المذهبُ.
قدَّمه فى «الفُروعِ» وغيره.
وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ».
وقال أبو بَكْرٍ: بل يُقْرَعُ بينَ المُدَّعِيَيْن، فتكونُ لمَنْ تخْرجُ له القُرْعَةُ.
قال الشَّارِحُ: يَنْبَنِى على أنَّ البَيِّنَتَيْن إذا تعَارَضَتا لا تسْقُطان، فرُجِّحَت إحْدَى البَيِّنَتَيْن بالقُرْعَةِ.
فعلى المذهبِ، إنْ نَكَلَ، أخَذَها منه وبَدَلها، واقْتَرَعا عليها.
على الصَّحيح مِن المذهبِ.
جزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
ويَحْتَمِلُ أنْ يقتَسِماها، كما لو أقَرَّ بها لهما ونَكَل عن اليَمِينِ.
قال فى «الوَجيزِ»: وإنْ نَكَلَ، لَزِمَ لهما العَيْنُ أو عِوَضُها.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَهُ اللهُ: قد يقالُ: تُجْزِئْ يمينٌ واحدةٌ.
ويقالُ: إنَّما تجِبُ العَيْنُ، يقْتَرِعان عليها.
ويقالُ: إذا اقْتَرَعا على العَيْنِ، فَمَنْ قرَع، فللآخَرِ أنْ يدَّعِىَ عليه بها.
ويقالُ: إنَّ القارِعَ هنا يحْلِفُ ثم يأْخُذُها؛ لأنَّ النُّكُولَ غايَتُه أنَّه بَدَلٌ 369، والمَطْلوبُ ليس له هنا بَدَلُ (1) العَيْنِ، فيُجْعَل كالمُقِرِّ، فيَحْلِفُ المُقَرُّ له.
وإنْ أقَرَّ لغيرِهما، فقد تقدَّم حُكْمُه مُسْتَوْفًى فى أثْناءِ بابِ طَريقِ الحُكمِ وصِفَتِه.
فائدة: لو لم تَكُنْ بيَدِ أحدٍ، فَنَقَلَ صالِحٌ، وحَنْبَلٌ، هى لأحَدِهما بقُرْعَةٍ، كالتى بيَدِ ثالثٍ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وذكَر جماعةٌ، تُقسَمُ بينَهما، كما لو كانتْ بيَدَيْهما.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى».
وأَطْلَقَهما فى «القاعِدَةِ الأَخيرةِ».

الجزء: 29 - الصفحة: 185

فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَبْدًا، فَأَقَرَّ لأَحَدِهِمَا، لَمْ يُرَجَّحْ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ كَانَ لأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَة، تَعَارَضَتَا، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قوله: فإنْ كان الْمُدَّعَى عَبْدًا، فأَقَر لأحَدِهما، لم يُرَجَّحْ بإقْرارِه، وإنْ كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها.
وجزَم به فى «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ».
وقال فى «الفُروعِ»: وإنِ ادَّعَيا رِقَّ بالغٍ ولا بَيِّنَةَ، فصَدَّقَهُما، فهو لهما، وإنْ صدَّق أحدَهما، فهو له، كمُدَّعٍ واحدٍ، وفيه رِوايَةٌ ذكَرَها القاضى، وجماعَةٌ، وعنه، لا يصِحُّ إقْرارُه؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ.
نَصَرَه القاضى وأصحابُه.
وإنْ جحَد، قُبِلَ قولُه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وحُكِىَ، لا يُقْبَلُ قولُه.
انتهى.
قوله: وإنْ كان لكُلِّ واحِدٍ بَيِّنَةٌ، تَعارَضَتا، والحُكْمُ على ما تَقَدَّمَ.
وكذا قال

الجزء: 29 - الصفحة: 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه».
وقال فى «الفُروعِ»، فيما إذا ادَّعَيا رِقَّ بالغٍ: وإنْ أَقاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، ثم إنْ أَقَرَّ لأحَدِهما، لم تُرَجَّحْ به على رِوايةِ اسْتِعْمالِها، وظاهِرُ «المُنْتَخَبِ» مُطْلَقًا.
فائدة: لو أقامَ بَيِّنَةً برِقِّه وأَقامَ بَيِّنَةً بحُرِّيَّتِه، تَعارَضَتَا.
على الصَّحيحِ مِن

الجزء: 29 - الصفحة: 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المذهبِ.
قدَّمه فى «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى».
وقيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةَ الحُرِّيَّةِ.
وقيلَ عكْسُه.
فائدة: لو كانتِ العَيْنُ بيَدِ ثالثٍ أقَرَّ بها لهما أو لأَحدِهما لا بعَيْنِه، أو ليستْ بيَدِ أحدٍ وأَقامَا بَيِّنَتَيْن، ففيها رِواياتُ التَّعارُضِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «التَّرْغيبِ»: إنْ تَكاذَبا فلم يُمْكِنِ الجَمْعُ، فلا، كشَهادَةِ بَيِّنَةٍ بقَتْلٍ فى وَقْتٍ بعَيْنِه، وأُخْرَى بالحياةِ فيه.
ونقَل جماعةٌ، القُرْعَةُ

الجزء: 29 - الصفحة: 188

فَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يَتَرَجَّحْ بِذَلِكَ.
هنا، والقِسْمَةُ فيما بأَيْدِيهما.
واخْتارَه جماعةٌ.
وقال فى «عُيونِ المَسائلِ»: إنْ تَداعَيا عَيْنًا بيَدِ ثالثٍ، وأَقامَ كلُّ واحدٍ البَيِّنَةَ أنَّها له، سقَطَتا واسْتَهَما على مَنْ يحْلِفُ، وتكونُ العَيْنُ له.
والثَّانيةُ، يَقِفُ الحُكْمُ حتى يأْتِيا [بأمْرٍ بَيِّنٍ] 370، قال: لأنَّ إحْداهما كاذِبَةٌ فَسَقَطَا، كما لو ادَّعَيا زَوْجِيَّةَ امْرَأةٍ، وأقامَ كلُّ واحدٍ البَيِّنَةَ، وليستْ بيَدِ أحَدِهما، فإنَّهما يسْقُطان، كذا هنا.
قوله: وإنْ أقَرَّ صَاحِبُ اليَدِ لأحَدِهما، لم يُرَجَّحْ بذلك.
يعْنِى، إذا أقاما بَيِّنَتَيْن بعدَ أنْ أنْكَرَهما.
وإقامَةُ البَيِّنَتَيْن؛ تارَةً تكونُ قبلَ إقْرارِه لأحَدِهما، وتارَةً تكونُ بعدَ إقْرارِه؛ فإنْ أَقاماهُما قبْلَ إقْرارِه- وهو مُرادُ المُصَنِّفِ هنا- فحُكْمُ التَّعارُضِ بحالِه، وإقْرارُه باطِلٌ على رِوايَتَىْ الِاسْتِعْمالِ: وهو صحيحٌ مَسْمُوعٌ على رِوايةِ

الجزء: 29 - الصفحة: 189

وَإِنِ ادَّعَاهَا صَاحِبُ الْيَدِ لِنَفْسِهِ، فَقَالَ القَاضِى: يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهِىَ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ المُدَّعِيَيْنِ، فَتَكُونُ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ.
التَّساقُطِ.
قالَه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الحاوِى»، وغيْرُهم مِن الأصحابِ.
وإنْ كان إقْرارُه قبلَ إقامَةِ البَيِّنَتَيْن، فالمُقَدَّمةُ كبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، والمُؤَخَّرَةُ كَبَيِّنَةِ الخارِجِ فيما ذكَرَه.
قالَه فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى»، و «الفُروعَ»، وغيرِهم.
فائدة: لو ادَّعاها أحدُهما وادَّعَى 371 الآخَرُ نِصْفَها وأَقاما بَيِّنَتَيْن، فهى لمُدَّعِى الكُلِّ إنْ قَدَّمْنا بَيِّنَةَ الخارِجِ، وإلَّا فهى لهما.
وإنْ كانتْ بيَدِ ثالثٍ، فقد ثَبَتَ أحدُ

الجزء: 29 - الصفحة: 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نِصْفَيْها لمُدَّعِى الكُلِّ، وأمَّا الآخَرُ، فهل 372 يقْتَسِمانِه، أو يقْتَرِعان عليه، أو

الجزء: 29 - الصفحة: 191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يكونُ للثَّالثِ مع يَمِينِه، على رِواياتِ التَّعارُضِ؟ قالَه فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه.
قال

الجزء: 29 - الصفحة: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فى «الفُروعِ»: فلمُدَّعِى كلِّها نِصْفٌ، والآخَرُ للثَّالثِ بيَمِينِه، وعلى اسْتِعْمالِهما، يقْتَسِمانِه أو يقْتَرِعان.

