اغفر لي ذنوبي وافتح في أبواب فضلك" رواه أحمد وابن ماجه، وفي إسناده ضعف 1. وروى ابن ماجه، ورجاله ثقات، من حديث أبي هريرة نحوه، إلا أنه قال إذا خرج فليسلِّم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليَقل: اللهم اعصمني من الشيطان 2.
الرابع والسبعون: يسن أن يبدأ بخلع نعله اليسرى أولا وأن يلبس اليمنى أولا.
وإذا أراد الدخول وكان المسجد لا يدخل إليه بالنعل، فإن دخل باليمنى أولًا فيكون قد نزع النعل منها قبل اليسرى 3 وهو خلاف السُّنّة.
وإن دخل باليسرى لأجل نزعها يكون قد خالف السنة لكونِه أدخَل اليسرى المسجد أولًا.
فالذي يتعين فعله هنا: أن يخلع اليسرى أولًا ويضعها على النعل من غير لُبس خارج المسجد ثم ينزع اليمنى ويدخلها أولًا.
وإذا أراد الخروج يخرج باليسرى أولًا ويضعها على النعل من غير لُبس ثم يخرج اليمنى ويلبس فيها قبل اليسرى لأجل 4 حتى تكون اليمنى أولهما تنعُّلًا وآخرهما تنزع وأولهما 5 دخولًا المسجد وآخرهما خروجًا.
الخامس والسبعون: الصلاة في نعله أو تركه أمامه، وعنه: بل عن يساره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خلع نعليه وهو في الصلاة جعلهما عن يساره.
رواه أحمد، وأبو داود 6.
ولأبي داود من حديث أبي هريرة: "إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحدًا ليجعلهما بين رجليه أو ليُصل (96/ أ) فيهما" 1.
وفي خبر أبي هريرة وأُبي بكرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليجعلهما بين رجليه".
رواه أبو محمد الخلَّال حكاه القاضي، قال: وقيل إن كان مأمومًا جعلهما بين رجليه؛ لِئلا يؤذي مَنْ عن يمينه أو شماله.
وإن كان إمامًا أو منفردًا جعلهما عن يساره لِئلا يؤذي أحدًا.
قال القاضي: وإنما اخترنا جانب اليسار؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك في حديث أبي سعيد 2، رواه أبو حفص ورواه أبو محمد الخلَّال، من حديث عبد الله بن السائب، ولأن اليسار جعلت للأشياء المستقذرة من الأفعال.
قال القاضي فأما موضعها من غير المصلِّي فإلي جنبه.
كذا رواه أبو بكر الآجرِّي في كتاب "اللباس" بإسناده عن ابن عباس، قال: من السنَّة إذا جلس الرجل أن يخلع نعليه فيضعهما بجنبه.
السادس والسبعون: عن أبي سعيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه فلينظر فيهما، فإن رأى خَبَثًا فليمسحْه بالأرض ثم ليُصَلِّ فيهما"، إسناده جيد، رواه أحمد، وأبو داود 3.
قال في "الآداب": ومراده أن يمسح الخبث بغير أرض المسجد.
وإن لم يُصَلِّ في نعليه وضعهما في المسجد، فلا يرم بهما فيه.
فإن رمى بهما، فإن كان على وجه الكبر والتعاظم أو كان ذلك سببًا لإتلاف شيء من أرض المسجد أو في أذى أحد، فلا خفاء بأن ذلك لا يجوز ويضمن ما أُتلف
بسببه، وإلا فالأدب: أن لا يفعل ذلك؛ لأنه خلاف التعظيم المأمور به في بيوت الله تعالى، وأحبّ البقاع إلى الله عزَّ وجلَّ.
ويشبه هذا رميُ الكتاب بالأرض.
وقد فعله رجل عند أحمد؛ فغضب، وقال: هكذا 1 يفعل بكلام الأبرار؟ !.
وفي "المحيط" 2 من كتب الحنفية: لو مشى بالطين كُره له أن يمسحه بحائط المسجد، وإن مسَحه بتراب المسجد وكان مجموعًا فلا بأس به، وإن كان منبسطًا يُكرَهُ.
السابع والسبعون: ينبغي لمن قَصَد المسجد للصلاة أو غيرها أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه؛ لا سيّما إن كان صائمًا.
ذكره ابن الجوزي في "المنهاج"، ومعناه في، "الغنية"، وفاقًا للشافعية 3، (96/ ب) ولم يَرَهُ أبو العباس.
الثامن والسبعون: يكره للزوج منع زوجته من المسجد ليلًا ونهارًا.
وفي، "المغني": ظاهر الخبر منعه من منعها.
قال ابن الجوزي: فإن خيف فتنة، نهيت عن الخروج.
واحتج بخبر عائشة المشهور: "لو أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء لمنعهنّ المسجد كما مُنعَت نساء بني إسرائيل" 4.
قال القاضي: مما ينكر خروجهن على وجه يُخافَ منه الفتنة.
والسيد كالزَّوج وأوْلى.
التاسع والسبعون: قال في "الرعاية": يُسَنّ أن يُصان عن الجماع فيه أو فوقه.
وقال ابن تميم: يُكره الجماع فوق المسجد، وذكر في "الفروع" في باب الرجعة: حصولها بالوطء.
وتحلّ محرَّمة الوطء لمرض وضيق وقت الصلاة ومسجد.
انتهى.
فجزم بتحريم الوطء في المسجد.
الثمانون: قال أبو داود: سمعت أحمد يسأل: يجيء الرجل بزكاته، يعني: صدقة الفطر، إلى المسجد أو يطعمه؟ قال يطعمه.
قال سمعت أحمد سُئِل عن زكاة الفطر تجمع في المسجد؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس.
الحادي والثمانون: قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن حفر البئر في المسجد؟ قال لا، قلت: فإن حفرت بئر ترى أن يؤخذ المَغْتَسَل فيغطا به البئر، قال لا إنما ذلك للموتى.
وفي "الرعاية" في إحياء الموات: أن أحمد لم يكره حفرها فيه وقال ابن حمدان كره الوضوء فيه، كره حفرها فيه، وإلا فلا.
الثاني والثمانون: قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص.
الثالث والثمانون: يجوز أن يقال مسجد بني فلان؛ لِما روى البخاري عن ابن عمر في حديث المسابقة، وفيه: إلى مسجد بني زريق 1. ولكن البخاري قال: "باب، هل يُقال مسجد بني فلان".
قال ابن حجر: وإنما أورده بلفظ الاستفهام؛ لينبه على أن فيه احتمالا،
إذ يحتمل أن يكون 1 ذلك قد علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن تكون هذه الإضافة وقعت في زمنه.
ويحتمل أن يكون مما حدث بعده، والأول: أظهر.
والجمهور على الجواز.
والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي، فيما رواه (97/ أ) ابن أبي شيْبَة عنه: أنه يُكْره أن يقول مسجد بني فلان، ويقول: مصلّى بني فلان؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ 2، وجوابه: أن الإضافة في هذا إضافة تمييز لا مِلك.
الرابع والثمانون: قال في "الآداب": وممَّا ينبغي أن يُتَفَطَّن له ما يفعله بعض الناس من أخذ شيء ملقىً في المسجد يُصان عنه ثم يضعه فيه، فإنه يتوجه القول بأنَّه يُلْزَم بالأَخْذ؛ لأنه خلا المسجد منه، فإذا ألقي فيه: فهو كنُخامة ونحوها أُلْقِيَتْ فيه.
وقد قال أصحابنا في اللُّقَطة: تلزم 3 بأخذها، وهذا بخلاف ما لو كان المأخوذ مقصودًا وضعه في المسجد كالحصى أو لم يقصدوا وضعه لكنه أرض المسجد، ولمّا أرسل ابنُ عمر إلى عائشة يسألها عن رواية أبي هريرة في قيراطى الجنازة، أخذ قبضة من حصباء 4 المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثم قال: لقد فرَّطنا في قراريط كثيرة.
