. وهي طبقة من يؤدي فرائض الله، ويترك محارمه ٧، مقتصرا على ذلك، لا يزيد عليه ولا ينقص منه.
فلا يتعدى إلى ما حرم الله عليه، ولا يزيد على ما فرض عليه ٨.
وهذا من المفلحين بضمان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لمن أخبره بشرائع الإسلام، فقال: والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه.
فقال: "أفلح إن صدق" ٩.
وأصحاب هذه الطبقة مضمون لهم على الله تكفير سيئاتهم، إذا أدوا فرائضه واجتنبوا كبائر ما نهاهم عنه.
قال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء/ ٣١].
وصح عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: " [الصلوات الخمس] ١ ورمضان إلى رمضان والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن ما لم تغش كبيرة" ٢.
فإن غشي أهل هذه الطبقة كبيرة، وتابوا منها توبة نصوحا، لم يخرجوا من طبقتهم، وكانوا ٣ بمنزلة من لا ذنب له.
فتكفير الصغائر يقع بشيئين: أحدهما: الحسنات الماحية، والثاني ٤: اجتناب الكبائر.
وقد نص عليهما سبحانه في كتابه، فقال: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود/ ١١٤]. وقال: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء/ ٣١].
الطبقة العاشرة: طبقة قوم أسرفوا على أنفسهم، وغشوا كبائر ما نهى الله عنه، لكن رزقوا ٥ التوبة النصوح قبل الموت، فماتوا على توبة صحيحة.
فهؤلاء ناجون من عذاب الله إما قطعا عند قوم، وإما ظنا ورجاء ٦
عند آخرين.
وهم موكولون ١ إلى المشيئة، ولكن نصوص القرآن والسنة تدل على نجاتهم وقبول توبتهم، وهو وعد وعدهم الله إياه، والله لا يخلف الميعاد.
فإن قيل: فما الفرق بين أهل هذه الطبقة والتي قبلها؟ فإن الله إذا كفر عنهم سيئاتهم، وأثبت لهم بكل سيئة حسنة، كانوا كمن قبلهم أو أرجح.
قيل: قد تقدم الكلام على هذه المسألة بما فيه كفاية ٢، فعليك بمعاودته هناك.
وكيف يستوي عند الله من أنفق عمره في طاعته ولم يغش كبيرة، ومن لم يدع كبيرة إلا ارتكبها، وفرط في أوامره، ثم تاب؟ فهذا غايته أن تمحى سيئاته، ويكون لا له ولا عليه.
وأما أن يكون هو ومن قبله سواء أو أرجح منه فكلا!
الطبقة الحادية عشرة: طبقة أقوام خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فعملوا حسنات وكبائر، ولقوا الله مصرين عليها غير تائبين منها، لكن حسناتهم أغلب من سيئاتهم، فإذا وزنت بها رجحت كفة الحسنات، فهؤلاء أيضا ناجون فائزون.
قال تعالى: ﴿والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (٨) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (٩)﴾ [الأعراف/ ٨ - ٩].
قال حذيفة وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الصحابة: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار، ومن
استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف ١.
وهذه الموازنة تكون بعد القصاص، واستيفاء المظلومين حقوقهم من حسناته.
فإذا بقي له ٢ شيء منها وزن هو وسيئاته.
لكن ٣ هنا مسألة، وهي: إذا وزنت السيئات بالحسنات فرجحت الحسنات، هل يلغى المرجوح جملة، ويصير الأثر للراجح، فيثاب على حسناته كلها؛ أو يسقط من الحسنات ما قابلها من السيئات المرجوحة، ويبقى التأثير للرجحان، فيثاب عليه وحده؟ فيه قولان.
هذا عند من يقول بالموازنة والحكمة، وأما من ينفي ذلك فلا عبرة عنده بهذا، وإنما هو موكول إلى محض المشيئة.
وعلى القول الأول فيذهب أثر السيئات جملة بالحسنات الراجحة.
وعلى القول الثاني يكون تأثيرها في نقصان ثوابه، لا في حصول العقاب له.
ويترجح هذا القول الثاني بأن السيئات لو لم تحبط ما قبلها من الحسنات، وكان العمل والتأثير للحسنات كلها، لم يكن فرق بين وجودها وعدمها، ولكان لا فرق بين المحسن الذي تمحض ٤ عمله حسنات، وبين من خلط عملا صالحا وآخر سيئا.
وقد يجاب عن هذا بأنها أثرت في نقصان ثوابه ولا بد، فإنه لو اشتغل في زمن إيقاعها بالحسنات لكان أرفع لدرجته وأعظم لثوابه.
وإذا كان كذلك فقد ترجح القول الأول بأن الحسنات لما غلبت السيئات ضعف تأثير المغلوب المرجوح، وصار الحكم للغالب دونه، لاستهلاكه في جنبه؛ كما يستهلك يسير النجاسة في الماء الكثير، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث ١.
والله أعلم.
الطبقة الثانية عشرة ٢: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فتقابل أثراهما فتقاوما، فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النار، وسيئاتهم المساوية من دخول الجنة.
فهؤلاء من أهل الأعراف، لم يفضل لأحدهم حسنة يستحق بها الرحمة من ربه، ولم يفضل عليه سيئة يستحق بها العذاب.
وقد وصف الله سبحانه أهل هذه الطبقة في سورة الأعراف -بعد أن ذكر دخول أهل النار النار ٣، وتلاعنهم فيها، ومخاطبة أتباعهم لرؤسائهم، وردهم عليهم؛ ثم مناداة أهل الجنة أهل النار- فقال تعالى: ﴿وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (٤٦) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (٤٧)﴾ [الأعراف/ ٤٦ - ٤٧].