الجزء: 29 - الصفحة: 193

وَإنْ كَانَ فِى يَدِ رَجُلٍ [342 و] عَبْدٌ، فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، انْبَنَى عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، وَإنْ كَانَ الْعَبْدُ فِى يَدِ زَيْدٍ، فَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ مَا إِذَا ادَّعَيَا عَيْنًا فِى يَدِ غَيْرِهِمَا.
قوله: وإنْ كان فى يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ، فادَّعَى أنَّه اشْتَرَاه مِن زَيْدٍ، وادَّعَى العَبْدُ أنَّ

الجزء: 29 - الصفحة: 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زَيْدًا أعْتَقَه، وأقامَ كُلُّ واحِدٍ بَيِّنَة، انْبَنَى على بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ.
مُرادُه، إذا كانتِ البَيِّنَتَان مُؤرَّخَتَيْن بتاريخٍ واحدٍ، أو مُطْلقَتَيْن، أو إحْداهما مُطْلَقَةً.
ونَقولُ: هما سَواءٌ.
قالَه الشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى.
فإنْ كانَ فى يَدِ المُشْتَرِى، فالمُشْتَرِى داخِلٌ والعَبْدُ خارِجٌ.
هذا إحْدَى الرِّوايتَيْن.
وجزَم به ابنُ مُنَجَّىِ فى «شَرْحِه».
قال فى «المُحَرَّرَ»: ولو كانَ العَبْدُ بيَدِ أحَدِ المُتَدَاعِيَيْن، أو يَدِ نفْسِه وادَّعى عِتْقَ نفْسِه، وأَقَامَا بَيِّنَتَيْن بذلك، صحَّحْنا أسْبَقَ التَّصَرُّفَيْن إنْ عُلِمَ التَّاريخُ، وإلَّا تَعارَضَتَا.
نصَّ عليه؛ إلْغاءً لهذه اليَدِ للعِلْمِ بمُسْتَنَدِها.
واخْتارَه أبو بَكْرٍ.
وعنه، أنَّها يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ، فلا تَعارُضَ، بلِ الحُكْمُ على الخِلافِ فى الدَّاخِلِ والخارِجِ.
وهذه الرِّوايةُ هى التى جزَم بها المُصَنفُ هنا.
وأَطْلَقَهما فى «الفُروعِ».
وتَقدَّم فى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ شئٌ مِن ذلك.

الجزء: 29 - الصفحة: 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قوله: وإنْ كانَ العَبْدُ فى يَدِ زَيْدٍ - يعْنِى البائعَ- فالحُكْمُ فيه حُكْمُ ما إذا ادَّعيا عَيْنًا فى يَدِ غيْرِهما.
على ما تَقدَّم قريبًا.
قال فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما: ومَن ادَّعى أنَّه اشْتَرَى أو اتَّهَبَ مِن زَيْدٍ عَبْدَه، وادَّعَى آخَرُ كذلك، أو ادَّعَى العَبْدُ العِتْقَ، وأَقاما بَيِّنَتَيْن بذلك، صحَّحْنا أسْبَقَ التَّصَرُّفَيْن إنْ عُلِمَ التَّاريخُ،

الجزء: 29 - الصفحة: 197

وَإِنْ كَانَ فِى يَدِهِ عَبْدٌ، فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلَانِ؛ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشتَرَاهُ مِنِّى بِثَمَنٍ سَمَّاهُ، فَصَدَّقَهُمَا، لَزِمَهُ الثَّمَنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإنْ أَنكَرَهُمَا، حَلَفَ لَهُمَا، وَبَرِئَ، فَإنْ صَدَّقَ أَحدَهُمَا، لَزِمَهُ مَا ادَّعَاهُ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ، وَإنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةَ، فَلَهُ الثَّمَنُ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَأَمكَنَ صِدْقُهُمَا؛ لِاخْتِلَافِ تَارِيخِهِمَا، أَو إِطْلَاقِهِمَا، أَوْ إِطْلَاقِ إِحْدَاهُمَا وَتَأْرِيخِ الأُخْرَى، عُمِلَ بِهِمَا، وَإِنِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، تَعَارَضَتَا، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا  وإلَّا تَعارَضَتا، فَيَسْقُطان أو يُقْسَمُ؛ فيَكونُ نِصْفُه مَبِيعًا ونِضفُه حُرًّا، ويَسْرِى العِتْقُ إلى جَمِيعِه إنْ كان البائِعُ مُوسِرًا، ويُقْرَعُ كما سَبَق.
وعنه، تُقدَّمُ بَيِّنَةُ العِتْقِ؛ لإمْكانِ الجَمْعِ.
قوله: وإنْ كان فى يَدِه عَبْدٌ، فادَّعَى عليه رَجُلان، كُلُّ وَاحِدٍ منهما أنَّه اشْتَراه

الجزء: 29 - الصفحة: 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مِنِّى بثَمَنٍ سَمَّاه، فصَدَّقَهما، لَزِمَه الثَّمَنُ لكُلِّ واحِدٍ منهما، وإنْ أنْكَرَهما، حَلَفَ لهما وبَرِئَ، وإنْ صَدَّقَ أحَدَهما، لَزِمَه ما ادَّعاهُ، وحَلَفَ للآخَرِ، وإنْ كانَ لأحَدِهما بَيِّنَة، فله الثَّمَنُ، ويَحْلِفُ للآخَرِ- بلا نِزاعٍ أعْلَمُه- وإنْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً، فأَمْكَنَ صِدْقُهما؛ لاخْتِلافِ تارِيخِهما، أَو إطْلاقِهما، أو إطْلاقِ إحْداهُما وتَأْرِيخِ الأُخْرَى، عُمِلَ بهما.
وهذا هو المذهبُ.
جزَم به فى «الشرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجيزِ».
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ».
وقيلَ: إنْ لم يُؤَرَّخا أو إحْداهما، تَعَارَضَتَا.

الجزء: 29 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قوله: وَإنِ اتَّفَقَ تارِيخُهما، - تَعَارَضَتا، والحُكْمُ على ما تَقَدَّمَ.
فى تَعارُضِ البَيِّنَتَيْن.
وهذا بلا نِزاعٍ.

الجزء: 29 - الصفحة: 200

وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَاعَنِى إِيَّاهُ بِأَلْفٍ، وَأَقامَ بَيِّنَةً، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا.
وَإِنْ لَمْ تَسْبِقْ إِحْدَاهُمَا، تَعَارَضَتَا.
قوله: وإنِ ادَّعَى كُلُّ واحِدٍ منهما أنَّه باعَنِى إيَّاه بألْفٍ، وأقامَ بَيِّنَةً، قُدِّمَ أسْبَقُهما تارِيخًا.
بلا نِزاعٍ، وهى له.
قال فى «الفُروعِ»: وللثَّانِى الثَّمَنُ.
فإنْ لم تَسْبِقْ إحْداهما، تَعارَضَتا.
يعْنِى، فيها رِواياتُ التَّعارُضِ، بلا نِزاعٍ.
فعلى رِوايةِ القِسْمَةِ، يتَحالَفان ويرْجِعُ كل واحدٍ منهما على البائعِ بنِصْفِ الثَّمَنِ، وله الفَسْخُ، فإنْ فسَخَ، رجَع بكُلِّ الثَّمَنِ، فلو فسَخ أحدُهما، فلِلْآخَرِ أخذُه كلِّه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «المُغنِى» 373: هذا إذا لم يَكُنْ حُكِمَ له بنِصْفِها ونِصْفِ الثَّمَنِ.
وعلى رِوايةِ القُرْعَةِ، هى لمَنْ قرَع، وعلى رِوايةِ التَّساقُطِ، يُعْمَلُ كما سَبَق.