رواه مسلم 5.
الخامس والثمانون: ذكر غير واحد من الحنفية: أنه يكره مدّ الرجلين إلى القبلة في النوم وغيره.
قال في "الآداب": وهذا إن أرادوا به مطلقًا كما هو ظاهر.
فالكراهة تستدعي دليلًا شرعيًّا، وقد ثبت في الجملة استحبابه أو جوازه- كما في حق الميت.
قال في "المفيد" من كتبهم: ولا يمدّ رجليه يعني في المسجد؛ لأن في ذلك إهانة له 1. ولم أجد أصحابنا ذكروا هذا، ولعل تركه أوْلى.
ولعل ما ذكره الحنفية من حكم هاتين المسألتين؛ كراهة الإمام أحمد الاستناد إلى القبلة كما سبق، فإن هاتين المسألتين في معنى ذلك وأولى؛ انتهى كلامه في "الأداب".
السادس والثمانون: قال بعض علمائنا: يُكره السؤال والتصدُّق في المساجد.
قال في "الآداب": ومرادهم- والله أعلم-: التصدق على السؤال لا مطلقًا، وقطع به ابن عقيل وأكثرهم لم يذكر الكراهة.
وقد نصَّ أحمد: أن من سأل قبل خطبة الجمعة ثم جلس لها: تجوز الصدقة عليه، وكذلك إن تصدَّق على مَن لم يسأل أو سأل الخاطب الصدقة لإنسان: جاز.
وروى البيهقي في "المناقب" عن علي بن محمد بن بدر، قال: صليت يوم الجمعة فإذا أحمد بن حنبل (97/ ب) يقرب 2 مني، فقام سائل فسأل،
فأعطاه أحمد قطعة، فلما فرغوا من الصلاة قام رجل إلى ذلك السائل فقال أعطني تلك القطعة؛ فأبى، قال: أعطني وأعطيك درهمًا، فلم يفعل، فما زال يزيده حتى بلغ خمسين درهمًا، فقال: لا أفعل فإني أرجو من بركة هذه القطعة ما ترجوه أنت.
وقال أبو مطيع البلخي الحنفي: لا يحلّ للرجل أن يعطي سؤَّال المسجد، قال خلف بن أيوب: لو كنت قاضيًا لم أقبل شهادة من تصدق عليه.
واختار صاحب "المحيط" منهم: أنه إن سأل لأمر لابد منه ولا ضرر فلا باس بذلك وإلا كرها 1.
وقال الشيخ تقي الدين 2 في "الفتاوى المصرية": أصل السؤال محرَّم في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة فإن كان ضرورة وسأل في المسجد ولم يُؤْذِ أحدًا لتخطِّيه رقاب الناس ولا غير تخطِّيه ولم يكذب فيما يرويه 3 ويذكر من حاله، ولم يجهر جهرًا يضر الناس، مثل أن يسأل والخطيب يخطب أو وهم يستمعون علمًا يشغلهم به ونحو ذلك جاز 4.
وقال حرب: قلت لأحمد هؤلاء السؤَّال الذين يسألون يوم الجمعة، فكره ذلك كراهية شديدة.
السابع والثمانون: فرش المصلَّى في المسجد.
قال أبو العباس ليس له فرشه.
وقال علماؤنا: ومَن فَرَش مصلّيً ففي جواز رفعه لغيره وجهان.
وقيل:
إن تخطّى رفعه لا يصلي عليه.
وقدَّم في "الرعاية": يكره جلوسه عليه، وجزم صاحب "المحرر" وغيره بتحريمه.
قال صاحب "الفروع": يتوجَّهُ إن حرم رفعه فله فرشه وإلا كُرِة.
فإن أقيمت الصلاة ولم يحضر رفع.
قال في "إعلام الساجد": لو بعث شيئًا يُفرش له حتى إذا جاء جلس عليه وصلى، قال في "الأم" - يعني: الشافعي-: ليس لغيره أن يجلس عليه؛ لأنه مِلْكٌ لغيره.
قال الشيخ أبو حامد: ولكن له أن ينحَّيه ويجلس في ذلك المكان؛ لأن الحرمة للإنسان دون فرشه 1.
الثامن والثمانون: قال أبو العباس في "الفتاوى المصرية": لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يصلُّون على سجادة، لكن صلى على خُمرة وهي شيء يُعمل من الخُوص يتقي به حر 2 (98/ أ) الأرض وأذاها.
وكان يصلي على التراب والحصير 3.
وروى مالك: أن بعض العلماء قدِم وفرش في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمر مالك بحبسه، وقال: أما 4 علمت أن هذا في مسجدنا بدعة؟ ! انتهى.
وذكر غير الشيخ: أن عبد الرحمن بن مهدي دخل مسجد رسول الله وقد أقيمت الصلاة فوضع رداءه بين يديه وصلى مع الناس، فجعل الناس يرمقونه، فلما فرغ أمَر مالك بحبسه، ثم عرف أنه عبد الرحمن بن مهدي فأمَر بإحضاره، وقال له: أما خفتَ الله تعالى شغلت الناس عن الصلاة وأحدثت في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يكن، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في مسجدنا حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" 1 فبكى عبد الرحمن وحلَف أن لا يضع بعده 2 رداءه بين يديه في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا في مسجد غيره.
وفي "الفروع": يُكره أن يخص جبهته بما يسجد عليه؛ لأنه 3 شعار الرافضة.
ذكره ابن عقيل وغيره.
التاسع والثمانون: ذكر القاضي أبو يعلى في "آدابه": يستحب صلاة القادم.
وقاله الشافعية، وأنها تكون في المسجد أول قدومه من السفر.
وهذه الصلاة مقصودة للقدوم من السفر لا أنها تحية المسجد، لكن تحصل التحية بها كما لو صلى فريضة.
وفي "الصحيح": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى
فيه ركعتين 4.
ونقل حرب، عن إسحاق، قال: هو حسن جميل.
قال: وإن صليتهما في بيتك حين تدخل بيتك فإن ذلك يستحب.
التسعون: من قام من موضعه لعذر ثم عاد إليه فهو أحق به، ذكره جماعة وإن كان لغير عذر سقط حقه بقيامه إلا أن يُخلِّف مصلى أو وِطاءً ففيه وجهان.
ذكره ابن عقيل وغيره.
والأخبار في ذلك مشهورة.
وقال في "الرعاية" في باب إحياء الموات: ومن جلس في مسجد أو جامع لفتوى أو لإقراء الناس فهو أحق به مادام فيه أو غاب لعذر ثم عاد قريبًا.
كان جلس فيه لصلاة (98/ ب) فهو أحق به فيها فقط 1. وإن غاب لعذر ثم عاد قريبًا فوجهان.
انتهى كلامه.
قال في "الآداب": وهو غريب بعيد.
الحادي والتسعون: يكره اتخاذ غير إمام مكانًا بالمسجد لا يصلي فرضه إلا به، وُيباح ذلك في النَّفْل؛ جمعًا بين الخبرين.
واختار صاحب "الرعاية": يُكره دوامه بموضع منه.
وقال المروذي: كان أحمد لا يوطن الأماكن، ويكره إيطانها؛ فظاهره؛ ولو كانت فاضلة، خلافًا للشافعي ووجه احتمال يعني 2 بموافقة الشافعي وظاهر كلام أحمد أيضًا ولو كان لحاجة كاستماع حديث وتدريس وإفتاء ونحوه، ووجه لا، ذكره بعضهم اتفاقًا؛ لأنه يقصد.
الثاني والتسعون: يستحب لِمَن دخل المسجد أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس، ولا يجب وفاقًا خلافا لداود وأصحابه- فيما نقله عنهم ابن بطَّال وتابعه على ذلك جماعة والذي صرح به ابن حزم عدم الوجوب.
وفي "الصحيحين": "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" 1.
