تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجدالباب الثامن والأربعون في ذكر خصائص البيت والمسجد الحرام وأحكامهما
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الثامن والأربعون في ذكر خصائص البيت والمسجد الحرام وأحكامهما

:

  • خصائصها كثيرة وأحكامها منيرة، أجلّ من أن تحصى وأعظم من أن تستقصى.
    وسأذكر منها ما يسَّره الكريم طامعًا في ثوابه العميم:
  • الأول: أن الكعبة أول بيت وضع على الأرض، كما سبق الكلام عليه.
  • الثاني: أن إحياء الكعبة بالحج في كل سنة من فروض الكفايات، ذكره علماؤنا والشافعية؛ حتى قال بعضهم: لا يسقط فرض الكفاية إلا بفعل جمع كثير، بمعنى: أنه لو حج إثنان أو ثلاثة: لا يسقط.
  • الثالث: أن تقدم المأموم على إمامه في الموقف في غير المسجد الحرام مبطل للصلاة عندنا وعند الشافعية، وأما في المسجد الحرام: فيجوز تقدم المأموم إذا كان في جهتين وفاقًا للأئمة الثلاثة.
    قال في الخلاف: وأومأ إليه في رواية أبي طالب، وقيل: وجهه خلافًا لهم.
    وقال أبو المعالي بن منجا: إن كان خارج المسجد بينه وبين الكعبة مسافة فوق بقية جهات المأمومين فهل يمنع الصحة كالجهة الواحدة أم لا؟ فيه وجهان.

الجزء: 1 - الصفحة: 197

  • الرابع: من قابل إمام 1 فجعل وجهه إلى وجهه: لم تصحّ صلاته (45/ ب)، وحول الكعبة: تصحّ إجماعًا.
  • الخامس: لو تقابلا داخلها صحت أيضًا في الأصح؛ وفاقًا للأئمة الثلاثة.
  • السادس: لو جعل ظهره إلى ظهر إمامه صح؛ لأنه لا يعتقد خطأه.
  • السابع: إن صلاة الفرض لا تصح في الكعبة عند إمامنا، وهو المشهور عند أصحابه.
    ونقل عن ابن جرير وبعض الظاهرية: لا تصح الصلاة فيها فرضًا ولا نفلا.
    ونُقل عن مالك: لا يصلَّى الفرض ولا السُنن فيها، ويصلَّى فيها التطوّع.
    ومذهب أبي حنيفة والشافعي: الجواز فرضًا ونفْلا.
    وقد صحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه دخل البيت وصلّى فيه ركعتين من رواية بلال 2، فأخذ به الإمام أحمد في النفل؛ لأنهما: نفل، وأبقى الفرض على عموم قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ 3، أي: تلقاء.
    والذي هو داخله؛ إنما يتوجه تلقاء بعضه، ويكون مستدبرًا لبعضه.
  • الثامن: إن صلاة الفرض لا تصح على ظهر الكعبة، كما قلنا داخلها، لكن لو وقف على منتهاه بحيث لم يترك وراءه شيئًا منها: صحت على المنصوص.

الجزء: 1 - الصفحة: 198

التاسع: إن صلاة النفل في الكعبة: لا تصح في روايةٍ عندنا؛ ولكن المذهب: الصحة.

  • العاشر: أن صلاة النفل لا تصح على ظهرها - على رواية كالفرض، والمذهب: الصحة.
  • الحادي عشر: هل يستحب 4 صلاة النفل فيها أم لا؟ فيه روايتان عن إمامنا، والمذهب: الاستحباب.
  • الثاني عشر: إن صلاة النافلة في البيت أفضل من المسجد لما فيه من الخلوص والبعد عن الرياء، فهل يأتي مثل ذلك في المسجد الحرام أم لا؟ إن قلنا: إنَّ المضاعفة فيه تعم الفرض والنفل ولا تتعدى المسجد، فتكون النافلة فيه أفضل، وإلا فلا.
    لكن يُستثنى من ذلك ركعتا الطواف.
  • الثالث عشر: إن نظر المصلي إلى موضع سجوده في غير التشهد أفضل مما سواه؛ فلو كان يصلي في المسجد الحرام؛ فهل الأولى النظر إلى الكعبة لترتب الثواب على مجرد النظر؛ وإن لم يكن في صلاة أو المحافظة على النظر إلى موضع السجود؛ لأنه مجمع القلب، والنظر يلهي عن الخشوع: الذي هو مقصود الصلاة - وشرط صحتها على وجه عندنا -، أو يفصل (46/ أ) بين من يلهو بالنظر وبين غيره: فيه ثلاثة أوجه للشافعية.
    وأما كلام علمائنا؛ فظاهر كلامهم: أنه ينظر إلى موضع سجوده.
    ولو قيل بالوجهين الآخرين لما كان بعيدًا، ولعل الثالث أقربهما لتحصيل العبادة بالنظر مع المحافظة على الخشوع.
  • الرابع عشر: يحرم المرور بين سترته، إن كان له سترة ولو بعُد منها،

الجزء: 1 - الصفحة: 199

وكذا بين يديه قريبًا مع عدمها.
والقرب: ثلاثة أذرع، وقيل العُرف.
وهل مكة هنا كغيرها؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد، وفي "المغني": الحرم كمكَّة، ونقل بكر: يكره المرور بين يديه إلا بمكة لا بأس به.

  • الخامس عشر: لا يقطع الصلاة فيها مرور شيء بين يدَي المصلي.
    قال أحمد في رواية أبي طالب: فضلت مكة بغير شيء إلى أن قال: ولا يقطع الصلاة فيها شيء غير المرأة بين يدي الرجل.
  • السادس عشر: يحرم النفل المطلق في أوقات النهي الخمسة إلا بمكة.
    قاله: الإمام أحمد في رواية أبي طالب المتقدمة، فإنه قال: يصلي فيها، يعني: مكة، أي ساعة شاء من ليل أو نهار، واستثنى بعض الشافعية الحرم كله ووجهه بعض علمائنا: إن قلنا إنه كمكة في مسألة المرور المتقدمة.
    وفي السُنن من حديث جبير ابن مُطْعِم أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار" 5. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين 6. وفي رواية: "لا صلاة بعد الصبح إلا بمكة" 7.

الجزء: 1 - الصفحة: 200

والمقدم عندنا: أن مكة كغيرها في هذه، وهو وجه عند الشافعية، وحُمل الاستثناء في الحديث: على ركعتي الطواف.

  • السابع عشر: الطواف به.
    ويجوز فعله في هذه الأوقات؛ وهو قول أحمد، والشافعية، وإسحاق، وداود، وجمهور العلماء.
    وقال مالك: إنْ أخَّر ركعتَي الطواف إلى وقت الجواز: جاز.
  • الثامن عشر: إن تحية المسجد: الصلاة، وتحية البيت: الطواف، وتحية مِنى: رمي الجمار، وتحية مزدلفة: صلاة المغرب، وتحية عرفات: الوقوف، وتحية الحرم: الإحرام، وتحية (46/ ب) المسجد من الخطيب يوم الجمعة: الخطبة، قالها: النووي في "نكت التنبيه"؛ بناء على أنه لا يستحب له تحية المسجد.
    وفيها خلاف عندهم، والاثنتان قبلهما: ذكرهما بعض الشافعية، والباقي؛ ذكره الشيخ تقي الدين ابن تيمية في "شرح العمدة"، ونقل ابن مسدي في "إعلام الناسك"، عن الإمام أحمد وغيره: أنه يحيى المسجد أولًا بركعتين، ثم يقصد الطواف.
    وهو نقل غريب! ! والمشهور: البداءة بالطواف أولًا.
    فلو طاف بالبيت وصلى ثم دخل الكعبة، فهل نقول حصلت تحيتها بالطواف كما تقدم أم لا؟ بل ذلك تحية رؤيتها ولا بد من تحية لدخولها.
    قال الزركشي الشافعي في "إعلام الساجد": وفيه نظر- انتهى.
    قلت: الظاهر أنه لا يحتاج إلى تحية أخرى؛ إذ التحية قد حصلت أولًا.
    ولم أرَ أحدًا قال: إن الطواف تحية رؤية البيت! وإنما قالوا: تحية البيت، فقد حصدت التحية وانتفى النظر، ولله الحمد.
  • التاسع عشر: النظر إلى البيت عبادة، قاله: الإمام أحمد.
  • العشرون: دخول البيت مستحب، يثاب عليه- كما روى البيهقي عن

الجزء: 1 - الصفحة: 201

ابن عباس مرفوعًا: "من دخل البيت: دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفورًا له" 8.