الجزء: 29 - الصفحة: 201

وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: غَصَبَنِى إيَّاهُ.
وَقَالَ الْآخَرُ: مَلَّكَنِيهِ.
أَوْ: أَقَرَّ لِى بِهِ.
وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ [342 ظ] بَيِّنَةً، فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَا يَغرَمُ لِلْآخَر شَيْئًا.
تنبيه: يُشْترَطُ أنْ يقولَ عندَ قوْلِه: باعَنِى إيَّاه بأَلْفٍ.
فيقولَ: وهو مِلْكُه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيلَ: يصِحُّ ولو لم يقُلْ ذلك، بل قال: وهى تحتَ يَدِه وَقْتَ البَيْعِ.
وتقدَّم التَّنْبِيهُ على ذلك عندَ قوْلِه: فإنِ ادَّعَى أحدُهما أنَّه اشْتَرَاها مِن زَيْدٍ، لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ حتى يقولَ: وهى مِلْكُه.
فائدة: لو أُطْلِقَتِ البَيِّنَتَان أو إحْداهُما فى هذه المَسْأَلَةِ، تَعَارَضَتا فى المِلْكِ إذَنْ لا فى الشِّراءِ؛ لجوازِ تعَدُّدِه، وإنِ ادَّعاه البائعُ إذَنْ لنَفْسِه، قُبِلَ إنْ سقَطَتا، فيَحْلِفُ يَمِينًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيلَ: يَمِينَيْنِ.
وإنْ قُلْنا: لا تَسْقُطان.
عُمِلَ بها بقُرْعَةٍ، أو يُقْسَمُ لكلِّ واحدٍ نِصْفُها بنِصْفِ الثَّمَنِ، على رِوايَتَىِ القُرْعَةِ والقِسْمَةِ.
قوله: وإنْ قال أحَدُهما: غَصَبَنِىٍ إيَّاه.
وقال الآخَرُ: مَلَّكَنِيه.
أَوْ: أقَرَّ لِى به.
وأَقامَ كُل واحِدٍ بَيِّنَة، فهو 374 للْمَغْصُوبِ منه، ولا يَغْرَمُ للْآخَرِ شَيْئًا.
بلا نِزاع.
لأنَّه لا تَعارُضَ بينَهما؛ لجوازِ أنْ يكونَ غَصَبَه مِن هذا، ثم مَلَّكَه

الجزء: 29 - الصفحة: 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الآخَرَ.
فائدة: لو ادَّعَى أنَّه أَجَرَه البَيْتَ بعَشَرَةٍ، فقال المُسْتَأْجِرُ: بل كلُّ الدَّارِ.
وأَقاما بَيِّنَتَيْن.، فقيل: تُقدَّمُ بَيِّنَةُ المُسْتَأْجِرِ للزِّيادَةِ.
وقيل: يتَعارَضانِ ولا قِسْمَةَ هنا 375. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى».
وأَطْلَقَهما فى «الفُروعِ».
وتقدَّم فى أوائلِ طَريقِ الحُكْمِ وصِفَتِه، [ما يصِحُّ] 376

الجزء: 29 - الصفحة: 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَماعُ البَيِّنَةِ فيه قبلَ الدَّعْوَى وما لا يصِحُّ.

الجزء: 29 - الصفحة: 204

بَابٌ فِى تَعَارُضِ الْبَيِّنَتيْن

إِذَا قَالَ لِعَبْدِه: مَتَى قُتِلْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، فَيَعْتِقُ، أَوْ يَتَعَارَضَانِ وَيَبْقَى عَلَى الرِّقِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
بابُ تَعارُضِ البَيِّنَتَيْن قوله: إذا قال لعَبْدِه: متى قُتِلْتُ فأنتَ حُرٌّ.
فادَّعَى العَبْدُ أَنَّه قُتِلَ، فأنْكَرَ الوَرَثَةُ، فالقَوْلُ قَوْلُهم- بلا نِزاعٍ- وإنْ أقامَ كُلُّ واحدٍ منهم بَيِّنَةً بما ادَّعاه، فهل تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ العَبْدِ، فيَعْتِقُ، أو يَتَعَارَضان ويَبْقَى على الرِّقِّ؟ فيه وجْهان.
وأَطْلَقَهما فى «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».
وهما احْتِمالان مُطْلَقان فى «الهِدايةِ»، و «الخُلاصَةِ»؛ أحدُهما، تُقدَّمُ بَيِّنَةُ

الجزء: 29 - الصفحة: 205

وَإنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ فِى الْمُحَرَّمِ، فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مِتُّ فِى صَفَرٍ، فَغَانِمٌ حُرٌّ.
فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجبِ عِتْقِهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ سَالِمٍ.
العَبْدِ ويَعْتِقُ.
وهو المذهبُ.
نصَّ عليه.
وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثَّانى، يتَعارَضان ويَبْقَى على الرِّقِّ.
وقال فى «المُحَرَّرِ»: وقيل: يتَعارَضَان؛ فيُقْضَى بالتَّساقُطِ أو القُرْعَةِ أو القِسْمَةِ.
قوله: وإنْ قال: إِنْ مِتُّ فى المُحَرَّمِ، فسالِمٌ حُرٌّ، وإنْ مِتُّ فى صَفَرٍ، فغانِمٌ حُرٌّ.
وأقامَ كُلُّ واحِدٍ بَيِّنَةً بمُوجِبِ عِتْقِه، قُدِّمَت بَيِّنَةُ سالِمٍ.
هذا أحدُ الوُجوهِ فى المَسْألَةِ.
وجزَم به ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى».
والوَجْهُ الثَّانى، تتَعارَضان وتسْقُطان ويَبْقَى العَبْدُ على الرِّقِّ ويَصِيرُ

الجزء: 29 - الصفحة: 206

وَإنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ فِى مَرَضِى هَذَا، فَسَالِمٌ حُرٌّ.
وَإنْ بَرِئْت، فَغَانِمٌ حُرٌّ.
وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا، وَبَقِيَا عَلَى الرِّقِّ.
ذَكَرَة أَصْحَابُنَا.
كَمَنْ لا بَيِّنَةَ لهما.
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، [وهو ظاهرُ ما قطَع به فى «الفُروعِ»] 377. قال فى «المُحَرَّرِ»: وإنْ أقامَ كلُّ واحدٍ بَيِّنَة بمُوجِبِ عِتْقِه، تَعارَضَتا وكانا كَمَنْ لا بَيِّنَةَ له فى رِوايةٍ، أو يُقْرَعُ بينَهما فى الأُخْرَى، وقيل: تُقدَّمُ بيِّنَةُ المُحَرَّمِ بكُلِّ حالٍ.
انتهى.
والوَجْهُ الثَّالثُ، يُقْرَعُ بينَهما، فمَن قرَع، عتَق.
وهو رِوايةٌ.
عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وهو ظاهرُ ما قدَّمه فى «الفُروعِ».
وأَطْلَقَهُنَّ فى «الشرْحِ».
فائدة: لو لم تَقُمْ بَيِّنَة وجُهِلَ وَقْتُ مَوْتِه، رَقَّا معًا، بلا نِزاعٍ.
وإنْ عُلِمَ موْتُه فى أحَدِ الشَّهْرَيْن، أُقْرِعَ بينَهما.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ».
وقيل: يُعْمَلُ فيهما بأَصْلِ الحياةِ.
فعلى هذا، يَعْتِقُ غانِمٌ.
قوله: وإنْ قال: إنْ مِتُّ فى مَرَضِى هذا، فسالِمٌ حُرٌّ.
وإنْ بَرِئْتُ، فغانِمٌ حُرٌّ.
وأقاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، وبَقِيا على الرِّقِّ.
ذكَرَه أصحابُنا.
وهو إحْدَى الرِّوايتَيْن.