الثالث والتسعون: ظاهر ما ذكَروه: يستحب التحية لكل 2 داخل قصد الجلوس أوْ لا: قاله في "الفروع"، ثم قال: ويؤيده ما يأتي في البُداءة بالطواف.
وقال في صفة الحج والعمرة عن "الفصول" و"المستوعب" و"الترغيب" وغيرها: أنه يقدم تحية المسجد على الطواف.
انتهى.
فظاهر ما نقله عن ابن عقيل ومن وافقه: أنه يصلي تحية المسجد مع أنه لم يقصد الجلوس.
قلت: يستثنى من ذلك الخطيب يوم الجمعة على ما يأتي؛ اللَّهم إلا أن نقول إن التحية في حقه الخطبة- كما قاله بعض الشافعية، وقد تقدّم في الثامن عشر من الخصائص في "الباب الثامن والأربعين".
الرابع والتسعون: لو دخل المسجد في خطبة الجمعة لم يَمنَع من التحية، خلافًا لأبي حنيفة ومالك.
ولا تجوز الزيادة عليهما؛ وفاقًا، بل يركعهما ويوجز، أطلقه أحمد والأكثر.
قال صاحب "المغني" و"التلخيص" و"المحرر": إن لم تفته معه تكبيرة الإحرام.
وإن جلس قام فأتى بها، أطلقه علماؤنا.
ووجه احتمال سقوطها من عالم ومن جاهل لم يعمل عن قرب.
وأطلق الشافعية سقوطها 3
به وحمله بعضهم على العالم.
وعند الحنفية: لا تسقط بالجلوس، وإن (98/ أ) العالم يخيّر بين صلاته أولا وعند انصرافه.
الخامس والتسعون 1: لا تستحب التحية للإمام؛ لأنه لم ينقل، ذكره أبو المعالي وغيره.
السادس والتسعون: لو دخل الإنسان المسجد وقت نهي؛ فعن الإمام أحمد رواية يجوز، وفاقًا للشافعية، اختارها ابن عقيل وابن الجوزي والسامري وأبو العباس وغيرهم، وعنه: المنع، اختاره الأكثر، قاله ابن الزاغوني وغيره، وفي "الفروع": هو أشهر، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك.
السابع والتسعون: لو تكرر دخوله المسجد، هل تتكرر التحية.
ذكروا لو قرأ سجدة فسجد ثم أعادها.
كان فيها وجهين.
ووجهت هذه المسألة عليها وقيَّدها ابن نصر الله في "حواشيه"؛ بقرب الزمن، ولا شك أنه مراد أحدهما تتكرر لتكرر سببها والثاني لا، دفعًا للحرج والمشقة.
الثامن والتسعون: لو صلى السنَّة وقت دخوله كَفَتهُ عن التحية.
التاسع والتسعون: لو نوى التحية والفرض، قال في "الفروع": ظاهر كلامهم: حصولهما له 2، وفاقًا للشافعي، وقد ذكر جماعة: لو نوى غُسل الجنابة وغُسْل الجمعة: أجزأ عنهما، وفاقًا لمالك والشافعي؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإنما لامرئٍ ما نوى" 3؛ ولأنه لا تَنافي، كما لو أحرم بصلاة ينوي بها الفرض وتحية المسجد.
وفي "الرعاية": احتمال وجهين: أحدهما: هذا، ولم يبيِّن الثاني.
قال في "الفروع": فيحتمل أن مراده: لا يحصل واحد منهما- كما لو نوى بصلاته الفرض والسنَّة، ويحتمل أن مراده: لا يحصل غسل الجمعة خاصة، لعدم صحته قبل غُسْل الجنابة في وجه؛ لأَن القصد به: حضور الجمعة، والجنابة: تمنعه، والأشهر: تجُزئ نية غُسل الجنابة عن الجمعة- كالفرض عن تحية المسجد، فظاهرٌ؛ حصول ثوابها.
وقيل: لا يجزئ للخبر المذكور، وكالفرض عن السنة.
انتهى.
المائة: قال حرب في "مسائله": سُئِل أحمد عن الرجل يدخل المسجد ولم يركع ركعتي الفجر وقد أقيمت الصلاة؟ قال: يدخل في الصلاة، يعني: ولا يشرع في سنة الفجر خلافا لأبي حنيفة يركعهما بباب المسجد إن أدرك ركعة، فلو شرع فيها بعد الإقامة؛ ففي الصحة عندنا وجهان.
الأول بعد المائة: (98/ ب) لو 1 دخل المسجد فرأى جماعة تُشرع له التحية قبل السلام أم لا؟
قال في "الفروع" في أول باب صفة الحج والعمرة: نقل حنبل: يرى 2 لمن قدم مكة أن يطوف؛ لأنه صلاة والطواف أفضل من الصلاة، والصلاة 3 بعد ذلك.
وعن ابن عباس: الطواف لأهل العراق، والصلاة لأهل مكة، وكذا عطاء.
وذكره القرافي المالكي وغيره اتفاقًا بخلاف السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - 4؛ لتقديم
حق الله تعالى على حق الأنبياء، وهو ظاهر كلام أصحابنا وغيرهم.
انتهى.
قلت: ظاهر هذا تقديم التحية على السلام؛ لأنه قال في دخول مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - تقديم التحية قبل السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -. وحرمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد مماته كحرمته في حياته؛ وعلَّل: بتقديم 1 حق - صلى الله عليه وسلم - تعالى على حق الأنبياء، فإذا قدّم حق الله تعالى على الأنبياء، فتقديمه على حق غير الأنبياء من باب أوْلى.
ويؤيده: حديث المسيء في صلاته- كما ثبت في "الصحيحين" أنه 2 دخل المسجد فصلى ثم جاء فسلَّم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فردّ عليه وأنكر عليه في الصلاة، ولم ينكر عليه تأخير السلام عن الصلاة 3.
الثاني بعد المائة: قال في "الفتاوى المصرية": المسجد المبني على قبر لا يصلَّى فيه فرض ولا نفل، فإن كان المسجد قبل القبر غُيِّر، إما بتسوية القبر أو نبشه إن كان جديدًا، كان كان القبر قَبْلَهُ فإما أن يُزال المسجد وإما أن تُزال سورة القبر.
انتهى.
وقال في "الفروع": والمسجد إن حدث بمقبرة كهي وإن حدثت حوله أو في 4 قبلته كرهت كالصلاة 5 إليها.
ويتوجه احتمال: يصحُّ حوله.
وهو ظاهر كلام جماعة.
وقال الآمدي: لا فرق بين المسجد القديم والحديث.
وقال في "الفصول": إن بُنِىَ فيها مسجد بعد أن انقلبت أرضها بالدفن: لم تجز الصلاة؛ لأنه بني في أرضٍ الظاهر نجاستها كالبقعة النجسة.
وإن بني في ساحة طاهرة وجُعلت الساحة مقبرة: جاز؛ لأنه في جوار مقبرة.
الثالث بعد المائة: لا تكره صلاة الجنازة في المسجد خلافًا لأبي حنيفة ومالك في إحدى الروايتين، وقيل: هو أفضل، وقيل: عكسه (99/ أ)، وخيره أحمد.
وقال الآجرّي: السنة أن يصلَّى عليها فيه، وإنه قول الشافعي وأحمد، وإن لم يؤمَن تلويثه: لم يجز، ذكره أبو المعالي وغيره، وأجاب في الخلاف وغيره عن قول المخالف يحتمل انفجاره؛ لأنه نادر، ثم هو عاده بعلامة فمتى ظهرت: كره إدخاله المسجد وإلا فلا، كما تدخل المرأة المسجد وإن جاز أن يطرقها الحيض.
زاد صاحب "المحرر": ثم 1 لو صلى الإمام فيه والجنازة خارجه: كرهت عند المخالف، وللحنفية خلاف فيما ذكره عنهم حتى كرهه بعضهم لكل مصلٍ في المسجد؛ بناء 2 على أن المسجد للمكتوبات إلا لعذر مطر ونحوه، وللحنفية خلاف: هل الكراهة للتحريم أو 3 للتنزيه؟
الرابع بعد المائة: لا تسقط تحية المسجد بصلاة الجنازة فيه وفاقًا.