فقوله تعالى: ﴿وبينهما حجاب﴾ أي: بين أهل الجنة والنار حجاب.
قيل: هو السور الذي ضرب ٤ بينهم، له باب باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب.
باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره الذي
يلي الكفار من جهته ١ العذاب.
و"الأعراف" جمع عرف، وهو المكان المرتفع، وهي ٢ سور عال بين الجنة والنار.
قيل: هو هذا السور الذي يضرب بينهم.
وقيل: جبال بين الجنة والنار ٣ عليها ٤ أهل الأعراف.
قال حذيفة وعبد الله بن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار.
فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته ٥.
قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الهذلي قال: كان سعيد بن جبير ٦ يحدث عن ابن مسعود، قال: يحاسب الناس ٧ يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته ٨ بواحدة دخل النار.
ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (٨) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا
أنفسهم﴾ [الأعراف/ ٨، ٩] ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح.
قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف.
فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى الجنة ١ نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا: ﴿ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (٤٧)﴾ [الأعراف/ ٤٧].
فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نورا.
فإذا أتوا على الصراط ٢ سلب الله نور كل منافق ومنافقة.
فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا: ﴿ربنا أتمم لنا نورنا﴾ [التحريم/ ٨].
وأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع الطمع إذ لم ينزع من أيديهم، ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا، وبقي في قلوبهم الطمع إذ لم ينزع النور من أيديهم ٣.
يقول ٤ الله: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون (٤٦)﴾ [الأعراف/ ٤٦] فكان الطمع للنور الذي في أيديهم.
ثم أدخلوا الجنة، وكانوا آخر أهل الجنة دخولا ٥.
يريد: آخر أهل الجنة دخولا ممن لم يدخل النار.
وقيل: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم، فقتلوا، فأعتقوا من النار لقتلهم في سبيل الله، وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم ٦.
وهذا
من جنس القول الأول.
وقيل: هم قوم رضي عنهم أحد الأبوين دون الآخر؛ يحبسون على الأعراف حتى يقضي الله بين الناس، ثم يدخلهم الجنة ١.
وهو ٢ من جنس ما قبله، فلا تناقض بينهما.
وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين ٣.
وقيل: هم أولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف، فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعا ٤.
وقيل: هم ملائكة ٥ لا من بني آدم ٦.
والثابت عن الصحابة هو القول الأول.
وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها.
وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة.
وقد اختلف في تفسير الصحابي هل له حكم المرفوع أو الموقوف، على قولين.
الأول اختيار أبي عبد الله الحاكم ٧، والثاني هو الصواب ولا نقول ٨ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ما لم نعلم أنه قاله.
وقوله تعالى: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ صريح في أنهم من بني آدم، ليسوا من الملائكة.
وقوله: ﴿يعرفون كلا بسيماهم﴾ يعني: يعرفون الفريقين بسيماهم.
﴿ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم﴾ أي: نادى أهل الأعراف أهل الجنة بالسلام.
وقوله: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون (٤٦)﴾ الضميران في الجملتين لأصحاب الأعراف.
لم يدخلوا الجنة بعد، وهم يطمعون في دخولها.
قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم ١.
وقال الحسن: الذي جعل ٢ الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون ٣.
وفي هذا رد على قول من قال: إنهم أفاضل المؤمنين علوا على الأعراف يطالعون أحوال الفريقين.
فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة، وهم أعلم الأمة بكتاب الله ومراده منه.
ثم قال تعالى: ﴿وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (٤٧)﴾ هذا دليل على أنهم ٤ بمكان مرتفع بين الجنة والنار، فإذا أشرفوا على أهل الجنة نادوهم بالسلام وطمعوا في الدخول إليها.
وإذا أشرفوا على أهل النار سألوا الله أن لا يجعلهم معهم.
ثم قال تعالى: ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم﴾ يعني من الكفار الذين في النار.
فقالوا لهم: ﴿ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (٤٨)﴾ يعني ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتحزبكم ١ على أهل ٢ الحق ولا استكباركم.
وهذا إما نفي، وإما استفهام توبيخ ٣، وهو أبلغ وأفخم.
ثم نظروا إلى الجنة فرأوا من فيها ٤ من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم في الدنيا ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم بفضله، كما لم يختصهم دونهم في الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف: ﴿أهؤلاء الذين أقسمتم﴾ أيها المشركون أن الله تعالى لا ينالهم برحمة، فها هم في الجنة يتمتعون ويتنعمون، وفي رياضها يحبرون، ثم يقال لأهل الأعراف: ﴿ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (٤٩)﴾ [الأعراف/ ٤٩].
وقيل: إن أصحاب الأعراف إذا عيروا الكفار، وأخبروهم أنهم لم تغن عنهم جموعهم ٥ واستكبارهم، عيرهم الكفار بتخلفهم عن الجنة، وأقسموا أن الله لا ينالهم برحمة، لما رأوا من تخلفهم عن الجنة، وأنهم يصيرون إلى النار، فتقول لهم الملائكة حينئذ: ﴿أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (٤٩)﴾ ٦.
والقولان قويان محتملان، والله أعلم.
فهؤلاء الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار.
الطبقة الثالثة عشرة ١: طبقة أهل المحنة والبلية، نعوذ بالله، وإن كانت آخرتهم إلى عفو وخير.
وهم قوم مسلمون خفت موازينهم، ورجححت سيئاتهم على حسناتهم، فغلبتها السيئات.
فهذه الطبقة هي ٢ التي اختلفت فيها أقاويل الناس، وكثر فيها خوضهم، وتشعبت مذاهبهم، وتشتتت آراؤهم.
