تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجدصفحات 331-370

الباب الرابع في ذكر أحكام تتعلق بسائر المساجد

صفحات 331-370

: الأول: يجوز للمحدِث الحدث الأصغر: الجلوس في المسجد؛ وادَّعى بعضهم فيه الإجماع؛ ودليله: أن أهل الصُّفَّة كانوا ينامون في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ والمراد: إذا لم يكن به علة غير الحدث الأصغر على ما يأتي.
الثاني: يُمنع السكران من دخوله؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ 1، والنهي عن قُربان الصلاة: نهى عن قُربان مواضعها.
الثالث: يُمنع نجس البدن من الَّلبث فيه بلا تيمُّم، ذكره ابن تميم وغيره.
وقال بعض الشافعية: إنْ خاف تلويث المسجد: لم يجِز الدخول، وإن أمِن ذلك: جاز.
الرابع: يُستحب لزوم المساجد والجلوس فيها لطاعة الله تعالى، لما في ذلك من إحياء البقعة وانتظار الصلاة؛ وقد (82/ ب) صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات! ! قالوا بلى يا رسول الله! ! قال: كثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" 2.

وقال سعيد بن المسّيب: "إن للمساجد عبادًا لله أوتادًا، جلساؤهم الملائكة، فإذا فقدوهم سألوا عنهم، فإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم": رواه الإمام أحمد، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولفظه: "إن للمسجد أوتادًا؛ الملائكة جلساؤهم، إن غابوا: يفتقدونهم 1، وإن مرضوا: عادوهم، وإن كانوا في حاجة: أعانوهم.
وقال: جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد.
أو كلمة مُحْكَمة.
أو رحمة منتَظرة" 2. الخامس: يجوز عمارة المساجد كلها وكسوتها وإشعالها بمال كافر وأن يبنيه بيده.
ذكره في "الرعاية" وغيرها، فظاهره: إن لم يكن صريحًا، لا فرق بين المسجد الحرام وغيره، فعلى هذا المراد 3؛ العمارة في الآية: دخوله وجلوسه فيه؛ يدل عليه: خبر أبي سعيد المرفوع: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ - الآية 4 -، رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسَّنه 5 من رواية دراج أبي السمح وهو ضعيف.

أو معنى الآية: "مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُتْرَكُوا فَيَكُونُوا أَهْلَ المَسْجِدِ الحَرَامِ".
وذكر في "الفنون": أن الآية واردة على سبب؛ وهو عمارة المسجد الحرام، فظاهره: المنع منه فقط لشرفه، فلا يُلحق به غيره.
وفي تفسير ابن الجوزي في بنائه وإصلاحه ودخوله وجلوسه فيه: كلاها محظور على الكافر، يجب منعهم من ذلك ولم يخص به مسجدًا - كما قاله جماعة من العلماء.
السادس: يُسَنّ صوْنه عن نوم، وعنه: إن اتخذه مبيتًا ومَقيلًا: كُره مطلقًا؛ وإلا فلا يُكرَه مطلقًا.
واستثنى في "الغنية": نوم المعتكف والغريب.
وذكر في "الشرح" في أواخر باب الأذان: أنَّه يباح النوم في المسجد؛ ولم يفصل.
وقال الحارثي من علمائنا: لا خلاف في جوازه للمعتكف، وكذا ما لا يستدام كبيوتة الضيف المريض والمسافر، وقيلولة المجتاز ونحو ذلك، نُصّ عليه من رواية غير (83/ أ) واحد.
وما يُستَدام من النوم؛ كنوم المقيم به؛ فعن أحمد: المنع منه - كما مرّ من رواية صالح، وابن منصُور، وأبي داود.
وحكى القاضي رواية بالجواز، وهو قول الشافعي، وجماعة، قال: وبهذا أقول.
وعن ابن عمر: أنَّه كان ينام وهو شاب عَزَب لا أهل له في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه البخاري، وأبو داود، والنَّسائي، وأحمد.
ولفظه: "كنا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ننام في المسجد ونَقيل فيه" 1.

وللترمذي - وصححه -، ولفظه: "كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن شباب" 1: قال ابن عباس: لا نتخذه مقيلًا ومَبيتًا.
السابع: إذا بدره بصاق، وهو البزاق، والبساق من الفم أو مخاط من الأنف أو نخامة، وهي النخاعة من الصدر: أزاله في ثوبه.
واختار صاحب "المحرر": يجوز فيه في بقعة تندفن فيها.
وعند المالكية: إن كان المسجد محصبًا: جاز فيه ولو أمامه وعن يمينه ويدفنه لا تحت حصير، خلافًا لمالك.
قال أحمد: البزاق فيه خطيئة، وكفارته: دفنه؛ للخبر 2؛ وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي.
قال صاحب "النظم" وكيف يجوز فعل الخطيئة اعتمادًا على أنَّه يكفِّرها 3. ثمَّ احتجَّ بما يوجب الحد وقد يُعاجل أو يُنسى.
قال القاضي: إذا دفنها، كأنه لم يتنخَّم وإن لم يُزلها لزم غيره إزالتها؛ لخبر أبي ذَرّ: وجدت في مساوى أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن".
رواه مسلم 4. ويستحب تخليق موضعها؛ لفعله عليه الصلاة والسلام.
قال القفال من الشافعية في "فتاويه": حديث النخاعة؛ محمول على ما نزل من الرأس، أما إذا كان من صدره: فإنَّه نجس لا يجوز دفنه في

المسجد، وكذا جزم ابن الجوزي بنجاسته.
الثامن: قال ابن عقيل: يحتمل أن يُباح الفصد في المسجد في طست؛ لحديث المعتكفة المستحاضة.
انتهى.
قال في "الآداب": وعلى قياسه؛ إخراج كل نجاسة في إناء في المسجد.
وفي "شرح المهذَّب" للشافعية: إنْ قطَر دمه في إناء: فمكروه، والأولى: تركه، وجزم البندنيجي - منهم -: بأنَّه حرام.
التاسع: يحرم البول فيه والقيء ونحوه، وظاهر كلامهم: ولو في (83/ ب) وعاء.
وصرَّح به أبو العباس ابن تيمية في "الفتاوى المصرية"؛ فإنَّه سُئل عن رجل مجاور في مسجد وليس به ضرر والسقاية بالقُرب منه، فهل له أن يبول في وعاء في المسجد؟ فقال: ليس له أن يبول في وعاء في المسجد؛ والحال هذه، وفيه احتمالان لابن الصباغ من الشافعية، أصحهما في "الروضة": التحريم.
العاشر: يُكره التمسح بحائطه والبول عليه.
نُصَّ عليه في رواية إسحاق ابن إبراهيم.
وذكر ابن عقيل في آخر الإجارة من "الفصول": أن أحمد قال: أكره لمن بال أن يمسح ذكَره بجدار المسجد.
قال: والمرادُ به الحظْر وإن بال خارجًا عنه وجسده فيه دون ذكَرِهِ: كُرِهَ، وعنه يحْرم.
الحادي عشر: إذا كان في مسجد بركة: يغلق عليها باب المسجد، لكن يمشي حولها دون أن يُصلَّى حولها: هل يحرم البول عندها والاستنجاء بالماء بغير الاستنجاء بالحجر؟

