الثالث؛ لأن جبريل هو الذي نزل بالقرآن، قال الله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:5]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:102]، فالذي نزل بالقرآن جبريل عليه السلام.
وأرفع هذه الأنواع هو النوع الثاني الذي خص الله به موسى عليه الصلاة والسلام، وهو أن يكلم الله الرسول من وراء حجاب، ثم النوع الثاني الذي هو آخر المذكورات في الآية، وأقلها وأدناها درجة هو النوع الأول الذي ابتدأ به ذكر أقسام الوحي في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى:51]، وهذا لا يختص بالأنبياء كما تقدم.
والإعلام الخفي لا يلزم منه أن يكون كلاماً، ومنه قوله تعالى للنحل في إطلاق الوحي على غير الكلام، نحن لا ندري هل للنحل لها لغة كلمها الله بها أو لا؟ وهناك شيء أوضح من هذا في قصة زكريا: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران:41] ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم:11]، هنا أوحى إليهم بغير الكلام؛ لأن الله أخذ عليه العهد بأن لا يكلم الناس، فهذا دليل على أن الوحي الخاص يكون بغير التكليم، ولذلك الوحي والتكليم بينهما عموم وخصوص، فقد يكون الوحي بالتكليم وقد يكون بغيره، والكلام قد يكون وحياً، وقد لا يكون وحياً.
والقسم الثاني من أنواع الوحي: ما خص الله به موسى عليه السلام وهو التكليم من وراء حجاب.
والثالث: الوحي بإرسال الرسول لتبليغ الوحي.
ثم قال: [وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً] الضمير يعود إلى القرآن، أي: صدق القرآن المؤمنون، (على ذلك حقاً) أي: على الصفة التي تقدمت بأنه كلام الله عز وجل: (منه بدا بلا كيفية قولاً وأنزله على رسوله وحياً).
وقوله: (حقاً) أي: من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل بل صدقوه على ما دلت عليه هذه الألفاظ من أنه كلام الله حقيقة.
قال رحمه الله تأكيداً لما سبق: [وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة]، وهذا فيه الرد على طوائف الضلال ممن قال: إن القرآن مضاف إلى الله إضافة خلق، وممن قال: إنه عبارة عن كلام الله، وممن قال: إنه حكاية عن كلام الله.