فطائفة كفرتهم، وأوجبت لهم الخلود في النار.
وهذا مذهب أكثر الخوارج، بل يكفرون من هو أحسن حالا منهم، وهو مرتكب الكبيرة الذي لم يتب منها، ولو استغرقتها حسناته.
وطائفة أوجبت لهم الخلود في النار، ولم تطلق عليهم اسم الكفر، بل سموهم منافقين.
وهذا المذهب ينسب إلى البكرية أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد ٣.
وطائفة نزلتهم منزلة بين منزلتي ٤ الكفار والمؤمنين، فجعلوا أقسام
الخلق ثلاثة: مؤمنين، وكفارا، وقسما لا مؤمنين ولا كفارا بل بينهما، وأوجبت لهم الخلود في النار.
وهذا هو الرأي الذي أصفق ١ عليه أهل الاعتزال، وهو أحد أصولهم الخمس ٢ التي هي قواعد مذهبهم، وهي: "التوحيد" الذي مضمونه جحد صفات الخالق ونعوت كماله، والتعطيل المحض.
و"العدل" الذي مضمونه نفي عموم قدرة الله، وأنه لا قدرة له على أفعال الحيوانات، بل هي خارجة عن ملكه وخلقه وقدرته، وأنه يريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد، وأنه ٣ لا يقدر أن يهدي ضالا، ولا يضل ٤ مهتديا، ولا يجعل المصلي مصليا والذاكر ذاكرا والطائف ٥ طائفا.
تعالى الله عن إفكهم وشركهم علوا كبيرا.
و"المنزلة بين المنزلتين" التي مضمونها إيجاب الخلود في النار ٦ للمسلم المبالغ في طاعة ربه الذي أفنى عمره في عبادته وطاعته، ومات مصرا على كبيرة واحدة.
تعالى الله عما نسبوه إليه من ذلك وجل عن هذا الافتراء.
و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" الذي مضمونه الخروج على أئمة الجور بالسيف، وخلع اليد من طاعتهم، ومفارقة جماعة المسلمين.
والأصل الخامس: "النبوة" ٧، مع أنهم لم يوفوها حقها، بل هضموها
غاية الهضم من وجوه كثيرة ليس هذا موضعها.
والمقصود أن مذهبهم تخليد هذه الطبقة في النار، وإن لم يسموهم كفارا، فوافقوا الخوارج في الحكم، وخالفوهم في الاسم.
ولهذا تسمى هذه المسألة من مسائل الأسماء والأحكام.
فهذه ثلاث فرق توجب لهذه الطبقة ١ الخلود في النار.
وقالت المرجئة على اختلاف آرائهم: لا ندري ٢ ما يفعل الله بهم.
فيجوز أن يعذبهم كلهم، وأن يعفو عنهم كلهم، وأن يعذب بعضهم ويعفو عن بعضهم، غير أنهم لا يخلد أحد منهم في النار.
فجوزوا أن يلحق بعضهم بمن ترجحت حسناته على سيئاته، بل جوزوا أن يرفع عليه في الدرجة، فهم موكولون عندهم إلى محض المشيئة لا يدرى ما يفعل الله بهم، بل يرجأ أمرهم إلى الله وحكمه.
وهذا قول كثير من المتكلمين والفقهاء والصوفية وغيرهم.
فهذه الأقوال هي ٣ التي يعرفها أكثر الناس، ولا يحكي أهل الكلام غيرها.
وقول الصحابة والتابعين وأئمة الحديث لا يعرفونه ولا يحكونه، وهو الذي ذكرناه عن ابن عباس وحذيفة وابن مسعود رضي الله عنهم أن من ترجحت سيئاته بواحدة دخل النار.
وهؤلاء هم القسم الذين جاءت فيهم الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بأنهم ١ يدخلون النار، فيكونون فيها على مقدار أعمالهم: فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه ٢ إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه ٣ إلى ركبتيه.
ويلبثون فيها على قدر أعمالهم، ثم يخرجون منها، فينبتون على أنهار الجنة، فيفيض عليهم أهل الجنة من الماء حتى تنبت أجسادهم، ثم يدخلون الجنة ٤.
وهم الطبقة الذين يخرجون من النار بشفاعة الشافعين، وهم الذين يأمر الله تعالى سيد الشفعاء مرارا أن يخرجهم من النار بما معهم من الإيمان ٥.
وإخبار النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنهم يكونون فيها على قدر أعمالهم، مع قوله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يعملون (١٤)﴾ ٦ [الأحقاف/ ١٤] و﴿هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (٩٠)﴾ [النمل/ ٩٠] وقوله: ﴿وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (١١١)﴾ ٧ [النحل/ ١١١] وأضعاف ذلك من نصوص القرآن
والسنة يدل على ما قاله أفضل الأمة وأعلمها بالله وكتابه وأحكام الدارين أصحاب محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.
والعقل والفطرة تشهد له، وهو مقتضى حكمة العزيز الحكيم الذي بهرت حكمه ١ العقول.
فليس الأمر مسيبا ٢ خارجا عن الضبط والحكمة، بل مربوط بالأسباب، والحكم مرتب عليها أكمل ترتيب، جار على نظام اقتضاه السبب واستدعته الحكمة.
وأي طريق ٣ سلكها سالك غير هذه الطريق من الطرق المتقدمة أفضت به إلى ترك بعض النصوص ولا بد، فإنها تتناقض في حقه، لما أصله من الأصل الذي لا يلتئم عليه جميع النصوص ٤.