أجاب أبو العباس في "الفتاوى المصرية": بأن هذا يشبه البول في المسجد في القارورة.
ومن الفقهاء من نهى عنه؛ لأنَّ هواء المسجد كَقَرَارِهِ في الحرمة.
ومنهم من يرخص للحاجة، والأشبه: أن هذا إذا فعل للحاجة فقريب.
وأما اتخاذ ذلك مبالًا ومستنجًا؛ فلا، والله أعلم.
الثاني عشر: يُسَّن أن يُصان عن حائضٍ ونُفَسَاء مطلقًا.
قال في "الآداب": والأوْلى أن يُقال: يجب صونه عن جلوسهما فيه، ويسن عن المرور، وكذا الجُنب بلا وضوء.
وفي جواز مبيت الجُنب مطلقًا فيه بلا ضرورة: روايتان: هل يجوز إن كان مسافرًا أو مجتازًا وإلا فلا، كذا في "الرعاية"، فإن توضأ الجنُب: جاز له الَّلبث عند أحمد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي.
وقال أبو العباس في "الفتاوى المصرية": لبث الحائض في المسجد لضرورة: جائز، كما لو خافت من يقتلها إن لم تدخل المسجد أو كان البرد شديدًا، أو ليس لها مأوى إلا المسجد.
وقد ثبت في "الصحيح": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة ناوليني الخُمرة من المسجد، فقالت: إني حائض! فقال: إن حيضتك ليست في يدك 1! ! الثالث عشر: في كراهة الوضوء فيه والغسل: روايتان عن الإمام أحمد، وحكى بعضهم: أنَّه لا يجوز؛ فإن حُمل على رواية أن المستعمل في رفع الحدث (84/ أ) نجس؛ فواضح، وإلا فلا.
قال المروزي؛ قلتُ لأحمد: يتوضأ الرجل في المسجد؟ قال: لا يعجبني أن يتوضأ في المسجد.
وقد اختلفت أصحابه في قوله "لا يعجبني": هل هو للكراهة أو للتحريم؟

قال القاضي: يكره تجديد الطهارة في المسجد - كما يكره غسل اليد؛ لأنه يتمضمض ويستنشق فربما تنخَّع فيه.
وقال أبو العباس في "الفتاوى المصرية": أما الوضوء في المسجد فلا بأس به عند أكثر العلماء، وقد كرهه بعضهم.
وقال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد إلَّا أن يتوضأ في مكان يبلُّه ويتأذى الناس به، ويشترط أن لا يحصل تمخّط بالاستنشاق ولا بصاق بالمضمضة ونحو ذلك من التنخّع؛ وإلَّا فينتهي إلى التحريم.
وحكى المازري عن بعضهم الجواز مع ذلك؛ لأنَّ البصاق إذا خالطه الماء صار في حكم المستهلَك.
الرابع عشر: يُباح قتل البراغيث والقمل فيه، نُصَّ عليه.
قال في "الآدب" 1: وهذا ينبغي أن يقال: إنه مَبنىٌّ على طهارته كما هو ظاهر المذهب.
وينبغي أن يقيَّد بإخراجه؛ لأنَّ إلقاء ذلك في المسجد وبقاءه لا يجوز.
وكره مالك قتل القمل والبراغيث في المسجد.
الخامس عشر: يُسَنّ أن يصان عن رائحة كرجهة؛ من بصل، وثوم، وكرَّاث، ونحوها، ويكره حضوره لمن أكله حتى يذهب ريحه.
وعنه: يحرم.
وقيل: فيه وجهان حتى لو خلا من آدمي؛ لتأذي الملائكة بذلك، فإن دخل: أُخرج.
ذكره غير واحد.
وهل يُخرَج وجوبًا أو استحبابًا، مبنىً على ما تقدم.

السادس عشر: إخراج الريح من الدُّبر في المسجد: قاسه بعض علمائنا على التي قبلها، وعند الشافعية؛ لا يحرم لكن الأوْلَى اجتنابه.
وعند الحنفية هو مكروه.
السابع عشر: السواك في المسجد؛ هل هو جائز أم لا؟ أجاب أبو العباس في " الفتاوى المصرية": أما السِّواك في المسجد، فما علمت أحدًا من العلماء كرهه؛ بل الآثار تدل على أن السلف كانوا يستاكون في المسجد.
ويجوز أن يبصق الرجل في ثيابه في المسجد ويتمخَّط (84/ ب) في ثيابه باتفاق الأئمة وبسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثابتة عنه، بل يجوز التوضي في المسجد بلا كراهة عند جمهور العلماء؛ فإذا جاز الوضوء فيه مع أن الوضوء يكون فيه السواك ويجوز الصلاة فيه، والصلاة يُسْتاك عندها، فكيف يكره السواك؟ ! وإذا جاز الامتخاط والبصاق فيه فكيف يكره السواك؟ ! انتهى.
وذكر بعضهم: أن مذهب مالك كراهة الاستياك في المسجد؛ خشية أن يخرج من فيه دم ونحوه مما ينزه المسجد عنه.
قال القرطبي في "المفهم": لم يثبت قط أنَّه - صلى الله عليه وسلم - استاك في المسجد؛ فلا يُشرع لما فيه من زوال الأقذار فيه، والمسجد منزّه عنها.
وأهل الهيئات والمروءات يمنعون من زوال الأقذار في المحافل والجماعات.
قال: ومعنى قوله: "لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كل صلاة" 1، أي: عند كل وضوء.
انتهى.
قال بعضهم: وهذا عجيب منه؛ فإنَّه قد صح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستاك

عند كل صلاة، وأكثر صلاته بالمسجد، وأعجب منه: تأويل الصلاة بالوضوء.
انتهى.
قلت: أما الثاني؛ فمسلم، وأما الأول 1: فلا.
الثامن عشر: تسريح اللحية في المسجد: هل هو جائز أم لا؟ أجاب أبو العباس في "الفتاوى المصرية"، فقال: أما التسريح فإنما كرهه بعض الناس بناء على أن شعر الإنسان المنفصل عنه طاهر كمذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه وأحد الوجهين في مذهب الشافعي وهو الصحيح، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حلق رأسه أعطى نصفه لأبي طلحة ونصفه قسمه بين الناس، وباب الطهارة والنجاسة يشارك النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه أمته، بل الأصل أنَّه أسوة لهم في جميع الأحكام، إلا ما قام فيه دليل يوجب اختصاصه، وأيضًا؛ فالصحيح الذي عليه الجمهور: أن شعور الميتة طاهرة بل في أحد قولي العلماء ومذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين؛ لأنَّ جميع الشعور طاهرة حتى شعر الخنزير.
وعلى القولين؛ إذا سرح (85/ أ) شعره وجمع الشعر فلم يترك في المسجد، فلا بأس بذلك، أما إذا ترك شعرة في المسجد: هذا يكره؛ وإن لم يكن نجسًا؛ فإن المسجد يصان عن القذاة التي تقع في العين.
التاسع عشر: كره مالك أخذ شعره وأظفاره في المسجد ولو جمعه وألقاه؛ لحرمة المسجد.
وكره ابن عقيل إزالة ذلك في المسجد مطلقًا؛ صيانة له، وذكر غيره: يسنُّ ذلك.

قال صاحب "الفروع": وظاهره مطلقًا فلا يحرم إلقاؤه فيه.
قال الشيخ مجد الدين: قياس مذهبنا أنه لا بأس به - كما في غسل يده في الطسْت وترْجيل شعره - كما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم -: أن عائشة - رضي الله عنها - كانت ترجّله وهو في المسجد 1، مع كون الترجيل غالبًا لا يخلو من سقوط شيء من الشعر.
العشرون: قال ابن تميم وغيره: ويجنب المسجد الصبيان والمجانين.
وقال بعض علمائنا: يُسَنُّ أن يُصان عن صغير.
قال صاحب "الفروع": أَطْلَقُوا العبارة، والمراد والله أعلم: إذا كان صغيرًا لا يميِّز، لغير مصلحة ولا فائدة.
وعن مجنونٍ حال جنونه.
وقال بعض الشافعية: يكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يُميِّزون المسجد من غير حاجة مقصودة؛ لأنه لا يؤمَن تنجيسهم المسجد.
في "المعجم الكبير" للطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "جنِّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وأصواتكم وسلَّ سيوفكم وإقامة حدودكم وجمّروها في سبع، واتخذوا على أبواب مساجدكم المطاهر" 2. وأطلق النَّووي في "الرَّوضة" المنع من دخول الصبيان والمجانين المسجد.