  • الحادي والعشرون: "صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد"، كما ثبت في الصحيحين، وقد تقدم في "الباب الرابع".
    وتقدم الكلام عليه، هل المُراد الفرض والنفل أو الفرض فقط؟
  • الثاني والعشرون: أن حرم مكة كالمسجد الحرام في المضاعفة المذكورة على ما تقدم.
    وجزم به من الشافعية: الماوردي، والنووي في "مناسكه"، ونقله: صاحب "البيان" عن الشريف العثماني.
  • الثالث والعشرون: فضيلة المضاعفة لا تختص بالصلاة؛ بل وسائر أنواع الطاعات- على ما تقدم.
  • الرابع والعشرون: أن السيئات تضاعف بمكة- كما تُضاعف الحسنات.
    وممن قال ذلك: مجاهد، وابن عباس، وابن مسعود، وأحمد بن حنبل، وغيرهم؛ لتعظيم البلد.
    وقد تقدم في "الباب الثامن والعشرين".
  • الخامس والعشرون: أنه يعاقب (47/ أ) على الهمّ بالسيئة فيه؛ وإن لم يفعلها.
    قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ 9. كل ذلك؛ تعظيمًا لحرمة الحرم، وكذلك فعل الله بأصحاب الفيل؛ أهلكهم قبل الوصول إلى بيته.

الجزء: 1 - الصفحة: 202

قال الإمام أحمد: لو أن رجلًا همّ أن يقتل في الحرم، أذاقه الله من العذاب الأليم، ثم قرأ الآية.

  • السادس والعشرون: يستحب الغُسل لدخول مكة.
    قال في "المستوعب": حتى لحائض، ولا يشاركها غيرها من البلاد في استحباب الغسل لمن أراد الدخول إليها؛ إلَّا مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - على قول ذكره الشيخ تقي الدين؛ منصوص أحمد؛ لكن: المقدّم خلافه.
  • السابع والعشرون: يستحب الغسل لدخول الحرم- كما نقله صالح عن الإمام أحمد.
  • الثامن والعشرون: يستحب 10 صلاة العيد في المصلَّى، إلا أهل مكة؛ فإنه لا يستحب لهم الخروج من المسجد الحرام، بل المستحب لهم أن يصلوا في المسجد الحرام؛ لفضيلة البقعة، ومشاهدة الكعبة، وفاقًا للأئمة الثلاثة.
    وعند الشافعية؛ خلاف في غيرها من البلدان: قال بعضهم: والصحيح أن فعلها في المسجد أفضل.
    وقاله: القاضي ابن كجّ في كتاب "التجريد"، وقال في "الأم": يصلي في المصلى في سائر البلدان إلا مكة؛ فإنه يصلي في مسجدها لأنه خير بقاع الأرض.
    وقال: إن كان يسعهم مسجد ذلك البلد أحببت أن يصلوا فيه.
  • التاسع والعشرون: يحرم استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء والبنيان عند كثير من العلماء، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد.

الجزء: 1 - الصفحة: 203

  • الثلاثون: أنها قِبلَة المسلمين حيث كانوا، لا تقبل صلاة أحدهم إلا باستقبالها إذا قدِر على ذلك إلا في صوَر نادرة، كالصلاة على الراحلة في السفر وحال المسايفة.
  • الحادي والثلاثون: أنها قِبْلة المسلمين أمواتًا؛ فلا يدفنون إلا مستقبلين جهتها.
  • الثاني والثلاثون: توزع بعضهم عن قضاء الحاجة بمكة: وممن روي عنه ذلك: الشيخ أبو عمر الزجَّاجي أحد كبار مشايخ الصوفية بمكة، فإنه رُوي عنه: أنه أقام بمكة أربعين سنة لم يبل ولم يتغوَّط في الحرم.
    وُيروى (47/ ب) أن الإمام أبا محمد عبيد الله ابن سعيد السجستاني جاوَر بمكة دهرًا فكان إذا أراد قضاء الحاجة: خرَج من الحَرَم.
    قال بعضهم: هؤلاء تأوَّلوا أنها مسجد، وهذا التأويل ليس بشيء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله والصحابة والسلف.
    لكن روى ابن السكن الحافظ، من حديث ابن عمر: أنه - صلى الله عليه وسلم - لما كان بمكة كان إذا أراد حاجة الإنسان خرج إلى المغمس، وهو على ثلث فرسخ منها، رواه الطحاوي في "تهذيب الآثار" 11، وقال: على ميلين من مكة، ورواه الطبراني في "الأوسط" 12.
  • الثالث والثلاثون: المذهب جواز الاستجمار بحجارة الحرم.
    وفي

الجزء: 1 - الصفحة: 204

"النهاية": يحرم، قال في "الفروع": وهو سهو.
وحكى الماوردي الشافعي وجهين في جواز الاستنجاء بحجارة الحرم.
وقال: ظاهر المذهب سقوط الفرض بذلك مع تأثيمه.

  • الرابع والثلاثون: كراهة الوضوء والغسل بماء زمزم عند الإمام أحمد.
    وقد تقدم الكلام عليه.
  • الخامس والثلاثون: كراهة إزالة النجاسة به أو التحريم- كما تقدم.
  • السادس والثلاثون: لا يدخله مُحِلٌّ قدِمَ إليه حتى يُحرم لدخوله إما بحج أو عُمرة يتحلل بها من إحرامه؛ إلا أن يكون ممن يكثر الدخول إليها لمنافع أهلها، كالحطَّابين والسقَّايين الذين يخرجون منها غدوة ويعودون إليها عشيا، فيجوز لهم دخولها مُحلِّين لدخول المشقة عليهم في الإحرام كلَّما دخلوا، فإن دخل القادم إليها حلالًا فقد أثم ولزمه إحرام على وجه القضاء اللهم إلا أن يدخلها لقتالٍ مباح.
  • السابع والثلاثون: يجوز سَتْر الكعبة بالحرير.
  • الثامن والثلاثون: هل يجوز قطع شيء من ستور الكعبة وبيعه وشراؤه ونقله أم لا؟ منعه: ابن القاص وابن عبدان من الشافعية.
    وأجازه بعضهم.
    وقد روى الأزرقي: أن عمر رضي الله عنه كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج 13. وروى الأزرقي أيضًا، عن ابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهما: أنهما

الجزء: 1 - الصفحة: 205

قالا تُباع كسوتها، ويجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين وابن السبيل 14. وذكر العلائي الشافعي في "قواعده": أنه لا يتردد في جواز (48/ أ) ذلك الآن؛ لأجل وقْف الإمام ضيعة معينة؛ على أن يصرف ريعها في كُسوة الكعبة.
والوقف بعد استقرار هذه العادة والعلم بها فينزل لفظ الواقف عليها.
قال: وهذا ظاهر لا يعارضه المنقول المقدم.