الخامس بعد المائة: اتخاذ المحراب مباح.
نُصَّ عليه ونقله أبو طالب: لا أحب أن يُصلَّى في الطاق.
وقد كرهه علي وابن مسعود وابن عمر وأبو ذَرّ.
وقال الحسن: الطاق في المسجد أحدثه الناس.
وكان يكره كل مُحدث.
وعن سالم ابن أبي الجعد: لا تزال هذه الأمة بخير ما لم يتخذوا في 1 مساجدهم مذابح كمذابح النصارى.
وكان ابن عمر أيضًا يكره أن يصلي في مسجد يشرف.
وعن علي: أنه كان إذا مرَّ بمسجد يشرف؛ قال: هذه بيعة.
قال صاحب "الفروع": فهذا من أحمد يتوجه منه كراهة المحراب.
واقتصر ابْنِ البنَّاء عليه؛ فدل: على أنه قال به.
وعنه: يستحب، اختاره الآجرِّي وابن عقيل وابن الجوزي وابن تميم؛ ليستدل 2 به الجاهل، وكالمسجد والجامع.
وفيهما في آخر 3 "الرعاية": أنهما فرض كفاية.
وأول مَن اتخذ المحراب: عمر بن العزيز- كما تقدم في باب ذكر مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
السادس بعد المائة: يكره وقوف الإمام في المحراب بلا حاجة، وفاقًا لأبي حنيفة- كضيق المسجد، وعنه: لا؛ كسجوده فيه، وعنه: يستحب.
السابع بعد المائة: يكره تطوع الإمام موضع المكتوبة بلا حاجة، نُصَّ عليه، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، وقيل: تركه أولى لمأموم.
الثامن بعد المائة: يكره للمأموم (99/ ب) الوقوف بين السواري.
قال الإمام أحمد: لأنه يقطع الصف.
وكرهه أنس؛ وقال: كنا نتَّقيه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 1، وفي لفظ: كنا نُنْهي عن الصلاة بين السواري ونُطرد عنها، صحَّحه الحاكم في "المستدرك".
قال ابن مسعود: "لا تصفوا بين الأساطين"، وكرهه حذيفة وإبراهيم.
قال القرطبي: إنما كرهت الصلاة يين الأساطين؛ لأنه رُوي في الحديث؛ أنها مصلَّى الجن المؤمنين 2.
وأجازه الجمهور، منهم: الحسن، ومحمد بن سيرين، وكان ابن جبير، وإبراهيم التيمي، وسويد بن غفلة: يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول أبي حنيفة وقال مالك: لا بأس بذلك، لضيق 3 المسجد.
التاسع بعد المائة: لا يجوز الخروج من مسجد بعد أذان بلا عذر أو 4 نية رجوع.
وكرهه أبو الوفاء وأبو المعالي وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي.
ونقل ابن الحكم: أحب أن لا يخرج.
ونقل صالح: لا يخرج.
ونقل أبو طالب: لا ينبغي، واحتج يقول أبي هريرة: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم" 5 ووجه: يُخرَج لبدعة 6. قال ابن
عمر: خرج للتثويب 1 في الظُهر أو 2 العصر، وقال: فإن هذه بدعة، رواه أبو داود 3.
وأن تحرم البدعة فوجه - كالخروج من وليمة.
ولمن كان صلى: الخروج، وعند الحنفية: إلا بعد الأخذ في الإقامة لظهر وعشاء؛ لأنه يُتهم.
العاشر بعد المائة: لا يركع داخل المسجد التحية قبل فراغ الأذان.
وعنه: لا بأس، واختار صاحب "النظم" غير آذان الجمعة؛ لأن سماع الخطبة أهم، ولعله مراد غيره، قاله صاحب "الفروع".
الحادي عشر بعد المائة 4: السنة لمن دخل المسجد ومعه سهام أن يمسك بنصالها أو رمح أن يمسكه بسنانه؛ لما روى البخاري عن جابر: أن رجلًا مرّ بسهام في المسجد، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمْسِك بِنِصالها" 5.
وفي "الصحيحين" من حديث أبي موسى 6، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من مرَّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنَبْل فليأخذ على نصالها، لا يعقِر بكفه مسلمًا" 7.
الثاني عشر بعد المائة: قال ابن عقيل في "الفصول": لا تجوز إقامة الحدود في المساجد 8.
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: لا تقام الحدود في المساجد.
وفي "الفروع" في تحريم إقامة الحد: فيه وجهان 1.
وعن حكيم بن حزام، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُقام الحدود في المساجد ولا يُستقاد فيها".
رواه أحمد وأبو داود 2 وإسناده ثِقات، وفيه انقطاع.
الثالث عشر بعد المائة: إذا كان المسجد تقام فيه الجمعة: سن 3 اتخاذ المنبر فيه.
قال في "شرح مسلم": اتخاذ المنبر سنَّة مجمع عليها، ويكون عن يمين مستقبلي القبلة، كذا كان منبره عليه السلام.
وسُمِي منبرًا؛ لارتفاعه من النَّبْر: وهو الارتفاع.
الرابع عشر بعد المائة: إذا لم يكن في الجامع الذي تقام فيه الجمعة منبر ولا شيء عالٍ يُصعد عليه ووقف على الأرض، فإنه يقف عن يسار مستقبلي القبلة، قاله أبو المعالي.
الخامس عشر بعد المائة: إذا قلنا بجواز الاستصباح بالدهن النجس على إحدى الروايتين عندنا، وهو الأصحّ من قولَى الشافعي، فينبغي أن يُستثنى من ذلك الاستصباح 4 به في المساجد.
وقاله بعض الشافعية.
السادس عشر بعد المائة: فعل الجماعة في المسجد سنَّة؛ وفاقًا
لأبي حنيفة ومالك، وعنه: فرض كفاية؛ وفاقًا لأحد قولَى الشافعي.
وعنه: واجبة مع قربه، وقيل: شرط.
قال أبو العباس: ولو لم يُمكنْه إلا بمشيه في ملك غيره: فعل، وإن كان على طريقه منكر كغناء: لم يدع المسجد، وينكره، نقله يعقوب.
السابع عشر بعد المائة: الأفضل لأهل الثغر الاجتماع بمسجد واحد؛ لأنه أبلغ في إرهاب العدو.
الثامن عشر بعد المائة: الأفضل لغيرهم: العتيق، ثم الأكثر جمعًا، وقيل: تقديم الأبعد، وعنه: الأقرب؛ وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي- كما لو تعلقت الجماعة بحضوره؛ وفاقًا، وقيل: يقدمان على الأكثر جمعًا.
وذكر بعض الحنفية مذهبهم: تقديم الأقرب على العتيق.
قالوا ومع التساوي يذهب الفقيه إلى أقلهما جماعة ليكثروا به.
التاسع عشر بعد المائة: تحرم الإمامة بمسجد له إمام راتب إلا بإذنه.
(100/ ب) قال الإمام: وليس لهم ذلك.
وقال في الخلاف: فقد كره ذلك في "الكافي" إلا مع غيبته.
قال في "الفروع": والأشهر إلا مع تأخره وضيق الوقت، وُيراسل إن تأخر عن وقته المعتاد مع قربه وعدم المشقة كان بعُد أو لم يُظن حضوره أو ظُنَّ ولا يكره ذلك: صلُّوا وحيث حرم، قال في "الفروع": فظاهره: لا 1 يصح.
وفي "الرعاية": لا 2 يؤم، فإن فَعَل: صحّ ويُكره.
ويحتمل البُطْلان للنهي.
العشرون بعد المائة: تُكره إعادة الجماعة بمكة والمدينة؛ علَّله أحمد:
بأنه أرغب في توفير الجماعة، وعنه: والأقصى، وعنه: يستحب، اختاره في "المغني"، وعنه: مع ثلاثة فأقل.