قال في "إعلام الساجد": وهو في المجانين ظاهر؛ إذا خيف منه تلويثُهُ، أما مع الأمن والتمييز؛ فلا، لأنَّ غير المميَّز كالبهيمة.
وُيحمل؛ على أن يمنع وليه من إدخاله المسجد إذا خيف حدثُهُ فيه.
وقال في "شرح مسلم": يجوز إدخال الصبي المسجد؛ وإن كان الأولى تنزيه المسجد عن من لا يؤمن منه حدَث.
انتهى.
الحادي والعشرون: لو أجنب وهو خارج المسجد ولم يجد إلا عينًا في مسجد لا قدرة له على مائها إلَّا أن يدخل المسجد؛ (85/ ب) ماذا يفعل؟ قال ابن عقيل في "المنثور": هذه المسألة سأل عنها أبو يوسف مالك بن أنس بمكة؛ فقال مالك: يدخل فيغتسل في المسجد.
قال له أبو يوسف: أخطأت! فقال مالك: فما يفعل أيها الشيخ؟ قال: يتيمم للدخول، ويدخل فيغتسل، فسكت مالك على ما حكى.
قال ابن عقيل: وقلت مذْهبنا فيه جواب يخالف هذا؛ وهو: أنه يجوز له الدخول من غير إطالة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ 1، فإذا دخل؛ فهل يغتسل فيه؟ على روايتين: إحداهما: يُكره ذلك، والأخرى: لا يُكره، فعلى هذا: يجوز له التيمم بعد الدخول فيه لأجل الَّلبث للاغتسال.
انتهى.
وقال القاضي حسين وغيره من الشافعية: ليس له أن يدخل ويغتسل فيه؛ لأنَّه يلبث في المسجد لحظة مع الجنابة.
قال في "التهذيب" للشافعية: إن كان معه إناء: تيمم ثمَّ دخل وأخرج الماء للغُسل، وإن لم يكن معه إناء: صلَّى بالتيمم.
قال النووي: وهذا الذي قاله؛ فيه نظر، وينبغي أن يجوز الاغتسال منه

إذا لم يجد غيره ولم يجد إناءً، ولا يباح له التيمم، فإن جوَّزْنا المرور في المسجد الطويل لغير حاجة فكيف نمنعه بمكث لحظة لسبب الضرورة التي لا مندوحة عنها؟ الثاني والعشرون: نقل ابن عقيل في "المنثور"، عن شيخه القاضي أبو 1 يعلى؛ أنه سئل عن قوم ينامون في المساجد وتصيبهم الجنابة وُيحدِثون، فقال: نقل إبراهيم ابن هانئ عن أحمد في الرجل ينام في المسجد فتصيبه الجنابة، إن قدر أن يخرج فيغتسل: خرج، وإلَّا بات في المسجد؛ لعله إن خرج يصيبه البرد.
واستدل؛ بأن وفدًا قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزلهم المسجد 2. وكذا قال الشافعية: ينام في المسجد للضرورة لكنه يتيمم.
قال في "الروضة": وجوبًا إن وجد غير تراب المسجد ولا يتيمم بترابه.
وقال الرافعي: ويَحْسن أن يتيمم.
وقال الروياني في "البحر": يتيمم بغير تراب المسجد، فإن لم يجد إلَّا تراب المسجد لا يتيمم، كما لو وجد ترابًا مملوكًا للغير.
ولكنه لو تيمم به جاز.
قال النووي: وأيُّ مانع يمنع من غبار يسير (86/ أ) للضرورة؟ والفرق بينه وبين المملوك ظاهر.
الثالث والعشرون: قال في "الفصول" و"المستوعب": عمارة المساجد ومراعاة أبنيتها: مستحبة، قال ابن تميم: بناء المسجد مندوب إليه.

وقال الشيخ وجيه الدين ابن منجا في "شرح الهداية": بناء المسجد مستحب وردت الأخبار بالحث عليه.
وقال في "الرعاية": إصلاح الطرق والمساجد والجوامع من فروض الكفايات.
الرابع والعشرون: في جواز دخول الكافر مساجد الحِلِّ بإذن مسلم لمصلحة؛ روايتان: قال في "الرعاية الكبرى": والمنع مطلقًا أظهر، فإن جاز ففي جواز جلوسه جُنُبًا وجهان، وحكى بعضهم رواية الجواز من غير اشتراط إذن.
وفي "المستوعب": هل يجوز لأهل الذمة دخول مساجد الحلّ؟ على روايتين.
وفي "الشرح" وغيره؛ هل يجوز دخولها بإذن مسلم؟ على روايتين وإن الصحيح من المذهب: الجواز.
فظهر من هذا الخلاف: هل هو في كل كافر أم في أهل الذمة؟ فقط طريقان، وهل محلّ الخلاف مع إذن المسلم لمصلحة أو لا يُعتبران أو يعتبر إذن المسلم؟ فقط ثلاث طرق.
ومذهب أبي حنيفة: يجوز للكتابي دون غيره.
ومذهب مالك وغير واحد: لا يجوز مطلقًا.
ومذهب الشافعي: جواز دخوله بإذن مسلم.
هكذا أطلقه الرافعي والنَّووي.
وذكر بعضهم قيودًا: أحدها: إذا لم يكن شُرط عليه في عقد الذمَّة عدم الدخول، فإن كان قد

شُرِط عليه ذلك، لم يؤذن له.
الثاني: يشترط في الإذن التكليف، فلا عبرة بإذن الصبي والمجنون.
وقيل: لا بد أن يكون الإمام.
وقيل: إذنه في الجامع بخلاف مساجد المحال والقبائل.
وقيل: إن كان المقام أكثر من ثلاثة أيام: لم يصح إلَّا مِن الإمام، وأن يجتمع عليه أهل تلك الناحية؛ بشرط أن لا يتضرر أحد من المصلين وإن كان لاجتياز أو شيء يسير، وكان من الجوامع التي لا يترتب فيها الأئمة إلا بإذن السلطان، فلا بدَّ من إذنه ونحوه.
وإن كان مساجد القبائل: فوجهان، أظهرهما: يكفي إذْنُ مَن يصح أمانُهُ.
والثاني: لا يصحُّ إلَّا ممن 1 كان من أهل الجهاد.
الثالث: هذا إذا استأذن (86/ ب) لسماع قرآن أو علم و 2 رُجِىَ إسلامه أو دخل لإصلاح بنيان ونحوه.
فإذا استأذن لنوم أو أكل ونحوه؛ ففي "الروضة": ينبغي أن لا يؤذَن له في الدخول.
وقال غيره: لا 3 يجوز لنا أن نأذن له في ذلك.
واستثنى بعضهم من الإطلاق الأول مسألتين: إحداهما: ما لو جلس فيه الحاكم للحكم فلا بد من دخوله للمحاكمة بغير إذن ويَنْزِلُ جلوسُه منزلة إذنه، نقله في "الرَّوضة"، عن البغوي.

الثاني: دخوله لحاجة إلى مسلم أو حاجة مسلم إليه.
ذكره الروياني.
الخامس والعشرون: يسَنَّ صون المسجد عن: إنشاد شعر قبيح ومحرم وغناء وعمل سماع.
قال في "الغُنْيَة": لا بأس بإنشاد شعر خال من سخف وهجاء المسلمين، والأولى: صيانتها إلَّا أن يكون من الزهديات فيجوز الإكثار؛ لأنَّ المساجد وضعت لذكر الله تعالى فينبغي أن تجل عن ذلك.
وفي "الرعاية": يباح إنشاد شعر مباح فيه.
وعند الشافعية: ينبغي أن لا ينشد في المسجد شعرًا ليس فيه مدح للإسلام ولا حث على مكارم الأخلاق ونحوه، فإن كان لغير ذلك: حَرُم.
قاله النَّووي في "شرح المهذَّب".
وعن ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأيتموه يُنشد شعرًا في المسجد فقولوا فضَّ الله فاك ثلاث مرات" رواه ابن السُّنِّي 1. وحمله بعضهم؛ على ما فيه هجو ومدح بغير حق.
وفي "الصحيح": أن حسَّان كان ينشد في المسجد بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - 2، وكذلك كعبُ بن زُهَيْر.
قلت: الذي يتعيَّن؛ ما رواه الإمام أحمد في "مسنده": "الشعر كالكلام، حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه" 3.