الجزء: 29 - الصفحة: 207

وَالْقِيَاسُ أَنْ يَعْتِقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ غَانِمُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ.
وهو المذهبُ منهما.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى».
قال المُصَنِّفُ هنا: والقِياسُ أنْ يَعْتِقَ أحدُهما بالقُرْعَةِ.
وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أيضًا.
واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وهو ظاهِرُ ما قدَّمه فى «الفُروعِ».
وأَطْلَقَهما فى «المُحَرَّرِ».
ويَحْتَمِلُ أنْ يَعْتِقَ غانِمٌ وحدَه؛ لأنَّ بَيِّنَتَه تَشْهَدُ بزِيادَةٍ.
وهو قَوِىٌّ.
وقيلَ:

الجزء: 29 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يَعْتِقُ سالِمٌ وحدَه.
فوائد؛ الأُولَى، لو قال: إنْ مِتُّ مِن مَرَضِى هذا، فسالِمٌ حُرٌّ.
وإنْ بَرِئْتُ، فغانِمٌ حُرٌّ.
وأَقامَا بَيِّنَتَيْن، فحُكْمُها حُكْمُ التى قبلَها، عندَ جماهيرِ الأصحابِ.
وقال فى «التَّرْغيبِ» هنا: يَرِقَّان وَجْهًا واحدًا.
يعْنِى؛ لتَكاذُبِهما.
على كلامِه المُتَقَدِّمِ.
الثَّانيةُ، لو قال: إنْ مِتُّ فى مَرَضِى هذا، فسالِمٌ حُرٌّ.
وإنْ بَرِئْتُ فغانِمٌ حُرٌّ.
وجُهِلَ ممَّا ماتَ، أُقْرِعَ بينَهما.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه فى «المُحَرِّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى».
وقيل: يَعْتِقُ سالِمٌ.
وقيل: يَعْتِقُ غانِمٌ.
الثَّالثةُ، لو قال: إنْ مِتُّ مِن مَرَضِى.
بَدَلَ: فى مَرَضِى.
وجُهِلَ ممَّا ماتَ،

الجزء: 29 - الصفحة: 209

وَإِنْ أَتْلَفَ ثَوْبًا، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أنَّ قِيمَتَهُ عِشْرُونَ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثُونَ، لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ.
فقيلَ برِقِّهما؛ لاحْتِمالِ مَوْتِه فى المَرَضِ بحادِثٍ.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «النَّظْمِ».
وقيلَ: بالقُرْعَةِ؛ إذِ الأصْلُ عدَمُ الحادِثِ.
وقدَّمه فى «المُغْنِى».
وقيلَ: يَعْتِقُ سالِمٌ؛ لأنَّ الأَصْلَ دَوامُ المَرَضِ وعدَمُ البَرْءِ.
وقيلَ: يعْتِقُ غانمٌ.
وأَطْلَقَهُنَّ فى «الفُروعِ».
وأَطْلَقَ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ فى «القَواعِدِ».
قوله: وإنْ أتْلَفَ ثَوْبًا، فشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ قِيمَتَه عِشْرُون، وشَهِدَتْ أُخْرَى أنَّ قِيمَتَه ثَلاثُون، لَزِمَه أقَلُّ القِيمَتَيْن.
هذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجزَم به في «الوَجيزِ»«المُنَوِّرِ».
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ» , و «النَّظْمِ» , و «الرِّعايتَيْن» , و «الحاوِى الصَّغِيرِ» , و «الفُروعِ» , والمُصَنِّفُ, والشَّارِحُ ونَصَرَاه, وغيرُهم.
وقيلَ: تسِقُطان لتَعَارُضِهما.
وقيلَ: يُقْرَعُ.
وقيلَ: يَلْزَمُه ثلاثُون.
وقالَه الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ, رَحِمَه الله, في نَظيرِها في مَن أجَرَ حِصَّةَ مُوَلِّيه, فقالتْ بَيِّنَةٌ: أجَرَها بأُجْرَةِ مِثْلِها.
وقالتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى: أجَرَها بِنصْفِ أُجْرَةِ المِثْلِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 211

وَلَوْ مَاتَتِ امْرأَةٌ وَابْنُهَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: [343 و] مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِى فَوَرِثْتُهُ.
وَقَالَ أَخوهَا: مَاتَ ابْنُهَا.
فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا.
وَلَا بَيِّنَةَ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَكَانَ مِيرَاثُ الابْنِ لِأَبِيهِ، وَمِيرَاثُ الْمَرأَة لأَخِيهَا  فائدة: لو كانَ بكُلِّ قِيمَةٍ شاهِدٌ، ثَبَتَ الأقَلُّ بهما، على المذهبِ، لا 378 على رِوايةِ التَّعارُضِ.
قالَه فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه.
وقال فى «الفُروعِ»: ثبَت الأقَلُّ بهما على الأَوَّلَةِ، وعلى الثَّانيةِ، يحْلِفُ مع أحَدِهما، ولا تَعارُضَ.
وقال الشَّارِحُ: لو شَهِدَ شاهِدٌ أنَّه غصَب ثَوْبًا قِيمَتُه دِرْهمان، وشاهِدٌ أنَّ قِيمَتَه ثَلَاَثةٌ، ثبَت ما اتَّفَقَا عليه- وهو دِرْهَمان- وله أنْ يحْلِفَ مع الآخَرِ على دِرْهَمٍ؛ لأنَّهما اتَّفَقَا على دِرْهَمَيْن، وانْفَرَدَ أحدُهما بدِرْهَمٍ، فأَشْبَهَ ما لو شَهِدَ أحدُهما بأَلْفٍ والآخَرُ بخَمْسِمِائَةٍ.
وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِى الفُروعِ»: لو اخْتَلَفَتْ بَيِّنَتَان فى قِيمَة عَيْنٍ قائمة ليَتِيمٍ يريدُ الوَصِىُّ بَيْعَها، أُخِذَ بَيِّنَةِ الأكْثَرِ فيما يظْهَرُ.
قوله: ولو ماتتِ امْرَأةٌ وابْنُها، فقال زَوْجُها: ماتَتْ فوَرِثْناها، ثُمَّ ماتَ ابْنِى

الجزء: 29 - الصفحة: 212

وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ.
وَإنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، تَعَارَضَتَا، وَسَقَطَتَا.
وَقِيَاسُ مَسَائِلِ الْغَرْقَى، أَنْ يُجْعَلَ لِلْأَخِ سُدْسُ مَالِ الابْنِ، وَالبَاقِى لِلزَّوْجِ.
فوَرِثْتُه.
وقال أخُوها: ماتَ ابْنُها فوَرِثَتْه، ثم ماتَتْ فوَرِثْناها.
ولا بَيِّنَةَ، حلَف كلُّ واحِدٍ منهما على إبْطالِ دَعْوَى صاحِبِه، وكانَ ميِراثُ الابنِ لأبِيه، ومِيراثُ المَرْأةِ لأخِيها وزَوْجِها نِصْفَيْن.
هذا المذهبُ.
نصَّ عليه.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال فى «الفُروعِ» فى بابِ مِيراثِ الغرْقَى: اخْتارَه الأكْثَرُ.
قال المُصَنِّفُ فى هذا الكتابِ فى بابِ مِيراثِ الغرْقَى: هذا أحْسَنُ إنْ شاءَ الل تُعالَى.
وقطَع به الْخِرَقِىُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّر»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرُهم.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»،

الجزء: 29 - الصفحة: 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، وغيرِهم.
وقال ابنُ أبى مُوسى: يُعَيَّنُ السَّابِقُ بالقُرْعَةِ، كما لو قال: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه حُرٌّ.
فوَلَدَتْ وَلَدَيْن وأَشْكَلَ السَّابِقُ منهما.
وقال أبو الخَطَّابِ ومَن تَبِعَه: يَرِثُ كلُّ واحدٍ منهما مِن صاحبِه مِن تِلادِ مالِه دُونَ ما وَرِثَه عن المَيِّتِ معه، كما لو جَهِلَ الوَرَثَةُ مَوْتَهما.
على ما تقدَّم فى بابِ مِيراثِ الغَرْقَى.
قال المُصَنِّفُ هناك: هذا