الحادي والعشرون بعد المائة: لا تكره إعادة الجماعة في غيرها فيما له إمام راتب كغيره وفاقًا، وقيل: تكره وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، ووجه احتمال في غير مساجد الأسواق وفاقًا للشافعي.
وقيل: بالمساجد العظام.
وقيل: لا يجوز.
الثاني والعشرون بعد المائة: يباح القضاء والحكم في المسجد، نُص عليه، وعند الشافعي في كراهته 1 وجهان: أصحهما: نعم، فإن اتفق جلوسه فيه وحضر خصمان لم يكره أن يحكم بينهما.
وقال مالك: جلوس القاضي في المسجد للقضاء من الأمر القديم المعمول به، وكان شريح وابن أبي ليلى يقضيان في المسجد.
وعن سعيد بن المسيب كراهته.
وقال الروياني في "البحر": لا يكره القضاء في المسجد في حالتين:
أحدهما: لو كان في المسجد معتكفًا أو منتظرًا 2 لصلاة فتحاكم إليه اثنان: لا يكره له 3 الحكم بينهما؛ لأن الحضور في المسجد لم يكن مقصورًا على القضاء فيه.
الثانية: إذا لزمه تغليظ الأيْمان بالمكان.
الثالث والعشرون بعد المائة: يستحب انتظاره الصلاة 4 بعد الصلاة،
ذكره جماعة، منهم: صاحب "المغني" و"المحرر"، وجلوسه بعد فجر وعصر إلى طلوعها وغروبها لا في بقية الأوقات: نُصّ عليه، واقتصر صاحب "المغني" و"المحرر" على الفجر؛ لأنه عليه السلام كان لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس حَسنًا 1، رواه مسلم 2. (101/ أ)
وإن جلس بمكان فيه: فلا بأس- كقول الأصحاب: لا يجوز الخروج من معتكفه وصرحوا بالمسجد، والأول: أفضل وأوْلى.
وفي "الصحيحين": "فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلى عليه ما دام في مصلاه، اللَّهم صلّ عليه، اللَّهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة" 3.
وفي "الصحيح": "لا يزال في الصلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة؛ ما لم يُحدِث" 4.
الرابع والعشرون بعد المائة: تكره الصلاة في مقصورة تحُمَى، وقيل: أولا إن قطعت الصفوف، كذلك قال الإمام أحمد: أكره الصلاة في المقصورة.
وقال ابن عقيل: إنما كرهها؛ لأنها كانت 5 تختص بالظَّلَمة وأبناء الدنيا؛ فكره الاجتماع بهم.
وقيل: كرهها لقصْرها على أتباع السلطان ومنع غيرهم فيصير الموضع كالغصب.
وقال القرطبي في "شرح مسلم": "لا يجوز اتخاذها ولا يُصَلَّى فيها لتفريقها الصفوف في حيلولتها مع التمكن من المشاهدة.
ورُوي أن الحَسَنَ، وبكر المزني؛ كانا لا يصليان فيها؛ لأنها أُحدثت بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -. والمسجد مطلق لجميع الناس.
وذكر في "إعلام الساجد" عن بعض من صنَّف في الأوائل: أن أول من اتخذها معاوية بجامع دمشق.
وقد ذكر أبو بكر بن الحسين في كتاب "تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة"، عن ابن النجار أن عثمان رضي الله عنه لما زاد في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنى المقصورة بلَبِنٍ، وجعل فيها كوة ينظر الناس إلى الإمام وكان يصلي فيها خوفًا من الذي أصاب عمر رضي الله عنه.
وكانت صغيرة.
قيل: واستعمل عليها السَّائب بن خبَّاب كما نقله ابن زبالة وغيره، وكان يرزقه دينارين في كل شهر.
وفي كتاب يحيى: أن عمر بن عبد العزيز جعلها من ساج حين بنى المسجد، قال: وكانت قبله من حجارة.
ويقال: إن أول من جعل المقصورة: مروان بن الحَكَم حين طعنه اليماني، فجعل مقصورة من طين وجعل لها تشبيكًا، هذا نص مالك في "العتبيَّة"، وفي كتاب يحيى: بناها بالحجارة.
انتهى كلامه في "تحقيق النصرة".
الخامس والعشرون بعد المائة: اختلف العلماء في السنن الرواتب، (101/ ب) هل فِعْلها في البيت أفضل أو في المسجد؟
فمذهب 1 أحمد والشافعي والنخعي: أن فِعلها في البيت أفضل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل 2 صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" 3.
وحكى عياض عن قوم: أن فِعلها في المسجد أجمع للخاطر، وحكى عياض أيضًا عن مالك والثوري: أن النهار: المسجد أفضل، والبيت: الليل أفضل، وعن أحمد: الفجر، والمغرب زاد في "المغني": والعشاء في بيته.
وهذا موافق لمذهب مالك، وعنه: التسوية.
وفي "آداب عيون المسائل": صلاة النافلة في البيوت أفضل منها في المساجد إلا الرواتب.
قال عبد الله لأبيه: إن محمد بن عبد الرحمن قال في "سننه": المغرب لا يجزئه إلا ببيته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال هي من صلاة البيوت 4. قال: ما أحسن ما قال.
السادس والعشرون بعد المائة: قال بعض الشافعية: يجوز نبش قبور المشركين، وبناء المسجد موضعها؛ لما في "الصحيحين" من حديث أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقبور المشركين فنبشت 5 عند بناء المسجد، فقيل 6: لأنها لا حرمة لها؛ لأنهم ليسوا أهل كتاب، وقيل: لأنها دثرت ولم يظهر لها أثر، والحاجة داعية إلى الانتفاع بأماكنها، وكرهه مالك.
وذكر في "الفروع" عن بعضهم: إنْ غلب المسلمون على أرض الحرب، لم تُنبش قبورهم، نُصَّ عليه.
ونقل المزوزي؛ فيمن أوصى ببناء داره مسجدًا 1 فخرجت مقبرة فإن كانوا مسلمين لم يُخرجوا وإلا أخرجت عظامهم.
السابع والعشرون بعد المائة: هل يجوز فتح باب أو خوخة أو كوَّة في المسجد؟
بوَّب البخاري على فتح الخوخة والممرّ في المسجد، وأدخل فيه حديث أبي سعيد: أنه - صلى الله عليه وسلم - خطب، وقال: "لا يبقينّ في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر" 2.
قال بعض علمائنا: يجوز الفتح لِمَن حاله كحال أبي بكر رضي الله عنه، كالإمام لأجل مصالح المسلمين.
وقال في "إعلام الساجد" للشافعية: يجوز فتح الخوخة والممر 3 في المسجد.
الثامن والعشرون بعد المائة: قال بعض الشافعية يجوز بناء المطاهر بالقرب من المساجد والتوضئ منها، وفي كتاب "الطهور" لأبي عيد (102/ أ)، عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا يتطهرون من مطاهر المساجد.
ورُوي فِعْل ذلك عن علي وأبي 4 هريرة رضي الله عنهما 5.
قلت: قد تقدَّم في "السابع والأربعين": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "واتخذوا على أبوابها المطاهر" 1.
التاسع والعشرون بعد المائة: قال أبو العباس: إذا قال واحد أو جماعة: قد جعلنا هذا المكان مسجدًا أو وقفًا صار مسجدًا أو وقفًا بذلك؛ وإن لم تكمل عمارته.