السادس والعشرون: يسنُّ صونه عن إنشاد ضالَّة، وهو: تعريفها ونُشدانها وهو طلبها، ويقول له سامعه: "لا وجدتهَا ولا ردها الله عليك".
ذكر في "الرعاية" في "الشرح": يكره إنشاد الضالَّة في المسجد.
وفي "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سمع رجلًا يَنشد ضالَّة في المسجد فليقُل: "لا ردَّها الله عليك فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا" 1. ووجَّه بعضهم التحريم من البيع على ما يأتي.
السابع والعشرون: لا يجوز البيع والشراء في (87/ أ) المسجد للمعتكف وغيره: نُصَّ عليه في رواية حنبل، وجزم به القاضي، وابنه أبو الحسين، وصاحب "الوسيلة" و"الإيضاح" وغيرهم؛ لما روى أحمد: من حديث عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: "نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البيع والشراء في المسجد وأن يُنشد فيه الأشعار وأن يَنشد فيه الضالَّة وعن الحِلَق يوم الجمعة قبل الصلاة"، رواه أبو داود، والترمذي وحسَّنه، والنسائي ولم يذكر إنشاد الضالَّة 2. وعن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك"، إسناده جيد، رواه الترمذي، وقال حسن غريب 3. قال ابن هُبيرة: منع صحته وجوازه أحمد.
وقيل: إن حرم؛ ففي صحته وجهان، وجزم في "الفصول" و"المستوعب"

بأنَّه يكره وفاقًا لمالك، والشافعيُّ في الصحيح عنده، وله قول: لا يكره.
وقال أبو حنيفة: يجوز ويكره إحضار السلع في المسجد 1 وقت البيع وينعقد البيع مع ذلك.
وقال ابن بطَّال: أجمع العلماء على أن ما عُقد من البيع في المسجد لا يجوز نقْضُه.
انتهى.
وقد تقدم عن الإمام أحمد رواية بعدم صحته.
الثامن والعشرون: يباح عقد النكاح فيه، ذكره في "الرعاية" وغيرها.
وقال أبو عمرو بن الصلاح من الشافعية: يستحب عقده فيه، واحتجَّ بحديث: "أعلنوا النكاح في المسجد"، رواه الترمذي 2. التاسع والعشرون: يسنُّ أن يصان عن عمل صنعة: نص عليه.
قال السامري: سواءً كان الصانع يراعي المسجد بكنس ورشّ ونحوه أو لم يكن.
وقال في روايته الأثرم: ما يعجبني مثل الخياط والإسكاف وما أشبهه، وسهّل في الكتابة فيه، وقال: وإن كان من غدوة إلى الليل فليس هو كل يوم.
قال القاضي سعد الدين الحارثي من علمائنا: خصّ الكتابة؛ لأنها نوع تحصيل للعلم، فهي في معنى الدراسة، وهذا يوجب التقيُّد بما لا يكون تكسُّبًا؛ وإليه أشار بقوله: فليس ذلك كل يوم.

وقال صالح: لأبيه تكره الخياطين في المساجد؟ قال: لعمري شديدًا! وهذا يقتضي التحريم.
وسأل في رواية حرب؛ عن العمل في المسجد نحو الخياط وغيره يعمل؟ فكأنه كرهه ليس بذلك الشديد.
فظاهره الكراهة.
وقال ابن بطة: الارتفاق (87/ ب) بالمسجد واتخاذه للصنعة والتجارة كالحانوت: مكروه.
وذكر ابن عقيل: أنه يكره في المساجد العمل والصنائع كالخياطة والخرز والحلْج والتجارة وما شاكل ذلك إذا كثر.
ولا يكره ذلك إذا قلّ مثل رقع ثوبه أو خصف نعله.
وبالمنع قال الشافعي، وإسحاق، ويقتضيه مذهب مالك.
هكذا رأيته منقولًا في "الآداب" للعلَّامة شمس الدين ابن مفلح.
والذي رأيته في كتب أصحاب الشافعية: الكراهة إلا أن يخيط ثوبه فلا يكره.
هكذا قال ابن الصباغ.
قال في "الروضة": يكره عمل الصنائع فيه، أي: المداومة.
أما لو دخل لصلاة أو اعتكاف فَخَاطَ ثوبه: لم يكره.
وحكى القاضي عياض عن بعض مشايخه: إنما يمنع في المسجد من عمل الصنائع التي يختص بنفعها آحاد الناس ويكتسب فيه ولا يتخذ المسجد متجرًا.
فأما الصنايع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم ممَّا لا امتهان للمسجد في عمله فلا بأس به.
الثلاثون: يُسَنّ أن يصان عن لغط وكثرة حديث لاغٍ ورفع صوت بمكروه.

قال صاحب "الفروع": وظاهر هذا أنه لا يكره ذلك إذا كان مباحًا أو مستحبًا.
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي.
وفي "الغنية": يكره أن لا يذكر الله تعالى.
ومذهب مالك: كراهة ذلك؛ قال أشهب: سئل مالك عن رفع الصوت في المسجد في العلْم وغيره؟ قال: لا خير في ذلك في العلم ولا في غيره.
ولقد أدركت الناس قديمًا يعِيبون ذلك على مَن يكون ذلك في مجلسه.
ومَن كان يكون ذلك في مجلسه كان يعتذر منه.
وأنا أكره ذلك ولا أرى فيه خيرًا.
وقال عياض: قال مالك وجماعة من العلماء يُكره رفع الصوت في المسجد بالعلْم وغيره.
وأجاز أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه في العلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجمعهم ولابد لهم منه.
وقال ابن عقيل في "الفصول" في آخر باب الجمعة: ولا بأس بالمناظرة في مسائل الفقه والاجتهاد في المساجد إذا كان القصد طلب الحق.
فإن كان مغالبة ومنافرة: دخل في حيِّز المُلاحَّة والجدال فيما لا (88/أ) يغني ولم يجزْ في المساجد فأما الملاحة في غير العلوم، فلا يجوز في المسجد، وقال أيضًا: يكره كثرة الحديث واللغط في المساجد.
وقال ابن بطة: ومن السنَّة ذكر الله تعالى وذكر العلم في المسجد، وترك الخوض والفضول وحديث الدنيا فيه.
فإن ذلك مكروه.
وفي "الرعاية": تباح المناظرة في الفقه وما يتعلق به 1.

الحادي والثلاثون: تعليم الصبيان في المسجد.
قال ابن الصيْرفي في "النوادر": لا يجوز التعليم في المساجد.
وقال أبو العباس في "الفتاوى المصرية": لا يجوز - وقد سئل عنها -: يُصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين؛ حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه.
وكذلك توسيخهم لحصره ونحو ذلك لا سيما إن كان ذلك وقت الصلوات فإنَّه من عظيم 1 المنكرات.
وقال في موضع آخر - منها -: وأما تعليم الصبيان في المسجد بحيث 2 يؤذون المسجد فيلوثونه ويرفعون أصواتهم ويشغلون المصلي فيه ويضيِّقون عليه، فهذا مما يجب النهي عنه والمنع منه، والله أعلم.
وقال صاحب "الفروع" في "آدابه"، عقيب كلام القاضي سعد الدين الحارثي المتقدم قبل هذه: وينبغي أن يخرج على هذا تعليم الصبيان للكتابة في المسجد بالأجرة.
وتعليمهم تبرعًا جائز - كتلقين القرآن وتعليم العلم، وهذا كله بشرط: أن لا يحصل ضرر بحبر وما أشبه ذلك.
وقال القاضي عياض: وقد منع بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد، قال: وحكى بعضهم خلافًا في تعليم الصبيان فيها.
وقال القرطبي: منع بعض العلماء من تعليم الصبيان فيه، ورأوا أنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة، فلو كان تبرعًا: فهو ممنوع أيضًا؛ لعدم تحرُّز الصبيان عن القذر والوسخ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد.
وقد ورد الأمر بتنظيفها وفي الحديث "جنِّبوا مساجدكم صبيانكم" 3. وقد تقدم.