الجزء: 29 - الصفحة: 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ظاهِرُ المذهبِ.
وقال المُصَنِّف هنا: وقِياسُ مَسائلِ الغَرْقَى، أنْ يُجْعَلَ للأَخِ السُّدْسُ مِن مالِ الابنِ، والباقِى للزَّوْجِ.
وقال أبو بَكْرٍ: يَحْتَمِلُ أنَّ المالَ بينَهما نِصْفان.
قال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» 379: وهذا لا يُدْرَى ما أرادَ به؛ إنْ أرادَ أنَّ مالَ [الابنِ و] 380 المَرْأةِ بينَهما نِصْفان، لم يصِحَّ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إعْطاءِ الأَخِ ما لا يدَّعِيه ولا يسْتَحِقه يَقِينًا، لأنَّه لا يدَّعِى مِن مالِ الابنِ أكثرَ مِن السُّدْسِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يسْتَحِقَّ أكثرَ منه، وإنْ أرادَ أنَّ ثُلُثَ مالِ الابنِ يُضَمُّ إلى مالِ المَرْأةِ فيَقْتَسِمانِه نِصْفَيْن، لم يصِحَّ، لأنَّ نِصْفَ ذلك للزَّوْجِ باتِّفاقٍ منهما 381، لا يُنازِعُه

الجزء: 29 - الصفحة: 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأخُ فيه، وإنَّما النِّزاعُ بينَهما فى نِصْفِه.
قال: ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ هذا مُرادَه، كما لو تَنازَعَ رَجُلان دارًا فى أيْدِيهما وادَّعاها أحدُهما كلها والآخَرُ نِصْفَها، فإنَّها تُقْسَمُ بينَهما نِصْفَين، ثم فَرَّقَ بينَهما.
قوله: وإنْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواه، تَعارَضَتا، وسَقَطَا.
ويُعْمَلُ فيها كما تقدَّم مِن اخْتِلافِهما فى السَّابقِ وعدَمِ البَيِّنَةِ، على الصَّحيحِ.
وقال جماعَةٌ مِن الأصحابِ: إنْ تَعَارَضَتْ وقُفنا بالقِسْمَةِ، قُسِمَ بينَهما ما اخْتلَفا فيه نِصْفَيْن.

الجزء: 29 - الصفحة: 216

فَصْلٌ: إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ، عَتَقَ دُونَ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ.
وتقدَّم ذلك كلُّه فى بابِ مِيراثِ الغَرْقَى، فَلْيُعاوَدْ 382. قوله: وإذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ على مَيِّتٍ أنَّه وَصَّى بعِتْقِ سالِمٍ، وهو ثُلُثُ مالِه، وشَهِدَتْ أُخْرَى أنَّه وَصَّى بعِتْقِ غانِمٍ، وهو ثُلُثُ مالِه، أُقْرِعَ بينَهما، فمَن تَقَعُ له القُرْعَةُ، عَتَقَ دُونَ صاحِبِه، إلَّا أنْ يُجِيزَ الوَرَثَةُ.
وهذا المذهبُ.
قال المُصَنِّفُ،

الجزء: 29 - الصفحة: 217

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِى مُوسَى: يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ.
والشَّارِحُ: هذا قِياسُ المذهبِ.
وجزَم به فى «الوَجِيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنتخَبِ الأدَمِىِّ».
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال أبو بَكْرٍ، وابنُ أبى مُوسى: يَعْتِقُ مِن كلِّ واحدٍ نِصْفُه بغيرِ قُرْعَةٍ.
قال فى «المُحَرَّرِ»: وهو بعيدٌ على المذهبِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 218

وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ غَانِمٍ أَنَّه رَجَعَ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ، عَتَقَ غانِمٌ وَحْدَهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ وَارِثَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ سُدْسَ الْمَالِ، وَبَيِّنَتَهُ أَجْنَبِيَّةً، قُبِلَتْ، وَإِنْ كَانَتْ وَارِثَةً، عَتَقَ الْعَبْدَانِ.
قوله: وإنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ غانِمٍ أنَّه رَجَعَ عن عِتْقِ سالِمٍ، عَتَقَ غانِمٌ وَحْدَه، سَواءٌ كانَتْ وَارِثةً أو لمْ تَكُنْ.
لا أعلمُ فيه خِلافًا.
قوله: وإنْ كانَتْ قِيمَةُ غانِمٍ سُدْسَ المالِ، وبَيِّنَتُه أجْنَبِيَّةً، قُبِلَتْ، وإنْ كانَتْ وارِثةٌ، عَتَقَ العَبْدان.
يعْنِى، إن شهِدَتِ الوارِثَةُ بأنَّه رجَع عن عِتْقِ سالِمٍ، عَتَقَ

الجزء: 29 - الصفحة: 219

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: [343 ظ] يَحْتَمِلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا؛ فَإنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِسَالِمٍ، عَتَقَ وَحْدَهُ، وَإنْ خَرَجَتْ لِغانِمٍ، عَتَقَ هُوَ وَنِصْفُ سَالِمٍ.
العَبْدان ولم تُقْبَلْ شهادَتُهما.
وهذا المذهبُ.
قال ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»: هذا المذهبُ.
وقدَّمه فى «الشَّرْحٍ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَتْين»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال أبو بَكرٍ: يَحْتَمِل أنْ يُقْرَعَ بينَهما؛ فإنْ خرَجَتِ القُرْعَةُ لسالِمٍ، عَتَقَ وحدَه، وإنْ خرَجَت لغانِمٍ، عَتَقَ هو ونِصْفُ سالِمٍ.
قال فى «المُحَرَّرِ»:

الجزء: 29 - الصفحة: 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عَتَقَ أسْبَقُهما تارِيخًا، وكذلك إنْ كانتْ بَيِّنَةُ أحَدِهما وارِثَةً، على أصحٍّ الرِّوايتَيْن.

الجزء: 29 - الصفحة: 221

وَإِنْ شَهِدَت بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَعْتَقَ سَالِمًا فِى مَرَضِهِ، وَشهِدَتِ الْأُخرَى أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ المَالِ، عَتَقَ سَالِمٌ وَحْدَهُ، وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ غَانِمٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِى مَرَضِهِ أَيْضًا، عَتَقَ أَقْدَمُهُمَا تَارِيخًا، فَإنْ جُهِلَ السَّابِقُ، عَتَقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
و «الفُروعِ»، وغيرِهما: وقَبِلَها أبو بَكْرٍ بالعِتْقِ لا الرُّجوعِ؛ فيَعْتِقُ نِصْفُ سالِمٍ ويقرَعُ بينَ بقِيِّتِه والآخَرِ.
قوله: وإنْ شَهدَتْ بَيِّنَةْ أنَّه أعْتَقَ سالِمًا فى مَرَضِه، وشَهِدَتْ أخْرى أنَّه أوْصَى بعِتْقِ غانِمٍ، وكُلُّ واحِدٍ منهما ثُلُثُ المالِ، عَتَقَ سالِمٌ وَحْدَه، وإنْ شَهِدَت بَيِّنَةَ غانِمٍ أنَّه أعْتَقَه فى مَرَضِه أيضًا، عَتَقَ أقْدَمُهما تارِيخًا.
إنْ كانتِ البَيِّنَتَان أجْنَبِيَّتان،

الجزء: 29 - الصفحة: 222

فَإنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا وَارِثَةً، وَلَمْ تُكَذِّبِ الْأَجْنَبِيِّةَ، فَكَذَلِكَ.
وَإنْ قَالَتْ: مَا أَعْتَقَ سَالِمًا، إنَّمَا أَعْتَقَ غَانِمًا.
عَتَقَ غَانِمٌ كُلُّهُ.
وَحُكْمُ سَالِمٍ كَحُكْمِهِ لَوْ لَمْ يُطْعَنْ فِى بَيِّنَتِهِ، فِى أَنَّهُ يَعْتِقُ إِنْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ عِتْقِهِ، أَوْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَإلَّا فَلَا.
وَإِنْ كَانَتِ الوَارِثَةُ فَاسِقَةً، وَلَمْ تَطْعَنْ فِى بَيِّنَةِ سَالِمٍ، عَتَقَ سَالِمٌ كُلُّهُ، وَيُنظَرُ فِى غَانِمٍ، فَإِنْ  قالَه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وجزَم به المُصَنِّفُ هنا؛ وهو قولُه: فإنْ كانتْ بَيِّنَةُ أحَدِهما وارِثَةً ولم تُكَذَّبِ الأجْنَبِيَّةَ، فكذلك.
وجزَم به الشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»، وغيرُهما.