فلا بد أن يرد بعضها ببعض، أو يستشكلها، أو يتطلب لها مستنكر التأويلات ووجوه التحريفات؛ كما رد الخوارج والمعتزلة النصوص المتواترة الدالة على خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة، فكذبوا ٥ بها، وقالوا: لا سبيل لمن دخل النار إلى الخروج منها بشفاعة ولا غيرها.
ولما بهرتهم نصوص الشفاعة، وصاح بهم أهل السنة وأئمة الإسلام من كل قطر وجانب، ورموهم بسهام الرد عليهم، أحالوا بالشفاعة على زيادة الثواب فقط، لا على الخروج من النار.
فردوا السنة المتواترة قطعا، وصاروا مضغة في أفواه الأمة وعارا في فرقها.
فإن أمر الشفاعة أظهر عند الأمة من أن يقبل شكا أو نزاعا، وهو عندهم مثل الصراط والحساب ونحوهما مما يعلم إخبار الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- به قطعا.
ولكن إنما أتي القوم لأنهم في غاية
البعد عما جاء به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، أجانب منه ١، ليسوا من الورثة.
وأما الخوارج فكذبوا الصحابة صريحا.
وأما المرجئة فإنهم يجوزون أن لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد.
وهذا خلاف ٢ المعلوم المتواتر من نصوص السنة بدخول بعض أهل الكبائر النار ثم خروجهم منها بالشفاعة.
ومع هذا التواتر الذي لا يمكن دفعه، لا يجوز أن يقال بجواز أن لا يدخل أحد منهم النار، بل لا بد من دخول بعضهم، وذلك البعض هو الذي خفت موازينه ورجحت سيئاته، كما قاله ٣ الصحابة رضي الله عنهم.
وحكى أبو محمد بن حزم هذا إجماعا من أهل السنة ٤.
ولولا أن المقصود ذكر الطبقات لذكرنا ما لهذه المذاهب وما عليها، وبينا تناقض أهلها، وما وافقوا فيه الحق وما خالفوه بالعلم والعدل لا بالجهل والظلم.
فإن كل طائفة منها معها حق وباطل، فالواجب موافقتهم فيما قالوه من الحق، ورد ما قالوه من الباطل.
ومن فتح الله له بهذه الطريق فقد فتح له من العلم والذين كل باب، ويسر عليه فيهما الأسباب.
وبالله ٥ المستعان.
الطبقة الرابعة عشرة ٦: قوم لا طاعة لهم ولا معصية، ولا كفر ولا إيمان، وهؤلاء أصناف: منهم من لم تبلغه الدعوة بحال ولا سمع
لها بخبر.
ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئا ولا يميز.
ومنهم الأصم الذي لا يسمع شيئا أبدا.
ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا شيئا، فاختلفت الأمة في حكم هذه الطبقة اختلافا كثيرا.
والمسألة التي وسعوا فيها الكلام هي مسألة أطفال المشركين.
وأما أطفال المسلمين، فقال الإمام أحمد: لا يختلف فيهم أحد.
يعني أنهم في الجنة ١.
[وحكى ابن عبد البر عن جماعة أنهم توقفوا فيهم، وأن جميع الولدان تحت المشيئة قال: وذهب إلى هذا القول جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد] ٢ وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم.
قال ٣: وهو يشبه ٤ ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر وما أورده من الأحاديث في ذلك، وعلى ذلك أكثر أصحابه.
وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال المشركين خاصة في المشيئة ٥.
وأما أطفال المشركين فللناس فيهم ثمانية مذاهب ١:
أحدها: الوقف فيهم، وترك الشهادة بأنهم في الجنة أو في النار، بل يوكل علمهم إلى الله تعالى، ويقال: الله أعلم بما ٢ كانوا عاملين.
واحتج هؤلاء بحجج:
منها ما خرجا ٣ في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ٤، كما تنتج البهيمة من بهيمة جمعاء، هل تحس ٥ فيها من جدعاء؟ ". قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ٦.
ومنها ما في الصحيحين أيضا عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- سئل عن
أولاد المشركين، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ١.
وفي صحيح أبي حاتم ابن حبان من حديث جرير بن حازم قال: سمعت أبا رجاء العطاردي، قال: سمعت ابن عباس ٢ يقول وهو على المنبر: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "لا يزال أمر هذه الأمة مؤاما ٣ -أو مقاربا- ما لم يتكلموا في الولدان والقدر".
قال أبو حاتم: "الولدان" أراد به أطفال المشركين ٤.
وفي استدلال هذه الفرقة على ما ذهبت إليه من الوقف بهذه النصوص نظر.
فإن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يجب فيهم بالوقف، وإنما وكل علم ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى الله.
والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا.
فهو سبحانه يعلم القابل منهم للهدى العامل به لو عاش، والقابل منهم للكفر المؤثر له لو عاش.
لكن لا يدل هذا على أنه سبحانه يجزيهم بمجرد علمه فيهم بلا عمل يعملونه، وإنما يدل على أنه يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتهم.
وهذا الجواب خرج من النبي ٥ -صلى الله عليه وآله وسلم- على وجهين:
أحدهما: جواب لهم إذ سألوه عنهم: ما حكمهم؟ فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
وهو في هذا الوجه يتضمن أن الله سبحانه يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر، بتقدير الحياة.
وأما المجازاة على العلم، فلم يتضمنها جوابه -صلى الله عليه وآله وسلم-.
وفي صحيح أبي عوانة الإسفراييني عن هلال بن خباب ١ عن عكرمة عن ابن عباس: كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في بعض مغازيه، فسأله رجل: ما تقول في اللاهين؟ فسكت عنه.
