اعتقاد أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء والرد على المعتزلة والقدرية في ذلك
ثم بعد أن أثبت عموم مشيئة الرب سبحانه وتعالى لكل شيء، وأنه لا خروج لمشيئة العبد عن مشيئة الله عز وجل؛ قال رحمه الله: [يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً] جل وعلا، وفي هذه العبارة الرد على المعتزلة والقدرية الذين قالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه، فالهدى والضلال ليس من فعل الله عز وجل ولا من مشيئته ولا من إرادته، إنما هي من مشيئة العبد وإرادته وفعله المستقل عن الله جل وعلا.
فقوله: (يهدي من يشاء) يرد بذلك على المعتزلة والقدرية الذين قالوا: إن الله لا يخلق فعل العبد، بل أفعال العباد خارجة عن قدرته ومشيئته وإرادته سبحانه وتعالى، ثم كيف يفسرون الهداية المذكورة في الكتاب؟ يفسرون الهداية المذكورة في الكتاب بأنها هداية البيان والإرشاد والدلالة، فيحملون كل آية أضاف الله فيها الهداية إليه على أنها هداية بيان وإرشاد ودلالة، وهذا لا إشكال أنه تحريف للكلم عن مواضعه، فإن الآيات التي فيها أن الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء، تشمل هداية الدلالة والإرشاد والبيان، وتشمل هداية التوفيق للعمل، فإنه إذا لم يوفق الله جل وعلا العبد للعمل فإنه لا إصابة في عمله، ولا توفيق له.
ومما يدل على أن الهداية المضافة إلى الله جل وعلا تشمل هداية التوفيق للعمل قول الله جل وعلا فيما ذكره في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:56]، فالهداية المنفية عن النبي صلى الله عليه وسلم هي هداية التوفيق والعمل، وأما الهداية المثبتة لله عز وجل فهي هداية الإرشاد والدلالة والبيان وهداية التوفيق إلى العلم.
فقوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً) أي: أن الهداية منه سبحانه وتعالى فضلاً ومنة على العبد، وهذا فيه الجواب عن