الجزء: 29 - الصفحة: 223

كَانَ تَارِيخُ عِتْقِهِ سَابِقًا، أَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لَهُ، عَتَقَ كُلُّهُ.
وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا، أَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِسَالِمٍ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَىْءٌ.
وَقَالَ القَاضِى: يَعْتِقُ مِنْ غَانِمٍ نِصْفُهُ.
وَإِنْ كَذَّبَتْ بَيِّنَةَ [344 و] سَالِمٍ، عَتَقَ العَبْدَانِ.
فائدة: لو كانتْ ذَاتُ السَّبْقِ الأجْنَبِيَّةَ، فكذَّبتْها الوارِثَةُ، أو كانتْ ذاتُ السَّبْقِ الوارِثَةَ وهى فاسِقَةٌ، عَتَقَ العَبْدان.
قوله: فإنْ جُهِلَ السَّابِقُ، عَتَقَ أحَدُهما بالقُرْعَةِ.
هذا المذهبُ.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما.
وجزَم به ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِهِ»، وغيرُه.
وقدَّمه فى «المُحَررِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: يَعْتِقُ مِن كلِّ عَبْدٍ نِصْفُه.
قال فى «المُحَرَّرِ»: وهو بعيدٌ على المذهبِ.
قال فى «المُنْتَخَبِ»:

الجزء: 29 - الصفحة: 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كدَلالَةِ كلامِه على تَبْعِيضِ الحُرِّيَّةِ فيهما، نحوَ: اعْتِقُوا إنْ خرَج مِن الثُّلُثِ.
قوله: وإنْ قالَتْ- أى، البَيِّنَةُ الوارِثَةُ: ما أعْتَقَ سالِمًا، وإنَّما أعْتَقَ غانِمًا.
عَتَقَ غانِمٌ كُلَّه، وحُكْمُ سالِمٍ كَحُكْمِه لو لم يُطْعَنْ فى بَيِّنَتِه، فى أنَّه يَعْتِقُ إنْ تَقَدَّمَ

الجزء: 29 - الصفحة: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تارِيخُ عِتْقِه، أو خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، وإلَّا فلا.
الصَّحيحُ مِن المذهبِ أنَّ غانِمًا يَعْتِقُ كلُّه.
قاله القاضى وغيرُه.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وهو أصحُّ.
وقيلَ: يَعْتِقُ ثُلُثاه إنْ حُكِمَ بعِتْقِ سالِمٍ، وهو ثُلُثُ الباقِى؛ لأنَّ العَبْدَ الذى شَهِدَ به الأجْنَبِيَّان كالمَغْصوبِ مِنَ التَّرِكَةِ.
وردَّه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قوله: وإنْ كانَتِ الوارِثَةُ فاسِقَةً، ولم تَطْعَنْ فى بَيِّنَةِ سالِمٍ، عَتَقَ سالِمٌ كُلُّه،

الجزء: 29 - الصفحة: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويُنْظَرُ فى غانِمٍ، فإنْ كان تارِيخُ عِتْقِه سابِقًا، أو خَرَجَتِ القُرْعَةُ له، عَتَقَ كُلُّه.
وإنْ كان مُتَأخِّرًا، أو خَرَجَتِ القُرْعَةُ لسالِمٍ، لم يَعْتِقْ منه شَىْءٌ.
وهذا المذهبُ.
قدَّمه فى «المُغنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».

الجزء: 29 - الصفحة: 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال القاضى: يَعْتِقُ مِن غانِمٍ نِصْفُه.
وردَّه المُصَنِّفُ.
قوله: وإنْ كَذَّبتْ بَيِّنَةَ سالِمٍ، عَتَقَ العَبْدان.
وهو المذهبُ.
قدَّمه فى «المُغْنِى»،

الجزء: 29 - الصفحة: 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه.
وقيلَ: يَعْتِقُ مِن غانِمٍ ثُلُثاه.
كما تقدَّم نَظِيرُه.
قالَه

الجزء: 29 - الصفحة: 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشَّارِحُ.

الجزء: 29 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فائدة: التَّدْبِيرُ مع التَّنْجيزِ كآخِرِ التَّنْجِيزَيْن مع أوَّلِهما، فى كلِّ ما تقدَّم.
قدَّمه 383 فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرهم.

الجزء: 29 - الصفحة: 231

فَصْلٌ: إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ؛ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَالْمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ؛ لِأَنَّ المُسْلِمَ لَا يُقِرُّ وَلَدَهُ عَلَى الكُفْرِ فِى دَارِ الإِسْلَامِ.
قوله: وإذا ماتَ رَجُلٌ وخَلَّفَ وَلَدَيْن؛ مُسْلِمًا وكافِرًا، فادَّعَى كُلُّ واحِدٍ منهما أنَّه ماتَ على دِينِه، فإنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِه، فالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيهِ، وإن لم يُعْرَف،

الجزء: 29 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فالمِراثُ للكافِرِ؛ لأنَّ المُسْلِمَ لا يُقِرُّ ولَدَه على الكُفْرِ فى دارِ الإِسْلامِ.
وهو المذهبُ؛ بشَرْطِ أنْ يعْتَرِفَ المُسْلِمُ أنَّ الكافِرَ أَخُوه.
وهو الذى قالَه الْخِرَقِىُّ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ».
وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وذكَر ابنُ أبى مُوسى رِوايَةً عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّهما فى الدَّعْوَى سواءٌ، فيَكونُ المِيراثُ بينَهما نِصْفَيْن.
وهو ظاهرُ كلامِ القاضى فى «الجامعِ الصَّغِيرِ»، والشَّرِيفِ، وأبى الخَطَّابِ فى «خِلافَيْهما».
قالَه

الجزء: 29 - الصفحة: 233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الزَّرْكَشِىُّ.
ونقَلَها ابنُ مَنْصُورٍ؛ سواءٌ اعْتَرَفَ بالأُخُوَّةِ أوْ لا.
وهو مِن المُفْرَداتِ أيضًا.
وقيلَ: بالقُرْعَةِ.
وقيل: المالُ للمُسْلِمِ.
وهو احْتِمالٌ فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
وجزَم به فى «العُمْدَةِ».
وقيلَ: بالوَقْفِ.
وهو احتْمِالٌ لأبى

الجزء: 29 - الصفحة: 234

وَإنْ لَمْ يَعْتَرِفِ المُسْلِمُ أَنَّهُ أَخُوهُ، وَلَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ؛  الخَطَّابِ.
وقال القاضِى: إنْ كانتِ التَّرِكَةُ بأيْدِيهما، تَحالَفَا وقُسِمَتْ بينَهما.
قال فى «الفُروعِ»: وهو سَهْوٌ؛ لاعْتِرافِهما أنَّه إرْثٌ.
قال المُصَنِّفُ: ومُقتَضَى كلامِه أنَّها له مع يَمِينِه، ولا يصِحُّ؛ لاعْتِرافِهما بأنَّ التَّرِكَةَ للمَيِّتِ، وأنَّ اسْتِحْقاقَها بالإرْثِ، فلا حُكْمَ لليَدِ.
انتهى.
قلتُ: قال ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه»: وإنْ كانتْ بيَدَيْهما، حَلَفَا وتَناصَفاها؛ اعْتَرَفَا بالأُخْوَّةِ أوْ لا.
وفى «مُخْتَصَرِ ابنِ رَزِينٍ»، إنْ عُرِفَ ولا بَيِّنَةَ، فالقولُ قولُ المُدَّعِى.
وقيلَ: يُقْرَعُ أو يُوقَفُ.
قوله: وإنْ لم يَعْتَرِفِ المُسْلِمُ أنَّه أَخُوه، ولم تَقُمْ بَيِّنَةٌ، فالمِيراثُ بينَهما.
وهو المذهبُ.
جزَم.
به فى «الوَجِيزِ».
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»،