فلما فرغ من غزوة الطائف إذا هو بصبي يبحث في الأرض، فأمر مناديه فنادى: أين السائل عن اللاهين؟ فأقبل الرجل.
فنهى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن قتل الأطفال، وقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ٢.
والوجه الثاني: جواب لهم حين أخبرهم أنهم من آبائهم، فقالوا: بلا عمل؟ فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
كما روى أبو داود ٣ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ فقال ٤: "من آبائهم".
فقلت ٥: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
قلت: يا رسول الله، فذراري المشركين؟ قال:
"هم من آبائهم".
فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ١.
ففي هذا الحديث ما يدل على أن الذين يلحقون بآبائهم منهم هم الذين علم الله أنهم لو عاشوا لاختاروا الكفر وعملوا به، فهؤلاء مع آبائهم.
ولا يقتضي أن كل واحد من الذرية مع أبيه في النار، فإن الكلام في هذا الجنس سؤالا وجوابا، والجواب يدل على التفصيل.
فإن قوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين" يدل على أنهم متباينون في التبعية، بحسب تباينهم ٢ في معلوم الله فيهم.
يبقى ٣ أن يقال: فالحديث يدل على أنهم يلحقون بآبائهم من غير عمل، ولهذا فهمت ذلك منه عائشة فقالت: بلا عمل؟ فأقرها عليه، وقال ٤: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
ويجاب عن هذا بأن الحديث إنما دل على أنهم يلحقون بهم بلا عمل عملوه ٥ في الدنيا، وهو الذي فهمته عائشة.
ولا ينفي هذا أن يلحقوا بهم بأسباب أخر يمتحنهم بها في عرصات القيامة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
فحينئذ يلحقون بآبائهم ويكونون منهم بلا عمل عملوه في الدنيا.
وعائشة رضي الله عنها إنما استشكلت لحاقهم بهم بلا عمل عملوه مع الآباء، وأجابها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بأن الله سبحانه يعلم منهم ما هم عاملوه.
ولم يقل لها: إنه يعذبهم بمجرد علمه فيهم.
وهذا ظاهر بحمد
الله لا إشكال فيه.
وأما حديث أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس، ففي القلب من رفعه شيء، وإن أخرجه ابن حبان في صحيحه ١.
وهو يدل على ذم من تكلم فيهم بغير علم، أو ضرب النصوص بعضها ببعض فيهم، كما ذم من تكلم في القدر بمثل ذلك.
وأما من تكلم فيهم بعلم وحق فلا.
المذهب الثاني: أنهم في النار.
وهذا قول جماعة من المتكلمين وأهل التفسير، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد، وحكاه القاضي نصا عن أحمد ٢.
واحتج هؤلاء بحديث عائشة المتقدم، واحتجوا بما رواه أبو عقيل يحيى بن المتوكل، عن بهية، عن عائشة: سألت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن أولاد
المسلمين أين هم؟ قال: "في الجنة".
وسألته عن أولاد المشركين أين هم يوم القيامة؟ قال: "في النار".
فقلت: لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام؟ قال: "ربك أعلم بما كانوا عاملين" ١.
قلت: يحيى بن المتوكل لا يحتج بحديثه، فإنه في غاية من الضعف.
وأما حديث عائشة المتقدم فهو من حديث عمر بن ذر، وتفرد به عن يزيد بن أبي أمية ٢ أن البراء بن عازب أرسل إلى عائشة يسألها عن الأطفال، فذكرت الحديث.
هكذا قال سلم ٣ بن قتيبة عنه ٤.
وقال غيره: عن عمر بن ذر عن يزيد عن رجل عن البراء ٥.
ورواه الإمام أحمد في مسنده ٦ من حديث عتبة بن ضمرة بن
حبيب، حدثني عبد الله بن أبي قيس مولى غطيف أنه سأل عائشة، فذكر الحديث.
وعبد الله هذا ينظر في حاله، وليس بالمشهور ١.
واحتجوا بما ٢ رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه ٣، حدثنا عثمان ابن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل بن غزوان، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي قال: سألت خديجة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن ولدين لها ماتا في الجاهلية فقال: "هما في النار".
فلما رأى الكراهية في وجهها قال: "لو رأيت مكانهما لأبغضتهما".
قالت: يا رسول الله، فولدي منك؟ قال: "إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار".
ثم قرأ: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان﴾ ٤.
وهذا معلول من وجهين: أحدهما: أن محمد بن عثمان مجهول، الثاني: أن زاذان لم يدرك عليا ٥.
وقال جماعة عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن [سلمة بن يزيد] الأشجعي ٦ قال: أتيت أنا وأخي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فقلنا: إن
أمنا ماتت في الجاهلية [وكانت تقري الضيف، وتصل الرحم، فهل ينفعها من عملها ذلك شيء؟ قال: "لا".
قلنا له: فإن أمنا وأدت أختا لنا] ١ في الجاهلية لم تبلغ الحنث؟ فقال: "الوائدة والموؤودة في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم" ٢.
وهذا إسناد لا بأس به.
واحتجوا ٣ بحديث خديجة أنها سألت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن أولادها الذين ماتوا في الشرك فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" ٤.
قال شيخنا: وهذا حديث باطل موضوع ٥.
واحتجوا أيضا بما روى البخاري في صحيحه ١ في حديث احتجاج الجنة والنار عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "وأما النار فينشئ الله لها خلقا يسكنهم إياها" قالوا: فهؤلاء ينشؤون للنار بغير عمل، فلأن يدخلها من ولد في الدنيا بين كافرين أولى.
وهذه حجة باطلة ٢، فإن هذه اللفظة وقعت غلطا من بعض الرواة، وبينها البخاري رحمه الله في الحديث الآخر -وهو الصواب- فقال في صحيحه ٣: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدئنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين.
وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي.
وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها.
فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع ٤ رجله، فتقول: قط، قط.
فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا.
وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا".
فهذا هو الذي قاله رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بلا ريب، وهو الذي ذكره في التفسير.
وقال ٥ في باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين (٥٦)﴾ [الأعراف/ ٥٦]: حدثنا عبيد الله ٦ بن سعد، حدثنا
يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: "اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار ١، فقال للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها.
قال: فأما الجنة فإن الله تعالى لا يظلم من خلقه أحدا، وإنه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ ويلقون فيها، وتقول: هل من مزيد ٢ -ثلاثا- حتى يضع قدمه فيها، فتمتلئ، ويرد بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط قط" ٣.
فهذا غير محفوظ، وهو مما انقلب لفظه على بعض الرواة قطعا ٤.
كما انقلب على بعضهم قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" ٥.
فقال: "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال" ٦،
وله نظائر.
وحديث الأعرج عن أبي هريرة هذا ١ لم يحفظ كما ينبغي، وسياقه يدل على أن راويه لم يقم متنه، بخلاف حديث همام عن أبي هريرة.
واحتجوا بما رواه أبو داود ٢ عن عامر الشعبي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "الوائدة ٣ والموؤودة في النار".
قال يحيى بن زكريا: [قال أبي] ٤: فحدثني أبو إسحاق السبيعي أن عامرا حدثه بذلك عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.
وسيأتي ٥ الجواب عن هذا الحديث إن شاء الله ٦.
المذهب الثالث: أنهم في الجنة، وهذا قول طائفة من المفسرين والمتكلمين وغيرهم ٧.
واحتج هؤلاء بما رواه البخاري في صحيحه ٨ عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يعنى ٩ مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منك رؤيا؟ " قال: فيقص عليه من شاء ١٠ الله
أن يقص.
وإنه قال لنا ذات غداة: "إنه ١ أتاني الليلة آتيان" فذكر الحديث وفيه: "فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء.
وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط" وفيه: "وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة" فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "وأولاد المشركين".
فهذا الحديث الصحيح صريح في أنهم في الجنة، ورؤيا الأنبياء وحي.
وفي مستخرج البرقاني على البخاري من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن سمرة، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: "كل مولود يولد على الفطرة" فناداه ٢ الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: "وأولاد المشركين" ٣.
وقال أبو بكر بن حمدان القطيعي: حدثنا بشر بن موسى، حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن خنساء ٤ بنت معاوية، قالت: حدثتني عمتي ٥ قلت ٦: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة،
والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة ١، والموؤودة في الجنة" ٢.
وكذلك رواه بندار، عن غندر، عن عوف.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ [الأعراف/ ١٧٢]، وبقوله تعالى: ﴿لا يصلاها إلا الأشقى (١٥)﴾ [الليل/ ١٥]، وبقوله تعالى: ﴿أعدت للكافرين (٢٤)﴾ [البقرة/ ٢٤] ٣.
واحتجوا ٤ بقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (١٥)﴾ [الإسراء/ ١٥].
وهؤلاء لم تقم عليهم حجة الله بالرسل فلا يعذبهم.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء/ ١٦٥] ٥.
واحتجوا بقوله: ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (٥٩)﴾ [القصص/ ٥٩].
فإذا كان سبحانه لا يهلك القرى في الدنيا ويعذب أهلها إلا بظلمهم، فكيف يعذب في الآخرة العذاب الدائم من لم
يصدر منه ظلم؟
ولا يقال: كما أهلكه في الدنيا تبعا لأبويه وغيرهم، فكذلك يدخله النار تبعا لهم.
لأن مصائب الدنيا إذا وردت لا تخص الظالم وحده بل تصيب الظالم وغيره، ويبعثون على نياتهم وأعمالهم، كما قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال/ ٢٥] وكالجيش الذين يخسف بهم جميعهم، وفيهم المكره والمستبصر وغيره.
فأما عذاب الآخرة فلا يكون إلا للظالمين خاصة، ولا يتبعهم فيه من لا ذنب له أصلا.
قال تعالى في حق النار ١: ﴿تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (٨) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء﴾ [الملك/ ٨ - ٩] وقال تعالى لإبليس: ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (٨٥)﴾ [ص/ ٨٥].
وإذا امتلأت بإبليس وأتباعه، فأين يستقر فيها من لم يتبعه؟
قالوا: وأيضا فالقرآن مملوء ٢ من الأخبار بأن دخول النار إنما يكون بالأعمال، كقوله: ﴿هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (٩٠)﴾ [النمل/ ٩٠] وقوله: ﴿ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (٤٩)﴾ [الكهف/ ٤٩] وقوله ٣: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (٢٨١)﴾ [البقرة/ ٢٨١] وقوله: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم
الظالمين (٧٦)﴾ [الزخرف/ ٧٦] إلى غير ذلك من النصوص.
قالوا: وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن كل مولود يولد على الفطرة، وإنما يهوده وينصره أبواه، فإذا مات قبل التهويد والتنصير مات على الفطرة، فكيف يستحق النار؟ وفي صحيح مسلم ١ من حديث عياض بن حمار ٢ عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: "يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فأتتهم ٣ الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم".
وقال محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عياض، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: "إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين، وأعطاهم المال حلالا لا حراما"، فزاد "مسلمين" ٤.
قالوا: وأيضا فإن النار دار عدله تعالى، والجنة دار فضله، ولهذا ٥ ينشئ للجنة من لم يعمل عملا قط.