وسئل القفال عن تعليم الصبيان في المسجد؛ فقال: الأغلب من الصبيان الضَّرر بالمسجد؛ فيجوز منعهم.
وعند الظاهرية؛ تعليمهم فيه مباح.
الثاني والثلاثون: قال في "الرعاية" (88/ ب) وغيرها: يباح تعليم القرآن في المسجد.
قال القاضي أبو يعلى في "الأحكام السلطانية": أما جلوس العلماء والفقهاء في الجوامع والمساجد والتصدي للتدريس والفتوى، فعلى كل واحد منهم زاجرٌ من نفسه ألا يتصدى لما ليس بأهل، إلى أن قال: وللسلطان فيهم من النظر ما يوجبه الاحتياط من إنكار وإقرار.
وإذا أراد من هو لذلك أقول: هل يترتب في أحد المساجد لتدريس أو فتيا؟ نظر حال المسجد، فإن كان من مساجد المحال التي لا يترتب الأئمة فيها من جهة السلطان: لمِ يلزم من يترتب فيها لذلك استئذان السلطان في جلوس- كما لا يلزم أن يستأذن فيها من يُرتَّب للإمامة، كان كان من الجوامع وكبار المساجد التي يترتب الأئمة فيها بتقليد السلطان: روعي في ذلك عُرف البلد وعادته في جلوس أمثاله.
فإن كان للسلطان في جلوس مثله نظر: لم يكن له أن يترتب للجلوس فيه إلا عن إذنه؛ لأنه افتئات عليه في ولايته، وإن لم يكن للسلطان في مثله نظر معهود: لم يلزم استئذانه في ذلك وكان كغيره من المساجد.
قال القاضي سعد الدين الحارثي: والصحيح عدم اعتبار الإذن؛ لأن الطاعات لا تتوقف على ذلك؛ لأنه ربما أدّى إلى التعطيل ولفعل السلف، وما ذكر من الافتئات فغير مُسَلَّم.
وقال النووي: يستحبّ عند حِلَق العلم والمساجد وذكر الوعظ والرَّقائق ونحوها، من الأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة.
ونقَل ابن بطَّال

فيه الإجماع.
الثالث والثلاثون: يُكره الجلوس للحلَق يوم الجمعة قبل الصلاة للحديث المتقدم في مسألة البيع الذي رواه الإمام أحمد وغيره 1. وقال الغزالي في "الإحياء": قال الخطَّابي: وكان بعضهم يرويه الحَلْق بإسكان اللام؛ أخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة.
قال: فقلت له إنما هو الحلَق بفتح ما جمع حلْقة.
وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم، وأمر بأن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة.
الرابع والثلاثون: قال القاضي أبو يعلى: يمنع الناس في الجوامع والمساجد من استطراق (89/ أ) حلَق الفقهاء والقراء؛ صيانة لحرمتها.
وقاله الشافعية؛ وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا حِمى إلا في ثلاثة: البير وطول الفَرَس وحلَقة القوم" فأما البير فهو منتهى حريمها وأما طول الفرس فهو ما دار فيه بمقوده إذا كان مربوطًا، وأما حلقة القوم فهو استدارتهم في الجلوس للتشاور.
والحديث وهذا الخبر الذي ذكره القاضي: إسناده جيّد.
رواه البيهقي من حديث سعد الكاتب عن بلال العبسي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا 2. الخامس والثلاثون: يُسَن أن يشتغل في المسجد بالصلاة والقرآن والذكر، ويجلس مستقبل القِبلة.
السادس والثلاثون: يكره أن يسند ظهره إلى القبلة.
قال أحمد: هذا مكروه.
وصرح القاضي بالكراهة.
قال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يتساندوا إلى القبلة قبل صلاة الفجر، رواه أبو بكر النجار.

قال في "الفروع": اقتصر أكثر الأصحاب على استحباب استقبالها، فتركه؛ يعني: ترك الاستناد أولى.
ولعل هذا أولى.
وفي "الصحيحين": من حديث الإسراء، فإذا أنا بإبراهيم مسْنِدًا ظهره إلى البيت المعمور 1. ولأحمد بإسناد صحيح، عن عبد الله بن الزبير: أنه قال- وهو مستند إلى الكعبة-: "ورب هذه الكعبة لقد لَعَنَ 2 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلانًا وما ولد من صلبه" 3 ولأحمد، عن كعب بن عجرة، قال: بينما نحن في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُسندي ظهورنا إلى القِبلة إذ خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث 4. السابع والثلاثون: قال محمد بن إبراهيم البوشنجي 5: ما رأيت أحمد ابن حنبل جالسًا إلا القرفصاء، إلا أن يكون في الصلاة.
قال ابن الجوزي في "المناقب": وهذه الجلسة التي تحكيها قَيْلَةُ في حديثها: "إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسًا جدسة التخشُّع القرفصاء"، وكان أحمد يقيم 6 في جلوسه هذه الجلسة، وهي أَوْلى الجلسات بالخشوع.
والقرفصاء: أن يجلس الرجل على إليتيه رافعًا ركبتيه إلى صدره مُفضِيًا بأخمص قدميه إلى الأرض، وربما احتبى بيديه وحديث قيْلة: رواه أبو داود 7.

الثامن والثلاثون: قال (89/ ب) في "الشرح" في آخر باب الأذان: لا بأس بالاجتماع في المسجد والأكل فيه، وذكر فيه أيضًا وفي الرعاية وغيرهما أن للمعتكف الأكل في المسجد] 1 وغسل يده في طسْت.
وقد قال أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دخلت المسجد فإذا بسائل سأل، فوجدت كسْرة خبز بين يدي عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه"، رواه أبو داود من رواية مبارك بن فَضالة، وفيه كلام، وباقيه ثقات 2. وعن عبد الله بن الحارث قال: كنا نأكل على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الخبز واللحم" رواه ابن ماجه 3. وقال ابن تميم وابن حمدان: إنه لا يجوز دخول المسجد للأكل ونحوه.
وعند الشافعية: يجوز.
وقال مالك: يُكره الأكل في المسجد إلَّا اللقمة واللقمتين.
ولا يعجبني الأكل في رِحابِهِ؛ لأنها من المسجد.
وقال في "إعلام الساجد": "وينبغي أن يبسط شيئًا ويحترز خوفًا من التلويث ولئلا يتناثر شيء من الطعام فيجتمع عليه الهوام، هذا إذا لم يكن له رائحة كريهة كالثوم ونحوه، وإلا كُره أكْلُهُ فيه ويمنع آكله من المسجد حتى يذهب ريحه.
التاسع والثلاثون: قال المروذي: "سألت أبا عبد الله عن الرجل يستلقي ويضع إحدى رجليه على الأخرى: قال ليس به بأس، قد روي.