  • قال الشيخ موفق الدين في "المغني": وثياب الكعبة إذا نزعت يُتَصدَّق بها.
    ونقله عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
    وقال ابن حمدان في "الرعاية": ويجوز بيع كُسوة البيت إذا خَلِقت والتصدق بثمنها، وعنه: والصدقة بها.
  • التاسع والثلاثون: يحرم أخذ شيء من طِيب الكعبة للتبرك وغيره، ومن أخذه: لزمه رَدُّه إليها، فإن أراد التبرك: أتى بطِيب من عنده فمسحها به ثم أخذه.
    هكذا نُقل عن الإمام أحمد، وقاله النووي في "الروضة" من زوائده.
  • الأربعون: بيع أشجار الحرم: حرام باطل، والمراد، إذا نبتت بنفسها.
    قال القفَّال من الشافعية: إلا أن يقطع شيئًا يسيرًا للدواء؛ فيجوز بيعه حينئذ.
    وناقشه النووي في "الروضة" وقال: لا ينبغي أن يجوز.
    وعندنا الانتفاع بالمقطوع: نُصَّ عليه، وقيل: ينتفع به غير قاطعه كقلع الريح له.

الجزء: 1 - الصفحة: 206

وعند أبى حنيفة: يملكُه لصدقته بقيمته كحقوق العباد، وله بيعه، ويكره؛ لأنه مَلَكَهُ بسبب محرَّم.

  • الحادي والأربعون: لُقَطة مكة والحرم؛ هل يجوز التقاطها للتملك أم للحفظ والتعريف؟ فيه قولان: والصحيح؛ أنها تملك بالتعريف، وعن الإمام أحمد رواية أنها لا تملك بحال، واختارها الشيخ تقي الدين وغيره من المتأخرين.
    وهو قول: عبد الرحمن بن مهدي، وأبي عبيد، وأصحَّ قولَي الشافعي؛ لما في الصحيحين عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة "إن هذا البلد حرَّمه الله تعالى، لا يُعْضَدُ شوكه ولا ينفَّر صيده ولا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُه إلا مَنْ عَرَفها" 15. ومعلوم؛ أن لُقَطة كل بلدة تُعرف، ولو كان كغيره لم يكن لتخصيصه بهذا الذِّكْر معنى.
  • الثاني والأربعون: صيد الحرَم: حرام؛ على الحلال والمُحرم بالإجماع، إذا كان برِّيًّا، أما إذا كان بحرّيًا: فروايتان عن الإمام أحمد: صحّح بعضهم المنع؛ لقوله عليه السلام: "لا ينفر صيدها" (1)؛ ولأن حرمة الصيد (48/ ب) للمكان؛ فلا فرق.
    والثانية: يحل لاطلاق حِلُّه في الآية؛ ولأن الإحرام 16 لا يحرِّمه كحيوان أهلي وسَبُع.
  • الثالث والأربعون: يحرم قلع شجر الحرم إجماعًا ونباته حتى الشَّوك

الجزء: 1 - الصفحة: 207

والورق، خلافًا للشافعي إلا اليابس، فإنه كميت لظاهر الخبر، ولا بأس بالانتفاع بما زال بغير فعل آدمي، نص عليه.
ولا يحرَّم: الإذخر، والكمأة، والثمرة، وما أنبته: آدمي من بقل، ورياحين، وزرع: إجماعًا، نص أحمد على الجميع.
ولا يحرم ما أنبته آدمي: من شجر، وجزم به ابن البنَّا في "خصاله" بالجزاء فيه، وِفاقًا للشافعي؛ للنهي عن قطع شجرها، وما فيه مضرة: كشوك، وعوسج: يحرم قطعه عند الشيخ وغيره، وعند أكثر الأصحاب- القاضي وأصحابه-: لا يحرم وفاقًا للشافعي.
وفي جواز رعي حشيشه: وجهان.

  • الرابع والأربعون: كره الإمام أحمد إسناد الظهر إلى القبلة.
    قال في "الفروع": اقتصر أكثر الأصحاب على استحباب استقبالها، فترْكه أولى، ولعل هذا أولى - انتهى.
  • الخامس والأربعون: قال الإمام أحمد: لا يُخرَج من تراب الحرم ولا يُدخَل من الحِلِّ كذلك.
    قال ابن عمر وابن عباس: ولا يُخرج من حجارة مكة إلى الحِلِّ ولا يُدْخل إليها من الحِلِّ، والخروج: أشد.
    واقتصر بعض علمائنا على كراهة إخراجه، وجزم في مكان آخر بكراهتهما.
    وقال بعضهم: يكره إخراجه إلى الحِلِّ.
    وفي إدخاله إلى الحرم روايتان.
    وفي "الأصول" لا يجوز في تراب الحِلِّ والحَرَم، نُصّ عليه.
    قال أحمد: والخروج أشد.
  • السادس والأربعون: لا يحارَب أهلها؛ لتحريم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتالهم

الجزء: 1 - الصفحة: 208

بقوله: "لا يحل لامرئ مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا" 17. فإن بغَوْا على أهل العدل: قاتلهم على بغِيهم؛ إذا لم يمكن ردّهم عن البغي إلا بالقتال.
وذهب جماعة من العلماء إلى تحريم قتال البغاة فيه بل يُضيَّق عليهم إلى أن يخرجوا أو يفيئوا، واختاره القفَّال من الشافعية.

  • السابع والأربعون: من أتى حدًّا خارج الحرم أو شيئًا يوجب قصاصًا ثم لجأ إلى الحرم، لم يُقَم عليه الحدّ فيه ولم يُقْتصّ (49/ أ) منه؛ ولكن يُلْجأ إلى الخروج منه: بترك مبايعته ومشاراته، فإذا خرج أقيم عليه، هذا هو المذهب، وهو أحد الأقوال في المسألة.
    والقول الثاني: إن كان قاتلًا لم يُقْتل حتى يُخْرج من الحرم، وإن كانت الجناية دون النفس استُوفيَت، وهو رواية عن أحمد وأبي حنيفة.
    والقول الثالث: إن القتل وما دونه يُسْتَوْفَى وهو قول مالك والشافعي.
  • الثامن والأربعون: يمنع من خالف دين الإسلام من ذمِّي ومعاهد أن يدخل الحرم، لا مقيمًا ولا مارًّا به.
    قال في رواية ابن مسعود: ليس لليهود والنصارى أن يدخلوا الحَرم، فقد مُنع منه فإن دخله مشرك عُزِّر إذا دخله بغير إذن ولم يستبح به قتله "فإن دخله بإذن لم يعزر وأنكر على الآذن له ولم يستبح به قتله" 18، وعُزِّر إن اقتضت حاله التعزير وأخرج منه المشرك.
    وإن أراد مشرك دخول الحرم ليُسْلِم فيه منع منه حتى يُسْلم قبل دخوله.

الجزء: 1 - الصفحة: 209

  • والتاسع والأربعون: إذا مات مشرك في الحرم: حرم دفنه فيه، ودفن في الحِلِّ؛ فإن دُفن في الحرم نُقِل إلى الحِلِّ؛ إلا أن يكون قد بَلي فيُترك 19 - كما تُرك فيه أموات الجاهلية.
  • الخمسون: أنها حرم الله تعالى، حرَّمها يوم خلق السموات والأرض، وهذا أحد القولين- كما قاله القاضي أبو يعلي في "أحكامه"؛ فإنه قال: وقد اختُلِف في مكة وما حولها: هل صارت حرامًا بسؤال إبراهيم عليه السلام، أو كانت قبله كذلك؟ فمن الناس من قال: لم يزل حرمًا 20 آمنًا من الجبابرة المسلطين ومن الخسوف والزلازل 21؛ وإنما سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يجعله آمنًا من الجدب والقحط، وأن يرزق أهله من كل الثمرات.
    وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد في رواية الأثرم وقد سئل عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مكة: "أُحلّت لي ساعة من نهار ولم تحلّ لأحد قبلي" 22: ما وجهه؟ ! قال: وجهه أنها كانت حرامًا لم تزل فقد نُصّ على أنها لم تزل حرامًا.
    والوجه فيه: ما ورى سعيد بن أبي سعيد- يعني: المقبري- قال: سمعت أبا شريح الخزاعي يقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (49/ ب) لما افتتح مكة قام خطيبًا فقال: "يا أيها الناس، إن الله تعالى حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا أو يعضد بها شجرا، ألا وإنها لا تحلُّ لأحد بعدي،