وأما النار فإنه لا يعذب بها إلا من
عمل بعمل أهلها.
قالوا: وأيضا فإن النار دار جزاء، فمن لم يعص الله طرفة عين كيف يجازى بالنار خالدا مخلدا أبد الآباد؟
قالوا: وأيضا فلو عذب هؤلاء لكان تعذيبهم إما مع تكليفهم بالإيمان أو بدون التكليف، والقسمان ممتنعان: أما الأول فلاستحالة تكليف من لا تمييز له ولا عقل أصلا.
وأما الثاني فممتنع ١ أيضا بالنصوص التي ذكرناها وأمثالها من أن الله لا يعذب أحدا إلا بعد قيام ٢ الحجة عليه.
قالوا: وأيضا فلو كان تعذيب هؤلاء لأجل عدم الإيمان المانع من العذاب لاشتركوا هم وأطفال المسلمين في ذلك، لاشتراكهم في عدم الإيمان الفعلي علما وعملا.
فإن قلتم: أطفال المسلمين منعهم تبعهم لآبائهم من العذاب، بخلاف أطفال المشركين.
قلنا: الله تعالى لا يعذب أحدا بذنب غيره.
قال تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام/ ١٦٤] وقال: ﴿فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ [يس/ ٥٤].
وهذه حجج كما ترى قوة وكثرة، ولا سبيل إلى دفعها.
وسيأتي إن شاء الله فصل النزاع في المسألة، والقول بموجب ٣ الحجج الصحيحة
كلها، على عادتنا ١ في مسائل الدين كلها دقها وجلها أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض؛ ولا نتعصب لطائفة على طائفة، بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق، ونخالفها فيما معها من خلاف الحق.
لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله أن نحيا على ذلك، ونموت عليه، ونلقى الله به، ولا قوة إلا بالله.
المذهب الرابع: أنهم في منزلة بين المنزلتين بين الجنة والنار، فإنهم ليس لهم إيمان يدخلون به الجنة، ولا لآبائهم فوز يلحق بهم أطفالهم تكميلا لثوابهم وزيادة في نعيمهم، وليس لهم من الأعمال ما يستحقون به دخول النار.
وهذا قول طائفة من المفسرين.
قالوا: وهم أهل الأعراف.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: "هم الذين ماتوا في الفترة [وأطفال المشركين] " ٢.
والقائلون بهذا إن أرادوا أن هذا المنزل مستقرهم أبدا فباطل، فإنه لا دار للقرار إلا الجنة أو النار.
وإن أرادوا أنهم يكونون فيه مدة، ثم يصيرون إلى دار القرار، فهذا ليس بممتنع.
المذهب الخامس: أنهم تحت مشيئة الله تعالى، يجوز أن يعمهم بعذابه، وأن يعمهم برحمته، وأن يرحم بعضا ويعذب بعضا، بمحض
الإرادة والمشيئة.
ولا سبيل إلى إثبات شيء من هذه الأقسام إلا بخبر يجب المصير إليه، ولا حكم فيهم إلا بمحض المشيئة.
وهذا قول الجبرية نفاة الحكمة والتعليل، وقول كثير من مثبتي القدر غيرهم ١.
المذهب السادس: أنهم خدم أهل الجنة ومماليكهم، وهم معهم بمنزلة أرقائهم ومماليكهم في الدنيا.
واحتج هؤلاء بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم المديني، عن يزيد الرقاشي، عن أنس؛ قال الدارقطني: ورواه عبد العزيز الماجشون، عن ابن المنكدر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: "سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم، فأعطانيهم، فهم خدام أهل الجنة" ٢ يعني الصبيان.
فهذه ٣ طريقان، وله طريق ثالث عن فضيل بن سليمان ٤، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، عن أنس ٥.
قال ابن قتيبة: "اللاهون" من لهيت عن الشيء إذا غفلت عنه.
وليس هو من لهوت.
وهذه الطرق ضعيفة.
فإن يزيد الرقاشي واه، وفضيل بن سليمان متكلم فيه ١، وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف.
المذهب السابع: أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة، فلا يفردون عنهم بحكم في الدارين.
فكما هم منهم في الدنيا، فهم منهم في الآخرة.
والفرق بين هذا المذهب وبين ٢ مذهب من يقول: هم في النار، أن صاحب هذا المذهب يجعلهم معهم تبعا لهم، حتى لو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما لم يحكم لأفراطهما بالنار.
وصاحب القول الآخر يقول: هم في النار لكونهم ليسوا بمسلمين، ولم يدخلوها تبعا.
وهؤلاء يحتجون بحديث عائشة الذي تقدم ذكره، واحتجوا بما في الصحيحين ٣ عن الصعب بن جثامة قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن أهل الدار من المشركين يبيتون ٤ فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: "هم منهم" ٥.
ومثله من حديث الأسود بن سريع.
وقد تقدم حديث أبي وائل عن ابن مسعود يرفعه: "الوائدة والموؤودة في النار".
وهذا يدل على أنها إنما ٦ كانت في النار تبعا لها.
قالوا: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (٢١)﴾ ١ [الطور/ ٢١].
فهذا يدل على أن إتباع الذرية لآبائهم ونجاتهم إنما كان إكراما لآبائهم وزيادة في ثوابهم، وأن الإتباع إنما استحق ٢ بإيمان الآباء.
وإذا ٣ انتفى إيمان الآباء انتفى إتباع النجاة، وبقي إتباع العذاب.
ويفسره قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "هم منهم".
وأجيب عن حجج هؤلاء: أما حديث عائشة الذي فيه أنهم في النار، فقد تقدم ضعفه.