الجزء: 29 - الصفحة: 235

لِأنَّ حُكْمَ المَيِّتِ حُكْمُ المُسْلِمِينَ، فِى غَسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ القَاضِى: القِيَاسُ أَن يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ أَصْلُ دِينِهِ.
و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، وقال: هذا المَشْهورُ.
وغيرِهم.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ للمُسْلِمِ؛ لأنَّ حُكمَ المَيِّتِ حُكْمُ المُسْلِمين، فى غَسْلِه والصَّلاةِ عليه.
وقال القاضى: القِياسُ أن يُقْرَعَ بينَهما.
قال فى «المُغْنِى» 384 و 385 هنا: ويَحْتَمِلُ أنْ يَقِفَ الأمْرُ حتى يظْهَرَ أصْل دِينِه.
فائدة: هذه الأحْكامُ إذا لم يُعْرَفْ أصْلُ دِينِه، فإنْ عُرِفَ أصْلُ دِينِه، فالمذهبُ كما قال المُصَنِّفُ، وعليه الأصحابُ.
وجزَم به القاضى، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، والمَجْدُ.
وقال رِوايةً واحدةً: إنَّ القَوْلَ قولُ

الجزء: 29 - الصفحة: 236

وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينهِ، تَعَارَضَتَا، وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ مُسْلِمًا.
وَقَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَافِرًا.
فَالْمِيرَاث لِلْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يُؤَرِّخِ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُمْ.
مَن يدَّعِيه.
وأَجْرَى ابنُ عَقِيلٍ كلامَ الخِرَقِىِّ على إطْلاقِه، فحكَى عنه أنَّ المِيراثَ للكافِرِ والحالَةُ هذه.
وقدَّمه كما تقُولُه الجماعَةُ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: وشَذَّ الشِّيرَازِىُّ، فحكَى فيه الرِّوايتَيْن اللَّتَيْن فيما إذا اعْتَرَفَ بالأُخُوَّةِ ولم يُعْرَفْ أصْلُ دِينِه.
قوله: وإنْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً أنَّه ماتَ على دِينِه، تَعارَضَتا.
إذا شَهِدَتِ البَيِّنَتَان بذلك، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يُعْرَفَ أصْلُ دِينِه أوْ لا؛ فإنْ لم يُعْرَفْ أصْلُ دِينِه، فجزَم المُصَنِّفُ هنا بالتَّعارُضِ.
وهو المذهبُ.
اخْتارَه القاضى وجماعَةٌ؛ منهم الخِرَقِىُّ، والمُصَنِّفُ فى «الكافِى».
وجزَم به فى «الشَّرْح»،

الجزء: 29 - الصفحة: 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشِّيرَازِىُّ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى».
وعنه، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الإِسْلامِ.
وجزَم به فى «الوَجِيزِ»، و «العُمْدَةِ».
وهو ظاهرُ كلامِ أبى الخَطَّابِ فى «الهِدايَةِ».
وأَطْلَقَهما فى «المُحَرَّرِ».
وإنْ عُرِفَ أصْلُ دِينِه، قُدِّمَتِ البَيِّنَةُ النَّاقِلَةُ عنه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقالَه القاضى وجماعَةٌ.
نَقَلَه الزَّرْكَشِىُّ.
واخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه.
وظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ التَّعْارُضُ؛ لأنَّه لم يُفَرِّقْ بينَ مَن عُرِفَ أصْلُ دِينِه وبينَ مَن لم يُعْرَفْ [أصْلُ دِينِه] 386. وقال الشَّارِحُ: إنْ عُرِفَ أصْلُ دِينِه، نظَرْنا فى لَفْظِ الشَّهادَةِ؛ فإنْ شَهِدَتْ كلُّ واحِدَةٍ منهما أنَّه كان آخِرُ كلامِه التَّلَفُّظَ بما شَهِدَتْ به، فهما مُتَعارِضَتان، وإن شَهِدَتْ إحْداهما أنَّه ماتَ على دِينِ الإسْلامِ، وشَهِدَتِ الأُخْرَى أنَّه ماتَ على دِينِ الكُفْرِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَن يدَّعِى انْتِقالَه عن دِينِه.
انتهى.
وقال فى «الرِّعايةِ»: وإنْ قالتْ بَيِّنَةُ المُسْلِمِ: ماتَ مُسْلِمًا.
وبَيِّنَةُ الكافِرِ: ماتَ كافِرًا.

الجزء: 29 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الإِسْلامِ.
وقيلَ: إنْ عُرِفَ أصْلُ دِينِه، قُدِّمَتِ النَّاقِلَةُ عنه.
وقيلَ: بالتَّعارُضِ مُطْلَقًا كما لو جُهِلَ.
وقيلَ: تُقَدَّمُ إحْداهما بقُرْعَةٍ.
وقيلَ: يَرِثانِه نِصْفَيْن.
قوله: وإنْ قال شاهِدان: نَعْرِفُه مُسْلِمًا.
وقال شاهِدان: نَعْرِفُه كافِرًا.
فالمِيرَاثُ للمُسْلِمِ إذا لم يُؤَرِّخِ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُم.
إذا شَهِدَتِ الشُّهودُ بهذه الصِّفَةِ، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يُعْرَفَ أصْلُ دِينِه أوْ لا؟ فإنْ [لم يُعْرَفْ بل] 387 جُهِلَ أصْلُ دِينِه، فالمِيراثُ للمُسْلِمِ إذا لم يُؤرِّخِ الشهودُ، كما هو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ.
وهو المذهبُ.
اخْتارَ الْخِرَقِىُّ، والمُصَنِّفُ فى «الكافِى»، والشِّيرَازِىُّ.

الجزء: 29 - الصفحة: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجزَم به فى «الوَجِيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «العُمْدَةِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن».
وعنه، يتَعَارَضَان.
وهو المذهبُ على ما اصْطَلَحْناه.
اخْتارَه جماعَةُ، منهم القاضِى.
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وأَطْلَقَهما فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
واخْتارَه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
ولوِ اتَّفَقَ تارِيخُهما، وهو ظاهرُ كلامِه فى «منُتْخَبِ الشِّيرَازِىِّ».
وإنْ عُرِفَ أصْلُ دِينِه، قُدَّمَتِ البَيِّنَةُ النَّاقِلَةُ.
وهو المذهبُ.
وعليه الأكثرُ.
وقدَّم فى «الرِّعايتَيْن» أنَّ بَيِّنَةَ الإسْلامِ تُقَدَّمُ.
وذكَر قَوْلًا بالتَّعارُضِ، وقوْلًا: تُقَدَّمُ إحْداهما بقُرْعَةٍ.
وقوْلًا: يَرِثانِه نِصْفَيْن.
فائدة: لو شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أنَّه ماتَ ناطِقًا بكَلِمَةِ الإِسْلامِ، وبَيِّنَةٌ بأنَّه ماتَ ناطِقًا بكَلِمَةِ الكُفْرِ، تَعارَضَتا؛ سواءٌ عُرِفَ أصْلُ دِينِه أوْ لا.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقال فى «الرِّعايةِ الصُّغْرَى»: وإنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أنَّه ماتَ لمَّا نطَق بالإِسْلامِ، وبَيِّنَةٌ أنَّه ماتَ لمَّا نَطَقَ بالكُفْرِ، وعُرِفَ أصْلُ دِينِه أو جُهِلَ، سَقَطَا، والحُكْمُ كما سبق.
وعنه، لا سُقوطَ ويَرِثُه مَن قرَع.
وعنه، بل هما.

الجزء: 29 - الصفحة: 240

وَإِنْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، فَاخْتَلَفُوا فِى دِينِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ القَوْلَ قَوْل الِابْنَيْنِ.
انتهى.
وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «التَّذْكِرَةِ»: إنْ عُرِفَ أصْلُ دِينِه، قُبِلَ قولُ مَن يدَّعِى نَفْيَه.
وشَذَّذَه الزَّرْكَشِىُّ.
قوله: وإنْ خَلَّفَ أبَوَيْن كافِرَيْن وابنَيْن مُسْلمَيْن، فاخْتَلَفُوا فى دِينِ، فالقَوْلُ قَوْلُ الأبَوَيْن.
كما لو عُرِفَ أصْلُ دِينِه.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا ظاهرُ المذهبِ.
وجزَم به فى «الوَجِيزِ».
وقدَّمه فى «الرِّعايةِ».
ويَحْتَمِلُ أنَّ القَوْلَ قولُ الابْنَيْن.
لأنَّ كُفْرَ أبوَيْه يدُلُّ على أصْلِ دِينِه فى صِغَرِه، وإسْلامُ ابْنَيْه يدُلُّ على إسْلامِه فى كِبَرِه، فيُعْمَلُ بهما جميعًا.
وهو لأبى الخَطَّابِ فى «الهِدايةِ».
قال فى «الرِّعايةِ الكُبْرَى»: وهو أَوْلَى.
والذى قدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما، أنَّ حُكْمَهم كحُكْمِ الابنِ المُسْلمِ والابنِ الكافِرِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 241