الثلاثون بعد المائة: قال ابن عقيل: فإن تغلَّب متغلَّب على مسجد ومنع دخول 2 الناس إليه؛ نظرتَ فإن أزال الآلة 3 الدالة على كونه مسجدًا أو ادعاه 4 ملكًا، كان كسائر الغصوب في صحة الصلاة: فيه روايتان، فإن منع الناس عنه وانفرد به دونهم من غير تخريب لم يصح غصبه حكمًا؛ بمعنى: أنه لو تلف المسجد في مدة منعه لم يلزمه ضمانه كالحر إذا غصبه غاصب، فيحتمل أنه إذا لم يصح غصبه أن تصح الصلاة فيه، ويحتمل أن لا يصح، ولأنه تغلَّب على أرض لا يملكها على سبيل التعدي أشْبه إذا تغلَّب على أملاك الناس، ولأنه ليس إذا لم يملك لم يمنع صحة الصلاة غصبه، كما لو غصب ستارة الكعبة وصلى فيها مستترًا بها انتهى.
فقد اعتبر المسألة بغصب 5 الحر، وفيه خلاف، وفي ضمانه بالغصب.
ويؤخذ منه: أنه إن اتخذه مسكنًا أو مخزنًا، ونحو ذلك: أنه يضمن أجرته- كما تقول في الحر إذا استعمله كُرهًا.
وذكر ابن منجا في "شرح الهداية" أنه لو غصبه واتخذه مسكنًا وانهدم لا ضمان عليه كالحر.
واختار الشيخ تقي الدين 1 في "شرح العمدة": القول بعدم صحة صلاته.
قالوا: وأما قول ابن عقيل إن المسجد لو تلف في مدة منعه لم يلزمه ضمانه؛ فليس الأمر كذلك، بل المسجد عقار من العقار يُضمن بالغصب، وهو المشهور في المذهب 2. ومَن لم يضمنه بالغصب: لم يفرق بين المسجد وغيره، ولا خلاف أنه متقوَّم بقيم الأموال بخلاف الحر؛ لأنه ليس بمال.
نعم؛ يشبه العبدُ الموقوف على خدمة الكعبة، فإنه ليس له مالك مُعَيَّن، ومع هذا؛ فهو مضمون بالغصب بلا تردد.
انتهى.
وقال الغزالى في "فتاويه": (102/ ب) إذا طرح في مسجد غلة أو غيرها: لزمه أجرة البقعة، فإن أغلق باب المسجد: لزمه أجرة جميع المسجد، كما لو طرح ذلك في بيت أو دهليز وأغلق الباب، فإنه يلزمه أجرة جميع الدار- كما يضمن أجزاء المسجد بالإتلاف.
يضمن منفعته بالإتلاف 3 كمنفعة 4 الأملاك.
قال النَّووي: وهذا صحيح معتبر.
وفي "الفروع": ولا يضمنه بمنعه، كجزء.
وقال شيخنا: قياس المذهب يضمنه.
الحادي والثلاثون بعد المائة: إذا غصب مالًا وبنى به رباطًا ومسجدًا أو قنطرة، فهل ينفعه أو يكون الثواب للمغصوب منه؟
قال ابن عقيل: لا ثواب على ذلك لواحد منهما، أما الغاصب؛ فعليه العقوبة وجميع تصرفاته في مال الغير آثام متكررة.
وأما صاحب المال؛ فلا وجه لثوابه؛ لأن ذلك البناء لم يكن له 1 فيه نية ولا حِسبة وما لم يكن للمكلف فيه حسبة ولا نية: فلا يثاب عليه، وإنما يطالب غاصبه يوم القيامة فيأخذ من حسناته بقدر ماله.
قال العلامة ابن القيم: قُلت: في هذا نظر؛ لأن النفع الحاصل للناس متولِّد من مال هذا، وعمل هذا، والغاصب وإن عُوقب على ظلمه وتعديه واقتص المظلوم من حسناته، فما تولّد من نفع الناس بعمله له 2، وغصب المال عليه، وهو لو غصبه وفسق به لعوقب عقوبتين، فإذا غصبه وتصدق به أو بنى به رباطًا أو مسجدًا أو افتكَّ به أسيرًا فقد عمل خيرًا وشرًا ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ 3.
وأما ثواب صاحب المال؛ فإنه وإن لم يقصد ذلك: فهو متولد من مال اكتسبه، فقد يتولّد من كسبه خير ولم يقصده، فيشبه ما يحصل له من الخير بولده البرِّ كان لم يقصد ذلك الخير، وأيضًا؛ فإن أَخْذَ مالِهِ مصيبة فإذا أنفق في خير فقد تولد له 4 من المصيبة خير، والمصائب إذا ولَّدت خيرًا.
[لم يعدم صاحبها ثوابًا، وكما أن الأعمال إذا ولدت خيرًا] 1 أُثيب عليه 2 كان لم يقصده.
والله تعالى أعلم.
الثاني والثلاثون بعد المائة: قال بعض الشافعية يُكْره سلُّ السيف في المسجد.
قال عطاء: نهُي عن سل السيف في المسجد، وفيه آثار رواها (103/ أ) ابن أبي شيبة في "مصنفه".
قال في "المستوعب": ويجتنب المساجد الأطفال والمجانين وإقامة الحدود وسل السيوف وإنشاد الضَّوالّ.
وقد تقدم حديث واثلة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: جنِّبوا مساجدكم 3 صبيانكم... إلى أن قال: "... وسل سيوفكم رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف 4.
قال بعضهم: وأما إقراره - صلى الله عليه وسلم - الحبشة على لعبهم بالحراب والسيوف في المسجد يوم العيد 5 فهو مخصوص بما أقره - صلى الله عليه وسلم - من جهة التدريب على الحرب والتمرين فيه والتنشيط عليه، فهو من باب المندوب، ويلحق به ما في معناه من الأسباب المعِينة على الجهاد وأنواع البِر.
الثالث والثلاثون 6 بعد المائة: يُسْتَحبّ البكور إلى الجمعة؛ فإن النبي
- صلى الله عليه وسلم - قد حث على البكور، ومازال الناس فيما سلف يبكِّرون إلى الجامع رغبة في جزيل الأجر.
قال الغزالي في "الإحياء": قيل: أول بدعة أحدثت 1 في الإسلام ترك البكور إلى الجامع يوم الجمعة، كان الناس في القرن الأول كانوا يمشون سَحَرًا والطرقات مملوءة بالناس وبالسرج كأيام الأعياد.
قال ابن الجوزي: ولقد رأيت بخط شيخنا أبي الحسن بن الزاغوني- رحمه الله تعالى- في كتاب ألَّفه سمَّاه "إرشاد الهداية" في باب آداب الجمعة: أخبرنا غير واحد أنه كان يرى بكور الناس إلى الجوامع بالسُّرُج والشمع، حتى أخبر مخبر أنه صلّى في بعض الجوامع الفجر فأحصى للمبكّرين أكثر من مائتي شمعة.
واختلف العلماء في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن راح في الساعة الأولى" 2: فقيل: المُراد به من أول النهار، والساعات محسوبة من ذلك.
وهذا مذهب الشافعي، وأحمد.
وقيل: إنها أجزاء 3 من الساعة السادسة بعد الزوال، وهو مذهب مالك، وحجته: أن الرواح لا يكون إلّا بعد الزوال؛ لأنه مقابل للغدو.
وأنكر مالك التبكير إليها أول النهار، وقال: لم ندرك عليه أهل المدينة.
قال الإمام أحمد: التبكير مستحب؛ ولو كان مشتغلًا بالصلاة في منزله، ويكون بعد طلوع الفجر وفاقًا للشافعي.
وقيل: بعد صلاته لا بعد طلوع الشمس خلافًا لأبي حنيفة ولا بعد
الزوال خلافًا لمالك.
وذكر أبو المعالي من علمائنا: أن تبكير الإمام لا يستحب.
الرابع (103/أ) والثلاثون بعد المائة: يكره تخطي أحد، وحرَّمه في "النصيحة" و"المنتخب" وأبو المعالي وأبو العباس ابن تَيْميَة.
الخامس والثلاثون بعد المائة: إذا رأى فُرجة فإن وصلها بدون التخطي كُرِهَ وإلَّا فلا.
وعنه: لا مطلقًا.
وعنه: عكسه.
