طريق الهجرتين وباب السعادتينقاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:

أحدهما: حراسة الخواطر وحفظها، والحذر كل الحذر ٢ من إهمالها والاسترسال معها.
فإن أصل الفساد كله من قبلها يجيء؛ لأنها هي بذر الشيطان والنفس في أرض القلب، فإذا تمكن بذرها تعاهدها الشيطان بسقيه مرة بعد أخرى حتى تصير إرادات، ثم يسقيها حتى تصير ٣ عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال.

ولا ريب أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم، فيجد العبد نفسه عاجزا أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة، وهو المفرط إذ ٤ لم يدفعها وهي خاطر ضعيف؛ كمن تهاون بشرارة من نار وقعت في حطب يابس، فلما تمكنت منه عجز عن إطفائها ٥.

فإن قلت: فما الطريق إلى حفظ الخواطر؟

قلت: أسباب عدة:

أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب تعالى، ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك.

الثاني: حياؤك منه.

الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلقه ١ لمعرفته ومحبته.

الرابع: خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.

الخامس: إيثارك له أن يساكن ٢ قلبك غير محبته.

السادس: خشيتك أن تتولد تلك الخواطر، ويستعر شرارها، فتأكل ما في القلب من الإيمان ومحبة الله، وتذهب ٣ به جملة ٤، وأنت لا تشعر.

السابع: أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحب الذي يلقى للطائر ليصاد به، فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة في فخ منصوب لصيدك، وأنت لا تشعر.

الثامن: أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي المحبة والإنابة أصلا، بل هي ضدها من كل وجه، وما اجتمعا في قلب إلا وغلب أحدهما صاحبه، وأخرجه، واستوطن مكانه.

فما الظن بقلب غلبت خواطر النفس والشيطان فيه خواطر الإيمان والمحبة والمعرفة ١ فأخرجتها، واستوطنت مكانها؟ لكن لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك، وأحس بمصابه.

التاسع: أن يعلم ٢ أن تلك الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له، فإذا دخل القلب في غمراته غرق فيه، وتاه في ظلماته، فيطلب الخلاص منه، فلا يجد إليه سبيلا.
فقلب تملكه الخواطر بعيد من الفلاح، معذب، مشغول بما لا يفيد.

العاشر: أن تلك الخواطر هي وادي الحمقى وأماني الجاهلين، فلا تثمر لصاحبها إلا الندامة والخزي.
وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوس، وعزلته عن سلطانه ٣، وأفسدت عليه رعيته، وألقته في الأسر الطويل.

كما أن هذا معلوم في الخواطر النفسانية، فهكذا الخواطر الإيمانية الرحمانية، هي أصل الخير كله.
فإن أرض القلب متى ٤ بذر فيها خواطر الإيمان والخشية والمحبة والإنابة والتصديق بالوعد ورجاء الثواب، وسقيت مرة بعد مرة، وتعاهدها صاحبها بحفظها ومراعاتها والقيام عليها، أثمرت له كل فعل جميل، وملأت قلبه من الخيرات، واستعملت جوارحه في الطاعات واستقر بها الملك في سلطانه،

واستقامت له رعيته.

ولهذا لما تحققت طائفة من السالكين ذلك عملت على حفظ الخواطر، وكان ١ ذلك هو سيرها وعملها ٢.
وهذا نافع لصاحبه بشرطين: أحدهما: أن لا يترك به واجبا ولا سنة، الثاني: أن لا يجعل مجرد حفظها هو المقصود.
بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر الإيمان والمحبة والإنابة والتوكل والخشية، فيفرغ قلبه من تلك الخواطر، ويعمره بأضدادها.
وإلا فمتى عمل على تفريغه منهما معا كان خاسرا، فلا بد من التفطن لهذا.

ومن هنا غلط أقوام من أرباب السلوك، وعملوا على إلقاء الخواطر وإزالتها جملة، فبذر فيها الشيطان أنواع الشبه والخيالات، فظنوها تحقيقا وفتحا رحمانيا، وهم فيها غالطون، وإنما هي خيالات وفتوحات شيطانية ٣.
والميزان هو الكتاب الناطق، والفطرة السليمة، والعقل المؤيد بنور النبوة، والله المستعان.

فصل ٤

الثاني ٥: صدق التأهب للقاء الله عز وجل

. وهذا ٦ من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته.
فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن

الدنيا ١ ومطالبها، وخمدت من نفسه نيران الشهوات، وأخبت قلبه إلى ربه تعالى ٢، وعكفت همته على الله وعلى محبته وإيثار مرضاته.
واستحدث ٣ همة أخرى وعلوما أخر، وولد ولادة أخرى تكون نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه، فيولد قلبه ولادة حقيقية، كما ولد جسمه حقيقة.
وكما كان بطن أمه حجابا لجسمه عن هذه الدار، فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة، فخروج قلبه عن نفسه بارزا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزا إلى هذه الدار.
وهذا معنى ما يذكر عن المسيح -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "يا بني إسرائيل، إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين" ٤.

ولما كان أكثر الناس لم يولدوا هذه الولادة الثانية ولا تصوروها -فضلا عن أن يصدقوا بها- فيقول القائل: كيف يولد الرجل الكبير أم ٥ كيف يولد القلب، لم يكن لهم إليها همة ولا عزيمة، إذ كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا يصدقه؟ ولكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك وعلم أنه لم يولد قلبه بعد.

والمقصود أن صدق التأهب للقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة، والأحوال الإيمانية، ومقامات السالكين إلى الله ومنازل

السائرين إليه، من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح.
فمفتاح ذلك كله صدق التأهب والاستعداد للقاء الله، والمفتاح بيد الفتاح العليم، لا إله غيره، ولا رب سواه.

فصول الكتاب · 53 فصل · 956 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول طريق الهجرتين وباب السعادتين · 956 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقتوثيق نسبة الكتابعنوان الكتابتاريخ تأليف الكتابمقصد الكتابترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمةأهمية الكتابموارد الكتابطبع الكتاب وتحقيقه واختصاره وترجمتهمخطوطات الكتابمنهج التحقيقنماذج مصورة من النسخ الخطية المعتمدةفصل [في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه]الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب[تعريف الفقر ودرجاته عند الهرويفصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]الفقر والتجريد والفناء من واد واحدفصل [في الغنى وانقسامه إلى عال وسافل]
فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى
العز يقتضي كمال القدرةمعنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهماالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح
الثاني: حمد النعم والآلاء
قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوبقاعدة [في الإنابة ودرجاتها]قاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:قاعدة شريفة [الطريق إلى الله واحد]قاعدة (^١) [السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين: علمية وعملية]قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم]متاجر الأقسام الثلاثةالرجوع إلى المقصود وهو بيان كيفية قطع الأقسام المذكورة مراحل سيرهمالأبرار المقتصدونالسابقون المقربونإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعهأمثلة من الغلط في ذلك ونقد كلام أبن العريف
المقدمة
الرجوع إلى المقصود وإتمام الكلام في نقد كلام ابن العريف على علة مقام الزهدفصل المثال الثالث (^١): التوكلفصل المثال الرابع (^١): الصبرفصل المثال الخامس: الحزنفصل [في المحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حد آخر للمحبة]
فصل [حدود أخرى للمحبة]
الفصل الأول في حقيقته
فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقةالطبقة الثانية: من عداهم من الرسلالطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاتهالطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان
الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة
ثبت المصادر والمراجع
جارٍ التحميل