وإنْ خَلفَ ابْنًا كَافِرًا [344 ظ] وَأخًا وَامْراةً مُسْلِمَيْنِ، فَاخْتَلَفُوا فِى دِينهِ، فَالْقَوْل قَوْلُ الِابنِ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ.
وَقَالَ القَاضِى: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ أبو بَكْر: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ تُعْطَى الْمَرأَةُ الرُّبْعَ، وَيُقْسَمَ الْبَاقِى بَيْنَ الِابنِ وَالْأَخِ نِصْفَيْنِ.
على ما تقدَّم مِن التَّفْصيلِ والخِلافِ.
وجزَم به ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه».
قوله: وإنْ خَلَّفَ ابنًا كافِرًا وأخًا وامْرَأةً مُسْلِمَيْن، واخْتَلَفُوا فى دِينِه، فالقَولُ قَوْلُ الابنِ، على قَوْلِ الخِرقِىِّ - وجزَم به فى «الوَجِيزِ» - وقال القاضِى: يُقْرَعُ بينَهما.
والذى قدَّمه فى «المُحرَّرِ»، و «الرِّعايةِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم، أنَّ حُكْمَهم حكمُ الإبنِ المُسْلِمِ مع الابْنِ الكافِرِ، على ما تقدَّم مِنَ التَّفْصِيلِ

الجزء: 29 - الصفحة: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والخِلافِ.
وجزَم به ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه».
وقال أبوِ بَكْر: قِياسُ المذهبِ، أنْ تُعطَى المَرْأةُ الرُّبْعَ، ويُقْسَمَ الباقِى بينَ الابْنِ والأخِ نِصْفيْن.
قال فى «المُحَرَّرِ»: وهو بعيدٌ.
وحُكِىَ عن أبى بَكْرٍ، أنَّ المَرأةَ تعطَى الثُّمْنَ، والباقِى للابْنِ والأخ نِصْفَيْن.
قال فى «المُحَرَّرِ» أيضًا: وهو بعيدٌ.
وقال فى «الفُروعِ»، فى المسأَلةِ الأُولَى: ومتى نَصَّفْنا المالَ، فنِصْفُه للأبَوَيْن على ثَلاَثةِ.
وقال فى الثَّانيةِ: متى نصَّفْناه، فنصفُه للزَّوْجَةِ والأخِ على أربَعَةٍ.

الجزء: 29 - الصفحة: 243

وَلَوْ مَاتَ مُسلِم وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ؛ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَأسْلَمَ الكَافِرُ، وَقَالَ: أسلَمتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِى.
وَقَالَ أخُوهُ: بَلْ بَعدَهُ.
فَلَا مِيرَاثَ  قوله: ولو ماتَ مُسْلِم وخَلفَ وَلَدَيْن؛ مُسْلِمًا وكافِرا، فأسْلَمَ الكافِرُ، وقال: أيسَلمتُ قبْلَ مَوْتِ أَبِى.
وقال أخُوه: بل بعدَه.
فلا مِيراثَ له، فإنْ قال:

الجزء: 29 - الصفحة: 244

لَهُ، فَإنْ قَالَ: أسْلَمتُ فِى الْمُحَرَّم، وَمَاتَ أبِى فِى صَفَرٍ.
وَقَالَ أخُوهُ: بَلْ مَاتَ فِى ذِى الْحِجَّةِ.
فَلَهُ الْمِيرَاثُ مَعَ أَخِيهِ.
أسْلمتُ فى المُحَرَّمِ، وماتَ أبِى فى صفَر.
وقال أخُوه: بلْ ماتَ فى ذِى الحِجَّةِ.
فله المِيرَاثُ مع أخِيه.
وهذا المذهبُ.
وقطَع به الأصحابُ فى الثَّانيةِ.
وعليه الأكثرُ فى الأولَى.
وجزَم به فى «المُحَرَّر»، و «الشَّرحِ»، و «شَرحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الحاوِى»، و «النظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه، المِيراثُ بينَهما.
قدَّمه فى «الخُلاصةِ»، و «الرعايتَيْن».
فوائد؛ الأولَى، لو أقامَ كلُّ واحدٍ بَينةً بذلك، فهل يتَعارَضان أو تُقدَّمُ بَيِّنَةُ مُدَّعِى تَقْديمِ مَوْتِه؟ على وَجْهيْن.
وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ».
الثَّانيةُ، لو خَلَّفَ كافِرٌ ابْنَيْن؛ مُسْلِمًا وكافِرًا، فقال المُسْلِمُ: أسْلَمتُ أنا عَقِبَ مَوْتِ أبِى وقبلَ قَسْمِ تَرِكَتِه - على رِوايةٍ - فإرثُه لى [ولك] 388. وقال الآخَرُ: بل أسْلمتَ قبلَ مَوْتِه، فلا إرثَ لك.
صُدقَ المُسْلِمُ بيَمِينه، وإنْ أقاما بَيِّنَتَيْن بما قالا،

الجزء: 29 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قدمَتْ بَيِّنَةَ الكافِرِ؛ سواء اتَّفَقَا على وقْتِ 389 مَوْتِ أبِيهما أوْ لا؛ فإنِ اتَّفَقا أنَّ المُسْلِمَ أسْلَم فى رَمَضَانَ، فقال: ماتَ أبى فى شَعْبانَ 390، فأرِثُه أنا وأنتَ.
وقال الكافِرُ: بل ماتَ فى شَوَّالٍ.
صُدِّق الكافِرُ، وإنْ أقاما بَيِّنَتَيْن، صُدِّقَتْ بَيِّنَةَ المُسْلِمَ.
الثَّالِثَة، لو خلف حُرٌّ ابنا حُرًّا وابْنًا كان عَبْدًا، فادَّعَى أنَّه عَتَقَ وأبوه حىٍّ ولا بَيِّنَةَ، صُدِّق أخُوه فى عدَمِ ذلك، وإنْ ثَبَتَ عِتْقُه فى رَمَضَانَ، فقال الحُرُّ: ماتَ أبِى فى شَعْبانَ.
وقال العَتِيقُ: بل فى شَوَّالٍ.
صُدق العَتِيقُ، وتُقدَّمُ بَيِّنَةَ الحُرِّ مع التَّعارُضِ.
الرَّابعةُ، لو شَهِدا على، اثَنين بقَتلٍ، فشَهِدا علي الشَّاهِدَين به 391، فصَدَّق الوَلِيُّ الكُلَّ أو الآخَرَيْن، أو كَذَّب الكُلَّ أو الأوَّلَيْن فقطْ، فلا قَتْلَ ولا دِيَةَ، وإنْ صدَّق الأَوْلَيْن فقطْ، حَكَمَ بشَهادَتِهما وقَتَلَ مَن شَهِدَا عليه.
واللهُ أعلمُ بالصَّوابِ.

الجزء: 29 - الصفحة: 246

فصول الكتاب · 39 فصل
فصول الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي
المقدمةمقدمة التحقيقكِتَابُ الطَّهارةكِتابُ الصَّلَاةِكتَابُ الجَنائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاِعْتِكَافِكِتَابُ الْمَنَاسِكِكِتَابُ الجِهَادِكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْحَجْركِتَابُ الشَّركَةِكِتَابُ العَارِيَّةِكتَابُ الْغَصْبِكتابُ الْوَقْفِكتابُ الْوَصَايَاكِتَابُ الْفَرَائِضِكتابُ العِتْقِكتابُ النِّكاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِكِتَابُ الطَّلَاقِكتابُ الرَّجْعَةِكِتابُ الإِيلَاءِكتابُ الظِّهَارِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابُ الْعِدَدِكتابُ الرَّضاعِكِتَابُ النَّفَقَاتِكِتَابُ الجِنَايَاتِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ الْحُدُودِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِكِتَابُ الصَّيدِكِتَابُ الْأَيْمَانِكتاب القضَاءِكِتَابُ الشَّهادَاتِكِتَابُ الْإِقْرَارِ
جارٍ التحميل