وعنه: ثلاثة صفوف، وعنه: بل أكثر.
وقيل: إن كانت أمامه لم يُكره.
وجزم أبو الخطاب وغيره وأبو المعالي: أنه لا يكره للإمام وغيره للحاجة.
السادس والثلاثون بعد المائة: يحرم وِفاقًا للأئمة الثلاثة، وفي "الرعاية": يُكْره أن يُقيم غيره فيجلس مكانه، ولو كان الغير ولده أو عبده أو عادته يصلي فيه حتى المعلم ونحوه؛ خلافًا للشافعي؛ لأن عنده إذا حضر لم يكن لغيره جلوسه فيه.
وقال 1 علماؤنا: إلا من جلس بمكانه يحفظه لغيره بإذنه أو دونه.
قيل: لأنه يقوم باختياره، وقيل: لأنه جلس يحفظه.
ولا يحصل ذلك إلا بإقامته، ولم يذكر جماعة، أو دونه.
قال أبو المعالي: فإن جلس في مصلى الإمام أو طريق المارَّة أو 2 استقبل المصلين في مكان ضيق أقيم، ذَكَرَهُ في "الفروع".
وذكر في "إعلام الساجد"، عن الشافعي، قال: يكره للرجل أن يقيم الرجل عن مجلسه ويجلس هو مكانه إمامًا كان أو مأمومًا، في يوم الجمعة أو
غيره.
فإن اختار صاحب المكان أن يقوم منه وُيجْلِس غيره فيه.
[لم يكن له، وإن تباعد عن ذلك كره له، قال: ولو نصب رجل صاحبًا له فجلس في مكان حتى إذا جاء قام هو وجلس فيه] 1: لم يكُره له ولا يكره لهذا الجالس أن يتحول عنه أيضًا.
السابع والثلاثون بعد المائة: إذا آثر بمكانه الأفضل أو سبق إليه آخر، فقيل: يكره، وقيل: يباح.
وفي "الفصول": لا يجوز الإيثار، وقيل: يجوز إن آثر أفضل منه، وفي "الفنون": فإن آثر ذا هيئة بعلم أو دين: جاز، وليس إيثارًا حقيقة بل اتباعًا للسنَّة؛ لقوله عليه السلام: "لِيَليَنِي منكم أولو الأحلام والنهى" 2، ولا يُكره القبول، وقيل: بَلَى.
الثامن والثلاثون بعد المائة: ظاهر كلام أحمد كراهة الصلاة في المساجد المشْرفة، وقاله النَّووي في "الروضة" قِبَل باب السجدات؛ لأنها تشغل المصلِّين.
روى البيهقي، عن أنَس (104/ أ) مرفوعًا: "ابنوا المساجد واتخذوها جُما" 3 بضم الجيم وتشديد الميم.
قال أبو عبيد: الجمَّة التي لا شُرَف له.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: "نهانا 4 أو نهينا أن نصلي في مسجد بشُرف" 5.
والشُّرَف: بضم الشين وفتح الراء جمع شرفة كغرفة وغرف 1.
وكلام الإمام أحمد تقدم في "الرابع بعد المائة" في الكلام على المحراب لما نقل أثر ابن عمر وعلي رضي الله عنهما.
التاسع والثلاثون بعد المائة: إذا رأى الإمام أو مَن وراءَه في بعض الصلاة في المسجد: صحّ أن يأتمَّ به.
الأربعون بعد المائة: إذا لم يَر الإمام [ولا من وراءه صح أن يأتم به إذا سمع التكبير وهو والإمام] 2 في المسجد وفاقًا لمالك والشافعي، وعنه: لا، وعنه: تصحُّ في النفل، وعنه: والفرض مطلقًا وفاقًا لأبي حنيفة، كظلمة وضرر.
وعنه: لا يضر المنبر، وعنه: لجمعة ونحوها.
الحادي والأربعون بعد المائة 3: يكره على الأصح علو الإمام كثيرًا وفاقًا لأبي حنيفة ومالك؛ لأن فعله في خبر سهل 4: يدل على أن النهي ليس للتحريم.
وعنه: إن لم يرد التعليم وفاقًا للشافعي، وقيل: إن فعله لم تصح صلاته وفاقًا لمالك، وإن ساواه 5 بعضهم: صحت 6 صلاته وصلاتهم على الأصح وفاقًا لمالك، زاد بعضهم: بلا كراهة وفاقًا لأبي حنيفة.
وفي النازلين إذن الخلاف، والكثير ذراع عند القاضي؛ وقدَّره أبو المعالي بقامة المأموم
لحاجته إلى رفع رأسه.
الثاني والأربعون بعد المائة: لا بأس بعلوّ المأموم، نُصَّ عليه خلافًا للشافعي.
ولا يعيد الجمعة مصلِّيها فوق المسجد خلافًا لمالك.
الثالث والأربعون بعد المائة: لو غصب أرضًا فبناها مسجدًا: لم تصح الصلاة فيه، وعنه: تصح مع التحريم، وعنه: تكره، وعنه: إن علم النهي بطلت، وإن جهله أو علمه وتعذر تحوله عنه: لم تبطل، وقيل: إن خاف فوت الوقت: صحت.
ونقل جعفر في مسجدٍ محرابه غصب قدم ما يقوم الإمام فيه صلاة الإمام فاسدة، وإذا فسدت صلاته 1: فسدت صلاة المأمومين.
الرابع والأربعون بعد المائة: قال الإِمام أحمد 2: يُخْرِج من المسجد المعبر دون 3 القصَّاص.
وقال: يعجبني القاص إذا كان صدِّيقًا ما أحوج الناس إليه.
وقال في رواية ابن هانئ: ما أنفعهم للعامة وإن كان عامة حديثهم كذبًا.
الخامس والأربعون بعد المائة: يمين الإمام أفضل من يساره؛ لقول النبي (104/ ب) -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله وملائكته يصلُّون على ميامن الصفوف".
رواه أبو داود وابن ماجه 4.
وكلما قرب منه: أفضل مما بَعُد؛ لكن لو قرُب واحد عن يساره وبعُد
واحد عن يمينه، فهل نقول: الأيسر أفضل؛ لقرْبه 1 أم الأيمن؛ لفضيلة اليمين، أم سواء؛ لأن كل واحد امتاز بشيء؟ ! ظاهر كلامهم في قولهم: وكلما قرب منه أفضل: أن الأقرب أفضل، ولو كان في ناحية اليسار.
وقال في "الفروع": ويتوجه احتمال أن بعد يمينه 2 ليس أفضل من قرب يساره؛ ولعل 3 مرادهم: فعلى هذا يكون سواءً.
وظاهر ما حكاه أحمد، عن عبد الرزاق: أن نُقْرة الإمام أفضل.
وفي وصية ابن الجوزي لولده: "اقصد وراء الإمام".
وفي كتابه "النور": وأفضل 4 الصف الأول؛ أن يكون مقابلًا للإمام، فإن لم يكن، ففي جنبه الأيمن.
السادس والأربعون بعد المائة: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها.
وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"ـ 5. هكذا صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
السابع والأربعون بعد المائة: الصف الأول هو ما يقطعه المنبر ويلي الإمام وفاقًا للأئمة الثلاثة.
وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه ولا يتخلله منبر ولا مقصورة ولا شيء.
وهو من رواية أحمد.
وقاله 1 في "الإحياء": وإن تأخر عن الإمام.
وقال بعضهم: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولًا، وإن صلى في صف متأخر، ذكره في "شرح مسلم"؛ وغلَّطه هو والقول الذي قبله.
الثامن والأربعون بعد المائة: إذا قدِر على الصلاة في الصف الأول وتركه فهل يكره ذلك؟ في المسألة وجهان.
وظاهر الأحاديث: الكراهة.
التاسع والأربعون بعد المائة: للأفضل تأخير المفضول والصلاة مكانه.