قال ابن الجوزي: لا بأس به إلا أن لا يكون 1 له سراويل ووجه تخريج رواية يكره، كشربه قائمًا ونهيه عنه ونحو ذلك.
فعلى هذا؛ لو وضع إحداهما على الأخرى من غير استلقاء احتمل وجهين؛ نظرًا إلى أن النَّهْي إنما هو مع الاستلقاء.
والأصل: اعتبار الوصف وأن المقصود وضع إحداهما 2 على الأخرى، والاستلقاء ذكر؛ لأنه الغالب.
وهو معتبر في الحكم.
والأول: أظهر؛ لأن الأصل عدم الكراهة خولف للخبر وهو في أمر مخصوص فَيُقتَصَرُ عليه.
قاله 3 في "الآداب" عن جابر: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يرفع إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلق على ظهره"، إسناده ثقات، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصحّحه 4، وعن 5 عبَّاد بن تميم، عن عمّه: أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستلقيًا في المسجد واضعًا إحدى رجليه على الأخرى (90/ أ).
رواه البخاري ومسلم 6. ولمالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك 7. قال ابن منصور لأبي عبد الله: يكره للمرأة أن تستدقى على قفاها! ! قال

أي والله، يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه كرهه.
رواه البخاري عن ابن سيرين.
وعند الشافعية يجوز ذلك.
قال ابن بطَّال- عن حديث جابر المتقدم-: كان البخاري يراه منسوخًا بحديث عبَّاد.
الأربعون: قال القاضي أبو يعلى في "الجامع الكبير": روى أبو بكر الفريابي في "كتاب الصلاة" وإسناده عن أبي النعمان، قال: حججت في خلافة عمر رضي الله عنه، فقدِمت المدينة فدخلت مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتقدمت إلى مقدَّم المسجد أُصلِّي إذ دخل عمر رضي الله عنه فرآني فأخذ برأسي فجعل يضرب به الحائط ويقول: ألم أنهكُم أن تقدموا في مقدِّم المسجد بالسَّحَر، إن له عوامر".
وبإسناده عن عبد الله ابن عامر قال: دخل جابر بن سعْد الطائي المسجد من السَّحَر وكانت له صحبة فإذا ناس في صدر المسجد يصلون، فقال: أرغبوهم، فمن أرغَبَهُم فقد أطاع الله ورسوله.
قال حريز بن عثمان 1 كنا نسمع أن الملائكة تكون قبل الصبح في الصف الأول.
قال القاضي: وهذا يدل على كراهة التقدم في المسجد وقت السَّحَر.
ورواه الإمام أحمد في "مسنده": ولفظه: قال: دخل المسجد حابس 2 ابن سعْدٍ الطائي من السّحَر- وقد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرأى الناس يصلون مقدَّم 3 المسجد، فقال مروان: وربّ الكعبة أرغبوهم، فمن أرغبهم فقد

أطاع الله ورسوله، فأتاهم الناس فأخرجوهم.
فقال: إن الملائكة تصلَّي من المسجد في مقدَّم المسجد 1. الحادي والأريعون: قال الشيخ تقي الدين في "الفتاوى المصرية": يجوز تعليم القرآن في المسجد إذا لم يكن فيه ضرر على المسجد وأهله، بل يستحب.
انتهى.
الثاني والأربعون: يسنُّ كنس المسجد يوم الخميس وإخراج كناسته وتنظيفه وتطييبه فيه.
وقد روى أبو داود والترمذي (90/ ب)، عن أنس: "عرضت علىَّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد" 2. وعن عائشة: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببناء المساجد في الدُّور وأن تنظف وتطيّب خرَّجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما 3 4، وخرَّجه الترمذي مُرسلًا من غير ذكر عائشة، وقال: هو أصح 5. وكذلك أنكر الإمام أحمد وصله.
واختُلف في تفسير الدّور هنا: فقال الخطابي وغيره: المراد بها البيوت، وقال أكثر المتقدمين: المراد بها هنا القبائل- كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خير دُور الأنصار دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث" الحديث 6، وعن يعقوب بن

زيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتبع غبار المسجد بجريدة 1. الثالث والأربعون: في تجصيص المساجد.
قال المروذي: قلت لأبي عبد الله إن قومًا يحتجون في الجصّ أنه لا بأس به: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن تجصيص القبور 2 فقال: لا بأس أن تجصص الحيطان، قال: وأي شيء في هذا من الحجة، وأنكره.
وذكر له المروذي؛ أن ابن أسلم الطوسي كان لا يجصص مسجده، وأنه كان لا يدع بطرسوس مسجدًا مجصصًا إلا قلعه، فقال أبو عبد الله: هو من زينة الدنيا.
وسأله المروذي عن الجص والآجر يفضل من المسجد فقال: يصرف في مثله.
وقال أبو عبد الله: قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن تكحيل المسجد فقال: لا، عريشٌ كعريش موسى، وإنما هو شيء يطلى 3 به كالكحل، أي: فلم يرخص فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - 4. وقال في "الغنية": لا بأس بتجصيص المساجد وتطيينها.
الرابع والأربعون: يكره زخرفة المساجد بنقش أو صبغ أو كتابة ونحو ذلك مما يلهي المصلي عن صلاته.
وفي البخاري: عن ابن عباس أنه قال: "لتزخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى" 5.

وفي "سنن أبي داود": عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أُمرت بتشييد المساجد" 1. وعن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد"، إسناده (91/ أ) ثقات.
رواه أحمد وأبو داود 2. وعن عمر مرفوعًا: "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم"، رواه ابن ماجه 3. وبالكراهة؛ قال بعض الشافعية.
وجوّزه بعض العلماء، وقال: لا بأس به؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية 4.. ولما ذكر 5 من فعل عثمان ذلك بمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولم ينكر ذلك.
وروى البخاري في "صحيحه": أن عمر 6 رضي الله عنه أمر ببناء المسجد، وقال: "أكِنَّ الناسَ من المطر، وإياك أن تحمَّر أو تصفِّر فتفتن الناس" 7. وقال رضي الله عنه: "إن القوم إذا زيَّنوا مساجدهم قلَّت أعمالهم" 8. الخامس والأربعون: يكره تحليته بذهب أو فضة.

قال في "الآداب": وينبغي أن يقال: إن كان 1 ذلك من مال الوقف: حرم ووجب الضمان.
وذكر في "الرعاية" في موضع: أنه هل يحرم تحلية المسجد بذهب وفضة، وتجب إزالته وزكاته، بشرطها 2 أو يكره؟ على قولين، وقدّم الأول، وعند الحنفية: "لا بأس بتحلية المسجد بذهب ونحوه؛ لأنه تعظيم له.
ومنهم من استحبه 3 لذلك.
وعند المالكية: يكره ذلك، ويصان المسجد عنه، وهو قول بعض الحنفية.
ذكره صاحب "المفيد" منهم.
وللشافعية في تحريمه وجهان.
وأول من ذهَّب الكعبة في الإسلام وزخرف المساجد: الوليد بن عبد الملك لما بعث إلى خالد بن عبد الله القسْري والي مكة.
وحينئذٍ؛ فيضعف قول بعض الحنفية عمن قال بالكراهة، هم محجوجون بإجماع المسلمين في الكعبة.
والعجب؛ أن الشيخ تقي الدين السبكي حكى هذا الإجماع عن صاحب "الطراز" 4 من المالكية وأقرّه.
قال الحنفية: والمتوَلي على المسجد إذا فعل ما يرجع إلى التنقيش والزينة من مال الوقف: ضمن.
انتهى كلام صاحب "الآداب" فيها، مع أنه صدَّر المسألة بالكراهة، ومع أنه جزم في كتابه "الفروع" بالتحريم.
قال في باب زكاة الذهب والفضة: "ويحرم تحلية مسجد ومحراب".