وأما حديثها الآخر: "هم من آبائهم" فمثل حديث الصعب والأسود بن سريع، وليس فيه تعرض للعذاب بنفي ولا إثبات.
وإنما فيه أنهم تبع لآبائهم في الحكم، وأنهم إذا أصيبوا في الجهاد والبيات لم يضمنوا بدية ولا كفارة.
وهذا مصرح به في حديث الصعب والأسود أنه في الجهاد.
وأما حديث عائشة الآخر فضعفه غير واحد.
قالوا: وعبد الله بن أبي قيس مولى غطيف راويه عنها ليس بالمعروف فيقبل حديثه.
وعلى تقدير ثبوته، فليس فيه تصريح بأن السؤال وقع عن الثواب والعقاب.
والنبى -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: "هم من آبائهم".
ولم يقل: "هم معهم"، وفرق بين الحرفين.
وكونهم منهم لا يقتضي أن يكونوا معهم في أحكام الآخرة، بخلاف
كونهم منهم ١، فإنه يقتضي أن تثبت لهم أحكام الآباء في الدنيا من التوارث والحضانة والنسب وغير ذلك من أحكام الإيلاد.
والله تعالى يخرج الطيب من الخبيث، والمؤمن من الكافر.
وأما حديث ابن مسعود فليس فيه أن هذا حكم كل واحد من أطفال المشركين.
وإنما يدل على أن بعض أطفالهم في النار، وأن من هذا الجنس -وهن الموؤودات- من يدخل النار، وكونها موؤودة لا يمنع من دخولها النار بسبب آخر، وليس المراد أن كونها موؤودة هو السبب الموجب لدخول النار، حتى يكون اللفظ عاما في كل موؤودة.
وهذا ظاهر، ولكن كونها موؤودة لا يود عنها النار إذا استحقتها بسبب، كما سيأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله.
وأحسن من هذا أن يقال: هي في النار ما لم يوجد سبب يمنع من دخولها النار، كما سنذكره إن شاء الله.
ففرق بين أن تكون جهة كونها موؤودة هي التي استحقت بها دخول النار، وبين كونها غير مانعة من دخول النار بسبب آخر.
وإذا كان تعالى يسأل الوائدة عن وأد ولدها بغير استحقاق، ويعذبها على وأدها، كما قال تعالى: ﴿وإذا الموءودة سئلت (٨)﴾ [التكوير/ ٨]، فكيف يعذب الموؤودة بغير ذنب، وهو سبحانه ٢ لا يعذب من وأدها بغير ذنب؟
وأما قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ ٣ [الطور/ ٢١] فهذه الآية تدل على أن الله سبحانه يلحق ذرية المؤمنين بهم
في الجنة، وأنهم يكونون معهم في درجتهم.
ومع هذا فلا يتوهم نزول الآباء إلى درجة الذرية، فإن الله لم يلتهم -أي: لم ينقصهم- من أعمالهم شيئا، بل رفع ذريتهم ١ إلى درجاتهم مع توفير أجور الآباء عليهم.
لما كان إلحاق الذرية بالآباء في الدرجة إنما هو بحكم التبعية لا بالأعمال، ربما توهم متوهم أن ذرية الكفار يلحقون بهم في العذاب تبعا وإن لم يكن لهم أعمال الآباء، فقطع تعالى هذا التوفم بقوله: ﴿كل امرئ بما كسب رهين (٢١)﴾.
وتأمل قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان﴾ ٢ [الطور/ ٢١]، كيف أتى بالواو العاطفة في إتباع الذرية، وجعل الخبر ٣ عن المؤمنين الذين هذا شأنهم، فجعل الخبر مستحقا بأمرين: أحدهما: إيمان الآباء، والثاني: إتباع الله ذريتهم إياهم.
وذلك لا يقتضي أن كل مؤمن يتبعه كل ذرية له، ولو أريد هذا المعنى لقيل: والذين آمنوا تتبعهم ذرياتهم.
فعطف الإتباع بالواو يقتضي أن يكون المعطوف بها قيدا وشرطا في ثبوت الخبر، لا حصوله لكل أفراد المبتدأ.
وعلى هذا يخرج ما رواه مسلم في صحيحه ٤ عن عائشة قالت: أتي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بصبي من الأنصار يصلي عليه: فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا، لم يعمل شرا، ولم يدر به ٥.
قال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله
خلق الجنة، وخلق لها أهلا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم.
وخلق النار، وخلق لها أهلا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم".
فهذا الحديث يدل على أنه لا يشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة، لكن الشهادة للمعين ممتنعة؛ كما يشهد للمؤمنين مطلقا أنهم في الجنة، ولا يشهد لمعين بذلك إلا من شهد له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.
فهذا وجه الحديث الذي أشكل ١ على كثير من الناس، ورده الإمام أحمد وقال: لا يصح، ومن يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؛ ٢ وتأوله قوم تأويلات بعيدة.
المذهب الثامن: أنهم يمتحنون في عرصة ٣ القيامة، ويرسل إليهم هناك رسول وإلى كل من لم تبلغه الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه أدخله النار.
وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار.
وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها، وتتوافق الأحاديث، ويكون معلوم الله -عز وجل- الذي أحال عليه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حيث يقول: "الله أعلم بما كانوا عاملين" يظهر حينئذ، ويقع الثواب والعقاب عليه حال كونه معلوما خارجيا ٤ لا علما مجردا، ويكون النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قد رد جوابهم إلى علم الله فيهم، والله تعالى يرد ثوابهم وعقابهم إلى معلومه منهم.
فالخبر عنهم مردود إلى علمه، ومصيرهم مردود إلى معلومه.