لا، وعلى قول من فسر القدرة بالسابقة، والقدرة المقارنة فتكون الاستطاعة المنفية هنا هي القدرة المقارنة للفعل ﴿وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ [الكهف:101]، والآية الأخرى ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:20]، فالاستطاعة المنفية هي القدرة، يعني: ما كانوا يقدرون سمعاً وقت الاستماع، وما كانوا يستطيعون سمعاً وقت الاستماع، فنفى القدرة المقارنة لا القدرة التي يحصل بها التثبيت، هذا على قول من فصل في القدرة، وقول جمهور السلف وهو التفسير المشهور عند الأئمة: إن النفي في الآيتين ليس هو نفي القدرة التي يحصل بها التثبيت، ولا القدرة المقارنة، إنما فيه إثبات مشقة ذلك عليهم؛ لفساد قصودهم وإراداتهم وانحراف قلوبهم، فأصبحوا لما في نفوسهم من الفساد ولما في إراداتهم من الانحراف؛ لا يستطيعون سماع الحق، ولا إبصاره، ولا الأخذ به، وأما على قول من يقول بالقدرة المقارنة فإنه يفسرها بقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:20].
ثم اعلم -بارك الله فيك- أن الأدلة دلت على هذين النوعين من الاستطاعة، وأن الاستطاعة التي تسبق الفعل هي التي يقترن بها التثبيت.
يقول المؤلف: (والاستطاعة التي يتعلق بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به) يعني: أنها ليست منه، إنما هي من الله عز وجل، فهو الذي وفقه إليه (فهي مع الفعل) يعني: مقارنة له، وهي المنفية في قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:20]، (وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع)، يعني: القدرة، (والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب)، وأهل السنة والجماعة يثبتون هذا وهذا، ثم قال: [وهو كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286]] أي: إلا ما تسعه وتقدره وتطيقه، فالتكليف المنفي هنا هو التكليف السابق للفعل وليس المقارن له.