الجزء: 1 - الصفحة: 210

ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضَبًا على أهلها، ألا وهي قد رجعت على حالها بالأمس، ألا ليبلغ الشاهد الغائب"، فمن قال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتل بها! فقولوا: إن الله تعالى قد أحلَّها لرسوله ولم يحلَّها لك 23. ومن الناس من قال: إن مكة كانت حلالًا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد وإنها صارت بِدَعوته حرمًا 24 آمنا حين حرَّمها الله تعالى، كما صارت 25 المدينة بتحريم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرمًا 26 بعد أن كانت حلالًا؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن إبراهيم كان عبد الله وخليله وإني عبد الله ورسوله.
وإن إبراهيم حرّم مكة وإني حرّمت المدينة ما بين لابيتها: عِضاها وصيدها، لا يُحمل فيها السلاح لقتال ولا يُقطع فيها شجر إلا لعلف بعير 27 - انتهى- كلام القاضي.
وهذا الحديث أصله في "الصحيح".
فقد روى مسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: اللهم إن إبراهيم حرّم مكة فجعلها حرمًا 28، وإني حرَّمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها: أن لا يهُراق فيها دمٌ ولا يحمَل فيها سلاح لقتال ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف" 29. ورويناه بإسكان اللام من علف؛ لأنه مصدر، وأما بفتح اللام: فاسم للحشيش والتبن والشعير ونحو ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 211

الحادي والخمسون: تغليظ الدِّيَة على من قتل في الحرم المكِّي: واختلفوا في قدر التغليظ: فقال ابن المنذر: روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "مَنْ قَتَل في الحرم أو الأشهر الحُرُم عليه الدِّيَة وثُلُث الدية"، وبه قال سعيد بن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وسليمان بن يسار، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
وقالت طائفة: التغليظ في أسنان الإبل لا الزيادة في العدد، وبه قال: طاوس، والشافعي.
قلت: وهو قول عندنا، ولنا قول آخر: إن التغليظ بدِيَتَيْن.
أما حرم المدينة (50/ أ)؛ فالأصح عندنا وعند الشافعية: لا تغليظ فيه.

  • الثاني والخمسون: ذهب الحسن البصري: إلى أنه لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة؛ لأن القتل فيه منهي عنه، فلا يحلُّ ما هو سببه، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة" رواه مسلم 30. قال القاضي عياض: وهو محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة؛ فأما لضرورة أو حاجة: فإنه يجوز.
    قال: وهذا مذهب مالك، والشافعي، وعطاء، وحجَّتهم: دخوله في عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القِراب، ودخوله عام الفتح متأهبًا للقتال.
    قال: وشذ عكرمة عن الجماعة؛ فقال: إذا احتاج إليه حَمَلَهُ؛ وعليه الفدية.
    قال البخاري: ولم يُتابَع عليه في الفدية 31.

الجزء: 1 - الصفحة: 212

قلت: أما كون حمل السلاح بمكة لا يجوز إلا لحاجة: فهو متفق عليه بين الأربعة.
نقل الأثرم: لا يُتقلَّد- يعني السيف بمكة- إلا لخوف.

  • الثالث والخمسون: كل هدْي أو إطعام يتعلق بالحرم أو الإحرام فهو لمساكين الحرم؛ إن قدر يوصله إليهم، ويجب نحر الهدْي في الحرَم وفاقًا للأئمة الثلاثة، ويجزيه جميعه وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، قال أحمد: مكة ومنَى واحد.
    وقال مالك لا ينحر في الحج إلا بِمنَى، ولا في العمرة إلا بمكة.
    والطعام كالهْدي وفاقًا للشافعي، وعند أبي حنيفة ومالك: يجوزان في الحِلّ.
    وقال عطاء والنخعي: الهدْي بمكة، والطعام حيث شاء، وما وجب بفعل محظور فحيث فعله خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحدَيبية 32، وهي من الحِلّ وعنه في الحرَم.
    وقاله الخِرَقي في غير الحلْق واعتبر في "المجرّد" و"الفصول" العذر في المحظور وغير المعذور في الحرم كسائر الهدْي، وأما جزاء الصيد: ففي الحرم للآية 33، وحكيت رواية: حيث قتله، وقيل: لعذر.
  • الرابع والخمسون: لا دم على المتمتَع والقارِن إذا كانا من حاضِري المسجد الحرام للآية الكريمة 34.
  • الخامس والخمسون: يجب قصده للحج والعمرة على المستطيع، ولا يجب ذلك في موضع آخر بالاتفاق.
    وبهذا احتج الشيخ عز الدين؛ لتفضيله له على المدينة (50/ ب)، قال:

الجزء: 1 - الصفحة: 213

لأنه إذا كان لملك داران وأوجب على رعيته إتيان إحداهما دون الأخرى: دلّ ذلك على أن اهتمامه بتلك أقوى، وأنها أرجح عنده من الأخرى.

  • السادس والخمسون: الصحيح عند الشافعية: أنه لا يجوز إحرام المقيم بالحرم بالحج إلا منه، ولو أحْرم خارجه كان مسيئًا.
    وعندنا يجوز من الحرَم والحِلّ، نقله الأثرم، وابن منصور، ونصَرَه القاضي، وأصحابه وِفاقًا لمالك، كما لو خرج إلى الميقات الشرعي، وكالعمرة.
    ومنعوا وجوب إحرامه من الحرم ومكة، وعنه: عليه دم، وعنه: إنْ أحْرم من الحِلّ، وجزم به الشيخ؛ لإحرامه دون الميقات، قال: وإن مر في الحرم، يعني: قبل مضيه إلى عرفة: فلا دم؛ لإحرامه قبل ميقاته - كمحرم قبل المواقيت وفاقًا لأبي حنيفة وأحد قوْلَي الشافعي، وأبو حنيفة: يعتبر مروره في الحرم ملبيًّا، ولم يعتبره صاحباه.
  • السابع والخمسون: أنها دار إسلام أبدًا لا يُتصوَّرُ فيها خلافه، كذا قاله بعضهم.
    والمراد: بعد فتحها، وهو أحد التأويلين في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا هجرة بعد الفتح" 35، أي: من مكة؛ لأنها دار إسلام لا يُتصَوَّر منها الهجرة.
    وفي "صحيح مسلم" عن جابر قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول "إن الشيطان قد أيِس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم" 36.
  • الثامن والخمسون: المحافظة 37 على الموت بها.
    فروى الدارقطني عن عائشة مرفوعًا: "مَن مات في هذا الوجه من حاجّ

الجزء: 1 - الصفحة: 214

أو مُعتمِر لم يُعرَض ولم يحاسَب وقيل له ادخل الجنة" 38. وروى البيهقي عن أبي هريرة مرفوعًا: "من خرج حاجًّا أو مُعتمِرًا أو غازيًا ثم مات في طريقه كتب الله له أجر الغازي والحاج والمعتمر إلى يوم القيامة" 39.

  • التاسع والخمسون: اختلف السلف أيما أفضل البداءة بمكة أو في المدينة؟ وفي المسألة قولان حكاهما ابن أبي شيبة في "مصنفه" والإمام أحمد في كتاب "المناسك الكبير" له، فقال وقد سئل هل يُبدأ بالمدينة قبل مكة.
    فذكر بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد، وعطاء، ومجاهد (51/ أ) قالوا: إذا أردت مكة فلا تبدأ بالمدينة وابدأ بمكة، فإذا قضيت حجّك فامرر بالمدينة إن شئت.
    وبإسناده عن إبراهيم النخعي، ومجاهد: إذا أردت مكة فاجعل كل شيء لها تَبَعًا.
    وبإسناده عن عدي بن ثابت: أن نفرًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يبدءون بالمدينة إذا حجّوا ويقولون هذا من حيث أحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وروى ابن أبي شيبة بسنده عن علقمة، والأسود، وعمرو بن ميمون: أنهم بدءوا بالمدينة قبل مكة.

الجزء: 1 - الصفحة: 215

قال في "المغني": قال أحمد: إذا حجّ الذي لم يحج قطّ من غير الشام لا يأخذ على طريق المدينة؛ لأني أخاف أن يحدث به حدث، فينبغي أن يقصد مكة من أخص الطرق ولا يتشاغل بغيره.
وفي "الفصول": نقل صالح، وأبو طالب: "إذا حج للفرض، لم يمرْ بالمدينة؛ لأنه إن حدث به حدَث الموت كان في سبيل الحج، وإن كان تطوعًا: بدأ بالمدينة.
وقال أبو حنيفة: الأحسن أن يبدأ بمكة، حكاه أبو الليث السمرقندي.
وقال العبدري المالكي في "شرح الرسالة": المشي إلى المدينة لزيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس 40.

  • الستون: انعقد الإجماع على أن أفضل البقاع مكة والمدينة.
    ثم اختلفوا: أيهما أفضل؟ فقال القاضي عياض مستثنيًا من محل الخلاف: أفضل بقع 41 الأرض على الإطلاق: المكان الذي ضمّ جسد النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن عقيل في "الفنون": الكعبة أفضل من مجرد الحجرة، فأما وهو فيها؛ فلا والله؛ ولا العرش، وحملته، والجنة؛ لأن بالحجرة جسدًا لو وزن به لرجح.

الجزء: 1 - الصفحة: 216

قال في "الفروع": فدلّ كلام الأصحاب أن الحجرة على الخلاف.
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: لم أعلم أحدًا فضَّل التربة على الكعبة غير القاضي عياض، ولم يسبقه أحد ولا وافقه أحد.
ثم بعد ذلك اختلفوا في أيهما أفضل: فذهب عمر وغيره من الصحابة إلى تفضيل المدينة، وهو قول مالك وأكثر المدنيين، وهو (51/ ب) رواية عن أحمد، واختارها ابن حامد وغيره.
وذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأكثر العلماء إلى تفضيل مكة، ونصره القاضي، وأصحابه، وبه قال ابن وهب، وابن حبيب، وأصبغ من المالكية، قال العبدري: وهو مذهب أكثر الفقهاء.
قال ابن حزم: روى القطع بتفضيل مكة على المدينة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: جابر، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، وعبد الله بن عدي، بأسانيد في غاية الصحة: فحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء: رواه أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وهو واقف بالحزوَرة في سوق مكة: "والله إنكِ لخير أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجْت منك ما خرجت" 42. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سوق الحزْوَرَة بمكة: "والله إنكِ لخير أرض الله وأحب البلاد إلى الله تعالى، ولولا أني أخرجت منكِ ما

الجزء: 1 - الصفحة: 217

خرجت": رواه النسائي (1).

تنبيه

: قال الدارَقطني: أصحاب الحديث يقولون "الحزوَّرة" بالتشديد، وقال اللغويون هي: "الحزْوَرة" بالتخفيف.
وقال أيضًا: تخفيف الحزْوَرة هو الصواب.
وإن المحدِّثين يفتحون الزَّاي ويشددون الواو، وهو تصحيف، نقله عنه صاحب "المطالع"، قال: وقد ضبطناه بالوجهين عن ابن سراج.
وقال ابن الأثير في "النهاية" الحزْوَرَة: موضع بمكة عند باب الحنَّاطين وهو بوزن "قَسْوَرَة".

  • الحادي والستون: إنها أعظم بلاد الله تعالى حرمة على الإطلاق - كما ثبت في "الصحيح" في حديث حجة الوداع لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا ألا بلدنا هذا" 44، وهذا إجماع من الصحابة رضي الله عنهم وأقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه.
  • الثاني والستون: إن من قصده بحج أو عُمرة حُطَّت خطاياه- كما ثبت في "الصحيح": "مَن حجَّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" 45.
  • الثالث والستون: إن الله تعالى خصَّه (52/ أ) بأن ينزل عليه كل يوم عشرين ومائة رحمة: ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون43

الجزء: 1 - الصفحة: 218

للناظرين- كما تقدم في "الباب الثالث عشر".

  • الرابع والستون: إن الله تعالى خصها بالتقبيل والاستلام، وهما نوعان من الاحترام خُصَّا بالركن، ولم يوجد ذلك في غيرها.
  • الخامس والستون: إن الله تعالى خصها بالطواف.
  • السادس والستون: أن الله تعالى بوَّأها لإبراهيم، وابنه إسماعيل، ومولدًا لسيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
  • السابع والستون: إن الصلاة وإن كانت منهيًّا عنها في المقابر- كما جاء في الحديث، ونص عليها الفقهاء، لكن يستثنى من ذلك مقابر الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه بمكة وإن لم يصرح به الفقهاء.
    وقد ذكر البيهقي في كتابه "مناقب الإمام أحمد": أن أحمد روى عن يحيى بن سليم الطائي بسنده إلى عبد الله بن ضَمُرة السلولي قال: ما بين المقام إلى الركن إلى بئر زمزم إلى الحجر قبر سبعة وسبعين نبيًّا جاءوا حاجِّين، فماتوا، فقُبروا هنالك.
    قال الإمام أحمد: لم أسمع من يحيى بن سليم غير هذا الحديث الواحد.
    وقد اشتُهر؛ أن قبر إسماعيل وأمه في الحجْر، ومع ذلك؛ فلم يقل أحد بكراهة الصلاة فيه.
  • الثامن والستون: أنها ملجأ الأنبياء من لَدُن آدم عليه السلام كما قال أبو الوفاء ابن عقيل فيما وقع له في "تأويلات الحج": السلام على قبور الأنبياء كآدم ومَن دونه، فقد رُوي أنه ما من نبي خرج بعد عذاب قومه إلا إلى مكة ودفن بها وأن بها مئين ألوفًا من الأنبياء.

الجزء: 1 - الصفحة: 219

  • التاسع والستون: رُوي عن بعض السلف أن الملَك إذا نزل إلى الأرض في بعض أمور الله تعالى فأوّل ما يأمره الله تعالى به زيارة البيت فينقضُّ من تحت العرش مُحْرمَا مُلَبيًّا حتى يستلم الحجَر ثم يطوف بالبيت سبعًا ويركع ركعتين ثم يعد لحاجته بعد.
    وروى الأزرقي بسنده إلى وهب بن منبه قال: قرأت في كتاب من الكتب الأولى ذكر فيه الكعبة، فوجد فيه: أنه ليس من ملَك بعثه الله تعالى إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت، فينقضّ من تحت العرش (52/ ب) محرمًا ملبيًّا حتى يستلم الحجَر ثم يطوف بالبيت سبعًا ويركع في جوفه ركعتين ثم يصعد إليه 46.
  • السبعون: إن الله تعالى شَرعَ لِعباده كشف الرؤوس والأجساد عن اللباس المعتاد إذا قصدوا المجيء إليه من سائر الممالك سواءً في ذلك المملوك والمالك.
  • الحادي والسبعون: إنه البيت المعمور الذي أقسم الله تعالى به، حُكي ذلك: عن ابن عباس، والحسن، هو معمور بمن يطوف به.
  • الثاني والسبعون: كونه بوادٍ غير ذي زرع والأرزاق تجُلب إليه من كل قطر قريب وبعيد.
  • والثالث والسبعون: ذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن القاسم العُتقي- بضم العين وفتح التاء- المالكي، وكان قد جمع بين الزهد والعلم، وتفقه بمالك ونظائره، وصحب مالكا عشرين سنة، ومات بمصر سنة إحدى وتسعين ومائة.

الجزء: 1 - الصفحة: 220

قال: سمعت أن الحرم يعرف بأن لا يجيء سيل من الحل فيدخل الحرم.
وقال ابن عطية في "تفسيره": وهذا لأن الله تعالى جعله ربوة أو في حكمها؛ ليكون أصون له.
وهذه الفائدة؛ ذكرها غير واحد، وقد تقدم مثله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في "الباب الثلاثين"- كما نقله الأزرقي؛ لكنه ذكر بعد ذلك بيسير أن كل وادٍ في الحرم، فهو يسيل في الحِلّ، ولا يسيل وادٍ من الحِلّ في الحرم إلا من موضع واحد عند التنعيم عند بيوت نفار، فإن صحّ هذا الثاني؛ فهو مستثنى من الكلام الأول.

  • الرابع والسبعون: ذكر مكي وغيره: أن الطير لا تعلوه وإن علاه طائر فإنما ذلك لمرض به يستشفي بالبيت.
    قال ابن عطية: وهذا عندي ضعيف، والطير تعاين تعلوه، وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره، وتلك كانت من آياته- انتهى.
    وما ذكره ابن عطية لا ينافي ما قاله مكي؛ فالعُقاب إنما أخذت الحية ليُتمكن من بنائه.
    وأما الطير التي تعلوه فلا مانع من أنها يستشفى 47 بذلك لشيء بها.
  • الخامس والسبعون: ما ذكره كثير من الناس؛ من أنه إذا عمّ المطر من جوانبه (53/ أ) الأربع في العام الواحد أخصبت آفاق الأرض، وإن لم يُصب جانبًا منه لم يخصب ذلك الأفق الذي يليه ذلك العام.

الجزء: 1 - الصفحة: 221

  • السادس والسبعون: حبس الفيل ورمى الطير أصحابه بحجارة من سجيل.
  • السابع والسبعون: ذكر ابن هشام في "السيرة": أن الماء لم يصل إلى البيت المعظم حين الطوفان، ولكنه قام حولها وبقيت هي في هواء السماء، وأن نوحًا قال لأهل السفينة وهي تطوف بالبيت: إنكم في حرم الله، وحول بيته، فأحْرِموا لله، ولا يمس أحد امرأة فاجعل بينهم 48 وبين النساء حاجزًا فتعدى حام، فدعا نوح عليه السلام أن يسوِّد الله لون بنيه، وقيل في سبب دعاء نوح على ولده خلاف ذلك.
  • الثامن والسبعون: أن أهل الملل كلها متفقة على تعظيمه؛ بدليل حجه في الجاهلية.
  • التاسع والسبعون: أن الأمم لم تزل تقصده للدعاء عنده مؤمنهم وكافرهم؛ بدليل ما ورد عن قوم عاد وغيرهم.
  • الثمانون: أن الله تعالى أقسم به في كتابه في موضعين: فقال تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ 49. وقال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ 50. و"لا" في هذا المكان عند النحويين.
    صلة.
  • الحادي والثمانون: إن الله تعالى أضافه لنفسه في قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ 51، وناهيك بها من إضافة رافعة لقدره مُشَرِّفة لعظيم

الجزء: 1 - الصفحة: 222

محله، معظّمَة لجليل ذكره.

  • الثاني والثمانون: إن الله تعالى هو الذي بناه لا ببناء أحد من الناس، وهو أحد الأقوال التي تقدمت في أوائل الكتاب، وناهيك بها من فضيلة ما أجلّها.
  • الثالث والثمانون: إن الله تعالى عطف القدوب والأفئدة إليه دون غيره من البلاد، فهو أعظم جذبًا للقلوب من جذب المغناطيس للحديد، ولهذا؛ أخبر سبحانه أنه ﴿مَثَابَة للناسِ﴾ 52، أي: يثوبون إليه، أي: يعني يرجعون إليه على تعاقب الدهور وممر الأيام والشهور من جميع الأقطار يجوبون البراري والقفار ولا يقضون منه الأوطار، بل كلما قربوا منه: ازدادوا شوقًا إليه، والسِّرّ في هذا التوقان: دعاء الخليل عليه السلام (53/ ب) في قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ 53.
  • الرابع والثمانون: ما يُروى أن الله تعالى يلحظ الكعبة في كل عام لحظة في ليلة نصف شعبان، فأصبح هذا سبب التوْق وكثرة الحنين والشوق.
  • الخامس والثمانون: رُوي في حديث "وُعد هذا البيت أن يحجَّه كل سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا: أكملهم 54 الله تعالى من الملائكة" 55.
  • السادس والثمانون: رُوي أن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة.
    ومن حَجَّها: تعلق بأستارها حتى تُدخله الجنة.

الجزء: 1 - الصفحة: 223

  • السابع والثمانون: إنها منذ خلقت ما خلت عن طائف يطوف بها من جن أو إنس أو ملك.
    وعن بعض السلف: أنه خرج في يوم شديد الحر فرأى حية تطوف وحدها.
  • الثامن والثمانون: إن أهلها يقال لهم: "جيران الله" كما تقدم في "الباب التاسع والعشرون".
  • التاسع والثمانون: إن أهلها يقال لهم: "أهل الله" - كما تقدم في الباب المذكور.
  • التسعون: من أمّن أهل الحرم: استوجب بذلك أمان الله تعالى، وقد تقدم.
  • الحادي والتسعون: من أخاف أهل الحرم: فقد أخفر الله في ذمته، وقد تقدم.
  • الثاني والتسعون: أن بطن مكة حوزة الله تعالى التي اختارها لنفسه، وقد تقدم.
  • الثالث والتسعون: فضل مقبرتها.
    أخرج البزار عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمقبرة مكة: "نِعْم المقبرة هذه" 56. وعن ابن مسعود قال: وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ثنيَّة المقبرة، وليس بها يومئذ مقبرة فقال: "يبعث الله عز وجل من هذه البقعة أو من هذا الحرم سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين

الجزء: 1 - الصفحة: 224

ألفًا، وجوههم كالقمر ليلة البْدر، قال أبو بكر: ومن هم يا رسول الله؟ قال: هم الغرباء" 57.

  • الرابع والتسعون: تخصيصها بالحجر الأسود الذي هو يمين الله تعالى في الأرض، وقد تقدم أنه ياقوتة من يواقيت الجنة.
  • الخامس والتسعون: تخصيصها بمقام إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو ياقوتة من يواقيت الجنة أيضًا.
  • السادس والتسعون: تخصيصها بماء زمزم؛ الذي هو هزمة جبريل عليه السلام (54/ أ) وهمزته، وهو طعام طعم، وشفاء سقم.
  • السابع والتسعون: تخصيصها بالصفا والمروة اللذين هما من شعائر الله.
  • الثامن والتسعون: تخصيصها بالمشاعر العظام والمواقف الكرام: كمِنَى وعرفات وما تقدم ذكره في مِنَى من 58 الآيات.
  • التاسع والتسعون: من رأى الكعبة في المنام فهي رؤيا حق؛ لما روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من رآني في المنام فقد رآني حقًا؛ فإن الشيطان لا يتمثَّل بي ولا بالكعبة": رواه الطبراني في "معجمه"، وقال: هذه اللفظة "ولا الكعبة": لا تحفظ إلا في هذا الحديث 59.
  • تمام المائة: لو نذر الصلاة في المسجد الحرام أو الاعتكاف: لا يجزيه في غيره من المساجد لما تقدم من أنه أفضل المساجد على الإطلاق -

الجزء: 1 - الصفحة: 225

كما هو عندنا وعند الشافعي وأبي حنيفة.

  • الأول بعد المائة: لو نذر إتيان المسجد الحرام: لزمه إتيانه بحج أو عمرة؛ لحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" 60، وأصح الطريقين عند الشافعية كذلك، ونصَّ عليه الشافعي لحديث أخت عُقبة.
  • الثاني بعد المائة: لو نذر المشي إلى بيت الله الحرام: لزمه المشي في حج أو عمرة، فإن تركه وركب لعذر أو غيره: فكفارة يمين؛ لأن المشي غير مقصود، ولم يعتبره الشرع في موضع، وعنه دم.
    وفي "المغني": قياس المذهب، يستأنفه ماشيًا؛ لتركه صفةً للمنذور.
  • الثالث بعد المائة: لو نذر إتيان مكة من الحرم ماشيًا: لزمه المشي في حج أو عمرة أيضًا.
  • الرابع بعد المائة: لو نذر إتيان مكان من الحرم ماشيًا: لزمه المشي في حج أو عمرة.
  • الخامس بعد المائة: لو نذر إتيان بيت الله ولم يقل الحرام، فوجهان عند الشافعية: أصحهما ونقله البندنيجي عن نصَّه في "الأم" أنه لا ينعقد نذره إلا أن ينوي البيت الحرام؛ لأن جميع المساجد: بيوت الله تعالى.
    وعن المُزَني: لزومه؛ لأن إطلاق البيت ينصرف إليه دون غيره، وهذا مذهبنا.
    قال في "المحرر": ومن نذر المشي إلى بيت الله أو بقعة من الحرم: لزمه (54/ ب) أن يمشي في حج أو عمرة.
  • السادس بعد المائة: لو حلف بالطلاق الثلاث، لا بدَّ أن يعبد الله

الجزء: 1 - الصفحة: 226

تعالى عبادة ينفرد بها دون جميع الناس في وقت تلبُّسه بها، فما يفعل من العبادات؟ ! قلت: هذه فتوى جاءت من العجم إلى بغداد فعُرضَت على العلماء العراقيين، فلم يتضح لها لأحد جواب، فجاءت إلى شيخ الطريقة وإمام الحقيقة قطب الزمان وعين الأعيان صاحب الخاطر العاطر: الشيخ عبد القادر، فكتب عليها على الفور: "يأتي مكة، ويُخلَى له المطاف، ويطوف أسبوعًا وحده، وتنحل يمينه، فما بات المستفتي ببغداد"! !

  • السابع بعد المائة: الطواف بالكعبة أفضل من الصلاة، بدليل الحديث الذي تقدم في ذكر الرحمة التي تنزل على البيت وأن منها ستين للطائفين وأربعين للمصلين، وليس في الدنيا بنية الطواف بها أفضل من الصلاة غيرها.
    نقل حنبل: لمن قدم مكة أن يطوف؛ لأنه صلاة، والطواف أفضل من الصلاة، والصلاة بعد ذلك.
    وعن عطاء وابن عباس: الطواف لأهل العراق، والصلاة لأهل مكة.
    وذكره القرافي المالكي وغيره اتفاقًا.
    وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره: أن الطواف أفضل من الصلاة فيه.
    وقاله الشيخ تقي الدين ابن تيميَّة، وذكره عن جمهور العلماء.
  • الثامن بعد المائة: كره جماعة من السلف اتخاذ السجن بمكة.
    حكى ذلك ابن أبي شيبة في "مصنَّفه" لإسناده عن طاوس: قال: لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة.
    والجمهور على خلافه فقد اشترى عمر دارًا للسجن بمكة.
  • التاسع بعد المائة: إن من حجه أو اعتمره لا يزال يزداد هيبة وتعظيمًا

الجزء: 1 - الصفحة: 227

وبِرًّا، كما أُمِرْنا بالدعاء له في قولنا: "وزد من عِظَمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتعظيمًا وبِرًّا" 61.

  • العاشر بعد المائة: ائتلاف الظباء والسباع (55/ أ) في الحرم، ذكره المحب الطبري.
  • الحادي عشر بعد المائة: إن الحرم حرَّم حِذاه من السموات السبع، ذكره مجاهد.
    وعن قتادة: أنه حُرِّم حياله إلى العرش.
  • الثاني عشر بعد المائة: أن الحرم حرّم حياله من الأرضين السبع، قاله مجاهد.
  • الثالث عشر بعد المائة: إنها محفوفة بسبعة أملاك، قاله مجاهد.
  • الرابع عشر بعد المائة: إن الله تعالى جعل رزقها من ثلاثة سبل، فليس يؤتى أهل مكة إلا من ثلاثة طرق: أعلى الوادي وأسفله وكداء 62.
  • الخامس عشر بعد المائة: أن الله تعالى بارك لأهلها في اللحم والماء، وفي رواية: في الماء واللبن، ذكر هذه الخمسة: الأزرقي.
  • السادس عشر بعد المائة: إن بناءها الموجود الآن لم يتوهن، وهو لا يقتضي أن يبقى هذه المدَّة على ما ذكره بعض المهندسين، وإنما بقاؤه آية من آيات الله تعالى.
  • السابع عشر بعد المائة: إنه لا يرى البيت الحرام أحد ممن لم يكن يراه

الجزء: 1 - الصفحة: 228

إلا ضحك أو بكى، قاله الجاحظ.
قلت أو حصلت له نشأة لم تكن حصلت له قبل ذلك ولا تحصل بعده.

  • الثامن عشر بعد المائة: الجارح يتبع الصيد، فإذا دخل الحرم تركه، ذكر ذلك ابن الحاج عن بعض المفسرين.
  • التاسع عشر بعد المائة: لو اقتصر أهل مكة على اللحم والماء كفاهم، وأما غيرهم فلا، كما ذكره البخاري في كتاب "الأنبياء" لما دَعَا إبراهيم عليه السلام فقال: "اللهم بارك لهم في اللحم والماء"، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه.
  • العشرون بعد المائة: ما رواه الأزرقي في "تاريخه": أن طيرًا طاف على منكب بعض الحجاج أسابيع والناس ينظرون إليه وهو مستأنس بهم ثم طاف وخرج من المسجد الحرام، وذلك في السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائتين.
  • الحادي والعشرون بعد المائة: قال ابن الصلاح من الشافعية: "لا يجوز أخذ شيء من مساويك الحرم.
    قلت: وهو ظاهر كلام أصحابنا إن نبت بنفسه لأنهم لم يستثنوا إلا الإذخر والكمأة والثمرة وما أنبته الآدمي (55/ ب)، اللهم إلا أن يكون يابسًا فهو مستثنى عندنا أيضًا، وكذا لو قطع أو قُلع بغير فعل آدمي.
    أما إن قطعه آدمي غيره فعلى الخلاف المتقدم في "الثالث والأربعين".
    وذكر ابن الحاج من المالكية: لا بأس بأخذ السّواك من الحرم.
  • الثاني والعشرون بعد المائة: أن المرء إذا خرج يريد الطواف بالبيت، أقبل يخوض الرحمة، فإذا دخله غمرته، ثم لا يرفع قدمًا ولا يضع قدمًا إلا كتب الله تعالى له بكل قدم خمسمائة حسنة وحطّ عنه خمسمائة سيئة أو قال

الجزء: 1 - الصفحة: 229

خطيئة ورفعت له خمسمائة درجة، فإذا فرغ من طوافه فصلى ركعتين دُبُر المقام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وكتب له أجر عِتْق عشر رقاب من ولد إسماعيل واستقبله ملك الركن فقال له: "استأنف العمل فيما بقي فقد كُفيت ما مضى وشُفِّع في سبعين من أهل بيته": رواه الأزرقي بسنده مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جدِّه 63.

  • الثالث والعشرون بعد المائة: ذكر الأزرقي عن عمرو بن يسار المكي: أن البعير إذا حج بورك في أربعين من أمهاته.
    وإذا حُجّ عليه سبع مرار كان حقًا على الله تعالى أن يرعى في رياض الجنة 64.
  • الرابع والعشرون بعد المائة: "أن النظر إلى الكعبة محض الإيمان" نقله الأزرقي عن ابن عباس.
  • الخامس والعشرون بعد المائة: ذكر الأزرقي عن ابن المسيِّب أن من نظر إلى الكعبة إيمانًا وتصديقًا: خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه.
  • السادس والعشرون بعد المائة: لا يدخلها الدجَّال، كما ثبت في "الصحيحين" عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 65، وهذا وإن كان ما هو من خصائصها على العموم، فإنه لم يشاركها فيه إلا مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما في "الصحيحين" 66، وكذلك القدس كما يأتي التنبيه عليه في موضعه إن شاء الله (56/ أ) تعالى، فهو من الخصائص بالنسبة إلى المدينة أو إليها وإلى بيت المقدس.
  • السابع والعشرون بعد المائة: احتكار الطعام بمكة إلحاد، كما روى

الجزء: 1 - الصفحة: 230

أبو القاسم 67 الطبراني في "معجمه الأوسط" من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "احتكار الطعام بمكة إلحاد" 68.

  • الثامن والعشرون بعد المائة: ورد النهي عن سُكنَى مكة لسافك دم أو مشِّاءٍ بنَمِيم، كما روى أبو القاسم الأصفهاني في كتاب "الترغيب" بسنده إلى جابر قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يسكن مكة سافك دم ولا مشَّاء بنميم" 69. قوله: "لا يسكن": هو بجزم النون على النهي، ولو روى بضمها على الخبر: لكان خبرًا بخلاف مخبره، ولا يجوز ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
  • التاسع والعشرون بعد المائة: إن مفتاح الكعبة إذا وضع في فم الصغير الذي ثقل لسانه عن الكلام تكلم سريعًا بقدرة الله تعالى.
    ذكره الفاكهي، وذكر أن المكيين يفعلونه.
    قال بعضهم وكذلك يفعلونه الآن.
  • الثلاثون بعد المائة: أن مَن مات في مكة فكأنما مات في السماء الدنيا.
  • الحادي والثلاثون بعد المائة: عند الركن اليماني باب من أبواب الجنة، ذكرهما الحسن في "رسالته" 70.
  • الثاني والثلاثون بعد المائة: ما بين الركن اليماني والركن الأسود روضة من رياض الجنة.

الجزء: 1 - الصفحة: 231

  • الثالث والثلاثون بعد المائة: مَن صبر على حرِّ مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائة عام، ذكرهما الحسن في "رسالته" عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 71.
  • الرابع والثلاثون بعد المائة: قواعد البيت في الأرض السابعة السفلى، كما تقدم عن مجاهد في "الباب الأول".
    والحمد لله على التيسير.

الجزء: 1 - الصفحة: 232

* الكتاب الثاني * في المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام وما يتعلق به

(1) وفيه ثمانية عشر بابًا

فصول الكتاب · 76 فصل
فصول تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد
المقدمةالباب الأول في ذكر أسمائهاالباب الثاني في ذكر بنائهاالباب الثالث في كيفية بناء المسجد الحرامالباب الرابع في فضل المسجد الحرامالباب الخامس في ذكر كسوة الكعبة، زادَها الله شرفًا:الباب السادس في سدانة البيتالباب السابع في فضل الحجر الأسود وذكر أخذه وردَّه:الباب الثامن فيما جاء في رفع الحجر الأسودالباب التاسع في ذكر الركن اليمانيالباب العاشر في ذكر الحِجْر:الباب الحادي عشر في ذكر الميزابالباب الثاني عشر في ذكر الحطيمالباب الثالث عشر في فضل النظر إلى البيت ونزول الرحمة عليهالباب الرابع عشر في ذكر المواضع التي يُستجاب فيها الدعاء:الباب الخامس عشر في ذكر طواف الحشرات بالبيتالباب السادس عشر في ذرع الكعبة من جهاتها الأربع وارتفاعها في السماء وذِكْر الشاذروانالباب السابع عشر في ذكر المقامالباب الثامن عشر في ذكر ابتداء زمزم وتجديدها بعد دثورهاالباب التاسع عشر في ذكر الشرب من ماء زمزم والوضوء والغُسل وإزالة النجاسة به:الباب العشرون في أسماء زمزمالباب الحادي والعشرون في غور الماء قبل يوم القيامة إلَّا زمزم وذكر ذرعها وغور مائها وفوره:الباب الثاني والعشرون في حدِّ المسجد الحرام ومن هو حاضره:الباب الثالث والعشرون في ذكر حال انتهاء البيتالباب الرابع والعشرون في أسماء مكةالباب الخامس والعشرون في فضل مكةالباب السادس والعشرون في فضل صوم رمضان بمكةالباب السابع والعشرون في أن الحسنات كلها تضاعف بمكة كالصلاةالباب الثامن والعشرون في أن السيئات تضاعَف فيها كما تضاعَف الحسنات وأنه يعاقَب عليها قبل فِعلها:الباب التاسع والعشرون في بيان أن أهل مكة أهل الله تعالىالباب الثلاثون في ذكر حدود الحرمالباب الحادي والثلاثون في ذكر نُصُب حدود الحرم وأول مَن نصَبَها:الباب الثاني والثلاثون في ذكر تعظيم حُرمة الحرَم:الباب الثالث والثلاثون في ذرْع المسجد الحرام وعدد اسطواناته:الباب الرابع والثلاثون في عدد الطاقات (1) به:الباب الخامس والثلاثون في صفة أبواب المسجد وعددها وذرْعها:الباب السادس والثلاثون في ذرع جدرات المسجد وعدد شرفاتهالباب السابع والثلاثون في حكم بيع مكة وإجارتهاالباب الثامن والثلاثون في ذكر مِنى:الباب التاسع والثلاثون في ذكر مسجد الخيْف:الباب الأربعون في ذكر آيات عظام بِمنى:الباب الحادي والأربعون في ذكر المزدلفةالباب الثاني والأربعون في الطريق من المزدلفة إلى عرفةالباب الثالث والأربعون في ذكر عرَفة وحدودها:الباب الرابع والأربعون في ذكر المجاورة بمكة شرَّفها اللَّه تعالى:الباب الخامس والأربعون في كراهة نقل تراب الحرم وحجارته إلى الحلّ وعكسهالباب السادس والأربعون في بيان الحجازالباب السابع والأربعون في ذكر جزيرة العربالباب الثامن والأربعون في ذكر خصائص البيت والمسجد الحرام وأحكامهماالباب الأول في ذكر بنائهالباب الثاني في فضلهالباب الثالث في فضل الصلاة فيهالباب الرابع في ذكر منبر النبي - صلى الله عليه وسلم -الباب الخامس في ذكر الروضةالباب السادس في حنين الجذع الَّذي كان في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -:الباب السابع في ذكر بناء الجدار الَّذي سقط في زمن الوليد بن عبد الملك:الباب الثامن في ذكر آثار حسنة في المسجد الشريفالباب التاسع في فضل المدينةالباب العاشر في ذكر حدود الحرمالباب الحادي عشر فى أسماء مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -الباب الثاني عشر في ذكر خراب المدينةالباب الثالث عشر في ذكر خروج النار التي أخبر عنها المختارالباب الرابع عشر فيما جاء أن المدينة أقل الأرض مطرًا:الباب الخامس عشر هل المدينة حجازية أم شامية أم يمانية؟الباب السادس عشر في ذكر جملة من الخصائص والأحكام والفضائلالباب السابع عشر في صفة قبر النبيُّ وقبر صاحبيه رضي الله عنهما:الباب الثامن عشر في ذكر مسجد قباء وأهلهالباب الأول في معنى اسمه وابتداء بنائهالباب الثاني في فضله وفضل الصلاة فيهالباب الثالث في ذكر فتح بيت المقدس ومصلى المسلمين الذي بناه عمر (1) رضي الله عنه والصخرة وغير ذلك:الباب الرابع في أسمائهاالباب الخامس في ذكر جملة من خصائصه وأحكامهالباب الأول في ذكر أول مسجد بنُي في الإِسلام:الباب الثاني في ذكر طرف من أخبار المدارسالباب الثالث في ذكر أول مسجد وضع بالقاهرةالباب الرابع في ذكر أحكام تتعلق بسائر المساجد
جارٍ التحميل