السادس والأربعون: تصان عن تعليق مصحف أو غيره في قِبلته دون وضعه بالأرض.
قال جعفر بن محمد أبو عبد الله الكوفي: سمعت أحمد يقول: يُكره أن يعلق (91/ ب) في القبلة شيء يَحُول بينه وبين القبلة، ولم يُكره إنْ وُضِع في المسجد المصحف أو نحوه.
السابع والأربعون: قال بعض الشافعية: يستحب تجمير المسجد، وكان عبد الله المجمر يجمر المسجد.
قلت: وهو ظاهر كلام علمائنا؛ لأنهم ذكروا تطييبه، وهذا منه.
ويؤيده: ما رواه واثلة بن الأسقع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: جنِّبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخِذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجُمَع".
رواه ابن ماجه والطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة 1، وأنكر مالك تجمير المسجد.
الثامن والأربعون: قال بعض الشافعية: يستحب فرش المسجد.
قال الدمياطي: أول من فرش الحُصُر في المساجد: عمر رضي الله عنه.
وفي "الصحيح": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي على الخُمرة 2: وهي شيء يصنع من خُوص على قدر الوجه واليدين.

التاسع والأربعون: قال في "الفصول" وغيره: يكره أن يُكتب على حيطان المسجد ذِكْرًا وغيره؛ لأن ذلك يلهي المصلي.
الخمسون: يسَنّ شغل القناديل في كل ليلة.
وقاله الشافعية.
قال الدمياطي: أول من علّق القناديل في المسجد: عمر رضي الله عنه.
قيل: فعل ذلك لما جمع الناس على أُبىّ بن كعب 1 في صلاة التراويح.
ولما رأى علي رضي الله عنه اجتماع الناس في المسجد على الصلاة والقناديل تزهر وكتاب الله يُتلى، قال: نورت مساجدنا نور الله تعالى قبرك 2. وذكر القرطبي عن ابن ماجه بسنده إلى أبي سعيد الخدري أنه قال: أول من أسرج المساجد: تميم الداري 3. وذكر القرطبي أيضًا؛ أن تميمًا الداري، حمل من الشام إلى المدينة قناديل وزيتًا، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة، فأمر غلامًا يُقال له أبو البراد، فقام فشط المقطّ وعلَّق القناديل وصبّ فيها الماء والزيت وجعل فيها الفتيل، فلما غربت الشمس أمر أبا البراد فأسرجها.
وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد فإذا هو بها تزهر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن فعل هذا؟ قالوا: تميم (92/ أ) الداري يا رسول الله! فقال: نوّرت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة.
أما إنه لو كانت في ابنة لزوجتكها! " 4.

الحادي والخمسون: يباح غلق أبوابه؛ لئلا يدخله من يُكره دخوله إليه، نصًا.
وفي "المفيد" من كتب الحنفية: "يُكره إغلاق باب المسجد؛ لأن فيه منعًا عن الصلاة، وإنه لا يجوز للآية 1. وقال مشايخنا: لا بأس به في زماننا في غير الصلاة؛ لأنه يُخاف على ما فيه من السرقة.
انتهى كلامه.
وقال الشافعية: لا بأس بإغلاقه في غير وقت الصلاة.
ونقل الصيمري 2 الشافعي، عن أبي حنيفة: أنه منع غلقها بحال.
الثاني والخمسون: يكره إخراج حصاه وترابه للتبرُّك وغيره.
قال 3 في "الآداب": ويتوجه أن يُقال: إمَّا مرادهم بالكراهة التحريم، وإما مرادهم إخراج الشيء اليسير لا الكثير.
روى 4 أبو داود، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الحصا ليناشد 5 الله الذي يخرجها من المسجد ليدعها" 6. وعند الشافعية: يحرم.
وكلام صاحب "الروضة" منهم على حديث المزدلفة: يقتضي الكراهة.

الثالث والخمسون: في وضع الحصى في المسجد.
روى أبو داود، عن أبي الوليد، قال: سألت ابن عمر عن الحصى الذي في المسجد، فقال: مُطِرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يجيء بالحصى في ثوبه فيبسطه تحته، فلما قضى - صلى الله عليه وسلم - الصلاة، قال: "ما أحسن هذا" 1. وذكر ابن أبي شيْبة: أن أول من حصب المسجد: عمر رضي الله عنه.
حصبه؛ من الوادي المبارك من 2 "العقيق" 3. الرابع والخمسون: قال في "المستوعب" وغيره: لا يجوز أن يغرس في المسجد شيء.
وللإمام؛ قلع ما غرس فيه بعد إيقافه، وهذا كله معنى كلام أحمد من رواية الفرج بن الصباح.
وقطع في "التلخيص" و"المحرر" بأنها تقلع.
وذكر ابن أبي موسى وأبو الفرج في "المبهج": أنه يكره غَرسها.
ولفظ أحمد في رواية الفرج ابن الصباح هذه غرست بغير حق والذي غَرسها ظالم، غرس فيما لا يملك.
وفي "الرعاية": يُسَن أن يُصان عن الزرع (92/ ب) فيه والغرس وأكل ثمره مجانًا في الأَشهر.
وللشافعية 4 وجهان في الكراهة والتحريم، والصحيح: التحريم.
الخامس والخمسون: هل للإنسان إذا دخل المسجد والناس في الصلاة أن يجهر بالسلام خشية أن يرد عليه مَن هو جاهل، بالسلام، أم لا؟ أجاب أبو العباس في "الفتاوى المصرية": إن كان المصلي يحسن الرد

بالإشارة، فإذا سلم عليه فلا بأس، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يسلمون على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو يردّ عليهم بالإشارة.
كان لم يحسن الردّ بالإشارة بل قد يتكلم، فلا ينبغي إدخاله فيما يقطع صلاته أو يترك به الرد الواجب عليه.
انتهى.
وفي "الفروع" له: السلام على المصلّي وفاقًا لمالك، وعنه: يُكره وفاقًا للشافعي.
ويتوجه إن تأذى به، وإلا لم يُكْره، وعنه: يكره في فرض، وقيل: لا يكره إن عرف كيفية الرد.
السادس والخمسون: ثبت في الخبر ضرب الخِباء في المسجد واحتجار الحصير فيه.
وعن أحمد في "مسائل صالح وابن منصور" تقييد الإباحة بوجود البرد.
قال القاضي سعد الدين الحارثي: والصواب: عدم اعتبار هذا القيد.
السابع والخمسون: قال حرب: قلت لأحمد: رجل بني مسجدًا فأُذَّن فيه، ثم قلعوا هذا المسجد وبنوا مسجدًا آخر في مكان آخر، ونقلوا خشب هذا المسجد العتيق إلى ذلك المسجد، قال يرمّوا هذا المسجد الآخر العتيق ولا يعطلوه.
قلت: فإذا خرب هذا المسجد يبنى مكانه بيت أوْ خان للسبيل، قال لا ولكن يرمُّ ويُتَعاهدُ إذا كان قد أُذِّن فيه قبل وصُلِّي.
وسئل أحمد مرة أخرى: قيل: مسجد عتيق، اشتراه رجل فأدخله في مزرعة فقال: لا، وكرهه جدًّا.
وذكر في رواية ابنه عبد الله في المسجد.
إذا ضاق عن أهله أو خربت محلتَه: أنه يُباع.
وعند الشافعية؛ لا يجوز أن يصير مملوكًا، كالعبد إذا عُتق وزَمِن: لا يجوز أن يعود في الرق.
الثامن والخمسون: رحبة المسجد إن كانت محوطة فلها حكمُهُ وإلَّا

فلا.
قدَّمه في "الرعاية الكبرى" و"المستوعب"، وذكر أن هذا رواية واحدة، وأنه الصحيح.
وفيه: ليست من المسجد (93/ أ) مطلقًا وهو ظاهر كلام الخرقي، وعنه: لها حكمه مطلقًا، وعند الشافعية: هي من المسجد، حكاه الرافعي عن الأكثرين، وكذا عند مالك.
التاسع والخمسون: قال حرب: قلت لأحمد: المسجد يبنى على القنطرة؟ فكرهه، وذكر أُراه عن ابن مسعود كراهيته.
الستون: قال أحمد: لا يبنى مسجد إلى جنب مسجد آخر إلا لحاجة، كضيق الأول ونحوه.
وقال صالح: قلت لأبي: كم تستحبّ أن يكون ما بين المسجدين إذا 1 أرادوا أن يبنوا إلى جانبه مسجدًا؟ قال لا يبنى مسجد يراد به الضرر لمسجد إلى جنبه، فإن أكثر الناس حتى يضيق عليهم، فلا بأس أن يُبنى وإن قرب من ذلك.
وقال في رواية محمد بن موسى، وقد سئل: يبنى مسجد إلى جنب مسجد؟ قال: لا يبني المساجد ليَعدي بعضها بعضًا؛ فاتفقت الرواية: على أنه لا يُبنى لقصد الضرر، كان لم يقصد ولا حاجة، فرواية محمد بن موسى: لا يبنى، واختارها أبو العباس، وإنه 2 يجب هدمها، وقال- فيما بني جوار جامع بني أمية-: وزعم بعضهم: أن ظاهر رواية صالح يُبنى مع عدم الحاجة إذا لم يقصد الضرر، وليس بظاهر؛ فإن الإمام أحمد قال: فإن كثُر الناسُ حتى يضيق عليهم فلا بأس، والله أعلم.

الحادي والستون: يجوز للإمام أن يأذن في بناء مسجد في طريق واسع، وعنه: ما لم يضرّ بالناس، وعنه: المنع مطلقًا سواءً بُني على ساباط أو قنطرة.
وقال أيضًا: حكم المساجد أعظم جرمًا: يخرجون المسجد ثم يخرجون على أثره.
وعنه: يجوز البناء بلا إذنه وحيث جاز صحت الصلاة فيه وإلا فوجهان؛ ويصح فيما بُني على درب مشترك بإذن أهله، وفيه وجه لا يصح، وإن جُدِّد الطريق ونحوه بعدما بُني المسجد فقد يتوجه كراهة الصلاة فيه، وفيه في "الرعاية" وجهان.
وسأل الكحَّال الإمام أحمد عن مسجد يزاد فيه من الطريق؟ قال: لا تصلّ فيه.
قلت: هذا جارٍ على رواية المنع، وأما على رواية الجواز فتوسعته في الطريق من باب أوْلى.
الثاني والستون: من جعل عُلْو بيته أو أسفله مسجدًا صحّ وانتفع بالآخر، قدَّمه في "الرعاية الكبرى"، وقال في "المستوعب": إن جعل سفل بيته مسجدًا لم ينتفع بسطحه، وإن جعل سطحه مسجدًا انتفع بسفله، نُصَّ عليه، قال أحمد: لأن السطح لا يحتاج إلى سفل.
الثالث والستون: لا يجوز أن يهدم المسجد ويبنى تحته حوانيت تنفعه أو سقاية خاصة أو عامة، فإن انهدم المسجد فكذلك.
وقيل: يجوز ذلك في الحالين، أومأ إليه أحمد، قال بعضهم: وهو بعيد.
وقيل: ينظر إلى قول أكثر أهله.
الرابع والستون: قال حرب: سألت أحمد، قلت: الرجل يكون على باب داره مسجد وهو يؤذّن فيه فلا يحضر جماعتَهُ إلا رجل أو نحو ذلك؟

قال: إذا كان مسجد عتيق 1 لم يزل، فلا أرى بأسا وإن كان محدثًا فكأنه أحب إلىّ أن يأتي غيره.
الخامس والستون: قال حرب: قلت لأحمد: القوم نحو العشرة يكونون في الدار فيجتمعون وعلى باب الدار مسجد؟ قال: يخرجون إلى المسجد ولا يصلُّون في الدار، وكأنه قال: إلا أن يكون في الدار مسجد يؤذَّن فيه وُيقام.
السادس والستون: ذكر أحمد؛ أن أبا الجوزاء بلِيَ مصحف له، فحفر له في مسجده فدفنه 2. وذكر القاضي؛ أن أبا بكر بن أبي داود روى 3 بإسناده، عن طلحة ابن مصرف، قال: دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر.
السابع والستون: قال القاضي أبو يعلى: وأما حريم الجوامع والمساجد؛ فإن كان الارتفاق بها مضرًا بأهل الجوامع والمساجد: منعوا منه ولم يَجِز للسلطان أن يُأذن فيه؛ لأن المصلِّين بها أحق، وإن لم يكن مضرًّا جاز: الارتفاق بحريمها، وهل يعتبر فيه إذن السلطان على الوجهين في حريم الأملاك؟ الثامن والستون: كره الإمام أحمد اتخاذ المسجد طريقًا وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم؛ وسُئِل عن المشي في 4 المسجد؟ فقال: لا تتخذوا المسجد 5 طريقًا فإن كانت عليه فلا بأس.
وكذا يُكْره عند الشافعية.

وفي "المعجم الأوسط" للطبراني، عن سالم، عن أبيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تتخذوا المساجد طرقًا إلا لِذكر الله أو صلاة" 1. التاسع والستون: سُئل الإمام أحمد في النسخ (95/ أ) في المسجد دون وضع النَّقْش فيه.
وقال أيضًا في رواية أبي داود؛ وسُئل عن النَّقْش يوضع في المسجد؟ قال: من الناس مَن يتوقَّاه.
السبعون: يجوز نقض المسجد للإصلاح.
قال في "الفروع" في باب النية: وإن أحرم به يعني الفرض في وقته ثم قلبه نفلًا لفرض صحيح: صَحّ على الأصح، خلافًا لأحد قَوْليْ الشافعي؛ لأنه إكمال في المعنى، كنقض المسجد للإصلاح.
ذكره صاحب "المحرر" وغيره وكذا قال الحنفية: إكمال معنى كنقض المسجد للبناء والعمارة والتوسعة، وذكر في "الفروع" أيضًا، في الوقت، إن هدمه وتجديد بنائه لمصلحة.
نصّ أحمد.
الحادي والسبعون: قال أحمد في مسجد له حائط قصير غير حصين ولا منارة: لا بأس بها أن تهدم وتجعل في الحائط؛ لِئلا يدخله الكلاب.
الثانن والسبعون: قال أبو الوفاء ابن عقيل: أنا أبرأ إلى الله تعالى من جموع أهل وقتنا في المساجد والمشاهد ليالي يسمونها "إحياء" لعمري إنها لإحياء أهوائهم وإيقاظ شهواتهم؛ جموع الرجال والنساء، مخارج الأموال فيها من أفسد المقاصد وهو الرياء والسِّمعة، وما في خلال كل واحد من اللعب والكذب والغفلة، ما كان أحوج للجوامع أن تكون مظلمة من سُرُجهم منزهة عن معاصيهم وفِسْقِهِم، مُرْدانُ ونسوة وفسقة.

الرجل عندي؛ من وزَن في نفسه ثمن الشمعة فأخرج به ذهبًا وحطبًا إلى بيوت الفقراء ووقف في زاوية بيت بعد إرضاء عائلته بالحقوق فكُتب في المجتهدين على ركعتين بِحُزْن ودعاءٍ لنفسه وأهله وجماعة من المسلمين وبكر إلى معاشه، لا إلى المقابر، فَتَرك المقابر في ذلك عبادة.
الثالث والسبعون: يستحب لداخل المسجد أن يقدّم رجله اليمنى في الدخول واليسرى في الخروج؛ لحديث أنس، قال: من الستة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى 1، رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم 2. قال البخاري: وكان ابن عمر يفعله ويقول ما ورد 3. (95/ ب).
ومنه ما رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 4 قال: "إذا دخَل أحدكم المسجد فليقل: الَّلهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك" 5. وعن فاطمة الزهراء: أنها 6 قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد قال: "بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح في أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: بسم الله والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللَّهم

جارٍ التحميل