كيف يهدي فلاناً ولا يهدي فلاناً؟ نقول: الهداية فضل الله ومنته ورحمته وهو جل وعلا أعلم بمحال الفضل من غيره، فإن الله سبحانه تعالى يمن على من يشاء من عباده لعلمه بأن الممتن عليه بالهداية المتفضل عليه بالاستقامة أهل لذلك، أي: أنه يستحق ذلك، وأنه صالح لهذا، قال الله سبحانه وتعالى في جواب المعترضين على الرسل في أنهم خصوا بالرسالة: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:124]، الله سبحانه وتعالى جعل الفضل في محله، وجعله لفضل الرسالة في الرسل لعلمه بأنهم أهل لها.
قال ابن القيم رحمه الله: والله جل وعلا أعلم بمحال الفضل في الرسل وأتباعهم، فإن الله سبحانه وتعالى أعلم بالمهتدين كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:56] أي: أعلم بمن يستحق الهداية فيوفقه إليها وأعلم بمن يستحق الاستقامة فيوفقه إليها، وهذا معنى قوله رحمه الله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً) أي: الهداية إلى الصراط المستقيم توفيقاً وعملاً، ويعصم من المعاصي ويعافي من الذنوب والخطايا فضلاً منه سبحانه وتعالى.
قوله: (ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً) أي: عدلاً، فهو جل وعلا لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ما منعهم الله جل وعلا الفضل وهم أهل له، بل الأمر كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:5]، فإنهم لما استحقوا الزيغ أضلهم وخذلهم وخلى بينهم وبين أنفسهم؛ ولذلك اعلم أن كل معصية تقع فيها فإنها من خذلان الله جل وعلا؛ لأنه خلى بينك وبينها، ولو أن الله جل وعلا أكرمك لعافاك وعصمك، وهذا معنى قوله رحمه الله في هذه العبارة: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً).