الباب الثالث في فضل الصلاة فيه
:
- قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلَّا المسجد الحرام" 1.
وذكر في "المستوعب" وغيره: أن الصلاة فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم - بخمسين ألفًا.
وقد رواه ابن ماجه من حديث أنَس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلَّا أن في إسناده أبا الخطاب وهو لا يُعرف، قال بعضهم: ولا يصح! ! مع أن فيه إنها في المسجد الأقصى بخمسين ألفًا 2. - وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: الصلاة بالمسجد الحرام بمائة ألف وبمسجد المدينة بألف، وإن الصواب: في الأقصى بخمسمائة 3. وما قاله 4 الشيخ تقي الدين.
هو حديثا رواه البزار والطبراني، من حديث أبي الدرداء - كما يأتي في الأقصى إن شاء الله.
لكن هذه المضاعفة؛ هل تخُتص بما كان فى زمن النبى - صلى الله عليه وسلم - من مسجده، أم حُكمُ الزيادة حُكم الأصل؟
الجزء: 1 - الصفحة: 244
- قال ابن عقيل: الأحكام المتعلقة بمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان في زمانه لا ما زيد فيه لقوله عليه السلام: (60/ ب) في مسجدي هذا، وكذا قال الشيخ محي الدين النووي.
وقال ابن مفلح في "آدابه": وهذه المضاعفة تخُتَصُّ بالمسجد على ظاهر الخبر.
وقول العلماء من أصحابنا وغيرهم.
واختار الشيخ تقي الدين ابن تيمية: أن حكم الزائد حكم المزيد عليه.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: اختلفوا؛ إذا وُسِّع عما كان عليه في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، هل تثبت هذه الفضيلة له أو تخُتص بالقدْر الذي كان في زمنه - صلى الله عليه وسلم -؟ وممن رأى الاختصاص النووي للإشارة بقوله: "مسجدي هذا".
ورأى جماعة عدم الاختصاص، وأنه لو وسّع: فهو مسجده - كما في مسجد مكة إذا وُسّع، فإن تلك الفضيلة ثابتة له، وقد قيل: إن مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في حياته سبعين ذراعًا في ستين ذراعًا - انتهى كلام السُّبكي. - وقال الشيخ زين الدين ابن رجب في "شرح البخاري" 5:
وحكم الزيادة حكم المزِيد فيه في الفضل أيضًا، فما زِيد في المسجد الحرام ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -: كلُّه مسجد، والصلاة فيه سواة في المضاعفة والفضل.
وقد قيل: إنه لا يُعلم عن السَّلف في ذلك خلاف، إنما خالف فيه بعض المتأخرين من أصحابنا؛ منهم: ابن عقيل وابن الجوزي.
ولكن؛ قد رُوي عن الإمام أحمد التوقف 6 في ذلك؛ قال الأثرم: قلت
الجزء: 1 - الصفحة: 245
لأبي عبد الله: الصف الأول في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أيُّ- صيف هو؟ ؛ فإني رأيتهم يتوخّرون دون المنبر ويدعون الصف الأول! قال: ما أدري.
قلت لأبي عبد الله: فما زيد في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو عندك منه؟
فقال: وما عندي! ! إنما هم أعلم بهذا يعني أهل المدينة!
وقد روى عمر بن شبة في كتاب "أخبار المدينة" بإسناد فيه نظر، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو بني المسجد إلى صنعاء لكان مسجدي"، فكان أبو هريرة يقول: "لو مُدَّ هذا المسجد إلى باب داري ما عدوت أن أصلي فيه" 7.
وبإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر قال: زاد عمر في المسجد (61/ أ) في شاميِّهِ، ثم قال: لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبَّانة: كان مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وبإسناد عن ابن أبي ذئب قال: قال عمر: لو مُدَّ مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذي الحُلَيْفة كان منه، وكذلك الزيادة في المسجد الحرام.
وقد ذكر الشافعية: أنه لو حلف أن يدخل هذا المسجد؛ فزِيد فيه: فدخل موضع الزيادة: لم يحنث، ولو حلف لا يدخل مسجد بني فلان؛ فزيد فيه: فدخل موضع الزيادة: حنَث.
وهذا مما يشهد؛ لأن حكم الزيادة حكم المزيد في المسجد الحرام ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه عرَّف المسجد الحرام بالألف واللام ومسجده بإضافته إليه، ولكنه جمع بين الإشارة إليه وتعريفه بالإضافة فقال: "مسجدي هذا".
انتهى كلام الشيخ زين الدين رحمه الله تعالى.
- وذكر الرافعي في "الفروع المنثورة" آخر "كتاب الأَيْمان" عن الحنفية
الجزء: 1 - الصفحة: 246
ووافقهم: أنه لو حلف لا يدخل هذا المسجد؛ فزِيد فيه: فدخل موضع الزيادة: حنث.
قال في "الروضة": وفيه نظر، وينبغي أن لا يحنث بدخولها؛ لأن اليمين
لم يتناولها حالة الحلف.
الجزء: 1 - الصفحة: 247