تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجدالباب السابع في فضل الحجر الأسود وذكر أخذه وردَّه:
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب السابع في فضل الحجر الأسود وذكر أخذه وردَّه:

عن ابن عباس مرفوعًا: "نزل الحجر (16/ ب) الأسود من الجنَّة وهو أشد بياضًا من اللبن فسوَّدته خطايا بني آدم" أخرجه الترمذي وصحَّحه 1. وعن ابن عباس أيضًا مرفوعًا: "إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق" أخرجه ابن خُزَيْمَة في صحيحه وصحَّحه أيضًا ابن حبَّان والحاكم 2. وعن عمرو بن العاص 3 مرفوعًا: "الحجر 4 والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنَّة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب" أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن حبَّان 5.

الجزء: 1 - الصفحة: 84

وروى الإمام أحمد وابن حبَّان في صحيحه عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مسْح الحجر والركن اليماني يحطّ الخطايا حطًّا" 6.

  • اعترض بعض الملحدين؛ في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحجر سوَّدته خطايا بني آدم، فقال: ما سوَّدته خطايا بني آدم ينبغي أن يبيِّضه توحيد المسلمين.
    أجاب ابن قتيبة فقال: لوشاء الله لكان ذلك، ثم أما علمت أيها المعترض أن السواد 7 يصبغ ولا ينصبغ وأن البياض ينصبغ ولا يصبغ.
    وأجاب ابن الجوزي: بأن إبقاء أثر الخطايا فيه، وهو السواد، أبلغ في باب العِبرة والعِظة من تغيير ذلك ليُعلم أن الخطايا إذا أثرت في الحجر فتأثيرها في القلوب أعظم، فوجب لذلك أن يجتنب 8. وروى ابن الجوزي بسنده إلى أبي الطُّفَيْل عامر بن واثلة عن أبيه أو جدِّه قال: رأيت الحجر الأسود أبيض، وكان أهل الجاهلية إذا نحروا بُدُنهم لطخوه بالفرْث والدم.
  • وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبَّل الحجر الأسود وقال: "إني أعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبِّلك ما قبَّلتُك" 9.
  • قال ابن الجوزي: في هذا الحديث من الفقه: أن عمر نبَّه على مخالفة الجاهلية فيما كانت عليه من تعظيم الأحجار، وأخبر أني إنما فعلت ذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 85

للسنَّة لا لعادة الجاهلية.
وفيه بيان متابعة السنن؛ وإن لم يوقف لها على عِلَل.
على أنه قد ذُكرت عِلَّتان في تقبيل (17/أ) الحجز ولمسه: إحداهما: أنه قد رُوي في الحديث أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، وكان ذلك في ضرب المثل كمصافحة الملوك للبيعة 10 وتقبيل المملوك 11 يد المالك، ثم ذكر بسنده إلى ابن عباس أنه قال: "الحَجَر يمين الله في الأرض، فمَن لم يدرك بيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسح الحجر فقد بايع الله ورسوله" 12، ورُوي عن ابن عباس في لفظ آخر أنه قال: "الركن الأسود يمين الله عزَّ وجلَّ" 13. الثانية: لما أخذ 14 الميثاق كتب كتابًا على الذرِية فألقمه هذا الحجر، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء وعلى الكافر بالجحود.
وهذا مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قال العلماء: ولهذه العلة يقول لامسه 15 إيمانًا بك ووفاءً بعهدك.

  • وروى الأزرقي بسنده إلى ابن عباس أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليبعثنّ هذا الحجر يوم القيامة، وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بالحق" 16.

الجزء: 1 - الصفحة: 86

فصل

  • وأما أخْذه؛ فذكر أهل التاريخ أن عدوَّ الله أبا طاهر القرمطي وافى مكة في سابع ذي الحجة وقيل في ثامنه سنة سبع عشرة وثلاثماثة وفعل فيها هو وأصحابه أمورًا منكرة، منها: أن بعضهم ضرب الحجر افي سود بدبُّوس فكسره ثم قلَعه، وقيل قلَعه جعفر بن علاج البنَّاء بأمر أبي طاهر يوم الاثنين بعد الصلاة لأربع عشرة خلت من ذي الحجة.
    وذهب به معه إلى بلاده هَجَر.
    وبقي موضعه خاليًا يضع الناس فيه أيديهم للتبرّك إلى حين رُدَّ إلى موضعه من الكعبة المعظَّمة وذلك يوم الثلاثاء يوم النَّحر من سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة على ما ذكر المسبحي 17 وذكر أن الَّذي وافى به مكة سُنَين بن الحسن القرمطي.
    وذكر بعضهم: أن القرامطة قلعوا الحجر والباب وأصعدوا رجلًا لقلع الميزاب فتردَّى على رأسه وأخذوا أسلاب 18 مكة والحاج وألقوا القتلى في زمزم.
    وهلك تحت الحجر من مكة إلى الكوفة أربعون جملًا فعلَّقه لعنه الله على الإسطوانة السابعة من جامع الكوفة (17/ ب) إلى الجانب الغربي؛ ظنًّا منه: أن الحج ينتقل إلى الكوفة.
  • قال ابن دحية، ثم حُمِل الحَجَر إلى هَجَر سنة سبع عشرة وثلاثمائة.

