الباب الثامن والثلاثون في ذكر مِنى:
- "مِنَى" بكسر الميم وفتح النون مخفف بوزن ريا.
قال البكري: يذكَّر ويؤنّث، فمن أنّث لم يجره يعني لم يصرفه.
وقال الفراء: الأغلب عليه التذكير.
وقال الحازمي في "أسماء الأماكن": مِنَّى بكسر الميم وتشديد النون، الصقع قرب مكة.
ولم نر هذا لغيره؛ والصواب: الأول.
وبينه وبين مكة (40/ أ): ثلاثة أميال.
وسمي مِنَى؛ لما يُمنَى فيه من دماء الذبائح 1، أي: يُراق.
سئل ابن عباس: لم سميت مِنَى؟ فقال؛ لما يقع فيها من دماء الذبائح 2، وشعور الناس؛ تقربًا إلى اللَّه تعالى وتمنيًّا للأمان من عذابه.
وروى الكلبي عن ابن عباس، قال: إنما سميت منى؛ لأن جبريل عليه السلام حين أراد أن يفارق آدم عليه السلام قال له: تمنَّ؟ فقال: أتمنى الجنة؛ فسميت: مِنَى؛ لأمنية آدم عليه السلام، ذكره الأزرقي.
الجزء: 1 - الصفحة: 173
- وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: "قلت يا رسول اللَّه ألا يبنى 3 لك بِمنَى بيتًا أو بناء يظلك من الشمس، فقال لا إنما هو مُناخ مَنْ سَبَق" 4.
- قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب:
لم يكن لهم أن يتخذوا بمنى شيئًا، فإذا اتخذه فلا يدخله أحد إلا بإذنه.
قد كان سفيانًا اتخذ بها حائطًا وبنى فيه بيتين وربما قال لأصحاب الحديث يبقوها 5 فلا يدخل رجل مَضْرَب رجل إلا بإذنه.
قال القاضي: وظاهر هذا، أنه قد أجاز البناء بمنى 6 على وجه ينفرد به.
وقال في رواية ابن منصور: أما البناء بِمِنَى فإني أكرهه.
قال القاضي: فظاهر هذا؛ المنع.
فهذا كله؛ إذا قلنا إنها فُتحت عنوة، فأما إذا قلنا إنها فتحت صلحًا: فإنه يجوز بيعها وإجارتها. - وحدّ منى: من جمرة العقبة إلى وادي محسّر، قاله: ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" والأزرقي.
زاد الأزرقي عن عطاء أنه قال: فلا أحب أن ينزل أحد إلا فيما بين العقبة إلى محسر.
فأخذ النَّووي من كلام عطاء هذا: أن الجمرة ووادي محسر ليسا من مِنى.
حكاه في "شرح المهذب" عن الأزرقي وأصحاب الشافعي، وكذا جزم
الجزء: 1 - الصفحة: 174
الشيخ موفق الدين في "المغني" أنهما ليسا من مِنى.
وذكره عن الشافعي وعطاء، وتابعه الشيخ شمس الدين في "شرح المُقْنع".
وقال المحب الطبري: العقبة من مِنى، ولم ينقل عن أحد أن الجمرة ليست من مِنى.
وقال عمر رضي اللَّه عنه: لا يبيتنّ أحد من (40/ ب) الحجاج وراء العقبة حتى يكونوا بمنى.
وكذا قال ابن عمر.
ورُوي عن ابن عباس.
فظاهر كلامهم: أن العقبة من منى؛ إذ لم يقولوا: لا يبيتن أحد في العقبة، وإنما قالوا: وراء العقبة.
وقال الجوهري عن محسر: هو موضع بِمنَى.
وقال البكري: هو واد بجمع وما أقبل من الجبال على مِنَى فهو منها وما أدبر فليس منها.
- قال الأزرقي: وذرع مِنَى من جمرة العقبة إلى وادي محسر: سبعة آلاف ومائتا ذراع، وعرض منى من مؤخر المسجد الذي يلي الجبل إلى الجبل بِحِذاه: ألف ذراع.
قال الزركشي في "شرح الخرقي" لما ذكر محسر: قيل: وادِ بين المزدلفة ومنى.
وقيل: موضع بِمنَى، وقيل: ما صبَّ من محسر في المزدلفة فهو منها وما صب منه في مِنى فهو من مِنى.
قال المنذري: وصوَّبه بعضهم، وذكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية في "شرح العُمْدة" في موضع: أن محسرًا من مِنَى.
وذكر في موضع: تردّدًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 175