ذكره بعضهم؛ لأن أُبيًّا نحَّى قيس بن عبادة وقام مكانه، فلما صلى، قال: "يا بنىّ لا يسؤك، فإني لم آتك 2 التي أتيت بجهالة، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لنا: كونوا في الصف الذي يليني، وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك" رواه أحمد بإسناد جيد، والنَّسائي 3.
وهذا (105/ أ) لا يدل على أنه ينحيه 4 من مكانه، فهو رأي صحابي مع أنه في الصحابة مع التابعين.
فظاهر كلامهم في الإيثار بمكانه وفيمن سبق إلى مكان ليس له ذلك.
وصرَّح به غير واحدٍ.
قلت: ولعل هذا أوْلى.
الخمسون بعد المائة: لو صفّ صفٌّ عن جانبي الإمام وصفّ صفٌ
خلفه؛ فهل الصف الذي عن جانبيه الأول أم الذي خلفه 1؟
قال ابن نصر الله في "حواشيه على الفروع": الذي خلْفه هو الصف الأول، وهو ظاهر.
الحادي والخمسون بعد المائة: لا يجوز إخراج بُسُطِ المسجد وحُصُره لعرس ولا لمن ينتظر جنازة ولا لغير ذلك، وعنه: جوازه لمن ينتظر جنازة.
الثاني والخمسون بعد المائة: التيمُّم بالتراب المغصوب كالماء.
وظاهر كلامهم: ولو تراب مسجد، وفاقًا للشافعي، وذكر بعض الشافعية في جوازه وجهين.
قال في "الفروع": ولعل هذا الظاهر غير مراد؛ فإنه لا يكره بتراب زمزم مع أنه مسجد.
وقالوا: يكره إخراج حصى المسجد وترابه للتبرُّك وغيره، والكراهة لا تمنع الصحة وأنه لو تيمَّم بتراب الغير جاز في ظاهر كلامهم للإذن فيه عادة وعرفًا- كالصلاة في أرضه، وقد يتوجه: أن تراب الغير يأذن فيه مالكه عادة وعرفًا بخلاف تراب المسجد.
وقد قال الخلَّال في "الأدب": التوقي أنه لا يترَّب الكتاب إلَّا من المباحات.
ثم روى المروذي: أن أبا عبد الله كان يجيء معه بشيء ولا يأخذ من تراب المسجد.
الثالث 2 والخمسون بعد المائة: إذا استناب إمام المسجد من يصلي عنه
لغير عذر، فأفتى النَّووي أنه لا يستحق شيئًا من الجامكية 1؛ لا هو ولا النائب، ثم إن جعل للنائب جُعلًا استحقه وإلا فلا، وكذا أفتى ابن عبد السلام، وقال: إن أذن له الناظر في الاستنابة: جاز واستحق النائب المشروط للإمام دونه، وليس هو نائبًا عنه، بل هو وكيل في هذه التولية.
فإن تواطئوا على أن يأخذ الوكيل بعضًا والقائم بالإمامة بعضًا: لم يجز.
وفي صحة التولية في هذه الصورة نظر؛ مبني على: أن المعلوم كالمشروط ولو شرط ذلك في التولية بطلت ولم يستحق القائم بالإمامة شيئًا؛ لبطلان التولية، فإن لم يجز شرط (105/ ب) ولا تواطؤ فتبرع الإمام على الوكيل فلا بأس به.
وخالفهما الشيخ تقي الدين السبكي وغيره؛ فأفتوا بجواز الاستنابة.
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: النيابة في مثل هذه الأعمال المشروطة جائزة ولو عيَّنه الواقف إذا كان مثل المستنيب له في صفاته ولم يكن في ذلك مفسدة راجحة - كالأعمال المشروطة في الإجارة على عمل في الذمة.
وقال أيضًا فيمن زوّر ولايته لنفسه بإمامة وباشر: إن له أجر مِثْلٍ وأطلق، كمن ولايته فاسدة بغير كذبه إلَّا ما يستحقه عَدْلٌ بولاية شرعية.
انتهى.
فإذا كان قد جعل له أجر مثله مع الولاية الفاسدة؛ فمع الاستنابة من باب أوْلى أن يستحق، لكن هل يستحق أجرة 2 مثله أو المشروط، كل هذا محل نظر، ولو قيل: إن 3 ظاهر كلام الشيخ تقي الدين إنه يستحق الكل لما كان بعيدًا؛ لقوله: ومَن أكل المال بالباطل قوم لهم جهات معلومها كثير يأخذونه
ويستنيبون فيها حتى يسيروا 1، والله تعالى أعلم.
الرابع والخمسون بعد المائة: لو وُقِف على من يصلي الصلوات الخمس في هذا المسجد أو على من يشتغل بالعلم في هذه المدرسة أو يقرأ كذا كل 2 يوم في هذه التربة فأخلّ الإمام والمشتغل 3 والقارئ بهذه الوظائف في بعض الأيام، فأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أنه لم 4 يستحق شيئًا من الغلة في مقابلة الأيام التي أدى فيها الوظيفة بخلاف ما لو استأجره لخياطة خمسة أثواب فخاط بعضها فإنه يستحق حصة ما خاطه من الأجرة.
والفرق: أننا نتبع في الأعواض والعقود: المعاني، وفي الشروط والوصايا: بالألفاظ، والوقف في باب الأرصاد الأرزاق 5 لا من باب المعاوضات، فمن أخلَّ بشيء من الشروط: لم يستحق شيئًا.
انتهى.
قال الزركشي الشافعي: وفيه نظر؛ بل ينبغي أن يقال: يستحق قدر ما عمل، وعليه عمل الناس، ويدل له قول الأصحاب: أن من استؤجر للنيابة في الحج فمات وقد بقي عليه بعض الأركان أنه يوزَّع على العمل والسير، وهو واضح.
انتهى.
وأما عندنا؛ فإنهم قالوا: ما تأخذه 6 (106/ أ) الفقراء هل هو كإجارة أو جُعالة، وأنه يستحق بقدر عمله؛ لأنه موجب العقد عرفًا أو كرزق من بيت
المال؟ أقوال: الأخير: اختاره القاضي في خلافه وأبو العباس؛ فعلى الأخير؛ الذي يظهر: أنه يأخذ الجميع؛ لأنه أعانه على العلم، وعلى الثاني: صرَّحوا بأنه يستحق بقدر عمله، وعلى الأول: إن أجرينا فيه أحكام الإجارة لا يستحق شيئًا، وأما عند الشيخ تقي الدين ابن تيمية؛ فإن الشرط إذا أفضى إلى ترك ما هو أفضل منه لا عبرة به، فإنه أفتى به: فيمن بني مدرسة في القدس وشرط عليهم الصلوات 1 الخمس فيها، الأفضل لأهلها أن يصلُّوا الصلوات الخمس في الأقصى ولا يقف استحقاقهم الصلاةُ في المدرسة.
ووافقه ابن عبد السلام من الشافعية وغيره، بل عند الشيخ تقي الدين أن الأماكن لا تتعين لعبادة من العبادات دائمًا إلا إذا عيَّنها الشارع.
الخامس والخمسون بعد المائة: لباس الخطيب السواد؛ قال علماؤنا: يسنُّ له لِبس أفضل ثيابه: البياض.
وقالوا عن لِبس السواد: في الجملة يُباح -كعمامة: نُصَّ عليه، وثوب، وقُباء، وعنه: يكره للجند، وقيل: في غير حرب، وقيل: وإلَّا المصاب 2.
ونقل المروذي بحرقة الوصي ولم يرد أحمد سلام لابسه.
وقال الغزالي: كره جماعة لبس السواد؛ لأنه بدعة حدث بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وليس بمكروه؛ لكنه ليس بمحبوب إذْ أحبُّ الثياب إلى الله تعالى البياض.
السادس والخمسون بعد المائة: الدُعاء للسلطان في الخطبة؛ قال علماؤنا: يجوز الدعاء لمعين، وقيل يستحب للسلطان، ويستحب الدعاء