نعم؛ لأن انتسابه إلى هذه البدعة المغلظة لا يسوغ الحكم عليه بالكفر عيناً؛ وفرق بين أن نقول: الجهمية كفار، وبين أن نقول: هذا كافر، لأن المسألة فيها تفريق واضح بين عند أهل السنة والجماعة، فرق بين التكفير العام وبين الحكم بالكفر على المعين، فيصلى على من كان من أهل الإسلام ولو كان من أهل الملل.
يقول: [ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً] أي: لا نشهد ولا نحكم لأحد من أهل القبلة، وتقدم تقييد هذا الإطلاق بمن شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بجنة أو نار، فمن دلت النصوص على أنه من أهل الجنة فهو من أهل الجنة، أو هو من أهل النار فهو من أهل النار، ومن عدا من دلت عليه النصوص فإننا نمسك عن الشهادة له؛ لأن الشهادة له بجنة أو نار لا تنفع.
وقوله: [لا ننزل أحداً منهم] أي: من أهل القبلة، وغير أهل القبلة هل ننزلهم النار؟ الجواب: ظاهر عقد أهل السنة والجماعة -وصرح به بعضهم- أنه لا يشهد للكفار بالنار على وجه التعيين، أما على وجه العموم فكل كافر في النار، لكن على وجه التعيين لا نشهد لمعين بالنار إلا من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول: [ولا نشهد عليهم بكفر، ولا بشرك، ولا بنفاق] لأن هذه أحكام مبنية على نصوص، فلا نشهد عليهم بكفر، ولا بشرك، ولا بنفاق؛ ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، يعني: من الشرك والكفر والنفاق، ويجب فيما إذا ظهر منهم شيء من ذلك أن نقيم عليهم الحجة، وأن نبين لهم الخطأ، فإن أصروا عليه ولم يرتدعوا عن الكفر أو الشرك أو النفاق فعند ذلك حكمنا لهم بما تقتضيه أحوالهم وأفعالهم، لكن بعد إقامة الحجة، وبعد البيان والتوضيح.
يقول رحمه الله: [ونذر سرائرهم إلى الله تعالى] أي: نكل سرائرهم إلى الله تعالى؛ لأن السرائر لا سبيل إلى معرفتها، ولا إدراك ما فيها، فإنها خفايا مستورة لا يعلمها إلا الله جل وعلا؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:7]؛ فالسر من علمه سبحانه وتعالى ليس من علم غيره، ما أكنته القلوب وأخفته الأفئدة وأسرته الضمائر علمه إلى الله جل وعلا، ولا يكشف ولا يتبين إلا يوم تبلى السرائر، فيجب ترك السرائر إلى الله؛ فالبحث في النيات والمقاصد أمره إلى الله جل وعلا ليس إليك، لكن من ظهر منه أمر عاملناه وحكمنا عليه بما ظهر منه، لا بما قصده، ما لم يعتذر بأمر يوجب رفع الحكم عنه.
ذكرنا أن كلام المؤلف رحمه الله يشمل كل المبتدعة الذين لم نعتقد كفرهم، أما من كان كافراً فإنه لا يصلى عليه، فقوله: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم] هذا يشمل كل من لم يكفر ببدعته، ولا فرق بين أن تكون البدعة مكفرة وبين ألا تكون مكفرة، بمعنى: أنه قد تكون البدعة مكفرة، ويكون القول كفراً، لكن لا نحكم على القائل بأنه كافر، فهنا يدخل في عموم قوله: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم].
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في حكايته للصلاة خلف المبتدعة والتفصيل في ذلك، وقال: ويدخل في هذا الجهمي والرافضي، وذكر في موضع آخر: أنه لا يصلى خلف من لا يرى الجمعة والجماعة كأئمة الرافضة، فالمسألة على عمومها في كلام المؤلف رحمه الله: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم]، ولا يعني هذا أن يتقصد الإنسان الصلاة على هؤلاء، أو يطلب الصلاة عليهم، ولا يخالف هذا ما قرره أهل السنة والجماعة من هجر المبتدع، وقد نقل عن الإمام أحمد رحمه الله قال: لا أشهد جنازة جهمي ولا رافضي، ومن أحب أن يشهدهم فليشهد.
وهذا يدل على أن المسألة فيها خيار، وأنه للإنسان أن يختار ألا يصلي ع