الجزء: 1 - الصفحة: 87

وبقي عند القرامطة اثنين وعشرين سنة إلا شهرًا، ثم رُدَّ لخمس خَلَوْن من ذي الحِجَّة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
وكان حَكَم التركي بذل لهم في ردِّه خمسين ألف دينار فلم يفعلوا وقالوا: أخذناه بأمر ولا نرده إلَّا بأمر.

  • وقيل: إنهم باعوه من الخليفة المقتدر بثلاثين ألف دينار.
    ولما أرادوا تسليمه، أشهدوا عليهم أنهم تسلَّموا الحجر الأسود، وقالوا لهم بعد الشهادة: "يا مَن لا عقل لهم، مَن علم منكم أن هذا هو الحجر الأسود ولعلنا أحضرنا حجرًا أسود من هذه البرية عوضه، فسكت الناس، وكان فيهم عبد الله بن عكيم المحدّث، فقال لنا في الحجر الأسود علامة، فإن كانت موجودة: فهو هو؛ وإن كانت معدومة: فليس هو، ثم رفع حديثًا غريبًا أن الحجر الأسود يطفو على وجه الماء ولا يسخن بالنار إذا أوقدت عليْه، فأحضر القرمطي طستًا فيه ماء ووضع الحجر فيه فطفى على الماء، ثم أوقدت عليه النار فلم يحس بها فمدَّ عبد الله المحدِّث يده وأخذ الحجر وقبَّله وقال: أشهد أنه الحجر الأسود، فتعجَّب القرمطي من ذلك، وقال: هذا دين مضبوط بالنقل.
    وأُرسل الحَجَر إلى مكة.
  • قال ابن دحية: عبد الله بن عكيم هذا لا يعرف، والحجر الأسود جلْمدًا 19 لا تخلَّل فيه.
    والذي يطفو على الماء يكون فيه بعض التخلل كالخفاف وشبهه.
    قال وللحجر الأسود علامات غير ذلك، وعرضه وطوله معلوم عند جميع من ألَّف في أخبار مكة ولا يمكن التدليس فيه والنقطة البيضاء التي فيه من أكبر العلامات.

الجزء: 1 - الصفحة: 88

قلت: ولقد شاهدت في سنة خمس وسبعين وثمانمائة وقد ذهبت تلك النقطة البيضاء منه.

  • وذكر الذهبي: أنه هلك تحته لما حُمِل إلى هَجَر أربعون جملًا، فلما أعيد حُمل على قَعُود هزيل فسمِن.
    وقيل: هلك تحته لما حُمل (18/أ) إلى هجر ثلاثمائة بعير، وقيل: خمسمائة بعير.
    والله تعالى أعلم! ..

الجزء: 1 - الصفحة: 89

فصول الكتاب · 76 فصل
فصول تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد
المقدمةالباب الأول في ذكر أسمائهاالباب الثاني في ذكر بنائهاالباب الثالث في كيفية بناء المسجد الحرامالباب الرابع في فضل المسجد الحرامالباب الخامس في ذكر كسوة الكعبة، زادَها الله شرفًا:الباب السادس في سدانة البيتالباب السابع في فضل الحجر الأسود وذكر أخذه وردَّه:الباب الثامن فيما جاء في رفع الحجر الأسودالباب التاسع في ذكر الركن اليمانيالباب العاشر في ذكر الحِجْر:الباب الحادي عشر في ذكر الميزابالباب الثاني عشر في ذكر الحطيمالباب الثالث عشر في فضل النظر إلى البيت ونزول الرحمة عليهالباب الرابع عشر في ذكر المواضع التي يُستجاب فيها الدعاء:الباب الخامس عشر في ذكر طواف الحشرات بالبيتالباب السادس عشر في ذرع الكعبة من جهاتها الأربع وارتفاعها في السماء وذِكْر الشاذروانالباب السابع عشر في ذكر المقامالباب الثامن عشر في ذكر ابتداء زمزم وتجديدها بعد دثورهاالباب التاسع عشر في ذكر الشرب من ماء زمزم والوضوء والغُسل وإزالة النجاسة به:الباب العشرون في أسماء زمزمالباب الحادي والعشرون في غور الماء قبل يوم القيامة إلَّا زمزم وذكر ذرعها وغور مائها وفوره:الباب الثاني والعشرون في حدِّ المسجد الحرام ومن هو حاضره:الباب الثالث والعشرون في ذكر حال انتهاء البيتالباب الرابع والعشرون في أسماء مكةالباب الخامس والعشرون في فضل مكةالباب السادس والعشرون في فضل صوم رمضان بمكةالباب السابع والعشرون في أن الحسنات كلها تضاعف بمكة كالصلاةالباب الثامن والعشرون في أن السيئات تضاعَف فيها كما تضاعَف الحسنات وأنه يعاقَب عليها قبل فِعلها:الباب التاسع والعشرون في بيان أن أهل مكة أهل الله تعالىالباب الثلاثون في ذكر حدود الحرمالباب الحادي والثلاثون في ذكر نُصُب حدود الحرم وأول مَن نصَبَها:الباب الثاني والثلاثون في ذكر تعظيم حُرمة الحرَم:الباب الثالث والثلاثون في ذرْع المسجد الحرام وعدد اسطواناته:الباب الرابع والثلاثون في عدد الطاقات (1) به:الباب الخامس والثلاثون في صفة أبواب المسجد وعددها وذرْعها:الباب السادس والثلاثون في ذرع جدرات المسجد وعدد شرفاتهالباب السابع والثلاثون في حكم بيع مكة وإجارتهاالباب الثامن والثلاثون في ذكر مِنى:الباب التاسع والثلاثون في ذكر مسجد الخيْف:الباب الأربعون في ذكر آيات عظام بِمنى:الباب الحادي والأربعون في ذكر المزدلفةالباب الثاني والأربعون في الطريق من المزدلفة إلى عرفةالباب الثالث والأربعون في ذكر عرَفة وحدودها:الباب الرابع والأربعون في ذكر المجاورة بمكة شرَّفها اللَّه تعالى:الباب الخامس والأربعون في كراهة نقل تراب الحرم وحجارته إلى الحلّ وعكسهالباب السادس والأربعون في بيان الحجازالباب السابع والأربعون في ذكر جزيرة العربالباب الثامن والأربعون في ذكر خصائص البيت والمسجد الحرام وأحكامهماالباب الأول في ذكر بنائهالباب الثاني في فضلهالباب الثالث في فضل الصلاة فيهالباب الرابع في ذكر منبر النبي - صلى الله عليه وسلم -الباب الخامس في ذكر الروضةالباب السادس في حنين الجذع الَّذي كان في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -:الباب السابع في ذكر بناء الجدار الَّذي سقط في زمن الوليد بن عبد الملك:الباب الثامن في ذكر آثار حسنة في المسجد الشريفالباب التاسع في فضل المدينةالباب العاشر في ذكر حدود الحرمالباب الحادي عشر فى أسماء مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -الباب الثاني عشر في ذكر خراب المدينةالباب الثالث عشر في ذكر خروج النار التي أخبر عنها المختارالباب الرابع عشر فيما جاء أن المدينة أقل الأرض مطرًا:الباب الخامس عشر هل المدينة حجازية أم شامية أم يمانية؟الباب السادس عشر في ذكر جملة من الخصائص والأحكام والفضائلالباب السابع عشر في صفة قبر النبيُّ وقبر صاحبيه رضي الله عنهما:الباب الثامن عشر في ذكر مسجد قباء وأهلهالباب الأول في معنى اسمه وابتداء بنائهالباب الثاني في فضله وفضل الصلاة فيهالباب الثالث في ذكر فتح بيت المقدس ومصلى المسلمين الذي بناه عمر (1) رضي الله عنه والصخرة وغير ذلك:الباب الرابع في أسمائهاالباب الخامس في ذكر جملة من خصائصه وأحكامهالباب الأول في ذكر أول مسجد بنُي في الإِسلام:الباب الثاني في ذكر طرف من أخبار المدارسالباب الثالث في ذكر أول مسجد وضع بالقاهرةالباب الرابع في ذكر أحكام تتعلق بسائر المساجد
جارٍ التحميل